قراءات نقدية

رؤية الفكر.. نمذجة الفن في قصيدة: هنا كنا للشاعرة التونسية فائزة بنمسعود

"مازالت كتاباتي يافعة، غضة وتبحث عمن يضعها في المسار الصحيح..كما مازلت أنحت دربي الإبداعي على الصخر بالأظافر..لكن حين لامست أنامل النقاد حروفي..أدركت أني في المدار الصحيح.. (الشاعرة فائزة بنمسعود)"

يعدُّ العنوان عتبة مهمَّة من عتبات النص، سواء كان هذا النص نصًّا شعريًّا أم نصًّا نثريًّا، ولقد اختارت الشاعرة التونسية فائزة بنمسعود عنوان قصيدتها "هنا..كنا"، وهذا يؤكد على اختيار هذا المكان وأهميته لتجاوره للقلب في المكانة والأهمية، ولدمج المكان مع القلب؛للتدليل على حبِّ العشق في أبهى تجلياته، سيما إذا كانت "الحبيبة"ترقد في الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..

كما سرَدت لنا الشاعرة بكل حِرفية، وترَكَتنا نقرأ وكأنها تتحدث عن معشوقة أبدية..تركت عطرها وتوارت خلف الغيوم:"ضمها القبر/ وترفق اللحد وطواه/ وما رف جفن الموت خجلا/ من لوعة العاشقين/ ما قاسمني لوعتي ومصابي/ سرق مني حبيبتي/ ورماني على رفوف الفاقدين.."

إنّ القصيدة هي عبارة عن حلم عميق لا شعوري، يجب قراءة هذا الحلم بما يتناسب مع كمية الجمال المنبعث من داخله، وتقديمه بصورة تكشف للمتلقي جميع مغاليقه، وتشير الى مواطن الجمال فيه، والإمساك بيد المتلقي وأخذه الى ضفاف هذا الحلم .

لذا على الناقد ان يقوم بتفكيك وإعادة تركيب وقراءة الأفكار فيه حتى يصل الى معرفة الغايات التي جعلت من الشاعر يصرّح بمكنونات ذاته، والغوص في اعماق هذه الذات .

ومتى ما تعاونت فيما بينها مكونات الذات (الهو /  الأنا /  الأنا الأعلى)، تمكّن الفرد من أن يمارسَ نشاطاته الفعّالة والحيوية بطرقة مجدية في البيئة التي هو فيها..

إنّ الغاية من هذه النشاطات هي من أجل ارضاء الحاجات واشباع الرغبات الاساسية، أما اذا اضطربت حينا ستضطرب هذه الاجهزة الثلاثة للشخصية، وأصبحت متذمرة وغير راضية عن نفسها وعن العالم الذي تعيش فيه .

ان المتلقي الابداعي لا يقبل من الشاعر بأي شيء على أنه شعر وجمال وابداع ما لم يحرّك فيه الذكريات البعيدة، وتستفزّ حاضره، مما يجعل المتلقي يقوم بتحليل وتقييم ما يقرأه بروية وقياس كمية الابداع فيه، وهذا ما لمسناه في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة- فائزة بنمسعود .

وبالعودة الى قصيدة الشاعرة: فائزة بنمسعود / هنا..كنا/ ، من ارتباك الصوت نستشعر بوجود الذات الشاعرة، مما يجعله صوتا متميّزا بالعذاب والخيبة والخسران والتشظّي، وحينها سنتيقن بحضورها القوي والمميّز، فربما هناك مفردة او عدة مفردات سقطت في بئر المتلقي العميقة تمكّنه من لملمة ما يستطيع لملمته وحسب ذائقته، فتثير فيه الكثير من الصور والمشاعر والاحاسيس، ودون ان تستنفذ طاقاتها او تخبو اشعاعاتها .

انّ جوّ النسيج الشعري عند الشاعرة نجده مشحونا بزخم شعوري عنيف وذات قلقة تبحث عن الخلاص، فمثلا نجد بأن الشاعرة قامت بتكرار المفردات التالية لأكثر من مرّة / القلب:ثلاث مرات/ حبيبتي: سبع مرات/ العشق..والعاشقين: أربع مرات/ الشوق: مرتان..

ليس اعتباطا الشاعرة هنا استخدمت وكرّرت هذه المفردات، فربما لا شعوريا سقطت وتكررت داخل نسيجها الشعري لا شعوريا أو عن قصد، لشحن هذا النسيج بزخم شعوري عنيف، فلو دققنا النظر في هذه المفردات واستمعنا بهدوء الى ما ينبعث منها ويشعّ في نسيجها الشعري وخصوصا من ايحاءات العنوان: هنا..كنا.. لكشفت لنا القصيدة عن مكنوناتها الملغزّة وباحت لنا بكلّ بوحها دفعة واحدة .

من خلال العنوان نجد هذا الزخم الشعوري متمثلا بلغة تجريدية مدهشة، فالعنوان هنا لا ينقل لنا معنى صريح وواضح، ولكنه ينقل لنا كمية هائلة من المشاعر والاحاسيس، كما يعبّر عن الحالة النفسية والمزاج، نتيجة ما تعانيه في واقعها الأليم، فربما هو يعبّر عن حالات من التذمر والحزن، ومن خلال نبرات ونغمات نستشعرها بين ثنايا القصيد هذا-الحزن الهاجع خلف الشغاف- نستطيع ان نعرف ماذا يعني وماذا وراءه من مغزى ومن دلالات، هل هو دليل عن الحزن او الفقد او الغربة والضياع، هل هو الشكوى مما تعاني من آلام أو هو البحث عن العزلة والانطواء على الذات في ظل غياب"حبيبة"خطفها-قسر الإرادة-موت عديم الرحمة ..؟؟ .

وتبدأ الذات الشاعرة بعزف أشجى موسيقى تعبيرية تحاول من خلالها بثّ مواجعها وأحزانها-بضمير الآخر (هو)، من خلالها تحاول ان تعبّر عن الجانب الشعوري العميق المتغلغل في روحها المنكسرة، فمن خلال مفرداتها تتهادى إلينا نغمات موسيقاها شجية، هذه المفردات استطاعت ان تنقل لنا هذا الشعوري الداخلي لديها، نقلت لنا هذا الزخم الشعوري العنيف بصدق ووعي، مما جعلها تغزو اعماق المتلقي وتستفزّه..

لقد جاءت هذه المشاعر تحت تأثير حالة نفسية ونتيجة ظروف قاهرة خارجة-حتما- عن إرادتها: "وكنت/ أناديها حبيبتي/ والى هناك رحلت/ وما زلت أناديها حبيبتي لا شيء تغيّر/ عدا قلبي المفجوع تجمّد نبضه/ واختلت دقاته/ قلب فرّ من سجن الضلوع/ وتاه في الدروب والميادين/ يتصفح وجوه العابرين/ ويتهجأ العناوين/ وببراءة الحيارى وعفوية المعتوهين/ يسأل:هل رأيتم حبيبتي/ حبيبتي شامة وخال/ على الكتف اليمين/ كنا هنا بين الخمائل/ والبساتين/ كنا نؤوب مع النوارس/ ونشدو مع الحسَاسين كنا نوضب الشعر باقات/ بعطر الياسمين/ ونهديها لليائسين كنت أناجيها/ و حبيبتي أناديها/ وتجيب بين قبلة وامنيه/ زدني عشقا/ يا سلطان العاشقين/ هنا كنا/ هنا شربنا دموع الشوق/ والقدر راضٍ عنا/ وكنا له من الشاكرين/ كنا هنا/ واختارها الموت حبيبة/ من بين الآلاف والملايين/ وقلبي يحدثني انها أشعلت الجنه حبا/ واخمدت نار الجحيم/ ضمها القبر/ وترفق اللحد وطواها/ وما رف جفن الموت خجلا/ من لوعة العاشقين/ ما قاسمني لوعتي ومصابي/ سرق مني حبيبتي/ ورماني على رفوف الفاقدين/ دثّرني بالأحزان/ وعمّدني بالشوق والحنين/ خدعتني ساعات الصفاء/ وما كنت الا من زمرة الغافلين/ الذين أمِنـوا شر الزمان/ وما كانوا من المحترسين/ ولغدر الزمان أنياب/ إذا كشّر عنها/ أصابت من الروح مقتلا/ فاحذروا أيها العاشقين…"

لقد جاءت قصيدة الشاعرة التونسية السامقة فائزة بنمسعود بأنظمة نصّية متعددة ومتناسقة ومتناغمة فيما بينها، وكذلك بزخم شعوري عنيف وبعمق تجريدي وتعبيري وحّد مكونات القصيدة .

تناوبت في هذه القصيدة السردية التعبيرية لغة التجريد واللغة التعبيرية والسرد المشحون بالزخم الشعوري، وبلغة قاموسية بألفاظ تعكس ما في روح الشاعرة وما في روح القصيدة، فخلقت لنا بذلك صوراً حيّة برّاقة وببوح عميق .

اللغة هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين، غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه، فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛ إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي، فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى، تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما، فتتَجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة التعبير، وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس، والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر، ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي. تختار-فائزة بنمسعود-من اللغة وإيحاءاتها، وتولّد منها ما قدرت على التوليد، لا لتأتي بمعانٍ يجهلها الناس تمامًا، ولكن لتصور الواقع كما تراه من زوايا متفردةٍ تدهش المتلقي وتجعله يعيش إحساسات جماليةً لا تنتهي، وحجارة هذا البناء الموضوعيِّ الألفاظ، إلا أن الألفاظ في الشعر تومئ إلى ما وراء المعاني، فتُضيف إليها أبعادًا جديدة، وبذاك تتجدد وتحيا، وبغير ذلك تذبل وتموت؛ إذ نجد ألفاظها تقدِّم صورة إنسانية وفنية بغرَض إماطة اللِّثام عن هذه الألفاظ.

تعد العملية الإبداعية في حقيقتها نفاذا إلى واقع متخيل، أين يستطيع الشاعر تحويل أخيلته إلى نوع جديد من الحقائق التي تكون انعكاسات قيِّمة لواقعه الذي يمثل مسرحا لتجربته الفنية، فتكون رؤية الشاعر لهذا الواقع مختلفة تماما عما يراه الناس، فهو لا يكتفي بحدود واقعه، بل ينفذ إلى عمقه متخطيا النظرة السطحية إلى نظرة مرتبطة بالكشف والتجاوز، و"هنا..كنا" هي صورة أليمة تترجم بعمق أحاسيس من فقدوا أحبتهم في زمن مفروش بالرحيل..

في هذه القصيدة تظهر لنا الشاعرة التونسية فائزة بنمسعود كما لم تظهر لنا من قبل، ولأن الأحداث المفجعة تجبرنا على الابداع، فإن قريحة -فائزة-قد اجترحت أفضل ما يمكن لشاعر ان يكتبه، فكتبت بحبر الروح..ودم القصيدة ..

وأترك للقارئ الكريم أحقية التفاعل والتعليق..

***

محمد المحسن - ناقد تونسي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5689 المصادف: 2022-04-03 03:33:12


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5873 المصادف: الثلاثاء 04 - 10 - 2022م