 نصوص أدبية

محمد الدرقاوي: لُحمَة..

محمد الدرقاويالتفصل الثالث والأخير من قصة إنغماس

أن تهاتفه يطو رغم علمها بعزمه على السفر، بعد أن قضيا أمس يوما ممتعا معا، أمر يوحي بالقلق خصوصا ويطو متعودة أن تبعث له رسالة على الوات ساب قبل استعمال الهاتف..

أتاه صوتها خافتا متثاقلا كهمسات الأنين، تجاهد على تبليغ ماتريد..

ــ مابك يطو؟

بسرعة ترد: لا شيء، فقط كنت نائمة، أنا بخير..

لفته بعض السكينة وهو يرد رغم ما ظل يسري في نفسه من هواجس:

ـ خيران شاء الله، ناديا بخير؟

ـ فقط اشتقت اليك، واليك تملكتني رغبة في غذاء معك.. لكن تذكرت سفرتك؛ المهم تسافر وتعود الي بالسلامة..

ـ بسرعة حبيبتي نصف ساعة وأكون عندك، أجدك بالباب..

ـ لا، لا، سفرك أولا اذا كان أكيدا؟..

ـ أنت أوكد من سفري أؤخره الى غد..

بعد عشر دقائق تصله رسالة على الواط ساب:ناديا تصر على ان تكون معي، ألا يقلقك هذا؟

كتب ردا: ناديا حفيدتنا بضعة منا، كيف اقلق؟ !!..

رسالة أخرى من ناديا تصله: فضلت أن أترك عملي وآتي مع جدة، فقد قضت ليلة سيئة وحالها لا يطمئن(بيني وبينك )..

كانت يطو في المقعد الخلفي داخل سيارة ناديا، وقد أسندت ظهرها بتراخ وكأنها ترتاح من تعب، أركن سيارته، وبادر اليها بطلب من ناديا التي شرعت مازحة تقلد صوت فقيه:

ـ اركب معنا فلن تكون من السائقين..

ارتمت عليه يطو وكأنها مأخوذة بلهفة غياب قد طال ، وجه ممتقع يكسوه التعب:

ـ مابك يطو؟ طمنيني !!..

ـ لا شيء، توحشتك وصافي..

أرخت راسها على كتفه وطوقته بذراعيها، فضل أن يصمت، لثم جبهتها؛كانت باردة تنز بعرق خفيف، وضع يده على خدها فبادرت الى تقبيل يده..

"ترى ما بها؟تركها أمس بخير فأي شيء داهمها"؟ بسرعة شرعت تتنفس كأنها قد غفت، هم أن يسأل ناديا لكنه فضل الصمت بعد اشارة منها...

وصلوا مطعما على الشاطئ تعودوا الأكل فيه، كان النوم قد استغرق يطو متوسدة صدره ففضل ألايتحرك حتى لا تصحو، شرع يسترجع كلمات ناديا في رسالتها أن جدتها قد قضت ليلة سيئة..

همست له ناديا من مقعدها:

عاودتها أزمة قلبها ليلا، اتصلت بطبيبها فأوصاني الاكتفاء بما لديها من دواء واستعمال بخاخة التنفس.. تصر ألا أخبرك بمرضها..

بعد نصف ساعة تقريبا، تصحو يطو ومحياها مشرق ببسمة ساحرة ، قبلته وقالت:

الحمد لله !!.. ارتحت، كنت في حاجة الى نومة بقربك..

وهم يغادرون السيارة الى المطعم رن هاتف ناديا تدعوها مساعدتها لزبناء في العيادة، تركتهما وعادت..

فضل أن يتمشى مع يطو قليلا على الشاطئ قبل الغذاء، مستغلا راحتها بعد نومة السيارة. تتشبث بذراعه كشابة في العشرين، تلتصق به جذلى يغمرها السنا والحبور، وكأنها أسقطت عن نفسها وقار أنثى تجاوزت الستين، وللحقيقة كان يغبطها على سلوكها، فالتي معه لم تعد الأنثى التي تتوجس نظرات الفضوليين، كان ينتشي بهذا السلوك من أنثى مزقت طوق التقاليد، صانت حبا وعنه ذادت أزيد من خمسين عاما بلا كلل ولا محاولة تغيير قناعاتها، كل خطوة وهو يتمشي ملتصقا بها، يلف عقله في دوائر حلزونية، مسترجعا كيف قطع أبوها حبل علاقته بها؟ كيف انسلت من جمراته، قاومت وصمدت تتحدى الزمان والناس، فنجحت فيما فشل هو فيه، فتزوج وأنجب، ورغم ذلك لم يسمع منها عند اللقاء عتابا، فلحظة اللقاء والعودة كانت لديها لحظة اشراق تعيد لها شبابها، وتطوي عن عقلها كل معاناة قاستها ولا تحب ان تجترها حتى لا تحسسه بالذنب او تلومه، كانت تؤمن أن ما مر مجرد زمن لم يستطع فيه أي منهما أن ينفلت من حِجره أو يتحكم في أسوار حياته، اذ لم يكن يعيشا نفس ما يحييانه اليوم من حرية واستقلالية، وغير قليل من التحدي؛ وهي تعتز بما تحرك منه في بطنها لأنه نفسه تحدٍّ ولحمة رابطة هي السبب الذي اعادهما لبعضهما..

اثناء الغذاء قالت له: تصور لو أنتَ التقيت بناديا ولم أكن على قيد الحياة، ألا تأخذك شهقة شوق وغصة الم؟

أحس كأنها تريد أن تقول:"غصة ألم وشهقة ندم "ناولها قطعة سمك في فمها وهو يقول: أنا مبروك يطو، وقد أراد الله الا أموت واعماقي تغلي باحساس الذنب نحوك، كيف انجرفنا في زمن قيم الظلام؟.فأنت الأنثى التي لم أحاول أن أنتزعها من عقلي ووجداني، وهو ما تجلى من أول لقائي بناديا..

قريبا منهما كان زوجان شابان يتناولان غذاءهما، يختلسان اليهما النظر ثم يتضاحكان، فشيخ وعجوز لايجوز لهما ان يعيشا الحياة بنفس الرومانسية التي يعيشها الشباب، وكأن الرومانسية ليست بنتا للنفس البشرية لاتعترف بالأعمار..

وهما يشربان قهوة، وصلته رسالة من ناديا على الوات ساب " متى أحببتما الرجوع فاخبراني "

لها كتب: لا تقلقي نفسك، سنأخذ تاكسي الا اذا أحببت أن يكون العشاء والسهرة على حسابك..

تبادره برد: لا تغامر، يطو جد تعبة، يلزم ان تعودا باكرا الى البيت خصوصا اذا صعد الضباب كليلة أمس..

بين حين وآخركان نوع من الذهول يتلبس يطو فتشرد، وكأن أمرا ما يبدد فكرها، تعلو صفرة وجهها ثم لا تلبث ان تستعيد صفاءها فتضحك في وجهه..

ـ مابك يطو؟ يفاجئها !!..

ترخي راسها على كتفه، تقبل عنقه وتتمسك بذراعه:

ـ لا تقلق، مجرد ألم بسيط بين كتفي، يبدو أني أخذت ضربة برد بعد حمام أمس..

ـ هل نعود؟ ما رأيك؟

تزداد به التصاقا كأنها تريد أن تخترق جزيئاته:

هل شبعت مني؟

ـ حرام عليك !..أشبع من كل لحظة قد تبعدني عنك..

في طريق عودتهما بدأت يطو تئن، ومالبثت أن شهقت شهقة كادت تسلب روحه من صدره، ثم أخذتها غيبوبة بعد أن وضعت راحتيها على فكيها تشكو ألما شديدا، بسرعة طلب من سائق الطاكسي أن يغير الطريق الى عيادة طبيبها، بادر الى ناديا بهاتف أن تلحق بهما فهي على اطلاع واف بحالة يطو وتستطيع ان تتفاهم مع الطبيب حول مايلزم فعله باستعجال..

خمسة أيام ويطو تلازم العيادة تحت المراقبة والخضوع للأشعة والتحاليل، كانت ناديا ملفوفة في قلق ابعدها حتى عن عيادتها مما أكد له الحالة الحرجة التي توجد عليها يطو..

أصرت يطو أن تنتقل الى البيت لمتابعة علاجها، فصار لا يغادر بيتها، أنثى تنغرس في أنسجته، منطعنا بآدميتها..نظراتها، نبرات صوتها تجعله عاجزا عن التخلي لحظة عنها، لا ينتقل الى بيته الا بعد أن تكون ناديا حاضرة، ورغم ذلك يحاصره ظلها كضباب رخيم لا يلبث أن يحرضه على العودة اليها..

حكت له ناديا الكثير مما عانته يطو:

ـ مذ وعيتُ، كانت تباغثني بلحظات من هستيرية تتلبسها، تتلظى بلوعاتِ فَقدٍ لا أحد كان يعرف من المفقود..

تصمت كأنها تسترجع أحداثا كم لفتها باثر بليغ:

ـ كانت تنجذب لكل من يذكر اسم فاس وأهل فاس بانتباه فتشرد أو تغيب، ويلزمها وقت طويل حتى تضبط انتباهها من جديد..

قلت لها يوما وأنا طالبة بالثانوي: الزمن جراح عظيم جدة فكيف لم يعالج ذكرياتك؟

كانت تحدق في وجهي طويلا ووجهها يتلون بصفرة: ـ تربيت بين الأمر والسوط، وعشت وانا أرى القهر يمارس على خالتي، تُسجن ويمنع عنها الزاد والماء، ويتم تهديد أمي بالطلاق اذا لم ترغم خالتي على الزواج بلا ارادتها ولا رغبتها من جندي ذميم وهي الجميلة، أغرى أبي بأرض مقابل صفقة زواجه بخالتي.. كان ابي ـ غفر الله له ـ جمرة حارقة لا يصفو له خاطر حتى يحول كل من في بيتنا القروي الى رماد، أمي رماد بضعفها وخوفها، وخالتي رماد لانه هو من رباها وينفق عليها رغم أن من خير ابيها كسب في القبيلة جمره وسطوته ، وكنت أنا في الطريق لأصير رمادا لوما إصراري على الدراسة، وحرص السلطة على تعليم إجباري لبنات القرى ولو كن كبيرات..

كانت يطو تحتاط من كل ما هو بدوي حتى ولو كان مثقفا، لان العرق دساس كما كانت تقول، والتربية تحفر بنقش؛ بعد تخرجي أتى لخطبتي شاب تاجر متعلم وميسور من نواحي أغادير، كان لطيفا أعجبني فوافقت، لكنها اعترضت قبل أن تتركني لاختياري وقالت لي: تحملي مسؤوليتك، انت راشدة وواعية.. حين سألتها ما يخيفها: لم تكشف عن الحقيقة وقالت: لو أنك جلست لحظات مع المايستروـ وكانت تقصدك ـ، يسمعك كلمات الحب وينقر على جسدك بايقاع الإحساس واللطف والتقدير لادركت معنى أن يكون الانسان متحضرا واعيا يتذوق المرأة ويعي قيمتها التي تصير بين يديه..فادركت السبب، وقد صدق حدسها من الشهور الأولى، فقد شرع يمارس سطوته فطلبت الطلاق..من يومها آمنت أن الزواج اغتيال لحرية المرأة، وحبائل من الرجل للايقاع بها، وما عاشت يطو بعزيمة المقاومة والحفاظ على أناقتها وجمالها الا لأنها كانت تحيا بحب رجل لا يعايشها، هكذا فكرت لاني لم أكن اعرفك فاقدرك مثل ما أقدرك الآن، وتقدرك جدتي...

كانت يطو لا تخجل من صراحتها رغم انها كانت لا تفصح عن الكثير، لكن جميع سلوكاتها كانت تشهد انها كانت أنثى عاشقة متيمة، دموعها اذا فاضت تصير بحيرة أوجاع حسرة على الانسان الذي هامت به ومنها ضاع.. مرّة هي الذكريات ومتوحشة حين كانت تطبق على صدرها فتمنعها عن النوم والأكل، لاترتاح الا على صورة جماعية مع تلميذات وتلاميذ القسم وهي في الوسط ضاحكة قريبة من معشوقها المايسترو كما كانت تسميك..

كانت في كندا تقتل نفسها في عملها، تصرف كل اوجاعها في ابداع كيف تجعل من العجزة أيادي فاعلة واقداما متحركة، وعقولا لا تشيخ ولا تموت، كانت تشجع كل علاقة صداقة وحب يربطها هِرم بعجوز، علاقة توثقها الإنسانية بلا مذاهب أو اعتبارات غير إنسانية ؛ كان اسم يطو على كل لسان لان صدرها كان يسع الكون بلا تمييز، فحصدت بذلك الكثيرمما حقق لنا الكرامة والعيش الرغيد، لكن في عقلها وتفكيرها لم يندثر وطن ولامات أهله، كان ذكر فاس، وأصالة فاس نبضها الحي الذي ربتني على حبه والاعتراف به، رغم أن أول لقاء لها بفاس لم يتحقق الا بعد عودتنا من كندا، قضينا أسبوعا هناك، كم تجولنا بين الدروب والأزقة، بين المساجد والآثار، بين الأولياء والأضرحة، في عقل يطو شيء ما كانت تبحث عنه باصرار دون أن تفصح أو تشرح، أما أغادير فقد كانت أملا به تعلقت، ذكرى من حديث مع حبيب قلبها، أنت يعني وقد قلتَ لها يوما: يتحدثون عن اغادير بعد الزلزال أنها صارت جنة، مارأيك نتزوج ثم أطلب الانتقال اليها، وهناك نتابع حياتنا.. حدس ظل يحرك دواخلها الى ان تحقق بلقائك من جديد، وعلى يدي في أغادير.

كان حديث ناديا شريطا ناطقا يستعيده بالمكان والزمان وحتى الرائحة، فيهز نفسه بذكرى حية وحفقان يحرك صدره وكان يطو بين أحضانة تناجيه برأي ولهفة الى أن تحيا العمر معه..

مرة أخرى تنتقل يطو الى العيادة في سيارة اسعاف على استعجال..وقد فقدت القدرة على الحركة والنطق.. فجزء من عضلة قلبها قد ضعفت..

في ليلة ظلماء، تموت يطو، تغادرالحاج في وداع أبدي ومنها لم يشبع من نظر، كانت أجمل أحلامه، أكثر من خمسين سنة وصورتها محفورة في سويدائه، نبلا ووفاء وحبا لم يبل ولم يتوان، ولم يتضبب له اثر..

وصارت ناديا تلاطم الحياة من حولها بخوف وتوجس:

ـ كيف أعيش بدونك جدة؟ من يحميني، يوجهني، ينير دروبي؟..

صار كلما احتضن ناديا وهي بضعة منه كجد الا وتبكي فقد يطو من حولها:

ـ موتها باغتني، فقلب موازيني بلا استعداد قبلي..

قال لها مرة: ألا أكفيك جدا لم تحلمي به من قبل؟

ترد: أنت قارب النجاة الذي باغتني برحمة، فاياك أن تبتعد عني يوما والا خنت عهود يطو، وعشق يطولك !!

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5774 المصادف: 2022-06-27 01:14:00


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5819 المصادف: الخميس 11 - 08 - 2022م