قضايا

عبد الكريم بلحاج وعلم النفس الاجتماعي بالمغرب

3675 عبد الكريم بلحاجنحو مشروع تأسيس عربي للأبحاث والدراسات النفسية الاجتماعية والمعرفية

توطئة

ينتمي أستاذ الأجيال الدكتور عبد الكريم بلحاج إلى جيل التأسيس التجريبي للمسعى العلمي للأبحاث والدراسات النفسية الاجتماعية والمعرفية بجامعة محمد الخامس بالرباط. وقد راكم خبرات مهمة ومنجزات متنوعة أثث بهما حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية بالوطن العربي. وهو الذي تولى مَهمةَ تدريس علم النفس في فترة كان فيها هذا العلم جزءا من الفلسفة، وبفضل جهوده وبمعية ثلة من زملائه استطاع هذا العلم أيضا أن يُحقِّقَ استقلاليته ومكانته مقارنة بتخصصات علمية أخرى تنتمي إلى حظيرة العلوم الإنسانية والاجتماعية، إن على مستوى التأسيس العلمي والأكاديمي أو على مستوى الممارسة والتطبيق داخل المجتمع المغربي. وفي ضوء هذه التوطئة وما تستدعيه من نظر وتبيُّن، يمكننا بسط التأملات الآتية:

ماهي الأسس والمنطلقات التي يتأسَّسُ عليها المشروع العلمي لعلم النفس الاجتماعي عند عبد الكريم بلحاج؟  وإلى أي حد يمكن الحيث عن منظور معرفي معاصر في المشروع العلمي لعبد الكريم بلحاج حول علم النفس الاجتماعي وقضايا الحياة اليومية للمجتمع العربي عامة والمجتمع المغربي على وجه الخصوص؟

1- عبد الكريم بلحاج وعلم النفس الاجتماعي: المقاربة والمنظور

اتجه عبد الكريم بلحاج إلى طرح ظواهر التفسير الاجتماعي والممارسات اليومية، باعتبارها أفقا لعلم النفس الاجتماعي المعاصر بالمغرب. ويمكن تأريخ بداية هذا المشروع الدؤوب خلال أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن العشرين، وذلك عندما أنجز أطروحته الأولى لنيل الدكتوراه تحت إشراف الأستاذ وعالِم النفس الاجتماعي جان بيار دوكونشي بجامعة باريس سنة 1992، وموضوعها: "تفسير أسباب الفشل والنجاح في البكالويا: الاستراتيجيات والبُنى السببية عند عينة من الشباب المغاربة المتمدرسين".[1]

وتقدم الأطروحة محاولة جادة لتبييء النظريات الأنجلوسكسونية للعزو السببي Attribution causale إلى الثقافة العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص، وذلك عن طريق ربطها بنواتها الأساس ألا وهي سيكولوجية الحس المشترك Psychologie du sens commun . وتروم نظريات العزو التعرف على الاستراتيجيات التي يستخدمها الأفراد في إطار تفاعلهم مع الوقائع والأحداث والظواهر، فضلا عن الكيفية التي يتم اعتمادها من لدنهم في تفسير الظواهر، بحيث يستحضر الباحث فيها المنظور النفسي الاجتماعي والمعرفي. وهو المنظور الذي يستظل بمظلته الدارسون لاستراتيجيات السببية لدى الأفراد في علاقتها بالبنى الاجتماعية والثقافية.

وقد عالج عبد الكريم بلحاج في أطروحته نظرية العزو السببي من خلال تطبيقها التجريبي على عينة من الشباب المغاربة المتمدرسين. والأطروحة أيضا عبارة عن مقاربة نفسية اجتماعية ومعرفية، هدفها العلمي هو دراسة الاستراتيجيات التي تعتمدها العينة المدروسة في تفسيرها لأسباب الفشل والنجاح في البكالوريا. وكانت هذه الدراسة في فترة جد هامة دينيا وعقائديا ارتبطت بها امتحانات الباكالوريا وهي صوم رمضان، وما يحمله هذا الصوم من دلالات روحية واجتماعية من شأنها أن تكون لبنة أساس من لبنات استراتيجيات التفسير السببي لدى العينة.

ولفهم الاستراتيجيات والبُنى السببية، درس الباحث النسق الديني بوصفه إطاراً مرجعياً تنتظم داخله الظاهرة النفسية الاجتماعية، وهو أيضا مناخ عام يحيط  بسببية التفسير عند العينة المدروسة. إنه بتعبير آخر فضاء نفسي اجتماعي يساهم في تشكيل الهوية الاجتماعية للعينة، وهو ينتمي إلى الإطار العام للنسق الديني الذي درسه الباحث في تشكلاته المختلفة والمتباينة، ومن بينها: مفهوم الإسلام، أركانه، العقيدة، الشعائر الدينية، المذهب المالكي، الصوم باعتباره سلوكا اجتماعيا، ومسألة الجبر والاختيار في الإسلام...

وبالإضافة إلى البيئة الاجتماعية المغربية، والعلاقات الاجتماعية للأفراد، والجماعات، وظاهرة الصوم، والنسق التربوي والتعليمي بالمغرب، ونظام الامتحانات الاشهادية للبكالوريا...

اعتمد الباحث على المنهج التجريبي La méthode expérimentale، ولكون دراسته تندرج ضمن الوسط المدرسي، فقد قام بتطبيق المقياس النفسي في شكل استمارة تروم دراسة أداء العينة التي تتكون عينة البحث من 160 تلميذا متمدرسا بالثانوي التأهيلي لولاية الرباط موزعة بين الجنسين: الذكور والإناث، وتتراوح أعمارهم بين 16 و20 سنة. قام الباحث بدراسة هذه العينة وطبّق عليها أدوات البحث خلال مرحلتين: الأولى في الوضعية العادية (قبل رمضان)، أما الثانية فهي خلال وضعية الصوم برمضان. هذا وبالإضافة إلى ثمان مجموعات، تتكون من 20 تلميذا أخضعها الباحث للدراسة التجريبية. ومن نتائج هذه الأطروحة نذكر:

هناك ميل Tendance لدى أغلبية التلاميذ إلى إعطاء قيمة للنجاح أكثر من الفشل، ويظهر هذا من خلال الأحكام Jugements المنسوبة إلى أسباب الأداء.

عرف النجاح نقطا عالية لدى العينة في درجات سلم الاتفاق مع العبارات، سواء تعلق الأمر بالدورة العادية قبل رمضان أو خلاله.

إن غياب رمضان أو حضوره لدى العينة يتبدى في شكل تمايز يرتبط بالأحكام السببية المُدلى بها.

هناك تمايز بين أسباب النجاح والفشل، ويتجلى ذلك في الأهمية التي تُعطى للنجاح من طرف العينة أكثر من الفشل، بحيث تبيّن للباحث صدق الفرضية التي انطلق منها والمتعلقة بهذا التفسير. فحضور هذه الأهمية في تفسير النجاح يجد موقعه داخل الحس المشترك، وكما يتضح ذلك على مستوى ميل العينة إلى ربطه بالحظ، إنْ على مستوى الأسباب الداخلية أو الخارجية المُدركة من طرفها. وفي مقابل ذلك نجد ربط الإرادة الإلهية والقدر بالأسباب الخارجية المفسّرة للفشل أكثر من النجاح.

تبيّن في عملية تحليل الأجوبة السببية للعينة أن هناك بعدان رئيسيان تتكون منهما هذه السببية: بعد كمي وآخر كيفي، وهما معا يندرجان ضمن الاتجاه التفسيري العام بناء على العوامل الأدائية. فكانت هذه العوامل ذات ارتباط قوي بما هو اجتماعي وبمرجعية الضبط المُتبع للسلوك بناء على المناخ التأثيري العام لفترة الصوم، وهو نفس التأثير الذي ارتبط بالأحكام الصادرة عن أداء العينة للنجاح والفشل باستحضار الحظ وسوء الحظ.

إن الاستراتيجيات التي تُوظّفها العينة في تفسير النجاح والفشل، هي عبارة عن أنموذج للسيكولوجيا البسيطة أو الساذجة La psychologie naïve؛ إذ تدل على الطريقة التي تتفاعل بها العينة مع السببية  والميكانيزمات الاستدلالية السائدة داخل المجتمع المغربي. فطبيعة تفسير النجاح والفشل في الفترتين (قبل وبعد الصوم)، هي أحكام تُدلي بها العينة بناء على ضبط السلوك وفق الممارسات الاجتماعية اليومية التي تحضر وبقوة في صميم الواقع السيكولوجي المُعاش.

يتم عزو الفشل من طرف العينة من خلال صعوبة الامتحان، أما عزو النجاح فيعود بالدرجة الأولى إلى سهولة الامتحان. بيد أن الأسباب الداخلية المنسوبة إلى إرادة العينة في النجاح فإنها تتخذ درجة أقل في من البنية السببية العامة، لتظهر في شكل متناسق أقل من أسباب الفشل التي تُعزى إلى المعتقد Croyance وإلى السببية الخارجية المنسوبة إلى البيئة الاجتماعية.

أنجز الباحث عبد الكريم بلحاج سنة 2004 أطروحة ثانية لنيل دكتوراه الدولة في العلوم الإنسانية، تخصص علم النفس الاجتماعي بجامعة محمد الخامس بالمغرب، وموضوعها: "التفسير الاجتماعي لسببية السلوك والوقائع الشخصية".[2] وتنبني هذه الأطروحة على مقاربة نفسية اجتماعية ومعرفية لسيرورة التفسير الاجتماعي ولمظاهر تعاطي المجتمع المغربي مع العزو والسببية، وذلك في إطار المعالجة التي يقوم بها الأفراد للسلوكات والوقائع. واستحضر الباحث في هذه المقاربة نظريات التفسير الاجتماعي لعلم النفس الاجتماعي المعاصر، تلكم التي تؤطر المنظور العلمي للسيرورات السوسيومعرفية. وكذلك استحضر نتائج أطروحته الأولى التي سبق الإشارة إليها. ومن المفاهيم الأساس التي يقوم عليها الإطار النظري للأطروحة، نجد: المعرفة الاجتماعية، والتمثلات الاجتماعية، والإدراك الاجتماعي، والحس المشترك، والسيكولوجيا البسيطة أو الساذجة، ومركز الضبط Locus of control.  كما تطرق الباحث في الدراسة التجريبية إلى ثلاثة محاور رئيسة، وهي:

أشكال التفسير والسببية؛

سيرورة العزو؛

تمثل مركز الضبط Locus of control.[3]

وارتبطت هذه المحاور حسب مقاربة الأطروحة بمختلف مظاهر الاشتغال السوسيومعرفي، وبالممارسات المتمثلة في التعاطي السببي مع الوقائع والأحداث، حيث تساءل الباحث عن مظاهر تفاعل المجتمع المغربي مع السببية ومدى تمثلها لدى العينة المدروسة. وتساءل أيضا عن واقع استخدام التفسير ضمن الممارسات الاجتماعية، ومدى قابلية أفراد العينة إلى تسويغ الأسباب وممارستها في مجرى حياتهم اليومية. فضلا عن مجموعة من القضايا ذات الارتباط بإشكالية البحث، ومنها:

نمط الاستدلال الاجتماعي لسيرورات التفسير والعزو السببي؛

مدى حدود مصدر الضبط ومرجعيته؛

خصائص الاستدلال الذي تتبعه العينة داخل النسق الاجتماعي والثقافي للمجتمع المغربي.

استنتج الباحث أن التفسير يتكوّن لدى العينة باعتباره نشاطا معرفيا له واقعه في النظر والممارسة؛ وله أيضا مفرداته التي تعبّر عن هذا النشاط، وتعمل على تفعيله في التعاطي الذي يتسم بالعفوية والديمومة، حيث كانت صيغ التعبير تتمايز في المعالجة السببية للسلوكات والوقائع. أما الوجهات التفسيرية فهي أيضا تتسم بالتمايز، على اعتبار أن الأسباب الخارجية هي إحالة أولى بالتقدير لما ستؤول عليه الأسباب الداخلية. وبالنسبة لأشكال التعاطي مع التفسير والسببية، فهي تغطيها فروق في التعبير باستحضار جنس العينة، وكذلك متغيرات المواقف والموضوعات، وطبيعة انخراط الفئات التي تتشكل منها العينة.

إن الوجهة الداخلية لعزو أسباب النجاح تبقى بمثابة التفسير السائد، وهي تمثل مؤشرا مهما في تقدير واعتبار العوامل الذاتية المرتبطة بالفرد. وهو نفس التفسير الذي تتقاسمه فئات الذكور والإناث، لما يتضمنه هذا التعبير من تمايز بين الجنسين، مما يؤكد الفرضية التي انطلق منها الباحث. وبالتالي فإن العزو المنسوب إلى الوجهة الداخلية يبقى مظهرا استراتيجيا من مظاهر التفسير لدى العينة.

وفيما يخص عزو الفشل، فقد انطق الباحث فيه من فرضية مفادها أن الاتجاه الذي تتخذه العينة يتبدى في التعبير الدال عن سببية لها وجهة خارجية، وبكيفية أقوى من الوجهة الداخلية. كما توقع الباحث أن يظهر هذا الاتجاه في شكل تمايز نسبة إلى جنس العينة، وباستحضار قيم مرتفعة لدى الإناث أكثر من الذكور.

وفي هذا الإطار توصل الباحث إلى النتائج الآتية:

يرتكز عزو أسباب الفشل لدى العينة على وجهة خارجية، وذلك بالإحالة على البيئة الاجتماعية التي تتعدى ذات الفرد، وهو عزو يجد حضوره وتجلياته في التعاطي السببي المحايث للمنطق الاجتماعي للسببية. فيتم على منواله تفسير الفشل الدراسي بالتفاعل معه من جهة، ومع مشكلاته وتداعياته من جهة ثانية.

أكدت النتائج صدق فرضية الباحث في عزو أسباب الفشل نسبة للسببية الخارجية لدى العينة، فكانت معانيه متمايزة باستحضار جنس العينة، وبتقدم الإناث على الذكور في هذا التفسير.

يتبيّن أن نزوع أفراد العينة إلى السببية الخارجية في تفسير الفشل، هو حقيقة يفرضها تمثل تجربة الفشل في حد ذاتها، فهي تجربة ليستْ من صنعهم، بقدر ما هي نتاج لشروط والضوابط الخارجية، تُبعد عنهم المسؤولية في إنتاجها.

يتضح لنا بأن أطروحة عبد الكريم بلحاج في شقيها النظري والتطبيقي؛ هي محاولة جادة وريادية في المقاربات العربية لنظرية العزو السببي في علم النفس الاجتماعي، بحيث كشف من خلالها عن الميكانيزمات الاستدلالية التي توظفها العينة التمثيلية للمجتمع المغربي داخل إطار ثقافي يتسم بالخصوصية الاجتماعية والمعرفية. وقد سعى الباحث في رؤيته العلمية لقضايا مجتمعه المغربي إلى مجاوزة مفارقة أساس "ترتد بنا إلى ما يتصوره الناس عن العلماء، وذلك في كونهم يقومون بتعقيد الأمور البسيطة، في حين يتصور العلماء الناس سطحيين ومفرطين في تبسيط الأمور، إذا ما نظرنا إلى التفسيرات التي يقدمها هؤلاء لحالاتهم، وللتأثيرات التي تمارس عليهم، وأيضا إذا ما تأملنا الدوافع الحقيقية لقراراتهم. لذلك على العلوم الإنسانية أن تتجاوز هذه المفارقة بالبحث في البساطة، وحتى التبسيط من أجل الاشتغال على فهم الوقائع المعقدة".[4] وهنا تكتمل هوية علم النفس الاجتماعي كما يطرحها عبد الكريم بلحاج في المقاربة والمنظور، لكي تجد حضورها في "الواقع اليومي للفرد بشكل خاص والوجود الاجتماعي بشكل عام. وبعبارة أخرى ذلك الميدان الذي يشمل سياق الحياة الاجتماعية والثقافية، والذي يكون الفرد مندمجا فيه عبر تفاعلاته ونشاطاته المختلفة''.[5]

2- عبد الكريم بلحاج ورهان علم النفس: بيبليوغرافيا موضوعاتية

أرسى الأستاذ والباحث عبد الكريم بلحاج أرضية إبستيمولوجية ومنهجية رصد فيها قضايا النظرية والممارسة في علم النفس، بمختلف علومه ومجلاته، وباستحضار المناخ العربي عامة وبخاصة المغربي. ويحضرنا هاهنا كتابه: "علم النفس بالمغرب بين المعرفة والممارسة".[6] وجاء في مقدمة الكتاب: "إن محاولة رصد الوضعية العامة لعلم النفس من حيث تجليات حضورها وقيامها؛ ومن حيث أشكال الاشتغال المرتبطة بها، استدعاها واقع عيني برهاناته وتحدياته العقلية والمعرفية والاجتماعية والثقافية. ثم إن محاولة الرصد هذه لم تأتي بفعل تخمين أو تفكير نظري، ولكنها قامت بفعل ملاحظات عينية لواقع عيني، أي واقع علم النفس بالمغرب".[7] ومن المباحث التي تطرق إليها الكتاب نجد: مدخل تشخيصي للإطار العام لوضعية علم النفس بالمغرب، علم النفس المقال والمقام، التفسير في علم النفس، نحن وعلم النفس، في علم النفس الاجتماعي، المهن النفسية، علم النفس ومسألة التوطين، وقضايا مجتمعية وأشكال مقاربتها... ولذلك كان الطموح العلمي الذي يبتغيه عبد الكريم بلحاج من خلال رصده لهذه المباحث والموضوعات هو "إبراز مظاهر الوعي الاجتماعي بعلم النفس، من ناحية كما هو قائم هذا الوعي في واقع اهتماماتنا وانشغالاتنا المختلفة، ومن ناحية أخرى الآفاق التي يمكن أن ينفتح عليها هذا الوعي-بطبيعة الحال- من حيث المعنى السيكولوجي، وذلك في سبيل التنمية والنهضة".[8]

وهذه النهضة لا يمكن تحقيقها إلا بتظافر جهود الفاعليين النفسانيين من ممارسين مهنيين وأساتذة باحثين، لكي يتم الجمع بين المعرفة والممارسة. ومن أجل تفعيل ذلك، لا بد من الاعتماد على أدوات علمية ومنهجية مُحكمة الخطوات، تراعي الضوابط العلمية المتفق عليها من لدن العلماء وأهل الاختصاص، حتى يتم تبييء ذلك إلى الخصوصية العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص. ويتجلى ذلك من خلال الإحاطة العامة التي قدمها عبد الكريم بلحاج في تشخيصه لعلم النفس بالمغرب، ومن مخرجاتها أن الاشتغال بهذا العلم والاهتمام به صار ضرورة ملحة يفرضها السياق الاجتماعي والثقافي، وبخاصة في الممارسة اليومية. أما أشكال الاشتغال العلمي والأكاديمي، وكذلك فيما يخص مجال الممارسة، فمن الملاحظ عدم التجاوب الفعلي مع الانشغالات والاهتمامات ضمن محاولات التبييء (التوطين) العربي للرعيل الأول، لاسيما عندما نستحضر الخصوصية والهوية الثقافية في ابتعاد عن شروط المعرفة والممارسة التي يخضع لها علم النفس. وأيضا بالنظر إلى مردودية الاشتغال العلمي من خلال بنيات البحث والتكوين، وأيضا حدود انفتاح الجامعة على حاجات الأفراد والمؤسسات. ولئن كانت رؤية الكتاب تهدف إلى تشخيص واقع علم النفس بالمغرب خلال الفترة التي أصدر فيها عبد الكريم بلحاج كتابه سنة 2005، فإن راهنيته ما تزال قائمة على مستوى النظرية والمماسة.[9]

كما يشكل كتاب عبد الكريم بلحاج: "سيكوسوسيولوجية التثمثلات والممارسات اليومية"؛ لبنة أساس لانتعاش المقاربة النفسية الاجتماعية داخل سهول الحس المشتركSens commun ، وما يزخر به من قضايا وموضوعات. لنحط الرحال معها تحت مجهر النسق الاجتماعي والثقافي المُركب الذي تتألف منه سيكوسوسيولوجية الحياة اليومية للمجتمع المغربي، وما يزخر به من قضايا وإشكالات وممارسات تجد بؤرتها الأساس في المعرفة الاجتماعية، والتفاعل الاجتماعي، والإدراك الاجتماعي، وعلم نفس الشغل والتنظيمات الاجتماعية بالمغرب، وعلم النفس والمجال التربوي، والعزو السببي للنجاح والفشل، ومفهوم الدور الاجتماعي، والتمثلات الاجتماعية، والصور النمطية لمرض التوحد، ومن الذات الاجتماعية إلى المواطنة، والسلوك الانتخابي بالمغرب، رمضان واليومي، ومشروع رؤية للفن والتعبير الفني، وعلم النفس والفن بالمغرب، والفن بوصفه أسلوبا للحياة، والفن بدون تأشيرات السفر...[10] وهو الكتاب الذي قدم له الأستاذ الفخري لعلم النفس الاجتماعي Professeur émérite de la Psychologie Sociale جان بيار دوكونشي، والذي ترك لنا فيه شهادة قيِّمة للنبوغ العلمي المغربي عند عبد الكريم بلحاج.

وليأتي بعد ذلك كتاب "المدخل إلى علم النفس المعرفي"؛ وهو الكتاب الذي تناول فيه عبد الكريم بلحاج الإطار العام لهذا العلم القائم الذات، والذي يكتسي طابعا خاصا داخل العلوم النفسيةSciences de Psychologie. وهو موجّه للطلاب والباحثين في علم النفس، ولكل من يهتم بعلم النفس المعرفي من حيث المقاربة والبحث، أو من زاوية الثقافة والوعي السيكولوجي المعاصر. لقد "أصبح لعلم النفس واقع جديد منذ أواخر القرن العشرين بحيث اكتسب علم النفس المعرفي مكانة ذات أهمية كبيرة في مساره الحالي، إلى درجة أنه لم يعد بالإمكان الحديث عن موضوع أو قضية تتعلق بسيكولوجية الإنسان دون الرجوع إلى المظاهر المعرفية التي ترتبط بها. فهذا المدخل يفتح الأفق بالنسبة لأهم موضوعات علم النفس المعرفي، بحيث يتضمن الشروط والمبادئ والمفاهيم الأساسية التي تحدّد مجال اشتغاله".[11]  وبالإضافة إلى ذلك، فالكتاب يقدم هدفا علميا وعمليا يخدم اللغة العربية والخزانة العربية بما يقدم من جديد في المقاربة والمنظور حسب علم النفس المعرفي. ومن بين المباحث التي عالجها هذا الكتاب نذكر: نشأة علم النفس المعرفي وموضوعه، الثورة المعرفية، التوجه المعرفي وتحولات علم النفس، العلوم المعرفية وموضوع الذهن، أوجه المقاربة المعرفية، المنظور المعرفي وتنوع المقاربات، مجال علم النفس المعرفي، قضايا الموضوع والمنهج، سيرورات الاشتغال المعرفي، والعمليات المعرفية والنشاطات العقلية...[12]

ويحضرنا أيضا كتاب: "علم النفس، المنطق العلمي والاستعمالات الاجتماعية"، وعدة إصدارات أخرى تخص علم نفس الشغل والتنظيمات...، نذكر منها كتاب: " علم نفس الشغل والتنمية بدول الجنوب"، وهو الذي تعاون فيه مع متخصصين في مجال علم نفس الشغل ينتمون إلى جامعات أجنبية وهم:     Robert Ngueutsa، وَRené Mokounkolo، وَNarcisse Achi.[13]

خلاصة

يتبين من خلال ما سبق ذكره أن علم النفس الاجتماعي المعاصر عند عبد الكريم بلحاج؛ يتأسّس على الممارسة اليومية وتطبيقاتها داخل الحس المشترك الثاوي لجماع مظاهر التفسير الاجتماعي للسلوكات والوقائع والأحداث الشخصية والغيرية. وفي هذا الحس المشترك تحضر المعرفة الاجتماعية بفاعليتها لترخي بظلالها على شتى الأوساط، والفضاءات الاجتماعية، والثقافية، والتربوية، والدينية... وذلك في علاقة التفاعل والتأثير مع الغير الفردي والجماعي، سواء داخل الفضاء المدرسي أو داخل مناخ البيئة الاجتماعية للأفراد، وبمجال الشغل...، لتحضر أيضا التمثلات الاجتماعية، والمعتقدات، والإيديولوجيات، وتشكيل الإدراكات الفردية، والجماعية...

علاوة على ذلك، يتبدى التواصل بوصفه لُّحمة للعلاقة الاجتماعية الرابطة بين الأنا والغير والوسط، وكذلك في بناء علاقات أخرى كالوجدانية والانفعالية والمعرفية... وهي علاقات تُبنى وتتكون من خلال سيرورة التفاعل والتأثير والتأثر... فضلا عن ما يكتسيه هذا التواصل من دينامية نفسية واجتماعية تتخذها العلاقات الإنسانية؛ لاسيما أن كل الأفعال والوقائع يتم تمريرها عبر قنوات تواصلية تتحول إلى سيرورات نفسية واجتماعية ومعرفية تُدرك من طرف الأفراد والجماعات، إنْ على مستوى العلاقات والروابط التي يتم نسجها، أو على مستوى الاستخدام اللغوي وأشكال التبادل الرمزي ونقل المعلومات بدينامية وفاعلية خاصتين.[14]

ولذلك فالحياة اليومية بالنسبة لعبد الكريم بلحاج، هي ممارسة تتكون من أفعال اجتماعية ومعرفية ولغوية، تنعكس ديناميتها على التمظهرات المختلفة للممارسات المشتركة. وهي أيضا ممارسات من طبيعة نفسية واجتماعية تشتركها الأفراد والجماعات، وتتجلى داخلها السببية الاجتماعية باعتبارها حجرا للزاوية يكشف عن هذه الدينامية في شكلها الواقعي واليومي، وفي علاقتها بتمثلات التعزيزات Renforcements، والاستراتيجيات Stratégies المحايثة لها، بدءا من مرحلة الطفولة، وانتقالا إلى مراحل عمرية أخرى.  يقول في هذا الصدد: "تتخذ السببية الاجتماعية طريقا موصلا إلى كنه الدينامية اليومية، وهي أيضا مؤشر دال على سيكولوجية الحس المشترك. تلك السيكولوجيا التي يتبيّن بمعيتها وبشكل أعم طبيعة اشتغال الفكر الاجتماعي وخطاباته التي تتقاسمها الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة. وهنا لا بد من الإشارة إلى الدينامية التي تعتري الحياة الاجتماعية، والتي يتناولها علم النفس الاجتماعي المعاصر، وذلك من خلال النظام الذي تتخذه المعرفة الاجتماعية، والاستدلال السببي، وتمثلات التعزيزات، ودور المعتقدات في توجيه وتفسير السلوكات...".[15]

لقد لعب عبد الكريم بلحاج دورا تأسيسيا على مستوى تبييء النظريات النفسية الاجتماعية والمعرفية الغربية إلى اللغة العربية العالِمة، إن على مستوى الكتابة والتنظير، أو على مستوى الممارسة والتطبيق برحاب مختبر علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشغل والتنظيمات بجامعة محمد الخامس بالرباط.

وهو الذي راكم مسارا علميا متميّزا في التدريس والتأطير الأكاديميين للعديد من الأوراش العلمية، والبحثية، والندوات، والملتقيات، والإشراف على البحوث الجامعية، والأطاريح، والتكوين بماستر "علم نفس الشغل والتنظيمات"، وبسلك الدكتوراه...

وعليه فإن المشروع العلمي لعبد الكريم بلحاج، يجد ضالَّته في تضاريس خصبة لسيكوسوسيولوجية التمثلات والممارسات اليومية للمجتمع المغربي. ويمكن القول وبكل فخر بأن إسهاماته العلمية بالمغرب والعالم العربي؛ تكتسي أهمية ريادية على مستوى نقل علم النفس الاجتماعي العربي من دراسة السلوك الاجتماعي بالمعنى البرَّاني المُلاحظ إلى المعنى المعرفي الذي تحضر فيه التمثلات الاجتماعية في علاقتها بالممارسات اليومية، بما تحمل من فاعلية وديمومة، وكذلك ما تزخر به هذه الحياة من معتقدات، وإيديولوجيات، وصور نمطية، وعزو سببي... بتوسل منهج تجريبي جيّد السَّبك وحسن الصِّياغة، استثمر فيه وبكل تجرد مستجدات الساحة العلمية الدولية في الدراسات والأبحاث النفسية الاجتماعية والمعرفية.

إن عبد الكريم بلحاج هو غوّاص بحر العلاقات الاجتماعية بمعرفيةٍ خاصةٍ ومتفردة، تروم ملامسة البساطة والتبسيط في سيكوسوسيولوجية الحياة اليومية؛ فقد سار على نهج مستنير-كما يقول أستاذه جان بيار دوكونشي- "يقتفي أثر علماء النفس الاجتماعيين، ولأنه يحبُّ المجال الثقافي والاجتماعي الذي يعيش فيه، وهو يعرف الوضعيات التي يُواجهها الأفراد الذين ينتمون إلى هذا المجال، ويعرف أيضا نسق تمثلاتهم في أسسه ومكوناته، حيث استطاع أن يُخصِّب النظريات القاعدية لعلم النفس الاجتماعي بتطبيقاتها داخل مجتمعه، وبخصوصية عالِمة بالمناخ الاجتماعي الذي يعيشه الأفراد في مواقع الحياة، وفي أدائهم الاجتماعي... إنه درس بالفعل نسقية مفهوم الظرف الاجتماعي العالمي « Enveloppe sociale globale »''.[16] وهنا يكتمل المشروع العلمي لعلم النفس الاجتماعي عند عبد الكريم بلحاج باستمرارية واعية للمسعى التجريبي في علم النفس الاجتماعي، وبمنظور معرفي معاصر يستجيب لخصوصيات المجتمع المغربي.

***

أ. د. محمد الشاوي

.......................

[1] - ABDELKARIM BELHAJ.- L'explication des causes de l'échec et de la réussite au baccalauréat. Stratégies et structures de la causalité chez une population de jeunes scolarisés marocains. Paris : Université de Paris-VII, 1992.

[2]  - عبد الكريم بلحاج.- التفسير الاجتماعي لسببية السلوك والوقائع الشخصية، مقاربة نفسية اجتماعية معرفية، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة، تخصص علم النفس الاجتماعي، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2004.

- أصدر الباحث هذه الأطروحة في كتاب: "التفسير الاجتماعي لسببية السلوك، مدخل إلى المعرفة الاجتماعية، الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2010.

[3] - نستحضر في هذا الصدد البيبليوغرافيا الموضوعاتية Bibliographie thématique التي قدمها جان بيار دوكونشي لنظرية مركز الضبط "Locus of Control" عند عالِم النفس الأمريكي جوليان روتر Julian B. Rotter، إذ تطرح فهما عميقا لهذه النظرية في مُكوّنيْها: الضبط الداخلي والضبط الخارجي، بحيث يسريان على مستوى معتقدات الأفراد، واتجاهاتهم، وسلوكاتهم الدينية...، وكذلك في تفسير سببية الوقائع والأحداث عندهم. لذلك  فالضبط الداخلي يتجلى فيما يقع للفرد من أحداث وكذلك فيما يتلقاه من تعزيزات يكون مصدرها أفعاله وقدراته الذاتية والشخصية. أما الضبط الخارجي فهو نتاج للبيئة الاجتماعية وللأسباب والظروف التي توجد خارج الذات، والتي تُدرك وتُدعم من طرف الغير الفردي أو الجماعي. علاوة على استحضار الصدفة، والحظ، والقضاء، والقدر، والإرادة الإلهية... وللتعمق أكثر في مركز الضبط في علم النفس الاجتماعي  وكذلك العزو السببي، راجع:

- JEAN-PIERRE DECONCHY.- La théorie du "Locus of Control" et l'étude des attitudes et des comportements religieux. Bibliographie thématique. Archives de sciences sociales des religions, 1978, 46/1,(juillet-septembre), p. 153-160..

[4] - JEAN-PIERRE DECONCHY.- (Préface) in : ABDELKARIM BELHAJ,  Psychosociologie des représentations et des pratiques quotidiennes. Rabat, Editions bouregreg, 2009., p. 7-8.

[5] - عبد الكريم بلحاج.- علم النفس بالمغرب بين المعرفة والممارسة، الرباط، منشورات دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2005، ص. 226.

- عبد الكريم بلحاج.- نفسه.[6]

- نفسه، ص. 10.[7]

- عبد الكريم بلحاج-. نفسه، ص. 11.[8]

- راجع: محاضرة عبد الكريم بلحاج في موضوع: "علم النفس إلى أين؟"، ضمن فعاليات المؤتمر الدولي لعلم النفس بجامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، وموضوعه: "علم النفس وتقاطعات الحياة". انعقد المؤتمر بتاريخ: -24-25-26 مارس 2022.

[10] - ABDELKARIM BELHAJ- Op. Cit,.

[11]  - عبد الكريم بلحاج.- المدخل إلى علم النفس المعرفي، الرباط، دار أبي رقراق، 2009، ص. 5.

- [12]- راجع: عبد الكريم بلحاج.- علم النفس: راهن المعرفة العلمية بين العَالمية والمحلية، محاضرة علمية أُلقيتْ عن بُعد ضمن سلسلة "حلقات مينيرفا للبحث الفلسفي"، بتاريخ: 10/02/2021. قدم الباحث في هذه المحاضرة تصورا تأسيسيا لنشأة وتطور علم النفس المعرفي من منظور علم النفس المعاصر، لاسيما باستحضار المكانة التي يتخذها داخل سلسلة العلوم المعرفية Sciences cognitives التي ينتمي إلى حظيرتها. لقد صار علم النفس المعاصر مرادفا لعلم النفس المعرفي الذي انبنى على أساس دراسة القدرات والأنشطة الذهنية. إنه حسب هذا المعنى يتجاوز إلى أبعد مدى الباراديغم السلوكي الذي أرسى دعائمه طيلة نشأة علم النفس بوصفه علما لدراسة السلوك.

[13] -  ABDELKARIM BELHAJ.-  La Psychologie, Logique Scientifique et utilités sociales, Rabat, Bouregreg, 2016, (Bilingue AR-FR).

- ABDELKARIM BELHAJ.- (Coordination) Psychologie et monde du travail. Pub FLSH, Rabat, 2007.

- ABDELKARIM BELHAJ.- (coordination) L’environnement Social du travail, approches psychosociologiques. Pub FLSH, Rabat, 2009.

- ABDELKARIM BELHAJ  & al.- Psychologie du Travail et développement des Pays du Sud. Collection Psychologie du Travail et des Organisations. Paris, Harmattan, 2014.

[14]  - عبد الكريم بلحاج-. مفهوم التواصل: مظاهره ومحدداته في علم النفس الاجتماعي، ضمن كتاب: المفاهيم وأشكال التواصل، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2001.

[15] - ABDELKARIM BELHAJ.- Représentation des renforcements et stratégies de  la causalité chez l’enfant. Publications de la Faculté des Lettres et des sciences humaine-Rabat, 1997, p. 95.

[16] - JEAN-PIERRE DECONCHY.- Op. Cit., p. 8-9.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5730 المصادف: 2022-05-14 01:35:13


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5874 المصادف: الاربعاء 05 - 10 - 2022م