آراء

صلاح حزام: العراق الغني، العراق الفقير

صلاح حزاميقال الكثير عن كون العراق واحد من اغنى بلدان العالم، وغالباً مايصدر هذا الكلام من اشخاص غير متخصصين وليست لديهم فكرة عن اوضاع باقي دول العالم.

لاحظت ان كلاماً من هذا النوع ازداد بعد العام ٢٠٠٣، عندما وصل الى الاعلام والمنابر المختلفة عدد من الاشخاص الأميين والجهلة والجياع الذين لايستطيعون المقارنة بين العراق والعالم.

الآن لنتعرف على معنى ان يكون البلد غنياً او فقيراً.

هنالك غنى بالثروات الدفينة في باطن الارض والتي قد تساوي مبالغ ضخمة، لكن ذلك لايجعل من البلد غنياً على ارض الواقع.

جمهورية الكونغو الديمقراطية، من اغنى بلد العالم بالمعادن النفيسة التي تستخدم في صنع الطائرات ومركبات الفضاء وبطاريات السيارات الكهربائية، اضافة الى مناجم الماس الكبيرة. لكن شعب الكونغو واحد من افقر الشعوب واكثرها بؤساً

حيث تسيطر عصابات ومليشيات مدعومة من دول وشركات اجنبية على اقاليم البلاد الشاسعة فيما يشبه الدول المتعددة داخل الدولة، والتي لاتستطيع عمل شيء لايقاف هذه السرقات.

اليابان ليست فيها موارد، تقريباً، لكنها دولة غنية وفي مقدمة دول العالم.

فنلندا، دولة اسكندنافية صغيرة ليس فيها سوى الاخشاب، لكنها في طليعة دول العالم في التعليم . 

سنغافورة، جزيرة صغيرة ليست لديها حتى مياه كافية للشرب ومساحتها ٥٠٠ كم مربع لكنها من ارقى الدول في كثير من المجالات.

القائمة طويلة،  التي تُثبت ان الغنى ليس امتلاك موارد طبيعية يتم بيعها وتوزيع عائداتها بما يشبه اسلوب الغنائم والأسلاب بين جيوش من الموظفين العاطلين واللصوص الفاسدين والمؤسسات الديكورية التي لاداعي لها والتي تستنزف عوائد النفط، مثل حالة العراق.

الغنى يحتاج الى وجود سلطة مخلصة مؤمنة بالتنمية والبناء وبتعليم وتدريب القوى العاملة واستثمار موارد البلد على النحو الامثل  وتثقيف الناس على اهمية العمل المنتج الشريف.

انها تحتاج الى بناء سلطة القانون وعدم حماية من يقصّر في واجباته .

الغنى، هو وجود شعب منتج وجاد يعتمد على نفسه ويحترم اصول العمل ويخلق الفائض الذي يأخذ منه اجوره.

اذا حصل ذلك وتصاعد النمو الاقتصادي بمعدلات عالية تفوق معدل نمو السكان، واذا اقترن ذلك بقدر مناسب من العدالة في توزيع ثمار التنمية، يتحسن مستوى دخل ومعيشة الافراد.

وعندما يصل مستوى الدخل الى مايغطّي الحاجات الاساسية ويبلغ مستوى تغطية سلع وخدمات الرفاه وتمكين الناس من السكن في بيوت لائقة وارسال أبنائهم الى مدارس راقية والحصول على خدمات صحية لائقة والتمتع ببنية تحتية سليمة وعصرية والعيش في بيئة نظيفة،وان يتمتع الناس بنظام للنقل والاتصالات ملائم ومريح،  واذا ساد القانون وشعر الناس بالأمان، حينذاك يقال ان البلد غني.

الغنى ليس ان يحصل ٢٧ ألف شخص على شهادات مزورة من دولة معينة، ثم يتظاهرون قاطعين الشوارع للمطالبة بتعيينهم في التعليم العالي كاساتذة ( لكي يكتمل الانهيار) !!

الغنى لايعني ان يتظاهر المئات من خريجي الهندسة قاطعين الطريق امام مصفى صغير لايتّسع لهم مطالبين بالتعيين في ذلك المصفى !!

بموجب ماتقدم، فأن العراق بلد فقير من الناحية الواقعية وبموجب حقائق الحياة المؤلمة التي يعاني منها الناس.

ان يحصل شخص على مبلغ كبير سواء من خلال الفساد والرشوة او العمل التجاري او راتب او تقاعد لايستحقه، ويعود الى بيته عديم الكهرباء وعديم الماء الصالح للشرب وبدون صرف صحي وبدون شوارع نظيفة ومعبّدة وبدون تعليم مناسب لابنائه ( كأن لايحصلون على كتب ويجلسون على الارض في المدرسة)، ويقضي ساعات في الزحام للعودة الى بيته وسط دخان خانق وضجيج قاتل وفوضى تبعث على السأم، اذا كان يعيش هكذا فهو فقير جداً حتى لو سرق كل اموال العالم.

تثقيف الناس من قبل بعض الأدعياء مثل بعض السياسيين الحمقى والخبراء المنافقين الجهلة، بثقافة الغنى المزعوم،فان ذلك يخلق لدى المجتمع وهم الغنى المجاني والرفاه الخرافي.

سوف يستمر الناس بالمطالبة والاستجداء والبحث عن نصيب من الغنيمة بدون جهد حقيقي.

وسوف يستمر بعض السياسيين بتوزيع المناصب والوظائف بالآلاف على من هب ودب لغرض كسب القواعد والانصار، دون اكتراث بمالية الدولة وحاجات التنمية.

حالياً يأتي معظم الموازنة من ايرادات النفط، وحتى الجزء الذي يأتي من مصادر غير نفطية، هو يعتمد على انفاق الدولة للموارد النفطية .

ايرادات منافذ الاستيراد سوف تتوقف معظمها عندما لاتنفق الدولة، اذ لاتوجد قوة شرائية لدى المجتمع تخلق طلباً على الاستيرادات..

كذلك، بدون دولارات النفط لايستطيع العراق استيراد شيء اصلاً، وبالتالي لاتوجد ايرادات جمركية.

كما أن الكثير من النشاطات في كل القطاعات سوف تتوقف او تصاب بالضعف بدون استيراد مستلزماتها من خلال دولارات النفط.

اين هو الغنى؟

هل هو قطاع صناعي ناجح وكفوء،وديناميكي يوفر فرص عمل وفائض اقتصادي؟

أم قطاع زراعي منتج ويستخدم الاساليب الحديثة مع شبكات ري عصرية تقتصد بالمياه وتحمي التربة من التغدّق وتحمي المخزون المائي؟

أم انه قطاع خدمات نشيط يخدم باقي القطاعات ويخلق فرص عمل؟

الآن نحتاج الى الواقعية وليس المبالغة والكذب الذي يمارسه اشخاص طارئون لامصلحة لهم في تطور العراق،

يحتاج الناس الى ادراك حقيقة الأمور دون تزوير وخداع ووعود مستحيلة التحقق.

 

د. صلاح حزام

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5587 المصادف: 2021-12-22 02:23:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م