قراءات نقدية

ظواهر أسلوبية في ديوان (قصيدة لم تكتمل) للشاعرة د. عبير يحيى

مقدمة: سأحاول في هذه القراءة السريعة تحليل القصيدة الشعرية لدى الشاعرة د. عبير يحيى في ديوانها (قصيدة لم تكتمل) من خلال تحليل بعض الظواهر الأسلوبية الأكثر بروزاً في الديوان، وقد جاء اختياري للمنهج الأسلوبي لعدة اعتبارات:

1. إنّ ديوان (قصيدة لم تكتملْ) يتميّز بظواهرَ أسلوبيةٍ بارزةٍ، تدعو الدارسَ لتحليلِها، وكشفِ مواطنِ الجمال والبلاغة والرؤيةِ الشعرية فيه.

2. المنهجُ الأسلوبيُّ منهجٌ رحْبٌ، يتّسع لدراسة النصّ الأدبيّ، والشعر خاصة، بمختلف تفاصيله، بدءاً من الصوت-الحرف، وانتهاءً بالتركيب والمقطع الشعري، منطلقاً من النص ذاته، من عناصر بنائه اللغوية والبلاغية؛ فدراسة النص الأدبي أسلوبياً يكشف، ليس فقط، عن لغة الشاعر ، وإنما ايضاً عن الموسيقى الداخلية للقصيدة، وهذا مهمٌّ جداً في قصيدة النثر خصوصاً، حيث الإيقاع والموسيقا ينتجان عن حركة الأصوات والألفاظ وترابطها في التركيب الشعري، لتوليد الدلالة؛ كما تكشف الأسلوبية أيضاً عن التقنيات البلاغية وطريقة الشاعر في استخدامها وتوظيفها في بناء نصه الشعري، وبثّ عواطفه وهواجسه، وبالتالي رؤياه الشعرية.

3. المنهج الأسلوبي يتقاطع مع كثيرٍ من مفاصل المنهج الذرائعي، فأردت أن تكون هذه الدراسة الأسلوبية بمثابة تحية للشاعرة الدكتورة عبير يحيى، باعتبارها أحد أكثر النقاد الذين طبقوا هذا المنهج، ولها ندواتٌ وأعمال منشورة ورقياً والكترونياً.

لكنْ، قبل البدءِ بالدراسة، لا بدّ من تعريفٍ سريعٍ بالمنهج الأسلوبي.

قدّم النقادُ للأسلوبية أكثر من تعريف؛ لكنهم أجمعوا على أن المنهج الأسلوبي هو منهج داخلي يقوم على التحليل والتركيب والتوفيق بين العناصر الموزعة في النص كله لتشترك معاً في الدلالة؛ والأسلوبية تسعى إلى دراسة الهيكل البنائي للشعر وتحليل انساقه وفقاً للمستويات الصوتية والتركيبية والبلاغية، فتؤدي في نهاية المطاف إلى التقصي عن عاطفة الشاعر وعن رؤياه، بالإضافة إلى الكشف عن مكامن الجمال التي لا بدّ من وجودها في أي نصٍّ أدبي.

مستويات التحليل الأسلوبي:

1- المستوى الصوتي: على مستوى الصوت- الحرف، الكلمة، والتركيب.

2- المستوى التركيبي: يُستنبط من خلال الجملة المنطوقة أو المكتوبة، وأيضاً من المعاني والجمل والأساليب الخبرية أو الإنشائية.

3- المستوى الثالث: هو المستوى البلاغي والدلالي.

وبسبب طبيعة الدراسة المحدودة، ستكون مجتزأة، راعيت فيها الظواهر الأسلوبية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المجموعة الشعرية

أولاً: اختيار الشاعرة للكلمات (المعجم الشعري):

الكلمة هي الأساس الذي ينبني منه النص، وأهمية اختيار الكلمات تكمن ليس بالكلمة ذاتها، إنما بما تثيره في الذهن، وبكيفية حضورها في التراكيب؛ وشيوع ألفاظٍ معينة في قصائد شاعر ما هو حصيلة ثقافته التي كوّنتها تجربته الحياتية، ومن ناحيةٍ ثانية هي تعبيرٌ عن حالة انفعالية أفرزت تلك الكلمات في لحظةٍ شعورية خاصة.

تنوّع المعجم الشعري في ديوان (قصيدة لم تكتمل) في مجالٍ واسع من الحقول، تراوح ما بين الغيبي: الديني والأسطوري والخرافي: قابيل، مسجد، صومعة، مذبح، معراج... كيوبيد... الغول، العنقاء...  إلى العلمي العقلي، من الفلك: الشمس، القمر...  إلى الفيزياء: سقوط حر، البعد الرابع... والرياضيات: العدّ والإحصاء، فيثاغورث، رقم... وما بينهما من حقول ألفاظ مكانية، زمانية، وطنية، اجتماعية، إنسانية، في الطبيعة، والموسيقى، والفن، والحب...

وهذه المراوحة الواسعة بين الغيبيّ وبين العلميّ  بثقافة الشاعرة من جهة، وبالحالة القلقة التي تسعى إلى البحث عن الاستقرار الوجدانيّ والفكريّ. بين الروح وإيمانها، وبين العقل ويقينه تتأرجح قصائد هذا الديوان، حاملةً في ثناياها عذاباتِ أسئلةِ الوجود، وصراعات المجتمع، وتصادم المشاعر.

ثانياً: اختيار الشاعرة للجمل، الأساليب الإنشائية والطلبية:

الأسلوب الإنشائي: هو اللفظ الذي لا يحتمل الصدق أو الكذب، مثل أسلوب الاستفهام، والطلب، والنداء، والقسم، والرجاء والتعجّب....

تنوّعت أساليب الشاعرة في قصائد الديوان بين الإنشائية والخبرية، الأمر الذي بعث فيها حيويةً، وانتقالاً من حالٍ إلى حال، بانعكاسٍ لشعور الغربة والقلق الذي يسري في روح الشاعرة، ذلك القلق الذي جعلها تطرح أسئلتها أمام الآخرين، علّها ترتاح قليلاً من إلحاحه وسطوته.

أسلوب الاستفهام:

من أكثر الأساليب التي اعتمدت عليها الشاعرة في بناء تراكيبها الشعرية، واختيار هذا الأسلوب بكثرة يؤكّد عمقَ القلق الوجوديّ، أو العاطفيّ الذي تسعى الشاعرة إلى بثّه والبوح به، لتكشف ما في أعماقها من حيرةٍ.

منذ القصيدة الأولى (نزيف الشمس) تبدأ الشاعرة تساؤلات غربتها، حيث تفتتح القصيدة بسؤال:

„هل فعلاً شمس بلادي

تشرق في الأنفوشي

وتغسلُ أشعّتُها شوارعَ طرطوس؟“

وتمضي الأسئلة تتلاحق على امتداد القصيدة، حتى إن الشاعرة تستغني عن أداة الاستفهام لتلاحق ازدحام أسئلته، وتكتفي بحرف العطف. تكمل:

„وينام الليل

بأحضان البحر؟

وعيون الأطفال

تعزف الحان السِّحر

وأحاديثَ الحبّ؟“

وهكذا... سؤالٌ يولّد سؤالاً حتى نهاية القصيدة، كاشفةً عن حبّها لمدينةٍ احتضنتها، ترى فيها توأماً لمدينةٍ أخرى شهدت مولدها، وطفولتها وبنت فيها حياتها، ومبطِنةً، بين تلك الأسئلة تأملاً عميقاً، لحال وطنها الأكبر، وحال أبنائه. هو سؤالٌ للمجتمع بأسره، رجاله ونسائه وأطفاله، سؤال تكمن أدانته في إجابةٍ تتركها للمتلقي عن تلك الأسئلة.

وجاءت مواضع الاستفهام في القصائد موزّعةً على امتداد القصيدة، فتارةً تأتي في بداية القصيدة، وتارةً في ثناياها، بل إنّ أكثر من قصيدةٍ في الديوان كان عنوانها تركيبٌ استفهاميّ، كقصيدة (تلتقيني؟)، ولا ندري هل السؤال هو همسة فرحٍ بلقاء الحبيب، أم ابتسامةٌ ساخرة!

وكذلك قصيدةٌ أخرى كان عنوانها السؤال (أين نحن؟) يا للسؤال الوجوديّ الكبير! يا للسؤال الإدانة! أين نحن من الحضارة؟ أين نحن من الإنسانية؟ أين نحن من تاريخنا، من تراث أجدادنا؟

بعد العنوان- السؤال، تواجهنا أيضاً بسؤالٍ آخر في ثنايا القصيدة، لا يقلّ مرارةً عن سؤال العنوان،

„كيف يمشي طفلٌ مبتور القدم

نحو صفٍّ من زهورٍ وحروف

تحمل طيفاً وروحاً؟“

لا ندري، هل هو سؤال الذكريات؟ أم ورقة إدانة ترفعها في وجه المجتمع؟

ما طفل القصيدة إلا ذاتها الشاعرة - ذاتنا النقيّة التي تتوق إلى وطنٍ من رأفةٍ وجمالٍ وحرية؛ وما سؤالها إلا حيلةٌ أسلوبيّةٌ تستدرج المتلقّي ليشاركها رؤيتها، التي تطلقها واضحةً صريحة قبل أن تغادر القصيدة بهذا التركيب الشعري الذي يجيب عن جميع تساؤلاتها:

„يسكن الشارع وحشٌ من ضجيج

وانهيار“

وفي قصيدة (حديث شهريار) يأتي السؤال إجابةً تقريريةً، تؤكّد بأنّ شهريار وسيّافه هو حالةٌ ممتدّةٌ على امتداد تاريخنا، في دلالةٍ على قضية حريّة المرأة وسلطة الرجل:

„من قال إن شهرزاد كانت أول

من سرد المباح؟“

ويصل أسلوب الاستفهام حدوده القصوى في الحيرة والتردّد والروح الصوفية، والبلاغة العالية أيضاً، في تلك الأسئلة التي تتراصف متتاليةً في قصيدة (إنّ بعض الشيء عشق)، حيث تبدأ كلَّ مقطعٍ شعريٍّ بسؤالٍ يكشف جانباً من حالتها الشعورية، والوجدانيّة، وغربتها الروحية، في مجتمعٍ  مادّيٍّ خشن، لم يعد يدرك حساسيّةَ الروح وسغبَها، وتوقَها للجميل اللطيف، للحبِّ بكلِّ معانيه الإنسانية، وتتوارى خلف ذلك السؤال لتكشف ما هو يقينيّ، يخفيه نفاقٌ اجتماعيٌّ تواطأ الجميع عليه:

„هل تراني... أنه فعلاً كساني

طيف جُنٍّ في كياني؟

هل أنا في عرف قومي

فاقدٌ كلَّ المعاني؟

هل أنا -في حكم روحي-

حيّةٌ أم في انفصال؟“

أخيراً...

إذا كان الاستفهام هو للاستعلام عن أمرٍ غير معلوم، فإنّ الشعر، الخارجَ عن القانون، له قواعده الأخرى، والسؤال في الشعر هو نافذة الروح اللائبة على معانٍ للوجود تتوق إليها الشاعرة، وتطلقها زفرةً حرّى، تحمل الإجابة، أو تهز سكينة المتلقي، ليبحث معها عن الإجابة.

أوقد يكون السؤال، في الشعر، مطرقةً لبوابة الفكر، تبتدئ الشاعرة به المقطع الشعري، لتهيئ المتلقي لما سيأتي؛ نلاحظ ذلك في بناء القصيدة السالفة الذكر (إنّ بعض الشيء عشق) حيث تفتتح الشاعرة المقطع الشعري بسؤالٍ، ثمّ تنهيه بعبارةٍ شعرية كأنها الحكمة، أو هي الحكمة ذاتها، تحمل فلسفة الشاعرة ورؤيتها.

ثالثاً: أسلوب الانزياح

الانزياح باختصار، هو خرقٌ لقواعد اللغة، بحيث ينتهك هذا الخرق النسقَ المألوف للغة، وأسلوب الشاعر في هذا الخرق، وقدرته على توظيفه جمالياً ودلالياً يعطي الشاعر تميّزه، ويظهر إبداعه وإمكانياته في تحريك اللغة وابتداع التراكيب الجديدة وشحنها بأقصى طاقةٍ جمالية، إيقاعاً وإيحاءً، وهي -في النهاية- لغة الشاعر الأدبية وبلاغته التي تعطيه سِمَتَه الخاصة؛ وتتجلى قدرته على استغلال إمكانات اللغة وطاقاتها.

من تصنيفات الانزياح: الانزياحات التركيبية، والانزياحات الاستبدالية.

من أهم أنماط الانزياح الاستبدالي الانزياح الاستعاري، أو الاستعارة، من حيث قدرتُها على ترك الأثر الجمالي والتأويليِّ في نفس المتلقي، عن طريق التخييل والتصوير؛ والاستعارة هي أساس الشعر، وبالاستعارة يجمع الشاعر بين عناصر ما كان لها أن تجتمع، وأجمل الاستعارة تلك التي تكون بعيدةً عن التوقّع، ولم يطرقها شاعرٌ من قبل، فتحمل معها الصدمة الجمالية، والإدهاش، دون أن تفقد الصدق الشعريَّ، الذي قال عنه البلاغيون العرب القدماء: أجمل الشعر أكذبه.

وقد أجادت الشاعرة باستخدام الانزياح الاستعاريّ، وكانت استعاراتها تحمل عناصر غير مألوفةٍ، والتوليفات بين مكوّنات التركيب الشعري غير مطروقة.

„ذهب العقل شريداً نحو فكرٍ من صحارى

وقفار“

العقل عنصرٌ لا مادّي، رهيفٌ، حيٌّ، لا يتوقّف عن العطاء إلا إذا توقفت عن الحركة الأفكار والأعضاء والحواس؛ والصحارى والقفار عنصران مادّيان، سمتهما القسوة والجفاف والعقم والسكون، فأتلف النقيضان في صورةٍ شعريّةٍ توحي بالجهل والقسوة، والموات.

والعقل الشريد، هو الإنسان الشريد، حائرٌ، تائهٌ، فاقدٌ للهدف والطريق.

غير أنّ أجمل مثالٍ لقدرة الشاعرة في توظيف الاستعارة، وابتكار الصور الشعرية جاء في قصيدة (قصيدة لم تكتمل) إذ نلاحظ أنّ القصيدة بأكملها تكاد تقوم على استعاراتٍ وتشبيهاتٍ متتالية، حتى نجد، في نهاية القصيدة، أنّ القصيدة لم تعد قصيدةً من حروفٍ وكلمات؛ إنها الحياة بكل تحوّلاتها، وظروفها.

„قال لي: اكتبيني قصيدةً (استعارة أولى)

تغازل اللغات (استعارة ثانية)

وتنتصر (ثالثة)

حروفها تَستلُّ من أظفارنا الحياة (رابعة)

وتعلن الظفر (خامسة)

رموشها سيوفٌ (تشبيه)

تلعب في مقلها الحتوف (استعارة سادسة)

تقارع الطغاة (سابعة)

وتسفك الحسَرات كالمطر (ثامنة)

يأسرني الضمير (تاسعة)

اكتبيها بدون قافية

قصيدةً حمقاء غافية (عاشرة)

........

انطقها كلمةً صمّاء (11)

تدركها

آذانها الواعية  (١٢)

وحمرة الشفاه

تسابق البهاء (١٣)

لتحمل القصيدة (١٤)

كدرةً عنيدة (١٥)

يسكن وجناتها الحياء (١٦)

شموسها تتوق للكسوف (١٧)

خطيئة العمر الوحيدة

أقنعتني بأنّ عطري (١٨)

ما زال عالقاً

في بيتها الأول (١٩)

والثاني والأخير

وإن عجز الغيث عن الخرير (٢٠)

تظلّ مقلتي

تستجدي المزيد (٢١)

وأصبعي يشير (٢٢)

لصرخات الوليد

وصدرها الفاره (٢٣)

كالجليد

يسكن في طيّاته الخطر (٢٤)

وعندما أمّنت... جدران قصيدتي (٢٥)

المبتورة (٢٦)

ترنّحت مذعورة (٢٧)

تبحث في البيت الأخير (٢٨)

عن الحياء والضمير.“

ثمانيةٌ وعشرون انزياحاً استعارياً في قصيدةٍ لا تزيد تراكيبها عن هذا العدد كثيراً! يكاد كلُّ تركيب أن يكون استعارةً، وفي كلّ مرة تحمل دلالةً جديدة تتوسّع، وتنتقل من حالٍ إلى حال، ومن صورةٍ إلى أخرى.

رابعاً: ظواهر أسلوبية أخرى

التكرار:

للتكرار جانبان من الأهمية، فهو يركّز المعنى ويؤكّده، وبذلك يؤدّي دوراً دلالياً غير مباشر، دلالةً لا تحملها الأبيات مباشرةً، ولا تؤديها مفردةٌ بعينها؛ لكنّه التراكم والدفق الشعري؛ ويمنح النصّ، من ناحيةٍ ثانية، نوعاً من الموسيقا التي تتوافق مع انفعالات الشاعرة.

وقد كشفت قراءتي لقصائد الديوان أنّ الشاعرة د. عبير يحيى، اعتمدت كثيراً على تكرار الأفعال، لما للفعل من حيويةٍ وقدرةٍ على الانتقال من حالةٍ إلى حالةٍ، سواءٌ انتقالٌ حركيٌّ، أو انتقالٌ شعوريٌّ داخليٌّ، يمكنه التعبيرَ عن التململ والقلق اللذين لا يطيقان السكون أو المكوث في حالةٍ واحدة.

„فأمطري...

أمطري على صحراء روحي“

كأنّ الشاعرة تستجدي الحياة أن تهبها يعض الهناء تبلل روحها المتعبة من هذه المسغبة التي تعيش فيها.

كذلك في قصيدة (أين نحن؟) اعتمدت الشاعرة على تكرار فعل الأمر:

وأسرّ في أذني: لا تبعني

لا تبعني

ولا تخف

وفي قصيدة (جند إبليس) نجد الشاعرة تكرّر  مفردة "جدّتي" أكثر من مرّة

„جدّتي كانت بهيّة

وحكيمةً وسخيّة

وفي موضعٍ ثانٍ من القصيدة:

جدّتي كانت غنية

أجزلت في دارها العطاء

لكلّ ضيفٍ وضحيّة

وتتابع:

حدّتي كانت عقاباً

تجزع منه الدَّنيّة“

وما جدّة القصيدة إلا الأمّة بتراثها وشمائلها وقيمها وأمجادها، وما تكرار نطقها إلا استذكاراً وتحسّراً، وتبيهاً للغافلين الذين أضاعوا ميراثها العظيم.

في قصيدة (سرّ سعادتي) تعمد الشاعرة إلى تكرار يا النداء:

„يااا قطعة الروح

يااا كبد الحشا

يا شدو القمر

........

يااا درّة الله

وضّاءةً

يا غرّةً على الجبين

يا تمام الحلى

في ليلٍ ادلهمْ

يااا لذّة الدفء

في صقيعٍ عمْ“

على الرغم من أنّ المنادى واحدٌ، إلا أن الشاعرة نوّعت في وصفه، وهذا التنويع يعطي امتداداً دلاليّاً للمنادى، يتجاوز كونه الرجل الحبيب، أو ما يرمز إليه، ليصيرَ عالمها الروحيَّ والعاطفيَّ والجماليَّ، ولِيسألِ المتلقّي، أخيراً، عن هذا الحبيب، ويبحثَ عنه، ويتوقَ إليه، توقَ الشاعرة، ويناجيَه مناجاتَها له، ويتّسعَ بحثُه ومناداتُه لكلّ جميلٍ ولطيف، في لعبة مشاركةٍ بين المرسل والمتلقّي، تتحوّل فيها الشاعرة من كونها المرأة المُحِبّة، أماً أو حبيبة، إلى رسولٍ يدعو إلى الجمال والحب، وهذا أقصى ما يصبو إليه شاعرٌ أو أديب.

وكذا فعلت في قصيدة (حنانيك)، حيث عمدت إلى تكرار أداة النداء في مواضع متفرقة من القصيدة وبأوصاف متنوعة للمنادى:

يا أيها المرابط على تخوم سنيني

الأولى

يا دعوة عاقرٍ في رحم القدر...

يا ابن المستحيل

يا خِلّيَ الوفيْ

يا رقصةَ الحلم على

ستارة الليل

وضوعِ القمر

يا من يغيب فيك زماني

أيا مهوى الفؤاد

أيا كلَّ القصائد والمعاني

يا وطني"

في قصيدة (حربٌ رقمية) تعمد الشاعرة إلى تكرار مفردة (رقمي)

„لا أعادي الأرقام، معاذ الله

فعشقي رقميّ

وشوقي رقميّ

وحنيني رقميّ"

في تمثّلٍ أسلوبيٍّ لواقعٍ عالميٍّ أصبحت الأرقام والتقنية الرقمية تحيط بنا وتتحكّم في كلّ مفاصل حياتنا، في سخريةٍ مريرةٍ من هذا العالم الرقمي الذي أصبح بديلاً عن علاقاتنا الحميمية، انتهك انسانيتنا. لكنها تعلن في ختام القصيدة عدم استسلامها لهذه الحرب التي نخوضها بإرادتنا تنهي القصيدة:

"أنا رقم حائر...

يحاول الالتصاق على جبين الزمن!"

زمن الإنسان بعواطفه ومشاعره وعلاقاته الحميميّة بالأشياء والأشخاص،

تكرار العبارة

"إذا كان تكرار المفردة يضع بين يديّ المتلقّي مفتاحاً للفكرة المسيطرة على الشاعر، فإنّ تكرار العبارة يخضع للقوانين التي تتحكم في العبارة... سواء أكانت دوافع نفسية، أم تركيبية..." (نازك الملائكية في كتابها قضايا في الشعر المعاصر)

والشاعرة عبير يحيى لجأت إلى تكرار الكلمة لتحرّر ضغطاً نفسياً يجهد روحها، ومعاناة شاعرة حساسة تجرحها خشونة الواقع وبلادته، كأنما تضرب بمفرداتها جدار هذه البلادة، وتخرق خشونته؛ ولم يقف التكرار في الديوان على الكلمات، بل لجأت الشاعرة إلى تكرار العبارات، لتركّز على فكرة أو لتؤكد قناعة تؤمن بها.

في قصيدة (تلتقيني؟) تكرر عبارة حتماً سألتقيك في موضعين من القصيدة، في إيمانٍ راسخٍ بأن وطنها الذي أنهكته الجراح، سيعود يوماً، وسيلتقي وحلمها، رغم حجم المعانة:

„حتماً سألتقيك

صار حلمي لثمةً

على عالي جبينك

**

حتماًسألتقيك

صار عمري أرجوحةً

تنوس بمرابط نجديك“

وفي قصيدة (أهل العويل)  تكرر عبارة “يا سادة يا كرام” في أكثر من مكان في القصيدة، بأسلوب يحاكي أسلوب الحكواتي في المقاهي التقليدية، هذا الأسلوب متّسق مع مضمون القصيدة وعنوانها، فأهل العويل هم تلك الجموع التائهة عن واقع حاضرهم، تيهَ روّاد تلك المقاهي، يستمعون إلى قصص الأبطال وخرافات البطولة، بين دخان سجائرهم وسحب نراجيلهم. 

„نحن يا سادة يا كرام

آل موتٍ تبرّأ منهم الفرح

نحن يا سادة يا كرام

في أحسن الأحول

مشاريع موتٍ غير منجزة“

وتكرر عبارة "أنتهى زمن العويل" فتختتم بها القصيدة- الخطبة كما بدأتها بها.

غير أنّ أجمل تكرار ذلك الذي جاء في قصيدة (إنّ بعض الشيء عشق) حيث بنت الشاعرة قصيدتها على مقاطع يبدأ كلٌّ منها بحرف الاستفهام هل، في سؤال تعجّبي، ثمّ تورد عباراتٍ  توضّح الحالةً الإنسانية التي تستفهم عنها، وتختم المقطع بحكمةٍ من صميم اسئلتها التي طرحتها في المقطع، بالعبارة المكررة "إن بعض.... عشق"، تؤكّد أنّ هذه الحالة هي العشق؛ في بناءٍ أعطى للقصيدة، إضافةً لما تحتويه من أبعادٍ دلاليةٍ واسعة، وإضافة لاستخدامها التفعيلة، إيقاعاً موسيقياً رقيقاً:

„هل تراني... أنه فعلاً كساني

طيف جُنٍّ في كياني

سلب الوجدان مني

في زمانٍ كالثواني؟

هل أنا في عرف قومي

فاقدٌ كلّ المعاني؟

إنّ بعض الجُنِّ عشق

إن تنامى في خيالي

جهلٌ أعمى كلّ حالي

جعل المعشوق أسمى

فاق قدراً كلَّ غالي

وأنا في وصف غيري

أجعل الحمقَ وصالي

إنّ بعض الحمق عشق

إن تعود  الحمّى ليلاً

تسكن كلّ نهاري

رافقتني في سهادٍ

طوّقت جسمي بنار

طور روحي في احتضار

هل أنا حال انتحار؟

إنّ بعض السُّقْمِ عشقْ

هل أنا في لحدي صرتُ

فيه نومي ومآلي

وتجرَّدتُ بحالٍ

كلَّ صبحي واتصالي

وانقطعتُ دون رجعة

عن فضائي بانعزالي

هل أنا في حكم روحي

حيّةٌ أم في انفصالٍ؟

أنّ بعض الموت عشق“

نلاحظ في هذه القصيدة ظلالاً لقصيدة المواكب لجبران خليل جبران، المقاطع التي يتكرّر فيها تركيب "أعطني الناي وغنِّ"، حيث يبدأ جبران كلّ مقطعٍ من هذه المقاطع بتركيبٍ منفيٍّ بأداة النفي ليس، ويختمها بالتركيب "أعطني الناي وغنِّ"، متبوعاً بحكمة  من صميم المقطع؛ ونلاحظ، أخيراً، تشابهاً في الوزن الشعري بين القصيدتين، فقصيدة المواكب، أو تلك المقاطع التي نوّهنا عنها جاءت على بحر الرمل (فاعلاتن)، وكذلك قصيدة الشاعرة بُنيت على تفعيلة (فاعلاتن).

من أبيات قصيدة المواكب نقرأ:

"ليس في الغابات موتٌ.. لا ولا فيها القبور

فإذا نيسان ولىَّ.. لم يمتْ معهُ السرورْ

إنَّ هولِ الموت وهمٌ.. ينثني طيَّ الصدورْ

فالذي عاش ربيعاً.. كالذي عاش الدهورْ

أعطني الناي وغنِّ.. فالغنا سرُّ الخلود

وأنين الناي يبقى.. بعد أن يفنى الوجود"

أسلوب التناصّ

إنّ التماثل في بناء قصيدة (إن بعض الشيء عشق) وقصيدة المواكب، هو تناصٌّ غير مباشر؛ وهذا التناصّ غير المباشر مع قصائد شعراء آخرين ليس الوحيد، ففي أجواء قصيدة (حديث شهريار) نلمح استلهاماً واضحاً من أجواء قصيدة (كلمات) لنزار قباني...

„يخبرني أني أسّ الحياءِ       

وأنّي

أزهر في قفر القلوب أملاً

..........

يهديني قمراً

يرسمني نوراً

يقدح

....

وأنا لا أملك في جعبتي

إلا...

قطعة سكّر“

بالمقارنة مع قصيدة نزار قباني:

يهديني شمساً.. يهديني

صيفاً وقطيع سنونوات

يخبرني أني تحفته

وأساوي آلاف النجمات

وبأني كنز وبأني

أجمل ما شاهد من لوحات

وأعود أعود لطاولتي

لاشيء معي إلا كلمات"

أنماط التناصّ المباشر في الديوان

1- التناصّ مع القرآن الكريم: لعلّه أكثر أنماط التناصّ التي حملتها قصائد الديوان، بل إن حقل الدين يكاد يكون أوسعَ الحقول اللفظية في معجم الشاعرة

نرصد التناصات التالية:

* (لذّةً للشاربين)، تناصّ مع الآية: {بيضاء لذّةً للشاربين} الصافات/ 46

  • (وعلى هضاب الطهر/ يتوجّب أن تخلع/ النعلين) تناصّ مع الآية: {إني أنا ربك فاخلع النعلين إنك بالوادي المقدّس طُوى} طه/ 12

* (أهزّ إلىّ بجذع القصيدة/ تساقط عليَّ حروفاً دنيّة) تناصّ مع الآية: {وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيّا} مريم/ 25

* (تقول هيت لك!/ لا تقدّك لا من قبلٍ ولا من دبر) تناصّ مع الآية: {وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسنَ مثواي إنه لا يفلح الظالمون} يوسف/ 23، ومع الآية: {قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُدَّ من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين} يوسف/ 27

* (وها هي عجينة الصلصال تكوّرت في محراب طهري) تناصّ مع الآية: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصالٍ من حمإٍ مسنون} الحجر/ 26

* (تلقي التحية والسلام/ على المعارف الكاتبين/ قعيد الشمال/ قعيد اليمين) تناصّ مع الآية: {كراماً كاتبين} الانفطار/ 11، ومع الآية: {عن اليمين وعن الشمال عِزين} المعارج/ 37

وكذلك التناصّ مع الأدب العربي والعالمي:

* (الأسود لا يليق بي إطلاقاً)، مع عنوان رواية أحلام مستغانمي (الأسود يليق بك)

* (أم هو حلمٌ في ليلة صيف) مع مسرحية شكسبير (حلم ليلة صيف)

ختاماً

هذه قراءة أسلوبية مجتزأة لديوان الأديبة الشاعرة د. عبر يحيى، ركّزتْ على بعض الظواهر الأسلوبية، تجاوزت غيرها الكثير، ولا تزال القراءة تحتمل الكثير، وتكشف الكثير، فالمعجم اللغوي للشاعرة واسعٌ، والإحالات بالتناصّ، والانزياحات لا تكفيها قراءةٌ محدودة في زمن محدود.

***

منذر فالح الغزالي

يوم 14. 09. 2022

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5859 المصادف: 2022-09-20 03:53:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م