قراءة في كتاب

صلاح الدين ياسين: قراءة في كتاب "سوسيولوجية الدولة بالمغرب"

كتاب عبارة عن عمل بحثي مميز من إعداد عادل المساتي، صادر عن سلسلة المعرفة الاجتماعية السياسية، يتألف من ثلاثة فصول رئيسية تنصرف مضامينها إلى تلخيص النتاج الفكري لجاك بيرك (1910 _ 1995)، والذي يصفه الباحث المغربي بأنه "من رواد السوسيولوجيا الكولونيالية ومن كبار الناقدين والمحررين لها". فما هي أبرز الأفكار التي طرحها هذا الباحث السوسيولوجي الفرنسي عن المغرب، وهو الذي نسج علاقة وثيقة بأهله مكنته من البصم على إنتاج معرفي محترم حول تاريخه وشتى أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية والوجدانية؟

أولا: المغرب ما قبل الكولونيالي من منظور بيرك

يُرجع جاك بيرك نشأة الدولة بالمغرب إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر بالتزامن مع وصول السعديين إلى الحكم، الذين وضعوا جذور مفهوم واقعي للدولة لا يقتصر على المحددات الدينية، هذه النزعة ستتعمق مع الشرفاء العلويين فيما بعد الذين كرسوا النزعة المركزية للسلطة.

وعليه، أقام العلويون مسافة مع "الحركات الشعبية" (القبائل، الزوايا... إلخ) لتلافي التبعية والارتهان لها، وهو ما يتبدى على سبيل المثال في تأسيس المولى إسماعيل لجيش غريب عن القوى الاجتماعية (جيش عبيد البخاري)، مما وضع الإرهاصات الأولية لدولة مركزية، هذا بالإضافة إلى الاعتماد على موارد اقتصادية أخرى مثل التجارة الخارجية عبر الموانئ المغربية لتخفيف التبعية للقبائل من حيث استخلاص الضرائب الزراعية منها.

بيد أن التحليل السوسيولوجي لبيرك لم يذهل عن حقيقة تعدد مستويات السلطة بالإيالة الشريفة، ذلك أن النزوع لمركزة السلطة سيولد نزعة مضادة للمخزن المركزي لدى بعض القوى الاجتماعية التي لطالما حظيت بسلطة رمزية لا يستهان بها كالزوايا، ويضرب الباحث مثلا على ذلك بالدلائيين الذين صعد نجمهم خلال الفترة الانتقالية المضطربة بين حكم السعديين والعلويين.

وفيما يخص الانتشار المجالي للسلطة بالمغرب، تطرق بيرك في البداية للمدينة وأبرز الفاعلين فيها، وفي مقدمتهم البرجوازية التجارية التقليدية التي لم تضطلع بالدور الذي نهضت به البرجوازية الأوروبية في التقدم الاقتصادي والفكري بسبب سلوكها السياسي والعملي المحافظ، وعدم انفتاحها على التطورات التقنية والفكرية الحديثة. وصولا إلى فاعلين آخرين مثل الفقيه الذي عُهِدَ عنه دفاعه عن تطبيق الشرع الإسلامي ضد "الأعراف الجاهلية" للقبائل.

أما في البادية، يعرض جاك بيرك لمناطق السيبة حيث تنشط القبائل بمعزل عن أية تبعية فعلية للمخزن المركزي، وهي التي كانت تشكل عنده حوالي ثلثي مساحة البلاد قبل الاستعمار، ومن أبرز الفاعلين في مجال البادية نذكر القبائل، إلى جانب القياد الذين لطالما سعوا في القضاء على "الديمقراطية الأمازيغية" في تقدير الكاتب.

ثانيا: آثار الحقبة الاستعمارية بالمغرب

يعرض جاك بيرك لتجليات التغيير الذي مس بعض فئات المجتمع المغربي في  عوائدها وأنماط سلوكها كالأكل، إذ يشير في هذا الصدد: "أهم ما يعكس التحول الغذائي يظهر بوضوح في آداب الطعام حيث أن عوض القاعدة السائدة القائمة على الاغتراف من نفس الصحن حيث ينبغي دائما ترك فائض من أجل البركة، أصبحت العائلات البورجوازية تقوم بتوزيع الحصص في الصحون على طاولة مرتفعة". أما فيما يتعلق باللباس، يمكن الإشارة إلى تخلي بعض النسوة عن اللباس التقليدي المحافظ (الجلابة) وارتداء الزي العصري خاصة في المدن ذات التواجد الأوروبي الكثيف ولدى الأسر البرجوازية.

وبالنسبة للتغيرات المجالية، فقد تضررت البادية التي عانت من سطوة وطغيان الإقطاعيين (ملاك الأراضي الكبار) الذين تحولوا إلى قواد كبار في خدمة المستعمر، فضلا عن المعاناة الاقتصادية الناجمة عن توسع أراضي المعمرين الخصبة، الشيء الذي حمل المزارع البسيط إما على الاشتغال لدى المعمر أو الهجرة إلى المدينة ومن ثم التحول إلى عامل بروليتاري مما أدى إلى نشأة مدن الصفيح. وعطفا على ما سبق، نشأت المدن الحديثة (بما تضمه من مرافق صناعية وتجارية) بالموازاة مع التهميش الذي طال المدن العتيقة مثل فاس (من مظاهره تضرر الصناعة التقليدية) التي فقدت مكانتها لصالح الدار البيضاء التي تحولت إلى متروبول اقتصادي جذاب، وآية ذلك هجرة بعض سكان فاس ومناطق الأمازيغ إليها.

وفي الأخير، استعرض بيرك بعض الملاحظات عن الملامح العامة للمغرب المستقل، ومن ضمنها استمرار هيمنة القانون الفرنسي على حساب القانون الفقهي التقليدي الذي اقتصر حضوره على الإرث والمادة العقارية، بالإضافة إلى تعقد الصيرورة المجالية في ظل الحديث عن ترييف المدن (أحياء)àج الصفيح)، وتمدين الريف الذي عرف تزايد التجمعات البشرية وانتقال بعض المرافق الحديثة إليه. وصولا إلى الحصيلة الثقافية للمغرب الحديث، حيث لا ينكر السوسيولوجي الفرنسي التطور الهائل للثقافة المغربية في مجالات الفكر والفلسفة والأدب، إلا أن تلك الدينامية لم تجد بعد امتدادا جماهيريا وشعبيا كبيرا بسبب اختيار طيف واسع من الكتاب المغاربة تأليف أعمالهم بلغة الأجنبي (الفرنسية) رغبة منهم في تحويلها إلى ثقافة كونية.

***

بقلم: صلاح الدين ياسين

في المثقف اليوم