نصوص أدبية

نضال البدري: الأعمى

سار خلف والده شاقا طريقه بخطوات حذرة، متطلعا بوجه بليد و نظرة بانورامية، موزعا ابتسامته بالمجان على كل من كان في الباص عكس والده الذي كان يسير بخطىٍ واثقة وصدر مرتفع كشاب في العشرين من عمره.

لفت نظر بعض من الركابِ، في حين كان البعض الاخر منشغلا بالنظرِ من النافذة باتجاه الشارع. وصوت المذياع، يبث اغاني فيروز الصباحية وسط سكون واِنصات البعض منهم، وكأنهم في دارٍ للأوبرا.لم يتوقف عن الالتفات نحوهم وهو يدقق النظر اليهم حتى بعد أن جلسَ. لفت نظرهم وكأنهم في انتظار شيء ما سيحصل، وكأن نبوءتهم قد تحققت حين ارتفع صوته فجأة مشيرا بيده نحو شجرة كبيرة تطُل برأسها من حديقة احدى البنايات متسائلاً ما أسُمها ؟ أجابه والده انها شجرة وتلك المتدلية منها تسمى اغصان. ثم قال وهو يشير بيده ما أسم ذلك الصغير الذي يحط ويرتفع فوقها ؟ أجاب :انه العصفور، وذلك الاكبر حجما منه يسمى الحمام. ثم انجرف بانفعالهِ وهو يزيد من الاسئلة التي حولت الركاب من جمهورٍ مستمع الى جمهورٍ متفرج، وسط ذهول واستغراب الجميع من حديثهما ! اخذ يحٌرك رأسه يمينا وشِمالا، و ينظر بذهول الى المركبات التي تسير في الشارع حتى مر الباص من أمام بناية عالية مكونة من عدهِ طوابق، أشار اليها قائلا اليس هذا هو ما يسمى بالجبل، فجأة علت ضحكات لشابيّن مراهقين كانا جالسين خلفهما ينصتا لحِديثهما، سرعان ما توقفا عن الضحك حين التفت والده وهو ينظر إليهما بغضب.كانت هناك فتاة تراقب بطرف عينها ما يحدث، ضمت كتبها نحو صدرها و غادرت مكانها متسلله بهدوء لتجلس في الصف الاخير من الباص، نظرات الجميع لم تكف، بل تخللتها تنهدات وحسرات لم يستطع البعضٌ كتمانها، وتحديدا العجائز منهم، كانت هناك سيدة عجوز تَرقب ما يحدث رفعت يدها نحو السماء داعية للشاب ( اللهم شافيه وعافيه ) ثم مسحت وجهها بكفها قائلة اللهم امين، تأثرت سيدة اخرى بكلامها مرددة هي ايضا (اللهم امين)، ثم مررت له قطعة شكولاتة بأيدي أحد الركاب الجالسين بالقرب منه ، كان والده على وشك أن يقطع طريقة مترجلا من الباص، لكنه لم يفعل ذلك وظل جالسا عاجزا عن الكلام وسط نظرات البعض بين متعاطف ومستغرب وكأن حاله هياج اصابت الجميع، وهم ينظرون نحو والده بعيون متسائلة لن يعرف لها اجابه !.فجأة اقترب منه رجل كان يجلس بجوارهم، يقارب عمره الستين عاما يعَتمر قبعة بنية ممسكا بعكاز براس كروي انيق، على ما يبدو قد صنع من خشب الزان معتدا بنفسه وكأنه يحمل صولجانا. واضحا من هيئته انه رجل مثقف، اقترب من والدة هامسا، لديك أبن وسيم لم لا تأخذه الى أحد الاطباء قد يكتب الله له الشفاء. عليك يا أخي ان تتقي الله فيه !! التفت الاب ناظرا اليه وهو يشفق على رأيه أو تظنه مريضا ! ما يسكن عقله أكبر مما ينطقه لسانه، لو اقتربت منه ستجده يتفجر ذكاء.هي مرحلة خوف من حرب باغتته ولفته برعب وقد رأى خوفي عليه ذلك هو نوره الازلي وفرحه نفسه المتوجسة بعد أن أبصر النور.

***

نضال البدري – قاصة عراقية

 

في نصوص اليوم