دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

1) إن أهمية الشعور وحضوره الفعلي الحقيقي لدى المؤمنين بالله ورسوله يمثل المرتع الخصب لتأسيس المنهج السليم لمعرفة النفس معرفة دقيقة وحيوية، وسيستنبط من خلاله ما ورد في السيرة النبوية، من ممارسة للرسول صلى الله عليه وسلم، ميدانية، عن طريق التزكية والتربية لأصحابه، قصد الحفاظ على توازنهم الشعوري والإدراكي المستنير ومراقبتهم الذاتية ومراجعتهم إياه عندما يحدث طارئ على شعورهم.

يقول الله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم"[1]، "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم"[2]، "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"[3].

كما نجد هذه الآيات الخاصة بالتعامل مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمنبهة على بعض السلوكيات التي توقع صاحبها في مرحلة غير شعورية قد لا يستفيد عندها من التزكية النبوية وآثارها، يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم.يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون.إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم".[4]

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على طبيعة التربية النبوية وطرق الاستجابة من طرف الصحابة حتى يتحقق لديهم الشعور المطابق لمقتضيات الحقيقة الشرعية والوجودية.

2) هذه الممارسة النبوية للتربية والتزكية كانت تأخذ عدة صور: منها ذات الطابع التمثيلي والبياني ومنها ذات البعد الإلقائي والإيحائي المباشر وغيره.

ففيما يخص التمثيل والرسم البياني سنجد أعظم خطاطة ورسم بياني لطبيعة النفس الإنسانية يحددها النبي صلى الله عليه وسلم حسا في وصف حالتها بين الشعور وغير الشعور ووضعية الإنسان بين العالم المرئي وغير المرئي، وذلك لكي يكون دائما على أهبة وصحوة نفسية شعورية لتقبل هذا العارض أو ذاك.

وهذا البيان سنجده في كتب الحديث صيغة ورسما كما روى البخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: "خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط خططا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيط به أوقد أحاط به، وهذا الذي خارج أمله. وهذه الخطط الصغار الأعراض.فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا "[5].وعن أنس بن مالك قال : خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا فقال: هذا الأمل وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب"[6]. وقد رسم ابن التين هذه الخطط على الشكل البياني التالي:

أما البيانات التي قد تأخذ صورة الإلقاء المحض مع تحديد طرقه وأبعاده السلوكية فنجد الرسول صلى الله عليه وسلم في أسلوبه التربوي والتوجيهي لإيقاظ النفوس وتزكيتها يوظف عدة طرق كلها تهدف إلى ترسيخ الشعور النفسي عند الإنسان وهي مرتكزة على عدة قواعد أذكر من بينها: قاعدة التكرار، والتخوُّل بالموعظة، والتفاؤل، والملاحظة الخارجية وغيرها.

فعن قاعدة التكرار نجد حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه" كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم سلم عليهم ثلاثا"[7]. وهذا التكرار قد يكون محدودا حتى يؤدي وظيفته وأثره النفسي وإلا كان التفاعل معه من باب الملل والسآمة.

لهذا فقد نجد النبي صلى الله عليه وسلم يؤسس قاعدة أخرى ضابطة للقاعدة الأولى وهي التخوُّل بالموعظة، أي الوعظ على فترات منفصلة نسبيا من حيث الزمن حتى يبقى أثر التكرار راسخا ولا يعرض المتلقي إلى الملل والسآمة، وهذا ما يمكن فهمه من الحديث عن ابن مسعود قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم. يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السامة علينا "[8].ولقد اقتدى الصحابة بهذا المنهج فكان بعضهم لا يعظ إلا مرة في الأسبوع .

أما القاعدة الأخرى فهي قاعدة الأمل والتفاؤل، وهي ذات مغزى نفسي كبير قد تحد من القلق والتوقعات الوهمية عند الإنسان، إذ الأصل المطلوب هو التيسير والسكينة والاطمئنان كما جاء في القرآن والحديث الدلالة على ذلك وترسيخه.

ففي القرآن نجد قول الله تعالى: "يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم، إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين"[9].

كما نجد عدة أحاديث تؤسس لقاعدة السكينة والاستبشار والتفاؤل وذلك إما بواسطة الوعظ أو بواسطة الرؤى أو الاختيارات الاسمية واللقبية وما إلى ذلك .

ففي الوعظ مثلا نجد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا"[10].

أما الاستبشار بالرؤى والتفاؤل بها، فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره"[11].

إذ ستصبح الرؤى ممثلة لمدرسة نفسية في حد ذاتها ومرشدا سلوكيا قد يدرك الشخص من خلالها مستواه الشعوري ومدى مطابقة تصرفاته لمقتضيات الحق. كما أن عالم الرؤى ستكون له أبعاد توقعية على عدة مستويات منها الحالة النفسية ووضعية القلوب، ومنها ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي، وسيؤدي الاهتمام بها إلى سلوك منهج تحليلي عند المسلمين[12]، هو في حد ذاته تحليل نفسي راقي سيصطلح عليه بتعبير الرؤى.

إذ نجد نماذج لهذه الأبعاد في قول الله تعالى: "إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإلى الله ترجع الأمور"[13]، "وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا"[14].

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والعقيدة

وجدة المغرب

............................

[1] سورة التوبة آية 103

[2] سورة الجمعة آية 2

[3] سورة الأحزاب آية

[4] سورة الحجرات آية 1-3

[5] رواه البخاري في كتاب الرقاق

[6] رواه البخاري في كتاب الرقاق

[7] رواه البخاري في كتاب الإيمان

[8] رواه البخاري في كتاب الإيمان

[9] سورة آل عمران آية 171-175

[10] رواه البخاري في كتاب الأدب

[11] رواه البخاري

[12] محمد عثمان نجاتي: القرآن وعلم النفس ص 206

[13] سورة الأنفال آية 44-45

[14] سورة الإسراء آية 60

 

مقدمة: أولا وقبل كل شيء، ما هي المشكلة التي تثيرها العلاقة القائمة والممكنة بين الانسانية وارتكاب الشر للأغيار؟ لأن الشر أنواع: في البداية هناك الشر الميتافيزيقي: ويتعلق بتكوين العالم وترتيب الأشياء والأحداث في العالم. في هذه الحالة، نحن نتحدث عن النقص في العالم. بعد ذلك هناك الشر الأخلاقي: فهو يصف تصرفات البشر، وبشكل أكثر تحديدًا، الفعل الذي لا يتوافق مع ما "يُحسن" القيام به (الفعل الذي لا يتوافق مع "القانون الأخلاقي"). الخطيئة، الجريمة. في حين أن الشر الجسدي في مستوى ثالث: يصف مشاعر الإنسان في مواجهة الشر الأخلاقي والشر الميتافيزيقي: المعاناة والحزن والبؤس...سؤالنا بالطبع يتعلق بالشر بالمعنى الأخلاقي، لأنه يتعلق بفعل الإنسان. الشر هو ما يعارض الخير الأخلاقي، وهو ما يقتضيه القانون الأخلاقي. ولفظ "أريد" يشير إلى الإرادة، وإلى مبدأ العمل و/أو اختيار هذه المبادئ. ويفترض الضمير والحرية. إذا كنت أريد شيئًا فذلك لأنني أقرر بحرية، لا شيء أي: لا العواطف، ولا اللاوعي، ولا الجهل يمكن أن يكون الأصل ولا أي شخص ينمو هناك. إن السؤال عما إذا كنا قادرين على إرادة الشر يعني بالتالي: هل يمكننا أن نفعل الشر عن علم، وبحرية، مع العلم أن ما نفعله هو شر؟ أم أننا لا نفعل الشر إلا بسبب العمى، أو بسبب أهوائنا، أو بسبب تاريخنا الماضي، من خلال عدم إدراكنا حقًا لفعل الشر؟ وهي تشير ضمنًا إلى أنه يبدو من المستحيل أن ترغب في فعل الشر، أو فعل الشر مع العلم أنه شر، أو فعل الشر من أجل فعل الشر. ومن الواضح أنها لا تزال تفترض مسبقًا أن الفرضية التي بموجبها يمكن للمرء أن يرغب في فعل الشر هي فرضية غير مفهومة وغير محتملة، لأن المخاطر مهمة، لأنه اعتمادًا على إجابة السؤال، سنقود إلى الاعتراف بوجود اناس غير إنسانيين أو أن ذلك الانسان ليس كما كنا نظن. هل نفعل الشر لأننا في الأساس "انسان سيء"، منحرف، وحش، وشيطان؟ هل هناك إرادة شريرة؟ أم يجب أن نقول إن هناك بشرا ليسوا بشرًا، وبالتالي فإن حقيقة الشر تعني الاعتقاد بوجود كائنات غير إنسانية؟

أولا- الجهل سبب فعل الشر

لا يمكننا أن نفعل الشر إلا إذا كنا جاهلين: لقد رأينا أن طريقة طرح السؤال تعني أننا لا نستطيع أن نريد أن نفعل الشر، أي أننا لا نستطيع أن نريد أن نفعل الشر من أجل الشر. ومن أجل معرفة الأسباب التي يمكن أن نقدمها لهذه الاستحالة، سندرس الحجج الأكثر كلاسيكية لصالح هذه الأطروحة. نجد نوعين من الحلول "غير الإرادية": 1) الأطروحة الأفلاطونية: من يفعل الشر لا يعرف ماذا يفعل، وهو مخطئ: يريد أن يفعل الخير، لكنه يخطئ في الشر بالخير ظاهريًا جدًا بوضوح في نصين لأفلاطون: بروتاجوراس، 352ب-357أ؛ مينون، 77ب-78أ. بالنسبة لأفلاطون، من يعرف الخير يفعله بالضرورة، ويتجنب الشر. لذلك نحن لا نفعل الشر طوعا أبدا. ملاحظة: تشير أطروحة أفلاطون إلى التعاليم السقراطية، التي تسمى "الفكر الأخلاقي" (الأطروحة التي بموجبها لا يمكن للمرء أن يعرف الخير ولا يفعله). ولكن ماذا يعني "لا إرادياً"؟ وسوف نميز بين ثلاث حالات: أضع السيانيد في قهوة زوجي معتقداً أنها سكر: طوعاً يعني هنا لا عمداً، بسبب الجهل. أدفع وأكسر مزهرية عندما أسقط: لا إراديًا يعني هنا أيضًا غير عمد، حتى لو لم يكن هناك جهل. أضع السيانيد في قهوة زوجي تحت تهديد السلاح: هنا، قسرا يعني دون جهل، عمدا، ولكن، دون إرادة حرة. ما يقوله أفلاطون في محاورة مينون، 78 أ هو أننا يمكن أن نفعل الشر دون قصد. فمن الواضح أن الذين يجهلون ذلك لا يرغبون في الشر، بل يرغبون في الأشياء التي ظنوا أنها خير والتي هي شر، حتى أن الذين لا يعرفون أن الأمر شرير والذين يؤمنون به، كن جيدًا، من الواضح أنك ترغب في الخير، أليس كذلك؟

مسار البرهنة على الدعوى:

إذا أراد أحد شيئًا سيئًا، فهو إما أن يعرف أنه سيئ أو يعرف أنه جيد؛

فإن اعتقد أنه خير، فإنه لا يرغب في شر؛

فإن اعتقد أنه أمر سيء، فإن رغبته هي الرغبة في الحصول على شيء سيء؛

فالشرور تضر من يحصل عليها وتجعله بائسا؛

إذا اعتقد شخص ما أن شيئًا سيئًا، فإنه يعتقد أن الحصول عليه سيجعله بائسًا؛

لا أحد يريد أن يكون بائسا (الجميع يريد السعادة)؛

لذلك لا أحد يرغب في ما يظنه سيئًا.

نجد هذه الحجة عند بروتاغوراس، في شكل أكثر تطورًا (352ب-357أ): يبدأ أفلاطون هنا من المبدأ الذي بموجبه تعتبر المتعة خيرًا. هذه الأطروحة في حد ذاتها ليست أفلاطونية، لأنها لا تدخل نظرية الأفكار في الإشكالية الأخلاقية. ما يهم أفلاطون هنا هو دحض الجمهور. ومن الواضح أن الفكر السقراطي يرتبط بشكل مباشر بشكل من أشكال النخبوية. وترتكز الحجة على نقطتين أساسيتين:

استيعاب الخير باللطيف والشر بالكريه، وهو ما يسمح لأفلاطون بإظهار أنه من السخافة أن نقول إننا نفعل الشر بينما نسعى للخير (ما لم يكن ذلك غير ارادي)؛

فكرة حساب الملذات والآلام: يجب ألا نعتبر الممتع أو المزعج فقط في لحظة معينة، بل مع مرور الوقت. من "تغلب عليه اللذات" لا يفعل الشر وهو يعلم أنه يفعله، لأنه لم يتمكن من حساب العلاقة بين اللذة والألم، أي بين الخير والشر.

عند أفلاطون، من يفعل الشر لا يريده، بل هو ضحية الوهم: يريد الخير، خيره، سواء فُهم على أنه متعة أو سعادة، فهو يفعل الشر، ويأخذه من أجل الخير. لا نستطيع أن نريد الشر، بل الخير فقط. هذا التفسير للشر الأخلاقي يعني القول بأن أصله موجود في الدوافع، في اللاوعي، في العاطفة. ليس في العقل، أو في الجزء الانعكاسي الذكي من روحنا. على سبيل المثال، إنها رغبة مفاجئة، دافع غير متحكم فيه، من شأنه أن يدفع المجرم إلى الاغتصاب، ويمنعه من التفكير في طبيعة فعله الجيدة أو السيئة. يريد ذلك، وهذه الرغبة تغلب العقل..

2  حجة الحتمية: المجرم مبرمج بيولوجيًا/وراثيًا لفعل الشر

هذه هي الأطروحة "العلمية" للأنثروبولوجيا الإجرامية في القرن التاسع عشر (لومبروسو، لو غال)، التي تؤكد ذلك. المجرم لديه عقل معيب. فهو يقتل بميل طبيعته. هناك مزاج إجرامي (وبالتالي: لقد ولدنا مجرمين). العواقب: سنقوم باستبدال القاضي بالعالم. تختفي فكرة العدالة (وما يرتبط بها من أفكار الحرية والمسؤولية) إذا لم يكن الإنسان حرًا في فعل الشر. المجرم هو شخص معيب وغير طبيعي – وحش أو شخص غير إنساني.

3) المراجعات: قد يعترض أفلاطون على أنه لا يوجد شيء يثبت أن الإنسان يفعل الخير بشكل أساسي، ولا يمكنه إلا أن يفعل الخير - أي أن إرادة الإنسان "خير في حد ذاته". بادئ ذي بدء، هذا غير قابل للإثبات. ثم تفترض أن الإنسان عازم على فعل الخير، وبالتالي فهو ضد الحرية. وأخيرًا، ألا يعني القول بأننا لا نفعل الشر إلا عذرًا مقدمًا لكل السلوك السيئ، وكل الجرائم، وبالتالي إعفاء المجرم من المسؤولية؟ لماذا لا يكون الإنسان حراً في الاختيار عن علم بين الخير والشر؟

ثانيا- احتمال سوء النية كواجب

لأنه من المريح للغاية، والمطمئن للغاية، أن نصدق أننا، البشر "الطبيعيون"، الذين لا نفعل الشر أبدًا، لن نفعل الشر أبدًا. لأن الوحوش والمجانين وما إلى ذلك هم فقط من يفعلون الشر. وعلينا بعد ذلك أن نسأل أنفسنا سؤالين:هل يمكن أن تكون هناك رغبة في فعل الشر من أجل الشر؟ أي هل يمكننا أن نفعل الشر بحرية وعن علم؟ فهل هذا الشر سوف يكون شيطانيا بالضرورة؟ هل يعني ذلك أن الإنسان "الشرير" هو شيطان، وحش، وشخص غير إنساني؟

للإجابة على هذه الأسئلة، سنناقش مع كانط وأرندت.

أ- فرضية إرادة الشر ضرورية لكي نتمكن من الحديث عن الشر الأخلاقي (كانط)

يساعدنا كانط في كتابه الدين في حدود العقل البسيط (الفصل الأول، 1 إلى 3)، على الإجابة على هذين السؤالين، ويأخذ في الاعتبار الصعوبات التي يطرحها الحل الكلاسيكي. كيف يمكن حساب الشر الأخلاقي؟ بوضع أصله في الميول الحساسة أم في الحرية؟ إنها مسألة معرفة ما هو مطلوب حتى يتمكن المرء من التحدث عن الشر "الأخلاقي" وليس فهم كيف يمكن للإنسان بحرية أن يرتكب الشر.

1) ما هو الشر الأخلاقي؟

سيسعى كانط إلى تحليل مفهوم "الشر الأخلاقي" في حد ذاته من أجل حل مشكلة أصله/إسناده. للإجابة عليه، يجب علينا أولا أن نسأل أنفسنا ما هي الأخلاق، وما هي شروطها التي لا بد منها. يكون الفعل أخلاقيًا إذا لم يتم فرضه: فالأخلاق تفترض حرية اتخاذ القرار بفعل شيء ما، وقبل كل شيء تحدد النية، وليس الفعل. لذلك، إذا قتلت شخصًا عن غير قصد، دون أن أقصد قتله، وبسبب ظروف خارجية (سواء كانت عرضية بحتة أو أكثر أو أقل، مثل الحالة التي تلي تناول الكحول وما إلى ذلك)، فلا يمكننا أن نتحدث عن فعل أخلاقي، ولا حتى، وبالتالي، ، من الشر الأخلاقي. هذا الشر ليس أخلاقيا، لأنه لا يعتمد علينا. ولا ينسب إلينا. يمكننا بالأحرى أن نتحدث عن شر ميتافيزيقي، إذا استخدمنا مصطلح لايبنتز. لذلك: إذا كان الشر يسمى أخلاقيًا، فلا يمكن أن يكون أصله ميولًا حساسة ورغبات وما إلى ذلك. في الواقع، تفترض الأخلاق الحرية، التي تتعارض مع الطبيعة. لكن الميول الحساسة تشير إلى الجانب الطبيعي/الحيواني/الغريزي في كياننا، وليس إلى الحرية! نحن لسنا المؤلفين، وبالتالي لسنا مسؤولين عن وجودها. لكي نتمكن من الحديث عن الشر الأخلاقي، يجب أن يكون أصل الشر هو الحرية. يتم تضمين هذا في المفهوم ذاته. لذلك فإن الشر الأخلاقي يصف الفعل الذي لا يتعارض مع القانون فحسب، بل أيضًا وقبل كل شيء، والذي يقوم على مبدأ شرير أي: القرار بالتصرف بشكل مخالف للقانون الأخلاقي، وانحراف القانون الأخلاقي. وقول: "الانسان سيء"، لا يمكن أن يعني إلا: "أنه عالم بالقانون الأخلاقي، ومع ذلك فقد اعترف في مبدأه بالانحراف عنه في هذه المناسبة". هذا يعني أن من يفعل الشر دون أن يعرفه/يريده حقًا، الشرير الأفلاطوني، ليس شريرًا حقًا. مبدأ أفعاله لا ينحرف.

2)  إذا كان الشر الأخلاقي يفترض الحرية، فهل هناك إرادة شيطانية؟ هل الإنسان شيطان؟

لذلك، لتوفير أساس للشر الأخلاقي في الإنسان، فإن الحساسية تحتوي على القليل جدًا؛ لأنها، بإزالة الدوافع التي يمكن أن تنشأ عن الحرية، تجعل الإنسان حيوانًا محضًا؛ ولكن من ناحية أخرى، فإن السبب الذي يحرر من القانون الأخلاقي، الخبيث بطريقة ما (إرادة سيئة للغاية) يحتوي على الكثير من العكس، لأنه بهذا سترتفع معارضة القانون إلى مرتبة الدافع (لأنه وبدون دافع (لا يمكن تحديد المحكم) ويصبح الموضوع بالتالي كائنًا شيطانيًا. ولا تنطبق أي من الحالتين على البشر. إذا كان كانط يساعدنا على التفكير في مشكلة الشر الأخلاقي، فذلك لأنه يوضح لنا أنه ليس لدينا الحق في القول إن الإنسان لا يستطيع أن يريد الشر، أي أنه لا يستطيع أن يفعل الشر طوعًا، وحرية، وعن علم؛ ولكن أيضًا، لم يعد يحق لنا أن نقول إن الإنسان الذي يفعل الشر لديه إرادة شريرة تمامًا. من شأن الإرادة السيئة تمامًا أن تتجاهل كل القوانين الأخلاقية، لكننا لا نستطيع أن نفترض غيابها لدى أي إنسان. إن الإرادة الشريرة تمامًا ستكون من عمل الشيطان، وليس من عمل رجل موهوب بالعقل. يمكننا أن نعتقد أنه إذا كانت الفرضية الأولى تؤدي إلى إضعاف الإنسان، فإن الثانية تقع في نفس الخطأ، لأن الإنسان لن يكون حرًا في فعل الشر: سيكون سيئًا، هذا كل شيء. وهكذا يسمح لنا كانط بعدم إعفاء أنفسنا مرة أخرى من مسؤوليتنا/حريتنا، بالقول إن من يرتكب الشر الأخلاقي هو فاسد، وحش، وشيطان. باختصار ليس انسانا. ومع ذلك، فإنه لا يسمح لنا بالذهاب أبعد من ذلك. بالنسبة له، في الواقع، أصل الشر لا يمكن فهمه. ويظل الشر الأخلاقي لغزا لا يمكن للعقل الوصول إليه. نود أن نفهم بشكل أفضل طريقة عمل الشر الأخلاقي، أي أن نحاول فهم ما يمكن أن يقود "الإنسان" إلى ارتكاب الشر. لأنه إذا كان مرتكب الشر ليس أقل من إنسان ولا "غير إنسان" حيوان/شيطان، أفليس هناك إنسان يستطيع أن يرتكب الشر؟ (على عكس ما يوحي به التفسيران الكلاسيكيان للشر.

ب- تفاهة الشرعند حنة أرندت

سننتقل الآن، للإجابة عليه، إلى الشخص الذي فكر أكثر من غيره في الشر في قرننا، والذي أثار جدلًا كبيرًا: إنها أرندت. من هي حنة أرندت؟ ولدت عام 1906 في هانوفر لعائلة يهودية، وتوفيت عام 1975. وكانت تفكر بشكل أساسي في السياسة، وفي العمل الإنساني بشكل عام (المفاهيم الأساسية: السلطة، والتعليم، والحرية، والديمقراطية، وما إلى ذلك). في تفكيرها السياسي، تستمد الكثير من الإلهام من القدماء (وخاصة أرسطو). وهي مشهورة بشكل خاص بعملها "أصول الشمولية" الذي يحكم جميع أعمالها. إنها تتأمل في آلية الشمولية، التي ترى أنها منقوشة في عمل مجتمعاتنا. في القرن العشرين، عادت مسألة الشر إلى الظهور بطريقة جعلت فكرة الشر ضرورة أخلاقية عمليا. لقد اتخذ الشر في الواقع شكل فضيحة، شكل ما لا يمكن إصلاحه، ولكنه أيضًا، على ما يبدو، شكل ما لا يمكن تصوره: فهو متطابق تمامًا مع المحرقة، مع إبادة الشعب اليهودي (أو "الحل النهائي"). كيف حقا أن نفكر في المحرقة؟ كيف نفهم ونفسر القتل الجماعي، الجريمة ضد الإنسانية؟ شر غير مسبوق، شر أعلى، شر غير مفهوم؟ ردت أرندت على هذا التأكيد، في مقالتها التي تحمل عنوان "أيخمان في القدس"، بأطروحة تسببت في سكب الكثير من الحبر: الشر، الذي يجب أن نفكر فيه الآن تحت صورة الجريمة ضد الإنسانية، هو "عادي". إنها أطروحته وانتقاداته التي سنستكشفها الآن.

1) قضية" أيخمان

أ) من هو أيخمان؟

أيخمان هو مقدم في قوات الأمن الخاصة، "متخصص في المسألة اليهودية". كان مسؤولاً عن طرد اليهود من الرايخ بين عامي 1938 و1941؛ ومن عام 1941 إلى عام 1945، قام بتنظيم ترحيل اليهود من أوروبا إلى معسكرات الاعتقال. وهو يطلق على نفسه اسم "الخبير المسؤول عن المسائل الفنية المتعلقة بالنقل" (وسائل النقل المعنية بالطبع هي وسائل النقل لليهود في معسكرات الاعتقال ...). اعتقلته المخابرات الإسرائيلية في بوينس آيرس عام 1960، وحوكم في القدس عام 1961، ثم حكم عليه بالإعدام. عن ماذا يسألنا؟ والسؤال هو ما إذا كان أيخمان، الذي يؤخذ هنا على أنه "عينة" للرجل الذي يرتكب الشر الأعظم، كان واعيًا بارتكاب الشر. وقبل كل شيء، يتعلق الأمر بالإجابة على سؤال ما إذا كان أيخمان انساناً "عاديًا" أم وحشًا. هذان هما السؤالان الكبيران اللذان تثيرهما مشكلتنا الأولية، كما رأينا أعلاه. كيف يمكن لأيخمان أن يصل إلى هذا؟ هذا ما تسعى حنة أرندت إلى معرفته/فهمه في عملها. بهذه الطريقة، تتناول أرندت الأسئلة الكلاسيكية وسوف تسمح لنا بلا شك بالإجابة على مشكلتنا.

ب) أيخمان، وحش: تفسير توافقي

أولاً، يجب التوضيح أن التفسير الذي تمكنا من تقديمه لسلوكه، أثناء محاكمته، يندرج في البديل الذي استنكره كانط، وبشكل أكثر دقة، ينضم إلى أحد التفسيرات الرئيسية للفعل السيئ أخلاقياً: وهكذا، فإن المدعي العام قدمه على أنه تجسيد للشيطان: سيناريو فيلم متخصص: "المدعي العام هاوزنر: سيداتي وسادتي، حضرة المحكمة الموقرة، أمامكم يقف مدمر شعب، وعدو للبشرية. لقد ولد رجلاً، لكنه عاش مثل الوحش في الغابة. لقد ارتكب أفعالاً شنيعة. أفعال مثل أولئك الذين يرتكبونها لم تعد تستحق أن تسمى رجلاً. لأن هناك أفعالاً خارجة عن التصور، وهي على الجانب الآخر من الحدود التي تفصل الإنسان عن الحيوان. وأطلب من المحكمة أن تعتبر أنه تصرف بمحض إرادته، بحماسة ولهفة وعاطفة، حتى النهاية! ولهذا أطلب منك الحكم على هذا الرجل بالإعدام. فيما يتعلق بمشكلتنا، وهي معرفة ما إذا كنا قادرين على إرادة الشر، نرى هنا أنه نعم، يمكننا إرادة الشر، لكن هذا يضعك في مستوى وحش، أو وحش. أي: من يريد الشر من أجل الشر، وهو قادر على الاستمتاع به، فهو "إنسان" غير إنساني. وهذا يرتبط إذن بالفرضية الثانية التي دحضها كانط أعلاه (وهي الإرادة الشريرة/الشيطانية المطلقة). دعونا نحدد أن هذا التفسير الكلاسيكي لقضية أيخمان يتوافق مع التفسير الكلاسيكي المماثل لـ "الحل النهائي": تم جعل هذا الحدث غير المسبوق مقدسًا، تحت اسم "المحرقة"، وأعلن أنه لا يمكن تصوره، ولا يوصف، وباختصار، يهرب بطبيعته. من كل فهم. إن الرغبة في فهم المحرقة هي بمثابة التقليل من شأن الشر، إنها فضيحة. في الواقع، أن نفهم يعني أن نضع أنفسنا في مكان ما نريد أن نفهمه، وهذا من شأنه أن يرقى إلى وضع الشر الذي نسعى لفهمه في داخلنا.

2) أيخمان، شخص عادي: تفسير حنة أرندت

أرندت، المتوافقة إلى حد ما مع كانط، تضع نفسها على خلاف مع هذا الموقف الذي يتم الدفاع عنه بشكل شائع. في الواقع، مثل كانط، تؤكد أن أيخمان لم يكن ضحية المشاعر الشريرة، وأنه لم يكن "رجلًا سيئًا"، أو شيطانًا، أو وحشًا، أو حتى "كائنًا غير إنساني"، بل كان رجلاً عاديًا "طبيعيًا". ، مثلي ومثلك. وهكذا ترسم لنا، عبر عملها، صورة رجل عادي، يتميز بغياب الفكر (التأمل) وبالاستخدام المستمر للغة النمطية، والكليشيهات المعيارية. لقد كان أيضًا موظفًا نموذجيًا، وبيروقراطيًا دقيقًا. وهناك بالتحديد تكتشف أرندت "مصدر" تصرفات أيخمان. إنه شخص عادي ضحية نظام... الذي هو أساس عمل مجتمعنا (البيروقراطية، السلطة المطلقة للدولة - على الرغم من حقوق الإنسان لدينا... -، المجتمع الجماهيري، حيث يأخذ الإنتاج والكفاءة الأسبقية على الفرد، وإنزالها إلى مرتبة الوسيلة). إن كل هذه الخصائص التي تتميز بها حضارتنا تساهم في الواقع في إبادة ضمير الإنسان، حيث يُفهم الضمير كمبدأ للتفكير وكمبدأ للتفكير في الخير والشر. التوافق مع المجموعة، والعمل بشكل جيد ولكن كل واحد في مكتبه، والطاعة للأوامر ضمن التسلسل الهرمي (وما إلى ذلك): وفقًا لأرندت، كل هذه الخصائص هي التي كان من الممكن أن تجعل الرجال، وخاصة أيخمان، يرتكبون ما لا يمكن إصلاحه. "لقد غزا نمط تنظيم المجتمع الصناعي المجتمع بأكمله: حياة مجزأة، ومهام مجزأة، ووعي مجزأ". هناك رابط وثيق يوحد العقلانية التقنية مع الفصام الاجتماعي والأخلاقي للقتلة، أيخمان وستانجل والآخرين، الذين كانوا حلقات في سلسلة من جرائم القتل، لكنهم في أغلب الأحيان لم يعتبروا مهمتهم مشكلة فنية بحتة التخصص البيروقراطي هو أساس غياب الشعور بالمسؤولية الذي يميز الكثير من القتلة والمتواطئين معهم، ويعطل الضمير الأخلاقي. لكن كن حذرا، فإن أرندت لا تعذرهم، بعيدا عما تعرضت لانتقادات بسببه. في الواقع، إنها تلومهم لأنهم لم يعرفوا كيف يفكرون حتى أنهم توقفوا عن التفكير حرفيًا. وهذه هي الجريمة التي تكمن في أصل الجريمة ضد الإنسانية. إن فهم ذلك يسمح للأجيال القادمة بعدم القيام بنفس الشيء مرة أخرى. دعونا نفكر! دعونا نمارس ضميرنا! دعونا نحذر من المجموعة! هذه هي الرسالة التي أرادت ح. أرندت أن تقدمها لنا. الدرس المستفاد من التاريخ: يمكننا جميعًا أن نفعل الشيء نفسه، فنحن جميعًا أيخمان محتملون...

ب) تجارب ميلجرام: إلى أي مدى يمكن أن يأخذنا الخضوع للسلطة؟

هذا ما تظهره لنا تجارب علم النفس الاجتماعي الشهيرة، التي أجراها في الخمسينيات أستاذ علم النفس الأمريكي ستانلي ميلجرام. الغرض من هذه التجارب: دراسة كيفية الخضوع لسلطة معترف بها كسلطة شرعية، وهي في هذه الحالة السلطة العلمية. مما تتكون هذه التجارب؟ تحت ستار التحقيق في التعلم والذاكرة، طلب ميلجرام وفريقه من الرجال والنساء تطبيق صدمات كهربائية ذات شدة متزايدة على الأشخاص الذين من المفترض أن يتم اختبار قدراتهم على الحفظ. كان على هؤلاء الأشخاص، المقيدين على كرسي، مع قطب كهربائي متصل بذراعهم، أن يعيدوا إنتاج قوائم من الذاكرة لأزواج الكلمات التي تمت قراءتها لهم. كل خطأ جديد يرتكبه الشخص يعاقب عليه بصدمة كهربائية أقوى من سابقتها. في الواقع، كانت التجربة مزورة: تمت محاكاة الصدمات الكهربائية، وذلك بفضل آلة رائعة تضم 30 رافعة تتراوح من 15 إلى 435 فولتًا، وكانت مصحوبة بكلمات تتراوح بين "صدمة خفيفة" إلى "تحذير: صدمات خطيرة"؛ كان الأشخاص على دراية بالألم وقاموا بتقليده. وبالتالي فإن ما كان يتعلق بالاختبار لم يكن في الواقع قدرات التعلم لدى المشاركين، بل طاعة "السادة" أو حتى لسلطة معترف بها كشرعية، هنا، العلماء. النتائج: ثلثا الأشخاص الذين تم اختبارهم تعاونوا حتى النهاية، أي حتى أعلى مستوى من الصدمة، حتى لو فعلوا ذلك في حالة من القلق وحتى الاحتجاج. ماذا يمكن أن نتعلم من هذه التجارب؟ أن "الناس العاديين، الخاليين من كل عداء، يمكنهم ببساطة، من خلال القيام بمهمتهم، أن يصبحوا عملاء لعملية تدمير مروعة". الأشخاص الحقيقيون الذين شاركوا في تجربة ميلجرام لم يمارسوا التعذيب فعليًا، لكنهم اعتقدوا أنهم فعلوا ذلك. كان هذا العنف منفرًا لديهم، وقالوا ذلك، لكن غالبيتهم وافقوا على أن يكونوا عملاء له، وأن يفوضوا مسؤوليتهم الشخصية إلى الجامعة. وفي صراع القيم الذي وضعوا فيه، وضعوا الشرعية التي تمنحها السلطة العلمية قبل المبادئ الأخلاقية التي كانوا على علم بخيانتها.

3) ما هو الاستخفاف الحقيقي بالشر؟ هل يكمن في تحريم فهمه ، أم في البحث عن تفسيره؟

هل تستهين أرندت بالشر، وهل تنكره، كما تعرضت للانتقادات؟ على العكس من ذلك، فإن الذين يتهمونه بالتقليل من شأن الشر هم الذين يرتكبون جريمة الفكر، من خلال اختزال واجب الذاكرة في كونها مجرد مشهد، وليس تفكيرا. راجع السطور الأخيرة من "في مديح العصيان": "عندما يتحول الحدث السياسي إلى خبر مثير للشفقة، تشل الشفقة الفكر، ويتحول التطلع إلى العدالة إلى عزاء إنساني. وهنا يكمن استخفاف الشر". ومن الخطر أن نقول، مثل لانزمان، إننا لا ينبغي لنا أن نفهم الشر، بحجة أن الرغبة في فهمه تضع أنفسنا في مكان المجرمين. في الواقع، أليس من المطمئن أن نعتقد أن المجرمين يحملون في داخلهم شرا فطريا نحن مستثنى منه مسبقا؟ أليس هذا في نهاية المطاف، بالإضافة إلى الشعور بالأمان، خطرًا، لأنه أيضًا فقدان اليقظة تجاه ما يمكن أن يقودنا إلى فعل الشر؟

خاتمة

"هل يمكننا أن نفعل الشر؟" على هذا السؤال، قادنا للإجابة بنعم. إنه يزعجنا، هذا صحيح. ولكننا رأينا أن قول العكس يؤدي إلى إضعاف صاحب الأفعال السيئة. وأنا أصر على أن فرضية أرندت، التي تدعم تفاهة الشر، لا ترقى إلى مستوى تبرير أيخمان، بل على العكس من ذلك. تتهمه بالتوقف عن التفكير. اذا كان الجريمة ضد الانسانية شر لا يمكن نسيانه وغير قابل للتقادم والصفح فلماذا تستمر الدول الاستعمارية الامبريالية في ارتكابها ضد الشعوب التي تناضل من اجل تقرير مصيرها بنفسها؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

المصادر والمراجع:

Arendt, Eichmann à Jérusalem, rapport sur la banalité du mal, Folio Essais, 1966 (écrit après le procès d’Eichmann)

G. Bensoussan, Auschwitz en héritage ? -D’un bon usage de la mémoire, 1001 Nuits, Les Petits Libres, 1998

R. Brauman et E. Sivan, Eloge de la désobéissance –A propos d’un " spécialiste " Adolf Eichmann, Le Pommier, 1999 (contient le script du documentaire Un spécialiste, sorti en salles en 1999)

Kant, La religion dans les limites de la simple raison, Chapitre I, Vrin

C. Lanzmann, Shoah, Folio Essais (tiré du film, sorti en 1985)

Leibniz, Essais de théodicée, Folio

P. Levi, Si c’est un homme

S. Milgram, Soumission à l’autorité, Calman Levy, 1974

Platon, Ménon ; Protagoras ; La République ; Phèdre

Revault D’Allonnes, Ce que l’homme fait à l’homme, Essai sur le mal politique, Champs Flammarion, 1999

Shoah (article), in Encyclopédie universelle.

قدمنا في الحلقة السابقة من هذه الدراسة المبررات التي دعتنا الى الأخذ بتجربة الإمام علي (ع) كأنموذج للحكم في الإسلام، وقد ذكرنا فيها الأسباب الموجبة لذلك، وفي هذه الحلقة سنستعرض هذا الأنموذج، وما أختص به من ممارسات، وسيتضح من خلالها كيف أن الإمام وَظف كليات وقواعد الفقه السياسي الإسلامي، والمنظومة الأخلاقية، وأثر المعتقد على سلوكه وطريقة عمله السياسي في مجال الدولة وَسَيرعملها . وفي هذه الحلقة سنبدأ بالخطوة الثانية التي قام بها الإمام بعد خطوة أسترداد الأموال المسروقة من الفاسدين، وسراق المال العام:

2- العدالة والالتزام بالقانون:

وهو الشعار والمحور الذي تدور حوله سياسة الإمام علي (ع)، كيف لا والرسول (ص) يقول (علي مع الحق، والحق مع علي) (الهيثمي في مجمع الزوائد، ابن المغازلي في المناقب، وابن عساكر في تاريخ دمشق). كان شعار علي (أعدل تحكم) (ميزان الحكمة ج6 الشيخ الريشهري)، وهو القائل (العدل أفضل السياستين) (ميزان الحكمة:ج6)، فكان الألتزام بالقانون هو قطب الرحى في حركته الأصلاحية السياسية، فقد حرص الإمام على أداء حكومي عادل بعيد عن الممالئة والمحاباة، والمحسوبية والمنسوبية التي تميز حكم من كان قبله، فلا مجال للقبائلية والعائلية والمناطقية في تطبيق أحكام القضاء، وقد ضرب مثل أعلى بنفسة لكي يكون درس بليغ لغيرة بأن القضاء خط أحمر لايمكن تجاوزه، وأن حادثة قضائية حدثت له مع يهودي، فقد قاضى رجل يهودي الإمام على درع أدعى له، فأستجاب الإمام للدعوة القضائية، ووقف أمام القاضي مع اليهودي على حد سواء، وأنكر الإمام على القاضي عندما كنى الإمام وهو في دار القضاء، وهناك حداثة أخرى تكشف عن حالة يكون هو المنفذ للقانون بها، بأعتباره يمثل السلطة التنفيذية بالدولة، وهي حينما أقر القانون حَدّ رجل من بني أسد، فجاء جمع من قومة مصطحبين معهم الحسن (ع)، معتقدين إن أصطحابهم للحسن (ع) سيكون نصيب المتهم الأعفاء من العقوبة، فكلموا الإمام (ع)، فقال لهم: لاتسألوني شيئاً إلا أعطيتكم فخرجوا وقد تيقنوا أنهم فلحوا بتحقيق ما أرادوا، ولكن علي (ع) أخرجه وأقام عليه الحد، ثم قال (هذا والله لست أملكه) (موسوعة الإمام علي ج4 ص130 نقلاً عن المناقب لأبن شهر آشوب ج2 ص147)، فالسياسة في نظر الإمام ليست هدفاً بحد ذاته، وأنما هي وسيلة لتحقيق هدف سامي، وهو أقامة حكومة العدل الإلهي، كما أن الأمام يعتبر العدل أساس الأستقرار السياسي، فقد قال في عهده لمالك الأشتر واليه على مصر (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأتمها في العدل، وأجمعها لرضى الناس)، ومن صفحات عدل حكومة علي (ع) هو توزيعه للثروة بشكل عادل ومنصف، وهذه قضية مهمة وغاية بالحساسية لأستقرارالمجتمعات وأستباب السلمي المجتمعي، لأن العدالة في التوزيع يشعر الناس بالأنصاف، مما يكسبهم الثقة بالدولة والشعور بالأطمئنان، ويكرس حالة الأحترام لها . ومن صور العدالة في دولة الإمام هو المساواة بين رعايا الدولة بغض النظر عن دينهم ولونهم وقوميتهم، ولا بين فقير وغني، فالكل متساوون أمام القانون، فهناك قول مشهور للإمام (ع) يقول فيه (الناس أما أخ لك بالدين أو نظير لك بالخلقة) فلا أمتيازات ولا حصانات خاصة، وأن من أرقى صور المسؤولية القانونية هو الكشف عن ذمته المالية، وهذا يكشف عدم حصانة أحد أمام القانون، فقد قال في هذا الصدد لأهل الكوفة (يأهل الكوفة ان خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن) (الإمام علي ومشكلة نظام الحكم) وهذه ألتفاته لم يسبقه بها أحد، فهو يرى نفسه موظف على أموال المسلمين، وقد طُلب منه بأمتيازات مالية من قِبل سياسين كبار فرفض ذلك، فهو القائل (لو كان المال مالي لسويت بينهم، فكيف والمال مال الله) فقد كان شديد الحرص بالذمة المالية ، فالأمام كان بأمكانه آنذاك والظروف الأجتماعية والثقافية مؤاتية له وتساعدة في بناء حكم ثيوقراطي أو أوتوقراطي، وهي أشكال حكم تتيح للحكام القدامى من ملوك وأباطرة أن يستئثروا بكل الثروات والأمتيازات، ولكن الإمام لا تشغله الثروات ولا الأمتيازات بكل أشكالها، وهو القائل (يادنيا غرّي غيري قد طلقتك ثلاثا) (نهج البلاغة) فكان الإمام زاهداً بالدنيا، وهذه بالحقيقة أهم ميزة للحاكم الصالح والأمين لأن المال والملك كثيراً ماتغري الإنسان وتسقطه في حبال الغرور والأثرة، والقرآن الكريم يصف الإنسان (وإنه لحب الخير لشديد) (العاديات:8). كان الإمام من شديد حرصة على تطبيق العدالة، والدعوة لأنصاف الرعية، فمن وصاياه للأشتر في عهده له (وأنصف الناس من نفسك ...ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده)، وضمان أستقلال البلاد، وتأمين الحصانة للقاضي لسير العملية القضائية على أتم صورة، لضمان النزاهة والموضوعية في القضاء، وتأمين الحقوق المدنية للمجتمع، نراه يؤكد على توفير مستلزمات عيش القاضي لكي لايضعف أمام قوة المال، ويُدفع به الى محاباة من يرشيه بالمال، لذلك نراه في عهده الى مالك الأشتر (واعطه (ويعني القاضي) من المنزلة لديك ما لايطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن من ذلك أغتيال الرجال له عندك وأنظر في ذلك نظراً بليغاً) (نهج البلاغة).

3- تعامله مع المعارضة:

لا يعتبر الإمام (ع) المعارضة سواء كانت فكرية أو دينية كأصحاب الأديان الأخرى، سياسية كالخوارج وغيرهم حالة مزعجة، بل يعتبرها حالة طبيعية، مادامت لم تسلك طريقاً عنفياً وفوضوياً، يتعرض فيه السلم المجتمعي والدين للخطر، والدليل على ذلك، فقد كان يعرف في معارضة طلحة والزبير له، ومايضمرونه من غدر له، إلا أنه لم يتعرض لهم بسوء، ولايحاسبهم على مايضمرون، وتركهم وشأنهم، لأن لا عقوبة عنده بدون جريمة تقترف، فتركهم وشأنهم مادام لم يبدر منهم مايزعزع أمن النظام السياسي، ويؤثر سلباً على الأمن المجتمعي، على الرغم من علمه بسبب خروجهم من المدينة، وكان يعلم أنهم سيغدرون، حتى قال لهم بعد أن أستأذنوه بالذهاب الى مكة للعمرة، فقال لهم (والله ماتريدان العمرة، ولكنكما تريدان الغدرة) (علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ-محمد الشهري ج5) ومع ذلك لم يسعى الى أعتقالهم، ومنعهم من مغادرة المدينة المنورة، فهو لايحاسب على النوايا والظن، كما يحاسب معاوية بن أبي سفيان، وكل الحكومات الدكتاتورية، ولم يُعرف عنه أنه كره أحد على بيعته، وقد قال ذلك لطلحة (أني ما كرهت أحداً على البيعة، ولو كنت مكرهاً أحداً لأكرهت سعداً وابن عمر، ومحمد بن سلمة وأعتزلوا فتركتهم) (علي ومناوؤه:الدكتور نوري جعفر)، كما أن الأمام لم يستخدم سلطته في الدولة ومركزه الوظيفي كأداة للوي أذرع خصومه وأستغلاله في أخضاعهم له بالقوة، فقال للخوارج رغم معارضتهم القوية له وتكفيره، فكان رده (كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا) ولم يكفرهم بالرغم من تكفيرهم له، بل قال (إخوان لنا بغوا علينا) بل كان يضرب مثل بالتعايش السلمي وأحترام معتقدات الآخرين، حتى أن الخوارج رغم تهديدهم للدولة التي يرأسها الإمام، وأجمعوا على أن يخرجوا عليه، وهناك من قال له أن القوم خارجون عليك، فيرد ويقول فأني لا أقاتلهم حتى يُقاتلوني، وسوف يفعلون (تاريخ الرسل والملوك/تاريخ الطبري)، وأكثر من ذلك كان لايقمع رأياً، ولا يسكت صوتا، حيث قام له رجل من الخوارج في مسجد الكوفه وهو يخطب، فقال له الرجل لا حكم الا لله، وقام آخر فقال له نفس القول، فرد عليهم الإمام (ع) (الله أكبر كلمة حق يُلتمس بها باطل أما أن لكم عندنا ثلاثا ماصحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها أسمه، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا)، فقد كان الخوارج يجاهرون بتكفير الإمام، ويصرحون بذلك أمامه، وهو لم يستعمل القوة ضدهم ماداموا لايستخدمون هم القوة، وخير دليل ماقال له بن عبد الرحمن بن سعيد البكائي وكان خارجيا، وكان الإمام يخطب (ولقد أوحى إليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (الزمر:65) فجاوبه الإمام (ع) (فاصبر إن وعد وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) (الروم:60) فقد حاوره الإمام ولم يصده بعنف كحاكم يمتلك القوة والمنعة، فكان صدره يتسع لهكذا معارضة تتسم بالوقاحة وعدم اللياقة في معارضتهم، فالإمام لا يستخدم القوة المسلحة لردع الخصم، سواء كان داخلي معارض أو خارجي إلا أذا كان يمارس العنف المسلح كما حصل لحروبه الثلاثة (صفين مع معاوية، والنهروان مع الخوارج، والجمل مع طلحة والزبير)، فالأمام لم يرغب بأستعمل القوة مع معارضيه، والدليل كان يحاورهم بنفسه قبل المعركة، وأحياناً يرسل لهم ابن عباس في محاورتهم لأقناعهم بالرجوع عن الحرب، في حين كان معاوية يقتل معارضيه على الظن، وهناك كلمه معاوية يأمر بها شرطته ويقول لهم (خذوهم بالظنّة وأقتلوهم بالتهمة).

4- سياسة الإمام الاقتصادية والمالية:

يعتبر الجانب الأقتصادي من الجوانب المهمة والحساسة في أستقرار وتنمية الدول، وخاصة جانب التأمين الغذائي . فأهمية الموضوع هي من دعت الإمام الى القول (لولا الخبز ما عُبدَ الله) ولأهمية هذا الجانب يقول أحد المفكرين (أن الخبز قبل الشعار)، ولحساسية الموضوع أتبعت بعض الأنظمة سياسة التجويع من أجل تركيع الشعوب وأذلالها وبالتالي أستسلامها، كما أن الإمام جعل من العامل الأقتصادي عنصراً مهماً في الأستقرار الجتماعي لذلك حرص على تقليص التفاوت الأقتصادي بين طبقات المجتمع، لأن كلما أتسعت الفجوة بين الطبقات الأجتماعية مالياً، كلما يدفع بأتجاه التذمر والسخط الشعبي مما يدفع بأتجاه العنف، فيشتعل الشارع بأقل شرارة تُطلق بالهواء، وهذا ما دعى الإمام الى أسترجاع الأموال التي أُخذت بغير حق، وقد أشرنا الى ذلك بالحلقات السابقة في باب أسترجاع الأموال المنهوبة من بيت المال، وهنا نذكر حادثة وردت بأن الأشعث بن قيس أصاب مائة الف درهم، ويُقال أقطعه عثمان أياها عندما أستعمله على أذربيجان فأمره الإمام بأحضارها فدافعه، وقال يأمير لم أصبها في عملك قال (والله لئن أنت لم تحضرها بيت مال المسلمين لأضربنك بسيفي هذا ...فأحضرها ووضعت في بيت المال). كانت الضرائب أحد مصادر تمويل الدولة، وأحد أهم موارد الأعانة التي تُقدم للمحتاجين من رعايا الدولة (الطبقة الفقيرة)، ومع ذلك كان يوصي جامعي الخراج بالتسامح فقد نبه في عهده لمالك الأشتر الى هذا الجانب، بأن لايمارس عملاً تعسفياً في جباية الضريبة من دافعي الضرائب، فيقول له (ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم..)، فقال لرجل من ثقيف أستعمله الإمام في جباية الخراج (أياك أن تقرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج ...فأنما أمرنا أن تأخذ منهم العفو) وقال لآخر (لا تضربن سوطاً في جباية..)، فلم تكن سياسة الإمام في جباية الضرائب سوطاً مسلطاً على رقاب الناس كما فعل الكثير من الحكام قديما وحديثاً، حيث أثقلوا كاهل المواطن بها لأغراض الحاكم الخاصة، وليس من أجل التوزيع العادل بين جماهير الشعب، أضافة على حرص الإمام على أموال بيت المال، كان ينزل الى الأسواق بنفسه ويراقب الأسعار، ويحذر من الغش والخداع في عمليات البيع والشراء، فكان يركب بغلته الشهباء ويجول الأسواق سوق سوق فيأتي لسوق اللحامين فيقول بأعلى صوته يامعشر القصابين لا تنخعوا، ولاتعجلوا الأنفس حتى تُزهق، وإياكم والنفخ في اللحم للبيع، ثم أتى التمارين فقال أظهروا من رديء بيعكم ماتظهرون من جيده، ثم يأتي السماكين فقال لاتبيعوا إلا طيباً وإياكم وماطفا) وكان يقول لهم (..وتبركوا بالسهولة، وأقتربوا من المبتاعين .. وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب ..ولاتقربوا الربا وأوفوا بالكيل والميزان، ولاتبخسوا الناس أشياءهم ..) (الكافي، تهذيب الأحكام، الأمالي للمفيد) . ومن أعمال الأقتصاد هي الضرائب، التي هي مصدر من مصادر المال للدولة، حيث توظف لأعمار منشأت البلد ومشاريعها، ومساعدة ذوي الدخل المحدود من الرعايا، والمحتاجين من الفقراء والمرضى، والأيتام والأرامل من النساء، فقد أولى الضريبة (الخراج) أولوية كبيرة، وقد قدم توصيات مهمة في كيفية التعامل مع الذين يُخذ منهم الخراج، وأكد على نوعية الجابي له، وما يجب أن يتمتع به من مواصفات أخلاقية، وقد جاء ذلك في عهده لمالك الأشتر وهي وثيقة هامة كنظرية عمل في كيفية أدارة الحكم، حيث قال له في هذا الصدد (وَتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ..لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في أستجلاب الخراج لأن ذلك لايُدرك الا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره الا قليلاً)، وهنا يركز الأمام على أن من أولويات أستثمار الضريبة هو العمران، وكل ما تتطلبه عملية أصلاح المجتمع، لأن الخراج في نظره ليس لذاته، وأنما لتطوير وأصلاح الحياة الأجتماعية، كما أن الإمام يٌشير على عامله في أختيار موظفي جمع الضريبة (الخراج) من الكفوئين وأصحاب الأمانه، فيقول (فعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانه وجهاً ..)، فقد كان الأمام (ع) شمولي بنظرته في تنظيم الجانب الأقتصادي مما أولاه عظيم الأهمية والأعتناء، فنراه يوصي بكيفية معاملة التجار لأنهم عصب الحياة الأقتصادية، فيوصي عامله الأشتر في عهده له (ثم أستوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوصي بهم خيراً.. فأنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح . أعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً، وأحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، عيب على الولاة، فأمنع الأحتكار، فإن رسول الله (ص) منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لاتجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكره بعد نهيك إياه فنكل به وعاتب في غير أسراف)، نلمس من خلال ذلك أن الأمام يوجه ولاته في الحياة الأقتصاديه أدق توجيه، وفي غاية الدقة من أجل أن تنتعش الحياة الأقتصادية والمالية، وبنفس الوقت يمنع الأحتكار في السوق، وذلك لمنع الأستغلال .

5- الرعاية الأجتماعية:

لقد أولى الأمام علي بن أبي طالب (ع) الطبقة المسحوقة من الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل الأهمية القصوى، فقد جهد الأمام نفسه، وبذل كامل طاقته في محاربة الفقر، حتى أن له قول شهير يكشف عن أهتمامه بهذا الجانب، وأمتعاضه منه، حيث قال قولته الشهيرة (لو تمثل الفقر لي برجل لقتلته). الأمام يعرف تداعيات الفقر، وما يمكن أن يسببه من أمراض وعيوب أجتماعية، وما يعكسه على الفرد من أمراض نفسيه وعيوب أخلاقية، ففي قول له (ع) (إني أخاف عليك الفقر فأستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت)، لهذا نرى الأمام (ع) حريص على توصية عماله بالعناية الشديدة بالطبقة المسحوقة من المجتمع، عن طريق تخصيص المبالغ المالية لهم من بيت المال، حيث يقول للأشتر في عهده (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لاحيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤس .. وأحفظ لله ما أستحفظك من حقه فيهم، وأجعل لهم قسماً من بيت مالك .. فأن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى .. وتفقد أمور من لايصل أليك منهم ...فأن هؤلاء من بين الرعية أحوج الى الأنصاف من غيرهم .. وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقة في السن، ممن لاحيلة له..)، نرى من خلال هذه الوصية أن الأمام يعمل الى بناء مؤسسة كبيرة لرعاية الطبقات الفقيرة من المجتمع، كل المجتمع بلا تميز بين مسلم وغيره من اليهود والنصارى وغيرهم، ودليل ذلك عندما شاهد رجل كبير كفيف يطلب المساعدة، فسأل عنه فقالوا له أنه رجل نصراني فقال (أستعملتموه حتى أذا كبر وعجز منعتموه ! أنفقوا عليه من بيت المال) (المعرفة والتاريخ: يعقوب بن سفيان بن جوان المتوفي 277 ه) تحقيق أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية 1981)، وهذا دليل على وجود مبدأ المواطنة في دولته ونظامه السياسي القائم على مباديء الإسلام، وأعتبرأن ما تعطيه مؤسساته الحكومية ليس مِنه منه ولا من ولاته، حيق قال للأشتر في عهده (وأياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك) وأعطاءها حقوقها، والدعوه الى رعايتها، فهو سبق دول كبرى في عالم اليوم في أنشاء هكذا مؤسسة ترعى الطبقات المسحوقة من المجتمع، وهكذا مؤسسات أُنشئت حديثاً في العصر الحديث، بعد الحرب العالمية الثانية، تحت مسمى (مؤسسات الرعاية الأجتماعية) .

6- سياسة السلم:

كانت سياسة الإمام (ع) تؤكد على حالة السلم المجتمعي داخلياً، وكذلك خارجياُ مع الدول الأخرى، فكان الإمام يدرك جيداً ما تولده الصراعات الداخلية من فوضى، ودمار لبنية البلد، وماتتركه من خطر على السلم الأهلي، وتقديراً لتبعات وضرر الصراعات الدموية، دعى واليه على مصر في عهده له (أياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدنى لنقمة، ولا أعظم لتبعه، ولا أحرى بزوال نعمة وأنقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها) . فالإمام أبدى حرصاً شديداً بمنع سفك الدماء، وأحرص ما يكون على السلام الذي شدد عليه بالتوصية الى عماله، وهنا نذكر ما وصى به واليه على مصر الأشتر النخعي، حيث قال له محذراً (ولاتدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك، ولكن الحذر الحذر من عدوك بعد صلحه ..وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، وراع ذمتك بالأمانة .. فلا تغدرن بذمتك، ولاتخيسن بعهدك، ولا تعقد عقداً تجوز فيه العطل، ولاتعولن على لحن قول بعد التأكد والتوثقة ..) . نلمس من ذلك حرص علي (ع) على السلام، ومن حرصه الشديد يُنبه الى كتابة العقود والمعاهدات بدقة حتى لا تكون مدعاة للتجاوز والتفسير المتسم بالغموض الذي يكون سبب لأندلاع الصراع مرةً أخرى . من المعروف من تاريخ الحروب التي خاضها الإمام (ع) أنه كان يبدأ بالتفاوض مع خصومه أما هو من يقوم بالتفاوض والمحاورة، وأما يرسل أبن عباس لمحاورة الخصم، كما أنه من مبادئه التي لا يميل عنها أنه لايبدأ الحرب حتى يبدأها خصمه، وهو القائل لقواد جيشه عندما خرج لقتال الخوارج بالنهروان (دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يُقاتلوني ..) (تاريخ الرسل والملوك-تاريخ الطبري:دار التراث بيروت).

7- تنظيمه الأمني:

أولى الأمام علي (ع) الجانب الأمني عناية عظيمة لما لها من أهمية وما يشكله الأمن من عظيم التأثير على الحياة العامة، وعلى الدولة بشكل خاص، فقد ورد عنه قوله في هذا الصدد (شر البلاد بلد لا أمن فيه ولا خصب)، فنرى كيف يعطي للجانب الأمني من أهمية قصوى، كذلك كان يوصي عماله بأقامة عمل أستخباراتي في ملاحقة الأعداء، والمجرمين، ومتابعة موظفي الدولة، حيث يُسمي هذا الجهاز بالعيون، فيقول (فأسئل عنهم أهل بلادك وأجعل عليهم العيون في كل ناحية..)، وهؤلاء يُسمون حالياً بالأمن والأستخبارات المدنية، كما أن الأمام عمل على أستحداث خط مدني أستخباري، وهذا يعتير هيكل أو هرم أداري غير رسمي (عيون)، يكون بالتوازي مع الجهاز الحكومي الأمني، يراقب به موظفي الدولة، وقد ورد له كتاب الى كعب بن مالك، يقول فيه (أما بعد فأستخلف على عملك وأخرج في طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض كورة السواد فتسأل عن عمالي، وتنظر في سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب) (موسوعة الإمام علي ج4 ص138-139 نقلا عن تاريخ اليعقوبي ج2ص204)، ولكن بالتوازي مع هؤلاء هناك ما يُسمى بالجانب الشرطوي، حيث أسس جهاز يُسمى بشرطة الخميس، وهي تشبه بما يُسمى اليوم بشرطة الطواريء، وهم يمثلون الجانب العسكري الشرطوي للأمن الداخلي .

8- رؤيته في اختيار موظف الدولة وأرشاداته في تقديم الخدمة للناس:

حرص علي بن أبي طالب (ع) شديد الحرص في عملية أختيار العاملين في جهازه الحكومي، لذلك نرى في بداية أستلامه للحكم، قام بعملية تنظيف للجهاز الحكومي، فقام بطرد الفاسدين منه، وقد سببت عليه هذه الخطوة متاعب كثيرة، وقد نُصح بالتوقف عنها أو تأجيلها الى حين، ولكن الأمام رفض ذلك بقوة، لأنه جاء بسياسة أصلاحية جذرية وثورية لاتقبل التهادن ولا التراوغ، وقد لمسنا رفضه بقاء معاوية في الشام رغم ظرفه الصعب، فقال (ماكنت متخذ المضلين عضدا) (الكهف:5). فكان الأمام (ع) يتبع في سياسة التوظيف الحكومي أُناس من أهل الخبرة، والتجربة، ومن ذوي الأخلاص والأيمان والأخلاق العالية، تكون حارسةً لهم، وضمانة تكفل نزاهتهم في العمل الأداري والمالي والقضائي، ونلمس ذلك بوضوح في عهده للأشتر النخعي في توجيهه على أختيار معاونيه، فيقول (أنظر في أمور عمالك، فأستعملهم أختباراً ولاتولهم محاباة وأثرة .. وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام، فأنهم أكثر أخلاقاً وأصح ..ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على أستصلاح أنفسهم، وغنى لهم من تناول ماتحت أيديهم، وحجة عليهم .. ثم تفقد أعمالهم وأبعث العيون من أهل الصدق عليهم..) . تعليمات وضوابط بغاية الأهمية تنم عن فكر أداري عظيم أذا نظرنا الى العمر الزمني، والظرف التاريخي لهذه القواعد والتوجيهات الأدارية، التي تدل على أن صاحبها يحمل فكر قيادي، ومهارة أدارية سياسية في علم الدولة، فنرى توجيهات الإمام (ع) في العمل الأداري للموظف الحكومي واضحة في عدم التراخي، والتكاسل في أداء مهامهم، فيقول في هذا الصدد لولاته (ثم أمور من أمورك لابد من مباشرتها: منها إجابة عمالك يعي عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك .. وأمض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم مافيه..). ويقول (.. وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها.. فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه، وأياك والأستئثار..) . أما تأكيده على ذوي الكفاءة، فله كلمة تصلح شعار في علم الأدارة، يقول فيها (من رُفع بلا كفاية وضع بلا جناية) (غرر الحكم).

قبل أن أنهي دراستي رأيت من المهم أن أشير الى ملاحظة في غاية الأهمية، وهي الرد على بعض من أشار منتقداً تجربة الإمام بالحكم، على أنها كانت فاشلة لأنه لم يستعمل أدوات السياسة المكيافيلية (الدهاء والمراوغة والخداع ..)، أن الإمام ما كان ينوي أن يبني نظام سياسي قائم على الخداع والمراوغة لأن أحد أعمدة ومرتكزات نظريته السياسية هي الأخلاق، وهي عنصر عظيم الأهمية في نظامه السياسي، وهذا مايميزه عن غيره، من سياسات خصومه، وخاصة ممن عليهم مؤشرات فساد مالي، وكذلك أصحاب المطامح السلطوية مثل معاوية بن أبي سفيان، وهنا أقول لهم أن الأمام لا يُريد أن يكون لتجربته السياسة أن تقوم على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة كسنّة لما يأتي من بعده، لتكون قاعدة لهم يتحججون بها عند حكمهم لرعاياهم بأساليب لاأخلاقية ومنحرفة، فهو أراد أن يكون نموذج سياسي أخلاقي يُحتذى به من بعده، وكتراث وتجربة يُعتد بها للمستقبل، فهو ممن يجعل من السياسة في خدمة الدين والمجتمع، باعداً أياها من كل منطق مصلحي أستحواذي، تكون فيه السياسة مطية لأصحاب المصالح الشخصية، ومن المغامرين من السياسيين ذوي الميول السلطوية . فالإمام (ع) ليس ممن يهوي أيهام الجماهير ليصبح عليهم سيداً، بل كان رجل قاد نظام سياسي دمج فيه الأخلاق مع الممارسة السياسية. كما من الضروري أن أشير للقاريء الكريم أن ماقدمته في هذه الدراسة لا أدعي فيها بأن ما جاء فيها من تصور هو يمثل ما جاء به النص الإسلامي المقدس تماماً، بل هو يمثل مقدار فهمي لما قرأته من النص الديني الإسلامي بأنه نص يحمل في ثناياه نظرية حكم في الأسلام لها خصوصيتها التي تنفرد عن غيرها من نظريات السياسة الأخرى، وأن تجربة الأمام علي (ع) في الحكم تجسدت بها كل مقومات النظام السياسي، المتمثل بوجود الشعب، والأرض (المنطقة الجغرافية، والنظام السياسي (الدولة بكل مؤسساتها:القضائية والسياسية والمالية) .

***

أياد الزهيري

من الممكن القول مبدئيا بأن غياب الشعور ذي الأسس العقدية والروحية قد يدخل الإنسان في مرحلة الطغيان والعمه والضلال، مما سيترتب عنه في الغالب وضع نفسي غير مشعور بخلفياته، ألا وهو الدخول في مرحلة جبرية وسلوكية وتصورية هي نتيجة التراكم المنحرف والمنقطع عن مصدر الشعور ومرتكزاته!!!.

وتتجلى صور هذا التراكم ونتائجه في عدة صيغ عبر عنها القرآن مرة بالختم ومرة بالطبع والأقفال وما إلى ذلك، كما في قول الله تعالى: "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم"[1].

فهذا الختم وعلاقته بالشعور ستدل عليه الآية المباشرة للسابقة وهي قول الله تعالى: "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون".

فالختم قد يصبح ذا أثر جبري في سلوك الإنسان الباطني والظاهري وسيصير هو القاعدة وغيره الاستثناء. كما في قول الله تعالى: "إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم"[2]، "ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون"[3]، " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم، ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون"[4].

هذا الانقطاع عن الحقيقة سيكون بمثابة إصابة مرضية قد مست المرتكزات الشعورية عند الإنسان كعناصر إدراكية رئيسية تعمل عمل الحجب والإقفال والأكنة كما عبر عنها القرآن في قول الله تعالى: "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي أذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا"، "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"[5].

فهذه الأوصاف كلها ذات دلالات تميل نحو إعطاء مغزى غير شعوري للإنسان المتصف بها، لأنها تصوير مادي لحالات نفسية ووصف لها أصدق وصف، قد يمثل الانقطاع أو الاحتجاب عن الذات وعن الخارج وعن الخطاب ومناسبته لتقبل المخاطب، مما يعني غياب الشعور به كليا أو شبهه، وهي نتيجة تراكم انقطاعات إرادية أدت إلى ما اصطلح عليه القرآن والحديث بالرَّان، مما سبب الاحتجاب عن الحق كما دل على هذا قول الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"[6]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب واستعتب صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله فيه: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"[7].

فالآية والحديثان يؤسسان مبدأ التراكم غير الشعوري لدى الإنسان والذي قد يصير في النهاية متحكما في سلوكه، يصوغه ويتمظهر بحسبه .

فالختم أو الطبع أو الإقفال والأكنة وغيرها من المصطلحات التي عبر عنها القرآن هي نتيجة هذا الرَّان وتراكماته، مما سيجعل الشخص مناقضا لمصلحته بحسب مستوى ذلك التراكم والختم المترتب عنه، فتصبح حينذاك حالة الإنسان السلوكية والتصورية حالة غير شعورية.

إذ غياب الشعور وغياب الإرادة معنيان متقاربان في صورة من الصور، كما أنهما متقابلان مع الشعور وغير الإرادة بالنسبة إلى المستبصر، وغير الإرادة إما أن تكون بالشعور أو بغير الشعور، إلا أن هذه الأخيرة قد تكون من نتائجه غير السليمة وهي: الطغيان والعمه والضلال والهلاك وما إلى ذلك، وقد تصل درجة غياب الشعور مع وجود الإرادة إلى مستوى سيصبح الشخص معه متناقضا في قصده الإرادي للعمل وشعوره به.

بحيث سيطغى عليه القصد فيفقد معناه وفكرته، فلو ذكر به لما تذكره، نظرا لأنه يكون قد خرج من طور النظر إلى طور التنفيذ العملي، فحجب العمل النظر وتناقضا فيما بينهما، لأن القصد قد السلام: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب وأوحينا إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون"[8].

إذ رغم إعلامهم مسبقا وتذكيرهم بخيوط المؤامرة فقد بقي إخوة يوسف غير آبهين لأنهم كانوا قد انقطعوا عنه إلى العمل فلم يتعظوا به ولم يشعروا بمدلولات إنبائه لهم كما نصت عليه الآية الكريمة.

ولهذا فلقد كان العمل من غير شعور هو بمثابة الموت لأنه انقطاع عن الإدراك والاستبصار الذي هو ميزة أرقى الكائنات وفي طليعتهم الإنسان، والذي بدوره قد يفقد شعوره بالموت فيبقى كسبه للشعور كله متعلقا بإرادة الله تعالى وإحيائه له لأنه أصل الشعور ومصدره.

يقول الله تعالى: "والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون"[9]، "قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون".

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والعقيدة

وجدة، المغرب

.............................

[1] سورة البقرة آية 5-6

[2] سورة يونس آية 97

[3] سورة الحجر آية 10-15

[4] سورة النحل آية 106-108

[5] سورة محمد آية 24

[6] سورة المطففين آية 14-15

[7] رواه أحمد

[8] سورة يوسف آية 15

[9] سورة النحل آية 20-21

 

1) من الأمراض الفتاكة ذات الخلفيات النفسية قد نجد ما يمكن الاصطلاح عليه "بالانحراف الشعوري" ومعه الذوقي بمعنى أو آخر، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في عدة آيات للدلالة على نماذج من صور النفس الإنسانية وتلوناتها، وهي تسير عكسا وضدا على الحقيقة الثابتة.

ففي مجال العقيدة نجد قول الله تعالى: "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين أمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون"[1]، "ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون"[2].

وفي مجال السلوك نجد قول الله تعالى: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"[3].

فالملاحظ من خلال ظاهر الآيات أنها تعرض لمسألة غياب الشعور على سبيل مضادة الحقيقة ومقتضياتها، إذ أن مفهوم الشعور هنا له معنى خاص ودقيق جدا، فالتصور أو العمل هو شيء مشعر به ويدخل في الوعي الإرادي للإنسان، ولكن مع ذلك لا يمثل سوى الذاتية المناقضة للموضوعية إذا هو خالف الحقيقة الوجودية والشرعية على جهة العقيدة والسلوك، مما يعني الوقوع في الباطل الزهوق .

وهذا المعنى الذي يؤسسه موضوع اللاشعور بالمعنى القرآني له بعده المعرفي الإحاطي الذي يقتضيه إلزاما الامتثال للأمر الشرعي في قضايا العقيدة والسلوك، تصديقا وممارسة على مستوى الإخلاص، حتى لا تكون لدى الإنسان مناقضة بين تصرفاته وبين الخطاب الشرعي الذي يحتوي الإحاطة بالمتقبل النفسي للإنسان والحقيقة الوجودية في علاقته بها.

فليس "اللاشعور بالمعنى الإسلامي هو مجرد اختزان صور في الباطن أو باطن الباطن" قد تعمل عملها في سلوك الإنسان وتحوره بحسب محتوياتها ومدلولاتها، ولكن اللاشعور الواردة صوره في القرآن الكريم هو نتيجة تراكمات متناقضة من الأوهام العقدية والسلوكية، لأنها مؤسسة على نقص في الإحاطة المعرفية والأبعاد السلوكية مما ترتب عنه انحراف نفسي قد تسبب في انقطاع الصلة بين الإنسان والحقيقة الوجودية التي وضع ضوابطها الخطاب الشرعي، ذي المصدر الإلهي المحيط بالوجود كله وعلاقات أجزائه ببعضها البعض.

ولبيان هذا القصور أو العجز الإنساني عن الإحاطة المعرفية وانعكاساتها السلوكية المنقطعة عن الشعور بالمنظومة الوجودية والنفسية والاجتماعية على الخصوص نجد قول الله تعالى: "وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون"[4] "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين"[5]، "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين"[6].

وفي الحديث عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا"[7].

وهذا الظن الوهمي والانقطاع السلوكي عن التغذي بالحقيقة قد يدخل الإنسان في مستوى غير شعوري محقق، و سيكون معه هلاكه كما يهلك العضو حينما يبتر عن المنظومة الجسدية الرئيسية التي يستمد منها غذاءه وحركته الشعورية، فيصبح الإنسان حينذاك سامعا وما هو بسامع ومبصرا وما هو بمبصر ومدركا وما هو بمدرك، لأنه متوهم وقاصر ومنقطع عن المصدر السليم لتحصيل الرؤية والسماع وبالتالي التصورات والإدراكات المترتبة عنهما.

وفي هذا المعنى نجد قول الله تعالى: "ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي أذانهم وقرا، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين، وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون"[8].

فهلاك النفس قد يكون سببه الفساد الذي يعني غياب الشعور وقابلية الانقطاع والبتر بسببه، أي بتر الإنسان عن الحقيقة وعن الوجود الحي؛بل بتره عن ذاته نفسها.

وكدليل حسي على حصول هذا البتر عند غياب الشعور ما يطبق ميدانيا في الطب الجسماني مثلا، حينما يتعرض عضو من أعضاء الجسد إلى الفساد أو التعفن (الغنغرينا) فيلجأ إلى البتر أو القطع للحيلولة دون انتشار فساد ذلك العضو إلى سائر الجسد، مما يعني الهلاك المحقق.

ومعلوم أن العضو المصاب بالتعفن أو الفساد قد يكون خاليا من الشعور أو الإحساس لعدم دخوله في حصن الإحاطة الشعورية العامة للجسم .

فكان من أهم صفات الفاسد إذن، هو القطع أو الانقطاع عن المنظومة الصالحة للبقاء، وبهذا القطع فقد يغيب الشعور عن الذات وعن مصدر وجودها.

2) ولقد أوضح لنا الله تعالى هذه الحقيقة بصورة إعجازية في القرآن الكريم بقوله: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم"[9]، "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"[10].

فمقاطعة الأرحام هي نتيجة حتمية للفساد، والأرحام أصل وجود العضو في منظومته الحيوية الشعورية، فإذا غاب عن هذه المنظومة المؤصلة لحياته ووجوده انقطع شعوره بذاته، وإذا انقطع شعوره بذاته انقطع شعوره بغيره، وإذا لم يشعر بغيره اخترق حدوده فكان بذلك متعديا ومتناقضا مع غيره ونفسه .

فغياب الشعور إذن هو تصرف غير مستبصر قد ينحو دائما إلى المناقضة للحقيقة و السلوك السليم، ولهذا فالوجدان عند المسلم ينبغي أن يكون دائما شعوريا، كما أن ما يحسبه البعض غير شعوري عند بعض المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر هو في الحقيقة قد يكون عين الشعور، لأنه مؤدي إلى السعادة والنجاة وليس إلى الهلاك.

ولهذا فميزة المؤمن على الكافر هي ميزة شعورية صادقة قبل كل شيء، كما يدل عليها قول الله تعالى: "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون"[11]، "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون"[12].

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم أسباب هذه الحياة التي قد تعني الشعور بكل معانيه في قوله: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت"[13].

ولهذا فقد كان العلم بالمسائل الصالحة والفاسدة عند الاشتباه والتداخل مؤسسا على حسب حضور هذا النوع من الشعور المؤدي إلى الاستبصار وعدم الانقطاع عن الحقيقة الشرعية والوجودية.

إذ بقدر ما كان هذا الشعور قويا بقدر ما كان الإدراك أقوى لما هو صالح مما هو فاسد، مما يعني تجنب وتفادي الوقوع في الهلاك والطغيان والعمه التي هي أهم مواصفات غياب الشعور ونتائجه.

وفي هذا المعنى نجد الحديث الشريف عن عامر قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"[14].

فهذا الشعور الذي يؤسسه الإيمان بالله ورسوله، حتى يصير القلب صالحا مميزا، له أبعاد توقعية قد يتفادى من خلالها الوقوع في التهلكة والطغيان، لأنه بقدر ما كان الشخص صالح القلب كما دل عليه الحديث، مما يعني سلامة وظيفته، بقدر ما أصبح الواقع والمتوقع لديه أكثر استجلاء ووضوحا، الشيء الذي سينفي معه مظاهر القلق واستباق الأحداث والتأسف على الماضي كما نجد هذه الصورة في قول الله تعالى: "واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين"[15].

فالشعور قد ينفي المباغتة وأثرها على النفوس لأن المشعور به يكون قد استوطن في النفس وتكيفت معه، ولهذا فهي تكون أكثر استعدادا لتقبله وتحمله. وعلى هذا فقد جاء الخطاب الشرعي لتوطين هذا الشعور في النفوس بتأسيسه على قواعد عقدية كما في قول الله تعالى: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكتبهم فينقلبوا خائبين"[16]، "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"[17]، "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور"[18].

بل إن التطمين قد يطال الإعلام بالحالة الشعورية للذين استشهدوا في سبيل الله، قصد ربط الشعور بهم والحيلولة دون التخاذل أو التقاعس عن الجهاد.

بحيث سيصبح الشهيد أكثر شعورا من الحي في عالم الدنيا، لأن الشهيد قد أصبح يعيش حق اليقين والمشاهدة، وهذا ما يمكن فهمه من قول الله تعالى: "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون"[19].

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والعقيدة

وجدة، المغرب

........................

[1] سورة البقرة آية 7-9

[2] سورة آل عمران آية 69

[3] سورة البقرة آية 10-11

[4] سورة يونس آية 36

[5] سورة النمل آية 52-53

[6] سورة يونس آية 39

[7] رواه ملك في الموطأ

[8] سورة الأنعام آية 26

[9] سورة محمد آية 22-23

[10] سورة البقرة آية 11-12

[11] سورة الأنعام آية 122

[12] سورة الأنعام آية 125

[13] رواه البخاري

[14] رواه البخاري، كتاب الإيمان

[15] سورة الزمر آية 52-55

[16] سورة آل عمران آية 126-127

[17] سورة آل عمران آية 139

[18] سورة الحديد آية 22-23

[19] سورة البقرة آية 153

حكومة علي بن أبي طالب (ع) أنموذجاً

قدمنا في الحلقات السابقة فلسفة الإسلامفي السياسة، ووضحنا مرتكزات نظريته في النظام السياسي، التي تمثلت في القواعد الكلية في الفقه السياسي، والمنظومة القيمية الأخلاقية، أضافة الى الأيمان بالثواب والعقاب كأطار يحرس الفاعل السياسي من أي حالة تجاوز لهذه القواعد. في هذه الحلقة نقدم تجربة الإمام علي (ع) كأنموذج عملي لهذه الفلسفة السياسية، ولعل البعض يسأل لماذا علي (ع) وليس الرسول محمد(ص) بأعتباره هو المتلقي الأول  للوحي، وصاحب أول حكومة أقامها على أساس الإسلام، الجواب أن رسول الله (ص) كان هو المتلقي للوحي، والفاهم للنص المقدس بتمام معناه، ومنتهى مقصده، وبرعاية الوحي، أما علي (ع) فقد عمل وفق أجتهاده بالنص، وكحالة تطبيقية أنسانية لا تدخل فيها للوحي، وأنما أعتمد على أجتهاده للنص، ومدى فهمه له فجاءت حكومته التي برزت فيها معالم فلسفة الإسلامالسياسية، والتي أصبحت مرجعاً تُحتذى بها التجارب التي يمكن أن تأتي من بعده، كنظرية عمل في عالم السياسة بمنظور ديني أسلامي، كما أنه جعل من تجربة الرسول (ص) مرجعية له، فتجربته كانت أنسانيه بعيدة عن حراسة ومتابعة الوحي.

أمتدت فترة حكم الإمام في أدارة حكمه للدولة الإسلامية من 35-40 هجرية فكانت بالضبط أربع سنوات وتسعة أشهر وثلاث أيام. كان ترشيحه للخلافة بطريقة جماهيرية عامة، وهو يؤمن بالشورى كطريق يُنتخب به الحاكم لأدارة الحكم، وهو القائل (...وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن أجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى ). كان الإمام علي (ع) يؤمن أن لابد للناس من أمير ينظم شؤونهم، ويحقق أمنهم، ويرعى مصالحهم، وهي حالة نزعت أليها الأنسانية منذ أن بلغت رشدها، وأعتبرتها ضرورة أنسانية لابد منها، وفي هذا الصدد يقول الإمام (ع) (لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع فيها الفيء، ويقاتل بها العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر)(ميزان الحكمة/محمد الريشهري ج1 ص98 )، فالإمام أعتبر القيام بمهمة الإمارة واجباً كفائياً، لا يمكن التخلي عنها عند الضرورة القصوى لخطورتها، وعظيم شأنها، ومدى حساسيتها، وعظيم خطورتها، فأن تُركت فارغةً، ستكون مطية سهلة لأصحاب المصالح والأهداف الهدامة، وهذا هو ما جعله يقبل بالمهمة الصعبة، حيث قال (أما والذي فلق الحبة و وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لايقاروا على كظة ظالم، ولاسغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها)(شرح نهج البلاغة-ابن أبي الحديد-ج1 ص202 ). فالإمام أعطى درساً لم يسبقه أليه أحد بأن تولية الحكم ليس رغبةً ونزعة للسلطة والتفرد والأستحواذ على مقدرات بني البشر، بل وظيفة أنسانية تُقدم من خلالها الخدمة للناس، في رعاية شؤونهم، وفي توفير أسباب تقدمهم، والحفاظ على كرامتهم، عن طريق منع التنازع فيما بينهم، وحماية الضعيف أمام القوي منهم، فهو أمتنع عندما طُلب أليه الرئاسة، فهو كان غير راغب بها، في وقت كان هناك من يتكالب عليها، ومستعد أن يشن الحروب، ويملء السجون من أجل الفوز بها، لأن الإمام كان يعتبر الحكم وسيلة وليس غاية، لذا قال لهم (دعوني وألتمسوا غيري، فأنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا) وقال لهم أتركوني فأنا كأحدكم، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم)(شرح أبن أبي الحديد-ج1-ص169). يتضح لنا أن الإمام (ع) أن الأمير هو من تأتي به الأمة، وهو واجب كفائي، ووظيفة تمنحه الأمة صلاحية أدارتها، فكان معرضاً عنها، وغير ميال أليها، فهو القائل لأبن عباس، وهو يخصف بنعله في ذي قار (ماقيمة هذه النعل؟ فقلت لاقيمة لها، فقال : والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً)(نهج البلاغة شرح )(جواهر التاريخ- الشيخ علي الكوراني العاملي/ج3 ص143). في هذه الدراسة أخذنا بتجربة علي (ع) لأن علي هو الأقرب فهماً للقرآن الذي يمثل النص، الذي هو مصدر معظم القواعد الكلية الفقهية، وأيمان علي وأخلاقة هي الأخرى من ترشحه لتمثيل هذه المهمة أفضل تمثيل بعد تجربة النبي (ص)، كيف لا ورسول الله قال فيه عن أبن مسعود (من أراد أن ينظر الى آدم في علمه، والى نوح في حكمته، والى إبراهيم في حلمه، فلينظر الى علي بن أبي طالب )، وروى الترمذي عن حبشي بن جنادة، قال رسول الله (ص)(علي مني وأنا من علي ولايؤدي عني إلا أنا أو علي ) وعن أبن عباس، قال رسول الله (أنا مدينة العلم وعلي بابها،فمن أراد العلم فليأت الباب)(المجلسي ج40 ص203 ). كل هذه الأسباب أعلاه، لما يتمتع به علي بن أبي طالب من علم ومعرفة، وتجربة حكم، وأيمان وأخلاق، وما قاله الرسول (ص) فيه هي من جعلتنا نرشح تجربته في الحكم كأنموذج للنظالم السياسي في الأسلام.

من خلال الدخول الى تجربة الإمام علي (ع) في الحكم، علينا أن نُشير الى مدى تطبيقه للقواعد الكلية للفقه السياسي الإسلامي، وما رافقها من معززات أخلاقية، ومعضدات أيمانية ضامنة في تفعيل هذه الكليات في عمل الدولة، يكون من الضروري الأشارة الى تجربة الإمام علي (ع) بأنها ستكون تجربة معيارية بالنسبة لغيرها، يمكن القياس عليها، وذلك بما للإمام من منزلة في الأسلام، وبحكم قربه من تجربة الرسول (ص) الزمنية والفكرية، ولاننسى أن التجربة من الناحية الفنية ترتبط بالواقع التاريخي والسسيولوجي لذلك المجتمع، بالأضافة الى طبيعة التطور التقني لذلك الزمن، وما يفرضه من ظروف على الممارسة السياسية، كما علينا أن نأخذ بنظر الأعتبار حداثة المجتمع آنذاك بالأسلام، وما رافق بعد وفاة النبي من هزات وتحولات أجتماعية، وسياسية، وكذلك بما يحمله المجتمع من موروث بدوي لازالت لم تنجلي آثاره. أمام هذه الصورة المعتمة، والصعبة كان أمام الإمام علي بن أبي طالب (ع) أن يبني نظام سياسي بطريقة تستوحي من أسس هذا الدين، وروحه وأخلاقه. لقد أصبح الإمام أمام واقع بأمس الحاجة الى تغير جذري لا مجال لغض النظر عنه، فلم يكن له خيار غير الثورة الأدارية، يكون رجالها من الكادر المتقدم في الإسلام، ومن أصحاب الكفاءة والأمانة الأدارية والمالية. أنها ثورة تغير، تحتاج الى أدوات نظيفة وكفوءة ومخلصة، في حين كان عهده يعج برجال سياسة ذوي نزعة مادية، ولهم أهداف ورؤى قبلية وجاهية، تتسم بالنزعة التسلطية، لاتهمهم المباديء بقدر ماتهمهم المصالح الشخصية والعائلية والعشائرية المتصارعة على تبوء المناصب، وأن كلف ذلك تجيش الجيوش، وقتل النفوس. فالواقع كان ثقيلاً على حد سواء في الطبقة السياسة والشعبية، كما أستلم تركة ثقيلة من الأداريين والسياسيين ممن تبوءوا مكانة بسبب المحسوبية والمنسوبية، وكلنا يعرف كيف كان الخليفة عثمان بن عفان يستخدم موقعه بالسلطة في توزيع المناصب والأموال الى بني أمية، وهذه كانت من أهم أسباب ثورة الجماهير الشعبية عليه وقتله وأسقاط حكومته بعمل عنفي راح ضحيته الخليفة، وكانت السبب في فتنة لازالت آثارها الى الآن يستعر آوارها. فالإمام كان أمام مخلفات حكم ذهب، وأستحقاقات وضع جديد تنادي به الجماهير الثائرة، فليس أمام الإمام ألا قيام حكم يقوم على أُسس الإسلامبعيداً عن القبائلية والمناطقية، والمجافي لكل حكم ذو صفة أمبراطورية ملكية، والعمل أولاً على أستتباب الوضع السياسي، وأزاء ذلك ما كان منه إلا أزاحة الطبقة السياسية الفاسدة، وهنا قرر الإمام في بداية أستلامه للسلطة أقالة الكثير ممن لا تتوفر بهم النزاهة والأخلاص، فعمل على أقالة معاوية بن أبي سفيان من ولاية الشام الذي تبوء منصبه فيها منذ خلافة أبو بكر الصديق وأمتدت الى زمن خلافة علي (ع)، كما عمد علي (ع) الى أرسال عثمان بن حنيف، بدل عبد الله بن عامر، وأقال مروان بن الحكم، وعبد الله بن أبي سرح، والوليد بن عقبة، ويذكر التاريخ ماشكته سودة بنت عمارة الهمدانية عن جور وقع عليها من أحد ولاته، فدفع لها بكتاب جاء فيه (...ولاتبخسوا الناس أشياءهم، ولاتفسدوا في الأرض.. إذا قرأت كتابي هذا فأحتفظ به في يدك..حتى يُقدم عليك من يقبضه والسلام، كما أنه عزل الضعفاء منهم، ومثال ذلك محمد بن أبي بكر، فعل الإمام ذلك ليختار مايراه ملائماً لتحقيق الأنسجام الإداري والسياسي بينه وبين عماله، فقد قُدمت له نصيحة من المغيرة بن شعبة لتأجيل أقالة معاوية من ولاية الشام الى أن يستتب الأمر له، ولكن الإمام يعمل لمرحلة تأسيسية يُقاس عليها ما بعدها، وكان بعيد النظر، لكي لاتكون لغيره من بعده سنة يبني عليها في مهادنة ظالم وفاسد من الولاة فتكون حجة لهم، فالإمام تميزت سياسته بالوضوح والشفافية، وعدم القبول بأنصاف الحلول، فكان يقول (ماكنت متخذ المضلين عضدا) (الكهف:51 )، لأن الإمام (ع) يؤمن أن الثورة الأدارية الجديدة تحتاج الى أدوات جديدة تتوافق والسياسة الجديدة للحاكم، فهو يحتاج الى رجال تتوافق رؤاهم ونظامه السياسي الجديد، لذا نراه يرفض طلب طلحة والزبير عندما  طالباه بالولاية على البصرة والكوفة، وكان هذا الرفض ثمنه أنضمامهم الى جبهة الخصوم في حرب الجمل. أذن أول خطوة له هو أقالة الفاسدين والضعفاء من الولاة، وهي خطوة تسبق تنفيذ الثورة الأدارية الجديدة، لذا كان معيار الإمام في أختياره لولاته بأن يكونوا ممن لهم سابقة بالإسلام(أي ممن يؤمنون بالنظام الجديد)، ويتصفون بالتقوى، والكفاءة والنزاهة، حتى أن التاريخ لم يذكر أنه نصب ولداً له على أحد أقاليم دولته الشاسعة الأطراف، بعد ذلك بدأ بما يأتي:

1-أسترداد الأموال المسروقة، وأرجاعها الى بيت المال، فقد خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة ( كل مال مردود الى بيت المال...فإن الحق القديم لا يبطله شيء (أي لا يسقط بالتقادم )، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرقّ في البلدان، لرددته الى بيت المال، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق)(شرح نهج البلاغة-ابن أبي الحديد ج1 ص269 )، كما أن الإمام منع أي هدية تُقدم للوالي، لكي لاتكون سبيل للمحاباة، وقد جاء أليه بخبر أن أحد عماله وأسمه ضبيعة بن زهير من بني أسد أنه أخذ هدية، وعندما أنهى مهمته قدم للإمام جراب فيه مال قد قدمه قوماً كهدية له، فقال للإمام إن كان لي هذا حلالاً أكلته، وإن كان غير ذلك أتيتك به فقال له الإمام لو أمسكته لكان غلولاً، فقبضه منه وجعله في بيت المال)(موسوعة الإمام ج4 ص138، نقلاً عن تاريخ اليعقوبي ج2ص204 )...يتبع

***

أياد الزهيري

ينص القرآن الكريم على أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام، وهو من علّمه، وهناك حوارات بين الله تعالى وأبينا آدم تؤكد أنه لم تكن هناك واسطة بينهما. بل إن الحوار الذي دار في الجنة بعد خطيئة الأكل من الشجرة دال على أن الله تعالى قد كلّم أمنا حواء أيضًا. والتكليم يظهر بوضوح من استخدام الفعل ‏﴿‏وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾.

‏﴿‏فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)﴾ [الأعراف: 22- 25].

وينص القرآن الكريم على أن الله يكلم البشر بالوحي الذي يُقذف في القلب أو تكليمًا من وراء حجاب يُتلقى بالأذن، أو يرسل ملكًا رسولًا بوحيه، وأن رسولنا عليه الصلاة والسلام تلقى عن الله وحيًا بأمره بواسطة ملك، فلم يكلمه الله لا وحيًا ولا من وراء حجاب.

‏‏‏‏﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ ‏رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا ‏إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ ‏جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ ‏مُسْتَقِيمٍ (52)‏﴾‏ [الشورى: 51- 52].

ويُفهم من آيات أخرى أن الشكل الشائع من الوحي يكون بإرسال الملائكة وليس التكليم؛ فالله تعالى يتخير الرُسل من بني آدم وفقًا لمشيئته ليبعث لهم ملائكة ينزلون عليهم بأمر الله، يوحون إليهم؛ ليُبلغوا عنه ويُنذروا خلقه.

‏‏﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ ‏لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)﴾ [النحل: 2].

‏‏‏‏﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ ‏عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)﴾‏ [غافر: 15].

ويُفهم من آيات أخرى –كما سنعرض- أنه يجوز أن يكون الوحي من الله بالإلهام والإفهام، وهذان الشكلان من الوحي غير مختصين بالرسل والأنبياء.

وفي آيتي الوحي في سورة النساء يؤكد الله تعالى أنه لم يكلم أحدًا من رسله تكليمًا حقيقيًا من وراء حجاب منذ أن أرسل نوحًا إلا موسى، فكان موسى عليه السلام استثناء من بينهم، بينما بقيتهم من نوح فما بعده أوحي إليهم تكليم وحي أو عن طريق ملائكة. وذكرنا أن آدم وحواء قد كلّمهما الله، وكون النص في سورة النساء لم يذكر استثناء موسى من عهد آدم عليه السلام فهذا دال على أن الله كلّمهما تكليمًا من وراء حجاب كتكليمه موسى. ويذكر النص أيضًا أن الله تعالى لم يقص على رسولنا عليه الصلاة والسلام أخبار جميع الرسل.

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى ‏إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ ‏وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ ‏عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ‏‏(164)‏﴾ [النساء: 163- 164].

وفي الآية الأولى إشارة إلى أن نوحًا عليه السلام كان أول من تلقّى الوحي من خلال الملائكة، وتلقّى الرسل من بعده الوحي بالطريقة ذاتها التي تلقّى بها عن الله.  وإن كانت الآية لم تذكر إدريس عليه السلام، وهو الجد الثاني لنوح وفقًا للتوراة إن كان هو أخنوخ، وقد ذكرنا في مبحث سابق أنه غالبًا ليس هو، ولا ذكرت الآية شيثَ بن آدم عليهما السلام، وشيث لم يُذكر في القرآن مطلقًا. كما تشير الآية إلى وجود أنبياء بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، انفرد القرآن بأن ذكر لنا منهم هودًا وصالحًا. وقد ورد في الأثر أن بين نوح وإبراهيم ألف سنة.

وهناك آية في سورة البقرة لا ترجح أن يكون قد أرسل إلى الأرض رسول في زمن آدم أو بعده مباشرة، وإنما أرسل الرسل بعد أن اختلف الناس.

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)﴾‏ [البقرة: 213].

وقد ذكر السيوطي في "الدر المنثور" "وَأخرج الْبَزَّار وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ بَين آدم ونوح عشرَة قُرُون كلهم على شَرِيعَة من الْحق فَاخْتَلَفُوا فَبعث الله النَّبِيين".

والقرآن والسنة النبوية وإن كانا لم يذكرا أو يُشيرا إلى شيث بن آدم، ولا إلى أخنوخ، إلا أن القرآن أشار إلى أنه ربما كان هناك أنبياء من ذرية آدم قبل نوح أو معه.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا‏﴾‏ [مريم: 58].

كما أن عدم استخدام القرآن الكريم تعبير (من ذرية نوح)، يفيد بأن بعض الرسل كانوا من القلة المؤمنة التي ركبت معه السفينة، ولم يكونوا من ذريته.

وهناك آيات ربما كان قصد القرآن منها أنه كانت هناك رسل مع نوح من ذرية آدم أرسلوا معه إلى قومه، وماتوا قبله فلم يكونوا ممن ركبوا الفُلك، وهو ما لم تذكره التوراة.

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: 37]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105].

وهناك اعتقاد لدى كثير من المسلمين أن الله تعالى قد كلّم نبينا محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام عندما عُرج به إلى السماء لفرض الصلاة؛ كون الصلاة عروج بالروح إلى بارئها، فليست كسائر العبادات، من ثم فقد فُرضت في السماء.  ويعتقدون أن الآيات من أول سورة النجم تصف ما حدث معه في هذا العروج.

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾‏ [النجم: 1- 18].

ولكن الآيات تتحدث عن حدثين؛ أولهما رؤية نبينا لجبريل رؤية قلبية، كان فيها جبريل على صورته عاليًا في الأفق ويسده من عِظمه، ثم نزل واقترب منه إلى أدنى ما يكون الاقتراب وأوحى إليه، والثاني رؤية أخرى رآها نبينا ببصره لجبريل ولما هو أعظم من جبريل عند السدرة التي عند جنة المأوى، ومن ثم فقد كانا –نبينا وجبريل- في السماء. ولو كان قيل جنة فقط لأمكن الافتراض أنها أي جنة أرضية.

وأنا ممن يرجح أن الآيات (13: 18) من سورة النجم تصف بعضًا مما حدث في المعراج عندما عُرج بنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام مع الروح الأمين جبريل، فكانت نزلة ليست كنزلات جبريل المعتادة عليه على الأرض التي ينزلها ليوحي له بالقرآن، كما أنها ليست كنزلته التي سد فيها أفق السماء قبل أن يقترب من رسولنا ليوحي إليه، وإنما نزلة رأى رسولنا جبريلَ ببصره عند السدرة التي هي آخر ما ينبغي له أن يصل، وعندها الجنة، وقد غشي السدرة وقتها من العجائب والآيات الكبرى التي لا توصف لعظمتها، ولم ينزع رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام بصره عما يحدث عند السدرة، وكذا ما طغى بصره لأن الله تعالى لا تدركه الأبصار. ومن ثم فقدتنزل عليه جبريل هذه النزلة الأخرى التي رآه فيها ببصره وهما في السماء، وأوحى الله تعالى إليه عندها الصلاة بواسطة جبريل، فلم يُذكر تكليم واستماع قط، وإنما هو وحي. ثم ما سبب ظهور جبريل إلا أن يُتنزل عليه بواسطته؟

ولكن أنكر صلة هذه الآيات بالمعراج من أرادوا أن يكايدوا اليهود زورًا بأن محمدًا كلّم ربه عندما عُرج به، وأثبتها على أنها رؤية لله وليس لجبريل من فهم من الآيات أنه رآه!

وكان الإمام مسلم وأحمد وغيرهما قد رويا عن ابن عباس قوله إن محمدًا رأى ربه بقلبه مرتين، وروى بعضهم عنه الرؤية البصرية لله تعالى. وقد روى الإمام الترمذي في سننه (3278) عن لقاء جمع بين ابن عباس وكعب الأحبار في الحج، تحاورا فيه عن الرؤية، فقال كعب: "إن الله ‏قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين". ‏والترمذي نفسه يروي في "السنن" (3068) عن السيدة عائشة قولها: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله".

ثم إن هذا الوحي المذكور في الحدث الثاني يستحيل أن يكون بآيات القرآن لأن القرآن وسائر الكتب السماوية منزلة تنزيلًا أرضيًا،  ولم يرو مطلقًا أن نبيًا قد ارتفع ليتلقاها عن رب العزة وتتنزل عليه وهو في السماء، بل المشترك بين الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن أنها نزلت عليهم وهم فوق جبال، فهذا كان مبلغ العلو الذي كان للنبي الذي تنزلت عليه.

وينص القرآن الكريم في غير موضع أن القرآن الكريم تنزيل من الله، وأنه نزل بواسطة ملاك الوحي جبريل، وأن رسولنا محمدًا عليه الصلاة والسلام تلقاه عن جبريل بقلبه وليس سمعه، فأجراه الله على لسانه فقرأه قُرْآنًا عَرَبِيًّا. ولأنه نزل على القلب فهو محفوظ في القلوب قبل السطور. لكن ربما كلّمه جبريل بغير القرآن تمييزًا عن الإجراء على القلب بالقرآن.

‏﴿‏وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)﴾‏ [الشعراء: 192- 195].

والآيات في سورة النجم التي تتحدث عن المعراج تختم بذكر أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى من آيات ربه الكبرى، وهو ذاته ما أورده الحق سبحانه وتعالى تعليلًا للإسراء، فالهدف منه كان أن يرى رسولنا بعضًا من آيات الله، ولم يرد في القرآن مطلقًا أنه تعالى أراه نفسه.

‏﴿‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾‏ [الإسراء: 1].

ولكن الصياغة في سورة النجم تقرر أنه صلى الله عليه وسلم  رأى من آيات الله الكبرى، ولا تجعلها تعليلًا للمعراج؛ فالمعراج كما نعلم كان بهدف فرض الصلاة على المسلمين.

فكأن الرؤيتين في أوائل آيات سورة النجم كان معهما وحيان؛ ففي الرؤية الأولى منه لجبريل عندما نزل عليه أوحى الله إلى جبريل ما أوحى به إلى رسولنا أنه ملك ليطمئن إليه، وربما أوحى إليه أيضًا شيئًا من القرآن بعد أن دنا، وفي الثانية التي ارتفع فيها نبينا مع جبريل ورآه ببصره عند السدرة والجنة، ورأى جبريل على صورته، كما رأى من آيات الله ما هو أعظم من جبريل، كان وحي الله بواسطة جبريل بفرض الصلاة وكيفيتها.

وعليه فإنه لم يرتفع عبد إلى المكان الذي ارتفع إليه محمد عليه الصلاة والسلام منذ هبط أبونا آدم من الجنة، وما من رفعة فوق أن تقترن الشهادة بأن الله واحد بالشهادة أنه رسوله، ولكن موسى عليه السلام يتفرد‏ عن الأنبياء منذ عهد نوح بكونه كليم الله، ولم يثبت يقينًا أن أحدًا كلمه الله غير موسى من بعد آدم. أما المسيح عليه السلام فقد خلقه الله تعالى من تراب مثل آدم! فكل من الثلاثة شابه أباه آدم في شيء من التبجيل!

﴿‏قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏﴾‏ [الأعراف: 144].

﴿‏‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾‏ [آل عمران: 59].

ولا شك أن جميع ما ينطقه الأنبياء لا يخرج عن أن يكون وحيًا بأي شكل كان، وقد قال الله تعالى في حق نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم: 3- 4]. ومثله في ذلك باقي الأنبياء، وقد عوقب يونس عليه السلام لأنه ترك قومه مغاضبًا وخرج دون وحي من الله له أن يفعل. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)﴾ [الأنبياء: 87].

ورغم أن حوارًا دار بين الله تعالى ونوح عليه السلام عن ابنه الكافر قد يُفهم منه ظاهريًا أن الله تعالى كلّمه تكليمًا كتكليم موسى، إلا أن آيتي الوحي في النساء واضحتان، فلله كليم واحد كلّمه من وراء حجاب منذ زمن نوح، وهو موسى، عليهما وعلى نبينا السلام. ومن ثم فإما أن الله تعالى كلّم نوحًا وحيًا قُذف في قلبه أو أوحى إليه عن طريق ملائكته كلامًا، والأخير أيضًا وحي عن طريق الملائكة، ولا يُسمى تكليمًا إلا ما تكلم الله به وليس ملائكته. واستخدام الفعلان ‏﴿‏قَالَ يَا نُوحُ﴾ و ﴿‏قِيلَ يَا نُوحُ﴾ ربما يفهمنا أن في الأولى كان تكليمًا من الله بالوحي للقلب، وغاب فعل النداء لأن كلام الله تعالى كان ردًا على نوح عليه السلام، وفي الثانية كان كلامًا نقلته له الملائكة.

‏﴿‏وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)﴾ [‏هود: 45- 48].

وكذلك ذُكرت المناداة في حق إبراهيم الخليل في حادثة الفداء، وإبراهيم عليه السلام ذُكر في آيتي سورة النساء، من ثم فإما أن الله تعالى كلّمه وحيًا قُذف في قلبه أو أوحى إليه عن طريق ملائكته كلامًا، ‏ولكن استخدام الفعل ‏﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ يُرجح أنه كان تكليمًا قُذف في قلبه وليس بواسطة ملائكة. كما يظهر في الآيات قبل حادثة الفداء الوحي عن طريق الرؤيا. ووحي الرؤيا ليس مختصًا بالأنبياء، لكن ليس كل ما يراه الناس رؤى فبعضها أضغاث أحلام ومن أحاديث النفس.

‏﴿‏فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)﴾ [‏الصافات: 102- 106].

وذُكر حوار الله مع خليله إبراهيم مرات في القرآن الكريم، ولكنه لم يكن تكليمًا كتكليم موسى.

‏﴿‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)﴾ [‏البقرة: 124].

‏﴿‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)﴾ [‏البقرة: 260].

وكذا في تكليم عُزير الذي أماته الله مئة عام، فقطعًا كان عن طريق ملك.

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)﴾ [البقرة: 259].

وذكر الوحي بتكليم الملائكة كان أوضح عند ذكر البشارات بيحيى والمسيح عليهما السلام، إذ ذُكرت الملائكة صراحة، وزكريا عليه السلام لم يُذكر في آية الوحي في سورة النساء، فكأنه أوحي إليه بطريقة تخالف التي أوحي بها إلى نوح والنبيين من بعده ومنهم نبينا محمد؛ إذ أمر الله الملائكة أن تكلم زكريا وهو يصلي في المحراب؛ وتبشره بيحيى عليه السلام، فلم يكن وحيًا أجراه الله على قلبه أو أمر ملائكته بإجرائه. ورغم أن حوارًا يظهر بعد ذلك إلا أن ضمير المتكلم يغيب عن الآيات، فالملائكة كانت ترد بما أوحى الله لها به أن تتكلم.

﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)﴾ [آل عمران: 39- 41].

كذلك بشرت الملائكة السيدة مريم مرتين قولًا وليس تنزيلًا على القلب؛ فالأولى بأن الله اصطفاها وطهرها، وأمرتها بعبادة الله شكرًا على هذا الاصطفاء.

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)﴾ [آل عمران: 42- 43].

ثم بشرتها الملائكة بالمسيح عليه السلام، فتساءلت كيف، فأوحي إليها بالجواب.

﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)﴾ [آل عمران: 45- 47].

وتكررت البشارة بالمسيح، لكن هذه المرة عندما أرسل الله المَلَك للسيدة العذراء مريم، وتكلم معها على هيئة بشر، وبشرها بالمسيح عليه السلام فحملت به، ثم ولدته.

‏﴿‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)﴾ [‏مريم: 16-26].

وكما تقدم فقد ذكرنا أن الوحي لا يكون فقط وحي تكليم أو بواسطة ملك، وهو الوحي الذي يختص الله به الرسل والأنبياء دون غيرهم، ولا أعلم أحدًا أوحي إليه عن طريق الملائكة سواهم إلا السيدة مريم والذي أماته الله مائة عام، وإنما يتضح من آيات القرآن أن الوحي قد يكون بالإفهام أو الإلهام، للأنبياء أو لغيرهم.

ومن أمثلة الوحي بالإفهام للأنبياء قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79]. فهو وحي الفتوح التي يفتحها الله على الأنبياء بغير واسطة ملك، كما يفتح به على العلماء والعارفين به، فيفهمهم ويعلمهم علمًا لدني من عنده، لم يتلقوه عن معلم، ومثال ذلك العبد الصالح الذي صاحبه موسى عليه السلام في القصة الشهيرة المروية في سورة الكهف.

﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)﴾ [الكهف: 65- 66].

وقد دلل القرآن على أن هذا العبد الصالح ما خرق السفينة وقتل الغلام وبنى الجدار إلا بوحي من الله تعالى، وإن كان لم يُنص على نوعه، لكنه على الأرجح وحي إفهام لأن الملائكة لا تتنزل سوى على الأنبياء، كما أن النص لا يشير إليه؛ إلا إن كان نبيًا غير مرسل.

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)﴾ [الكهف: 82].

ومن أمثلة وحي الإلهام، ما ذكره الله تعالى عن وحيه إلى أم موسى، فألهمها أن تفعل ما كان فيه نجاة ولدها، فهو وحي الله للأتقياء من عباده، ممن أحسنوا التوكل عليه، وطلبوا منه أن يتولى تدبير أمورهم، حين يلهمهم أن يسلكوا على نحو لم يُقدروه بأنفسهم.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)﴾ [القصص: 7].

ويوضح القرآن أن الكلام هو شكل خاص من الوحي، ولم يُذكر النداء كفعل من الله لأحد من أنبيائه إلا لموسى ولآدم في الجنة ولإبراهيم بعد أن هم بذبح ابنه، ولكنه لم يقترن بالاستماع ولم يُذكر الاستماع كفعل عند وحي الله للأنبياء إلا من موسى عليه السلام؛ كونه كلامًا مباشرًا من الله أدركه موسى بآلة (الأذن).

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)﴾ [طه: 11- 13].

﴿‏وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)﴾ [الشعراء: 10- 11].

‏﴿‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)﴾ [القصص: 46].

ولكن بالرغم من كون موسى عليه السلام هو كليم الله فالقرآن الكريم لم ينص على تكليم الله تعالى له سوى مرتين، ويُفهم من هذا أنه قد أوحي إليه كما أوحي إلى باقي النبيين فيما عدا هاتين الحادثتين.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)﴾ [الأعراف: 117].

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [الأعراف: 160].

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)﴾ [يونس: 87].

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)﴾ [الشعراء: 52].

ولا شك في أنه قد أوحي إليه في حادثة البقرة التي أمرهم بذبحها. ولكن كل ما سبق هو الحال في الحياة الدنيا، أما يوم القيامة فالقرآن يخبرنا أن الله تعالى سيكلم خلقه جميعهم، ولن يخص تكليمه يومها أحد.

‏﴿‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66)﴾ [القصص: 62- 66].

وقد أسمى الله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون يوم القيامة يوم التناد.

‏﴿‏وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32)﴾ [غافر: 32].

﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44)﴾ [ق: 41- 44].

بينما تمتلئ التوراة في إصحاحاتها الأولى من سفر التكوين بذكر أخبار تكليم الله تعالى لغير موسى عليه السلام؛ في الواقع أو الرؤيا، وأحيانًا يُذكر أن المتحدث ملاك الرب.

‏﴿15وَكَلَّمَ اللهُ نُوحًا قَائِلاً: 16«اخْرُجْ مِنَ الْفُلْكِ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. 17وَكُلَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي مَعَكَ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ: الطُّيُورِ، وَالْبَهَائِمِ، وَكُلَّ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، أَخْرِجْهَا مَعَكَ. وَلْتَتَوَالَدْ فِي الأَرْضِ وَتُثْمِرْ وَتَكْثُرْ عَلَى الأَرْضِ».‏‏﴾‏ [تكوين: 8: 15- 17].

‏﴿1بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي الرُّؤْيَا‏‏﴾‏ [تكوين: 15: 1].

وذكرت التوراة تنزل الملك على السيدة هاجر أم إسماعيل مرة.

﴿‏‏7فَوَجَدَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ. 8وَقَالَ: «يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟».﴾‏ [تكوين: 16: 7- 8].

وفي مرات ذكرت التوراة الرؤية البصرية لله إضافة إلى الكلام معه، وكان ذلك مع إبراهيم عليه السلام.

﴿6وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. 7وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ».﴾‏ [تكوين: 12: 6- 7].

﴿1وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً، 2فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا».‏﴾‏ [تكوين: ‏17: 1- 2].

﴿22فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.﴾‏ [تكوين: ‏17: 22].

ووصل الحال إلى سؤال الرب وتلقي الإجابة منه! وهو ما نُسب إلى السيدة رفقة زوجة إسحق عليه السلام.

﴿21وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ. 22وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ كَانَ هكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟» فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. 23فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ».﴾‏ [تكوين: 25: 21- 23].

ثم في سفر الخروج أكثرت التوراة من ذكر أخبار تكليم الله تعالى لموسى في كثير من المواضع، وكأنها طريقة الوحي الوحيدة التي يتواصل بها الله تعالى مع موسى عليه السلام.

وتذكر التوراة أن الله تعالى كلّم هارون عليه السلام، وكذا كلم أخته مريم النبية.

﴿27وَقَالَ الرَّبُّ لِهَارُونَ: «اذْهَبْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لاسْتِقْبَالِ مُوسَى». فَذَهَبَ وَالْتَقَاهُ فِي جَبَلِ اللهِ وَقَبَّلَهُ.﴾ [‏خروج: 4: 27]. وإن كانت هناك آيات تبدو من التعديلات ألتي أحدثوها في توراتهم بعد نزول القرآن بأن تكليم موسى يختلف عن تكليمهم، فتكليمهم يكون في الرؤيا.

‏﴿‏1وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى ........ 2فَقَالاَ: «هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضًا؟» فَسَمِعَ الرَّبُّ. ........ 4فَقَالَ الرَّبُّ حَالاً لِمُوسَى وَهَارُونَ وَمَرْيَمَ: «اخْرُجُوا أَنْتُمُ الثَّلاَثَةُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». فَخَرَجُوا هُمُ الثَّلاَثَةُ. 5فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ، وَدَعَا هَارُونَ وَمَرْيَمَ فَخَرَجَا كِلاَهُمَا. 6فَقَالَ: «اسْمَعَا كَلاَمِي. إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. 7وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. 8فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟».﴾ [عدد: 12: 1- 8].

كما ادعت التوراة أن بني إسرائيل قد سمعوا وصايا الله إلى موسى، وذكرت أن وحي بلعام بن باعوراء كان وحيًا يسمع به صوت الله وهو في حال اليقظة، وبلعام لم يكن نبيًا!

﴿1فَلَمَّا رَأَى بَلْعَامُ أَنَّهُ يَحْسُنُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ أَنْ يُبَارِكَ إِسْرَائِيلَ، لَمْ يَنْطَلِقْ كَالْمَرَّةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ لِيُوافِيَ فَأْلاً، بَلْ جَعَلَ نَحْوَ الْبَرِّيَّةِ وَجْهَهُ. 2وَرَفَعَ بَلْعَامُ عَيْنَيْهِ وَرَأَى إِسْرَائِيلَ حَالاُ حَسَبَ أَسْبَاطِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ، 3فَنَطَقَ بِمَثَلِهِ وَقَالَ: «وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ. 4وَحْيُ الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ اللهِ. الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ﴾ [عدد: 24: 1- 4].

وكل هذا لأن بلعام كان يتكلم بما يعجبهم، فهو من اتخذ إلهه هواه الذي أضله الله على علم، المذكور في القرآن، ويصفه القرآن بصفات تختلف كلية عن تلك التي في التوراة، فهو مختوم على سمعه وقلبه؛ لا يُجري عليه وحي تكليم فيسمع بالأذن أو يُنزل وحيًا على قلبه، كما أن على بصره غشاوة فليس يفيده انكشاف عينيه.

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)﴾ [الجاثية: 23].

أما الأناجيل فتتحدث غالبًا عن ملائكة الله الذين يبلغون رسالته، وليس عن تكليم الله؛ ففي إنجيل لوقا أن الملاك بشر زكريا عليه السلام بيحيى عليه السلام، وفي القرآن كانوا ملائكة، فالفرق في العدد وحسب.

‏‏‏‏﴿8فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ، 9حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ. 10وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ. 11فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفًا عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. 12فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ. 13فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ:«لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. 14وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، 15لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. 16وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. 17وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا».﴾‏ [لوقا: 1: 8- 17].

وأن الملاك جبرائيل/جبريل بشر السيدة مريم بالمسيح عليهما السلام.

﴿26وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، 27إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. 28فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ:«سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». 29فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ:«مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!» 30فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ:«لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. 31وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. 32هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، 33وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».

34فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ:«كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟»

35فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. 36وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، 37لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ». 38فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ.﴾ [لوقا: 1: 26- 38].

وبالرغم من أنهم ادعوا أن باب السماء قد فُتح للمسيح عليه السلام بعد أن عمّده يحيى/يوحنا عليه السلام، وذُكر نزول الروح القُدس أول مرة على المسيح، وأنه سمع صوت الله يدعوه ابنه، ولم يدّعوا تكليمًا، فإن ذلك لم يتكرر ذكره سوى مرة واحدة.

﴿9وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. 10وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. 11وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ:«أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».

12وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، 13وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ.﴾ [مرقس: 1: 9- 13].

‏‏﴿21وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، 22وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً:«أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ». 23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً.﴾ [لوقا: 3: 21- 23].

إذ يدعي إنجيل يوحنا أن صوتًا من السماء لتمجيد المسيح سمعه جميع الواقفين.

‏‏﴿وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ 28أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ!». فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ:«مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!». 29فَالْجَمْعُ الَّذِي كَانَ وَاقِفًا وَسَمِعَ، قَالَ:«قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ!». وَآخَرُونَ قَالُوا: «قَدْ كَلَّمَهُ مَلاَكٌ!». 30أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ:«لَيْسَ مِنْ أَجْلِي صَارَ هذَا الصَّوْتُ، بَلْ مِنْ أَجْلِكُمْ.﴾ [يوحنا: 12: 27- 30].

لكن المسيح ذاته يقرر في حواره مع نثنائيل في إنجيل يوحنا أنه ابن الإنسان وتتنزل عليه ملائكة الله!

‏‏﴿49أَجَابَ نَثَنَائِيلُ وَقَالَ لَهُ:«يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» 50أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ؟ سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا!» 51وَقَالَ لَهُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ».﴾ [يوحنا: 1: 49- 51].

وإجمالًا فالأناجيل تخلو من فوضى تكليم الله تعالى لكل من هب ودب التي يمتلئ بها سفر التكوين، وفوضى التنبؤ الذي دب في بني إسرائيل في عصر الملوك؛ إذ فلت عقالهم بعد موت سليمان عليه السلام إلى درجة أن وصل عدد االمتنبئين فيهم ذات مرة نحو أربع مئة!

‏‏﴿6فَجَمَعَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ الأَنْبِيَاءَ، نَحْوَ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُل﴾ [ملوك1: 22: 6].

***

د. منى أبو بكر زيتون

مقال مُستل من كتابي "القصص الحق"

أولا: نكاح السر وخطره على اعتبار أقل مدة الحمل

يقول أبو عمر بن عبد البر النمري الأندلسي صاحب كتاب "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد": أن "من فرض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب"[1].

فالإعلان عند مالك ليس بمجرد شهادة الشاهدين فقط وإنما إعلانهما للنكاح، ومن هنا اختلف الفقهاء حول اعتباره هل هو سر أم لا؟ و ذلك في حالة أشهد الشاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أم ليس بسر؟ فقال مالك: هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس بسر...وأما مالك فليس يتضمن عنده الإعلان إذا وصي الشاهدان بالكتمان .وسبب اختلافهم هل ما تقع فيه الشهادة ينطلق عليه اسم السر أم لا؟والأصل في اشتراط الإعلان قول النبي صلى الله عليه وسلم"أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف "خرجه أبو داود[2] .

كما قد ورد في المدونة حول نكاح السر عن ابن وهب عن يونس أنه سأل ابن شهاب عن رجل نكح سرا وأشهد رجلين قال: إن مسها فرق بينهما واعتدت حتى تنقضي عدتها وعوقب الشاهدان بما كتما من ذلك وللمرأة مهرها، ثم إن بدا له أن ينكحها حين تنقضي عدتها نكحها نكاح علانية، وقال ابن وهب مثله.قال ابن وهب قال يونس قال ابن شهاب: وإن لم يكن مسها فرق بينهما ولا صداق لها، ونرى أن ينكلهما الإمام بعقوبة والشاهدين بعقوبة فإنه لا يصلح نكاح السر"[3].

فالسرية لا تكون إلا داخل الحياة الزوجية وإرخاء الستور، وخاصة فيما يستحيى من ذكره مما يقع بين الزوج وزوجته من تواصل غريزي، وهذا يعتبر مبدأ أخلاقيا رائدا من أخلاق الزواج التي لا يجوز إفشاؤها لأي كان، طالما أنها داخلة في حكم الفراش ومقتضياته المشروعة، مما يقتضي حينما يتطلب الأمر الشرعي الدلالة على جنس إجراءاتها بالكناية دون الإفصاح، كما ورد النهي عن إفشاء هذه السرية في الأحاديث النبوية الشريفة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أشر الناس عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها"[4]

إذ هذا الإفشاء سيكون بمثابة نقض للعهد والميثاق الذي أخذه كل من الزوجين على بعضهما عند العقد من حيث الصيانة وكتم السر والاستئمان على العرض والمال والنسب كما عبرت عنه الرواية الأخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها"[5].

لكن هذا الإفضاء تكون له نتائج متعددة منها استكمال الحق في الصداق وإيجاب النفقة وبالتالي الإلزام بالنسب حينما يترتب عنه حمل، وهذا ما نتبينه من خلال قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن لتذهبوا بعض ما آتيتموهن إلا أن ياتين بفاحشة مبينة ؛وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا، وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا"[6].

فالصداق في مسألة السر قد يحكم به عند المالكية على أساس العلانية بالزواج ككل، إذ يؤخذ بعين الاعتبار موضوع الإشهاد في الزواج كوسيلة رئيسية لمنع الخلاف بين الزوجين، ولهذا فليس من الضروري أن يعلن عنه كما يعلن عن الدخول وإنما يكون الإلزام بالإشهاد فقط، وذلك لأنه مسالة قابلة للتجزؤ والتقسيم والزيادة والنقصان، وحتى إن وقع الخلاف فيعاد به إلى ما يعرف بصداق المثل ولو بعد الدخول، بينما هذا الأخير لا يعرف تجزيئا ولا تقسيما لأنه يؤدي إلى إلحاق النسب بالضرورة الملزمة وإلا فاللجوء إلى اللعان في حالة النفي والاتهام .

من ثم يكون الفرق بين إعلان الصداق والدخول يتحدد بالمرجعية التي يعاد إليها عند الاختلاف كما ورد عن صداق السر في المدونة: "قلت: أرأيت إن سمي في السر مهرا وأعلن في العلانية مهرا قال: قال مالك: يؤخذ بالسر إن كانوا قد أشهدوا على ذلك عدولا"[7].

إذ هنا يترتب حكم استحقاق الصداق فيما يعرف بإرخاء الستور وهو الإعلان بالدخول أو الاتصال فيما قبله، كما نجد هذا الحوار الفقهي في المدونة: "قلت: أرأيت إن قال الزوج بعدما دخل بها وأرخى الستر لم أجامعا، وقالت المرأة قد جامعني، أيكون عليه المهر كاملا أو نصف المهر في قول مالك ؟قال: قال مالك عليه المهر كاملا والقول قولها، قلت: فإن اجتلاها في بيت أهلها وخلا بها فطلقها قبل البناء، فقال الزوج: لم أمسها، وقالت المرأة: مسني، قال مالك: القول قول الزوج أنه لم يمسسها إلا أن يكون قد دخل عليها في بيت أهلها دخول اهتداء، والاهتداء هو البناء "[8].

هكذا تختلف الأحكام بحسب مكان التواصل بين الزوجين، فهو إما مكان يكون فيه الحق للزوجة في صداقها وفي اعتبارها فراشا كاملا وما يترتب عنه من حمل ونسب، وإما أن يكون في مكان الحق فيه للزوج بعدم إلزامه الصداق كاملا من جهة، وكذلك النفقة المتربة عن الدخول أو الدعوة إليه .

بيد أن النسب والحمل يبقيان معتبرين إذا أقر الزوج بهما وتحقق العنصر الرئيسي في الإلزام بالإلحاق وهو: إمكان الاتصال والولادة في حدود أقل مدة الحمل وهي الستة أشهر، فيكون استحقاق الصداق كاملا وكذلك النفقة تابعين لهذا الإقرار ومترتبين عنه، اللهم إلا إذا لجئ إلى النفي واللعان، وهما في هذه الحالة قد يكونان أسهل قضائيا من النفي واللعان عند إعلان الدخول وإرخاء الستور في المكان الذي يكون فيه الحق للزوجة .

ثانيا: إعلان الزواج وقوته الواقعية في حماية نسب الطفل

إذ بالدخول المعلن يكون الزوج مباشرا لزوجته ومراحل حملها، ومن ثم فلو أبدى أبسط إشارة الرضا بالحمل ولو سكوتا يكون ملزما له وحائلا بينه وبين اللعان، لأنه يكون إقرارا بالولد، والإقرار هو سيد الأدلة كما يقال، بحيث نجد نماذج من المسألة في المدونة الكبرى كالتالي: "قلت: أرأيت لو أن رجلا نظر إلى امرأته حاملا وهي أمة أو نصرانية أو مسلمة فسكت ولم ينتف من الحمل ولم يدعه حتى إذا هي وضعت الحمل انتفى منه، قال: قال مالك: إذا رأى الحمل ولم ينتف منه حتى تضعه فليس له أن ينتفي منه بعد ذلك حرة كانت أو أمة أو كافرة، فإن انتفى منه حين ولدته وقد رآها حاملا فلم ينتف منه فإنه يجلد الحد لأنها حرة مسلمة، فصار قاذفا، وهذا قول مالك، وأما الكافرة والأمة فإنه لا يجلد فيهما لأنه لا يجلد قاذفهما.قلت: فإن ظهر الحمل وعلم به ولم يدعه ولم ينتف منه شهرا ثم انتفى منه بعد ذلك؟قال: لا يقبل قوله ذلك ويضرب الحد إن كانت حرة مسلمة، وإن كانت كافرة أو أمة لم يضرب الحد ولحقه الحد، قلت: ويجعل سكوته هاهنا إقرار منه بالحمل ؟قال: نعم.قلت: فإن رآه يوما أو يومين فسكت ثم انتفى منه بعد ذلك ؟قال: إذا ثبتت البينة أنه قد رآه فلم ينكره أو أقر ثم جاء بعد ذلك ينكر لم يكن له ذلك".[9]

بل قد نجد تأديبا موجعا وعمليا بإقامة الحد على من نفى الحمل بعد الإقرار به كما يروي البيهقي في السنن: "أن عمر رضي الله عنه قضى في رجل أنكر ولد امرأته وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولد أنكره...فأمر عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته، ثم ألحق به ولدها."وروى البيهقي أيضا وعبد الرزق وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال: " إذا أقر الرجل بولده طرفة عين فليس له أن ينفيه"[10].

فهذه الفتاوى كلها تتضمن حماية لحقوق الطفل والمرأة معا بالدرجة الأولى، ومن خلالها يتبين مدى خطورة المرحلة ما بين العقد والدخول والتي يكون فيها كلا طرفي الزواج معرضين لإسقاط حقي كليهما بحسب الدعاوي والاختلافات الطارئة على العلاقة بينهما: إما بتأثير شخصي وعاطفي وإما بتدخلات قد تكون عائلية في كثير من الأحيان، وقد تكون خارجية بسبب الإغراءات والحيل والسعي إلى التفرقة بين الزوجين بدوافع الشر: عن طريق النميمة والوسوسة وفي أحيان كثيرة عن طريق استعمال الوسائل الشيطانية من سحر وكيد وما إلى ذلك مما أصبح منتشرا بكثرة في مجتمعاتنا المنحدرة نحو الجهالة والانحراف...

وحينما نتحدث عن موضوع اللعان وضبط النسب عند الاختلاف فليس ذلك عل سبيل تشجيع العمل به بصورة مكثفة وفتح المجال الأوسع له، وإنما من باب التنبيه على عدم إسقاطه من الحسبان عند التقاضي ورفع الالتباس حين الاقتضاء والضرورة، وذلك حتى يبقى مجرد استحضاره في الذهن رادعا نفسيا عن الاسترسال في إهدار الأنساب وحقوق الطفل وأمه وكذلك أبيه، لأن المسالة فيها حماية لكل عناصر المجتمع على حد سواء .

هذا؛ إذا علمنا أن موقف الفقهاء من إعلان اللعان أو حتى جلد الحد يميل إلى التقليل من مظاهره الإجرائية مع إبقاء سوطه معلقا للتنبيه والتحذير وحماية المجتمع من الفساد، وهو ما نلحظه في فتاواهم وخاصة المالكية في المغرب والأندلس، مع التفريق بين اللعان لنفي النسب واللعان في التهمة بالزنا لتقليل إجراءاته العلنية.

إذ كما نجد في "البهجة في شرح التحفة": "إن كان اللعان لنفي الحمل فهو واجب لئلا يلحق بنسبه ما ليس منه، فتجري عليه جميع أحكام الأنساب وإلا فالأولى تركه بترك سببه، لأنه من الأمور التي نص الشرع بالستر عليها لقول صلى الله عليه وسلم: "من أصاب شيئا من هذه القاذورات فليسترها بستر الله".ويستحب له طلاقها إن لم تتبعها نفسه فإن وقع بسببه صدقا وجب لوجوب دفع معرة الحد والقذف إلخ..وفي المعيار عن سراج ابن العربي: أن شهادة الرجل على زوجته برؤية الزنا مكروهة إذ لا تفيد أكثر من الفراق، والفراق مع الستر أفضل، وأما شهادته على نفي الحمل فواجب لئلا يلحق بنسبه ما ليس منه "، "قال: وقع في زمن الأمير أبي يحيى رحمه الله تعالى، وتلاعنا بجامع الزيتونة وقد وقع بعد ذلك مرة أخرى ولا غرابة في وقوع سببه في هذا الزمن لكثرة المفاسد، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قلت: وقد وقع أيضا مرارا بعد الأربعين والمائتين والألف بجامع القرويين من فاس صانها الله، و إذا علمت ما مر من وجوبه، فما في لامية الزقاق ونظم العمل من أن العمل جرى بترك اللعان مطلقا من فاسق وغيره لا يعول عليه لأنه خلاف الكتاب والسنة، ولا أبعد من جريان العمل بمحرم الذي هو ترك الواجب"[11].

قد يضاف حكم لحماية نسب الطفل رغم أن الأم تكون قد ارتكبت جريمة الزنا أو الخيانة الزوجية- كما يعبر عنها حديثا- .بحيث إن نفي الولد أو قبوله يكون مرتهنا بالمدة الزمنية التي أقر فيها الزوج بأنه رأى زوجته تزني، والمدة المحكمة هي أقل مدة الحمل، أي: إذا أقر بأن زوجته زنت منذ ثلاثة أشهر وجاءت بالولد في الشهر الرابع فإنه لا ينبغي له أن ينفيه بحسب إقراره على الفترة التي اتهم فيها زوجته، إذ الحمل كان قبل أن رآها فيما اتهمها به، ويسمى هذا النوع من اللعان بالإلتعان على الرؤية .

حول هذا الموضوع تتحدث المدونة بطرح الفرضيات وضبطها بالمدة القارة وهي: الستة أشهر، كما روى سحنون: "قلت: فإن جاءت بالولد من بعد ما التعن بشهرين أو ثلاثة أو بخمسة أيلزم الأب الولد أم لا؟قال: نعم .لأن الابن إنما هو من وطء هو به مقر وأنه يزعم أنه رآها تزني منذ خمسة أشهر والحمل قد كان من قبل أن يراها تزني، قلت: أفيلحق به الولد أم لا في قول مالك؟ قال: قد اختلف فيه قول مالك فيما سمعنا منه وفيما بلغنا عنه مما لم نسمعه، وأحب ما فيه إلي أنه إذا رآها تزني وبها حمل ظاهر لا يشك فيه فإنه يلحق به الولد إذا التعن على الرؤية ...وكان المخزومي يقول في الذي يقول لزوجته: رأيتها تزني وهو مقر بالحمل أنه يلاعنها بالرؤية، فإن ولدت ما في بطنها قبل ستة أشهر من ادعائه فالولد منه، وإن ولدته ستة أشهر فصاعدا، فالولد للعان واعترافه به ليس بشيء، فإن اعترف به بعد هذا ضربته الحد ولحقت به الولد..."[12].

فهذه الفتوى تجمع بين ضابطين رئيسيين، هما: الضابط الزمني، والضابط الأخلاقي- أي ما يمكن التعبير عنه بأخلاق حماية النسب -للحد من الطعن فيه والتساهل به بعدما عملت الشريعة على الحد من تضييعه وتسييبه كي لا يختلط ومن ثم ينضبط.

هذان الضابطان يحميان في آن واحد الطفل بالدرجة الأولى في نسبه حتى لا يضيع منه بسبب الوهم والشكوك التي لا أساس لها من الصحة، ويحمي الأم في عرضها حتى لا يصبح الزوج مستسهلا قذفها بمجرد الهوى والكذب من أجل التخلص منه، كما أنه يحمي الأب أو الزوج حتى لا ينسب إليه ما ليس منه بسبب إلزامه بما هو بريء منه حسب الضابط الزمني القطعي في تأكيده وإثباته.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والفقه والحضارة

وجدة، المغرب

........................

https: //youtu.be/XOSrxmiUuXw

[1] ابن عبد البر: الكافي ص229

[2] 21 - ص20 ابن رشد.بداية المجتهد ج2

[3] الامام مالك.المدونة الكبرى ج2ص194

[4] رواه البخاري في كتاب النكاح

[5] رواه مسلم

[6] سورةالنساء آية 19-20

[7] الامام مالك المدونة الكبرى ج2ص219

[8] نفس المصدر ج 2 ص320

[9] نفس ج3 ص110

[10] عبد العزيز الهلاوي: فتاوى وأقضية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ص280

[11] علي التسولي.البهجة في شرح التحفة.دار الفكر بيروت ج1ص330

[12] الامام مالك .المدونة ج3 ص110

 

1) من التعريفات التي قد تنطبق على الإنسان هو أنه" كائن حي شعوري" وهذه الحياة الشعورية ستمثل واقعا مشتركا بين الناس، و بها يتميز عن الكائنات الصماء الجامدة والكائنات الحية غير العضوية .

لكن هذا الشعور قد ينقسم إلى أقسام:منها ما يبقى في دائرة الاشتراك الذي يجمع الإنسان بالحيوان، وهو الشعور الحسي والغريزي وما قرب منه، ومنها ما يختص به الإنسان عن الحيوان اختصاصا راقيا ومميزا تميزا عنصريا بحسب قيمته الجوهرية التي منها تتكون شخصيته.

وعلى هذا فنجد الخطاب القرآني حينما يتحدث عن الشعور الحسي عند الإنسان قد يقارنه دائما بالحيوان، كضرب استحثاثي على أوتار النفس الإنسانية ذات الخصوصية الراقية، حتى لا تنغمس في استحلاء الشعور الحيواني والتدني بالانغماس فيه مما يسقط الإنسان في مرحلة منافية للشعور الحقيقي الذي يتميز به عن الحيوان وغيره من الكائنات.

فقد نجد مثل هذه الإشارات في قول الله تعالى:"إن الله يدخل الذين أمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم "[1]، "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"[2].

وللخروج من دوامة الشعور الحسي المحض الذي قد يشترك فيه الإنسان والحيوان، بموجب قاعدة المؤثر والمتأثر والحاجة وسدها والغريزة والاستجابة لها، فإننا نجد أن الإسلام يحدد لنا خصوصية الإنسان الشعورية بفصلها عن الاشتراك العام أو شبهه الذي يجمعه والحيوان، بل حتى النبات والحشرات.

هذا التحديد يتجلى في عدة آيات ستبين لنا أن الأصل في الإنسان هو الشعور الإدراكي والتبصر، وهذا النوع من الشعور هو الذي يجعله أقرب إلى نفسه من غيره وأدرى بأحوالها وأعراضها.

فالأصل في الإنسان كمال الخلقة والإدراك، كما يدل على هذا قول الله تعالى:" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد"[3]، "الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان "[4]، "فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى"[5]، "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره"[6]، "ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين"[7]، "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"[8]، "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون"[9].

" اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"[10].

2) فلو ذهبنا نستعرض كل الآيات الدالة على الوعي الإنساني وشعوره الخاص بذاته وبغيره لوجدناها كثيرة جدا، بل إن الخطاب القرآني في مجمله لم يتوجه إلا إلى هذا الشعور والاستبصار الإنساني، لأنه يؤسس أسمى درجات الإدراك القائم على التعقل والشعور بالخطاب شعورا معنويا، قد يتفاعل معه الوجدان بكل مكوناته وتهيؤاته المعرفية.

فالخطاب يقتضي المناسبة بينه وبين المخاطب، وهذه المناسبة شعورية وإدراكية ذوقية لفحوى الخطاب ابتداء، وعلى أساس هذه المناسبة تتحدد مسؤولية الإنسان الجزائية والمعرفية، وعند غيابها فقد يرتفع التقابل بين الخطاب والمخاطب، لأنه حينئذ سيغيب الإدراك بمدلولات الخطاب وأبعاده فتكون التصرفات غير شعورية ولا إدراكية والذي قد يكون عرضيا وظيفيا أو مرضيا عضويا، و يكون مرضيا عقديا سيترتب عنه مرض خلقي وانحراف عن الفطرة السليمة فيصير مرضيا عضويا مزمنا.

فحول الحالة العرضية أو المرضية العضوية العادية نجد مثلا هذا الحديث المنبه إلى تجنب الوقوع فيها كما روي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدرى لعله يستغفر فيسب نفسه"[11].

إذ النوم يمثل مرحلة وجدانية عرضية قد يغيب عندها الشعور، والتحكم فيه من حيث الوعي بالخطاب أو تنظيم السلوك، مما يترتب عنه نتائج قد تكون للإنسان فيها مسؤولية محدودة وقد لا تكون، بحسب الآثار المترتبة عنه أثناء النوم ومستوياتها من حيث الإضرار بالغير وعدمه.ولهذا فهو يمثل نوع وفاة كما دلت عليه الآيات في قول الله تعالى:"وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون"[12]، "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"[13].

وكذلك الحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء"[14].

ونظرا لهذا البعد غير الشعوري الذي يؤول إليه النوم فإن المسؤولية الجزائية قد ترتفع عنده إلا في بعض الظروف الاستثنائية كما ترتفع بعض الحالات العرضية الأخرى أو المرضية الشبيهة به، نظرا لأنها تغيب الإدراك عن الإنسان ويصير معها في حالة شبه النائم أو ربما أكثر منه، سيجمعها الحديث النبوي في خطاب واحد لتقارب أحوال أصحابها كما قال صلى الله عليه وسلم:"رفع القلم عن ثلاثة:عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ".

فالنوم والصغر والجنون كلها أحوال قد يغيب عندها أهم عناصر الإدراك و مرتكزاته لدى الإنسان، ولهذا فالجزاء سيكون بحسب الاعتماد عليها، لكن إذا غاب أحدها ارتفعت الأهلية والمسؤولية كما سيستنبطه علماء الفقه والحديث وسيؤسسون عليه علومهم ومناهجهم في دراسة النفس ومراحل إدراكها ...

فالتوظيف في غير محله أو التغييب العمد للشعور والوعي سيكون أحد أهم أسباب تحمل المسؤولية الجزائية و التأديبية، عقابا أو عتابا وتوبيخا. وفي هذا ورد النص القرآني محذرا من عواقب توظيف المرتكزات الإدراكية في غير محلها مع الوعي بمحمولاتها المعرفية في قول الله تعالى:"ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروه"[15].

فهذه الآيات قد جمعت بين تحديد العقل النظري والعقل العملي في آن واحد -أي بين العقيدة والسلوك - مما يمكن معه القول بأنه، إذا صلحت أدوات تثبيت العقيدة الصادقة والالتزام بها سيصلح معه بالضرورة السلوك الصحيح والأخلاق الرفيعة، لكن إذا غاب الإدراك وأدواته ووظفت على غير وجهها فقد تنقلب تلك إلى ضد وظيفتها مما يترتب عنه سلوك شاذ ومنحرف وصفه الله تعالى بالطغيان والعمه، كما نجده في قوله تعالى:"ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون"[16].

وعند هذه الحالة سيدخل الإنسان في مرحلة الحالة المرضية العقدية أو السفه العقدي كما سبق وعبرنا عنه، وهي مرحلة يمكن التعبير عنها باللاشعور الفكري والسلوكي، تنقلب فيه المفاهيم إلى ضدها والسلوكات إلى عكسها على نمط الإصابة بمرض الصفراء أو عمى الألوان .بحيث قد يتذوق المريض ويرى الأشياء على غير طعمها أو صورتها الحقيقية رغم أنها أقرب إليه من أي شيء...

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والعقيدة

وجدة، المغرب

................................

[1] سورة محمد آية 13

[2] سورة الأنفال آية 53

[3] سورة فصلت آية 53

[4] سورة الرحمن آية 1-2

[5] سورة النازعات آية 37-40

[6] سورة القيامة آية 14-15

[7] سورة البلد آية 8-10

[8] سورة الشمس آية 7-10

[9] سورة التين آية 4-6

[10] سورة العلق آية 1-5

[11] رواه البخاري، كتاب الوضوء

[12] سورة الأنعام آية 61

[13] سورة الزمر آية 42

[14] رواه البخاري، جزء من حديث باب الآذان وذهاب الوقت

[15] سورة الإسراء آية 36-38

[16] سورة الأنعام آية 110

في الإسلام تكون المباديء الكلية هي نتاج المطلق الإلهي، وهناك قواعد كلية وإن كانت عقلية من أستنتاج البشر لكنها ضمن أطار المباديء والقيم التي يحددها القرآن الكريم، أما تطبيقات هذه الكليات، وتنفيذها فيقوم بها البشر، وما يترشح منه من أجتهاد في بناء النموذج السياسي، ومن الطبيعي أن يكون أحتمال الخطأ بالتنفيذ وارد، وهذا الخطأ سببه قد يكون الفهم غير التام للنص الذي وضعه المشرع، وهذا متوقع من الأنسان (لأن كل فهم وتفسير من المفسر يتوقف على قبلياته وأفتراضاته المسبقة)(الهرمنيوطيقا وأشكالية التأويل ص66:  د.مصطفى عزيزي) ولاننسى مشاعر ووجدان وأرادة ونوازع المطبق للسياسة التي لها الأثر بورود الخطأ في الممارسة والتطبيق . مسألة الخطأ في الممارسة السياسية رُكبت عليها مغالطات كثيرة، حتى أصبحت منطلق للتشويه والتلبيس والأساءة للإسلام، حتى إن الكثير جعل منها دليل يلوح به على عجز الإسلام من تقديم نموذج ناجح للفكر السياسي، في حين أن المبدأ شيء، ومن يمارسه شيء آخر، وهذا يعتمد على كفاءة، وصدق، ونزاهة المطبق لهذه المباديء الكلية السياسية، كما قلنا كذلك يعتمد على قبلياته الفكرية وأدواته المعرفية، وخلفيته الثقافية . ولكن لضمان التطبيق المتسم بالصدق والأخلاص من قِبل الفاعل السياسي، بالأضافة لما ذكرنا من أهلية فكرية، ينبغي أن يتمتع بعاملين مهمين لضمان التطبيق النزيه لهذا النموذج، وهو مما لا يتوفر في غيره من الأنظمة السياسية الوضعية، وهذين العاملين هما القيم الأخلاقية التي يحرص عليها الإسلام، والتي هي أحد العناصر المهمة في الدين الإسلامي، وكذلك الأيمان بعقيدة الجزاء الأخروي من قِبل الفاعل السياسي،أي عقيدة الأيمان بالثواب والعقاب، وهما عاملان يعتبران الضمانة المهمة للتطبيق النزيه في رسم وتنفيذ النموذج الإسلامي للحكم، ومن مفردات هذه القيم، الأمانة، وقد بين النبي (ص) ذلك حين قال (أذا ضيعت الأمانة فأنتظر الساعة . قيل وكيف إضاعها ؟ قال إذا وسد الأمر الى غير أهله)(البخاري: كتاب العلم)، وقد أكد القرآن ذلك (ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى..)(سورة ص: 26)، كما أن من المهم على الفاعل السياسي أن يدرك بشكل جيد مقاصد الشريعة الإسلامية، والتي تهدف الى تحقيق مصالح الناس وتدبير شؤونهم بالعدل، وحفظ النفس المحترمة، وحماية الأمن والمال والحرص على كرامة رعايا الدولة من أي أعتداء سواء كان من الداخل أو الخارج، فالأخلاق عنصر أساسي، وعامل حاسم في مكافحة الفساد السياسي، وكبح حالات الأحتكار لها، وهذا ما جعل الفارابي يعتبر الأخلاق جزء لا يتجزء من السياسة، حيث يقول (بأن الدولة (المدينة) يجب أن تشتمل على صفات الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة)(الفقه الإسلامي ص96:  الفهدوي)، ومن الملاحظ حتى الفلاسفة المسلمون الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية، وفلسفتها السياسية المتمثلة بأرسطو وأفلاطون كأبن رشد يرى من الضروري لبناء الدولة الفاضلة أن يكون الإسلام هو القانون الكامل للدولة الكاملة أو الفاضلة (الفقه السياسي ص97: الفهدوي).

لكي يسير النظام السياسي الإسلامي على أكمل وجه، علينا توفير البيئة الأجتماعية التي تتعشق مع هذا النظام، وتتعاضد معه، لأن الإسلام يعتبر تطبيق النظام هو عملية تضامنية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(معارج اليقين في أصول الدين: الشيخ محمد السبزواري ص327)، كما أن الراعي للنظام السياسي هو الآخر عامل مهم في ضمان سير تطبيق النظام السياسي، وأن يؤمن به، وأن يكون الرعاة له على مستوى عالي من الأمانه والأخلاص والكفاءة في تطبيقه، وأن لا يكونوا من ذوي النزعة الأبتلاعية، والأستغلالية، وذوي طبع أستبدادي، فالنظام الإسلامي لايقوم بالأسم والشعار كما حصل في الدولة الأموية والعباسية، فقد حكموا بأسم الإسلام من دون مراعاة لقواعده الفقهية السياسية، ومن حَكم لم تتوفر فيه الصفات الأخلاقية التي ذكرناها أعلاه، ولم يكونوا من المؤمنين أصلاً بالإسلام، وأنما جعلوا من االإسلام حصان طروادة للوصول به لسدة الحكم، فقد قال معاوية بن أبي سفيان (ماقاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، وقد أعرف أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون)(بحار الأنوار ج44 ص53)، فكانت هذه النماذج من الحكم سيئة وفاشلة، بل أعطت صورة لايزال الإسلام متهم بسببها بالدكتاتورية والأستبداد السياسي، فكان تطبيقهم تطبيق مشوه ومتعسف، ولا يمت للإسلام بصلة، لا من ناحية قواعد الحكم، ولا من ناحية الحاكمين، الذين هم بعيدين كل البعد عن فهم الإسلام وأخلاقه السامية .

يتضح لنا أن تطبيق النموذج الإسلامي للحكم له ثلاث مرتكزات أساسية، وهي وجود القواعد والضوابط الكلية للفقه السياسي الإسلامي، بالأضافة الى وجود رجال حكم أكفاء مؤمنين بالنظام، ويتصفون بالكفاءة والنزاهة، ويؤمنون بمبدأ الجزاء الأخروي،وثالثاً حضور منظومة القيم والأخلاق الإسلامية كسور يحمي رجال الحكم من الأنحراف والزلل، فالمبدأ الأخلاقي، والأيمان بالجزاء الأخروي يُعد ضمانة لنجاح هذا اللون من الحكم، وبدونه يتحول الى حكم ثيوقراطي يتستر بالدين ليكون مطية للحكم من قِبل جلاوزة من الحاكمين، ولم يبخل التاريخ بتزويدنا بالكثير من الأمثلة لحكام مستبدين جعلوا من الدين ستار يغطوا به أهدافهم السلطوية . أن ما قدمناه من أدلة أُستنبطت كقواعد كلية من القرآن الكريم والسنة النبوية والعقل، يعضدها تجربة الحكم التي أقامها رسول الله في المدينة المنورة، وما أقامها الخلفاء الراشدون من بعده، وهي تجارب تدل دلالة واضحة على ممارستهم للسلطة السياسية، ونظام الحكم، حيث توفرت فيها كل عناصر الدولة من سلطة سياسية، ورعايا، وجغرافية لها مساحة محددة من الأرض، وهذه هي مقومات تكوين الدولة، فقد كان لهذه الدولة عاصمة وتُسمى المدينة المنورة، والتي أنتقلت بعد ذلك الى الكوفة، ولها أقاليم، وولاة تحكمها، وكان لهذه الدولة دواوين تُسير أمورها، كبيت المال وديوان الجند، وديوان القضاء وغيرها من الدواووين، كما يمكننا أن نُشير الى إشارات واضحة وردت في القرآن الكريم تؤكد وجود عنصر الحكم في الإسلام، وأنه يمثل أحد العناصر الضرورية التي أشار أليها المشرع الإسلامي، ومنها:

1-(إن الحكم إلا لله)(الأنعام:57)

2-(وله الحُكم وإليه تُرجعون)(القصص:70)

3-(وما أختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله)(الشورى:10)

4-(قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ماعندي ماتستعجلون به إن الحكم إلا لله يُقص الحق وهو خير الفاصلين)(الأنعام:57)

5-(ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم وما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أَمر ألا تعبدوا إلا أياه..ز)(يوسف:40)

6-(...وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما أختلفوا فيه...)(البقرة:213)

7-(ألم تَر الى الذين أُتوا نصيباً من الكتاب يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم ...)(آل عمران:23)

8-(ماكان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله.زز)(ال عمران:79)

9-(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..)(النساء:58)

10-(فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ..)(النساء:65)

11-(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله....)(النساء:105)

12-(...وأن حكمت فأحكم بينهم بالقسط...)(المائدة:42)

13-(...ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الظالمون)(المائدة:45)

14-(... مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ..)(المائدة:48)

كلمة الحكم التي وردت في هذه الآيات تدل دلالة واضحة بأن الحكم أحد المفردات التي رُكزَ عليها في النص القرآني، وأشار الى ضرورة الأخذ بها، ولزوم العمل بها، كما أن من غير الممكن أن تكون عملية الحكم بدون مؤسسة قضائية، والمؤسسة القضائية لايمكن أن تكون إلا ضمن دولة، أذن الدولة في الإسلام أحد لوزام أقامة الحكم ووسيلة من وسائل تنفيذه، والمؤسسة القضائية بطبيعة الحال تحتاج الى قاضي، والقاضي لايمكن أن يحكم إلا بوجود قانون، وكل هذه لا يمكن أن تقوم ألا بالدولة.

فيما وردنا أعلاه قد أكتملت الصورة التي تتحقق بها أقامة الدولة، حيث القواعد الكلية للتشريع، مع وجود القضاة والمؤسسات القضائية، والتي لايمكن تحقيقها الا بوجود جهة تنفيذية تنفذ ما يصدره القضاء من أحكام، أضافة للقانون الأخلاقي والأيمان الديني للجزاء من قِبل العاملين في هذا المضمار، كل هذا يشكل ضمانة وحماية للنظام السياسي من الأنحراف، وتبقى ضمانة غير تامة لأن المنفذ هم البشر، والبشر عنصر قابل للخطأ، وهذه الخاصية جداً مهمة أن تُفهم من قِبل الجمهور بأن الحكم مصدره ألهي، لكن من ينفذه هم البشر، مما يجعل من الخطأ أحتمال وارد جداً. هذا الفهم ضروري لكي لا ينعكس الخطأ الصادر من البشر على الدين نفسه، ويحصل الألتباس بين ما هو ألهي وبين ما هو بشري.

خلاصة الموضوع أن كلمة حكم تعني السلطة الإدارية والقضائية والسياسية، فكلمة حكم تتناغم إذن مع مجموعة من الدلالات كالقيادة، وأصدار الأمر والقواعد والقوانين، ليكون بذلك معنى الحكم هو الممارسة الإجرائية للسلطة التي تمتلك حق الأمر والنهي، والمنع والعقاب والتي تضع القوانين، وتحكم بين الناس وتنظم حياتهم)(العقل السياسي الإسلامي:ص21 قاسم شُعيب). فالسلطة أداة تنفيذ الحكم، وهي أداة ضرورية لأستتاب الأمن والأستقرار، وأقامة النظام، وقد أشار الرسول ص الى هذا المعني في قوله (إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن)(أبن كثير في تفسيره). فالسلطة ضرورة لابد منها، كما أن الأجتماع الإنساني بفطرته ينزع أليها، لأن مصالح البشر مختلفة، وتحتاج الى تنظيم وترشيد، وذلك يرجع الى طبيعة التزاحم والأختلاف الذي يحدث بين البشر، فالنظام السياسي تحتمه الضرورة البشرية، ولا وسيلة لأقامة حكم سواء كان مرجعيته نصوص مقدسة ألهية أم وضعية إلا بنظام حكم تقوده سلطة سياسية، وقد أشار الأمام علي ع الى هذه الضرورة حين قال (وأنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر، ويستراح من فاجلا)(شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد:ج19 ص16)..  يتبع

***

أياد الزهيري

أولا: قوة الإرادة وضعف وسوسة الشيطان

حينما يطرح الإسلام مبدأ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإنه في الحقيقة يؤسس لأحد أهم الأركان الرئيسية في منهج معرفة النفس، وذلك بفتح المجال لملاحظة النفس على مستوى الاستبطان الجلي المباشر ودون أن تكون حركاتها وانفعالاتها متأثرة بعنصر خارجي غير مستقر ومضاد أو مناقض لسلامتها وفطرتها الغريزية.

ولما أقول "مستقر" فإنني أؤسس تعبيري على نص قرآني يبين لنا بأن الشيطان في تلبسه بالنفس الإنسانية ليس بعنصر فعال ومؤثر موضوعي وإنما هو مجرد مشوش وهمي و مخذل لها إن هي تواطأت معه في ابتداء توجهها وانجرف معها العنصر الواعي المستنير في الإنسان، أي العقل ...

وهذا التواطؤ قد لا يكون إلا عن طريق الكيد أو المكايدة، ومن النوع الضعيف كما دل عليه قول الله تعالى:"الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفا"[1].وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام :"يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا"[2]، "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين"[3].

لكنه رغم ضعف الشيطان و كيده التوهيمي فقد استطاع أن يضلل الكثير من الناس ويوقعهم في حبائله عن طريق الضرب على وتر نفسي ألا وهو:" التغرير بالأمل والأمنية والحرص" الذي تميل إليه النفس الإنسانية بالغريزة الصماء وبحكم الحاجة المطلقة.

يقول الله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا، إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من وعبادك نصيبا مفروضا، ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا، يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا"[4].

فهذه هي أهم صور الكيد الشيطاني للإيقاع بالكائن الإنساني وذلك بالضرب على الوتر النفساني، من باب التقرير والوعد الكاذب والأماني.

وحينما يعجز الشيطان عن التغرير المباشر ذي البعد العقدي السفهي فإنه قد يلجأ إلى التغرير بالأماني الشهوانية والضرب على أوتارها، تمهيدا لإخلال التوازن، مثلما هو الشأن في حالة الغضب كانفعال ذاتي بسبب داخلي.

لكنه هذه المرة سيكون انفعالا ذاتيا له سبب خارجي مفتعل، وذلك للتغرير بأساليب ووسائل كلها قد تضرب في الطاقة الواعية للإنسان، وحينما يختل الوعي الإنساني فسيجد الشيطان فرصته لافتراس الضعيف من الناس، ضعفا نفسيا وإدراكيا غير متحصن بنور إيماني.

ولهذا فقد جاء التحذير القرآني دقيقا وصريحا في الموضوع يقول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون"[5].

و في هاتين الآيتين تتضح العناصر الجملية للمنهج القرآني في الحفاظ على التوازن النفسي بصرف الإنسان عن تعاطي المخلات بالإدراك، سواء كان المخل سببا ذاتيا أم موضوعيا خارجيا، لأن الخمر قد يمثل وسيلة ملموسة لإخلال التوازن، إذ الشرب هو إضافة موضوع حسي ملموس سيعمل في الشرايين والدماغ وأنسجة التفكير والصحو عمله بالإخلال والمخامرة وإفقاد التمييز.

وأما الميسر والأنصاب والأزلام فهي وسائل غير مباشرة قد تستفز الأعصاب وتستثيرها عن طريق الغضب والحسد وتكريس العداوة بسبب الخسارة.

وكل هذه المقدمات ستؤدي في النهاية إلى ما يؤول إليه الخمر من إخلال للتوازن والارتماء في أحضان الشيطان الذي ليس له من غاية سوى الصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

وهنا قد يتبين الفرق بين الأمر النفسي والأمر الشيطاني، إذ الأول يمثل اندفاعا غريزيا نحو الإشباع الذاتي والاستجابة المفرطة لطبيعة الشهوة والغضب في تركيب الإنسان، أما الثاني فهو كيد عن طريق تأجيج ذلك الاندفاع الغريزي للإيقاع في القنوط أو الاختلال التمييزي مما يسهل معه التشويش على التصور السليم وفتح المجال للسفه العقدي الذي هو أقصى غايات الشيطان لعنه الله .

ثانيا: الانتهازية الشيطانية وعقدة الشعور بالنقص المصيري

ويصور لنا القرآن الكريم هذه الانتهازية الشيطانية في حالة الضعف الإنساني أمام غرائزه واستغلاله له استغلالا خطيرا حتى قد تنقلب التصورات الوهمية إلى يقينيات مما سيكون معه السفه العقدي والخلل المعرفي والاضطراب الحكمي، وذلك في أبلغ وأعمق صورة سيربط فيها بين الجانب النفسي والجانب الشيطاني في أثره على السلوك الإنساني.

يقول الله تعالى:"واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون، ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون"[6].

فالشيطان ليست له من غاية سوى إفساد العنصر الإنساني بالإيقاع به في شباك الرذيلة كوسيلة فقط، حتى يتسنى له الإخلال بنفسيته ثم سلخه عن عقيدته الصحيحة والإيقاع به في الكفر الذي قد يعني هلاكه الأبدي، بحيث سيصبح الإنسان والشيطان في مستوى واحد من الضياع والخسران الأبدي. ولهذا فبمجرد ما يحصل الشيطان على بغيته هاته حتى يتركه في حال سبيله، لأنه قد أوقعه فيما لا أمل له في إصلاحه ألا وهو الكفر بالله سبحانه وتعالى، وإذاك سيصبح الإنسان بدوره شيطانا لأنه صار مطرودا من رحمة الله تعالى.

وفي هذا يقول الله تعالى :"كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر. فلما كفر قال:إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين"[7].

وهذا يؤسس لقاعدة :"الناقص لا يستأنس إلا بالناقص ويتمنى أن يكون الكل على شاكلته ".فالشيطان ناقص بهلاكه وخسرانه ومن ثم فهو قد لا يهدأ له بال ولا يرتاح حتى يوقع الإنسان في نفس ما وقع فيه و الذي كان سبب خسرانه.

أمام هذا التخذيل الذي يمارسه الشيطان سيأتي النداء القرآني لتثبيت الإنسان وسد الذريعة عليه حتى لا يجد وليجة لتقنيطه بسبب أخطاء النفس الأمارة بالسوء في جوانبها الغريزية المحضة من شهوة وغضب وما إلى ذلك، مما لا علاقة له بالجانب العقدي إلا على سبيل الاستدراك والمكايدة الشيطانية.

فنجد قول الله تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم"[8]، "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا "[9].

"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا"[10].

فهذه كلها وسائل علاجية وأسلحة يوفرها الإسلام للإنسان المؤهل لمجابهة الشيطان والحيلولة دون تسربه إلى عمق النفس وأخذ زمام المبادرة بقيادتها والإخلال بالعنصر الواعي في كيانه.

وهذه الأسلحة تتأسس أولا وأخيرا على المرتكز العقدي، الذي بواسطته لا يستطيع الشيطان أن يؤثر على النفس أو يزيد في تأجيجها بإثارة غرائزها بالوسوسة والتسويل كوسائل للمكايدة والاستدراج إلى الإيقاع بها في خبط وصرع سيرمي بصاحبه بعد ذلك في أحضان الشيطان كنتيجة حتمية للقنوط وضيق الأفق الفكري والتصوري.

ولقد دل القرآن على أن الغاية القصوى في الوسوسة عند الشيطان هي صرف الإنسان عن الله، وذلك بإلهائه عن ذكره، عندئذ سيبقى المجال مفتوحا له كي يلعب بخياله حسب خطته ومكيدته التي يهدف إليها.

ولهذا جاء التحذير القرآني من عاقبة فسح المجال للشيطان لأخذ المبادرة إلى التشويش، وذلك من خلال صرفه عن ذكر الله تعالى، ويتجلى ذلك في قول الله تعالى:"ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءانا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون"[11]، "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون "[12].

فهذه الآيات توضح لنا كيف أن وظيفة الشيطان تتحدد في حالة الفراغ عند الإنسان الذي هو نتيجة صرف الفطرة عن غذائها الأصلي ومصدر قوتها واستبصارها، وأن سلاح الذكر في الإسلام هو المهد لكل المخططات الكيدية الشيطانية.

وذلك لأن الذكر حق ووسوسة الشيطان باطل، والباطل زاهق، لأنه غير مستقر ولا ثابت.ومن هنا فقد شرع الإسلام ذكر الله في كل الأحايين والأحوال وفي كل الأعمال ابتداء وانتهاء للحيلولة دون اختلاطها بوسوسة أو تشويش شيطاني الذي قد يصرفها عن الإخلاص والمتانة البنيوية والوظيفية.

فذكر الله والاستعاذة به من الشيطان الرجيم قد يعتبر أحد أهم العناصر المنهجية لمعرفة النفس معرفة صحيحة وخالية من الوهم الخارجي والتوهم الذاتي، وذلك لأن طرد الشيطان من دائرة النفس وصرف وسوسته عنها سوف لن يبقى بعده إلا الإنسان ونفسه.

وإذا انفرد الإنسان بنفسه فإنه حينئذ سيكون حكمه على ظواهرها وأفعالها من باب الملاحظة الداخلية المباشرة وبمنظار سليم استبطاني مستوعب لجوانبها الغريزية وأبعاد حديثها ووسوستها.

ففي حالة تغييب هذا العنصر وهو ذكر الله تعالى من وعي الإنسان فإنه حينئذ لن يصل إلى معرفة نفسه مهما ادعى إمكانية ذلك.لأنه ستختلط عليه الأوراق فلا يكاد يميز بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان و تسويل النفس وأمرها بالسوء وما إلى ذلك من الظواهر التي قد تتطابق فيها وظيفة النفس ووظيفة الشيطان مع فارق الأهداف طبعا.إذ النفس هدفها الابتدائي هو إشباع غريزي مفرط لا غير، بينما هدف الشيطان دائما هو الإيقاع بالإنسان في سفه عقدي متطرف قد يكون مآله الهلاك الأبدي.

يقول الله تعالى حكاية عن غاية إبليس - لعنه الله - وجموحه التضليلي:"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين.قال هذا صراط على مستقيم، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"[13].

فهدف الشيطان قد يتحقق من خلال إخلال التمييز المستنير عند الإنسان مما يغيب معه الوعي بالنفس وضبط قواها وحركاتها، بحيث ينسى الإنسان ذاته لأنه نسي مصدر وعيه وهو ذكر الله تعالى، الوسيلة الوحيدة لطرد الشيطان وهلوساته. يقول الله تعالى:"يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون"[14].

ومن هنا كان طرح موضوع الشيطان في مجال معرفة النفس بجانب ظاهرة النفس الأمارة بالسوء يعتبر مهما جدا وضروريا كأداة منهجية تتحدد من خلالها الظواهر النفسية الخالصة، وتتبين به المؤثرات الداخلية الذاتية والمؤثرات شبه الداخلية غير المرئية، والمؤثرات من الخارجية الموضوعية و الخارجية شبه الموضوعية.

كما أنه من خلال هذا الطرح المتكامل بين النفس الأمارة بالسوء والشيطان الموسوس بنفس السوء سيجعل للإنسان القدرة على تحديد الشعوري من غير الشعوري في نفسه مع إدراك خلفية كلتا الحالتين النفسيتين وأبعادهما السلوكية والعقدية كما سنرى.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

وجدة ،المغرب

.........................

[1] سورة النساء آية 75

[2] سورة يوسف آية 5

[3] سورة آل عمران آية 175

[4] سورة النساء آية 115-119

[5] سورة المائدة آية 91

[6] سورة الأعراف آية 175-177

[7] سورة الحشر آية 16-17

[8] سورة الزمر آية 50

[9] سورة الإسراء آية53

[10] سورة النساء آية 95

[11] سورة الزخرف آية 35-38

[12] سورة المجادلة آية 19

[13] سورة الحجر آية 39-42

[14] سورة الحشر آية 18-19

فكرة "فيتجنشتاين" عن "ألعاب اللغة" والأخلاق

تأليف:  فيليس سيماتي

ترجمة: د. عبد العظيم هندا

***

الملخص

أقترح في هذا الفصل أن نتعامل بجدّية مع المقارنة بين التحليل النفسي عند فرويد ومفهوم الفلسفة عند فيتجنشتاين، لأنهما يشتركان في حقيقتين: أولاها هي أنهما  نشاطان يرتبطان بتحليل اللغة، وثانيتهما هي أنهما يتضمنان هدفا أخلاقيا. كلاهما يهدف  في واقع الأمر إلى تحرير الكائن البشري، وجعله قادرًا على التحرك بحرية. إن المفهوم الأساسي الذي يسمح بهذه المقارنة هو "التمثيل القابل للمعاينة. من هذا المنظور، تعتبر الأخلاقُ الشغلَ الشاغلَ لفلسفة فيتجنشتاين.

الكلمات المفتاحية: فرويد - فيتجنشتاين - التحليل النفسي - الفلسفة - التمثيل القابل للمعاينة  – الأخلاق.

1: تمهيد

تدُلُّ وتفترض كل ممارسة اجتماعية استعمالا معينًا للغة. يسمِّي فيتغنشتاين هذا الترابط المعقد بين اللغة والممارسة الإجتماعية الإنسانية  ب"لعبة اللغة". في هذا الفصل، أقوم بتحليل "لعبة لغوية" مُعَيَّنَة باعتبارها لعبة فلسفية. من منظور فيتجنشتاين،  ليست الفلسفة نشاطًا نظريًّا يسعى  إلى تحقيقِ توضيحٍ مفاهيميٍّ معين، أو إلى تبيانِ المنطق الخفيِّ للغاتنا وأفكارنا. من هذا المنظور، نستطيع القول: إن مفهوم فيتجنشتاين للفلسفة أَشْبَهُ تمامًا بالمفهوم القديم، الذي يتحدد في كون الفلسفة نشاطا يسعى إلى تمكين الجميع من عيش حياة عادلة (وهو ما أسماه فيتجنشتاين حياةً "لائقةً"). بما أن كل نشاط إنساني  يتميز بتراكبه مع اللغة، فإن الفلسفة –شأنها في هذا شأن أي نشاط إنساني  آخر- "لعبة لغوية" معينة على حد تعبير فيتجنشتاين، والتي تتطلب وجود دورين تخاطُبِيَّيْن (حتى لو كان من الممكن في بعض الأحيان تجسيد الدورين من قبل شخص واحد في لحظات مختلفة): الأول هو دور شخص يؤكد شيئًا ما، والثاني هو دور نقدي يرتبط  بالدور الأول.

مثلا، يقولُ "المتحدث " الأولُ إن "اللعبة هي نشاطُ كذا وكذا"، أيْ أَنَّ ماهية اللعبة هي كذا وكذا. لا ينتقد "المتحدث " الثاني هذا التعريف بشكل مباشر، بل يقترح مثالًا آخر للعبة يجعل ماهيتها المزعومة نسبية. إن "المتحدث " الأولَ إلى حدٍّ ما حبيسُ تعريفٍ لغوي ضيق للغاية، لدرجة أنه يمنع صاحبه من "رؤية" عدد الألعاب الموجودة بالفعل، والتي لا تعيرها الماهيةُ المزعومةُ أيَّ اهتمام يذكر. ليست هذه مشكلةً نظريةً فحسب، لأن فكرة "لعبة اللغة" بحد ذاتها تفيد أن الطريقة "غير الملائمة" للكلام تدل على طريقة "غير ملائمة" للفعل أيضًا. وبالعودة إلى مثال تحديد ماهية اللعبة نقول: إن "المتحدث " الأول غير قادر على مراعاة جميع الظواهر التي يدعي صاحبُها أخذَها بعين الإعتبار. هذا يعني أن أفعال هذا الشخص التي تتعلق ب "الألعاب" ستكون محدودة بسبب  مكبح داخلي – أي بسبب  "ماهية" اللعبة المزعومة- التي لا علم لهذا الشخص به؛ وهو ما يعني أن سلوكه ليس حرًا قدر الإمكان. من منظور فيتجنشتاين، تعتبر الفلسفة نشاطًا علاجيًا نظرا لأن غايتها تكمن في تحرير الإنسان من الأقفاص الداخلية التي ينطوي عليها الإستخدام  غير المناسب  للغة. من هذا المنظور ، يَتَّضِحُ التشابه القائم بين مفهوم فتجنشتاين للفلسفة والعلاج النفسي/التحليل النفسي، إذْ كلاهما أنشطةٌ لفظيةٌ (تخاطُبِيَّةٌ على وجه التحديد) تُمكِّنُ الإنسانَ من إدراك القيود اللغوية الداخلية التي تًحُدُّ من حريته،  وبالتالي  التحرر منها.

2: مفتاح جديد لقفل مُعَدَّل

قد تم تدارس العلاقة بين فيتجنشتاين والتحليل النفسي بشكل جيد، إلا أنها تبقى علاقة مثيرة للجدل (Peterman 1992 ;Bouveresse 1995; Mancia 2002; McGuinness 2002; Cioffi 2009 ; Heaton 2010;Burton 2011 ). ولذلك أسعى في هذا الفصل إلى استكشاف هذه العلاقة بطريقة مختلفة. إذْ بدل التطرق مباشرة إلى موضوع العلاقة المزعومة بين فيتجنشتاين وفرويد، سأحاول أن أُبَيِّنَ كيف تأثر أسلوب فيتجنشتاين الفلسفي المتأخر بشدة ب "العلاج بالكلام". ما أود توضيحه هو كيف أن هذا الأسلوب ليس مجرد أسلوب فحسب: أَيْ أْنَّ الطريقة الخاصة لاقتراح ومناقشة الحجج في كتاب فيتجنشتاين الموسوم ب مباحثُ فلسفيةٌ ليست شيئا غريبا بالنسبة لفيتجنشتاين

(Baker 2004؛ Purton 2013). ما استعاره فتجنشتاين من فرويد هو إيلاء اهتمام بالغ الأهمية لما يقوله الشخص بالفعل؛ أيْ أَنَّ ما تعلمه فتجنشتاين من فرويد كان اهتمامًا شديدًا ب "تجليات" اللغة (Johnston 1993). على الرغم مما كان يعتقده فرويد نفسه إزاء عمله العلمي، فإن ما فعله في حقيقة الأمر هو الإصغاء إلى كلمات الأشخاص الخاضعين للتحليل النفسي وإعادة صياغتها بطريقة أخرى.

لقد وصف فرويد إعادة الصياغة هذه  بأنها تفسير (حتى لو كان قد عرفها بتواضع أكثر في مرحلة لاحقة من نظريته  على أنها "تراكيب تحليلية"؛ Freud 1937)، لكن لا أحد ملزم بالموافقة على مثل هذا الوصف الذاتي؛ أيْ أَنَّ الصحة الواقعية لعمل فرويد لا تعني صحة النظرية التي استعان بها لشرح ما كان يعتقد أنه كان يقوم به. إِنَّ تبنِّي وجهة نظر أبسط وأكثر حصافة لعمل فرويد يسمح لفيتجنشتاين بمعالجة ما كان دائمًا يشكل أحد مخاوفه الرئيسية: كيف نتعامل مع الأخلاق، مع العلم أنها "من الواضح شيء لا يمكن التعبير عنه!" (Wittgenstein 1979, 78):

ليس بمقدوري أَنْ أُخضِع  أحداث العالم  لمشيئتي، لأنني عاجز كليا. بمقدوري فقط أن أجعل نفسي مستقلاً عن العالم – وأستولي عليه تبعا لذلك بشكل من الأشكال - بالتخلي عن أَيِّ تأثير على الأحداث. إن العالم مستقل عن مشيئتي. (ص 73)

من ناحية أخرى، لم يرفض فيتجنشتاين أبدًا هذه الفكرة القديمة؛ بَيْدَ أنه من منطلق آخر لم يتخلَّى أبدًا عن الحاجة الملحة لإيجاد طريقة تُمكٍّن للأخلاق (Radford 1989; Mulhall 2002)، وهذه طريقة لتصور حياة "كريمة". ما يجده فيتجنشتاين في عمل فرويد الفعلي مع اللغة هو تلك الفكرة الأساسية بأن الموقف الأخلاقي يفيد، من الناحية العملية، القدرةَ على تبني وجهة نظر أخرى- أي تبني رؤية جانب آخر- يتعلق بالعالم. لا تَهْتَمُّ الأخلاق بالإرادة أو التأمل، لأنها ليست حالةً ذهنيةً، ولكنها تتعلق بإمكانية رؤية العالم بطرق مختلفة وغير متوقعة (Lycan 1971; Budd 1987 ;Genova 1995 ;Baz 2000 ; Mulhall 2001). قد برهن مثال فرويد أن هذا التحول يكون ممكنا فقط من خلال تعاون شخص ما – أي من خلال تعاون المحلِّل أو شخص يجسد هذا الدور كالفيلسوف مثلا - الذي يساعد شخصًا آخر، أي الشخص الخاضع للتحليل النفسي (ويمكن في واقع الأمر أن يقوم شخص واحد بأداء الدورين معا) لتغيير رأيه بشكل مستقل. ضمنيا، يدل مثل هذا  التحول  في الإنسان على وساطة اللغة. على سبيل المثال، الوصف البسيط لعمل فرويد التحليلي عند "تفسير" الحلم هو أنه يُظهر للحالم طريقة أخرى لتصور حياته" (Sigmon 1985):

" تتلخص فكرة فرويد في كون أن القفل لا يتم تدميره في حالة الجنون، بل يتم تبديله فقط، نظرا لأن المفتاح القديم لم يعد بإمكانه أن يعمل على فتحه، ولكن يمكن لمفتاح معدل بشكل مختلف أن يفعل ذلك (Wittgenstein 1998, 39). يعتبر التحليل النفسي بمثابة الأسلوب اللفظي الذي يوفر "المفتاح" الجديد – أي الجانب الجديد للشيء القديم - والذي يمكنه فتح القفل "المعدل".

بعد مناقشة ما يشكل لعبة اللغة، سأبين أن لعبة اللغة النفسية-التحليلية تشبه إلى حد ما لعبة اللغة الفلسفية، إذْ تشترك كل من لعبتي اللغة النفسية-التحليلية واللغة الفلسفية في هدف مماثل، يتمثل في تحرير حياتنا من المآزق التي نقع فيها، ونقصد بذلك تلك "الجوانب" المعينة للأوضاع التي نعيش فيها، والتي تعيق حركاتنا: "الفلسفة صراع ضد  الإفتتان  بإدراكنا   لمواردنا اللغوية" (Wittgenstein 1953, 109)

3: "ألعاب اللغة" والكائنات البشرية

في كتابه مباحث فلسفية، يفضل فيتجنشتاين التحدث عن ألعاب اللغة بدلاً من اعتبار اللغة مجرد وسيلة تواصلية أو معرفية، (Black1979  ;Hintikka 1979 ;Rubinstein 2004 ;Sluga 2011, خصوصا الفصل 4). كان القصد من هذا التحول يكمن في تعزيز طريقة جديدة للتفكير في اللغة. إن الإستعارة  الإصطلاحية للغة تتجسد في كونها أداة للتواصل (Reddy 1979)، باعتبارها وسيلة (لفظية بشكل رئيسي) لنقل المفاهيم من عقل لآخَر. في مثل هذه الإستعارة ، تحمل الكلمات والجمل معانيها تمامًا كما تحمل عرباتُ اليد التي يستعملها البناؤون  الآجر/الطوبَ. وفقًا لفيتجنشتاين، الخطأ في مثل هذه الاستعارة هو أنها تشير ضمنيًا إلى أن اللغة والعالم منفصلان إلى حد ما عن بعضهما البعض، تماما كعربات اليد  عن الطوب – إذ الطوب لا يحتاج إلى عربات اليد  كي يوجد والعكس صحيح. أي أَنَّنَا نتصور اللغة على ضوء هذا النموذج كما لو أنها كيان مستقل بالنسبة لحياة الإنسان وكيانه: فمن ناحية هناك اللغة، ومن ناحية أخرى هناك العقل البشري، كما لو كان هذا الأخير يستطيع أن يوجد دون الحاجة إلى استخدام اللغة:

لا ينبغي فهم كلمتي" اللغة "و"قواعد اللغة " في كتاب مباحث فلسفية على أَنَّهُمَا تشيران إلى بعض" الكيانات "القابلة للمعاينة  بشكل حرفي، والتي يمكن فصلها، من حيث المبدأ، عن ممارساتنا وحياتنا في العالم" (Hutchinson and Read  2008, 156). بل على العكس من ذلك تماما، يريد فيتجنشتاين في تبنيه استعارة لعبة اللغة التأكيد على أَنَّ اللغة ليست نظامًا موحدًا (على عكس الطريقة التي كان يرى بها اللغة في كتابه المعنون ب الرسالة)، وأنها نشاط بالأساس. الفكرة العامة هنا هي أَنَّ "هناك، كَحَقِيقَةٍ عامة جدًا في التاريخ الطبيعي، شكلٌ واحد من أشكال الحياة المشتركة بين البشرية جمعاء" (Graver 1990 , 200) وأن هذا "الشكل من أشكال الحياة" لدى البشرية لا ينفصل عن اللغة (Taylor 1985;Anderson and Lightfoot 2000 ; Hanfling 2002; Ribes-Iñesta 2006).

إن المثال الأول عن لعبة اللغة الذي قدمه فيتجنشتاين في كتابه مباحث فلسفية هو الحالة الشهيرة لِلْبَنَّاءِ ومساعده:

تهدف اللغة إلى إنشاء التواصل بين البَنَّاء ومساعده. يستعمل البَنَّاءُ الأحجار في البِنَاءِ: هناك الآجر/الطوب والأعمدة وصفائح الإسمنت  والدعامات. يجب على "المساعد" أن يمرر له الحجارة وأن يفعل ذلك طبقا للترتيب الذي يحتاجه "البَنَّاءُ". لهذا الغرض يستخدمون لغة تتكون من كلمات "الآجر/الطوب" و"العمود" و"الصفيحة الإسمنتية " و"الدعامة". يسمي البَنَّاءُ مواد البناء بصوت عال، فيجلب "المساعد" الحجر الذي تعلم أن يجلبه عند تسمية البَنَّاءِ لهاته المادة بعينها. - تَصَوَّرْ هذا كلغة بدائية متكاملة. (Wittgenstein 1953, 2)

إن السمة الأولى التي لا يَلْحظها أحد في الغالب في هذه "اللغة البدائية" هي أنها "لعبة". تُلعب اللعبة لمجرد أنها لعبة ممتعة؛ إذْ يكمن الدافع الأول للعب في اللعب نفسه. وفي ذات الوقت  تُلعب اللعبة لأن المرء يريد الفوز - وهذا يعني ببساطة أن لكل لعبة طورا نهائيا يسعد المرء بالوصول إليه- أيا كان السبب. في هذه الحالة، يكون الطور النهائي هو البِنَاءُ الكامل للمنزل. عادة ما تستلزم اللعبة أكثر من مشارك واحد؛ ويمكن في بعض الأحيان تمثيل المشارك الآخر بالترتيب العرضي للقطع قبل الشروع في اللعبة (كما هو الحال في لعبة سوليتير solitaire). من المهم أن نلاحظ أنه من المتوقع أن تتطلب اللعبة أكثر من دور واحد، وإلا فلن تكون اللعبة ممتعة (وهذا ما تؤكده حالة شخص يمارس الغش في لعبة سوليتير من أجل هزيمة "المشارك" الآخر، حتى وإن كان هذا الأخير غير موجود في الواقع)؛ وهو ما يعني أن اللعبة تنطوي ظاهريا على دورين وظيفيين على الأقل (حتى لو كان الدوران لا يتوافقان دائمًا مع شخصين مختلفين). وهذه خاصية مهمة جدًا لكل لعبة؛ والتي تتطلب أَجْرَأَتُهَا وجود دورين على الأقل.

في لعبة اللغة "البدائية" هذه، يعمل المشتركان، أي البَنَّاءُ ومساعده، معًا سعيا للوصول إلى الطور النهائي المتوقع لهذه اللعبة. يؤكد فيتجنشتاين على الأدوار المختلفة للبَنَّاءٍ بالنسبة للمساعد: يقوم البَنَّاءُ "بالتلفظ" بالكلمات التي تتوافق مع "الأحجار" التي يحتاجها؛ يجلبها المساعد ويمررها إلى البَنَّاء. إن المثال الأول على "لعبة اللغة" لفيتجنشتاين، والمثال الأبسط والأكثر أهمية ، هو تلك الحالة التي يتم فيها تداخل الأوامر والتلقين/التعلم معًا: "يمكننا أيضًا أن نتصور العملية الكاملة لاستخدام الكلمات (ص 2) كما هو الحال مع تلك الألعاب التي عن طريقها يتعلم الأطفال لغتهم الأم " (ص 7). تعتبر الإشارة إلى "الأطفال" مهمة لأنها تؤكد على مسألة يمكن للمرء أن يجدها في الكثير من الألعاب الأخرى للغة، ونقصد بهذا أَنَّ اللغة ترتبط بالتعلم أكثر مما هو متوقع عمومًا، أي أَنَّ اللغة في الأساس أداة موضوعية للتعلم/التلقين. بهذا المعنى، يوجد تقريباطفل في كل لعبة لغوية، حتى لو كانت قديمة جدًا. أي أَنَّ هناك دائمًا بعض القوة/القدرة التعليمية في اللغة، حتى إن لم يكن هناك أيُّ مدرس في لعبة اللغة الفعلية.

تُعَلِّمُ اللغة الطفل كيفية القيام بشيء ما، أي تعلمه كيفية الوصول إلى شيء ما؛ مثلا: "يتم استخدام كلمة "لعبة اللغة" هنا للتأكيد على حقيقة أن التحدث باللغة هو جزء من نشاط ما أو شكل من أشكال الحياة" (ص 23).

وفقًا للمسرب المجازي  conduit metaphor المعتاد، فإن اللغة تعمل على توصيل الأفكار. صحيح أن هذه حقيقة، لكنها حقيقة ناقصة ومضللة بالكامل. تأمل مثلا في لعبة اللغة الخاصة بالبَنَّاءِ ومساعده: في هذه الحالة، يقوم المساعد بأكثر من إحضار الأحجار المطلوبة إلى البَنَّاء. عندما يتلفظ البَنَّاء بكلمة "الآجر"، فإنه يجعل المساعد يفكر في شيء معين. لقد سبق للمساعد أن رأى الآجر، ولكن عندما يتعلم ربطها بالتسمية اللفظية، فإنه يتعلم أيضًا التفكير فيها عندما لا يستطيع رؤيتها بشكل مباشر. ما يتعلمه المساعد ليس فقط الشيء ومسماه الذي يتوافق معه، بل يكتسب أيضًا قدرة إدراكية ومعرفية جديدة، وهي الإنتباه  بطريقة انتقائية إلى جوانب معينة من الأشياء (Fulkerson and Haaf 2003; Adamson and Meltzoff 2005; Waxman and Gelman al. 2004). تؤدي القدرة على تسمية شيء ما إلى توسيعِ نطاقِ ما يمكن أن تفعل به؛ من الممكن الآن أن تتخيله حتى عندما يكون غير موجود. تنشأ مجموعة جديدة كاملة من الأنشطة: "إعطاء الأوامر، والعمل بمقتضاها؛ وصف شيء من خلال مظهره أو قياساته؛ وتركيب شيء من خلال وصفه (أو رسمه)؛ والإبلاغ عن حدث ما؛ التكهن بالحدث ؛ وتشكيل واختبار الفرضية ؛ تقديم نتائج التجربة في جداول ورسومات بيانية ؛ وتأليف قصة؛ وقراءة واحدة أخرى ؛ التمثيل في مسرحية" (Wittgenstein 1953, 23).

ما يشير إليه فيتجنشتاين هو أن تعلم ألعاب اللغة لا يؤدي فقط إلى تحسين القدرات المجردة للإنسان، بل يعني أيضًا حدوث تغيير جذري في كيانه الإنساني. على سبيل المثال، عندما يكون المرء قادرًا على تفسير "شيء من خلال الوصف (الرسم)"، فإن كل قدراته الجسدية تتعرض للتغير. إن التأكيد على هذه المسألة مهم للغاية، لأن هناك كيانات بشرية تامة النضج في الدرك الأسفل لألعاب اللغة. في غياب هذا "الأساس المتين"، تصبح ألعاب اللغة غير ممكنة. يميز فيتجنشتاين بعناية بين "القاعدة rule" التي يتم تعلمها صراحة، وبين "الإنتظام  regularity" الذي يتعذر تعلمه؛ على العكس من ذلك، يشكل الإنتظام الأساس البيولوجي للقدرة على اتباع القاعدة. تتضح الضرورة (المنطقية) لهذا التفريق عندما يواجه المرء نفسه باستحالة تعلم القاعدة (الفوقية) لاتباع قاعدة ما:

إن اتباع القواعد شبيه بالإنصياع  للأوامر. يتم تدريب المرء على القيام بذلك، والتفاعل مع الأوامر بطريقة معينة. ولكن ماذا لو تفاعل شخص ما مع الأمر والتدريب بهذه الطريقة، وتفاعل آخر معهما خلافا لذلك؟ أيُّهما يكون  على حق إذن؟ لنفترض جدلا أنك أتيت كَمُسْتَكْشِفٍ لبلد مجهول يتكلم أَهْلُهُ لُغَةً تجهلها تمامًا. في أَيِّ الأحوال تستطيع أن تقول إن الناس هنالك قد قاموا بإصدار الأوامر واستيعابها وإطاعتها والتمرد عليها و غير ذلك؟ إن السلوك البشري المشترك هو النظام المرجعي الذي نستطيع من خلاله ترجمة لغة نجهلها. (Wittgenstein 1953, 206)

لقد تعلم المساعد أنه عندما يتلفظ البَنَّاءُ بكلمة "آجر "، يكون عليه أن يحضر الشيء المقابل للكلمة وتمريره إلى البَنَّاءِ. يمكننا أن نتصور أن هذا "التدريب" يتعلق بأمثلة من الأوامر وتنفيذها. في مرحلة معينة، يُتوقع من المساعد أن يكون قادرًا على الاستمرار بمفرده عندما يطلب منه البَنَاءُ شيئا جديدًا، لأن المساعد يكون قد "تعلم" كيفية المشاركة في لعبة اللغة بطريقة تؤهله لذلك- وهي فكرة يمكن أن تخطر ببال البَنَّاءِ. النقطة الجوهرية هنا هي أنه لا أحد يقوم بتعليم المساعد كيف ولماذا يستمر في هذه العملية؛ بعد فترة معينة من التدريب يتوقع من المساعد ضمنيًا "معرفة" كيفية المضي قدمًا دون الحاجة لأية تعليمات أخرى. إن "الانتظام" معرفة ضمنية:

دعونا نتخيل أن الناس في البلد الذي ذكرناه آنفا قد قاموا بأنشطة إنسانية مألوفة، واستعملوا أثناء ذلك لغة فصيحة بشكل واضح. إذا قمنا بمشاهدة أنشطتهم، نجد أنها قابلة للفهم، لأنها كما يبدو أنشطة "منطقية". لكن عندما نحاول تعلم لغتهم، نجد أنه من المستحيل فعل ذلك؛ لأنه لا يوجد اتصال منتظم بين ما يقولونه والأصوات التي يصدرونها والأنشطة التي يقومون بها؛ ولكن تبقى هذه الأصوات غير زائدة عن اللزوم، لأنه إذا قمنا، على سبيل المثال، بإسكات أحد هؤلاء الأشخاص، فسيكون لهذا نفس العواقب كما هو الحال معنا، إذْ في غياب هذه الأصوات، يصيب الإرتباكُ  أفعالَهم، كما أرغب في التعبير عن ذلك. هل يجب علينا أن نقول إن لهؤلاء الناس لغة خاصة بهم، تشمل الأوامر والتقارير وما  غير ذلك؟ لا يوجد انتظام كافٍ بالنسبة لنا لتسميتها ب"اللغة". (ص 207)

"الإنتظام " يفيد "السلوك البشري المشترك" الضمني، أي يفيد "النظام المرجعي" الشائع الذي يسمح للإنسان بتعلم قواعد واضحة، كالقواعد التي تنظم ألعاب اللغة. في غياب هذا الأساس، تتعذر إمكانية أية لعبة لغوية:

"كيف يمكنني أن أتبع قاعدة ما؟" إذا لم يكن هذا سؤالًا عن الأسباب، فهو إذن يتعلق بتبرير تصرفي بهذه الطريقة امتثالا مني للقاعدة. فبمجرد استنفاذ المبررات، فإني أكون قد وصلت إلى الأساس، ومن ثم أكون قد انتهيت؛ لأميل بعدها إلى القول: "هذا هو ما أفعله ببساطة". (ص 217)

في نهاية المطاف، لا توجد مبررات أخرى لأنني "عندما أتبع القاعدة، أفقد الاختيار. أتبع القاعدة بشكل أعمى" (ص 219). يمكن أن يوجد تبرير للقاعدة الواحدة، ولكن ليس للإنتظام  الذي يجعل أي قاعدة ممكنة. الفكرة الأساسية هنا هي أن لعبة اللغة ترتكز على أساس بيولوجي (Gallese 2008; Perlovsky and Ilin 2013)، وهذا الأساس هو الحياة الفعلية التي نعيشها نحن البشر. لكن هل هذه فرضية "إيجابية"؟ في النهاية، هل يؤكد فيتجنشتاين شيئًا مشابهًا لأطروحة فلسفية؟ من الواضح أنه لا يفعل ذلك. عندما يكتب عن "الأساس"، فإن ما يريد فعله هو التخلص من الحاجة الفلسفية- أي الحاجة المَرَضِيَّة- لمزيد من التبريرات: إن "الأساس" أمر طبيعي بالمعنى البسيط والمشابه للطيران الذي هو أمر طبيعي بالنسبة لطيور النورس. هذا يعني أننا نعيش بطريقة معينة، وأن طريقة العيش هذه هي الأساس الجوهري: "الذي يجب تقبله والتسليم به  هو- إذا جاز  القول-أشكال الحياة" (Wittgenstein 1953, Philosophy of Psychology - A Fragment, IX, 345)، حيث يكون التركيز على الأشكال "الجماعية" (لا يوجد شيء اسمه طريقة عيش الإنسان). هذه مسألة جديرة بالتذكر، كما سنرى في الفقرات التالية، لأن العمل العلاجي للفلسفة يتم وضعه بالضبط مقابل توهُّم أَيِّ أساس ميتافيزيقي - أَيْ مقابل أساس لا يقبل المساءلة.

ماذا يمكن أن نجد في صلب هذا التحليل؟ في النهاية يوجد الكائن البشري، كما لو أنه كان هناك منذ البداية. هذه مسألة يجب الإلتفات  إليها، لأنه سيكون لها تبعات مهمة عندما نتناول العلاقة بين الفلسفة والتحليل النفسي. وفقًا لما ذكره فيتجنشتاين، اللغة ليست أداة تواصلية أو معرفية. من الواضح أنها تواصلية ومعرفية، بل إنها أكثر من ذلك بكثير، وهو ما يجعل الحياة البشرية، بصفتها حياة إنسانية، ممكنة. إليك مثال آخر: طائر النورس هو بمثابة تلك الحياة المستحيلة التي تفتقر للأجنحة. إذا قال أحدهم إن الأجنحة هي الأداة (الجسدية) التي يستخدمها طائر النورس للطيران، فسيكون ذلك تأكيدًا غريبًا حقا، لأنه ببساطة لا وجود لطيور النورس بدون أجنحة؛ أَيْ أَنَّهُ من المستحيل تعريف "النورس" على أَنَّهُ كائن حيواني لا يطير. وينطبق الشيء نفسه على الإنسان  واللغة. لا يوجد إنسان عاجز عن الكلام (هذا لا يعني أن الكائن الإنساني الصامت لا يجب أن يُنظر إليه بطريقة أخلاقية؛ علم الأحياء وعلم الأخلاق مختلفان. وجهة نظر فيتجنشتاين هي أَنَّ ما يجعل الكائن الإنساني العاقل كائنا بشريًا هو اللغة؛ لكن هذا الإعتبار  لا يمنع البتة إسناد حقوق (الإنسان) إلى مخلوقات صامتة):

يمكن للمرء أن يتصور حيوانًا غاضبًا وخائفًا وحزينًا ومبتهجًا ومذهولًا. لكن هل يمكنه أن يتصور حيوانا مفعما بالأمل؟ ولم لا؟ فالكلب قد يعتقد أن سيده لدى الباب. لكن هل يستطيع أيضًا أن يعتقد أن سيده سيعود إلى المنزل بعد غد؟ - وما الذي لا يستطيع القيام به هنا؟ - كيف أقوم بذلك؟ - ما الإجابة التي يجب عَلَيَّ أَنْ أعطيها لهذا السؤال؟ هل يستطيع الكلام فقط أولئك الذين لديهم الأمل؟ فقط أولئك الذين يتقنون استعمال اللغة؟ بتعبير آخر، إن تجليات الأمل عبارة عن تعديلات لهذا الشكل المعقد من الحياة. (إذا كان المفهوم يشير إلى خاصية من سمات الكتابة اليدوية الإنسانية ، فإنه لا ينطبق على الكائنات التي لا تكتب). (Wittgenstein 1953, Philosophy of Psychology - A Fragment, I, 1)

يمكن أن يكون الكلب غاضبًا أو متفائلًا. لكن لا يمكنه أن يأمل أن سيده سيأتي بعد غد. يبدو أن مفهومًا ك "بعد غد" لا يمكن أن يتخيله إلا كائن له القدرة على اللغة اللفظية. إنه مفهوم لا يستطيع المرء التركيز عليه إلا إذا كانت هناك كلمة أو جملة تعمل على توضيحه. وهذا يعني أن مفهومًا ك "بعد غد" لن يكون موجودًا بدون الكلمات التي تعمل على صياغته. لا تستطيع لغة الكلب صياغة هذا النوع من الجمل؛ لذلك لا يستطيع الكلب تصور مفهوم كهذا. المهم أن نلاحظ أن مفهومًا ك "بعد غد" يتسع إلى حد كبير لما يمكن أن يفعله الشخص ويتصوره. تصرفات شخص ما لا يعتقد أن هذه الأنواع من المفاهيم تقتصر على ما يمكن أن يفعله الشخص بشكل مباشر: يمتد خياله إلى حيث تمتد أطرافه. على العكس من ذلك، يمتد الكائن البشري إلى حيث تنتهي إليه أفكار الفرد (Menary 2010). بما أن ما يمكن أن يفكر فيه الشخص يعتمد على قدرته في صياغة الألفاظ، فمن الصحيح حرفيًا أن نقول إن "حدود لغتي تفيد حدود عالمي" (Wittgenstein 2002 , 5, 6). يعيش الكائن البشري في عالم مادي، وما يمكن أن يفعله في ذلك العالم يعتمد على ما يمكن أن يتخيله ويفكر فيه؛ نظرًا لوجود ارتباط مباشر بين اللغات والأفكار والأفعال، فإن اللغة تمتد إلى الزمان والمكان اللذان يمتد إليهما الكائن البشري. وهذا يعني أن حرية هذا الكائن تعتمد على العلاقة التي يقيمها مع لغته.

تكشف فكرة "لعبة اللغة" عن قضية أخلاقية غير متوقعة. السؤال الجوهري هو: من يعمل على استعمال الآخر؟ هل الكائن الإنساني  هو الذي يستعمل اللغة؟ أم أن اللغة هي التي تستعمل الكائن الإنساني؟ إذا كان التفكير لا ينفصل عن اللغة، فكم عدد المرات تكون فيها الإشكالية التي يعاني منها شخص ما مرتبطة بحياته الخاصة وليس فقط باللغة وشكل الحياة الذي ترتبط به حياته والذي يتم التعبير عنها من خلاله؟ إن "العالم والحياة شيء واحد" (Wittgenstein 2002, 5,621)، وأن حدود العالم تحددها اللغة؛ لذلك تعتمد حياتنا على الموقف الذي نتخذه بخصوصها. إن الإشكالية التي لا يزال فيتجنشتاين يواجهها- أي التي واجهته في كتابه الرسالة وفي كتاباته الأخيرة كذلك- تكمن في إيجاد طريقة لتصور كيفية التعامل مع "هذا الشكل المعقد للحياة": "ما هي وظيفتك؟ عليك أن تعتني بنفسك وتجعلها أكثر جدارة بالاحترام!" (Wittgenstein 1998, 35)

4: "عندما تتوقف اللغة عن أداء وظيفتها"

إذا وضعنا في الإعتبار  الخلفية الأخلاقية الملحة في تحليل فيتجنشتاين للغة (Johnston 1999; Diamond 2000)، فإن العلاقة بين "ألعاب اللغة" والفلسفة والتحليل النفسي تصبح جليةً للغاية. الإشكالية صراحةً هي: هل اللغة هي التي تقوم بالتفكير والفعل من خلال كياننا أم على العكس من ذلك؟ كلا الخيارين يتسمان إلى حد ما بالتفريط ومن ثم بمجافاة الصواب، لكن المسألة الأخلاقية تظل ترتبط بموضع كيان الإنسان في ارتباطه باللغة. كلا الخيارين مجافيان للصواب لأنه لا وجود لكيان بشري بدون لغة؛ كما أنه لا وجود للأخلاق بدون كيان بشري له القدرة على استعمال اللغة. لهذا السبب، يستحيل تحرر الكائن الإنساني  بِدَافِعِ اللغة. ومع ذلك، فإن الأخلاق هي تلك الحالة المريبة للشخص الذي يتموضع بشكل طبيعي داخل اللغة وخارجها في الوقت ذاته (يمكنه في هذه الحالة فقط أن يحاول معرفة متى يكون كيانه يفكر من خلال اللغة، ومتى تكون اللغة تفكر من خلال كيانه):

"إن موضوع الأخلاق لا ينتمي إلى العالم، بل يشكل حدوده" (Wittgenstein 2002, 5,632). تتموضع الأخلاق على حدود اللغة، وهو المكان الوحيد الذي يمكن فيه فصل الإنسان  عن اللغة. ولعل الإشكالية  الملحوظة هي أن هذا المكان ببساطة غير موجود (إن المكان الذي تختفي فيه اللغة من الوجود هو بالضبط المكان الذي يختفي فيه الإنسان من الوجود أيضًا). لهذا السبب يقدم فيتجنشتاين  اللغة دائما كمرض وكعلاج؛ من منظور فيتجنشتاين، تعتبر الفلسفة على وجه الخصوص محاولة علاجية لعلاج الكيان البشري الذي ضاق ذرعا باللغة، وذلك من خلال "لعبة لغوية" معينة أخرى، وهي لعبة تسعى وراء "التمثيل القابل للمعاينة ". لكن ماذا يعني أن اللغة تفكر نيابة عنا؟ أي ما هو مرض اللغة؟

هذا مرتبط بمفهوم التسمية كعملية غامضة إذا جاز التعبير. ويبدو أنها -أي التسمية- ارتباطٌ غريبٌ بين كلمة ما وموضوع ما- وهذا الارتباط الغريب يوجد بالفعل، خصوصا عندما يحاول الفيلسوف استيعاب العلاقة بين الإسم  ومسماه من خلال إمعان  النظر في شيء ما أمامه وتكرار تسميته، أو تكرار حتى كلمة "هذا"، مرات كثيرة. تشرع الإشكالات  الفلسفية في البروز عندما تتوقف اللغة عن أداء وظيفتها.  (Wittgenstein 1953,  38)

"تتوقف اللغة عن أداء وظيفتها" عندما يتحدث المرء دون أن يتحمل أدنى مسؤولية بخصوص ما يتفوه به. قد يعمل المرء ببساطة على تكرار ما تقتضيه الظروف- كما لو أن الظروف ذاتها تتحدث من خلال كيان المتحدث (كأن يقرأ مكبر الصوت الأخبار بعناية شديدة)، أو قد يتبنى المرء موقفًا بخصوص ما يلفظ من قول، متحملا بذلك المسؤولية عن ألفاظه. تأمل في حالة الشخص الذي يتحدث عن الناس الذين هربوا بشجاعة من المجاعة والحرب في شمال إفريقيا، باحثين عن الخلاص في أوروبا. يمكن للمرء أن يقول إنهم "مهاجرون سِرِّيُون"- كالجرذان التي تحمل عدوى خطيرة - أو يمكن للمرء أن يسميهم "أناسا"، مع التأكيد على الشبه القائم بيننا وبينهم، أي أنهم أناس عاديون يبحثون عن حياة أفضل (أي أنهم يفعلون ما يفعله أي واحد منا إذا وجد نفسه في وضع مماثل). في الحالة الأولى يعمل المرء فقط على تكرار المصطلحات البيروقراطية والبوليسية، التي تحول الشؤون الإنسانية إلى قضية إدارية مجردة؛ وفي الحالة الثانية، ينصب التركيز على التشابه المعقد القائم بيننا وبينهم، والذي لا محيد عنه.

ليست هذه مجرد إزاحة اصطلاحية بسيطة، لأن استخدام تعبير واحد يستلزم عددا من المفاهيم والإجراءات الإضافية التي لا تتدخل في الحالة الأخرى. من المهم أن نلاحظ أن الصياغة الثانية ليست أفضل من الأولى من حيث الجوهر. لا تكمن المسألة الأخلاقية في كون عبارة واحدة فقط من بين هاتين العبارتين هي العبارة الصحيحة، بل تكمن في كون أن مسؤولية التفكير تنطوي على مراعاة أكثر من جانب واحد للموضوع الذي نتدارسه: "ربما يكون البحث عن كلمات تحريرية لا متناهيا، لأنه يحتاج إلى إعادة الإجراء  والتنفيذ المستمر، نظرا لتغير الظروف الثقافية، ونظرا لتطور وتغير مسارات الحياة الشخصية والتعليم الفلسفي، و غير ذلك من المتغيرات. على أي حال، حتى الكلمات المختارة بعناية ستميل إلى 'التحجر' مع مرور الوقت" (Read 2005, 98)

عندما تعمل اللغة التي يتحدث بها المرء على تقديم حالة ما كما لو أن لها جانبا واحدا فقط، فإن خطورة " الإفتتنان  بإدراكنا " تُطِلُّ برأسها: يكمن الإفتتنان  في حقيقة أن اللغة شفافة، أي أننا نستعملها عن غير وعي منا بهذا الإستعمال ، وهو ما يجعل الأمر يبدو وكأنه لا وجود لها بيننا وبين العالم: هذه الحالة "شبيهة بالنظارات على أنوفنا نرى من خلالها كل الأشياء التي ننظر إليها، ولا يخطر ببالنا أن نخلع هاته النظارات" (Wittgenstein 1953, 103). يعتقد المرء أنه من الممكن وصف الحالة كما تبدو للعيان في الواقع، بينما في الحقيقة يمكنه في أحسن الأحوال أن يكون نوعًا من المتكلمين من بطونهم، أي من أولئك الذين يتكلمون دون تحريك أفواههم.

تملك الإشكالات التي تنشأ جرَّاء التفسير الخاطئ لأشكالنا اللغوية طابع العمق؛ وتشكل حالات القلق العميق بالنسبة لنا، كونها متجذرة بشدة فينا تماما كأشكالنا اللغوية، كما أن أهميتها العظيمة تضاهي أهمية لغتنا- دعونا نسأل أنفسنا السؤال التالي: لماذا نشعر أن المزحة النحوية تتميز بطابع عميق؟ (وهذا بالذات هو الطابع العميق للفلسفة). (ص 111)

من هذا المنظور، تعتبر الفلسفة نوعًا من المرض الذي يصيب حتى غير المشتغلين بها. إليك على سبيل المثال حالة الشخص الذي يتساءل عما إذا كان الشعور بإحساس ما يشكل حبا "حقيقيا" أم  "زائفا". هنا يتجلى الشعور "بالعمق" مخفيًا في كلمة "الحب" ذاتها، وهو ما يشجع على إجراء المزيد من الأبحاث حول ماهية الحب "الحقيقي". إن الإشكالية  هنا لا تكمن في الحب، أيا كانت طبيعته، بل تكمن في الإفتتنان  الذي يجعلنا نعتقد بوجود جوهر للحب. الإشكالية  هنا هي أن المرء يعتقد أن كل الكلمات أسماء/مسميات ك"الفأر" أو "الزجاجة"؛ ولذلك فإنه يسعى وراء شيء "عقلي" أو "نفسي" متوافق: "إن السبب الرئيسي للأمراض الفلسفية هو نظام التغذية أحادي الجانب: يغذي المرء تفكيره بنوع واحد فقط من الأمثلة" (ص 593). تأمل في المثال الشهير التالي، أي في الشكل البياني للبطة والأرنب. من ناحية، يبدو أنه يجسد بطة، لكن، من ناحية أخرى، يبدو أنه يجسد أرنبا.

صديقان يبحثان في كتاب علم النفس. يسأل أحدهم الآخر قائلا: "ما هذا الحيوان هنا؟" يرد صديقه بثقة مطلقة: "إنه بطة". هذا يعني أنه واثق من أن الصورة تمثل البطة فحسب. عليك أن تنتبه للعبة اللغة الخاصة هذه، لأنها تقدم الإستعمال  العلاجي للغة. "هل أنت متأكد حقًا أن هذه بطة؟" يُلِحُّ الصديق على زميله الآخر؛ ويتابع قائلا: "ألا ترى أنها بطة غريبة حقًا؟" عندما يبدأ المرء في الكلام، يفترض جانبًا واحدًا فقط لكلامه. هنا تكمن ضرورة وجود شخص آخر، أي وجود وجهة نظر أخرى. لكن عندما يرى الأرنبَ فجأةً، تختفي البطة: "انتظر!" يقول لصديقه، "إنها ليست بطة، إنه  أرنب." ليس مهما للغاية أن نعلم ماهية الحافز الدقيق الذي أدى إلى هذه الإزاحة اللغوية؛ لكن ما هو جدير بالملاحظة هو أنه في لعبة اللغة الفلسفية العلاجية يوجد صوت آخر يمثل جوانب أخرى للحالة.

لذلك، بناء على تصور فيتجنشتاين، هناك طريقتان لممارسة الفلسفة (وهما وجهان لهذا النوع من النشاط): الأول حبيسُ اللغة، ويكون عندما يستعمل الإنسان  اللغة دون أن يلحظ أنه يفعل ذلك، والثاني تواقٌ لتوضيح أن اللغة هي التي يستعملها الإنسان  في الواقع. تنشأ الإشكالية  الفلسفية عندما لا يدرك الإنسان  أن الإشكالات العميقة التي يسعى إلى معالجتها هي الآثار الجانبية للغة المستعملة في التفكير في هاته الإشكالات :

عندما نقلق بشأن طبيعة التفكير، فإن الإرتباك  الذي نُؤَوِّلُهُ خطأً على أَنَّهُ ارتباك بشأن طبيعة الوسيلة/الناقل هو ارتباك ناتج عن الإستعمال  المُربِك للغاتنا. يتكرر هذا النوع من الخطأ مرارا وتكرارا في الفلسفة: على سبيل المثال عندما نشعر بالإرتباك  بشأن طبيعة الزمن، عندما يبدو لنا الزمن شيئًا غريبًا. نحن نميل بشدة إلى الإعتقاد  بأن هناك أشياء مخفية، وهو أمرٌ بمقدورنا رؤيته من الخارج، وليس بمقدورنا التفكير فيه. ومع ذلك، لا شيء من هذا القبيل هو المسألة ضالتنا. ليست الحقائق الجديدة عن الزمن هي التي نسعى لمعرفتها. كل الحقائق التي تشغل اهتمامنا معروضة أمامنا؛ لكن الإستعمال  الموضوعي "للزمن" هو الذي يصيبنا بالإرتباك. إذا تأملنا في القواعد النحوية لتلك الكلمة، فسوف نشعر أنَّ الضرورة الإنسانية لتصور إلهِ الزمن ليست أقل إثارة للدهشة من تصور إلهِ النفي أو الانفصال. (Wittgenstein 1969, 6)

بخلاف ذلك، تبدأ الفلسفة كَعِلَاجٍ عندما يأتي صوت/متحدث آخر يساعدنا على رؤية تعددية الجوانب التي كنا غافلين عنها. كما أدرك أرسطو (Metaphysics, 982b-983a)، تبدأ الفلسفة مع الدهشة: "الغريب هو الدهشة حقًا؛ يمكن التعبير عن السؤال 'كيف يكون ذلك ممكنا!' بالعبارة التالية: "إن الشيء هو ذاته- وفي الوقت ذاته هو شيء آخر" (Wittgenstein 1982, 174). من ناحية، هناك جانب واحد يظهر بشكل فجائي؛ ومن ناحية أخرى، يظهر جانب آخر بشكل فجائي كذلك. المرض الفلسفي هو عدم القدرة على رؤية هذين الجانبين كشكلين لشيء واحد فقط. ما يصعب تحمله حقًا هو "تغيير الجوانب":

لنتأمل في قصة مصورة. في إحدى الصور هناك بط، وفي الصورة الأخرى هناك أرانب؛ لكن أحد رؤوس البط مرسوم تمامًا كرأس الأرانب. ينظر شخص ما إلى الصور، إلا أنه لا يلاحظ ذلك. عندما يصف الصورتين معا، فإنه بدون تردد يصف الشكل في الصورة الأولى  أنه بطة، ويصف الآخر في الصورة الثانية  أنه أرنب. لا تصيبه الدهشة إلا عندما نبين له أن الشكلين منطبقين تماما مع بعضهما البعض (ص 165).

وإذن، فهو قد رأى الجانبين معا، ولم ير تغيير الجوانب (ص 166).

إن "نظام تغذيتنا أحادي الجانب"، الذي تعودنا عليه، يجعلنا نعتقد أن هناك شيئًا واحدًا فقط وراء كل تسمية. وهذا هو أصل "الأمراض الفلسفية". ويكون العلاج ممكنا فقط عندما يتم الاستماع إلى صوت/متحدث آخر- مهما كانت أصوله- لأنه يساعدنا على رؤية "تطابق الأشكال."

غالبًا ما يتحدث الفلاسفة عن البحث عن معنى الكلمات وتحليلها. لكن دعونا لا ننسى أن الكلمة ليس لها معنى معين قد أُعْطِيَ لها، إذا جاز التعبير، من قبل قوة مستقلة عنا، بحيث يمكن أن يكون هناك نوع من البحث العلمي فيما تعنيه الكلمة حقًا. تشتمل الكلمة على المعنى الذي يعطيه شخص ما لها. (Wittgenstein 1969, 28)

هذا هو الجانب العلاجي للفلسفة: أن تعمل على توضيح أن "الكلمة لها المعنى" الذي تتضمنه لأن "شخصًا ما أعطاه" "لها"، أَيْ أَنَّ الجانب العلاجي للفلسفة يسعى لإحْيَاءِ التفريق القائم بين من يقوم بالكلام ومن يُوَجَّهُ إليه الكلام. الكائن البشري هو أساس اللغة. يبدأ مرض اللغة عندما ينسى المرء هذه الحقيقة الإنسانية الأساسية، ويتعامل مع اللغة على أَنَّها كيان مكتفي ذاتيًا. يرتبط هذان الجانبان للفلسفة بموقفين محتملين يمكن للمرء أن يفترضهما بخصوص اللغة: في الحالة الأولى، يفكر المرء ويتحدث، ولكن حقيقة التحدث تظل ضمنية؛ وفي الحالة الثانية، يفكر المرء ويتحدث، ولكن حقيقة الكلام تكون في غاية الوضوح.

لهذا التفريق تبعات أخلاقية واضحة: في الحالة الأولى، ما يفكر فيه المرء ويفعله يتحدد إلى حد كبير بما تقدمه اللغة ضمنيًا كمسألة تفكير وفعل. في هذه الحالة، يعتقد المرء ببساطة أنه مسؤول عن أفعاله، بينما في الواقع، تكون اللغة الموضوعية/المجردة هي التي تقوم بالتفكير والفعل من خلال المتحدث: "عندما نقبل افتراضا  ما على أنه بديهي، فإننا نعفيه أيضًا من جميع المسؤوليات في مواجهة التجربة" (Wittgenstein 1978, 239). هذه هي المسألة الأخلاقية بالضبط: مسؤوليتنا "في مواجهة التجربة". وفي الحالة الأخرى، يأخذ المرء في الحسبان أن هناك لغة بينه وبين ما يريد أن يفعله؛ أي هنا يتحمل المرء مسؤولية اللغة التي يستعملها. في هذه النقطة يظهر التشابه بين (الجانب العلاجي) للفلسفة والتحليل النفسي. تهدف كل من اللعبتين اللغويتين إلى تحسين الإستعمال  الواضح للغة: "أن تتعرض للتحليل النفسي أشبه، على نحو ما، بالأكل من شجرة المعرفة. المعرفة التي نكتسبها تخلق لنا إشكالات  أخلاقية (جديدة)، لكنها لا تساهم في حلها " (Wittgenstein 1998, 40). "الإشكالات  الأخلاقية الجديدة" هي تلك الإشكالات  التي تتطلب أن يختار المرء مسار العمل الخاص به؛ أَيْ أَنَّ الهدف من الفلسفة العلاجية والتحليل النفسي هو جزئيًا (جزئيًا لأن اللغة هي التي تسبب هذا المرض، ولكن العلاج لغوي أيضًا) تحرير الكائن الإنساني  من اللغة:

على سبيل المثال، إذا تم وضع بعض المقترحات البيانية للإنسان كمعتقدات تتحكم في تفكيره، أي بطريقة لا يتم فيها تحديد آرائه، بينما يتم التحكم في التعبير عن هاته الآراء تمامًا، فسيكون لذلك تأثير غريب جدًا. سيعيش الناس في ظل طغيان مطلق ملموس، ولكن دون أن تكون لهم القدرة على التعبير على أنهم ليسوا أحرارًا. أعتقد أن الكنيسة الكاثوليكية تفعل شيئًا من هذا القبيل. لأنه يتم التعبير عن العقيدة في صيغة توكيدية، لأنها شيء راسخ، وفي نفس الوقت يمكن تقديم أي رأي عملي يتوافق معها؛ باعتراف الجميع، إنَّ  هذا شيء أيسر في بعض الحالات، وأكثر عسرا في حالات أخرى. إنه ليس جدارًا يضع حدودًا للإعتقاد ، ولكنه كالفرامل التي تخدم عمليا نفس الغاية، كما لو أن شخصًا ما يعلق وزنًا على قدميك لتقييد حريتك في الحركة. هكذا تصبح العقيدة غير قابلة للدحض وخارج نطاق النقد. (ص 32)

5: خريطة اللغة

التحليل النفسي هو "العلاج بالكلام" (Breuer and Freud 1991)، أي هو طريقة علاجية تعتمد على اللغة فقط. تكمن فكرة التحليل النفسي في جوهرها في كون أّنَّ اللغة هي التي تهم حقًا كلا من المحلل النفسي analyst والشخص الخاضع للتحليل النفسي analysand. على الرغم من الرؤية الشائعة (والسينمائية) للتحليل النفسي، والتي تؤكد على أهمية التفسير، كما لو أنها هي النقطة المحورية لهذه المقاربة، فإن ما يحدث بالفعل خلال جلسة التحليل النفسي هو تحليل مكثف إلى حد ما لما يقوله الشخص الخاضع للتحليل النفسي؛ أيْ أَنَّ العمل العلاجي الفعلي هو البحث الصعب عن طريقة لكشف الطرق المعقدة والمتشابكة التي تربط الكلمات بعضها إلى بعض. على سبيل المثال، عندما يقول المحلل شيئًا عن حلم أحد الأشخاص الخاضعين للتحليل النفسي (وهو بالمناسبة موقف نادر جدًا في التحليل الفرويدي الصارم)، فهو في الحقيقة لا يكون يتحدث عن المحتوى الداخلي المفترض لهذا الحلم؛ ما يفعله حقًا هو أن يُظهر للأشخاص الخاضعين للتحليل النفسي العلاقة بين ما يقولونه الآن وما قالوه في مناسبة أخرى؛ أي أنه يتعقب الروابط التي لم يلاحظها أحد من قبل بين الكلمات:

قارن أقسام الكلام المختلفة في جملة ما بخطوط على خريطة ذات وظائف مختلفة (الحدود والطرق وخطوط الطول وخطوط الارتفاع). سوف يرى الشخص غير المتعلم مجموعة من الخطوط، ولن يستطيع معرفة تنوع معانيها. (Wittgenstein 1974, 58)

هذا وصف دقيق جدا للتحليل النفسي (وإن كان يلائم أكثر التحليل اللاكاني Lacanian؛ Benvenuto 2006؛ Cimatti 2013b). إن الشخص الخاضع للتحليل النفسي هو "الشخص غير المتعلم"، والذي يفتقر إلى القدرة  على استعمال خريطة بلدته التي يعيش فيها؛ لذلك، فهو لا يعرف بلدته حقًا. وهذا يعني أن انزياحاته/تنقلاته تقتصر على عدد قليل جدًا من الطرق والساحات التي يتردد عليها في الغالب. لكن يتواجد أناس ومتاحف وبرك سباحة ومسارح ودور سينما ومتاجر وأشياء أخرى كثيرة  على الطرقات والساحات التي لا يعرفها، مما سيتيح له تجارب وإمكانيات لا يستطيع حتى تخيلها. إن جهله ببلدته لا يَحُدُّ بشدة من انزياحاته/تنقلاته فحسب، بل يحد من تطور حياته الخاصة. ما يفعله المحلل هو أن يوضح "للشخص غير المتعلم" كيفية استعمال خريطة البلدة، أيْ كيفية استعمال اللغة بطريقة فعالة، لأن "أقسام الكلام المختلفة في الجملة" تتوافق مع "الخطوط الموجودة على خريطة ذات وظائفَ مختلفةٍ (الحدود والطرق وخطوط الطول وخطوط العرض)."

لا يشرح المحلل للشخص الخاضع للتحليل النفسي ما قاله "في حقيقة الأمر" (كما لو كان هذا الشخص خبيرا فيما نسميه بالعقل الباطن)؛ ما يفعله المحلل في الواقع هو أن يوضح للشخص الخاضع للتحليل النفسي كيف يمكنه أن يتنقل في البلدة، أي كيف يستعمل اللغة. إن الفكرة الأساسية لهذه المقارنة هي أن معرفة لغة ما تفيد القدرة على القيام بإجراءات معينة، والتي يستحيل القيام بها بدون هذه اللغة: "فكر في الأدوات الموجودة في صندوق الأدوات: هناك المطرقة والكماشة والمنشار ومِبْرَمُ البراغي والمسطرة ووعاء الغراء والغراء والمسامير والبراغي- إن وظائف الكلمات متنوعة كوظائف هاته الأشياء. (وفي كلتا الحالتين هناك أوجه تشابه)" (Wittgenstein 1953, 11). إذا كانت اللغة التي تم تحليلها مقتصرة على أنواع قليلة من الكلمات والجمل، فإن قدرة الأشخاص الخاضعين للتحليل النفسي على صياغة الأفكار ستكون محدودة. لذلك، سيكون خياله محدودًا أيضًا، لأنه لا وجود لخيال لا يقترن بفكرة ما يتم تخيله (Krebs 2010).

لكن، ماذا تعني معرفة البلدة في الحقيقة؟ يمكن القول إن المرء تكون لديه معرفة جيدة بالبلدة عندما يكون قادرًا على التنقل من أَيِّ نقطة فيها إلى أخرى؛ أَيْ أن المرء يكون يعرف البلدة عندما تكون لديه فكرة عامة إلى حد ما عن كيفية التنقل فيها، بغض النظر عن نقطة البداية. من ناحية أخرى، وهذه الكفاءة لها نفس القيمة أو ربما أكثر من الأولى (Posnock 2010)، يكون المرء يعرف البلدة عندما يكون لا يخشى الضياع فيها، أو يكون قادرا على أن يهيم على وجهه فيها دون غاية تذكر. إن معرفة بلدة ما تعني أن المرء  يتحرك فيها بثقة. عندما نفكر الآن في اللغة، تنحصر هذه الكفاءة المزدوجة فيما يسميه فيتجنشتاين  ب"التمثيل القابل للمعاينة " (Wittgenstein 1953, 122). خذ حالة الشخص الذي يتأمل في المعنى "الحقيقي" لكلمة ما ك"فلسفة" على سبيل المثال. إذا تأمل المرء في هذه الكلمة بمعزل عن غيرها، فمن المحتمل أن يسفر تأمله هذا عن قدر هائل من التكهنات غير المنطقية، التي لا علاقة لها بالكيفية التي يستعمل بها الناس هذه الكلمة (وهذا هو الخطأ الميتافيزيقي).

يكمن الخطأ هنا في عزل الكلمة عن استعمالها الفعلي، وكأن معناها "الحقيقي" قد ألقى بظلاله عليها. بمعنى أن المرء لا يحتاج لفهم كلمة "فلسفة" إلى تجاوز اللغة كي يتأمل في الكلمة من الخارج:

قد يعتقد المرء أن الفلسفة إذا تحدثت عن استعمال كلمة "فلسفة"، فلا بد من وجود فلسفة من الدرجة الثانية. لكن ليس الأمر كذلك، كما هو الحال مع الإملاء، الذي يتعامل مع كلمة "إملاء" من بين كلمات أخرى دون أن يجعل من نفسه شيئا من الدرجة الثانية (ص 121).

بما أن مدلول كلمة "فلسفة" (شأنها في هذا شأن أي كلمة أخرى) يوجد في استعمالها وارتباطاتها بكلمات أخرى- إذا كان المرء حقًا يود استيعابها- فيجب عليه أن يبقى داخل اللغة المألوفة. أَيْ لتفسير كلمة ما، لا يتعين عليه أن يترك اللغة باعتبارها المكان الوحيد الذي تأخذ فيه الكلمات مدلولاتها: "كل علامة في حد ذاتها تبدو ميتة. ما الذي يعطيها الحياة؟ - حياتها في استعمالها. هل تأخذ نَفَسَهَا الحيَّ بداخل هذا الإستعمال ؟ أم أن الإستعمال  هو نَفَسُهَا بحد ذاته؟" (ص 432). يمكن القول إن المرء يعرف مدلول كلمة "فلسفة" عندما يكون قادرًا على استعمالها في مجموعة متنوعة من السياقات. لذلك، فإن السبيل الوحيد للخروج من الخطأ الميتافيزيقي هو محاولة ربط الكلمة ببقية اللغة التي هي جزء منها. عندما يرى المرء الكلمة جنبًا إلى جنب مع الروابط المتعددة والمتغيرة التي تربطها بباقي اللغة (أي تربطها "بأنفاسها الحية")، يمكن القول إن هذا الأخير قد حقق كفاءة جيدة:

يكمن أحد المصادر الرئيسية لفشلنا في الاستيعاب، في كوننا لا نمتلك نظرة عامة عن كيفية استعمال كلماتنا- نظرا لافتقار قواعدنا النحوية لإمكانية المعالجة surveyability. يُفضِي  التمثيل القابل للمعاينة  بالضبط إلى هذا النوع من الإدراك  الذي يشمل "رؤية الروابط". ومن هنا تأتي أهمية إيجاد واستحداث روابط وسائطية (ص 122).

إن "التمثيل القابل للمعاينة " للغتنا هو بالضبط ما تتيحه لنا الفلسفة العلاجية. تأمل في حالة الشخص الخاضع للتحليل النفسي الذي يروي الحلم لمحلِّله. يتكون الحلم- من وجهة نظر المحلِّل- من مجموعة من الجمل. حاليا، ما يقوم به المحلِّل في الواقع هو ربط هذه الكلمات بكلمات أخرى سبق أن استعملها الشخص الخاضع للتحليل النفسي في الماضي، أو بكلمات أخرى يمكن للمرء أن يستعملها في هذا الموقف؛ أيْ أنَّ المحلِّل يعمل على تشجيع الشخص الخاضع للتحليل النفسي بطرق غير متوقعة على رؤية جوانب جديدة للكلام الذي قاله من قبل. من المهم أن نلاحظ أن هذا ليس تفسيرًا أو تأويلاً، وإنما هو "تمثيل قابل للمعاينة ". هذا الأمر شبيه بضياع أحدهم في بلدة مجهولة؛ من أجل الحصول على فكرة عن مكان وجود هذا الشخص، يحتاج المرء إلى خريطة للمدينة تمكنه من رؤية شبكة طرقاتها  بالكامل (لكننا  نقول إن ما يحتاجه المرء اليوم هو الإتصال  بشبكة الإنترنت كي يلج خرائط جوجل). جدير بالتذكر أن هذا "التمثيل القابل للمعاينة " هو تمثيل يضع نفسه في نفس المستوى لما يمثله؛ بمعنى أن المحلِّل والشخص الخاضع للتحليل يضعان نفسيهما في نفس المستوى؛ لأنهما  يتحدثان لغة مشتركة. هذه مسألة في غاية الأهمية، إذا ما تذكرنا الموقف الأخلاقي الذي نسبه فتغنشتاين إلى العمل العلاجي للفلسفة: "الفلسفة [كأداة علاجية ]، كما نستعمل الكلمة، هي معركة ضد الافتتان الذي تمارسه علينا أشكال التعبير" (Wittgenstein 1969, 27).

تأمل في المقترح التالي الذي جاء في مباحث فلسفية كمثال على طريقة فيتجنشتاين الفلسفية والعلاجية الفعالة (Ammereller and Fisher 2004):

"ومع ذلك، إذا كان هناك بعض الغموض في القواعد، فإنها لا تكون لعبة على الإطلاق." ولكن هل حقًا، تبعا لذلك، أّنَّهَا ليست لعبة؟- "حسنًا، ربما ستسميها لعبة، لكنها ليست لعبة مثالية على أي حال." هذا يعني أنها قد تعرضت للإفساد، وما يهمني الآن هو ماهية الشيء الذي تعرض للإفساد- لكني أود أن أقول: نحن نسيء فهم الدور الذي يلعبه النموذج the ideal في لغتنا. بعبارة أخرى، نحن أيضًا نسميها لعبة؛ نحن فقط أصابنا النموذج بالإنبهار، ولذلك نحن لا نقدر على رؤية التطبيق الفعلي لكلمة "لعبة" بوضوح. (Wittgenstein 1953, 100)

في البداية، هناك مقولة تقدم نفسها كما لو أنها لم تعد قابلة للتصحيح، وليس واضحا من يصر على صحتها. يبدو أنها تأكيد رياضي، أي أنها شيء أشبه بالنظرية أو المسلَّمة. هذه هي الطريقة المألوفة التي يُظهِر بها المرض الميتافيزيقي أو الفلسفي نفسه، وكأنه صوت من العدم، مطلق وخارج عن الزمن. بعد ذلك مباشرة، يقدم الشخص الثاني، أي صوتُ الجانب الآخر للفلسفة- ونقصد به  الجانب العلاجي- شكًا، أي وجهة نظر أخرى، أي جانبًا آخر. بعد هذا التبادل الأولي الذي يقدم منظورين مختلفين، نجد أولاً توضيحا لما يتناقشه الصوتان- صوت الميتافيزيقي (أي الشخص الخاضع للتحليل النفسي) والفيلسوف (أي المحلِّل): "الدور الذي يلعبه النموذج في لغتنا". في هذه المرحلة هناك ما يمكن تسميته خاتمة لهذه المناقشة الموجزة. إنها ليست خاتمة في الواقع. يتم تقديم توضيح بشأن ماهية الشيء الذي يعيق قدرتنا على استيعاب طبيعة الألعاب بطريقة أكثر شمولاً. الآن يرى الميتافيزيقي جانبًا واحدًا مما لا يعرفه عن الألعاب التي حالت بينه وبين تشكيل تمثيل صحيح لاستعمال كلمة "لعبة."

هذا الإجراء شبيه جدًا بما يحدث في العلاج النفسي الفعلي، ويستطيع المرء أن يُعاين هذا الشبه في هذا الجزء من جلسة العلاج النفسي الحقيقية، حيث من الواضح أن "إحدى الخصائص المحددة للعلاج هي أن المريض والمعالج كلاهما يفترضان أنهما  يعملان على التأكد من وضوح مقترحات معينة" (Labov and Fanshel 1977, 53)

الزوجة: لماذا أعتقد أنه يتحدث بهذه الطريقة؟ …. حسنًا، استمع إلى عدد المرات التي توقفنا فيها عند كشك بيع الفواكه ليلة السبت-

المعالج: [مقاطعًا] أفضل تقريبًا عدم سماع هذا...

الزوجة: أوه؟ تفضل عدم سماعه؟

المعالج: لأن الحالة ستكون حالة أخرى.

الزوجة: لأني كلما …. حسنًا، كلما أفعل شيئًا، سواء كان صحيحًا أم خاطئًا، فإنه دائمًا يراه خاطئا.

المعالج: حسنًا. إذن، هذا سبب واحد (المرجع نفسه).

في هذا المقطع، يفضل المعالج عدم اتباع مجموعة لا متناهية ومتكررة من الأمثلة التي يقوم الشخص الخاضع للتحليل النفسي بالإبلاغ عنها، مما يمنعه من رؤية الحالة برمتها التي تورط فيها. في نفس الوقت، لا يقوم المعالج بشرح سلوك المريض بالضبط؛ ما يبحث عنه هو إيجاد وسيلة لتوضيح ما تخفيه ضمنيًا كل أمثلته الشجية: ذلك أنه مهما فعل المريض، فإنه يرى أن كل أفعاله خاطئة إلى حد ما (ليس مهمًا أن تنسب الزوجة هذا الشعور إلى زوجها): "يبذل المعالج [...] جهدًا مضنيًا لاستخراج وتوضيح الإفتراضات  العامة المتضمنة في الحكايات والأمثلة التي يقدمها المريض" (المرجع نفسه). هذا ما يعتقد فيتجنشتاين أنه يشكل غاية الفلسفة العلاجية:

تسعى الفلسفة إلى التوضيح المنطقي للأفكار.

ليست الفلسفة مجموعة من العقائد، وإنما هي نشاط.

يتكون العمل الفلسفي بشكل أساسي من التوضيحات. لا تَخْلُص الفلسفة إلى "افتراضات فلسفية"، وإنما تخلص إلى توضيح الإفتراضات.

بدون الفلسفة، تكون الأفكار، إذا جاز التعبير، ضبابية وغير واضحة المعالم: مهمتها هي توضيح هاته الأفكار وإعطاؤها  حدودًا واضحة. (Wittgenstein 2002, 4,112)

طالما أن الأفكار "ضبابية وغير واضحة"، فإن اتخاذ الإجراءات المسؤولة أمر مستحيل. بهذا المعنى، تتموضع الأخلاق في نهاية هذا النوع من العلاج اللامتناهي (لأن خريطة اللغة هي في أحسن الأحوال تقريب جزئي للغة الفعلية فقط). هل هناك فرق بين هذا النوع من العلاج الفلسفي والتحليل النفسي؟ إذا كان التحليل النفسي في حقيقته "علاج بالكلام" (ليس من الواضح كم هو عدد المحللين النفسيين الذين قد لا يزالون يتفقون مع هذا التعريف)، وإذا كانت الفلسفة هي بالفعل ما تصوره فيتجنشتاين (من المؤكد أنه يوجد اليوم عدد قليل جدًا من الفلاسفة الذين سيقبلون أفكاره، إن لم نقل لا أحد منهم سيفعل ذلك؛ Tripoli 2009)، أضف إلى ذلك الإنطباع  بأنه لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين هذين النشاطين (Crittenden 1970; Peterman 1992; Cavell 1993; Ellenbogen 2006; Burton 2011). وهذا واضح بشكل خاص فيما يتعلق بالتحليل النفسي: يبدو أن الحقيقة المذهلة للغاية بأن النظريات النفسية الفوقية - المتباينة إلى حد كبير والقائمة على افتراضات مختلفة تماما  حول العقل الإنساني وتطوره، يمكن أن تكون فعالة (أو غير فعالة) على حد سواء، ويبدو أنها تؤكد أن هذه النظريات ليست هي التي تجعل مناهج التحليل النفسي المختلفة ناجعة، وإنما الذي يفعل ذلك هي الحقيقة البسيطة المتمثلة في وجود علاجات لفظية. يجب أن يجعل رجحان الجانب اللفظي في كل من التحليل النفسي والفلسفة بتعريف فتجنشتاين أوجه التشابه بينهما أكثر وضوحًا.

المسألة الأخلاقية هي أنه عندما يتم تقديم "تمثيل قابل للمعاينة " في نهاية المطاف، حتى وإن لم يكن هناك شيء كالتمثيل النهائي للغة، تَظْهَرُ إمكانية جديدة وغير متوقعة تمامًا للحركة: "يُسجن شخص ما في غرفة إذا تم فتح الباب، أي إذا كان الباب يُفتح باتجاه الداخل؛ لكن لا يخطر ببال هذا الشخص أن يعمل على سحب الباب، بدل القيام بدفعه" (Wittgenstein 1998, 48). كما هو الحال مع التحليل النفسي، تعمل الفلسفة على توضيح ما تجشمه السجين ضمنيًا. لم يكن الباب مقفلاً في الحقيقة، لأنه يفتح بالسحب بدلاً من الدفع. عندما يدرك الشخص المشار إليه آنفا في النهاية أنه لا يوجد عائق يمنعه من مغادرة الغرفة، فإن إمكانية جديدة للفعل تطرح نفسها أمامه: فهو لا يعرف ما هو الصواب كي يفعله- وليس من الواجب الفلسفي تحديد الصواب والخطأ—إلا أنه يدرك الآن ضرورة اتخاذ القرار. تبدأ الأخلاق (وتنتهي جزئيًا أيضا) عند اتخاذ القرار. أصبح القرار ممكنًا بدليل أن السجين قد غير الجانب الذي من خلاله قد عاين الفضاء الذي سُجن فيه، أي عندما شرع في رؤية هذا الفضاء كغرفة، وليس كزنزانة سجن. يمكن الخروج من غرفة ما في أي لحظة، ولكن لا يمكن الخروج من زنزانة السجن.

هناك مسألة أخيرة يجب تحليلها: أي نوع من الأشخاص ذاك الذي يخضع للعلاج الفلسفي؛ لأنه قد يبدو أن هذا النوع من الأخلاق الغريبة التي يقترحها فيتجنشتاين عقلي ومجرّد تمامًا. وهذا سوء فهم عميق؛ لأنه في عمق اللغة يوجد شكل الحياة البشرية، وتوجد "حقائق عامة عن الطبيعة" (Wittgenstein 1953, 142). المسألة هي أن الشخص الذي يقدم على المشاركة في العلاج الفلسفي (أو التحليل النفسي؛ Cimatti 2013b) ليس هو تماما ذات  الشخص الذي وقع عليه العلاج (Krebs 2010). هذا الشخص "الجديد" قد وسّع من إمكانية أفعاله لأنه الآن "يعرف" خريطة اللغة. لذلك هو الآن يمتلك القدرة على التحرك في كل الإتجاهات.

لهذا السبب يكون "عالَم الرجل السعيد مختلفا عن عالَم الرجل الشقي" (Wittgenstein 2002, 6,43): "الرجل الشقي" غير سعيد فقط لأنه مقيد في تحركاته بشدة، حاله كحال السجين في الغرفة، لا يعرف كيف يخرج من زنزانة السجن. إن الذي اكتسبه الإنسان "السعيد" هو القدرة على التجوال بحرية في المدينة بأكملها، أي أنه اكتسب القدرة على استعمال جميع أشكال اللغة. لكن هذا يعني في النهاية أن هذا الشخص قد أصبح الآن جزئيًا هو والمدينة شيئا واحدا، لأنه لا وجود لمكان فيها لا يعرفه: "لكي أعيش بسعادة يجب أن أكون منسجما مع العالم. وهذا ما يعنيه 'أن يكون المرء سعيدا'" (Wittgenstein 1979, 75). هذا هو التوافق/الانسجام الأخير الذي يهدف الشخص إلى تحقيقه، بعد انتهائه من العلاج الفلسفي: أن يكون "منسجما مع العالم". وليس هناك انسجام أفضل من أن يصبح المرء هو العالم بشكل مباشر: أي ذلك الشخص الذي لا يحتاج إلى معرفة خريطة المدينة، لأنه الآن هو المدينة. لا وجود للعقل أو الوعي بالذات في نهاية هذا الطريق الصعب والمعقد؛ هناك وجود للغريزة:

يمكننا أن نتخيل بشكل واضح جدا أن شخصًا يعرف طريقه حول المدينة بطريقة ممتازة، أَيْ أَنَّهُ يستطيع أن يجد بثقة عالية أقصر طريق يأخذه من أي مكان فيها إلى آخر - إلا أنه قد يكون غير مؤهلٍ تمامًا لرسم خريطة للمدينة. وحالما يحاول فعل ذلك، فإن فعله هذا لا يُسفر عن شيء ليس خاطئا تماما. (هذا هو مفهومنا عن "الغريزة"). (Wittgenstein 1981, 1)

***

........................

المراجع

Adamson, Lauren B., Roger Bakeman, and Deborah F. Deckner. “The development of symbol-infused joint engagement.” Child Development, 2004, 75 (4): 1171–1187.

Ammereller, Erich, and Eugen Fischer, eds. Wittgenstein at work: Method in the philosophical investigations. London: Routledge, 2004.

Anderson, Stephen R., and David W. Lightfoot. “The human language faculty as an organ.” Annual Review of Physiology, 2000, 62:1–23.

Baker, Gordon. “Wittgenstein’s method and psychoanalysis.” In Wittgenstein’s method: Neglected aspects, ed. Katherine J. Morris, 205–222. Oxford: Blackwell, 2004.

Baz, Avner. “What’s the point of seeing aspects?” Philosophical Investigation, 2000, 23 (2): 97–121.

Becchio, Cristina, and Cesare Bertone. “Wittgenstein running: Neural mechanisms of collective intentionality and we-mode.” Consciousness and Cognition, 2004, 13:123–133.

Benvenuto, Sergio. “Wittgenstein and Lacan reading Freud.” Journal for Lacanian Studies, 2006, 4 (1): 99–120.

Black, Max. “Wittgenstein’s language-games.” Dialectica, 1979, 33 (3–4): 337–353.

Bouveresse, Jacques. Wittgenstein reads Freud: The myth of the unconscious. Princeton: Princeton University Press, 1995.

Breuer, Josef, and Sigmund Freud. Studies on hysteria. Angela Richards and James Strachey (eds). London: Penguin Books. 1991/1895.

Brooks, Rechele, and Andrew Meltzoff. “The development of gaze following and its relation to language.” Developmental Science, 2005, 8 (6): 535–543.

Budd, Malcolm. “Wittgenstein on seeing aspects.” Mind, 1987, 96 (381): 1–17.

Burton, Neel. “The talking cure—Wittgenstein’s therapeutic method for psychotherapy.” The British Journal of Psychiatry, 2011, 199:255–256.

Cavell, Marcia. The psychoanalytic mind: From Freud to philosophy. Cambridge: Harvard University Press, 1993.

Cimatti, Felice. “For in psychology there are experimental methods and conceptual confusion: From embodied cognition to Wittgenstein on language and mind.” In Perspectives on pragmatics and philosophy, A. Capone, F. Lo Piparo, M. Carapezza (eds), 637–647. Dordrecht: Springer, 2013a.

Cimatti, Felice. “La zecca e l’uomo. Antropologia e linguaggio fra Wittgenstein e Lacan.”

Rivista Italiana di Filosofia del Linguaggio, 2013b, 7 (2): 38–52.

Cioffi, Frank. 2009. Making the unconscious conscious: Wittgenstein versus Freud. Philosophia 37 (4): 565–588.

Crittenden, Charles. 1970. Wittgenstein on philosophical therapy and understanding. International Philosophical Quarterly 10 (1): 20–43.

Diamond, Cora. “Ethics, imagination and the method of Wittgenstein’s Tractatus.” In The new Wittgenstein, ed. Rupert Read and Alice Crary, 328–364. London: Routledge, 2000.

Ellenbogen, Sara. “Wittgenstein and philosophical counseling.” Philosophical Practice, 2006, 2 (2): 79–85.

Freud, Sigmund. “Constructions in analysis.” In Complete psychological works of Sigmund Freud, vol. 23, ed. J. Strachey, 257–269. London: Hogarth Press, 1937.

Fulkerson, Anne L., and Robert A. Haaf. “The influence of labels, non-labeling sounds, and source of auditory input on 9- and 15-month-olds’ object categorization.” Infancy, 2003, 4 (3): 349–369.

Gallese, Vittorio. “Mirror neurons and the social nature of language: The neural exploitation hypothesis.” Social Neuroscience, 2008, 3 (3–4): 317–333.

Gallese, Vittorio, Christian Keysers, and Giacomo Rizzolatti. “A unifying view of the basis of social cognition.” Trends in Cognitive Science, 2004, 8 (9): 396–403.

Garver, Newton. “Form of life in Wittgenstein’s later work.” Dialectica, 1990, 44 (1–2): 175–201.

Genova, Judith. Wittgenstein: A way of seeing. London: Routledge, 1995.

Hanfling, Oswald. Wittgenstein and the human form of life. London: Routledge, 2002.

Heaton, John M. The talking cure: Wittgenstein’s therapeutic method for psychotherapy. London: Palgrave Macmillan, 2010.

Hintikka, Jaakko. “Language-games.” Synthese, 1979, 5:1–26.

Hutchinson, Phil, and Rupert Read. “Toward a perspicuous presentation of ‘Perspicuous Presentation’.” Philosophical Investigations, 2008, 31 (2): 141–160.

Johnston, Paul. Wittgenstein: Rethinking the inner. London: Routledge, 1993.

Johnston, Paul. The contradictions of modern moral philosophy. London: Routledge, 1999.

Krebs, Victor. “The bodily root. Seeing aspects and inner experience.” In Seeing Wittgenstein Anew. New essays on aspect-seeing, ed. W. Day and V. Krebs, 120–139. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Labov, William, and David Fanshel. Therapeutic discourse. Psychotherapy as conversation. New York: Academic Press, 1977.

Lycan, William. “Gombrich, Wittgenstein, and the Duck-Rabbit.” Journal of Aesthetics and Art Criticism, 1971, 30 (2): 229–237.

Mancia, Mauro. “Wittgenstein’s personality and his relations with Freud’s thought.” The International Journal of Psychoanalysis, 2002, 83 (1): 161–177.

McGuinness, Brian. “Freud and Wittgenstein”. In Approaches to Wittgenstein. Collected papers, ed. Brian McGuinness, 224–235. London: Routledge, 2002.

Menary, Richard, ed. The extended mind. Cambridge: The MIT Press, 2010.

Mulhall, Stephen. “Seeing aspects.” In Wittgenstein: A critical reader, ed. Hans-Johann Glock, 246–267. Oxford: Blackwell, 2001.

Mulhall, Stephen. “Ethics in the light of Wittgenstein.” Philosophical Papers, 2002, 31 (3): 293–321.

Perlovsky, Leonid I. and Roman Ilin. “Mirror neurons, language, and embodied cognition.”

Neural Networks, 2013, 41:15–22.

Peterman, James. Philosophy as therapy. An interpretation and defense of Wittgenstein’s later philosophical project. Albany: SUNY Press, 1992.

Posnock, Ross. “Don’t think, but look!’ W. G. Sebald, Wittgenstein, and cosmopolitan poverty.” Representations, 2010, 112 (1): 112–139.

Purton, Campbell. “Wittgenstein and the expression of feelings in psychotherapy.” Philosophical Investigations, 2013, 37 (2): 152–166.

Radford, Colin. “Wittgenstein on ethics.” Grazer Philosophische Studien, 1989, 33/34:85–114.

Read, Rupert. “IV*—Throwing Away ‘THE BEDROCK’.” Proceedings of the Aristotelian

Society, 2005, 105 (1): 81–98.

Reddy, Michael. “The conduit metaphor—A case of frame conflict in our language about

language.” Metaphor and Thought, 1979, 2:164–201.

Ribes-Iñesta, Emilio. “Human behavior as language: Some thoughts on Wittgenstein.” Behavior and Philosophy, 2006, 34:109–121.

Rubinstein, David. “Language games and natural reactions.” Journal for the Theory of Social Behaviour, 2004, 34 (1): 55–71.

Sigmon, Scott. “A specific philosophical influence on applied psychology: Wittgenstein to Watzlawick.” Psychology: A Journal of Human Behavior, 1985, 22 (2): 42–45.

Sluga, Hans. Wittgenstein. Oxford: Blackwell, 2011.

Taylor, Charles. Human agency and language. Cambridge: Cambridge University Press, 1985.

Tripodi, Paolo. Dimenticare Wittgenstein. Una vicenda della filosofia analitica. Bologna:

Il Mulino, 2009.

Waxman, Sandra R., and Susan A. Gelman. “Early word-learning entails reference, not merely associations.” Trends in Cognitive Sciences, 2009, 13 (6): 258–263.

Wittgenstein, Ludwig. Philosophical investigations. The German Text, with an English translation by G. E. M. Anscombe, P. M. S. Hacker, and J. Schulte, revised 4th ed. by P. M. S. Hacker and J. Schulte. Oxford: Blackwell, 1953/2009.

Wittgenstein, Ludwig. The blue and brown books. Oxford: Blackwell, 1969.

Wittgenstein, Ludwig. Philosophical grammar, ed. Rush Rhees. Oxford: Blackwell, 1974.

Wittgenstein, Ludwig. Remarks on the foundations of mathematics, ed. G. H. von Wright, R. Rhees, and G. E. M. Anscombe. Oxford: Blackwell, 1978.

Wittgenstein, Ludwig. Notebooks 1914–1916, ed. G. H. von Wright and G. E. M. Anscombe. Oxford: Blackwell, 1979.

Wittgenstein, Ludwig. Zettel, ed. G. E. M. Anscombe and G. H. von Wright. Oxford: Blackwell, 1981.

Wittgenstein, Ludwig. Last writings on the philosophy of psychology, vol. I. Oxford: Blackwell, 1982.

Wittgenstein, Ludwig. In Culture and value. A selection from the posthumous remains, ed. G. H. von Wright and H. Nyman. Oxford: Blackwell, 1998.

Wittgenstein, Ludwig. Tractatus logico-philosophicus. Trans: D. F. Pears and B. F. McGuinness. London: Routledge, 2002/1921.

نتناول في هذه الحلقة من الدراسة بقية القواعد الكلية في الفقه السياسي الإسلامي والتي هي القاعدة والمرتكز الذي يرتكز عليه النظام السياسي في الإسلام. ونبتدأ من قاعدة مهمة في هذا الجزء من الدراسة، وهي قاعدة العرف التي لها بُعد مهم وأساسي، وتبنيها من قِبل المشرع الإسلامي  يُشير الى أعطاء الإسلام للعرف أهمية كبيرة، ومساحة من المشاركة كمصدر أحتياط من مصادر التشريع، وهو دليل على أنفتاح الإسلام على التجربة البشرية وأحترامها، وذلك بفتح المجال لها للأنضمام لباقي القواعد الكلية المستنبطة من النص المقدس، بأعتبار العرف هو حصيلة تجربة عملية تاريخية أطمئن أليها الإنسان كقاعدة تساهم في تشريع القوانين التي تنظم من خلالها الحياة العامة للناس، وهو محل أتفاق بين المشاركين، وغالباً ما يكون (عبارة عن عادات غير مكتوبة يتشارك بها أفراد من المجتمع)(ويكيبيديا). الكثير يعتبر العرف من المصادر الأحتياطية وليس الأصلية، وهو يأتي بالمرتبة الثانية بعد المصادر الأساسية وهي القرآن والسنة النبوية، كما أن الكثير من الدساتير والقوانين في العالم أتخذت من العرف أحد مصادر التشريع عندهم، والإسلام بأعتباره دين سمح ومنفتح، يحترم التجربة الإنسانية وقد وجد أن كثير من الأعراف في جغرافية ظهوره  صالحة فأقرها، ولكنه ألغى البعض التي لاتتفق ومقاصده التي تأسس عليها، والعرف في أصطلاح الفقه: هو ما أعتاد الناس عليه وألفوه من قول، وفعل. ويعرفه الجرجاني: (مأستقرت عليه شهادة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول)(العرف في القانون: عبد الرحمن أسامة).

11-(قاعدة العرف): (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(الأعراف:199)، وفي كلام للأمام علي ع  (ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، وأجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعيّة، ولا تحدثّن سنّة تضر شيء من ماضي تلك السنن)(نهج البلاغة من عهد الأمام علي ع لواليه على مصر، مالك الأشتر). (فالعرف يُعتبر في بريطانيا المصدر الأساسي للقانون الدستوري، أما بقية الدول والتي تعتمد على الدساتير المكتوبة فيتضائل دور العرف فيها)(العرف كمصدر من مصادر القانون:شبكة قدرات قانونية).

12- قاعدة الوفاء بالعقود: (ياأيها الذين امنوا أوفوا بالعقود) و (بلى من أوفى بعهده وأتقى فإن الله يُحب المتقين)(ال عمران76)  وهي تعبير عن قول الرسول محمد (ص) (المسلمون على شروطهم) كما جاء بالحديث النبوي. هذه القاعدة تفيد العموم، حيث تشمل جميع أنواع العقود. العمل بهذه القاعدة يعطي ثقة عالية لمن يتعامل بها، ويكون الفرد والحزب والنظام السياسي على درجة عالية من الموثوقية عند تعامل الأخرين معه، بل ويشجع الكل على التعامل معه لأنه يكون محل ثقة عند الطرف الآخر، فمثلاً الحزب السياسي الذي يوفي بتعهداته لناخبيه يكون محل ثقة للشعب، والدولة التي تفي بتعهداتها وألتزاماتها الدولية تكون محل ثقة الدول الأخرى، بل تشجع الأخرين على التعامل التجاري والسياسي معها، ولكن يجب التنبيه الى شيء، وهو أذا نقض الطرف الآخر العهد، يكون الطرف المقابل في حل من التعهد الذي أتفق عليه، وهذه من باب المعاملة بالمثل، وعلى طريقة (العين بالعين والسن بالسن) وكما في قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين...)(المائدة:20). لاشك لما لهذه القاعدة من أهمية، ففي تركها تُزرع عدم الثقة، والذي بدوره يقود الى الفوضى.

13- قاعدة الضرورة ورفع الحرج: (ومن أضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)(البقرة:173). هذه القاعدة تكسر حالة الجمود في القانون، فتعطيه مرونه كافية بالتعامل مع المواقف التي تتسم بالحرج الشديد، وهي كثيرة في عالم شديد التغير، ومتطور الحاجات، ومتشابك المصالح، وكثير التزاحم.

14- قاعدة الأهم والمهم: (وهي قاعدة ليست تأسيسية ولكن من الأدلة العقلية بأعتبار العقل أحد مصادر التشريع في الإسلام، وقد روي عن النبي ص (مثل العقل في القلب، كمثل السراج في البيت)(الصدوق:علل الشرائع ص98) وعن علي ع (لا يستعان على الدهر الا بالعقل)(بحار الأنوار، المجلسي:ج75 ص7)، ويمكن الأستدلال بها من حادثة ترك علي ع للحكم بعد النبي خوفاً من أرتداد الناس عن الإسلام وأنهيار النظام الإسلامي الذي أقامه النبي ص. هذه القاعدة تغطي الكثير من الجزئيات في العمل السياسي والأداري من أمثال حفظ المصالح والمنافع العامة أهم من الخاصة، وأمن العامة أهم من حرية الفرد، ويمكن ان نأخذ مثال عملي، وهو شق الطرقات العامة أهم من هدم بيوت الخاصة، وأنتخاب حاكم تنقصه بعض المواصفات المهمة أفضل من الفوضى وتعطيل الحكم وهكذا، وهذه القاعدة تحتمل الكثير من التطبيقات.

15- قاعدة الرجوع لأهل الخبرة : ويمكن أعتماد هذه القاعدة من خلال قوله تعالى (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نُّوحِي أليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(الأنبياء:7)، أي الرجوع لأهل الخبرة والفن في السياسة وغيرها. وقد عمل بها الرسول محمد ص في أكثر من موقع، فقد أستشار في الحروب، ومن أشهرها حفر الخندق والذي سُمية المعركة بأسمه (معركة الخندق). هذه القاعدة تتيح للحاكم والفاعل السياسي الأستشارة من أهل الخبرة في الكثير من المواقف والموضوعات تجنباً للخطأ الذي يمكن أن يقع فيه الفاعل السياسي لو أتخذ قرار بمفرده، مما يمنع وقوع الكثير من الخسائر والأزمات للبلد.

16- قاعدة المصلحة: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)(الرعد: 17).المصلحة ضد المفسدة، كما أنها كل عمل يعود بالنفع على الإنسان أو المجموع،أو الدولة، حيث أن المصلحة العامة تتقدم على المصلحة الخاصة، كما أن من المصلحة محاربة كل أنواع الفساد، بكل ألوانه وأشكاله، سواء على الصعيد الأجتماعي أو السياسي أو الأقتصادي، كما أن أهمال هذه القاعدة خاصة في مجال عمل الدولة يقود الى أضرار كارثية، ويكون سبب لكثير من الأزمات التي قد تطيح بدول وأنظمة سياسية، وما يترتب على ذلك من كوارث كبيرة وخطيرة

17- قاعدة التقية: (لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة...)

(ال عمران:28)، ويعرفها الشيخ الأنصاري (التحفظ عن ضرر الغير، بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق)(المكاسب/مرتضى الأنصاري: ص320)، وهذه القاعدة تقي الفرد والحزب والنظام السياسي والبلد الكثير من الحالات الحرجة التي لايقوون عليها، ويتعرضون عند عدم أستعمالها لأضرار بليغة، وهو ما يُعرف بالأنحناء أمام العواصف، وهذا مايحدث كثيراً في عالم السياسية، ولكن يبقى لهذه القاعدة حدود، ولا تكون مفتوحة بشكل مطلق. التقية لا تعني الأستسلام، بل تستعمل لتأجيل وقت وظروف المواجهة مع الخصم، وهناك تفاصيل كثيرة عن التقية يمكن للقاريء الرجوع أليها في مصادر كثيرة.

18--قاعدة عدم الأعانة على الأثم : (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الأثم والعدوان)(المائدة:2). تفيد هذه القاعدة بعدم الركون للمعتدي سواء كان شخص أو حزب أو دولة، ومثال ذلك اليوم هو عدم التعاون مع أسرائيل، وكل دول الأستكبار، مادامت تظلم وتعتدي على الشعوب المستضعفة، وعلى سبيل المثال الشعب الفلسطيني، حيث للأسف طُبّعت بعض الدول العربية والإسلامية معه رغم ممارسته للظلم والأعتداء على الشعب الفلسطيني، حيث يقول الله في القرآن (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار..)(هود:113)، وهي قاعدة تمنع على الفاعل السياسي في النظام الإسلامي أي حالة تعاون وممالئة لأي نظام يمارس الأعتداء على شعبه، وعلى الشعوب والدول الأخرى، حفاظاً للسلم العالمي، ورعاية لحقوق الإنسان.

19- قاعدة حفظ النظام: هذه تُعتبر من القواعد الكلية العقلية، وأنها ضرورة من ضرورات المجتمع الإنساني، وأن أي مجتمع لاينتظم أمره، لاشك يَؤول الى الفوضى، والفوضى هي الأرض الخصبة التي يأكل بها القوي الضعيف، وبها تنتهك كل الحقوق والحرمات، وفي هذا الصدد يقول آية الله النائيني (حفظ وحماية الأنظمة الداخلية للدولة والتربية النوعية للشعب، وإيصال الحق الى صاحبه، والحيلولة دون حصول عداوات بين أفراد الأمة وغير ذلك من الوظائف المرتبطة بمصالح الشعب والدولة)(تنبيه الأمة وتنزيه الملة: ص7 /النائيني)، وقد عرفه الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه (نظام الحكم والأدارة في الإسلام ص440) بأنه (إدارة شؤن المجتمع  على نحو يجعل حاجاته المادية والمعنوية ميسرة قدر الأمكان، وتنظيم علاقاته الداخلية). أن أهمية هذه القاعدة للمجتمع الإنساني بمكان جعل الأمام علي ع يقول (والِ ظلوم خشوم، خير من فتنه تدوم)(غرر الحكم ودرر الكلم:ج6 ص236 /عبد الواحد الآمدي).

20-قاعدة التعاون: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)(المائدة:2)، والحديث النبوي يقول (الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه)، ولا يُخفى أهمية هذه القاعدة التي تقوم  بالحث على التعاون على المستوى الداخلي والخارجي،حيث أصبح التعاون والتكامل بين الحكومة والبرلمان في الحكومات الديمقراطية أمر غاية في الأهمية في البناء والتطور، وتأكيد السلم الأهلي، كما أن التعاون مع الدول الأخرى يُزيد من فرص البناء والتنمية، والتأسيس للسلام بينهم.

21- قاعدة الصلح (وان جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (الأنفال:61). فالسلام هو الهدف الأستراتيجي للنظام السياسي الإسلامي، كيف لا وأن الله هو السلام.  والصلح يفيد أنهاء المنازعة والمخاصمة بين المتخاصمين، وتفضيل السلم، والتأكيد عليه. فالسلم هو الحالة الدائمة في الإسلام، فرسول الله يقول (أيها الناس لا تمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية)(البخاري ج3 ص1038)، وقد جاء في عهد الأمام علي بن أبي طالب  لمالك الأشتر (ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوك، ولله فيه رضى، فأنّ في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك)(نهج البلاغة)، وهذا يتضح أن الأصل في الإسلام هو الصلح، والحرب هو الأستثناء، والبناء على هذه القاعدة يعني الحرص على السلام والأمن سواء على مستوى الداخل والخارج، مما يؤسس لحالة من السلم الأهلي والدولي، وهي حالة تمثل أمل كل شعوب العالم، الذي يقود الى حالة من الأستقرار، وهو ركيزة أساسية للبناء والتنمية لكل البلدان والشعوب. يتبع

***

أياد الزهيري

 

1) من القضايا النفسية التي يتعاضد فيها العنصر الذاتي مع المؤثر الغيبي المصطلح عليه دينيا بالشيطان والوسواس الخناس فقد نجد موضوع "الغضب" والعنف ضد الآخر على سبيل الانتقام والحسد والظلم والتكبر والتجبر وما يندرج تحت هذه المظاهر من سلوك متقارب. فقد يكون التعاضد في مثل هذه المواقف يتجلى بتحفيز الجانب الغضبي(السبعي) عند الإنسان حتى يتملكه ويفقده التحكم في ذاته، ومنذ هذه اللحظة سيكون الشيطان بالمرصاد حتى قد يجري من ابن آدم مجرى الدم كما دلت عليه الأحاديث.

ولهذا فلقد جاءت الآيات والأحاديث كلها تحذر من مغبة "الغضب" أو العنف وتدعو إلى الابتعاد عن أسبابه ومولداته، كما نجد في قول الله تعالى: "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون "[1]، وكذلك تنص على مدح الضابطين له كما في قول الله تعالى: "الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين"[2].

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: لا تغضب فردد مرارا، قال: لا تغضب"[3].

قال الشارح العسقلاني في فتح الباري: "قوله: قال لا تغضب في رواية أبي كريب "كل ذلك يقول لا تغضب" وفي رواية عثمان بن أبي شيبة قال "لا تغضب ثلاث مرات".

وفيها بيان عدد المِرار وقد تقدم حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه، وأنه كان لا يراجع بعد ثلاث.وزاد أحمد وابن حبان في رواية عن رجل لم يسم قال: "تفكرت فيما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله".

قال الخطابي معنى قوله "لا تغضب" اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة، وقال غيره: ما كان من قبيل الطبع الحيواني لا يمكن دفعه فلا يدخل في النهي لأنه من تكليف المحال، وما كان من قبيل ما يكتسب بالرياضة فهو المراد، وقيل معناه لا تغضب لأن أعظم ما ينشأ عنه الغضب الكبر لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب، فالذي يتواضع حتى يذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب.

وقيل معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب، وقال ابن بطال في الحديث الأول: أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة إشارة إلى حديث "ليس الشديد بالصرعة". وقال غيره: لعل السائل كان غضوبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به فلهذا اقتصر في وصيته على ترك الغضب.وقال ابن التين: جمع صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا تغضب"خير الدنيا والآخرة، لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين.

وقال البيضاوي لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته ومن غضبه وكانت شهوة السائل مكسورة، فلما سأل عما يحترز به عن القبائح نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره وأنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه، انتهى.

ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى لأن أعدى عدو للشخص شيطانه ونفسه، والغضب إنما ينشأ عنهما فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة كان لقهر نفسه عن الشهوة أيضا أقوى.وقال ابن حبان - بعد أن أخرجه- أراد لا تعمل بعد الغضب شيئا مما نهيت عنه لأنه نهاه عن شيء جبل عليه ولا حيلة له في دفعه. وقال بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون حزنا.

وإذا كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن كتغيير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال في غير ترتيب واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكان غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا كله في الظاهر وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أولى شيء يقع منه باطنه، وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه وهذا كله أثره في الجسد، وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحيي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوبه ويلطم خده، وربما سقط صريعا وربما أغمي عليه وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك جريمة، ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" من الحكمة واستجلابه المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب الديني كما تقدم في الباب الذي قبله . ويعين على ترك الغضب استحضار ما جاء في كظم الغيظ من الفضل وما جاء في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد، وأن يستعيذ من الشيطان كما تقدم من حديث سليمان بن صرد، وأن يتوضأ كما تقدمت الإشارة إليه في حديث عطية والله أعلم "[4].

2) فهذه الشروح قد أوردتها مطولة للإشارة إلى مدى أثر النص الديني في ضبط مناهج معرفة النفس عند المسلمين، وأنه لولاه لما كانت لديهم هذه التدقيقات الرائعة التي تريد أن تحلل الظاهرة النفسية من كل جوانبها وكل خلفياتها وأبعادها المعنوية والسلوكية، وهو ما سنراه عند دراسة مناهج الفكر الإسلامي وتبيين مدى ارتكازه على هذه الأصول الإسلامية في تحديد الطبيعة النفسية وظواهرها.

فموضوع الغضب إذن يمثل مرتعا خصبا لتلاقح التأمر النفسي والكيد الشيطاني حتى إن الشخص قد يفقد معه حينما يسيطر عليه التمييزَ بين أسباب نجاته من هلاكه[5].والملاحظ على الشروح السابقة أنه يوجد لدى المسلمين إدراك واعي بطبيعة النفس وعلاقتها بالشيطان من حيث الميل نحو السيئ من التصورات والأفعال، وخاصة في جانبي الشهوة والغضب.

ولهذا ففي أغلب الأحيان لا يذكرون النفس إلا ويقرنونها بالحديث عن الشيطان لتعاون كلا الطرفين في الموضوع السيئ الأبعاد، وقد تجلى هذا الربط بين الجانب الغضبي والنفسي والشيطاني بصورة واقعية وعملية في الحديث الذي رواه البخاري عن عدي بن ثابت حدثنا سليمان بن صرد قال: "استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" . فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إني لست بمجنون"[6].

وهذا يبين لنا أن الإنسان في حالة الغضب قد يصرفه الشيطان حتى عن الاستعادة منه، لأنه أصبح ممتلكه وتحت استحواذه آنذاك إلا إذا لحقته رحمة من الله يستبصر بها مصداقا لقول الله تعالى: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"[7].

وعند هذا الصرف الذي قد يتمكن به الشيطان من نفس الإنسان سيحدث الخلل في الملاحظة النفسية وذلك بالخلط بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان كما ظهر من خلال تعبير المخاصم الغضبان بقوله: إني لست بمجنون" ورفضه الاستعادة من الشيطان الرجيم، ظانا منه أن غضبه هو مجرد رد فعل نفسي غريزي عادي لا علاقة له بوسوسة الشيطان، وأن الذي يمسه الشيطان ويتطلب الاستعاذة منه يكون مجنونا أي ذا طبيعة مرضية.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

...............................

[1] سورة الشورى آية 24

[2] سورة آل عمران آية 134

[3] رواه البخاري في كتاب الأدب

[4] العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج10 ص 637-638

[5] محمد عثمان نجاتي: القرآن وعلم النفس، دار الشروق ط5-1414-1993 ص82

[6] رواه البخاري في كتاب الأدب

[7] سورة الأعراف آية 200-201

للاطلاع

https: //www.youtube.com/shorts/0vyZK-CAiR4?feature=share

 

أشرنا في الحلقات السابقة الى المصدر الرئيسي والتأسيسي للقواعد والضوابط الكلية للفقه السياسي الإسلامي، وفي هذه الحلقة من الدراسة نُشير الى مصدر ثالث بعد القرآن والسنة، وهو العقل، والذي يعتبر مصدر من المصادر التأسيسية للقواعد الكلية العامة في التشريع الإسلامي، والذي ينسحب بدوره الى الدائرة الخاصة أيضاً في التأسيس للقواعد الكلية في الفقه السياسي . العقل عند أكثر المدارس الإسلامية السنية منها والشيعية يُعتبر أحد مصادر التشريع، فهو أداة تستنبط الحكم الشرعي من النص المقدس، وهو أداة لبناء قاعدة كلية يُشرع من خلالها أحكام شرعية في منطقة الفراغ التشريعي، وقد أشارت أحد رسائل البحث المقدمة الى جامعة بغداد في تعريف للقاعدة العقلية كما عرفها الشهيد محمد باقر الصدر (بأنها كل قضية يدركها العقل، ويمكن أن يستنبط منها حكم شرعي)(رسالة القواعد العقلية وأثرها في أصول الفقه عند الأمامية السيد محمد باقر الصدر إنموذجا:حسين علي جاسم) . إن العقل يساهم في أتساع عدد القواعد الكلية في الفقه العام والسياسي بالخصوص، وهذا يفتح المجال واسعاً، ويعطي فضاءً كبيراً للفاعل السياسي بأن هناك أدوات يمكنه الأستعانه بها في كل الحالات والمجالات، أي يعطيه الأفق الأوسع والقابلية الأكبر في التعامل مع كل الأحداث في الواقع الحياتي المتغير دوماً، فالشارع المقدس منح العقل فرصة ملء الفراغ المتروك من قِبل الشارع المقدس لأسباب لها علاقة بطبيعة الحياة ذات الطابع المتغير والمتحول، أعتقاداً بالعقل بما يحمل من آليات منطقية، وهذا العقل أيضاً كما يقول الدكتور محمد عمارة في مقابلة له في برنامج الشريعة والحياة حيث يقول إن الرؤية الإسلامية للفقه السياسي مربوطه بمقاصد الشريعة، بالأضافة الى أن الأصوليون يقولون بصحة الملازمة بين العقل والشرع، وهي(كل ما حكم به الشرع حكم به العقل، وهذا معناه أن كل فعلٍ حكم به الشرع بوجوبه لأشتماله على المصلحة الملزمة أو حكم بحرمته لأشتماله على المفسدة الملزمة، لو أدرك العقل ذلك الملاك فلا جرم يحكم بحسن الأول وقبح الثاني وهذا ظاهر)(أصطلاحات الأصول ص280 : المشكيني الأردبيلي).

أذن الكليات المستنده على النص بمفردها لا تستوفي كل الوقائع العديدة والمتغيرة، وذلك بدليل ترك الشارع للفقيه منطقة فراغ يمارس فيها العقل نشاطه، ولم يترك للعقل وحده حرية أطلاق الأحكام لقصوره في تناول وفهم كل أبعاد الأنسان، أضافة للنزعات البشرية التي تتنازعه، وما يحمله من أفكار مسبقة، ونسبية فهم، حيث يركز غلادمير على أن الأفق الذهني للمفسر يتحوّل ويتطور ويتبدل دائماً طيلة حياة الأخير (الهرمينوطيقا وإشكالية التغير: د. مصطفى عزيزي ص77)، كما أن الميول المكنونة في اللاوعي الإنساني تلعب دور في أحكامه، وهذا ما حدى بديورانت بالقول (بأن العقل ليس المرجع النهائي في الحكم على الأمور) كما أن روسو يقول بأسبقية الشعور على العقل)(جريدة الرياض العقل عند كانط:يوسف أبا الخيل:18 نوفبر 2015). أذن يتضح لنا إن الإنسان لايمكن أن يصل الى الحياد التام، وهذا ما أكدته الهرمينوطيقا الفلسفية، التي أكدت نسبية الفهم، وتعدديته، ولتوضيح أمر العقل وأرتباط حكمه بالجذر الأخلاقي لأحكام الشريعة، نقتبس مما جاء في مقالة لماجد الغرباوي في القدس العربي تحت عنوان (العقل الأخلاقي وعلاقته بالتشريع الصادرة في 14 نوفبر 2023 م (أن العقل وفقاً للأتجاه الأخلاقي قادر علىى أكتشاف الجذر الأخلاقي لأحكام الشريعة، ومباديء تشريعها، بل حتى ملاكاتها ...ويمكنه التشريع في ضوئها لملء الفراغ التشريعي الذي يشمل جميع مناحي الحياة ماعدا العلاقات التي تنظمّ علاقة الفرد بخالقه)، يضيف الغرباوي في نفس المقال قائلاً (بل تبقى أحكامه أحكام بشرية تتأثر بقبليات المجتهد والخبير التشريعي، وتغيرات الواقع وحاجات الأنسان والمجتمع) وهذه الخاصية تعطيه مرونة عالية ومجال واسع في تقديم الأحكام والقواعد العامة في مجالات الحياة المختلفة ومنها السياسة، وهنا كذلك يمكنني بالأشارة الى ما يقول به الدكتور قاسم شُعيب في كتابه (العقل السياسي الإسلامي ص84)(لاشك أن حاجات المجتمع وبنيته ليس ثابته، بل هي متغيرة ومتطورة بأستمرار، ولم تغب هذه النقطة عن الإسلام، فترك منطقة فراغ تشريعي تتولى السلطة السياسية أو المجتمع المدني ملأها بما يتلائم مع الخطوط العامة للتشريع الإسلامي)، فلا دين من دون عقل، بل هو شرط من شروط التكليف.

من المعروف إن العقل يمثل المحور في فكر المعتزلة، وله مرتبة عالية، والجزء الكبير من الشيعة يقيمون للعقل مقام كبير في فهم وأستنباط الأحكام، حتى أن الشيخ المفيد يقول (بعدم صحة جميع الأحاديث المنسوبة الى الأئمة، ويرى أن كثيراً من الأحاديث نُسبت زوراً إليهم، ولذا يرى عدم الأخذ بالأحاديث التي تنتسب الى الأئمة أذا خالفت أحكام العقل لأن العقل يحكم بفسادها)(تصحيح الأعتقاد ج5 ص147 : الشيخ المفيد)، فالعقل له دور فعال ونامي في التفاعل مع الواقع، كل الواقع بتفاصيله العلمية والأجتماعية والأقتصادية والسياسية، ومن خلاله يتم تعين المصالح المرسلة، والعمل بما فيه مصلحة الناس، وخاصة أذا تحصن بمناعة أخلاقية عالية، ويترشح من خلاله أليات كل ما يحقق مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح الناس (فالأحكام العقلية من غير الممكن تقاطعها مع النص الديني لأنه يتركز على آليات منطقية لا يتقاطع معها العقل، بل للعقل أهمية كبرى في التعميق التأسيسي والتأصيلي والتفريغي للفقه الإسلامي) (ملامح البنية الأساسية للتفكير الإسلامي: طارق البشري).

بعد أن تطرقنا للعقل ومساهمته في أنشاء وأستنباط القواعد الكلية، نعود الى متابعة تعداد هذه القواعد أضافة لما سبق :

7- قاعدة أولوية السلم: (يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان...) (البقرة:208) و (وأن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله). الأصل في العلاقة سواء بين الأفراد والمجموعات القبلية والقومية والدينية والحزبية في داخل البلد أو بين الشعوب والأديان والقوميات والبلدان الأخرى هو السلم، والآيات المذكورة واضحة في هذا المعنى . إن حرص الإسلام على السلام ينبع من كينونة الإسلام ونزعته للسلام، لأن الله هو السلام، وبالسلام يتحقق الأمن والحرية للإنسان، التي هي من الأهداف التي يحرص عليها الإسلام، فالرسول (ص) حريص على أفشاء السلام، وفي حديث له خرَّجه مسلم (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام...)، فالإسلام حرص على كل القيم السامية ومنها السلام، قال تعالى (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)(المائدة:16)، حتى الحرب التي يقوم بها هي لأجل السلام، وللدفاع عن النفس (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)(البقرة190).

8-قاعدة الوسطية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..)(البقرة:142)

الوسطية تعني الأعتدال، والعدل والخير، والتوازن، وهو عكس التطرف، وهو موقف عقلاني، ومظهر حضاري رفيع، وتمثل الوسطية موقف معتدل، يبتعد عن التحيز والتطرف، لأنه توسط بين طرفين، والنظام السياسي الذي يتسم بالوسطية والأعتدال، يكون نظام يبتعد عن التجاذبات الدولية سواء كانت شرقية أم غربية، ويبتعد عن كل المواقف المتحيزة، ولا تقف بجانب الأنظمة السياسية المعتدية، وتأخذ موقف عدم الأنحياز، وهو موقف يصب في تخفيف التوترات على المستوى الوطني والدولي . فالوسطية الإسلامية، هي صمام امان للمجتمع ضد أي حالة تطرف على المستوى الأجتماعي والسياسي، والنظام الذي يكون مبدأه الوسطية يتصدى لكل حالة تطرف، ولا يتعاون، ولا يشجع كل الحركات والأحزاب والأنظمة السياسية المتطرفة لأنها لا تتوافق مع مبدأ أساسي في فقهه العام والسياسي معاً.

9-قاعدة وجوب رفع الظلم (ان الله لا يحب الظالمين)، (ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) وهي قاعدة في غاية الأهمية لأنها تساهم في ألزام من يلتزم بها بأن لا يكون طرفاً في أي حالة أعتداء تحدث سواء على مستوى الداخل، ضد مواطن أو أقلية قومية أو دينية، أو ضد أي دولة في المحيط الأقليمي والدولي، وهذا مايجعل هذا المبدأ يعزز الأستقرار والسلام على مستو ى الداخل الوطني، والأمن وعدم الأعتداء على الساحة الدولية، ومن أمثلة رفع الظلم في عالم السياسة هو أعانة كل الشعوب المضطهدة والمحتلة من خلال الوقوف الى جانب حقوقها المشروعة، وقضاياها المحقة والعادلة.

10-قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح :، هي قاعدة مهمة وأساسية خاصة في أدارة الحكم، والتي تفترض على السلطة السياسية العمل على حماية مصالح الشعب، ورعايتها من كل أنتهاك، بل الحرص على تحقيقها، والعمل بكل جد على دفع كل ما يقف بالضد منها، وهذه القاعدة لها مصاديق كثيرة جداً في السياسة الداخلية وكذلك الخارجية، فمثلاً لايمكن للنظام السياسي أن يعقد تحالف مع دولة أخرى يكون ضررها أكبر من منفعتها على الشعب، فدفع المخاطر أولى من كسب بعض المغانم. يتبع

***

أياد الزهيري

أولا: وسوسة الشيطان واستدراج النفس الغريزية

إن الحديث عن السفه النفسي بأنواعه العقدية والسلوكية والمالية وربطه بالنفس الأمارة بالسوء باعتباره أهم مظاهرها ليس مجرد تنضيد فكري واستعراض بياني محض قد يمكن توسيع الحديث عنه في حقل لغوي ولربما فقهي محض، وإنما هو تمهيد موضوعي ومؤسس لقضية أخرى لها من الدلالات النفسية ما تفتقده أغلب الدراسات النفسية سواء في الماضي أو الحاضر.

فالنفس -كما ورد وصفها في القرآن الكريم - أمارة بالسوء، وهذا التأمر قد يجعل العنصر الواعي في الإنسان إما في حالة المجاهدة أو في حالة المساعدة، لكنه في حال غياب المجاهدة لم يبق بعد ذلك سوى مساعدة النفس على تأمرها والاستجابة لنداءاتها ولو نسبيا، وعند هذه الاستجابة يكون الإنسان قد دخل طور السفه بكل صوره، أدناها السفه المالي، وأعلاها السفه العقدي.

وفي حالة ما إذا استعصى على النفس استدراج العنصر الواعي في الإنسان إلى السفه العقدي، فإن السفه المالي والشهوي أو الغريزي الجسدي عموما سيكون أقرب إلى منالها وضغوطها، وعند هذا الخلل النفسي الابتدائي يكون عنصر خارجي غير مرئي بالمرصاد لتأجيج الدعوة إلى الانغماس في هذا السفه الابتدائي حتى يتسنى له التوريط في النهائي وهو السفه العقدي.

هذا العنصر قد اصطلح عليه القرآن والحديث النبوي بمصطلح الشيطان أو إبليس، ويمثل عنصرا متخصصا في الإخلال النفسي وزعزعة الاستقرار واستعمال أسلوب المكايدة والمباغضة وكل أنواع الشرور التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى العقد النفسية الحادة، والاختلالات الاجتماعية المدمرة، والهلاك الأبدي.

فالشيطان له قصة طويلة مع بني آدم منذ أن خلق الله الإنسان وصوره في أحسن صورة، قد ابتدأت في عالم غيبي و دلنا على أحداثها القرآن الكريم والأحاديث النبوية بتفصيل دقيق وتحديد عميق لخلفية الصراع بين الإنسان والشيطان، كما نصت عليها الآية الكريمة في قول الله تعالى:"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.قلنا اهبطوا منها جميعا، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون"[1].

وهذا الاستكبار النفسي الذي وقع فيه إبليس- الشيطان- قد كان سببه نفسيا بالدرجة الأولى ومؤسسا على المقايسة المغلوطة والرؤية السطحية للعنصر النفسي الذي يتمظهر به آدم، ومن ثم وقع في خطأ القياس الفاسد، ظانا منه أنه الأفضل والأسمى. فكان هلاكه في الحقيقة من نفسه وانطوائيته على ذاته حتى اعتقد توهما أن لها تميزا ذاتيا مستحقا، لكنه نسي أنه مخلوق لا دخل له في خلق ذاته، وأن آدم كذلك مخلوق .

لكن المخلوق قد لا يتميز عن المخلوق ويمتاز عليه إلا بمميز:وهو الخالق سبحانه وتعالى. فكان اعتراض إبليس على تفضيل آدم عليه في الحقيقة هو اعتراض وسفه عقدي وسوء أدب مع الله تعالى، ومن ثم استحق الطرد من رحمته بسبب هذه المقايسة النفسية الفاسدة.

ولقد صور لنا القرآن الكريم هذا الموقف الإبليسي في قول الله تعالى:"ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين.قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين. قال أنظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين. قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين"[2].

فهذا القياس هو نفسه -كما سبق ذكره- سيوظفه المعترضون على الرسل والأنبياء والأولياء العارفين بالله تعالى. ويمثل صورة من صور النفس الأمارة بالسوء التي تنطبق على الإنسان وعلى الشيطان، كما أن النفس الإنسانية تلتقي مع النفس الشيطانية في عدة صور أخرى، من بينها بالدرجة الأولى الوسوسة والأمر بالسوء والتسويل.

فالوسوسة نجد التنصيص عليها في قول الله تعالى:"فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين "[3]، "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم"[4].

ونظرا لخطورة هذه الوسوسة الشيطانية وآثارها العقدية والسلوكية والنفسية بصفة عامة، فقد اهتم القرآن بالتصدي لها أيما اهتمام حتى إنه قد نزلت سورة خاصة بالدعوة إلى التصدي لها ومقاومتها، سواء كانت وسوسة مباشرة أو غير مباشرة، في شكل نفس إنسانية أو نفس جنية غير مرئية. وذلك في قول الله تعالى:"قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس"، وكذلك نجد عدة آيات تحث على توظيف سلاح الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم كأهم الوسائل لمقاومته وصرف تأثيراته الوسواسية عن النفس الإنسانية، لغاية أنه قد يصل إلى درجة الأمر بالسوء على سبيل السيطرة والتحكم في التصور الإنساني والاستحواذ على قدراته الواعية إذا لم يحاربه في البدايات الأولى من وسوسته.

ثانيا:وسوسة الشيطان والتمهيد نحو الطريق المسدود

إذ من خصائص وسوسة الشيطان أنه قد يستعمل أسلوب الكيد والتمهيد التدريجي للإيقاع بالإنسان في دوامة القنوط وبالتالي التمادي في الانزلاق العقدي والسلوكي، مما قد يؤدي إلى السفه العقدي الذي يعني هلاكه وهلاك من حوله.

ولهذا فلقد جاء الخطاب القرآني منبها على خطورة هذا المخلوق الخبيث والمعادي للإنسان وذلك في هذا النداء الكريم:"يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر الفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم "[5]، "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون "[6]، "إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم "[7].

فالوسوسة والأمر بالسوء والتسويل، بالإضافة إلى الغياب عن الملاحظة الحسية، هي أهم عناصر المطابقة بين النفس الأمارة بالسوء والشيطان عدو الإنسان.وهذا التطابق إذا لم يتفطن له عند الملاحظة النفسية والتصرفات العادية فقد يؤدي إلى اتحاد وتواطؤ لا شعوري مع النفس الإنسانية ستصبح بعده القيادة بيد الشيطان لغاية الصرع والمُماسَّة كما يدل على ذلك قول الله تعالى:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا "[8]، " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون"[9]، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم "[10].

وهذه السيطرة التي يحققها الشيطان على سلوك الإنسان ليست ابتدائية وإنما هي نتيجة تدرج (خطوة خطوة) من البسيط إلى المعقد، ومن التمييز إلى التعجيز، بحيث سيصبح الشخص عاجزا عن تقدير مصلحته من مضرته فيقع حينئذ في ضعف تصوري وإدراكي إما عن طريق ذاتي أو موضوعي بواسطة إغراءات وهمية خارجية تعمل على الإخلال بالتوازن النفسي، أي أن المآل يكون دائما ذاتيا.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المغرب، وجدة

...........................

[1] سورة البقرة آية 33-37

[2] سورة الأعراف آية 10-16

[3] سورة الأعراف آية 17

[4] سورة الأعراف آية 20-21

[5] سورة النور آية 21

[6] سورة الأعراف آية 26

[7] سورة محمد آية 26

[8] سورة البقرة آية 275

[9] سورة المجادلة آية 19

[10] جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الصيام

 

مقدمة: يبدو مفهوم العدالة مفهوما ملتبسا اذ الكل يطالب به على الصعيد الحقوقي والكل يفتقده على الصعيد الواقعي والجميع يرفعه على مستوى الشعار والمطلب والجميع يخسره على مستوى الممارسة والعمل. كما ان الافراد يفتقدونه في حياتهم والمجموعات تتمنى تحقيقه في مجال التبادلات والعلاقات فيما بينها. هذا الاصرار الإيتيقي على اللحاق بالعدالة والتمسك بها كمبدأ تأسيسي وحق كوني ناتج عن ارادة جماعية مشتركة لتخطي عتبة الظلم والتمييز ومرده تلك الرغبة التي تنتاب الناس في ازالة الفوارق ورفع الجور وتحقيق الانعتاق من براثن التبعية والاستقلال التام عن كل قهر سياسي داخلي وسلطة غاشمة خارجية. فأين هي العدالة في الواقع؟ ولماذا تم تغييبها والاعتداء عليها؟ وكيف يمكن استجلابها واستنباتها في جل الاوضاع الانسانية؟ وما السبيل الى تحقيقها وضمان استمراريتها؟ والى أي حد تسمو عن كل توظيف؟

العدالة كمشكل

لقد سبق لافلاطون في محاورة الغورجياس ان أبرز التوتر بين العدالة حسب الطبيعة وحسب القانون بقوله:"في أغلب الأحيان، تتعارض الطبيعة والقانون مع بعضهما البعض. لأنه حسب الطبيعة، ما هو أكثر شرًا هو أيضًا أقبح، مثل التعرض للظلم، بينما يجب ارتكابه وفقًا للقانون. ليس من فعل الانسان أن يعاني الظلم، بل هو من فعل العبد، الذي الموت أفضل له من الحياة، والذي، مظلومًا ومهينًا، لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا عن من هو فيهم مهتم. لكن في رأيي، القوانين توضع للضعفاء ومن قبل الكثيرين. ومن أجلهم ومن مصلحتهم أن يفعلوا ذلك وأن يوزعوا المديح واللوم؛ ولتخويف الأقوى، القادرين على الحصول على الأفضلية عليهم، ومنعهم من الحصول عليها، يقولون إنه من العار والظلم أن يطمح المرء إلى أكثر من نصيبه، وهذا هو ما يعنيه الظلم.، الرغبة في التملك أكثر من الآخرين؛ أما هم فأتصور أنهم يكتفون بأن يكونوا على قدم المساواة مع من هو أفضل منهم."1 زد على ذلك رأى افلاطون في محاورة القوانين انه "من الضروري أن يضع الناس لأنفسهم قوانين وأن يعيشوا وفقًا لهذه القوانين؛ وإلا فلا فرق بينهم وبين الحيوانات التي هي أوحش من جميع النواحي. وهذا هو السبب: لا يوجد على الإطلاق أي إنسان يولد بمثل هذه القدرة الطبيعية على التمييز في الفكر ما هو مفيد للإنسانية فيما يتعلق بالتنظيم السياسي، مثلما هو حالما يتم تمييز ذلك، لامتلاك الإمكانية دائمًا بالإضافة إلى ذلك والإرادة لتحقيق ما هو أفضل في الممارسة العملية. الحقيقة الأولى الصعبة التي يجب معرفتها هي، في الواقع، أن الفن السياسي الحقيقي لا يجب أن يهتم بالصالح الخاص، بل بالصالح العام، لأن الصالح العام يوحد، والصالح الخاص يمزق المدن، وأن الصالح العام والخير على وجه الخصوص، يستفيد كلاهما من كون الأول، وليس الثاني، مؤمنًا بالقوة."2  أما في الحقبة المعاصرة فقد أعاد المفكر الحر ألان اثارة قضية العدالة كما يلي: "يا له من غموض مذهل في مفهوم العدالة. وهذا بلا شك يأتي بشكل رئيسي من حقيقة أن نفس الكلمة تستخدم لتعيين العدالة التوزيعية والعدالة المتبادلة. ومع ذلك، فإن هاتين الوظيفتين متشابهتان قليلاً لدرجة أن الأولى تحتوي على عدم المساواة والثانية على المساواة.  أعقد صفقة مع انسان آخر؛ وقبل أن أختتم كلامي، أشغل نفسي بالتحقيق فيما إذا كان هناك أي تفاوت بيننا يدفعه إلى التعاقد معي. على سبيل المثال، إذا كان لا يعرف شيئًا أعرفه عن الحصان الذي أبيعه له، فيجب علي تثقيفه عن المساواة والعدالة المتبادلة قبل أن يوقع. أنا عضو في لجنة تحكيم الخيول؛ يجب أن أقول أي مربي يستحق المكافأة التي أعطيها له وعن عدم المساواة وعدالة التوزيع. أنا أقوم بفحص المرشحين لمدرسة الفنون التطبيقية. اخترت المشاكل الصعبة؛ هذه أسلحتي، وهذه أفخاخي، والويل للمهزومين. لدي مناصب جيدة لأعطيها، ولكن بأعداد صغيرة، الى الأقوى وأعطي الرتب وعدم المساواة؛ عدالة التوزيع. كلتا الوظيفتين ضروريتان. ولكن يبدو أن العدالة التوزيعية لها النظام كموضوع لها، وهي مجرد وسيلة، في حين أن العدالة المتبادلة هي في حد ذاتها مثال أعلى، أي غاية لكل إرادة صحيحة."3  لقد أوضح ألان أن الحق بلا حدود لا معنى له وصرح في ذلك ما يلي: "حرية الرأي لا يمكن أن تكون بلا حدود. أرى أنه يُطالب به كحق تارة لدعاية، وتارة لدعاية أخرى. ومع ذلك، فإننا نفهم جيدًا أنه لا يوجد قانون بلا حدود؛ وهذا غير ممكن، إلا إذا وضعنا أنفسنا في حالة الحرية أو الحرب، حيث يمكننا بالفعل أن نقول إننا نعطي أنفسنا جميع الحقوق، ولكننا أيضًا لا نمتلك إلا تلك التي يمكن للمرء الحفاظ عليها بقوته الخاصة. ولكن بمجرد أن نشكل مجتمعًا مع الآخرين، فإن حقوق كل فرد تشكل نظامًا متوازنًا؛ ولا يُقال على الإطلاق إن كل شخص سيحصل على جميع الحقوق الممكنة؛ يقال فقط أن الجميع سيكون لهم نفس الحقوق؛ وهذه المساواة في الحقوق هي بلا شك شكل العدالة؛ لأن الظروف لا تسمح أبدًا بإنشاء حق كاملًا دون قيود؛ على سبيل المثال، لا يقال إننا لن نغلق شارعاً من أجل المصلحة المشتركة؛ فالعدالة لا تقتضي إلا أن يتم إغلاق الشارع بنفس الظروف على الجميع. لذا فأنا أفهم أنه يمكننا المطالبة كمواطنين، وبكل الطاقة التي نريد أن نستثمرها، بالحق الذي نرى المواطنين الآخرين يتمتعون به. لكن الرغبة في الحصول على حقوق غير محدودة تبدو سيئة."4  فماهو الفرق القائم والممكن الذي يظهر بين العدالة التبادلية والعدالة التوزيعية؟

العدالة كإنصاف

لقد تفطن ارسطو في العصر الاغريقي للفلسفة وفي كتابه ايتيقا الى نيقوماخوس الى الحاجة الى تقويم مفهوم العدالة من خلال الانصاف وصرح في هذا الشأن: " فالعدل والمنصف سواء، وكلاهما خير، وإن كان المنصف أفضل منهما. وما يجعل الصعوبة هو أن ما هو منصف، رغم كونه عادلاً، ليس ما هو عادل وفقًا للقانون، بل هو تصحيح للعدالة القانونية. والسبب هو أن القانون دائما شيء عام، وأن هناك حالات معينة لا يمكن القول فيها بجملة عامة تنطبق عليها باستقامة. لذلك، في الأمور التي يجب فيها بالضرورة الاقتصار على العموميات وحيث يكون من المستحيل القيام بذلك بشكل صحيح، يأخذ القانون بعين الاعتبار الحالات الأكثر شيوعًا فقط، دون تجاهل الأخطاء التي قد ينطوي عليها ذلك. وليس القانون أقل لومًا، لأن العيب ليس في القانون ولا في المشرع، بل في طبيعة الأشياء، لأن مادة الأشياء المتعلقة بالنظام العملي، بحكم جوهرها، تأخذ هذا الطابع من عدم الانتظام. وعندما يترتب على ذلك أن يضع القانون قاعدة عامة، وتنشأ قضية خارجة عن القاعدة العامة، فإننا نكون حينئذ في قانون حيث فشل المشرع في توفير هذه الحالة وأخطأ في الإفراط في التبسيط لتصحيح الخطأ. وتفسير ما كان المشرع نفسه سيقوله لو كان حاضرا في تلك اللحظة، وما كان سيدرجه في قانونه لو كان على علم بالحالة المعنية. ويترتب على ذلك أن العادل عادل، لا يتفوق على العادل المطلق، بل فقط على العادل حيث يمكن مواجهة الخطأ الناتج عن الطابع المطلق للقاعدة. وهذه هي طبيعة ما هو عادل: أن يكون مصححًا للقانون، حيث عجز القانون عن الحكم بسبب عموميته. في الواقع، السبب وراء عدم تحديد كل شيء بالقانون هو أن هناك حالات محددة لا يمكن وضع قانون لها، بحيث يكون المرسوم ضروريًا."5 علاوة على ذلك اضاف أرسطو في كتاب السياسة الفكرة الموالية: "الإنسان الذي يعيش بحسب أهوائه لا يستطيع أن يستمع أو يفهم المنطق الذي يسعى إلى صرفه عنها. كيف يمكن تغيير شخصية انسان كهذا؟ وبشكل عام، يبدو أن الشعور لا يخضع للعقل، بل للقيود. لذلك، يجب علينا أولاً أن تكون لدينا شخصية مناسبة للفضيلة بطريقة ما، تحب ما هو جميل، وتكره ما هو مخزي؛ كما أنه من الصعب أن يحصل المرء من الشباب على تربية سليمة تشجع على الفضيلة، إذا لم تتم تربيته في ظل هذه القوانين، لأن الجمهور، وخاصة الشباب، لا يجدون متعة في العيش في اعتدال وحزم. كما يجب أن تضع القوانين قواعد التعليم والمهن، والتي يمكن دعمها بسهولة أكبر عندما تصبح معتادة. ومن المؤكد أنه لا يكفي أن يحصل المواطنون، خلال شبابهم، على التعليم والرعاية المناسبين؛ ومن الضروري أيضاً، عندما يبلغون مرحلة الانسانية، أن يمارسوا ما تعلموه، وأن يكتسبوا منه عادات جيدة. ومن وجهة النظر هذه، وفي الحياة بشكل عام، نحتاج إلى قوانين. في الواقع، يطيع الجمهور الضرورة أكثر من العقل، والعقوبات أكثر من الشرف."6 هذا العمل التقويمي والحاجة الى اصلاح مفهوم العدالة ألهم القديس توما الاكويني الذي عبر عن رغبة التعديل كما يلي: " في الواقع، لا شيء من القانون البشري يمكن أن ينتقص مما هو قانون طبيعي أو قانون إلهي. ولكن، وفقًا للنظام الطبيعي الذي أنشأته العناية الإلهية، تخضع الحقائق الأدنى للإنسان، بحيث يستخدمها لتلبية احتياجاته. ويترتب على ذلك أن تقاسم الخيرات والاستيلاء عليها وفقًا لحقوق الإنسان لا يلغي حاجة البشر إلى استخدام هذه الخيرات لتلبية احتياجات الجميع. ومنذ ذلك الحين، فإن الممتلكات التي يمتلكها بعض الناس بشكل زائد، تهدف، بموجب القانون الطبيعي، إلى مساعدة الفقراء. لهذا يكتب القديس أمبروسيوس: "الخبز الذي تحتفظ به للجائع، والملابس التي تخفيها للعراة، والمال الذي تدفنه هو فداء وخلاص البائس." الآن أصبح عدد المحتاجين كبيرًا جدًا لدرجة أننا لا نستطيع مساعدتهم جميعًا بنفس الموارد، ولكن لا أحد يستطيع التصرف بحرية في ممتلكاته لمساعدة البائسين. وحتى في حالات الضرورة الواضحة والملحة، حيث يكون من الضروري بشكل واضح أخذ ما هو في متناول اليد لتلبية حاجة حيوية، على سبيل المثال عندما يجد المرء نفسه في خطر ولا يستطيع فعل خلاف ذلك، فمن المشروع استخدام ممتلكات الآخرين لتلبية احتياجات الفرد الخاصة؛ ويمكن أخذها، علناً أو سراً، دون ارتكاب السرقة أو السرقة فعلياً." 7 .

على هذا النحو اقترح توما الاكويني الفكرة الفلسفية الموالية:" يهدف كل قانون إلى تحقيق المصلحة المشتركة للناس، وبهذا الحد فقط يكتسب قوة القانون وقيمته؛ وعلى العكس من ذلك، فهي لا تحقق هذا الهدف، فإنها تفقد قوة التزامها. ومع ذلك، كثيرًا ما يحدث أن النص القانوني الذي يكون من المفيد مراعاته من أجل الصالح العام، كقاعدة عامة، يصبح، في بعض الحالات، ضارًا للغاية. كما أن المشرع، لعدم قدرته على النظر في جميع الحالات الخاصة، يكتب القانون وفق ما يحدث في أغلب الأحيان، ويركز اهتمامه على المنفعة العامة. ولهذا السبب، إذا ظهرت حالة يكون فيها الامتثال لمثل هذا القانون يضر بالمصلحة العامة، فلا يجب الالتزام به بعد الآن. وهكذا، لنفترض أنه تم إصدار قانون في مدينة محاصرة يقضي بوجوب بقاء البوابات مغلقة، فمن الواضح أن هذا مفيد للصالح العام، كقاعدة عامة: ولكن إذا حدث أن الأعداء يلاحقون المواطنين الذين يتوقف عليهم خلاص المدينة سيكون ضررًا كبيرًا على هذه المدينة ألا تفتح أبوابها لهم. ولذلك، في مثل هذا الأمر، لا بد من فتح الأبواب، رغم ما ينص عليه القانون، حفاظاً على المصلحة العامة التي يقصدها المشرع."8 في نفس الاتجاه سار فيلسوف العقد الاجتماعي الانجليزي دافيد هيوم حيث نجده يشير الى ما يلي: " يمكن للمؤرخين، وحتى المنطق السليم، أن يعلمونا أنه على الرغم من جاذبية أفكار المساواة الكاملة هذه، إلا أنها في الواقع غير عملية في الأساس، وإذا لم تكن كذلك، فإنها ستكون ضارة للغاية بالمجتمع البشري. اجعل الممتلكات متساوية قدر الإمكان: إن اختلاف درجات الفن والرعاية والعمل لدى البشر سوف يؤدي على الفور إلى كسر هذه المساواة. وإلا، إذا قمت بتقييد هذه الفضائل، فإنك تخفض المجتمع إلى الفقر المدقع، وبدلاً من منع العوز والتسول بين القلة، فإنك تجعلها حتمية للمجتمع بأكمله. ومن الضروري أيضاً إجراء تحقيقات أكثر صرامة، للكشف عن أي تفاوت بمجرد ظهوره، فضلاً عن اللجوء إلى القضاء الأكثر صرامة لمعاقبته وتصحيحه. ولكن، بصرف النظر عن حقيقة أن قدرًا كبيرًا من السلطة يجب أن يتدهور سريعًا إلى طغيان، وأن يُمارس بتحيز كبير، فمن يستطيع أن يستثمرها في وضع مثل الوضع المفترض هنا؟ ".9 من المعلوم أن فيلسوف العقد الاجتماعي الاخر جون جاك روسو قد أدلى بدلوه في الموضوع بتصريحه في خطاب حول الاقتصاد السياسي بما يلي:" ولذلك فإن المصلحة الأكثر إلحاحًا للرئيس، فضلاً عن واجبه الذي لا غنى عنه، هي ضمان الامتثال للقوانين التي هو وزير لها، والتي تستند إليها كل سلطته. إذا كان عليه أن يجعل الآخرين يلاحظونهم، فيجب عليه بالأحرى أن يراقبهم بنفسه، الذي يتمتع بكل فضلهم: لأن مثاله قوي لدرجة أنه، حتى لو كان الناس على استعداد للسماح له بتحرير نفسه من نير النظام. يجب عليه أن يحرص على عدم استغلال مثل هذا الامتياز الخطير، والذي سيسعى الآخرون قريبًا إلى اغتصابه بدورهم، وغالبًا ما يكون ذلك على حسابه. في الأساس، بما أن التزامات المجتمع كلها متبادلة بطبيعتها، فلا يمكن أن يضع الإنسان نفسه فوق القانون دون التنازل عن مزاياه؛ ولا يدين أحد بأي شيء لأي شخص يدعي أنه لا يدين بأي شيء لأحد. وللسبب نفسه، لن يتم منح أي إعفاء من القانون، لأي سبب كان، في ظل حكومة جيدة التنظيم. إن المواطنين أنفسهم الذين استحقوا الخير من أجل البلاد يجب أن يكافؤوا بالتكريم، وليس بالامتيازات أبدًا؛ لأن الجمهورية على وشك الخراب، بمجرد أن يظن أحد أنه من الجيد عدم الانصياع للقوانين. ولكن إذا تبنى النبلاء، أو الجيش، أو أي نظام آخر في الدولة، مثل هذا المبدأ، فسوف يضيع كل شيء دون موارد."10 لكن المرء عندما يعمل من اجل الصالح العام يتم استغلاله وظلمه كما كشف عن ذلك ماركس في كتاب راس المال بقوله: "فالعمل للوهلة الأولى هو فعل يجري بين الإنسان والطبيعة. فالإنسان نفسه يلعب دور القوة الطبيعية في مواجهة الطبيعة. القوى التي يتمتع بها جسده، الذراعين والساقين، والرأس واليدين، يتحرك من أجل استيعاب المواد من خلال إعطائها شكلاً مفيدًا للحياة. وفي نفس الوقت الذي يتصرف فيه من خلال هذه الحركة على الطبيعة الخارجية ويعدلها، فهو يعدل طبيعته ويطور الملكات الكامنة هناك. ولن نتوقف عند هذه الحالة البدائية من العمل حيث لم تجرد بعد من أسلوبها الغريزي البحت. نقطة انطلاقنا هي العمل بشكل خاص بالإنسان حصريًا. فالعنكبوت يقوم بعمليات تشبه عمليات الحائك، والنحلة ببنية خلاياها الشمعية تربك مهارة أكثر من مهندس معماري. لكن ما يميز أسوأ مهندس معماري عن النحل الأكثر خبرة هو أنه بنى الخلية في رأسه قبل أن يبنيها في الخلية. إن النتيجة التي يحققها العمل بشكل مثالي موجودة مسبقًا في مخيلة العامل. لا يعني ذلك أنه يؤدي فقط إلى تغيير شكل المواد الطبيعية؛ وفي نفس الوقت يدرك هدفه الذي يدركه." 11 وفي كتابه خطوط عريضة في نقد الاقتصاد السياسي يدعم موقفه بما يلي: "مما تتكون مصادرة العمل؟ أولا، في حقيقة أن العمل خارجي بالنسبة للعامل، أي أنه لا ينتمي إلى كيانه؛ وأن العامل في عمله لا يؤكد نفسه، بل ينكر نفسه؛ أنه لا يشعر بالرضا بل بالتعاسة. أنه لا يستخدم الطاقة الجسدية والفكرية المجانية، بل يُميت جسده ويفسد روحه. ولهذا السبب لا يشعر العامل إلا بأنه ملكه خارج العمل؛ في العمل يشعر بأنه خارج نفسه. فهو هو عندما لا يعمل، وعندما يعمل فهو ليس هو. عمله ليس طوعياً، بل قسرياً. العمل القسري ليس إشباع حاجة، بل هو مجرد وسيلة لإشباع احتياجات خارج العمل. تتجلى الطبيعة المغتربة للعمل بوضوح في حقيقة أنه بمجرد عدم وجود قيود مادية أو غيرها، يتجنب الناس العمل مثل الطاعون. العمل المغترب، العمل الذي يجرد فيه الإنسان نفسه، هو تضحية بالنفس، وإماتة. وأخيرًا، يشعر العامل بالطبيعة الخارجية للعمل من خلال حقيقة أنه ليس ملكًا خاصًا به، بل ملكًا لشخص آخر، وأنه لا ينتمي إليه، وأن العامل في العمل لا ينتمي إلى نفسه، بل إلى إلى نفس أخرى فنصل إذن إلى أن الإنسان العامل لا يملك إلا العفوية في وظائفه الحيوانية: الأكل والشرب والإنجاب، وربما في الموطن والزينة وغيرها. وأنه، في وظائفه الإنسانية، لم يعد يشعر بأي شيء سوى الحيوان: ما هو حيواني يصبح إنسانيًا، وما هو إنساني يصبح حيوانًيا." 12  بيد أن الفيلسوف الامريكي جان راولز في النصف الثاني من القرن العشرين وكتابه الذي نشره عام 1971 المعنون نظرية العدالة هو الذي صاغ مفهوم العدالة كإنصاف وعني به القسط في التبادل والتوزيع بقوله:" "إن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية... على سبيل المثال، عدم المساواة في الثروة والسلطة، تكون عادلة فقط إذا كانت تنتج، على سبيل التعويض، مزايا للجميع، وعلى وجه الخصوص، لأفراد المجتمع الأكثر حرمانا... وليس هناك ظلم في الحقيقة أن يحصل عدد صغير على مزايا أعلى من المتوسط، بشرط تحسين وضع الأشخاص الأقل حظا."13

خاتمة

العدالة تشير قبل كل شيء إلى قيمة ومثال أخلاقي ومفهوم فلسفي. إنه معطى غريزي (الشعور بالظلم أو العدالة يفرض نفسه علينا) ومعقد (من المستحيل تحديد معايير العدالة بشكل تجريدي). الا أن العدالة بدون قوة تتناقض، لأن هناك دائما الأشرار. القوة بدون عدالة متهمة. ولذلك يجب علينا أن نجمع بين العدالة والقوة، ولكي نفعل ذلك يجب علينا أن نتأكد من أن ما هو عادل قوي أو أن ما هو قوي عادل. العدالة محل نزاع. فهل تكفي المقاربة القانونية الاجرائية لكي تصبح العدالة قيمة كونية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المصادر والمراجع

1. PLATON, Le Gorgias: (selon Calliclès, interlocuteur critique de Socrate)

2. PLATON, Les Lois Livre IX

3. ALAIN, Propos d’un Normand

4. ALAIN, Propos d’un Normand

5. ARISTOTE, Ethique à Nicomaque

6. ARISTOTE, La Politique

7. Saint THOMAS D’AQUIN, Somme théologique (XIII siècle)

8 . Saint THOMAS D’AQUIN, Somme théologique (XIII siècle)

9. HUME David, Traité de la nature humaine (XVIII siècle)

10. Jean-Jacque ROUSSEAU, Discours sur l’économie politique

11 . Karl MARX, Le Capital

12. MARX, ébauche d’une critique de l’économie politique

13.RAWLS Jean, Théorie de la justice (XX siècle)

استمراراً لعرض القواعد الكلية في الفقه السياسي الاسلامي، والتي تناولنا منها أثنين في الحلقة السابقة، وستناول قواعد آخرى في هذا الجزء من الدراسة، ولكن قبل البدأ، نتناول بعض الشرح عن القواعد الكلية، وتبيان الهدف منها، وأن تطرقنا لها في الحلقات السابقة، لكن ما نطرحه في هذه الحلقة، هو أضافة أخرى في التوسع في شرح هذا المفهوم، وزيادة في معرفة القاريء له.

القاعدة الكلية في الفقه السياسي:  هو مبدأ يُستخدم لطرح الرؤية السياسية، كدليل توجيهي وأرشادي، يستعين بها الفاعل السياسي في صياغة رؤيته السياسية، سواء كان هذا الفاعل السياسي فرد أم حزب أم نظام سياسي، وهي (تعتبر الأطار الذي يجيب عن التسائلات الحرجة والملحة، ومن ثم يمكن من خلالها تحديد الأستراتيجيات المناسبة لمواجهة ذلك الواقع على وجه الدقة، وعلى مستوى التنفيذ كدليل معياري نحدد به مدى قربنا أو بعدنا من الممارسة السياسية الواعية) (قواعد في الممارسة السياسية ص17:  د.جاسم سلطان). فالقاعدة الكليه في المجال السياسي، هي أذن منظور توضح، وتحدد الرؤية للفاعل السياسي، وكلما كانت القواعد سليمة تكون نتائج العمل السياسي الذي يتخذ من القاعدة الكلية موجه له يكون سليم أيضاً، وعلى هذا الأساس تكون طبيعة الفلسفة السياسية تعتمد على طبيعة هذه القواعد، وتتلون بلونها، وعلى أساسها تتميز المدارس السياسية، وتختلف عن بعضها . كما من فوائد القواعد الكلية في المضمار السياسي أنها تمنح الفاعل السياسي الوضوح في الرؤية والأداء السياسي، وتجعله يبتعد عن الأرتجال في القرار السياسي، بأعتباره قرار خطير بسبب طبيعته الشمولية، فيشمل كل أفراد الشعب، ويؤثر على مصير بلد، بالأضافة الى ذلك فأن أستخدام الفاعل السياسي، وألتزامه بالقواعد الكلية يجعل من تصرفه ذو صفة شرعية وقانونية، مما يضفي على عمله نتائج مقبولة بحكم ألتزامه بحدود هذه القواعد، وعدم الخروج عنها، لأنها حدود متفق عليها في ظل نظام نال مقبولية العمل بمبادئه جماهيرياً .

القاعدة الثالثة من القواعد الكلية في الفقه السياسي الأسلامي هي:

3-  قاعدة الحرية:

الأصل في الأسلام الحرية إلا أذا جاء نص يحرم الفعل أو القول، وأن تقيدها يكون في حدود الصالح العام، والحرية في الأسلام تشمل الجميع، ولافرق بين مسلم وغير المسلم بحقوقه المدنية، فقد قال الرسول (ص) (من ظلم معاهداً أو أنقصه حقه فأنا خصمه يوم القيامة)، وقد نُقل عن عمر بن الخطاب كلمته المشهورة (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، ومن أنواع الحرية التي أقرها الأسلام، هي حرية العقيدة، والنص القرآني صريح في هذا (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)(الكهف: 29)، وأن الأنسان هو المالك لنفسه، والمسؤول عن فعله، وقد وضح النص القرآني ذلك، حيث أشار الى حدود النبي في علاقته مع الأنسان بأن علاقته أرشادية وتوجيهية بعيداً عن الأجبار والسيطرة على أفكاره، ونوع عقيدته، وما يملك، والنص القرآني واضح في هذا الشأن (إنما أنت مُذكر لست عليهم بمسيطر)(الغاشية: 22) و(..وما جَعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل)(الأنعام: 107).

4-  قاعدة الشورى:  

وهي قاعدة كلية، حيث تمثل قاعدة مهمة للفاعل السياسي، تمنعه من الأرتجال في الأحكام والقرارات، مما تبعده عن حالة الأستئثار في الحكم، وتمنع عليه الأستبداد، وهي قاعدة مرنه تتيح للمنظر والفاعل السياسي مجارات التطور في تشكيل الأنظمة السياسية، وتستوعب كل تطور في أدوات العمل السياسي . فمثلاً يمكن تطبيق هذا المبدأ الكلي على طريقة أهل احل والعقد، وممكن أن تتمثل في النظام البرلماني، أو بأخذ الرأي من منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية الى آخره، فالشورى تمتلك من المرونة ما يجعلها تتماشى مع الكثير من الأنظمة ذات الطابع الغير شمولي بأعتباره مبدأ يقر المشاورة والمشاركة، ويسمح بكل الأشكال الفنية من طرق المشاورة التي يفرزها الزمن عبر مسيرته الطويلة .، وهنا يمكن أن نُشير الى نصوص تأسيسية في القرآن الكريم وبعضها جاء على لسان النبي والأئمة من آل بيته من بعده:

أ- (وأمرهم شورى بينهم)(الشورى: 38)

ب- (..وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر..)(آل عمران: 159)

ج- (...فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جُناح عليكم ...)(البقرة: 233)

ح- (ماخاب من أستخار، ولا ندم من أستشار)(حديث نبوي)

د- (أسترشدوا العاقل ترشدوا، ولاتعصوه فتندموا)(الدر المنثور، البحار)

ذ- من أراد أمراً فشاور فيه، أهتدى لأرشد الأمور)(الدر المثور)

ر- (من شاور الناس شاركهم عقولهم)(الأمام علي ع)

ز- (شاور ذوي العقول تأمن الزلل والندم)(الأمام علي : غرر الحكم)، وقد أكد الأمام علي على أستخدام هذا المبدأ في وصيته الى واليه على مصر مالك الأشتر، وأنه مبدأ في غاية الأهمية لمن يتولى قيادة الناس سياسياً، حيث جاء فيا (وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء، في تثبيت ماصلح عليه أمر بلادك ..)

5- قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وهي من القواعد الكلية المهمة، وذلك لشموليتها، وسعتها في كثرة الموضوعات التي يمكن أن تغطيها، وتضم تحت جناحها العديد من المصاديق التي يمكن تطبيق القاعدة عليها،وهي قاعدة تستمد قوتها التأصيلية من القرآن (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..)(ال عمران: 110)، كما قال تعالى (الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوباعندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر..)(الأعراف: 157)، بالأضافة الى قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)(ال عمران: 104) والسنة النبوية تُشير كذلك لهذه القاعدة (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه،وذلك أضعف الإيمان)، ففي هذا الحديث الذي خرجت منه هذه القاعدة لو يُفَعَل سياسياً لتراه يقف بوجه كل دكتاتور، ومجابهة كل محتل للبلد، كما أنها ترتبط بشكل كبير بالواقع العملي، وتدخل في صلب العمل السياسي والأجتماعي، فهي قاعدة تروم في التصدي للظلم، ومكافحة التعدي سواء كان سياسي أم أجتماعي، وهي مبدأ يوجه لأستباب الأمن والسلام، وأقامة واقع يتسم بالأصلاح والعدل، وهي من القواعد المهمة والمركزية في المشروع الفكري المعتزلي، مبدأ يوجه بأتجاه دفع الضرر عن كل ما يمس الحياة العامة والخاصة للفرد والمجتمع، كما يحمل الجميع المسؤولية للقيام بمسؤولياتهم أمام أي حالة أنحراف سياسي وأجتماعي، وخلاصة القول أنه قاعدة كلية تسند كل ماهو أيجابي، وتقاوم كل ما هو سلبي .

6- قاعدة العدالة:

وهي من القواعد التي قام عليها الأسلام، وتمثل أصل من أصول الدين، والركن المتين في الأسلام، وهي الدليل في المدارات الأجتماعية والقضائية والأخلاقية والسياسية، والعدل من أولى واجبات الحاكم في الأسلام، والحامي له والحريص على سريانه في المنظومة السياسية التي يقودها، ولاشك فهي قاعدة لها تأصيلها بالكتاب كقوله

(وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..)(النساء: 58) و(لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط)(الحديد: 25)، و(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآىءِ ذي القربى)(النحل: 90)، كما في الآية (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)(النساء: 135). أما في الحديث النبوي فقد جاءت كثيراً ومنها (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) و (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل الا ظله:  إمام عادل...) و(من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جَوره فله الجنة..)، وكذلك يقول (ص) (ساعة أمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة)(وسائل الشيعة: ج28) وفي كلام لعلي بن أبي طالب ع (ومن ضاق عليه العدل،فالجور عليه أضيق)(نهج البلاغة:  الخطبة15) يتضح مما سقناه من نصوص قرآنيه وحديثية بأن مبدأ العدل هو مبدأ أساسي، وأنه الأس في النهج السياسي للفلسفة السياسية في الأسلام، وأنه من الأحكام العقلية، لذا فالسياسة والحكم في الأسلام لا مشروعية لهم بدون توفر العدالة، فهي معيار لشرعية السياسة، ودليل ومرشد لها. لذا نرى أن أقامة العدل أمر وجوبي وهو ما دعى علي بن أبي طالب (ع) بقبول الخلافة بعد عثمان بن عفان، حيث قال (لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقارَّوا على كظة ظالم ولاسغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها)(نهج البلاغة: خطبة 3)، فالعدالة هي المحرك والدافع لكل الثورات التي مرت على الأنسانية عبر الزمن، وأمل كل المجتمعات، وشعار كل الأنظمة السياسية التي تنادي لنصرة الأنسان. يتبع. يتبع

***

أياد الزهيري

 

قبل كل شئ لا بد من الاشارة أن القران يتكون من (114 سورة) موزعة كالاتي:

- السور المكية (التي قيلت في المكة وهي على جزأين –

51 سورة قبل الهجرة، و35 سورة بعد الهجرة)

السور المدنية (التي قيلت في المدينة ـ يثرب) 28 سورة.

وهناك خلاف في ذلك حيث 82 سورة مكية و20 مدنية متفق عليها والباقي 12 سورة غير متفق عليها.

وكذلك هناك خلاف في عدد الايات فالترقيم الاولي كان 6000 آية ولكن الترقيم المكي عدها 6219 آية والترقيم الكوفي 6236 آية والترقيم العثماني أعتبرها 6344 آية وهناك ترقيمات أخرى مقاربة كالترقيم البصري والشامي والألماني.

هناك العديد من الايات ورد ذكر المسيح فيها سواء بصورة مباشرة او غير مباشر، حيث هناك ما لا يقل عن 93 آية تناولت شخصية المسيح، وهي موزعة بين الايات المكية والمدنية.

ومن الملاحظ عن هذه الايات ان الايات المكية (وخصوصاً قبل الهجرة) هي الأكثر تعاطفا وانسجاما مع الانجيل مما عليه مع الايات المدنية التي تبدوا انها تتعارض في أغلبها مع ما جاء في الانجيل وخصوصا في موضوع الألوهية مما دفع بالبعض من شيوخ المسلمين ان يتهموا المسيحيين بالشرك في الله. فعلى سبيل المثال كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية وجميع الآيات التي فيها ذكر (إذن بالجهاد، وبيان لأحكام الجهاد) هي مدنية وكل آية فيها ذكر المنافقين فهي مدنية وهكذا.

لذا لا بد لنا أن نتساءل عن سبب ذلك، ومن أجل الوقوف على حقيقة ذلك لا بد لنا من دراسة الأرضية التي ولد فيها القران، لنتمكن من فهم الموضوع، لأن المشكلة عند الكثير من المسلمين أنهم يحفظون القران حفظا كونه حسب اعتقادهم منزل غير قابل للدراسة والنقاش لذا لا يعطون للارضية اهتماماً.

إلا أن دارسوا القرآن بحيادية يقولون جزء كبير من القرآن اعتمد على نصوص ومصادر يهودية ومسيحية، وخاصة المنتحلة منها، ولكن المصادر اليهودية تزيد بكثير عن المصادر المسيحية فضلا عن كتب أخرى حيكت حول أحكام وشخصيات وأحداث وأساطير نجدها في العهدين القديم والجديد وأيضا في القرآن. ومن أبرز اليهود الذبن اعتمد عليهم في المرويات الاسلامية هم:

كعب بن احبار 2- واهب بن منبه 3- عبد الله بن سلام

وإن أردنا أن نكون منصفين لقلنا إن الثقافة اليهودية والمسيحية والإسلامية مرتبطة بصورة وثيقة بالثقافات الدينية الشرقية التي سبقتها مثل الفرعونية والزردشتية والبابلية والأشورية والسومرية والمندائية والمانوية، ناهيك عن المعتقدات والطقوس الوثنية التي كان يتبعها العرب قبل الإسلام، نذكر منها على سبيل المثال طقس الحج والطواف حول الكعبة.

فلا بد من معرفة كل تلك الروافد الشرقية حتى نفهم القرآن، بعيدين عن الهواجس الدينية والتطرف والمغالاة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول ان القرآن وكما هو في الانجيل والعهد القديم يحوي على خليط من المعتقدات التي سبقته وهذه الكتب تحاول اصلاح المجتمع بموجب ما يراه صاحبها، وكان محقاً الشيخ أحمد القبانجي، (وهو شيخ شيعي عراقي ينتمي إلى مدرسة العرفاء) حيث قال القرآن يعكس ثقافة النبي محمد، والنبي كان يجلس مع اليهود والنصارى وهو حتمًا سمع قصص الأنبياء لذا ووفقاً لكلام الشيخ أحمد القبانجي، فإن القرآن هو نتاج ما سمعه الرسول محمد.

واستناداً الى طبيعة القرآن حصل جدال بين المدارس الاسلامية الفقهية إن كان القرآن مخلوق أو منزل، حيث ذهب البعض منهم كونه مخلوق من بينهم الحلاج وآخرون ويقال ذهب ضحية هذا الفكر ما لا يقل عن الف مجتهد تم قتلهم. وذهب بالبعض الاخر من بينهم المفكر السوداني محمود محمد طه – والذي كان أحد أساتذة الازهر والذي بنى فكرته في إصلاح المجتمع الإسلامي وإخراجه من جدل تقسيم القرآن إلى قسم مكي وقسم مدني، مطالبًا بالرجوع لقرآن وإسلام مكة المسالم وترك قرآن وإسلام المدينة العنيف الذي يخالف حقوق الإنسان كما في كتابه الشهير: (الرسالة الثانية من الإسلام). إلا ان دعوته هذه لاقت رفضًا تامًا من قِبَل الأزهر والهيئات الدينية الإسلامية الأخرى فحكمت عليه السلطات القضائية السودانية بشنقه في 1985.

وبطبيعة الحال، يرفض رجال الدين من المسلمين عامةً القول بأن القرآن ليس كلام لله ومنهم من اتهم احمد القبانجي بالزندقة.

الحالة الاجتماعية في الجزيرة العربية

كان العرب في الجزيرة يعيشون نوعين من الحياة وهي:

1- الحضر المتمثلة في المدن

2- البدو الرحل

وكانت القبائل العربية المنتشرة في شبه الجزيرة تشكل مجموعتين متنافستين وهما:

عرب الجنوب ـ- اليمنيون - ينتمون الى قحطان

عرب الشمال ـ- النزاريون - ينتمون الى اسماعيل

ثم تفرعوا الى عدة مجموعات من بينهم العدنانيون

الحالة السياسية في الجزيرة

كانت الجزيرة العربية تحيطها ثلاث امبراطوريات تحكم المنطقة وهي:

البيزنطية: التي كانت تسيطر على القسم الشمالي من الشرق، وكانت ديانتهم مسيحية كاثوليكية.

الفارسية: كانت تسيطر في الشرق وكانت تدين بالزرادشتية

الحبشية: في الجنوب وكانت تدين بالمسيحية الارثودكسية.

والصراع الدائر في المنطقة كان على الاغلب بين البيزنطيين والفرس، وكانت شبه الجزيرة العربية بعيدة عن هذه الصراعات عكس بلاد النهرين.

الحالة الدينية في الجزيرة

كانت تهيمن على الجزيرة اشكال متنوعة من الوثنية الشرقية المرتكزة على عبادة الشمس والقمر والكواكب، ثم تطورت الى عبادة القوى الخفية المتمثلة بالحجارة التي ترمز الى آلهتِها، وأصبح الحجر الأسود كعلامة للحفاظ على الوحدة بين القبائل المختلفة وشعورهم بالانتماء الى عرق مشترك. فضلا عن المسيحية واليهودية.

في البداية حاول اليهود ان يقضوا على الوثنية والمسيحية في الجزيرة من خلال جاليات يهودية نشطة انتشرت في خيبر وتيماء واليمن ونجران. الا انهم عجزوا عن ذلك مما دفههم للاعتماد على المسلمين لتحقيق مآربهم لذا في البداية احتظنوا المسلمين ودعموهم.

المراكز المهمة في الجزيرة

كانت في الجزيرة العديد من المراكز المهمة وهي:

اليمن: كانت ديانة اهل اليمن يهودية في البداية وكان أميرها من المتعصبين إلا أن المسيحية دخلت اليمن في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. البعض يعتقد انها جاءت من الحبشة وآخرون يعتقدون أنها جاءت من سوريا وبلاد النهرين إلا أنها لم تصبح قط كنيسة منتظمة تشمل جميع القبائل العربية. واللغة السائدة في الكنيسة اليمنية يقال كانت السريانية.

بعد ذلك احتل الفرس اليمن مما ادى الى تغلغل الفكر النسطوري فيها.

نجران: كانت تدين بالمسيحية ومن اتباع الفكر النسطوري، دخلت المسيحية اليها من بلاد النهرين وبلاد فارس. بعد ذلك زحف اليها مسيحيوا المناطق البيزنطية أي المونوفيزيين (الجماعة التي كانت تؤمن بالطبيعة الواحدة للمسيح)، نتيجة للاضطهاد الذي شنه الامبراطور يوستينس الاول (518-527) ويوستنيانس (527-565) فاصبحت المونوفيزية هو المذهب السائد في نجران، الا ان المسيحية تعرضت الى اضطهاد من قبل والي اليمن ذو نواس (ملك الحميريين) اليهودي ويقال انه قتل 20000 مسيحي من مسيحيوا اليمن ونجران، وجاء ذكرهم في الاية 85/4 من سورة البروج باسم اصحاب الاخدود كما تقول الاية:

(قتل اصحاب الاخدود)

وكانت نجران جالية يهودية نشطة.

الحجاز: كانت اغلب مناطق حجاز مسيحية وقد حضر اسقفها مجمع نيقيه عام 325م ومن مدنها:

ايلة (عقبة)، دومة الجندل، وادي القرى، تيماء، تبوك، عمان، قطر، جزيرة البحرين، كويت، حضرموت (دخلتها المسيحية قبل الاسلام).

يثرب (المدينة): كانت شبه مستعمرة يهودية (رغم ورود في تقويم قديم للكنيسة الشرقية، انهم أقاموا في يثرب مطرانا وكان لهم ثلاث كنائس)، كما فرضوا سيطرتهم على خيبر وفدك.

المكة: كانت تحكمها قريش، وكانت مركزا تجاريا مهما، حيث كانت تتعايش جماعات عرقية ودينية مختلفة في المكة، أهمها العرب الوثنيون، والذين يذكرهم القرآن باسم المشركين أو الكفار، والأحناف. فيها الكعبة القريبة من بئر زمزم، وكانت تنتعش كحركة اقتصادية من القرن الثاني قبل الميلاد. ثم اصبحت مركزا دينيا مهما للبلاد العربية قبل وبعد الاسلام. وفي القرن السادس اصبحت الكعبة زاخرة بالاصنام، كل قبيلة وضعت فيها آلهتها.

والالهة الكبرى في الكعبة هي:

1- اللات - الشمس 2- العُزى - نجمة الصبح، 3- افروديت (مَناة - ابنة اللات، الهة السعادة)

حيث ورد ذكرهم في سورة النجم 53 (افرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى).

بعد ذلك تطورت الفكرة فاصبح هناك اله واحد يجمع هذه الالهة وهو الاله (هبل) الذي أبقاه الرسول محمد في حينه، وان عبارة (لا اله إلا الله) جاءت من فكرة سيطرة الاله الأوحد الذي كان هبل في البداية ومن ثم سيطرة إلاه ابراهيم على الالهة الحجرية الموجودة في الكعبة.

وكان هناك ايضا أتباع الديانة اليهودية، وطوائف مسيحية منها من كان يؤمن بألوهية المسيح كأهل نجران، أو من كان يرى فيه نبيًا بشريًا مثل الطائفة التي مثلها القس ورقة بن نوفل، وخديجة التي تزوجها محمد على مذهبهم، وسماهم القرآن جميعهم بـ (النصارى).

ووفقا للمصادر الإسلامية، ولد الرسول محمد حوالي سنة 570 في مكة (المذكورة في القرآن باسم أم القرى)، وهي مدينة تجارية في شبه الجزيرة العربية وفي حوالي عام 610، بدأ بتلقي رسالته من الملاك جبريل كما تذهب المصادر الاسلامية، وهي الظاهرة التي سميت بنزول الوحي. وأمام اضطهاد أهل قبيلته ومدينته بسبب مواقفه الدينية المتشددة، هاجر عام 622 مع بعض رفاقه إلى يثرب، مدينة خواله بني النجار من الخزرج، والتي أصبحت تدعى المدينة. وكانت هذه بداية التقويم الهجري الموافق سنة 622 الذي يقابل أول يوم من شهر محرم.

وقد عاد محمد إلى مكة عام 630 على رأس جيش ففتحها وأخضعها لسلطته. وتوفي في المدينة عام 632.

وكانت هناك منافسة شديدة بين المكة والمدينة، فبالرغم من ان أهل مكة هم عدنانيون وأهل مدينة هم قحطانيون، كان غالبية أهل مدينة يهود والمكة مزيج من الوثنيين والمسيحيين، مما دفع أهل المدينة لمساعدة الرسول محمد من أجل القضاء على مكة وأصنامها.

وكان للمسيحيين في مكة دور هام تجاه طبقات المجتمع القريشي كلها، ولكنهم لم يكونوا منتظمين، ولم يكن لهم مؤسسات فاعلة خاصة بهم فكانوا ينتمون الى أصول عديدة منتشرين بين جميع الطبقات القريشية، (أحباش، اقباط، تجار من نجران، ورعايا من الحيرة والمناذرة والغساسنة وأنباط سوريا، فضلا عن جماعة من علية القوم الذين اعتنقوا المسيحية امثال عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل) هؤلاء جاءوا من مختلف الاماكن، يمارسون عدة مهن، الا انهم لا يملكون مؤسسة كنسية او سياسية تنظم امورهم الدينية ـ عكس اليهود.

وكانت المسيحية كما يقول الاب الحداد الرومي في كتابه القرآن والكتاب ص988-989 (كانت المسيحية في مكة هي المونوفيزية السائدة في اليمن والحبشة وفي دولة الغساسنة وفي مشارف الشام كلها).

فكانوا يمتزجون بالعرب الوثنيين في مكة حول الكعبة، كانوا يجتمعون عند الكعبة اسوة بالآخرين، الى حد كان بعض الشعراء المسيحيين من امثال عدي بن يزيد والاعشى، يقسمون أمام الحجر الاسود في آن واحد كقولهم (برب الكعبة والصليب). كان الجميع حتى اليهود يكرمون الحجر الاسود (اليهود يرجعونه الى جدهم ابراهيم الخليل). الا ان الرسول محمد بعد ذلك منع لغير المسلمين دخول الكعبة. ومن الجدير بالذكر بأن محمد كسر جميع الأصنام باستثناء الحجر الاسود.

وكان المسيحيون في الكثير من الاحيان يتجادلون فيما بينهم (أصحاب المذهب النسطوري ضد المونوفيزي، الملكيون ضد أتباع أفسس وخلقدونية، بالاضافة الى شيع يهودية مسيحية).

فقد أدت النزاعات والجدالات القائمة بين أصحاب هذه المذاهب المسيحية وعدم وجود رئاسة دينية موحدة قادرة على سبك العرب في الجزيرة في قالب مؤسسات كنسية واجتماعية منتظمة الى جعل المسيحية في حالة ضعف وعجز. والمشكلة الاخرى هي ان العقلية العربية لم تكن مهيئة وقادرة لاستيعاب هذه الجدالات المعقدة حول طبيعة المسيح.

بمعنى اخر ان المسيحية لم تستطع ان ترسخ بعمق في نفوس عرب الجزيرة فكانت مسيحيتهم سطحية وضحلة.

والحاقا لما قاله الاب حداد الرومي وما يؤكده الاب البير أبونا كان من بين الذين جاءوا الى الجزيرة اصحاب النظريات المتطرفة والمرفوضة من قبل رؤساء الكنيسة والمؤمنين مما حذا بمسؤولي الكنيسة، سواء اكانوا من اتباع نسطورس او قورلس ومن الذين يسكنون بلاد الرافدين او بزنطية، بنفيهم الى خارج ديارهم فكانوا على الاغلب يقصدون شبه الجزيرة، لذا انتشرت في الجزيرة بدع باسم المسيحية وهي مرفوضة ضمن تعاليم الكنيسة من بينها البدعة القائلة (الله، مريم، المسيح) هم الثالوث المقدس بدلا من (الاب والابن والروح القدس) وبدعة اخرى تقول (ان مريم العذراء هي إلاهة وان الله اتخذ منها صاحبة فانجبا المسيح) وهذه البدعة ترفضها جميع الكنائس الشرقية والغربية والاسلام وبدعة الغنوسيون الذين انكروا فكرة التجسد بالمعنى المتداول بين المسيحيين.

فتقول الاية المدنية 73 من سورة المائدة:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

جاء ذكر اصحاب هذه البدع ضمن كتابات احمد المقريزي في كتابه (القول الابريزي ص26) وابن حزم في كتابه (الملل والاهواء والنحل ص48)، واصحاب هذه البدع كانوا في السابق وثنيين فعوضوا بآلهة الزهرة بمريم، فجاءت الاية 116-118 من سورة المائدة (مدنية) كرد فعل لذلك:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

نقاط الخلاف والتقارب بين الانجيل والقرآن

اولا:التقارب

الولادة:

تقول الاية 91 من سورة الانبياء (مكية):

(ومريم ابنة عمران التي احضنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القائلين)

وهناك عدة تفاسير في عملية النفخ منهم من قال (ان النفخ كان من الله) واخرون قالوا (النافخ هو جبريل) إلا ان الطرفين أجتمعا على ان النفخ كان في عيسى، لان عيسى كان في بطن امه.كما تقول الاية 45 في سورة ال عمران:

﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾

وهذا ما تؤكده الاية 19-20 من سورة مريم (مكية) بقولها:

(إنما انا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا، قالت أنى يكون لي غلام ولم أكن بغيا، قال كذلك قال ربك هو على حين ولنجعله اية للناس ورحمة منا وكان امرا مقضيا).

وقال المفسرون عن:

الزكي: الطاهر من الذنوب، أي النزاهة والطهارة

اية للناس ورحمة: بمعنى ولد من غير ذكر

وهذا يتفق مع الانجيل من حيث النفخ أي حلت روح القدس على مريم وهذا ما يؤكده الحوار الدائر بين مريم والملاك جبرائيل.

كما ان الاية 171 من سورة النساء (مدنية) تؤكد كون المسيح مؤيدا بالروح القدس حيث تقول الاية:

(المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله..)

لروح القدس عدة تفسيرات عند علماء الاسلام نكتفي بتفسير ابن العباس ربما هو الاصح والاقرب الى مفهوم الانجيل، حيث يقول:

انه الروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله، فهو اذن روح الله

رفعه عند وفاته

تقول الاية 55 من سورة ال عمران (مدنية):

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

هذا يعني ان المسيح قام وصعد الى عند الله بعد الوفاة مثلما يذهب الانجيل.

المعجزات

تقول الاية 110 – 111 من سورة المائدة (مدنية):

﴿اذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾

كذلك ان القرآن يتفق مع ما ذهب اليه الانجيل من قدرة المسيح على احياء الموتى وشفاء الاكمة والابرص و.. فجاءت الاية 48- 49 من سورة ال عمران (مدنية) تأكيدا على ذلك، فتقول الاية:

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

الا ان القرآن يذهب الى ابعد من ذلك من حيث قدرة المسيح على النطق عند الولادة كما في الاية 29-30 من سورة مريم (مكية):

(فاشارت اليه قالوا كيف تكلم من كان في المهد صبيا، قال اني عبد الله اعطاني الكتاب وجعلني نبيا)

وكذلك من حيث العلم بالغيب كما تقول الاية 49 من سورة ال عمران (مدنية):

(وانبئكم بما تاكلون وما تدخرون في بيوتكم)

هاتين الايتين تؤكدان نبوءة المسيح

التكثير

يتفق الانجيل والقرآن على قدرة المسيح على تكثير الخبز عندما قال الحواريون للمسيح ان ينزل عليهم مائدة من السماء فجاءت الاية 112-113 من سورة المائدة (مدنية):

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾

وكذلك الاية 253 من سورة البقرة (مدنية) تؤكد كون المسيح مؤيدا بالروح القدس فضلا عن قيامه بالعجائب. تقول الاية:

(واتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القدس)

وهذه الآية لها علاقة بما كان يدور من نقاش بين الفرق المسيحية ان كانت مريم أم المسيح أم أم الله.

ثانيا: نقاط الخلاف

البنوة: رغم ان القران يتفق مع الانجيل كون المسيح هو روح الله وكلمته حلت على مريم فولد المسيح، ويذهب المسيحيون على ان المسيح هو ابن الله من حيث الروح، اعني الروح القدس الا ان بعض البدع التي ظهرت في الجزيرة شوهت الصورة وكأن المسيحية تريد ان تقول ابن الله جسديا في الوقت الذي يؤكد الانجيل على ان الله واحد لم يلد ولم يولد.. فجاءت بعض الايات معارضة لهذه البدع لا الانجيل.

قبل كل شئ علينا ان نعي ليس في عبارة (ابن الله) أي تضمين جسدي على الاطلاق في المسيحية، فلا اشارة الى ان الله اتخذ زوجة، واولد منها ابنا، هذه العبارة (ابن الله جسديا) جاءت لدى اصحاب بعض البدع، فرفضتها المسيحية رفضا قاطعا، لان المسيحية تؤمن من خلال الانجيل ورسائل الرسل وتعاليمهم، ان الله واحد، هو روح لا جسد له، لم يلد ولم يولد، فعبارة ابن في المسيحية لا تشير الى علاقة جسدية بل روحية، وهي تشير مع مفهوم الكلمة بخط متواز (في البدء كان الكلمة..) علينا أن نفهم شخصية المسيح كونه الانسان المولود من إمراة وفي الوقت ذاته كونه ابن الله روحيا أي من خلال الروح القدس، لانه من الله، كلمة الله وروحه المولود بقوة روح القدس وهذا لا خلاف فيه بين المسيحية والاسلام.

فالاية 35 من سورة مريم (مكية):

(ما كان لله ان يتخذ من ولد سبحانه اذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون)

وكذلك الاية 101 من سورة الانعام (مكية):

(انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)

جاءت معارضة لهذه البدع لا للمسيحية. لان القرآن يقر بان المسيح هو كلمة الله وهو روح منه، الا ان هذه الايات وغيرها تعاملت مع البنوة على اساس مادي. فعلى سبيل المثال ان البيضاني يفسر الاية 101 من سورة الانعام (مكية) بقوله:

(ان المعقول من الولد هو ما يتولد من ذكر وانثى متجانسين والله تعالى منزه من التجانس.)

من المؤكد ان البدعة القائلة ان مريم العذراء الهة، وان الله اتخذ منها صاحبة وغيرها من البدع كانت السبب في ظهور هذه الاية. وكذلك الاية 75 من سورة المائدة:

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.

لاهوت المسيح:

ايضا يختلف القرآن والانجيل في مفهوم لاهوت المسيح، حيث يؤمن المسيحيون بالوهية المسيح كونه روح الله وكلمته كما يتفق الانجيل والقرآن بذلك، الا ان القرآن في بعض اياته كالتي سنذكرها يتعامل مع الموضوع من كون المسيح انسان والله روح. فتقول الاية 72 من سورة المائدة (مدنية) ما نصه:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾

رغم ان الانجيل يؤكد وعلى لسان المسيح كل ما يفعله هي من ارادة الله.

وكذلك الاية 73 من سورة المائدة (مدنية) تقول:

(لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله إلا واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمس الذين كفروا منهم عذاب أليم)

وكذلك في الاية 116 من سورة المائدة (مدنية):

(وقال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس إتخذوني وامي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما نفسي ولا اعلم ما في نفسك إنك انت علام الغيوب)

وكذلك في الاية 171 من سورة النساء (مدنية):

(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله اله واحد)

من المؤكد ان هذه الايات جاءت مصححة ومعارضة لاهل البدع الذين رفضتهم الكنيسة فالتجأوا الى الجزيرة كي يبشروا بمعتقداتهم فرفضتهم الاسلام واليهودية.

ناسوت المسيح:

ان كانت المسيحية نفسها وبعد عدة قرون من التنظيم والتبشير قد دخلت دوامة الجدالات فيما يخص ناسوت المسيح الذي كان في مقدمة الاسباب للانشقاق فكيف في شبه الجزيرة (مكة والمدينة) وحيث المسيحية غير منضمة وبلا مؤسسات ومدارس والبدع منتشرة هنا وهناك، فجاءت الايات لمحاربة هذه البدع اولا ومفهوم الاقنوم وشخص المسيح ان كان قد ولد انسانا وتأله بعد مماته وانبعاثه او منذ ولادته وهذا كان من بين الجدالات التي شهدتها المجامع الكنيسة والتي أدت بهم الى الانشقاق فضلا عن المفهوم اليهودي للمسيح.

فالاية 30-34 من سورة مريم (مكية) تقول:

(اني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا).

أي ان المسيح ولد انسانا نبيا متواضعا مباركا ولم يكن انسانا شقيا كما صوره حديثا نيتشه وبرنادشو وغيرهم من فلاسفة القرن العشرين بانه كريندايزر. وان عبارة عبدي التي وردت في الاية هي نفسها التي ترد في لغة الانبياء كاشعيا مثلا (هوذا عبدي يعقل يتعال ويرتقى ـ اشعيا 52-53). وفي لقاء اهل نجران بمحمد جاء في الحديث على ان المسيح هو عبد الله فقالوا له هل يستطيع العبد ان يفعل العجائب؟

وكذا الحال في الاية 59 من سورة ال عمران (مدنية) حيث تقول الاية:

(ان مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون).

هذا يعني ان النص تعامل مع المسيح كانسان من لحم ودم مجرد من هذه النفحة التي جاءت في الايات التي ذكرناها سابقا من ان المسيح هو روح الله وكلمته ولم يرد اسم ادم بهذه الآيات لذا، فالمسيح لا يمكن ان يكون مثل آدم.

الفلسفة الاسلامية تعتمد على برهان الطعام ـ طالما ان المسيح يأكل ويشرب هذا يعني انه ليس اله ـ وكذلك على برهان المنفعة والضرر ـ طالما ان المسيح لا يستطيع ايقاع الضرر بمن كانوا يعادونه (اليهود مثلا) او ايصال النفع لمن كانوا يحبونه اذن هو ليس اله ـ كما جاء في الاية 76 من سورة المائدة (مدنية):

(قل اتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضررا ولا نفعا والله هو السميع العليم).

وهكذا في الاية 57 من سورة المائدة:

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾

متناسين ان مفهوم المسيح والمسيحية يعتمد على نظرية العطاء والحب، الله محبة، من احبني احب الله، من لطمك على خدك الايمن فدر له الايسر، كلما اجتمع اثنان كنت ثالثهم..

الصلب:

يعارض الاسلام مفهوم الصلب عند المسيحيين من خلال الاية 157 من سورة النساء (مدنية):

(وقولهم أنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الضن وما قتلوه يقينا)

وياتي تفسير الجلالين للاية:

وكان اليهود هم الذين زعموا بذلك (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) قال تعالى تكذيبا لهم في قتله (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) المقتول والمصلوب وهو صاحبهم بعيسى، أي ألقى الله عليه شبهه فظنوه إياه (وإن الذين اختلفوا فيه) أي في عيسى (لفي شك منه) من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به وقال آخرون بل هو هو (ما لهم به) بقتله (من علم إلا اتباع الظن) استثناء منقطع، أي يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه (وما قتلوه يقينا) حال مؤكدة لنفي القتل.

وقوله في الاية 155-158 من سورة النساء:

﴿بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

الاية جاءت انسجاما مع ما ذهب اليه بدعة الغنوسيين الذين انكروا[6] فكرة التجسد بالمعنى المتداول بين جمهرة المسيحيين. فهؤلاء اقروا لاهوت المسيح ولم يعترفوا بناسوته. وقد قالوا ان المسيح ظهر في هيئة انسان، دون ان تكون له حقيقة جسد الانسان. وانه لم يولد، ولم يتألم، ولم يمت بالحقيقة. لان جسده كان طيفا او خيالا، تراءى. قال فريق منهم ان جسد المسيح لم يكن ماديا كباقي اجساد الناس، ولكنه كان من جوهر خاص سماوي.

خلاصة القول:

ان الاختلاف الحاصل بين مفسري الانجيل والقرآن في فكرة الثالوث جاء كنتيجة للجدالات الحاصلة بين اصحاب المذاهب الكنسية في تفسير بعض المفاهيم اليونانية الاصل كالاقنوم والشخص والمفاهيم الاخرى فضلا عن قصر لدى المفسرين من الاسلام، الا ان هذه الفكرة صححت لدى بعض المعاصرين من فلاسفة الاسلام، حيث اتفقوا على ان عقيدة الثالوث لا تتعارض مع فكرة التوحيد، فليست الصيغة (الاب والابن والروح القدس) عبارة عددية بل انها تشير الى شكل وجود الله، فالله واحد بفكره الخلاق وكلمته المنطوقة وروحه الفعال. فليس باستطاعتنا فصل الله عن كلمته أو ابنه (المسيح) وروحه (روح القدس)[7].

***

نزار حنا الديراني – ملبورن - أستراليا

....................

المصادر

1- شخصية المسيح في الانجيل والقرآن، عبد الفادي، دار الهداية.

2- الانجيل ـ قراءة شرقية / اعداد نخبة من المختصين، دار الجيل ـ بيروت 2004

3- تاريخ الكنيسة الشرقية / البير ابونا

4- محاضرات في الدورة اللاهوتية

5- القطر البحري / بنيامين حداد، منشورات مركز جبرائيل دنبو 2006

[6] شخصية المسيح في الانجيل والقرآن / عبد الفادي ص42

[7] الانجيل ـ قراءة صوفية / اعداد نخبة من المختصين / دار الجيل ـ بيروت 2004

 

أولا:  مصير الطفل بين قوة النسب وعقيدته الدينية

إن الإسلام لا يسلب الطفل نسبته النسلية الأسرية بسبب اعتبار نسبته الروحية أو الدينية، وإنما يبقى الحق للوالد في ولده رغم أنه غير مسلم والتقط في بلد الإسلام، طالما أنه قد ثبتت لديه هذه النسبة بالبينة المعتبرة شرعا، ولم يكن التأثير للنسب الروحي والعقدي إلا في مرحلة يكون الطفل قد بلغ فيها سن التمييز وحدد موقفه من الدين إيجابا أو سلبا، فحينئذ قد يحكم له بنسبته إلى أبيه رغم كفره .

لكنه من حيث النسب الديني يعتبر حسب تصريحه بنوع عقيدته عند مرحلة التمييز والإفصاح، كما يقول الإمام مالك في المسلم يلتقط اللقيط فيدعي الذمي أنه ابنه: "قلت أرأيت اللقيط من أقام عليه بينة أيقضي له بهن وإن كان في يدي مسلم فأقام ذمي البينة من المسلمين أنه ابنه أتقضي به لهذا الذمي وتجعله نصرانيا في قول مالك؟قال: قال مالك في اللقيط يدعيه رجل أن ذلك لا يقبل منه إلا ببينة أو يكون رجل قد عرف أنه لا يعيش له فيزعم أنه فعله لذلك، قال ابن القاسم: فإن من الناس من فعل ذلك، فإذا عرف ذلك منه رأيت القول قوله وإن لم يعرف ذلك منه لم يلحق به، فإذا أقام البينة عدولا من المسلمين فهذا أحرى أن يلحق به نصرانيا كان أو غيره .

قلت: فما يكون الولد إذا قضيت به للنصراني وألحقته به مسلما أم نصرانيا ؟قال: إن كان قد عقل الإسلام وأسلم في يد المسلم فهو مسلم...وإن كان لم يعقل الإسلام قضى به لأبيه وكان على دينه"1.

إذن فهناك مسألتان متكاملتان ومنفصلتان في آن واحد ألا وهما النسب الأسري والنسب الديني، فالنسب الأسري المحض لا يؤدي إلى النسب الديني ابتداء إلا إذا كان مبنيا على أسس شرعية إسلامية إذ"كل مولود يولد على الفطرة"وحيث إن الإسلام دين الفطرة فالمولود يكون عليه أصلا وتبعا.

أما إذا كان النسب الأسري غير مبني على الإسلام فإنه لا يعطي النسب الديني حكما ظاهريا مادام الطفل لم يعبر عن نفسه، وما دام تحت ولاية أبويه الكافرين سواء كانا ممن يعتبرون أهل الكتاب أو غيرهم من الملحدين والمشركين، لأن النسب الأسري حينئذ يكون هو الحاكم على وضعية الطفل في كلا المسألتين وهما: النسب النسْلي والنسب الديني أو الروحي، ومن هنا فلم يكن الإسلام أبدا سالبا للنسب بسبب الانتماء الديني وإنما يحفظه بحسب الارتباط الغريزي للفرع بأصله .

لكن حينما يعبر الطفل عن إسلامه يحكم له بنسبه الديني مع الإبقاء على نسبه النسلي والأسري الغريزي رغم مخالفته لعقيدته . وليس الشأن كما هو في الزواج، أي أن اختلاف الدين أو العقيدة يفرقه أو يفسخه إذا كان أحد الزوجين مسلما والآخر كافرا وخاصة الزوج فيما سبق وقسمنا فقها.

فهذه المسألة قد تجرنا إلى البحث عن مصير أبناء المشركين من حيث الحكم ومن حيث موقعهم في العالم الأخروي وهل هم من أهل السعادة أم من أهل الشقاء؟ بحيث قد يغلب على الحكم أنهم من أهل السعادة رغم كفر آبائهم وأمهاتهم إذا توفوا في مرحلة ما قبل التمييز أو التكليف، وذلك من خلال النصوص القرآنية والحديثية الخاصة بهذا الموضوع: "عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين"2 "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا يا رسول الله أفريت من يموت وهو صغير ؟قال:  الله أعلم بما كانوا عاملين ".

ثانيا: حماية النمو والنشأة من لوازم حفظ النسب

كما أن حماية نسب اللقيط تتبعها ضرورة حماية نموه ونشأته وتربيته وكذلك تعويضه عما فقده من والديه أو أمه المتخلية عنه، فيكون لابد من إيجاد جو أسري متكامل يقوم فيه الأفراد المتولون تربيته مقام الوالدين الحقيقيين، وهذا النوع من التبني الذي قد يصطلح عليه بتبني الجزاء أو التنزيل منزلة الولد، وهو غير مؤثر على النسب الأصلي الأسري من حيث السلب أو القطع كما أنه غير معطي له جزافا إلا ببينة شرعية تثبته كما سبق وبينا. إذ حكم التبني قد ألغته الشريعة الإسلامية نصا وتطبيقا عمليا حتى لا يؤثر النسب المصطنع أو المفتعل في تحدي العلاقات الأسرية وتوهم المحرمية من غيرها بمجرد الدعوى .

فالحقيقة حقيقة و المواضعة مواضعة، ولا يمكن للتوظيف اللفظي المحض أو التنزيل أن يلغي الحقيقة الرحمية أو يعطيها بأي وجه كان، وإنما-كما سبق وبينا- يبقى الإسلام هو النسب الجامع للمجتمع على قاعدة التوحيد والمعوض عن كل نقص، وذلك من خلال الضوابط العقدية والنفسية والأخلاقية وأيضا التشريعية والقضائية مجتمعة.

من هنا لو فتح المجال لإعطاء النسب لمجهوله جزافا وبمجرد دعوى العاطفة المحضة فإنه سيصبح ذريعة لإهداره والعمل على تضييعه بوهم استدراكه بالتبنيات أو الإلحاقات من خلال الحمل غير الشرعي وإتباعه بالتبني أو بالزواج لتغطيته بدعوى ستر الفضيحة، لكن قد يصبح العكس هو المتفاقم ألا وهو شيوع الفضائح الجنسية وغياب التحرج من الزنا وما يترتب عنها من حمل غير شرعي، وبتالي طغيان ظاهرة اللقطاء مما هو ليس في صالح الطفل ولا الأسرة ولا المجتمع.

كما أن تخصيص الملاجئ لعلاج المشكلة لا يزيدها إلا استشراء وتعقدا، لأنها تكون بمثابة تشجيع ضمني على التمادي في الخطيئة وإيداع الأطفال غير الشرعيين فيها كإخفاء وتملص من المسؤولية على حساب الطفل البريء ؛الذي قد يدور عليه نفس الدور في تسلسل الخطيئة من الأصل إلى الفرع ثم إلى الشيوع في الأجواء والساحات العامة!.

لكن أعظم علاج و حل لحماية الطفل هو ما نص الشرع على اتباعه عمليا وسلوكيا وقضائيا، كما قد نجد في موضوع وحدة النسب الأسري الخاص والنسب الديني العام وأوجه التكامل بين الجانبين على قاعدة شرعية وتربوية ونفسية وعقدية مع إلغاء التبني في قول الله تعالى: "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما، النبيء أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، كان ذلك في الكتاب مسطورا"3.

عن الحد الفاصل في تحديد النسب واستحقاقه يقول النبي صلى الله عليه وسلم:  "الولد للفراش وللعاهر الحجر"4 .

فلننظر في ضوابط الفراش وأنواعه قوة وضعفا وبتالي واقع الطفل والمرأة بين ظروفه وأحواله الزمانية والمكانية، واللفظية والنفسية والاجتماعية..

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المغرب، وجدة

....................

1- الإمام مالك: المدونة الكبرى، ج3، ص 337.

2- رواه البخاري في كتاب القدر

3- سورة الأحزاب، آية 4-6

4- رواه مالك والبخاري

1) من الممكن القول بأن السفه قد يكون عرضيا ومرضيا وجنسيا. وهي أنواع كلها قد حدد القرآن الكريم طريقة التعامل معها ودلل عليها بكل دقة وعناية. إذ فيما يخص السفه العرضي فهو الذي  يمر به كل الناس في مراحل حياتهم الطفولية إلى غاية بلوغ سن التمييز الكامل وهو  بلوغ الرشد.

وهذا النوع من السفه يمكن تحديد مستوى امتداده من خلال الاختبار والابتلاء والتجربة، حتى إذا تبين أن الشخص قد اجتاز مرحلة السفه المالي،  بعد ذلك يسلم له المال كشخص كامل الأهلية ومسئول عن تصرفاته الإرادية.

بحيث عند هذا الاختبار سيتبين هل هذا السفه الظاهر على هذا الشخص هو سفه عرضي سليم أم أنه سفه مرضي قد يحتاج معه إلى تحديد التحجير والمراقبة والترشيد المستمر.

ولقد ورد في القران الكريم الجمع بين السفه المرضي والعرضي وطرق التعامل معه لتفادي آثاره كوسائل علاجية نفسية ناجعة،  قد تميزت بنوعين من التعامل وهما: منع التصرف الكلي في حالة المرضي والاختبار الجزئي في حالة العرضي، وذلك في قول الله تعالى:"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا"1.  و"وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا.  ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف،  فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا "2.

هذه الآيات قد تؤسس لنا أعظم مدرسة نفسية لسبر الواقع النفسي للإنسان ومستوى انضباطه أو عدمه،  وذلك في طريق الاختبار العملي المعملي اللائق بالتصرف الإنساني وليس بالحيواني أو الحشري وما إلى ذلك، لأن نفس الإنسان لها ارتباط غريزي بالجانب المالي الذي قد يلازمه في مراحل حياته حتى يصبح إحدى عناصر تكوينه النفسي التي لا يستطيع إسقاطها من حساباته.

وهذا ما يؤكده الحديث النبوي الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكبر ابن أدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر"3.

2)  فإذا كانت هذه الملازمة المالية للحالة النفسية عند الإنسان لها هذا الحضور المكثف على مستوى الحب والحرص، فإن تبذير المال والتصرف فيه على مستوى السفه هو في الحقيقة إهدار لغريزة نفسية راسخة لديه بدون مقابل مناسب، ألا وهي غريزة البقاء.

ويتجلى إعجاز الحديث النبوي وبلاغته الجامعة في التأسيس لذلك حينما ربط بين حب المال وطول العمر، وهذا هو عين غريزة البقاء بكل عناصرها،  وإذا اختلت هذه الغريزة عند الإنسان فإن أجلى مظاهرها قد تتحدد في التصرف المالي الذي هو عصب الحياة ووسيلة استمرارها.

من هنا فلقد كان السفه من ضمن أعراض النفس الأمارة بالسوء،  المؤدي إلى الهلاك عن طريق الاستهلاك غير المرشد لإحدى الغريزتين وهما:غريزة البقاء وغريزة النوع،  وأصل النوع البقاء.

إذن، فالحرص المالي غريزة نفسية سليمة لكن مخالفتها مؤدي إلى داء نفسي قد يعالج بنفس المادة الاختبارية التي يعتمد عليها في ضمان البقاء.

ولهذا فبالرغم  من وجود المال والغنى إلا أن السفه قد يكون دائما مؤديا إلى الفقر طالما لم تكن لديه اعتمادات نفسية سليمة مؤسسة على الاختبار القرآني الميداني، الذي من خلاله يمكن إصلاح النفس والحد من جموحها في تبذير طاقاتها وممتلكاتها.

كما نجد لذلك دلالة في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"،  وكذلك الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"4.

فالنفس الأمارة بالسوء إذا لم تختبر ولم تجاهد فهي بالضرورة ستؤدي إلى السفه والطيش، لأنه إذا توفر المال توفر السرف والتبذير وإهلاك مادة الحياة للبقاء، وإذا توفرت القوة والصرعة توفر البطش والفتك وإهلاك الجنس المفيد للنوع والضامن لاستمراريته.

والبقاء والنوع شرطان متلازمان:فلا البقاء يكون بدون نوع ولا النوع يستمر بدون بقاء، وضبط النفس والحد من تأمرها هو الضامن لسلامة البقاء والنوع.

إذ كما سبق أن قلنا: فإن السفه النفسي ذي الارتباط المادي والاجتماعي مستدرك وقابل للعلاج والمراقبة والضبط، لأن آثاره ظاهرية وملموسة، لكن الذي يبقى الأصعب للاحتواء والمراقبة والاختبار هو السفه ذو الارتباط العقدي، وذلك لأنه تبذير للتصور وطيش في الإدراك لغاية التناقض الكلي وقلب المفاهيم قلبا يستحيل معه الترشيد أو التبصير.  وهذا ما يمكن اعتباره شبيها بمرض الألوان أو الصفراء التي تحيل الحلو مرا عند المذاق كما يقول الشاعر:

ومن يك ذا فم مر مريض  

 يجد مرا به الماء الزلالا

ولقد صور لنا القرآن هذه الظاهرة النفسية الخطيرة في قول الله تعالى:"وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنومن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون".

هذه الآية قد توضح لنا مظاهر الإسقاط النفسي عند أهل السفه وتؤسس مبدأ "الناقص لا يري غيره سوى ناقص" على شكل المقايسة المغلوطة عند توهم المماثلة كما مر بنا.

فالسفيه لخفة وطيش عقله لا يرى نفسه سفيها، وإنما قد يسقط سفهه على غيره  كما دلت عليه الآية، وفي هذا الإسقاط يكون قد بلغ ذروة الخضوع للتأمر النفسي الذي يجعله أكثر انطوائية وذاتية دائرية لا يستطيع معها أن يرى نفسه في مرآة أخيه أو في مرآة الحقيقة المنصوبة أمام عينيه.

والأدهى من هذا هو أن السفيه قد لا يدرك في نفسه السفه كما دلت عليه الآية:"ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون"5.

وفي هذه الدلالة بعد آخر، وهو أن السفه النفسي سببه غياب العلم بالنفس، والعلم بالنفس أساسه الارتكاز العقدي كما سبق وقلنا. إذن، فالنفس قد تنضبط بالعلم، والعلم المحقق لهذا الانضباط لا يكون إلا بالعقيدة المتضمنة للمعرفة بالله خالق النفس وأعراضها.

ولهذا فقد كان السفه ذو الارتباط العقدي دليل النفاق كما نصت عليه الآيات المبينة لطبيعته وآثاره السلوكية والنفسية المرضية.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

وجدة،  المغرب

............................... 

1- سورة النساء آية 5

2- سورة النساء آية 6

3- رواه البخاري في كتاب الرقاق

4- رواه البخاري في كتاب الأدب

5- سورة البقرة آية 13

6 – الصهيونية الغربية والجماعات اليهودية:

من الملاحظ أن تاريخ الصهيونية الغربية تاريخ مركب إلى اقصى حد، تتداخل فيه العديد من العوامل الحضارية والاقتصادية والاجتماعية..

سنحاول أن نقف عند بعض مظاهر التشكلات الاجتماعية بغرض الإحاطة بمضمون دور الجماعات السياسي والتاريخي..

من المعلوم أن الشخصية اليهودية معقدة تدخل في تركيبها عناصر شتى جمعت في ظروف شديدة التنوع، وعبر مسافات شاسعة..

ان البحث عن العناصر المكونة للشخصية ينبغي ان يطال الكثير من العوامل التي لعبت دوراً في حياة الأشخاص والظواهر التي ساهمت في خلق الشخصية..

فجميع البحوث الاجتماعية والتاريخية و الانتروبولوجية  تؤكد أن الجماعات اليهودية ينتمون إلى عناصر بشرية تندمج فيها أجناس متباينة عبر عصور التاريخ المتطاولة. ودخل فيها المتهودون من كل الآفاق..[1].

لقد ثبت من شواهد التاريخ أن اليهود رحلوا إلى الشاطئ الشمالي من البحر الاسود في القرن الأول الميلادي، وكانوا في هذه الفترة متأثرين بالثقافة والعادات الاجتماعية والدينية المأخوذة من جيرانهم الهيلنيين .. ويؤكد المؤرخون على ان الكثير من اليهود الذين كانوا يقطنون في فلسطين قد وصلوا منذ ما قبل المسيح بقرون عديدة (بعد سقوط الهيكل الأول في القرن السادس ق م) إلى شواطئ روسيا وانتشروا عبر منطقة القوقاز ووفقا للأدلة التاريخية فإن جماعة يهودية استقرت في جورجيا حوالي عام 132 ق م، وفي مرحلة متأخرة ظهرت جماعات يهودية في أجزاء من روسيا كما استقروا في كيف و لوتسنيا حوالي القرن الثامن الميلادي.. وفي بداية القرن الخامس عشر كانت جماعات يهودية في منطقة بيلوروسيا..، وأكبر هجرة في تاريخ اليهود حدثت في شرق أوروبا وفي غرب أوروبا في اتجاه ألمانيا. وهناك ادلة على وجود اليهود على ضفاف الرين إلى عصر الإمبراطورية الرومانية.

وبتأثير من الحروب الصليبية هاجر عشرات الآلاف من الأسر من غرب أوروبا إلى شرقها.. وتوالت موجات الهجرة إلى بولندا..

واعتبارا من القرن السادس عشر تجددت حياة يهود غرب أوروبا حيث وجدوا وطنا آمنا في شرقها.. وقد أعطيت لهم الامتيازات الممنوحة التي شملت الحريات والحرية الدينية والإقرار بالحكم الذاتي الطائفي، مما أنعش حياتهم لدرجة لم تكن متاحة لهم في غرب أوروبا..[2].

وهكذا تم إطلاق مصطلح (الدياسبورا Diaspora) و الشتات للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي تعيش مشتتة بين الشعوب في أرجاء الأرض.

والدياسبورا كلمة يونانية تعني الانتشار. كانت شائعة في العالم الهيليني والروماني. حيث كانت جماعة من التجار اليونانيين يؤسسون جماعتهم الصغيرة في المدن التي يستقرون فيها، يبنون فيها معابدهم وجميع مؤسسات حياتهم ونفس الشيء بالنسبة للسكان الذين يستوطنون المدن اليونانية. والكلمة تكون محايدة لان الانتشار تم بإرادة المنتشرين.. اما في الرؤية اليهودية فان عقيدة المنفى والعودة تعتبر محورية في النظر إلى التاريخ والكون.

وقد تركت أثرها العميق على الوجدان اليهودي، فأصبح المنفى جزءا من الخطاب الديني، والعودة دينيا أي التعلق الديني بالأرض المقدسة. والواقع أن أغلب اعضاء الجماعات اليهودية في العالم يرفضون مفهوم المنفى والعودة لأن حالة التهجير القسري الذي تعرض لها يهود المملكة الجنوبية حينما هجروا إلى بابل لا تنطبق عليهم..[3].

من أسباب ظاهرة الهجرة أو (الشتات) ان تحولت الجماعات اليهودية والمتهودة إلى جماعات وظيفية تعمل في التجارة واعمال الصرافة وبدأت بعض الجماعات تتحول إلى جماعات وظيفية استيطانية وقتالية.

وكانت القوى الامبراطورية الصاعدة. في حوض البحر المتوسط توظف الجماعات اليهودية لخدمة مخططاتها. فلم يعد هنالك مركز قومي. يحدد المعايير الدينية والقومية. وأصبحت الهويات تتشكل في الواقع من خلال التشكلات الحضارية.

وكان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية الإثنية الدينية الواحدة..[4].

ثمة ثلاث جماعات أساسية يؤمن أعضاؤها باليهودية أو يدورون في إطارها وهم السافرد والاشكناز والإسرائيليين..

مصطلح (السافرد) مأخوذ في الأصل من (سافرديم) استخدم للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا في اسبانيا والبرتغال ثم انتشروا بعد طردهم في بلدان العالم الإسلامي خاصة في سالونيك التركية وأصبح المصطلح اليهود الشرقي أو يهود العالم الإسلامي تمييزا لهم عن الاشكناز الذين يمثلون اليهود الغربيين.

كان السافرد في أول الأمر يتربعون على هرم الجماعات اليهودية، ظهر في صفوفهم عدد كبير من المفكرين والفلاسفة ورجال الدين. وكان السافرد ينظرون إلى الاشكناز نظرة متدنية. وحافظوا على مسافة فيما بينهم. فحرموا الزواج من الاشكناز. وحيث كانت توجد جماعات سافردية واشكنازية، كانت الجماعة السافردية تبسط هيمنتها اللغوية والثقافية والدينية..

لعب السافرد في معظم الأحيان دورا مهما في تطور الرأسمالية الغربية وبروز النظام الإقتصادي الحديث في حين كان الإشكناز اكثر إرتباطا بالنظام الربوي والإقتصاد التقليدي.

ولذا كانت المسألة اليهودية والمسألة الصهيونية اشكنازيتين بالدرجة الأولى نتيجة عجز الاشكناز عن الاندماج في حركة الحداثة الغربية.. منذ نهاية القرن السابع عشر. وبفعل تطورات عديدة في أوروبا اثرت على مركز سافرد، مما ادى إلى تراجعهم..

ونتيجة تزايد حجم التجارة الدولية لم يستطع رأس مال السافردي، بالإضافة إلى ظهور برجوازيات منافسة فضلا عن الحروب التي قطعت شبكة العلاقات بين المجموعات السافردية في أوروبا.

أما الاشكناز تختلف المصادر في تحديد أصل الكلمة وهي تعني في الاستخدام الحالي اليهود الغربيين وبخاصة ذوي الأصول الفرنسية والألمانية والبولونية الذين انتشروا في أوروبا خلال القرن السابع عشر وهاجرت ملايين منهم إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا في القرن التاسع عشر بعد تضخم النمو السكاني الذي حدث في صفوفهم.. وتوجه بعضهم إلى آسيا وإفريقيا مع حركة التوسع الاستعماري الأوروبي. ويشكل اليهود الغربيون نحو تسعين في المئة 90% من اليهود في العالم.

تنازع الاشكناز والسافرد على السيادة الثقافية والدينية، وانتهت الغلبة لصالح الاشكناز، حيث أصبحت معظم الحركات والمدارس الدينية اشكنازية كما أصبح معظم مشاهير اليهود في العالم من اليهود الاشكناز الغربيين، وكانت صبغة الاشكنازية غالبة على التوجه الصهيوني ومتصدرة له..[5].

- 7 -

الصهيونية والإستعمار

يجب أن نميز بين اليهودية كعقيدة دينية والصهيونية باعتبارها عقيدة سياسية، وحركة سياسية مرتبطة بالوعود التراتية وتابعة لقيام الدولة أو سقوطها في بيت "داود."

وكلمة "صهيون"لا اصل لها متفق عليه في اللغة العبرية.. ويرجح الشراح أنها عربية الأصل لها نظير في الحبشية، وتعني الصون والتحصين والحصون العالية في لغة الكنعانيين الذين سكنوا في أرض فلسطين قبل هجرة العبرانيين بمئات السنين..

والكلمة العبرية تأتي تارة بالسين (Sion) وتارة بالزاي(Zion) ، بعد السبي البابلي أصبح الحنين إلى صهيون رمزا للحنين إلى عودة المملكة الغابرة..[6].

وقد حولوا الوعود الإلهية في "أسفارهم" إلى دعوة سياسية.. وهكذا أصبح صهيون وعدا سياسيا، تابعا لمآرب الدولة ومآرب الهيكل الذي قام بجوارها، فلا شأن له بعقيد إبراهيم عليه السلام التي تشمل إمامة الناس جميعا..

لا يقر كهان الهيكل بعثت المسيح عليه السلام لأنه قال بأن أبناء إبراهيم الموعودون بالخلاص هم أبناؤه الروحيون أي الذين يؤمنون برسالته..

تفرق اليهود في عصر المسيح في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وآسيا، وينظرون إلى "أورشليم- بيت المقدس " نظرة تقديس لأنها مقر الهيكل المقدس..

إذن الصهيونية في العهد القديم لم تكن عقيدة دينية بل كانت نزعة سياسية..، ولما ذهب الأمل في نجاحها السياسي، انقطعت العلاقة بينها وبين معناها الجغرافي..[7].

ناهض المتدينون اليهود إنكار عودة المسيح المنتظر.. مما يعني الفصل بين الديني والسياسي.. والواقع أن الصهيونية هي وليدة السياسة ومآرب السياسيين، وجملة أسباب ظهور فكرة القومية ومطامع الإستعمار الأوروبي..

نشأت أول الأمر في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى، حيث بلغ اضطهاد اليهود أشده، في القرن التاسع عشر.. كما تم ربطها بالمسألة الشرقية..

إن القرن التاسع عشر عصر الثورة والإستعمار والصناعة الكبرى، ولكل صفة من هذه الصفات علاقة باليهودية الصهيونية فلا يخفى أن عصر الإستعمار بدأ بالتجارة وأن طريق الهند كان أهم الطرق التجارية في العالم القديم، ومن ثم كثر الإهتمام بفلسطين، ومصر..، وارتفع صوت اليهود في المجامع الدولية، لاتصالهم بالتجارة وبهذه البلاد..، فتعلقت مسألة القروض بمطامع المستعمرين، في أقطار الدولة العثمانية. نظر المستعمرون إلى مطالب اليهود بأنها الوسائل المعول عليها في خدمة السياسة الإستعمارية.

أثار العصر الجديد مسألتين، المسألة اليهودية، وقضية اندماج الجماعات اليهودية في المجتمع الحديث..

ظهر لكثير من اليهود، خاصة في بولونيا ورومانيا، واسبانيا وهولندا أن يطالبوا بوطن يستقرون فيه.. وتساعدهم الدول الإستعمارية على إنشائه.. وقد انطلقت الفكرة من المؤتمر الصهيوني الذي انعقد بمدينة بال بسويسرا 1897، وتمت صياغتها في إعلان وعد بلفور بعد عشرين سنة..

والواقع المحقق أن الصهيونية تستغل الدول، والدول تستغلها، والعامل المهم الذي ترتكز عليه هو المصلحة المتبادلة بين الطرفين..[8].

الصهيونية تتعلق بالآمال الموعودة، ومنها السيادة على العالم وتسخيره لتحقيق أهدافها في قيام دولة إسرائيل.. وكانت القوى الإستعمارية تعمل على قيام هذه الدولة في ملتقى القارات لأنها تخدم السياسة العالمية الإستعمارية، ومن ورائها قوة المال، وقوة الأسواق، وأسعار العملة في العالم بأسره..

يطمح الغلاة من الصهيونيين إلى مساومة الدول.. وفرض مشيئتهم بكل وسيلة من الوسائل الميسرة، ومنها وسيلة المال، ووسيلة الإغراء، ووسيلة القوة والإرهاب.. فلا تعيش بجوار دولة إسرائيل دولة أو أمة مستقلة بمواردها الإقتصادية.. ولا يستقر للدول الكبرى نفسها قرار مع هذه المطامع، التي تقترن بالمساومات الإقتصادية، والمداراة السياسية بغير انقطاع..[9].

من الواضح أن الصيغة الأساسية للصهيونية تضرب بجذورها في الحضارة الغربية وذلك باعتبار اليهود "شعب عضوي وجماعة وظيفية."

وقد تحولت الصيغة اليهودية الصهيونية من فكرة إلى حركة منظمة بعد مرحلة تيدور هيرتزل (1860/1904) مؤسس الحركة الصهيونية (1897) وصاحب كتاب دولة اليهود (1896) وأرتور بلفور (1848/ 1930) صاحب الوعد الشهير باسمه (1917).

بحيث تشرف على عملية التوطين دولة استعمارية كبرى من دول الغرب، تؤمن باستمرار الدولة الوظيفية الإستيطانية. وقد حدد وعد بلفور فلسطين لقيام الدولة الصهيونية كصيغة علمانية، نفعية، مادية..

بعد أن استقرت أوضاع الجماعات اليهودية في الغرب أصبحت الصيغة الصهيونية الغربية تتمثل في دولة وظيفية يدعمها الغرب الإستعماري ويضمن بقاءها وتقوم على رعاية مصالحه وخدمة أهدافه الإستراتيجية في العالم..

ومن نافل القول أن ديدن الإستعمار تغليب أمة على أمة، وتسخير الأضعف في خدمة الأقوى.. كما أن التنازع بين الشرق والغرب قديم، منذ أن عرف هذا التقسيم بين أمم شرقية وغربية..

أما الإستعمار فهو يطلق على حركة ترمي إلى غرض مشترك تحقيقا لدعوة واحدة، تدعيها أمم متعددة في فترة محددة.. فالإستعمار بهذا المعنى لم يكن معروفا قبل العصور الأوروبية الحديثة..[10].

فظاهرة الإستعمار الحديث ظاهرة أوروبية تحيل إلى السيطرة الأوروبية العسكرية والإقتصادية والسياسية على الشعوب والبلدان الأخرى..

لقد فرضت أوروبا بقوة سلاحها قانونها وتجارتها ولغاتها على غيرها.. واكتملت صورة السيطرة الأوروبية مع اكتمال الثورة الصناعية في أوروبا.. بحيث انفردت بالمبادرة وفرضت اختياراتها وسيطرتها على معظم قارات العالم..

ولم تكتف أوروبا باستغلال الثقافات والحضارات الأخرى بل عملت على طمس هويات الشعوب.. فالإستغلال والإحتكار صنوان يكشفان عن حقيقة الإستعمار.. المتمثلة في التوسع والتعسف..، والثقافة التي تقوم على سيادة التفوق الإثني والديني..

تأسيسا على كل ما سبق فإن الصهيونية ظاهرة من ظواهر الإستعمار باعتبارها دعوة عصبية للسيطرة مرتبطة بأساطير الوعود التراتية.. لكي يلعبوا دور البطولة على مسرح التاريخ.. باعتبارهم الشعب الأزلي يعتقدون أنهم وعدوا بوراثة مملكة داود.. ويعتبرون أن اليهودية وطن للإسرائيليين، وجامعة نفعية، لا دين ولا نحلة فحسب..[11].

وغلاة الصهيونية هم أشد تعصبا وتعلقا بالآمال الموعودة..، إنه هوس المتعصب الذي يحمله جنون الحماسة وراء فكرة مسيطرة على عقله..

إن ثمن إنشاء الدولة الصهيونية سيكلف العالم ألوف الأرواح.. ويجب أن تطغى الحماسة المبصرة لأنها حماسة تهدي إلى السلامة، وليست حماسة التعصب والكنود.. من عشرات القرون..

وخطر سقوط فلسطين في قبضة الصهيونية خطر على الشرق الأوسط سياسيا وعسكريا واقتصاديا.. وغلاة الصهيونية لن يعيشوا في سلام متى شعروا بالقوة والمناعة..، لأنهم مصابون بأعراض (البارانويا) وهي الغرور والأنانية والإنفصام عن الوسط الذي يعيش فيه المريض، والوهم المتسلط والشعور بالإضطهاد، والتوجس الدائم من الأعداء..[12].

وقد توسلوا باستبقاء نفوذهم في الولايات المتحدة الأمريكة باعتباره ضرورة لا غنى عنها بكل ثمن ولكل حيلة.. فهم يستميتون في سبيلها وينسون أن الإستماتة قد تميت..[13].

كان موقف الولايات المتحدة الداعم والمنحاز للصهيونية العالمية، موقفا سيء التقدير من جميع الوجوه. فهي قدرت أن تقسيم فلسطين نهاية مريحة لمشكلة عالمية، وماهو في الحقيقة إلا بداية المشكلات.. فقدرت أن قيام دولة صهيونية في الشرق الأوسط يضع لها قدما راسخة في هذا الشرق من طريق هذه الدولة الصهيونية.. ولكن الواقع نقيض ذلك لأن قيام هذه الدولة في هذه البقعة من الأرض يفتح المشكلة على أوسع نطاق..[14].

- 8 -

الصهيونية العالمية في الختام.

في فصل الختام نطرح السؤال حول مصير الصهيونية العالمية في عالم يبحث عن الإستقرار، ولن يتأتى الإستقرار من ناحية الدولة الصهيونية، وهي مشكلة مجسدة بأسباب الغلية والكراهية والإضطراب..، فلم تعش قط في استقرار مع من حولها، ولا مع أبناءها..

إن الهوس في التعصب والكراهية الدينية، واللدد في الخصومة قد بلغ بالقوم مبلغا فاق كل تصور..، وأدى بهم إلى تحجر في النظر، وعمي في البصيرة وانسداد الأفق، وتقهقر في الوعود..

فالقوم على اختلاف مذاهبهم متفقون على أن المخلص الموعود لم يأت بعد..، وأن الوطن اليهودي في فلسطين لا يحل مشكلة الصهيونية، وليست هو على اليقين الحل الأخير..، فهي قضية من قضايا التاريخ التي يدل فيها الماضي على المستقبل، وهو مستقبل لا يسر الصهيونية.. لأن نصيبها من أمسها الذي تفر منه أهون من نصيبها عند الغد المجهول بل الغد المعلوم..[15].

من المفيد ونحن ننظر إلى مستقبل الصهيونية العالمية، أن نعرض لوجهة الكاتب الفرنسي جاك أتالي (Jacques Attali) التي ضمنها في كتابه "قاموس القرن 21" الصادر سنة 1998..

يقول بأن إسرائيل تعتبر موضع نزاعات وأرض للأمل.. وبأن الإسرائيليين إذا قرروا التحصن والإنعزال عن الفلسطينيين، خوفا من أن يغمرهم نموهم الديموغرافي.. فإنهم سيثيرون مع جيرانهم نزاعا سيكون هذه المرة انتحارياً، وسيؤدي إلى قطيعة مع بعض الطوائف اليهودية في الخارج.

أما إذا نجحوا بالمقابل، في وضع الأسس لمجتمع منفتح مع جيرانهم، واعترفوا بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وساهموا في نموه، فإن ذلك كفيل، بقيام شرق أوسط موحد على مثال النموذج الأوروبي الذي تتوحد فيه المواطنة والعملة..

وسيكون موضع تخصيب متبادل، وجسر بين أوروبا وآسيا، وبين الديانات التوحيدية..

وعلى المشروع الصهيوني أن يراجع دعواه حول الأرض القائمة على الوعود التراتية..[16].

هذا نموذج من الآراء حول مستقبل الصهيونية العالمية يشترك فيه طائفة من المفكرين والكتاب وأساتذة الجامعات الغربية...، وأصحاب هذه الآراء قد استجابوا للرجاء والإلحاح في النظر إلى مصير الصهيونية..، ومستقبلها في عالم متغير..

خلاصة القول أن شعوب العالم مطالبة بإلغاء كل فارق أو امتياز بينها، وأن تقوم الدول الكبرى المؤثرة في النظام الدولي وتنظر بالإنصاف وتحكم بالعدل على تطبيق الحقوق..

فالسياسة لا يمكن أن تغير مصير مجتمع ما لم يتم تحديدها وفق تصور عام باعتبارها التعبير الملموس عن ثقافة وحضارة مرتسمة في استراتيجية تروم استشراف المستقبل..

وجملة القول أن رسالة النبوة تهدف إلى معرفة الله حق المعرفة، وأن الأفضلية تكمن في التقوى المؤسسة على الفضائل الخلقية والكمالات الروحية. بعيدا عن دعاة الصولجان وشريعة الإستكبار..

لا أحد يملك آجال الأمم في يديه يفعل فيها بإرادة القوة الغاشمة ما يشاء إن استطاع ولن يستطيع..

أن البلاء الأكبر انما حاق بالدول الكبرى من آفة الغرور الباطل وسوء التقدير والاستخفاف بملكة السيادة المتجذرة في الشعوب المجبولة على الحرية ..

ولم تنفعهم قلة المبالاة ولا فرط المبالاة بعد فواة الأوان ..

لان دروس التاريخ تعلمنا ان الامبراطوريات الكبرى في الغالب تتولى هزيمة نفسها عندما تصاب بالغرور وتتصور ان قدرتها غالبة الى الابد.. ثم تكتشف فداحة التكاليف وعندها تظهر حتمية النزول..

ان ما حدث ، سيحدث طبقا لاسباب التطور والنهوض والانهيار الموستوحاة من حوادث التاريخ وعبره ..

***

أحمد بابانا العلوي.

..................................

[1]- حسن ظاظا، الشخصية الإسرائيلية، دار العلم، ط3/ 1999/ ص 36.

[2]- الشخصية اليهودية الإسرائيلية، ص11/10

[3]- الموسوعة الصهيونية، ج1/ ص70/ 71.

[4]- عبد الوهاب المسيري، دفاع عن الإنسان، ص 34.

[5]- موسوعة اليهود واليهودية، ص82 /83.

[6] - عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية، ص 9/ 10.

[7] - نفس المصدر، ص 11.

[8] - نفس المصدر، ص18/ 19

[9] - عباس محمود العقاد، الصهيونية وقضية فلسطين، المكتبة العصرية، بيروت، ص12.

[10] - عباس محمود العقاد، لا شيوعية ولا استعمار، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، ص 53.

[11] - الصهيونية العالمية، ص75.

[12]- نفس المصدر، ص 33.

[13]- نفس المصدر، ص67.

[14]- العقاد، الصهيونية وقضية فلسطين، ص15.

[15]- نفس المصدر، ص 93.

[16]- Jacques Attali, Dictionnaire du XXIe siecle-Fayard, ed-1998, p 196 - 197

 

التجريد الصارخ من الإنسانية

صدرت مؤخراً دراسة جديدة ترصد مواقف أربع دول أوروبية تجاه اللاجئين والمسلمين، اشتملت عينات من جمهورية التشيك، والمجر، وإسبانيا، واليونان. سأستعرض في الجزء الأول نتائج الدراسة في التشيك والمجر، على أن أستكمل نتائج الدراسة في الجزء التالي.

في عام 2015، سعى أكثر من مليون شخص إلى الهروب من الصراعات في سوريا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط عن طريق اللجوء إلى أوروبا. وكانت القوارب، التي غالباً ما تكون محملة بما يتجاوز طاقتها، تنقل معظم هؤلاء اللاجئين عبر البحر الأبيض المتوسط من تركيا وشمال إفريقيا، إلى اليونان. ومع تسارع الهجرة، سرعان ما أُطلق عليها اسم "أزمة اللاجئين". واستجابت الحكومات الأوروبية بطرق متنوعة. وفتحت بعض البلدان، مثل ألمانيا، أبوابها أمام اللاجئين، في حين اتخذت بلدان أخرى مواقف متشددة مناهضة للاجئين، حيث أقرت الدنمارك قوانين مفرطة في مكافحة اللاجئين تسمح بمصادرة الأشياء الثمينة لطالبي اللجوء، وأقامت المجر سياجا بطول 175 كيلومترا على طول حدودها الجنوبية، وإطلاق حملة خدمة عامة واسعة النطاق لتثبيط توطين اللاجئين المسلمين. وسخر بعض المعلقين من ردود الفعل القاسية تجاه اللاجئين خلال الأزمة، مشيرين إلى أن العداء تجاه اللاجئين يعكس وجهة نظر غير إنسانية للمسلمين لدى الكثيرين في أوروبا. وأضفت تصريحات العديد من الساسة الأوروبيين مصداقية على هذا المنظور. وفي استجابة للأزمة، أشار "ديفيد كاميرون" David Cameron إلى اللاجئين على أنهم "سرب"، وأشار "يانوش كوران ميكا" Janusz Koran Mika العضو البولندي في البرلمان الأوروبي، إلى "غزو القمامة البشرية"، و"زولت باير" Zsolt Baer مؤسس الحزب الحاكم في المجر. نشر حزب فيدس افتتاحية تشير إلى "جحافل" المهاجرين على أنهم "وحوش برية" و"قمل". وتشير هذه التصريحات إلى أن اللاجئين المسلمين يُنظر إليهم - على الأقل من قبل بعض الأوروبيين - على أنهم أقل من إنسان كامل. ولكن ما مدى شيوع وجهة النظر هذه وتبعاتها وقابليتها للمقارنة في مختلف أنحاء أوروبا؟

تجريد المسلمين من إنسانيتهم

لقد ثبت مؤخراً أن التجريد الصارخ من الإنسانية يتنبأ بالمواقف والسلوكيات السلبية للجماعات الخارجية. تمت دراسة التجريد الصارخ من الإنسانية للاجئين المسلمين خلال "أزمة اللاجئين". للإجابة على هذا السؤال الهام قام الباحثان "إميل برونو" Emile Bruneau من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania، و"نور كتيلي" Nour  Kteily من جامعة نورث وسترن Northwestern University بإنجاز دراسة مهمة شملت عينات كبيرة في أربع دول أوروبية: جمهورية التشيك (1,307)، والمجر (502)، وإسبانيا (1,049)، واليونان (1,049)، واليونان (1,307). = 934).

تشير نتائجنا إلى أن التجريد الصارخ من إنسانية اللاجئين المسلمين هو:

 (أ) سائد بين الأوروبيين، و(ب) يرتبط بشكل فريد بالمواقف والسلوكيات المناهضة للاجئين، بما يتجاوز الأيديولوجية السياسية والتحيز، وله أهمية خاصة في التعاطف مع أزمة اللاجئين. ونجد أيضاً أن التجريد الصارخ من الإنسانية للاجئين المسلمين أعلى بكثير وأكثر ارتباطاً بالسلوك بين الجماعات في دول أوروبا الشرقية (خاصة جمهورية التشيك) مقارنة بإسبانيا واليونان. من خلال دراسة مجموعة من الأهداف الخارجية غير اللاجئين، توضح النتائج أيضاً أن التجريد الصارخ من الإنسانية ليس مجرد تحيز عرقي محض: في حين أن الأفراد عبر السياقات يشعرون بدفء تجاه مجموعتهم أكثر من أي شخص آخر، فإنهم يصنفون العديد من المجموعات الخارجية ذات المكانة العالية على أنها "متطورة" بشكل متساوٍ أو أكثر اكتمالًا. ومتحضرة من المجموعة. يوسع البحث الفهم النظري للتجريد الصارخ من الإنسانية، ويشير إلى أن التجريد الصارخ من الإنسانية يلعب دوراً مهماً ومستقلاً في رفض اللاجئين المسلمين في جميع أنحاء أوروبا.

بالرغم من أن هذه الدراسة ليست الأولى التي تدرس التجريد من الإنسانية بما في ذلك تلك الدراسات التي تستهدف مجموعات اللاجئين. لكن هناك العديد من السمات المهمة لهذه الدراسة لتمييزها عن الأبحاث السابقة حول العداء ضد اللاجئين، وهي:

(1) التركيز على التجريد العلني (مقابل الأكثر دقة) من الإنسانية.

 (2) الاستخدام (وأين) ممكن، مقارنة) لعدة عينات من المجتمع الكبير في جميع أنحاء أوروبا خلال نقطة زمنية فريدة عندما تأثرت بشكل مباشر بـ "أزمة" اللاجئين الحادة.

 (3) فحص السلوك الفعلي.

 (4) فحص التجريد من الإنسانية الذي لا يقتصر فقط على المواقف السياسية والعاطفية.

 على الرغم من أن النظريات المبكرة حول تجريد اللاجئين من إنسانيتهم ركزت على تمثيلاتها الأكثر وضوحاً والصارخة على التحيز، إلا أن الأبحاث التجريبية حول تجريد اللاجئين على مدى العقود العديدة الماضية قد بحثت في المقام الأول في تجريد اللاجئين من إنسانيتهم بصورة أكثر دقة عبر السلوك اليومي. على سبيل المثال، أظهر أحد الفروع البارزة لهذا البحث أن الناس لديهم ميل إلى إسناد عدد أقل من المشاعر والصفات "الخاصة بالإنسان" للتفوق على الآخرين.

على سبيل المثال، وُجد أن بعض الأفراد الذين نسبوا عدداً أقل من المشاعر الإنسانية إلى الناجين من إعصار كاترينا يتفوقون على المجموعة بتجريد الآخرين من الإنسانية، أي جعلوهم دون المستوى الإنساني، وكانوا يعتزمون مساعدتهم بشكل أقل. كما تمت ملاحظة أن الإيطاليين الذين أنكروا عن الهايتيين السمات الإنسانية الفريدة عبروا عن عدم استعدادهم للمساعدة بعد الأزمة الإنسانية.  وتمت الإشارة إلى أن الأتراك الذين يتم وصفهم بكلمات غير إنسانية يتعرضون للتمييز بقوة أكبر من أولئك الموصوفين بكلمات إنسانية أو بكلمات لا علاقة لها بالإنسانية.

التجريد الخفي من الإنسانية

أظهرت الدراسات السابقة (التي اكتملت قبل أزمة اللاجئين) أن الأوروبيين الذين حرموا اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم من خلال حرمانهم من المشاعر الإنسانية المحددة كانوا أكثر عرضة لمعارضة هجرة المسلمين إلى أوروبا. توضح الدراسات السابقة أن التجريد الخفي من الإنسانية له دور يلعبه في استجابات الناس للاجئين. ومع ذلك، فإن التصريحات التي أدلى بها الزعماء الأوروبيون في السنوات الأخيرة تشير إلى أن التجريد من الإنسانية الذي يمارسه جزء من السكان الأوروبيين قد يمتد إلى ما هو أبعد من التصورات الدقيقة وغير الواعية إلى التعبيرات العلنية والصارخة. ويبدو أن التمييز بين التجريد الصارخ والخفي من الإنسانية له أهمية كبيرة، حيث تشير الأبحاث الحديثة إلى أنهما بنيان منفصلان بتأثيرات مختلفة.

في الواقع، فإن هذين الشكلين من أشكال التجريد من الإنسانية التي تم تقييمها بين الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين والهنغاريين تجاه مجموعة من المجموعات المستهدفة (على سبيل المثال، العرب والمسلمين والغجر) لا يرتبطان إلا بشكل ضعيف، والتجريد الصارخ من الإنسانية هو الهدف. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فإن الدرجة التي يتم بها تجريد العرب والمسلمين والمهاجرين المكسيكيين من إنسانيتهم بشكل صارخ تتنبأ بدعم سياسات مكافحة الإرهاب العدوانية.

إن تدابير التجريد من الإنسانية، والتي تميل إلى أن تكون لها تأثيرات أضعف وأقل اتساقاً بالنظر إلى أن التجريد الصارخ من الإنسانية يرتبط بقوة بأنواع المواقف العدائية التي قد تكون ذات صلة بشكل خاص باللاجئين في الأزمات (على سبيل المثال، منع دخول اللاجئين، وعزل اللاجئين داخل أماكن ضيقة)، من المهم توسيع نطاق فحص التجريد من الإنسانية إلى ما هو أبعد من الخفي والضمني إلى ما هو أكثر وضوحاً وعلنية. في البحث الحالي، تم استخدام تدابير تم التحقق من صحتها لفحص التجريد الصارخ من إنسانية اللاجئين المسلمين خلال أزمة اللاجئين عبر مجموعة من البلدان الأوروبية (جمهورية التشيك، واليونان، وإسبانيا، والمجر)، باستخدام عينات مجتمعية كبيرة، وتم فحص كلا من المواقف والسلوك. لقد فُحصت المساهمة الفريدة للتجريد الصارخ من الإنسانية في المواقف والسلوك بين المجموعات بالتنسيق مع مجموعة من المتنبئين الآخرين. تضمنت الأعمال السابقة لتقييم الارتباط الفريد بين التجريد من الإنسانية والنتائج بين المجموعات تدابير تنبؤية متوازية للتوجه الأيديولوجي - بما في ذلك التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية، والسلطوية اليمينية، والمحافظة السياسية، بالإضافة إلى مقاييس التحيز. وتم في البحث الحالي تضمين مقاييس المحافظة السياسية والتحيز العاطفي أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، والجديد في البحث الحالي، تم ملاحظة المدى الذي يتنبأ فيه التجريد الصارخ من الإنسانية بنتائج التحكم في التعاطف. مثل التحيز والمعتقدات الأيديولوجية ذات الميول اليمينية.

ضعف التعاطف مع اللاجئين

 كان الفشل التعاطفي ظاهراً على نطاق واسع في الصراع بين المجموعات. وهناك سبب وجيه لذلك، أعتقد أن التعاطف قد يكون ذا أهمية خاصة خلال أزمة إنسانية حادة مثل تلك التي يتناولها البحث: العديد من الصور المنبثقة عن أزمة اللاجئين، بما في ذلك تلك التي تتضمن نداءات مباشرة للمساعدة، تصور أفراداً في ظروف يائسة أثناء فرارهم من الفظائع في وطنهم، والعديد من الصور تمت مشاركتها مع القصص على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ربما لا يوجد مثال أكثر إثارة للدهشة من صورة إيلان كردي - الصبي السوري البالغ من العمر عامين، والذي تم تصوير جثته على أحد الشواطئ التركية بعد أن غرق أثناء محاولته الهروب من سوريا إلى أوروبا. أثارت صور الكردي موجة من التعاطف في جميع أنحاء العالم، والتي تجسدت في زيادة التبرعات الخيرية بمقدار عشرة أضعاف في الأسبوع الذي تلا نشر صورته. لذلك فكر الباحثان في أن التعاطف سيكون أمراً مهماً متنبئاً للتحكم فيه عند فحص التأثيرات الفريدة للتجريد الصارخ من الإنسانية على النتائج بين المجموعات.

من الناحية المدنية، تم إدراج في تحليلات البحث الانحدارية مقاييس سمة القلق التعاطفي (الميل إلى الشعور بالتعاطف تجاه الآخرين) وسمة تبني منظور الميل إلى تبني منظور الآخر.

في السياقات بين المجموعات، يرتبط الاهتمام التعاطفي بقوة بالإيثار، حتى تجاه الآخرين، وقد تبين أن اتخاذ المنظور يقلل من الصور النمطية ويقلل من المحسوبية داخل المجموعة.  لقد ثبت أيضاً أن التعاطف يرتبط بأشكال خفية من التجريد من الإنسانية عند التفاوض على الصراع بين المجموعات.

عند النظر في المساعدات الإنسانية. في الواقع، فإن تأثير تجريد الإيطاليين من إنسانيتهم الخفية للهايتيين على عدم رغبتهم في المساعدة بعد حدوث أزمة إنسانية تم تفسيره بالكامل من خلال الارتباط بين التجريد الخفي من الإنسانية والتعاطف. لقد قامت الأبحاث السابقة إلى حد كبير بقياس تعاطف الدولة تجاه مجموعة خارجية، وتصور التجريد من الإنسانية كمقدمة لتجاوز التعاطف.

 في البحث الحالي، تم استخدام بدلاً من ذلك مقاييس تعاطف السمات. نظراً لأن مقاييس السمات تعتبر بشكل عام خصائص شخصية قابلة للانعكاس، فقد تم وضع تصور صارخ للتجريد من الإنسانية والتعاطف كعمليات نفسية متوازية تؤثر على النتائج. إن مشاعر التجريد من الإنسانية هي أنها صريحة جداً لدرجة أن الناس قد يستخدمونها مجرد انعكاس لكراهيتهم الشديدة لمجموعة أخرى. تظهر الدراسات السابقة أن مقياس الصعود للتجريد الصارخ من الإنسانية وتقييمات مقياس الحرارة للشعور يرتبطان بقوة مع بعضهما البعض. وفي الوقت نفسه، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز يمكن أن يكونا مختلفين من الناحية المفاهيمية. على سبيل المثال، قد يكره الناس مجموعة خارجية، ولكنهم ما زالوا يعترفون بالتقدم العلمي والتقني الذي حققته تلك المجموعة، أو مدى تطور ثقافتهم أو نظام حكومتهم. على العكس من ذلك، قد يشعر الأفراد بالدفء تجاه مجموعة أخرى حتى عندما ينظرون إليهم على أنهم بدائيون نسبياً.

علاقة التحيز بالتجريد من الإنسانية

حتى عندما يتوافقان، يمكن أن يتنبأ التحيز والتجريد من الإنسانية بالنتائج لأسباب مختلفة: على سبيل المثال، إذا كان شخص ما ينظر إلى اللاجئين على أنهم متوحشون وعدوانيون ويفتقرون إلى الأخلاق، وهي السمات الأساسية للتجريد الصارخ من الإنسانية، فقد يساعد ذلك في تفسير رغبتهم في منعهم من دخول البلاد (أي الحد من أي تهديد جسدي متصور)، بما يتجاوز مستوى كراهية شخص ما للاجئين. وبالمثل، يمكن للأفراد أن يسعوا إلى تجنب دخول مجموعة أخرى لا يحبونها، حتى لو لم يرونهم بالضرورة أقل إنسانية - ربما، على سبيل المثال، لأنهم ينظرون إلى قيمهم على أنها مختلفة (إذا كانت شبيهة بالإنسان بنفس القدر)، وشعروا أنهم سيضعون قيماً مختلفة، أو إجهاد لا مبرر له على المجموعة، أو ببساطة لم ينظروا إليهم كمجموعة تتوافق معها مصالحهم.

 في الواقع، أظهرت الدراسات السابقة أن التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز العاطفي يتنبآن بشكل مستقل بنتائج بين المجموعات مماثلة لتلك التي تم النظر فيها في الدراسة الحالية. على سبيل المثال، في البحث الحالي، سعى الباحثان لمزيد من التنظير حول التمييز بين التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز بطريقتين: أولاً، قاما بالتحقق مما إذا كان التجريد من الإنسانية والتحيز يتنبأ بشكل مستقل بالمواقف والسلوكيات تجاه اللاجئين (مع الأخذ في الاعتبار أيضاً سمة التعاطف والمحافظة السياسية). تم قياس تقييمات التجريد من الإنسانية والشعور بمقياس حرارة في كل عينة تجاه مجموعة واسعة من المجموعات المستهدفة لاختبار ما إذا كان التجريد الصارخ من الإنسانية وتقييمات التحيز عبر المجموعات قد تتباين. على وجه التحديد، كان هناك اعتقاد أن الأفراد من المرجح أن يشعروا بتحسن. والجدير بالذكر أن بعض الأبحاث قد فحصت التحيز العاطفي كوسيط لتأثيرات التجريد من الإنسانية على مقاييس النتائج. على الرغم من أنه من المعقول التأكيد أن رؤية مجموعة على أنها أقل من البشر يمكن أن تؤدي إلى الكراهية، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى التأثير على السلوك.

كان الهدف الأساسي لهذا البحث هو توثيق الدور الفريد للتجريد الصارخ من الإنسانية في الرفض السلوكي والمواقفي للاجئين خلال "أزمة اللاجئين" في أوروبا. ومع ذلك، نظراً لأن عينات المجتمع الكبيرة تضمنت جميعها بعض التدابير المشتركة، وتم جمع ثلاث من العينات الأربع خلال نفس النافذة الزمنية، فقد انخرط الباحثان أيضاً في مقارنات عبر وطنية حيثما كان ذلك ممكناً ومناسباً على الرغم من أن الأبحاث السابقة عبر الوطنية في أوروبا لم تقم بذلك. تظهر دراسة التجريد من الإنسانية، واستطلاعات بيو العالمية، والمسح الاجتماعي الأوروبي، ودراسة القيمة الأوروبية، والمقاييس الأوروبية نفس النمط الواسع: مستويات عالية مماثلة من التحيز والعداء تجاه المسلمين والمهاجرين في جمهورية التشيك والمجر واليونان، مع مستويات أقل بشكل ملحوظ في إسبانيا على سبيل المثال. وبالنظر إلى هذا البحث السابق، كان من المتوقع أن تظهر إسبانيا عداء أقل للاجئين من جمهورية التشيك وهنغاريا. والتوقعات بالنسبة لليونان كانت أقل وضوحاً.

فمن ناحية، استقبلت اليونان ما يقرب من 80% من أكثر من مليون لاجئ وصلوا إلى الشواطئ الأوروبية عن طريق البحر في عام 2015، وهذا التدفق الهائل من "الغرباء" يمكن أن يولد مستويات من التهديد الرمزي والواقعي أكبر مما كانت عليه في التشيك والمجر، حيث كان تدفق اللاجئين أقل بكثير. وقد يؤدي مثل هذا التهديد إلى إبقاء مستوى التجريد من الإنسانية والتحيز مرتفعاً (أو أعلى) بين اليونانيين كما هو الحال بين المجريين والتشيك. ومن ناحية أخرى، هناك عاملان على الأقل قد يؤديان إلى انخفاض مستوى التجريد من الإنسانية والتحيز الصارخ بين اليونانيين عما لوحظ في المجر وجمهورية التشيك.

كانت سياسات الحزب الحاكم اليوناني اليساري أكثر تأييداً للاجئين من المواقف العلنية المناهضة للاجئين التي اتخذها القادة في كل من المجر وجمهورية التشيك (والحكومة اليونانية السابقة؛ بساروبولوس، 2015). وبما أن الدراسات السابقة تشير إلى أن سياسات التكامل السخية توفر إشارة معيارية للسكان تقلل من المواقف المناهضة للمهاجرين، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض مستويات التجريد من الإنسانية والتحيز في اليونان مقارنة بالمجر وجمهورية التشيك. ثانياً، أتاح القرب الوثيق للمواطنين اليونانيين من اللاجئين فرصاً أكبر للاتصال المباشر وغير المباشر، وهو ما ظهر في العديد من السياقات أنه يقلل من التحيز. وبالتالي فإن مستويات التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز في اليونان مقارنة بالمجر وجمهورية التشيك - وكذلك مستويات هذه البلدان مقارنة بإسبانيا - كانت ذات أهمية خاصة في التحليلات العابرة للحدود الوطنية.

التشيك هي الأسوأ

تم تقييم التجريد الصارخ من الإنسانية باستخدام مقياس الصعود، حيث استخدم المشاركون أشرطة التمرير للإشارة إلى مدى "التطور والتحضر" الذي نظروا إليه في كل مجموعة من المجموعات المستهدفة المدرجة في مقياس التحيز. تم عرض المجموعات بترتيب عشوائي عبر المشاركين، وتم تقديم الإجابات على مقياس 4 بالنسبة لهذه الدراسات وجميع الدراسات اللاحقة، وتمت الترجمة للمجموعة المستهدفة الرئيسية: "اللاجئون المسلمون". تم توجيه المترجمين لاستخدام الترجمة التي كانت مفهومة بشكل شائع في البلد المستهدف، بدلاً من الترجمة الحرفية.

في جمهورية التشيك تم حساب التجريد النسبي من الإنسانية لكل مجموعة عن طريق طرح تصنيف صعود المجموعة المستهدفة من تصنيف صعود التشيك (أي، داخل المجموعة)، بحيث تشير الدرجات الأعلى إلى قدر أكبر من تجريد المجموعة الخارجية من إنسانيتها. تم تقييم دعم السياسات من خلال تزويد المشاركين بأربع سياسات كانت تجري مناقشتها في جمهورية التشيك في وقت إجراء الاستطلاع: على سبيل المثال، "لا ينبغي لنا أن نخاف من استخدام العنف إذا لزم الأمر لإبعاد المسلمين عن جمهورية التشيك". تم إجراء التقييمات على مقياس مكون من 5 نقاط مثبت على 1 ('أوافق بشدة') و5 ('لا أوافق بشدة').

 تم تقييم دعم اللجوء على النحو التالي: "في العام الماضي، من بين 330,000 شخص من الأغلبية المسلمة من بين الدول التي طلبت اللجوء في الاتحاد الأوروبي، تم منح 460 شخصاً حق اللجوء في جمهورية التشيك. هل تعتقد أن هذا الرقم مرتفع جداً، أو صحيح، أو منخفض جداً؟

 تم تقديم الإجابات على مقياس مكون من 5 نقاط، مثبتاً عند -2 ("يجب أن نقبل أقل بكثير من 460 سنويًا") و+2 ("يجب أن نقبل أكثر بكثير من 460 سنويًا"). قم بالتوقيع على التماسات اللاجئين. للحصول على مقياس للسلوك تجاه اللاجئين، قُدم للمشاركين فرصة التوقيع على عريضتين حول اللاجئين المسلمين. وعلى وجه التحديد، ما يلي: "بما أننا نجمع معلومات من عينة تمثيلية من التشيك، فإننا نخطط لتسليم هذه الردود الأخيرة إلى الحكومة التشيكية للنظر فيها في صنع السياسات. يرجى إعلامنا إذا كنت ترغب في احتساب صوتك لصالح (أو ضد) الالتماسات التالية: (1) "يجب أن نستثمر المزيد من الأموال والموارد لدعم اللاجئين الذين يفرون من الحرب والمصاعب ويأتون إلى حدودنا" (مؤيدون للاجئين) و (2) الاستيلاء على أصول المهاجرين واللاجئين المسلمين لدفع تكاليف إقامتهم في جمهورية التشيك (مناهضة للاجئين).

أبلغ المشاركون عما إذا كانوا يريدون احتساب أصواتهم لصالح الالتماس (بالرمز 1)، أو ضد الالتماس (بالرمز -1)، أو عدم احتساب أصواتهم (بالرمز 0). كان الارتباط الصفري بين هذه العناصر منخفضاً (r = -.26)، لذلك تم فحص كل منها على حدة. وكان هناك مقياس صارخ آخر للتجريد من الإنسانية يعتمد على سمات السمات المفرطة المدرجة في المسح؛ تم الإبلاغ عن النتائج باستخدام هذا الإجراء في التحليلات التكميلية.

بالنسبة لهذه الدراسة والدراسات التالية، تم تضمين التدابير في المسح الشامل لأغراض تتجاوز البحث الحالي. تمت ملاحظة تجريد كبير من الإنسانية على المستوى المتوسط للاجئين المسلمين، الذين تم تصنيفهم على أنهم أقل بما يزيد عن 37 نقطة على مقياس الصعود من التشيك. تم تجريد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم أكثر من جميع المجموعات الأخرى باستثناء المسلمين والغجر.

أفاد المشاركون أيضاً بمعارضة قوية للاجئين في جميع التدابير. على سبيل المثال، عندما سُئل عما إذا كان منح جمهورية التشيك حق اللجوء لـ 460 لاجئاً مسلماً في العام الماضي منخفضاً جداً أو مرتفعاً جداً، كانت الإجابة النموذجية (التي قدمها 49.4% من المشاركين) هي "يجب أن نقبل أقل بكثير من 460 لاجئاً سنوياً". بالإضافة إلى ذلك، وقع أكثر من ضعف عدد المشاركين على العريضة التي تؤيد العنف ضد اللاجئين لحماية الحدود مقارنة بالموقعين على العريضة التي تعارض هذا العنف.

وقع معظم الأشخاص على العريضة ضد تقديم المزيد من المساعدات للاجئين (464) شخصاً مقارنة بالتوقيع لصالح تقديم المساعدات 189)).

قام الباحثان بعد ذلك بفحص ما إذا كانت هذه المواقف والسلوكيات المناهضة للاجئين كانت مرتبطة بشكل فريد بالتجريد الصارخ من إنسانيتهم اللاجئين المسلمين، والسيطرة على التحيز (تقييمات مقياس حرارة الشعور) والتركيبة السكانية (العمر والجنس). وكما يتبين فإن التجريد الصارخ من إنسانيتهم للمسلمين كان مرتبطاً بقوة وبشكل فريد بكل من مقاييس النتائج، كما كان الحال مع التحيز. تضمنت الدراسة 1مقياساً بديلاً للتجريد من الإنسانية (التجريد الصارخ من الإنسانية على أساس السمات)، بالإضافة إلى المتغيرات الديموغرافية الأخرى مثل التعليم، التي يمكن إدراجها كمتغيرات مشتركة.

 ظلت النتائج متشابهة (مع التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز الذي يتنبأ بشكل مستقل بجميع النتائج) عندما تم استخدام مقياس التجريد من الإنسانية القائم على السمات بدلاً من مقياس الصعود (عندما تم تضمين التعليم والحالة الاجتماعية والاقتصادية كمتغيرات مشتركة إضافية، و/أو عندما تم استبعاد جميع المتغيرات المشتركة من التحليلات. وهكذا، كانت نتائج الدراسة متسقة مع النتائج السابقة.

 في توضيح أهمية التجريد من الإنسانية في مكافحة العداء للاجئين، وتوسيع نطاق هذا البحث من خلال توضيح العلاقة الفريدة بين التجريد الصارخ من الإنسانية وكل من المواقف والسلوك الموجه نحو اللاجئين المسلمين باستخدام مقياس تم التحقق منه من التجريد الصارخ من الإنسانية في عينة مجتمعية كبيرة تمثل المجتمع التشيكي على نطاق واسع (عبر مجموعة من المعايير) أثناء التدفق الحاد للاجئين. للبقاء متسقين مع الدراسات الأخرى، قام الباحثان بإدراج المتغيرات الديموغرافية فقط كمتغيرات مشتركة تم قياسها أيضاً في الدراسات (العمر والجنس)، وليس تلك التي كانت فريدة من نوعها للدراسة. عندما تم تضمين المتغيرات المشتركة الإضافية هنا، ظلت النتائج متشابهة.

أخيراً، تسلط هذه النتائج الضوء على التمييز بين التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز "المجرد" من خلال إظهار أنه على الرغم من أن التشيكيين أبلغوا عن تحيز كبير تجاه المجموعات الخاصة بهم، إلا أنهم لا يجردون جميع المجموعات الأخرى من إنسانيتهم بالنسبة للتشيك. على وجه التحديد، صنف التشيكيون الألمان بدرجة 89.9 على أنهم "متطورون ومتحضرون" تماماً مثل التشيك .90.43.على الرغم من التقييم أظهر جميع المجموعات (بما في ذلك الألمان) انخفاضاً ملحوظاً في الدفء باستخدام مقياس حرارة الشعور بالتحيز.

السياسة المجرية المخزية

 المجر، والتي كانت بمثابة نقطة اشتعال لأزمة اللاجئين، حيث أطلقت الحكومة المجرية حملة كبرى مناهضة للهجرة من خلال نشر سلسلة من اللوحات الإعلانية في جميع أنحاء البلاد والتي كانت تستهدف المهاجرين ظاهرياً (على سبيل المثال، "إذا أتيت إلى المجر، فلا يمكنك سرقة وظائفنا"). قامت المجر أيضًا ببناء سياج على طول حدودها الجنوبية، تم بناؤه خصيصاً لإبقاء اللاجئين خارج البلاد، ومنعت نقل اللاجئين عبر البلاد عبر نظام السكك الحديدية. إلى جانب التعليقات رفيعة المستوى للقادة المجريين التي تجرد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم. بدت النخب السياسية في المجر مشجعة بشكل خاص لنزع الإنسانية والعداء ضد اللاجئين. ومن ناحية أخرى، لوحظ أيضاً تدفق للقلق في هذا الوقت حول العالم. رداً على العديد من الصور المروعة للاجئين الذين يغرقون أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، بما في ذلك صورة إيلان الكردي. لذلك اعتقد الباحثان أن الميل نحو التعاطف سيكون من المهم أخذه في الاعتبار.

 وتم تقييم دعم السياسات المناهضة للاجئين من خلال تزويد المشاركين بأربع سياسات تمت مناقشتها خلال "أزمة" اللاجئين في أوروبا: على سبيل المثال، "يجب علينا تقليل عدد اللاجئين بشكل كبير" حجم المساعدات التي نقدمها للاجئين من أجل ردعهم عن محاولة القدوم إلى بلادنا”. تم إجراء التقييمات باستخدام أشرطة التمرير المثبتة عند 0 ("أعارض بشدة") و100 ("أؤيد بشدة") اللجوء. من أجل التقييم المباشر لعدد اللاجئين المشاركين الذين قد يكون المشاركون على استعداد لقبولهم في المجر، طرحنا ما يلي: "من بين ما يقدر بـ 1.000.000 من اللاجئين الذين يمكنهم الوصول إلى أوروبا هذا العام، كم عدد الأشخاص الذين تعتقد أن المجر يجب أن تمنح حق اللجوء لهم، مما يسمح لهم بالعيش هناك بشكل دائم؟ (النطاق: 0 - 100000)" بسبب النطاق الكبير من الاستجابات المحتملة، تم تحويل النتائج إلى سجل. المسافة الاجتماعية. تم تقييم المسافة الاجتماعية من خلال مطالبة المشاركين بالإبلاغ عن مدى اتفاقهم بقوة مع 5 سيناريوهات تضعهم في تقارب اجتماعي مع اللاجئين (على سبيل المثال، "سيزعجني إذا انتهى ابني أو ابنتي بالزواج من لاجئ مسلم"). تم إجراء الردود باستخدام أشرطة تمرير غير محددة مثبتة عند 0 ("لا أوافق تمامًا") و100 ("أوافق تمامًا") الرد على الظلم.

لدراسة كيفية استجابة المجريين للظلم الذي ارتكبته مجموعتهم تجاه اللاجئين، قُدم للمشاركين قصة إخبارية عن شخص مجري قام بتوزيع عصير برتقال ممزوج بملين للاجئين المسلمين المحتاجين، وتغريدة تشيد بالعمل الذي حصل على أكثر من 2500 "إعجاب". لقد طلبنا من المشاركين الإبلاغ عن مقدار الغضب والشعور بالذنب والعار الذي شعروا به باعتبارهم مجريين على أشرطة تمرير غير مميزة مثبتة عند 0 ("لا شيء على الإطلاق") و100 ("كثير"). أظهر العمل السابق أن المشاعر الجماعية مثل الغضب والشعور بالذنب والعار رداً على الأفعال الخاطئة داخل المجموعة تحفز السلوك المؤيد للمجتمع عبر حدود المجموعة.

على الرغم من أنه يمكن اعتبار هذه المشاعر بمثابة بنيات منفصلة، إلا أن الاستجابات عبر العناصر الثلاثة كانت مرتبطة بقوة، وتم حساب متوسط الألم لإنشاء مقياس للحصول على الاستجابات المتوسطة والارتباطات ذات الترتيب الصفري لجميع المقاييس.  وكما هو الحال في جمهورية التشيك، فقد تم تجريد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم بشدة في المجر، حيث تم تصنيفهم بأكثر من 25 نقطة تحت المجموعة على مقياس الصعود.

أبلغ المشاركون أيضًا عن تحيز كبير تجاه اللاجئين، حيث صنفوهم على مقياس حرارة الشعور أقل بما يزيد عن 40 نقطة من المجموعة. بالنسبة لمقاييس النتائج، كان المجريون على استعداد لاستقبال ما متوسطه 13,827 لاجئًا

تمشيًا مع التوقعات، كان تجريد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم مرتبطًا بشكل كبير (وإن كان ضعيفًا) سلبًا مع سمة القلق التعاطفي. وارتبط التجريد الصارخ من الإنسانية بقوة مع كل من التحيز ومع الأيديولوجية السياسية بشكل فريد بجميع مقاييس النتائج (بما في ذلك المواقف والسلوك).

عند فحص تصنيفات التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز تجاه المجموعة بالنسبة لكل مجموعة من المجموعات الخارجية المستهدفة، وجد الباحثان أن المجريين، مثل التشيك، لم يجردوا الألمان من إنسانيتهم مقارنة بمجموعتهم. من ناحية أخرى، وتماشياً مع المشاركين التشيكيين، أبلغ المجريون عن مستويات كبيرة من التحيز تجاه جميع المجموعات (بما في ذلك الألمان) مقارنة بالمجموعة الداخلية.

كان التجريد من الإنسانية (والتحيز تجاه) اللاجئين في المجر مرتفعاً، وكان هذا التجريد الصارخ من الإنسانية مرتبطاً بشكل فريد بجميع النتائج. كما هو الحال أيضاً في العينة التشيكية، أبلغ المجريون عن إعجابهم بالمجموعات الأخرى بدرجة أقل بكثير من المجريين، على الرغم من تصنيف الألمان على أنهم "متطورون ومتحضرون" على حد سواء. وعلى الرغم من الرؤى التي ولدتها الدراسة، فقد اقتصرت هذه النتائج على أوروبا الشرقية، حيث ينتشر التحيز وكراهية الأجانب بشكل عام بصورة مرتفعة جداً مقارنة بأجزاء أخرى من أوروبا.

***

د. حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمرك

(إن الكيان الإسرائيلي أضحى إيذاؤه لا وصف له كأنه الشر المطلق)... طه عبدالرحمن، ثغور المرابطة.

(إن الدرس الذي نستخلصه من الدراسة عن سوء نية الإنسانية يتجلى في ان تفاهة الشر المرعبة وغير الموصوفة وغير المتصورة..  "إذ يتعلق الأمر بجريمة جماعية من حيث عدد الضحايا وكذلك عدد المساهمين في الجريمة.. إنها جريمة سياسية منظمة بامتياز)... حنة أرندت، إخمان في القدس تقرير حول تفاهة الشر

(إن الأحداث التي وقعت هي بمثابة النذر للحوادث الخطيرة التي ستحدث. والمؤرخ لا يحسب حسابا للمتناقضات ان مهمته تنحصر في تسجيل الحدث كما حدث فعلا وانه مس حياة شعب بأسره في الصميم)... البير كامو، رواية الطاعون

-1-

فلندخل في صلب الرواية لأن ما حدث يحتاج إلى تفصيل وتعليق..

يرى المؤرخ ارنولد توينبي (1975/1889) بان اليهودية والهيلينية كانتا المصدرين الرئيسيين للحضارة الغربية، ونتيجة الصدام تم التمازج بين الهيلينية واليهودية...

في سنة 1897، بدى من اليسير ان نتابع التقدم الذي اصاب العالم قبل الحضارة الغربية، من ايام اليهودية والهلينية. فاليهود والاغريق اندمجوا في الامبراطورية الرومانية. وهذه تعتبر الرحم السياسي للمسيحية.

سنة 1897 ظهر وكأن السيطرة العالمية التي بلغها الغرب دائمة وممتدة...، كأنها لم يسبق لها مثيل في انتشارها العالمي الواسع.. وفي سنة 1973  بدت هذه السيطرة عابرة، على نحو ما عرفه المغول والعرب والرومان والإغريق.. ومن ثم فان السيطرة الغربية لا يمكن اعتبارها غاية التاريخ او نهايته..

اليهود اقصوا من التاريخ سنة 70 م وهي السنة التي هدم فيها الهيكل من طرف الرومان، كما أقصى الإغريق من التاريخ ابتداء من سنة 451 م وأعيد اليونان إلى عضوية المنظومة الغربية سنة 1821 م لأنهم قاموا بالثورة ضد الامبراطورية العثمانية...[1]

نخلص مما سبق أن المسيحية تحولت على يد القديس بولس، وانسلخت من التقاليد اليهودية لتصبح ديانة للامميين وتحولت الكنيسة إلى الهيلينية باعتبارها فلسفة وحضارة وعندما اعتنقت الامبراطورية الرومانية المسيحية أصبحت الدين الرسمي للدولة.

وقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية سقوط اورشليم (بيت المقدس)  وشتات اليهود عقابا من الله لليهود لصلبهم المسيح.. ونبذت الحضارة المسيحية اليهود حتى القرن الخامس عشر، حيث نعرضوا اما للطرد أو تم إجبارهم على التحول عن الديانة اليهودية..

كيف واجهت الجماعات اليهودية التطورات التاريخية التي عصفت بهم بعد هدم الهيكل الثاني من طرف الرومان..؟ وكيف تكيفوا واستطاعوا ان يحافظوا على ما يتصورونه جوهري في الشخصية اليهودية عبر التاريخ..؟

وكيف تحول العداء المسيحي المتأصل إلى انحياز لاهوتي وثقافي..؟ وتحويل اسطورة المسيح المخلص..، في العهد القديم (سفر دانيال) وفي العهد الجديد (رؤيا يوحنا) إلى ممارسة سياسية.

ان دراسة التطور التاريخي للشخصية اليهودية هو الذي يساعدنا على فهم أطوارها المختلفة وهوياتها العرقية والدينية والتي تسعى إلى المحافظة على وحدة (إسرائيل) القومية بهدف استعادة (ملك) إسرائيل وبالتالي الظهور كقوة مؤثرة على مسرح التاريخ.

-2-

مفهوم اليهودية عبر التاريخ.

يجب في البداية ان نفرق بين مفهوم العبريين وبني إسرائيل واليهود واليهودية؛ وهي جميعا تحيلنا إلى ظواهر ومعاني تتمايز وتختلف بعضها عن بعض. هذه الكلمات تحيل إلى خصوصيات متمايزة. من هنا يتوجب ان نفصل معانيها بعناية فائقة. لان الاستخدام الصحيح لمعانيها ليس مجرد الفاظ ومترادفات. بل مفاهيم ومصطلحات تشكل مفاتيح النسق الفكري من منظور تاريخي..

1- العبرانيون:

إن كلمة عبري اقدم التسميات التي اطلقت على اعضاء الجماعات اليهودية. وتختلف المصادر في تحديد أصلها فيرى البعض انها مشتقة من كلمة (عبيرو) التي ترد في المدونات المصرية القديمة وفي المدونات الأكادية..

ويرى اخرون انها مشتقة من العبور بالتحديد عبور يعقوب (إسرائيل) نهر الفورات هاربا من أصهاره.  ويرى اخرون ان التسمية ترجع إلى (عابر) حفيد سام الذي تنسب اليه مجموعة كبيرة من الانساب.

وكانت الكلمة تعني الغريب الذي لا حقوق له. بالإشارة إلى أن العبرانيين كانوا في مصر غرباء بلا حقوق فترة طويلة وارتبطت بهم هذه التسمية، وتحولت مع الوقت إلى تسمية اثنية واجتماعية ووردت الكلمة في سفري الخروج والتكوين كمرادف لكلمة (يهودي) و (إسرائيلي). باعتبار ان الكلمة تشير إلى أن العبريين كجماعة اثنية (عرقية) قبل اعتناقهم اليهودية[2].

بغض النظر عن التخمينات الكثيرة في هذا الباب، يعترف المؤلفون فيما سبكوه من بقايا الأسانيد المختلفة منذ عرف اسم العبرانيون في التاريخ، إن هؤلاء القوم من سلالة سامية نشأت في مهد الشعوب السامية.. هاجروا إلى العراق، ثم هاجروا من جنوب العراق إلى شماله في عصر يقارب عصر ابراهيم الخليل...، ثم هاجروا من العراق إلى كنعان التي كان يسكن فيها الأدوميون والمؤابيون والعمالقة وعشائر مختلفة من الأراميين والكنعانبين.. وقد نشب النزاع بينهم وبين جيرانهم.

وسجل التاريخ باحتدام النزاع بين اتباع ابراهيم عليه السلام فانقسموا إلى شطرين.. ثم دخلوا مصر فنفر منهم المصريون. وعادوا إلى أرض كنعان. وقامت لهم دولة في عهد النبي داود وابنه وفي عهد سليمان بني الهيكل ثم انقسموا بعده قسمين، دولة في الشمال ودولة في الجنوب. ثم سباهم البابليون وسرحهم (كورش) عاهل الفرس وجملة تاريخهم بعد العودة من السبي الأول تكرار لهذا التاريخ..بعد هدم الهيكل الثاني تفرقوا في ارجاء الأرض حدث لهم نفور وقتال وكراهية في كل بلد..[3]

2- إسرائيل:

كلمة إسرائيل ومعناها قوة الله او القوة بالله والقوة الالهية المتجلية في جنوده أو عباده الصالحين.. فهي في كل التفسيرات تحمل معنيين محددين هما الصراع والقداسة..

السردية اليهودية تروي ان الكلمة أصبحت اسما ليعقوب عليه السلام بعد ان صارع الاله واجبره على ان يباركه مما يحيل على الأساطير اليونانية التي يتصارع فيها الابطال مع الاله فيكتسب صفة القداسة التي تجعله فوق البشر ثم اطلقت الكلمة على نسل يعقوب وأصبحت تشير إلى مملكة الشمال ثم إلى مملكة الجنوب (مملكة يهودا) بعد سقوط مملكة (إسرائيل) إلى ان حلت كلمة يهود محلها.

وللكلمة في دلالتها الاصطلاحية معنيان أساسيان فهي تعني اليهود بوصفهم شعباً مقدساً وتعني فلسطين بوصفها أرضا مقدسة. والإسرائيلي تعبير قانوني يشير إلى مواطن دولة إسرائيل ويختلف عن معنى الإسرائيلي الذي يشير إلى العبرانيين كجماعة دينية، كما ان الإسرائيلي يختلف على الصهيوني الذي يؤمن بالإيديولوجية الاستيطانية والهوية العرقية اليهودية.

هناك الصهيوني المسيحي والصهيوني اللاديني.. وليس كل يهودي صهيوني بالضرورة.[4] يرى كمال الصليبي[5]، بأن بني إسرائيل بعد أن زال ملكهم وتفرقوا في أقطار الأرض امتزجوا بشعوب أخرى كما حدث للشعوب البدائية.

أما اليهودية فهي ديانة توحيدية وضعت اسسها على ايدي انبياء بني إسرائيل بناء على شريعة او (توراة) موسى عليه السلام. وقد انتشرت الديانة اليهودية على ايديهم. وما زالت منتشرة في العالم بين شعوب لا تمت إلى بني  إسرائيل بصلة، لغة او عرفا.. مع العلم بأن عناصر من بني إسرائيل القدامى انصهروا في المجتمعات اليهودية التي انتظمت في مختلف الاقطار بعد زوال ملك إسرائيل..

كما أن عناصر من بني إسرائيل انصهرت في المجتمعات الغربية، وتحولت مع مرور الزمن إلى المسيحية..

ومن البديهي أن التشكلات الاجتماعية تعرف التبدل والتحول والاندماج من واقع تاريخي إلى واقع آخر.. والادعاء السائد بين يهود العالم انهم ورثة بني إسرائيل القدمى.. وهذا ادعاء باطل يعود إلى الاختلاط والتضليل الذي تحمله المصطلحات السابقة.

فالعبرانية تشير إلى الجماعات البدوية التي تتميز بخصائص البداوة. ولفظ عبري يشير إلى الناحيتين اللغوية والأدبية ولفظ بني إسرائيل يشير إلى العبرانيين  القادمى من حيث هم تجمع ديني. وإسرائيلي تشير إلى مواطني الدولة الصهيونية. اما كلمة يهودي فهي مصطلح يشير إلى معتنقي الديانة اليهودية بغض النظر عن انتمائهم العرقي (الإثني) أو الحضاري[6].

3- اليهود واليهودية:

تشير كلمة (يهود) على اطلاقها اشكاليات كثيرة، لأنها تخلط بين جماعات بشرية شديدة  التباين من حيث الاصل والميراث الحضاري، والمذاهب الدينية، باعتبارهم كلا متماسكا  ومتجانسا أو بوصفهم الشعب اليهودي.. تربط بينهم علاقة  اثنية (عرقية )  أو رابطة دينية.

الحركة الصهيونية استخدمت مصطلح  اليهود باعتبارهم  شعب واحد متجانس إلا أن مصطلح  (الجماعات اليهودية) هو الاكثر دلالة على التمايزات الموجودة  بينهم فكل جماعة  مرتبطة  بظروفها الحضارية والثقافية والبيئية التي عاشت فيها. فكانوا اقنان البلاط وتجار  ومحاربين داخل  النظام الإقطاعي.

وانتقل يهود بلاد فارس إلى الصين، واكتسبوا سمات الحضارة الكونفوسيوسية. ويهود الفلاشا اندمجوا في التشكيل الحضاري الافريقي. وهكذا لم يعد من الممكن النظر إلى كل هذه الظواهر في إطار واحد يقع خارج التطور التاريخي، استنادا إلى مفهوم الشعب اليهودي.

إن التفسير الصحيح لكل جماعة بشرية يجب ان يراعي الدائرة الحضارية التي نشأت فيها، والقوانين الحاكمة لحركة التاريخ والعصر الذي عاشت فيه.

ومما لا شك فيه أن التمايزات الحضارية كانت لها أثر عميق في الجماعات اليهودية من النواحي العقدية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية،  فاندمجوا في بيئاتهم ولم يبق لكثير منهم من اليهودية إلا الاسم..

والذين ثبتوا على هويتهم اليهودية (العرقية أو الدينية) بفضل الظروف المواتية في بيئاتهم الحضارية فقد انقسموا إلى مذاهب شتى.. واختلفوا فيما بينهم أحزابا وشيعا.

ومصطلح جماعة لا يعني أن اليهود جماعة واحدة بل توجد في الغالب جماعة رئيسية وجماعات فرعية لها هويات متمايزة..

ويهودي نسبة إلى (يهودا) باعتبارهم ينحدرون من قبائل العبرانية الاثني عشر.. واستخدمت الكلمة للدلالة على الدور الوظيفي الذي يقوم به ابناء الجماعات اليهودية في أوروبا..

في القرن الحادي عشر كانت كلمة  تاجر مرادفة  لكلمة (مرابي)  وكانت كلمة  يهودي  في الحضارة الغربية تحمل مضامين قدحية وسلبية فكانوا يستبدلونها بكلمة عبراني وإسرائيلي وموسوي. ورغم أن الكثير من اليهود تركوا عقيدتهم بتأثير من حركة التنوير اليهودية إلا أنهم استمروا في تسمية انفسهم يهودا. وهكذا لم يعد مصطلح يهودي يشير إلى الإيمان والعقيدة الدينية ومن هنا طرحت مسألة تعريف اليهودي حيث وجد تعريفان متباينان إحداهما يعتمد الهوية الدينية والثاني الهوية الإثنية أي الثقافية..[7]

كان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية الإثنية الدينية الواحدة.. التي تكرسها المؤسسة الحاخامية كما توجد عشرات من الجماعات التي تؤمن بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة، عن اليهودية الحاخامية.. وكل هذه الجماعات بهويات اثنية مختلفة، أي موروث ثقافي مشترك واسلوب حياة مشتركة.. وعلى الرغم من تنوع هويات اعضاء الجماعات اليهودية فيدعي الصهاينة ان ثمة وحدة جامعة وهوية اثنية عالمية.. وهو تصور ينطلق من أن الإنسان خاضع للحتميات الطبيعية المادية والاجتماعية ولا يمكن تجاوزها. فيذعن لهذه الحتميات المادية التي توجهه وتشكل هويته الإثنية (العرقية).

فالفكر الصهيوني يدور في إطار الرؤية الحلولية التي تجعل الخالق يحل في مخلوقاته فيتوحد بها ويصبح العالم جوهراً واحداً.

من هذا المنطلق تسقط الصهيونية على الشعب اليهودي والأرض اليهودية صفة القداسة لكونهما موضع الحلول الالهي مما جعل من الشعب اليهودي مختارا ومقدسا. ويتسم بفرادته وعزلته عن بقية الشعوب. كما أن الحلول يجعل الرابطة بين الشعب المقدس والأرض المقدسة رابطة عضوية لا يمكن فك أواصرها كما لا يمكن لغير اليهودي فهمها وسبر أغوارها بسبب تفردها.

وقد تفرع عن مفهوم الوحدة اليهودية مجموعة من المفاهيم الاختزالية، مثل الهوية الإثنية اليهودية، والشخصية اليهودية، والتاريخ اليهودي، والثقافة، اليهودية العالمية...الخ

هذه المفاهيم تختزل الجماعات اليهودية في صور إدراكية ايديولوجيا تهدف إلى تأكيد وحدة الجماعة على حساب التنوع الحضاري..

فأعضاء الجماعات اليهودية تفند هذه المقولات فهم يتسمون بالتنوع وعدم التجانس..[8].

إن الهدف من الترويج لمقولة الهوية الجامعة للجماعات اليهودية عبر التاريخ هوتحديد الأسس الإثنية والدينية، التي تعتمد لتحقيق الهوية اليهودية..

وبهذا الصدد فإن المؤسسة الحاخامية تعرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية، أو من يعتنق الديانة اليهودية. هذا التعريف هو الذي ساد في العصور الوسطى في أوروبا حتى بداية القرن التاسع عشر وهو التعريف الذي يعد الإطار المرجعي للكتابات حول الهوية اليهودية. وهو تعريف ديني وإثني فمن يولد من أم يهودية يظل يهوديا ولو لم يؤمن بالعقيدة اليهودية، وهو يهودي بالمعنى الإثني (العرقي)، أما اليهودي المتهود فهو يهودي بالمعنى الديني.

ورغم انتشار الجماعات اليهودية في العالم وما اتسمت به من تجانس ثقافي وديني فقد ظل تعريف الحاخامات لليهودي هو المعتمد.

إلا أن الحركات اليهودية التنويرية والإصلاحية والتجديدية والمحافظة، وهي فرق كان لها تعريفها لليهودية يختلف عن تعريف اليهودية الارثودوكسية.. أما الإصلاحيون فيؤمنون بروح العصر وأما المحافظون فبروح الشعب أو الأمة.

وهذه الصيغ تلغي الحلولية التقليدية التي كرستها الحاخامية والتي عزلت اليهود عن مجتمعاتهم فنزعت القدسية عن الهوية اليهودية بوضعها في إطارها التاريخي حتى يتسنى التمييز بين المطلق والنسبي مما يتيح للجماعات اليهودية الاندماج في المجتمعات المادية الحديثة بحيث تصبح هويتهم هي هوية الدولة القومية التي يعيشون فيها.

فالشريعة فقدت سلطتها الالزامية وأصبحت روح العصر هي المرجعية.. لا يعترف الإصلاحيون بالشريعة الشفوية.

(الحلول الالهي في الشعب وقيادته الحاخامية).

من ثم استبعاد العناصر القومية الموجودة في الدين اليهودي. والتي تؤكد فكرة اليهودية العالمية..[9]

رغم إسقاط صفة القداسة، فقد احتفظ الإصلاحيون بفكرة الشعب اليهودي، مع إعطائها دلالة عالمية جديدة واستبدلوا عقيدة المشحيانية بروح العصر الذي يحل فيه السلام والكمال ويأتي الخلاص إلى كل البشر من خلال التقدم العلمي والحضاري..

اندمجت الجماعات اليهودية في النسيج الحضاري الغربي، وأصبحت جزءا من المصالح الاقتصادية والسياسية ونشأ المشروع الصهيوني من رحم النظام الإمبريالي الرأسمالي الغربي الأمر الذي جعل الإصلاحية تعدل من رؤيتها لتتوائم مع الحركة الصهيونية لخدمة المصالح الامبريالية الاستعمارية..

اليهودية تطورت عبر التاريخ، وتكيفت مع روح العصر فاساس بنية الفكر الصهيوني تداخل المقدس والديني واللاهوت والسياسة.

الخلاصة أن تاريخ الهويات اليهودية الإثنية والدينية مركب ويغطي عدة أزمنة وأمكنة لا يربطها رابط. وأول هذه الهويات العبرانية لا تستند إلى تعريف ديني، بل تنسب إلى أقوام (كالعانيين والأراميين)، وهي مجموعات بشرية متماسكة تتصف ببعض سمات القومية، اللغة المشتركة، الثقافة والدين. ولكنها ليست شعوبا ولا قوميات بالمعنى الحديث..[10].

ولم يعد مصطلح (يهودي) حسب التعريف الحاخامي ينطبق على الغالبية العظمى من اليهود في العالم ولكن الغالبية تصر على ان تحتفظ بلقب يهودي..

-4-

تجليات الشخصية الإثنية في التاريخ:

1- الظاهرة الإثنية:

إن الملامح الأساسية للشخصية الإثنية هو أنها جماعة ذات تراث وتاريخ مشترك (لغة ودين وثقافة) يتوارثها أعضاء الجماعة جيلا بعد جيل، وتميزهم عن الآخرين من خلال ابراز خصوصيتهم الإثنية والقومية، وعلاقة الجماعة الإثنية بالأرض علاقة عضوية لا انفكاك منها.

النظرية الإثنية هي المقابل للنظرية العرقية التي تعتبر الانتماء إلى جنس معين محدد لهوية الشخص وانتمائه وتميزه واختلافه.

وقد استخدمت النظرية العرقية لتبرير الغزو الاستعماري الغربي للشعوب الأخرى. في آسيا وإفريقيا والأمريكيتين.. لأن هذا الآخر لا ينتمي إلى الهوية الإثنية والحضارية الغربية. فهو مستباح..

ومفهوم (الشعب العضوي) يعني أن أعضاء الشعب يترابطون ترابط الأعضاء بالجسم، والشعب هو الكمال العضوي المتماسك..[11].

النازية والصهيونية تبنت مفهوم الشعب العضوي والتفوق العرقي، بهدف تحقيق أهداف سياسية.

بهذا الخصوص يرى كلود ليفي ستروس (2009/1908): إن لا شيء في الوضع الحاضر للعلم يسمح بتأكيد التفوق او الدونية الثقافية بعرق من الأعراق، بالنسبة إلى عرق آخر.

فكل التجمعات الإثنية الكبرى التي تتألف منها الإنسانية اسهمت في تشكل تراث الإنسانية..

إن مساهمة الأعراق في الحضارة تعود لظروف جغرافية وتاريخية واجتماعية وليس نتيجة لقابليات متميزة أو متصلة بالتكوين التشريحي أو الفيزيولوجي..

إن الحياة الإنسانية لا تتطور في ظل نظام متماثل الرتابة، ولكن عبر نماذج منوعة من المجتمعات والحضارات، وهذا التنوع الثقافي والجمالي والاجتماعي ليس متصلا بأية علاقة سببية، بالتنوع الموجود على الصعيد البيولوجي. فثمة ثقافات إنسانية اكثر بكثير من الأعراق البشرية..[12].

2- الشخصية الإثنية اليهودية:

الشخصية اليهودية كما ظهرت على مسرح التاريخ شخصية معقدة تعتمد جذورها وتتحدد خصائصها في إطار الظروف والعوامل المتداخلة والمتناقضة التي تتصل اتصالا مباشرا بواقع الظروف التي تعرضت لها الجماعات اليهودية عبر التاريخ.

إن البحث عن ملامح الشخصية بين الأقليات اليهودية المبعثرة عبر تضاريس الكون البشري. التي تخضع لتأثيرات ثقافية ولغوية متباينة، فالبحث عن تاريخ مشترك لهذه الأقليات أو الجماعات اليهودية هو من قبيل الإبحار في أغوار محيط لا ساحل له..

وما يلفت النظر ان الشخصية اليهودية لم ترتبط بإطار جغرافي محدد.. ومن ثم فإن الجغرافيا لم تكن جزءا من هويتها ولم تكن سمة من سمات تراثها الذي تميز بتعدد مراكزه الجغرافية..[13]

لهذا يصعب القول إن ثمة شخصية يهودية واحدة جامعة تتسم بعناصر مشتركة... فبين الشخصية اليهودية الاثيوبية والشخصية اليهودية الامريكية فروق وتمايزات جمة ترجع إلى المحيط الحضاري لكل منهما، وذلك بمعزل عن الشخصيات والهويات اليهودية الأخرى..[14].

ولعل دراسة الشخصية اليهودية تكشف لنا الفرق بين الهويات اليهودية والصهيونية كايديولوجية عملت على تشكيل الشخصية اليهودية في العصر الحديث.

فمنذ القرن الخامس عشر ظهرت تيارات اليهودية المسيحية في الجزيرة الايبيرية (إسبانيا والبرتغال) وبرز نشاط تيارات المسيحية اليهودية في مرحلة الإصلاح والنهضة وراج الاعتقاد بعودة المسيح على رأس الفية السعيدة، وربطوا هذه العودة بعودة اليهود إلى أرض صهيون (اورشليم) واعادة بناء الهيكل.. بيد ان الانطلاقة الكبرى للمسيحية اليهودية ترجع إلى حركة الإصلاح الديني (البروتستانتية) في القرن السادس عشر حيث اعيد الاعتبار لليهود وللعهد القديم. المرجع الأعلى للإعتقاد المسيحي..

وانتعشت مع البروتستانتية المسيحية اليهودية والمتهودة.. واعتبرت بريطانيا بعد  انفصالها عن الكاثولوكية في مهمة مقدسة لعودة اليهود إلى اورشليم (بيت المقدس) وهكذا كانت البروتستانتية وراء انطلاق الحركة الصهيونية المسيحية. وذلك قبل ظهور الصهيونية اليهودية التي يعود تاريخ تأسيسها إلى المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897.

وقد جرى توظيف (اللاهوت) لأغراض سياسية وتم استخدام الجماعات اليهودية لتحقيق أهداف السياسة الاستعمارية.

وكانت الصهيونية المسيحية الأمريكية السباقة إلى الاستيطان في فلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر، ومع حلول القرن العشرين يسري الانتماء الصهيوني في الثقافة الأمريكية.

نتيجة الارتباط العضوي باللاهوت اليهودي (توراة)..[15]

فالمعتقدات الأمريكية مزيج من التقاليد والأخلاق الدينية اليهودية والمسيحية الذي تمت ترجمته إلى معنى سياسي يتجلى في توافق القيم الأمريكية والإسرائيلية مما يفسر الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل..

- 5 -

اليهودية والصهيونية

ظهر مصطلح اليهودية في العهد الهليني للإشارة إلى ممارسات اليهود الدينية أي العقيدة التي يتبعها سكان (يهودا)..، ثم استوعبت اليهودية الكثير من العناصر الدينية والحضارية، من الحضارات التي وجدت فيها وتتميز اليهودية بان التقاليد الشفوية أصبحت شريعة شفوية تعادل الشريعة المكتوبة.. استولت الصهيونية على العقيدة اليهودية وذلك باستقطاب الارثوذكس في صفها..[16].

أما مصطلح الصهيوني فقد تمت صياغته في القرن التاسع عشر ويستخدم للإشارة إلى بعض النزعات داخل النسق الديني اليهودي.

فالصهيونية بالمعنى الديني: تشير إلى كلمة صهيون في التراث الديني اليهودي (إلى جبل صهيون والقدس) بل إلى الأرض المقدسة كلها ويشير إلى اليهود باعتبارهم ابناء صهيون..

كما يستخدم للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية.. وفكرة العودة إلى صهيون فكرة محورية في الدين اليهودي. إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن المسيح المخلص سيأتي في آخر الزمان ليقود شعبه إلى صهيون ليحكم العالم ويسود العدل والرخاء..[17].

وقد بدأ مفهوم الصهيونية يتبلور مع توسع النظام الإمبريالي وظهور الدولة القومية العلمانية التي همشت الجماعات اليهودية الوظيفية.

بدأ مفهوم الصهيونية في التبلور والتخلص من ابعاده الدينية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول..، وتم تسويغ الصهيونية انطلاقا من الرؤية المعرفية الامبريالية واطروحاتها المادية وغالبا ما يخلط بين العلمانية والهوية الدينية لتبرير توطين اليهود في فلسطين لتحقيق الخلاص ولحماية، الطريق إلى الهند بهدف التوسع الإمبريالي..

حتى نهاية القرن التاسع عشر تمت صهينت الوجدان والعقل الغربي من خلال بلورة فكرة (الشعب العضوي ) في كتابات المفكرين والأدباء سواء من حركة الاستنارة أو الرومانسية.

وبدأ الاهتمام باللغة العبرية والموضوعات اليهودية بكثير من الألفة لم تكن معروفة من قبل.. ونشر ما بين (1880/1840) ما يزيد على 1600 كتاب من كتب الرحلات في تدعيم صورة فلسطين كأرض مهملة وصورة العرب والمسلمين بكونهم مسؤولين عن هذا الخراب..

وأسس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865 وكان مركزا لمؤيدي الاستيطان الصهيوني.

كانت النزعة الصهيونية حتى اوائل القرن التاسع عشر تأخذ طابعا فكريا تأمليا وعاطفيا لان أوروبا في حالات الانتقال..

ويلاحظ أن البعد (الجيوسياسي) الكامن وراء النزعة الصهيونية ازداد مع التوسع الإمبريالي والاستعماري الغربي..

وربط الحل الصهيوني للمسألة اليهودية بتمزيق الامبراطورية العثمانية.. واقتسام تركتها.. وازدادت فكرة الصهيونية المركزية في المخططات السياسية الغربية الاستعمارية. فكانت معظم الدول الأوروبية مشاركة في وعد الوزير البريطاني(آرتور بلفور) (2 نونبر 1917) الرسالة موجهة إلى ادموند روتشيلد (1937/1868) أحد زعماء الحركة الصهيونية تم التنصيص في الرسالة على إقامة وطن للشعب اليهودي (â national home for jewish people)  في فلسطين..

والجدير بالذكر أن فكرة الوعد ترجمة حرفية للمقولات اللاهوتية اليهودية والمسيحية.. ومن هذه المقولات تبلور مفهوم الصهيونية الغربية وهو مصطلح يشير إلى أنها حركة غربية تضرب بجذورها في التشكل الحضاري والسياسي الغربي، وتصدر من الصيغتين الأساسية والشاملة.. (صهيونية اليهود في غرب أوروبا، وصهيونية يهود شرق أوروبا). فالشعب اليهودي مجرد وسيلة مهمة توظف في إطار كوني وتاريخي ضخم بسبب الرؤية الحلولية اليهودية التي تمتزج بالرؤية المادية النفعية في إطار الحضارة الغربية الحديثة بحيث يتم التعبير عن الروحية بطريقة مادية. فيحل النظر إلى أرض الميعاد باعتبار اهميتها الاقتصادية والاستراتيجية وإلى الشعب باعتباره مادة استيطانية تخدم الحضارة الغربية..[18].

***

أحمد بابانا العلوي – باحث مغربي

...........................

[1]- أرنولد توينبي، تاريخ البشرية،  ترجمة نقولا زيادة- الدار الأهلية للنشر 1981 الجزء الأول- ص 11/10.

[2]- د. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (الموجزة)، دار الشروق 2003/ط/1/  ص - 103

[3]- عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية، منشورات، المكتبة العصرية ص- 32/31

[4]- عبد الوهاب المسيري، المصدر السابق، ص 103.

[5]- كمال الصليبي، التوراة جاءت من الجزيرة العربية، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية ط/6/ص12/ 13.

[6]- عبد الوهاب المسيري، مصدر سبق ذكره، ص - 104

[7]- عبد الوهاب المسيري، المصدر السابق ص- 103/101

[8]- عبد الوهاب المسيري، دفاع عن  الإنسان دراسة نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة، دار الشروق ط4 / 2020- ص 23/21.

[9]- المصدر السابق، ص 107

[10] - المصدر السابق، ص 123

[11]- عبد الوهاب المسيري، الموسوعة اليهودية (ج2/ 2003) ص 26.

[12]- كلود ليفي استراوس، العرق والتاريخ، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر- ط2 / 1997/ص5/ 7.

[13]- الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية، د. رشاد عبد الله الشامي، عالم المعرفة(102) يونيو 1986/ص 29.

[14]- عبد الوهاب المسيري، الموسوعة اليهودية- ج2 / ص 30.

[15]- رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم المسيحية السياسية والأصوليةفي أمريكا، دار الشروق، ط1 /2001/ص16/ 18

[16]- الموسوعة اليهودية، ج2/ص19

[17]- المصدر السابق، ص197.

[18]- المصدر السابق، ص 246.

 

عندما تنظر في كتاب رب العالمين عز وجل تلمس الإعجاز القرآني وبديع صنعه في السور والآيات القرآنية وخصوصاً تلك التي تتحدث عن طبيعة ردود الأفعال والتصرفات الفجة التي تتعامل بها الأقوام الجاحدة والمنكرة لرسالة الأنبياء والمرسلين المبلغين عن الله عز وجل لأقوامهم، فهم يريدون لهم الخير والسلام والإيمان الذي يخرج الأقوام والشعوب والأمم من جهل الدنيا إلى سعة الآخرة وظلامها الدامس إلى نور وعدالة في الأرض والسماء ، كما قال ربيعي بن عامر رضي الله عنه لرستم " قال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".[1]

تأمل معي هذه الآيات العظيمات في قوله سبحانه وتعالى " قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" ( الأعراف:62)،"

فالسفاهة‏ تعني: ‏إساءة التصرف أو التصرف بما يناقض الحكمة‏، خفة عقل وضلالة عن الحق

مصدر سفه رداءة خلق. وقاحة.[2]

والنداء في جوابه إياهم للاهتمام بالخبر، ولم يخص خطابه بالذين جاوبوه، بل أعاد الخطاب إلى القوم كلهم، لأن جوابه مع كونه مجادلة للملأ من قومه هو كذلك دعوة عامة والرد عليهم وإبطال قولهم إنا لنراك في ضلال مبين .[3]

وآية أخرى" قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين".[(الأعراف:٦٦ – ٦٧).

فالضَّلالة: الضَّلال. والضَّلالة سلوك طريقٍ لا يوصِّل إِلى المطلوب. ضلالة العمل: بطلانه وضيَاعه. الضَّلالُ والضَّلالةُ: ضدُّ الهُدَى والرَّشاد.[4]

وصلت بهم الصلافة والرعونة وقلة التهذيب بأن يتحدثون مع أنبياء الله عز وجل في نعتهم بالسفاهة والتي تصفهم بالإساءة وقلة الحكمة، وكذلك بالضلالة التي تتهمهم بقلة الهدى والرشاد مع أنهم جاءوا يبلغون رسالات الله عز وجل ويخرجون العباد من الشرك إلى الإيمان ومن الضياع إلى الهدى ومن الانحراف إلى السوية والصراط المستقيم، قلة الفهم وغياب الدراية والمعرفة والفهم لاستيعاب دور الأنبياء المبلغين عن الله عز وجل في التصرف والتجاوزات باتهاماتهم وتعنتهم كبراً وتطاولاً عليهم.

لم يتعامل الرسل عليهم السلام بالمثل ويستخدمون الجدال والمناكفات والتصرفات غير المتوازنة، ويتصرفون وفق ردود الأفعال كما فعلت الأقوام المنكرة والمتهمة إياهم بالضلال والسفه، بالرغم من أن هذه الكلمات والاتهامات مؤلمة وموجعة وفيها قدح وذم لأعظم البشر وأكثرهم صدقاً وعدالة، فهم رسل الله عز وجل حملوا لواء الرسالة لنشر القيم والمبادئ العظيمة والفهم الصحيح لطبيعة الحياة وخلق الإنسان لعبادة الله وتوحيده، وهو في نهاية المطاف له التمكين والسعادة في الدارين، إن اتباع نهج الرسالة ووعى كنه أصالتها والتزم بتعاليم دينه ومنهجه، إنما تحلو بالانضباط ورباطة الجأش والتحكم في الذات والتركيز على الهدف في الموقفين، فقد دحضوا فكرة الضلالة والسفاهة عنهم بروح وثابة ونفس مطمئنة وثقة بالله ومن ثم من أنفسهم لعظيم رسالتهم وصدقها وعدالتها، وأظهروا رسالتهم والأهداف التي جاءوا من أجلها، فلم يحرفهم هؤلاء القوم على بشاعة ما ذكروه ووصفوهم بهم عن جادة طريقهم ومسار غاياتهم، فقد أشاروا لهم أنهم رسل لله عز وجل وإظهار دورهم الإيجابي ونصحهم لهم والخير الذي يكمن في دعوتهم .

فحري بكل موظف أو أية شخص أين كان موقعه أو منصبه أن ينحوا تجاه الحياة العملية والمهنية والاجتماعية عندما يتعرض للاستفزاز والصعوبات والتحديات في عمله ، أن يسلتهم العبر والعظات من هذه الآيات بأن يتمتع بالتوازن في شخصيته والتحكم فيها دون الانجرار إلى ترهات الكلمات والمواقف التي تصدر عن البعض من إيذاء وتشكيك وقدح وذم، فلربما الشخص الذي يكيل الإتهامات والأوصاف غير الحقيقية ، إما أنه جاهل يحتاج إلى تعلم ووعي وإدراك، وإما متكبر ومعاند يريد أن يحرف البوصلة عن مسارها وينفذ مآربه ومخططاته. فالتوجه نحو الأهداف والأدوار أثمن نفعاً من السجال غير المجدي الذي يؤدي بدوره إلى النجاح في التعامل مع المخطئ أو تحجيم الجاهل أو المعاند وتفويت الفرصة عليه والسيطرة على الموقف والأحداث التي يفتعلونها ويحدثونها. فالسيطرة على الذات والتعامل بتوازن نفسي والتصرف وفق الفعل الإيجابي والتوجه الأسمى أعظم فائدة وأكبر أثراً في إحداث التغيير الملائم والوصول إلى الأهداف المرجوة والمخطط لها.

***

د. أكرم عثمان

مستشار ومدرب دولي في التنمية البشرية

2024

.................

[1] https://www.islamstory.com/ar/artical/20281

[2] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

[3] https://www.islamweb.net/ar/library/content/61/945

[4] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

الموافقة على الفعل الجنسي للفتيات الصغيرات في محاكمات الاغتصاب في شاتليه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر

بقلم: ماييل برنارد

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

يجسد الاعتداء الجنسي على الأطفال حاليًا أحد الأشكال النادرة للحياة الجنسية غير القانونية في فرنسا. ولأن الطفل يعد غير قادر على الموافقة على الفعل الجنسي، فإنه يمثل في المخيلة الجماعية الضحية البريئة في أنقى صورها. ومع ذلك، فإن مسألة موافقة الأطفال لا تزال تخضع حاليًا للعديد من المناقشات والخلافات.في حين ترغب الحركات النسوية في تحديد "سن الرضا للقاصرين الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا" وسن "قانون يحدد على وجه التحديد الاغتصاب وغيره من الاعتداءات الجنسية على القاصرين، مع عبارات محددة لتوصيف الإكراه والتهديد والعنف والمفاجأة".(1)"نجد الحكومة، تبادر باعتماد قانون شيابا في 3 أغسطس 2018*، ومن ثم قد تخلت أخيرًا عن تحديد الحد الأدنى لسن الموافقة على الاتصال الجنسي (2).

يقودنا هذا القرار إلى التشكيك في براءة الطفل المفترضة، وبالتالي غياب موافقته، لأنه في المحكمة يمكن اعتباره موافقًا على علاقة جنسية(3) – كما كان الحال خلال الحكم الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني أصدرت محكمة جنايات مو (سين إت مارن) في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2017، حكماً ببراءة رجل يبلغ من العمر 30 عاماً متهم باغتصاب فتاة تبلغ من العمر 11 عاماً. إن رفض الاعتراف بالاغتصاب عندما يقدم الطفل شكوى ويثبت الفعل الجنسي يثير التساؤل التالي: هل يمكن للطفل أن يوافق على الفعل الجنسي رغم صغر سنه؟ لأنه، كما تشير ساندرا بورينغر، في المجتمعات الغربية المعاصرة، "لا تعاقب الإدانة بالاغتصاب على فعل محدد، بل ما يعاقب عليه هو انتهاك موافقة الشخص(4)." لكي نفهم بشكل أفضل ما هو على المحك في هذه الأسئلة الاجتماعية - التي هي التشكيك في موافقة الأحداث والرغبة في إثبات أن الطفل ضحية كاملة - من المفيد كمؤرخ "الذهاب نحو الماضي بهذه الأسئلة حول الحاضر لنعود إلى الحاضر مثقلين بما فهمناه من الماضي(5)"

قبل التركيز على شخصية الفتاة الصغيرة، من المناسب أن نتوقف بضع لحظات عند جريمة الاغتصاب في القرن الثامن عشر. وفي هذا التاريخ، حددها ستة من الفقهاء الفرنسيين (6)؛ يقدم بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، المحامي، ودانييل جوس، الحقوقي والجنائي، التعريفات الأكثر تفصيلاً. وفي هذا التاريخ، حددها ستة حكماء فرنسيين؛ يقدم بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، المحامي، ودانييل جوس، الحقوقي والجنائي، التعريفات الأكثر تفصيلاً. الأول يكتب أن “هذه الجريمة ترتكب عندما يستخدم الرجل القوة والعنف ضد فتاة أو امرأة أو أرملة ليتعرف عليها جسديًا، على الرغم من المقاومة القوية والمتساوية دائمًا التي تبديها لمنع القيام بذلك. (7)" والثاني يصف الاغتصاب بأنه "أي ارتباط غير مشروع يتم بالقوة، وضد إرادة الفتيات والنساء والأرامل (8)" . من بين تعريفاتنا الستة، فقط جوس هو الذي ذكر الإرادة الأنثوية. إن فكرة "موافقة الأنثى" غائبة عن هذه الأدبيات القانونية للنظام القديم؛ ظهر عام 1810 مع إنشاء القانون المدني. ومن ثم يُفهم الاغتصاب على أنه "الجماع غير المشروع مع امرأة معروف عنها عدم موافقتها".لفترة طويلة، قلل علم التأريخ من أهمية الاغتصاب في القرن الثامن عشر، وأنزله إلى المرتبة الثانية، بعد جرائم الاختطاف العنيف والإغواء والزنا. ويوضح جورج فيجاريلو أن "كلمة الاغتصاب موجودة بالطبع في إجراءات القرن الثامن عشر، ولكن المصطلح المستخدم تحديدًا في الأطروحات المتعلقة بالمسائل الجنائية هو مصطلح "الاختطاف بالعنف" (9)". ومن الناحية الرمزية، فإن الجريمة التي يعاقب عليها القانون ليست اغتصاب موافقة الضحية، بل الاعتداء على شرف فرد ذكر - شرف الأب في حالة الاختطاف وشرف الزوج في حالة الزنا. ثم تستنتج جينيفيف فريس أنه في فرنسا "تغيرت الأمور [...] خلال المناقشات الثورية [...] مع الاعتراف بالاغتصاب الذي يحل محل مصطلح الاختطاف في قانون العقوبات لعام 1791 [...].أصبحت موافقة المرأة الآن مسألة خطيرة(10)." ومع ذلك، تحتاج هذه النظرية التاريخية إلى تعديل لأننا لاحظنا خلال بحثنا أن ثلث المعتقلين في مجموعتنا يعرّفون الاغتصاب بشكل مستقل عن الجرائم الأخرى، وبالتالي يضعون موافقة الأنثى في مركز تفكيرهم (11).

ومع ذلك، فإن هذا الاعتبار القانوني للاغتصاب ليس مرادفًا لمراعاة موافقة الضحية أثناء الجريمة. إذا كانت الفتاة الصغيرة تعتبر "الضحية المثالية (12)" في القرن الثامن عشر، فإن هذا ليس هو الحال بالنسبة للمرأة البالغة التي تأتي لتقديم شكوى. عندما يحلل هيرفي بليانت المفهوم القانوني لـ "الضحية"، فهو يربطها بالسلبية: الضحية ضحية لأنه لم يفعل شيئًا (أو لم يفعل ما يكفي) للهروب من مصيره. هذه السلبية – التي يعتبرها “أحد الشروط الضرورية للبراءة(13)" – تؤدي إلى الشك: إذا لم يقم الضحية بأي شيء، فمن المشروع بالتالي التشكيك في حالة موافقته. وبالتالي فإن الضحية المثالية هي الشخص الذي - على الرغم من سلبيته، سواء أكان نسبيًا إذا حاول المقاومة أو مطلقًا -لا يمكن الشك في أنها وافقت أو استسلمت. ثم يجسدها شخصيتان: الطفل والمرأة الميتة. الأول لأن عمرها يشهد على عدم رضاها، والثاني لأن موتها هو الدليل القاطع على أنها قاومت حتى النهاية، وبالتالي لم توافق.

على عكس هاتين الشخصيتين اللتين يُنظر إليهما على أنهما بريئتان جوهريًا، فإن المرأة البالغة التي تعرضت للاغتصاب يُشتبه دائمًا في أنها لم تمنع مهاجمها من التصرف لأنه، وفقًا لمعاصريها، "مهما كان تفوق قوة الرجل على قوة المرأة، فإن الطبيعة قد زودتها بموارد لا حصر لها لتجنب انتصار خصمها(14)." استنتج جان فرانسوا فورنيل، وهو محام فرنسي من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أن الاغتصاب الناجح - وبعبارة أخرى، عندما يكون هناك إيلاج -تتم دائمًا الموافقة عليها جزئيًا من قبل الضحية البالغة نظرًا لأن الأخير استسلم أخيرًا لهجمات مهاجمه و"الحكمة التي تستسلم دائمًا تقريبًا نصف حكمة(15)". في حين أن شكاوى الاغتصاب من النساء البالغات نادرة في الأرشيفات القضائية، فإن أرليت فارج تشكك في هذا الوضع الأرشيفي وتستنتج أن معظم الضحايا يظلون صامتين؛ ولا يملك هؤلاء الأخيرون سوى القليل من سبل اللجوء ضد المعتدي، خاصة إذا لم يكن لديهم إصابات أو حمل للإدلاء بشهادتهم بشأنه. وأيضاً، بحسب هذا المؤرخ، فإن "غياب الاغتصاب يجعل منه حاضراً بشكل غريب(16)".

ومن الناحية القانونية، فإن شبهة الرضا هذه غير موجودة عندما يتعلق الأمر باغتصاب طفل يقل عمره عن (12) سنة. ويوضح مويارت دي فوجلان أنه "نحن نميز في الفقه بين نوعين من الاغتصاب: تلك المرتكبة ضد فتيات غير مؤهلات للزواج أو غير ناضجات وتلك المرتكبة ضد فتيات قابلات للزواج(17)". لذلك، يلعب العمر دورًا مهيمنًا في الفكر القانوني في القرن الثامن عشر، ولهذا السبب "لا يُنظر إلى اغتصاب فتاة صغيرة تبلغ من العمر 17 عامًا، أو امرأة متزوجة أو أرملة، ولا يُعامل بنفس الطريقة التي يتم بها اغتصاب طفل.(18)".

إن الوثائق القانونية التي تم تحليلها كجزء من بحثنا، وجميعها من الأرشيفات الباريسية لشاتليه وبرلمان باريس والتي يرجع تاريخها إلى الفترة من 1750 إلى 1785، تشهد على ذلك: إنها في الأساس محاكمات تشمل فتيات صغيرات جدًا؛ من بين 31 تجربة اغتصاب تمت دراستها (19)، كانت 23 منها تتعلق بفتيات تحت سن 12 عامًا (20). ثم دفعتنا هذه النسبة الكبيرة إلى التساؤل عن المكانة الحقيقية التي يمنحها قضاة شاتليه دو باريس لموافقة الأطفال - وخاصة لعدم وجودها - في مواجهة النظرية القانونية التي تجعل من هؤلاء "ضحايا مثاليين". (21)".

إذا كان هذا الاعتبار القانوني الذي يوضح على الفور براءة الفتيات الصغيرات يشجع الآباء عمومًا على تقديم شكوى (I)، فإن الواقع القانوني غالبًا ما يتضمن التشكيك في عدم موافقة الضحية القاصر، وبالتالي فهو ملزم بإثبات براءته، كضحية بالغة. سيفعل ذلك (الثاني). هذا الشك حول موافقة الفتيات يدفع النظام القضائي إلى توخي الحذر عند معاقبة اغتصاب الأطفال، لأنه في القرن الثامن عشر فضلت المؤسسة القضائية إطلاق سراح الشخص المذنب بدلاً من إدانة شخص بريء (III) .

الفتاة الصغيرة: "الضحية المثالية) 22 (" في النظرية القانونية

يعتقد التأريخ الحالي أن الفتاة الصغيرة في القرن الثامن عشر كانت "ضحية مثالية(23)" عندما يتعلق الأمر بالعنف الجنسي - كانت النظرية القانونية في ذلك الوقت تقدمها على أنها غير قادرة على الموافقة على ممارسة الجنس قبل سن الثانية عشرة. تفسر هذه البراءة النظرية التي مُنحت لها الوجود الكبير لحالات اغتصاب الأطفال في الأرشيفات القضائية: فالآباء أقل خوفا من تقديم شكوى ويعتقدون أن ابنتهم سوف يصدقونها بشكل أكبر، على عكس الضحية البالغة التي تثقل كاهلهم بشكل منهجي تقريبا بشبهة الموافقة.

العمر كدليل على عدم الموافقة

في القرن الثامن عشر، كان سن البلوغ عند الإناث حوالي 15 عامًا ونصف، وبالنسبة لمعظم الفتيات، بالنسبة لمعظم الفتيات، لم يصل الحيض حتى سن 17 أو 18 (24). ومن ثم قبل أن تبلغ المرأة 12 سنة، فهي ليست في سن البلوغ وتعتبر فتاة؛ ومع ذلك، فمن هذا العمر، وفقًا للقواميس القانونية، يمكنها الموافقة على العلاقة الجنسية. ويعكس هذا الحد العمري النظريات التي وضعها القانون الكنسي، والتي بموجبها يكون الحد الأدنى لسن الزواج هو 12 عامًا للفتيات و14 عامًا للفتيان (25) . ويوضح نيكولا شورييه، وهو محام ومؤرخ فرنسي من القرن السابع عشر، أنه إذا تم انتهاك حياء فتاة دون سن 12 عامًا عن طريق الاختطاف والعنف، فإن العقوبة العادلة هي الموت(26). وإذا تم الجماع دون هذين العنصرين العنيفين، وجب الحكم على المتهم بالإبعاد – إذا كان رجلا حسن السمعة أو يعمل فى تشغيل المعادن - هنا، يُفهم سن 12 عامًا على أنه الحد الفاصل بين اغتصاب البالغين واغتصاب الأطفال، وبالتالي يتضمن عقوبة أشد. علاوة على ذلك،  شير نيكولاس كورييه إلى أن العمر الحقيقي للفتاة - وليس فقط حقيقة أنها أقل من 12 عامًا - مهم في إدانة الاغتصاب؛ في الواقع، “كلما كان عمر الفتاة المغتصبة أقل، كلما كان الشخص الذي أجبرها على الجريمة أكثر إجراماً(27)"

لأن تعريفها بالطفلة، وعمر المجني عليها أقل من 12 سنة هو في الأدبيات القانونية دليل على عدم رضاها وبالتالي على براءتها. يؤكد مويارت دي فوجلان على أهمية هذا المعيار عندما ينصح القضاة "بتوخي الحذر الشديد تجاه الاتهامات [بالاغتصاب]" إلا عندما ترتكب الجريمة "ضد فتيات غير ناضجات، حيث يكون العمر وحده كافيًا لإثبات الدليل (28)". على عكس المرأة غير الصالحة للزواج التي يجب أن تظهر مقاومة كاملة، وعدم تكافؤ القوة بينها وبين مهاجمها، وتصرخ، ويجب أن تكون مصابة بجروح وآثار عنف، فإن الطفل الذي يقل عمره عن 12 عامًا، وفقًا للمؤلف، خامل بسبب عمره؛ الشك في الموافقة غير موجود. ويفسر افتراض البراءة هذا السبب الحقيقى فى تشديد العقوبات المطلوبة في حالة اغتصاب فتاة صغيرة.

الوضع الذي يستدعى الإدانات

المصادر القضائية غير كاملة بطبيعتها لأنه لا يقدم جميع ضحايا الاغتصاب شكاوى. وأمام صعوبة إثبات عدم الموافقة والشكوك المستمرة التي تحيط بهن، تلتزم العديد من النساء الصمت. وهكذا تظهر الأرشيفات أفظع الجرائم، بما في ذلك حالات اغتصاب الفتيات المبلغ عنها بسبب البراءة الجوهرية التي تمنحها الأدبيات القانونية لهؤلاء الضحايا؛ وتعتقد العائلات بعد ذلك أنها ستتمكن من كسب القضية والحصول على تعويض بسهولة كبيرة.

ومع ذلك، كما يشير ألكسيس برنارد، حتى أصغر الضحايا يحاولون إخفاء الجريمة عن المقربين منهم، وغالبًا ما يحدث ذلك فقط عندما يعانون من إصابات أو أمراض فسيولوجية تظهر للعلن(29). ومن بين الحالات الثلاث والعشرين، تم تقديم 11 بلاغًا بعد أن لاحظ الوالدان علامات جسدية غير عادية على طفلهما. يمكن أن يتراوح ذلك من الأمراض التناسلية، كما هو الحال بالنسبة لماري آن بريفالون، وهي فتاة تبلغ من العمر 5 سنوات (30) إلى أضرار جسدية لا يمكن إصلاحها: اشتكت ماري تيريز باريس، البالغة من العمر 3 سنوات ونصف، من المغص لأمها التي لاحظت بعد ذلك "أن الدم يخرج بغزارة عبر الرحم(31)". ثم ماتت الفتاة الصغيرة بعد ستة أيام.

البراءة موضع شك في المحاكمة القضائية

وعلى الرغم من النظرية القانونية التي تعتبر الفتاة التي يقل عمرها عن 12 عامًا "الضحية المثالية (32)"، فإن المحكمة تحتفظ بشكوك قوية تجاهها. ولذلك يجب على الأخيرة أن ترد على اتهامات مهاجمها وتقنع القضاة ببراءتها. وللقيام بذلك، أظهرت، بمساعدة عائلتها، مقاومتها وصراخها وشرفها، كما تفعل الضحية البالغة؛ ومن ثم تشكل هذه العناصر دليلاً على عدم تصديقها أثناء الإبلاغ.

إلقاء اللوم على الفتاة الصغيرة في الاغتصاب

ليس من غير المألوف أثناء محاكمات الاغتصاب أن يسعى المتهمون إلى تشويه سمعة الفتاة من خلال الادعاء بأنها تتحمل بعض المسؤولية عن الفعل الجنسي. من بين محاكماتنا الثلاث والعشرين، ذكر ثمانية متهمين المبادرة النسائية للتقليل من مسؤوليتهم. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على فرانسوا ريمون وجان باتيست فلورات اللذين يدعيان أن الأطفال هم الذين جاءوا ليجدوهما في غرفتهما وأنهم، بموقفهم، قاموا بفعل جنسي (33)؛ الفتاتان تبلغان من العمر 5 سنوات ونصف و 7 سنوات على التوالي. من جانبه، وصف ليونارد لا شابيل ماري آن نيري، البالغة من العمر 11 عامًا، بأنها وافقت على الإيماءات الجنسية. ويوضح أن "الفتاة [المذكورة] هي التي جاءت لتبحث عنه بنفسها لتجرب الدغدغة بالعضو الذكري".وعلى حد قوله فإنه "لم يكتف إلا بمسها وبرضاها"(34). فرانسوا بلانشيت هو المتهم الوحيد الذي حاول إعادة صياغة الجماع الجنسي باعتباره عملاً من أعمال الدعارة. ويوضح أنه بعد محاولة الإيلاج، "مدت الفتاة الصغيرة [المذكورة] نفسها إلى جيبهوأخذت العملة المعدنية ذات الجنيهين(35) كان عمر ضحيته 6 سنوات.

يرتبط شرف المرأة وسمعتها ارتباطًا وثيقًا بحياتها الجنسية في خيال القرن الثامن عشر. وعلى خلاف الرجال الذين يتأثرون بقصورهم الجنسي لا بإفراطهم، فإن الفجور من أسوأ الإهانات التي يمكن أن توجه إلى المرأة(36). في الأدبيات القانونية، لا تعتبر المرأة ذات السلوك السيئ عرضة للاغتصاب؛ أثناء محاكمة الاغتصاب، يستنكر المتهم أحيانًا حياة الفتاة السيئة لمحاولة إثبات موافقتها. من بين الاثنين والعشرين متهمًا في مجموعتنا - أحدهم حوكم في قضيتين - يسعى ثلاثة إلى الإضرار بسمعة ضحيتهم: أندريه شيفال، وكريستوف إيزابيل، وليونارد لا شابيل. وللدفاع عن نفسه ضد اتهام ماري أوبورتون هينوست، يقول كريستوف إيزابيل " أقسم بإن هذه الفتاة [تبلغ من العمر 10 سنوات ونصف] معروفة بأنها فاجرة بعض الشيء، حتى أن والدها يشكو من فجورها(37)".

ضرورة إثبات عدم موافقة الفتيات

في مواجهة الاتهامات من المعتدي، يجب على الفتيات الصغيرات المشتبه في موافقتهن إثبات براءتهن. وللقيام بذلك، طرحوا حججًا مرتبطة بالتعريف القانوني للاغتصاب - والذي يتميز بشكل خاص بالمقاومة المستمرة وصرخات الضحية؛ وبعد مرور قرن فقط، اكتشف الطب حالة الدهشة عندما أوضح ألفريد سوين تايلور، الكيميائي الإنجليزي وعالم السموم، أن المرأة يمكن أن "تستسلم لهجوم دون أن تبدي مقاومة" لأنها "تصبح عاجزة بسبب رعب القوة". حالتها   (38)". إذا لم تصرخ الضحية، يمكن للمتهم بسهولة أن ينكر عدم الموافقة أو حتى الفعل الجنسي. وفقًا لروسو دو لا كومب "نحن نعترف أنه كان هناك عنف أثناء عملية الاختطاف [أو الاغتصاب] عندما طلبت امرأة، بصوت عالٍ، المساعدة والمساعدة من شخص ما، وعندما سمع بعض الناس هذه الصرخة (39) "؛ ولهذا السبب يُشتبه في موافقة الضحية الصامتة. من بين المحاكمات الثلاثة والعشرين التي أجريناها، ادعت خمس فتيات أنهن صرخن، وذكرت خمس فتيات أنهن حاولن ولكن مُنعن من القيام بذلك - في هذه الحالات، غالبًا ما يضع المتهم يده أو منديلًا على فم ضحيته - واثنتان وضح أنها بكيا بسبب الألم الناتج عن الإيلاج.

موقع الجريمة مهم أيضًا؛ وبحسب المعتقلين، فإن الاغتصاب لا يمكن أن يحدث إلا في أماكن محددة، وخاصة المعزولة، وإلا فإن صرخات الضحية كان من الممكن أن تسمع حتما. ولذلك، فإن ضحايا الاغتصاب لديهم كل الاهتمام بتفسير سبب عدم نجاح صرخاتهم طلبا للمساعدة،وبالتالي إثبات عزلة مسرح الجريمة. ومن بين المحاكمات الثلاث والعشرين، حددت اثنتان وعشرون فتاة أن الهجوم وقع في مكان منعزل. ومن هذه الحالات الاثنين والعشرين، سبعة عشر حالة ارتكبت في منزل المتهم، واثنتان في منزل الضحية، وواحدة في المرافق، وواحدة في غرفة خلفية وواحدة في غرفة يخزن فيها المتهم حطبه. وحدد ثمانية من الضحايا الاثنين والعشرين أن الباب مغلق، وأكد ستة منهم أن المتهم وضع القفل حتى لا يزعجهم أحد، وذهبت واحدة إلى أبعد من ذلك بقولها إن الرجل الذي اعتدى عليها "أغلق الباب". وسد الثقوب بالورق (40).

ونظرًا لأن الاغتصاب له عواقب على أسرتها، فغالبًا ما تحصل الفتاة الصغيرة على مساعدة من والديها أثناء المحاكمة. الشرف هو "عنوان الأسرة (41)" في القرن الثامن عشر، وهو ملوث ويلطخ دماء الرجال إلى الأبد عندما تفقد الفتاة عذريتها قبل الزواج. وفي محاولة لتعويض شرف الأسرة المفقود، يسعى الوالدان إلى إكمال كلام الطفلة لتقديمها على أنها بريئة. وذكر فنسنت إستيفال، والد ماري إستيفال، وهي طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات، خلال المعلومات أنه "سمع الطفلة [المذكورة] تصرخ في غرفة [المذكور] بوس (42)". وأوضحت الطفلة، من جهتها، أن المتهم جان بوس "غطى فمها بقطعة قماش كبيرة(43) " ومن الناحية العملية، يبدو من الصعب على الأب أن يسمع صراخ ابنته عندما منعها المعتدي من ذلك؛ وربما تكون هذه محاولة من الأب لتقديم المزيد من الحجج لإثبات عدم موافقة ابنته.

اغتصاب الأطفال في المحكمة: جريمة لا يعاقب عليها القانون

وعلى الرغم من النظرية القانونية المتساهلة تجاه الفتيات، فإن المحكمة تشكك في شهادتهن وتثير الشكوك حول عدم موافقتهن. وعلى عكس ما يؤكده التأريخ - الذي يؤكد أن اغتصاب فتاة صغيرة يعاقب عليه بشدة ويعتبر جريمة خطيرة - فإن محاكمات اغتصاب الأطفال في شاتليه دو باريس بين عامي 1750 و 1785 تكشف عن جريمة لا يعاقب عليها إلا القليل في نهاية المطاف، وعقوباتها قليلة نسبيًا. وذلك بناء على شهادة المتهم وليس شهادة الطفلة.

الرغبة في عدم إدانة شخص بريء

على عكس عصر العصور الوسطى حيث كان النظام القضائي محكومًا بالمواثيق والأعراف، تركت العقوبة الجنائية في القرن الثامن عشر إلى حد كبير لتقدير القضاة؛فالنظام التقديري، كما يسميه المؤرخون القانونيون، يجعل من الممكن "مراعاة مسائل المحاكمة(44)". يتم إصدار أحكام مختلفة على جريمة الاغتصاب: تلك التي تؤدي إلى العقوبة البدنية - التي تطلبها المحكمة الجنائية عندما تجد المتهم مذنباً - وما يسمى بالأحكام "الأكثر استنارة".وتسمح هذه للنظام القضائي بإبقاء المتهمين الذين لم تثبت براءتهم أو إدانتهم تحت تصرفه، حتى يتمكن من إعادة فتح القضية إذا ظهرت أدلة جديدة في وقت لاحق؛ وإذا لم يكن الأمر كذلك، يطلق سراح المتهم – إذا لم يكن حراً بالفعل – بعد ستة أشهر أو سنة ويقال إن القضية قد أغلقت. من بين الاثنين والعشرين متهمًا في مجموعتنا، شهد خمسة عشر منهم انتهاء محاكمتهم "بمزيد من المعلومات الكاملة"، وحُكم على واحد في القوادس، ونُفي آخر، وتم إعلان المحاكمة خارج المحكمة، وأخيرًا حُكم على متهم واحد بالإعدام. حتى بلغ سن الرشد بسبب صغر سنه وتم شنق ثلاثة منهم.   وتثبت هذه النسبة الكبيرة مما يسمى بالأحكام "الأكثر استنارة" (أكثر من ثلثي المحاكمات تقريباً) إلى أي مدى تفضل العدالة عدم إدانة شخص مذنب بدلاً من اتهام شخص بريء.

هذه الرغبة موجودة بين رجال الفن. يظل العديد من الجراحين متشككين في حالة الضحية ويرفضون ملاحظة الاغتصاب. من بين التقارير الاثني عشر للجراحين والأطباء التي تشير إلى إدخال جسم صلب في الأعضاء التناسلية للضحية، ثلاثة فقط خلصت إلى أن الضحية تعرضت للاغتصاب؛التسعة الآخرون يؤكدون فقط الواقع المادي ولا يعلقون على حالة موافقة الفتاة الصغيرة. في عملها حول الاغتصاب في شاتليه في باريس بين عامي 1725 و1750، تتساءل إيمانويل لاسيغ: هل يحاول الممارسون، من خلال عدم ذكر الاغتصاب في استنتاجاتهم، التلميح إلى أن الفتاة الصغيرة كان من الممكن أن توافق؟ الضحايا الثلاثة الذين ثبت اغتصابهن أثناء الفحص الطبي هم 7 و 8 و 11 سنة. لذلك، في بداية عصرنا، اعترف رجال الفن بالاغتصاب – وجرت المحاكمات بين عامي 1759 و1761؛ وبعد هذا التاريخ يختفي من الاستنتاجات الطبية. ومع ذلك، تؤكد إيمانويل لاسيج أنه منذ بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم يعد الواقع القضائي يتبع النظرية القانونية حيث "بدا المحلفون الخبراء في شاتليه مترددين في ملاحظة الاغتصاب عندما كان عمر الضحية المزعومة أكثر من 10 سنوات". (٤٦)."

الأولوية لاعترافات الذكور في مواجهة الإدانة

أصغر ضحيتين في مجموعتنا، ماري تيريز باريس وجين دوريه، تبلغان من العمر 3 سنوات ونصف. وتوفيت الأولى متأثرة بجراحها فيما نفى المتهم الاغتصاب طوال التحقيق. وفي الحالة الثانية، نفى جان بلينكور، المعتدي المزعوم، اختراق الفتاة لكنه اعترف بأنه رفع تنورة الفتاة. تنتهي المحاكمة الأولى بسنة يجب خلالها أن تكون المحكمة على اطلاع أفضل ويمكن للمتهم أن يظل حرا طليقا؛ والحكم على جان بلينكور بالإعدام. وبناء على هذه الأمثلة، لا يبدو أن لعمر الضحية أي تأثير على الحكم الصادر في نهاية المحاكمة.

تشير إيمانويل لاسيج إلى أنه في الفترة ما بين 1725 و1750، كان المتهمون الذين حُكم عليهم بعقوبة شديدة - النفي أو عقوبة الإعدام - هم أولئك الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية.أدنى من مستوى الضحية أو من له سلطة عليهم(47). وتشير ماري سيلفي دوبونت بوشات من جانبها إلى أنه في بداية القرن التاسع عشر، كان القضاة البلجيكيون أول من أراد معاقبة المتهمين، نظرا لصغر سن الضحايا. "[إن] الحذر الشديد للأطباء [الذين يرفضون ملاحظة الاغتصاب أثناء الفحص الطبي] يتناقض مع تصميم القضاة الذين يبحثون عن الجاني والذين يتجاهلون بكل سرور هذه الاستنتاجات غير المتسقة للمطالبة بعقوبة نموذجية". ووفقا لها، "في عمل القضاة، يجب علينا بلا شك أن نسعى إلى الوعي والتصميم الأولين لمكافحة العنف الجنسي، خاصة إذا كان يتعلق بالأطفال (48)." هذه الملاحظات المتعلقة بحذر مهنة الطب موجودة أيضًا في عمل آن كلود أمبرواز-ريندو، حول الولع الجنسي بالأطفال في القرن التاسع عشر (49).

النسبة للفترة من 1750 إلى 1785، تختلف استنتاجاتنا عن تلك المذكورة حتى الآن. أثناء الفحوصات الطبية، لم يعد معظم الجراحين والأطباء في شاتليه دو باريس يتوصلون إلى أن الطفلة قد تعرضت للاغتصاب؛ إنهم ببساطة يتعرفون على الاختراق. ومن جانبهم، لا يسعى القضاة بعد إلى حماية الحدث الضحية بأي ثمن من خلال تحديد سنهم على أساس سنهم لإدانة المتهم؛ الأفراد الذكور الذين أدينوا هم أولئك الذين اعترفوا بلمس طفل، بغض النظر عما إذا كانوا ينكرون الإيلاج أم لا. ولذكر بعض الأمثلة فقط، اعترف جان باتيست فلورات، المحكوم عليه بالنفي، بأنه ضرب فخذي مارغريت فافييه، البالغة من العمر 7 سنوات،يوضح ليونارد لا شابيل، الذي أُرسل إلى المطبخ مدى الحياة، أنه دغدغ ماري آن نيري البالغة من العمر 11 عامًا بقضيبه،، ويعترف فرانسوا ريمون، المحكوم عليه بالإعدام،  بأنه قذف على بطن آن فيليسيتي شوفان، وهي فتاة تبلغ من العمر 5 سنوات ونصف. إن صوت الذكور هو الذي له الأسبقية ولا يعير القضاة سوى القليل من الفضل لشهادة الإناث. إن الخوف من الكذب والشك في الموافقة يفوق صغر سن الفتاة الصغيرة، والذي ينبغي مع ذلك أن يكون دليلاً على براءتها لأنه يجعلها، من الناحية النظرية، "ضحية مثالية (50)".

وكما يشير ألكسيس برنارد، فإن العائلات أحيانًا تخفي اغتصاب الأطفال لتجنب وصمة العار؛ ولا يبلغون عنها إلا عندما يضطرون إلى ذلك أو عندما لا تحدث عملية الاغتصاب، بل مجرد محاولة(51) . في كثير من الأحيان، يسعى الآباء إلى حل مشكلة اغتصاب طفلهم دون اللجوء إلى المحكمة، خوفًا من اعتبار الطفل موافقًا. البعض، مثل بيير أندريه غيران، يفضحون هذه المحاولات في شكواهم؛ عندما يأتي للتنديد باغتصاب ابنته إليزابيث البالغة من العمر 7 سنوات، يوضح أنه حاول أولاً حل الجريمة خارج المجال القضائي ولكن بسبب موقف جوزيف سيتوت، المتهم - الذي أراد رفع دعوى قضائية شكوى ضده بتهمة التشهير – ولم يكن أمامه خيار آخر سوى رفع الأمر إلى المحكمة (52) . وهذه الرغبة في تجنب اللجوء إلى العدالة يتردد صداها في ما يسميه المؤرخون «الرقم الأسود» الشهير للإفلات من العقاب (53)، والذي يمثل، حسب رأيهم، عددًا لا بأس به من الجرائم. تفضل العائلات عمومًا التزام الصمت بشأن الاغتصاب لأن نشره يعني فقدان شرفهم للمرة الثانية(54). علاوة على ذلك، فإن اللجوء إلى عدالة مكلفة وغير مؤكدة، بسبب الشكوك حول موافقة الفتاة، غالبًا ما ينتهي بإقناعها بالمضي قدمًا في الاتفاق المالي (55).

إن مجموعة صغيرة مثل مجموعتنا (23 حالة باريسية) لا تسمح لنا بصياغة استنتاجات عامة. ومع ذلك، يمكننا أن نؤكد أنه في شاتليه باريس، من 1750 إلى 1785، كان نطاق النظرية القانونية التي جعلت من الطفل "ضحية مثالية"(56) محدودا على الرغم من أن اغتصاب الأطفال هو الجريمة الأكثر تمثيلاً في هذه الأرشيفات. مالت هذه النظرية، التي تنص على أن الفتاة لا تستطيع أن تعطي موافقتها الكاملة على علاقة جنسية، والتي تعني بالتالي أن كلام الأحداث أكثر فظاظة وأن الجريمة يعاقب عليها بشدة، يتم تحريفها من قبل القضاة والأطباء الذين يشتبهون في أن الفتاة أعطت موافقتها أو، بسبب عدم وجود أدلة مقنعة، رفض إدانة أي فرد. على الرغم من هيمنة محاكمات اغتصاب الأطفال في صناديق المحفوظات في شاتليه وبرلمان باريس، إلا أن هذه الجريمة تظل موضع شك، كما أن تصور خطاب الأحداث يشهد تدهورًا في نهاية النظام القديم.

يمكن ربط هذا التطور باتجاه أكثر عمومية يتمثل في تزايد الشك تجاه الضحايا طوال القرن الثامن عشر عندما يتعلق الأمر بالجنس- كما يتضح من عمل فيرونيك ديمارس-سيون ( 57)   . في سياق إعلانات الحمل غير الشرعي التي تم الإدلاء بها في كامبريسي، لاحظت أن كلمات الفتيات الصغيرات يتم الاستماع إليها بشكل أقل فأقل؛ بينما في القرنين السادس عشر والسابع عشر، تمت مساعدة النساء بشكل عام وتم إدانة المتهمين – في حالة الاغتصاب – أو إجبارهم على الزواج منهن أو دفع النفقة لهن – في حالة الحمل غير الشرعي – في القرن الثامن عشر، غالبًا ما يتم محاكمة النساء البالغات. ويعتبرن مسؤولات عما يحدث لهن. ولذلك فإن القضاة الفرنسيين يعطون مصداقية أقل فأقل لكلمات النساء ويبحثون عن أدلة دامغة على ذنب المتهمين من أجل إدانتهم. بشكل عام، كان المزيد من الحكمة يحرك العدالة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وتُظهِر الأحكام التي يُطلق عليها "الأحكام الأكثر استنارة" رغبة القضاة في إبقاء الأشخاص المتهمين تحت المراقبة القضائية الذين لا يستطيعون إثبات إدانتهم، في حين لا يعترفون ببراءتهم؛ وتوصلت المؤرخة سابين يوراتيك إلى نفس الملاحظات فيما يتعلق بموقف رجال العدالة، وهذه المرة بالنسبة للنساء المتهمات بقتل أزواجهن(58).

إذا كانت النظرية القانونية والواقع القضائي بالكاد يتفقان في القرن الثامن عشر، فإن الفكر القانوني الحالي يتعارض مع الرأي العام ومطالب الحركات النسوية. في حين يعترف قانون العقوبات بأنه قبل سن 15 عامًا، لا يمكن للقاصر الموافقة الكاملة على الفعل الجنسي - نظرًا لأن أي شخص بالغ له علاقات مع الأخير يعتبر مرتكبًا لجريمة جنسية - لا يعترف القانون بسن محدد يعتبر القاصر دونه بالضرورة غير راضٍ، وبالتالي يُفترض تصديقه إذا قدم شكوى اغتصاب وثبت الفعل الجنسي. وكما رأينا في القرن الثامن عشر، إذا لم تحدد المحاكم السن رسمياً، فقد يشكك القضاة في شهادة الطفل ويفترضون أنه يوافق على الرغم من صغر سنه. وكما هو الحال مع محامي شاتليه، يمكن للقضاة الحاليين أن يستنتجوا أن فتاة تبلغ من العمر 11 عامًا قد وافقت، حيث لا يوجد نص يحدد السن القصوى؛ ووفقا للحركات النسوية، فإن فرض مثل هذا القانون من شأنه أن يجعل من الممكن تجنب بعض التجاوزات التي نجدها في نهاية المطاف في مصادرنا في القرن الثامن عشر.

(انتهى المقال)

***

.........................

المؤلفة: ماييل برنارد/Maëlle Bernard مؤرخة متخصصة في موضوع الحياة الجنسية في جامعة باريس السوربون. حصل عملها حول موافقة المرأة على الفعل الجنسي على تنويه خاص في جائزة الجمعية الفرنسية لدراسات القرن الثامن عشر. مؤلفة “تاريخ الرضا الأنثوي – من صمت القرون إلى عصر القطيعة” (آرخي، 2021)

* قانون مكافحة العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذى تم التصديق عليه من قبل البرلمان الفرنسى فى 1/8 / 2018 بأغلبية 92 صوتًا مقابل لا شيء وامتناع 8 عن التصويت. ويهدف مشروع القانون إلى تعزيز قمع الاغتصاب والاعتداء الجنسي المرتكب ضد القاصرين، وتمديد فترة التقادم لاتخاذ إجراءات عامة بشأن جرائم معينة، عندما ترتكب ضد القاصرين، فضلا عن تعزيز قمع التحرش الجنسي أو الأخلاقي. أما شيابا فهى مارلين شيابا/ maʁlɛn ʃjapa وزيرة المواطنة الفرنسية فى ذلك الوقت (المصدر محطة تلفزيون فرنسا 24 )

الهوامش:

1- انظر على وجه الخصوص البيان الصحفي  "جرأة على النسوية".“تمت تبرئته من تهمة اغتصاب قاصر: أي عدالة للضحايا؟ » بتاريخ 20 نوفمبر 2018.  متاح على: < https://osezlefeminisme.fr/cp-3/ > [ تم الوصول إليه في 17 فبراير 2020].

2- أُرسل هذا المقال إلى هيئة تحرير مجلة Dix-huitième siècle بتاريخ 14 أبريل 2020 وتم قبوله في 13 مايو 2020؛ في هذه التواريخ، لم تكن المناقشات التي يرجع تاريخها إلى يناير 2021 قد بدأت، وبالتالي لم يتم إقرار أي قانون.

3- انظر جيفروي توماسوفيتش، "اغتصاب القاصرين: قانون لا يطاق، حكم مقلق" في لو باريزيان [أون لاين]، 11 نوفمبر 2017. متاح على:

http://m.leparisien.fr/faits-divers/viol-sur-mineurs-une-loiinsupportable-un-verdict-qui-derange-11-11-2017-7386381.php

[تم الوصول إليه في 17 فبراير 2020].

4- ساندرا بورينغر، "العنف الجنسي في العصور القديمة: أين يظهر النوع الاجتماعي؟ » في الجسد في حالة يرثى لها: العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة، دير. ليدي بوديو، فريديريك شوفو، لودوفيك غوسو، ماري خوسيه غريهوم، ميريام سوريا، كاثرين كوتيل، ميشيل بيرو، رين، المطابع الجامعية في رين، 2016، ص.33-49، ص.43.

5- نيكول لورو، "في مديح المفارقة التاريخية في التاريخ"، الجنس البشري، المجلد 27، عدد 1، 1993، ص.23-39، ص.28

6 - يُذكر أدناه بالترتيب الزمني علماء القانون في القرن الثامن عشر الذين عرّفوا الاغتصاب بشكل مستقل عن جرائم الاختطاف والزنا: جان بابتيست دينيسار، مجموعة القرارات والمفاهيم الجديدة المتعلقة بالفقه الحالي، المجلد 4، باريس، لوكلير، 1754؛ بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، معاهد القانون الجنائي، باريس، لو بريتون، 1757؛ غي دو روسو دو لا كومب، الرسالة حول المسائل الجنائية، باريس، بيلي، 1769؛دانيال جوس، أطروحة عن العدالة الجنائية في فرنسا،  المجلد 3، باريس، ديبور بير، 1771؛ جوزيف نيكولا جويو، المرجع العالمي والمعقول للفقه المدني والجنائي والكنسي والمفيد، المجلد 63، باريس، ج. دوريز (-بانكوك)، 1775-1783؛ بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية لفرنسا في نظامها الطبيعي، باريس، ب. موران، 1780.

7- بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، معاهد القانون الجنائي، باريس، لو بريتون، 1757، ص 496.

8-دانييل جوس، رسالة حول العدالة الجنائية في فرنسا، المجلد 3، باريس، ديبور بير، 1771، ص 742.

9- أمبرواز تارديو، جورج فيجاريلو، الهجمات على الأخلاق (1857)، غرونوبل، ج. ميلون، 1995، ص 10.

10- جينيفيف فريس، موافقة، باريس، إد. دو سيويل، 2007، ص.46-47. وتبني الفيلسوفة اعتباراتها التاريخية على تلك الموجودة في أعمال جورج فيجاريلو: جورج فيجاريلو، تاريخ الاغتصاب، القرنين السادس عشر والتاسع عشر، باريس، طبعة دو سيويل، 1998، ص 107.

11- تتضمن هذه المجموعة القواميس القانونية المنشورة في القرن الثامن عشر والتي تحدد جرائم الاغتصاب والاختطاف و/أو الزنا: غي دو روسو دو لا كومب، مجموعة الفقه القانوني لبلد القانون المكتوب والعرفي، باريس، لو غرا، 1753؛ جان بابتيست دينيسار، مجموعة القرارات والمفاهيم الجديدة المتعلقة بالفقه الحالي، باريس، لوكلير، 1754؛ بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، معاهد القانون الجنائي، باريس، لو بريتون، 1757؛ غي دو روسو دو لا كومب، الرسالة حول المسائل الجنائية، باريس، بيلي، 1769؛ نيكولاس تشورير، فقه المستشار والفقه الشهير غي بيب في كتابه، نيون، 1769؛ دانيال جوس، أطروحة العدالة الجنائية في فرنسا، المجلد 3، باريس، ديبور بير، 1771؛ جوزيف نيكولا جويوت، الدليل العالمي والمعقول للفقه المدني والجنائي والكنسي والمفيد، باريس، ج. دوريز (- بانكوك)، 1775-1783؛بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية لفرنسا في نظامها الطبيعي، باريس، ب. موران، 1780.

12- هيرفي بليانت، "ضحية أم طرف مدني أم متهم؟ بعض الأفكار حول مفهوم الضحية، لا سيما في عدالة النظام القديم، في الضحايا، التي نسيها التاريخ؟ وقائع مؤتمر ديجون، 7 و 8 أكتوبر 1999، دير. بينوا جارنو، رين، المطابع الجامعية في رين، 2000، ص.41-58، ص44.

13- المرجع نفسه، ص 43.

14- جان فرانسوا فورنيل، رسالة في الزنا معتبرة في الأمر القضائي، باريس، 1778، ص 82-83 في جورج فيجاريلو، تاريخ الاغتصاب، مفتوح. مستشهد به، ص 53.

15-  نفسه.

16- أرليت فارج، العيش في الشارع في باريس في القرن الثامن عشر، باريس، غاليمار جوليارد، 1979، ص144.

17- بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية...، مفتوح. مستشهد به، ص 242.

18- ماري سيلفي دوبون بوشات، "الجسد المنتهك"، في أجساد النساء: الجنسانية والرقابة الاجتماعية، دير ماري تيريز كوينين، إيفون كنيبيهلر، بروكسل، دي بويك، 2002، ص 65-96، ص 72. .

19- محاكمات الاغتصاب في مجموعتنا تأتي من أرشيفات Châtelet de Paris (الجانب Y)، المحفوظة في الأرشيف الوطني (موقع باريس). من بين هذه المحاكمات، تم العثور على 18 قضية، يرجع تاريخها إلى الفترة من 1752 إلى 1780، من خلال قائمة الجرد رقم 450 - وبالتالي فهي محاكمات تم استئنافها لاحقًا أمام برلمان باريس - وتم العثور على 13 قضية في الصناديق من ثمانينيات القرن الثامن عشر إلى عام 1785، دون المرور عبر قائمة الجرد؛ ومن ثم فإن هذه محاكمات يحكم فيها في المقام الأول فقط.

20- الضحايا الثمانية الآخرون هم 13 سنة، و13 سنة ونصف، وبين 12 و15 سنة، و14 سنة، و14 سنة، و16 سنة، و17 سنة، و25 سنة.

21- هيرفي بليانت، "ضحية أم مدعي مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44.

22- المرجع نفسه، ص 44.

23- نفسه .

24- إدوارد شورتر، "عصر الحيض في فرنسا، 1750-1950"، في الحوليات. اقتصاديات، مجتمعات، حضارات، السنة 36، عدد 3، 1981، ص. 495-511.

25- دانييل ألكسندر-بيدون، "الطفولة الثانية والشباب في نظرية أعمار الحياة وفي التجربة الأسرية في نهاية العصور الوسطى صور ونظريات"، في عندما يكبر الطفل. بين التبعية والاستقلال، د. جان بيير بارديه وآخرون (دير)، باريس، الجراء، 2003، ص 159-172.

26- نيكولا شورير، فقه الفقيه الشهير غي بيب، مفتوح. مستشهد به، ص 264.

27- المرجع نفسه، ص 266.

28- بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية في فرنسا...، مفتوح. مستشهد به، ص 242.

29- ألكسيس برنارد، "ضحايا الاغتصاب في ليون في القرنين السابع عشر والثامن عشر"، في ضحايا نسيهم التاريخ؟ وقائع مؤتمر ديجون، 7 و 8 أكتوبر 1999، دير. بينوا جارنو، رين، المطابع الجامعية في رين، 2000، ص.455-466.

30- AN، Y10415، محاكمة دوميرك، شكوى جاك بريفالون بتاريخ 26/06/1780

31- AN، Y10414، محاكمة ماينبونتي، شكوى ليون باريس بتاريخ 6/06/1780.

32- هيرفي بليانت، "ضحية أم طرف مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44.

33- AN ، Y10431، محاكمة ريمون، الحكم الصادر بتاريخ 1769/10/20، Y10304؛ محاكمة فلورات، الحكم بتاريخ 11/8/1781.

34- AN، Y10283، محاكمة لا شابيل، استجواب ليونارد لا شابيل في 12/2/1766.

35- AN، Y10353، محاكمة بلانشيت، استجواب فرانسوا كلانشيه بتاريخ 29/10/1774.

36- كارين لامبرت، مارتين لابيد، "نساء الشعب في الأرشيف القضائي"، ديكس هويتييم سييكل، المجلد 36، عدد 1، 2004، ص 155-170.

37- AN، Y10308، محاكمة إيزابيل، استجواب كريستوف إيزابيل (26/01/1770)

38-  ألفريد سوين تايلور، رسالة في الطب الشرعي، باريس، جيرمر بيليير وشركاه, 1881, p.820، مقتبس في لوران فيرون، "إثبات جريمة الاغتصاب في القرن التاسع عشر"، في إثبات العدالة من العصور القديمة حتى يومنا هذا، دير. برونو ليميل، رين، المطابع الجامعية في رين، 2003، ص.211-220، ص.216.

39- بيير بيارنوي ميرفيل، غي دو روسو دو لا كومب، رسالة في المسائل الجنائية، بعد مرسوم أغسطس 1670، والمراسيم وإعلانات الملك، والأحكام واللوائح الصادرة حتى الآن، الطبعة السادسة، باريس: بايلي، 1769، ص. 39.

40- AN، Y10457، محاكمة مونتيه، معلومات من ماري تيريز ديكارت بتاريخ 1784/09/2.

41- ميشيل ناسيت، العنف، تاريخ اجتماعي: فرنسا، القرنان السادس عشر والثامن عشر، سيسيل (عين)، شامب فالون، 2011.

42- AN، Y10224، محاكمة بيوس، معلومات من فنسنت إستيفال من 15/06-1759/06.

43- AN، Y10224، محاكمة بيوس، معلومات من ماري إستيفال من 15/06-1759/06.

44- بينوا جارنو، الجريمة والعدالة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، باريس، إيماجو، 2000، ص.70

45. إيمانويل لاسيج، حالات الاغتصاب في شاتليه بباريس بين 1725 و1750، أطروحة ماجستير. أجريت تحت إشراف إيف ماري بيرسيه، ألفريد سولمان، باريس الرابعة السوربون، 1995.

46- المرجع نفسه..، ص 38.

47 - إيمانويل لاسيج، قضايا الاغتصاب...، مفتوحة. مقتبس.

48- ماري سيلفي دوبونت بوشات، "الجسد المنتهك"، الفن. مستشهد به، ص 79.

49- آن-كلود أمبرواز-ريندو، “عندما يصبح الاعتداء الجنسي على الأطفال فضيحة”، التاريخ [على الإنترنت]، المجموعات 32، يوليو-سبتمبر 2006. متاح على: https://www.lhistoire.fr/quand-la-p %C3 %A9dophiliabecomes-a-scandal [تم الوصول في 29 مارس 2020].

50- هيرفي بليانت، "ضحية أم طرف مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44.

51- ألكسيس برنارد، "ضحايا الاغتصاب في ليون..."، قول  مقتبس.

52- AN، Y10463، محاكمة سيتوت. شكوى من بيير أندريه غيران بتاريخ 20 يناير 1785.

53- بينوا جارنو، "مدى وحدود النظام القضائي في فرنسا القديمة (القرنين السادس عشر والثامن عشر)"، في النظام القضائي من العصور الوسطى إلى العصر المعاصر: وقائع مؤتمر ديجون، 5-6 أكتوبر 1995، أد. . روزين فراي، بينوا جارنو، ديجون، EUD ، طبعة جامعة ديجون، 1996، ص 69-76، ص 69.

54- أرليت فارج، "العائلات: الشرف والسرية"، قول مستشهد به .

55- ستيفاني جوديلا-كوتيلا، ""الاغتصاب" في القرن السادس عشر: بين النظريات والممارسات"، في القواعد القانونية والممارسات القضائية: من العصور الوسطى إلى العصر المعاصر، دير. بينوا جارنو، ديجون، الطبعة الجامعية لديجون، 2007، ص 103-112.

56  - هيرفي بليانت، "ضحية أم مدعي مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44

57- انظر على وجه الخصوص فيرونيك ديمارس سيون، النساء المُغويات والمهجرات في القرن الثامن عشر: مثال كامبريسيس، هيليمز، إستر، ، الدراسات العلمية والتقنية للتدريس والبحث، 1991

58- سابين جوراتيك، “قاتلة زوجها: “مصير” إجرامي في القرن الثامن عشر؟ قضية ليسكومبات"، RHMC، المجلد الرابع والثلاثون، 1987، 1، ص. 123-137.

 

أولا: الطفل بين التخلي الخفي والعلني

إذا كان الطفل قد ضمنت له الشريعة الإسلامية حقوقه في كنف الزواج الشرعي والنسب المضبوط بالفراش وقواعده الرئيسية فإنه قد يطرأ على سلامة هذه النسبة انقطاع و اختلال لا دخل له فيها بإرادته ووعيه، لأنه في مبدئه لا يعلم من الوجود شيئا بالإدراك والعقل كما ينص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون "[1].

إذن؛ فهو غير مسئول عن وجوده ولا عن نسبه، ومن ثم فلا معرة أو ملامة تقع عليه شخصيا حتى يشعر بدونية أو نقص اجتماعي ونفسي إذ"لا تزر وازرة وزر أخرى "[2]"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " [3] و" لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه " .

فلا خطيئة موروثة ولا تحمل لشخص عن الآخر آثامه في الإسلام، وخاصة في الأحكام وتبعاتها وجزاءاتها... لأن الناس "سواسية كأسنان المشط".

ومن هنا فالطفل يبقى رغم كل الظروف والطوارئ محل الصيانة والعناية الواجبة له في حضن أهله، كما أنه يعتبر أمانة مفروضة على المجتمع ككل حينما ينقطع نسبه ولم يعرف له أصل قضائيا وأسريا.

وحينئذ يكون الشرع هو الذي يعطي له النسب أصالة، أي يصبغ عليه صفة الشرعية في بعده الروحي الذي يتحدد فيه موقعه الاجتماعي وحقوقه المادية والمعنوية، وهذا الاستحقاق يتحدد عندما يعرف "بمجهول النسب" الذي قد يكون بسبب شرعي أو غير شرعي، وهو ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مجهول النسب الكبير أو مجهول النسب الصغير الذي هو محط دراستنا، إذ لكليهما يضمن الإسلام النسبة الروحية التي هي أساس النسبة الاجتماعية وحقوقها المادية والمعنوية، وهذا ما يصطلح عليه الشرع بالأخوة في الدين والموالاة، مصداقا لقول الله تعالى "فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم "[4] و"إنما المؤمنون إخوة "[5] وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[6].

فالذي يهمنا بالدرجة الأولى هنا هو مسألة "الصغير" الذي يعرف حالتين في قطع صلته بنسبه وهما: التخلي الخفي والتنازل العلني، وبالمقابل قد يعرف استقبالين وهما: الاستقبال الإجباري والاستقبال التطوعي .

إذ التخلي الخفي هو الذي اصطلح عليه الفقه الإسلامي باللقيط، و هو الطفل المنبوذ: واللقيط بمعنى الملقوط .وهذا النبذ الذي قد يتعرض له الطفل لا يخرج في غالب الأحيان عن دائرة الخوف وأسبابه، وهو له عدة صور كما أنه إما أن يكون خوفا عليه أو منه! .

فالخوف عليه يدخل في إطار غريزة الأبوة والأمومة وحب البقاء بالسهر على حماية الطفل من الأذى المحدق به كما ذكر لنا القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام مع الفرعون الذي كان يذبح الأطفال من الذكور من بني إسرائيل ويستحيي إناثهم خوفا من أحدهم الذي سيكون هلاكه على يده وهو موسى عليه السلام فيما توقع له كهنته، إذ كما يقول الله تعالى عن هذا الصراع بين الحق والباطل منذ الولادة حتى الكهولة والمواجهة الواعية والمدركة ومبرزا نعمته على موسى عليه السلام: "إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له، وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني "[7]؛"وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت امرأة فرعون قرة عين لي و لك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون "[8].

فهذا الإجراء من طرف أم موسى عليه السلام مشروع بل واجب، لأنه تأسس على وحي ويقين جازم بسلامة المآل رغم ما يبدو ظاهريا من مخاطرة ومجازفة، إذ الهلاك المحقق كان لو بقي موسى عليه السلام في حضن أمه لأنه مقصد المطاردة المنظمة والمصرة على الوصول إليه، ولهذا غلب الإلقاء في اليم حتى لا يعرف نسب المولود عند الفرعون الذي كان يركز على قتل ذكور بني إسرائيل خصوصا.فحيث أنه لم يعرف نسبه بالتقاطه من اليم كما ذكره القرآن الكريم فإن الدافع إلى قتله كان أقل احتمالا مما لو بقي في حضن أمه .فكان الحال هنا أن الجهل بالنسب وسيلة فعالة للتورية ودرء الخطر المحدق بالشرفاء الذين كثيرا ما كان ينكل بهم الطغاة بسبب نسبهم الشريف وهو ما يؤدي بهم إلى التخفي وتغيير الأسماء والألقاب تورية وحفاظا على النفس والعرض. وهذا مما وردد في التاريخ بصورة مكررة حسب ما كان الشأن في اضطهاد الشرفاء الأدارسة بالمغرب حينما أسقطت دولتهم وطوردوا من طرف أعدائهم ...

كما أن الآية فيها دلالة على مسألة التبني الذي عرفته المجتمعات عبر التاريخ وذلك حينما يفتقد البنون في بيت من البيوت، وذلك عند قول آسية زوجة فرعون"أو نتخذه ولدا".وهو الشيء الذي سبق في نص آخر وقصة أخرى لنبي آخر وهو سيدنا يوسف عليه السلام كما يقول الله تعالى عن مآله عند التقاطه من البئر "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "[9]الآية .

هذا الإجراء يبين نوعا من النزوع الغريزي للتعويض عن فقد البنوة عند العثور على طفل ملتقط لا يعرف نسبه، وذلك باللجوء إلى التبني الذي كان سائدا قبل الإسلام ثم ألغاه عمليا بواسطة النبي صل الله عليه وسلم لتحديد المحرمية من غيرها في العلاقات الأسرية، و التي أكدت هشاشتها عند التبني قصة زليخا في تعلقها بيوسف عليه السلام حينما ألغت كل الاعتبارات التعويضية بسبب المتطلبات الغريزية وضغوطاتها عند التقارب والاختلاء بغير احتياطات شرعية أو مراقبة ...

أما الخوف من الطفل فهو إما أن يكون لسبب مادي محض كالفقر مثلا وإما لسبب سلوكي محظور له بعد معنوي سلبي يعود على النفس والمجتمع معا، وهو خطيئة الزنا تحديدا .

إذ الفقر يجعل من الطفل لدى البعض خطرا ضاغطا على مستوى القوت وتحصيل المعاش، ومن ثم فقد يكون التخلي عنه إما لما عليه الواقع أو لما هو منه متوقع.

وهاتان الحالتان قد ذكرهما القرآن الكريم بسياقين وهما "و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم "[10]و"ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم"[11].

ثانيا: مصير الطفل بين رهانات الواقع والمتوقع

فالأولى تصور الخوف من الواقع، والثانية تحدد الخوف من المتوقع، وكلا الإجراءين غير مشروعين لأنهما مؤديان إلى هلاك الطفل وإهدار وجوده للحفاظ على أصله، وهذا تناقض وسلوك غير سليم يعبر عن مرض غريزي قد ينتاب أحيانا بعض الآباء و الأمهات، إذ المفروض أن الحفاظ على استمرارية وجود الأصل لا تتأتى إلا بحماية الفرع، وهو هنا الطفل حتما، وإلا انقرض الجنس البشري عموما إذا سادت مثل هذه العقليات المنحرفة والأنانيات الأبوية على حساب رعاية وحماية الأطفال...

لكن قد يضطر بعض الآباء نظرا لشظف العيش وضيق الحال أو توقع سوء المآل إلى التسليم المؤقت في أولادهم والتنازل عن تربيتهم، وهذا كثيرا ما يقع في المجتمعات البشرية عموما، وأكثر ما يحدث عند وجود فاقة عامة أو سنة، وهو ما يحكيه الكثير من الناس وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية في القرن الماضي أو في مراحل الوباء والحروب المتتالية عبر التاريخ مما هو مدون أو غير مدون ...

هذا التنازل قد يكون بسبب الخوف من الفقر لا الخوف من الطفل، إلا أنه يكون طرفا في المعادلة فيصبح التخلي عنه وسيلة لدفع هذا الخوف وتهدئته شكليا، لكن قد يترتب عليه قلق غريزي فيما بعد وهو معاودة بحث الأصل عن الفرع أو العكس ربما قد يلتقيان أو لا يلتقيان إلى الأبد .

كما أن التسليم في الولد قد يكون بصورة علنية وبتوافق بين الوالدين والشخص أو المؤسسة المسلم إليها الطفل، وقد يكون بشكل سري على نمط اللقيط المنبوذ إما في أماكن عمومية أو خلوات وفلوات وما إلى ذلك .

إذ الإجراء الثاني قد يكون غير مقبول شرعا لأنه قد يعرض الطفل إلى خسارتين جد محتملتين وهما: إهدار حياته وذلك حينما لا يجد من يلتقطه مع عجزه عن طلب قوته، أو يقع في أيد غير أمينة ومتاجرة في الأطفال وأعضائهم مما أصبح آفة العصر وصورة الانحدار البشري نحو الظلامية المادية، أو يكون فريسة لوحش أو إصابته بأمراض وهلاكه بالأمطار والرياح ...إلخ

أما الخسارة الثانية فهي تعريض نسبه وأصله للضياع وبالتالي قطع رحمه وجذوره، مما قد يترتب عنه مشاكل مستقبلية على عكس إرادته من بينها: الزواج بالمحارم من حيث لا يدري سواء كان الطفل ذكرا أم أنثى، وهو ما سنرى حكمه في مثل هذه العقود الاستثنائية و الشاذة أو ما يسمى بالعقود الفاسدة وأثرها على النسب .

فهذا النوع من التخلي الخفي هو السائد في الحالة الثانية كخوف من الطفل وهو السبب السلوكي السلبي والمتمثل في ارتكاب خطيئة الزنا وترتب الحمل عنه مما قد يوقع المرأة في حرج ظاهري لا تستطيع إخفاءه، وبالتالي قد يجر عليها وعلى أهلها عارا وقذفا وما إلى ذلك مما قد يكسر معنوياتها بسبب هذه الفضيحة التي توجب الحد عليها مجرد حملها ولو بغير إقرار بالزنا، خاصة إذ كانت خالية من الزوج، اللهم إلا إذا ادعت وطء بشبهة أو اغتصابا وهذه لها شروط واعتبارات فقهية وقضائية تستدعي التثبت في الدعوى كما يقول ابن رشد:

"وأما اختلافهم في إقامة الحدود بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه فإن طائفة أوجبت في الحد على ما ذكره مالك في الموطأ من حديث عمر، وبه قال مالك إلا أن تكون جاءت بأمارة على استكراهها مثل أن تكون بكرا فتأتي وهي تدمي أو تفضح نفسها بأثر الاستكراه، وكذلك المرأة إذا ادعت الزوجية إلا أن تقيم البينة على ذلك ما عدا الطارئة فإن ابن القاسم قال: إذا ادعت الزوجية وكانت طارئة قبل قولها، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقام عليها الحد بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه كذلك مع دعوى الزوجية وإن لم تأت في دعوى الاستكراه بأمارة ولا في دعوى الزوجية ببينة لأنها بمنزلة من أقر ثم ادعى الاستكراه...و لا خلاف بين أهل الإسلام أن المستكرهة لا حد عليها "[12].

يقول ابن جزي أيضا: "وأما الحمل فإن ظهر بحرة أو بأمة ولا يعلم لها زوج ولا أقر سيدها بوطئها، وتكون الحرة مقيمة غير غريبة فتحد خلافا لهما في قولهما لا حد بالحمل، فإن غصبت أو استكرهت لم يقبل ذلك منها إلا ببينة أو أمارة على صدقها كالصياح والاستغاثة..." [13].

هذه المسألة بالضبط- أي الحمل عند المرأة -هو الخصوصية التي تميز بين الرجل والمرأة في الأحكام وتدحض دعوى المساواة الطلقة بين الجنسين سواء على مستوى الحريات والولاية وكذلك سن الزواج وأيضا القوامة، إذ الرجل يبقى أمره مستورا عند الزلل و لا يردعه إلا تقواه أو وجوده بمكان فيه شبهة، كما سنرى حكم الشبهات، أما المرأة فإنها ولو استترت إلا أن حملها هو الذي يفضحها ولهذا فهي تحتاج إلى مراقبة نفسها وغيرها لها، لأن المسالة قد تمس المجتمع ككل حينما تأتي بخطيئة تكون نتيجتها الحمل غير الشرعي ربما قد تلجأ البعض من الزانيات إلى إجهاضه قصدا -أي العمل على قتل الطفل وهو مازال في رحم أمه -في حين يكون قد أصبحت له أهلية الوجوب الناقصة أي له الحق في الوجود والميراث والنسب.

فالتخلي عن المولود بدعوى دفع المعرة قد يكون سببا رئيسيا في استشراء عدد اللقطاء في المجتمع، فيكون الهروب من السيئ إلى الأسوأ لا يحل مشكلته الملاجئ الخيرية و لا الجمعيات الانتهازية والاستغلالية لموضوع الطفل المنبوذ بجمع التبرعات واقتناص الأموال بدافع الرحمة والشفقة، في حين لم تشفق عليه أمه التي ولدته بسبب انزلاقها في أوهام فكرية وتسيب سلوكي أدى إلى انحرافات جنسية، يغذيها أولئك المروجون أنفسهم لتلك الملاجئ والمنتديات، وهو ما يسوق لها الإعلام الغربي والعربي على حد سوء في زماننا هذا...

وحيث أن الطفل قد أصبح قدره النبذ من طرف أصله بسبب المؤثرات التي أشرنا إليها فإن الشريعة الإسلامية ستضمن له حقه في الحياة والتربية والنسب والميراث أو المال الإحساني...إخ

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه"[14].

***

الدكتور محمد بينيعش - أستاذ الفكر والحضارة

وجدة، المغرب

................................

[1] سورة النحل آية 78

[2] سورة الأنعام آية 166

[3] سورة النجم آية 38

[4] سوررة الأحزاب آية 5

[5] سورة الحجرات آية10

[6] رواه مسلم

[7] سورة طه آية 38-39

[8] سورة القصص آية 7-9

[9] سورة يوسف آية 21

[10] سورة الأنعام آية152

[11] سورة الإسراء آية 31

[12] ابن رشد: بداية المجتهد ج2ص443

[13] ابن جزي: القوانين الفقهية مكتبة الرشاد ص 262

[14] رواه البخاري في كتاب التفسير سورة الأحزاب

 

العنصر الثالث من عناصر العقيدة المسيحية هو صلب المسيح فداءً عن الخليقة. ويتساءل المرء كيف يمكن أن يكون المسيح إلهاً ويصلب؟ ولا شك أن جميع المصادر المسيحية ما عدا البروتستانت ترى في صلب المسيح مسألة من مسائل العقيدة المسيحية الأساسية.

وعند الرجوع للمصادر الأولى للمسيحية نرى أن بولس الرسول أتى بأمور لم يأت بها غيره. فقد جعل مسألة الإيمان ترتكز على صلب المسيح رباً وإلهاً فقال مثلا: «وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»[1]، حيث يعتبر الرسول بولس أن الصليب جوهر المسيحية فيركز عليه قائلاً: «لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا»[2] أي أن الأمر الوحيد الذي يريد معرفته هو الصليب[3].

«إن وفاة عيسى على الصليب هي عصب كل العقيدة المسيحية. إن كل النظريات المسيحية عن الله، وعن الخليقة، وعن الخطيئة، وعن الموت، تستمد محورها من المسيح المصلوب»[4].

وعليه فإن المسيحية التي تقول بصلب المسيح الإله، قد غالت كثيراً وخصوصاً أنها تصر أن الإله المسيح قد صلب. ولو أنها قالت بصلب المسيح النبي لكان أمرً مستساغا، باعتبار أن اليهود تاريخهم معروف بقتل الأنبياء والتنكيل بهم، فهذا أمر يتناقض مع إيمان المسيحية بقدرة المسيح الغير المحدودة؛ باعتباره أنه إله قوي وجبار. فالذي ترتكز عليه المسيحية هو الهدف من الصلب والغاية منه ألا وهو أمر مقدس في حد ذاته. ويمكن حصر هذا المعتقد المقدس لدى المسيحيين في كونه قد جاء ليصلب ويخلص البشرية من الخطيئة، أي ما يعرف باسم المخلص الذي يقدم نفسه فداءً ليحمي البشرية ويفديها ويمحو خطيئتها.

"إن الله من صفاته المحبة. ومحبة الله ظهرت في تدبيره طريق الخلاص للعالم؛ لأن العالم- من عهد سقوط آدم عليه السلام في الخطيئة وهبوطه هو وبنيه الدنيا – مبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، ولكن الله من فرط محبته وفيض نعمته، رأى أن يقربه إليه بعد هذا الابتعاد، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد في العالم ليخلص العالم"[5].

وهكذا فإنهم يزعمون أن في صلب المسيح خلاص للعالم أجمع من خطيئة أبيهم آدم عليه السلام. "وصور لهم أن صلب المسيح كان فداءً للبشرية كافة وتكفيرا لخطاياهم، وأن هذا الصلب في نظره هو الهدف الحقيقي لرسالة المسيح (عليه السلام) التي جاء من أجلها إلى الأرض، فلم تخلو أي رسالة من رسائل بولس من ذكر هذه الحادثة المركزية وشرح تفاصيلها"[6] «وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ»[7]

وهنا سنعرج لنرصد خبث المكيدة المدبرة للنبي عيسى عليه السلام والتي أشادت بتكون عقيدة الصلب.3779 الصلب في المسيحية

نفث الشيطان في صدور بني إسرائيل، فملأها حقدا وغلا وكرها لعيسى ابن مريم -عليه السلام-فقرروا ضرورة التخلص منه؛ فكان من أمرهم أن اجتمع كهنة إسرائيل وشيوخها لتدبير مؤامرة دنيئة؛ انتهت بقرار قتله لأن تعاليمه هزت عرش سلطانهم المبني على الغش والفسق، والفساد والرياء، والمكر والظلم. فكان التدبير للمؤامرة بالصلب حتى القتل هو أسهل وأبلغ مسلك للقضاء نهائياً على رسالته؛ مستعينين بأعدائه وأعداء تعاليمه فقاموا بالبحث عنه ووشوا به مقابل دنانير.

وقد استطاع اليهود أن يأثروا على بيلاطس فأمر بالقبض على عيسى: »وأحس عيسى بذلك فاختفى مع حوارييه في حديقة جثيماني Gethmane ، ولكن يهوذا الإسخريوطي أحد الحواريين تقدم للكهنة وساومهم على تسليمه للرومان نظير ثلاثين قطعة من الفضة، وقاد يهوذا جند الرومان حيث قبضوا على عيسى، ودفع اليهود بيلاطس[8] فحكم عليه بالموت صلباً، ونكل به الجنود الرومان ثم صلب حتى مات ودفن، وبعد ثلاثة أيام أمضاها في القبر قام في الفصح ومكث أربعين يوماً مع تلاميذه خاصة، ثم ارتفع إلى السماء أمامهم بعد أن أوصاهم بالجد في نشر دعوته باسم الأب والابن والروح القدس«.[9]

نفس الطرح ذهب إليه الكاتب "يوحنا لورنس فان موسهيم" في كتابه تاريخ الكنيسة المسيحية بقوله: "فلا تهمة من هذه التهم كافية لتقنع قضاة مستقيمين عادلين بأن يحكموا عليه لكن صياح الشعب المهيج بالكهنة المنافقين أجبر بيلاطيس على أن يحكم عليه بالموت"[10]

«وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ».[11]

لكن إرادة الله وعنايته برسله كانت مع المسيح عليه السلام، فقد ألقى الله الشبه على أحد الخونة الواشين به وهو يهوذا الإسخريوطي، وهو من أحد تلاميذ المسيح إلى الحاكم فألقى الجنود القبض عليه وحوكم وصلب؛ أما النبي فرفع إلى الله جل شأنه.

والذي أراه بصدق أن العقيدة المسيحية التي تقول بأن المسيح عليه السلام صلب من أجل الخليقة، فنجد أن مسألة الصلب كانت بيد الحاكم بعد المكر والخداع الذي افتعله اليهود للإطاحة به وقتله، والقضاء بذلك على تعاليمه. فلو كان الأمر كذلك لما صلب المسيح بسبب تعاليمه المناقضة لبني إسرائيل، والأحق أن صلبه وقتله جاءاً رداً على خروجه عن دينهم وتعنتهم وضرباً في غيهم وكفرهم الذي نهجوه بعد موسى عليه السلام، وأن عقيدة الصلب جاء بها المسيحيين بعد موت عيسى عليه السلام حتى يضفوا طابع القداسة ويبرروا قضية الصلب الذي تعرض له نبيهم، معلقين عليه جميع ذنوبهم وأنهم بفضله نالوا العفو من الرب والخلاص. وجاء في التوراة ما يؤكد إلغاء عقيدة الصلب من أجل غفران خطايا الآخرين: «لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ، وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ».[12]

فعقيدة الصلب المسيحية عقيدة بشرية من صنع فكر بشري، وليست عقيدة ربانية منزلة.

"نفى القرآن –بحق وصدق-القتل عن سيدنا عيسى يقول تعالى: ﴿وما قتلوه﴾[13]، ونفى القرآن الكريم- بحق وصدق- الصلب عن سيدنا عيسى، فما الصلب إلا بيان لكيفية القتل، وإذ لم يمت المسيح على الصليب يصح قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وما صلبوه﴾[14]، ولا يجدى في محاولة تكذيب المكذبين للقرآن الكريم شهادة شهود العيان أو وجود تواتر.[15]

وهكذا كانت نهاية عيسى عليه السلام، أن تولى الله رفعه وسلمه من كيد أعدائه حين قال:

﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيماَ﴾[16]

أما الرفع فكيف كان وبأية طريقة وقع، فلا فائدة للبحث فيه، لأن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، كما يدعي اليهود، فالأمر بيده تعالى، قادر على نجاته بأي شكل لا يعجزه ذلك، ولو وقع القتل والصلب لأخبر الحق بذلك، وقد ذكر أن بني إسرائيل قتلوا من قبله الرسل والأنبياء حين قال[17]:

﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾[18].

وخلاصة القول فإن القرآن الكريم جاء بالحق والقول السديد في قضية الصلب، فالمسيح عليه السلام رفع بأمر رباني إلى السماء ولم يقتل كما يردد أعداء الله من اليهود والنصارى، ويبين كذلك أن عيسى عليه السلام لم يصلب كما جاء في الإنجيل من أجل التكفير عن خطايا الآخرين } عقيدة الفداء}، بل رفع لأمر رباني فيه حكمة نحن البشر لا دخل لنا في الخوض فيها، بل نتقبلها كما جاء بها القرآن الكريم بدون تأويلات أو زيادات تُدخل العقل البشري المحدود في متاهة الشك والضلال والتحريف.

***

رجاء موليو

طالبة بسلك الدكتوراه/تخصص التاريخ والتراث/ جامعة ابن طفيل-المغرب

......................

[1] - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية: 6/14.

[2] - رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس: 2/2.

[3] - العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل، حسن الباش، دار قتيبة، الجزء الأول، الطبعة الأولى 1421ه-2001م، ص: 151.

[4] - مسالة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء، أحمد ديدات، دار الفضيلة، ص: 10.

[5] - العقائد المشتركة بين اليهود والنصارى وموقف الإسلام منها، خالد الرحال محمد صلاح، دار العلوم العربية بيروت- لبنان، ص: 213. / العقائد المشتركة بين اليهود والنصارى وموقف الإسلام منها، خالد الرحال محمد صلاح، دار العلوم العربية بيروت- لبنان، ص: 213.

[6] - المسيحية دين الله الذي أنزله على المسيح أم هي ديانة بولس؟، نبيل نيقولا جورج بوخاروف، الطبعة الثانية 2007، ص: 63.

[7] - العبرانيين: 9/22.

[8] - بيلاطيس: كان يلقب بالبنطي وهو وال من قبل الحكومة الرومانية على اليهود سنة 29م، واستمر حكمه بعد انتهاء دور المسيح بضع سنين، واختلفوا في موته فقيل: انتحر نفسه، وقيل: أقيل من منصبه ونفي إلى فرنسا ومات هنا. من كتاب دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند لمحمد ضياء ص: 299.

[9] - المسيحية، أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة العاشرة 1998، ص: 105-106.

[10] - تاريخ الكنيسة المسيحية القديمة والحديثة في ست كتب، يوحنا لورنس فان موسهيم، ص: 15.

[11] - إنجيل لوقا: 23/33.

[12] - سفر التثنية: 24/16.

[13] - سورة النساء، الآية :157.

[14] - سورة النساء، الآية :157.

[15] - أخطر المناظرات هل مات المسيح على الصليب، مناظرة بين الدكتور أحمد ديدات والبروفيسور فلويدكلارك، ترجمة علي الجوهري، دار البشير القاهرة، ص: 166.

[16] - سورة النساء، الآية :156-157-158.

[17] - أصول المسيحية كما يصورها القرآن الكريم، داوود علي الفاضلي، مكتبة المعارف للنشر، ص: 107.

[18] - سورة البقرة، الآية: 87.

 

مقدمة: مذهب الرواقية الفلسفي الهلنستي أنشائه الفيلسوف اليوناني زينون السيشومي في أثينا ببدايات القرن الثالث قبل الميلاد التي تندرج الرواقية تحت فلسفة الأخلاقيات الشخصية التي تستمد من نظامها المنطقي وتأملاتها على الطبيعة وفقاً لتعاليمها، فإن الطريق إلى السعادة أو الراحة الدائمة يكون بتقبل الحاضر، وكبح النفس من الانقياد للذة أو الخوف من الألم، عبر مشورة العقل لفهم العالم وفعل ما تقتضيه الطبيعة. عرف الرواقيون لتعاليم مثل «الفضيلة هي الخير الوحيد»، وأن بقيةَ الأشياء الخارجية كالصحة، الثراء، واللذة ليست شراً أو خيراً في حد ذاتها، لكنها تحمل قيمة بصفتها «مادة يسع للفضيلة أن تستعملها» فلقد انقسم تاريخ الرواقية بذاته إلى فترتين: الفترة الأولى كان مركزها في اليونان، وجزء ضئيل في آسيا، والفترة الثانية في روما. فقد كانت ظروف الحياة في الرواقية الرومانية سبباً في أن تتخذ الرواقية شكلاً خاصاً فالرواقية الرومانية لها سماتها الخاصة فإن أعظم ثلاث رواقيين في الإمبراطورية الرومانية هم: سينيكا، وإبكتيتوس، وماركوس أوريليوس، بل ربما أعظم من المؤسسين لهذه المدرسة، وذلك لأن تعاليمهم صادفت تطور عام في الفكر ووصلت إلينا بشكل كامل، فأخذت المسيحية من الرواقية العديد من الأفكار الأساسية بحيث صبغت فلسفتها بألوان مبادئ رواقية حتى تكون ملائمة للحياة الاجتماعية وطبيعة هذه العقيدة

فكان الرواقيون الأوائل، وخاصة كريسيبيس، مغرمين بالمنطق، والفلسفة الطبيعية وكذلك بالأخلاقيات. وشدد الرواقيون المتأخرون ـ خاصة سنيكا وماركوس أُوريليوس وأبيكتيتوس ـ على الأخلاقيات.3774 سينيكا

* سيِنـيكا (4 ق.م. - 65 م)

عرف لوقيوس أنـّايوس سينيكا Lucius Annaeus Seneca أو سـينـيكا الأصغر (Seneca the Younger)؛ ويعرف عادةً بإسم "سـينـيكا"(Seneca) فكان فيلسوفاً رواقياً رومانياً ورجل دولة وكَاتب أبوه كان سنكا الأكبر، وشقيقه الأكبر كان لوقيوس يونيوس گاليو أنايانوس، وابن عمه الشاعر لوكان. وفي 41 م، نـُفي سينيكا إلى جزيرة كورسيكا في عهد الامبراطور كلاوديوس، ولكن سمح له بالعودة في 49م ليصبح مُعلماً لـ نيرون. وحين أصبح نيرون امبراطوراً في 54م، أصبح سنيكا مستشاره، ومع القائد الپريتوري سكستوس أفرانيوس بوروس، أدار حكومة فكفوءة لأول خمس سنوات من عهد نيرون.ثم تراجع تأثير سنيكا على نيرون مع مرور الوقت، وفي سنة 65 م أجبر نيرون سنيكا على قتل نفسه بتهمة التواطؤ في المؤامرة الپيسونية لاغتيال نيرون، وكان في الأغلب بريئاً منها. انتحاره المتأمل والهادئ أصبح موضوع العديد من اللوحات

اعتنق سينيكا مذهب وحدة الوجود لدى الرواقيين، فاعتبر العالم كلاً مادياً وعقلياً واحداً، وأوضح بصورة أساسية المشكلات الأخلاقية التي إذا ما عولجت على نحو سليم تمكن الإنسان من بلوغ السعادة والأمن والخير، لهذا كان سينيكا يدعو إلى الأخوة والمحبة بين الناس، فاشتهرت مقولته «كن محبوباً من الجميع حياً ومأسوفاً عليه ميتاً». وكان يحارب أيضاً الانفعالات ويدعو إلى لغة العقل المتزن، فالرجل الحكيم هو الذي يسمو على الغضب متجاوزاً تجارب الحياة القاسية. ولم يهتم سينيكا بالميتافيزيقا، وفصلها عن ميدان الأخلاق، فاتجه إلى الناحية العملية، أي الحكمة العملية للحياة، وانصرف نهائياً عن الأسس النظرية الأولى التي قامت عليها الأخلاق الرواقية، فاهتم بالحياة الشعبية، لأنه وجد فيها ما يلائم مزاجه وطبيعته الخاصة. ورأيه في الإلهيات لا يعدو الإرشاد الخلقي: «أتريد أن تكون عند الله محبوباً؟ كن صالحاً إذن، وإذا أردت التعبد له فشابهه، فليست العبادة في تقديم الأضاحي بل في الإرادة الورعة المستقيمة». وهذا الورع الرواقي الذي كان يسكن قلبه في حضرة إله بارٍ بخلائقه، الله الشاهد الداخلي على أفعالنا، قد صرفه تماماً عن دراسة طبيعته وصلته بالعالم. وحتى الأصل الإلهي للنفس البشرية، تلك الشذرة التي نزلت من السماء لتسكن في الجسم، هي عنده مادة للإرشاد الأخلاقي، لهذا لم يبحث في ماهية النفس، بل سعى إلى رسم تلك الصورة المتعددة الألوان والأشكال للرذائل أو الشرور الخلقية بغية معالجتها والقضاء عليها وتقويم السلوك الإنساني

لذلك كانت التأثيرات للرواقيين أن كل هذا تحدث من خلال التلاقي الجسدي؛ فكل صورة من صورة السببية تختزل إلى العلة الفعالة، والتي تتضمن إتصال الحركة من جسم أحدهم إلى الآخر. ما يوجد فقط هو الجسد، أدرك الرواقيون وجود أشياء غير مادية مثل المكان والزمان والفراغ، لكن على الرغم من حقيقتها، فإنها لا توجد ويقال ببقائها. كانت الرواقية مادية بشكل كامل؛ وتستكشف الإجابات على الميتافيزيقا من علم الطبيعة؛ وخصوصًا مشكلة علل الأشياء التي روجت لها نظرية المُثُل الأفلاطونية والصورة التأسيسية المشائية بوصفها حل من الحلول .

حيث كانت الرواقية فلسفة حلولية أو مرتبطة بوحدة الوجود. فيتميز الكون بأنه فعّال ومانح للحياة وعقلاني وابداعي فهو كيان يدعم نفسه بنفسه، ويحتوي بداخله على كل ما يحتاجه، وتعتمد كل الأجزاء على التبادل المشترك مع بعضها البعض، فكانت الفلسفة الرواقية لدى الرومان في مستوى أرقى من الإغريق، ولم تكن مجرد فلسفة بل غدت دينًا اعترف بإله واحد، روح إلهي، منه تصدر كل الأشياء، وإليه مصيرها.. وتؤمن الرواقية أن بكل إنسان شعاعة من الطبيعة الإلهية. ومهمة الإنسان أن يصون هذه الشعاعة، ويضرم نارها لتبقى مشتعلة منيرة.. وتؤمن أن أعظم هبه وهبها الإنسان هي العقل ومن ثم فإنه يحق للبشر أن يكونوا أبناء الله.. وقد ألهبت هذه الفكرة نفوس الرواقيين، وأمدتهم بعزاء وهدى في حياتهم اليومية.

وكانت الرواقية عقيدة الأقوياء وأصفياء النفوس، الذين مالوا بطبعهم إلى الخير، وإلى كل المعنويات الطيبة الجميلة، كما أكدت كثيرًا على ضبط النفس وترويضها وتنمية الحياة الداخلية، أو الحياة المتناسقة كما يدعوها فيلسوفهم الأول زينون.. ولعل نواحي السمو في فلسفتهم ترجع إلى أن الفكرة المحورية عندهم هي الحياة بمقتضى الطبيعة والطبيعة في اعتقادهم هي "اللوغس" أو العقل الكوني وفي رأيهم أن العقل الإنساني ليس سوى جزء من هذا العقل الكوني..

لقد جاء أولئك المفكرون بأفضل ما لديهم، لكن لم تخرج جهودهم عن نطاق التفكير النظري، ولم تقو نظرياتهم على مغالبة الحياة وعثراتها وثمة أمر هام يجب الإشارة إليه، وهو أن الفلسفة لم تكن يومًا لعامة الناس، الذين لم تقو مداركهم العقلية على تفهمها.. وهكذا فشلت نظريات أولئك الفلاسفة المفكرون عن امتلاك عامة الناس، ولم تمس إلا عقول المفكرين والمثقفين وحدهم. هكذا وجدت المسيحية تربة حقل العالم مستعدة، لتزرع فيها زرعها الجيد، فأتى بثمر كثير.

فالشعور بالإثم والبؤس كطابع مميز للصفات الإنسانية وهو الذي جعل بسنيكا يحلق في سماء المبالغة في تقدير القيمة ومن أهم المؤثرات الرواقية على المسيحية هي القول" بأن المعنوية لصفتي "الرقة والعطف وهما من الفضائل التي تتسم بها الفلسفة الرواقية كما اتخذت أبوة الله والأخوة الناس ومن معاني المحبة التي تحكم في الجنس البشري كله هي نفس المعاني تمثلت في تعاليم المسيحية كالرحمة والترفق، الخير وحسن الرواقية والأخلاق المسيحية"، فالمسيحية كذلك تدعو إلى المعاملة، وسعة الصدر، وحب الناس، ارتفعت هذه الفضائل إلى ضرورة التجرد من الغرائز وكبح جماح اللذة والرغبات، حتى تبلغ مكان الصدارة كما استنكرت الكراهية الغضب والعنف في معاملة التابعين أوأقل منزلة.

ولقد اقتبس الفلاسفة المسيحيون من الرواقية الكثير من القيم الروحية التي تنطوي عقيدة دينية كالتالي دعا إليها ماركوس أوريليوس بإطالة التأمل في الحياة الروحية فالجسد ليس إلا قيد للروح وظلماتها لذا يتعين على الروح أن تكافح عبء الجسد وكان هذا المفهوم في الحق هو طابع المجتمع الوثني الذي نشأت المسيحية .

حيث نجد النزعة الرواقية داخل الفلسفة المسيحية وحضور مختلف إشكاليات اليونان من المنطق والمعرفة والأخلاق ونظريات في السياسة داخل الفلسفة المسيحية رغم تباين آراء الفلاسفة بين مؤيد ومنقذ للفلسفة اليونانية، وهذا ما يعكس أن الإيمان المسيحي لم يتحرر من مختلف التأثيراث الهلينية للفلسفة اليونانية فكانت تأثيرات الثقافة الهلينية تدفع الإيمان في إتجاهين مختلفين، وهما إكتمال تحول المسيحية إلى فلسفة إلهامية وثانيها هو إزدهار الغنوصية (نَزعة فكرية ترمي إلى مزج الفلسفة بالدِين)، فإن فكرة سينيكا عن الحالة الطبيعية قد وجدت لنفسها وبين صدى عند رجال الديانة المسيحية، فيستدل على الإيمان في طهر الحياة البدائية من قصة الخطيئة الإنسانية وهبوط الإنسان الأول إلى الأرض لذلك فضت أحاديث المسيحيين عن الزهد وإقران الفقر بالعفة وقد اعتبر الفقر أكثر مكانة من الثروة من الناحية المعنوية وأن حياة الرهبة أفضل من الحياة الدنيوية" فكان القديس ألبرت يردد قول سنيكا: « لا من يقول بل ما يقول أعقل» ويعلن أن من العار إبداء رأي في الفلسفة دون دعمه بالدليل3775 البيرتوس ماغنوس

* القديس ألبرت الأكبر (١٢٠٦ – ١٢٨٠م)

ألبيرتوس ماغنوس باللاتينية: (Albertus Magnus) لاونغن، حوالي عام 1200 - كولونيا، 15 نوفمبر 1280)، معروف أيضا باسم القديس ألبيرت الكبير، وهو كاهن وراهب دومينيكي حقق الشهرة لمعرفته الشاملة ودعوته للتعايش السلمي بين العلم والدين. يعتبر أعظم لاهوتي وفيلسوف ألماني من العصور الوسطى. كان أول من بين دارسي القرون الوسطى الذي طبـّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي. كرمته الكنيسة الكاثوليكية بصفة دكتور الكنيسة واحداً من 33 شخصاً فقط الذين نالوا هذا التكريم. من إنجازاته في الكيمياء اكتشاف عنصر الزرنيخ. كان ذلك عام 1250م.

ففي الوقت الذي ألفت فيه لجنة لتهذيب كتب أرسطو، ولم تؤد اللجنة مهمتها كان ألبرت يتطلع بتلك المهمة وحده وهو على بينة من غرضه وأهميته البالغة، فقد كان أول من عرف للأرسطوطالية مزاياها، وأول من عرضها للغربيين، وأول من ساهم في العلوم مساهمة أصيلة، ولد في بافاريا، ولما بلغ السادسة عشرة قصد إلى إيطاليا، حيث اختلف إلى جامعة بولونيا، فإلى جامعة بادوفا. وفي هذه المدينة دخل رهبنة الدومنيكيين، وعكف على العلم، وبعد خمس سنين أخذ في التعليم متنقلا بين الرهبنة وفي ١٢٤٠ أرسل إلى باريس، فحصل بها بعد خمس سنين على لقب أستاذ في اللاهوت، وشرع يعلم بجامعتها على أساس كتب أرسطو، وكانت ما تزال محرمة رسميًّا، فكان عمله جريئًا، ولكنه كان عملا ضروريًا لشدة الحاجة إليه حينذاك، فأصاب نجاحًا عظيمًا وفاز بشهرة أوروبية، ولما توفي كانت كتبه تقرأ وتشرح وتذكر صراحة في معرض الاستشهاد إلى جانب كتب أرسطو وابن سينا وابن رشد، بالرغم مما كان يقضي به العرف من عدم ذكر المعاصرين في الكتب العلمية، ولم يمض على وفاته ربع قرن حتى كان يلقب بالأكبر. تتوزع كتبه إلى طوائف ثلاث: لاهوتية وفلسفية وعلمية، أما الكتب اللاهوتية فأهمهما شرح على كتاب الأحكام شرح على كتب العهدين القديم والجديد، «مجموعة في المخلوقات» و«مجموعة لاهوتية»، شروح ديونيسيوس، وأما الكتب الفلسفية فهي شروح على أرسطو المنطق الطبيعيات ما بعد الطبيعة.

وقد عرض آراء أرسطو عرضًا أمينًا دقيقًا، وجاء عرضه عبارة عن تمثيل وتكميل على طريقة ابن سينا في كتاب الشفاء، لا شرحًا حرفيًّا على طريقة ابن رشد، وكان أوسع منها حرية بإزائه، وقد قال في مفتتح الطبيعيات: «من يعتقد أن أرسطو إله يعتقد بالضرورة أنه لم يخطئ، أما من يعتقد أنه إنسان فهو يعتقد من غير شك أنه قد يكون أخطأ مثلما نخطئ نحن»، ودل في نفس الموضوع على منهجه، قال: «غرضنا أن نرضي رهباننا بقدر استطاعتنا وهم يطلبون إلينا منذ سنوات أن نضع لهم كتابا في الطبيعة يجدون فيه دراسة وافية للعلوم الطبيعية ويعطيهم مفتاحا لفهم كتب أرسطو، أما طريقتنا فهي أننا سنتبع ترتيب كتب أرسطو وآراءه، ونقول كل ما يبدو لنا ضروريًا لتفسيرها والتدليل عليها، ولكن دون إيراد أقواله، ثم نستطرد لتوضيح الشكوك، وتفصيل ما أجمله الفيلسوف فأغمض فكره على كثيرين، وسنبين في عناوين الفصول إن كان الفصل وارداً في كتب أرسطو أو كان استطرادًا منا، ونحن إذ نتبع هذه الطريقة نصنف كتبًا بعدد كتب أرسطو وبنفس أسمائها، ونضيف أجزاء إلى الكتب التي تركها ناقصة، ونضيف كتبًا برأسها لم يدونها أو دونها ولم تصل إلينا»، هذه الطريقة تبين عن غرض أساسي هو الاستفادة من أرسطو مع رده إلى حكم العقل، وتكميله بمكتشفات العلم، فهي تدل على محاولة لوضع مذهب، لذا كان تلاميذه ومعاصروه يعتبرونه فيلسوفا أصيلا لا مجرد شارح.

فإن الفلسفة هي التى تلتزم بالتدقيق، فيضيق مجال التدليل العقلي في اللاهوت عما هو عند الأوغسطينيين، أما في سائر العلوم فالمرجع إلى العقل،، فالفيثاغوريون وحدهم اتبعوا رأي زعيمهم في كل شيء، أما الباقي فيقبلون الآراء من أي جهة جاءت بشرط أن تحمل معها أدلتها.» وإذا أردنا تلخيص آرائه في المسائل الرئيسية بدأنا بمسألة الله، فقلنا: إنه في مؤلفاته الأولى يشرح ويفسر وجود الله أكثر مما يبرهن عليه، تمشيا مع الأوغسطينية.

ففي شرحه على قول ديونيسيوس: إن الله مجهول نراه كأنه يسبق كانط إلى أن الحكم بوجود الله، أي ذات لا متناهية ابتداء من المعلومات المتناهية، خروج بمبدأ العلية إلى أبعد مما ينبغي إذ إن هذا المبدأ لا يتطلب سوى علة متناسبة مع المعلول، وليس بين الله والعالم تناسب، ولكنه بعد أن تحول إلى أرسطو، لم يعتبر وجود الله بينا بذاته كما يعتبره الأوغسطينيون، ولم ير إمكان استنباطه من فكرة الله كما يستنبطه أنسلم، وإنما قال بوجوب البرهنة عليه، وعاد إلى الإشكال المتقدم فحله على النحو التالي: إننا أولا نصل إلى علة أولى بناء على استحالة التسلسل إلى غير نهاية وبعد ذلك يلزم لدينا من كونها العلة الأولى أنها غير متناسبة مع العالم بالضرورة؛ لأنها إن كانت متناسبة معه كانت متناهية مثله، فلم تكن أولى بل افتقرت إلى علة، وعدنا إلى التسلسل وهو مستحيل مبدأ العليَّة، ويستعيض ألبرت عن وصف الله بأنه المحرك الأول، وهذه صفة تدل بموجب على الفعل فقط، بقوله إنه الموجود اللامتناهي، وهذه صفة دالة على الذات الإلهية

يوفق ألبرت المعرفة بين أوغسطين وأفلاطون وأرسطو فيقول: إن الكليات موجودة في الذات الإلهية، وتشع عنها فتوجد خالصة، وتتحقق في الأفراد، ويجردها العقل الإنساني، وهو يدعو كل معرفة تجريدًا، حتى المعرفة الحسية على اعتبار أن الحس يدرك موضوعه منفصلا أو مجردًا عن سائر كيفيات الشيء، وسنصادف هذا المعنى عند الحسيين المحدثين يحاولون أن يردوا إليه التجريد العقلي، على أن التجريد الأكمل عند ألبرت هو هذا التجريد العقلي الذي يستخلص الماهية من علائقها المادية، وهذا التجريد يستلزم عقلا فعالا، وجميع المعارف العقلية مستمدة من الإحساس، ما خلا المبادئ الأولية، كمبدأ عدم التناقض، فإنها وإن كانت حدودها مجردة من الإحساس، إلا أن معانيها غريزية في النفس أو مدركة في النور الإلهي كما يقول أوغسطين، ولكل نفس إنسانية عقلها الفعال، وعقلها المنفعل.

حيث جعل أرسطو الفضيلة أكبر شيء قيمة، ولكنه مع هذا جعل للمال والظروف والأشياء التي حولنا قيمة في الحياة، أما الرواقيون فقالوا: لا خير في الوجود إلا الفضيلة، ولا شر إلا الرذيلة، وما عداهما فشيء تافه لا قيمة له، فالفقر والمرض والألم والموت ليست شرورًا، والغنى والصحة واللذة والحياة ليست طيبات، فإذا انتحر الإنسان وأعدم حياته لم يعدم شيئًا ذا قيمة، واللذة ليست ذات قيمة، وعلى الإنسان ألا يبحث عن اللذة، فالسعادة الحقة في الفضيلة، والإنسان يجب أن يكون فاضلًا لا للذة ولكن لأنه الواجب، وليس هناك درجات للفضائل ولا للرذائل، فكل الفضائل خير ومتساوية في الخير، وكذلك الرذائل.

فإن التعامل مع الأفكار الرواقية، في سياق العقيدة الأرثوذكسية المسيحية، يتطلب الدقة. بينما تم الاتفاق، بين الجميع تقريبا، على أن الله ليس وجودا ماديا، فإن حالة النفس البشرية كانت موضوعا أكثر إثارة للجدل. وبشكل عام، تطورت الأرثوذكسية بعيداً عن الأنثروبولوجيا المادية، بالشكل الذي نجده في كتابات ترتليان، إلى المفهوم اللامادي للروح، التي يعتبرها المسيحيون المعاصرون أمراً مفروغاً منه لقد شعر مسيحيون القرون الوسطى بضرورة رفض ما أسموه القدرية الرواقية، أما مفاهيم مثل الضمير، والقانون الطبيعي، فكانت لها صلات واضحة بالفكر الرواقي. فأثرت الفكر الرواقي ـ مع منافاة مبادئها للعقائد المسيحية ـ على مفكري اللاهوت المسيحيين لما جاءت به من تفصيل القول في الفضائل والرذائل، وفي صفات الله، وفي العناية الإلهية، فلقد كان لهذه الأفكار صدى في الفكر المسيحي المتأخر خاصة حول الفضيلة والرذيلة والخطايا، والفضائل الكبرى، فالمعرفة بالنسبة للرواقين ومن بعدهم المسيحيين خير خالص والخير يمكن أن يكون أيضا جمالا وعدلا وشجاعة وحكمة أثر الرواقية على المسيحية ومن أهم المؤثرات الرواقية على المسيحية هي القول" بأن حياة الفضيلة هي حياة التأمل والتأني والانسجام مع النفس وتجنب اللذة في طريق كبح جماع الرغبات غير الطبيعية وغير الضرورية وعراقية الخطيئة فهذه المفاهيم في الجوهر والمنهج بين الأخلاق الرواقية فالمسيحية كذلك تدعو إلى ضرورة التجرد "والأخلاق المسيحية"، من الغرائز وكبح جماح اللذة والرغبات، حتى تبلغ السعادة او الفضيلة "كما تتطابق الرواقية والمسيحية من زاوية اجتماعية، ذلك أن تعاليم الرواقية تؤكد على ضرورة التعايش مع الآخر وأن الواجب الاجتماعي يعد أشرف وأهم الواجبات أو الوظائف الفردية، لأن الإنسان لا يحيا مستقلا عن الآخرين أو بمعزل عنهم فالأخلاق الفردية في الرواقية هي بطبيعة الحال اجتماعية،،إذ يكتفيان لبلوغ بالعيش وفقا للطبيعة والعقل" أي العيش وفقا للطبيعة (السعادة (يعني العيش في صداقة مع الإله أووفق لإرادة الإله عند المسيحي، كان للنزعة الإنسانية التي تميز الفلسفة الرواقية وخاصة المتأخرة تواجدا قويا في الفكر المسيحي وهذا بالسمو بالقيم الأخلاقية وخلق رابطة اجتماعية قوية توثق العلاقات بين الفئات الاجتماعية المختلفة بحيث استحوذت على المسيحية فكرة تأصيل الإثم في الطبيعة الإنسانية ولا مفر للإنسان إلا بالفضيلة لتحقيق الخلاص.

فإن الاهتمام الأكاديمي بالمذهب الرواقي، في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، قابله الاهتمام بالجوانب العلاجية لطريقة الحياة الرواقية، من قبل غير المتخصصين في تاريخ الفلسفة.

إشكاليات الدراسة:

تتفرع عن هذا التساؤل عدة اسئلة فرعية منها:

- ما الهدف المشترك بين الرواقية والمسيحية؟

- هل لها أهمية في نظرية المعرفة بين سينيكا والقديس ألبرت ؟

- ما مدى تأثير الفكر الرواقي في المسيحية عند القديس ألبرت؟

- هل المعرفة تتأثر بالطبيعة عند كلا من الرواقية والقديسين؟

- ما علاقة الفكرة الالهية بالنفس الانساني وعلاقة الاخلاق الانسانية بالقيم الالهية؟

- هل الفكر الالهية مادية ام معنوية في الطبيعة عند سينيكا والقديس ألبرت؟

- ما أوجه الأختلاف في الفكر الفلسفي عند سينيكا والقديس ألبرت؟وما أوجه التشابهة بينهما؟

- ما العلاقة بين الوجود والمنطق والاخلاق عند سينيكا والقديس ألبرت ؟

أهداف الدراسة:

تستهدف الدراسة مجموعة من الأهداف على رأسها:

- عرض تصورات الفلسفة بين سينيكا والقديس ألبرت الكبير.

- رصد لأسس مبادئ الفكر عند الرواقية والفكر المسيحي.

- تناول علاقة الخير بالطبيعة .

- بيان فكرة الاخلاق والدين .

- شرح اثر الفلسفة عند سينيكا والقديس ألبرت في العصور المتأخرة .

- تأثير الفكرة الرواقية على الدين المسيحي.

مفهوم الدراسات السابقة:

هناك العديد من الدراسات الفلسفية التي تناولت دراسة الرواقية وشرح العصور الوسطى بالعرض والتفصيل كمعرفة يسعى إليها البشرية والتي سوف استفيد منها في اعداد رسالة الدكتوراه ولعل من أبرز هذه الدراسات:

1. لوكيوسانايوس سينيكا: في محاورات السعادة والشقاء(2019) ترجمة د|حمادة احمد علي، والتي كانت فكرة سينيكا (عن مشهد يستحق النظر إليه وهو يتفقد المخلوقات) فأصبحت موضوعاً في خطاب التشاؤم المسيحي وربما يكون تأثير سينيكا أكثر واقعية علي التأثير المسيحي فكان يفسر لنا العناصر الطبيعي(الماء والهواء والنار والتراب) بصورة مختلفة للرب.

2. أ.د. شرف الدين عبدالحميد (2015) مدارس الفلسفة اليونانية في العصر الهللينستي، والذي يفسر لنا أن الإنسان عند الفلاسفة الرواقية جزء من الكون وهو لذلك منوط بمهمة يؤديها فيه وكل فرد في هذه الدنيا أشبه بضيف في مأدبة، فيعلن الرواقيون ان هناك ثلاثة أنواع من الحياة هي: الحياة التأملية والحياة العملية، والحياة العقلانية .

3. ماركوس اوريليوس (2017)، التأملات: ترجمة عادل مصطفى، والذي عرض لنا مفهوم الفلسفة عند سينيكا: "الفلسفة تُشكِّل النفس وتُشيدها، وتنظم الحياة وتُرشد السلوك، وتبين ما يجب فعله وما يجب تركه، وتجلس على دفَّة القيادة وتهدي مسارنا ونحن نتأرجح وسط السكينة"

4. أ.د.عصمت نصار: (2008) فلسفة اللاهوت المسيحي، والتي هدفت إلي أوجه التشابة والمتبادلة بين سينكا والقديس بولس بالمفعمة بالإحترام المتبادل بينهما واتفاقهما على العديد من الفضائل الأخلاقية وعلى رأسهم التسامح مع كافة البشر وجعل المحبة دواء للبغض والعداوة.

5. يوسف كرم (2012) تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط: يوضح ألبرت في شرحه على كتاب العلل يقول: إن الله أوجد «العقل» أو المعلول الأول بفعل خالق (يسميه صدورًا وانبثاقًا، ولكنه يريد به غير ما يريد الأفلاطونيون وأتباعهم) وأن العقل عاون الله في إيجاد سائر العقول المفارقة والنفس العالية والجواهر الجسمية، وفي شرحه على طبيعيات أرسطو يقرر أن السموات صدرت عن الله رأسًا باختيار إرادته.

6. أ.د. عبد الرحمن بدوي (1984) كتاب موسوعة الفلسفة والذي يعرض لنا ألبرت الكبير الربط بين العلة الأولى (الله) و بين النفس الإنسانية إذ هي صورة له لان النفس الإنسانية ليست مجرد صورة لجسم بل هي جوهر روحي.

7. د. زينب الخضيري (2008)أثر ابن رشد في العصور الوسطى، أول من أراد استيعاب ارسطو في علم اللاهوت المسيحي هو القديس ألبرت وتأثر به، حيث نفى البرت تفسير ابن رشد وابن سينا. كما استقرت الباحثة في دراسة الفلسفة عند توما الأكويني فترى انه مكمل لألبرت الكبير.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة- في علم الباحثة - في أنه هناك العديد من الدراسات والكتب والأبحاث التي تناولت تصورات الفلاسفة الرواقية حول الطبيعة والمعرفة، والأخلاق والمنطق والتي لا يسعنا المجال هنا لنذكرها على سبيل، إلا أن هذه الدراسة تعد أول دراسة متخصصة تتناول بالتحليل والمقارنة والتعليق في نظريات اللاهوتية عند سينيكا والقديس ألبرت الكبير.

***

إعداد: سارة حسين كامل ابو النجا

..........................

قائمة المصادر والمراجع

أولا: المصادر

أ. المصادر المترجمة إلي العربية:-

- لوكيوس أنايوس سينيكا: مسائل طبيعية ترجمة د| حمادة أحمد علي، دار رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى القاهرة ۲۰۲۱م.

- ديوجينس اللائرتي:- حياة مشاهير الفلاسفة)المجلد الثالث)، ترجمة امام عبد الفتاح امام، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2014، م .

- لوكيوس أنايوس سينيكا: محاورات السعادة والشقاء ترجمة حمادة أحمد علي، دار آفاق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى القاهرة ٢٠١٩م

- افلاطون(محاور افلاطون)، ترجمة: د . زكي نيجيب محمود، المؤسسة المصرية، القاهرة، 2001م

- اوغسطين: الاعترافات، ترجمة الخوري يوحن الحلو، دار المشرق، الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان، 1991م

- اوغسطين:تعليم المبتدئيين اصول الدين المسيحي،ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق،بيروت، لبنان، 2007م

- اوغسطين: خواطر في الحياة الروحية، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان، 2004م

- ------:محاور الذات، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان،2005م

- ------:مدينة الله، المجلد الأول، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان،2006م

- -----: مدينة الله، المجلد الثاني، ط 2، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان،2007م

ب - المصادر المترجمة للإنجليزية:

- Plato: Apology، English translation in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

- --------: Meno، Eng.trns. by: Jowett، in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988 .

- --------: Phaedrus، in " Great Books of the western world "، Eng.trans.by: B. Jowett، university of Chicago، 1988.

- ---------: Phaedo، English translation in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

- ---------: Protagoras، Eng. trans. by: W.K.C. Guthrie، Penguin Books، New York، U.S.A، 1977.

- ---------: Theaeteus، trans.by: F.M. Cornford، in " Plat،s theory of knowledge "، Routledge α Kegan Paul Ltd.، London، 1973.

- ----------: The Symposium، Trans. with by: R. E.Allen، Volume 11، Yale University Press، New Haven and London، w.d

- Augustine: confessions،trans by، A.C،outler Harry planting a publisher، texas،ND

- --------:on Christian doctrine – in four books، trans by،Emmalon Davis، Christian classics Fthereal library، Grand Rapids، ND

- ----------: on nature and Grace، Trans by Peter Holmes in the anti – pelagian works of saint Augustine،vol، 1، Edinburgh، 1872.

- ----------: on the free choice of the will،on grace and free choice and other writings Trans by Peter King، combridge university press، New York، 2010.

- ----------: the Anti-pelagian works of saint Augustine، vol،1، trans by peter holmes، Murry and Gibb، London، 1872.

ثانيا: أ-المراجع العربية

1. إتين جلسون: روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط – ترجمة أ.د/ إمام عبد الفتاح إمام– نشر مكتبة مدبولي– ط3 - جامعة الكويت، القاهرة، 1996م

2. أ.د. شرف الدين عبد الحميد امين (الفلسفة اليونانية في العصر الذهبي) سقراط أفلاطون – ارسطو)جامعة سوهاج – 2012م

3. يوسف كرم (تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط)– مكتبة الأسرة 0 القاهرة – 2017م

4. ألفرد إدوارد تايلور:- أرسطو، ترجمة: عزت قرني، دار الطليعة، بيروت، 1992م.

5. =====: سقراط، ترجمة: محمد بكير خليل، مراجعة: ذكي نجيب محمود، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1962م.

6. إمام عبد الفتاح إمام:-الأخلاق..والسياسة (دراسة في فلسفة الحكم)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002م.

7. أميرة حلمى مطر:- الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها،دار قباء للطباعة والنـشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٨م.

8. =======:- الفلسفة عند اليونان، الجزء الأول، دار الثقافة للنشر والتوزيـع، القاهرة، ١٩٨٦.

9. إميل برهيبه: الفلسفة الهللينستية والرومانية، ترجمـة: جـورج طرابيـشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، د. ت.

10. =======:- تاريخ الفلسفة (الجزء الأول)، الفلسفة اليونانية، الطبعة الثانية، ترجمـة: جـورج طرابيـشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت،1987م.

11. أنجلو شيكوني: (أفلاطون والفضيلة)،ترجمة منير سبغيني،دار الجيل، بيروت لبنان، 1986م .

12. أولف جيجن:المشكلات الكبرى فى الفلسفة اليونانية، ترجمه: عزت قرنى .مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، دون تاريخ.

13. برتراند راسل: تاريخ الفلسفة الغربية (الكتاب الثالث) الفلسفة الحديثة، ترجمة محمد فتحي الشنيطي،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1977م .

14. بيار بويانسي: أبيقورس،تعريب بشارة صارجي،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،1980م .

15. توفيق الطويل: فلسفة الأخلاق، نشأتها وتطورها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1979.

16. ======: مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، الطبعة الاولى،القاهرة، 1953م.

17. جعفر آل ياسين:- فلاسفة يونانيون (العصر الأول)، مطبعـة الارشـاد، بغـداد، ١٩٧١م.

18. حسن حنفي حسین: نماذج من الفلسفة المسیحیة في العصر الو سیط (أوغسطین .أنسلم . توما الاكویني) المكتبة الأنجلو مصریة . ط2 .القاهرة 1978 م.

19. جاریث_ب_.ماثیوز: أوغسطین .تر: أیمن فؤاد زهري - المركز القومي للترجمة،ط1 القاهرة،مصر.2013م .

20. زینب محمود الخضیري: لاهوت التاریخ عند القدیس أوغسطین - دار قباء . القاهرة.1997م.

21. عبد الرحمن بدوي: فلسفة العصور الوسطى، وكالة المطبوعات، دار القلم . ط3،الكویت، بیروت، 1979م

22. جيمس فينكيان اليسوعي:- افلاطون (سيرته، آثاره، مذهبه الفلسفي)، دار الشرق، بيروت، 1991م.

23. جيهان نور الدين محمد المقدم: (الجانب الاخلاقي عند افلاطون)،العدد الثامن،دار الكتب المصرية،الجزء الثاني، 2018م .

24. علي زیغور:أوغسطینوس مع مقدمات في العقیدة المسیحیة والفلسفة الوسیطیة، دار إقرأ، ط1 . بیروت،1983م

25. علي عبود المحمداوي (وأخ)، فلسفة التاریخ (جدل البدایة والنهایة والعود الدائم) دار الروافد للنشر والتوزیع، ط1،بیروت،2012م.

26. كامل محمد محمد عویضة:.الفلسفة المسیحیة في العصور الوسطى .، دار الكتب العلمیة ط1،بیروت، لبنان،1993م.

27. حربي عباس عطيتو: المدارس الفلسفية المتاخرة (ابيقورية نموذجا)،دار المعرفة الجامعية،الاسكندرية،1999م .

28. ======: ملامح الفكر الفلسفي عند اليونان، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1995م .

29. حسن حرب: الفكر اليوناني قبل افلاطون، دار الفكر اللبناني، بيروت،١٩٩٠م.

30. ديف روبنسون وجودي جروفز:- أقدم لك أفلاطون، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، 2001م.

31. زكريا إبراهيم: المشكلة الخلقية، مكتبة مصر، القاهرة، 1966.

32. =====: مشكلة الحياة، مكتبة مصر، القاهرة، 1972.

33. زكي نجيب محمود واحمد امين: (قصة الفلسفة اليونانية)، مؤسسة هنداوي سي اي سي،المملكة المتحدة،2017م .

34. سعد عبد العزيز حباتر: الأخلاق العقلية عند اليونان، رؤية جديدة، جامعة عين شمس، القاهرة، 1987 .

35. شرف الدين عبد الحميد: الفلسفة اليونانية في العصر الذهبي (سقراط- افلاطون – ارسطو)،جامعة سوهاج،كلية الاداب، سوهاج، 2014م .

36. =======: الفلسفة اليونانية في العصر الهلليني (قبل سقراط)،جامعة سوهاج، كلية الاداب،2013م .

37. ======: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان،دار الوراق للطباعة والنشر والتوزيع بالاردن، لبنان، 2014م .

38. عبد الرحمن بدوي: أفلاطون، وكالة المطبوعات، الكويت، 1979.

39. ======: الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1954م.

40. ======:- ربيع الفكر اليونـانى، مكتبـه النهـضة المـصرية، ط ٣، القاهرة، ١٩٤٢م

41. ======:- خريف الفكر اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، ط ٤، القـاهرة ١٩٧٠م.

42. عبد الغفار مكاوي:-الحكماء السبعة، الهيئة المصرية العامـة للكتـاب، القـاهرة، ١٩٩٠م

43. عبد المعبود مصطفي سالم: المدارس الفلسفة اليونانية قبل ارسطو،مطبعة الامانة، الطبعة الاولى، القاهرة 1987م.

44. عزت قرني:الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، طبع ذات السلاسل،الكويت،١٩٩٣م

45. عزيز لزرق ومحمد الهلالي: السعادة، دار توبقال للنشر، دار توبقال، المغرب، 2013.

46. فريدريك كوبلستون: تاريخ الفلسفة، ترجمة: إمام عبدالفتاح إمام، المجلد الأول "اليونان وروما"، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، ط 1، القاهرة، 2002م.

47. فواد سواف تاتاركيفتش: الفلسفة اليونانية، ترجمة: محمد عثمان مكى العجيل، كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، 2012م.

48. كورا ميسن: سقراط، الرجل الذي جرؤ علي السؤال، ترجمة محمود محمود، مؤسسة هنداوي سي اي سي، المملكة المتحدة،2017م .

49. ماجد فخرى: تاريخ الفلسفة اليونانية من طاليس ٥٨٥ ق . م " إلى افلـوطين ٢٧٠ م وبرقلس " ٤٨٥م "، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩١م

50. مجدي كيلاني: الفلسفة اليونانية من منظور معاصر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الاسكندرية، ٢٠٠٥م.

51. محمد الجبر: الفكر الفلسفي الأخلاقي عند اليونان،(ارسطو نموذجا)، دار دمشق، 1994م.

52. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: دفاتر فلسفيه (نصوص مختاره)، دار توبقال للنشر، المغرب، 2005م

53. محمد عبد الرحمن مرحبا:- مع الفلسفة اليونانية، منـشورات عويـدات، ط ٣، بيروت – باريس، ١٩٨٨م

54. ======: تاريخ الفلسفة اليونانية من بدايتها حتى المرحلة الهلينستية، مؤسسة فخر الدين للطباعة والنشر، بيروت ١٩٩٣م

55. محمد على أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفى من طاليس إلى أفلاطون، ج 1، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2004م.

56. محمود مراد: الحرية فى الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع، إسكندرية، 1999م.

57. مصطفى النشار:- تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، الجزء الثاني (السفسطائيون، سقراط، افلاطون)، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 2000م .

58. =======: فلسفة السعادة، مكتبة الدار العربية للدراسات، بيروت، 2018 م.

59. نصار عبدالله: دراسات في فلسفة الأخلاق والسياسة والقانون،دار الوفاء،الطبعة الاولى،الاسكندرية،1999م.

60. هنرى توماس: أعلام الفلاسفة كيف نفهمهم، ترجمة مترى أمين، مراجعة زكي نجيب محمود، دار النهضة العربية، القاهرة، 1964.

61. هنرى توماس ودنانالى نوماس: المفكرون من سقراط إلي سارتر، ترجمة / عثمان نويه، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1970.

62. و. ك. س. جثرى: الفلاسفة الإغريق من طاليس إلى أرسطو، ترجمة وتقديم: رأفت حليم سيف، مراجعة: إمام عبد الفتاح إمام، دار الطليعة، الكويت، 1985م.

63. ولتر ستيس: (تاريخ الفلسفة اليونانية) ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد،دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة،1984م.

64. يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2018م .

ب. المراجع الانجليزية:

1. GORCE (M.M.)، The rise of thought in the Middle Ages. Albert the Great and Thomas Aquinas، 1933

2. E. Taylor: Plato the man and his work، Methuen & McGraw. Hill، Inc، New York، 1902.

3. A .H .Armstrong ; An Introduction to Ancient Philosophy، Methuen &Co .LTD، London، 1981.

4. Alessandro S. Ch. Moore، Socrates and the Socratic Dialogue، for use by the Author only، Koninklijke Brill NV، 2018.

5. Alessandro Stavru: Aristoxenus on Socrates، Universita Bocconi، 2017.

6. A.S. Bogomolov ; History of Ancient Philosophy، Greece and Rome، trans by; V. Stankerich، progress publishers، Moscow، 1985.

7. C.J..DE. Vogel; Greek philosophy (A collection of text،vol II، Aristotle، The Early peripatetic School and The Early Academy، The Netherlands Organization، Leiden،1953.

8. Ritter: The Essence of Plato's Philosophy، Trans by: A، Alles،Lincoln Mac Veagh، The Dial Press، New York. 1933.

9. D .W .Hamlyn ; the Penguin History of Western philosophy، Penguin Books،London، 1990.

10. E.Hussey: the Pre-Socratics(Classical Life and Letters) Gerald Duckworth، London، 1972. .

11. E. zeller: A history of Greek philosophy،trans by; S. F. Allyer، Longmans .Green. and Co.،London، 1881.

12. =====: Outline Of The history Of Greek philosophy، Dover publication inc،1980

13. Fiona Hobden: Xenophon "Ethical Principles and Historical Enquiry، Koninklijke Brill، 2012.

14. F.M. Cornford: Before and after Socrates، Cambridge University press، 1990.

15. =====: From Religion to philosophy (A study in the origins of Western speculation)، Harper & Row Publishers، New York and Evanston، 1957.

16. G. C. Field: The Philosophy of Plato، Oxford University Press، London،1949.

17. George Rude Busch: Socrates، publication Wiley-Blackwell، first published، 2009.

18. Gregory A. McBrayer: Xenophon and Plato on Socrates and Alcibiades، antique، 2017.

19. =======: The philosophy of Socrates، Palgrave Macmillan، 1971.

20. Jacob Howland: Kierkegaard and Socrates، University Press، New York، 2006.

21. John Burnet ; Early Greek philosophy، 4 th ed، Adam & Charles-Black، London، 1975.

22. ======:Greek philosophy part 1 ;Thales to Plato،Macmillan and Co. London، 1924.

23. =======: Plato's Euthyphro، Apology of Socrates، and Crito Oxford: The Clarendon Press، 1979.

24. John Bussanich and Nicholas D. Smith: The Bloomsbury Companion to Socrates، London، first published 2013.

25. Leo Strauss: Xenophon's Socrates، Cornell University Press Ithaca and London، 1972.

26. Leo Strauss & Joseph Crapsey: History of political philosophy، The University of Chicago press، London، 1987.

27. N. Glley: The Philosophy of Socrates، Macmillan، London، 1968.

28. Peter Warnek: Descent of Socrates، University Press، 2005.

29. Rappe- and Rachana Kamtekar، A Companion to Socrates Sara Ahabel 2-Blackwall Publishing، 2006.

30. Robert Adamson: The development of Greek philosophy، William Black wood and sons London، 1908.

31. S.F Alleyne: A History of Greek philosophy (from the earliest period) to time of Socrates، transled from the German of D.E. zeller، Longmans oreen، and co.،London،1881.

32. . Theorder Gomperz ; The Greek Thinkers، Vol 1، trans by; Laurie Magnus، John Murray، Albemarle Street، London. 1964.

33. T. Irwin: Plato's Moral Theory، The Early and Middle Dialogues، Clarendon Press، Oxford، 1985.

34. W. Jeager:-The Theology of The Early Greek philosophers، At Clarendon press، Oxford، London، 1948

35. W .K .Guthrie; A history of Greek philosophy،vol 1 (The Earlier Pre- Socratic and the Pythagoreans)، Cambridge University Press، 1962.

36. ======: Socrates، Gambridge University Press،New York 1971.

37. ======:-The Greek philosophers، Routledge، London and New York، 1991.

38. W. Windelband:-History of Ancient philosophy، trans by H.E. Cushman، Dover.

39. Luscombe، D.E.،، Medieval Thought (History of Western Philosophy: Volume 2)، Oxford: Oxford University Press،1997

40. Pasnau، Robert، and Christina van Dyke (eds.)، The Cambridge History of Medieval Philosophy، Cambridge: Cambridge University Press،2010.

41. Dronke، Peter (ed.): A History of Western Philosophy in the Twelfth Century، Cambridge: Cambridge University Press، 1988

42. Gersh، Stephen، Middle Platonism and Neoplatonism: The Latin Tradition، 2 volumes (Publications in Medieval Studies: Volume 23)، Notre Dame، Ind.: University of Notre Dame Press،1986.

43. Inglis، John (ed.):Medieval Philosophy and the Classical Tradition: In Islam، Judaism، and Christianity، London-New York: Routledge،2002.

44. Luscombe، D.E.، Medieval Thought (History of Western Philosophy: Volume 2)، Oxford: Oxford University Press، 1997.

45. Marenbon، John، (Medieval Philosophy: An Historical and Philosophical Introduction) London،Routledge،2007.

ثالثا: المعاجم والقواميس:

- ابراهيم مدكور: المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشئون المطـابع الاميريـة، القـاهرة، ١٩٨٣م.

- اندريه لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الثالث، تعريب خليـل احمـ د خليـل، منشورات عويدات، بيروت- باريس، ٢٠٠١م

- عبد المنعم الحنفي: المعجم الشامل المصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولى،٢٠٠٠م

- محمود جواد مغنيه: مذاهب فلسفيه وقاموس مصطلحات، دار ومكتبـة الهـلال، دار الجواد، بيروت – لبنان، بدون تاريخ

- جورج طرابيشي: معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثالثة، 2006م.

- فولتير: قاموس فولتير الفلسفي، ترجمة: يوسف نبيل، مؤسسة هنداوي،2017م.

(كما أن لهذه الدنيا شمساً يستضاء بها ويـُعرف بها الليل من النهار والأوقات والأشخاص والأجرام فكذلك للنفس نور تميز به بين الخير والشر وهو أشد ضياءً من الشمس).. أفلاطون

***

مقدمة: هو أفلاطون (427- 347) عنوان الفلسفة المثالية وملهمها، وهو من أكثر عقول الإنسانية في العصر القديم نبوغاً وإبداعاً وإشراقاً وعبقرية، ولا ريب أن نظريته تشكل منعطفا تاريخيا في الفلسفة الإنسانية، ولا غضاضة إذ يشار إليه إجماعاً بأنه المؤسس الأول للخط المثالي في الفلسفة، وقد قدّر للمثالية أن ترتفع على يديه إلى مستوى المذهب الفلسفي الشامل، فطرحت نفسها اتجاها معارضا للفلسفة المادية الممثلة بخط ديمقريطس وطاليس وهيرقليطس. وقد عرفت مدرسته الفلسفية التي أطلق عليها "الأكاديمية" بأنها أهم جامعة تنويرية في العصور القديمة، وهي التي استمرت تومض وتشعّ بأنوارها فلسفة وعلماً وعطاءً فكرياً في أثينا مدة تسعة قرون، وما كانت لتبقى لو لم يصدر الإمبراطور جستنيان الروماني قرارا بإغلاقها وطرد فلاسفتها. وقد قيل في أفلاطون "إن الفلسفة نبتت على يديه واكتملت في حياته"([1]).

يتحدّر أفلاطون من أسرة أثينية عريقة في المجد، ولد في أثينا عام 427 ق. م وعاش حتى بلغ الثمانين من العمر، إذ توفي سنة 347 ([2]). كان أبوه يدعى أرستون وأمه فريقونية. ويقال بأن الاسم الأصلي لأفلاطون هو أرستوقلس، ولقب أفلاطون لسعة في جبهته واتساع في منكبيه، كان رجلاً وسيماً وشجاعاً فاز في حلقات السباق وفي حلبات والمصارعة. تتلمذ مدة ثماني سنوات على يد أستاذه سقراط، وكان يقول حباً فيه: "أحمد الله الذي خلقني يونانياً لا بربرياً، وحراً لا عبداً، ورجلاً لا امرأة، ولكن فوق ذلك كله أنني ولدت في عهد سقراط"([3]). وكان لعبقرية ذلك الرجل أن تتألق في كل العصور التاريخية، حتى قيل فيه "إن أفلاطون هو الفلسفة وإن الفلسفة أفلاطون"