قراءات نقدية

المنفى والحنين في شعر المنفى العراقي

الشعر هو الفن الأول في المنظومة الثقافية والأدبية العربية تاريخيا، وربما إلى الربع الأول من هذا القرن، وقد عدّه بعضهم ذات يوم امتياز العرب الأدبي وفخرهم الثقافي، حتى إن النقلة والمترجمين العرب في العصر العباسي لم يترجموا شعر اليونان والفرس مع ما ترجموا من فلسفة وآداب هذه الشعوب؛ وذلك لاعتقادهم بعدم إمكانية وجود شعر آخر يضاهي أو يماثل الشعر العربي.

إذن الشعر قديم في الثقافة العربية، مثلما هو مستمر إذ عايش العرب هذا الجنس الأدبي وألفوه، وربما أنه محايث للعرب وجوداً وزماناً، إنه موجود معهم وفيهم، مثلما هو دلالة عليهم وعلى ثقافتهم، فلقد كانوا يحتفلون لدى نبوغ شاعر في القبيلة، بل علّقوا قصائدهم المفضلة وهي عيون الشعر العربي على أستار الكعبة بعد ما كتبوها بماء الذهب.

وبعد هذه المقدمة نتناول في هذه الفصل مفردة المنفى من منظور إبداعي متألق في شعر المنفى أو شعر المهجر العراقي، والجدير ذكره أن الفترة ما قبل عام 2003م، أدت إلى هجرةكثيرٍمن رموز الثقافة العراقية صوب المنفى والبلدان المجاورة، فالعقود الثلاثة (السبعينات، الثمانينات، التسعينات) من القرن الماضي شهدت هجرة واسعة لأقلام وأصوات أدبية عراقية معروفة في الوسط الثقافي.

إن ابتعاد الشاعر العراقي عن وطنه كان له التأثير المباشر على إحساسه المرهف، مما ساعد على طغيان لغة شعرية جديدة على كتابة قصائده، فالمنفى والحنين وكذلك البكائية الحادة هما ثلاثية الحزن العراقي، التي نراها بارزة على عموم شعر المنفى العراقي كما في هذا المقطع للشاعر بدر شاكر السياب الذي اغترب لبرهة من الزمن بسبب مرضه العضال، وبعد تلك الرحلة المليئة بالغربة واليأس والحنين عاد محمولاً على تابوته(1):

بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة

غنيتُ تربتك الحبيبة

وحملتُها، فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه

وفي هذا الفصل اخترنا كلمة المنفى والحنين من هذه الثلاثية، لما لهذه المفردات من أثر على قصائد شعر المنفى، فهذا الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري نراه يتغنى بأنهار وبساتين وادي الرافدين فيقول(2):

حييتُ سفحك عن بعد فحييني

يا دجلة الخير، يا أم البساتين

حييت سفحك ظمآنا ألوذ به

لوذ الحمائم بين الماء والطينِ

إن المنفى لم يزعزع عزيمة الشاعر العراقي، بل زاده تألقا وإبداعا مما كشف عن طاقات موهوبة منتمية إلى جيلين هما: الأصيل التراثي، الحداثة المعاصرة، كما بقي الشعراء الرواد راعين لمشاريع وجوائز شعرية حملت أسماءهم تشجيعا واحتفاء بالشعراء الشباب، ومن بين هذه الجوائز جائزة الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي الذي سئم المنفى والترحال القسري حتى غيّبه الموت وهو يكتب القصيدة، إذ يقول في قصيدة "الطريد"(3):

حلمت – إني هارب طريد

في غابة في وطن بعيد

تتبعني الذئاب عبر البراري السود والهضاب

حلمت – والفراق يا حبيبتي عذاب –

إني بلا وطن

أموت في مدينة مجهولة

أموت يا حبيبتي

وحدي بلا وطن

إن حيرة الشاعر العراقي المنفي أمام ماض مكتمل وحاضر في طور التشكيل، أفرزت حيرة مقابلة أسلوبه الشعري أيضا، إذ ينفلت من مدار القصيدة الكلاسيكية داخل فضاء قصيدة النثر، ثم يعود سريعا إلى قصيدة الوزن والقافية.

استطاع الشعر العراقي في المنفى أن يؤسس منظومة إبداعيةلطريقة كتاباتهم المختلفة، إذ تفيضبالشعرية التي تجعل من قصائدهم مثالاً يحتذى في التركيز على الموضوع وعدم الخروج من سياق القصيدة، فهذا الشاعر سعدي يوسف يقول في قصيدة "تفاؤل"(4):

لمن سوف نترك تلك البلاد؟

ومن قال إنا سنتركها...

سوف نأتي إليها، لنأتي إليها

لنسحبها من ضفائرها قبل أن تحتفي بدمالبئر

أو قبل أن تحتفي

في سُراها

البلاد التي أوجعتنا طويلا..

لعل هجرة الشعراء العراقيين خلال فترةالعقود الثلاثة الماضية لم تكن مألوفة في التاريخ العراقي، وإنما كانت حالة غريبة واستثنائية وربما هي امتداد لشعب عرف الهجرة وأدرك مرارتها عبر الصحارى والوديان، فهذا الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين يصور هذا الشيء في قصيدته الشهيرة "يقظان"(5):

نبئوني يا من بـ"رفحاء" بانوا

كيف يغفو بليلها اليقظانُ

كيف هزت عواصف الرمل مهدا

ضجرت من بكائه الأوطانُ

ضاق فيه حضن الفراتين ذرعا

فَـتَـلَـقَّـتْــــهُ هـــــــــــــذه الكـثــبـــــــــــانُ

فرشت جمرها له مهج البيد

وجاءت بشوكها السعدانُ

وتولته بالرضاعة أثداء

السواقي وهدهدته الرِّعانُ

ثم غطاه من لظى القيظ لفح

أريحيٌّ يغار منه الحنانُ

بينما نرى الشاعر أحمد مطر يصور المنفى بلغة تهكمية لاذعة في لافتاته الشعرية فنراه ينتقد الأوضاع والقضايا التي عصفت بوطنه من حروب كارثية إلى موت بالمجان، فيقول في لافتاته الشعرية مصورا المنفى بلغة مغايرة في قصيدة "الجزاء"(6):

في بلاد المشركين

يبصق المرء بوجه الحاكمين

فيجازى بالغرامة

ولدينا نحن أصحاب اليمين

يبصق المرءُ دماً تحت أيادي المخبرين

ثمة ملاحظة مهمة على شعر المنفى العراقي فهو لا يتقيد بالكشف عن أسرار البلاد وما حل بها من ظلم وجور، والشاعر مهمته هي حمل رسالة الأمة وهموم الشعب والغور في تفاصيل الجرح العراقي، ويبدو أن الشاعر مظفر النواب يثير هذا الشيء دائما في قصائده ونصوصه الشعرية والنثرية، فيقول في قصيدة "قراءة في دفتر المطر"(7):

... وأيقظني ريح الشباك على وطني

يا وطني وكأنك غربة

وكأنك تبحث في قلبي

عن وطن أنت ليأويك

نحن الاثنان بلا وطن يا وطني

كالبارحة اشتقت

ومرت في قلبي طرقات مدينتنا تبكي

الدمع على أرصفتييبكي .. يبكي

ومدينة أيامي باعوها في الساحة تبكي

يا امرأة الليلأنا رجل باعوا لليل مدينة أيامي

باعوني ككتاب يطبع ثانية

باعوا أحلامي

ومن يتصفح الشعر العراقي الذي طبع في المنفى يرى حالة الشجن هي التي تؤطر مفهوم القصائد ومعانيها، والشاعر هو الكائن الأكثر إحساسا ورهافة، وهو الذي يمتلك القدرة الفائقة في تصوير الأشياء بلغة خيالية موسيقية رائعة، والشاعر العراقي أبدع في تصوير مأساته عبر قصائده المنشورة هنا وهناك، فيصوّر فوزي كريم المنفى بلغة الشوق والحنين قائلاً(8):

يكفينا شوقُ عراقيين أضاعوا الشوقَ ولم يصلوا

وأقول هنا

في منحدرك

أعلنت صباي

وسأعلن فيه نفاد الصبر، نفاد الصبر على أثرك

سأعود إليك فأنشب أضفاري في أحزانك

وأحني الكف بأطيانك

وأقول هنا تسكرني قهوتك المرة

يسكرني الأمل

ولو مرة

ربما يحار المرء كيف تصور التراجيديا العراقية المعاصرة، ولكن الشاعر العراقي في المنفى جعل من نتاجه الشعري صورة للواقع اليومي المعاش، وهذه الصورة هي المرآة الحقيقية التي نطل من خلالها على الجرح العراقي والمنفى بالنسبة للشاعر هو الرئة والمتنفس للحرية والكرامة ورسم الصورة الواقعية للوطن بكل تجلياتها وأبعادها المختلفة، فالشاعر سركون بولص يصور المنفى من منظور آخر إذ يقول في قصيدة "ملاحظات إلى السندباد من شيخ البحر"(9):

هل تعبت إذا

ونحن لم نكد نبدأ المسيرة!

انس البحر، لا تفكر بالمراكب، قل وداعا للتجارة

أنا آخر رحلاتك وكنت أنا

أولاها

كل طريق سرتَ عليها

عبّدتها من أجلك بيدي ؟

كل سبيل

أوصلك

إلي

وها أنت ذا تشكو

ثقيل على كتفيك يا سندباد؟

لعل الحروب ومخلفاتها الكارثية تركت بصماتها وآثارها الواضحة في الشعر العراقي المهجري، فالشاعر العراقي في المنفى استطاع أن يكون لسان حال شعبه ووطنه، فهذا الشاعر عبد الرزاق الربيعي يتناول المنفى برؤى إبداعية ولغة شعرية بعيدة عن الرمزية، إذ يقول في قصيدة "رعود"(10):

ماذا ستفعل بعد

هرست أيامك في حربين ضروسين

وجبت مدنا

ودروبا عجاف

وسوده العديد من الأورام

و...و...

شهدت موت ملك

لقد أصبح الشاعر العراقي في المنفى سندباد زمانه، يجوب العالم من أقصاه إلى أقصاه وما من بلد في العالم اليوم إلا وتسمع فيه صدى لشاعر عراقي، وكان هذا الكائن سفيرا للثقافة والشعر العراقي المعاصر كما استطاع أن يكون بمثابة النهر الفراتي الشعري الثالث الذي لا ينضب أو يجف رغم عطش المنفى، فالشاعر وديع العبيدي يقول في قصيدة "شجرة آدم"(11):

قرأتنا الغربة بالمقلوب

قرأتنا الغربة

من آخر سطر

حتى أول حرف

وكان

على غصن الزهرة طير

ووراء الزهرة نهر

وغناء الطير حزين

أينوء

هذا الطير المتقلب في الهجرات بكل الحزن

لم تكن قصص عبور المهاجر أو المواطن العراقي إلى المنافي عبر البحار والوديان والجبال والصحارى قصصا أو أساطيرَ خيال كما نراها في الدراما أو السينما الهندية، بل هي قصص واقعية نابعة من المحنة العراقية، ولعل هذه الحكايات، تفاعل مع مفرداتها المتعددة الشاعر العراقي المنفي فلم تكن عبور قافلة عبر البحار قصة فحسب، وإنما هي الهروب نحو الحرية عبر مسالك الموت الوعرة ولا هي سيرة عائلة وقعت في حقول الألغام شمال الوطن، ولا موت طفل ظامئ في الصحراء فحسب، وإنما كانت مدى البكائية العراقية التي وصلت ذروتها إلى الغرق، فالشاعر جمال مصطفى يقول في قصيدة "من قمر الراوي"(12):

وأجمل الغرقى الذي خدع الدلافين القريبة

مذ تفرد بالقرار

فلم تكن دلمون يابسة ليهبط من يشاء

وحين يرغب في ظلال نعيمها يتسنم الأمواج

لكن لم تكن دلمون وهما خالصا

ويكون كن كان الفرات

ليستعير الله كوثره ونخلا حول الفرات

يجفل طائر التمّ العراقي المهاجر (وهو في الفردوس)

وهذا الشيء رواه معظم الشعراء العراقيين في الخارج أو المنفى، ولكن لكل شاعر لغته الشعرية الخاصة به، وتصيره الذي يميّزه، ولكن هذه القصائد هي هموم لشعب سئم البكاء، فالشاعر أحمد عبد الحسين يتناول هذا الموت المهجري في قصيدة "عقائد موجعة"(13):

مثل غياب يصفد الغرقى وينشرهم في آخر العبارة

مثل حدائق سامة ترتجف أمام الصحراء

مثل نواقيس تذبل في نهار أصم

مثل هذا وذاك

أشير بإصبع مبتورة إلى عزلتي

للثورية الحماسية خصوصية بارزة في شعر المنفى العراقي، إذ يبقى الشاعر يعزف من منفاه أنشودة الرفض، وشعراء العراق المنفيون وقفوا مع شعبهم في محنته، فالشاعر شريف الربيعي يقول في قصيدة "في دائرة الخوف الذي يفضي إلى وطن"(14):

سأسميك الرصاصة

فرحا يكتب للعمر خلاصة

لن أسميك العطش، أو سياط المعرفة

حين هذا الشوق ينواوتشب العاطفة

سأسميك لهم العمر في المنفى صباح

إن الشعراء العراقيين الذين هاجروا من الوطن كثيرون ومن أجيال مختلفة ومدارس متعددة، لكنهم جميعا حملوا العراق في قصائدهم وقلوبهم، وأصبحت نصوصهم أناشيد كتبت بالدموع آخر الليل، فهذا الشاعر طارق حربي صاحب موقع "سومريون" يقول في قصيدة "حصتي من النفط"(15):

إلهي

كل نخلة تلد شاعرا كما يقولون

يهرول إلى البار كما أقول

يجادل في الكتابة والاستعارة والقناع

أي مستقبل والعراق أكله الجراد ؟

ولكنني كنت أحبو

فوق حقول الحنطة والشعير

ولي دمعتان

اسمهما دجلة والفرات

لقد كان المنفى بالنسبة للشاعر العراقي المعاصر ليس بقعة نائية عن وطنه فحسب وإنما جعل الشاعر العراقي منفاه مكانا ملائما يطلق فيه صرخاته الموجعة عبر بثها في نصوصه الشعرية والتي هي شهادة تاريخية في مسيرة الشعر الصادق النابع من قريحة الشعراء العراقيين المعاصرين، وهذا الشاعر خالد المعالي يقول في قصيدة "الحياة هي الذكرى":

الليل هنا والكلمات تدور

تركت لنا أثارها وعادت

إلى المنفى، الليل يلوح

حوالينا ونحن يمسكنا

خيط من الذكرى

أعادونا كثيرا، أيا دنيا شدت

بخيط والذكرى تلوح كنجم

من بعيد

كانت الدنيا عن الأعتاب تنأى

ونحن كموتى على جانب الدرب نلوح

اللقيا أخذناها، سددنا بها الحبال

ونمنا خلف أشجار بلا ظل

لقد بقي الشاعر العراقي في منفاه يعزف سيمفونية الحنين فهو عندما يفتح نافذته كل صباح يحلم عبر هذه النافذة، إنه يرى وطنه الذي مزقته الحروب وأصبحت حدوده وسماؤه مباحة للموت والدمار، يصف تلك اللحظة الشعرية هذا الحنين بهذه اللغة كما يقول الشاعر عدنان الصائغ في قصيدة "العراق"(16):

العراق الذي يبتعد

كلما اتسعت في المنافي خطاه

والعراق الذي يتئد

كلما انفتحت نصف نافذة

قلت آه

والعراق الذي يرتعد

كلما مر ظل

تخيلت فوهة تترصدني

أو متاه

ولعل لغة الشاعرة العراقية المغتربة أكثر حنينا وعذوبة، فهي عندما تكتب الشعر في منفاها يراودها الشوق إلى حبيبها الوطن أو التربة الأولى، فالوطن بالنسبة لها، الهوية التي حملتها في منفاها وعاشت الغربة من أجلها، فهذه الشاعرة بلقيس حمد السنيد ابنة قضاء سوق الشيوخ التي تحن إلى ضفاف النخيل وإلى نهرها الخالد الفرات الذي يتوسط سوق الشيوخ، فيشطرها إلى نصفين نصفها الشمالي يسكنه الصابئة، ونصفها الجنوبي الذي يسكنه أغلب أبناء هذا القضاء من ديانات وأقوام مختلفة، فنرى بلقيس حميد السنيد يأخذها الشوق إلى تلك الربوع إذ تقول في قصيدة "التربة الأولى"(17):

أخذتك الريح مني لا مطارات السفر

ورمتك الريح في درب مسافر

أنت مني كنت لا كاليوم أحلاما ومنية

ترتأي بخيالي كمرايات جميلة

وكأيام الطفولة

وتنام في رؤى يوم حبيب بساتين

الوطن

وأردت الصوت يعلو

فوق صوت الحب للأرض والحنين

كنت أشدو وأنادي فرحي حين يلاقيني قليلا

وأردت الصوت يعلو

هل ترى عند حدود العشق يا قلب تقف

وجميل إنني أعشق

لكنْ، لي حبيب لاكما يهون

إني لاكما يعشق كل الكون

إني طائر جرده الكل الجناحين

غريب لا رسائل

من ترى يسأل عني

وأنا مذبوحة الشواطئ والنخيل

كما أبدع الشاعر العراقي المنفي في استعمال بعض المشاهد والمفردات التي تحتفظ بها ذاكرته في المنفى، فالفرات – النخيل-الهور-جلجامش، لم تفارق الشاعر العراقي في شعره ولعل هذه الميزة إنما هي الارتباط بالتراب القديم، ومهما ابتعد الشاعر زمكانيا فإن التمسك بالتراث والتاريخ ما هو إلا رسالته التي يرغب في إيصالها عبر نتاجه الشعري، وهذا الشاعر مسلم الطعان يقول في قصيدة "مطالب أعبيد في السويد"(18):

أعبيد بغناء

رضعت خفاياه من أثداء حنين

أهدته إليك صبايا أوروك

غني في مسرحك – المنفى

فالجمرة

هذا السر المحمول بصدرك

ستكتب أنشودتها

فوق وجوه الثلج

سيخبرك الوالد

كيف تكون الجمرة مفتاحا

لولادة هور آخر في المنفى

ربما يحار المرء كيف يصف سنوات المنفى بالنسبة للشاعر العراقي، لكن هذا الكائن يستعين بأسماء شعراء ورموز عالمية لإبراز عظم الفاجعة المؤلمة التي حلت بالوطن، كما يرى الشاعر عدنان محسن الذي يصور في قصيدته "خبر عراقي" هذه البكائية بأسلوب أكثر وقعا على نفسية المتلقي إذ يقول(19):

سأستعين برامبو

ولن أقبل بغيره

كي ألقي القبض على ظلي

لعلني

أمسك تلك الدمعة التي ولدت معي

ذات وطن

وظلت تردد في المنافي

يا توأمي

أنت الأهل بي

وأنأ أهل لك

فكن جديرا بهذا البكاء

لقد عاش عدد من الشعراء في المنفى وما زالوا يعيشون ما يقارب أربعة عقود متتالية لهجرتهم المبكرة إلى تلك المنافي، إلا أن هؤلاء ما زالوا يحنون إلى مدنهم وأزقتهم، ويستذكرونها في قصائدهم على الرغم من هذا الفاصل الزمني والمكاني، إلا أن قلوبهم وخيالهم يجوب الوطن وأمكنته، فهذا الدكتور الشاعر صلاح نيازي يقول في هذه القصيدة مستذكرا مدينته الناصرية المولود فيها(20):

حتى أنا – الموقع أدناه- لا أصدق

هل حقا – أنا المدعو صلاح نيازي

من مواليد الناصرية الفقراء جدا

ومن سكنه الشواكة ببغداد لاحقا

والمغترب حاليا منذ أربعين عاما بلندن

إن لحظات العبور إلى البلدان والمنافي البعيدة قد رسمت في مخيلة الشاعر العراقي رؤى حول تلك المنافي وأدرك بأن الابتعاد عن الوطن لم يكن شيئا عابرا في ذاكرته؛ لأنها كانت بحد ذاتها لحظات الحياة أو الموت كما يصف الشاعر محمد طالب في قصيدة "هواجس"(21):

علمتني البلاد البعيدة أن أهب مع الريح

أسري مع النجم

أضلع في غيمة عابرة

علمتني المعابر أن أزجر الذاكرة

وهذا الشيء راود الشاعر علي صبيح أيضا، فهو يخاطب في قصائده المنفيين من أبناء شعبه بأسلوب إبداعي، وأحيانا يخاطب ذاته باستعمال الرموز والأقنعة في نصوصه، ولكن قصائد هذا الشاعر ذات لغة واضحة بعيده عن الإبهام كما في قصيدة "خطاب إلى المنفيين العراقيين"فيقول(22):

أيها الناس

أنتم في المنفى

هل تعلمتم شيئا

قراءة التاريخ، حب الوطن، مدرسة الاغتراب

لقد استطاع الشاعر العراقي المنفي حمل قضية شعبه في منفاه، مما طفحت لغة إبداعية في كتاباته وأسهم بشكل فعال في إعادة كتابه التاريخ والوقوف إلى جانب الحرية والنضال من أجلها، وهذه ميزة خاصة امتاز بها الشاعر العراقي في المنفى، وهذا الشاعر كريم عبد يقول في قصيدة "هدهد الشتاء والصيف"(23):

لم يتعاقد معك أحد

على حمل الشجرة إلى أبواب المسجد

سوف تحملها وحيدا على ظهرك

وفي باحة هذا المساء المجروح

لن يزور أحد أحداً

سيظل المشهد على الرف

لقد أيقظت قصائد الشعراء العراقيين المنفيين الضمير الإنساني، مما حدا بالمثقف أن يعيد تصوراته تجاه الأوضاع السياسية في بلاد مابين النهرين، والشاعر العراقي وحده القادر على أن يكون الوجه الحقيقي للشعر والثقافة، وهذا الشاعر جان دموأحد صعاليك بغداد الذي توفي في منفاه الأسترالي يقول في قصيدة "أسمال الملوك"(24):

وحده القادر على إعادة التوازنلقلبي

قامر مع الشمس

قامر مع الحقيقة

كما تقامر مع الزمن

مع الأنهار التي

بلا نهاية

هكذا، بإمكانك العودة إلى النقطة الأصلية

لقد توزعت الأقلام الشعرية العراقية على خرائط ومنافٍ، وغصت بهم البلدان والمهاجر، وهذا الشاعر محمد سعيد الأمجد يصرخ في مهجره، تراوده صورة الأم/ الوطن/المدينة، فيقول في قصيدة "مكالمة هاتفية"(25):

أماه..

أطلقها..فينكسر الصدى

طقس أقمناهُ التياعا

فوق موج الذبذبات

طيف الرذاذ

يمازج اللغة القتيلة

والمواجع

والسنين الصفر

..يحملنا لغابات التشرد

حيث يغرق في مدائننا القمر

أماه.. أطلقها ...فتحترق الصور

لم يعد المنفى يأوي الشعراء العراقيين العرب فحسب، وإنما مأوى أيضا للشعراء العراقيين الكورد، وقد غصت بهم مهاجر العالم، ولاقوا الاضطهاد والقسوة، فحلبجة والأنفال ما هما إلا مشاهد مؤلمة دفعت بشعراء الشمال إلى الهجرة صوب المنافي، ومن أبرز هؤلاء الشعراء وأكثرهم شهرة هو الشاعر"شيركو بيكه س" الذي يصور منفاه في قوله(26):

يقول المنفى:

في الصف، تحلقتم حول مائدة بيضوية واسعة

عشر لغات مشردة ذات لمم سوداء

والمعلمة الشقراء تجيء وتروح كزهرة عباد الشمس

وتود أن تروّضوا هذه اللغة العاصية ولو قليلا

تركبكم على السرج، وإحدى يديها ممسكة بكم

إنها البداية، ولكن ما إن تفلت يدها

حتى تنزلقوا على جليد اللغة واحداً تلو الآخر

فيضحك بعضكم من بعض

تفوح منك الآن رائحة قواعد صلدة

ورائحة الفعل والظرف والطبشور

لقد حمل المنفى بين طياته هموم الشعراء العراقيين، ولكن لم يعوضهم المنفى عن تراب وطنهم، فهو مأوى أحلامهم وآمالهم، والمنفى هو الغربة، والموت القسري أيضا، وهذا الشيء تجسد في قصيدة الشاعر مصطفى المهاجر في قصيدة "وجع الحبيبة"(27):

أشتاق..

آه أنظر الآن

في وجه أمي

أحدثها عن همومي

وأسألها..

ما الذي كنت أفعله..

حينما كنت طفلا..؟!

وهل كنت أبكي كثيرا

كما أفعل الآن..؟

إني أعاني

من الوجد

والشوق

والغربة القاتلة

لقد تمكن الشاعر العراقي المنفيّأن يصوغ من قصائده وطنا، لكن هذا الوطن من ورق القصائدالتي يكتبها في مقاهي المنفى وفوق أرصفة الغربة القاتلة، كما يقول الشاعر مصطفى عبد الله في قصيدة "الأجنبي الجميل"(28):

أنا الأجنبي

عرفت حدودي

فرتبت لي وطنا من ورق

إنه علبة للسجائر

وحين يباغتني في المقاهي القلق

ويتبعني مثل عودالثقاب

ألمّ متاعي وأشعل سيجارتي

ثم أمضي،

خفيفا،

بما يحترق

إن المنجز الشعري العراقي المهجري منجز إبداعي بحد ذاته، ولعل قصيدة الأجنبي الجميل لمصطفى عبد الله هي من أجمل القصائد المهجرية المكتوبة في المنفى، وإن استعمل المضادات والرموز، فهي من سمات الشعر الحديث، ولعل نتاج المنفى الشعري تناول الموروثات والرموز التاريخية بلغة إبداعية جميلة، والبعض من شعراء المنفى العراقيين ترجموا لشعراء عالميين، بل وأتقنوا الشعر بلغات عالمية أخرى، كما فاز بعض منهم بجوائز عالمية مهمة، كالشاعر حسن النصار الذي يكتب الشعر باللغتين العربية والايطالية، وفاز بجائزة الدولة المقيم فيها، كما فاز الشاعر عدنان الصايغ بجائزتين عالميتين هما جائزة هليماتهاميتhellmanmammett العالمية للإبداع وحرية الفكر في نيويورك، وجائزة الشعر العالمية في روتردام awardPeotryinterationai والتي تضم أسماء الشعراء الذين فازوا خلال السنوات الماضية من جميع أقطار العالم.

لقد أسهمت ترجمات الشعر العراقي في المنفى إلى اللغات العالمية، لِإبراز الريادة العراقيةالأولى في الشعر العربي، وأضافت سمة إبداعية أخرى في سعة انتشاره في الأوساط الأدبية العالمية، وكتبت عنه دراسات وأطروحات متعددة فلم يكن شعرا زمكانيا فقط، وإنما كان يمثل تراث وثقافة وأدب بلاد مابين النهرين.

***

صلاح جبار أبوسهير

.......................

(1) ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، ط، 2016م:2/9

(2) ديوان الجواهري "محمد مهدي الجواهري" الأعمال الكاملة، دار الحرية للطباعة والنشر، بغداد، ط2، 2008م:773

(3) الأعمال الشعرية الكاملة "عبدالوهاب البياتي":1/376

(4) الأعمال الشعرية "سعدي يوسف":4/108

(5) ديوان مصطفى جمال الدين، دار المؤرخ العربي، بيروت، ط1، 1995م:259

(6) لافتات "أحمد مطر":1/55

(7) الأعمال الشعرية الكاملة "مظفر النواب":228

(8) قارات الأوبئة "فوزي كريم"، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط1، 1995م:89

(9) الأعمال الكاملة "سركون بولص"، منشورات المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية، أربيل، ط1، 2011م:2/24

(10) مجلة الاغتراب الأدبي، ع45، 2000م، لندن:40

(11) المرجع نفسه:15

(12) المرجع نفسه:49

(13) مجلة الاغتراب الأدبي، ع40، 1999م، لندن:49

(14) مجلة الاغتراب الأدبي، ع27، 1994م، لندن:39

(15) مجلة الاغتراب الأدبي، ع45، 2000م، لندن:8

(16) الأعمال الشعرية "عدنان الصائغ":15

(17) مجلة الثقافة الجديدة، ع313، 2003م، دمشق:146

(18) مجلة الثقافة الجديدة، ع309، 2003م، دمشق:142

(19) المرجع نفسه:134

(20) المرجع نفسه:99

(21) مجلة المدى، العدد المزدوج 3_4، 1993م، دمشق:52

(22) المرجع نفسه:54

(23) قصيدة مخطوطة للشاعر لدى المؤلف.

(24) مجلة المدى، ع7، 1994م، دمشق:42

(25) رذاذ الحدائق والأحداق "محمد سعيد الأمجد"، المكتبة الأدبية المختصة، قم _ إيران، 2002م:103

(26) سفر الروائح "شيركو بيكه س، ترجمة: آزادالبرزنجي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2001م:58

(27) صحيفة الموقف، ع187، 2000م، دمشق:11

(28) الأجنبي الجميل "مصطفى عبدالله"، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 2004م:129