قراءة في كتاب

علي جابر الفتلاوي: د.عبد الرضا عوض وكتابه: الحلّة وحكّامها

الدكتور المرحوم عبد الرضا عوض، اسمه الكامل عبد الرضا عليوي سعيد عوض  أديب وباحث مختص بالتأريخ الحديث، خاصة تاريخ الحلة، وُلِد في الحلّة محلة الجامعين عام 1952م، وتوفي بوباء كورونا في 11/11/2021م، تغمده الله  تعالى بواسع رحمته، ترك إرثا تأريخيا وثقافيا غير قليل، هو عضو اتحاد المؤرخين العرب، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، وعضو جمعية الرّواد الثقافية في بابل، وعضو هيأة كتابة الأنساب العربية، رئيس مجلس إدارة مجلة أوراق فراتية، له كتابات في اختصاصة في عدد من الصحف والمجلات، أصدر عددا من الكتب، نذكر منها:

شعراء الحلة السيفية أيام الأمارة المزيدية وما بعدها، أوراق حلّية من الزمن الصعب في القرن العشرين، تأريخ الصناعات والحرف الشعبية، الحلة في العهد الجمهوري الأول، صفحات بابلية، تأريخ الصناعات والحرف الشعبية، مشهد الشمس وحديث الجمجمة، أدباء بابل وكتابها المعاصرون (أربعة أجزاء)، الدّرة البهية في تأريخ المدحتية، الشوملي نشأتها تطورها، ندوة عشتار، تأريخ غرفة تجارة الحلة، تأريخ الطب والأطباء في الحلة، الانتفاضة الشعبانية 1991م في الحلة، الجذور التأريخية للأسرة العوضية . وتوجد له كتب أخرى إضافة لكتابه:

الحلة وحكّامها

الأمراء/ الحكّام/ الصدور/ القائممقامون/ المتصرفون/ المحافظون

منذ تأسيسها عام 495هج حتى عام 1432 هج

1101 إلى 2011 م

الطبعة الأولى للكتاب عام 2011م، والطبعة الثانية عام 2012م، نرى  المرحوم الدكتور عبد الرضا عوض معتزا كثيرا بمدينته الحلة، نقل ص3 من كتابه قولا من مذكرات سندرسن باشا(1) هو:

((رحتُ أحسد كلّ إنسان يُعيّن للقيام بواجب ما في مدينة الحلّة)) .

الكتاب مكون من مقدمة، ومدخل ويوجد نهاية المدخل عنوانان، ضوء 1، ضوء 2  ثمّ الباب الاول بعنوان حُكّام الحلّة، وفيه تسعة أقسام ثمّ الباب الثاني وفيه سبعة عناوين.  نستعرض بعضا من معلومات الكتاب القيّمة لتكوين صورة مقرّبة للكتاب. في المدخل وتحت عنوان (الحلّة وموقعها) يقول: الحلة معناها النزول بالأرض حسب لغة القوم وقد حلّ بها آل مزيد فسمّيت حلّة يقول الدكتور عبد الرضا عوض: الحلّة نقصد بها المدينة التي تقع بين بغداد والكوفة، امتدادا وتوسيعا للجامعين. زارها عدد كبير من الرّحالة العرب والأجانب، وسُمّيتْ الجامعين حسب رأي العلامة هادي كمال الدين الذي نقله الدكتور عبد الرضا عوض، لوجود جامعين إثنين هما جامع ومرقد الصحابي عبد العزيز بن سراي وهو من أصحاب الإمام علي (ع) الذي استشهد في معركة صفين، وجامع ومقام الإمام جعفر الصادق (ع). ولوجود هذين الجامعين المتقابلين سُمّيتْ المنطقة المحصورة والمجاورة لهما بالجامعين قبل عشرات السنين من تمصيرها من قبل سيف الدولة الاسدي سنة 495هج، وحملت فيما بعد اسم الحلة السيفية وبقيت الجامعين محلة عتيدة.

تذكر المصادر التأريخية أنّ الإمام علي (ع) قد حطّ رحاله في الحلة عند عودته من معركة النهروان سنة 37 هج في المكان الذي ما يزال يطلق عليه (مقام الإمام علي –ع-). وضمن المدخل ايضا يذكر الدكتور عبد الرضا عوض في (ضوء 1) المصادر التي أرّختْ لمدينة الحلّة، وفي (ضوء 2) يذكر الأقوام التي حكمت الحلة. الباب الأول مكون من تسع اقسام، تناول فيها أسماء الامراء والحكّم والصدور والقائممقامون والمتصرفون ثم المحافظون، وأول الأمراء هو صدقة بن منصور المزيدي، تولى الإمارة في منطقة النيل بعد وفاة والده منصور بن دبيس سنة 479هج، وبارك هذه البيعة الخليفة العباسي المقتدي بالله والسلطان ملكشاه السلجوقي ولُقّب (سيف الدولة). استقر المزيدون في أرض بابل شرق مدينة بابل الاثرية، وكانوا يسكنون الخيام العربية،  ثمّ انتقل صدقة من النيل إلى منطقة الجامعين، وسبب انتقاله تهديده من قبل السلطان بركيارق (الدهستاني) بسبب دَيْن كان قد استحق عليه لخزينة الدولة، وأبلغ السلطان السلجوقي صدقة أنّه ((قد اجتمع عليه للخزانة السلطانية ألف ألف دينارا، فإن لم تؤدها وإلّا بلدك مقصود)). فأصبحت فكرة الانتقال لمكان يجنبه الحرب واجبا، فكانت محطته ومبتغاه الجامعين التي هي سُكنت قبل هذا التأريخ، فكانت مكانا اهتدى إليه، وأطلق عليها اسم (الحلة السيفية) أو (الحلة المزيدية) سكنها في شهر محرم عام 495 هج، وقد حفر خندقا حول المدينة لغرض حمايتها من السلاجقة.

خضعت الحلة لحكم المغول سنة 656هج بعد سقوط بغداد مباشرة، بعد وصول أخبار الحملة المغولية إلى الحلة، وما ارتكب المغول من مجازر وخراب في بغداد أصبح الرأي لدى وجهاء وعلماء الحلة، أن يراسلوا هولاكو لحماية المدينة، فأرسلوا وفدا برئاسة مجد الدين محمد بن طاووس الحلي، وطلبوا من هولاكو عدم استباحة مدينتهم فوافق بشرط أن يظهروا الطاعة، فتولى أمر الحلة تاج الدين بن الدوامي.

عاشت الحلة سنين من الصراع بين العثمانيين والصفويين، فكانت ساحة لصراعاتهم، عام 914 هج دخل الشاه اسماعيل الصفوي العراق وقضى على دولة الآق قوينلو العثمانية، واتخذ من الحلة مقرا له، عام 941هج دخل سليمان القانوني العثماني الحلة دون مقاومة وعسكر بها، عام 1033 هج احتل الحلة الشاه عباس الصفوي واستعادها العثمانيون عام 1040هج، وبقيت الحلة ساحة لقتال الجيشين العثماني والصفوي نحو ثمانون عاما متقطعة، أخيرا خضعت لحكم العثمانيين، إذ أصبحت زمن الوالي مدحت باشا وحدة إدارية بدرجة لواء يديرها متصرف، تتبعها أقضية هي: السماوة، الديوانية، الهندية، النجف، الشامية.

في أواسط 1892م جفّ شط الحلة ونزح الأهالي إلى المدن المجاورة مثل بغداد وكربلاء، فكان من وجهة نظر الوالي العثماني (حسن رفيق باشا) نقل مركز اللواء إلى قصبة الديوانية بعد أن أخذ موافقة الباب العالي، فأوعز الوالي إلى متصرف الحلة (علي رضا باشا) بالنقل إلى الديوانية لكنّه رفض ذلك واستقال من وظيفته. وعين (واصف باشا) محاسب الاوقاف في بغداد وكيلا للمتصرف، و(وسعيد باشا الموصلي) متصرفا للواء، وعُيّن (عارف بيك الآلوسي) قائمقاما لقضاء الحلة.

اشتهر تأريخ الحلة الحديث بما يسمى (دكة عاكف)، يقول الدكتور عبد الرضا نقلا عن الشيخ يوسف كركوش: في أوائل عام 1335هج أغار عاكف بيك على الحلة من معسكره في سدة الهندية، وطلب من زعماء الحلة أن يسمحوا له بالمرور، ثمّ يذهب بجيشه إلى جهة أخرى بمهمة عسكرية، وكان يقصد بهذا الطلب الخداع. وأضاف الدكتور عبد الرضا عوض نقلا عن الدكتور البصير في مذكراته: شكّل أهل الحلة وفدا لاستقبال عاكف بيك، وكان الوفد برئاسة السيد محمد علي القزويني وكان رفعت الجادرجي حاضرا هذا اللقاء، التقوا بالجيش التركي في مقام مشهد الشمس، لكنّ السّفاح عاكف بيك احتجز الوفد واعتبرهم رهائن.

يقول الدكتور عبد الرضا عوض نقلا عن الشيخ كركوش: أعدم السّفاح عاكف أكثر من  (126) رجلا على شكل وجبات يومية، عُلقَتْ جثثهم على تل الرماد وبعضها مقابل بناية القشلة مدة ثلاثة ايام، ونفى عاكف جماعات كبيرة من أهل الحلة إلى ديار بكر بينهم أطفال وشيوخ وعجائز، مات بعضهم في الطريق بسبب الإعياء والجوع والضرب المبرّح، وقصفت مدافع عاكف التي نُصبت على تل الرماد إرث المدينة العلمي والأدبي في محلات الجامعين والطاق وجبران والوردية في الجانب الصغير من الحلة، بلغ عدد الشهداء الذين قتلهم عاكف وجيشه (1500) شهيدا والذين شنقوا (127) شهيدا، والذين نفوا إلى ديار بكر (231) فردا.

بعد انهيار الدولة العثمانية وسقوطها، دخل الجيش البريطاني بغداد في شهر آذار عام 1917م، ثمّ بدأ البريطانيون بالتحرك إلى بقية المدن العراقية، دخلوا الحلة في شهر نيسان من السنة نفسها. الميجر (بولي) عُيّن حاكما عسكريا سياسيا للحلة يعاونه (كولدن سمث)، في عهده تمّ تأسيس أول مستشفى في الحلة في محلة المهدية عام 1918م، الملاحظ أنّ حكّام الحلة حتى عام 1921م كانوا خليط من جنسيات متعددة ولم يحكم الحلة من أبنائها سوى (مرزوك أغا) ولمدة قصيرة. بعد ذلك بدأ ما يُسمى العهد الوطني (الملكي) 1921م حتى سقوط حكم حزب البعث في 2003م.

هذا استعراض مختصر لكتاب الدكتور عبد الرضا عوض تغمده الله تعالى بواسع رحمته، وجعل إرثه العلمي والثقافي في ميزان حسناته إن شاء الله تعالى، نتمنى أن ينال هذا الاستعراض المختصر رضا القارئ الكريم.

***

علي جابر الفتلاوي

....................

(1): هاري سندرسن باشا (1891م – 1974م) طبيب انكليزي تم تعيينه طبيبا للصحة في مدينة الحلة عام 1919م، حتى اندلعت ثورة العشرين، نُقِل إلى بغداد طبيبا للعائلة المالكة العراقية، وهو أول عميد لكلية الطب العراقية عام 1927م.الموسوعة الحرّة.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5681 المصادف: 2022-03-26 10:40:39


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5928 المصادف: الاثنين 28 - 11 - 2022م