دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

"لا بد من مسحة جنون في عقل الحكيم" (أرسطو).

"لكل حصان كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حكيم هفوة" مثل سائر

1- مقدّمة: لم يعرف الفكر الإنساني نظيرا للسمو الأخلاقي الذّي نجده في فلسفة كانط وأعماله، وقد لقب بفيلسوف الواجب الأخلاقي لإبداعاته الرّائدة في تقديم نظرية أخلاقية لا مثيل لها في تاريخ الفكر الإنساني. وقد تجلت مواقفه الفلسفية الأخلاقية في جليل أعماله وعظيم مؤلفاته ولا سيّما في كتبه: "أساس ميتافيزيقا الأخلاق ((1785[1]ونقد العقل العملي (1788)[2]، وميتافيزيقا الأخلاق (1797)[3]. وبرز هذا الاتّجاه أيضا في كتابه "رسالة في الأخلاق والدين"[4]، كما تناول هذا الجانبَ في كتابه المعروف" في التربية"(On education) وكرّس أهم محاوره للتربية الأخلاقية، وقد اتّضحت هذه الأخلاق في كتابه السلام الدائم "Perpetual Peace"(1795)[5]. وكان هذا الموضوع الأخلاقيّ متواترا في معظم أعماله غالبا عليها بصورة مستمرة وثابتة، لذلك استحقّ لقب فيلسوف الأخلاق بكلّ جدارة وامتياز كنتيجة طبيعة للجهود الجبارة الّتي بذلها في هذا المجال.. ومن الطبيعي أن نظرية كانط الأخلاقية بلغت أرقى مستوى من مستويات التفكير الأخلاقيّ الذي يبحث في الفضيلة وشروطها الإنسانية. وقد جعل من الأخلاق غاية الوجود بل غاية الخلق الكوني للطّبيعة والإنسان. وعلى هذه الصورة من الإنتاج السامي في مجال الأخلاق والواجب تبدو نظرية كانط وكأنها دعوة نبوية رسولية إلى تمثل الأخلاق كدين عالمي.

ولكن على الرّغم من هذا السّموّ الأخلاقيّ الّذي وسَم فلسفة كانط وحمله على أن يجعل الإنسانَ غاية قصوى والقانونَ الأخلاقيّ قيمة إنسانيّة عليا، وعلى الرّغم من قوّة الدّعوة إلى السّلام الإنسانيّ والتّآلف بين البشر من أجل نصرة هذه القيم، فإنّ هذا الفيلسوف لم يستطع أن يُخفي البعد العنصريّ الّذي رشح بوضوح في فلسفته الأنثربولوجية. ولم يكن للسماء الصافية في فلسفة كانط إلاّ أن تتلبّد بغيوم سوداء مخيفة تمثلت في مواقف عنصرية مُشينة في تفكيره. ولا يخفى على من اعتاد أن يتأمل في السمو الأخلاقي لفلسفة كانط أن يصاب بالذهول والصدمة عندما يتعرّف إلى أفكاره العنصريّة التي أثارت عاصفة من النقد والتحليل والتفكير. والمشكلة الكبرى التي تواجه القارئ قبل الفيلسوف أنه لا يمكن التوفيق إطلاقا بين نقيضين متطرفين لا يمكن الجمع بينهما أبدا؛ أي بين السمو الأخلاقي الذي عرفت به فلسفة كانط والأنثروبولوجيا العنصريّة الّتي صرح بها في بعض مقالاته وأعماله.

وقد مثّلت آراء كانط العرقية العنصرية صدمة أيضا للمفكرين والباحثين الّذين حاولوا بشتى الطرق أن يجدوا تبريرا مقبولا لهذا الانشطار الهائل ما بين القيمة الأخلاقية التي يجسّدها كانط والتوجهات العرقية التي ظهرت بوضوح في بعض أعماله الفكرية. وتبعث مثل هذه المفارقة الحادّة المُحيّرة على الشّكّ في فلسفته بمجملها.

2 - نزعة عنصريّة صريحة:

شابت أعمال كانط الأنثروبولوجية كثير من الإشارات العنصرية التي لا تليق بمقامه الفلسفي السامي. وتتمثل هذه النزعة العنصرية في دعوته إلى تصنيف الأجناس البشرية بحسب المعايير العرقية وفق سلم سيكولوجي وفيزيائي يحتل فيه أصحاب البشرة البيضاء المكانة العليا في مراتب التفوق والذكاء، مشيرا إلى أنهم أكثر الأنواع البشرية ذكاءً وفاعلية ومقدرة على بناء الحضارات. ثم يأتي أصحاب اللون الأصفر في الدرجة الثانية، ويأتي أصحاب البشرة السوداء في الدرجة الثّالثة، وفي الأسفل الهنود الحمر الذين صنفهم على أنهم أسوأ الأجناس وأقلهم تطوراً وذكاءً [6]. وعلى هذا النّحو يقسّم كانط البشر إلى أربعة أعراق متباينة في سلم انحداري من حيث القدرة والقدر:

1-العرق الأبيض أو ذوو البشرة البيضاء الّذين لديهم كل المواهب السيكولوجية وكل السمات العقلية والقوى الحافزة على بناء الحضارة وفهم العالم عقليا.

2-العرق الآسيويّ أو ذوو اللون الأصفر، وهم يمتلكون قابلية للتعليم المجسد وليس للتعليم الفلسفي المجرد.

3-العرق الأسود، هم من أصحاب اللون السود الذين يمكن تعليمهم بوصفهم خدما.

4-العرق الأحمر، وهم السكان الأصليّون لأميركا غير القابلين للتعليم على الإطلاق[7].

وعلى الأرجح فإنّ هذا الهرم العرقي هو أكثر الجوانب وضاعة في تفكير كانط عن العرق. وبالرغم من غموض نوايا كانط لتصميم هذا الهرم وإطلاقه فإنه لا يمكن لأحد أن ينكر حقيقة أن هذا الهرم يقرّ بالأفضلية للعرق الأبيض[8]. ويبدو أن هذا التّصنيف قد تمّ تحديده ليس على أساس اللون فحسب بل على أساس المواهب الفطرية المختلفة بين الأعراق الإنسانية، ويشرح "آيز" (Emmanuel Chuckwud Ieze ) هذه النقطة جيدًا فيقول:

“الموهبة حسب المفاهيم الكانطية في العرق والأخلاق هي عنصر تضمنه الطبيعة للعرق الأبيض؛ فهم الأعلى مراتب فوق كل الأنواع البشرية والمخلوقات الأخرى، يليهم بعد ذلك “الصُّفر”، ثم “السُّود”، وأخيرًا “الحُمر”. يمثل لون البشرة عند كانط العامل الفارق الذي سيحدد ما إن كان العرق مستقرًا في درجة عليا أو دنيا، ويحدد كذلك الموهبة من انعدامها، وأيضًا القدرة على استيعاب المنطق وإدراك الفكر الأخلاقي. لذلك لا يمكن القول إنّ لون البشرة عند كانط ما هو سوى جزء بسيط يشكل المظهر الخارجي، بل العرق بالنسبة إليه بمثابة الدليل لمثلٍ أخلاقية ثابتة وغير قابلة للتغيير، قد يُحرم الإنسان الأسود على سبيل المثال من وصفه كـ” إنسان كامل” بما أن الإنسانية الكاملة لدى كانط تنطبق فقط على الأوروبيين البيض" [9]. ثم يصرح كانط بذلك في كتابه “الجغرافيا الطبيعية” إذ: “تتجلى الإنسانية بشكلها الأمثل في العرق الأبيض. الهنود الصُّفر لديهم قدر أقل من الموهبة، والزّنوج أقل من الصُّفر منزلة، والأدنى مستوىً بينهم هم الأمريكيون" [10].

ومثل هذه الصورة العرقية - وهي صورة تقليدية - تدل بوضوح على أن كانط، الملقب برائد التنوير والنقد، لم يستطع أن يمارس النقد أو التفكير العقلي النّقديّ في هذه الوضعية، ولم يستطع أن يكون على مستوى الفكر التنويري في هذا الجانب بل كان متأثّرا بالنزعة العرقية الشوفينية، وغرق في نزعة تفوّق الرجل الأبيض. وفي هذا الأمر إدانة لفلسفته الأخلاقية برمّتها، لأنّ التقسيم العرقي القائم على احتقار بني البشر وازدرائهم لا يليق بالنظام الأخلاقي والقيم الأخلاقية التي نادى بها كانط في مختلف أعماله الفلسفية ولا سيّما الأخلاقية منها. فأي أخلاق هذه التي يزدري فيها الفيلسوف الأعراق البشرية ويحقرها ويدنس طهارتها؟ وقد كان كانط فظا متوحشا في هجومه على الأعراق الأخرى ولا سيّما العرق الأسود، فاستخدم أفظع النعوت وأبشع الصفات في وصف العرقين الأسود والهنود الحمر. وقد جاء في كتابه "الإحساس بالجميل والجليل "[11] وصف مؤذ ومخيف للسّود. بقوله:

“زنوج القارة الإفريقيّة بطبيعتهم لا يملكون إحساسا يدفعهم للارتقاء فوق التفاهة والوضاعة. السيد هيوم يتحدى أن يأتي أحد بمثالٍ واحد على زنجيٍ أظهر أدنى قدر من الموهبة، كما أنه يؤكد أن من بين مئات الألوف من السود الذين انتقلوا من مواطنهم (وبالرغم من أن الكثير منهم قد تحرر من العبودية) لم يبرز أيٌ منهم، ولو فردًا واحدًا، أو يطرح ما فيه منفعة للمجال العلمي أو الفني، أو متضمنًا لما يستحق الإشادة به. وبالرغم من أن الكثير من البيض كانوا من طبقاتٍ فقيرة، فإنه من خلال مواهبهم الفذة نالوا مكانةً محترمة في العالم"[12].

ويُشتَهر عن كانط موقف مخجل يكشف سعارا عرقيّا أبداه عندما قام بتقييم تصريح أدلى به رجل إفريقيّ، فأعرب بتهكم شديد اللهجة قائلا: "كان ذلك الوغد أسود البشرة بالكامل من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، وهو أكبر دليل على غباء ما قاله. وهذا يعطي تفسيرًا منطقيًا لِمَ نعتنا ما قاله هذا الرجل الأسود بالغباء أو الجهل..... لذلك، لا يمكن المجادلة بأن لون بشرة كانط كان مجرد خاصية فيزيائية. بل هو، بالأحرى، دليل على صفة أخلاقية ثابتة وغير قابلة للتغيير"[13].

وعلى هذا الأساس يستنتج كانط وبطريقة مهينة للإنسان والإنسانية "أن زنوج إفريقيا لا يثيرون في النفس الإنسانية أيا من المشاعر الراقية، وهذا يجعل التخلص منهم أمرا لا تهتز له المشاعر الإنسانية، ومن ثم لا يمكن تجريم ما يفعله المستعمر الأوروبيّ في إفريقيا "[14]. ويتمادى كانط بشكل استفزازي ومقرف في هجومه العرقي ضد السود وينصح بأن يُجلَدوا “باستخدام عصا البامبو أفضل من السوط، حتى يعاني الزنجي آلامًا مضاعفة، فجلد الزنوج سميك ولن تضنيه ضربات السوط الخفيفة، والحرص واجب في حال استخدام البامبو حتى لا يموت"[15].

ويبدو لنا أن كانط كان وفيا لنظرية ديفيد هيوم العنصرية التي يعلن فيها تحقيره للعرق الأسود وللأفارقة. وهو ما يوضّحه قوله المذكور سابقا في كتابه "ملاحظات" في عام 1764. ويقول كانط في سياق آخر "إنني ميال إلى الظن بأن الزنوج متدنون بشكل طبيعي عن البيض، فنادرا ما سمعنا عن أمة متحضرة تنتمي لهذا البشرة، ولا أيّ فرد بارز في نطاق الفعل والتأمل العقلي، وليس ثمة صناع مبدعون بينهم، ولا فنون ولا علوم، ومن ناحية أخرى فإن أكثر الشعوب غلظة وبربرية بين الجنس الأبيض كالألمان القدامى والأتراك الحاليّين لا يزال لديهم شيء سام"، ولعلّه يتبين أن هيوم يستبعد السود من دائرة البشر، ولا يتصور أن يخرج من بينهم مبدعون "[16].

ولم يتوقف هجوم كانط المتوحش ضد السود فقط، إذ لم تسلم منه أي من الأعراق الأخرى، وهو يطعن في السمات الأخلاقية والسيكولوجية للآخر من بوابة الإشادة والتمجيد بالعرق البيض منتج الحضارة والتاريخ.

ويقول مؤرخ العبودية مايكل زيوسكي (Michael Olszewski): “إذا كان المرء جاداً في توضيح العنصرية، وهدم آثارها، يجب عليه أيضاً أن يعيد النظر في فلسفة كانط؛ لأن هذا الفيلسوف أسهم في كتاباته الأنثروبولوجية في تأسيس العنصرية الأوروبية". [17] في الواقع، ميَّز كانط بين العديد من “الأجناس”، وأصدر أحكاماً قيميّة حول تفوّق العرق الأبيض وقدراته الفكريّة، مشيراً "إلى أن العرق الأبيض يتميز بقدرته على تحقيق كمال النوع الإنساني لأنه يسمو على باقي الأعراق ويتفوق عليها. وقد تناولت بولين كلينغيلد (Pauline Klingeld) [18] أستاذة الفلسفة في جامعة غرونينغن (University of Groningen) هذه المسألة وبينت بوضوح بأن الغاية الأولى من تقسيم كانط للبشرية إلى “أعراق” كان في البداية من أجل استكشاف الخصائص الفيزيائية للكائنات الإنسانية، مثل: القضايا المتعلقة بلون البشرة والعيون والشعر والطول وحجم الدماغ والسمات الفيزيائية والفيزيولوجية الأخرى.

ويحثنا رونيه أوغيغا (Renee Ogiga) على التساؤل في هذا السياق: ما الذي يجب أن يتبادر إلى أذهاننا ونحن نُفكر في فيلسوف ندين له بأعظم نظرية في الأخلاق عندما يعلن أن السود “ليس لديهم شعور بالطبيعة”، وعندما يشدد على القول بأن الأمريكيين الأصليين ليست لديهم القدرة على التحضر [19]. وماذا يخطر في بال المتلقي إذ كان فيلسوف الأخلاق ينال أيضا العرق الأصفر ويطعن في أهل الصين، ويقلل من شأنهم ولاسيما عندما ينظر باحتقار ودونيّة إلى الفيلسوف الصيني "كونفوشيوس" حيث أنكر ذات مرة وجود فلسفة في سائر بلاد المشرق، وقال إنّ "الكونفوشيوسية" لم تضف أية تعاليم جديدة على العقيدة الأخلاقية المصممة في الأصل للملوك والأمراء الصينيين. بل ذهب إلى حد اعتباره أن أيّا من مفاهيم الفضيلة والأخلاق لم يدخل عقول الصينيين أبداً"[20].

ولا يتورع كانط عن مهاجمة الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) فيرى "أن مَلكة العقل لديهم ناقصة بطريقةٍ أو بأخرى، ويصفهم في كتابه الجغرافيا الطبيعية، فيقول: تثقيف الأمريكيين وتعليمهم أمرٌ مستحيل؛ فهم لا يملكون دوافع تحفيزية، إذ تنقصهم العاطفة والشغف. لا يقعون في الحب وبذلك لا يشعرون بالخوف أيضًا، لا يلاطفون بعضهم البعض، وكلامهم قليل جدًا، لا يهتمون بأي شيء، وهم بطبيعتهم كسالى"[21].

ثم يقارن بازدراء بين الأمريكيين الأصليين والزنوج، فيقول:" يستطيع المرء أن يصف الزنوج بأنهم عكس الأمريكيين تمامًا؛ إنهم عطوفون وشغوفون، حيويّون جدًا، ويتحدثون كثيرًا. تعليمهم أمرٌ قابل للتحقيق، لكن كخدم وعبيد فقط. هناك مجالٌ لترويضهم وتدريبهم، فهم يملكون دوافع تحفيزية كما أنهم حساسون للغاية، ولأن لديهم حِسٌ بالكرامة والشرف فهم يخافون الجَلد"[22]. وما الذي يتبادر إلى الذهن عندما ينتقل كانط إلى الهجوم العرقي على الهندوس فيقول أيضا: "أما بالنسبة للهندوس، فإنّ طبيعتهم تقترب كثيرا من طبيعة البيض، لكن حدودهم تظهر عندما تأتي المسألة المتعلّقة بتعلّم المعارف... ويصفهم كالتالي:

“دوافعهم التحفيزية قوية لكنهم يقفون عند حد معين من الكمون. جميعهم يبدون كالفلاسفة، ومع ذلك يمكن القول إنّهم ميّالون لمشاعر الغضب والحب، وهذا سبب تفوقهم في التعليم بدرجاتٍ عالية، لكن تفوقهم يقتصر على مجالاتٍ معينة كالفنون، أما إجادة العلوم فليست من مميزاتهم، فقدراتهم لا تسع لفهم النظريات والأفكار المجردة. الرجل الهندوستاني الناجح هو من وَصلَ لمنزلة رفيعة في الفنون المضللة وحصل على ثروة طائلة، وعلى الرغم من بدء تعليمهم مبكرًا إلا أنهم دائمًا ما يبقون على حالهم، فيصلون لمرحلة محدودة من التقدم ليقفوا عندها" [23]. أوليس غريبا أيضا عندما يمضي فيلسوف الواجب ليطعن عرقيا في سكان تاهيتي واصفا إياهم بالعقم الحضاري، وفي ذلك يقول: “لم يقم سكان تاهيتي بزيارة مناطق أخرى أكثر تحضرًا، وهكذا مقدرٌ لهم أن يعيشوا في خمولهم لآلافٍ من القرون. لا يستطيع أي شخص أن يقدم إجابة مرضية للسؤال (لِمَ هم موجودون في الأساس؟) ويتابع كانط هجومه العرقي الشرس ضد هذه الفئة من البشر ليقول "فالحال لن يتغير سواء كان سكان هذه الجزيرة مجموعة من الخراف والماشية أو رجالا منشغلين بالمتعة فقط" [24].

ويُستنتج ممّا تقدّم أن كانط رسخ نمطا من التفكير العنصري، فجعل من الاختلاف بين البشر اختلافا عرقيا فطريا، وقد شجع على تأسيس ما يسمى بالبيولوجيا العنصرية، وزعم أنّ الأعراق الإنسانية المختلفة لا يمكنها أن تصل إلى درجة واحدة من التحضر. وعلى هذه الصورة يبدو لنا أن الفكر التنويري الأخلاقي عند كانط كان منسوجا إلى حدّ ما بخيوط العنصرية والعرقية البغيضة المتعارضة في جوهرها مع العقل والتّنوير كليهما.

وقد أودع كانط كثيرا من أفكاره العنصرية هذه في مقال له نشره في عام 1775 حمل عنوان "في الاختلاف العرقي بين البشر"(On the Different Races of Man). وقد أكّد كانط في هذا المقال على ثبوت العرق وديمومته، ووضّح كيفية اختلافه مع مفكرين آخرين مثل فولتير[25]. وهذه النظرية باتت محل شكٍ لدى غالبية العلماء في عصرنا الحالي[26]. ويبدو أن كانط كان يريد أن يقيم البرهان على أن العرق الأبيض هو العرق الوحيد القادر على الاستئثار دون سائر البشر بالفضائل العقلية والثقافية فيقول “العرق الأبيض بطبيعته يمتلك كل المواهب والدوافع، لذلك هو يستحق المعاينة والدراسة عن كثب أكثر من غيره" [27].

ويتلخص رأي كانط العنصري في العبودية بقوله: "بعض الناس، بطبعهم، غير قادرين على السعي وراء مصالحهم، ومن الأنسب لهم أن يكونوا "أدوات حية" ليستخدمها أشخاص آخرون. وقال: "العبد جزء من السيد، جزء حي لكنه منفصل عنه جسديا"[28].3019 كانط

3 - المأزق العنصري:

كان هذا التّناقض الحادّ في فلسفة كانط بين التّعالي الأخلاقيّ والانحدار العرقيّ العنصريّ مثار اهتمام العلماء والمفكرين والفلاسفة حول الكيفية التي يمكن بها النظر إلى هذا الانشطار. وهو الأمر الذي لم يحدث في التاريخ؛ لأن كانط تميّز بنظريته الأخلاقية على خلاف الفلاسفة العنصريين الذين لم يقدموا نظرية أخلاقية سامية، فجاءت نزعتهم العنصرية على نحو لا يثير الاستغراب بالنّظر إلى منطلقاتهم الفلسفية مثل: هيوم (Hume)، وفولتير (Voltaire)، وهيغل (Hegel)، وشوبنهاور (Schopenhauer)، وتشارلز داروين (Charles Darwin)، وآرثر دو غوبينو (Arthur de Gobineau).، ومن بين هؤلاء جميعا ينفرد كانط بفلسفته الأخلاقيّة السامية فلسفة الفضيلة والحق والواجب. وهنا نقع في مواجهة انشطارية بين العمق الأخلاقي لنظرية كانط من جهة ونزعته العنصرية من جهة أخرى، وهذا التناقض الحاد قد يؤدي إلى اهتزاز كبير وخلل عظيم في منظومته الفلسفية، ويشكك متابعيه في القيمة الأخلاقية لفلسفته على نحو كلي. وقد يتعذر التوفيق ما بين الأمرين وإيجاد الجسور بين جنبات الانشطار المعرفي: أي ما بين السمو الأخلاقي في فلسفته الصفائية والنزعة العنصرية في توجهاته الأنثروبولوجية. وإذا كان هذا الأمر يدخل في بوابة الاستحالة فسنجد أنفسنا أمام موقفين أحلاهما مرّ: إما أن نرفض كانط كليا كنتيجة طبيعية للانشطار الفكري والتعارض المطلق ما بين العنصرية والفضيلة، وإما أن ننظر في ثنائية النزعتين العنصرية والأخلاقية وكأننا أمام فيلسوفين مختلفين في شخص واحد، أي كانط فيلسوف الأخلاق أو كانط فيلسوف العنصرية.

ويوقعنا هذا الأمر في إشكال مأزقي معقد يأخذ الصورة التالية: إذا رفضنا كانط بكليته كنتيجة لهذا التناقض الانشطاري بين الخير والشر في فلسفته، فإننا سنخسر القيمة الفلسفية الهائلة التي يتضمنها فكره الفلسفي، ونضيّع ما حققه من إنجازات مذهلة في مجال الفكر الفلسفي، ولا سيّما الفكر الأخلاقي الذي يتميز بسموه ومطلق نزعته إلى الخير والحق والفضيلة والجمال. وليس هذا مرغوبا أبدا، إذ لا نملك إلاّ أن نعجب بما قدمه كانط للفلسفة والمعرفة الفلسفية. أمّا الخيار الباقي أمامنا فهو يتمثّل في الأخذ بكانط الأخلاقي وتجاهل كانط الشرير. وهذا ما يحدث عمليا، فأغلب المفكرين والباحثين يقومون بتجاهل مقصود للجانب العنصري الشرير في فلسفة كانط.

وهذا ما خبرناه نحن أنفسنا في جامعاتنا، فعندما درسنا في الجامعة في قسم الفلسفة في جامعة دمشق كان كانط الأخلاقي حاضرا، وتم إسدال الستار من قبل أساتذتنا على الجانب العنصري في شخصيته. وعندما اكتشفنا هذا البعد الشرير في شخصه انتابتنا موجة من القلق والصدمة والتّوتّر، حتى إنّني كنت من الّذين لم يصدّقوا بأن كانط كان على هذه الصورة الشريرة في نزعته العرقية.. لقد كان كانط يومض في قلوبنا وعقولنا على صورة منارة أخلاقية تتوهج بالفضيلة، وفجأة اكتشفنا بعد تخرجنا من الجامعة أن جانبا آخر شريرا يتلبس شخصه كانط، وأنّه يرتدي ثوبا مخيفا مختلفا عن الصورة المثالية التي رسمناها له.

وعلى خلاف أساتذتنا، رأينا نحن ألاّ نخفي هذه الحقيقة عن طلابنا ومريدينا، فقدمنا كانط في صورته الأخلاقية، وأردنا أن يعرفوا ويعرف قرّاؤنا أنّ هذا الفيلسوف العظيم وقع في إثم العنصريّة المقيتة ولم يستطع التّحرّر من ردائها الثّقافيّ، ولم نغفل هذه الخلفيّة لدى فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر.

ومن الطبيعي أن يقوم بعض المفكرين بتطهير كانط من أدرانه الأخلاقية وتقديم الأعذار المتمثلة في السياق التاريخ والثقافي للعصر الذي عاش فيه مع هيمنة الثقافة العنصرية التي كانت قائمة، ومثل هذه الأعذار الّتي تُصطنع لا تستطيع أن تصمد أمام حقيقة أخرى وهي أن كانط كان فيلسوف النقد والتنوير، وهو الذي حثّنا على تحكيم العقل ورفض التقاليد الفكرية القائمة التي لا يمكنها أن تصمد أمام العقلانية والعقل المتوقد، وقد كان يتهكم من هؤلاء الذي لا يُعملون عقولهم ولا يفكّرون بطريقة نقدية.، وها هو الفيلسوف العملاق لم يستطع أن يفكر نقديا أو علميا أو حتى أخلاقيا في الظاهرة العنصرية فكرّسها، بدلا من أن يقوم بنقدها وتصفيتها ومهاجمتها من منطلق أن العنصرية العرقية أمر شرير وقاتل وخطير، ولا يمكن أن يقبل في العقل الموضوعي والأخلاقي. وكما أن هذه الفكرة تتناقض كلّ التّناقض مع فكرة الإخاء الإنساني التي نادى بها كانط وأشاد بعظمتها. وفي كل الأحوال نحن لا نريد أبدا للفكر أن يضيّع ذلك الوميض الأخلاقيّ والفكري الجميل المتوهج في فلسفة كانط النقدية والتنويرية. ويقتضي منّا تمشّينا في هذه السّبيل أن نكون على حذر في طَرق المسألة لنوضّح أبعادها ولنُبقيَ على القيمة الفكريّة الأخلاقيّة لهذا الفيلسوف الرّائد.

حاول بعض المفكّرين تبرئة كانط فذهبوا إلى أن مواقفه العنصرية جاءت في مرحلة من مراحل تفكيره، وإلى أنّه قد تراجع في مراحل لاحقة عن هذا النمط من التفكير العنصري الّذي شكل ثغرة كبيرة معيبة في فلسفته. وقد أشارت بولين كلينغيلد إلى أنه بينما كان كانط بالفعل مدافعًا قويًا عن العنصرية العلمية (Scientific racism)[29] في معظم حياته المهنية، فإن "آراءه حول العرق قد تغيرت بشكل كبير في الأعمال المنشورة في العقد الأخير من حياته على وجه الخصوص، لقد رفض كانط بشكل لا لبس فيه الآراء السابقة المتعلقة بالتسلسل الهرمي العرقي والحقوق المتضائلة أو الوضع الأخلاقي لغير البيض في السلام الدائم "[30]. ففي السلام الدائم يقدم كانط حججا قويّة ضد الاستعمار الأوروبي، ويرى أن هذا الاستعمار يتناقض مع الأخلاق ويتعارض مع الحقوق المتساوية التي يتمتع بها السكان الأصليون. وترى كلينغيلد" أن هذا التحول في وجهات نظر كانط في وقت لاحق من الحياة غالبًا ما يتم نسيانه أو تجاهله في الأدبيات حول الأنثروبولوجيا العنصرية لكانط، وأن هذا التحول يشير إلى اعتراف متأخر بحقيقة أن التسلسل الهرمي العرقي كان غير متوافق مع إطار أخلاقي عالمي[31]. وتقول كلينغيلد في هذا السياق: “لقد دافع كانط عن التسلسل الهرمي العرقي، على الأقل حتى بداية تسعينيات القرن الثامن عشر”. ولكن لاحقاً، ابتعد عن هذه الفكرة، في عمله "نحو مشروع السلام الأبدي” (1795)، وفي “ميتافيزيقا الأخلاق” (1797) انتقد الاستعمار وقدم فئة جديدة من “المواطنة العالمية".. [32] وهنا أيضا يمكن اللجوء إلى المنهج الانتقائيّ فنسقط كانط الفيلسوف الشاب ونحيي كانط فيلسوف الكهولة والمشيب فنتغاضى عن طيشه الشبابي باستحضار حكمته الّتي وجدها في مشيبه فغفرت له قديم خطاياه.

ومن اللاّفت للاهتمام أن كانط قضى معظم حياته العلمية يحاضر في الأنثروبولوجيا والجغرافية، وقد درّس هذين المقررين في الجامعة على مدى اثنين وسبعين فصلا دراسيّا كاملا. والغريب في الأمر أن كانط نفسه لم يبتعد عن مدينته الصغيرة "كونيغسبرغ"(Königsberg) التي ولد فيها وعاش ومات، ومع ذلك يعطي لنفسه أهلية الحكم على الشعوب وتصنيفهم عرقيا دون أن يشاهد أيا من هذه الشعوب في الواقع والميدان ليختبر ذكاءها ويرسم سماتها السيكولوجية ويحدد قدراتها العقلية ويصنفها في فئات متباينة، وليحكم على بعضها بالعقم الحضاري والسقوط العرقي.

ويؤخذ على كانط في هذا السياق أنه اعتمد كليا على الروايات والحكايات والأساطير والصحف والرحالة الذين كتبوا عن عادات الشعوب وأخلاقهم. ومنهجية الحكايات غالبا ما تكون باطلة كليّا ولا يُعتدّ بها علميا في تقرير خصائص الشعوب وتحديد مصائرها العرقية. وقد عرفنا منهجيا كيف يرحل الأنثروبولوجيون بعيدا إلى مقار الشعوب ومناطق سكنها البعيدة ليعيشوا ويتعايشوا مع السكان الأصليين لهذه الأمم والشعوب والقبائل سنين طويلة، بغرض دراستها واستكشاف عاداتها واستلهام ثقافاتها. من أمثال: إدوارد بيرنت تايلور ( E. B. Tylor)، وجيمس فريزر(James George Frazer)، وفرانز بواس (Franz Boas)، وبرونسيلاف مالينوفسكي (Bronislav Malinowski)، ورادكليف براون ( Radcliffe Brown)، ومارغريت ميد (Margaret Mead)، وزورا نيل هيرستون (Zora Neale Hurston)، وروث بندكت (Ruth Benedict)، وكلود ليفي ستروس(Claude Levi-Strauss)، وكليفورد جيرتز (Clifford Geertz). هؤلاء الذين قضوا حياتهم يتعايشون مع الشعوب البدائية البعيدة حتى أصبحوا جزءا منها، وبعضهم ضحى بحياته من أجل التماس الحقيقة وفهم ثقافات الشعوب التي درسوها. وما يراد قوله هنا إن الأنثربولوجيا الحقيقية هي هذه التي تلتمس حياة الشعوب وتلامس ثقافتهم وتغوص في ملابسات حياتهم ووجودهم، وليست هي الأنثروبولوجيا المتعالية على الواقع، كهذه التي رأيناها عند كانط والتي تبدو لنا أنها تسبح في فضاء عاجي فترى الكون على صورة سراب أرضي أو سديم سماوي.

والغريب أن أنثروبولوجيا كانط لم تكن أكثر من حكائيّة تقوم على تصورات واهية وغير علمية على الإطلاق. ومن المتعارف عليه علميا أن الأنثروبولوجيا تعتمد منهجا علميا أساسه التفاعل بين الباحث وموضوع دراسته، وهو المنهج الذي ينطلق من أن اكتشاف الحقيقة لا يكون إلا بالتعايش معها، وأنّ إدراكها لا يكون إلا عندما يصبح الباحث نفسه جزءا من الحقيقة. ويقصد بذلك حالة التماهي بين الباحث وموضوع دراسته. ولكن أنثروبولوجيا كانط قد سجلت ودونت في غرفته الصغيرة التي تطل على واجهة القلعة في مدينته الصغيرة. ومهما يكن الأمر فإن هذه الأنثروبولوجيا لم تكن إلا عرقية واهمة قائمة على الأساطير والحكايات والأوهام العنصرية الماثلة في عقل كانط.

فالمصادر التي اعتمدها كانط كانت قاصرة ومحدودة، إذ كان يكتفي بمنشورات السفر التي عُرفت بنمطيتها منذ ذاك الوقت، لدرجة أنّه هو نفسه اعترف بضعف دقتها، يقول مكارثي: في هذا السياق “كان كانط يتكالب على قراءة تقارير الرحلات كافة، سواء كانت مكتوبة من قبل مستكشفين، أو تجار، أو مبشرين، أو مستوطنين، أو مَن كان على اتصال مباشر مع نفوذٍ من خارج البلاد. كانت هذه التقارير حينها المصدر الأساسي في أوروبا لمعرفة طبيعة البلدان الواقعة وراء البحر. وقد حذّر كانط مرارًا من ضعفها، إلا أنه استند إليها في أفكاره العرقية[33].

ومن المؤكد أن كانط كان منغمسا في الثقافة الفلسفية التي سادت في زمانه، في حين كان من المتوقع لفيلسوف النقد هذا أن يوظف أدواته في تمحيص هذه الظاهرة والكشف عن أبعادها العنصرية ورفضها لتتناسب مع نظريته الأخلاقية المتسامية، ولكن كانط فوت هذه الفرصة ووضع نفسه تحت رهان الاغتراب الثقافي والعنصري الغالب على عصره، وكأنه كان يريد أن يتفوق على هيوم في رؤيته العنصرية ويبزه في هذا الميدان. ومن مخاطر هذه الرّؤية العنصريّة عند كانط أن قارئه سيتأثّر بما في هذه الرّؤية من انفعاليّة وتجنّ، فيتّخذ بصفة مطلقة موقفا سلبيّا من مجمل فلسفته.، وقد يجر هذا الكثيرين المهتمّين بهذا الشّأن إلى احتقار الفلسفة والفلاسفة ولا سيّما الفلاسفة العنصريّين الذين سقطوا في الحضيض.

ليس لنا أن نتجاهل إذن تأثير السّياق التّاريخيّ في تلوين التّفكير الكانطيّ بصبغة عنصريّة. لكنّ قَصْدَنا أن نرى مسألة التّعارض المشار إليه - بين سموّ كانط الأخلاقيّ وانحطاطه العنصريّ - من جانب آخر يتيح حلّ الإشكال أو على الأقلّ التّخفيف من حدّته. ومن ثمّ المساعدة على قراءة فكر هذا الفيلسوف بما لا يُفقد وميضه وألقه.

لقد اجتهد المفكرون في إلقاء حبال الإنقاذ لانتشال كانط من سقطته الأخلاقية المميتة. وظهرت مئات المقالات التي حاولت أن تعيد الاعتبار للفيلسوف وأن تقدم له طوق النجاة. وتركزت هذه المحاولات في المقارنة بين كثير من الفلاسفة العمالقة الذين قدموا تصورات عرقية ومع ذلك بقيت فلسفتهم شامخة ولم يؤثر ذلك التقليل من قيمة الفيلسوف أو فلسفته، وخير مثال على ذلك الإشارة إلى أرسطو (Aristotle)[34] الذي كان متشبعا بالأفكار العنصرية ضد المرأة والعبيد والأمم الأخرى. ويشار إلى أن أرسطو كان يدافع عن العبودية ويراها ضرورة حضارية، ووصل به الأمر إلى اعتبارها مفيدة للعبيد، أما نظرته إلى المرأة فكانت مخيفة في عنصريتها، إذ كان يرى أن "المرأة من الرجل هي بمثابة العبد من السيد وكالعمل اليدوي من العمل العقلي، وهي رجل ناقص توقف نموه في مرحلة دنيا من مراحل التطور الإنساني، والذكر متفوق بالطبيعة على المرأة، والمرأة دون الطبيعة، والأول حاكم والثانية محكومة، وهذا المبدأ ينطبق بالضرورة على جميع أفراد الجنس البشري"([35]).

والسؤال هل يجب علينا أن نسقط فلسفة أرسطو لأن جانبا عنصريا قد تخللها نقطة استفهام [36]. وبناء عليه، هل يجب أن نسقط فلسفة كانط لما تخللها من عيوب عنصرية؟ ألا يؤدي هذا الإسقاط إلى خسارة كبيرة في الفكر الفلسفي بما يحمله من قيمة معرفية أصيلة؟

هل يجب أن نسقط فلسفة أرسطو وأفلاطون وهيوم وفولتير وهايدجر وهيغل والآخرين لأنهم كانوا عنصريين في بعض توجهاتهم الفلسفية؟ ألا يعني ذلك إسقاطا للفلسفة برمتها؟ والإجابة بالطبع أنه لا يمكن للتوجهات العنصرية التي تخللت هذه الفلسفات بل لابستها أن تؤدي إلى إسقاطها كلّيّا؛ فالقيمة المعرفية لهؤلاء الفلاسفة العنصريين أكبر بكثير من أن تتعرض للسقوط كنتيجة لوجود جوانب عنصرية فيها. وجل ما يمكن أن نقوم به هو أن نتجاهل هذا البعد العنصري، وننطلق في رحاب هذه الفلسفة استكشافا لما تنطوي عليه من قيم معرفية عظيمة. علينا أن نسائل الفلسفة الكانطيّة بالأدوات النّقديّة الّتي نستلهمها منها، فنصير قادرين على تنزيلها في سياقها والتّمييز بين جوانبها المختلفة المضيئة والقاتمة، وإجراء الاختيار بين ما هو من متعالياتها وما هو من سقطاتها... وبذلك نساهم في تجاوز المأزق الّذي يعترضنا ونحن نقرأ آراء كانط وفلسفته العنصرية.

وهناك عدد كبير من هؤلاء الذين انبروا للدفاع عن كانط وتبرير موقفه المخل بالقيمة الأخلاقية لفلسفته السامية، فذهب بعضهم في هذا الاتّجاه إلى القول إنّه "لا يُعقل أن نتوقع أن يثبت الفيلسوف دون زلة أو تناقض في كل مؤلفاته. لذلك علينا أن نعيّن أقاويل كانط العنصرية كأخطاء أو انحرافات لا بدّ من تجاهلها أمام فلسفته. علاوةً على ذلك، عندما ننظر لشخصية كانط نرى أنها تعكس فلسفته الأخلاقية وليس فكره العرقي، وهذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار"[37].

كما يوجد من يحاول - في مواجهة هذا المأزق المعرفيّ الأخلاقيّ - الفصل بين شخصية كانط وفلسفته، وهذا يعني أن الموقف العنصري ينتسب إلى شخصية كانط وليس إلى فلسفته. وهذا الموقف التبريري يعاني من الضعف ولا يمكن التعويل عليه أبدا لأنه يأخذنا إلى استنتاجات مضللة، إذ لا يمكن الفصل موضوعيا بين شخص الفيلسوف وفلسفته، وما قيمة فلسفة لا يلتزم بها صاحبها ولا يأخذها بعين الاعتبار؟ فالفكر لا يمكن أن ينفصل عن المفكر ولا سيّما في الأنظمة الفلسفية الكبرى، والنّبيّ ألزم من غيره بواجبات دعوته.

ولعلّ هذه الفكرة الّتي تدعو إلى الفصل بين الإنتاج الفلسفيّ وصاحبه مماثلة لما يفعله دارسو الأدب البنيويّون في تعاملهم مع النّصّ الإبداعيّ. إذ هم ينظرون إليه في ذاته ومقطوعَ الصّلة عن صاحبه. بل يذهبون إلى اعتبار كاتبه كائنا غائبا لا وجود له فلا يُؤبَه له. وكذلك حَقّ - بكثير من التّجوّز - الإقبالُ على نصّ كانط وتبيّن قيمته، وأمكن الوقوف على عظمة الفيلسوف كانط بغضّ الطّرْف عن شخصه وتفكيره العنصريّ.

وذهب فريق آخر من الباحثين إلى حل أزمة الانشطار والتّناقض بين موقف كانط العنصري وموقفه الأخلاقي، معتقدين أن "عنصرية كانط ببساطة تنطلق من اعتقاده أن الآدمية توجد في العرق الأبيض فقط أما باقي الأعراق فلا. وهذا يعني أن كل شخص لا ينتمي للعرق الأبيض لا يعتبر إنسانا، وهنا تكمن الكارثة العنصرية بأكثر مظاهرها الوحشية. وهنا يمكن أن نجد حلا يتمثل في العمل على تعميم مفهوم الإنسان ليشمل جميع الأعراق دون استثناء. وإذا لم يستطع كانط أن يواكب مُثل عصر التنوير وقيمه التسامحية كالمساواة، لأنه حصر الإنسانية والكرامة في العرق الأبيض دون سواه، فإنه ينبغي علينا أن نصحح توجّهه الأخلاقي للنظر إلى الإنسانية كلها بوصفها عرقا واحدا هو العرق الأبيض، أو أن نوسع مجال فلسفته لتشمل جميع الأعراق. وهذا يعني أنه يجب علينا أن نسقط الجانب العنصري في فلسفة كانط لتستقيم هذه الفلسفة وتصبح أكثر فعالية في توجيه الإنسانية نحو الفعل الأخلاقي. ويستطيع "أصحاب هذا الموقف أن يطرحوا حجة إدراكنا المسبق أنه لا جدال في حقيقة تساوي الجميع، وإنما يكمن الخطأ في الاعتقاد أن ليس الكل يندرج تحت مسمى الـ”إنسان”، ويعتبر هذا اعتقادًا بعديًّا خاطئًا، وبهذه الطريقة نكون صُنّا الجوهر بعيدًا عن الآراء الخبيثة"[38].

4- خاتمة:

لقد حاولنا في هذا العمل تناول الجانب المظلم في العطاء الفلسفي لكانط فيلسوف النقد والتنوير، وقمنا باستجواب بعض المواقف العنصرية التي تميزت بالعنف والمشاكسة العرقية. فحاولنا تفسيرَ هذا التناقض الانشطاري بين فلسفة الواجب في صفائها وأنثربولوجيا التعصب العرقي كنموذج لأكثر الوجوه الظلامية في المنظومة الفلسفية عند كانط. ومهما يكن الأمر فإن تقييم موقف كانط يجب أن يأخذ بلا شكّ بمختلف وجهات النظر، والمهم في ذلك كله أن نجعل من فهم التناقض بين السمو الأخلاقي والسقوط العنصري عند كانط أمرا ممكنا... والشيء الذي يبقى حيّاً في الأذهان أن فلسفة كانط عصيّة على السقوط لما تتمتع به من حصانة فكرية عالية المقام فيما يتعلق بسموها الأخلاقي. وعلينا أن نغض النظر – مع التحفظ - عن جانب السقوط الأخلاقي في مستنقع العنصرية، ونحاول أن نرتقي إلى شموخ الفلسفة الكانطية التي تشكل قوّة تنوير هائلة لا تغيب عنها شمس الحضارة الفلسفية على وجه الإطلاق ولا تخبو جذوتها لأنّ الحاجة إليها مستمرّة.

لا بدّ إذن من تقدير متكامل الأبعاد للفكر الكانطيّ الّذي أضاف إلى الإنسانيّة منهجَ النّقد والتّنوير، ولم يسلم رغم ذلك من الوقوع في بعض الأخطاء. فأثبت أنّه إنتاج إنسانيّ نسبيّ قابل لأن يُتجاوَز ويُطوّر. ومن هنا راهنيّته وتحدّيه للقرّاء بأن يسائلوه. ولا يكون ذلك إلاّ بالإمعان في قراءته وفهمه.

***

بقلم : د. علي أسعد وطفة

................

[1]- Immanuel Kant, Groundwork for the metaphysics of morals, tr. T. K. Abbott, edited with revisions by Lara Denis. Peterborough, ON: Broadview Press. Canada. 2005.

[2]- Emmanuel KANT, Critique of Practical Reason, in The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant: Practical Philosophy, ed. by M. Gregor (Cambridge: Cambridge University Press)1996.

[3]- Immanuel Kant, The Metaphysics of Morals, Op.

[4]- Emmanuel Kant, Lettres sur la morale et la religion, Op Cit.

[5] - Immanuel Kant, Perpetual Peace and Other Essays, Op. cit.

[6] - حسن العاصي، عنصرية الفلسفة، ليّ الأعناق في صراع الأعراق، شبكة النبأ، ا لأحد 28 نيسان 2019 https://annabaa. org/arabic/authorsarticles/19083

[7] - لويد ستريكلاند، كيف أصبحت الفلسفة الغربية عنصرية، بايتل، 10 يناير 2019, http://bitly. ws/oqsn

[8] - Immanuel Kant, On the Different Human Races. “Kant and the Concept ofRace: Late 18 th Century Writings."Trans. and ed. by Jon M. Mikkelsen. Albany: StateUniversity of New York Press. New York, 2013, P 46.

[9] - Emmanuel Chuckwudi Eze, The Color of Reason: The Idea of “Race” in Kant’s Anthropology. “Postcolonial African Philosophy: A Critical Reader."Ed. Emmanuel Chuckwudi Eze. Lewisburg, PA. Blackwell Publishing. 1997. pp103- 140. P 119.

[10]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط داخل القاعة وخارجها، ت: فاطمة مصطفى، تدقيق: دليلة ميمون حكمة، 19/9/2010 ,. http://bitly. ws/oq23

[11] - يميز كانط بين الشّعور بالجميل والشّعور بالجليل، فالشعور بالجميل ( the beautiful) هو شعور مبهج يبعث على الفرح والابتسام، أما الجليل (Sublime) فهو شعور مبهج مصحوب بالخوف والرهبة كأن يقف المرء أمام أمر عظيم فيشعر أمامه بالإعجاب والرهبة،

[12] - Immanuel Kant, Observations on the feeling of the Beautiful and the Sublime,trans. John T. Goldthwait. Berkeley: University of California Press, 1960. P. 111-113.

[13] - Immanuel Kant, Observations on the feeling of the Beautiful, ibid.

[14] - محمد عبد الرحمن، مبدعون عنصريون وقتلة.. ديفيد هيوم طالب بقتل أصحاب البشرة السمراء.. وكانط يدّعي أنّ الزنوج لا يستحقون الحياة.. مارك توين تمنى إبادة الهنود الحمر.. نيتشه أستاذ هتلر وهايدجر روج للنازية.. وسارتر دعم الصهاينة ضد العرب، الناشر موقع: اليوم السابع، الأحد، 28 يوليه 2019. http://bitly. ws/oqgU

[15]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط داخل القاعة وخارجها، مرجع مذكور.

[16] - محمد عبد الرحمن، مبدعون عنصريون وقتلة، مرجع مذكور.

[17]- رينيه أغويغا، ما علاقة الفيلسوف كانط بمقتل جورج فلويد العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية؟ كيوبوست، الإثنين 21 سبتمبر، 2020. http://bitly. ws/oqc8

[18] - Pauline Kleingeld is Professor of Ethics and its History. She is internationally renowned for her work in the area of the philosophy of Immanuel Kant, contemporary Kantian ethics and philosophical cosmopolitanism and its history.

[19]- رينيه أغويغا، ما علاقة الفيلسوف كانط بمقتل جورج فلويد العنصري، ذ مرجع مذكور.

[20] - حسن العاصي، عنصرية الفلسفة، ليّ الأعناق في صراع الأعراق، شبكة النبأ،

الأحد 28 نيسان 2019 https://annabaa. org/arabic/authorsarticles/19083

[21]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، مرجع مذكور.

[22]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، المرجع نفسه.

[23]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، المرجع نفسه.

[24]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، المرجع نفسه.

[25] - Immanual Kant, on the Different Races of Man. In E. W. Count, This Is Race, 16–24. New York, Shuman. 1775.

[26] - Ibid, Immanual Kant, on the Different Races of Man1775.

[27]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، مرجع مذكور ..

[28] - أغنيس كالارد، عارض فكرة المساواة الإنسانية.. هل يجب أن نلغي أرسطو ونعتبره عدوًا؟ ترجمة وتحرير نون بوست، 3-8-2020، https://www. noonpost. com/content/37842

[29] - العنصرية العلمية (Scientific racism): اعتقاد علمي يعطي أدلة بتفوق بعض الأعراق على غيرها. وقد حظيت هذه النظريات العرقية بكثير من المصداقية في الأوساط الفكرية تاريخيا. لكنّها فقدت مصداقيتها في العصر الحاضر. وتعتمد العنصرية العلمية على توظيف الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وبالأخص علم الإنسان الحيوي المختص بدراسة التطور البشري، وعلم القياسات البشرية، وعلم قياس الجماجم، وغيرها من التخصصات أو التخصصات الزائفة، في دعم نظرية تصنيف البشر إلى أجناس بشرية منفصلة جسديًا، بحيث تكون أجناس معيّنة أكثر رقيًا من أجناس أخرى.

[30]- رينيه أغويغا، ما علاقة الفيلسوف كانط بمقتل جورج فلويد، .. مرجع مذكور.

[31]- رينيه أغويغا، ما علاقة الفيلسوف كانط بمقتل جورج فلويد، .. مرجع مذكور.

[32]- رينيه أغويغا، ما علاقة الفيلسوف كانط بمقتل جورج فلويد، .. مرجع مذكور.

[33]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، مرجع مذكور.

[34] - أرسطو "Aristotle" ويُسمى بـ "أرسطوطاليس" عند الفلاسفة العرب عاش في الفترة (384م - 322م)، وهو فيلسوف وعالم موسوعي ومؤسس لعلم المنطق، ومن أشهر فلاسفة اليونان. له العديد من الإنجازات في العلوم الطبيعية مثل: الفيزياء والطب. درس في مدرسة أفلاطون التي تُسمّى بأكاديمية أفلاطون لمدة تزيد عن العشرين عامًا. قال عنه الفيلسوف كارل ماركس وغيره من فلاسفة الفلسفة الحديثة إنّه من أعظم مفكري العصور القديمة في تاريخ الفلسفة.

[35]- ويل ديورانت، قصة الفلسفة، مرجع مذكور، ص 97.

[36] - أغنيس كالارد، عارض فكرة المساواة الإنسانية، مرجع مذكور.

[37]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، مرجع مذكور.

[38]- فيكتور أبو نذير غويرا، كيف نتعامل مع عنصرية كانط، مرجع مذكور.

 

ملخص البحث: إن العصر الوسيط لم يكن مرحلة غير مهمة في تاريخ الفكر الإنساني، بل كان عصرا غنيا بالمجادلات والتحليلات الفلسفية والعلمية، وطبعا لن نستثني ضمن هذه المرحلة الفلسفة في العالم الإسلامي. لقد كانت الفلسفة الإسلامية جامعة لكل العلوم العقلية، وأن ما أنتجته لم يكن إعادة تعريب الفكر اليوناني أو “أسلمة” تلك القضايا الفلسفية والإشكالات العلمية وإضفاء طابع “الأسلمة” عليها، وهذا هو مقصدنا من هذا البحث الذي يتناول أهم التصورات التاريخية والفكرية لأهم الباحثين والمستشرقين..

تمهيد

إن التراث العلمي والفلسفي للحضارة الإسلامية يمثل معلما بارزا من معالم شخصيتها وحضورها على المستوى الإنساني؛ فقد تمكّنت هذه الحضارة إبّان قرون ازدهارها الحضاري بالعبور من ثقافة التلقي إلى ثقافة الإبداع والابتكار ونقلها نقلة نوعية جعلتها تحتل الصدارة في البحث العلمي ردحا من الزمن، إذ تمكّنت من استقطاب العديد من المبدعين من كل الأعراق والحضارات والأديان والطوائف، مما أدّى ذلك إلى إحداث ثورة علمية وفلسفية كبيرة لم يشهد لها التاريخ القديم مثيلا، كما أنه مؤشر من مؤشرات تفردها وخصوصيتها، إضافة إلى حضورها على المستوى الإنساني. وقد كان من مخرجات هذه الثورة؛ مخزونا تراثيا ضخما يمثل كنوزا علمية كبرى في كل المجالات وذلك بشهادة القريب والبعيد. ويتجلى هذا التراث الضخم في اهتمامهم بالعديد من القضايا الفلسفية والإشكالات العلمية؛ وذلك بعد عودتهم إلى ما خلّفته الحضارات الأخرى ومحاولة الاستفادة منها، وقد كان من نتائج هذه العودة أن اتهمهم العديد بأنهم مجرد نقلة للعلم والفلسفة الموجودان في الحضارات الأخرى، بل راح البعض إلى اعتبار العصر الوسيط بأكمله عصر الجهل والظلام. فبأي معنى اعتبر هؤلاء بأن العصر الوسيط عصر الجهل والظلام؟ وما صحة حكمهم هذا؟ وهل فعلا العرب/المسلمين في السياق الوسيطي مجرد نقلة للعلم والفلسفة؟ وما دعواهم في ذلك؟ وما أهم تصوراتهم والاعتراضات التي وجّهت لهم؟

1- العصر الوسيط: تحديدات تاريخية كمدخل لمعالجة إشكالية "الجمود الفكري"

يعد العصر الوسيط مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الفلسفي والإنساني بشكل عام، حيث يلي المرحلة اليونانية.[1] ويبدأ العصر الوسيط -من الناحية الفكرية- انطلاقا من القرن التاسع الميلادي. وفي المقابل نجد اختلافات واضحة، وتباينات كبيرة لدى المؤرخين للتأريخ لهذه المرحلة -من الناحية التاريخية-. وبسبب هذا الخلط بين المرحلتين (التاريخية والفكرية) تعاطى العديد من المؤرخين المعاصرين على الفلسفة الوسيطية (الإسلامية والمسيحية) دون تدقيق بحثي ومعرفي، ولم يؤرخوا لها إلا باعتبارها واسطة بين المرحلتين، اليونانية والحديثة، ويظهر ذلك بشكل واضح في تسميتها ب”الوسيط” فهي بمثابة قنطرة نعبرها ولا نعمرها أو هي عبارة عن مرحلة تخزين فقط، ولهذا نجد أن المؤرخ الفرنسي (إيمييل برييه) يعتبر في كتاباته التأريخية لتاريخ الفلسفة بأن العصر الوسيط قد أخفى معالم العقلانية اليونانية، كما ”أدان هيغل فلسفة العصور الوسطى”[2] وفي عمله التأريخي نجده من ”بين ألف وثلاثمائة صفحة رصد فيها تاريخ الفلسفة رصدا زمنيا خصص مائة وعشرين صفحة فقط للحقبة الوسطى التي استمرت ألف عام، وأفرد ثمانمائة صفحة للفكر القديم الذي امتد عبر ألف ومائتي عام، وأربعمائة صفحة للفلسفة الحديثة التي استمرت لمائتي عام”[3] كما نجده أيضا (أي هيغل) قد أعطى صورة سيئة عن الفلسفة في السياق الإسلامي، حيث اعتبر أن لا أهمية لها من حيث المحتوى وأشار في المقابل إلى أنها ليست بفلسفة حقيقية،[4] والأكثر من ذلك اعتبار (أنتوني جواليب) أن ”النتاج الفلسفي للحقبتين القديمة والمعاصرة بشكل عام ليس أكثر إبداعا فحسب، بل أسهل فهما بالنسبة إلى القارئ المعاصر من التعليقات المطولة والممارسات الجدلية التي لفظتها العصور الوسطى. وفي ظل ضِيق الوقت والمساحة، فمن الأفضل أن نترك فلسفة العصور الوسطى تتيه في غاباتها المظلمة التي تغطيها الأشواك”[5]. وبالتالي، فإن هؤلاء المؤرخين ينظرون إلى الفلسفة في السياق الوسيطي بنظرة تحكمها القطيعة الابستمولوجيا، واعتبار العصور الوسطى عصور الجهل والظلام، إلا أن الحقيقة التاريخية-الأكاديمية العلمية تؤكد عكس ذلك تماما، إذ لا يمكن الحديث عن وجود فراغ في التاريخ؛ لأن الإقرار بذلك لا ينسجم لا منطقيا ولا عقليا باعتبار أن تاريخ المعرفة الإنسانية هو تاريخ تراكمي عبر العصور؛ لأن كل استشهاد يتبعه اشتهاد وتقود تلك الاشتهادات إلى اكتشافات ترغمنا بالضرورة عن اتخاذ مسارات أخرى.

وانطلاقا من كل ذلك، فقد اعتدنا كثيرا السماع بأن العرب/ المسلمين في السياق الوسيطي لم يبدعوا في أي شيء خاص بهم، وأن كل ما أنتجوه عبارة عن نقل وترجمة للعلوم التي كانت موجودة عند الحضارات الأخرى التي سبقت الحضارة الإسلامية، بل إن البعض قد اعتبر بأن هذه الحضارة قد فشلت حتى في شرح تلك المؤلفات التي تعود إلى الحضارات الأخرى. إلا أن الحقيقة التاريخية تخبرنا عكس ذلك؛ إذ أكد العديد من الباحثين والدارسين للعصر الوسيط الإسلامي بأن للعرب/ المسلمين فضلا كبيرا في إحياء الفلسفة والعلم من جديد بعدما كانتا مهملتين -نوعا ما- في عصر الحضارة الرومانية لكونهم قد تألقوا في الجانب القانوني أكثر من جهة، ومن جهة ثانية لم تدعم هذه الإمبراطورية الفكر الفلسفي بشكل كبير؛ لأنها لم تكن مرغوبة لدى جميع الفئات، بالخصوص القادة السياسيين وبعض الأباطرة، باعتبارها كانت محط شبهة، وهذا ما يفسر غياب اهتمام رسمي بها[6]، ومن جهة ثالثة ما خلّفته هذه الإمبراطورية إثر سقوطها والتي نتج عنها انقسام المجتمع الغربي بين القبائل الجرمانية وساد فيها نوع من الحروب وعدم الاستقرار السياسي، وهو الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على العلم والفلسفة بشكل عام، حيث تمتد هذه الفترة من النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي إلى النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، وهي نفس الفترة التاريخية التي يمكن أن تسمى بعصر الفوضى والعشوائية وأحيانا يجوز لنا وصفها بمرحلة الجهل والظلام وبعصر الجمود الفكري؛ لأن الوضع السياسي والاجتماعي المضطرب أثر على المجال الفكري، وكان هذا التأثير واضح فيه الجانب السلبي أكثر، فانتقلت بذلك الفلسفة (وقد كانت الفلسفة آنذاك جامعة لكل العلوم العقلية) من مكانتها وأصبحت “مشردة” وما كان أمامها من حل سوى الرضى بالقبول بأن تكون خادمة للاهوت والاحتماء في الكنيسة ومدارسها التي كانت تسمى ب “الدير” (جمع أديرة) التي حاولت أن تقزّم من مهام الفلسفة فجعلتها حبيسة تفسير بعض القضايا اللاهوتية التيولوجية والاستغناء عن تلك الجرأة التي كانت تملكها الفلسفة بتحليلها للإشكالات في المرحلة اليونانية، ويعبر (أنتوني جواليب) عن هذه المسألة بالقول: ”فبعد أن التقت الفلسفة بالعقيدة المسيحية غرقت في سبات عميق”.[7] ويقول المؤرخ (ديفيز) عن بداية العصر الوسيط -من الناحية التاريخية- ”يبدأ التاريخ الوسيط بالانهيار الذي حل بالإمبراطورية الغربية وبخضوع العالم اللاتيني لغزاته الجرمان”[8] ويضيف قائلا: ”إن الأسباب المباشرة الواضحة التي أودت بالإمبراطورية الغربية هي أسباب عسكرية وإدارية، ترجع إلى نقائص وعيوب في نظام الجيش وفي نظام الموظفين الإداريين ... إن بداية ونهاية تلك الكارثة التي حلت بالإمبراطورية هي الإغارات الموفقة التي قام بها الجرمان على إيطاليا.”[9]

2- المقاربة الاستشراقية للفلسفة والعلم في السياق الوسيطي الإسلامي

إن من أهم المقاربات التأريخية التي تهمنا في موضوعنا هذا هي المقاربة الاستشراقية لإشكالية الفلسفة والعلم في السياق الوسيطي الإسلامي، والتي حاولت أن تجيب عن التساؤل الآتي {هل فعلا هناك إضافة علمية إلى تلك العلوم التي أخذتها الحضارة الإسلامية من الحضارات الأخرى، أم إن الأمر يقتصر فقط على “نقل للأمانة العلمية”}. يمكن أن نميز في هذا التصور الاستشراقي بين مرحلتين أو بين مدرستين كبيرتين؛ فالمدرسة الأولى هي المدرسة الاستشراقية الكلاسيكية التقليدية التي اعتبرت بأن دور العرب/ المسلمين في السياق الوسيطي قد انحصر على نقل التراث العلمي والفلسفي من الحضارات الأخرى، خاصة اليونانية، إلى الحضارة الغربية في العصر الحديث، والمدرسة الاستشراقية الجديدة التي قامت على رؤية مخالفة للمدرسة الأولى وذلك بداية من خمسينات وستينات القرن الماضي، بحيث لامست هذه المدرسة جوانب من الإبداع والتجديد في الفلسفة والعلم العربي-الإسلامي وأن الأمر لا يقتصر على النقل والترجمة فقط.

أ- التصور الاستشراقي الإتباعي:

المستشرقين الكلاسيكيين التقليديين يعتبرون بأن لا فضل للعرب/ للسلمين ليشكروا عليه إلاّ فيما يتعلق بنقل وحفض الأمانة العلمية وردها لأصحابها. فهؤلاء المستشرقين الكلاسيكيين التقليديين يقرّون بأن العرب/ المسلمين في السياق الوسيطي كانوا مجرد نقلة وسعاة بريد بلغتنا المعاصرة، ويستدلون على ذلك بأن فكرهم ومنهجهم لا يتضمن أي جديد وتجديد، باعتبار أن دورهم الأساسي قد انحصر على تقديم مجموعة من الترجمات للعديد من المؤلفات العلمية والفلسفية التي تعود إلى الحضارات الأخرى، اليونانية خاصة، إلى اللغة العربية والحفاض عليها. فرغم اعتبارهم أن الحضارة الإسلامية كان لها فضل كبير في الحفاض على هذا التراث العلمي والفلسفي الضخم والتي ساهمت في بناء وتأسيس العلم الحديث وقضاياه، إلا أنهم بالرغم من ذلك يحاولون تقزيم دور هذه الحضارة في اعتبارها مجرد مرحلة تخزين فقط. وقد عبّر عن هذه النزعة الباحث في العلوم العربية (رشدي راشد) بما يمكن تسميته ”بالنزعة الغربية”، بحيث لخص موقفهم من خلال القول بالنزعة الغربية التي تدعي بأن العلم علم غربي ولا يمكن أن يكون إلاّ غربي. ويتجلى هذا بشكل واضح فيما عبّرت عنه الباحثة (يمنى طريف الخولي)[10] بالقول ”وعبر فجوة باهتة مظلمة هي العصور الوسطى قام فيها العرب بدور ساعي البريد أو حفظ الأمانة العلمية الذي أدخل عليها بعض التجديدات، انتقل العلم من الإغريق إلى أحفادهم وورثتهم الشرعيين في غرب أوروبا. هكذا تبدو قصة العلم من ألفها إلى يائها قصة غربية خالصة”[11]

ولعل من بين الأسماء البارزة في هذا التيار الاستشراقي الكلاسيكي ذو الرؤية السلبية اتجاه العصر الوسيط الإسلامي، نجد (أرنست رينان Ernest Renan) الذي تعتبر أطروحاته من بين الأطروحات التي أثّرت في العديد ممن عاصروه وقد ساروا على نهجه، خاصة بعد إحدى المحاضرات التي ألقاها بجامعة السوربون عام 1883م والذي أعلن فيها بصريح العبارة أن ”العرق السامي لم يشتهر إلاّ بخصائص سلبية تقريبا فهو لم ينتج لا ميثولوجيا، ولا ملحمة، ولا علم، ولا فلسفة، ولا أدب، ولا فن تشكيلي، ولا حياة مدنية”،[12] ويضيف في كتابه “ابن رشد ومذهبه“ قائلا ”ما يكون لنا أن نلتمس عند الجنس السامي دروسا فلسفية، ومن عجائب القدر أن هذا الجنس الذي استطاع أن يطبع ما ابتدعه من الأديان بطابع القوة في أسمى درجاتهم لم يثمر أدنى بحث فلسفي خاص، وما كانت الفلسفة قط عند الساميين إلاّ اقتباسا صِرفا جدِيبا وتقليدا للفلسفة اليونانية”.[13] فتصوره هذا قد انعكس على مجموعة من أطروحات المستشرقين الأوائل ممن عاصروه، حيث صرّح في كتابه ”تاريخ اللغات السامية” أنه أول من قرر أن الجنس السامي دون الجنس الآري، لذلك وثق به بعض ممن عاصره بسبب معرفته باللغات السامية وزيارته لبلدانها.[14]

كما نجد (بيير دوهيم Pierre Duhem) الذي أرخ لمسيرة تطور العلم لم يعطي للعلم في السياق الإسلامي أهمية كبيرة. وقد توقف (مصطفى عبد الرازق) عند مجموعة من هذه الأطاريح الاستشراقية وخصّ منها قدرا كبيرا ل (أرنست رينان) باعتبار أن أطروحاته قد تلقت تأثيرا كبيرا على الدراسات اللاحقة. غير أنه لم يسلم من الانتقادات سواء من قِبل بني جلدته أو غيرهم، إذ اتهموه بكونه يحمل معاداة للسامية (وهذا واضح من خلال ما أشرنا إليه سابقا) وللإسلام، كما اعتبروا أن حكمه هذا ناتج عن جهله لِما للعرب/المسلمين من مصنفات ومؤلفات وإبداعات غير ما ترجموه وشرحوه.

وإلى جانب هؤلاء، نجد أطروحة المستشرق (تينمان Tennemann) الذي اعتبر أن المسلمين قد فشلوا حتى في شرح مؤلفات أرسطو نفسه وأن شرحهم هذا شرح مضعف، بل مشوّه لمذهبه. ويخلص إلى كون المسلمين قد عجزوا عن إبداع فلسفة خاصة بهم وذلك راجع لِما يتضمنه القرآن الذي يعوق النظر العقلي الحر وسيطرة حزب الأغلبية، أي حزب السنة، إضافة إلى سيطرة سلطة أرسطو المستبدة على عقولهم وميلهم نحو التأثر بالأوهام.[15]

كما نجد المستشرق الهولندي (دي بور) قد أصدر حكما قاسيا نوعا ما على الفلسفة الإسلامية، فقد نزع عنها القدرة على الإبداع والابتكار، ويعتبر أنها لا تتجاوز مستوى النقل والاقتباس من الفلسفة اليونانية.[16]

إن هذا المشروع الفكري لـ(مصطفى عبد الرازق) من خلال كتابه (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) تمكّن من الوقوف عند العديد من أطروحات المستشرقين بل حتى أطروحات المسلمين التي تنفي عن الفلسفة الإسلامية أي إبداع وتجديد واعتبارها مجرد (علوم دخيلة) حيث قام بتفنيدها عبر توسله بعدة مناهج مختلفة وبمنهجية صارمة ودقيقة،[17] ولعل أهم منهج اعتمده (مصطفى عبد الرازق) في مشروعه الفكري هذا هو منهج المقارنة وذلك عبر استحضاره لعدة أراء استشراقية ومقارنة بعضها مع بعض، ليبدي بعد ذلك رأيه وملاحظاته بخصوص أوجه التشابه والاختلاف والتناقض بين كل تلك التصورات.

وقد كان غرضه الأساسي من كل ذلك؛ تأكيده على أن الفلسفة الإسلامية لم تكن مجرد إتّباع للفلسفة اليونانية وغيرها، بل هناك فعلا فلسفة إسلامية خالصة، وهذه الفلسفة الإسلامية تتضمن كل من تلك الفلسفة بمعناها التقليدي و علم الكلام ثم علم أصول الفقه إضافة إلى التصوف، وهذا ما يؤكده بالقول ”وعندي أنه إذا كان لعلم الكلام ولعلم التصوف من الصلة بالفلسفة ما يسوغ جعل اللفظ شاملا لهما فإن (علم أصول الفقه) المسمى أيضا: (علم أصول الأحكام) ليس ضعيف الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو علم الكلام، بل إنك لترى في كتب أصول الفقه أبحاثا يسمونها (مبادئ كلامية) هي من مباحث علم الكلام، وأظنّ أن التوسع في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية سينتهي إلى ضم هذا العلم إلى شُعَبها”[18]

إذن، فالمقاربة المنهجية المتّبعة من قِبل (مصطفى عبد الرازق) هي مقاربة تقوم على ركيزتين أساسيتين؛ إحداهما هي نقد التصور الاستشراقي المجحف في حق الفلسفة الإسلامية الذي حاول -كما وضحنا- نزع الاصالة والإبداع عن الفلسفة العربية الإسلامية واعتبارها مجرد تقليد واستنساخ للفلسفة اليونانية، أمّا الثانية فتتعلق بإثبات الأصالة للفلسفة الإسلامية من خلال اعتباره أن الفلاسفة المسلمين لم يكتفوا بالترجمة والشرح والتلخيص للمؤلفات اليونانية بل أضافوا عليها عدة إضافات إبداعية مهمة من جهة، ومن جهة ثانية اعتباره أن العرب/المسلمين قد أبدعوا فلسفة إسلامية خالصة وهم لم يطّلعوا بعد على التراث الفلسفي اليوناني، وتتجلى هذه الفلسفة في كل الإنتاجات الفكرية للمذاهب الفقهية والكلامية والصوفية، حتى وإن تأثّرت هذه المذاهب فيما بعد بالإنتاجات اليونانية (المنطق، الإلهيات، ...) فإن ذلك لم يمحو جوهرها وروحها.

ب- التصور الاستشراقي الإبداعي:

إن هذه التصورات الاستشراقية الكلاسيكية التقليدية ذو الرؤية السلبية اتجاه الفلسفة والعلم في السياق الوسيطي الإسلامي ستبدأ أطروحاته في الاضمحلال شيئا فشيئا وذلك ابتداء من خمسينات وستينات القرن الماضي بظهور جيل جديد من المستشرقين، إذ ما يميزهم بشكل عام هو محاولتهم ”اعتبار الأشياء كما هي وليس كما يجب أن تكون” أو بعبارة أخرى ”دراسة العلوم العربية لذاتها”[19]. فقد قامت هذه المدرسة الاستشراقية الجديدة بدراسة العلم والفلسفة في الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط في سياقاته الثقافية، الاجتماعية، السياسية، الدينية ... وذلك بمعزل عن مقارنتهما بما أنتجته الحضارة الغربية في الأزمنة الحديثة، باعتبارها ليست المعيار الذي من خلالها نقيس به علمية وفلسفية القضايا والإشكالات، إضافة إلى أن البيئة الحضارية والسياق التاريخي مختلفين، لذلك فمن الغير المعقول إقامة مقارنة بينهما، بل حتى وإن كانا في سياق زمني واحد فإن تلك المقارنة لا تجوز أيضا لأن الحاجة الفكرية هي من تفرض علينا البحث عن إشكالات ومحاولة حلها دون غيرها. وما ميّز هذه المدرسة الاستشراقية الجديدة بشكل خاص؛ كونها قد انتقدت نزعة التمركز الغربي للعلم واعتباره نتاج له فقط. فقد أصبحنا نتحدث لأول مرة -مع هذه المدرسة- عن تعميم هذا العلم وإعطائه بعدا كونيا، ومحاولة ”رد الاعتبار” للحضارات الإنسانية جميعها لكونها قد ساهمت في تطور هذا الصرح العلمي والمعرفي الضخم الذي وصل إلى العصر الحديث بشكل أو بآخر. ومنه، لا يمكننا الحديث عمّا يسمى بالقطيعة الإبستمولوجيا مع العصر الوسيط بشكل عام، ومع السياق الوسيطي الإسلامي بشكل خاص، وانتقال المعرفة والاجتهاد الفلسفي والعلمي من الحضارة اليونانية مباشرة إلى العصر الحديث، لأن ذلك يصعّب علينا فهم هذين العنصرين [أي الفلسفة والعلم] في السياقين الحديث والمعاصر، إذ لا يتم هذا الفهم إلا في ضَوء ما أنتج في العصر الوسيط الإسلامي، وفي ارتباطها بسياقاتها وشروطها الحضارية وخصوصيتها الثقافية.

إذن، إذا كان الجيل الأول من المستشرقين يتميّزون بنزعة “غربية العلوم” واعتبارهم القرون الوسطى، الإسلامية خاصة، مرحلة فراغ عبارة عن واسطة لانتقال العلم والفلسفة من المرحلة اليونانية إلى الحديثة، واعتبارها مرحلة تخزين فقط بالرغم ما فيها من حركة علمية، فإن هؤلاء المستشرقين الجدد قد نفوا ذلك تماما. إذ اعتبر الأوائل [في سياق دفاعهم عن نزعة غربية العلوم] أن العلم الحقيقي هو ذلك العلم التجريبي الذي يمكن أن نتحقق من فرضياته ونتائجه تجريبيا، ويؤكدون على كون هذه الخاصية لم تعرف في العصر الوسيط الإسلامي وأنها موجودة فقط في العلم الحديث والتي تمتد جذورها مباشرة إلى العلم اليوناني، غير أن (رشدي راشد) على لسان (باسكال كروزيت Pascal Crozet) يرفض هذه الأطروحة ويعتبر أن حتى هذه المقارنة ليست بالمقارنة العلمية، وقد أكد على وجود مجموعة من مظاهر العلم التجريبي في الحضارة الإسلامية، كما يؤكد على أن هذه الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية التقليدية لهذه الحقبة الزمنية وما أبدع فيها من علوم ومعارف، كان الغرض الأساسي منها اكتشاف الأصول الهيلينينية والهلنستية لهذه العلوم،[20] أي ما معناه أن هذه العلوم لم تتم دراستها دراسة موضوعية، أو كما عبرنا عنها سابقا بأنه يجب ”اعتبار الأشياء كما هي وليس كما يجب أن تكون: أي دراسة العلوم العربية لذاتها”[21] كما أن هذه الحقبة الزمنية تمت دراستها بخلفية مسبقة وذلك يتعارض مع الشروط العلمية للأبحاث والدراسات الأكاديمية المحكمة. وبالتالي فإن (رشدي راشد) يرفض من جهة اعتبار العلم ذو نشأة القرن السابع عشر الميلادي وما بعده من جهة، ومن جهة أخرى يرفض حصر البعد العلمي في العلوم الغربية فقط.

تركيب

عموما، يمكن القول بشكل عام بأن أطروحات المستشرقين الكلاسيكيين التقليديين كانت متهافتة في جوهرها وأساسها من جهة، ومن جهة ثانية كونها قد طرحت في فترة زمنية كان الشائع فيها حول الفلسفة الإسلامية أنها مجرد نقل وترجمة وشرح للفكر العلمي والفلسفي اليوناني وغيره، لذلك انساق العديد من المستشرقين في تلك الفترة وراء هذه المغالطة التي كان أساسها مبني على تهافت عرقي وإيديولوجي، ومن جهة ثالثة صعوبة الوصول إلى تلك الإبداعات الإسلامية الخالصة في تلك الفترة إلى جانب تلك الشروحات والتعليقات على العلوم والفلسفات التي تعود إلى الحضارات الأخرى. وبالتالي يجوز لنا أحيانا أن نقول بأن موقفهم -نوعا ما- مبررا باستثناء بعض الأطروحات ذات البعد الإيديولوجي والعرقي أكثر منه علمي. فهذه الدراسات كان لها دور سلبي على مجال التأريخ للعلوم، لكونها تضع إسهامات الحضارة الإسلامية في العلم والفلسفة خارج التاريخ، وهو أمر يصعّب علينا فهم العلم والفلسفة في السياق الحديث باعتبار أن العديد من الفلاسفة والعلماء قد عالجوا مجموعة من القضايا والإشكالات التي طرحت بالأساس في العصر الوسيط الإسلامي، حتى وإن لم تطرح فيها فإن إشكالاتها قد تبلورت بشكل واضح في تلك المرحلة، لذلك فإن تلك القضايا والإشكالات في العصر الحديث هي امتداد لتلك الإشكالات التي طرحت في العصر الوسيط الإسلامي، ولابد من وضعها في سياقها التاريخي من أجل فهم مضمونها جيدا.

3- الإرث العربي الإسلامي مساهما في تشكل الفلسفة الغربية المتأخرة:

إن تلك الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية التقليدية تسقط عن الحضارة الإسلامية مساهمتها في النهضة العلمية الحديثة من خلال ما قدمته من ترجمات وشروحات وتعليقات وتأويلات للمؤلفات الفلسفية والعلمية التي تعود إلى الحضارات الأخرى، خاصة اليونانية، إضافة طبعا للنقد والتشكيك والتصويب والتصحيح والترميم الذي رافق هذا الشرح. لأن البومة[22] بعدما فشلت بالمرور عبر روما وعبر بيزنطا بمضيق البوسفور إلى باقي بلاد أوروبا لكونها قد اصطدمت بموانع كثيرة أبرزها الحروب بين القبائل الجرمانية إثر سقوط الحضارة الرومانية -كما أشرنا إلى ذلك سابقا- حيث صعّب عليها ذلك المرور بارتياح، لذلك عادت للانطلاق مجددا بالعبور من البلدان الإسلامية رغم أن المسافة طويلة، حيث تطلّبت قسطا غير يسير من الزمن لأن الحكمة كما يقول الباحث (محمد اشو) ”لا تمر في أي مكان كان، وإنما تسير في المسالك الآمنة، والحضائر العامرة، والمراكز الثقافية النشيطة”[23] وبسبب مرورها على البلدان الإسلامية فقد توقفت عند العديد من المحطات، وداخل هذه المحطات تعرّضت للترجمة والشرح والتأويل والتعليق والتجديد ... لتنتقل بعد ذلك إلى الغرب الأوروبي في صورة جديدة قابلة للفهم والإدراك بعكس ما كان متصورا في ذهن الأوروبيين. ولعل أبرز هذه المحطات التي ترجم من خلالها هذا الإرث العربي/الإسلامي إلى اللغة اللاتينية نجد صقيلية التي اهتمت بشكل كبير بما هو علمي، ثم طليطلة التي ترجم من خلالها العديد من المؤلفات الفلسفية وعن طريقها وصلت إلى أوروبا، وكان هذا سببا رئيسيا للأوروبيين في فهم بعض الفلسفات ذات البعد العقلاني والمنطقي، خاصة الفلسفة الأرسطية التي اعتبروها فلسفة صارمة غير قابلة للتأويل لكونها تتعارض مع المبادئ المسيحية، وفي هذا الصدد يقول (أنتوني جواليب) ”... لم يكن ألبرت ليجد الكثير ليقوله لو اتّفق دائما مع ارسطو. فالعقيدة المسيحية جعلت الاتفاق التام ضربا من المستحيل. لقد قال أرسطو إنّ العالم كان موجودا على الدوام، ولكن المسيحيين كانوا يعرفون أنه لم يكن موجودا. وقد قال أرسطو إنّ الرّوح لا تبقى بعد الموت، ولكن المسيحيين كانوا يعرفون أنها تبقى. وما قاله أرسطو عن المادة تضمّن أن القربان المقدس كان أمرا مستحيلا من الناحية المنطقية، وهو ما لم يكن مقبولا. ولم يكن ربّ أرسطو مهتما تماما بما يفعله الإنسان، ومن الواضح أن هذا كان مشكلة في حدّ ذاته” ويضيف بالقول أنه ”دائما ما كانت أفكار أرسطو يتلقاها الجمهور بحذر وجدّيّة، فقبل كل شيء كان يجب توفيقها مع تعاليم الإيمان، ولم يعْنِ هذا حذف بعض الفقرات المسيئة فحسب بل التوفيق بين مبادئ المسيحية والمبادئ الأرسطية“[24] ولهذا السبب تبنّت الكنيسة الأفلاطونية في زيّها الأوغسطيني كمذهب رسمي لها لحوالي ثمانية قرون متتالية لكونها تتميز بالمرونة في فكرها وبالتالي فهي قابلة للتأويل بما ينسجم مع اللاهوت. غير أن هذا الغموض الذي كان يكتنف حول الأرسطية سيزول بدخول الترجمات والشروحات والتأويلات العربية الإسلامية على الفكر الأرسطي إلى الغرب الأوروبي، يقول (أنتوني جواليب) في هذا السياق ”وصلت مقالات أرسطو إلى الغرب الأوروبي مصحوبة بتعليقات ضخمة ومثيرة ألفها الباحثون العرب. وبالكاد شرَع أساتذة الجامعة المسيحيون في تعلّم كل هذه الحكمة ونقلها دون أن يكون لهم رأيهم الخاص؛ ولذلك لم تُسْتَقْبَل أفكار أرسطو وتُقَدَّم كما هي بأي شكل”.[25] والمقصود بالعبارة الأخيرة (لم تستقبل أفكار أرسطو وتقدّم كما هي بأي شكل) أي أن الأوروبيين لم يتعرفوا على الأرسطية مباشرة ممّا قاله أرسطو نفسه، بل تعرفوا عليها من خلال تلك الترجمات والشروحات العربية الإسلامية التي حاولت أن تخفف من حدة وصرامة الفكر الأرسطي. وانطلاقا من ذلك سيعتبر العديد من الدارسين للعصر الوسيط أن دخول الأرسطية للغرب الأوروبي فجر القرن الثالث عشر الميلادي بمثابة نهضة علمية وفكرية حقيقية ثانية بعد النهضة الفكرية والأدبية الأولى بزعامة القائد (شارلمان) والتي تُعرف ثورته بالثورة الكارولينجية بداية من القرن التاسع الميلادي. ودخول هذه الأرسطية بواسطة الحضارة الإسلامية إلى الغرب الأوروبي؛ مهّدت الطريق ومكّنت هذه المجتمعات بالعبور إلى الأزمنة الحديثة.

كما ساهم العديد من علماء الفلك العرب/المسلمين في هذه النهضة العلمية في العصر الحديث من خلال ما قدموه من تشكيكات وتصحيحات وتصويبات وترميمات على العديد من النماذج الفلكية التي تعود إلى الحضارات الأخرى منها الهندية والفارسية وخاصة اليونانية من خلال كل من نموذج أفلاطون وأرسطو وخصوصا النموذج الفلكي الذي قدّمه (بطليموس) في كتابه “المجسطي”، إذ حاولوا التأكد من صحة المعطيات الفلكية الواردة فيه فلجأوا إلى المراصد، وقد كان من نتائج ذلك؛ أن صاغوا العديد من النظريات الفلكية كمحاولة منهم لإصلاح المجسطي وقد قادهم ذلك حسب بعض الدارسين للعصر الوسيط الإسلامي أن مهدوا الطريق لما أصبح يُعرف بالثورة الكوبرنيكية، ويُمكن العودة إلى بعض النماذج الفلكية في هذا الإطار كالنموذج الذي قدّمه ابن الهيثم في كتابه “الشكوك على بطليموس”، نصير الدين الطوسي في كتابه “التذكرة في علم الهيئة”، مُؤيد الدين العُرضي، ابن الشاطر، ثابت بن قرة وغيرهم العديد. وهكذا يتضح لنا كيف ساهمت هذه الحضارة الإسلامية في النهضة العلمية الحديثة، وهي الفكرة التي انطلقنا منها لعرض هذه المعطيات التي تؤكد على الإسهام الكبير الذي لعبته هذه الحضارة في بناء الحضارة الغربية.[26]

4- إنصافا للتاريخ:

قبل ختم هذا الموضوع لزام علينا أن نوضح ثلاث نقاط أساسية، إذ يتعلق الأمر:

النقطة الأولى: اعتبار العلم والفلسفة في السياق الإسلامي مجرد نقل للتراث العلمي والفلسفي اليوناني وغيره، وإعادة البحث في قضاياه وإشكالاته، هي في آخر المطاف مسألة عادية باعتبار أن المعرفة الإنسانية بشكل عام ليست ذو نشأة محددة، ويمكننا الاستدلال على ذلك من خلال نموذج الحضارة اليونانية نفسها؛ إذ أكد العديد من الباحثين في حقل الفلسفة أن الحضارة اليونانية قد استفادت بالكثير من حضارات الشرق القديم بحيث حاولت تكييف تلك العلوم والمعارف وفق خصوصياتها الحضارية وشروطها الثقافية وظروفها السياسية، وهو نفس الأمر الذي قامت به الحضارة الإسلامية، ولكننا نجد بعض المؤرخين يعتبرون أن الفلسفة والعلم في السياق الوسيطي الإسلامي مجرد نقل وتقليد للفلسفة والعلم اليوناني ولكنهم لا يقولون ذلك عن الحضارة اليونانية، وهذا نوع من التناقض. إضافة إلى كون أن المعرفة الإنسانية مرتبطة في سياقها التاريخي وأن الأمر لا يقتصر على أن كل حضارة أو مرحلة بحثت في إشكالات مخالفة للأخرى، بل هي مرتبطة في جوهرها وأساسها، لأن كل إبداع معرفي هو نتيجة للعديد من الأسباب التي سبقته وهو رهان للإشكالات التي ستأتي من بعده، وهذا ما يؤكده المؤرخ (ديفيز) حين حديثه عن الأحداث التاريخية بالقول “إن أي تقسيم للتاريخ إلى عصور أو فترات لهو تقسيم غير طبيعي، وكلما زاد التقسيم دقة، كلما بعد عن أن يكون طبيعيا، فكل حدث تاريخي هو نتيجة لعدد لا يحصى من الأسباب، وهو بالتالي نقطة بداية لعدد لا يحصى من الآثار المترتبة عليه. فاللغة والفكر ونوع الحكم والسلوك والعادات- كل هذا يطرأ عليه تغير تدريجي غير محسوس، حتى لنستطيع القول بأن كل عصر هو مرحلة انتقال للعصر الذي يسبقه، ولا يمكننا فهمه فهما تاما إلا إذا نظرنا إليه على أنه وليد الماضي ووالد المستقبل”[27]

إن عودتنا للتصورات الفلسفية القديمة مثل عودة الفلاسفة المسلمين للإبداعات الفلسفية، اليونانية خاصة، لا يعني كما يقول (إتيان جيلسون) أن الفلاسفة حراس المقابر لأن العودة المتكررة إلى الماضي لا يعني إخراج الموتى من قبورهم، وإنما مرد ذلك إلى أن في فلسفتهم أجوبة لأسئلتنا في الحاضر، وهذا ما يفسر عودة الفلاسفة المسلمين إلى الفلاسفة الذين سبقوهم للاستفادة منهم لأن الأفكار الفلسفية لا تموت بموت أصحابها.

لقد أكد العديد من الباحثين والدارسين على أصالة الفلسفة الإسلامية من جهة، ومن جهة ثانية التأكيد على وجود فلسفة عربية إسلامية، مثل الباحث (محمد اشو) الذي اعتبر أن الفلسفة العربية الإسلامية أسهمت، بشكل أو بآخر، في صناعة التاريخ الفكري للبشرية، وأن الأمر أصبح بمثابة مسلمة.[28]

النقطة الثانية: تتجلى أساسا في اكتشاف العديد من المستشرقين الجدد المحايدين لعدة نصوص تؤكد فعليا على وجود لمسة إبداع عربي إسلامي على تلك العلوم والفلسفات. والمفارقة العجيبة في هذا السياق تكمن حينما يتم اكتشاف بعض المخطوطات والكتب، بل حتى بعضا من صفحات كتاب ما يعود إلى العصر الوسيط بشكل عام، يتهافت عليه الجميع حتى أصحاب الدعوة القائلة بظلامية وسوداوية القرون الوسطى، الإسلامية خاصة. لذلك لا يجب علينا أن ننساق وراء هذه المغالطات الإيديولوجية والادعاءات الباطلة، وأن نحتكم في المقابل للدراسات الأكاديمية العلمية.

النقطة الثالثة: تتعلق بتهافت الأطروحة القائلة بأن الحضارة الإسلامية قد انحصر دورها على الترجمة والشرح فقط، وهذه المسألة مسألة خاطئة لأن هذه الحضارة مرّت على ثلاث مراحل أساسية يتعلق الأمر ب:

المرحلة الأولى: هي مرحلة الترجمة فقط، وذلك بترجمة العديد من المؤلفات الفلسفية والعلمية حسب الحاجات الفكرية والحضارية التي كانت مطروحة آنذاك عبر العديد من المؤسسات العلمية الكبرى التي ستسهر على تقديم العديد من الترجمات العالية الدقة، أو بلغتنا المعاصرة اليوم؛ ترجمات علمية أكاديمية صارمة، من خلال رعاية هذه الترجمة من قبل العديد من الأمراء والسلاطين مما شجّع هذه الحركة العلمية وشيوع الفكر الفلسفي والعلمي عموما، وبذلك ساهمت في إعطاء دفعة للفكر الفلسفي العقلاني، ومن بين أشهر هذه المؤسسات نجد ”بيت الحكمة”.

المرحلة الثانية: تتعلق بمرحلة الاستيعاب، وذلك باستيعاب تلك العلوم والفلسفات التي ترجمت إلى اللغة العربية من الحضارات الأخرى.

المرحلة الثالثة: هي مرحلة الإبداع، وذلك بعد التشكيك في تلك النظريات التي تمت ترجمتها واستيعابها وتصحيحها عبر ترميم هفواتها، فأدى ذلك بهم إلى تأليف العديد من الكتب والمؤلفات التصحيحية والتصويبية والتي تشكل لبّ وجوهر الإبداع عندهم.

خاتمة

خلاصة القول، إن المسلمين في السياق الوسيطي قد اهتموا بالعلوم وبالفلسفة إذ قاموا بترجمة العديد من المؤلفات التي تعود للحضارات الأخرى، لكنهم لم يكتفوا بنقلها فقط، بل توسعوا فيها وأضافوا إليها إضافات علمية هامة والتي تعتبر أساس البحث العلمي الحديث. ولهذا السبب وجدنا في تحليلنا لهذا الإشكال العديد من المؤرخين المنصفين والمحايدين الذين اعترفوا بذلك رغم بعض التصورات التي حاولت جاهدة نزع الأصالة والإبداع والتجديد عن الحضارة الإسلامية، وبالتالي فإن هذه الحضارة تمثل حلقة مهمة في سلسلة الحضارات الإنسانية لكونها قد أسهمت في وضع أساس للحضارة الإنسانية الحديثة بنصيب موفور وأن فضلها عليها واضح غير منكور، والحق أن هذه الحضارة قد أحدثت ثورة علمية وفلسفية عمّ خيرها كل أرجاء العالم الإنساني ككل. وفي الأخير لا يسعنا إلا أن نقول بأنه واجب علينا جميعا محاولة كشف أسرار تلك الدراسات والأبحاث التي أنجزت في العصر الوسيط الإسلامي، فهي تستحق أن ننفض عنها غبار السنين بالدراسة والفهم والتحقيق … لعلّنا نكشف بذلك عمّا تحتويه من كنوز لاتزال فاعلة حتى اليوم.

***

يونس موحيا

باحث مغربي- الكلية متعددة التخصصات الناظور

جامعة محمد الأول بوجدة

 ............................

قائمة المراجع

باللغة الأجنبية

Ernest Renan, L’islamisme et la science: conférence faite à la Sorbonne, le 29 mars 1883.

Pascal Crozet, (les sciences arabes entre Antiquité et âge classique: la constitution d'un nouveau champ en histoire des sciences), 2004. ffhalshs-01191455f (CNRS), communication faite a l'occasion de la journée (Hommage a Roshdi Rashid), le 15 juin 2004.

باللغة العربية

أ- الكتب:

أنتوني جواليب، حلم العقل، ترجمة يوسف كرم، دار فاروس للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016.

مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021.

ه. و. ديفيز، أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة عبد الحميد حمدي محمود، الطبعة الأولى، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1958.

يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين. الأصول_الحصاد_الآفاق المستقبلية، عالم المعرفة، 264، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ديسمبر 2000.

ب- الأبحاث:

محمد اشو، غيوم المربكي وتوما الأكويني أصداقة أم مظاهر (حمّى تاريخية)، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، 06 يناير 2023.

محمد الشبة، منهج مصطفى عبد الرازق في دراسة الفلسفة الإسلامية، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قِسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، 17 نوفمبر 2022.

ت- الندوات:

فؤاد بن أحمد، ندوة حول: الفلسفة والكلام وتاريخ العلوم في سياقات المسلمين: أسئلة التاريخ والراهن، الجلسة الأولى، المداخلة الرابعة بعنوان: البحث في الفلسفة في مجتمعات المسلمين: تقليد حديث وموضوع في طور البناء، الكلية متعددة التخصصات الناظور، جامعة محمد الأول بوجدة، المغرب، 28 مايو 2022.

محمد اشو، ندوة حول: الفلسفة والكلام وتاريخ العلوم في سياقات المسلمين: أسئلة التاريخ والراهن، الجلسة الاولى، المداخلة الأولى بعنوان: الفلسفة العربية الإسلامية في صلب التاريخ الإنساني، الكلية المتعددة التخصصات الناظور، جامعة محمد الأول بوجدة، المغرب، 28 مايو 2022.

هوامش

[1] إذا استثنينا المرحلة الهيلينينية والهلنستية ومرحلة الأباء وخطباء روما، باعتبارها كمراحل وصل بين المرحلتين الأساسيتين (اليونانية والوسيطية)

[2] أنتوني جواليب، حلم العقل، ترجمة يوسف كرم، دار فاروس للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016، ص308

[3] نفسه

[4] فؤاد بن أحمد، ندوة حول: الفلسفة والكلام وتاريخ العلوم في سياقات المسلمين: أسئلة التاريخ والراهن، الجلسة الأولى، المداخلة الرابعة بعنوان: البحث في الفلسفة في مجتمعات المسلمين: تقليد حديث وموضوع في طور البناء، الكلية متعددة التخصصات الناظور، جامعة محمد الأول بوجدة، المغرب، 28 مايو 2022. ولمراجعة تقرير الندوة يمكن الإطلاع عليه إلكترونيا من خلال موقع : مؤسسة البحث في الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، (ندوة) الفلسفة والكلام وتاريخ العلوم في سياقات المسلمين: اسئلة التاريخ والراهن.

[5] أنتوني جواليب، حلم العقل، مرجع سابق، ص 308-309

[6] محمد اشو، غيوم المربكي وتوما الأكويني أصداقة أم مظاهر (حمّى تاريخية)، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، 06 يناير 2023، ص 9

[7] أنتوني جواليب، حلم العقل، مرجع سابق، ص 307.

[8] ه. و. ديفيز، أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة عبد الحميد حمدي محمود، الطبعة الأولى، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1958، ص 13.

[9] نفسه، ص 14.

[10] أستاذة فلسفة العلوم ورئيسة قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وقد أسهمت في نشر الثقافة العلمية وأصول التفكير العلمي والعقلاني بالعشرات من المقالات والبرامج التلفزيونية والمحاضرات العامة.

[11] يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين. الأصول_الحصاد_الآفاق المستقبلية، عالم المعرفة، 264، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ديسمبر 2000، ص 34.

[12] Ernest Renan, L’islamisme et la science: conférence faite à la Sorbonne, le 29 mars 1883.

[13] مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مؤسسة هنداوي، 2021، ص 16.

[14] نفسه

[15] مصطفى عبد الرازق، مرجع سابق، ص 12-13.

[16] محمد الشبة، منهج مصطفى عبد الرازق في دراسة الفلسفة الإسلامية، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قِسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، 17 نوفمبر 2022.

[17] من أجل معرفة موسعة وصارمة حول هذا الموضوع، يمكن مراجعة البحث المحكم ل: محمد الشبة، منهج مصطفى عبد الرازق في دراسة الفلسفة الإسلامية، مرجع سبق ذكره.

[18] مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص 27.

[19] Pascal Crozet, (les sciences arabes entre Antiquité et âge classique: la constitution d'un nouveau champ en histoire des sciences), 2004. ffhalshs-01191455f (CNRS), communication faite a l'occasion de la journée (Hommage a Roshdi Rashid), le 15 juin 2004.

[20] نفسه

[21] نفسه

[22] ترمز البومة في الثقافة اليونانية القديمة وفي أوروبا إلى الحكمة والفلسفة.

[23] محمد اشو، غيوم المربكي وطوما الأكويني أصداقة أم مظاهر (حمّى تاريخية)، مرجع سابق، ص 8.

[24] أنتوني جواليب، حلم العقل، مرجع سابق، ص 314-315.

[25] نفسه، ص 315.

[26] لابد من الإشارة أننا لا نؤكد على ما يسمى بالأطروحة الإتصلانية التي تنفي القطيعة الابستمولوجيا أو عن الأطروحة الإنفصلانية التي تدافع عن القطيعة الابستمولوجيا لأن هذا موضوع آخر ومختلف.

[27] ه. و. ديفيز، أوروبا في العصور الوسطى، مرجع سابق، ص 9.

[28] محمد اشو، ندوة حول: الفلسفة والكلام وتاريخ العلوم في سياقات المسلمين: أسئلة التاريخ والراهن، الجلسة الاولى، المداخلة الأولى بعنوان: الفلسفة العربية الإسلامية في صلب التاريخ الإنساني، الكلية المتعددة التخصصات الناظور، جامعة محمد الأول بوجدة، المغرب، 28 مايو 2022.

لمراجعة تقرير الندوة يمكن الإطلاع عليه إلكترونيا من خلال موقع : مؤسسة البحث في الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية، (ندوة) الفلسفة والكلام وتاريخ العلوم في سياقات المسلمين: اسئلة التاريخ والراهن.

لقد أقدم علماء الغرب وغيرهم البحث التاريخيو - الفكري والاجتماعي مثل أطروحات شبينجلر وهيجل وبارك ورودنسون وكما يسقط أرنست وجيرتز في منهج هيرمينيتيكي يبحث في اعماق الفكر وكواليس السلوك ومبادىء المجتمع وأفكاره وعقائده التي تحرك الاجتماعي ثقافيا في الدولة القطرية أو دولة – الأمة المعاصرة والحديثة، فكان أن انتهى الاستعمار إلى إدراك خفايا الشعائر والطقوس الإسلامية وإثرها فهم الدرس وأخذ المنهج الروحي عنهم ولكن بتحور متغطرس، كما بدأ بتدرس القيم والعادات والافكار والعقل الإسلامي وجعل من ألاف المسلمين المهاجرين، دفعة روحية وتغذية مانعة للميوعة ورافعة للتعالي الإنساني.

يشكل الصوفية كشكل من الخطاب التقليدي، وهو ممارس بديل عن الخلل السياسي والميع الإجتماعي في بعض تطورات التاريخ والحضارة؛ داخليا وعالميا ... أي هو خطاب لاحق مباشرة للحدث الانفصالي للدين عن الدولة، ونشأة الأمة الاسلامية وظهور الفتن وسيطرة الطوائف وتدخل الأجانب في حكم المناطق العربية، بالاضافة إلى سيادة ظروف القمع والظلم والقهر الاجتماعي، وبالتالي إنكسار نفسي وروحي لمعظم الطبقات الاجتماعية التي ابتعدت عن السلطة طوعا أو كرها، فهي إما رافضة لسلطة جديدة ناشئة أو داعية لفكرة سياسية جديدة مما يؤكد شدة العلاقة القائمة بين التصوف والسياسة في المجتمع الإسلامي . فالتصرف كان شاهدا ظرفيا في الحدث السياسي الإسلامي، بحيث ابتعد عن ملاذ الدنيا وحياة الرفاه ولجأ إلى التقليد الديني أو للدعوة السرية أو البحث النظري والفلسفي في ظواهر الكون والطبيعة وقراءة الفلسفات القديمة وتفسير القرآن والسنة النبوية تفسيرا باطنيا وعميقا .

وقد المشرق والمغرب وفارس وتركيا، مراكز توسع أفقي وعمودي للصوفية، عكس الخليج والحجاز نحيث مجدت الصوفية ضربات فكرية وتهرب إجتماعي منها حيث التصادم المباشر والسريع مع الغرب المتوسطي والتعدد الثقافي، مايلزم لأخذ الموذج الصوفي لتساهليته لحفظ الدين وتماسك المجتمع.. لقد حلل الخطاب الصوفي إشكالية العلاقات السائدة بين الله والبشر ودرجات الإيمان وأنواع الكائنات كالجن والملائكة وعلاقتهم بالله والبشر، وتفسير الظواهر الطبيعية كالريح والمطر والعواصف والزلازل والأمراض وتحليل القدر والمكتوب وحادثة خلق الإنسان وأصله، وكيفية نشوئه وكيفية حلوله في ذات الله وحلول روح الألوهية وتناهي الإنسان فيها، الشيء الذي أحدث ضجة كبيرة بين أهل الكلام والمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة في الفكر الاسلامي القديم، حيث نسجل المناظرات بين أبن عربي وابن رشد والغزالي وأبي حامد والبسطامي وأبي القاسم الجنيد، وأبي طالب الملكي والحلاج وصهيب الرومي وحتى ابن خلدون كان فقيها وقاضيا ومتصوفا .

شكلت الحركة الصوفية مظهرا ثقافيا متقدما وروحيا متعاليا على المجتمع الإسلامي وعلى قواعده الأخلاقية مثل الخروج عن السياسة وأنظمة الحكم وابتعادا عن الظواهر العادية والحقيقية. وانقسموا إلى فئات منها:

- التصوف الأشعري: السني وما حفظ الفروض والنوافل الأساسية وترك الحرية لإضافات غير محرفة.

- التصوف الشيعي: وهو ما ظهر أول الإسلام من مراقد وخلوات وحوزات شيعية كتجمع فكري وعائلي.

- التصوف الفلسفي: الذي نجده عند الحلاج والسهروردي وإبن عربي.

وهكذا تأثر بالفلسفة والأديان الفارسية والهندية والصينية. وكانت لهم مواقف متعددة ومتغيرات حول المجتمع وحول المواقف السياسية . فمنهم من شكل معارضة، ومنهم من اعتكف ولجأ إلى الزهد، ومنهم من لزم الصمت، وكان ذلك تجنبا للفوضى والعنف وبهدف نشر السلم الاجتماعي في مجتمع يتميز بسيطرة مختلفة . حيث كان المجتمع الاسلامي " .في وضعيات كرستها مقولات نجد في كتاب جاك بيرك وعلنر وجيرتز في فلسفة العمق العقائدي في المغرب الإسلامي الحديث.

وهنا يمك الرجوع إلى تقديمات حليم بركات وعبد القادر جغلول وهواري عدي ونور الدين حقيقي وهشام جعيط والعروي؛ من حيث المقاربة الإجتماعية للفعل التكاملي للمجتمع، وليس تنميط فلسفي حسب الوردي أو الجابري، وإنما حسب مقاربىة إبن خلدون من خلال الدين والعادة والرابط المعاشي وهو تحليل حول الطابع الروحي والتقليدي للمجتمع العربي والمغاربي والعالم الثالث . ونظرية ابن خلدون الذي وصفت المجتمع الإسلامي بالرعوية والقبلية. كما يقول أن " هناك من المرابطين من كان طرفا في النزاعات والصراعات ولكنهم لم يستطيعوا أن يكونوا قضاة وأعضاء في الحل "

وقد كانت لهم مكانة علمية وسياسية في الأمر والنهي وحل النزاعات حسب عدي ." فقد كان دور المرابط ليس أساسيا في السلم عندما ينشأ النزاع بين قبيلتين فقط ولكن أيضا داخل القبيلة الواحدة "، حيث يرى لويس غاردي ذلك وهو الباحث الكبير في التراث الإسلامي وتاريخه الذي واجه عدة انتقادات علمية ومنهجية من طرف البعض، وخاصة المفكرين العرب الحداثيين الذين نهلوا من الفلسفة الغربية ودرسوا التاريخ العربي والإسلامي على يد هؤلاء المستشرقين .

يقول غاردي: "إن التصوف كان مهمشا في الحياة العامة . فقد كان عنصرا من الحياة الاسلامية الحضرية في العصور الكلاسيكية، وقد كانت هناك حلقات كبيرة . مثل حلقة رابعة العدوية التي تعزف الناي وتدعو إلى العشق الإلهي في مدينة البصرة في عهدها". ولكن يجب ملاحظة أنه تواجدت إلى جانب الصوفية، كجماعة علمية ودعوية للإسلام، جماعات معادية لها، وهي جماعات سياسية وأخرى فلسفية ولاهوتية وأصولية وفقهاء من المعتزلة وفقهاء الحنفية، أي أنصار المذهب الحنفي الذي أنشأه أبو حنيفة النعمان في العهد العباسي ليضع نظاما متطورا من الشرائع والقواعد الإسلامية. إن الحالة الروحية للصوفية هي حالة توحد مع الله بالتجربة، لهذا اعتبرت الصوفية فرقة كافرة وخارجة عن الدين.وتقوم بالزندقة، إذ حاربها العلماء والفقهاء . وهكذا شاركت السلطة ورجالها وأهل العلم في محاربة الحلاج الذي اعتمد نظرية الحلول والتماهي مع الله وطرد من الأماكن المقدسة وقام الناس بتكفيره .

وقد نلاحظ في بداية ظهورها صرامة القضاء الإسلامي مع هذه الجماعة وتعليماتها ومواقفها وبالتالي شكلت تيارا هامشيا في الواجهة الإسلامية لتلك الفترة التي يسود فيها الإسلام الرسمي . منذ ذلك الحين نشأت مؤلفات ضخمة تدافع عن تلك الحركة وذلك المذهب وتؤسس له مبادئه وتعاليمه المذهبية التي تميزه عن الإسلام السني والإسلام الرسمي المسيطر .

كان تطور الفكر الغربي الحديث والأدب الأوروبي مرتبطا بكل جدارة بالإنتاجات الاهوتية المسيحية واليهودية من العهد الأو والثاني، ثم الفلسفة اليونانية قليلا ثم بالمنتوج الإسلامي الذي ترجم أهم إنتاجات اليونان . وهكذا تحمل الإسلام عبء التثاقف الكوني لمرحلة عشرية قرنية، وحمل الثقافات العربية والفرسية والامازيغية والتركية والإفريقية بكل ذكاء وكل إشتمال معنوي ومادي ورمزي في تفاعلية وتناظرية متوازية ومتواصلةمع التاريخ.فكان نتيجتها أن تكامل تصور العقل والإنسانية ووحدة التفاعل الإنساني الحضاري وضرورته.

وقد مثلت مرابع فكر النهضة متكأأ عضيما على التجذر الإسلامي على إنسانيات القرون الوسطى مثلما نجد عند مقالات وميكيافيلي وكتب توماس مور وبودان والحركة الإنسانية للنهضة.

وتواصل المسار حتى ظهرت المشاعر الأوروبية من حيث الملامح، طبق نزعات التوجهات الدينية والفكرية للثقافة الحداثية الصاعقة المختلفة عن المدونات المسيحية وتقاليدها، مما جعل هذا التيار، يجد مقاومة شديدة من طرف علماء الإسلام وعلماء اللاهوت المسيحي وعلماء الفقه أحيانا لأنه هناك طرفين في البحث العلماني المتحرر. ونتج عنه تيارين. فكان منه:

تيار غرائبي ساخر

وتيار غرائبي إيجابي

وتيار إغرابي وإستلابي، يريد الإحتواءوإستيلاء على حضارة الإسلام....

لقد كان البحث العلمي ومنجم عنه من رفاهيات فنية وروائية، دافعية للترقي الإقتصادي لإعادة بعث للهجوم الصليبي أحيانا بصورة فكرية ولكنه في الجانب الآخر لعب الطرف المدني والحيادي الإنساني إعادة احياء التراث الإسلامي والأمازيغي والإفريقي إلى الحياة، وهذا لا يمكن إنكاره، .

وجعل البحث عن المجتمع المدني والدولة الوطنية وسيادة الأمة؛ اساليب للتكتل والتنميط الهوياتي للمجنمع الغربي ثم بناء اطر التنمية والتطوير ونقل التكنولوجيا والديمقراطية وحقوق الإنسان ولإستشراف محطات لتوقف ونبذ الذات الىثمة حين الإستعمار والفكر الدائري النرجسي .مع العلم أن المسلم اليوم لم يقرأ الكل فكري الغربي والذي لازال غامضا في عدائيته أو عشقه للمنتوج الإسلامي .

***

عتيق العربي - الجزائر

الوقوف أمام الخطابات الدينية التي تناولت آية وأخبار ضرب المرأة يكشف لنا بوضوح عمق مشكلة الخطاب الديني التقليدي والتنويري، فيشعرك بالحيرة هل هو يتجمل أم يُخادع! هل يجتزأ عن عمد أم أنه وقع في الاجتزاء دون قصد! ويظل السؤال الذي يؤرق من يُطالع كتب المفسرين والفقهاء ومعاجم اللغة وأشعار العرب لماذا الخطاب الديني يُخفى أنه يقوم بعملية اختيار للمدلول وأنه يسكت عن مدلولات أخرى؟ لماذا يُغفل البعد الاجتماعي للآية القرآنية؟!

أبدأ بتناول المدرسة الإخبارية أو مدرسة الحديث كما تحب أن تُسمّى نفسها، فسنجدها أكثر صراحة وأكثر إيلاما في طرحها، فسنة الله في كونه من منظورهم أنّ للرجال قوامة بمعنى ولاية وسلطة وإمارة على النساء، ويمتنع أن تكون للمرأة مثل ذلك على الرجل، وعلة ذلك من منظورهم أن الله فضل جنس الرجال بقوة الجسم والعقل والإنفاق بقدرة على السعي للكسب لا تستطعها النساء لضعف قدرة الجسمية والعضلية، وهذا من منظوري صحيح إذا كنا سنتكلم عن مجتمع عرب الجزيرة العربية الأول حيث كان الرجل لا المرأة هو الذي يُحارب ويأتي بالغنيمة وهو الذي يخرج للصيد وفي رحلات تجارية تخترق الصحارى المقفرة وليست المرأة لكن حركة الاجتماع انتقلت بنا إلى مكان آخر ينبغي أن تتغير معه مفهوم القوامة التي تحمل مدلولا اجتماعيا وليس دينيا كما حاول الفقهاء والإخباريين، فالرجل والمرأة في مجتمع اليوم يستويان أمام القانون كلاهما مواطن تتولى الدولة حمايته، كما أنه لم يعد الكسب قاصرا على ما كان شائعا في البيئة العربية الأولى بما يمنح الرجل تفوقا، فالقوامة الاجتماعية التي تُؤسس لتفوق ذكوري حلّ بدلا منها قوامة المشاركة.

وإذا عدنا إلى تناول مدرسة الحديث لقضية ضرب المرأة فسنجدها ترى المرأة أمّا قانتة طائعة لزوجها أو ناشزة غير طائعة لزوجها، وأن النشوز داء دواؤه ثلاث: عظة ثم هجر في المضاجع ثم ضربٌ، فتُضرب ضربا يحصل به تأديبها، ولا يحصل به جُرح امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "اتَّقوا اللهَ في النِّساءِ؛ فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانِ اللهِ، واستحلَلْتُم فُروجَهنَّ بكَلِمةِ الله، ولكم عليهنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهونَه، فإنْ فعَلْنَ ذلك فاضرِبوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبَرِّحٍ". [أخرجه مسلم ١٢١٨]. ويتوقف الزوج عن الضرب التأديبي إذا حصلت الطّاعة الظاهرة. وإذا انتقلنا إلى المدرسة الأصولية/ الفقهية فسنجد المذاهب السنية الفقهية الأربعة متفقة على أن علاج نشوز المرأة هو الضرب إذا لم ترجع بالوعظ والهجر، واشترطوا باتفاق بينهم ألا يكون الضرب مبرِّحا.

نخلص من ذلك إلى أن المدرسة الإخبارية/مدرسة الحديث، والمدرسة الأصولية/ الفقهية وأقوال المفسرّين الأوائل اتفقت على أن الضرب غير المبرّح بغرض تأديب الزوجة الناشز مشروع ومأمور به، على ألا يكون الضرب على الوجه والمهالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت". [أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم].

هذا عن التراث فإذا عدنا إلى الخطاب الديني المعاصر فسنجده في مأزق بين التراث ومدلول الآية من جانب وما انتهت إليه العرف الإنساني الذي يُبشّع أي شكل من أشكال العنف ضد المرأة، ويراه انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وأمام الخطاب الإنساني العام وحركة الاجتماع المندفعة للإمام وجدت الخطابات الدينية نفسها مضطرة إلى اتّخاذ موقف من التراث والآية القرآنية بين متجاهلٍ يقفز إلى الأمام.. وبين مجتزئ يُحاول أن يُخفي جانبا من المدلولات والأخبار ويستدعى بحماسة جانب من تلك المدلولات والأخبار بما يتسق مع واقعه، وليس لديه مانع أن يلوى عُنق اللغة.

فدار الإفتاء المصرية على صفحتها اكتفت بنشر هذه العبارة: "الرجال لا يضربون النساء"، وهي عبارة تحمل إشكالية أكثر منها حلا؛ لأنها تتعارض مع الأمر القرآني للمؤمنين في سورة النساء بضرب الزوجة اللاتي يخافون نشوزهن، فما فعلته دار الإفتاء المصرية أنّها قفزت إلى الإمام حيث انتهى الخطاب الإنساني، فإذا كان المجتمع الدولي ومواثيق حقوق الإنسان ترى ضرب الزوجة ضد معاني الإنسانية فالمسلمون قفزوا إلى هذا المكان يقفون معهم على خط واحد، ولن تدخل في جدال مع النّص القرآني الكريم.

ومن أمثلة القفز إلى الأمام المادة الإعلامية التي قدّمها الداعية الشاب الأستاذ مصطفى حسني، فعند حديثه عن ضرب الزوجة لم يقترب من الآية لكن تناول الموضوع من منظور الإحصائيات والدراسات الاجتماعية فآليات خطابه يختارها بما يُناسب ذوق جمهوره، فتجاهل الآية القرآنية، والتراث المصطدم مع الواقع وانطلق إلى الآثار العلمية والاجتماعية لضرب الزوجة، مؤكدا أن ضرب الزوجة الحامل يُفقد جنينها كثيرا من وزنه، كما أن الأولاد يتوارثون العنف.

والقفز إلى الأمام ليس الطريقة الوحيدة المتّبعة لمواجهة إشكالية اصطدام التراث الفقهي والآية القرآنية مع حركة الاجتماع، فهناك تأويليات للنص القرآني من أشهرها ما بدأه الدكتور طه علواني الذي أوّل فاضربوهن بمعنى فأبعدوهنّ، وهذا يتنافى مع الاستعمال العربي، فإفادة "ضرب" معنى الإبعاد يرتبط بالفعل "ضرب" اللازم الذي لا يتعدى إلا بحرف جرّ مثل "يضربون في الأرض" بمعنى يتنقلون ويبتعدون، أما ضرب المتعدي إلى مفعول عاقل بلا حرف جرّ فلا يُفيد سوى الضرب وهو كما قال ابن منظور صاحب لسان العرب: "الضرب معروف" به جاءت لغة العرب ونطقت أشعارهم.

وفي محاولة لنزع فتيل الأزمة بين التراث والآية القرنية من جانب والحاضر والخطاب الإنساني المعاصر الرافض لضرب المرأة مهما كان الدافع من جانب آخر أكّد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أن ضرب الزوجة مباح مقيد أو استثناء من أصل ممنوع، فالضرب ممنوع إلا أنه يُباح للزوج كدواء لمرض النشوز، فالشيخ سكت عن قول الإخباريين والفقهاء بمشروعية الضرب بغية التأديب بضابط ألا يكون مبرّحا، وميّز فضيلته بين فقه صحيح وفقه غير صحيح، وقال إنّ ضرب الزوجة لا يعدو عن كونه ضرب الضرورة أو الاستثناء ثم عاد، وجعله تأديبا عندما ضرب مثالا بضرب الأم لابنتها وضرب المربّي اليتيم الذي يحتاج تأديبه إلى الضرب إلا أنه اشترط أن تكون النية التأديب وليس العدوان، فعاد مرة أخرى إلى معنى التأديب في لغة الفقهاء، ثمّ سكت فضيلة الإمام عن الماضي، وانطلق من الواقع متمنيا أن يُجرّم الضرب في حياته، وأكّد على أن الإنسانية لا تقبل أن يضرب إنسان إنسانا، والإسلام بوصفه دين الفطرة لابد أن يتسق مع الإنسانية، يذهب معها حيث ذهبت.. إلا أنه عاد وقال بمشروعية الضرب فـ"هو الدواء لعلة النشوز، فالمرأة الناشز هي المرأة المتكبرة، والضرب هو رمز لجرح كبرياء تلك المرأة، حتى لا ينهدم المعبد/ الأسرة فنلجأ إلى أخف الضررين، وهو الضرب حفاظا على الأسرة، فالضرب على إطلاقه لأي سبب من الأسباب لا يُمكن أن تأتي به الشريعة أو نظام يحترم الإنسان، فضرب الزوجة استثناء من أصل ممنوع وُضع له شروط من أهمها النشوز، أما المرأة غير الناشز فلا يجوز ضربها، حتى لو وصل الخلاف إلى شتمها الزوج". وجانب من طرح الإمام يُمكن أن يُبنى عليه فحركة الاجتماع والإنسانية حكَمٌ على نتاج الفقهاء وأقوال الإخباريين الذين شرّعوا ضربَ المرأة ضربا غير مبرّح تأديبا لها، فيقول فضيلة الإمام صراحة "من يُشرّع لضرب الزوجة على الإطلاق فقد ظلم للقرآن الكريم والفقه الإسلامي الصحيح". ويحذر القائمين على الفتوى من إباحة ضرب الزوجة على إطلاقية الحكم.

وتعليقا على ما قاله شيخ الأزهر جاء ردّ الأستاذ إسلام البحيرى، بأنّ النشوز في الآية بمعنى الخيانة، فهو ميل الزوجة عن زوجها، فيكون الضرب في هذا السياق الاجتماعي مشروعا، وليس النشوز بمعنى الاستعلاء عن طاعته، ويؤكد قوله بسياقات الآية السابقة واللاحقة، ويرى أن رأيه على نقيض ما وصفه بأقوال التراثيين التي تُرددها المؤسسة الدينية.. والواقع أن ما طرحه البحيري هو قول تراثي هو الآخر حملته بعض مرويات ابن جرير الطبري في تفسير الآية، فتفسير ابن جرير الطبري جمع العديد من المرويات المتناقضة، فمن يريد أن يتحدث عن اللطف والرقة في الضرب سيختار مروية ابن عباس عن الضرب بالسواك التي تستدعيها الخطابات الدينية كثيرا. ومن يريد أن يتحدث عن العنف فسيختار ما روي عن الزّهري بأن الرجل لا يقتصّ منه لزوجته في ضرب ونحوه فلا قصاص منه إلا إذا قتلها، وما دون ذلك لا قصاص فيه، وإلى جوارهم مروية ابن جرير الطبري في تفسيره رواية أبي جعفر والسدي الشارحة لقوامة الرجال بأنّها سلطة تأديب النساء، ورواية لقتادة تقول إن الآية نزلت لأن رجلا من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فنزلت الآية "الرجال قوامون على النساء" لتمنع النبي صلى الله عليه وسلم من القصاص، وإن كانت هذه مروية مرسلة لا يعتد بصحتها، فتفسير الطبري موسوعة جمعت بين الصحيح وغير الصحيح والمتطرف والمعتدل من الآراء.

وكما اختار الأستاذ إسلام البحيري من مرويات تفسير بن جرير الطبرى، اجتزئ الشيخ عبدالله رشدي هو الآخر فالضرب عنده بالسواك فحسب، وكأننا أمام مروية واحدة وليس عشرات المرويات والأخبار، فالضرب بتعبير الشيخ رشدي "ضرب على أطراف الأصابع كما تفعل مع ابنك الصغير وتقول له هذا كخ.. الضرب كده حاجه لطيفه ليس بالمعنى الذي يتبادر إلى ذهنكم". فهو فرّغ الضرب من ملوله اللغوي ومدلوله الفقهي، وابتعد به عن أجواء البيئة العربية التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم مستنكرا: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم". [أخرجه البخاري ٥٢٠٤، مسلم ٢٨٥٥].

من ناحية ثانية لا يخلو تناول الشيخ عبدالله رشدي من الهجوم على المختلف معه، فلسنا أمام اختلاف تأويلات وإنما هو من منظوره شغبٌ على القرآن الكريم، فالمخالف له في مواجهة مع القرآن وليس معه، وينطلق من استعلاء بالتراث الذي يُدخله في بنية المقدس، فيقول عن التراث الفقهي "نُظمٌ لا وجود لها إلا في الدين الإسلامي"، ولا يخفى ما في هذا من مغالطة خلط المقدس بغير المقدس؛ لذا يُخفى ويجتزئ ليصل إلى نتيجة مقررة عنده سلفا وهي أن "من يقول: بإباحة الضرب هذا خبل وجنون وضحك على العقول". وكأننا لسنا أمام طرح مستقر في بنية خطابنا التراثي الفقهي والإخباري لضرب الزوجة الناشزة تأديبا لها ضربا غير مبرّح، ويكرر الشيخ عبدالله رشدي الخلط بين المقدس وغير المقدس بتكراره لتعبير "الشرع الشريف" إشارة منه إلى كلام الفقهاء، وهذا على خلاف طرح فضيلة الإمام الأكبر الذي جعل الفطرة الإنسانية ضابطا في الفهم وأداة في نقد الفقه لمعرفة الصحيح منه وغير الصحيح، وكما قدّم الأستاذ إسلام البحيرى وجها في كلمة ناشز حملته آراء التراث إلا أنه بعيد عن المعجمية العربية والذاكرة الشعرية، فعل الشيخ رشدي الأمر نفسه فالنشوز عنده ليس تكبرا عن الطاعة ولا خيانة زوجية لكنه على حد تعبيره: "فقدان المرأة لمعاني الأدب بتطاولها على زوجها بالسبّ والضرب"، وهذا بعيد عن المعجمية العربية.

أخيرا يظل المدخل اللغوي المعاصر والمدخل المقاصدي الأكثر علمية والأقدر على تفكيك إشكالية آية الضرب مع الواقع الاجتماعي المعاصر، فالطرح المقاصدي يتحدث عن زوال الحكم بزوال علته، فالضرب لا يحقق غايته من إصلاح بل يؤدى إلى نقيضه مما يؤدي إلى زوال حكم الآية، ويرى المدخل اللغوي أن الآية خطاب له سياقات تاريخية وثقافية لمجتمع عربي ما زالت حديث عهد بجاهلية على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين" فالآية لا تقدم مقاربة لأحكام سيكون لها صفة الديمومة كالمعنى الإنساني في آية "وجعلنا بينكم مودة ورحمة" لكنها خطاب يشتبك مع واقع اجتماعي في أول سلم الإنسانية يحاول ترشيده وفق آليات الاجتماع وثقافة العرب في تلك اللحظة التاريخية، فلا نقيس حركة اجتماع المندفعة نحو التغيير وتعزيز القيم الإنسانية بما كانت عليه المجتمعات الأولى، ولا نطالبها بأن تفكر بعقلية إنسان اليوم، فالإسلام لا يتعجل الإصلاح الاجتماعي، وإن حثهم وحثنا على أن نمضي في طريق تعزيز المعاني الإنسانية والأفكار العقلانية، فتلك الغاية التي ينبغي أن ينطلق نحوها المسلمون في تشريعهم المتغير استجابة لحركة الاجتماع، المستفيد من كل الطروحات الإنسانية أيا كان مصدرها.

***

أ. د. عبدالباسط سلامه هيكل

نورمان فيركلف نموذجاً

"في واقعنا المعاصر يتعرض الإنسان في مجتمعاتنا، كغيره من المجتمعات الإنسانية، إلى مجموعة من الخطابات في حياته اليومية. وتزداد الخطابات كثافة في أوقات الأزمات. ولا نستطيع الجزم ببراءة الخطابات من أغراض الهيمنة على وعي متلقيها، لاسيما إذا كان منتج الخطاب من حائزي السلطة أو ممن يسعون إلى حيازتها، وخصوصاً إذا كان سياق إنتاج الخطاب وتداوله سياق أزمة يبلغ فيها الاستقطاب بين الأطراف ذروته "(1).

لقد ظهر التحليل النقدي للخطاب critical discourse analysis منذ تسعينيات القرن العشرين بوصفه توجهاً جديداً في تحليل الخطاب في الأوساط الأكاديمية في أوروبا الغربية. ومع نهاية القرن كان يمثل أحد أكثر توجهات تحليل الخطاب استقطاباً للباحثين. ويحدد فان دايك (أحد مؤسسي التحليل النقدي للخطاب) موضوع التحليل النقدي للخطاب بأنه دراسة الكيفية التي يقوم بها النص والكلام بتقنين وإنتاج ومقاومة اعتداءات السلطة الاجتماعية وهيمنتها ولا مساواتها. وأن المحلل النقدي للخطاب يسعى إلى فهم اللامساواة الاجتماعية والكشف عنها تمهيداً لمقاومتها. ومن ثم فإن التحليل النقدي للخطاب له توجه عام يستهدف توعية البشر بالتأثيرات المتبادلة بين اللغة والبنى الاجتماعية، تلك التأثيرات التي لا يعيها البشر غالباً(2).

وفي ذات السياق، كتب نورمان فيركلف عام 1985 مقالاً بعنوان: الأهداف النقدية والوصفية في تحليل الخطاب، داعياً إلى نزع الألفة عن الإيديولوجيات التي تتجسد غالباً في تشكيلات خطابية إيديولوجية، وذلك بتبني تحليل خطاب ذي أهداف نقدية، يبرز كيفية تحديد البنيات الاجتماعية لسمات الخطاب، وكيفية إسهام الخطاب بدوره في تحديد البنيات الاجتماعية. وبعد عدة سنوات، يؤلف فيركلف كتابه المؤسس لمقاربة الجدلية العلائقية في التحليل النقدي للخطاب تحت عنوان: اللغة والسلطة عام 1989، وفيه تظهر النزعة النقدية في دراسة اللغة واضحة، خاصةً في دراسة العلاقات غير المتساوية في السلطة الاجتماعية. ويظهر كذلك البعد النضالي المقاوم لهذه العلاقات غير المتساوية في السلطة(3).

تعتبر اللغة جزء من المجتمع، وليست خارجة عنه بصورة ما، كما أن اللغة عملية اجتماعية، يتحكم فيها المجتمع، أي إنها تخضع لتحكم جوانب أخرى (غير لغوية) في المجتمع، فأما الظواهر اللغوية فهي اجتماعية، بمعنى أنه حيثما تكلم الناس أو أنصتوا أو كتبوا أو قرؤوا، فإنما يفعلون ذلك بطرائق يحددها المجتمع، ولها آثار اجتماعية، وحتى حين يصل وعي الناس بفرديتهم إلى ذروته ويتصورون أنهم برئوا إلى أقصى حد من الآثار الاجتماعية – في أحضان الأسرة على سبيل المثل – فإنهم يستخدمون اللغة أيضاً بطرائق تخضع للأعراف الاجتماعية، والظواهر الاجتماعية لغوية، من ناحية أخرى، بمعنى أن النشاط اللغوي الذى يجري في السياقات الاجتماعية – شأن جميع ألوان النشاط اللغوي- ليس مجرد انعكاس أو تعبير عن العمليات والممارسات الاجتماعية، بل يمثل جزءاً من هذه العمليات والممارسات، كالمنازعات حول معنى بعض العبارات السياسية(4).

في حقيقة الأمر بات مصطلح " الخطاب " مصطلحاً شائعاً في عديد من أفرع المعرفة، منها النظرية النقدية وعلم الاجتماع وعلم اللغة والفلسفة وعلم النفس الاجتماعي وغير ذلك حتى إنه أصبح يترك دون تعريف كأنه صار من المسلمات. وهو يرد بكثرة في تحليل النصوص الأدبية وغير الأدبية، وربما كان له النطاق الأوسع من الدلالات الممكنة بين المصطلحات النظرية الأدبية والثقافية(5).

يشار إلى الخطاب عموماً بأنه وحدة تواصلية إبلاغية، متعددة المعاني، ناتجة عن مُخاطِب معين، وموجهة إلى مُخاطَب معين، عبر سياق معين. وهو يفترض وجود سامع يتلقاه، مرتبط بلحظة إنتاجه، لا يتجاوز سامعه إلى غيره، وهو يدرس ضمن لسانيات الخطاب، وفي معجم أكسفورد يعرّف الخطاب بأنه: عملية الفهم التي تمر بنا من المقدمة حتى النتيجة اللاحقة، وهو أيضاً الاتصال عبر الكلام أو المحادثة، القدرة على المناقشة. ويعتقد اللساني الفرنسي إيميل بينفينيست بأن الخطاب هو كل تلفّظ يفترض متحدثاً وسامعاً يكون للطرف الأول نيّة التأثير في الطرف الثاني بطريقة ما، ومن ثمة فهو يميز بين نظامين من التلفظ هما الخطاب والحكاية التاريخية. فالخطاب قوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة ذات المستويات العديدة وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية أو تستعير طبيعتها وهدفها شأن المراسلات والمذكرات والمسرح والأعمال التعليمية، ويختلف عن الحكاية التاريخية في مستويين اثنين هما الزمن وصيغ الضمائر(6). ويعرف جيوفري ليتش ومايكل شورت الخطاب بأنه " تواصل لغوي يُنظر إليه باعتباره عملية تجري بين متكلم ومستمع، أو تفاعل شخصي يحدد شكله غرضه الاجتماعي. والنص تواصل لغوي (سواء شفاهي أو مكتوب) ينظر إليه باعتباره رسالة مشفرة في أداتها السمعية أو البصرية ". ومن المفكرين من يضعون الخطاب في تضاد مع الإيديولوجيا، فيقول روجر فاولر على سبيل المثال: " الخطاب كلام أو كتابة ينظر إليه من منظور المعتقدات والقيم والمقولات التي يجسدها، فهذه المعتقدات والقيم تمثل طريقة للنظر للكون، تنظيم للتجربة أو عرضها – الإيديولوجيا- بالمعنى المحايد غير الازدرائي. وأنماط الخطاب تحيل مختلف صور عرض التجربة رموزاً، ومصدر صور العرض هذه هو السياق الصريح الذي يرد الخطاب ضمنه "(7).

كما يعرف فوكو الخطاب بأنه النطاق العام لكل الجمل، أحياناً باعتباره مجموعة متفردة من الجمل، وفي أحيان أخرى باعتباره عملية منضبطة تفسر عدداً من الجمل. أي إن كل كلام أو نصوص ذات معنى وتأثير في عالم الواقع تعد خطاباً(8). وأخيراً الخطاب في البحث النقدي هو فعل النطق أو فاعلية تقول، وتصوغ في نظام ما يريد المتحدث قوله، هو كتلة نطقية لها طابع الفوضى، وحرارة النفس، ورغبة النطق بشيء ليس هو تماماً الجملة، ولا هو تماماً النص بل هو يريد أن يقول. انطلاقاً من هذا، فالنص غير الجملة، والجملة عبر الخطاب غير الخطاب، لأن الخطاب هو فاعلية يمارسها مخاطب يعيش في مكان، وفي زمان تاريخي تسود فيه العلاقات الاجتماعية بين الناس(9). وتحليل الخطاب النقدي حسب فيركلف هو تحليل النصوص والحوار بالاستعانة بعلم اللغة من منظور ملتزم سياسياً(10).

يعتبر التحليل النقدي للخطاب أحدث مقاربات تحليل الخطاب ذي التوجه اللساني. وتعني بدراسة العلاقات الجدلية بين اللغة والخطاب والمجتمع، والسلطة التي تكرسها تلك العلاقات على صعيد الممارسة الاجتماعية، وما تحدثه من تغيرات اجتماعية. طبيعي أن تتعدد الرؤى وزوايا النظر لدى المتخصصين الأوائل داخل هذه المقاربة، لأن الممارسات الاجتماعية، وسياقاتها الفعلية متعددة ومتقاطعة (عنصرية، تربية، تعليم، سياسة، إعلام، فن، تاريخ، فلسفة، العالم الرأسمالي، العولمة... ). ويعزى هذا التعدد إلى الطابع البيني الذي تتسم به هذه المقاربة، إذ إن ارتباط الدراسة اللغوية الناقدة للخطاب بالممارسات الاجتماعية جعل المقاربة منفتحة على حقول معرفية شتى، وأجبر الباحثين على استحضار أجهزة مفهومية ونظريات ونماذج فلسفية ونفسية وتربوية واجتماعية في مناهج التحليل(11).

بذلك ينظر إلى " الخطاب " باعتباره مصطلح يستخدم في مجموعة متنوعة من الحقول المعرفية المختلفة، ويمكن أن يدل على كثير من الدلالات المتباينة. إذ يمكن أن يعني الخصائص الشكلية للمنتجات السيموطيقية التي تجعلها " تتضام معاً " كأنماط معينة من " النصوص "، كما يمكن أن يدل على طرق الناس في استخدام اللغة والأنظمة السيميائية لإنجاز أفعال اجتماعية بعينها. أو أن يدل على نظم المعرفة العامة التي تنظم ما يقوله الناس ويكتبونه أو يفكرون فيه. وتحقيقاً لفهم موضوع المقال نعرّف الخطاب تعريفاً عاماً باعتباره طرق الناس في إنشاء وإدارة حياتهم الاجتماعية باستخدام مختلف الأنظمة السيميائية. هذا التعريف، بالطبع، يضع الخطاب في علاقة لصيقة مع الممارسات الاجتماعية. فمن ناحية، تنتقل الممارسات الاجتماعية نوعاً ما من خلال الخطاب – أي إن الخطاب يستخدم كأداة لإنجاز الممارسات الاجتماعية. ومن ناحية أخرى، يلعب الخطاب دوراً هاماً في الحفاظ على الممارسات الاجتماعية وإعادة إنتاجها ونقلها. ومن ثم يكون " تحليل الخطاب " من خلال هذا التعريف هو دراسة طرق تأثير مختلف " تقنيات صناعة النصوص " ( بما في ذلك أنظمة سيميائية مثل اللغات، وكذلك وسائل الإعلام مثل التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر) على المعاني التي يصنعها الناس في مواقف مختلفة، وعلى كافة الأفعال التي يقومون بها، وعلى أنواع العلاقات التي ينشئونها، وعلى الهويات التي يصبحون عليها. ولكي يستطيع محلل الخطاب أن يجري هذا النوع من الدراسات، فعليه أن يلتفت عادة إلى أربعة أمور(12):

- النصوص: كيف تعيننا تقنيات صناعة النصوص المختلفة في التوليف بين العناصر السيميائية لتشكيل نصوص معترف بها اجتماعياً ويمكن استخدامها للقيام بأنواع مختلفة من الأفعال المعترف بها اجتماعياً.

- السياقات: وهي الأوضاع الاجتماعية والمادية التي تؤلف في إطارها النصوص وتستهلك، ويتم تبادلها وتمتلك.

- الأفعال والتفاعلات: ما يفعله الناس مع النصوص، وخاصة ما يقومون مع بعضهم البعض.

- السلطة والإيديولوجيا: كيف يستخدم الناس النصوص للهيمنة والسيطرة على الآخرين وصياغة رؤية بعينها للواقع.

وبطبيعة الحال تركز مختلف مقاربات الخطاب على هذه الأبعاد بدرجات مختلفة، ولكنها كلها، بطريقة أو بأخرى، تأخذها بعين الاعتبار، وتسعى لفهم طريقة عملها معاً: أي، كيف يؤثر السياق على شكل النص ومعناه، وكيف تشكل النصوص مختلفة الأشكال أفعالاً وتفاعلات متباينة الأنماط، وكيف يعكس استخدام الناس للنصوص في الفعل والتفاعل داخل سياقات محددة الإيديولوجيات وعلاقات القوة، ويسهم في إعادة إنتاجها. وبعبارة أخرى، تسعى كل مقاربات الخطاب لفهم العلاقة بين المستوى " الجزئي " للخطاب الذي يتصل بطريقة تضافر النصوص واستخدامها في ممارسة أفعال بعينها في حالات محددة، والمستوى " الكلي " للخطاب الذي يتصل بالطريقة التي تعكس بها النصوص نظماً اجتماعية بعينها وتساعد في تكريسها(13).

ويمكن النظر إلى مفهوم النقد في التحليل النقدي للخطاب من حيث نقد معياري (قيمي) وآخر تفسيري، فهو نقد معياري بمعنى أنه لا يصف الوقائع القائمة بوضوح فحسب، ولكن أيضاً يُقيّمها بحيث يقيّم إلى أي مدى تتوافق مع القيم المختلفة التي تكون نوعاً ما موضوعاً للنزاع تُقبل باعتبارها أساسية للمجتمعات العادلة أو الراقية مثال: معايير محددة لرفاهية الإنسان سواء مادية أو سياسية أو ثقافية. وهو أيضاً تفسيري يسعى إلى تفسير كيف ولماذا أصبحت تلك الوقائع (ممارسات الخطاب) على ما هي عليه في مجتمع ما وفي ظل ظروف اجتماعية وإيديولوجية معينة، وبالتالي اقتراح الأساس لتغيير تلك الممارسات. فعلى سبيل المثال: يفترض المحلل أن تلك الوقائع نتائج للبنى أو الميكانيزمات أو القوى التي يسعى لاختبار واقعيتها مثال ذلك: يمكن تفسير أشكال اللامساواة في الثروة والدخل والحق في الوصول لجميع السلع الاجتماعية والحق في التعليم من حيث هي نتيجة للميكانيزمات والقوى المرتبطة بالرأسمالية أو بأنماط معينة من الرأسمالية.

إن النظرية النقدية ليست مجموعة موحدة من المنظورات، بدلاً من ذلك فهي تشكل: مدرسة فرانكفورت وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة ودراسات الاقتصاد السياسي والدراسات الاستعمارية الجديدة والنظرية النقدية العرق والدراسات النسوية وما إلى ذلك. وتهتم النظريات النقدية عادةً بقضايا السلطة والعدالة والأساليب التي يبني الاقتصاد السياسي والإيديولوجيات حول العرق والطبقة والنوع الاجتماعي والدين والتربية والتوجهات الجنسية من خلال النظم الاجتماعية وإعادة إنتاجها أو تغييرها. وينطلق المنظرون النقديون من بعض الفرضيات حول العالم الاجتماعي، والتي تتمثل في:

إن الفكر تتوسطه علاقات السلطة التي تتشكل تاريخياً.

إن الوقائع ليست محايدة، ودائماً ما تكون متضمنة في السياقات.

إن بعض الفئات الاجتماعية تحظى بامتيازات دون غيرها، مما يؤدي إلى تفاوتات في حق الحصول على الخدمات والسلع والنتائج(14).

إن هناك نمط سائد من " الهيمنة السياسية " المرتبطة بالرأي العام، بعبارة أخرى، إنها نقطة الاتصال بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، بين القبول والإكراه. فعندما تريد الدولة الشروع في عمل غير شائع، فإنها تستعد لتثير الرأي العام المطلوب مسبقاً، أي تركز على حالات معينة من المجتمع المدني وتنظمها.

لذا تعتبر اللغة العامل المركزي في تشكيل الذوات والقهر، هذا إلى جانب أن التحليل النقدي للخطاب يهدف إلى استكشاف خصوصيات الهيمنة من خلال السلطة، والتي تأخذ أنماطاً عديدة: إيديولوجية وفيزيائية ولغوية ومادية وسيكولوجية وثقافية. ويبدأ المحللون النقديون باهتمام نحو فهم أوضاع اللامساواة وكشفها وتغييرها، وتختلف نقطة البدء في التحليل استناداً إلى أين يموضع المحلل السلطة ويُعرفها، حيث يموضعها المحلل النقدي للخطاب في اللغة من حيث هي ممارسة اجتماعية، وكذلك أين يموضع الهيمنة، في العرقية أو البنى الرأسمالية أو الخطاب " نظم الحقيقة " أو النظام الأبوي أو الطبقية. وعلى الرغم من ذلك، قد تتخذ السلطة أنماطاً تحريرية أو قمعية، والتي تشمل الأبعاد التاريخية والمادية والخطابية ويتم تشريعها عبر الزمن والناس والسياقات.

أما فيما يتعلق بمفهوم الخطاب في إطار التحليل النقدي للخطاب نجد أن المنظور المثالي الامبيريقي للغة لم يستطع أن يأخذ في الاعتبار أن اللغة نفسها تعتبر مجال للممارسة الاجتماعية، والتي بالضرورة قد تشكلت بواسطة الظروف المادية التي تحدث فيها تلك الممارسة. وهذا يتطلب مفهوماً بديلاً للغة، والذي يدرك أن الألفاظ سواء في أفعال الكلام أو النصوص، تؤدي أكثر من مجرد تسمية الأشياء أو الأفكار الموجودة بالفعل، كما يتطلب تصوراً لكيف يمكن أن ينتج استخدام اللغة آثاراً اجتماعية واقعية، وكيف يمكن أن تكون سياسية وإيديولوجية، ليس فقط من خلال الإشارة للأحداث السياسية، لكن تصبح اللغة نفسها أداة لممارسة السلطة وموضوعاً لها. وهكذا يمكن تعريف مفهوم الخطاب من حيث هو استخدام اللغة كممارسة اجتماعية، أي إن الخطاب يتحرك ذهاباً وإياباً بين البناء العالم الاجتماعي وانعكاسه. في هذا السياق، لا يمكن اعتبار اللغة محايدة، لأنها منغمسة في التشكيل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي(15).

- تحليل الخطاب عند نورمان فيركلف: يرى فيركلف أن الدراسات النقدية للخطاب تقوم على ثلاثة مفاهيم أساسية هي النقد والتفسير والفعل السياسي. ويرى أن التفسير هو الجسر الرابط بين النقد والفعل السياسي. ويقصد فيركلف بالتفسير إبراز العلاقات السببية والجدلية بين الخطاب والعناصر الأخرى المشكلة للحياة الاجتماعية، وهو أمر يسمح في نظره بتوضيح ما يحتاج إلى التغيير وكيفية القيام بتغييره. ويقسم فيركلف مقاربته التي امتدت على مدار ثلاثين سنة إلى ثلاث مراحل، عُنيت كل مرحلة بانشغالات معينة، وتعرضها لها كالآتي:

المرحلة الأولى: يُمثلها كتاب فيركلف اللغة والسلطة الصادر عام 1989، وقد انصرف في هذا الكتاب إلى نقد الخطاب الإيديولوجي لكونه يعمل على إعادة إنتاج النظام الاجتماعي الموجود وهدف إلى التوعية بكيفية إسهام اللغة في هيمنة بعض الأفراد على الآخرين، وذلك رغبة في التحرر الاجتماعي ويعتبر فيركلف هذه المرحلة راديكالية وأن مناطها نقد الإيديولوجية والسلطة في الخطاب وخلف الخطاب. " أو بمزيد من الدقة، الروابط بين استعمال اللغة وعلاقات السلطة غير المتكافئة، خصوصاً في بريطانيا الحديثة، ويقول فيركلف في هذا السياق كتبت هذا الكتاب لغرضين أساسيين: الأول نظري، وهو المساعدة على تصحيح ظاهرة واسعة الانتشار ألا وهي التقليل من أهمية دور الذي تضطلع به اللغة في إنشاء علاقات السلطة الاجتماعية والحفاظ عليها وتغييرها. والثاني عملي، وهو المساعدة على زيادة الوعي بالأسلوب الذي تسهم به اللغة في تمكين بعض الناس من السيطرة على البعض الآخر، لأن الوعي يمثل الخطوة الأولى على طريق التحرر"(16).

المرحلة الثانية: يُمثلها كتاب الخطاب والتغير الاجتماعي عام 1992(17)، الذي ركز فيه على نقد الخطاب بوصفه جزءاً من التغيير الاجتماعي من أعلى إلى أسفل. ويرجع تطوير هذه النسخة من التحليل النقدي للخطاب في هذا الكتاب إلى ما شهدته بريطانيا من انتقال إلى الليبرالية الجديدة، وقد اهتم فيركلف في هذه المرحلة بكيفية إعادة بَنْيَنَةِ الخدمات العامة وفق نموذج السوق الذي تقوده الليبرالية الجديدة، واهتم بصورة خاصة بكيفية توظيف الخطاب في إشاعة مفاهيم الرأسمالية الجديدة في الجامعات، وذلك باعتبار الطلبة مستهلكين، والجامعات، مقاولات وتقييم النتائج من حيث الجودة، إلى غير ذلك من المفاهيم الاقتصادية. وبدأ فيركلف بتجسير العلاقة بين البعد اللغوي والبعدين الاجتماعي والاقتصادي وذلك بتطوير مفاهيم إجرائية من قبيل: نظام الخطاب الذي اقتبسه من ميشيل فوكو، والتناص الظاهر الذي استعاره من جوليا كريستيفا. ونظر إلى التغير انطلاقاً من إعادة وضع نظام خطاب معين في سياق نظام خطاب آخر كما يتجلى ذلك في دمج نظام خطاب الاقتصاد الرأسمالي الجديد بخطاب التربية بالجامعات والنتيجة هي تغير في مستوى الخطابات والأجناس (أجناس جديدة أو أجناس هجينة) والأساليب (الهويات والكينونات الخطابية كالمستهلكين والمقاولة إلى غير ذلك).

المرحلة الثالثة: يُمثلها كتاب تحليل الخطاب السياسي: منهج لطلبة الدراسات العليا (2012)، وترتبط هذه المرحلة بالأزمة المالية والاقتصادية لسنة 2007 التي أصابت بريطانيا والعالم بأسره. ويركز فيركلف في هذه النسخة من الدراسات النقدية للخطاب على نقد الخطب الاستشارية التي ألقيت لتجاوز الأزمة الاقتصادية. وتتميز هذه المرحلة بمعالجة المفاهيم الأساس للمرحلتين السابقتين معالجة مختلفة، فالإيديولوجيا تدرس انطلاقاً من المقدمات والنتائج، والنوع (الفعل) يُنظر إليه بوصفه مظهراً أولياً للخطاب، والخطابات والأساليب (التمثيل والهوية) يعاملان بوصفهما مظهرين من مظاهر الفعل. وفي هذا الإطار تقيم الحجج العملية التي يستند إليها السياسيون في خطبهم تنتقد أسسها وتفسر بنياتها وغاياتها.

ويشير فيركلف إلى أن هذه المراحل يُكمل بعضها بعضاً بطريقة تُدمج فيها الاهتمامات الأولى بالفرضيات الجديدة. ولو أردنا أن نوجز هذه التغيرات قلنا إن فيركلف ابتدأ أولاً بدراسة علاقة السلطة بالخطاب ثم تخصص في دراسة هذه العلاقة بالتركيز على بُعد التغير، أي كيف يسهم التغير الخطابي عن طريق مزج أنظمة الخطاب في تعزيز علاقات السلطة بل تكريس اللامساواة في المجتمع وترسيخها(18).

إن الهدف الأساسي لهذه المقاربة هو دراسة الروابط بين استعمال اللغة والممارسة الاجتماعية، إذ يركز فيركلف على دور الممارسات الخطابية في الحفاظ على النظام الاجتماعي، وفي التغيير الاجتماعي. كما أن هذا الإطار التحليلي لتحليل الخطاب يعزز مبدأ أن النصوص لا يمكن أن تفهم أو تُحلل في عزلة، فهي تفهم فقط في ارتباط بشبكات النصوص الأخرى وبالارتباط بالسياق الاجتماعي. ويدرس فيركلف الخطاب ‏انطلاقاً من ثلاثة أبعاد:

1- بُعد الممارسة الخطابية: تُعنى مرحلة تحليل الممارسة الخطابية في مقاربة فيركلف الجدلية العلائقية بدراسة إنتاج النص واستهلاكه. ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين فرعيتين هما: المرحلة الفرعية الأولى مرحلة إنتاج النص، وتُدرس فيها ظاهرتان خطابيتان هما: " التناص والبيخطابية "، حيث يشير التناص إلى ظاهرة اقتباس كلام الآخرين وأساليبهم في تلفظاتنا، ولكل اقتباس آثار اجتماعية وثقافية وسياسية، وهو ما يدعو إلى الوقوف بالتناصات الموجودة في النصوص ودراسة تاريخ استعمالها. وقد ميّز فيركلف بين التناص الظاهر (الاعتماد الواضح على نصوص أخرى) والتناص المُكوّنِ (البيخطابية). كما اهتم بالخصوص بدراسة البيخطابية، وميز فيها بين نوعين: بيخطابية إبداعية تمزج بطرق جديدة ومعقدة خطابات مختلفة مؤدية إلى تغير خطابي ومن ثم تغير اجتماعي وثقافي، وبيخطابية تقليدية تمزج الخطابات بطرق متعارف عليها، وتعمل على تثبيت نظام الخطاب المهيمن. أما المرحلة الفرعية الثانية تُعنى باستهلاك النص، وتُدرس فيها ظاهرة الانسجام ويضيف إليها فيركلف أيضاً شروط ممارسة الخطاب. ويُعنى الانسجام بدراسة التضمينات التأويلية للسمات التناصية والبيخطابية لعينة الخطاب، أي تأثيرات هذه الظواهر الخطابية في الجمهور، ويدعو في هذا السياق إلى دراسة استجابة الجمهور، وإن كان لا يقوم بذلك في أبحاثه ويكتفي بإسقاط تأويلاته على استجابة الجمهور. أما شروط ممارسة الخطاب فتهتم بدراسة نوعية النصوص وتأثيرها في الجمهور.

2- بُعد تحليل النص: وتُعنى هذه المرحلة بوصف أنظمة الخطاب المحدّدة في الممارسة الخطابية، ويتبع الوصف مقاربة تبدأ بالبعد الفكري وتنتقل إلى البعد البيشخصي ثم تنتهي بالبعد النصي. وتتضمن الوظيفة الفكرية أربع مقولات عامة هي: نحو التعدية، ونحو التصنيف والاستعارة، وإخفاء الفاعلية. أما الوظيفة البيشخصية فتتضمن مقولات التحكم في التفاعل، ونحو الصيغة والأفعال الكلامية، والضمائر. وتُعنى الوظيفة النصية بدراسة علاقات الاتساق والانسجام، وكل ما من شأنه أن يحقق وحدة للخطاب سواء أكان لغوياً (اتساق، انسجام) أم معرفياً (استعارة، إيديولوجية).

3- بُعد الممارسة الاجتماعية: ويدرس أثر نظام الخطاب في المجتمع: هل يقوم بإعادة إنتاج المجتمع، محافظاً بذلك على الوضع القائم كما هو، أم يعمل على تثوير المجتمع ومحاولة تغييره. وتدرس ضمن هذا البعد الآثار الإيديولوجية والسياسية للخطاب في المجتمع(19).

- الخطاب والإيديولوجيا والهيمنة: كما ذكرنا سابقاً، تأثر فيركلف في هذا السياق إلى حدٍ ما بتصور (فوكو) للسلطة، بوصفها منتجة ومقيدة في آن واحد، وأنها ليست محض قمع واستبداد، أو شيء يمكن امتلاكه بل فعل يُمارس، ويقول إنه يمكن تصور السلطة من حيث عدم التماثل بين المشاركين في الأحداث الاجتماعية وكذلك من حيث عدم المساواة بينهم في القدرة على التحكم في كيفية إنتاج النصوص وتوزيعها واستهلاكها في سياقات اجتماعية معينة. كما ركز على جانبين أساسيين لعلاقة السلطة / اللغة هما: السلطة داخل الخطاب والسلطة وراء الخطاب. ويتناول البعد الأول الخطاب باعتباره موضع تُمارس فيه علاقات السلطة وتتجسد فعلياً، أما البعد الثاني فيتناول نظم الخطاب باعتبارها تتشكل بواسطة علاقات السلطة، حيث تعتبر " السلطة من وراء الخطاب "، هي الغاية في الصراع على السلطة، لأن السيطرة على نظم الخطاب تعد آلية قوية إلى حدٍ كبيرٍ تساعد في الإبقاء على السلطة بشكل مؤقت.

لا تنحصر السلطة في اللغة وحسب، بل قائمة في أشكال وأوضاع مختلفة، ومن بينها النمط المادي بمعنى استخدام القوة المادية لإرغام الآخرين على الانصياع للسلطة، ويشير ذلك إلى أهمية التمييز بين ممارسة السلطة من خلال القسر بشتى أنواعه وممارسة خلق القبول أو على الأقل الإذعان للسلطة، حيث تعتمد علاقات السلطة في الواقع العملي على كليهما، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة في كل حالة، لكن بإمكان الكتلة المهيمنة السيطرة وممارسة السلطة بتكلفة ومخاطرة أقل، إذا استطاعت إيجاد قبول جماهيري لها وتعتبر الإيديولوجيا الآلية الأساسية لإنتاج هذا القبول، وبالتالي فإن للخطاب أهمية اجتماعية كبيرة في ممارسة السلطة. يقول فيركلف في هذا السياق " إن الإيديولوجيات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلطة، لأن طبيعة الافتراضات الإيديولوجية الكامنة في أعراف محددة تعتمد على علاقات السلطة التي ترتكز عليها الأعراف، ولأنها وسيلة لإضفاء الشرعية على العلاقات الاجتماعية القائمة ومظاهر التفاوت في السلطة، خلال التواتر وحسب لطرائق السلوك العادية المألوفة، وهي التي تقبل دون مناقشة وجود هذه العلاقات وأوجه التفاوت في السلطة. ويعني ذلك أن الإيديولوجيات وثيقة الارتباط باللغة، لأن استعمال اللغة أشد صور السلوك الاجتماعي شيوعاً، كما أنها صورة السلوك الاجتماعي الذي نعتمد فيه أكثر من غيره على الافتراضات المنطقية "(20).

استعان فيركلف بمفهوم " الهيمنة " عند " غرامشي "، وهو مفهوم سياسي متجذر في التمييز بين القمع والتأييد كآليات بديلة للسلطة الاجتماعية وفقاً لمنظور غرامشي فإنه يمكن اعتبار السياسة صراع من أجل الهيمنة، ويشير هذا المفهوم إلى نمط ما للسلطة الاجتماعية والصراع على السلطة في المجتمعات الرأسمالية، والذي تعتمد فيه الكتلة المهيمنة في ممارستها للسلطة على الطوعية والمشاركة لخلق التوافق أو على الأقل الاذعان للسلطة، بدلاً من استخدام مصادر القوة المادية فقط(21)، ويركز أيضاً على أهمية الإيديولوجيا في الحفاظ على علاقات السلطة. ويعد الخطاب، بما في ذلك هيمنة وتطبيع تمثيلات معينة، بعداً هاماً للهيمنة، وأن الصراع داخل الخطاب أو من وراء الخطاب هو صراع من أجل الهيمنة(22).

يمكن استخدام مفهوم الهيمنة أيضاً بفاعلية في تحليل الدور الإيديولوجي الذي تؤديه نظم الخطاب في الحفاظ على علاقات السلطة غير أن يصبح تشكيل اجتماعي معين للاختلاف السيميائي / الخطابي (تمثيلات وأنماط خطابية وأساليب معينة) مهيمناً، بحيث يتم قمع أو احتواء تمثيلات وأنماط خطابية وأساليب أخرى بديلة داخل نظام خطابي معين بشكل كامل بدرجة أكثر أو أقل، وبالتالي لن ينظر إليها بوصفها قسرية - بمعنى أن هذا التشكيل الاجتماعي المهيمن يجسد أحد أنماط التشكيلات الاجتماعية الممكنة لرؤية العالم - بل تبدو طبيعية وشرعية ومحايدة، وقد أشار فيركلف إلى هذا بمصطلح التطبيع وفي موضع آخر التعميم، أي تصبح تمثيلات وأنواع خطابية وأساليب معينة في سياق نظام خطابي محدد جزءاً من الحس المشترك الذي يضفي الشرعية على بقاء علاقات الهيمنة.

لقد وجهت مقاربة التحليل النقدي للخطاب أهمية كبيرة للتأثيرات الإيديولوجية للممارسات الخطابية، باعتبار أن الإيديولوجيات تمثيلات للعالم، وأن السلطة الإيديولوجية تتمثل في إمكانية تطبيع تلك التمثيلات لتصبح جزءاً من " الحس المشترك " اليومي المسلم به من قِبل مجتمع ما أو على مستوى عالمي. تأثر فيركلف بمفهوم الهيمنة الذي يقترن وفقاً لغرامشي بسيرورات صناعة المعنى، والتفاوض خلالها من أجل هيمنة وتطبيع تمثيلات معينة وتهميش غيرها دون استخدام القوة المادية، وبالتالي تكون هناك كتلة اجتماعية مهيمنة تمارس السلطة، وتسعى باستمرار لتأكيد سلطتها، وكتلة اجتماعية تظل تقاوم من أجل هيمنة تمثيلاتها، حتى تتمكن من ممارسة السلطة، وذلك لأن وضعية الهيمنة ليست بوضعية تامة أو أبدية. هكذا يحدد فيركلف مفهوم الإيديولوجيا بطريقة تمكنه من تحديد علاقات السلطة المستبدة ونقدها(23).

بذلك يمنح مفهوم الهيمنة الوسيلة التي من خلالها يمكن تصور السلطة باعتبار أنه يتم التفاوض عليها، وذلك فيما يتعلق بقدرة الناس على التصرف - إلى حد ما - كفاعلين اجتماعيين لديهم إمكانيات المقاومة، وكذلك تحليل الممارسة الخطابية كونها جزء من ممارسة اجتماعية أكثر شمولاً تتضمن علاقات السلطة. يمكن اعتبار الممارسة الخطابية جانباً من جوانب الصراع من أجل الهيمنة الذي يساهم في إعادة إنتاج نظام الخطاب أو تغييره، الذي هو جزء من الممارسة الاجتماعية، وبالتالي إعادة إنتاج علاقات السلطة القائمة أو تغييرها. فعندما تصاغ العناصر الخطابية التي تشكل نظام الخطاب وفق أنسقة جديدة، يحدث التغيير الخطابي الذي يعد ركيزة لإحداث التغيير الاجتماعي. يقول فيركلف " الإيديولوجيات ممثليات لجوانب من العالم، ويمكن إبانة إسهامها في إقامة العلاقات الاجتماعية المرتبطة بالسلطة والسيطرة والاستغلال، وصياغة هذه العلاقات أو تغييرها "(24).

- الخطاب باعتباره ممارسة اجتماعية: في حقيقة الأمر، نظر فيركلف إلى اللغة من وجهة نظر الخطاب من خلال المقولة التالية: " اللغة باعتبارها شكلاً من أشكال الممارسة الاجتماعية "، فما هو المعنى الدقيق الذي تحمله هذه العبارة؟ أولاً: إن اللغة جزء من المجتمع وليست خارجة عنه بصورة ما، وثانياً: إن اللغة عملية اجتماعية، وثالثاً: إن اللغة عملية يتحكم فيها المجتمع، أي إنها تخضع لتحكم جوانب أخرى (غير لغوية) في المجتمع.

بناءً على ذلك، يرى فيركلف أنه لا توجد علاقة خارجية بين اللغة والمجتمع بل علاقة داخلية وجدلية. فاللغة جزء من المجتمع، والظواهر اللغوية ظواهر اجتماعية فعلاً، وإن تكن من نوع خاص، والظواهر الاجتماعية ظواهر لغوية (إلى حد ما). فأما الظواهر اللغوية فهي اجتماعية بمعنى أنه حيثما تكلم الناس أو أنصتوا أو كتبوا أو قرؤوا، فإنما يفعلون ذلك بطرائق يحددها المجتمع ولها آثار اجتماعية. وحتى حين يصل وعي الناس بفرديتهم إلى ذروته ويتصورون أنهم برئوا إلى أقصى حد من الآثار الاجتماعية - في أحضان الأسرة على سبيل المثال - فإنهم يستخدمون اللغة أيضاً بطرائق تخضع للأعراف الاجتماعية. كما إن الطرائق التي يستخدم الناس اللغة بها في أشد لقاءاتهم خصوصية وحميمية لا تقتصر على الخضوع للعلاقات الاجتماعية التي تحدد صبغتها الاجتماعية بل إن لها أيضاً آثاراً اجتماعية بمعنى الحفاظ على هذه العلاقات (أو في الواقع تغييرها)(25).

كما أن الظواهر الاجتماعية لغوية، من ناحية أخرى، بمعنى أن النشاط اللغوي الذي يجرى في السياقات الاجتماعية (شأن جميع ألوان النشاط اللغوي) ليس مجرد انعكاس أو تعبير عن العمليات والممارسات الاجتماعية، بل إنه يمثل جزءاً من هذه العمليات والممارسات. فالمنازعات حول معنى بعض العبارات السياسية مثلاً من الجوانب الثابتة المألوفة في السياسة. فالناس أحياناً يتجادلون صراحة حول معاني بعض الألفاظ مثل: الديموقراطية، أو التأميم، أو الإمبريالية، أو الاشتراكية، أو التحرر، أو الإرهاب. وكثيراً ما يستخدمون الألفاظ في معانٍ بارزة الاختلاف والتضاد إلى حدٍ ما، وما أيسر العثور على نماذج ذلك في المناقشات بين زعماء الأحزاب السياسية، أو بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية. وتعتبر هذه المنازعات أحياناً مجرد مقدمات أو فروع شجرة من العمليات والممارسات الفعلية للسياسة، ولكنني أقول إنها ليست كذلك، بل إنها في ذاتها سياسة، إذ يتمثل جانب من السياسة في المنازعات والصراعات التي تحدث داخل اللغة وحول اللغة(26).

ولكن المسألة ليست مسألة علاقة متناظرة بين اللغة والمجتمع باعتبارهما وجهين متكافئين لكيان كل واحد. فأما الكيان الكلي فهو المجتمع، واللغة عنصر من عناصره. وإذا كانت جميع الظواهر اللغوية اجتماعية، فليست جميع الظواهر الاجتماعية لغوية، وذلك على الرغم من وجود عنصر لغوي كبير عادة، وإن كان كثيراً ما لا يلقى التقدير الصحيح، حتى في الظواهر الاجتماعية التي تقتصر على كونها لغوية محضة (مثل الإنتاج الاقتصادي).

والنتيجة الثانية المترتبة على اعتبار اللغة ممارسة اجتماعية، ترى أن اللغة عملية اجتماعية يتم فيها تمييز الخطاب عن النص، على اعتبار أن النص مُنتَجٌ لا عملية، فهو منتج لعملية إنتاج النص. ولكن فيركلف يصر على استخدام مصطلح الخطاب في الإشارة إلى عملية التفاعل الاجتماعي برمتها، التي لا يمثل النص إلا جزءاً منها. وهذه العملية تتضمن إلى جانب النص عملية الإنتاج، التي يعتبر النص من نواتجها وعملية التفسير التي يعتبر النص من مواردها. ومن ثم فإن تحليل النص لا يمثل إلا جزءاً من تحليل الخطاب، الذى يتضمن أيضاً عمليتي الإنتاج والتفسير. النتيجة الثالثة المترتبة على النظر إلى اللغة باعتبارها ممارسة اجتماعية، أي إنها تخضع لتحكم جوانب اجتماعية أخرى غير لغوية. فموارد الأعضاء التي ينهل منها الأفراد حتى يتمكنوا من إنتاج النصوص وتفسيرها موارد معرفية بمعنى أنها توجد في رؤوسهم، ولكنها اجتماعية بمعنى أن لها أصولاً اجتماعية، فهي وليدة المجتمع، وطبيعتها تعتمد على العلاقات والصراعات الاجتماعية التي ولدتها، كما إن طرائق انتقالها جماعية، وتتسم في مجتمعنا بالتفاوت في توزيعها. والناس يستوعبون ويتمثلون ما أنتجه المجتمع وأتاحه لهم، ويستخدمون هذه الموارد المستوعبة في ممارساتهم الاجتماعية، ومن بينها الخطاب(27). وهذا يتيح للقوى التي تشكل المجتمعات موقعاً ذا أهمية حيوية داخل نفس الفرد، ولكن فاعلية هذا الموقع تعتمد على كونه غير ظاهر بصفة عامة. أضف إلى ذلك أن التحكم الاجتماعي لا يقتصر على طبيعة هذه الموارد المعرفية، ولكنه يسري أيضاً على أحوال استخدامها، فعلى سبيل المثال، نجد أن الاستراتيجيات المعرفية المتوقعة في إطار الأعراف تختلف عندما يقرأ المرء قصيدة عنها عندما يقرأ إعلاناً في إحدى المجلات. ومن المهم أن نسحب حساب أمثال هذه الاختلافات عند تحليل الخطاب من منظور نقدي. وهذا يعني باختصار شديد أن الخطاب يتضمن الأحوال الاجتماعية وهكذا فعندما ننظر للغة باعتبارها خطاباً وممارسة اجتماعية، فإننا نلتزم لا بتحليل النصوص وحسب، ولا بتحليل عمليتي الإنتاج والتفسير وحسب، بل بتحليل العلاقة بين النصوص والعمليتين وأحوالهما الاجتماعية.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً

........................

(1) بسمة عبد العزيز : سطوة النص: خطاب الأزهر وأزمة الحكم، صفصافة للنشر والتوزيع، ط1، 2016 (بتصرف). بالرجوع إلى مجلة بدايات، العدد: 15، بيروت، خريف 2016.

https://bidayatmag.com/node/781

(2) عماد عبد اللطيف: من الوعي إلى الفعل: مقاربات معاصرة في مقاومة الخطاب السلطوي، مجلة ثقافات، مجلة علمية محكمة تعنى بالدراسات الثقافية تصدرها كلية الآداب بجامعة البحرين، 2009، ص (69).

(3) سعيد بكار: التحليل النقدي للخطاب: مفهوماته ومقارباته، مجلة الخطاب، المجلد: 16، العدد: 2، الجزائر، جوان 2021، ص(446).

(4) عبد الخالق مرزوقي: أحاديث نورمان فيركلف حول اللغة والسلطة، موقع ساقية، 15 أغسطس 2021.

(5) سارة ميلز: الخطاب، ترجمة: عبد الوهاب علوب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 2581، ط1، 2016، ص(13).

(6) سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط3، 1997، ص(19).

(7) سارة ميلز: الخطاب، مرجع سبق ذكره، ص(15- 17).

(8) المرجع السابق نفسه، ص(18).

(9) عبد الحليم سحالية: الخطاب بين الدرس اللغوي العربي القديم واللسانيات، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، الجزائر، العدد: 09، 2009، ص(169). وعيسى بوفسيو: النظريات اللسانية الحديثة وتحليل الخطاب، مجلة دفاتر مخبر الشعرية الجزائرية، الجزائر، المجلد: 5، العدد:2، 2020، ص(10).

(10) سارة ميلز: الخطاب، مرجع سبق ذكره، ص(177).

(11) مؤلف جماعي: التحليل النقدي للخطاب: مفاهيم ومجالات وتطبيقات، إشراف وتحرير: محمد يطاوي، المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا (برلين)، ط1، 2019، ص(10).

(12) ودني هـ. جونز، وأليس شيك، وكريستوف أ. هافنر: تحليل الخطاب والممارسات الخطابية، ترجمة: محمود أحمد عبد الله، مجلة الحكمة، 21/ 09/2017.

-Rodney H. Jones, Alice Chik and Christoph A Hafner (eds.): Discourse and Digital Practices: Doing discourse analysis in the digital age, Routledge press, 2015.

(13) المرجع السابق نفسه.

(14) دينا سعيد سيد متولي: سياسة التعليم من منظور التحليل النقدي للخطاب، مجلة دراسات تربوية واجتماعية، كلية التربية، جامعة حلوان، المجلد: 27، العدد: ديسمبر 2021، ص(56-57).

(15) المرجع السابق نفسه، ص(58-59)

(16) نورمان فيركلف: اللغة والسلطة، ترجمة: محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 2555، ط1، 2016، ص(15).

(17) لمزيد من القراءة والاطلاع انظر: نورمان فيركلف: الخطاب والتغير الاجتماعي، ترجمة: محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 2593، ط1، 2015.

(18) سعيد بكار: التحليل النقدي للخطاب: مفهوماته ومقارباته، مرجع سبق ذكره، ص(453-454).

(19) المرجع السابق نفسه، ص(456-457). ولمزيد من القراءة والاطلاع في هذا البُعد انظر: نورمان فاركلوف: تحليل الخطاب ( التحليل النصي في البحث الاجتماعي)، ترجمة: طلال وهبه، مراجعة: نجوى نصر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2009، ص(63 وما بعدها).

(20) نورمان فيركلف: اللغة والسلطة، مرجع سبق ذكره، ص(16).

(21) انظر فقرة (الهيمنة والعالمي والخاص): نورمان فاركلوف: تحليل الخطاب ( التحليل النصي في البحث الاجتماعي)، مرجع سبق ذكره، ص(101 وما بعدها).

(22) دينا سعيد سيد متولي: سياسة التعليم من منظور التحليل النقدي للخطاب، مرجع سبق ذكره، ص(71-72).

(23) المرجع السابق نفسه، ص(72-73).

(24) نورمان فاركلوف: تحليل الخطاب ( التحليل النصي في البحث الاجتماعي)، مرجع سبق ذكره، ص(35).

(25) نورمان فيركلف: اللغة والسلطة، مرجع سبق ذكره، ص(42).

(26) المرجع السابق نفسه، ص(43).

(27) المرجع السابق نفسه، ص(44).

الأساس الرمزي الأوديبي لنشأة الأخلاق والحضارة

(توجد عقدة أوديب في أصل الحضارة الغربية)... جاك لاكان

1- مقدمة: يوظف فرويد الرموز الأسطورية في تفسيره لنشأة الأخلاق والدين والحضارة، ومن أجل هذه الغاية يلجأ إلى حيّزين أسطوريين، يتمثل الأول في الأسطورة الولائمية بطابعها الأنثروبولوجي الاجتماعي، في حين يتمثل الثاني في الأسطورة “الأوديبية” بتجلياتها السيكولوجية التربوية، وفي كلتا الأسطورتين تتجلى جريمة قتل الأب وغشيان المحارم. وتشكل هاتان الأسطورتان مادة فرويد المميزة في الاستكشاف الرمزي لعمليات التشكل التاريخي للقيم والأخلاق والأنا الأعلى والحضارة. وهو في الوقت الذي يوظف فيها الأسطورة الأولى (مقتل الأب والتهامه) لتفسير منشأ الحضارة الإنسانية بمضامينها الأخلاقية العامة، يوظف الثانية (الأسطورة الأوديبية) في تفسير نشأة الأنا الأعلى والتكوين الخلقي للأفراد في المستويين السيكولوجي والتربوي؛ ولا يخفى على المتأمل وجود تقاطعات كبيرة بين الطاقة الرمزية لكل من الأسطورتين، وتجانس أكبر في الكيفية التي توظف فيها هذه الرمزية لتفسير نشأة الأخلاق والحضارة، إذ تنطلق كلتاهما من موجبات الخطيئة الأصلية (قتل الأب) واللعنة الأبدية (غشيان المحارم) في تفسير ولادة الأخلاق والقيم والضمير الأخلاقي.

ومما لا شك فيه أم جانبا كبيرا من عبقرية فرويد تكمن في قدرته الهائلة على توظيف الرموز والأساطير في إضفاء المعاني والدلالات على مكونات الحياة الأخلاقية والنفسية في المجتمع، حيث تتجلى هذه العبقرية في التوليف الخلاق بين الواقع الأسطورة والتاريخ والرمز والعلم والدين في تفسير الجوانب الخفيّة للحياة الاجتماعية والأخلاقية والسيكولوجية في حياة المجتمع والأفراد والجماعات.

وفي هذه الصورة الفسيفسائية للتوليف الفرويدي، بين الأسطورة والرمز والواقع، تقع محاولتنا للتأمل في الكيفيات التي يوظف فيها فرويد المعاني والدلالات الرمزية التي في تفسيره لجوانب تاريخية وسيكولوجية قد تبدو عصية على الفهم والتحليل. ومهما يكن الأمر، فالرحلة في الإبداعات العبقرية الفرويدية تضع القارئ في دائرة الشعور بالرهبة والرغبة والشوق المفعم بالإثارة المعرفية والوجدانية. فالرموز المكتنزة في الأساطير تمتلك طاقة معرفية هائلة أحسن فرويد توظيفها واستثمارها في استكشاف جوانب مظلمة وغامضة من الحياة الإنسانية، وقد أجاد بحسه العبقري المعهود أن يوظف مقولات التابو والطوطم والسحر والدين والأسطورة في فهم الطبيعة البشرية واستجلاء غموضها، وأكد عبر تقصياته المذهلة هذه أنه يجب على الإنسانية أن تستلهم الحكايات والمخطوطات والرموز والأساطير لاستكشاف المكنونات الدفينة للتاريخ الإنساني إرواءً للظمأ البشري المتقد إلى المعرفة.

2- الوليمة الطوطمية:

يستلهم فرويد أسطورة القتل الأول (الوليمة الطوطمية)[1] في استكشاف المنشأ الأول للحضارة الإنسانية، وتفيد هذه الأسطورة أن جماعة من البدائيين في الغاب الأول، يحكمها أب ذكر قوي، كان قد استحوذ نساء القبيلة جميعهن، وفرض نظاما من التحريم الجنسي الصارم على أبنائه وأفراد العشيرة، وتحت تأثير القمع المستمر، والكبت الشديد لدوافع الأبناء وميولهم الجنسية، غضب الأبناء وثاروا على أبيهم فقتلوه والتهموه، وعلى الأثر، وقع الأبناء في صراع مميت على تركة الأب، فدبت الفوضى بينهم، ونشب الصراع المميت، فاقتتل الأخوة، وهدرت دماؤهم، في ظل غياب سلطة الأب وهيبته والنظام الذي وضعه.

يتناول فرويد هذه الأسطورة الولائمية بالدراسة والتحليل والتفكيك الرمزي لعناصرها على نحو سيكولوجي، فالأبناء كما يرى فرويد، كانوا يناصبون الأب المتسلط الكراهية والعداء نظرا للتحريم الجنسي الصارم الذي فرضه عليهم، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يدينون له بالحب والولاء والتقدير والإعجاب، إذ كان الأب لهم نموذجا وقدوة يتماهون به ويرغبون في أن يكونوا على صورته. وعندما وضعوا نهاية مأساوية لوجوده، كابدهم الندم وعصرهم الحزن، وأشقاهم الألم، فأقاموا تحت تأثير هذا الندم والحزن طقوسا “طوطمية” [2] تكريما للأب، وتكفيرا عن إثمهم العظيم، وتأسيسا على هذا الموقف التكفيري أسسوا نظام التحريم، ثم شيدوا نظاما من المقدسات التي حظروا بوجبها على أنفسهم ما كان الأب قد حرّمه عليهم في سابق الأحوال، فنشأ التحريم والقانون ونظام التقديس وجرت العادات والتقاليد على تكريس هذه المبادئ التحريمية و” الطوطمية” فنشأت القيم وظهرت الأنظمة الأخلاقية في المجتمع [3].

وينطلق فرويد في تأكيد هذا التصور الأسطوري على نتائج الأبحاث الأنثروبولوجية حول نظام التحريم في القبائل البدائية في أستراليا، حيث عُرف عن البدائيين عيشهم في جماعات صغيرة، يسيطر عليها أب ذكر قوي. وبينت الدراسات الأنثروبولوجية أن هذه القبائل البدائية تعتمد نظام تحريم صارم يحظر بموجبه على أفراد القبيلة إقامة علاقات جنسية مع الجنس الآخر في القبيلة نفسها (مع أبناء الطوطم الواحد)، حيث تكون أي امرأة في القبيلة محرما على أي رجل فيها [4].

وقد بينت الدراسات الأنثروبولوجية أيضا أن كل جماعة تختص بطوطم (حيوان أو طير)، وهذا الطوطم يرمز إلى روح الأب الأول للعشيرة التي تقوم بحماية القبيلة ودفع الخطر عن أبنائها، ويحتل “طوطم” القبيلة مرتبة التقديس والتحريم “التابو” [5]، حيث لا يجوز قتله أو صيده أو أكله، وبموجب هذه العقيدة الطوطمية يلتزم أبناء القبيلة أو العشيرة التزاماً مقدّساً بألاّ يقتلوا طوطمهم على مستوى النوع وهذا يشمل كل أفراد الطوطم على العموم [6].

وقد بينت هذه الدراسات أيضا أن للعشيرة طقوسا إباحية تجري في أوقات معينة ولفترة معينة يستباح فيها “الطوطم” المقدّس بصورة احتفائية في مناسبات معيّنة، وفي هذا الطقوس يؤكل لحم الطوطم الذي سبق تحريمه المحرّم. وتأتي هذه الاستباحة في سياق وظيفي اجتماعي يتعلق بطبيعة الحياة في هذه المجتمعات البدائية.

يحاول فرويد عبر هذا التصور الأسطوري الأنثروبولوجي أن يفسر نشأة الأخلاق في المجتمعات الإنسانية البدائية القديمة، حيث شكل قتل الأب وأكله مزيجا من التناقض الوجداني الهائل الذي تمثل في الثورة على الأب والندم على قتله واستباحة دمه، فتحول إحساس الأبناء القتلة بالذنب إلى عذاب مرير ترجموه إلى طقوس “طوطمية” اتخذت مع الزمن طابعا دينيا مقدسا، وتحولت تدريجيا إلى أنظمة أخلاقية تحريمية تحوّل فيها التوتم الأبوي إلى مقدس ديني، وقد أسس هذا المقدس لاحقا للعرف والقانون والأنا الأعلى الأخلاقي في المجتمع [7].

يحاول فرويد استكشاف الطاقة الرمزية المكتنزة في “الوليمة الطوطمية” فالوليمة (أكل الأب) تأخذ دلالة “الخطيئة الأصلية”، وهي الخطيئة الأزلية المتحولة إلى هاجس وجودي ما فتئ يقض مضاجع الإنسان في سعيه الدؤوب للتحرر من التبعات الأخلاقية للخطيئة الأزلية والتكفير عنها [8]. لقد قرر الأبناء في هذه التراجيديا الإنسانية التنازل التدريجي والمنظم عن إشباع ميولهم البدائية الوحشية لصالح النظام الاجتماعي، وقد شكل هذا التنازل – كما يرى فرويد- أساس النظام والعدالة والقانون والقيم الأخلاقية في المجتمعات الإنسانية، وقد شكلت هذه الأنظمة – وفقا لهذه الرؤية -مهد الحضارة ومنطلقها الإنساني، وذلك لأن الحضارة لا تقوم إلا على مبدأ الإيثار ونكران الذات وتنظيم الاشباعات الغريزية تنظيما اجتماعيا أخلاقيا يراعي مبادئ العدالة والحق والخير والجمال.

يبين فرويد في هذا السياق أن التخلي الإرادي الواعي عن الإشباع المباشر للرغبات الطبيعية والميول البدائية، ولاسيما الجنسية منها، قد أصبح بديلا لعملية المنع القسري الخارجي (سلطة الأب المقتول)، ومن ثم فإن الضبط الذاتي لعملية إشباع الرغبات والميول قد أسس للمعايير والقيم الأخلاقية في المجتمع، وعلى هذا النحو تشكلت الحضارة الإنسانية وبنيت صروحها كنتيجة طبيعية لعملية الانتصار الأخلاقي للإنسان في مواجهة الدوافع الهمجية الأولى [9].

حاول فرويد، في مسار التفكيك الرمزي للوليمة الطوطمية، استكشاف الأسباب التي تجعل أفراد القبيلة يستبيحون طوطمهم في أوقات معينة وطقوس محددة، ومن أجل هذه الغاية يلجأ فرويد إلى تفسير هذه الظاهرة سيكولوجيا، إذ يعتقد بأن هذه الاستباحة الجديدة لرمز الأب هي استعادة لذكرى فعلتهم الإجرامية ضد الأب، وهي حادثة وجودية مؤلمة يجب أن تبقى في الذاكرة من أجل تعزيز الدورة الحيوية للقيم والأعراف المتصلة بالتحريم من جديد، ومن أجل تجديد الشعور بالندم والألم والاستغفار على نحو يجعلهم يرسخون إيمانهم من جديد بكل القيم التي أسست على مبدأ تحريم المحارم وتقديس الأب. فالإنسان هنا يكرر جريمته بقتل الأب من جديد والتهامه رمزيا (قتل الطوطم والتهامه) وهذا القتل الجديد يؤجج الشعور بالندم من جديد ومن ثم يحي الطاقة الحيوية للإنسان في التأصيل الأخلاقي للقيم والمحرم والتابو من جديد.

وفي دائرة التفسير الرمزي لنشأة الأخلاق يركز فرويد على مفهوم “التابو” أي المحرم ويتمثل التابو في مشاعر الخوف من الأرواح والطبيعة. فالتابو يأخذ صورة طاقة لاواعية تتحرك في أعماق العقل الباطن وتعمل على ضبط التصرفات الغرائزية لدى الإنسان البدائي، وقد تجلى هذا التابو لدى البدائيين في نوعين من التحريم الأساسي: تحريم قتل “الطوطم” أكانا حيوانا أو نباتا أو جمادا من جهة، ومن ثمّ تحريم العلاقات الجنسية بين الأفراد الذين ينتمون الى طوطم واحد من جهة ثانية.

ويقدم فرويد إشارات واضحة إلى أهمية الأحلام ودورها في نشأة الدين والمحرم عند البدائيين فظهور الموتى في الأحلام كان عاملا كافيا لترسيخ فكرة خلود الأرواح وقدرتها على التأثير. فعندما قتل الأب تجلى لأبنائهم في أحلامهم، وهذا التجلي أثار خوفهم وفضولهم، فبدؤوا بالصلاة للأموات من الآباء والأجداد خوفا من غضبهم وانتقامهم، ويتجلى هذا الخوف في سياق الملاحظات الأنثروبولوجية حول القبائل البدائية، إذ تبين بعض الدراسات الأنثروبولوجية أن محاربي “جزر التيمور” العائدين من انتصاراتهم على العدو، محملين برؤوس أعدائهم المقطوعة، يقومون بتقديم الأضاحي لتهدئة أرواح أعدائهم، فيطلبون منها الغفران في طقوس غريبة إذ يخاطبون فيها أرواح الضحايا قائلين “لا تغضبوا منا يا أخوتنا، تلك هي مشيئة الحرب والقتال، إنه القدر والمصادفة أن تكون رؤوسكم مقطوعة اليوم لا رؤوسنا، وكان يمكن أن نكون مكانكم، ولكن القدر شاء لنا أن ننتزع النصر عليكم، ولولا ذلك لكانت رؤوسنا اليوم مكان رؤوسكم، وإننا نحتفي بكم اليوم ونقدم لكم هذه الأضاحي لتبقى أرواحكم في هدوء وسلام، فأقبلوا منا صولتنا وأضاحينا واجعلونا نعيش بهدوء وسلام.” ثم يبدأ المحاربون بالبكاء على أعدائهم ويرددون “لماذا كنتم أعداءنا؟ ألم يكن بإمكاننا البقاء أصدقاء؟ كي لا يهدر دمكم ولا تقطع رؤوسكم؟” [10].

3- اللعنة الأبدية: أوديب الحضارة.

يوظف فرويد” الوليمة الطوطمية” لتفسير المنشأ التاريخي الاجتماعي للحضارة، ولكنه ومن أجل تفسير الصيرورات السيكولوجية لتشكل الأخلاق وولادة الأنا الأعلى يلجأ إلى الأسطورة الأوديبية التي تفيض بالثراء الرمزي وتتدفق بالدلالات السيكولوجية.

تأخذ “أسطورة أوديب” ترجمتها الفرويدية في مفهوم “عقدة أوديب” وهي صورة أخرى لوليمة أوديبية رمزية تأخذ مجراها في العملية التربوية حيث يولّد فيها الأب المقتول طاقة جديدة لتوليد القيم والأخلاق والأنا الأعلى.

وأوديب (Œdipe) ملحمة أسطورية يونانية رواها سوفلكس تحت عنوان «الملك أوديب» عام، 496 قبل الميلاد، وتقول هذه الأسطورة إن العرّاف أنبأ لايوس Laius ملك طيبة Thebas أن ابنه الذي سيولد سيقتله حين يكبر (أي أن الابن سيقتل أباه الملك)، ومع ولادة ابنه المنتظر (أوديب) وتجنبا للخطر المحدق به أمر الحراس بقتل الطفل، ولكن الحراس أبقوا على حياته ورموه بعد أن أوثقوا قدميه وجرحوا كعبيه، وتروي الأسطورة ـ أن أحد الرعاة وجده وحمله إلى ملك كورنيث الذي تبنّاه وأطلق عليه اسم “أوديب” كناية عن أقدامه المتورمة. وعاش الطفل في كنف أبيه المتبني دون أن يعرف شيئا عن قصته المحزنة وهو يعتقد بأنه الابن الحقيقي للملك أي للملك كورنيث، وعندما كبُر أوديب وشبّ عن الطوق أنبأته العرافة – من جديد- أنه سيقتل أباه يوما ما، فأصيب بحالة من الدهشة والصدمة والخوف والاستهجان واعتقد باستحالة أن يقتل أباه الذي أحبه (أي: ملك كورنيث) فقرر أن يصد القدر ويعاند النبوءة الإلهية، وخوفا على أبيه من نفسه، قرر أن يهجر كورنيث إلى الأبد كي يتجنب الخطيئة الأزلية أي قتل الأب، فغادر المدينة، وشاءت الأقدار أنه في ترحاله التقى بأبيه الحقيقي فوقع شجار بينهما أضطر فيه الابن إلى قتل أبيه دون أن يعرفه، ثم تابع طريقه إلى مدينة طيبة مدينة الأب الحقيقي ليتوج ملكا عليها مكافأة له بعد أن أنقذ المدينة من وحش أسطوري يدعى أبو الهول ثم يتزوج ملكتها يوكاسته Iocaste دون أن يعرف بأنها أمه الحقيقية أيضا. وحينما كشف أحد العرافين هذه الحقيقة فجع أوديب بقدره المخيف ومصيره المرعب وعرف أن اللعنة الأبدية قد وقعت عليه فأذهله المصاب العظيم فلم يكن منه إلا أنه فقأ عينيه وهام على وجهه يندب حظه المخيف، فانطلق يجوب الدروب في البراري ندما وحزنا وتأسفا وتكفيرا، أما أمه فقد شنقت نفسها حتى الموت لما وقعت فيه من فظاعة الأمر وهول المصيبة الأخلاقية. وقد ورد ذكر مأساة أوديب في «الأوديسة» لهوميروس تلميحاً مختصراً جداً، وفيها أنه قتل والده وتزوج والدته من دون أن يعلم، وأن أمه يوكاسته انتحرت شنقاً حين تكشفت لها الحقيقة؛ أما أوديب فقد ظل يحكم طيبة حتى مات. وقد وصفها أرسطو[ر] في كتابه «الشعر" Peri Poiētikēs بأنها أكمل نموذج لمأساة عرفها الإنسان".

يستلهم فرويد هذه اللعنة الأبدية الأوديبية ويوظف إيقاعاتها الرمزية من جديد في تفسير نشأة القيم والأخلاق والتحريم. فأوديب يقتل الأب دون أن يعلم، ويتزوج الأم دون أن يدري، وهذه الجريمة المزدوجة قتل الأب وغشي المحرم تقوده إلى أعظم الندم فقأً للعين وشنقا للجسد وتيها في مفازات الأرض تكفيرا عن العرض والذنب. وهنا يجري النظر إلى الندم والتكفير والعقاب الذاتي لأوديب على أنه بداية التشكل الأساسي للقيمة الأخلاقية والمحرم والأنا الأعلى.

ولا يقف فرويد عند حدود رمزية الأسطورة في بعدها التاريخي والاجتماعي بل يتجاوز هذا البعد التاريخي ليوظف هذه الرمزية في العملية التربوية برمتها مستخدما مفهوم “العقدة الأوديبية “. كمنطلق لنشأة الضمير والأخلاق لدى الطفل. والعقدة هي مجموعة من الأفكار والتصـورات اللاشعورية والمشحـونـة بشحنة وجـدانية قوية، والمتعارضة في مضمونها بحيث تشمل في آن واحد الحب والكـراهية نحـو موضوع واحد. وتتمثل هنا في الصراع الأبدي بين كراهية الأب وحبه بين الخوف منه والشعور بأنه مصدر الأمن في آن واحد.

4- الوضعية الأوديبية:

يفكك فرويد العقدة الأوديبية إلى رمزيتها السيكولوجية والتربوية، ويستخدم مفهوم الوضعية الأوديبية ليفسر لنا الصيرورة الأوديبية في المجال التربوي، وليتبناها منطلقا منهجيا في فهم الطبيعة الإنسانية بما تنطوي عليه من تكوينات وبنى وإشارات ورموز. والوضعية الأوديبية هي الحالة العاطفية للطفل التي تبدأ من الثالثة إلى الخامسة من العمر، حيث تظهر لدى الطفل الرغبات العاطفية الموجهة نحو الأب من الجنس المخالف له. ويقابل هذا حالة من العدوانية والغيرة تجاه الأب المماثل له في الجنس حيث تولد عند الطفل رغبة يتمنى عبرها موت أبيه من الجنس نفسه. وبعبارة أخرى أكثر وضوحا، يرى فرويد أن عقدة أوديب هذه كامنة في الفطرة الإنسانية، فالطفل يميل ميلا طبيعيا عاطفيا إلى الجنس الذي يقابله من الأبوين وكل من الأبوين يميل ميلا طبيعيا عاطفيا إلى الجنس الذي يقابله من الأبناء (الطفل يحب الأم أكثر من الأب بينما تحب الطفلة الأنثى أباها أكثر من الأم وبالمقابل فإن الطفل يكره الأب المجانس له جنسيا بمعنى أن الطفلة تكره أمه وتحب أبيها كما أن الطفل يكره أباه ويحب أمه) [11].

يؤكد فرويد في هذا السياق على خطورة الطريقة التي يتم بها الخروج من الوضعية الأوديبية وأهميتها، فطريقة التجاور لهذه المرحلة تلعب دورا حاسما في تحديد هوية الطفل واتزانه الوجداني في مرحلة الرشد، وهذا يعني الكيفية التي يتجاوز فيها الطفل هذه المرحلة تشكل الركيزة الأساسية للتكوين السيكولوجي عند الفرد ولاسيما فيما يتعلق بنظرة الطفل وموقفه من السلطة والحب والعلاقات العاطفية والجنسية.

يفترض فرويد أن الطفل في الغالب يتجاوز هذه المرحلة بسلام أي يتجاوز كراهيته إلى الجنس المقابل له من الأبوين، إذ يتوجب على الطفل أن يتجاوز كراهيته للأب فيما بعد الثالثة من العمر وأن يكوّن علاقة صداقة وحب مع والده وهكذا هو الحال بالنسبة للطفلة الأنثى في علاقتها بأمها.

وتتأثر الوضعية الأوديبية بالطريقة التي يعتمدها الآباء في حل هذه الإشكالية والخروج بالطفل من الوضعية الأوديبية (أي تحقيق المصالحة بين الجنسين المتقابلين بين الآباء والأبناء) تترك آثارها النفسية وتؤثر في بناء التصور الذي يكوّ نه الفرد عن نفسه وعن قدراته (تصوراته ومواقفه الخاصة بجنسه وأفعاله وإمكانيات تأكيد الذات).

وفي مواجهة الرغبات العدوانية والرغبات العاطفية المستهجنة عند الطفل، تعمل الأسرة على إصدار تهديدات وتوجيه عقوبات مختلفة القوة ضد الطفل الأوديبي وفقا للتقاليد الخاصة بالعائلة (التهديد بالخصاء مثلا عند فرويد). وتوجد أمام الأسرة إمكانيات متعددة للخروج من هذا المأزق الوجودي الذي يتمثل في بنية هذا الصراع الأوديبي. فعلى سبيل المثال يكون التسلط والمنع قويا في العائلات الطهرية التقليدية في مواجهته هذه الرغبات الأوديبية. وعندما يواجه الطفل هذا التسلط والمنع يعمل على إخفاء كل ما يتعلق بالجنس (عنصر من عناصر العقلية الطهرية التي توجد في شكل طبيعي في هذه العائلات). وقد شكلت رؤية فرويد لأهمية هذه المرحلة الأوديبية منطلقا منهجيا اعتمده علماء النفس في تحليل وتفسير مظاهر نفسية متعددة أهمها عقدة التمرد.

فالمتمرد هو شخص لا يستطيع أن يخرج من دائرة العقدة الأوديبية، ولذلك فهو لا يستطيع أن يواجه السلطة التي تأخذ طابعا أبويا كما أنه لا يستطيع أن يتوافق مع الحب الذي يأخذ طابعا أموميا أو صورة علاقات جنسية. فهو يعيش حالة حصار وقلق إزاء هاتين الحقيقتين وبالتالي فإن سلوكه يتميز بدرجة عالية من الآواليات الدفاعية. فالشخصية التمردية ترفض أية سلطة (الدولة – الرؤساء – المعلمون) والمتمرد يأخذ مكانه دائما إلى جانب جميع هؤلاء الذين يناضلون ضد الاستبداد، وهو يحاول أن يحقق ذاته بالانتماء إلى جماعات إنسانية هامشية.

أما فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية فإن نرجسيته تشكل عقبة كبرى في سياق علاقاته العميقة والمتعددة فهو يعيش في المجتمع، وينظر إليه كأم سيئة تطعم طفلها بقسوة وتكاد تخنق طفلها من كثرة الطعام. ولذلك فهو يدافع عن نفسه ضد هذا الطعام. ولذلك فإن الديموقراطية هي أم سيئة تصدر عنها أخلاق الاصطفاء والغدر التي لا تلبي لديه حاجات الأنا المركزية. وباختصار فإن طريقة خروج الطفل من العقدة الأوديبية يحدد له مواقفه اللاحقة من السلطة والحب والعلاقات الجنسية كما تحدد له إمكانياته في تأكيد ذاته وهويته.

5- العقدة الأوديبية:

عندما لا يستطيع الطفل تجاوز الوضعية الأوديبية بسلام يقع في دائرة العقدة الأوديبية، بمعنى إذا لم يستطع التصالح مع الأب وتأكيد حبه له فإن ذلك يجعله طفلا أوديبيا، أي طفل معقد أوديبيا ويترتب على هذا نسق من العيوب الخلقية والنفسية والجنسية عند الطفل.

وهنا تكمن التوظيفات الرمزية التي يستخدمها فرويد لتفسير تشكل الأخلاق عند الفرد في صورة الأنا الأعلى والضمير الأخلاقي، فالخوف من الأب والإعجاب به أيضا يقع في مرمى التشكيل الديني للفرد في مرحلة الطفولة، فهناك تشابه كبير بين صورة الله الذي يؤمن به الفرد وبين صورة الطفل المكتنزة عن أبيه في مرحلة الطفولة. فالأب بسلطته وجبروته يخيف الطفل ويرحمه ويحميه. ومن هذا المنطلق يرى فرويد وجود علاقة كبيرة بين التصورات الدينية وبين الفعاليات التربوية للطفولة الأولى عند الفرد ولا سيما في علاقة الأب بأبنائه التي تتسم بفعاليات الخوف والكراهية من جهة، والشعور بالولاء والمحبة من جهة أخرى. وهنا يتبنى فرويد الطاقة الرمزية لما يسميه “عقدة أوديب” التي تأخذ طابع عقدة نفسية يقع فيها الابن بكراهية الأب والابنة بكراهية الأم مع نزع من الحب يشد الطفل دائما إلى الجنس المقابل له بين الأبوين. والابنة بحب أبيها حبا مفرطا مصحوبا بكراهية الابن للأب وكراهية الابنة للأم [12].

ويكمن جوهر نظرية “فرويد” في تصوره قوامه أن الطفل يرهب أباه وفي الوقت يحبه ويعجب به ويخشى فقدان حبه له، ولذا فإنه يتخلى ذاتيا عن تصوراته الغرائزية ويكبح رغباته ومخاوفه الأولية، ولكن هذه المخاوف والتصورات تبقى دفينة العقل الباطن الذي يبقى مسكونا بهواجس الكراهية والخوف البدائي من الأب، وترتسم هذه المخاوف والتصورات الآثمة في صورة “عقدة أوديب” التي تأخذ طابع عقدة نفسية ماثلة في أعماق العقل الباطن. ومن أجل الاستمرار في قهر الدوافع الوحشية الأولية وقهر الميول الوحشية يلجأ الفرد إلى الدين والأخلاق كقوة جبارة تطرح نفسها بديلا لقوة الأب وجبروته. [13]. وعلى هذا النحو يشعر الفرد بالراحة والاستقرار لشعوره بانتهاء الصراع بين التمرد على الأب والاستسلام له الذي يتجلى في هيئة تقلص الصراع بين الرغبة الغرائزية “عقدة أوديب” والمستوى الأخلاقي المطلوب اجتماعياً.

6- الأنا الأعلى:

يمثل الأنا الأعلى الضمير الأخلاقي الذي يتشمل في دوامات الصراع بين الميول الغرائزية والأوامر والنواهي والعادات والتقاليد في المجتمع. ويصف فرويد الضمير بأنه “الأنا الأعلى” وهو المنطقة الأكثر قدسية في الكيان السيكولوجي للفرد، فالأنا الأعلى هو المحكمة العليا في الكيان الإنساني، وهي محكمة معنيّة بإصدار الأحكام الأخلاقية، وتوجيه الفعل الإنساني توجيها أخلاقيا ينشد الخير والحق والجمال، ويرفض الباطل والشر والفساد. وإذا كان الأنا الأعلى هو الضمير الأخلاقي فإن فرويد يرى بأن” الهو” وهي منطقة الغرائز والميول في الكيان النفسي يمثل منطقة الشهوة حيث يعبر عن مطالب الجسد تلبية للرغبة والميول الطبيعية الغرائزية في الإنسان. وعلى هذا النحو يتجلى الأنا الأعلى في صوت الحق والضمير والقيمة الأخلاقية في الوقت الذي يعبر فيه” الهو” عن صوت الشهوة والرغبة والميل والعاطفة والهوى. والحياة الأخلاقية تكون بالصراع الأبدي ما بين الأنا الأعلى وما بين الهو منطقة الرغائب والميول والشهوات، إنه صراع الجسد والعقل بل هو صراع النور والظلام في كيان الفرد النفسي.

وهنا ومن جديد تتضح الرمزية الخاصة بعقدة أوديب، وباختصار فإن كراهية الطفل للأب وغيرته منه وميله الطبيعي لقتله بطريقة إيهامية خيالية فالطفل يرغب بقتل الأب ولكنه لا يستطيع ولكن مجرد التفكير بالقتل هو قتل رمزي وهذا القتل الرمزي يؤدي إلى الشعور بالندم والشعور بالندم هو أصل في تكوين الأنا الأعلى والكيان الأخلاقي عند الطفل لاحقا، وهذا ستمثل في المصالحة بين الأب والابن وتخلي الطفل عن عقدته في النزعة إلى القتل والتدمير.

7- خلاصة: الأخلاق بين أسطورتين

توجد وشائج عميقة بين الأسطورة الأوديبية والأسطورة الطوطمية من حيث الدلالات والرموز والمعاني. ففي كلتاهما نجد تجليات الخطيئة الأزلية الأولى لمقتل الأب وانتهاك حرمته، وفي كلتاهما نجد طابعا مأساويا يتخلله انتهاك المحارم، كما نجد في الأسطورتين صورة للندم الأزلي الذي يؤدي إلى نشوء التحريم والتقديس والتعظيم الذي يؤسس بدوره إلى نشوء القيم والدين والأخلاق.

وفي هذا المقام، يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار، بأن الأسطورتين ليستا مجرد محض خيال جامح، إذ بينت دراسات ميثولوجيه كثيرة أن الأساطير ذات منشأ واقعي في جوهرها، إذ تستقي مصدرها الحيوي من الواقع، وتقوم في الوقت نفسه بالإضاءة على هذا الواقع. وما الأسطورة في نهاية الأمر سوى حكايات قديمة نسجها العقل بالخيال فأحياها بطاقة رمزية تمتلك القدرة على إضاءة الواقع وتقديم تفسيرات وامضة للحياة بما تنطوي عليه من أسرار وخفايا وخبايا. فمقتل الأب الأول ليس حقيقة أنتروبولوجية فحسب بل هو حقيقية نشهدها في عالم الحيوانات وتجمعاتها الأساسية، ولاسيما عند بعض جماعات القرود والأسود وأفراس النهر، حيث تكون العلاقات الجنسية مقتصرة على الذكر الأقوى في الجماعة، ومحرمة على غيره من الذكور. وهذا الأمر ليس غريبا أيضا عن الحياة الاجتماعية للإنسان تاريخيا، ففي العهود الإقطاعية الحديثة نسبيا من تطور المجتمع الإنساني، كان الإقطاعيون في كثير من المقاطعات في أوروبا وغيرها يمتلكون الحق بمضاجعة أي امرأة في إقطاعاتهم، وكان لهم الحق- بل الواجب أحيانا – في فض بكارة أي عروس قبل زفافها النهائي وذلك تأكيدا للحق الأبوي في التملك والسلطة.

يعتقد بعض المؤرخين، في هذا السياق، بأن قصة أوديب تمتلك أصلا تاريخيا حقيقيا، ومع ذلك يستحيل تخليصها من العناصر الأسطورية التي شابتها وأضفت عليها هذا الزخم الرمزي، وقد ورد ذكرت مأساة أوديب في «الأوديسة» لهوميروس تلميحاً مختصراً جداً، وفيها أنه قتل والده وتزوج والدته من دون أن يعلم، وأن أمه يوكاسته انتحرت شنقاً حين تكشفت لها الحقيقة؛ أما أوديب؛ أما أوديب فقد ظل يحكم طيبة حتى مات.

ومما لا شك فيه أن أسطورة أوديب قد شكلت موضوعا حيويا لقضايا متعددة أبرزها قضية المصير أو مسألة القضاء والقدر. فمثير من الباحثين تناولوا مسألة الحرية والقدرية في مسؤولية أوديب عن جريمة القتل التي أرتكبها بحق الأب وجريمة غشيان المحرم التي اقترفها بحق الأم. ومن الواضح أن القصة تتنبأ بمصير أوديب حتى قبل أن يولد. وهذا التنبؤ يمكن أن يقرأ بوصفه استلابا لحرية الإنسان أو بأنه «المقدر» و "المكتوب".

وهذا الأمر ينسحب بوضوح على أسطورة القتل الأول حيث كانت هذه الأسطورة انعكاسا طبيعيا للحياة الاجتماعية لدى القبائل البدائية وليس غريبا أن تكون هذه الأسطورة حقيقة أنتروبولوجية دامغة عاشتها الشعوب الإنسانية في مراحل تاريخية محددة.

ومما لا شك فيه أن نظرية فرويد في نشأة الأخلاق والحضارة واحدة من نظريات عديدة حاولت كل منها أن تقدم رؤية محددة وتصور شمولي لعملية انبثاق الحضارة والأخلاق في المجتمع الإنساني. ولكن نظرية فرويد تمتاز على ما غيرها بأنها اعتمدت الطاقة الرمزية المكتنزة للأساطير في تفسير عدد كبير من القضايا الوجودية للمجتمعات الإنسانية، فاكتست بطابعها الجمالي والسحري الذي جعلها من أكثر النظريات انتشارا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ومما لا شك فيه أن هذه النظرية، كغيرها من مقولات فرويد وتصوراته، قد تعرضت للنقد السيكولوجي والسوسيولوجي دون انقطاع على مدى قرن من الزمان، ولكن هذا النقد المتواصل المتدفق أضفى على النظرية والمقولات الفرويدية مزيدا من السحر والبهاء والقوة، فكانت نظريته هذه أشبه بالنوابض الفكرية التي ما أن تلمس حتى تنهض بقوة أكبر مما هو متوقع لها.

ويمكن القول في نهاية هذا المقال: إن فرويد قد أحسن توظيف الرموز المكتنزة في الأساطير واستثمرها في استكشاف جوانب خفية من الحياة الإنسانية على نحو يتصف بالرشاقة والجمال، ولا ريب في القول بأن امتلك قدرة مذهلة على الجمع بين الرموز والأساطير والواقع في تفسيره لنشأة الدين والقيم الأخلاقية والحضارة، وقد تميز التفسير السيكولوجي الذي قدمه لمسألة الأخلاق بطابعه الجمالي والفلسفي الذي كان وما زال مثار جدل وحوار على أشده منذ عهد فرويد حتى اللحظة الراهنة.

***

علي أسعد وطفة

كلية التربية -جامعة الكويت

......................

مراجع الدراسة وهوامشها:

[1] إشارة إلى قتل الأب والتهامه من قبل الأبناء.

[2] احتفالات وطقوس تجريها القبائل البدائية لعبادة الأسلاف والأجداد. و” الطوطم” رمز يأخذ صورة حيوان أو نبات يرمز إلى روح الأب أو الجد.

[3] سلطان الزغول، تطبيق شعري لنظرية قتل الأب عند فرويد، جريدة الرأي، السبت 17 تموز 2010، www.alrai.com/pages.php?news_id=323690

[4] – Durkheim, E., Les Formes élémentaires de la Vie religieuse, Paris, puf, 1968

[5] التابو” يرمز إلى المحرم لدى القبائل البدائية.

[6] إذا كان الطوطم صقرا على سبيل المثال فهذا يعني تحريم قتل أو أكل جميع الصقور.

[7] سيغموند فرويد، الوثن والمحظور، نيويورك : ماكميلان، 1918.

[8] – Sigmund FREUD, Totem et Tabou, Interprétation par la psychanalyse de la vie sociale des peuples primitifs, (Traduit de l’Allemand avec l’autorisation de l’auteur en 1923 par le Dr S. Jankélévitch. Impression 1951),

[9] جيانا كردي، الحضارة والكبت. من وجهة نظر التحليل النفسي، موقع القديسة تيرزا،

http://www.terezia.org/section.php?id=1127.

[10] رندا قسيس، في أصول الأخلاق : نظرة أنتروبولوجية، ميدل أيست أونلاين، 6/6/2009، http://middle-east-online.com/?id=79615

[11] هناك مثل شعبي كويتي يقول “البنيّة تخطف قلب أبوها” ؛ و”كل فتاة بأبيها معجبة”، كما يقول أحد الأمثال العربية. وفي هذه الأمثال تعبير عن الميل الوجداني المتقابل بين الجنسين بين الأبناء والآباء.

[12] أوديب حكاية أسطورية إغريقية قديمة تفيد بأن أوديب ” قتل أباه (ملك طيبة) وتزوج أمه دون أن يعرفها في ظروف غامضة، ولما اكتشف الأمر فقأ عينيه وهام على وجهه.

[13] سيغموند فرويد، الوثن والمحظور، نيويورك : ماكميلان، 1918.

الطفولة مبتدأ الانطلاق

(عندما أتحدث مع طفل يثير في نفسي شعورين: الحنان لما هو عليه، والاحترام لما سوف يكونه"... لويس باستور

مقدمة

تروي القصة أن الأب كان بصدد قراءة صحيفته المفضلة في الصباح، وما أن بدأ بتصفح الجريدة حتى بدأ ابنه الصغير يدور حوله بشقاوته وشغبه وتساؤلاته التي ضايقت الأب ومنعته من متابعة القراءة والاستمتاع بصحيفته. وحين تعب الأب من شغب الصغير ومضايقاته خطر له أن يلهيه عنه بعض الوقت كي يتسنى له متابعة الاستمتاع بصحيفته فأخذ صفحة من الجريدة تنطوي على خريطة العالم ثم مزقها قطعا صغيرة وأعطاها للصبي طالبا منه إعادة تجميع الصفحة على صورة الخريطة، وذلك كي يشغل الطفل، ثم عاد لقراءة صحيفته بهدوء وصفاء، وقد أخذه الظن بأن الطفل سيبقى مشغولا بقية اليوم بترتيب الصفحة وجمعها، ولكن المفاجأة أن الطفل قد عاد إليه بعد دقائق معدودة وقد أنجز المهمة، إذ قام بترتيب الخريطة على نحو صريح صحيح... ! فسأله الأب مذهولا: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا يا بني .؟! رد الطفل قائلا: لا يا والدي. فقال له إذن كيف استطعت أن تعيد جمع الخريطة بهذه السرعة، عندها أجاب الابن: كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الصفحة، وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم ... كانت عبارة عفوية، ولكنها كانت جميلة وذات معنى عميق: "عندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم". وهذا هو بيت القصيد في مقالتنا هذه التي تبحث في قضية بناء الإنسان والحضارة عبر البناء الأصيل للطفل والطفولة منبع العطاء ومنهل الرجاء.

لقد أدركت الأمم العظيمة، وأدرك فلاسفتها الأفذاذ، أن أسرار القوة الحضارية للأمم تتجسد في قدرة كل منها على العناية بصغارها وتفجير طاقاتهم وصقل مواهبهم. فالرسالة الحضارية اليوم للأمم والشعوب تتعيّن بتوفير الشروط الموضوعية لتحقيق نماء الطفولة وإطلاق مواهبها، لأن طاقات الأمم الإبداعية كامنة في أطفالها بوصفهم ينبوع كل إبداع وعطاء وجمال.

إن بناء الإنسان هو الفعل المبدع الخلاق الذي يفوق بعظمته كل إبداع وكل ابتكار إنساني ممكن. ومن هذا المنطلق يترتب على عملية البناء هذه أن تنطلق من المراحل الأولى المبكرة من طفولة الإنسان. فالطفولة بدعة الله في الإنسان وآية من آيات الله في الطبيعة، إنها كون خلاّق يضاهي القوى الكونية العليا في مدى عظمته وروعته. وهي في النهاية الصورة المثلى التي يتجلى فيها ثالوث القيم: قيم الحق والخير والجمال.

و"الإنسان أثمن وأغلى وأعظم ثروة تملكها الأمم"، تلك هي الحقيقة العلمية التي بدأت تجلجل بقوة في مختلف أركان الكون منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين حتى اليوم، وهي الحقيقة التي تنادي في عقول المفكرين وتسطو في أعماق الوعي العلمي عند الباحثين والمبشرين بعالم أفضل. ولا يرتبط هذا القول بشعارات ذات طابع أخلاقي، بل يجسد منظومة من الحقائق العلمية الملموسة الاقتصادية والاجتماعية؛ لقد أصبح الاستثمار في تربية الإنسان هاجس الأمم المتقدمة، وغدا هدفا يتصدر استراتيجياتها التنموية وخططها النهضوية، وينطلق هذا الهاجس من حقيقة علمية قوامها أن توظيف رؤوس الأموال في التنمية البشرية لا يضاهيه في مردوده وعائداته الاقتصادية والاجتماعية أي استثمار آخر في أي حقل من حقول الإبداع والإنتاج الإنسانيين.

لقد ولّدت الثورة المعلوماتية الهائلة إيمانا راسخا بأن تربية الإنسان وتنميته هي منطلق كل نهضة حضارية وكل تطور في مجال المعرفة الإنسانية. وبدأت هذه الحقيقة تضرب جذورها في أعماق الوعي الإنساني منطلقة من أن الإصلاح الاجتماعي والنهوض بالمجتمع حضاريا يجب أن يبدأ بثورة إبيستيمولوجية في ميدان التربية والتعليم، لأن الثورة التربوية في مجال بناء الإنسان وإعداده تشكل منطلق بناء المجتمع وتثويره في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كانت النهضة التربوية هي الشرط الأساسي لعملية الإصلاح التربوي والتغيير الشامل في المجتمع، فإن النهضة التربوية ذاتها يجب أن تنطلق من العمق الاستراتيجي للتربية في المجتمع المتمثل في تربية الأطفال وإعدادهم منذ مرحلة الطفولة المبكرة، لأن الطفولة تشكل شرط الضرورة والكفاية لنهضة تربوية حقيقية.

إن أية محاولة للنهوض بالتربية وتطويرها أو إصلاحها لا تبدأ بمرحلة الطفولة هي محاولة تسير نحو قَدَرِ الإخفاق والفشل. وقد لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن الإخفاقات التي تعاقبت وتتابعت في مشاريع النهضة التربوية والإصلاح التربوي في الوطن العربي قد أخفقت لأنها انطلقت من المكان الخطأ والعنوان الخطأ، ولأنها في نهاية الأمر لم تنطلق من الطفولة بوصفها العمق الاستراتيجي للإصلاح والتطوير في التربية والمجتمع في آن واحد.

لقد آمن أغلب المفكرين، منذ عهود بعيدة، بأن الثورة التربوية يجب أن تبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة وأن تنطلق منها، وأن مثل هذه الثورة هي نواة النهوض والتنوير الشامل في مجال الحياة المجتمعية، وذلك لأن مرحلة الطفولة تشكل المنطقة الجيولوجية الأعمق في نسيج الوجود الإنساني، وفي هذا التكوين الأعمق تكمن نفائس الأمم وذخائرها الإنسانية وطاقاتها البشرية الأولية.

إن فكرة إصلاح المجتمع عبر إصلاح الناشئة فيه قديمة قدم التاريخ. لقد أعلن أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد بأن لا يمكن إصلاح مدينة بصغار أفسدهم كبارهم، ومن أجل هذا الإصلاح يقترح أفلاطون في جمهوريته إخراج جميع الأطفال ممن هم دون الخامسة إلى ظاهر المدينة، وتربيتهم في معسكرات خاصة تشرف عليها الدولة تربية عقلية وتربية أخلاقية متميزة، وذلك من أجل إصلاح شؤون المدينة والخروج بها من دائرة الفساد إلى دائرة التنوير والحق والعدالة والحرية.

وتجد فكرة أفلاطون صداها ورجعها في كثير من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية. وشواهد الإيمان بأهمية تربية الصغار وإصلاحهم من أجل إصلاح المجتمع تتجاوز حدود العدّ والحصر، ولكن تجدر الإشارة في هذا المقام إلى فكرة التربية السلبية الحرة عند روسو التي يرى فيها بوضوح كبير ألا إصلاح في المجتمع إلا من خلال بناء أجيال حرّة قادرة على صنع التاريخ بمعايير تربوية وأخلاقية جديدة.

فالأمم الكبيرة هي الأمم التي وجدت في الأطفال ينبوعا ثرّا للعطاء واستمرارية في القدرة على النهوض والبناء. ويبدو اليوم أن درجة عناية الأمم بأطفالها ورعايتهم لها تحدد درجة كل أمة من هذه الأمم في السلّم الحضاري وفي الموقع المتقدم الذي سجلته في سلم العلم والمعرفة العلمية.

إن الشرارة الأولى التي تنطلق منها النهضة والتنوير والحضارة في أية أمة من الأمم تنقدح شعلتها بداية في عالم الطفولة والأطفال، فيتوهج الوعي المجتمعي بأهمية مرحلة الطفولة ودورها في بناء الحضارة والإنسان. فالطفولة تشكل العمق الاستراتيجي الإنساني للمجتمع، وهذا العمق يأخذ تجلياته في أبعاد ديموغرافية وبيولوجية وثقافية وإنسانية بالغة التنوع والشمول. وكل بداية حضارية أو نهضوية لا تبدأ من هذا العمق هي بداية سطحية عابرة ومؤقتة ولن تؤتي أوكلها أبدا.

وليس في التأكيد على الأهمية الصارخة للعناية بالأطفال وتربيتهم ما يخضع للشعارات الرنانة أو للأيديولوجيات البراقة أو ما يمت بصلة إلى العقائد الغراء. إن الطفولة هي أهم الطبقات في تكوين المجتمعات الإنسانية من حيث خطورتها وأهميتها، وليس في هذا القول ممالأة أو مجانبة للصواب، بل تلك هي الحقيقة التي تنضح بمصداقية علمية تتجاوز حدود الشك وتتعالى على شطحات الوهم والظنون. فالسنوات الخمس الأولى من حياة الفرد تأخذ أهمية فريدة متفردة تقرّها العلوم الإنسانية والتطبيقية بمطلق التأكيد. فالطفولة تشكل الطبقة الأعمق في حياة الفرد منفردا وفي حياة الكيان المجتمعي حيث يتحد الأفراد. وقد حظيت حقيقة الأهمية الكبرى لمرحلة الطفولة على إجماع المفكرين والعلماء والعارفين.

وقد أصبح اليوم، من تحصيل الحاصل ومن بديهيات القول، أن يؤكد جميع الدارسين والباحثين والمفكرين بأن الطفولة والطفولة الأولى هي منطلق البناء التربوي وجذوته. ويمكن للباحث اليوم أن يفرد نسقا يأخذ مداه طولا وعرضا من أسماء العلماء والمفكرين الذين يؤكدون أهمية هذه المرحلة منذ بدء الحضارة الإنسانية حتى اليوم.

فالإصلاح التربوي يجب أن يبدأ من العمق لكي يكون إصلاحا حقيقيا وجوهريا، وهذا العمق الذي يجب أن ينطلق منه هو العمق الاستراتيجي للتربية الذي يتمثل في مرحلة الطفولة المبكرة. ولكي يكون هذا الإصلاح استراتيجيا يجب عليه أن يكون علميا، ومن أجل أن يحقق هذا الطابع العلمي يجب أن ينطلق من بناء فهم علمي يتميز بطابع الشمول والعمق لمرحلة الطفولة ذاتها بمعانيها وطبيعتها وقانونياتها الحاكمة. وهذا يعني أنه ومن أجل إحداث التغيير الشامل والمثمر في التربية يجب علينا أن نفهم وندرك طبيعة العملية التربوية في أكثر مراحلها خطورة وأهمية إدراكا علميا يتميز بالرصانة والأصالة والشمول والعمق.

وتأسيسا على هذه المحاكمة ينهض القول بأن تحقيق الشرط الأساسي للثورة التربوية المجتمعية الشاملة يجب أن يبدأ بتكوين وعي علمي يتصف بالشمول والأصالة عند طبقة المربين بعامة وعند مربيات ومربي الأطفال بشكل خاص. ومن هنا تأخذ التربية في مرحلة الطفولة المبكرة أهمية مركزية وإستراتيجية. وبناء على ذلك ومن أجل تحقيق الشرط الأساسي لكل إصلاح أو تثوير تربوي يجب أن نبدأ بإعداد المربيات والأمهات إعدادا علميا يمكنهن من تمثل معطيات المعرفة الإنسانية في مجال تربية الطفولة بما ينطوي عليه هذا الحقل من معارف علمية ونظريات وممارسات وتجارب. ويجب على هذا التوجه ألا يقف عند حدود المربيات والباحثات في مجال الطفل وشؤون الطفولة بل يجب أن نيّسر ونعزز وعيا تربويا يشمل مختلف المربيين والمربيات في المجتمع على امتداد الساحة الوطنية في أي مجتمع من المجتمعات المعنية. فالمعرفة العلمية بطبيعة الأطفال وأهمية مرحلتهم واستيعاب التجارب العلمية والخبرات والنظريات يشكل الخطوة الأولي في أي إصلاح تربوي جوهري يسعى إلى إصلاح المجتمع وتحقيق نهضته.

فعالم الطفولة عالم لم يكتشف بعد، ولم يتحقق الطموح الإنساني في استكشاف المعالم النهائية لهذا العالم، وأن الإنسانية تحتاج إلى عقود وربما قرون من الزمن للكشف عن ماهية هذه الطفولة بأعماقها الإنسانية والسيكولوجية. فالطفل يمتلك على قوى داخلية هائلة وخفيّة نجهل حدودها وأبعادها وآفاقها منذ لحظة ولادته. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة الضرورة هنا هو: هل يمكن للمربين أداء دورهم التربوي كما يجب إذا كانوا يجهلون ماهية الطفولة وطبيعة الأطفال؟ وهنا يجب علينا أن نعترف بأننا على الأغلب ما زلنا نجهل طبيعة الطفولة، وأطفالنا مازالوا بالنسبة لنا كائنات مجهولة فيما يتعلق ببنيتهم وطاقاتهم الكامنة، ونحن لا نستطيع أن نقدم شيئا مهما للأطفال إذا لم نستطع أن نكتشف فيهم هذه القوى الداخلية لديهم وننميها.

لقد بدأ الاعتراف اليوم بأن الأطفال يمتلكون قدرات خفية هائلة، ويجسدون قدرة نامية يجب أن تحظى بالعناية، وأن تخضع لمبدأ الاستثمار. ولا يوجد اليوم ما يمنع الأطفال الصغار من أن يكونوا تجريبيين مندفعين ومتحمسين أو مكتشفين ورواد في مجال العلم والمعرفة.

ومن هذا المنطلق بدأ وعي تربوي جديد ورؤية حداثية جديدة تتكون وتأخذ أبعادها حول بنية الطفل واتجاهات نمائه، فالطفل ليس كائنا متلقيا وحسب، إنه مبدع منذ البداية، ولو تفحصنا تصوراته للعالم وتعبيراته الانفعالية لوجدناها –على بساطتها- تعبيرات وتصورات مبدعة، وهذه الأصالة الفطرية هي مفتاح النمو السوي للأطفال وهي- لكي تفصح عن ذاتها إفصاحا كاملا – تقتضي منا معاونة الطفل على الاقتراب التلقائي من العالم والدخول في علاقة حميمة مع البشر والحياة، وهي علاقة تربط الطفل بالعالم دون أن تمحو هويته الثقافية أو تشوهها، وهذه هي مسؤولية الكبار نحو الطفل آباءً كانوا أو معلمين. وإذا غابت هذه الحقيقة عن المربين فإنهم سيكونون على وعي منهم أو من غير وعي أداة لتخريب النمو السوي في الطفل وذلك عبر أفانين غامضة.

إن الخطر الأكبر في حياتنا المجتمعية يتمثل في جهل المربيين بالأصول العلمية لتربية الأطفال. ويكمن هذا الخطر في قانون تربوي قوامه أن التربية التي لا تقوم على أسس علمية تؤدي إلى تدمير الأطفال نفسيا وعقليا واجتماعيا. وبناء على هذا القانون التربوي فإن أية تربية نقدمها للطفل تلحق به الأذى وتدمره إذا لم تكن تربية علمية مستوفية لشروط الوعي العلمي، وهذا يعني أن التربية في مرحلة الطفولة يجب أن تقوم على وعي علمي رصين ومتكامل وأصيل بمختلف معطيات الطفولة وتربية الأطفال.

والسؤال الذي يقفز إلى العقل مباشرة: هل التربية التي نعتمدها اليوم في تربية أطفالنا تربية علمية تأخذ بأسباب العلم الحديث ومعطياته؟ والجواب سرعان ما يومض بسؤال جديد: هل يمتلك مربونا الوعي العلمي الرصين بأحدث وسائل التربية ونظرياتها في مستوى تربية الأطفال؟ وبناء على هذين السؤالين يقوم الاستنتاجان التاليان:

- إن تربية الأطفال تربية بنائية نمائية حقّة مرهونة بمستوى وعي المربين بقضايا الطفولة وأصول التربية ونظرياتها وقانونياتها وأصولها السيكولوجية والاجتماعية.

- إن غياب مثل هذا الوعي المتكامل بطبيعة التربية وأصولها في مستوى الطفولة يؤدي إلى نتائج عكسية، أي أن التربية هنا تهدم ولا تبني، تفقر ولا تغني، تأخذ ولا تعطي، وباختصار التربية الجاهلة تتحول إلى عامل هدم وتخلف وانهيار وتراجع إنساني وأخلاقي.

والسؤال الذي يرمي بنفسه هنا هو: إلى أي حدّ ينتشر الوعي التربوي العلمي المتكامل والحديث بين المربين آباء وأمهات ومعلمين في عالمنا العربي؟ والجواب هو افتراض قوامه أن التربية العربية في مجال الطفولة المبكرة مازالت تربية تقليدية، وتقليدية مغرقة في القدم، وأنها لم تتحول إلى تربية تأخذ بمعاني التربية الحديثة التي تعتمد أفضل السبل العلمية في تنمية الأطفال وفي تحقيق ازدهارهم. ويترتب على ذلك أن التربية السائدة هي تربية تعتمد مبدأ الهدم لا البناء ومبدأ الإفقار لا الإغناء.

وتأسيسا على ما سبق يمكن القول بأنه يتوجب علينا، في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، مفكرين وسياسيين وعلماء وكتاب ودارسين أن نمارس دورا تنويريا يهدف إلى بناء وعي تربوي أصيل ومتقدم في عالم الطفولة والأطفال. وبناء هذا الوعي يجب أن ينطلق من اعتبارين أساسيين هما:

أولا - اعتبارات ذاتية في الطفولة عينها: حيث يتوجب علينا أن نؤكد من جديد بأن الطفولة يجب أن تكون غاية الغايات ونهاية كل طموح إنساني في مجال التربية والتعليم، وهذا التوجه ينبع من اعتبارات دينية وأخلاقية وإنسانية ووجدانية تتجاوز حدود كل وصف وتصنيف.

ثانيا – اعتبارات حضارية وإنسانية ونهضوية: فالطفولة تشكل نقطة انطلاق كل محاولة نهضوية أو حضارية، لأنها كما أسلفنا، تشكل العمق الاستراتيجي في المجتمع والحياة، والطبقة الأعمق في التكوين الإنساني، ولذلك فإن أي محاولة للنهضة بالمجتمع لا تأخذ هذا التوجه بعين الاعتبار ستمنى بالإخفاق والفشل، وبالتالي فإن أي محاولة أخرى تنطلق بعيدا عن هذه المرحلة لن تحظى بأي نجاح ممكن أو محتمل وبالتالي فإن درجة الإخفاق تكون أكبر كلما كانت المسافة الفاصلة بين مرحلة الطفولة ونقطة الانطلاق أبعد.

وهنا وفي هذا السياق يتوجب أن نذّكر بأن التربية العلمية الحديثة في مستوى الطفولة تشكل الشرط اللازب في كل إصلاح تربوي ممكن ومحتمل، وأن الإصلاح التربوي يشكل العمق الاستراتيجي للإصلاح الاجتماعي برمته، ومن هذا المنطلق يجب أن نقول بأن الرهان الحضاري لوجودنا وحياتنا المجتمعية يتمثل في مدى قدرتنا على إيجاد تحولات عميقة وبنيوية في أساليب تربية الأطفال والعناية بهم وتنشئتهم وفقا لأحدث معطيات المعرفة العلمية والنفسية. ويبقى أن نقول أيضا بأن بناء الوعي التربوي، بأهمية مرحلة الطفولة وبأهمية العلم الحديث والطرائق التربوية في تربية الأطفال، يجب أن يتجاوز حدود التخصص العلمي، وهذا يعني أن الوعي الذي نتحدث عنه يجب أن يكون وعيا شاملا يتغلغل في مختلف شرائح المربين في المجتمع من آباء وأمهات ومربيات وعاملين وسياسيين. وإذا ما بقي هذا الوعي سجين فئة متخصصة أي إذا لم يستطع أن ينفلت من عقال التخصص ودوائره الضيقة فإننا لن نستطيع أبدا أن نحقق ما تصبو إليه النفوس الطيبة من أمل في أصلاح الإنسان والمجتمع. إن إصلاح المجتمع لا يكون إلا بإصلاح الإنسان وإصلاح الإنسان إلا بإصلاح الطفولة وهذا يعني أن الطفولة تشكل المبتدأ والخبر في كل عملية تربوية تسعى إلى تحقيق الإصلاح في التربية والمجتمع والإنسان.

وبقي أن نقول بأن التربية التي تسود في مجتمعاتنا تعاني من هيمنة أسطورية لمفاهيم وتصورات تقليدية صَدَّأها الزمان وخددتها الأيام، وأصبحت تغلب عليها الأوهام التربوية، وأنه يجب علينا اليوم أن نحقق ثورة في المفاهيم التي تتصل بالطفولة وتربية الأطفال وعلينا أن نقتلع كل الأعشاب الضارة وخضراء الدمن التي نبتت في تربة التربية التي ننهجها حاليا في تربية الأطفال. ولأنها تربية ابتعدت عن المنهجية الصحيحة فإنها تدمر وتؤذي وتقتل وتضعف وذلك بدلا من أن تبني وتصلح وتحيي وتقوي، لأنه في التربية الحديثة حكمة تقول: كل ما لا يحيي يميت وكل ما لا يبني يهدم. ومعيار البناء الصحيح وفقا للتربية الحديثة هو الوعي والوعي العلمي بأصول التربية الحديثة ومفاهيمها واتجاهاتها ونظرياتها وأسسها السيكولوجية.

وأخيرا يطيب لنا أن نردد هذه الأبيات الخالدة للشاعر السوري بدوي الجبل في حب الطفولة وجمالها شعراً يقول :

ويارب من أجل الطفولـة وحدهـا

أفض بركات السلم شرقاً ومغربـا

*

وصن ضحكة الأطفال يا رب إنهـا

إذا غردت في موحش الرمل أعشبا

وأخيرا نقول إن الطفولة رمز البراءة في الطبيعة وعنوان الطهارة في الإنسان، فيها تتألق أجمل القيم وأصفاها، وتترامى معها أبهى المعاني وأنقاها، إنها سحر في الطبيعة وإبداع الله في الإنسان، وعندما تزدهر الطفولة يفيض العالم بالحب والجمال والعطاء، وذلك لأن الطفولة مبدأ العطاء ومنهل الرجاء ومبتدأ الانطلاق، وإذا ما استطاع مجتمع أن يتعهدها يفيض العالم بالحب ويزدهر والجمال ويضوع بالعطاء

***

ا. د. علي أسعد وطفة

 

عناصر تشكيل العقل الغربي في وعيه بالإسلام

يعود الاهتمام الغربي بدراسة الإسلام وتاريخه واتجاهاته الفكرية والاجتماعية إلى ما قبل مرحلة تشكيل الوعي الاستشراقي، وهي المرحلة اللاهوتية المسيحية؛ إذ بدأ الوعي دينياً لاهوتياً (مسيحياً)، وانتهى مركّباً من عدة اتجاهات ومدارس غربية، بالتزامن مع الصراعات العسكرية بين الدول المسلمة والدول الاوروبية، ثم موجات الغزو والاحتلال الأوروبي للبلدان الإسلامية منذ القرن السادس عشر الميلادي.

أما المرحلة الجديدة من الدراسات الغربية؛ فقد بدأت في نهاية السبعينات، مع اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية، ثم أخذت - تلك الدراسات - شكلها الحالي في مطلع الثمانينات مع إعلان الحركة الإسلامية العراقية عن نفسها، وصولاً إلى تأسيس حركة المقاومة الإسلامية في لبنان(1). ويشتمل الإهتمام على دراسة تيّارات النهوض الإسلامي وجذورها العقدية والفقهية والتاريخية، ورموزها وأهدافها، والقواعد الفكرية السياسية والفكرية التي تشكّل بعضها دوافع لتأسيس تيّارات الصحوة والنهوض الإسلامي. فخلال الثمانينات تأسست في الغرب مئات المراكز واللجان والمجموعات البحثية لدراسة الصحوة الإسلامية الجديدة، وصدرت آلاف الكتب والبحوث والمقالات في هذا المجال. وقد ذكرت بعض المصادر أن وكالة المخابرات الأمريكية (C.I.A) موّلت خلال عام 1983 أكثر من (120) مؤتمراً وندوة لدراسة (ظاهرة) الصحوة الإسلامية وجذورها(2).

ومنطلقنا هنا في تقويم الوعي الغربي بالإسلام والمسلمين وفهمه وتفكيك عناصره، ليس ردود الفعل تجاهه، أو وعي التناقض المسبق مع معاييره، بل المنطلق هو تكوين وعي موضوعي به، من خلال استقراء اتجاهات أكبر عدد ممكن من التيّارات والرموز التي تمثّل العقل الغربي. فالنظرة الواقعية للغرب ولبناه العقلية والفكرية والاجتماعية، ليست نظرة ستاتيكية ذات أحكام جاهزة وفي إطار إتجاه فكري وثقافي محدد، كما هو الحال مع النظرة الغربية للإسلام والمسلمين وعموم الشرق، وإن كانت هناك بعض الثوابت في هذا المجال، والتي يحاول بعض المفكّرين المسلمين تحويلها إلى بنية فكرية في مقابل الاستشراق، أطلقوا عليها عنوان: «الاستغراب»(3).

يقف فهمنا الواقعي لوعي الغرب بنا على دعامتين:

1- وعينا بذاتنا وعياً موضوعياً، والذي يتضمّن اكتشاف هذه الذات والعودة إليها وإعادة إنتاجها.

2- وعينا المستقل لبنية العقل الغربي ومعاييره في فهمنا وتقويمنا.

ويشتمل هذا الفهم على قواعد الوعي الغربي وخلفياته وأهدافه، إضافة إلى الوعي اللاهوتي السلطوي والاستشراقي والاستعماري، ومعاييره ومناهجه، وأساليبه وإفرازاته؛ إذ أن العقل الغربي الذي ينتج هذا الوعي المتجدد بالإسلام والمسلمين والصحوة الإسلامية ومظاهر الصعود الإسلامي، ليس أحادي العامل، بل يتشكل من أربعة عناصر أساسية، متمازجة ومتشابكة في نشأتها وتأثيراتها المتبادلة، هي: لاهوت السلطة والخطاب الاستشراقي والنزعة الإستكبارية وفكر النهضة الاوروبية:

1-لاهوت السلطة:

تأسس التحالف بين سلطة الدولة المطلقة والسلطة الدينية المسيحية في أوروبا، على يد الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (272 ـــ 337 م)، خلال انعقاد المجمع المسكوني المسيحي الأول في روما (305 م)، أي بعد ثلاثة قرون من ميلاد عيسى المسيح، وهو تحالف تخادمي بين سلطة الإمبراطور وسلطة الكهنة، وقد نقل المسيحية الروحية الناصرية التي جاء بها السيد المسيح، الى مسيحية سلطوية، عنوانها "لاهوت السلطة"، وهو اللاهوت الجديد الذي حوّل الإمبراطور الروماني قسطنطين الى قدّيس، له الحق في نشر المسيحية الجديدة (القسطنطينية) واحتلال أراضي الغير واستعباد الشعوب، وفرض الدين الجديد عليها بالذبح والسيف، باسم الرب والمسيح والصليب. وقد اختلف هذا اللاهوت اختلافاً بنيوياً عن المسيحية العيسوية التي كانت السائدة آنذاك؛ فالأولى هي المسيحية الروحية الأخلاقية الاجتماعية، الخالية من التشريع ومن النظم السياسية والاقتصادية، والثانية هي المنظومة المسيحية السلطوية الإستعمارية، التي نشرت المسيحية في اوروبا والعالم بالسيف والقهر، وهي التي أسست لنظام الاستبداد الديني الكنيسي.

لقد تبلور لاهوت السلطة الأوروبية من خلطة عجيبة، جمعت بين:

1- تعاليم روحية أخلاقية بشّر بها النبي عيسى المسيح.

2- عقيدة أسسها بولس (5- 67 م)، الذي يعد المؤسس الحقيقي للعقيدة المسيحية، التي تتمحور حول شخصية السيد المسيح حصراً. وتمكن بولس، عبر هذه العقيدة، من تحويل التعاليم المسيحية من انشقاق ديني يهودي الى ديانة مستقلة على أرض الواقع. مع الإشارة الى أن بولس هو يهودي روماني أصلاً، وكان يضطهد المسيحيين الأوائل بعد عروج السيد المسيح، ثم زعم أنه رأى نور السيد المسيح في الطريق، وطلب منه الإيمان به، وأن يصبح رسوله الى العالم، لذلك أسمى نفسه بولس الرسول.

3- شريعة يهودية توراتية، لأن السيد المسيح لم ينشىء شريعة مستقلة عن الشريعة اليهودية، لذلك فإن المسيحيين الأوائل اعتمدوا التوراة ككتاب عقيدة وتشريع وتاريخ، وعدّوه العهد القديم، مقابل الإنجيل الذي يمثل العهد الجديد.

4- أنساق فلسفية يونانية، أغلبها إفلاطونية.

5- عرفان غنوصي.

6- مثيولوجيا وثنية رومانية.

7- ايديولوجيا سلطوية استعمارية أسسها الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، الذي كان ذو طموحات سياسية إمبراطورية توسعية لاتنتهي، ولم يكن يعنيه الجانب الديني، بقدر ما يحقق له طموحاته.

ويعد تأسيس الديانة المسيحية الجديدة على يد قسطنطين، التأسيس الثالث للمسيحية، بعد التأسيس الأول على يد النبي عيسى المسيح ثم التأسيس الثاني على يد بولس الرسول. وقد فرضت هذه الديانة الجديدة على أوروبا، عصوراً مظلمة قاسية من التخلف والمرض والجوع والاستبداد والحروب والانكسارات، عرفت بــ "العصور الوسطى"، لأنها ديانة تركيبية متحولة وافدة لا تنتمي إلى أوروبا في الجذور الاجتماعية، ولأنها باتت سلطة قمع للعقل والعلم والمعرفة والكلمة وإرادة الإنسان، وأداة سلطوية استكبارية، نجحت في تأسيس امبراطورية استعمارية رومانية مترامية الأطراف، بعد أن استولت على أراضي الشعوب وخيراتها، واستعبدتها، وفرضت عليها المسيحية القسطنطينية. ولذلك؛ لاتوجد ايديدلوجية دينية على مر التاريخ، انتشرت بالسيف والقهر، كما انتشرت المسيحية القسطنطينية، بل أن هذه الايديولوجيا قمعت مسيحيي الشرق الأصلاء، وذبحتهم، ودمّرت كنائسهم، وفرضت عليهم اتّباع المسيحية الأوربية. وبمراجعة سريعة لما فعلته الجيوش المسيحية القسطنطينية الرومانية بمسيحيي مصر وفلسطين والشام؛ يتبين مدى تعارضها البنيوي مع المسيحية الأصيلة ومع تعاليم السيد المسيح.

وما لبثت المسيحية الرومانية المتحولة أن انتشرت في جميع البلدان الأوروبية، ثم سار على نهج قسطنطين جميع أباطرة الغرب من بعده، وباتت المسيحية ديانة أوروبية، ليس في نكهتها العامة، بل حتى في جوهرها؛ فحين اعتنق الملوك والأمراء الأوروبيين الديانة المسيحية البولسية القسطنطينية، فإنهم حوّلوها أيضاً الى ديانة أوروبية داعمة لامبراطورياتهم وملكياتهم وإقطاعياتهم، ومشرعِنة لها دينياً، أي أنهم أخضعوا المسيحية للنظام الإجتماعي السياسي السائد في أوربا؛ إذ لم تؤثر المسيحية الأصلية في واقعهم الروحي والأخلاقي والاجتماعي، بل استحال السيد المسيح نفسه أميراً أو فيلسوفاً إغريقياً ورومانياً وجرمانياً وانجلوسكسونياً في شكله وهيئته التي تصورها التماثيل واللوحات الأوروبية القديمة، والأفلام السينمائية الحديثة، فالمسيح الأوروبي رشيق طويل، أبيض البشرة، أزرق العينين، أشقر الشعر، صغير الفم، إغريقي الأنف، وهي مواصفات لاتنطبق بتاتاُ على سكان فلسطين من الكنعانيين والعبرانيين والسريان وغيرهم.

ثم حمل القساوسة الأوروبيون المستعمرون، ديانتهم هذه، الى أفريقيا والأمريكتين واستراليا وشرق آسيا، برفقة القوات المسلحة الإستعمارية البرتغالية والإسبانية والفرنسية والبريطانية والبلجيكية والأمريكية والهولندية، وحينها لم تقتصر الديانة المسيحية الأوروبية على كونها ديانة أوروبية سلطوية، بل باتت ركيزة أساسية من ركائز الإستعمار الأوروبي للبلدان الأخرى، وكثير منها بلدان إسلامية أو تسكنها كثرة سكانية مسلمة. وكان المستعمرون الأوربيون ينظرون الى هذه الشعوب باعتبارهم كفاراً وعبيداً لهم، بوصفهم شعب الله المختار، كما تؤكد التعاليم التوراتية والتلمودية التي ضمّتها المسيحية القسطنطينية الى لاهوتها السلطوي. وهنا يكمن تحديداً العنصر الاول في الوعي الغربي بالإسلام والمسلمين.

وقد بدأ التمرد الأوروبي على المسيحية القسطنطينية الرومانية يبرز تدريجياً خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، متخذاً أشكالاً فكرية أحياناً وقانونية أخرى وسياسية ثالثة وعلمية رابعة، مناهضةً لسلطة التابوهات اللاهوتية السلطوية، الكنيسية والثيوقراطيات الملكية المتحالفة معها، حتى استحال هذا التمرد صراعاً مستداماً بين سلطتي الكنيسة والحكم المطلق من جهة، والنخب الأوروبية العلمانية المتطلعة الى النهوض والبناء والتغيير من جهة أخرى، حتى أنتج هذا الصراع نهضةً شاملة خلال القرن الثامن عشر، عرفت بعصر التنوير وعصر النهضة الأوربية. وكانت العلمانية (Secularism / Laicite)، هي عنوان هذا العصر، والتي تعني باختصار "الدنيوية" وفصل الشريعة الدينية والمؤسسة الدينية عن الشأن الدنيوي، وخاصة مايرتبط بالدولة والحكم والتشريع، أو بكلمة أدق فصل سلطات الدولة ونظامها السياسي وتشريعاتها عن التشريعات الكنيسية، ومنع الكنيسة من أي تدخل في شؤون الدولة، بما في ذلك الشؤون القانونية والسياسية والافتصادية والعسكرية، واعتبار التشريع وإدارة الدولة وسلطاتها شأناً بشرياً محضاً لاعلاقة للاهوت به.

وقد أدخلت النخب الأوروبية العلمانية على معادلات الصراع هذه؛ عناصر قوة جديدة تتمثل في مخرجات التطور الفكري الميداني التراكمي، وأهمها: العقلانية المنهجية، والتجريبية العلمية، والديمقراطية السياسية والتشريعية، والليبرالية الاجتماعية والاقتصادية. وهي المذاهب التي تحولت الى نظم قائمة، قنّنت كل مجالات الفصل بين الدين والدنيا، وبين الكنيسة والدولة، وكانت بمجموعها أدوات تدمير للتخلف والاستبداد الثيوقراطي، بشقيه المتحالفين: السياسي (الدولة) والديني ( الكنيسة).

وهنا؛ يمكن القول بأن النهضة العلمانية الأوربية، قضت على ثلاثة عشر قرناً من الهيمنة المطلقة للمسيحية الأوروبية القسطنطينية، وأعادت المسيحية الروحية الاجتماعية نسبياً الى جذورها الفلسطينية، كما أعادت أوروبا نسبياً الى جذورها الالحادية العلمانية. وبكلمة أخرى؛ فإن عصر التنوير والنهضة الأوروبية، لم يكن ثورة على دين عيسى الأخلاقي، ولا على الدين بشكل عام، بل على السلطة الثيوقراطية الاستبدادية المتمثلة بسلطة المؤسسة المسيحية الأوروبية القسطنطينية.

إلّا أن المفارقة الكبرى تكمن في احتفاظ العقل الأوروبي العلماني النهضوي بعنصر لاهوت السلطة في نظرته للآخر ولأراضيه ومقداراته، سواء كان مسلماً أو وثنياً، رغم التحول البنبوي في العقل الأوروبي بعد تحوله الى العلمانية، وإسقاط تحالف لاهوت السلطة بين سلطة الكنيسة وسلطة الملك؛ إذ بقيت الحملات العسكرية الأوروبية تصطحب معها ممثلي الكنيسة والإرساليات والمبشرين القساوسة، وتدعمهم بقوة السلاح لفرض المسيحية على الشعوب المحتلة، أو للحصول على الشرعية الدينية في احتلال أراضي الغير ونهب ثروات الشعوب واستعبادها. وكان المحتل الأوروبي يعد العامل الديني هو عامل بقاء مستدام لاحتلاله؛ فإذا اعتنقت الشعوب المحتلة الديانة المسيحية؛ فإن الاوربيون سيضمنون ولاء هذه الشعوب لها، بفعل المشترك الديني، ولأن السيد المسيح هو الذي شرعن لهذا الاحتلال والاستعباد!(4).

2-الخطاب الاستشراقي:

شكّلت الخلفية الاستشراقية الفكرية عنصراً مهماً في تشكيل وعي العقل الغربي بالإسلام والمسلمين. ورغم أن ظاهر الخطاب الاستشراقي ودوافعه، ظل يتمحور حول محاولة فهم الإسلام واتجاهاته الفكرية والمذهبية، وانعكاسات ذلك في حركة الواقع، إلّا أنه كان ولايزال يعطي للدول الغربية والمجتمعات الغربية فهماً شبه دقيق لواقع المسلمين وطرائق تفكيرهم وأساليب اختراقهم والسيطرة عليهم، كما يحدد - بأسلوب مباشر أو غير مباشر - النظم السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي ينبغي على البلدان الإسلامية أن تطبقها، أي أن الخطاب الاستشراقي تقدم فهماً لما يحتاجه الغرب في كل مرحلة. وكان ملفتاً أن الخطاب الاستشراقي عمل بكل ثقله بعد العام 1979 على الدخول إلى عمق البنية الإسلامية لفهم ما تستبطنه من تعاليم وأصول تشكّل الدوافع والدعائم لحراك الاستقلال الشامل والصحوة والنهوض، واستشراف مستقبل هذا الحراك واكتشاف احتمالاته، ومحاولة التحكّم ببدائله.

والاستشراق هو خطاب وبنية فكرية، وليس مجرّد أعمال وبحوث وتقارير أكاديمية، وإن كانت هذه الأعمال هي التعبير الخارجي عن ذلك الخطاب؛ إذ يعرفه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بقوله: ((الاستشراق أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه (إعادة تشكيله)، وامتلاك السيادة عليه. أي إعادة إنتاج الشرق سياسياً، واجتماعياً، وعسكرياً، وعقائدياً وتخيلياً في مرحلة ما بعد النهضة))(5)، ما يعني أن الإستشراق ـــ غالباً ـــ يمثّل سلطة فكرية علوية أو أداة فكرية استعمارية، هدفها السيطرة وإعادة البناء، ولذلك؛ كانت قوى الاستعمار القديم والحديث، ولا سيما فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وراء تشكيل حقل الدراسات الاستشراقية الغربية، كامتداد للوعي الكنيسي بالإسلام والمسلمين.

وتتميز أغلب الدراسات الاستشراقية الأولى بالهجوم المباشر على الإسلام وعقيدته ورموزه من منطلق ديني ينسجم مع قواعد لاهوت السلطة. أما الدراسات التي تلتها، ولا سيما في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين والعقود الأولى من القرن الماضي؛ فكانت تمارس الدور نفسه، ولكن تحت غطاء أكاديمي وعلمي. وهذه الدراسات - بالخصوص - هي التي شكًلت الوعي الغربي بالشرق والإسلام والمسلمين(6). وتذكر بعض الاحصاءات أن الفترة بين عاميْ 1800 - 1950م، أي خلال قرن ونصف القرن، أفرزت (60) ألف كتاب ودراسة في الغرب، عن الشرق، بما فيه المنطقة الإسلامية. وهذا ما يشير بوضوح إلى هيمنة العقل الاستشراقي في الغرب وقوته وسعته، وفي الوقت نفسه، تؤكد أهمية الشرق للغرب كـ«مَعْجَبة»، كما يصطلح عليه الروائي الفرنسي «فلوبير»(7).

وكما هو واضح من النتاجات الحديثة؛ فإن الكاتب الغربي أو المستشرق الجديد، يفكر - عادة - بعقلية استشراقية ذات بنية جاهزة، أسسها المستشرقون السلف الأكثر تأثيراً في خطاب الاستشراق أمثال: الإنجليزي «وليم لين». والفرنسيين «دي ساسي»، و«راينهارت دوزي» و«ارنست رينان» خلال القرن التاسع عشر الميلادي، إضافة إلى مساهمة الروائيين الفرنسيين «فلوبير» و«دو لامارتين»، وكذلك من جاء بعدهم من المستشرقين الإنجليز والفرنسيين والألمان والأمريكيين وغيرهم، والذين شكّلوا بنية خطاب الإستشراق الغربي الحديث، خلال النصف الأول من القرن الماضي، وأبرزهم: «هاملتون جيب»، «لويس ماسينيون»، «فلهاوزن»، «غولد سهير» و«دنكن مكدونالد»، و«مرجليوث». كما كان لجهود بعض السياسيين الغربيين كـ«بنيامين دزرائيلي» و«كرومر» و«جيمس بلفور» و«لورانس» أثر بارز في هذا المجال.

وفي النتيجة؛ فإن الخطاب الاستشراقي ساهم مساهمة أساسية في تشكيل الوعي الغربي الثابت بالشرق وبالإسلام، وقلّما تمكّن كاتب غربي معاصر من الإفلات منه؛ لأنه يمثّل جزءاً من وعي الذات الغربية، رغم أن بعضهم يدّعي منهجاً جديداً في الدراسات الإنسانية ينسجم مع الفكر الليبرالي الحديث، في مقابل الفكر الأصولي الغربي الحديث، إلا أن الدراسات الأكاديمية الاستشراقية غالباً ما تكون أصولية، أي إنها تعيد إنتاج البنى والأفكار نفسها، وفقاً لمتغيرات وأحداث المرحلة الجديدة(8).

3- النزعة الاستكبارية الاستعمارية:

بدأت النزعة الاستكبارية الأوروبية الحديثة بالظهور خلال القرن الخامس عشر الميلادي، بالتزامن مع الحملات الاستكشافية العسكرية لقارتي أمريكا (قبل أن يتسميا بهذا الاسم) وأفريقيا والبلدان الإسلامية وشرق آسيا، وهي نزعة قديمة، تمثل امتداداً للنزعة الرومانية والاغريقية، وخاصة النزعة الاستكبارية المشرعنة بلاهوت السلطة المسيحية.

وكما ذكرنا؛ فإن دول أوروبا العلمانية الديمقراطية الليبرالية الناهضة، التي أسقطت تحالف لاهوت السلطة؛ لم تتخل عن النزعة الاستكبارية القسطنطينية اللاهوتية، التي تتضمن استخدام الديانة المسيحية كداعم استعماري، بل احتفظت بهما معاً، واكتفت بالفصل بينهما فقط؛ إذ سلبت من الكنيسة حق تدخلها بشؤون الدولة، وصادرت سلطتها التشريعية والسياسية، لکنها احتفظت لنفسها بمنافع المسيحية والتبشير المسيحي كسلطة روحية، لتستمر في استخدامها كركيزة استعمارية ضد الشعوب التي تحتلها، وهي مفارقة أوروبية أخرى؛ إذ لم يرض الأوروبيون العلمانيون التنويريون لأنفسهم أن تكون الديانة المسيحية سلطة معرفية وسياسية عليهم، لكنهم فرضوها بالقوة على الشعوب المحتلة، كجزء من سلطة المستعمر.

لذلك؛ كانت الدولة الفرنسية التي تأسست بعد الثورة الفرنسية وأسست للنظام الديمقراطي الغربي ولمنظومة الحقوق والحريات الليبرالية، كانت الى جانب الدولة الليبرالية الديمقراطية البريطانية؛ أكثر الدول توسعاً استعمارياً، واحتلالاً لأراضي الغير، واستعباداً للشعوب، ونهباً لثرواتها. وكانت الإمبراطوريتان العلمانيتان الفرنسية والبريطانية تصطحبان المبشرين المسيحيين في كل حملاتهما الاستعمارية، وتدعمان تأسيس الإرساليات التبشيرية، وتؤسسان الكنائس والمؤسسات الكهنوتية في البلدان المحتلة، لأنهما كانتا مقتنعتين بأن اخضاع الشعوب المحتلة المستعبدة لسلطاتهما، لايستتب إلّا باتباع هذه الشعوب لدين المحتل وايديولوجيته(9).

4- فكر النهضة الاوروبية:

لم تكتف جيوش الاحتلال العلماني الأوروبي، وخاصة البريطاني والفرنسي، ثم الأمريكي، بفرض دينها المسيحي على الشعوب المحتلة، كما مر، بل أرغمتها أيضاً على اعتناق العقيدة العلمانية الغربية بجذورها الوثنية الأوربية؛ فكانت المسيحية الأوروبية، بنسختها الروحية الجديدة، والعلمانية الأوروبية بثوبها الليبرالي الديمقراطي، هما القاعدتان الايديولوجيتان اللتان تمكّن الاستعمار الغربي من خلالهما فرض وجوده ومصالحه على الشعوب الأخرى، حتى بعد خروج جيوشه وسلطاته المباشرة من البلدان المحتلة، ومنحه استقلالها الشكلي، أي أن العلمانية كانت ولاتزال أهم قاعدة للاحتلال الفكري والسياسي والاقتصادي الغربي المستدام لبلاد المسلمين.

وكانت نتيجة هذا المنهج الاستعماري، القوي في بنائه؛ ظهور نخب سياسية وثقافية عميلة فكرياً، ومشبعة بأدبيات المحتل ومفاهيمه ومصطلحاته ولغته، لكنه تشبعٌ قشري سطحي، لا يرقى الى فكر الاستقلال السياسي والاقتصادي الغربي، ولا الى النهضة العلمية والتكنولوجية الغربية، لأن الغرب فرض أدبياته ومفاهيمه الفكرية والسياسية على هذه النخب، وسلبها إرادة الاستقلال والنمو والتطوير الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي. وهكذا ظل بناء السلطة، والتمسك بها، هو الهمّ الأساس للنخب العلمانية المحلية في البلدان العربية والمسلمة، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، العسكرية منها والمدنية، وليس همها بناء الدولة ونظامها السياسي وسلطاتها، واقتصادها وتعليمها ووسائل استثمار ثرواتها. كما قامت سياسات هذه النخب في بناء السلطة، على محاربة الإسلام وشريعته، وليس على ما يفرزه الواقع الاجتماعي للشعب وقاعدته الدينية، لأن الاستعمار الغربي زرع في عقول هذه النخب بأن مشكلة بناء الدولة والتطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي هو الدين وتشريعاته، ويجب التخلص من هذه التشريعات المتخلفة الرجعية التي تعيق كل أنواع التطور والتقدم، أسوة بما فعلته النخب الغربية حين تخلصت من هيمنة الدين خلال عصر النهضة والتنوير.

ولعل من أهم أسباب نفوذ العلمانية والليبرالية الى مجتمعات المسلمين: احتكاك النخب المحلية بالغرب والانبهار بانجازاته المادية، واليأس من الحلول المحلية للاستبداد السياسي، والتخلف بكل تمظهراته العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية. هذه الأسباب دفعت بعض المثقفين والسياسين العرب والمسلمين الى البحث عن علاجات وأفكار نقدية للواقع، فوجد قسم منهم في الماركسية أو القومية العنصرية أو العلمانية والليبرالية، دواءً لأمراض المجتمعات العربية والمسلمة، هذا فيما لو أحسنا الظن بهذه النخب، وأنهم لم يكونوا عملاء فكريين وسياسيين للغرب والشرق. بيد أن هذه المستحضرات الدوائية الفكرية الاجتماعية، لم تكن لتصلح لكل بيئة، بل ثبت أن استخدامها خارج بيئتها الغربية، وخاصة بهدف مواجهة الإسلام وشريعته، تؤدي الى مضاعفات خطيرة، لأنها مادة فكرية وايديولوجية اجتماعية، وليس كأدوية الطب وعلوم الهندسة والزراعة والصناعة، والتي يمكن استخدامها في كل مكان وعلى كل البشر، بصرف النظر عن نوعية الدين والعرف، وهو ما لا يمكن تعيمه على الأفكار والمذاهب الاجتماعية والسياسية والنظم القانونية، لأن هذه الفلسفات والأفكار تتعرض تعارضاً عميقاً مع الإسلام وشريعته، ومع الأعراف والبنى الاجتماعية للمسلمين.

هذا فضلاً عن أن العلمانية والرأسمالية والليبرالية هي القواعد التي قام عليها الإستعمار بكل ألوانه، فالعلمانية بعد أن طردت الدين من الحياة والدولة والقانون، فإنها توجهت لاحتلال أراضي الغير واستعباد الشعوب، بحثاً عن الموارد الخام والمواد الطبيعية وأسواق جديدة. أما الليبرالية فهي الايديولوجيا الاجتماعية التي بررت للغرب المستعمر الغازي كل أنواع الغزو الثقافي والفكري للمجتمعات الغربية والمسلمة، وفرض الحكام العملاء والدعاية للمثقفين التغريبيين.

وربما كان من حسن حظ الاستعمار الغربي وسوء حظ الشعوب المسلمة؛ إن عطش النخب العلمانية المحلية الى السلطة وصراعاتها عليها، واندفاعها للتعبير عن عمالتها السياسية للغرب، وكذا اندفاع النخب الثقافية باتجاه التعبير عن عمالتها الفكرية للغرب، وانبهارها بتطوره العسكري والعلمي والتكنولوجي؛ قد راكم من أميّتها الفكرية، بحيث لم تلتفت الى الفرق الهائل بين الدين الإسلامي وبين الدين المسيحي، بنسختيه الروحية والسلطوية، بل وعدم الالتفات الى خديعة التعميم العلماني الغربي لمفهوم الدين. وفي المقابل؛ لعب التفوق الغربي في جانب المكر والخديعة، وفي الجانب العسكري والاستخباري؛ دوراً أساساً في تمرير هذا الفهم الغربي للدين.

أما "العلمانية المستوطنة"(10)؛ فنقصد بها العقيدة العلمانية المترجمة أو الممنتجة في البلدان الأخرى غير الغربية، أي أنها العلمانية الأوروبية نفسها، ولكنها الصيغة التي استخدمها الأوروبيون كجزء من عناصر الاستعمار القديم والحديث، لترافق جيوش الاحتلال الأوروبي العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي، في حملاتها وغزواتها، ويتم توطينها في البيئات المحتلة الجديدة، وخاصة البيئات المستعمَرة العربية والمسلمة، وفرضها أمراً واقعاً فكرياً وقانونياً واجتماعياُ وسياسياً واقتصادياً، بمساعدة عملاء المحتل المخابراتيين والسياسيين والثقافيين، وكذا النخب الثقافية المنبهرة بالتطور العلمي والاقتصادي والسياسي الغربي، وأغلبهم ممن سافر الى أوروبا أو درس فيها، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين. أي إن العلمانية المستوطنة هي علمانية غير موضوعية وغير واقعية، لأنها سلعة مصدرة قسراً من أوروبا، ومفروضة بالقوة على البلدان العربية والإسلامية، بصورة مونتاج معرفي، أو نتاج مترجم أو معرّب.

وقد ساهمت أنظمة الاستبداد والتخلف والفساد في البلدان العربية والمسلمة، ولا سيما في الدولتين المستقلتين الأكبر حينها، العثمانية والقاجارية، في خلق الذرائع والمسوغات لعلمانيي البيئة العربية والإسلامية، لطرح العقيدة العلمانية كدين جديد منقذ من كل أنواع الاستبداد السياسي والديني، والتخلف العلمي والمعرفي والاجتماعي، والجوع والفقر والفساد الاقتصادي. وبالتالي؛ تعاضدت أضلاع مثلث: الإستعمار، والنخب العلمانية المحلية، وأنظمة الحكم المحلية، على توطين العلمانية الأوروبية في البلدان العربية والمسلمة، ومحاولة إعادة انتاجها بصيغ هجينة، لتتلاءم مع البيئات المحلية.

وللعلمانية الأوروبية تجليات متعارضة أحياناً، فهناك العلمانية المقترنة بفلسفة الإلحاد، كالوجودية، والعلمانية المقترنة بالإلحاد والمتعارضة مع الليبرالية، كالماركسية (الشيوعية) والاشتراكية، والعلمانية المقترنة بالليبرالية وأصالة الفرد، وهي العلمانية الغربية القائمة حالياً، والعلمانية بثوبها القومي الشوفيني، وهي ايديولوجيا تقوم على التمييز العرقي. ولا يعنينا هنا القواعد التفصيلية لهذه المذاهب الفكرية، بل ما يجمعها من قاسم مشترك، يتلخص في رفض أية علاقة للدين ومؤسسته بالدولة وسلطاتها وتشريعاتها. كما لا تعنينا المناخات الأوربية التي انتجت العقيدة العلمانية، بل محور بحثنا يدور حول موضوع العلمانية في البلدان العربية والإسلامية، والتي أسميناها "العلمانية المستوطنة"(11).

معايير وعي الغرب بالإسلام

يمكن القول إن الخلل الجوهري في فكر الغرب وثقافته، يكمن في التباين والتناقض بين معاييره النقدية التقويمية في وعي ذاته، ومعاييره المتعصبة الأصولية في وعي الآخر، أي أن الغرب لا يريد أن يفهم الإسلام كما هو، بل كما يريد أن يكون المسلمون عليه. وربما هناك عدد قليل جداً من الدراسات الغربية(12) احتوت على فهم قريب من الواقع للإسلام كنظام شامل للحياة، حيث مكّنها ذلك من وعي دوافع تيّارات الصحوة والنهوض وأسسها الفكرية، وذلك من خلال منهج آخر، انتقدت فيه المنهج الغربي السائد في الدراسات السسيولوجية للظواهر الاجتماعية، ومنها ظواهر النهوض الإسلامي. ورغم ذلك؛ فإن هذه الدراسات المستقلة في دوافعها، سارت بالاتجاه نفسه، لأنها اضطرت لاستخدام المعادلات والمصطلحات ذاتها في التحليل والاستنتاج.

وبشكل عام؛ يمكن استخلاص أهم خصائص ومعايير الوعي الغربي بالإسلام، كما يلي:

1- إنها تحاول فهم الإسلام من خلال المسلمين، أو من خلال الظواهر الخارجية للمجتمع وليس العكس.

2- تقويم حراك النهوض الإسلامي من خلال الرؤية الغربية نفسها، وليس من وجهة النظر الإسلامية، أو من وجهة نظر تيّارات النهضة.

3- إن وعي الغرب بحراك النهوض الإسلامي ليس وعياً مستقّلاً بوجود مستقل، بل هو جزء من وعي الغرب بذاته، لأن الشرق، وخاصة المسلمين، يمثّل «الآخر» بالنسبة لـ«الذات»، أي الغرب، و«التمثيل» بالنسبة «للحقيقة»، و«الأطراف» لـ«المركز»، وإن هذا «الآخر» الخارجي هو امتداد لعناصر الخارج في نظام «ميشيل فوكو»، وهي: الانحراف والشذوذ والجنون(13).

4- إن الشرق (الناقص الضعيف!) لا يمكنه وعي ذاته وعياً حقيقياً إلا من خلال وعي الغرب لها.

5- الرؤية الغربية تقتطع حراك النهضة الإسلامية الحديثة من سياقها التاريخي، وتدرسها كظاهرة ضمن مرحلتها الزمنية فقط، أما الخلفيات والأبعاد التاريخية والعقائدية؛ فإنها تستعيرها جاهزة من لاهوت السلطة والخطاب الاستشراقي.

6- أنها تعتمد النظريات الغربية الجاهزة في علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي، كنظرية «أريكسون» في الشخصية والقيادة الدينية، أو نظرية «ماكس فيبر» في قدرة القيادة الكاريزمية (الملهمة)، فضلاً عن آراء فلاسفة اجتماعيين آخرين أمثال «ماركس» و«دوركهيم» و«برغر»، الذين يؤكدون على أن منطلق الالتزام الديني وزيادته، هو الحرمان الاجتماعي والاقتصادي. ثم تُخضع الحراكات الإسلامية للتقنيات المنهجية لهذه النظريات (حسابات وإحصاءات ورسوم بيانية).

هذه الخصائص والمعايير تجعل العقل الغربي متخبّطاً في معلوماته وتحليلاته ونتائجه، بالنظر لوعيه الذاتي بالإسلام ومرتكزات النهضة فيه، وبدوافع تيارات النهوض الإسلامي الجديد وأسسها العقدية والفكرية، وعلى حد تعبير أحد الكتّاب الغربيين: إن ما نعرفه عن هذه الجماعات أقل مما لا نعرفه، والذي نعرفه وصلنا مشوّهاً ومرتبكاً(14)، هذا إضافة إلى المنهج المنحاز في التفكير، وعدم الموضوعية في استنباط النتائج. ويطلق «روجيه غارودي» على هذا الوعي أو الرؤية تسمية «الأصولية الغربية اللاواعية والمميتة»، التي تُستخدم كمسوّغ ايديولوجي لكل تجاوزات الاستعمار(15). في حين يصف باحث آخر العقل الغربي الاستشراقي، بأنه العقل الذي يعتبر الغرب الحقيقة والمركز والقوة، ويصور الشرق تصوراً استعمارياً عرقياً وفوقياً(16).

وبالتالي؛ فالوعي الغربي بالاسلام والمسلمين والحركات الإسلامية هو وعي استعماري سلبي مرعب، شكله القساوسة والمستشرقون، ويغذّيه الباحثون الأكاديميون، وتنشره وسائل الإعلام ضمن إيحاءات نفسية سلبية، وتستثمره السلطات العسكرية والسياسية والاقتصادية. أي أن مظاهر الوعي الغربي هذا تمثّل الإفرازات الخارجية لوعي الغرب الايديولوجي بذاته وبالآخر ، وطبيعة تعامله السلطوي مع مفرداته، وفي مقدمتها الإنسان المسلم ونهوضه الجديد. وفضلاً عن الأهداف الستراتيجية والتاريخية للغرب، والتي تمثل إرادة عقله ووعيه بإزالة أي عنصر للنهوض الإسلامي، وتدمير أي مستقبل مستقل ونام وناهض للمسلمين؛ فإن أهم الأهداف المرحلية لهذه الإرادة، والتي تنفذها الأنظمة الغربية عبر حملات الغزو الإعلامي والثقافي والتآمر السياسي والمخابراتي والحصار الاقتصادي والتهديدات العسكرية:

1- المحافظة على صورة مشوّهة عن الإسلام في العقل الغربي الشعبي، والحيلولة دون تأثّر سكان الغرب بالمد الإسلامي أو التدين (الأصولي) كما يسميه الخطاب الغربي.

2- تحميل الإسلام وزر ممارسات المسلمين وتخلفهم، بما في ذلك الممارسات الإرهابية لبعض التيارات المحسوبة على الإسلام، والتي ساهم الغرب نفسه في صناعتها، بهدف اتهام الإسلام بأنه يحمل في ذاته مكامن العنف والإرهاب، وأن الحركات الإسلامية المقاومة والنهضوية هي الوجه الآخر للجماعات الإرهابية تلك.

3- ملء ما يسمّى بمناطق الفراغ الفكري في المجتمعات الإسلامية، من خلال الترويج لمبادئ العلمانية والليبرالية والعقلانية بشكلها ومضمونها التقليديين في الغرب، كبديل فكري ومنهجي وتنظيمي للمسلمين.

4- دفع أنظمة البلدان الإسلامية، لتطبيق العلمانية الليبرالية وإلزاماتها الحقوقية والثقافية، مع إعطاء بعض الحريات وتجنب مظاهر القمع الاجتماعي، ورفع شعارات إسلامية (معتدلة)، كمحاولة لتقويض ما يسمونه بالنزوع الشعبي نحو الحركات الإسلامية كخيار سياسي وفكري.

5- إظهار (فشل) النماذج الإسلامية المعاصرة، كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، والحركة الإسلامية العراقية، والمقاومة الإسلامية اللبنانية، والمقاومة الإسلامية الفلسطينية، وعدم صلاحيتها سياسياً وثقافياً واجتماعياً لحل مشكلات الإنسان المعاصر، بوصفها تمثل «الإسلام الأصولي»، وتقديم ما يسمى بــ «الإسلام المعتدل»، والذي عُرف بـ «الإسلام الامريكي»(17)، كبديل عنها.

المصطلح: أحد مظاهر وعي الغرب بالإسلام

من أهم مظاهر الوعي الغربي وإفرازاته، التسميات والمصطلحات التي يعرّف بها الواقع الإسلامي والحركات الإسلامية وتيارات النهوض، وهي مفاهيم تحمل فهماً مسبقاً وأحكاماً جاهزة لا تمت إلى الموضوعية والبحث العلمي بصلة، ويراد بها التعتيم على حقيقة الواقع الإسلامي وتشويهه. ووفق هذه القاعدة؛ فإن الدراسات الغربية تقسم المسلمين إلى ثنائيات متعارضة، تنسجم مع وعي الغرب بالظواهر والأحداث التي تمثل الآخر المختلف، وليس لهذه الثنائيات وجود عقدي إسلامي؛ فمثلاً تضع مصطلح «المسلم» في مقابل «الأصولي»، و«المتديّن» مقابل «المتعصّب» أو «المتطرّف»، و«الإسلام المعتدل» مقابل «الإسلام المتشدد».

كما تضع لكل مفردة أو مصطلح تعريفاً خاصاً، فالإسلام السياسي (political Islamic) هو الإسلام الذي لا يؤمن بالفصل بين العقيدة والسياسة، ويقف في صف المعارضة لاستلام السلطة. أما الإسلام الثوري (Revolutionary Islam) أو الراديكالي (Radical Islam) فهو الإسلام الذي يهيئ المجتمع لصنع ثورة في داخله تطيح بالبنى الوضعية التي يقف عليها، والإسلام الرسمي (Official Islam) هو الذي تتبناه الحكومات المحافظة أو العلمانية، ويرادف - غالباً - الإسلام التقليدي (Traditional Islam)، ويقابل الإسلام الشعبي (Popular Islam) الذي يتبناه الجمهور المؤمن بحركة النهوض الإسلامي.

وهناك مصطلحات أطلقت لتوصيف النهضة الإسلامية، كالغضب المقدس، الهياج الإسلامي، تيّار التشدد، ولكن مصطلح «الأصولية الإسلامية» (Islamic Fundamentalism) يبقى هو الأبرز على الإطلاق؛ إذ يؤكد الغربيون على أنه التعبير الأفضل، والأكثر انطباقاً على (الظاهرة!). ينسب هذا المصطلح إلى المفكر المسيحي الماركسي المصري أنور عبد الملك(18)، كان قد وضعه بالانجليزية كمرادف لمصطلح «السلفية»، ثم تبنّاه الغربيون فيما بعد. والملفت أن بعض الكتّاب والمثقّفين المسلمين، قد استعمل ذات المصطلحات التحريفية التي يصوغها الغرب، وتبنّاها كمسلمّات، ولعلّ أحد أسباب ذلك هو ضعف أدبيات الصحوة، فروجيه غارودي المسلم - كنموذج - يقول: «إن الأصوليات، كل الأصوليات، سواء أكانت تكنوقراطية، أم ستالينية، أم مسيحية، أم يهودية، أم إسلامية، تشكل اليوم الخطر الأكبر على المستقبل»(19) أي أنه يصنف الصحوة الإسلامية كأصولية، بل ويقرنها بالأصوليات الأخرى!

وبمراجعة سريعة لجذور المصطلح - بغض النظر عن مصاديقه - نجد أنه ينطوي على انحراف كبير في الفهم والتشخيص. فمعجم لاروس (الفرنسي) الصادر عام 1984 يعرّف الأصولية بأنها «موقف جمود وتصلّب». في حين تحدد الطبعة الصادرة عام 1979 الأصولية بـ«الأصولية الكاثوليكية» فقط. ومن هنا فالأصولية تعني لدى الغرب: الجمود، العودة إلى التراث والماضي، الانغلاق التحجر المذهبي، التعصّب، وكل ما هو مضاد للحداثة والمعاصرة والعلمية والانفتاح والاعتدال والتسامح والتطور والانماء والعقلانية.

والمدلول الآخر للأصولية هو الأقلية المنعزلة في المجتمع. يذكر أن المصطلح أطلق - بادئ الأمر - على حركة مسيحية بروتستانتية متعصبة ظهرت في أمريكا في بدايات القرن الماضي ويتميز أعضاء هذه الحركة - كما تشير قواميس اللغة والمعاجم الغربية - بالتعصب إلى حد الجهل، والتمسك الحرفي بالكتاب المقدّس، وأنهم أقلية منعزلة عن المجتمع. كما وضعت كلمة الكنيسة الأصولية في مقابل الكنيسة المعتدلة المتأثرة بالتجديد والعصرنة.

ويفهم من ذلك أن خلفية إطلاق الغرب مصطلح الأصولية على الصحوة الإسلامية تتمثّل في محاولة تقريب الصورة إلى ذهن المواطن الغربي، الذي يدرك جيداً ما تعنيه الأصولية المسيحية أولاً، وثانياً الإيحاء للذهنية الغربية التي تكره الأصولية المسيحية - غالباً - بخطورة الصحوة الإسلامية؛ لأنها وجه آخر للأصولية الكاثوليكية في أوروبا والأصولية البروتستانتية في أمريكا.

وفي الوقت نفسه، انتقد بعض الباحثين الغربيين - أمثال «لورانس بروك» - استعمال تعبير الأصولية، لعدم وجود دلالة لها في الفكر العربي. في حين فنّد معظم الباحثين والمستشرقين هذا الانتقاد؛ لأن التعبير - حسب ادعائهم - يكفيه أن له دلالة في العقل الغربي، الذي يفهم أن هذه (الظاهرة) هي أصولية وحسب، وذلك انطلاقاً من كون الحقيقة المطلقة لجميع الظواهر الاجتماعية والكونية، هي وعي العقل الغربي بالظاهرة، بل لدلالاتها التاريخية والفكرية، وتأكيدها البعد السياسي للإسلام أكثر من بعده الديني(20). وهذا الفهم - هو الآخر - فهم ناقص ومشوّه؛ لأن الأصولية، حسب المداليل السلبية الغربية الاصطلاحية، ليس لها ارتباط من قريب أو بعيد بالأصولية في مدلولها الإسلامي، فالأصوليون - حسب المدلول الاصطلاحي الإسلامي - هم المتخصصون بعلم أصول الفقه، أو أصحاب النزعة لاستخدام أصول الفقه في عملية الاستنباط الفقهي، في مقابل النزعة الإخبارية.

وفي السنوات الأخيرة بدأت الدراسات الغربية تعي ظواهر أخرى في مجتمعات المسلمين، غير ما تصطلح عليه بالأصولية الإسلامية والإسلام المحافظ، وأبرزها ظاهرة «إسلام النخبة»(21) أو «اليسار الإسلامي»(22)، أو «الإسلاميون الحداثّيون» (Islamic Modernists)، كتيّار وسط بين المتطرفين (Extremists) والتقليديين، وهؤلاء يتميزون بكونهم نخباً وجماعات تتصدى لقيادة المجتمع ثقافياً وفكرياً وليس سياسياً.

ويرجع بعض الكتّاب المسلمين - ربما عن حسن نيّة - سبب ظهور الأصولية في العالم الثالث إلى الأصولية الغربية، التي يعتبرونها العلة الأولى المتسببة في ولادة كل الأصوليات الأخرى، كردّ على أصولية الغرب، إذ إن «الأصولية في العالم الثالث ولدت جراء زعم الغرب، منذ النهضة فرض نموذجه الإنمائي والثقافي»(23). ومعنى ذلك أن الصحوة الإسلامية هي مجرد ردّ فعل ضد الأصولية الغربية. وهذا الزعم خاطئ هو الآخر، رغم محاولته تعرية ادّعاءات الغرب، وردّ تهمه إليه، لأنه يؤكد - في جانب منه - كون الغرب هو «المركز»، وهو مصدر التأثيرات، وما عداه «أطراف» ومتأثرون ليس إلاّ! فضلاً عن أنه ينفي الأصالة والعمق التاريخي والفكري والاجتماعي عن الصحوة.

وعي الغرب بالنهوض الإسلامي الجديد

ظل الحديث في الأوساط الفكرية والسياسية والاجتماعية، الغربية والإسلامية، عن مستقبل النهوض الإسلامي الجديد، وما سيؤول إليه وضع التيارات الإسلامية في المرحلة القادمة، يتزايد باطراد بمرور الزمن، منذ تحقيق انجازاته الأُولى خلال العام 1979. وتختلف نتائج المقاربات في هذا المجال، وفق المقدمات والأسس والمناهج الاستشرافية التي يستخدمها كل اتجاه في تحليله ومعالجته لهذه الموضوعة. وهناك ثلاث رؤى أساسية في هذا المجال، تمثل نتاج جهود بحثية واسعة، هي: الرؤية الغربية، رؤية العلمانيين في المنطقة الإسلامية والرؤية الإسلامية الذاتية. ولا شك أن كلاً من هذه الرؤى تشتمل على عدة رؤى فرعية، تختلف فيما بينها في كثير من التفاصيل، بل وفي الأسس والمناهج أحياناً، ولكن يبقى أن هناك قاسماً مشتركاً بين اتجاهات كل رؤية، يمكن أن نعتبره الإطار الفكري العام للرؤية:

1 - الرؤية الغربية:

تستند الرؤية الغربية - غالباً - في معالجتها وتحليلها لموضوع النهوض الإسلامي الجديد إلى نظريات علماء الاجتماع الغربيين، وخاصة الاثنولوجيا والانثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع الديني، وهي نظريات جاهزة ومفصّلة على مقام النظام الغربي ومناهج تفكيره، وهي نتاج وعي العقل الغربي بالإسلام والمسلمين وفق العناصر الأربعة التي تشكله.

والنتائج الأولية التي تقدمها هذه الرؤية تؤكد أن ظواهر النهوض الإسلامي الجديد بعد العام 1979 هي ظواهر طارئة وليست أصيلة أو متجذرة؛ إذ نشأت ردّ فعل على مجموعة من الأزمات الاجتماعية في بلاد المسلمين، أبرزها: أزمة الهوية الاجتماعية الدينية السياسية، أزمة شرعية الأنظمة الحاكمة، أزمة الثقافة والسلوك المجتمعي، الصراع الطبقي، الفقر، التخلف، الشعور بالتبعية للغرب، الأزمة النفسية، ضعف قيادة النخب الحاكمة المتغربة وسوء إدارتها. وبتعبير آخر، فإن الصحوة الإسلامية، على وفق ذلك، ليست ظاهرة حقيقية، وإنما تمثّل، وبرزت نتيجة لضغوط الغرب وهيمنته، وممارسات الأنظمة الحاكمة وتبعيتها وأساليب حكمها وممارساتها القمعية، وما نشأ جراء ذلك من أزمات اجتماعية، كما أن الظواهر النهضوية الإسلامية اللاحقة لقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إنما هي محاولة للتشبّه بالنموذج الإيراني.

وبهذا التوصيف؛ بات بإمكان الرؤية الغربية أن تحدد مستقبل النهوض الإسلامي الجديد، وكأنه حتمية تاريخية؛ فهي حين تعتبر هذا النهوض مجرد ظاهرة اجتماعية محدودة ومنعزلة وغير أصيلة؛ فإنها ترفض أن يكون لهذه الظاهرة بنى حضارية وفكرية وسياسية واقتصادية حقيقية، تحقق لها الاستمرار والنمو والتمدد وتمثيل الشعب والإمساك بقرار الدولة، وبالتالي؛ فهي ظواهر ليس لها أي مستقبل، وزائلة بزوال أسبابها وعوامل ظهورها، وبانهيار نماذجها الناجحة الصاعدة.

ووفقاً لمناهج الدراسات المستقبلية؛ فإن البديل الذي تطرحه الرؤية الغربية، هو بديلها الذي تريده وتخطط له، وقد اختارته من بين مجموعة الاحتمالات، بهدف التحكّم به وبناء مقوماته المستقبلية، وهو الاسلام العلماني الليبرالي المدجن، أو مايسميه الغرب الإسلام المعتدل كما أشرنا. ويهدف الغرب من وراء إعلاناته المتكررة المركّزة عن رؤيته لمستقبل النهوض الإسلامي الجديد، ووصفها بالرؤية العلمية المتجردة، ومحاولة زرعها في عقول المسلمين ووعيهم، من خلال مختلف الأساليب والوسائل؛ يهدف إلى أن يفرض على المسلمين وعيه بذاتهم وجودهم ومستقبلهم، في محاولة قسرية لإعادة إنتاجهم واستحضارهم وتحديد مستقبلهم، على المستويين النظري والعملي. وجزء من هذا الوعي أن يشعر المسلم - دائماً - بالدونية والضعف، وعدم الثقة بالنفس والمستقبل، والهزيمة المستدامة تجاه الغرب وقيَمه ومعاييره وتفوقه الشامل. أي أن الغرب حين يضع المسلمين أمام الحتميات والخيارات والبدائل التي يفرضها؛ فإنه يقدر أن كثيراً من المسلمين سيتبنون خيارات الغرب، بوعي أو بدونه.

2 - رؤية العلمانيين في البلدان الإسلامية:

من نقطة الخيارات الغربية، ينطلق العلمانيّون في المنطقة الإسلامية، في تحديد رؤيتهم لمستقبل النهوض الإسلامي الجديد، لأنهم يعتمدون بدائل الغرب ومحدداته، ويستعيرون مناهجه في التفكير والتحليل والاستنتاج. ورغم أن هؤلاء يستندون في تكوين رؤيتهم إلى مقدمات أقرب للواقع من مقدمات الرؤية الغربية، إلا أنهم يخرجون بنتائج أكثر تطرفاً في عدم موضوعيتها، وأكثر بعداً عن الواقع من الرؤية الغربية. والسبب في ذلك يعود إلى أن علماني البلدان الإسلامية يعيشون الواقع الإسلامي من جهة، وأن مظاهر النهوض الإسلامي الجديد ومستقبلها يعنيهم بشكل مباشر من جهة أخرى، ولذلك؛ فإنهم يسقطون أمانيهم وطموحاتهم وأهدافهم على رؤيتهم؛ فتكون النتائج غير موضوعية إلزاماً وبعيدة عن الواقع.

وهذا النمط من العلمانيين هم أدوات الغرب في محاولة إعادة إنتاج الواقع الإسلامي، من خلال مشاريعهم الهادفة لعلمنة المجتمع، وفرض الأنماط الاجتماعية الغربية عليه. ويلاحظ أن بينهم من يحشر نفسه في زاوية دفع التهم التي يكيلها الغرب للمسلمين، لكنه يمارس عملية الدفاع بأساليب سلبية، وبثقافة وسلوك متغربين، وبما ينسجم مع خيارات الغرب وأطروحاته، وذلك نتيجة لحساسية العلماني المفرطة تجاه الاتهامات الغربية. وربما يرفض بعض العلمانيين الغرب السياسي أو الغرب المحتل والمستعمر، لكنه يندفع وراء التبلس بثقافة الغرب وسلوكه، لينتج ما يسمونه العلمانية الشرقية أو الليبرالية الشرقية بالعقلانية الشرقية أو المسلمة، لردّ تهمة لا عقلانية الشرق. أو تفصيل مفاهيم الحداثة والمعاصرة بلباس (مسلم)، لردّ تهمة التحجر والجمود وعدم التكيّف مع النمو والتطور، ويرفع لافتة «العلمانية» بقوة، ليقول بأن الغرب مخطئ حين يتهمنا بالتخلف الفكري، والفهم الطولي للواقع، والإيمان السطحي.

ويشترك الخطاب العلماني المحلي في البلاد الإسلامية مع الخطاب الغربي في ضرورة التخلص من التيارات الإسلامة وحراكاتها النهضوية، وتحذير الشعوب المسلمة منها، وأنها ظاهرة طارئة غير أصيلة، وأنها ستنتهي بنهاية العوامل التي أدت الى ظهورها، ويجد علمانيو المنطقة الإسلامية، بمن فيهم الأنظمة العلمانية الحاكمة، أن من واجبهم مواجهة مفردات النهوض الإسلامي بكل الوسائل، من خلال عزل التيارات الإسلامية عن الشعوب، تمهيداً للقضاء عليها. ويتمثل جزء من هذه المواجهة في ملء ما يسمونه بالفراغ الفكري والاجتماعي الناشئ عن فشل الأطروحات العلمانية المستوردة، بأطروحات أكثر بريقاً وواقعية، تقترب من بعض مظاهر الإسلام، بما يشبه « الإسلام المعلمن » أو «العلمانية المؤسلمة»(24)، وهي توليفة أكثر خطورة في المواجهة من العلمانية الأصلية، لأنها تقرأ الإسلام بغير أدواته، وتحاول توظيفه للأهداف العلمانية الأساسية نفسها.

3 - رؤية النهضة الإسلامية لنفسها:

تستند رؤية تيارات النهوض الإسلامي الجديد لنفسها إلى معطيات وحقائق التكليف وسنن الله في الخلق، لقراءة معالم مستقبلها. ورغم أن هذه الرؤية تتفرع إلى عدة رؤى ثانوية - كما مرّ - تبعاً لتعدد الاتجاهات الإسلامية، واختلافها في أساليب التحرك، والأسس الفكرية التفصيلية لكل منها؛ إلّا أن هناك قاسماً مشتركاً بين رؤى هذه الاتجاهات، يتمثّل في حقيقة أن التكامل البشرية يكمن في الإسلام، وأنه شريعة وعبادة ومعاملات ودولة ونظام سياسي وإقتصادي وقانوني، وهو دين المستقبل كما هو دين الماضي والحاضر، وأنه الحبل الذي يربط دنيا المسلم بآخرته.

ومن أبرز المعطيات والحقائق التي تستند إليها هذه الرؤية:

1- الفراغ الفكري والروحي العالمي، الذي حدث في أعقاب انهيار أو تصدّع كثير من الأفكار والمدارس الوضعية الغربية والشرقية، وبروز مؤشرات التصدّع في المجتمعات والنظم الغربية، وهو ما يؤكده المفكرون الغربيون أنفسهم، ولا سيما في نظام الولايات المتحدة الأميركية واجتماعه واقتصاده(25).

2- القوة الذاتية الهائلة التي يمتلكها الإسلام كنظام شامل للحياة، يمتلك أبلغ الحجج في الإجابة على تساؤلات الإنسان المعاصر وحل مشكلاته وتلبية حاجاته المختلفة، النفسية والعقيدية والاجتماعية والاقتصادية.

3- التطور النوعي والكمي في الخطاب الإسلامي المعاصر، وتمكنه من بلوغ متطلبات المرحلة والتناغم معها، وقدرته المتنامية على الإقناع والنفوذ، خاصة مع صعود بعض النماذج الإسلامية السياسية الناجحة، والتي تفوقت في نموها ونهوضها جميع الأنظمة العلمانية في البلدان الإسلامية، كالنموذج الماليزي والنموذج التركي والنموذج الإيراني.

4- المد الإسلامي العقدي والإيماني الشعبي، وبروز المظاهر الشاملة للالتزام بالدين، والإيمان به نظاماً لحياة الفرد والمجتمع، وهي مظاهر لم تكن مألوفة في العقود الأولى للقرن الماضي وحتى عقده السابع.

5- النتائج المشروطة التي تفرزها السنن الإلهية وقوانين التاريخ، وهي تسير في مصلحة النهوض الإسلامي الجديد.

وبالتالي؛ فإن النهوض الإسلامي الجديد هو مسعى جاد لبلورة ذات مستقلّة رصينة للمسلمين، لها أبعادها المتكاملة تاريخياً وحضارياً، ووعي هذه الذات المعاصرة بمعزل عن وعي الغرب لها، وانطوائها على عوامل النمو الإنساني والتقدم العلمي والتكنولوجي.

كيف تكون العلاقة المتوازنة للمسلمين بالغرب؟

مرت العلاقات بين الغرب والمسلمين، بمراحل مختلفة، منذ بدء عملية الاحتكاك الثقافي بين الطرفين في أواسط العصور الوسطى؛ فقد مثلت المرحلة الأُولى حالة من التفاعل الثقافي والاحتكاك المنتج، ولم تتضمن أهدافاً سلطوية على المستويين الفكري والسياسي، رغم أن العالم الإسلامي كان في ذروة تألقه الثقافي والسياسي والعسكري، في مقابل التخلّف القياسي الذي كان يسود الغرب؛ فقد اقتبس الغرب من الحضارة الإسلامية ـ خلال هذه المرحلة ـ معظم عناصر نهوضه. والملفت للنظر، أن ما اقتبسه الغرب من مدنية المسلمين وحضارتهم، كان يدخل في إطار المشتركات العامة، الأمر الذي حال دون حصول أي نوع من أنواع التبعية للعالم الإسلامي، على العكس مما حدث في المرحلة اللاحقة، حين تغيّرت موازين المعادلة.

وفي المراحل اللاحقة التي بدأ فيه الواقع الإسلامي بالتراجع والتفتت، تغيّرت طبيعة العلاقة الغربية الإسلامية وآلياتها؛ إذ أدخل فيها الطرف الغربي مضامين جديدة، تزامناً مع بدايات تشكيل العقل الغربي الحديث، خلال مرحلة "عصر النهضة" الأوروبية. حينها اتجه الغرب الناهض الى تشكيل منهجه الجديد في معرفة الإسلام والمسلمين، وبلورته بالتدريج، من خلال الخلفية اللاهوتية السلطوية والوعي الإستشراقي والفكر العلماني والمعارف المنهجية الجديد، وخاصة في مجالات علم الاجتماع والانثربولوجيا والاثنولوجيا، إضافة إلى قاعدة التفوّق الاقتصادي والسياسي والعسكري.

وكانت النتيجة أن أصبح وعي الغرب بالإسلام والمسلمين، يمثّل جزءاً من وعي الغرب بذاته، كما ذكرنا سابقاً؛ فالغرب في إطار هذا الوعي ـ كما يقول مفكّروه ـ هو «الذات» و«العقل» و«القوة» و«الحقيقة» و«المركز». أما العالم الإسلامي فهو بالنسبة له يمثّل «الآخر» و«الجنون» و«الضعف» و«التمثيل» و«الأطراف»(26).

هذا النزعة الاستكبارية الفوقية، كرّست الغرب بوصفه منظومة ايديولوجية (فكرية ـ سياسية)، وليس مجرد بقعة جغرافية، وجعلته يعطي الحق لنفسه بانتهاج مختلف أساليب الغزو والسيطرة والنهب تجاه العالم الإسلامي. ويتضح هذا المنهج من خلال الخطاب الغربي الحديث ومنهجه المعرفي. ولعل بريطانيا وفرنسا خلال القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، والولايات المتحدة الأمريكية منذ النصف الأول من القرن العشرين وحتى الآن، تمثل التجسيد الحقيقي للرؤية الغربية المتفوقة تجاه الآخر.

ولاشك أن المسلمين، وعموم دول العالم الثالث والجنوب، لايستطيعون تغيير الرؤية الغربية تجاهم، وليست لديهم القدرة الواقعية على تفكيك العقل الغربي، وإعادة صياغته، كما نجح الغرب قبل ذلك مع العقل المسلم غالباً، إلّا أن المسلمين بإمكانهم تشكيل رؤية واقعية متوازنة تجاه الغرب، تستند الى معايير العلاقة المتوازنة، والندية النسبية، والمصالح المشتركة، والممانعة الإيجابية، فلا رفض للمنتج الفكري والعلمي والسياسي والإقتصادي والثقافي للغرب بالمطلق، ولاقبول له بالمطلق، بل يكون الرفض والقبول معيارياً، وخاضعاً لمتطلبات الواقع، ولضوابط التكوين العقدي والفكري والثقافي الإسلامي.

هذه المعيارية تحول دون الإنغلاق على الذات وحرمان الواقع الإسلامي من الإقتباس من النتاجات الغربية المحايدة المقبولة معيارياً، وفي الوقت نفسه تحول دون الإنسحاق والهزيمة أمام الغرب ونتاجاته وصادراته، أو الحيادية تجاه معاركه مع المسلمين، لاسيما معارك الخنق السياسي والغزو الإعلامي والحصار الإقتصادي والاختراق الاستخباري والتنكيل النفسي والضربات العسكرية.

***

د. علي المؤمن

...................

الإحالات

(1) أنظر: علي المؤمن، "سنوات الجمر: مسيرة الحركة الإسلامية في العراق"، الفصل السابع.

(2) انظر: فهمي هويدي، إيران من الداخل، ص 36.

(3) وفي مقدمتهم الدكتور حسن حنفي، الذي ألّف كتاباً في أكثر من (900) صفحة تحت عنوان «مقدمة في علم الاستغراب»، دعا فيه إلى دراسة الغرب، في مقابل «الاستشراق».

(4) علي المؤمن، العلمانية المستوطنة بين الإيمان المسيحي والشريعة الإسلامية (دراسة)، ص 6-24.

(5) إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة.. السلطة.. الإنشاء، ص 39.

(6) انظر: د. محمد دسوقي، "الفكر الاستشراقي: تاريخه وتقويمه"، ص 40 - 70.

(7) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 198 - 202.

(8) علي المؤمن، مقدمة كتاب "الفكر الاستشراقي: تاريخه وتقويمه" للدكتور محمد الدسوقي، ص 5 -6.

(9) أنظر: علي المؤمن، "القرن العشرون: مائة عام من العنف"، ص 9، و"العلمانية المستوطنة"، مصدر سابق، ص 16.

(10) أنظر: علي المؤمن، العلمانية المستوطنة (دراسة)، مصدر سابق.

(11) المصدر السابق، 12- 19.

(12) ومن أبرزها كتاب الدكتور هرير ديكمجيان - أمريكي من أصل إيراني مسيحي - الأصولية في العالم العربي وكذلك كتاب الصحفية الأمريكية روبن رايت، الغضب المقدس، وعدد آخر من دراساتها التي نشرتها في مجلة فورين أفايرز.

(13) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 4 - 6، من مقدمة كمال أبو ديب.

(14) انظر اوفرن بنغيو، الشيعة والسياسة، مجلة مدل إيسترن ستديس، نقلاً عن: علي المؤمن، سنوات الجمر، ص 315.

(15) انظر: روجيه غارودي، الأصوليات المعاصرة.. أسبابها ومظاهرها، ص21 - 22.

(16) الاستشراق، ص 6، من مقدمة كمال أبو ديب.

(17) وهو ما طرحته تفصيلاً مؤسسة راند الأمريكية في مؤتمراتها وندواتها وبحوثها خلال العقدين الأخيرين. أنظر: شيربل بينارد، «الإسلام المعتدل»، سلسلة تقارير مؤسسة راند.

(18) أنور عبد الملك، في كتابه: "نهضة مصر"، والذي ترجم مصطلح "السلفية" الى مصطلح (Islamic Fundamentalism) أي "الأصولية الإسلامية" عندما ترجم كتابه الى الإنجليزية.

(19) روجيه غارودي، ص 10.

(20) هرير دكمجيان، الأصولية في العالم العربي، ص 87.

(21) ويقصد بها النخبة المثقفة، وليست النخبة السياسية أو الحاكمة، ويعد "تيار اليسار الإسلامي" في مصر، أحد نماذج ظاهرة إسلام النخبة، وهو التيار الذي نظّر له المفكر المصري الدكتور حسن حنفي. انظر: ماذا يعني اليسار الإسلامي؟، مجلة اليسار الإسلامي كانون الثاني 1981، ص 5 - 48.

(22) المصدر السابق.

(23) روجيه غارودي، ص 12.

(24)أنظر: علي المؤمن، النظام السياسي الإسلامي الحديث، ص 53.

(25) انظر مثلاً: كتاب الإفلاس 1995: الانهيار القادم لأمريكا، للاقتصادي الأمريكي هاري فيجي.

(26) أنظر: ادوارد سعيد، الاستشراق.

خلاصة الدراسة:

إن الدول في المجال العربي على نحوين: دول أيدلوجية تعمل بمختلف الوسائل بما فيها القهرية لتعميم أيدلوجيتها واقتحام مجتمعها بكل فئاته ومكوناته وشرائحه في بوتقة أيدلوجيتها.. وكل طرف أو مكون يرفض الانضمام إلى هذه الأيدلوجيا، فيمارس بحقه النبذ والإقصاء والعنف المادي والرمزي.. لهذا فإن صلة هذه الدولة بمواطنيها يتم عبر الأجهزة الأمنية، وإذا توفرت فيها بعض أشكال الديمقراطية، فهي شكلية وتمارس الاستبداد والقهر بقفازات ناعمة..

ودول تقليدية تعتمد في بنيتها الأساسية على حكم العائلة أو العشيرة أو أي شكل من أشكال الانتماءات التقليدية وهي أيضا بحكم بنيتها حاضنة للبعض وطاردة للبعض الآخر..

ولعل أحد الفروقات الأساسية بين الدولة الأيدلوجية والدولة التقليدية في التجربة العربية المعاصرة، هي أن كلا الدولتين وديكتاتوريتين واستبداديتين، واحدة باسم الأيدلوجيا الدينية أو الأيدلوجيا التقدمية، والأخرى باسم حكم العائلة وتقاليد المجتمع والحياة العامة في البلد..

فكلاهما ديكتاتوريتان تمارسان الاستبداد والإقصاء والنبذ بكل صنوفه.. ويضاف إلى هذا أن الدول الأيدلوجية هي بطبيعتها أيضا دولا قمعية.. بمعنى أن لأجهزتها الأمنية سطوة وصلاحيات هائلة لإدامة الاستقرار وحماية السلطة.. فهي دول ديكتاتورية وقمعية في آن.. وفي ظل هذه الدول فإن الأقليات الدينية تعاني العديد من المآزق والمشاكل المتعلقة بحريتها الدينية ومستوى مشاركة أبناءها في الحياة العامة..

وقناعة الدراسة الأساسية: أنه إذا لم تتغير بنية الدولة في المجال العربي من دولة أيدلوجية أو تقليدية إلى دولة مدنية – تشاركية – تعددية محايدة تجاه عقائد مواطنيها، فإن مشاكل الأقليات ستستمر وتزداد استفحالا..

والذي يزيد أزمة الأقليات في هذا السياق، هو طبيعة فكرها السياسي المحافظ، الذي يجعلها تحذر من الانخراط في مشروعات الإصلاح الوطني..

لهذا فإن الدراسة تعتقد: أن تطوير فكر الأقليات السياسي، ودفعه نحو الانخراط في مشروعات الإصلاح والتفاعل الخلاق مع قضايا التغيير السياسي، يساهم في معالجة مشكلة الأقليات في الدول العربية المعاصرة.. وتطوير الفكر السياسي للأقليات للخروج من نفق المحافظة إلى رحاب الإصلاح يعني النقاط التالية:

1- الانخراط في مشروعات سياسية وفكرية عابرة للمكونات التقليدية ومتجاوزة للانتماءات الطبيعية، والمساهمة في بناء كتل وطنية تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله..

2- الانعتاق من ربقة الانكفاء والانزواء، وكسر حواجز الانطواء، والتفاعل الكامل مع شركاء الوطن..

لأننا نعتقد أن الطائفية في المجال العربي تمارس على نحوين أساسين وهما: النحو الأول: الطائفية الغالبة وهي تمارس طائفيتها بتبني سياسات النبذ والتهميش والإقصاء للآخر المختلف والاستمرار في دفعه عبر وسائل قسرية وناعمة للمزيد من الانكفاء وبناء الحواجز النفسية والاجتماعية والسياسية مع الآخر المختلف الديني أو المذهبي أو القومي..

والنحو الآخر: هي الطائفية المغلوبة وهي طائفية معكوسة تبرر انكفاء الذات وتسوغ المفاصلة الشعورية والعملية.. فإذا كانت الطائفية الغالبة تمعن في سياسات الإقصاء والتمييز، فإن الطائفية المغلوبة تمعن في سياسات الانعزال والنظرة النرجسية للذات.. والتحرر من النزعة المحافظة في الفكر والسياسة، يقتضي العمل على نقد وتفكيك أسس ومتواليات الطائفية المعكوسة المتعشعشة في نفوس وعقول الكثير من أبناء الأقليات الدينية والمذهبية والقومية في المجال العربي..

3- بناء العلاقة ونظام الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية مع الاحترام التام لخصوصيات المواطنين الدينية والمذهبية..

والمواطنة بحمولتها القانونية والدستورية، هي بوابة الانتقال بمجتمعاتنا من حالة السديم البشري إلى المجتمع التعاقدي الذي يضمن حقوق الجميع، ويفتح المجال القانوني للجميع للمشاركة في بناء الأوطان واستقرارها السياسي والاجتماعي..

مفتتح:

ثمة مسائل وقضايا شائكة وحيوية في آن، تثيرها التطورات الإقليمية والدولية اليوم.. حيث مستويات التفتيت ودرجات التشظي. حيث الكيانات السياسية الكبيرة وما تسمى بالإمبراطوريات، التي قامت بالقوة واستمرت بالقهر والغصب والإرهاب. هذه الكيانات والتي تمتلك ترسانات عسكرية ضخمة بدأت بالتلاشي. حيث استيقظت كل الوطنيات والأثنيات والقوميات المقموعة خلال السنين المنصرمة وبدأت تبحث عن ذاتها وكيانها وخصوصياتها.

والذي يزيد المشهد قساوة ورعبا، هو تكاثر بؤر العنف الكامنة والصريحة والمفتوحة على كل احتمالات الفوضى وهوس استخدام القوة بلا وعي وبصيرة وعقل.

ولا نبالغ حين القول: أن تسعير التوترات وإشعال بؤر العنف بكل أصنافه وأشكاله، واستيقاظ كل التنوعات والخصوصيات، كل هذا من جراء العقلية الاستبدادية والعنفية، التي سادت في مناطق عديدة من العالم، واستخدمت كل قوتها وجبروتها وغطرستها لمحو خصوصيات الأمم والمجتمعات، ولطمس حقائق تاريخية ومجتمعية متجذرة في العمق الحضاري للأمم والأوطان.

- الاستبداد جذر الأزمة:

فالعنف والقهر والاستبداد، هو الذي أيقظ الخصوصيات بنحو سلبي، كما أن إرهاب الدولة وغطرستها وتغّولها وسعيها المحموم لدحر ما عداها، هو الذي أدى إلى تسعير التوترات وتفجير الاحتقانات في مواضع ومناطق عديدة من العالم.

وعلى هدى هذا نستطيع القول: أن كل الكيانات والوجودات، التي تأسست على قاعدة الوحدة القسرية والقهرية لتنوعاتها وتعدداتها، فإن مآلها الأخير هو التشظي والتفتت، والإمبراطوريتين السوفيتية واليوغسلافية نموذجان صريحان لذلك.

فالوحدة القهرية لا تفضي إلى استقرار مستديم، بل تؤسس لاحتقانات وانفجارات ونزاعات جديدة محورها التداعي والتآكل الوحدوي، واليقظة العنيفة لكل الخصوصيات والهويات المقموعة.

ولا ريب إننا بحاجة إلى حياة سياسية سليمة، تفسح المجال لكل التعبيرات والقوى بدل إقصائها وقمعها، وإلى فضاء عام حر، يساءل الواقع، وينقد الممارسات، ويحاسب المقصرين والمستهترين بالقانون. ونحتاج أيضا إلى مواطنة نشطة تعبر عن آمالها ومصالحها ونفسها بمشاركة سياسية وديمقراطية فاعلة، لبلورة الخيارات والرهانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الوطنية.

والتمييز بكل صوره وأشكاله، والتهميش بمجالاته وآلياته، لا يفضيان إلى الوحدة والاستقرار السياسي والمجتمعي، وإنما يؤسسان الظروف الذاتية والموضوعية معا لتشظي الواقع، واستيقاظ العصبيات بكل زخمها وعنفها وعنفوانها.

وإن منطق الاستبداد يؤبد الأنظمة، ولا يفضي إلى الاستقرار، وإنما يفاقم العيوب، ويعمق التوترات، ويفجر الخصوصيات.

وإننا بحاجة إلى تحول نوعي وتطور استراتيجي في فكرنا السياسي والاستراتيجي، يعمق خيار الديمقراطية في واقعنا، ويسعى نحو صناعة حقائقه ووقائعه، ويحارب كل موجبات الاستبداد وحالات التهميش والتمييز، ومواقع النبذ والإقصاء.

لهذا نحن بحاجة أن نعيد قراءة مسألة الأقليات والخصوصيات الذاتية في المجالين العربي والإسلامي.. وهذا ما نحاوله في السطور القادمة..

- مفهوم الأقليات:

بعيدا عن المضاربات الأيــدلوجية والسياسية، بإمكاننا أن نحدد معنى الأقليات بأنها: التكوين البشري، الذي يتمايز مع جماعته الوطنية في أحد العناصر التالية (الدين ـ المذهب ـ اللغة ـ السلالة). وهذا التمايز تعبير عن التنوع الطبيعي بين البشر.

فالأقليات هي " أي مجموعة بشرية تختلف عن الأغلبية في واحد أو أكثر من المتغيرات التالية: الدين أو اللغة أو الثقافة أو السلالة. ولا يعني ذلك كل من يختلف عن الأغلبية في أحد هذه المتغيرات هو مناوئ للقومية العربية أو لمطلب الوحدة. فهناك من بين أفراد بعض هذه الأقليات من ناضلوا في سبيل قضية الوحدة، وأسهموا مساهمات رائدة في الفكر القومي العربي. لذلك فإن توصيف جماعة معينة كأقلية لا يعني بالضرورة أي حكم مسبق على اتجاهاتها نحو مسألة الوحدة. والعبرة كما قلنا هي ما إذا كان أي من هذه المتغيرات (الدين ـ اللغة ـ الثقافة ـ السلالة) يضفي على مجموعة بشرية معينة قسمات اجتماعية ـ اقتصادية ـ حضارية تلون سلوكها ومواقفها السياسية في مسائل مجتمعية رئيسية " (1).

" والجماعة الأثنية تستخدم في العلوم الاجتماعية، لتشير إلى أي جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأي سمات أخرى متميزة بما في ذلك الأصل والملامح الفيزيقية والجسمانية " (2).

وبالتالي فإن الحديث سيتجه إلى الأقليات الأقوامية والدينية والمذهبية.. " ففي أفريقيا السوداء، التي يناهز تعداد سكانها اليوم (750) مليون نسمة، توجد (54) دولة، وتوجد في مقابلها (2200) أثنية تتكلم بمثل هذا العدد من اللغات. وفي آسيا أكبر قارات العالم من حيث تعداد السكان، يعيش اليوم (5ر3) مليار نسمة، يتوزعون بدورهم على أكثر من (2000) أثنية وينطقون بأكثر من (2000) لغة ويعتنقون ديانات شتى.

فاندونيسيا مثلا، وهي رابع أكبر دولة في العالم، ويقطنها (215) مليون نسمة، يتوزعون على (300) أثنية وينطقون بـ (365) لغة. والفليبين، بلد الـ (100) أثنية ولغة. ويصل تعداد الأثنيات والأقليات الأثنية في لاوس إلى (70)، وفيتنام إلى (55)، وتركيا إلى (66)، وإيران إلى (21) وبنغلاديش إلى (52) والنيبال إلى (30).

وفي العالم اليوم (188) دولـــة أعضاء في منظمة الأمم المتحدة، ولكن هناك في المقابل (8000) أثنية و (6700) لغة.

ولقد أقرت كندا في عام (1988م) لسكانهـــا الهنــــود (850) ألفا يتوزعون بين (600) قبيلة بوضعية ثقافية خاصة، وأفــــردت بندا خـــاصا من قانــــونها الاتحادي (البند 27) لتكريس حق الأفراد الذين ينتمون إلى أقلية أثنية أو لغوية أو دينية في التمتع بتقاليدهم الثقافية الخاصة وبممارسة شعائرهم الدينية والتكلم بلغاتهم الخاصة وتعليمها. ولقد أنشأت كندا أخيرا للهنود المعروفين باسم (الأينويت) من سكانها منطقة مستقلة ذاتيا لها برلمانها الخاص وعاصمتها الــخاصة ومدارسها الخاصة، وحتى شــركة طيرانها الخاصة، مع أن تعداد الهنود الأينويت لا يزيد عن (35) ألف نسمة. والسويد أباحت تعليم (265) لغة في مدارسها، بما فيها لغات الجاليات المهاجرة كالعربية والسريانية والتركية. وأقرت ايطاليا في عام (1999م) قانونا تشريعيا لحماية الأقليات اللغوية، ومنحت وضعية إدارية وثقافية خصوصا لخمس من محافظاتها في جزيرتي صقلية وساردينيا وفي جبال الألب والتيرول " (3).

وإن درجة التميز وحدته وعمقه الاجتماعي والسياسي وأهدافه وتطلعاته القريبة والبعيدة، مرهون كل هذا إلى حد بعيد إلى طبيعة التعامل الذي تمارسه السلطات السياسية والاجتماعية. فإذا كان التعامل جافا وبعيدا عن مقتضيات العدالة والحرية، فإن الشعور بالتميز الذي يفضي إلى تمييز وتهميش من قبل السلطات، سيؤدي إلى المزيد من التميز والتشبث بالخصوصية، وسيدفعه هذا الشعور العميق بالتميز بتبني خيارات واتجاهات تزيد انفصاله الشعوري والعملي عن المحيط العام.

إما إذا كان التعامل مرنا وسياسيا وبعيدا عن العقلية الأمنية و ممارساتها وهواجسها وأعمالها، فإن درجة الشعور بالتميز تتضاءل وإمكانية الاندماج الطوعي تتعمق وتتواصل.. فـ " ملاحظة التميز في هذه الصفة أو الصفات المشتركة في أفراد جماعة معينة، وتباينها عن جماعات بشرية أخرى، ينطوي على عنصر ذاتي وعلى عنصر موضوعي. العنصر الموضوعي هو وجود الاختلاف أو التباين بالفعل في أي من المتغيرات المذكورة أعلاه (اللغة، أو الدين، أو الثقافة، أو الأصل القومي والمكاني، أو السمات الفيزيقية). أما العنصر الذاتي فهو إدراك أفراد الجماعة وإدراك الجماعات الأخرى القريبة منها لهذا التباين والاختلاف. وهو يؤدي إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخرى " (4). فدرجة الشعور بالتميز الذي يؤدي إلى تبني سياسات واتجاهات انفصالية يرتبط بشكل أساسي بطريقة التعامل السياسي والاجتماعي والقانوني مع هذه الأقليات.

فالسلطة النابذة والمستخدمة لكل أنواع القوة المادية الغاشمة لفرض الاندماج وتغييب التميز الطبيعي، تزيد بشكل أو بآخر من فرص بذور مشكلة الأقليات وعقدها الاجتماعية والسياسية.. أما السلطة التي تبحث عن نظام للتضامن والتعامل الحسن والحضاري مع هذه الأقليات، نظام يلبي متطلبات الأقليات الدينية والثقافية والتعليمية والاجتماعية، كما يلبي متطلبات الوحدة والاستقرار.

هذا النظام المرن والحيوي، هو الذي يزيل كل التوترات، ويحد من نزعات التهميش والتميز.. بل نستطيع القول: أن النظام السياسي والاجتماعي المرن والمتسامح، يتمكن من توظيف الشعور بالتميز لدى المجموعات البشرية، في بناء الوطن وإزالة كل عناصر التوتر.. أي أن الديمقراطية تجعل دور التميز دورا وحدويا، اندماجيا، بعيدا عن كل أشكال التقوقع والدوائر المغلقة. فالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية، يجعل كل المجموعات البشرية، تباشر دورها الإيجابي في الحفاظ على أمن الوطن ومكتسباته السياسية والاقتصادية والحضارية. وهذه المساواة لا تتأتى إلا بتحقيق المشروعية الدستورية والمؤسسية للاختلاف والتنوع والتعدد في الوطن الواحد.

ولا بد من القول: أنه كلما قلت وتضاءلت مستويات الاندماج، كلما برزت في المجتمع مسألة الأقليات وتداعياتها السياسية والاجتماعية والثقافية.

بمعنى أن وجود الأقليات في أي فضاء اجتماعي، يتحول إلى مشكلة، حينما يفشل هذا الفضاء ولعوامل سياسية واجتماعية وثقافية عديدة في تكريس قيم التسامح واحترام الآخر وصيانة حقوق الإنسان والمزيد من الاندماج والانصهار الوطني. حينذاك تبدأ المشكلة، وتبرز الخصوصيات الذاتية، وتنمو الأطر التقليدية لكي تستوعب جماعتها البشرية بعيدا عن تأثيرات المحيط وإستراتيجياته المتجهة صوب فرض الانصهار وقهر الخصوصيات الذاتية.

إن الأقليات كمفهوم وواقع مجتمعي، لا يكون في قبال ومواجهة القوميات والوطنيات، ويسيء إلى جميع هذه المفاهيم من يجعل من مفهوم الأقليات مواجها لمفهومي القومية والوطنية، لأنه من المكونات الأساسية لكل قومية ووطنية هويات متعددة أما دينية أو مذهبية أو أثنية أو لغوية.. ولعل من الأخطاء الكبرى أن " تعالج الطائفية كما لو كانت إحدى ترسبات التاريخ الأيدلوجي العربي وتجلياته المرضية، وتفسر بقاءها ببقاء الجهل واستمرار الأميّة، أو تربط أحيانا بينها وبين الوعي الديني بشكل عام. وهي ترى أن الحل الوحيد لها هو مواجهتها بالوعي القومي والعلماني وبالتنوير الفكري والقضاء على من يمكن أن يتهم بنشرها والعمل على الترويج لها. وهي لا تجعل منها إذن قضية كبرى من قضايا التنمية والتطور السياسي و الاجتماعي العربي، وإنما قضية ملحقة بغيرها. وتنظر إلى التهابها الراهن في بعض المواقع كأثر من آثار تراجع الأيدلوجية القومية العربية. فبالتأكيد على هذه الأيدلوجية القومية والدعوة لها ونشرها يمكن في نظرها القضاء على الطائفية، وهذا يعني باختصار أن الوعي الطائفي هو نقيض الوعي القومي، وأن هذا النقيض أصبح يعبّر عن الماضي أكثر مما يعبر عن المستقبل، وأنه لا بد زائل من تلقاء نفسه متى ما تم التأكيد على الوحدة والشعور القوميين وضرب على يد كل من يسعى إلى استغلال الشعور الطائفي البغيض والمتقادم " (5).

ولا نبالغ حين القول: أن أحد الأسباب الرئيسة لسقوط الإمبراطوريات وتداعي الكيانات السياسية الكبرى، كان بفعل الاستبداد وغياب الحريات النوعية الناظمة للعلاقة والمصالح بين مجموع التعبيرات والأطياف المتوفرة في المجتمع. وإن هذه الإمبراطوريات والكيانات والدول، بدأت الانحدار حينما ساد التمييز بين القوميات والأثنيات، وغاب التضامن الداخلي على قاعدة المواطنة الواحدة، وبرزت كل النزعات الاستبدادية، التي حاولت الاستفادة من كل أسباب القوة للغلبة على الأطراف الداخلية الأخرى.

ومسألة الأقليات بكل عناوينها ومسمياتها، من المسائل الحساسة في المجالين العربي والإسلامي، وتحتاج إلى قراءة ودراسة عميقة لواقعها وصولا إلى بلورة رؤية حضارية متكاملة في طريقة التعامل معها وكيفية اندماجها الطوعي والاختياري مع النسيج الوطني والمجتمعي. ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول، أن الكثير من النكبات الاجتماعية والانفجارات السياسية، كان من جراء عدم التصدي الجاد لعلاج هذه المسألة في الواقعين العربي والإسلامي.

- نقد العلمانوية:

على المستوى التاريخي، نجد أن علمانية الحركة القومية، وعلمنة مشروع الوحدة، لم يلغ مسألة الأقليات ولم يعالجها وفق نسق حضاري يحترم خصوصياتها ويشركها على قدم المساواة في اجتراح دورها في مشروع الوحدة. وعلى المستوى الواقعي، نجد أن العديد من الكيانات السياسية العلمانية، لم تستطع أن تتجاوز عصبيات الواقع والدوائر التقليدية المتوفرة في المجتمع. بمعنى أن العديد من الوجودات السياسية العلمانية، هي عبارة عن يافطة حديثة لواقع تقليدي، عصبوي.. فالكثير من الأحزاب هو واجهات لواقع تقليدي. لذلك فإن العلمانية في التجربة العربية والإسلامية، لم تستطع أن تتجاوز بشكل حضاري خصوصيات الواقع ودوائره الخاصة المتوفرة. فلا يزال المجال العربي إزاء علمانية مبدونة (إذا جاز التعبير). حيث تمارس الاضطهاد والاستغلال بمضامين موغلة في القدم. فالتجربة العلمانية العربية، مارست السياسة بآليات متخلفة وتنتمي إلى عصور الانحطاط، واستقوت على غيرها من الوجودات والتعبيرات، بالاستقواء بالعصبيات التي جاءت على المستوى النظري كحل لتجاوزها ومنع تأثيراتها السلبية.. فالممارسة العلمانوية أضحت في مناطق العالم العربي، ممارسات طائفية، حيث الاحتماء بطائفة ضد أخرى، وممارسات قومية شوفينية، حيث الاستناد بقومية وقمع القوميات الأخرى.. وهذا أدى في المحصلة النهائية إلى أن التجربة العلمانوية العربية، أنتجت وبزخم جديد كل الصراعات والنزاعات الداخلية، والتي جاءت كوصفة نهائية لعلاجها وإسقاط موجبات بقائها. فتحولت على مستوى التجربة العملية، إلى إضافة جديدة إلى الصراعات العميقة التي كانت تعاني منها مجتمعاتنا. وهذا يدفعنا إلى القول: أنه حينما تغيب الديمقراطية والحريات النوعية، تتحول كل الشعارات والمضامين الحديثة، إلى واجهات لإنتاج الأزمات التقليدية والعقد الكامنة في المجتمعات العربية والإسلامية.

فالديمقراطية هي الشرط الذي لا بد منه للسير نحو تطوير البنى السياسية والثقافية والاقتصادية للمجتمع..كما أن الديمقراطية هي التي تدفع السيرورة الاجتماعية للتعاون والتضامن والاندماج بين الأقليات على أسس أكثر عدالة وتسامحا ومساواة.. فالاستبداد والديكتاتورية، هي التي جعلت الواجهات الحديثة ذات محتوى أو طابع طائفي أو قومي محض.وبهذا غابت المواطنية، وسادت البنى الطائفية والقومية المغلقة والمنعزلة في آن..

فالأمن الشامل والدائم، هو وليد العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكل محاولات وإجراءات استتباب الأمن لا فعالية لها ما دام مفهوم العدل لم يتحقق في الواقع المجتمعي. وترتكب الدول والمجتمعات أخطاءً فادحة، حينما تنشد الأمن والاستقرار بعيدا عن متطلبات العدالة وحقائق الحرية والمساواة. والدين كمنظومة مفاهيمية متكاملة، ليس هو مصدر التعصب الطائفي أو الأثني، وإنما الأوضاع السياسية والاقتصادية الشاذة والظالمة، هي التي تدفع المجموعات البشرية المتضررة من هذه الأوضاع إلى البحث عن وسائل لحماية ذاتها في خصوصياتها وإنتماءاتها العميقة. كما أن المجموعات البشرية المستفيدة من الأوضاع، فإنها تتشبث بخصوصياتها، لكي تحافظ على مكتسباتها ومصالحها. لذلك فإن مصدر التعصب والتطرف، هو الأوضاع السياسية والاقتصادية الظالمة، التي تمارس فرزا عميقا لكل فئات المجتمع على قاعدة انتماءاتهم المذهبية والأثنية والسياسية والأقوامية.

والقضاء على هذا التعصب والتطرف، لا يتم عبر محاربة الدين وأشكال التواصل معه بل عبر مواجهة الظروف السياسية والاقتصادية، التي عمقت هذا التعصب، وعملت على بناء واقع سياسي على قاعدة التمييز والتهميش لفئات اجتماعية، والامتيازات والثروات والمناصب لفئات اجتماعية أخرى.. فالأداء السياسي الظالم والبعيد عن مقتضيات العدالة والمرونة والتسامح، هو المسئول عن كل حالات التعصب والتطرف بكل أشكاله ومستوياته.

وإن الاستقرار السياسي والمجتمعي، القائم على احترام تعدديات المجتمع وتنوعه الفكري والسياسي، هو الذي يؤدي إلى نضوج خيار التمازج والتداخل والتواصل المتبادل بين مجموع تعبيرات المجتمع والأمة.

ويبدو أننا من دون فهم واقع الأقليات والأثنيات في المجالين العربي والإسلامي، وبلورة المعالجة الحضارية لهذا الواقع. من دون هذا سيبقى الواقع الداخلي والمجتمعي للعرب والمسلمين، يعاني الكثير من الأزمات والاختناقات والنكبات، لأن العديد من الصراعات والحروب الصريحة والكامنة، تجد جذورها ومسبباتها العميقة في هذا الواقع الذي يتم التعامل مع الكثير من عناوينه وقضاياه بعيدا عن مقتضيات العدالة والديمقراطية.

وحينما نلح ونصر على ضرورة قراءة هذه المسألة ودراستها بشكل معمق، لا نريد تبرير واقع الانقسام والتجزئة، أو نشجع أصحاب المصالح في الخارج للاستفادة من هذا الفسيفساء أو التناقضات، وإنما نريد إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية على قاعدة أكثر حرية وعدالة ومساواة. ولا يمكننا الوصول إلى ذلك دون الاعتراف بهذه المشكلة، والعمل معا من أجل بلورة المعالجة المناسبة لها.

فإننا نقف بقوة وحسم ضد كل محاولات التفتيت والانقسام، كما إننا نقف بنفس الدرجة ضد كل محاولات التجاهل والظلم والتعسف والتعدي على الحقوق تحت أي مبرر كان.فالوحدة الوطنية الصلبة، لا تبنى على أنقاض تجاهل حقوق الأقليات بل إننا نرى أن بوابة الوحدة الوطنية، هو أن ينال المجتمع بكل قواه ومؤسساته وفئاته الحرية اللازمة للتعبير عن آماله ومطامحه، وإدارة شؤونه بما ينسجم ومصالحه العليا.

وعندما ينال المجتمع حريته، وتتعمق في فضائه الممارسة الديمقراطية، تزول كل هواجس الخوف، وتضمر كل نوازع الاستقلال الذاتي والانفصال. فالديمقراطية بكل آلياتها ومؤسساتها ومقتضياتها، هي التي تعمق خيار الوحدة الداخلية، وتبنيه على أسس متينة وقواعد حضارية صلبة. فالتعدد الثقافي واللغوي في سويسرا (حيث هناك ثلاث مجموعات ثقافية ـ لغوية كبرى) لم يمنعهم من بناء وحدة داخلية حضارية تعطي لكل مجموعة حقوقها دون أن تنحبس وتنعزل هذه المجموعة عن المحيط العام ومتطلبات الوحدة الوطنية. كما أن الديمقراطية الهندية، هي التي سمحت لأربعين جماعة ثقافية ـ لغوية، من بناء دولة مقتدرة ومجتمع ديمقراطي يمتلك تجربة تاريخية متواصلة في الحرية والتسامح بين المجموعات المتعددة التي يتشكل منها المجتمع الهندي.

فالتعدد والتنوع لا يمنعان الاندماج والوحدة الاجتماعية والوطنية.. الذي يمنع كل هذا هو الاستبداد وغياب العدالة والمساواة. فلو توفرت الديمقراطية وتجسدت العدالة السياسية والاقتصادية، فإن الاندماج والوحدة الداخلية تكون متحققة من جراء ذلك..

- العدالة سبيل التعايش:

ولا يمكن أن تتعايش التنوعات كلها في إطار أمة واحدة ووطن واحد، إذا لم تسود قيم العدالة الواقع الذي تعيشه هذه التنوعات.. فالظلم بكل صوره وأشكاله، يفتت التنوعات ويشرذمها ويؤسس لمنطق الحروب والنزاعات المفتوحة بينها. ولا سبيل لتعايش حضاري بين التنوعات والتعبيرات المختلفة، بدون عدالة، تلغي كل حالات التهميش والتمييز، وتمنع سيادة منطق الغلبة والإلغاء، وتحافظ على كل أسباب العدالة في نمط العيش وأشكال العلاقة.

والعدالة التي نعتبرها سبيل التعايش الحضاري بين مختلف التنوعات تعني:

1) نبذ كل أشكال التمييز والإقصاء والإلغاء، واعتبارها من القضايا الرئيسة التي تهدد وحدة الوطن وأمنه. فحقائق التنوع بشكل مجرد لا تهدد الوحدة، ولا تلغي حالة التعايش، ولكن الذي يهدد الوحدة الاجتماعية والوطنية، ويلغي مستويات التعايش في الدائرة الوطنية، هو التأسيس الظالم على هذه التنوعات، عبر ممارسة كل أشكال التمييز ضد كل تنوع أو تعبير.

فالذي يهدد الوحدة، هو التمييز والتهميش والإقصاء. ولا سبيل لإنجاز مقولة العدالة، إلا بنبذ كل أشكال التهميش والإقصاء الذي تتعرض إليه بعض التنوعات. وهنا يتطلب أيضا الوقوف بحزم ضد كل محاولات التشويه التي تتعرض إليها بعض المدارس العقدية والفكرية والسياسية، وذلك لأن السماح إلى المغرضين إلى تشويه سمعة الآخرين الذين هم جزأ لا يتجزأ من الوطن والأمة، يعد وفق كل المقاييس تعريض كل مكاسب الوطن ووحدته الداخلية للكثير من المخاطر والأزمات. لذلك فإن رفضنا ونبذنا لكل أشكال التمييز والتهميش، لحرصنا الدائم على التعايش السلمي والوحدة الوطنية.

2) تكافؤ الفرص الوظيفية والإدارية والسياسية والثقافية، فلا يعقل أن تمنع كفاءة من خدمة وطنها من موقع تخصصها وتميزها بفعل انتماءها العقدي أو الاجتماعي أو السياسي. إن مقتضى العدالة، أن تكون جميع الفرص متاحة للجميع والأكفأ هو الذي يتحمل المسؤولية , فلا عدالة حقيقية إذا منعت بعض المواقع عن بعض الفئات والشرائح، كما لا تعايش حضاري بين التنوعات، إذا سادت عقلية الاستثناء والإقصاء لأسباب لا تنتمي إلى عالم العدالة والحضارة والإنسانية.

3) صيانة الحقوق الدينية والسياسية والثقافية، فلا يكتمل عقد العدالة، إلا بالعمل على صيانة حقوق الأقليات الدينية والسياسية والثقافية، عبر مؤسسات وقوانين دستورية، تتجاوز استقطابات اللحظة، وتؤسس لسياق وطني، يصون حقوق الأقليات كسبيل لتوطيد موجبات الوحدة الوطنية والاجتماعية.

4) تطوير النظام السياسي وإرساء دعائم ومتطلبات الديمقراطية فيه. وذلك لأن الداء الأكبر الذي يعرقل الاصلاحات ويعمق الفروقات الأفقية والعمودية في المجتمع، هو الاستبداد. ولا يمكن أن تحترم أقلية ما في ظل نظام سياسي مستبد. فلا بد من إرساء دعائم الديمقراطية على المستوى السياسي وتطوير وتوسيع بنية النظام السياسية والاجتماعية، حتى تتسنى الظروف المفضية إلى صيانة حقوق الأقليات ومشاركتها الفاعلة في بناء الوطن وتطوير الأمة. وإن تذويب الفوارق التقليدية المتوفرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يتطلب تأسيس الممارسة الديمقراطية التي تعلي من شأن القيم الإنسانية، ويتم تجاوز كل الحواجز التي تحول دون التلاحم الوطني المطلوب. ولمؤسسات التعليم والإعلام أدوار ووظائف رئيسية في هذا المجال.. بمعنى أن المناهج التعليمية في مختلف المراحل المدرسية وكذلك البرامج الإعلامية والثقافية بحاجة دائما إلى إبراز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح، والابتعاد التام عن كل ما يجرح أو يشين بفئة أو شريحة في المجتمع.

فمؤسسات الديمقراطية وأطر وأوعية المشاركة في الشأن العام، هي القادرة على تذويب الفروقات التقليدية. بمعنى هي القادرة على إزالة كل عناصر التوتر والتأزم بين الفروقات التقليدية.

- الحرية تعني غياب الإكراه:

فالمعنى البسيط والمباشر للحرية، يعني حرية الاختيار. ولا اختيار حر في ظل الإكراه. لذلك فإن الحرية تعني غياب الإكراه على المستويات كافة. بحيث أن الإنسان يمارس حقوقه ويلتزم بواجباته بعيدا عن الإكراهات المتعددة، التي تحول دون الممارسة السليمة لمفهوم الحرية.

وعلى المستوى التاريخي كان تطور مفهوم الحرية على الصعيد المجتمعي، هو من جراء نضالات مستميتة ومعارك ضارية من أجل تثبيت قيم الديمقراطية، وإنهاء كل عناصر الإكراه التي تحول دون التراكم الإيجابي لقيمة الحرية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، اعتبار القمع والإكراه والعنف، وسيلة من وسائل تنظيم الحياة الوطنية وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع. وذلك لأن هذه العناصر تزيد الأزمات وتعمق خيارات الإقصاء، وتزيد من فرص الحروب بين السلطة والمجتمع.

إن الحرية هي القيمة الأساسية التي تحقق مفهوم العدالة في بعدها السياسي والثقافي فلا عدالة سياسية بدون حرية سياسية تتجسد في حرية تشكيل الأحزاب والتكتلات السياسية وتجذير مفهوم تداول السلطة، كما أنه لا عدالة ثقافية، إذا لم تعطى الحرية لكل القوى والوجودات، لكي تعبر عن ذاتها وخصوصياتها الثقافية. فالعدالة لا تتأتى إلا بتوافر الحريات العامة على نحو حقيقي ونوعي.. فهي (الحريات بمعناها الشامل والمتكامل)، هي التي تنتج العدالة.. وإن الحرية هي التي حركت في نماذج تاريخية ومعاصرة عديدة، الأقليات أو زعامات وقيادات تاريخية تنتمي إلى الأقليات في مشروع الدفاع عن الوطن والأمة.

فالحرية هي التي توفر المناخ الطبيعي لتجاوز كل الحساسيات واستيعاب كل الأطياف والقوى في مشروع الأمة الجامعة والوطن المشترك. وبدون الحرية (أي مع سيادة الاستبداد) تنمو العصبيات، وتبرز الأطياف والخصوصيات وتتطلع إلى بناء كيانات خاصة بها. لأن مشروع الاستبداد همشها ومارس التمييز بأقسى صوره ضد وجودها وتطلعاتها المشروعة.

إن تسفيه مشاعر الآخرين، لا يقود إلى التضامن والوحدة، بل إلى الشقاء والمحنة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية مفادها: أن اندماج الأقليات في مشروع الوطن والوحدة الوطنية أو القومية، يتطلب إعطائها الحرية لممارسة شعائرها وطقوسها الدينية وفسح المجال القانوني لتاريخها الثقافي، ولمساهمة ثقافتها الــراهنة في صياغة واقعها الخاص. حينذاك (أي حينما تمنح الأقليات الحرية)، سيتم الاندماج الطوعي والاختياري في مشروع الوحدة الوطنية والقومية. فطريق الوحدة يمر عبر الحرية فلا وحدة بدون حرية، ولا اندماج بدون قانون ودستور يحمي خصوصية الأقليات الدينية والثقافية.

وهذا لا يعني التشريع للكيانات الخاصة والدويلات الضيقة، وإنما نعتبر هذه الكيانات وليد طبيعي للاستبداد والديكتاتورية. لذلك فإن المطلوب احترام الخصوصيات الدينية والثقافية، لأنها الطريق الحضاري لخلق وحدة في الاجتماع السياسي.

- الحرية بوابة الوحدة:

لكي ترتفع الأقليات والاثنيات من دوائرها التقليدية وكياناتها الذاتية إلى مستوى المواطنة الجامعة، هي بحاجة إلى عوامل موضوعية وسياسية، تساهم في إشراك هذه الدوائر والكيانات في بناء مفهوم الأمة.

ولقد علمتنا التجارب أن التعامل القهري مع هذه الكيانات الأقلوية والإثنية، لا ينهي الأزمة، ولا يؤسس لمفهوم حديث للأمة والوطن، وإنما يشحن المجتمع بالعديد من نقاط التفجر والتوتر، ويدفع هذه الكيانات إلى الانكفاء والانعزال، وبهذا يسقط مشروع الأمة والمواطنة الجامعة.

وخيار القمع والاستبداد خلال العقود المنصرمة، وفي مناطق عديدة من مجالنا العربي والإسلامي لم يقض على هذه المشكلة، ولم يؤصل لمنظور وحدوي جديد، يتجاوز فيه بشكل حقيقي وعميق مشكلة الكيانات الخاصة.

وإنما أدى خيار الديكتاتورية والقمع، إلى مسلسل رهيب من التهميش والتمييز على مختلف الصعد بحق أبناء الأقليات والأثنيات.

وفي المقابل وأمام هذه الهجمة الشرسة ضد هذه الكيانات، مارست الأخيرة عملية انكفاء وانعزال من اجل الدفاع عن ذاتها وخصوصياتها الأثنية أو القومية أو الدينية أو المذهبية.وفي المحصلة النهائية كان الوضع عبارة عن قمع وتهميش وتمييز وإلغاء تمارسها مؤسسة الدولة تجاه هذه الوجودات، لتذويبها بالقوة والقهر في الدائرة الوطنية أو القومية الغالبة، وممانعة مستميتة من قبل هذه الوجودات، ألصقتها بخصوصياتها وشخصيتها التاريخية وانغلاق تام في الدائرة الخاصة. ومن جراء هذه المسألة لم ينجز مشروع الأمة الواحدة، ولم يتحقق الإجماع والوحدة الوطنية على قاعدة طوعية واختيارية.. وإنما جعل المسألة الوطنية في خطر عظيم ودائم من جراء هذا الخيار المتخلف في التعامل مع مسألة الأقليات والاثنيات والقوميات المتوفرة في مجالنا العربي والإسلامي.. فالاستبداد فاقم المشكلة، والقهر عمقها وأضاف لها أبعادا جديدة، والتهميش والتمييز المقصود، حرك كل الكوامن والخصوصيات باتجاه المزيد من التشبث بها والالتزام بمقتضياتها.

وهذا يعني أن الديكتاتورية والاستبداد، لم يدفع هذه الدوائر إلى مصاف الأمة الواحدة، كما أنها لم تشعر بالاطمئنان التام تجاه كل شعار ومشروع وحدوي، تقف وراءه مؤسسة مستبدة وديكتاتورية عسكرية أو سياسية. وذلك لأن هذا المشروع الوحدوي، يخفي في واقع الأمر صراعا أقلويا وعصبويا، يتجذر ويتعمق في وسط الأمة بيافطة وحدوية وتوحيدية..

والمشروع الوحدوي الذي يستند على الديكتاتورية والاستبداد،يفضي إلى المزيد من الفرقة والتشرذم والتشظي والبعد عن كل متطلبات الوحدة.

لأن الوحدة الوطنية أو القومية، لا تنجز على قاعدة إفناء التنوعات الداخلية، وإنما عبر توفير الحرية لها، ولكي تمارس دورها في بناء الوحدة.. والخطاب الوحدوي الذي حارب الأقليات والاثنيات والقوميات الأخرى، باعتبارها مضادات للوحدة أو طوابير خامسة للقوى المعارضة للوحدة، انتهى المطاف إلى إقليمية ضيقة، لا يرى إلا الإقليم القاعدة، ولا يحترم إلا مصالحه وتحالفاته وواقعه السياسي. لدرجة نستطيع القول فيها، أنه لا يوجد قطر من الأقطار العربية، من يتعاطى مع مشروع الوحدة من موقع الجدية والخطوات المرحلية الدائمة الموصلة إلى هدف الوحدة.. وإنما يتم التعاطي مع هذا المشروع كشعار يخفي المصالح والمطامع الإقليمية، ولتبرير وتسويغ واقع الحال.. فالوحدة سيرورة تاريخية يتداخل فيها السياسي مع الثقافي والاقتصادي والنفسي، وهي بحاجة إلى عمل يتراكم مع بعضه البعض، لكي تخلق الحقائق والوقائع الوحدوية الموصلة إلى مشروع الوحدة الشاملة. ولكن وبفعل النزعة الشوفينية والعدمية لمشروع الوحدة الشاملة، نجد المفارقات العجائبية. خطاب وحدوي مركزي، ووقائع قطرية ضيقة، عاطفة جياشة تجاه الوحدة، وواقع يتم تبريره وإسناده مضاد للوحدة وموغل في الدوائر الضيقة، شعار وحدوي يتطلع إلى الوحدة بشوق وشغف، ومسيرة التجزئة وشرعيتها تأخذ مسارها في الوجود والممارسة.

لذلك نستطيع القول: أنه ليس كل خطاب وحدوي، يوصل إليها، بل على العكس من ذلك في كثير من الأحيان.. الخطابات الوحدوية (على المستوى الفعلي) تعمق الفروقات القطرية، وتتعامل مع واقع التجزئة من موقع استراتيجي، ينشد إبقاء الأمور على حالها.

لذلك فإننا بحاجة أن نعيد النظر في مشروع الوحدة، بمعنى أن التجارب والممارسات خلال الأربعة عقود الماضية، أوصلتنا جميعا إلى طريق مسدود في مسألة الوحدة. ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول، أن جذر الإخفاقات ليس في العوامل الخارجية التي وقفت ولا زالت تقف ضد مشروع الوحدة، بل في العوامل الداخلية، التي هي بحق المعوق الأساس والجوهري لهذا المشروع. ولعلنا نكثف هذه العوامل الداخلية في محور واحد هو: العلاقة بين مشروع الوحدة والاستبداد.

والتجارب الوحدوية الفاشلة، التي عمقت بفشلها وتراجعها وسلبياتها حالات التجزئة، كان السبب الأساسي في تقديرنا لفشلها وإخفاقاتها، هو في اعتماد هذا المشروع على ديكتاتورية عسكرية وسياسية لإنجاز هذا المفهوم الحضاري.

كما أن الوحدة التي تستند في خلق واقعها ومسيرتها الفعلية على سلطة مستبدة، لا تنجز الوحدة، بل تعمق خيار التفتيت والتشظي تحت مسميات ويافطات عديدة. فالاستبداد لا يخلق وحدة، بل تشظيا وتفتتا وانزلاقا نحو الحروب الداخلية المميتة لكل حيوية وفعالية باتجاه الوحدة ومتطلباتها السياسية والاجتماعية.

ولا نبالغ حين القول: أن من الأخطاء التاريخية الكبرى، التي وقعت فيها مشاريع الوحدة والتوحيد في مجالنا العربي والإسلامي، هو اعتمادها عسكرتاريا ديكتاتورية ونخبة سياسية مستبدة لا ترى إلا بلون واحد ولا تتعامل إلا بعقلية ضيقة، صحرت الواقع الاجتماعي، وأفقرت العمل السياسي والمدني، وخلقت الحواجز النفسية والفعلية الكبرى التي تحول دون الوحدة والتوحيد. لذلك لم نجن من هذه التجارب والممارسات إلا المزيد من التشظي والتجزئة والتشرذم.

وكمون قيمة الوحدة في قاع الوعي والعاطفة، ينبغي أن لا يدفعنا إلى تبني خيارات فوقية وشكلية لانجازها. لأن الخيار الخاطئ يفاقم العقد، ويبرز إشكاليات جديدة، تزيد من أزمات وعقبات مسيرة الوحدة.

كما أن الميل التاريخي نحو الوحدة والتوحيد في المجال العربي والإسلامي، من الضروري أن نقرأه بعمق، حتى يتسنى لنا خلق آليات مناسبة، تدفع هذا الميل التاريخي نحو مسيرة تصاعدية، إيجابية، تتجاوز مناخات الواقع السيئة. فالأزمة دائما ليس في قيمة الوحدة وإيجابياتها وآفاقها الكبرى التي توفرها على مختلف الصعد، بل في الطريق الذي تنتهجه النخب للوصول إليها..

- الحرية شرط تجاوز الطائفية:

الحقائق التاريخية عنيدة، ومشروع الوحدة لا ينجز على أنقاضها. حيث تعلمنا التجارب أن كل المحاولات التي بذلت لتدمير هذه الحقائق التاريخية كشرط للوحدة باءت بالفشل، وذلك لأن هذه الحقائق متجذرة وتمتلك امتدادات عميقة في الجسم الاجتماعي.. لذلك نستطيع القول أن طريق الوحدة، لا يمر عبر محاربة هذه الحقائق، وإنما عبر احترامها وتوفير الحرية اللازمة لها، حتى تتوفر الظروف والمناخات المؤاتية لانخراطها الحضاري في مشروع الوحدة والتوحيد.

فالمشترك الوطني، لا يعني إلغاء الخصوصيات الدينية أو المذهبية والثقافية، وإنما يتطلب احترامها وفسح المجال لها، لكي تمارس دورها ووظيفتها في إثراء مفهوم الوحدة بمضامين حضارية، تتجاوز الرؤية الآحادية والنهج الإقصائي.

واحترام الأقليات وإعطاءها الحريات اللازمة يعني:

1. فسح المجال القانوني والاجتماعي والسياسي، لكي تمارس هذه الأقليات شعائرها الدينية بعيدا عن الضغوطات والتجاذبات. ومن الأهمية أن ندرك جميعا، أن من الحقوق الأساسية لكل إنسان، أن يمارس عقائده وشعائره في مناخ من الحرية والاحترام و القانون. وحينما لا تتوفر هذه الحرية، لا يعني انعدام ممارسة الشعائر،بل يعني أن الأقليات ستبحث لها عن طرق وأساليب أخرى لكي تمارس شعائرها وطقوسها.

2. فسج المجال الثقافي والسياسي، لكي تمارس الأقليات خصوصياتها اللغوية والثقافية. إذ أن لكل جماعة بشرية خصوصيات ثقافية. قمع هذه الخصوصيات، لا يفضي إلى وحدة، بل إلى أساليب جديدة، تمارس هذه الأقليات من خلالها خصوصياتها الثقافية.

لذلك فإن المطلوب دائما، أن لا تقمع ثقافة الأقليات، أو يتم التعامل معها بفوقيه واستعلاء.. المطلوب الحرية بكل آفاقها ومتطلباتها للثقافة والخصوصيات المعرفية لكل جماعة بشرية.

3. الشراكة السياسية والاقتصادية، حتى تنطلق الطاقات والقدرات في مشروع بناء الوطن وعمرانه.

والشراكة السياسية والاقتصادية، تقتضي تكافؤ الفرص، وفسح المجال للجميع بعدل للمشاركة في الإدارة والتسيير.

لهذا نستطيع القول: بأن مفهوم الشراكة السياسية والاقتصادية في بناء الوطن وإدارته تقتضيان إلغاء كل أشكال الإقصاء والتمييز، والشفافية في الإدارة وتسيير الشؤون العامة، ووجود عقد اجتماعي ـ سياسي ينظم العلاقة بين مختلف الدوائر والقطاعات، حتى تنتظم جميع الكفاءات الوطنية في مشروع البناء والعمران.

فالاستبداد والتمييز، لا يخلقان وحدة واندماجا، وإنما تحاجزا وانفصالا عميقا بين مجموع القوى والتعبيرات المتوفرة في الساحة. ولذلك فإنه لا شراكة حقيقية على المستويين السياسي والاقتصادي مع وجود الاستبداد السياسي، وذلك لأنه يفرغ هذه المقولة من مضمونها الحقيقي والفاعل. فالشراكة السياسية والاقتصادية، تتطلبان تفكيكا متواصلا للبنية الاستبدادية، حتى يتسنى للجميع وعلى قدم المساواة المشاركة في إدارة الشأن العام وتطوير الوطن وعمرانه وتنميته على مختلف الصعد والمستويات.

وبكلمة: إن العدل السياسي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ودلالات، هو الذي يوفر الأرضية المناسبة، لإنجاز مقولة الشراكة السياسية والاقتصادية لكل القوى والأطياف في البناء والإدارة والتسيير.

- الحرية طريق المواطنة:

إذا توفرت الحرية والعدالة، توفرت عناصر العقد الاجتماعي الحقيقي، الذي يحافظ على الاستقرار ويعمق عوامل الأمن الشامل. فتتوفر كل العناصر المطلوبة لمفهوم المواطنة الحقة. فلا مواطنة بدون حرية وعدالة، فهما طريق خلق المواطن الصالح المدافع عن منجزات وطنه ومكتسباته، والمدافع عن ثغوره وحدوده، وهو الذي يكافح باستماتة من أجل عزة الوطن وتطويره. فالإنسان المقموع والمضطهد في وطنه، لا ينمو لديه حسن المواطنية بشكل إيجابي، وذلك لأنه باسم الوطن يضطهد ويقمع، وتحت علمه وشعاراته الوطنية تهان كرامته وتنتهك حقوقه. لذلك فإن طريق المواطنة هو الحرية وصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته الإنسانية.

إن هذه القيم والمبادئ، هي التي تخلق عند الإنسان الحس الوطني الصادق. وبدون هذه القيم، تضيع المواطنية،و إذا ضاعت المواطنية ضاع الوطن.لذلك لا وطن عزيز بدون مواطنية عزيزة.

وإذا توفرت الحريات العامة، فهذا يعني توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع، وبلورة كفاءات نخبته، وازدادت إبداعاته ومبادراته. وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن. ويخطأ من يتصور أن القهر والاستبداد والأساليب الأمنية المختلفة، هي القادرة على خلق المواطنية وحالة الولاء الصادق إلى الوطن.

إننا ومن خلال التجارب التاريخية العديدة، أن الحرية والشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هو الكفيل بتعميق حس المواطنة الصالحة. فشعب الولايات المتحدة الأمريكية، أتى من بيئات جغرافية متعددة، وأطر عقدية ومرجعيات فكرية وفلسفية متنوعة، ولكن الحرية بكل آلياتها ومجالاتها ومؤسساتها، وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي التي صهرت كل هذه التنوعات في إطار أمة جديدة وشعب متميز.

فالحرية وحدها هي القادرة على خلق المواطنة الصالحة، وبدونها تتحول كل المشتركات عوامل للجمود والتخشب والبعد عن الحيوية والفعالية في كل مجالات الحياة. وإن المجال الإسلامي خلال العقود الماضية، دفع ثمن تهميش أقلياته وممارسة أقسى أشكال التمييز تجاه هذه الأقليات. حيث الحروب العبثية، التي أهدرت الكثير من الطاقات والثروات، والتدخلات الأجنبية السافرة في مصالح واستراتيجيات هذا المجال، حيث وجدت في سياسة التمييز والإقصاء الأرض الخصبة لإرباك الساحات الداخلية للعرب والمسلمين. والمحصلة النهائية لكل ذلك الشعور بالضياع وضمور الحس الوطني الصادق، والبحث الشره على المصالح الضيقة، حتى ولو كان ثمنها حرية الوطن واستقلاله.

ولا نعدو الصواب حين القول، أن جذر هذه الأزمة هو الاستبداد السياسي الذي يلتهم كل فعالية، ويقمع كل أمل وحيوية، ويزدري من كل تطلع وطموح.

فالاستبداد يدمر الأوطان ولا يحفظها، ويمتهن كرامة المواطنين، ويدوس على مقدساتهم وتطلعاتهم.

وحدها الديمقراطية التي تعيد الاعتبار إلى الذات والوطن، وتعيد صياغة العلاقة بينهما، فتنتج وعيا وطنيا صادقا، يحفز هذا الوعي على الدفاع عن عزة الوطن وكرامة المواطنين.

فالاستقرار السياسي والمجتمعي، يتطلب باستمرار تطوير نظام الشراكة والحرية على مختلف الصعد والمستويات، حتى يتسنى للجميع كل من موقعه خدمة الوطن وعزته.

والمواطنة التي نراها شرط إنجاز الحرية على الصعيد المجتمعي، ليست شعارا يرفع أو يدّون في الأنظمة الإدارية والإجرائية، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، تدفع باتجاه تنمية مشاركة المواطن في قضايا وطنه المختلفة.. " ومن أجل تجسيد المواطنة في الواقع، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات. وعلى القانون أن يحمي وأن يعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد، وأن يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية، وعليه أيضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف. كما أن على القانون أن يمكن الأفراد من أن يشاركوا بفعالية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، وأن يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها " (6)

فالمشاركة الواعية بدون استثناءات ووصايات في شؤون الأمة والوطن، وقدرة كل مواطن إلى الوصول بكفاءته إلى أعلى المناصب والمستويات بصرف النظر عن منبته ومذهبه وقوميته، هو الذي يثري مفهوم المواطنة، ويجعل إنجازه مرهونا إلى حد بعيد إلى الحرية والديمقراطية. فلا مواطنة حقة بدون ديمقراطية سياسية، تعطي لكل المواطنين حق المشاركة والتعبير والاجتماع والتنظيم والإدارة. فطريق المواطنة بكل متطلباتها وشروطها، يمر عبر الديمقراطية، فهي التي تحقق مفهوم المواطنة، وبدونها نبقى سديما بشريا لا يشترك في تقرير مصيره، ويمارس عليه كل أنواع التمييز والتهميش.

ولا شك أن أحد الأسباب الرئيسة لانهيار الوعي الوطني الصادق، هو عدم التعامل الجاد والديمقراطي مع مسألة الأقليات. إذ خضعت هذه المسألة للعديد من الاستقطابات السياسية المختلفة، وتم استخدامها كورقة في الصراعات السياسية، دون أن تنبري قوى نوعية للقيام بمبادرات سياسية جادة، تسعى نحو بلورة رؤية متكاملة وممكنة لهذه المسألة في المجالين العربي والإسلامي.

ولنا في التجربة النبوية في المدينة المنورة خير مثال ونموذج، إذ أن المواطنة التي شكلها رسول الله (ص) لم تلغ التعدديات والتنوعات، وإنما صاغ دستورا وقانونا يوضح نظام الحقوق والواجبات، ويحدد وظائف كل شريحة وفئة، ويؤكد على نظام التضامن والعيش المشترك. إذ جاء في صحيفة المدينة: " وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا، ولا يؤويه، وإنه من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم في شيء (فيه من شيء)، فإن مرده إلى الله وإلى محمد (الرسول) وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما دامو محاربين.. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين: لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم، وأنفسهم، إلا من ظلم، أو أثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته " (7).

فسبيل المواطنة الصادقة، ليس التوحيد القسري والقهري للناس، وإنما بالحرية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكرامته، نخلق مواطنا صالحا وفاعلا وشاهدا.

ومواجهة تحديات الخارج المختلفة، لا تتم عبر قهر الناس ومصادرة حقوقهم وحرياتهم،وإنما على العكس من ذلك تماما. فمواجهة تحديات الخارج، تتطلب انبثاق قوة وحدوية وتوحيدية في داخل الوطن، تأخذ على عاتقها تجميع الطاقات وبلورة الاستراتيجيات، والاستفادة من كل القدرات والإمكانات. وهذه القوة الوحدوية، لايمكن أن تبنى على قاعدة القهر ومصادرة الحقوق والحريات،وإنما على قاعدة صيانة الحقوق والكرامات، ومأسسة الحريات. إن هذه القاعدة الحضارية، هي التي تفشل كل عمليات ومحاولات الاختراق للجسم الوطني، وهي القادرة على إفشال كل الرهانات التي تسعى إلى تجزئتنا وتفتيتنا وانقسامنا.. " والديمقراطية بهذا المعنى هي تعظيم لقدرات المجتمع وتحصين له ضد الانفجارات الداخلية والاختراقات الخارجية. روح الديمقراطية، مثل روح الفيدرالية، لا تكمن في الآليات الشكلية بقدر ما تكمن في معنى تعظيم المشاركة وتعظيم الاستفادة من قدرات كل التكوينات الاجتماعية – ـ الاقتصادية، دون قهر أو استغلال من إحدى هذه التكوينات للتكوينات الأخرى. فليست الديمقراطية الليبرالية، مثلا، هي الشكل الأوحد أو الأنسب لكل الأقطار في كل الحالات. ولكن الأنسب والأمثل هو إتاحة الفرص المتكافئة لأبناء كل الجماعات الإثنية للمشاركة في إدارة مجتمعهم، وفي إنتاجه، وفي خدماته " (8).

والمجتمع الاستبعادي والمغلق، لايمكن أن تنمو في محيطه قيم الديمقراطية والتسامح، وذلك لأنه يستند على نظام اجتماعي مغلق، يحارب كل محاولة نحو الانفتاح والتواصل، ويقف موقفا مضادا من كل عمليات إعادة بناء المجتمع على أسس ومعايير جديدة..

والمطالبة بالديمقراطية، والشعور بضرورتها وأهميتها لواقعنا الراهن، ليس وليد التقليد الصرف للآخرين وأطوارهم التاريخية، بل هو من صميم واقعنا ومسيس حاجتنا إلى هذه الحريات، حنى نتمكن جميعا من الخروج من المآزق الكبرى التي نعاني منها، وتحول دون إنطلاقتنا الحضارية..

إن الديمقراطية بثقافتها وآليات عملها والمناخ الذي تخلقه على مختلف الصعد، هي القادرة على تفكيك الكثير من العقد والأزمات بأقل خسائر ممكنة. وإن رفض هذا الخيار والنهج، يفاقم من العقد والأزمات، ويدخلنا جميعا في حقبة الانفجارات الاجتماعية والحروب الداخلية، التي لا تزيد أوضاعنا وأحوالنا إلا سوءا وتدهورا.

وحدها الديمقراطية والحريات السياسية والثقافية، هي التي تؤسس لطريق جديد لمعالجة الأزمات من جذورها، وتنهي موجبات ديمومتها بأقل خسائر ممكنة على جميع الصعد والمستويات.

ولا يوجد شيء مهما علا شأنه يعوضنا عن قيمة الحرية. فحينما تتوفر كل أسباب القوة الاستراتيجية والعسكرية والشعبية، دون قيمة الحرية، فإن هذه الأسباب لا تباشر دورها المطلوب، ولا تقوم بممارسة تأثيراتها المنشودة.

فكاريزما جمال عبد الناصر والشعبية العارمة التي اكتسبها، لم يلغ حاجتنا إلى الحرية. والأحداث والتطورات اللاحقة في التجربة الناصرية، أكدت حيوية هذه القيمة، بل إن " الشعور الذي تولد لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد الهزيمة،والذي عبر عنه في مناقشات مغلقة ومفتوحة كثيرة. هو أن تحييد الجماهير وإقصاءها عن المشاركة في تشكيل القرار السياسي بالرأي ـ مهما كانت ثقتها في الصفات الاستثنائية لكاريزما عبد الناصر، ومهما كان اقتناعها بسلامة وصحة الاختيار أو القصد الوطني عند هذه الكاريزما ـ قد أسهم بشكل محسوس في إضعاف مركز القيادة السياسية، أمام مراكز القوى التي مارست صراعا على السلطة، استنزف قدرات هذا النظام، وعبث بمقدراته، ودفع به إلى هاوية الإخلال بأول واجبات أي نظام سياسي، ألا وهو الحفاظ على استقلال التراب الوطني " (9).

مع الحرية والديمقراطية، يبقى مشروع الوحدة ممكنا، وبدونها يبقى واقعنا ممزقا وراهننا متشرذما. ولاعلاج لمآزقنا العديدة إلا بالحريات السياسية الحقيقية التي تسمح لجميع القوى والتعبيرات من المشاركة النوعية في إدارة الشأن العام وتطوير الحقل السياسي والمدني الوطني. ومع الديمقراطية والحرية تبقى الأقليات عامل إثراء لمضامين الوحدة على المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية.

وبدونها تبحث الأقليات عن مشروعها الخاص، وتتكور في دائرتها الخاصة.فيضيع الوطن الجامع، وتتبعثر مشروعات الوحدة والتوحيد.

وإذا أردنا للأقليات أن تعود إلى فضاء الوحدة ومجال التوحيد، فما علينا إلا إرساء دعائم الديمقراطية ومتطلبات الحريات الدينية والثقافية والسياسية، حتى تتجاوز مشروعاتها الخاصة وهواجسها الذاتية.

فالحرية والديمقراطية هي الوسيلة الحضارية الوحيدة، القادرة على إدماج الأقليات بشكل اختياري وإنساني مع النسيج العام. وذلك لأن الحريات تساهم بشكل أساسي في تنمية المشتركات وتفعيلها والدفع بها باتجاه خلق الوقائع السياسية والمجتمعية المنسجمة وحاجات و متطلبات القواسم المشتركة.

إن الاندماج العام، لا يمكن أن يتم إلا على أرضية سياسية جديدة، قوامها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والدستور. وبالتالي فإن عملية الاندماج منوطة في عناصرها الكبرى إلى الأغلبية، حيث بإمكانها عبر الخطوات السياسية الجادة والنوعية نحو الانفتاح وتغيير قواعد اللعبة السياسية، أن تجعل المناخ العام مؤاتيا مع خيار الاندماج الوطني العام.

فالتقدم السياسي باتجاه الحريات، هو الذي يعالج مشكلة الأقليات. بمعنى أن عدالة العلاقة وديمقراطيتها بين الأغلبية والأقلية، هو الذي ينهي العناصر النابذة والنافرة في العلاقة بين الطرفين.

***

محمد محفوظ

..................

الهوامش

(1) د. سعد الدين إبراهيم، تأملات في مسألة الأقليات، ص 18، دار سعاد الصباح، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، القاهرة 1992م.

(2) المصدر السابق، ص 23.

(3) جريدة الحياة اللندنية، العدد (13923)، الأحد 29 أبريل / 2001م، مقال الاعتراف بحقوق الأقليات اعتراف بوحدة العالم وتنوعه. جورج طرابيشي.

(4) تأملات في مسألة الأقليات، ص 23، مصدر سابق.

(5) برهان غليون، نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة، ص 6، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 1990م.

(6) مجلة المستقبل العربي، العدد (264)، (2/2001م). مركز دراسات الوحدة العربية، ص 118. دراسة الدكتور على الكواري: مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية.

(7) الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، الجزء (19)، ص 110 ـ 111، الطبعة الثانية، مؤسسات الوفاء، بيروت 1983م.

(8) تأملات في مسألة الأقليات، ص 237، مصدر سابق.

(9) عمرو عبد السميع، أحاديث الحرب والسلام والديمقراطية ـ الكتاب الثالث، ص 15، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، القاهرة 1998م.

لا غرو في أن أنبياء المورمونية المعاصرين قد استفادوا من الحركات الإصلاحية والملل العقدية اليهودية المستحدثة مثل “الأدفنتست” (السبتيين) و”شهود يهوه” اللتين ذاعت أخبارهما في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بأميركا؛ فجميعهم قد اتفق على جحد التراث العقدي ونقده والتشكيك في سلامة نصوصه، وقدرة أنبياء الملل الثلاث على تجديد شريعة الرب، وإزالة ما أفسده الأولون من اللاهوتيين الذين قادتهم أهوائهم على التجديف والدس والانتحال. وقد اتفق أيضاً أنبياء المورمون والسبتيين وشهود يهوه على أن الرب قد منحهم القدرة على تأويل الوحي على نحو يتفق مع ثقافة العصر واحتياجات الواقع الإنساني وما انتهى إليه العقل البشري من علوم ونظم ثقافات وقيم تحقق السعادة لمن يؤمن بالبشارة الجديدة التي خَصَّ بها الرب سكان الكرة الأرضية في الغرب – ليعلموا الأجيال المُقبلة حتى قيام الساعة – والمتمثلة في أصول المدنية في العلم والاستنارة.

وجميعهم قد اتفق أيضاً على النهاية الدرامية للعالم حيث القوة والعنف وإسالة دماء الخصوم الذين لم يؤمنوا بتعاليم الصهيونية المقدّسة. وحريٌّ بنا الإشارة في عجالة للأثر الصهيوني على الديانات الأمريكية المعاصرة وعلى رأسها المورمونيّة.

ــ الدعوة الصهيونية:

لم تعتنق المورمونية عقيدة شعب الله المختار اليهودية لتميز بين الساميين والآريين؛ بل تجاوزت ذلك إذ أمنت بأن الرب قد نسخ شريعته ورفع من قدر المؤمنين بالتعاليم الصهيونية التي دعا إليها رُسل المورمونية فهم وحدهم دون سائر البشر الذين سوف ينعمون بالخلاص والبركة والسعادة في الملكوت الأعلى وسوف تُكتب لهم العزة بعد أن يتم خلاصهم بهزيمة أعدائهم على يد جنود الرب وقيادة يسوع لجيوش الصهاينة الذين سوف ينطلقون من أورشليم وذلك استناداً على ما جاء في سفر المورمون الإصحاح العاشر (31) (فأستيقظي وانتفضي من الثرى يا أورشليم، نعم، وألبسي حللك الجميلة، يا ابنة صهيون)، كما جاء في الإصحاح الرابع عشر (6) (لا تعطوا القوس للكلاب ولا تطرحوا دوركم قدّام الخنازير؛ لئلاً تدوسها بأرجلها وتلتفت لتمزّقكم … إنه ستكون هناك عاصمتان في العالم: الأولى في أورشليم, والثانية في أميركا؛ لأن صهيون تخرج من الشريعة, ومن أورشليم تخرج كلمة الرب).

كما تشير العديد من الدراسات المعاصرة على ذلك التقارب الأيدلوجي الذي جمع بين الطائفة البروتستانتية والثقافة اليهودية الصهيونية في المجتمع الأمريكي منذ منتصف القرن التاسع عشر. ومن مظاهر ذلك التآلف، اهتمام عوام المثقفين وجل خواص الأكاديميين لدراسة اللغة العبرية وآدابها والفكر السياسي الصهيوني، وأدبيات شعب الله المختار، وأخبار يوم القيامة وعودة يسوع في نهاية الزمان. ويستشهد سمير مرقص في كتابه “الأصولية البروتستانتية والسياسة الخارجية الأمريكية” بتأثر نبي المورمون ومن بعده رجل الأعمال الأمريكي القس وليم بلاكستون (1841-1935م) الذي قاد الدعوة الصهيونية لإعادة اليهود إلى فلسطين واتخاذ القدس مركزاً لهم وذلك انطلاقاً من معتقده المورموني بأن جيش الخلاص سوف ينطلق من القدس في المستقبل،

ومن ثم كان لزاماً عليه استمالة المسيحيين الأمريكان إلى زعم الحق اليهودي في إنشاء دولة لبني إسرائيل، وقد عبر كتابه (عيسى قادم – 1878م) عن تلك الأفكار، فأسس منظمة (البعثة العبرية من أجل إسرائيل) في شيكاغو وهي لم تزل مستمرة في مهمتها حتى اليوم باسم جديد هو (الزمالة اليسوعية الأمريكية) والتي تعد قلب جهاز الضغط الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شارك هرتزل (1860-1904م) في انتقاء النصوص التوراتية التي يجب التعويل عليها في دعوتهما الاستيطانية وتكوين جماعات أمريكية تروج للفكر الصهيوني المسيحي، وتوجّت هذه الجهود بوعد بلفور عام 1917م.

وتضيف الكتابات التاريخية بعض مظاهر تلك العلاقة التي ربطت بين المورمونيين البروتستانت والصهاينة موضحة أنه ليس هناك مجالاً للشك في أن حركة التهود التي طالت الاتجاهات الأصولية المسيحية – إلى درجة اقتباس بعض النصوص التوراتية وتوظيفها في رسومات وشعارات أمريكية تفيد وحدة التراث المسيحي اليهودي المشترك وما يتبعها من أخلاقيات وسياسات ليبرالية براجماتية والخلاص الفردي وتفعيل ما يسمى بالإنجيل الاجتماعي- لا يمكن إنكارها ودورها في الفكر السياسي الأمريكي.

وفي عام 1942م تأسست (الرابطة الوطنية للإنجيليين). وفي عام 1990 أضحى اليمين المسيحي المفعم بالتعاليم الصهيونية المحرك الأول للسياسة الأمريكية.

ونستنبط من ذلك كله أن المورمونيين قد لعبوا دوراً مهماً جنباً إلى جنب مع الديانات اليهودية الإنجيلية المعاصرة لتحقيق ما جاء في كتاب المورمون وأقوال “سميث” ومزاعم “هرتزل”.

وتكشف قراءتنا لأصول العقيدة المورمونية عن عدة حقائق:

- أولها: أن المورمونية ديانة وضعية ذات منحى أيديولوجي راديكالي ووجهة صهيونية شيفونية تسعى إلى نقد دونها من الديانات والملل والمذاهب، وتجعل إنجيل المورمون هو الشريعة الحقة والكتاب المقدس الناسخ لكل الشرائع والضامن الأوحد للنعيم والسعادة للبشر في الدنيا والآخرة.

- وثانيها: أن بنية الأفكار والمعتقدات المورمونية مُنتحلة ومُلفقة بتأثير من الفلسفات الشرقية، وعلى رأسها الفلسفة الرواقية، والكتابات الهرمسية والشيفونية الغربية، وشطحات الربانيين والتلموديين والحسيديين من اليهود، وفرقة القبالة الباطنيّة الحلوليّة المؤصلة لقضية نسخ الشريعة على يد الأنبياء المحدثين وبروتوكولات حكماء صهيون، وذلك كله تحت مظلة الماسونية المنتحلة لمعظم الفلسفات المعاصرة.

- وثالثها: أن سياستها في التبشير تنحو منحى براجماتي في إقناع الشباب على وجه الخصوص بأرض الميعاد الجديدة المتمثلة في المدنية الأمريكية حيث التقدّم العلمي والتكنولوجي والرقي والرخاء والحرية ونعمة الرب والإخلاص في طاعة يسوع والنعيم المنتظر في أورشليم التي سوف تشهد الخلاص النوراني القاهر لأعداء الصهيونية في حرب آخر الزمان التي سوف يُسحق فيها الشيطان وزبانيته.

- ورابعها: ادّعاء المورموني أن من اعتنق الديانة المورمونية سوف يتحرّر من جميع الشرائع والمعتقدات السابقة؛ فالخلاص المورموني الذي يتم بالعمادة يغفر كل ما سبق ويخلص العقل والقلب من كل العوائق التي تحول بين المورموني وما يحقق له السعادة والهناء والأمن والطمأنينة في كنف المجتمع الصهيوني الجديد.

- وخامسها: أن العقدية المورمونية قد ابتدعها المفكرون الصهاينة المتأخرون لفض النزاع القائم بين اليمينين اليهود المتعصبين للقديم والحداثيين العلمانيين الغربيين الأمريكان والروس والأوروبيين على وجه الخصوص، وذلك منذ القرن 19م، وقد ساهم التيار الإصلاحي الصهيوني المتمثل في حاخامات الألمان في تشكيل بنية المورمونية الجديدة للربط بين السياسة والدين في البرنامج التثقيفي للمورمونية، حتى يتمكن يهود العالم من وضع قومية معاصرة خاصة بهم من جهة، والتأليف بين الإنجيليين المسيحيين والعلمانيين في شتى بقاع الأرض من جهة أخرى، والقضاء على كل الأصوليات الدينية باسم وحدة الأديان أو فلسفة ما بعد الدين أو إحياء الديانة الإبراهيمية كما بيّنا فيما سلف.

والجديرُ بالإشارة أنّ التيار الصهيوني الماسوني قد وجد في العقيدة المورمونية إحدى الآليات لفض النزاع الذي شب بين اليهود اليمينين والعلمانيين الليبراليين في القدس منذ عام 1939م. وقد روج الاتجاه الصهيوني في ألمانيا وبولندا للأفكار التي توحد بين الزعامة الصهيونية والكتابات المقدّسة التي تتنزل على التلموديين من قبل الرب؛ وذلك لإقناع الإسرائيليين بقومية جامعة بين الدين والسياسة في سياق علمي معاصر.

وخليقٌ بنا التنبيه على وجود أوراق خفية وتعاليم مشفرة وأهداف غير معلنة لهذا التحالف الأمريكي البروتستانتي الصهيوني الذي يسعى لقيادة العالم تارة عن طريق الاقتصاد، وتارة أخرى عن طريق تفكيك المجتمعات اجتماعياً وأخلاقياً وسياسياً، وذلك كله لخدمة الصراع المنتظر قبيل يوم القيامة انطلاقاً من دائرتين مركزيتين أولهما القدس والأخرى من نيويورك.

- أشهر الديانات الأمريكية المناصرة للمورمونية:

تعد ديانتي الأدفنتست وشهود يهوا من أهم الديانات الصهيوماسونية ذات الأثر الأكبر على المورمونيّة المعاصرة من جهة، والمشروعات الفلسفية التي تدعو لوحدة الأديان أو نسخها في دين واحد أو ابتداع العديد من المصطلحات الميتافيزيقية مثل عولمية الأديان، وما بعد الحداثة الروحية، وفلسفة النبوة، والتأويل التفكيكي للنصوص المقدّسة واللاهوت النسوي.

- السبتيون:

فقد ظهر السبتيون عام 1844م على يد الأميركي وليم ميللر(1782-1849م) أي عقب ظهور كتاب المورمون بإحدى عشر عاماً، وكانت أشهر عقائدهم وأهمها على الإطلاق هو إيمانهم بالعود الثاني والخلاص الأخير. والحرب الفاصلة بين شعب الله المختار الذي يمثله السبتيون بقيادة يسوع ضد أبناء الأفاعي من الأغيار الذين لن يؤمنوا بعقيدتهم الجديدة من سائر الأمم.

وقد تميزت التعاليم المورمونية بالمرونة وعدم القطع في المسائل التي يمكن الشك أن يتسرب إليها وتحاشت كذلك التصريح بأحداث مستقبلية غيبية يصعب التنبؤ بها وعلى رأسها تحديد موعد يوم القيامة والصراع الأخير. في حين أن أنبياء “الأدفنتست” قد وقوعوا في هذا الخطأ مراراً؛ الأمر الذي دفعهم إلى انتحال الأكاذيب واختراق الأحداث, فقد صرح أحد لا هوتيهم ويدعى “حيرام إدسون” (1806-1882م) : أنّ المسيح قد هبط بالفعل من السماء إلى القدس عام 1844م، وانشغل بإكمال بعض الأعمال قبل المجيء إلى الأرض, سوف يقرّر موعد بدء الحرب عند الانتهاء ممّا يشغله”. ولم تقف الحكايات عند هذا الحد؛ بل جاءت العرافة الشابة “ألن هرمون” (1827-1915م)؛ لتخبر الجميع أن المسيح قد هبط في هيئة غير مرئية وبارك يوم السبت وجعله يوم الحسم بين الخير والشر دون أن يصرح بزمن قدومه وبداية الحرب. وقد صرحت أيضاً بأن الرب قد اصطفاها وأنعم عليها بالنبوة والعصمة والتنبؤ بالغيب؛ الأمر الذي جعل كل السبتيين يبجلونها ويرفعون قدرها لدرجة القداسة واعتبروا أقولها مؤيدة وناسخة للكتابات المقدّسة السابقة عليها. ولا تتفق عقدية “الأدفنتست” مع المورمونين في قداسة النبي ونسخ قانون الإيمان والمجيء الثاني للمسيح فحسب؛ بل تتفق معها أيضاً في أن كنيستيهما لم تخل من التدليس ودس الكهنة والكذب على الرب والتجديف. أمّا قضية الخلاص والسعادة الأبدية فللسبتيين رؤية مُخالفة أيضاً لكل الطوائف اليهودية والمسيحية بوجهٍ عام والمورمونية بوجهٍ خاص، ويتمثل ذلك في اعتقادهم بأن الخلاص الأبدي يمر بثلاث درجات : بدأت الأولى عام 1844م وتختص بمحاكمة جميع البشر (للفصل بين الأخيار والأشرار) ومازالت منعقدة جلساتها حتى الآن وتسمى بالدينونة التحقيقية. أمّا الدرجة الثانية فتختص بمحاكمة القديسين وأخذ آراؤهم أو شفاعتهم في الساقطين والعصاة من الإنس والملائكة والجن والشياطين.

أمّا الثالثة والأخيرة؛ فلا حكم فيها إلا للمسيح؛ ليفصل في الأحكام السابقة في الجلستين السابقتين ويصدر الحكم الأخير بالسعادة الأبدية على الأخيار والجحيم الأبدي على العصاة والأشرار وتسمى بالدينونة التنفيذية.

وللحديث بقيّة

***

بقلم : د. عصمت نّصار

 

 

أسهم الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن الحاصل على جائزة الإيسيسكو في الفلسفة والفكر الإسلامي عام 2006 من خلال سلسلة من الأعمال الفكرية منذ سبعينيات القرن العشرين في المنهجيات الحديثة في التحليل النصي والدرس التأويلي للنصوص، انطلاقا من قناعته بضرورة تجديد النظر في كثير من المفاهيم المنثورة من حولنا، فحصا ونقدا وتصحيحا وتنقيحا للخروج من تيه الأفكار الذي نعيشه، "والتيه في الفكر كالتيه في الأرض؛ إذ لا أهداف يعلمها التائه يقينا حتّى يتّجه إليها؛ ولا وسائل يملكها حقًّا حتى توصِّله إلى هذه الأهداف؛ والتِّيه الفكري الذي أصابنا ينطق به حال الشتات الذي يوجد فيه أهل الفكر بين أظهرنا؛ وهذا الشتات ألوان شتّى: شتات في المكان؛ فلا رواق يُظلّهم، ولا مجلس يضمّهم، ولا ملتقى يشملهم، ولا دار ندوة تؤويهم. وشتات في الزمان؛ فلا حضور في عالم القرار لأفكارهم، ولا أثر في أفق المستقبل لمواقفهم، ولا تحاور بين أفراد الجيل الواحد منهم، ولا تخاطب بين مختلف أجيالهم. وشتات في الأفكار؛ وهو أسوأ ألوان الشتات؛ فهذا واقع تحت طائلة التقليد، داعياً إلى الترديد والانكماش؛ وذاك واقع تحت طائلة التنميط، داعيا إلى التكيُّف والاندماج؛ وهذا يتشبّث بكل قديم خوفًا على فقدان الهوية؛ وذاك يتقلّب مع كل جديد، طمعا في التحقّق بالغيرية؛ وهذا كل يوم في إشْكال، فتارة يندمج وتارة ينكمش، وتارة بين بين، وذاك لا إشكال عنده، يفكّر لساعته لا يعدوها؛ لكن على تباينهم درج كلُّ واحد منهم على أن يفكّر مذكيا لنفسه، وهيهات أن يفكّر معترضا عليها! والحق أنه لو اشتغل بالاعتراض على نفسه، لأدرك أنه في تيهٍ عظيم، ولا سبيل للخروج منه إلا بالاهتداء إلى الأهداف الصالحة والوسائل النافذة".(1) وهذا ما دفع طه عبد الرحمن إلى الوقوف أمام علاقتنا الحتمية بالتراث على مستوى تصوّر موضوعه ومنهج قراءته، "فنحن في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه".(2)

والتراث عند عبد الرحمن "عبارة عن جملة المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدّد الوجود الإنتاجي للمسلم العربي في أخذه بمجموعة مخصوصة من القيم القومية والإنسانية حيّة كانت أم ميتة".(3) ودائرة مصادر التراث الإسلامي العربي ليس مقصورة عنده على اجتهادات المسلمين بل تمتد؛ لتشمل النص الديني المؤسِّس مستندا في ذلك إلى "قول الله عز وجل: أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (فاطر: 32) فمفهوم التراث موجود في هذا النص الديني، فالقرآن والسُنّة هنا إرث للمؤمنين، أي يندرجان في تراث المسلمين."(4) غير أنّ هذا التصور لا يخلو من إشكاليتين: الأولى اتكائه على الدلالة اللغوية لكلمة الإرث في القرآن الكريم؛ لتحديد مفهوم التراث متجاهلا أنّ المفهوم في التداول الإسلامي اكتسب أبعادا ثقافية أكثر تعقيدا من الدلالة اللغوية للفعل "ورث" الذي لا يُشير في القرآن الكريم سورة الفجر: 19 إلا إلى ما يتركه الميت من مال فيورث عنه، فالمادة اللغوية القرآنية الأقرب إلى مفهوم التراث في التداول الإسلامي هي المشتق "سنة - سنن" في إحدى مدلوليه في القرآن الكريم، وقد حملت مدلولين تبعا لقيد الإضافة، الأوّل: "سُنّة الله" فهي بمعنى القوانين الإلهية العامة الثابتة في الكون والطبيعة من جهة، والإنسان والمجتمع من جهة أخرى، والثاني: "سُنّة الذين خلوا من قبل" فهي المفاهيم والقيم والمعتقدات والتقاليد والمحددات للسلوك والأعراف التي كانوا عليها، فالسنّة بالمفهوم الثاني أقرب الدوال إلى مفهوم التراث.

الإشكالية الثانية: إدماج طه عبدالرحمن القرآنَ الكريم في بنية التراث يُضفي قداسة على التراث، وهذا - من ناحية - يختلف عن رأي مؤتمر الأزهر الأخير الذي أكّد في توصياته(5) على نفي القداسة عن التراث، وأنّ القرآن الكريم ليس جزءا منه، بما يؤسّس لفكرة قابلية التراث للنقد، كما يقودنا هذا الاختلاف حول مفهوم التراث بين عبدالرحمن والأزهر إلى تعدّد الصور الذهنية التي بُنيت حول "التراث" في فكر الإسلاميّين المعاصر، ومن ناحية ثانية يتنافى إدماج القرآن الكريم في بنية التراث مع طبيعته في كونه فكرا واجتهادا إنسانيا لا يتم بمعزل عن واقعه، فهو نتاج مباشر للمكان والزمان الذي أنتج فيه، ووفق الآليات المعرفية التي توفّرت له. كما أنّ التراث ليس معطى واحدا، بل هو متعدّد ومتنوّع، فلا يخضع لمنظومة فكرية موحّدة متجانسة، بل لمجموعة من الأنساق الفكرية المختلفة الرؤى والتوجّهات، ومن أمثلة ذلك الاختلاف حول تعريف "الإيمان" بين كونه قاصرًا على تصديق القلب وبين كونه مرتبطا إلى جانب تصديق القلب بالعمل (العبادات)، ومثل قضية المجاز في القرآن الكريم التي شهدت اختلافا وتنوعا في تراث الأشاعرة والحنابلة والمتصوفة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم... مما يجعل الباحث - شاء أم أبى - في حالة اختيار مع التراث الذي هو في واقعه متنوّع، فالباحث لا يقدّم التراث بالألف واللام الجنسية، وإنما يُقدّم اختيارا وموقفا من التراث.

وفي الوقت الذي نسلّم فيه بتنوّع وتعدّد مجالات واتجاهات التراث إلاّ أنّها تربطها بنية فكرية واحدة، يُمكننا الوقوف عليها من خلال اكتشاف العلاقات العضوية المُشكّلة لمختلف مجالات التراث من اللغة والنقد والبلاغة وعلم الكلام وعلوم القرآن وغيرها، وهذا ما أطلق عليه الدكتور طه عبد الرحمن "القراءة التكاملية" أو "مبدأ تكامل المعارف" احدى المبادئ التي انتهى إليها عبد الرحمن من طول اشتغاله على روح التراث الإسلامي، على حدّ تعبيره، "فلو أنّ الغرب أخذ بمبدأ "تفاصل" أو تباين المعارف، فالمعرفة الإسلامية تتداخل أقسامها تداخلا كاملا، بحيث يبدو الفقه موصولا بعلم الكلام، وعلم الكلام موصولا بالفلسفة، والفلسفة موصولة بأصول الفقه؛ فقد حصل في التراث الإسلامي تداخل قويّ بين المعارف إلى حدّ أنّ بعض العلماء جمعوا بين الطب والفقه أو بين الفلسفة وأصول الفقه. فلا مفرّ لنا عن التكامل، لندخل إلى الحداثة محتفظين بعلاقتنا مع التراث الذي لابدّ لاستئناف النظر فيه من البحث عن الحبل السري الذي يمكن أن يربط بين الإبداع والنهضة في لحظة من لحظات الفعل الحضاري"(6)، وفي هذا الإطار تنوّعت كتابات عبدالرحمن بين التأسيس لقراءة تكاملية اعتمادا على آليات التداخل المعرفي، والتقريب التداولي ونقد الخطابات التجزيئية والتفاضلية في قراءة التراث.

تنوّعت كتابات عبد الرحمن بين التأسيس لقراءة تكاملية اعتمادا على آليات التداخل المعرفي، والتقريب التداولي ونقد الخطابات التجزيئية والتفاضلية في قراءة التراث

وقد فسّر تلك المظاهر التجزيئية بأنّها وليدة تقويم يغلب عليه الانشغال بمضامين النص التراثي، ولا ينظر البتّة في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أُنشئت وبُلِّغت بها هذه المضامين".(7) فميّز عبدالرحمن بين نظرة جزئية تفاضلية لا تتجاوز في دراستها المضامين المعرفية للتراث بوسائل تجريدية وتسيسيه منقولة مع نسيان الوسائل التي عملت في تأصيل وتفريع هذه المضامين التراثية، وبين نظرته هو القائمة على الشمولية التكاملية غير التجزيئية للتراث بوصفها منحى غير مسبوق، لكنّ الواقع المعرفي يُشير إلى أنّ من الباحثين من شارك عبدالرحمن بدايات ظهور هذا المنحى (القراءة التكاملية للتراث) منها الدراسة المبكّرة في مسيرة جابر عصفور عن "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي" التي قدّم فيها قراءة للنقد والبلاغة في ضوء علاقتها بعلوم التراث كلّها من فلسفة وعلم الكلام وتصوّف وتفسير وعلوم القرآن وغيرها في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كما لم يكن ارتياد الجابري أو أركون أو أبو زيد وغيرهم مجال الدراسات التراثية مقصورا على المضامين بل ركّزوا على بنية العقل المنتجة للتراث وأدواته الاستدلالية واللغوية في محاولة لاكتشاف التراث في سياقه التاريخي الثقافي الفكري.

وإذا انتقلنا إلى منهجية عبدالرحمن في قراءة التراث بوصفها الإشكالية التي تُميّز العقل "المتسائل" من العقل "المذعن" والعقل القادر على إنتاج المعرفة من العقل الذي يُلوّن المعرفة، أو يكرّرها، فسنجد أنّها لا تنتمي إلى العقلية الأصولية الرافضة للتجديد بشكل عام والحداثة بوجه خاص تلك التي تُؤمن بكفاءة السلف العلمية وكفاية المرجعية السلفية العلمية التي أخذوها عنهم، داعين إلى القطيعة المعرفية مع الغرب العدوّ الذي يرونه معرفيّا وسياسيا وحْدة واحِدة لا تتجزأ، فيتطابق المعرفي الفكري مع السياسي في العقلية السلفيّة الأصوليّة المشبعة بفكرة المؤامرة، إلاّ أنّ عبدالرحمن تأثّر بالفكر السلفي في التركيز على خصوصية العقل المسلم وخصوصية المعرفة التي يُنتجها، فلا يتعامل مع العقل المعرفي بالمعنى الإنساني العام...

ومن جانب آخر، لا ينتمى منهج عبد الرحمن إلى الحداثة العربية التي رأى في تقليدها للغرب نقيضا لفكر الحداثة القائم على الإبداع، فمثّل تعاطِي الحداثيين العرب مع التراث - من منظوره - أحد مظاهر أزمة علاقتنا مع التراث في مستوى تصوّر موضوعه ومستوى منهج قراءته، فعلى مستوى الموضوع تمّ التعاطي مع التراث بطريقة تجزيئية، وعلى مستوى المنهج خرجت عن المقتضيات المنطقية والمنهجية في المعالجة، "فاستندت إلى أساليب أقل ما يُقال فيها بأنها تعسفية، لم تتردّد في أن تُسلّط على التراث بعض المقولات الماركسية أو البنيوية أو التفكيكية؛ وهكذا، كان الباحث يتقلّب بتقلّب الأدوات التي كان يستخدمها الغرب، فيقوم باستنساخها وتطبيقها على التراث؛ وقد أزعجني هذا الأمر كثيرا، وجعلني أنظر إلى هذا الأعمال على أنّها لا تعدو كونها تمارين يتدرّب فيها العربي على استعمال هذه الأدوات المقتبسة؛ لذلك رغم تقديري لهذه المنهجيات الغربية، ورغم اعتباري للنتائج التي توصّلت إليها في تراثها الأصلي وفائدتها في الوصول إلى نتائج مهمة بالنسبة للدراسات الغربية، كنت لا أرى مثل تلك الفائدة بالنسبة لنقلها إلى التراث الإسلامي العربي؛ فقلت في نفسي لا بدّ من إيجاد منهجية تناسب خصوصية تراثنا، ولا تكون واردة من خارجه أو مسلَّطة عليه بتعسّف بل لابدّ لهذه المنهجية النقدية من أن تنبعث من الداخل؛ فالمطلوب إذًا هو أن نستمدَّ المنهجية التي نقوّم بها تراثنا الإسلامي العربي من التراث نفسه".(8)

فقراءة النص التراثي عند عبدالرحمن قائمة على "مطالبة النص بالتدليل على وسائله أو مضامينه"(9) بأدوات مأصولة، وليس بأدوات منقولة، واختار من بين تلك الآليات والوسائل الاستدلالية واللغوية التي أنشأت المضامين التراثية آلية أطلق عليها "المناظرة العقلانية" أو "العقلانية الحوارية" انطلاقا من أنّ الأصل في الكلام هو الحوار، فحقيقة الكلام الذي تكلّم به الإنسان الأوّل كانت حقيقة حوارية؛ فالحوار موصول بالفطرة بالوجود بالروح، ثم دخلت فيما بعد على الحوار تهذيبات وتقنيات وضوابط محدّدة... والحوار له أهمّية آلية وداخلية وخارجية.. فعلى المستوى الآلي يعطيك الحوار حقوقا ويوجب عليك واجبات، إذ يعطيك حق الاعتقاد والقول فتبدي الرأي الذي تريد، ويعطيك حقّ انتقاد الرأي والاعتقاد المخالف، كما يوجب عليك أيضا واجبات فمن اعتقد شيئا وادّعى دعوى لابد من أن يستدلّ عليها؛ أي يتولّى بنفسه تقديم الأدلة على صحة دعواه واعتقاده، كما أنّه لا بد للمنتقد الذي يُطالب بالأدلة من أن يستمع أولا إلى أدلة المدّعي قبل الدخول في الاعتراض على دعواه؛ وعليه فإنّ الحوار هو مجال لممارسة القوة الاستدلالية للإنسان فعن طريقه يمكنك أن تظهر قوتك العقلية وقدرتك الاستدلالية، فالحوار هبة إلهية للإنسان تُمكّنه من تطوير أساليب استدلالاته على الأشياء. وعلى مستوى الأهمية الداخلية والخارجية، فإنّ الحوار يعود بك إلى الأصل، وهو أنّ الإنسان ليس مفردا بل هو جمع، هو "ذات" و"غير" في الآن نفسه، بدليل أنّ الإنسان قد يحاور ذاته كما يحاور غيرها، فالحوار فرصة لمعرفة الغيرية أو الآخرية، وممارسة لمعرفة الذات من حواري مع الآخرين، فالحوار تحقيق للإنسانية بالتعرّف عليها وتنمية للقوّة الاستدلالية.

وليست "العقلانية الحوارية" عند عبد الرحمن منهجا لتصحيح المعرفة فحسب، بل وسيلة لتحصيل المعرفة والزيادة فيها أيضا؛ فالحوار أصلا هو البحث المشترك طلبا للصواب، سواء ظهر هذا الصواب على يد هذا الجانب المعتقد أو المدّعي أم ذاك المنتقد أو المعترض، فهو بخلاف الجدل القائم على طلب الغلبة والنصرة على الخصم. غير أنّ آفة الحوار في مجتمعاتنا الغضب، فيقول شخص قولا أو يرى رأيا فيتصدى له الآخر قائلا: "لا، رأيك غير صادق، والرأي الصواب هو كذا وكذا"، وهذا ينافى قواعد التناظر الذي يتطلّب السماع للرأي المخالف ومنحه فرصة عرض أدلته ثم أبدأ ليس برفض رأيه أو عرض رأيي بل بإبطال أدلته واحدا واحدا ثمّ بعدها أعرض رأيي المناقض له، فالأصل أنّنا لا ندخل الحوار إلاّ لنُبين لغيرنا أدلتَنا على صحة ما ندعيه، وليس لمجرّد إرسال الكلام على عواهنه، وليس الحوار أن أقول قولا وأن أترك الآخر يقول ضده. والآفة الثانية غياب اللغة التوصيلية الجيدة فخسر الفلاسفة المسلمون معركة الحوار؛ لأنّهم كانوا على خلاف المتصوّفة ينقصهم الكفاءة التبليغيّة، فكانت لغتهم غير توصيلية تكاد لا تبين؛ فتكلموا لغة عربية مشوهة بالترجمة الحرفية، فجاءت العبارات قلقة ركيكة مما جعل الأفكار مستغلقة على الأذهان، وهذا ما جعل الشروح تتسلسل ولا تنتهي يحاول الشارح تلو الآخر رفع ذلك الاستغلاق كل على قدره.(10)

ليست "العقلانية الحوارية" عند عبد الرحمن منهجا لتصحيح المعرفة فحسب، بل وسيلة لتحصيل المعرفة والزيادة فيها أيضا.

وهذا ما جعل عبدالرحمن يرى أنّ تأسيس حداثة بنسخة إسلامية لا يتمّ إلاّ بواسطة مدخلين أساسين؛ أوّلهما مدخل الترجمة المبدعة، وثانيهما: مدخل القراءة الحداثية للقرآن الكريم المصدر المؤسّس الذي ولَّد التراث الذي بين أيدينا، فالدخول إلى الحداثة يحتاج قراءة جديدة مبدعة للقرآن بالمعنى الإنشائي والجمالي، وتلك القراءة الحداثية للقرآن - من منظوره - أبعد ما تكون عن قراءة الحداثيين للقرآن الكريم التي تأثرت بالغرب في تعامله مع الإنجيل بخطط ثلاث للقراءة: الخطة الأولى أطلق عليها خطّة الأنسنة وهي محاولة ردّ النص الإلهي إلى نص إنساني، فيحاولون أن ينقلوا النص من شروطه الإلهية إلى شروط إنسانية بنقل الآيات القرآنية من الوضع الإلهي إلى الوضع الإنساني، والغاية من ذلك هي محو القدسية عن النص الديني؛ وخطة الأرخنة هي وصل النصوص بسياقها التاريخي وبظروفها، والغاية من ذلك هي صرف الأحكام التي جاءت في النصوص الدينية؛ أي صرف ما اصطلح على تسميته بالحُكمية أي صلاحية الأحكام لزمان آخر غير الزمان التي وردت فيه؛ إذ يحاولون أن يرفعوا عن النص القرآني قيمته الحُكمية، حيث تفقد الأحكام قيمتها الإجرائية، فضلا عن قيمتها التشريعية، سالكين طريقا يُخرج هذه الأحكام من مستواها التشريعي المحض إلى مستوى يتجاوز هذا التشريع تاريخيا. ويتجاهل أصحاب هذه الخطط أنّ فرقا بين تراثنا الديني والتراث الغربي، وهو أنّ تراثنا باستمرار فاعل فينا ولو على أقدار مختلفة، وخطّة العقلنة وتعنى تطبيق الوسائل العقلية المستخدمة في المجال العلمي على النص القرآني، وهذا يصرف أثر الغيبية عن النصوص القرآنية، وإقصاء كل ما له دلالة على اللامحسوس واللامعقول (بالمعنى العقلي الحداثي كما حدوده)؛ فكلّ ما يوجد في النص من مضامين غيبية، يعملون على إزالتها باعتبار أنّ هذا الغيب لا يمكن أن نراه أو أن نحسّه، وخطؤهم يكمن في أنّه ليس كل ما لا نراه أو لا نحسه، يلزم بالضرورة أن يبقى كذلك حتى بالنسبة إلى المستقبل القريب أو البعيد.. فالحداثيون العرب يردّون النص القرآني إلى ما هو بشري وعقلي وتاريخي، حيث يصبح مجرّد نصّ من إنتاج العقل العربي، ولم يفعلوا ما فعلوه متوسّلين بآليات ابتكرتها قرائحهم، حتّى يستحقّ أن يكون اجتهادا منهم، ولو أنّه اجتهاد باطل! وإنّما نقلوا وسائلهم النقدية عن الغرب، ونزّلوها على النص القرآني بتقليد أعمى واستنساخ مطلق؛ فكلّ ما وضعه علماء الغرب لدراسة نصوص الكتب المقدّسة -أي التوراة والإنجيل- من مناهج مقرّرة، وما توصلوا إليه من نتائج محددة، أخذه العلمانيون العرب وأنزلوه على القرآن الكريم بخصوصيته المسيحية وبتفاصيله السياقية والتاريخية التي تخص الممارسة الغربية للدين... فليس لهم القدرة على تمثّل الأدوات الإجرائية، واستيعاب المنهجيات العلمية التي وضعها الغرب، بل يسقطون هذه الآليات على تراث الإسلام دون نقد أو تمحيص لها."(11)

وقيّد عبدالرحمن الاستفادة من المناهج المعاصرة بأن تكون لها جذور في التراث، وأن يتّفق المنهج مع طبيعة الموضوع التراثي الذي ستقوم بمعالجته، فيقول: "عندما أحدّد طبيعة الموضوع التراثي الذي أنظر فيه، ويتبين لي أن الآلة المنطقية مفيدة في بيان خصائصه، فإنّي أعالج عمل هذه الآلة المنطقية مفيدة في بيان خصائصه، فإنّي أعالج عمل هذه الآلة داخل النص لا من جهة خصائصها التي أقرّها التراث فحسب، بل يُمكن أن أتوسّل أيضا في هذه المعالجة بالمستوى المعرفي والمنهجي الذي وصلته هذه الآلة في العصر الحديث لقد استفدت كثيرا من تطور الأداة المنطقية كثيرا داخل النص التراثي وهكذا أكون قد استعنت بالآلة المنطقية التي حققت تطورا وتقدما خارج التراث لدراسة الآلة داخل التراث، باعتبارها خاصية مميزة له، وخير مثال على تشبع التراث بالآلة المنطقية هو عنايته بالمناظرة فمعلوم أن منهج المناظرة يقتضي دخول شخصين على الأقل في حوار على أساس الوصول إلى نتيجة غالبا ما تكون معرفية؛ فكانت المناظرة عند المسلمين بمثابة وسيلة لتحصيل المعرفة، ولم تكن وسيلة لحل المشكلات الاجتماعية والسياسية فقط كما هو حالها اليوم؛ ولقد أُهملت المناظرة عند المسلمين لسبب واحد هو تقليد الباحثين العرب للغرب في دراسة التراث؛ فلما لم تكن المناظرة عند الغرب بمثل القوة والتوسع في إنتاج المعرفة اللذين كانا لهما عند المسلمين، فإنهم لم يولوها في دراستهم التاريخية النقدية لتراثهم أهمية كبيرة؛ ولما جاء الدارسون العرب لتناول تراثهم، اتبعوا خطواتهم، فلم يعطوا للمناظرة أيّة قيمة في دارستهم، ولربّما هذا الوجه الذي يُسهّل وصله بالمعاصرة والحداثة. ويتدخّل مع آلية المناظرة العقلانية عند عبدالرحمن النقد المنطقي الذي جعله بديلا للنقد التاريخي في قراءة التراث، فهو من منظوره آلية من داخل التراث تشبّع بها إلى درجة كبيرة كما في أصول الفقه، والفقه، والبلاغة؛ "فكان للآلة المنطقية دور كبير في إنتاج المعرفة الإسلامية؛ لذلك، كان استخدامي لها في الكشف عن روح التراث الإسلامي المتمثلة في المقاصد والقيم والمبادئ التي بُنى عليها التراث وتحّكمت في عملية توليده وتطويره؛ فإذا استطعنا أن نقف على هذه المبادئ التي تحكم التراث وتشكّل روحه، فبإمكاننا من خلال هذه الروح أن نحقّق نتائج إيجابية في الربط بين التراث والمعاصرة حتّى نستأنف العطاء ونتصل بالمعاصرة".(12)

وتقوم قراءة التراث عند طه عبد الرحمن كسائر مشروعه الفكري على ثنائيات، فكما تقوم الأخلاق من منظوره على ثنائية بين الهيئات والأفعال الروحية والظاهر والباطن، وتقوم الحداثة عنده على ثنائية بين واقع متمثل في تطبيقاتها وروح متمثلة في قيمها ومبادئها، كذلك يقوم التراث على ثنائية بين ذاكرة معرفية وروح أنتجت تلك المعرفة، فإعادة الماضي على مقتضاه القديم يستحيل عقليا وتاريخيا؛ لكن ما يمكن أن يُعاد من الماضي هو روح التراث الإسلامي متمثلة في استلهام القيم الإنسانية والأحكام الشرعية القطعية التي تخدم الإنسانية التي لا يمكن نهائيا أن تموت مع مرور الزمن، فالتراث يبقى في الذاكرة التي فيها الميّت والحي، فهناك قيم داخل التراث لم يعد من الممكن اليوم الدخول بواسطتها إلى الحداثة. فيؤسّس عبدالرحمن بذلك لعلاقة تفاعلية بين التراث والحداثة داعيا إلى الأخذ بروح الحداثة التي تكمن في مجموعة القيم والمبادئ التي علينا أن نبحث عنها دون أن نتوقّف أمام واقعها الذي ينقله البعض نقلا حرفيا، فهم تقليديّون، وإن ادعوا الحداثة، ولا أن نرفضها ونراها كفرا، فالحداثة أن يكون الإنسان حاضرا مبدعا في عصره لا في زمان غيره، فنستعيد من أسلافنا قدرتهم الإبداعية في الأخذ من اليونان واللاتين حتى نكون حداثيين، واستكمل الدكتور طه عبد الرحمن مجملا روح الحداثة في ثلاثة مبادئ، الأول: ألا تقبل بوصاية أحد على تفكيرك، ورأى أنّه ليس حداثيا فحسب، بل تراثيا يتّفق مع التصوّر التداولي الإسلامي لا رشد مع تقليد. والمبدأ الثاني: الفكر النقدي أن تكون لك القدرة على الاعتراض على ذاتك وغيرك وعلى الأشياء من حولك، فالاعتراض ليس محدودا بل هو شامل واسع. المبدأ الثالث الشمول، فالحداثة تنتشر في المجتمعات والمجالات كلّها، ولا يمكن حصرها في مجتمع مخصوص، ولا مجال مخصوص، فلا قطيعة بين الحداثة والدين أو الأخلاق فهي الروح التي ينبغي أن نأخذ بها اليوم، ونتوسّل بها كغيرنا من الأمم في تحقيق نهضتنا. إذا أردنا أن نصل التراث الإسلامي بالحداثة اليوم أو بالمعاصرة، فإنّنا في حاجة إلى الاستفادة من الصفات خاصة والمبادئ المميزة التي يقوم عليها التراث وهو ما أسماه ه بـ "مبدأ التداول"، ويقصد به أنّ التراث الإسلامي أو الحضارة الإسلامية كانت دائما تستوعب الوافد عليها أو المنقول إليها استيعابا يُخضعه للقيم المعرفية والقيم اللغوية والقيم العقدية الخاصّة به، فالتراث العربي لديه قدرة متميّزة على تحويل المنقول من ثقافة أخرى إلى مضمون يوافق مقتضيات وقيم الإسلام، فكلّما ورد علينا مضمون حداثي أو مضمون عصري أو مفهوما أو حكما تعيّن علينا أن نخضعه لهذه المقتضيات التداولية التي اختصّ بها التراث الإسلامي من قيم عقدية ولغوية ومعرفية.

فـ"الحداثة ليست في تجاوز المصادر الأصلية للتراث، وإنما أن نجدد استخدامنا لهذه المصادر، فنولد منه تراثا غير مسبوق نضيفه إلى ما سبق... وأدعو هؤلاء إلى قراءة حداثية مبدعة حقا تستجيب لما يبتغون هم، ولكن على الوجه الذي يجب وحيث يجب؛ فهم يريدون أن يرفعوا القدسية، فيمكن أن نرفع هذه القدسية حيث ينبغي، إذ يكفى أن نستبدل مكان هذا المقصد مقصدا آخر أوسع منه مثل "تكريم الإنسان" ومتّى كرّمنا الإنسان، تعين رفع القدسية عن الاجتهادات التي لم تعد صالحة لسلوكه ولا خادمة لوجوده؛ وعلى هذا ينبغي أن تغير المقاصد والغايات التي وظفها أهل التقليد لرفع القداسة ورفع الغيبية ورفع الحكمية، وأن نضع مكانها مقاصد أخرى تعمها وتحفظها جزئيا حيث أصابت، وفي المجالات التي يجب أن تحفظ فيها."(13)

وفي الوقت الذي أقرّ عبدالرحمن التفكير النقدي كأحد مبادئ الحداثة شكّك عبد الرحمن في جدوى القراءات النقدية للتراث، ورأى أنّها ليست سوى صدى لقراءات الغرب النقدية لتراثه الكنسي، مؤكّدا أنّ الغرب في بداية النهضة الأوروبية لم ينتقد التراث، بل عاد إلى التراث اليوناني دون نقد، وكان النقد للتراث الكنسي والسلطة الكنسية، وكان الغرب يعتبر تراثه جزءا من هويته، فاشتغال الغرب بالتراث كان تأييدا لمقوّماته وإحياء لقيمه، بينما أهل الاشتغال بالتراث على أساس مبدأ الحداثة من العرب تولّوا نقد التراث؛ لينتهوا إمّا إلى إلقائه كلّيّا والدعوة إلى الانفصال عنه، بحجة أنه لا يمكن أن ندخل عصر الحداثة إلا بتطليق هذا التراث تطليقا، لا رجعة فيه، وبعضهم رجع إلى ما يراه مقبولا من التراث، وهو نصوص الفلسفة اليونانية التي نقلت إلى العربية فهو مقبول عندهم من حيث كونه جانبا موصولا مع التراث اليوناني، وحاول بعض الحداثيين العرب البحث عن المفاهيم الموجودة في الحضارة الغربية مثل العقلانية في التراث بشكل انتقائي، فاتجه الأغلبية نحو التراث المعتزلي واعتبروه نقطة الانطلاق، وهذا تعاطي تجزيئي مع التراث ينتهى إلى ترك أغلب التراث، أو تنتهي إلى الانقطاع كليا، فالبحث عن مفاهيم موجودة في الأصل عند الغرب وفي ثقافته وتسليطها على التراث الإسلامي في شكل استنساخ لها من غير القيام بنقدها وتمحيصها، بل من غير التمكن من آلياتها هو أمر يتعارض مع مقتضيات البحث العلمي: فكم من مفاهيم أخذ بها الدارسون للتراث لم يتمكنوا من ناصية إجراءاتها ومن طرق استثمارها في التراث مما أفضى إلى نتائج فاسدة عن التراث.(14)

ولا تخلو منهجية عبدالرحمن في قراءة التراث من جوانب نتفق معها ونُؤسّس عليها، وجوانب أخرى نختلف معها ونُعيد التفكير فيها، فمن إشكاليات منهاجيته في قراءة التراث التعالي به عن النقد بزعم خصوصية الأدوات التي أنتجت مضمونه، وأنه لا يستقيم إخضاع مضامين التراث لأدوات تمّ إنتاجها في غير بيئته، ورأي في اعتماد العقل الحداثي على آلية نقد النصوص تقليدا للدراسات الغربية في محاولتها رد النصوص إلى سياقاتها التاريخية المنتجة لها، فهو يعتقد اعتقادا جازما بأنّه لابدّ من أن يقوّم التراث ويُنقد بحسب الأدوات التي استخدمت في إنتاجه، حتى يُعرف هل استوفى شرائط هذه الأدوات أم لم يستوفها.. وأنّه لا يجوز الاعتماد على أدوات أخرى لم تُنتج مضمونه إلاّ على سبيل المقارنة لا على سبيل التحقيق. فشكّك في جدوى قراءات الحداثيين للتراث، ووصفها بمحاولات تنقية أو استصلاح أو عقلنة للتراث، باعتبار أنّ قسما قليلا منه فقط ينسجم في رأيهم مع روح العصر، فقراءات الحداثيين للتراث قراءات مقلدة، وليس لها من الحداثة شيء؛ لأنّها تنقل وسائل وأدوات تخص الغرب وحضارته وتاريخه، وإن كان يتّفق معهم في حاجتنا إلى نهوض الإسلام إلى تجديد قراءة التراث، ولكنّه تجديد ينبغي أن نبدع فيه، فنأتي من عندنا بأدوات وآليات يحدّدها تاريخنا وتراثنا أي مجالنا التداولي الخاصّ بنا، فيتناقض عبد الرحمن مع نفسه حين يتحدّث عن الإبداع، وفي الوقت نفسه يُلزم بأن نستولد من التراث وسائلنا في تحديث هذا التراث، ويجعل القراءة الحداثية مقيّدة بما يجب وحيث يجب.. فما انتهى له الدرس اللغوي الحديث مثلا ليس نتاج فكر إنساني عام يصلح لدراسة النصوص العربية، فيستعلى بنصوص وخطابات التراث عن الخضوع لتلك النظريات اللغوية الحديثة، ويرى أنّ أدوات ووسائل القدامى هي الأجدى في التحليل والفهم ليس لشيء سوى لتراثيتها.

إنّها الإشكالية التي تغلّب عليها الشيخ عبد القاهر الجرجاني، فتفرّد عن معاصريه بتجديد ما زلنا نحتفي به إلى يومنا، وعجزنا نحن عن مواجهة إشكالية المنهج فلا تعدو قراءاتنا للتراث عن كونها عكوفا على القديم نقلا وترديدا فحسب، وإذا كان عبد القاهر قد أفاد لا من جهود سابقيه فقط، وعلى رأسهم "القاضي عبد الجبار الأسد آبادي المعتزلي"، بل من إنجازات "أرسطو" اليوناني في كتابه "الشعر" و"الخطابة"، فإنّ واجبنا كباحثين معاصرين أن نفيد من إنجازات المناهج الحديثة المعاصرة في "اللسانيات" و"علم تحليل الخطاب" و"السميولوجيا"، و"السرديات" إنّ التخوّف من هذه المناهج في دراسة التراث بدافع الخوف من الخطأ يتنافى مع الإسلام الذي جعل للمجتهد المخطئ أجرين، والتخوّف منها بدافع من الوقوع في التبعية يعكس ضعفا في الثقة بالنفس، ويوهم بقداسة التراث وتعاليه عن كونه اجتهادات صاغها القدامى في الوقت الذي نُقرّ فيه بنفي القداسة عنه وقابليته للنقد، القراءة الواعية للتراث لا سقف يحدّها ولا شروطا تعوقها سوى "التمكّن" المعرفي أي تمام العلم بشروط وأدوات "المعرفة" والتمرّس بأدوات البحث ومناهجه حسب المواصفات التي وصل إليها التقدّم المعرفي في عصر الباحث. وليس معقولًا، ونحن في القرن والحادي والعشرين، أن نتمسّك بشروط وقواعد القراءة العلمية التي وضعها أسلافنا تمسّكا حرفيا، ونتجاهل تطوّر أدوات المعرفة في عصرنا هذا. "إذا كانت علوم اللغة والبلاغة وعلوم القرآن من العلوم الأساسية التي اعتبر أسلافنا -على حق- أنّ الإلمام بها شرط من شروط التأهُّل للاجتهاد والقراءة العلمية المنتجة. فهل معنى ذلك أن نتمسك بمستوى علوم اللغة والبلاغة في القرن الخامس أو السادس الهجريين، وأن نتجاهل مستوى التقدم المُذهل الذي تحقق في مجال هذين العلمين! لماذا لا نستفيد في المنجزات المتغيرة للعلم والمعرفة في قراءة النصوص اللغوية والخطابات الفكرية"!(15) لماذا عندما نتحدّث عن تناول التراث وفق أدوات منهج التحليل اللغوي الحديث مثلا نراها محاولات لإخضاع التراث لمنهجيات غربية ألم تكن لغة العلم لغتنا في عصور التألق الحضاري، لماذا ألصقناها اليوم بالغرب وجعلناها مرادفة له!

من ناحية ثانية، تتمحوّر مركزية التراث في مشروع طه عبد الرحمن في كونه وسيلة لتثبيت الهوية، وأداة لدعم الإبداع، "فلا إبداع بغير تراث ولا هوية بغير تراث إذ يكون التراث بمثابة المرتكز الذي يسمح للإنسان أن يستجمع قواه ليمتدّ في المستقبل، فالماضي هو عبارة عن نقطة ارتكاز للاندفاع بقوة إلى المستقبل... ففي الماضي وفي إنتاجه كل ما يمكن أن يمدّ المسلم بأسس تثبيت هويته ودعم إبداعه."(16) ويُعلل ذلك بأنّ الإنسان بطبعه كائن متّصل واتصاله يكون بالزمان والمكان، واتصاله بالزمان يجعله يربط الماضي بالحاضر والمستقبل معا؛ فلابد لكلّ إنسان، كيفما كان حاله، من أن يكون له امتداد فيما سبق وامتداد فيما سيأتي؛ فعنده حاجة ميتافيزيقية أو روحية إلى أن تكون ذاته موصولة؛ ووجوب هذه "الموصولية" هو الذي يدفعه إلى الاهتمام بالتراث، فإنه يرجع إلى حالة الاتصال بالماضي باعتباره مقوّما من مقوّمات ذاته؛ لذلك كان الماضي يمدّ الإنسان بشيئين أوّلهما الهويّة فهذا الاتصال يوفّر للفرد البعد الثقافي الذي يجعله يحدد ذاته، مدركا تميّزه عن باقي أفراد الإنسانية، ولعلّ هذا ما دفع عبد الرحمن إلى عدم التفكير خارج مجال التداول الإسلامي التراثي، على حد قوله: "إذا انتابني ولو للحظات الشعور بأنّني أفكّر بعيدا عن هذا المجال، سرعان ما أعود إليه وأغوص بكلّيتي فيه؛ لأستخرج ما يمكن استخراجه من الحقائق".(17)

تتمحوّر مركزية التراث في مشروع طه عبد الرحمن في كونه وسيلة لتثبيت الهوية، وأداة لدعم الإبداع.

نتّفق مع عبدالرحمن في أنّ الماضي، وإن كان قد انقطعت صيرورته ولم يعد فاعلا إلاّ أنّه ما زال يتحرّك من خلالنا في وعينا به وتفاعله - إيجابا أو سلبا - مع سعينا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، غير أنّ التراث ليس هو الذي يُؤثّر في الحاضر على نحو أحادي الاتجاه فحسب، بل الحاضر أيضا يُؤثّر في التراث بالقدر نفسه، لأنّه ليس كيانا منفصلا عنّا، بل نحن مركز ذاك التراث نعيد تشكيله وفق الحاضر منه في عقولنا، لذا تتعدّد صور التراث بتعدّد العقول المستدعية للتراث، فكلّ قراءة للتراث ليست سوى محاولة لإعادة تفسيره من خلال الحاضر، ولا تبدأ تلك القراءة من فراغ بل من طرح أسئلة الحاضر التي تبحث لها عن إجابات داخل بنية التراث، ففي حالة الأسئلة المعلنة الصريحة الواضحة تكون آلية إنتاج المعرفة من التراث واضحة، وتكون القراءة قادرة على إنتاج وعي علمي بالتراث، وفي حالة السؤال المضمر تكون آليات القراءة مضمرة، وتكون القراءة للتراث مزيّفة للوعي متحيزة لموقف أيديولوجي، وإن تظاهرت بالموضوعيّة.

كما أنّ فكرة عبد الرحمن في التعامل مع التراث كجزء من الهويّة سرعان ما تتحوّل إلى كل الهوية في التداول الإسلامي، ومثل هذا الاختصار لهوية الإنسان في بعد واحد، وإن كان "الدين" فهو إشكالية كبيرة؛ لأنّ تلك الخصوصية المُغلقة تجعل الإنسان يحصر المعرفة في الدين، ويزعم امتلاكها، ومن تجلّيات تلك المشكلة أنّه وجدت جماعات تحتكر الإسلام، وتنسب نفسها وحدها إليه، والأدهى أنّها لا تحتكر جانب المعنى الديني فحسب، بل المعنى الاجتماعي والمعنى الثقافي والمعني السياسي، بالإضافة إلى المعاني الأخلاقية والروحية، ونصبت كل جماعة من نفسها سلطة حامية لفهمها الذي جعلته دينا.

ومن جانب آخر، يصبح الماضي بمثابة نقطة استقرار وجمود، فالاستغراق في الماضي هو أحد الأمراض الفكرية المزمنة للعقل المسلم التي تقتل فيها الإبداع أهمّ سمات المشروع الحداثي، فلا يتّبع مسار التطوّر الإنساني التقدّمي إلى الأمام، بل يقف عند نقطة من الماضي يريد الارتداد بالزمن إليها؛ بغية تطهير الحاضر بإعادته إلى الماضي، ويضيع الأفق المستقبلي بالارتداد إلى حلم الماضي، فنسعى إلى المستقبل ليس في نقطة زمن آتية، بل في نقطة زمنية ماضية، ويقتل الإبداع بالتقليد، وتتحوّل الحداثة إلى عمليّات طلاء مستمرة لتقديم الموروث التراثي في صورة الحداثي.

أخيرا إذا كان التراث الذي بين أيدينا تشّكل في مصنفات من خلال اللغة التي هي ظاهرة اجتماعية ثقافية وموجّهة إلى متلقٍّ اجتماعي تاريخي، فلماذا لا نقرؤه من خلال المناهج التي انتهى إليها الإنسان حديثا في تحليل النصوص اللغوية، لماذا نتعامل مع تراثنا ولغتنا كاستثناء! لماذا لا نفتح الباب للاختلاف في الفهم والقراءة والتفسير، الجهل لا يحارب بالجهل بل بالمعرفة العلمية التي تهدف إلى إطلاق حيوية البحث والتفكير وإعلاء شأن العلم في هذه الأمّة... إنّ وقوع بعض الدراسات في التعسّف على مستوى النتائج لا يقتضي رفض المناهج العلمية المتبعة في تلك الدراسات، وإنّما حصر الرفض في التطبيقات الخاطئة أو المتعسّفة في استخدام الأدوات المعرفية، وتظلّ جميع نصوص التراث نصوصا لغوية موصولة بالسياقات الاجتماعية والثقافية التي تشكّلت فيها، لا تكتفي القراءة العلمية الدقيقة باكتشاف دلالاتها في سياقها التاريخي الثقافي الفكري، بل تتعدّى ذلك إلى ضرورة الوصول إلى "المغزى" المعاصر للنصّ التراثي في أيّ مجال معرفي، وإذا كنّا في حالة خوف من ضياع الهويّة والقلق من حالة التبعيّة الثقافية الكاملة للآخر، فإنّ الوعي العلمي بحقيقة تراث وكيفية تكوّنه والعوامل التي ساهمت في حركته وتطوّره حتّى وصل إلينا سيُساعدنا على الصمود والتصدّي والمقاومة بل والتجاوز والتأسيس والمضيّ في البناء المعرفي.

***

بقلم عبد الباسط سلامة هيكل

....................

(1) د. طه عبد الرحمن (2013)، الحوار أُفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ص 7

(2) د. طه عبد الرحمن (2011)، حوارات من أجل المستقبل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ص 13

(3) ا. د. طه عبد الرحمن (1993)، تجديد المنهج في تقويم التراث، بيروت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، ص 19

(4) السابق، ص 19

(5) توصيات مؤتمر الأزهر "قراءة التراث الإسلامي" موقع فيتو، القاهرة، 8 مارس 2018

(6) الحوار أفقا للفكر، ص 48

(7) تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 75، 76

(8) تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 237

(9) السابق، ص 81

(10) ينظر: الحوار أُفقا للفكر، ص 25: 37

(11) د. طه عبدالرحمن، روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، ص١٦١، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/المغرب، الطبعة الأولى، 2006

(12) الحوار أفقا للفكر، ص 79

(13) روح الحداثة، 32، 33

(14) يُنظر: تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 257: 237، روح الحداثة: ص 35: 54

(15) ينظر: د. نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة، ص ص 7، 8

(16) الحوار أُفقا للفكر، ص 60

(17) السابق، ص 62

 

من الطبيعي القول، أن الشدة والغلظة لا تفضيان إلى وحدة وطنية حقيقية، لأنهما يعملان على إلغاء كل الخصوصيات التي تساهم في إثراء مفهوم الوحدة. كما أن الإنحباس الضيق والقشري في الخصوصيات السوسيولوجية، يؤدي إلى التحاجز، ويمنع تطوير حالات العيش الواحد.

والثقافة لا تنمو وتتطور إلا في إطار احترام كل الخصوصيات والتنوعات، هذا الاحترام المستند إلى إطار قانوني وإنساني، يقوي من خيار الوحدة على قاعدة التنوع. فالخصوصيات تتحرك في فضاء الوحدة، كما أن الوحدة لا معنى لها على الصعيد الإنساني والواقعي إلا بفسح المجال لكل الخصوصيات، لكي تعبر عن ذاتها اجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

فلكي تزدهر ثقافة شعب ما ( كما يعبر إليوت ) ينبغي ألا يكون شديد الاتحاد ولا شديد الانقسام . ففرط الوحدة قد يكون ناشئا عن التحلل وقد يؤدي إلى الاستبداد أيضا. وكلا الطرفين يعوق اطراد النمو في الثقافة.

الثقافة وخصوصيات المجتمع:

فالثقافة الوطنية ليس إنتاج خصوصية دون أخرى، وإنما هي نتاج الحراك والتفاعل بين الخصوصيات المتوفرة في الفضاء الوطني كلها. فمن خلال تنمية الجوامع والمشتركات، وتفاعل الخصوصيات مع بعضها، والتواصل بين مختلف الفعاليات الثقافية والأدبية والإبداعية، تتشكل مقولة الثقافة الوطنية. فهي نتاج المجتمع بكل خصوصياته وتنوعاته المعرفية والتاريخية.

فتغييب الخصوصيات لا يثري الثقافة، بل يجدبها، ويخرجها من دائرة الفعل التاريخي في الواقع المجتمعي. وإمعان السياسي في إبراز خصوصية واحدة، أو العمل على تذويب وصهر الخصوصيات الصغرى في خصوصية كبرى بوسائل قسرية، لا يؤدي إلا إلى المزيد من التشظي الاجتماعي والثقافي .." فالإفراط في عزل الثقافة عن معناها الخلاق، وبالتالي عن كيفيتها في إنتاج المجتمع الذي نعيش فيه، إنما يؤدي إلى خلق ثقافة مركزية منغلقة تتصور الوجود الاجتماعي من خلال تصورها، وتوجه الخطاب الثقافي (بمعناه الشامل في الحياة) من خلال ما تنتجه النخبة المركزية من أفكار تتصل بكيفية إنتاجها للمجتمع . ويورث هذا السياق السوسيولوجي للثقافة المركزية سلسلة طويلة من الإشكاليات يوازي حجمها حجم التنوع في المجتمع (ديمغرافيا وثقافيا)، وتكون ـ عادة انعكاسا لمجتمع تسوده علاقات متنوعة ومتغيرة مع الثقافة المركزية (السلطة) تتوزع بين التحالف، والولاء والانقسام والاختلاف والتمرد والعزلة. إلى آخر هذه السلسلة الطويلة من المواقف التي تنتج ثقافات موازية ومتصارعة أحيانا . ولعلنا نلاحظ الآن أن حجم إشكاليات الثقافة في دول الخليج يتفاوت فيها بمقدار ما ترثه من التنوع الثقافي "(الثقافة وإنتاج الديمقراطية، إبراهيم عبدالله غلوم، ص 121، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2002م).

فالهوية الثقافية لمجتمعنا ووطننا، تتشكل من مجموع التشكيلات الاجتماعية المتعددة في منابتها وميراثها الديني وتحولاتها الثقافية، وإن أي تنكر لواحد من هذه المصادر، يفضي إلى انقسامات مجتمعة عميقة. وإن استخدام القوة والغلبة والقسر في عملية التنكر والتغييب، لا تزيد الأمور إلا تفتتا وانقساما وتشظيا.

فالتعصب الأعمى لبعض الخصوصيات والعمل على إلغاء وقهر الخصوصيات والتنوعات الاجتماعية الأخرى، يؤسس لمشروع حروب اجتماعية مفتوحة، تهدد بمتوالياتها النفسية والعملية أسس الاستقرار وعوامل الوحدة في الإطار الوطني والاجتماعي.

وذلك لأن عقلية التعصب والإلغاء، تمنع من تبلور خيار الشراكة والمشاركة لكل التنوعات في بناء الوطن وتطوير المجتمع على مختلف المستويات.

من هنا تجد أن مختلف الصيغ والطروحات التي تتداول في الساحة، لإنجاز الاستقرار وحماية الوحدة الوطنية، تصاب بالتكلس والخمول ولا ترقى إلى ممارسة دور حقيقي في الإطار المرسوم لها، وذلك بفعل أن هذه الصيغ تستند إلى خيار استبعاد العديد من مكونات التأثير والقوة من القيام بدورها في هذا السياق. فالتجانس الثقافي في الإطار الوطني، لا يأتي بالقسر وقانون الغلبة والتغييب، وإنما هو وليد حياة ثقافية واجتماعية مفتوحة على كل الاجتماعات والقراءات والآراء، وتدخل عبر أطر ومنابر وطنية في عملية حوار وجدل ثقافي لتنمية الجوامع وضبط الاختلافات والتمايزات وصياغة مشروع ثقافي وطني على قاعدة التنوع في إطار الوحدة.

التعددية الثقافية والاستقرار:

وإن التعدد الثقافي بحاجة إلى نمط من الإدارة ينطوي على قيم الحوار والاحترام والتسامح، حتى يتسنى له المساهمة الجادة في إثراء مفهوم الثقافة الوطنية. فالثقافات الهامشية لا تموت حينما يستخدم تجاهها القسر والقهر والإلغاء، وإنما تتمرس وتتمكن من استيعاب كل مفاعيل الإلغاء والقهر. بينما إعطاؤها الحرية والسماح القانوني والإعلامي للتعبير عن ذاتها، يساهم في امتصاص العناصر الإيجابية ويحول دون تأثير الواقع المجتمعي بعناصرها السلبية. فمبدأ المشاركة في بناء وتسيير الوطن، هو القادر على اجتراح وقائع وحقائق تزيد من فرص الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويحمي الوحدة الوطنية من كل المخاطر والتحديات. ولا شك أن " هناك منفعة، مصلحة يقتنصها الجميع في سياق النظر إلى الثقافة بوصفها شراكة في الإنتاج واعترافا عقلانيا شاملا بالتنوع. سنجدها تتجسد بصورة أساسية في توفر إمكانيات أوسع وأعمق في الاستثمار الثقافي، إن سباقا حقيقيا نحو الموضوعية يتحقق من جراء استثمار التنوع. بل إن النزوع الذاتي حينئذ يتمثل بوصفه تروعا إلى الموضوعية والعلموية، ومن شأن ذلك أن يعيد ترتيب الأشياء والأولويات في ضوء استراتيجية الفعل لا رد الفعل، وفوق أرضية مهيأة لامتلاك أدوات المعرفة وإنتاجها أيضا" (الثقافة وإنتاج الديمقراطية، مصدر سابق، ص 153).

الانفتاح الثقافي أولا:

 والانفتاح الحقيقي على قوى المجتمع ومكوناته المتعددة، لا يبدأ من الاقتصاد والسوق، وإنما من الثقافة. لما تشكله هذه المقولة من تعبير عميق عن مكنونات الإنسان ونسيجه الاجتماعي وعلائقه الإنسانية. فالانفتاح الاقتصادي ليس بديلا عن الانفتاح الثقافي. ونستطيع القول في هذا الإطار: أن أفق الانفتاح الحقيقي يتشكل ويتبلور من الثقافة وأنظمتها الاجتماعية.

لذلك فإن الانفتاح الثقافي الحقيقي، هو بوابة الانفتاح في مختلف المجالات والمستويات. وإذا كانت الرقابة معرقلة لحركة الاقتصاد والتجارة، فإن الرقابة في الحقل الثقافي مميتة للثقافة، ومعيقة للإبداع، وكابحة للتطور والتقدم. فكما أن التشريع الديمقراطي للحركة الاقتصادية يزيد من فرص الاستثمارات والإنتاج، كذلك فإن إرساء دعائم قانون وطني يعطي الحرية للمثقف وأطره القائمة والمرتقبة، سيساهم في تطوير الحركة الثقافية، وسيدخلها في مرحلة جديدة من العطاء والإبداع المتميز في كل الحقول.

ولعلنا لسنا بحاجة إلى إثبات، أن فسح المجال للثقافة والمثقفين من القيام بدورهم ووظائفهم العامة، لا يضر بمفهوم الأمن الوطني، بل هو رافد من روافد تعميق خيار الأمن والاستقرار في الوطن والمجتمع.

والحوار الثقافي والتواصل الفكري بين مختلف المكونات والتعبيرات، لا يهدد الاستقرار الاجتماعي، وإنما يثريه ويزيده صلابة وتماسكا.

وإن الاشتغال الثقافي والسياسي على إلغاء التنوعات الاجتماعية ومنعها من التعبير عن ذاتها ثقافيا وإعلاميا وسياسيا، لا يصنع نسيجا اجتماعيا متماسكا، وإنما هذا الاشتغال يزيد من تمسك هذه التنوعات بخصوصياتها،وبحثها عن سبل أخرى للتعبير عن ذاتها ثقافيا وسياسيا.

وجماع القول في هذا الإطار: إننا بحاجة إلى رؤية سياسية واجتماعية جديدة في التعامل مع التنوعات والتعدديات (التقليدية والحديثة) المتوفرة في مجتمعنا ووطننا. وهذه الرؤية قوامها أن هذه الحقائق لا يمكن نفيها وإقصاءها من الواقع المجتمعي، وإنما نحن بحاجة إلى التعامل معها على قاعدة الاحترام وفسح المجال القانوني لها للتعبير عن ذاتها، وذلك لإثراء مفهوم الوحدة الوطنية، وتمتين جبهتنا الداخلية في وقت نحن أحوج ما نكون إلى التراص والائتلاف وتجاوز الثغرات الداخلية للبناء الوطني.

التنوع والقانون:

  فالبناء القانوني السليم، وسيادة القانون، وتوسيع حق المشاركة في الشؤون العامة كلها عوامل تساهم في توطيد أسباب الوحدة الوطنية، وتعمق من خيار البناء والعمران، ولا يمكن الحصول على الاستقرار والتقدم الثقافي والاجتماعي من خارج حركة المجتمع بخصوصياته وتنوعاته. لذلك فإن الإنصات إلى حقيقة التنوع والتعدد في المجتمع، هو البداية الحقيقية والخطوة الأولى في مشروع الاستقرار وبناء الوحدة الوطنية على قاعدة صلبة وذات عمق تاريخي. فالتنوع والتعدد في المجتمع ليس انقساما وتشرذما، وإنما هو حقيقة تاريخية ومجتمعية ينبغي أن ننطلق منها في عملية التوحيد والائتلاف، وتشريع قوانين وطنية جريئة، تحمي التعدد، وتتعامل معه باعتباره جزء من قوة الوطن ومنعته.

فالوحدة الوطنية هي محصلة كل الجهود والمبادرات التي تطلقها جميع التنوعات والتعدديات في إطار ترسيخ خيار العيش المشترك(الواحد) والوحدة الداخلية للمجتمع.

الوحدة وحق الاختلاف:

فالوحدة الحقيقية ليست ضد حق الاختلاف واحترام المغاير، كما أن حق الاختلاف لا يعني التشريع للفوضى والانقسام والتشرذم. فالتنوع المحاط بالحرية والتسامح، هو الذي يصنع الوحدة، وهو الذي يضبط الاختلاف لكي لا يتحول إلى تفتت وتشظي، وهو الذي يجعل احترام المغايرين وسيلة الاستيعاب والتفاعل.

فقد مضت أزمنة التوحيد القسري وإلغاء الخصوصيات، وذلك لأن هذه التجارب البشرية لم تزد الواقع الإنساني إلا تشتتا وانقساما وحروبا. وأي فئة أو مجموعة بشرية تتطلع إلى السيادة والغلبة على قاعدة نفي التنوعات ومحاربة مظاهر التسامح والاختلاف فإن مآلها السقوط والفشل، وذلك لأن جميع القوى الإنسانية أدركت أن القهر لا يلغي حقها في التعبير عن ذاتها، وأن الاستبداد ليس سبيلا إلى التمكن والاستقرار، بل على العكس من ذلك حيث أنه هو الذي يساهم بمتوالياته الاجتماعية في تكثيف لحظات الإحساس والشعور بالذات وخصوصياتها المتعددة. فنحن مع " احترام الاختلاف بوصفه سبيلا للاتفاق، والاعتراف بالتباين بوصفه دليلا على العافية، وتأكيد أنه ما من أمل في سلام البشرية ما ظلت حضارة من الحضارات أو ثقافة من الثقافات أو أمة من الأمم تمارس قهرا سياسيا أو فكريا أو أخلاقيا على غيرها من الحضارات أو الثقافات أو الأمم بدعوى أن الطبيعة والتاريخ ميزاها على غيرها بما لا يمتلكه سواها، فمستقبل البشرية مرهون بالاحترام المتبادل، والتخلي عن رواسب التمييز العرقي أو التعصب المذهبي، والتسليم الذي لا رجعة فيه بأن إنكار الخصائص الثقافية أو الحضارية لشعب من الشعوب، إنما هو نفي لكرامة هذا الشعب وكرامة الإنسانية جمعاء " (راجع مقدمة كتاب: التنوع البشري الخلاق، تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، الطبعة العربية، المشروع القومي للترجمة (27)، 1997م).

ولكن السؤال هو: كيف نتيح لحالة التنوع أن تقودنا إلى التعايش والوحدة وليس إلى الانقسام والحروب. ولا ريب أن الإجابة على هذا السؤال المركزي، يعد من القضايا الأساسية التي تساهم في خلق رؤية جديدة لواقع التعدد والتنوع في واقعنا ومجتمعنا. وأن صون الحقوق الثقافية والسياسية للتنوعات هو السبيل الذي يوصلنا إلى أن تكون حالة التنوع طريقا للتعايش والوحدة بدل أن تكون سببا للانقسام والحروب. وما نود أن نبلوره في هذه الدراسة، هو الحقوق الثقافية للتنوعات والتعدديات المتوفرة في فضائنا الاجتماعي. فما هي حقوق التنوعات الثقافية؟

الحرية الثقافية:

وذلك عبر السماح لكل التنوعات الاجتماعية من توفير مصادرها الدينية والفكرية، حتى يتسنى لكل الأجيال من التواصل المباشر والحر مع هذه المصادر.

وهذا من الحقوق الثقافية الأصيلة والرئيسة لكل التنوعات الاجتماعية، بصرف النظر عن أحكام القيمة تجاه هذه المصادر. وإن كل أشكال محاربة وإقصاء هذا الحق الطبيعي، يعد وفق المقاييس الإنسانية والحضارية، تجاوزا نوعيا وخطيرا على قيم التعددية والتسامح وحرية العقيدة والرأي والتعبير.

لهذا فإننا نرى أن التنوعات الاجتماعية، بحاجة إلى إطار قانوني في إطار وحدة الوطن والمجتمع، حتى يتسنى لها من خلال هذا الإطار ممارسة شعائرها والتعبير عن ذاتها الثقافية، وتتواصل بحرية مع مصادر وأمهات كتبها الدينية والتاريخية والعقدية.

وإن منع هذه التنوعات من التواصل الحر مع مصادرها العقدية والثقافية، تحت دعاوى الحفاظ على الوحدة والوئام الاجتماعي، لا يؤدي إلى إرساء دعائم الاستقرار الثقافي والاجتماعي، بل العكس من ذلك تماما. إذ أن هذا المنع، يزيد من الاحتقانات، ويوفر فرصا عديدة لتجاوز القانون والدخول في مواجهات تهدد حالة الاستقرار والوحدة الوطنية .

فالحرية الثقافية بكل مفرداتها وآفاقها، حق طبيعي لكل التنوعات، وعلى مؤسسة الدولة أن تصيغ وتبلور قانونا يكفل هذا الحق لكل التنوعات والتعبيرات الثقافية والاجتماعية المتوفرة في المجتمع.

وإن الوحدات الاجتماعية والسياسية والوطنية القائمة اليوم في أصقاع الدنيا، ليس بسبب التجانس التام بين مكونات هذه الوحدات. فهي قائمة على التعدد واحترامه . والطريق الذي تعلمنا إياه التجارب لوحدة المتنوعين هي في خلق النظام الاجتماعي والثقافي والسياسي المتوازن والمرن في آن .

بناء الأطر والمؤسسات:

فتشكيل الأطر والجمعيات والمؤسسات الثقافية والأدبية والإبداعية الأهلية، هو حق ثقافي ـ طبيعي لكل التنوعات المتوفرة في المجتمع.

وهي مؤسسات تعنى بتنمية العمل الثقافي الوطني، واستيعاب كفاءات الوطن، والمساهمة في معالجة بعض المشاكل الاجتماعية والثقافية، والتي تتطلب تكاتف الجهود في سبيل بلورة رأي وموقف وطني تجاهها .

والتنوعات الاجتماعية، تعبر عن ذاتها الثقافية والاجتماعية من خلال هذه الأطر والمؤسسات، وتعمل على توفير كل متطلبات الساحة الثقافية والأدبية .

وإن غياب هذه التشكيلات القانونية، هو الذي يساهم في تشرذم النخب الثقافية والأدبية أو في انخراطها في أطر وأوعية غير رسمية تمارس من خلالها دورها ومسؤوليتها .

وإن المرحلة الراهنة تتطلب إطلاق مؤسسات المجتمع المدني (التعاقدي) لكي تمارس دورها في بناء الوطن وتنمية المجتمع وإشاعة ثقافة العمل المؤسسي، بحيث يتوفر الإطار القانوني لكل المبادرات الفردية والأهلية، التي تتطلع إلى تشكيل مؤسسة أو بناء جمعية وهيئة.

الحماية القانونية:

فصيانة حقوق الإنسان واحترام كرامته وخصوصياته الذاتية والثقافية، والعمل على سن القوانين والأنظمة التي تحول دون التعدي على هذه الحقوق أمر مطلوب في هذا السياق. فالاختلافات المذهبية والقبلية والعرقية والدينية، لا تبرر بأي شكل من الأشكال التعدي على حقوق الآخرين . فكل القناعات الدينية محل احترام وتقدير . والاختلاف في الفكر والانتماء، لا يقود إلى التعدي على الآخرين في وجودهم وأفكارهم، بل على العكس من ذلك، حيث إننا مأمورون دينيا من احترام الآخرين وممارسة العدل تجاههم والإحسان إليهم .. قال تعالى [يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون] (سورة المائدة، الآية 8).

 وعن معاوية بن وهب قال: قلت له عليه السلام: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قــومنا وبين حلفائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟ فقال: تنظرون إلى أئمتكم الذي تقتدون بهم فتصنعون، فو الله إنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويــؤدون الأمــانة إليهم. (موسوعة الكتب الأربعة في أحاديث النبي والعترة،أصول الكافي ج 2، محمد بن يعقوب الكليني، ص 600، دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1990م).

فلا نحارب الآخرين بسبب أفكارهم وآرائهم، كما إننا ينبغي أن لا نمارس عملية الإقصاء والإلغاء تجاه الآخرين بفعل اختلافنا معهم في دائرة من دوائر الانتماء لدى الإنسان . فالمطلوب دائما وفي كل الأحوال، ومن كل الأطراف، هو العمل على صيانة حقوق الإنسان وعدم امتهان كرامته . فالإنسان مطلقا مصان في ذاته وكل ما يتعلق به من أمور وقضايا. " والاحترام يفوق التسامح، فهو ينطوي على موقف إيجابي تجاه الغير في تعددية خلاقة . ولا يمكن لأصحاب القرار أن يقننوا الاحترام بالتشريعات، ولا يستطيعون إكراه الناس على احترام الغير . ولكن يمكنهم أن يدعموا الحرية الثقافية باعتبارها من الدعامات التي تقوم عليها الدولة . والحرية الثقافية، على خلاف الحرية الفردية، هي حرية جماعية .

فهي تشير إلى حق جماعة من الناس في أن تتخذ ما تشاء من أساليب الحياة . والحرية الثقافية هي ضمان للحرية ككل . فهي لا تحمي الجماعة وحسب، بل تحمي حق كل فرد من أفرادها . والحرية الثقافية بحمايتها لمناهج حياة الغير، وتشجع على التجريب والتنوع والخيال والإبداع " (التنوع البشري الخلاق، مصدر سابق، ص 13).

المشاركة وتكافؤ الفرص:

إذ أن من الحقوق الثقافية لكل تنوع اجتماعي، حق المشاركة في الحياة الثقافية الوطنية وتكافؤ الفرص، بحيث أن الإمكانات الثقافية الرسمية تصرف وتوزع بالتساوي، ويحق لكل الكفاءات والطاقات الوطنية أن تصل إلى أعلى المناصب والمسئوليات الثقافية . وأن لا تكون للانتماءات الطبيعية أو الحديثة دور في منع أو تهميش إنسان أو طرف من ممارسة دوره ومسئولياته على الصعيد الثقافي . فكما أن الثقافة الوطنية هي محصلة التفاعل الخلاق بين مجموع التعبيرات والمكونات، كذلك آفاق الحياة الثقافية وإمكاناتها، فإنها مفتوحة للجميع بدون التنوعات والخصوصيات، وإنما على قاعدتها ومن خلال التعامل الحضاري معها تتم المشاركة في تفعيل وتنمية الحقل الثقافي في الوطن والمجتمع .

والسلم الاجتماعي والاستقرار السياسي لا يمكن أن يتحققان في أي مجتمع متنوع ومتعدد إلا على قاعدة نفي التمييز والتعامل الحضاري من كل أشكال التعددية في المجتمع ومشاركة هذه التعبيرات في البناء والإدارة وتسيير الشئون العامة، هو المؤشر الأقصى لارتقاء هذا المجتمع وتوفره على سلم مجتمعي صلب واستقرار سياسي متين .

وعلى هذا نستطيع القول: أن محاولات التطهير العرقي والتمييز الطائفي والتعصب الديني وممارسة العنصرية، كلها قضايا وممارسات لا تفضي إلا إلى المزيد من التدهور الاجتماعي والفوضى السياسية والانهيار المجتمعي .

فالكراهية لا تصنع استقرارا والإكراه لا يقود إلى تغيير حقائق التاريخ والمجتمع . فالمشاركة لا تحمي الجماعات الخاصة فقط، " بل تحمي المجتمع بأسره حاضرا ومستقبلا . وعدم التفرقة ليس شعارا يرفع أو مقولة تقال، بل هو نظام قانوني ينص على ذلك، وممارسة مستديمة من مختلف المواقع تؤكد على خيار المساواة واستيعاب جميع مكونات الوطن والمجتمع .

ويعرّف مصطلح عدم التفرقة في القوانين الدولية والإنسانية، بأنه المساواة في الفرص أمام الأفراد دون اعتبار للجنس والدين، والعرق، والأصل الاجتماعي، واللغة والثروة . وذلك في القانون وسلوك الحكومة والأعمال الفعلية .

وتؤكد التوجيهات الإسلامية على ضرورة أن يتعامل الإنسان مع الآخرين بمقتضيات العدالة . قال تعالى [ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم] (سورة فصلت، الآية 34) .

فالتعامل الإيجابي مع الآخرين، هو الكفيل على امتصاص تشنجهم واستيعاب سلبيتهم، فتتحول من جراء التعامل الأخلاقي الرفيع إلى معرفة متبادلة قائمة على الصدق والاحترام العميق، ونبذ كل أشكال الضغائن .

وعديدة هي القصص الإنسانية التي تـــــؤكد على هذه الحقيقة . ويكفينا أن نشير أن أخلاق الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الراقية أدخلت الكثير من الكفار والمشركين إلى الإسلام . فأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ومداراته للناس وحسن تعامله معهم نقلت الكثير من الناس من موقع معاداة الإسلام إلى موقع المؤمن المدافع عنه. لذلك جاء في الحديث الشريف (دار الناس تستمتع بإخائهم، وألقهم بالبشر تمت أضغانهم) (ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 3، ص 240، الدار الإسلامية، لبنان) . و (ما كرهته لنفسك فأكرهه لغيرك، وما أحببته لنفسك فأحبه لأخيك، تكن عادلا في حكمك، مقسطا في عدلك، محبا في السماء، مودودا في صدور أهل الأرض) (ميزان الحكمة، مصدر سابق، ج 6، ص 86).

و(ثلاث خصال تجتلب بهن المحبة: الإنصاف في المعاشرة والمواساة في الشدة والرجوع على قلب سليم) (ميزان الحكمة، مصدر سابق، ج 2، ص 205).

فالعلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية في الإطار الوطني والإنساني، ينبغي أن لا تكون قائمة على أساس التمييز والمفاضلة، وإنما على قدم المساواة، والكفاءة بصرف النظر عن منبتها وأصلها هي التي تتحمل المسئولية العامة . ولقد نصت المواثيق الدولية على حق التعبيرات الدينية والثقافية في التمتع بثقافتهم وممارسة شعائرهم الدينية واستخدام لغتهم، والمشاركة في الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والعامة، وفي عملية اتخاذ القرار فيما يتعلق بالأقلية التي ينتمون إليها وتكوين اتحاداتهم والرقابة عليها، وإقامة علاقات حرة وسلمية مع سائر جماعات الوطن أو مواطني الدول الأخرى ممن يمتون لهم بصلة قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية .

وخلاصة الأمر: إن التنوع الاجتماعي حقيقة إنسانية وتاريخية، ونحن بحاجة إلى رؤية حضارية جديدة للتعامل مع هذه الحقيقة، بما يؤدي إلى توظيف هذا التنوع في سياق إثراء مفهوم الوحدة الوطنية وتعميق خيار التعايش الواحد والسلم المجتمعي.

***

محمد محفوظ

يستند المورمونيون في نسخهم واجتراءاتهم على الكتابات المقدسة بخاصة، والديانات الإبراهيمية (الزرادشتية، الصابئة المندائية، اليهودية، السامرية، المسيحية، الإسلامية، السيخية، الطائفة الدرزية، البابية، النصيرية، الراستفارية، المعتقدات الباطنية) بعامة، على كونها – أي الديانة المورمونية – واحدة من الديانات المكتملة الأركان (وحي، نبي، كتاب مقدس، معبد، عُباد وأتباع) وذلك فضلًا عن انتمائها إلى الديانات التوحيدية. ويبرر لاهوتيوها أيضا نسخهم للشرائع السماوية السابقة على دعوتهم بسنة تلك الأديان وعلى رأسها المسيحية والإسلام والفرق والملل والطوائف والمذاهب ذات الصلة بتلك.

وخليق بنا قبل الخوض في قضية نسخ العقائد عند المورمونيين الوقوف بالنقد والتحليل على مصطلح الديانات الإبراهيمية، وذلك لأهميته حيث المشكلات والقضايا التي تثار في محيطه العقدي والفلسفي والسياسي من جهة، ودوره في تشكيل بنية العديد من المصطلحات المعاصرة وعلى رأسها مصطلحي وحدة الأديان وما بعد الدين وهو كذلك من أكثر المصطلحات انتشارًا في الأبحاث الفلسفية المعاصرة المعنية بتاريخ ومقارنة الأديان وتطور الفكر العقدي في العالم بوجه أعم من جهة ثانية.

الديانات الإبراهيمية:

يصعب على الناقد المحلل التأصيل لهذا المصطلح في ضوء الكتابات التاريخية، ويرجع ذلك لندرة الوثائق من جهة، وتشعب المصادر من جهة أخرى. فالديانة الإبراهيمية قد أرخ لها اليهود في كتابهم المقدس بـ 1900 ق.م وجعلوها أصل لكل الملل اللاحقة التي يعتبرونها هرطقات باطلة وتجديفات كاذبة، وذلك باستثناء الديانة الموسوية التي جاءت بالتوراة بعد ضياع صحف إبراهيم وهي الشريعة الأم التي تحمل كلام الرب وناموسه. أما المسيحية فهي تعتبر نبي الله إبراهيم من أكابر الأتقياء وأوائل الأصفياء وهو أب كهنوتي للسيد المسيح وذلك بحسب ما ورد في إنجيل متى (1:1) وكذلك في رسالة غلاطيا للقديس بولس (16:3) وهو كذلك أب لبني إسرائيل بحسب بما ورد في أعمال الرسل (26:13)، وهو بالجملة أرفع وأسمى قدراً ومثالاً بشرياً على الإيمان بالإله، وقد أكدت ذلك أقوال يسوع بنفسه في العهد الجديد. وجاء القرآن مؤكداً أن الدين عند الله الإسلام، والإسلام هو دين الحنفية “ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ”.

وقد أضحت بذلك الديانة الإبراهيمية هي الأصل الملي والمصدر الشرعي للعقائد السماوية، الأمر الذي أعطى للمصطلح مشروعية الانتشار في الأحقاب التاريخية المتواترة رغم غيبة التوثيق التاريخي لبنية الفكرة والمصطلح معًا.

وللكتابات الماسونية رأي آخر فيحدثنا محمد رشاد فياض رئيس محفل الشرق الأعظم الذي تأسس عام 1717م ببريطانيا أن مصطلح الديانات الإبراهيمية كان يتردد بين الأساتذة الماسونيين وفي جلساتهم المؤسسة لفكرة وحدة الأديان ويقول في ذلك: “الميمات الثلاث في الموسوية والمسيحية والمحمديّة تجتمع هكذا في ميم واحد وهي ميم الماسونية، وأن باء البوذية والبرهمية تجتمع أيضاً في باء البناء – بناء هيكل الإنسان – ثم يقول: الماسونية ليست عمالة لأي ديانة أو عنصرية معينة، إنها عقيدة العقائد وفلسفة الفلسفات وبالمبادئ الإنسانية هي مزينة”.

وقد تردد هذا المفهوم بين أوساط المثقفين والساسة والفلاسفة، وبات شائعاً منذ عام 1811م في كتابات الروحيين وعلى رأسهم جماعة الثيوصوفية والفرق الباطنية الصوفية فضلاً عن المحافل الماسونية في مصر والشام وتركيا.

ثم جاء الفيلسوف والمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883-1962) الذي يعد بحق الآب الروحي لهذا المصطلح في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، فيرجع له الأثر الأكبر في الجمع بين التصور العقدي والتوظيف الماسوني والأيدلوجيّة السياسية، لهذا المصطلح، وذلك منذ مؤتمر الجزائر للمستشرقين عام 1906م، ومؤتمري الأديان في أثينا ولندن عام 1912م. ثم جماعة (البدلية) في دمياط بمصر عام 1934م مع ماري كحيل الحلبية (1889-1979م) التي أسست العديد من الجمعيات الخيرية للإخاء الديني أشهرها جماعة (إخوان الصف) بمصر عام1941. وأخيرًا أعلن صراحة عن مشروعه عن الديانة الإبراهيمية في مقاله الأشهر عام 1949م وكتابات تلميذه الكاهن الماروني اللبناني يواكيم مبارك (1924-1995م) الذي انصرفت جهوده لتدعيم الحوار بين الإسلام والمسيحية. وجميعهم كان يرمي إلى نسخ الأديان السماوية الثلاثة بالإضافة إلى بعض الديانات الوضعية والطوائف في سياق واحد؛ ليسهل في البداية السيطرة عليها بعد تحليل بنية ثقافاتها وإتاحة الفرصة أمام الماسونيين والسياسيين للتخطيط لتقسيمها.

في أخريات القرن العشرين يظهر في الأفق دور المخابرات الأمريكية والصحف الأوروبية والجامعات ذات الصلة المباشرة بالماسونية وعلى رأسهم جامعة هارفرد، ذلك للترويج للديانات الإبراهيمية بمعان ودلالات براقة تبعًا للثقافة السائدة المراد نشر المصطلح فيها. وذاعت رسالة وقصة السجين المصري في أمريكا ويدعى (سيد نصير- 1955م) وهو فنان بورسعيدي حصل على الجنسية الأمريكية وأدين بالتورط في قتل “الحاخام مائير كاهانا” زعيم حركة كأخ الإسرائيلية المتطرفة في 1990م وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. وفحوى رسالته هو ضرورة الجمع بين شتات الموحدين ودياناتهم وعلى رأسها الديانات الإبراهيمية السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وتلقف هذه الرسالة الفيلسوف السويسري هانس كونج (1928-2021م) الذي جعل الأخلاق التطبيقية أساس الحوار بين الأديان الإبراهيمية وأقوى الروابط التي توحد بين المؤمنين بها وذلك في المؤتمر الذي دعا إليه تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية الصادر عن اليونسكو عام 1995م.

والسياسيان الأمريكيان ديك تشيني (1941م) والرئيس أوباما (1961م) في مطلع الألفية الثالثة، ثم مع دعاة التطبيع وعلى رأسهم ترامب (1946م) ونتنياهو (1949م) عام 2020. وأخيراً اتفاق أبراهام الذي عقد في البيت الأبيض أغسطس 2020م بين الإمارات والبحرين وإسرائيل، فظاهره تسامح عقدي وباطنه علمنة ماسونية وجوهره تطبيع صهيوني وهيمنة أمريكية وما خفي كان أعظم.

والذي يعنينا في هذا المقام هو الكشف عن أبعاد المصطلح الذي تبنته الديانة المورمونية وبات البرهان الذي احتج به أنبياءها أمام الأغيار المعترضين على اجتراءاتها ونسخها للديانات السابقة عليها.

والجدير بالملاحظة في هذا السياق أيضا أن الديانة المورمونية في أمريكا لها نظير آخر في إفريقيا وهو متمثل في الديانة الراستافارية التي ظهرت عام 1930م بأثيوبيا وهي من أكثر المتأثرين بالمورمونية في معظم معتقداتها ولاسيما في قضية النسخ إذ جعلت من هيلاسيلاسي عوضا عن المسيح في قيادة الديانة المسيحية وحرب آخر الزمان.

وإذا ما عدنا للأعمدة الرئيسة التي تربط بين الديانات الإبراهيمية سوف نجدها تتلخص في : وحدانية الإله، المقصد العام لشريعة السماء، الإيمان بالبعث والآخرة حيث الثواب والعقاب، ذلك فضلاً عن يوم القيامة والصراع السابق عليه بين قوى الخير التي يقودها أحد الأبرار من الأنبياء أو الأتقياء (المسيا، يسوع، المهدي)، وأولياء الشيطان وقوى الشر.

حجية النسخ المورموني:

يجتهد أنبياء المورمونية المتتابعين في استنباط أدلتهم على مشروعية نسخهم للشرائع بحجتين : أولها نقلية مستمدة من العهد الجديد، والثانية عقلية لا ينكرها إلا المغيبون والحمقى لأنها تتصل بالواقع المعيش وكل مقتضيات العصر من علوم وفلسفات ونظم وسياسات. ومن الأدلة النقلية ما جاء به يسوع في العهد الجديد إذ قام بإلغاء بعض الأحكام وتعديل البعض الآخر؛ إذ جعل أسفار العهد الجديد (27) ناسخة لما ورد في أسفار العهد القديم (39)، وفضّل عطلة الأحد عوضًا عن السبت، معمدية المنتمين عوضًا عن الختان، والقربان عوضاً عن الذبائح، واستقبال القبلة إلى الشرق عوضًا عن جدارية “مزراح” بالقدس. كما عطل عقوبة الرجم للزاني والزانية التي رواها أبو التاريخ الكنسي يوسابيوسالقيصري (265-339م) لضعف مصدرها، وقدم التسامح والسلم على القتال والقصاص. وقد تحدثنا فيما سبق عن بعض التعديلات التي أجراها نبي المورمون على الكثير من المعتقدات اليهودية والمسيحية وها نحن نكمل ما بدأناه في السطور التالية.

جاء في إنجيل لوقا على لسان يسوع (36:39 – 5) قوله: “ليس أحد يضع رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق والا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد، و ليس احد يجعل خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق فهي تهرق والزقاق تتلف؛ بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا، وليس أحد إذا شرب العتيق يريد للوقت الجديد لأنه يقول العتيق أطيب”.

يبدو أن جوزيف سميث تأثر بهذا القول عند تعديله أو نسخه للأقوال والأحداث والقصص والأحكام الشرعية الواردة في الكتاب المقدس، فجعل النسخ لاغيًا لما قبله وليس مكملًا أو معدلًا أو شارحًا، وبنفس المعيار أوّل قانون الإيمان ومفهوم الخلاص وحقيقة الصراع الذي سوف يأتي في آخر الزمان. غير أنه أهمل قول يسوع أيضاً الذي ورد في إنجيل متى (5- 22:17) ’’لا تظنوا اني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لانقض بل لأكمل، فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل؛ فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات    وأمّا من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات؛ فإني أقول لكم إنكم ان لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات، قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم، وأما أنا فأقول لكم ان كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع ومن قال يا احمق يكون مستوجب نار جهنم’’.

ويشير القول السابق إلى وحدة الناموس وحرص يسوع على تصحيحه أو تعديله وليس إلغاءه كلية كما فعل أنبياء المورمون.

ويبدو أن نبي المورمونيين قد حاول الجمع بين المنحى التفكيكي في قراءة النص المقدس تارة والنهج البنيوي النسقي السياقي تارة أخرى، والتأويل الذاتي الحر تارة ثالثة. لذا قد اختلف المفسرون حيال موقف نبي المورمونية من الديانات السابقة، فذهب البعض إلى أن الأساس الذي أقام عليه دعوته النقضية قد انطلق من تعاليم أريوس المنطقي ولا سيما في قضية (الكروستولوجي) أو طبيعة المسيح وقانون الإيمان النيقي، في حين ذهب البعض الآخر إلى أن الأثر الأكبر الواضح في كتاب المورمون هو الأثر التوحيدي المصري والفكر العقدي الإسلامي الذي تأثر به سكان أميركا قبل نزوح الأوروبيين إليها أي في الفترة التي اكتشف فيها العرب المسلمون وجود القارة الأمريكية على الشاطئ الثاني من المحيط الأطلنطي أو بحر الظلمات كما كانوا يسمونه، حيث كان سكان هذه الأرض من الموحدين المؤمنين بوحدانية الإله من المنظور الإخناتوني والتعاليم الإسلامية.

وتشهد بذلك كتابات أمير البحار الأندلسي خشخاش بن سعيد بن أسود (871/957م). وعثور لويس بيركلي على آنية من الخزف تحوي نقوداً رومانية ترجع إلى القرن الرابع الميلادي وأخرى إسلامية تعود إلى القرن الثامن الميلادي وذلك في القرن التاسع عشر. وتقطع هذه القرائن بأن الأفكار العقدية والثقافة الرومانية والإسلامية كانت معروفة لسكان الأرض الأمريكية في تلك الأحقاب التاريخية. ونستخلص من ذلك كله أن الإشارات التي وجدت في كتاب المورمون تحدثنا عن الأثر المصري واليوناني وتعكس دراية نبي المورمونية بتلك الحقائق عند وضع روايته عن الألواح الذهبية المقدسة التي اتخذ منها حجّة على نبوته.

وللحديث بقيّة

***

بقلم : د. عصمت نصار

 

لقد اجتهد اللاهوتيون المورمونيون في ابتداع الكثير من المعتقدات عوضاً عن مثيلاتها في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية والإنجيلية، لذا قوبلت بالارتياب في مصدرها والشك في مصداقية تعاليمها (من قبل جل الطوائف اليهودية والمسيحية معاً)، لأنها لا تحمل في بنيتها مقاصد مقبولة عند المُفكرين الوضعيين أو الفلاسفة العقليين من جهة، أو المتدينين العوام من جهة أخرى. في حين نجد من استهوتهم كتابات المورمونيين وأحاديثهم – التي روجت لها عشرات قنوات الإعلام من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية ومواقع بحثية وجامعات لاهوتية بـ 15 لغة من بينها العربية والفارسية- لا يعبئون بجحود معارضيهم، بل زاد إيمانهم بتصريحاتهم الجامحة وشرائعهم الجانحة. ويبرر العديد من المحللين جرأتهم واجترائهم، بقوة نفوذ موجهيهم من أصحاب رؤوس الأموال والساسة والمشاهير من الفنانين والرياضيين. ناهيك عن الأموال التي ينفقونها في جمعياتهم الاجتماعية وقوافلهم التبشيرية، فقد بلغت دخول أثريائهم نحو 50 مليار دولار سنويا، وقد سعى منظريهم بشغل العديد من الوظائف المؤثرة في أمريكا ورُشح أحدهم وهو السيناتور ميت رومني  (1947- …) من قبل الحزب الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012 رغم كراهية الأمريكان لهم ونفور المسيحيين واليهود من وجهتهم الصهيونية.

وترجع العديد من الدراسات (المعنية بنقد الديانات الحديثة) أن ادعاء أنبياء المورمونية بأنهم مفوضون في نسخ الشريعة (نقض، إلغاء، تعديل، تأويل) أو بالإضافة على ما ورد بها من أوامر ونواهي تبعاً لمقتضيات الواقع والثقافة السائدة، هو العلة الحقيقية لشطحاتهم وبدعهم. تلك الحقيقة التي كشفت بوضوح عن تأثرهم الكبير بالديانات الوضعية التي خرجت من رحم الحركات الصهيونية أو الاتجاهات اليهودية على أنها ثورات حداثية أو حركات إصلاحية من جهة، أو المخططات الماسونية من جهة أخرى. تلك التي أرادت مصادرة المذهب البروتستانتي إلى وجهتها الفلسفية النقديّة في قراءة النصوص المقدسة أو تخليص الديانتين اليهودية والمسيحية من الشرائع غير المقبولة في نظر الاتجاه العلماني المعاصر. وسوف نعرض في عجالة لأهم تلك المخالفات والمؤثرات.

ــ عقيدة الخلاص والفداء:

يميز المورمونيون بين الخلاص العام وهو “خلاص النعمة” لكل الموجودات المُكلفة من إنس وجان وشياطين، فجميعهم سوف يتم خلاصهم بموجب بعثهم من الموت وذلك بحسب أعمالهم منذ ولادتهم الأولى. وسوف ينقسم الذين تم خلاصهم وحسابهم في الملكوت السماوي إلى درجات يُقدرها إله السماء بغض النظر عن دياناتهم التي اعتنقوها منذ نشأتهم. فالبعث والحساب عند المورمونيين يُعد ضرباً أو درجة من درجات الخلاص. أما الفُجار من الإنس والجان فلا يُبعثون ولن يتم خلاصهم وذلك لإنكارهم الحقيقة الإلهية وكفرهم بالإيمان الرباني.

أما الخلاص الخاص فلا يحظى به إلا الأتقياء والأبرار وأصفياء الروح والأنفس، فهم دون غيرهم تبعث أرواحهم في المعية الإلهية فمعظمهم من المورمونيين والرسل والصالحين من أرباب الديانات الأخرى والذين شفع لهم ذويهم وأهدوا لهم كتاب المورمون بعد موتهم، فجميع هؤلاء سوف يُخلدون في مملكة السماء – شأن العودة الأبدية عند الهندوس وأفلاطون والاحتراق الكلي عند الرواقيين والنيرفانا عند البوذيين، أو عالم الخلود عند المصريين حيث الجيل الذهبي الذي تحدث عنه أفلاطون.

أما الأشرار والعصاة وشياطين الإنس والجن لهم مراتب أيضاً في الحساب الأخروي، فأشرار البشر يُحشرون في مكان يدعى “مملكة تلستال” وهي أدنى ممالك السماء لينالوا قدراً من العقاب على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام، في حين يُسجن الشياطين في مملكة الجحيم الأبدي، بينما يسكن جاحدي النعمة وأرباب الخطايا من المورمونيين “مملكة تريستال” وهي أقل درجات التعنيف والتوبيخ وعدم القبول الإلهي، وذلك لأنهم شعب الله المختار الذين أمانوا بالمورمون غير أن الشيطان نجح في إغوائهم. وهؤلاء لن يخلدوا في عالم العصاة، بل سوف يقضون فيه حقبة من الزمان حتى يتم تطهيرهم ويحظون بالمغفرة الربانية.

فعقيدة البعث عند المورمونيين تتصل بعقيدة الفداء وعودة المسيح في آخر الزمان فقد أراد رب السماء أن يطمئن أبناء آدم من البشر وأقرانهم من الجن والعفاريت -الذين حاكوا البشر الآدميين في أفعالهم – بأن أباهم السماوي قد غفر خطيئة آدم وأرسل أكبر أبنائه الإلهيين وهو يسوع بن مريم ليُسفك دمه ويموت على الصليب فداءً وخلاصاً لهم. وسوف يتم لهم ذلك بعد قيامهم من بين الأموات فلا يُحاسبون على جحد آدم نعمة الميلاد البشري وخطيئته الأولى، ولكنهم سوف يُحاسبون عن خطاياهم اللاحقة وذنوبهم التي ارتكبوها رغم تحذيرهم من عقوبة مخالفتهم للناموس في حياتهم الأولى على لسان الأنبياء والرسل والمرشدين. كما أن العدل الإلهي يقتضي بألا يُخلّص سوى الأتقياء وأن ملكوت السماء لا تُفتح أبوابه إلا أمام الأخيار والأبرار ودونهم يسكنون طبقات أدنى؛ الأمر الذي يكشف زيف المعابد اليهودية رواية الكنائس المسيحية – في نظر المرمونيين – التي تُعلّم بأن مجيء المسيح وصلبه يكفي لخلاص من أمن به وبألوهيته.

وقد تأثر سميث في ذلك بعقيدة “الكارما الهندية” “الجزاء من جنس العمل”. وقد عدّل سميث بذلك شعار (شعب الله المختار) من اليهودية و(خراف بني إسرائيل الضالة) من المسيحية، وجعله حكراً على المورمونيين فقط.

ويمكننا أن نلاحظ تسامح أنبياء المورمونية مع الأغيار أي الذين لم يؤمنوا بتعاليمهم، ويتمثل ذلك في الاعتراف بخلاص خيارهم ونجاته من العقاب، وإن كان في مرتبة أدنى من المورمونيين، وذلك على العكس من الديانات السماوية الثلاث التي تؤكد أن شعب الله المختار في اليهودية والمسيحية هم الذين سوف يتم خلاصهم فقط، وإلى مثل ذلك ذهبت بعض الفرق الإسلامية المعاصرة مثل الخوارج وغلاة الشيعة وداعش ومن نحا نحوهم من الذين أولوا مصطلحي الفرقة الناجية وخير أمة.

 ــ معمودية الأموات:

لم تتوقف رسالة المؤمنين بالعقيدة المورمونية عند تعميد أبنائهم في سن الثامنة أو هداية ذويهم الأحياء ليتم خلاصهم، بل اضطلعوا بمهمة أخطر ألا وهي تخليص أباءهم الذين ماتوا على ضلالهم، وتصديقهم للديانات السابقة على البشارة المورمونية. ويختلف اللاهوتيون المورمونيون في ذلك عن سائر المذاهب المسيحية، ففي مقدور الكنيسة المورمونية أن تهب الخلاص والتوبة إلى الذين انتقلوا إلى الملكوت السماوي، ليس بالترحّم عليهم والدعاء لهم فحسب؛ بل باستدعائهم واستحضار أرواحهم والحديث معهم وإقناعهم بعقيدة المورمون. وذلك بتأثير من الجمعيات الروحية الحديثة التي أباحت الاتصال بعالم الأموات والاستعانة بهم في قضاء الحاجات؛ الأمر الذي يُناقض ما جاء في سفر التثنية من التوراة الذي نهى فيه الرب عن الاتصال بالعالم الآخر وأرواح الموتى والجن والعفاريت والسحر وكيد الشياطين، وقد توعد الرب من يفعل ذلك بالعذاب في الآخرة والخسران في الدنيا. غير أن اللاهوتيين المورمونيين نسخوا هذا النص. ويضيف كهنة المورمونية أن في مقدور اللاهوتيين الربانيين الإتصال بعالم الأموات الذين ينتظرون في البرزخ يوم القيامة في آخر الزمان فيستنهضوا أرواحهم ويبلغونها ببشارة المورمون ورسالة الرب التي هبطت على شعب الله الصهيوني الحقيقي الساكنين في أمريكا ويفوضهم الرب – شأن الربانيين التلموديين- في مخاطبة الأرواح الراغبة في التوبة والمتشوقة للخلاص المورموني الذي تبشر به كنيسة قديسو آخر الأيام في كل أنحاء الدنيا. ويزعمون أن تلك القدرات قد منحها يوحنا المعمدان لنبي المرمون وعلّمه معمودية هارون شقيق موسى وزوده بالنصائح التي وردت على لسان بطرس ويعقوب ويوحنا صاحب الرؤية وغيرهم من القديسين المسيحيين التي تجلت أرواحهم وظهرت صورهم للموعودين من اللاهوتيين المُكلفين بهداية سكان العالم الآخر، وقد نقلها بدوره لخلفاءه المورمونيين.

ويبدو تأثر اللاهوتيين المورمونيين بفرقة الربانيين اليهودية والحسيديين العلمانيين (الذين ظهروا في أخريات القرن السابع عشر وجمعوا بين السحر والشعوذة والكهانة والزهد والفكر الليبرالي والاقتصاد الرأسمالي والأخلاق الفردية في بنية آراءهم)، مع عدم تمسكهم بحرفية الكتب المقدسة الكلاسيكية، والترويج للتفكير العلمي ومصطلحات: النهضة والاستنارة والمدنية العلمانية والحداثة وما بعد الحداثة وغير ذلك من شعارات إصلاحية، وذاعوا ذلك كله بين الشباب المتطلع لغد أفضل من شتى الديانات. وقد نشطت الجماعات اليهودية المعاصرة في أمريكا منذ منتصف القرن التاسع عشر الحاملة لهذه الأفكار على وجه الخصوص، واتخذت من الليبرالية والرأسمالية والنفعية دستوراً لا غنى عنه للأمم الراغبة في التقدّم العلمي وقيادة العالم.

ــ تعدد الزوجات:

تحدثنا التوراة في سفر الملوك واحد الإصحاح 11 وسفر صموئيل الإصحاح 5 وسفر التكوين الإصحاح 29، 30 وسفر التثنية الإصحاح 21، وسفر أشعياء الإصحاح 4 عن العديد من الإشارات الصريحة بتعدد الزوجات. بينما في المسيحية قد استند اللاهوتيون على ما جاء في سفر التكوين (2:24) “لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً”، لتحريم التعدد، ويضيف “فيلو ثاؤس” (رئيس الكنيسة الكبرى المرقسية بالقاهرة سابقاً) في كتابه (قانون الكنيسة القبطية) عام 1876م “لا يجوز للمسيحي أن يتخذ سوى امرأة واحدة في الحال لا أكثر، وإن توفيت أو افترقت عنه شرعاً له أن يتزوج بأخرى”. أما في كتاب المورمون فورد في سفر يعقوب (2:2،27) أن الرب قد أستاء من تعدد الزيجات وكذا عادة التسّري فنصح المؤمنين بإتيان زوجة واحدة. ورغم ذلك نجد سميث نبي المورمونية يدعي أن يسوع قد أوحى له بالعودة إلى نصوص التوراة حيث التعدد ونسخ معتقد الكنائس الأرثوذكسية وما تبعها. وذلك رغم أنف الحكومة الأمريكية التي فرضت عقوبات مشددة على المورمونيين الذين أباحوا التعدد في ملتهم. ويبرر اللاهوتيون المورمونيون العودة إلى شعيرة التعدد بأن الرب سوف يكافئ المؤمنين مئات الزوجات والسراري بعد بعثهم في الجنة، وقد تزوج سميث نبي المورمونيين الأول بعشرات الفتيات اليانعات والسراري الفاتنات، الأمر الذي يقطع بعدم حرمانية التعدد عندهم غير أنهم حرموا الطلاق ولم يثبتوا في سجلات كنائسهم إلا من تزوج بمورمونية بيضاء وأعتبروا دونها تسرّي أو زواج متعة.

ــ العنصرية والشيفونية:

لم تتحرر المورمونية من العنصرية والشيفونية الغربية بوجه عام والعصبية اليهودية بوجه خاص، إذ رفضت تعميد أو قبول الزنوج تحت مظلة كنيستها، وذلك استناداً على ما جاء في سفر إبراهيم من إنجيل مورمون “أن الذين جاؤوا من صُلب كنعان ملعونون لأن كنعان كان أسود.” من صلب حام وقايين (أي قابيل) الذي قتل أخاه هابيل أبن أدم. وقد تسامح اللاهوتييون المورمونيون المحدثون فقبلوا الزنوج الذين جاؤوا طوعاً بغير بشارة طالبين الانضمام إلى الكنيسة المورمونية غير أن هذا الانضمام ظل غير رسمي ولم تتم لهم العمادة حتى عام 1954م وقد اشترط اللاهوتييون أنذاك قبول الزنوج كخدام أو عبيد دون أن يُمنحوا البركات مساواة بالمورمونيين البيض الأحرار، وذلك في الملكوت الأعلى. كما حذرت الكنيسة زواج المورموني الأبيض من الزنوج رجلاً كان أو امرأة لأن الرب يبغضهم ولا يبارك نسلهم. وفي عام 1978م خضعت الكنيسة الأمريكية لجمعيات حقوق الإنسان التي يقودها الماسونيون فسمحت للزنوج بالعمادة مع كراهتها لزواج المورمونيين البيض من الزنوج.

ــ بين الراديكالية والإباحية:

يحرم معظم المورمونيين تناول الخمر والتبغ والقهوة والشاي والمخدرات، ويرفضون العري والإجهاض والمثلية ويحرصون على عذرية الفتيات قبل الزواج واحتشام ملابسهن، ولا يسمحون بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ويعتبرون الصلاة والصوم فروض واجبة ولها كفارة ويؤكدون على التماسك الأسري ورعاية الفقراء والمعوذين من المورمونيين. وتعد جامعة السياحة الدراسية بالقدس من أهم دعاة التعاليم المورمونية في الشرق الأوسط، غير أنها محظورة من قبل الفلسطينيين والإسرائيليين معاً، وبات التبشير بتعاليمها سرًا بين الفلسطينيين وغيرهم من الذين طمعوا في استكمال دراستهم في أمريكا. في حين نجد المورمونيين العلمانيين يبيحون التسري والتعدد الشرعي للزوجات، ولم ينكر نبيهم (وارين جيفز) كثرة زوجاته وعشيقاته؛ الأمر الذي انتهى به إلى السجن مدى الحياة. بيد أن بعض طوائفهم في ولاية يوتاه الأمريكية قد أعلنت تحريم الإباحية الجنسية والشذوذ والإجهاض، ومال قادتها إلى دراسة الفقه الإسلامي والأخذ عنه، ورحبوا بهجرة العراقيين والسوريين إلى أمريكا رغم معارضة أكثر من 30 ولاية لهذا الإجراء. وسعى الملياردير السياسي الموروني ميت رومني – حاكم ولاية ماساشوستس من عام 2003 إلى 2007- إلى الجلوس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض منافساً للرئيس أوباما، تحقيقا لما جاء في كتاب المورمون بشأن علو سلطان المورمونيين وقيادتهم العالم.

وقد اختلف الكثيريون من المحللين حيال تفسير تعاطف المورمونيين مع المسلمين، فبيّن أحدهم أن شعورهم بالاضطهاد داخل المجتمع الأمريكي هو الذي دفعهم لنحت روافض لهم أو صناعة أذرع وأبواق لعقيدتهم بين المسلمين في آسيا وأفريقيا، وقد أكدت ذلك صحيفة وول ستريت وصحيفة بلومبرغ وشبكة إن بي سي نيوز. والجدير بالذكر أن هناك مورمونيين غير محافظين على الثوابت الدينية أو الآداب التي حث عليها الكتاب المقدس غير أنهم منتسبون للفكر المومرموني كأيدلوجية صهيونية منفتحة على العالم بموجب منطق المنفعة وسلطة رأس المال. بينما كشف تفسيراً آخر عن نزعاتهم الصهيونية التي تنشد إضعاف طائفة الأرثوذوكس في مصر وتأييد الشيعة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وذلك لضمهم جميعا للفكر المورموني في المستقبل لينطلقوا جميعاً من القدس للقضاء على كل الأغيار المناهضين بقيادة يسوع كما ذكرنا.

ويشير الكاتب الأمريكي مايكل دبليو هومر في كتابه (العلاقة الديناميكية بين الماسونية والغطاء المورموني)

The dynamic relationship between freemasonry and Mormonism 

والكاتب المصري رأفت ذكي في كتابه (المورمون صناعة الآلهة) وكذلك الكاتب اللاهوتي الأرثوذكسي حلمي القمص يعقوب (1950م- …) في كتابه (عبادات الشيطان وسلطان القديسين): أن تعاليم المورمونيين لا تخلو من الهرطقات الشيطانية وعلى رأسها إنكار ألوهية المسيح وقانون الإيمان ووقائع يوم القيامة الواردة في الكتاب المقدس بالإضافة إلى تأليه أنبياءهم وقادتهم الروحيين، أما تمسكهم بالفضائل والأخلاق الدينية لا يعدو أن يكون تمسكاً ظاهرياً، غير أنهم على النقيض من ذلك تماماً في السر وأن صهيونيتهم لا تخف على أحد، تلك التي تزعم أنهم مفوضون من قبل الرب بحكم العالم ومراجعة دساتيره وتعيين ملوكه وحكامه وأن روح يسوع سوف تحل في جسد كل من يتولى رئاسة أمريكا من المورمونيين لقيادة جيوش الرب للقضاء على الكافرين بملكه.

ويضيف بعض المعنيين بمقارنة الأديان المعاصرين: أن معظم الرموز التي يستخدمها المورمونيون منقولة حرفيًا من التعاليم الماسونية، ويستشهدون في ذلك بالعلاقة التي كانت تربط بين نبي المورمونيين “جوزيف سميث”، والمحافل الماسونية التي ضمت عقيدته إلى دعاتها ومنظريها وذلك منذ عام 1842م. ومن أشهر الرموز المشتركة بينهما (العين، خلايا النحل، المربع، الشمس والنجوم). غير أن الماسونيين قاموا بقتله لمخالفتهم. ثم انقسمت إلى شعبتين صهوينية يمينية وماسونية منذ عام 1966م.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. عصمت نصار

 

إنّ من يتأمل تاريخ الديانات الوضعية الحديثة سوف يُدرك أنها قد انطلقت استجابة لآراء ونظريات ومذاهب وانقلابات سياسية وأهواء أخلاقية رغبةً في إصلاح قضايا اجتماعية وإرضاءً لنزاعات إنسانية، وذلك كله بعد  أن عجزت الديانات السماوية القائمة في زعم أربابها من تحقيق الأمن والسلم والسعادة للمؤمنين بها.

وبغض النظر عن البيئات الثقافية التي ساعدت في انتشار هذه المِلل، والمصدر الرئيس الذي حَبك وسَبك تلك التصورات الجامعة بين السياق الأسطوري والمسحة الروحية من جهة، والرؤى النقدية العقلية العلمية من جهة ثانية، والأزمة الأخلاقية والفراغ العاطفي والرغبة في إصلاح الواقع من جهة ثالثة، والتأكيد على قدرة الإنسان على خلق العالم الموازي الشاغل بالأسرار والغيبيات والمعجزات واجتذاب المؤيدين للحق المغترب والمهدي الغائب المؤيد من السماء من جهة رابعة، كل ذلك سوف يمكن المُفكك والمُؤول لهذه الأنساق الاعتقادية أن جميعها لم يضف على الواقع المعيش إلا مزيدٌ من القلق والخوف واليأس والاغتراب والرغبة في الانتحار والعنف والصراع وغير ذلك من الآلام التي يمسي فيها الإنسان بائساً حزيناً مستلباً.

وسوف يتعجب المتأمل من تلك الأكاذيب البدعية والحيل التي اصطبغت بها بنية جُل الديانات الوضعية، وتلك النسقية المضطربة الجامعة بين المقدس والمدنس، وذلك التلفيق بين العقيدة والفلسفة، وطرافة النسيج الخيالي الجاذب للعقلاء والمُفكرين قبل الجهلاء المُعدمين من العوام المعوزين في مجتمعات جحدت الغيبيات واتخذت من الإلحاد عقيدة حسيّة، ومن الشهوات المادية سبيلاً للعيش ودستوراً للحياة.

وخيرُ شاهد على ما سبق هو ما ورد في الديانات الأمريكية المعاصرة، وعلى رأسها المورمونية صنيعة الفكر الصهيوني الراغب دوماً في الترويج لهذه الأفكار العفنة المخربة.

أهم المعتقدات والشرائع التي روج لها المرمونيون:

أصول التبشير:

يقوم شبان من المبشرين الأمريكان بدق أبواب مساكن المرغوب في اجتذابهم وإقناعهم بالانتماء إلى الملة المورمونية حاملان العهد الجديد وكتاب المورمون ليعلمان بهما أهل الدار التي طرقا أبوابها شريطة أن يمضي سنتان على عملية التبشير قبل أن يعاود أحد المبشرين طرق أبواب هذه الدار ثانية وذلك لمنح الفرصة الكاملة أمام المريدين بالدخول إلى الملة طواعية بعد استيعابهم لأصول التعاليم وقواعد العقيدة عن طريق الحوار الدعوي الذي يتدرب عليه المُبشرين قبل مباشرتهم لأعمالهم، ويؤكد المؤرخون للمورمونية أن دور الدعاة المُبشرين – الذي بلغ عددهم نحو 30 ألف مُبشراً في نهاية القرن العشرين- لم يقف عند الدعوة والنصح والإرشاد بل أمتد إلى تقديم الكثير من المعونات المادية للفقراء ورعاية أسرهم اجتماعياً وصحياً وتعليمياً في الجامعة التي أُطلق عليها “بريغام يونغ”، وقد تأسست عام 1875م في مدنية بروفو بولاية يوتاه بأمريكا التي شيدتها الكنيسة المورمونية، وأضحى عدد طلابها نحو 25 ألف طالب.

ومن الطريف أن نجد أتباع المورمونية في مصر منذ عام 1977م، وذلك على يد بعض المبشرين العاملين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وقد احتجت الكنيسة الأرثوذكسية على السماح لهم بالتبشير العلني بحجة أنها عقيدة فاسدة ومخالفة ومناهضة لتعاليم الكنيسة المصرية؛ بل اعتبرتها  إحدى الفرق الضالة والمُهرطقة. وبلغ عدد المورمونيين الأمريكان في مصر عام 1995م نحو 500 مورموني. ثم توسع المُبشرون الأمريكان في جذب الأتباع من المصريين تحت ستار التبشير بالبروتستانتية والكنيسة الإنجيلية الأمريكية. وكذا إيعاد المستجيبين بالكثير من التسهيلات للعمل بأمريكا. وتشير بعض الدراسات المعاصرة إلى انتشار هذه العقيدة بين اللبنانيين والأفارقة، وذلك تحت رعاية الدبلوماسيين الأمريكان المنتمين إلى المورمونية منذ بداية الألفية الثالثة.

قدسية الكنيسة المورمونية وتكفير الأغيار:

الإيمان بأن كل الكنائس المسيحية السابقة فاسدة والتعاليم اليهودية التوراتية الواردة في الكتاب المقدس محرّفة ويبدو كل ذلك في أقوال سميث (نبي المورمونية) أن اللاهوتيين الذين زعموا بأنهم ينطقون باسم الرب أبناء زانيات وأرباب الفُحش والكذب والاجتراء على يسوع المسيح، وأن ما جاءوا به في كتبهم محض تلفيق وتدليس، وأن كتاب المورمون هو أصدق كتاب مقدس على الأرض، وأن الكفر بكل ما هو دونه واجب، وأن الشريعة المورمونية ناسخة لكل الديانات السابقة بما في ذلك الإسلام. وأن النبي (سميث) هو الذي تلقى كلمات المخلّص يسوع المسيح، ومن ثم كانت طاعته واجبة وكنيسته هي المرشد الصادق للطوباوية حتى آخر الزمان. وأن أي شك أو ارتياب في كتاب المورمون يرجع إلى حديث الشيطان ووسوسته، وكيد المُحرّفين الذين أخفوا بعض شذرات كتاب المورمون المقدّسة حتى لا يُفضح غييهم وإفكهم.

وقد قُوبلت هذه الآراء بالرفض والاستنكار من قبل كل الطوائف المسيحية وجُل المذاهب اليهودية ويستثنى من ذلك معظم الصهاينة والمسيحيين الإنجيلين الأمريكان الذين آمنوا بالمورمونيّة. وتتمثل أهم الاعتراضات في أن حديث “سميث” عن الكتاب المقدس يخالف الحقيقة، وأن العبارات المنقولة من أسفاره وإصحاحاته التي استشهد بها مُخالفة لمتن الكتاب المقدس نسخة الملك جيمس التي استغرقت ترجمتها إلى الإنجليزية الفترة من 1604م إلى 1611م، وظهرت طبعته الأولى عام 1612م. ويعني ذلك أن هذه الديانة قد أرتدى قساوستها عباءة المجددين والمصلحين لإنقاذ الشعوب التي تعاني من قسوة العوز المادي والفراغ الوجداني بخلاص دنيوي وسعادة أخروية للترويج لديانتهم .

نسخ قانون الإيمان وطبيعة المسيح:

أمّا زعم “سميث” بما جاء على لسان الرب يسوع المسيح بشأن قانون (الإيمان النيقي) المتفق عليه منذ 325م – وعُدل في 381م في مجمع القسطنطينية الأول – فهو لا يخلو من التدليس، ولا سيما المواضع التي ذكر فيها برهان نبوته وأخبار اليهود الصهاينة وكنيسة آخر الأيام وغير ذلك من الأكاذيب بداية من الألواح الذهبية ونهاية بنسخ الشريعة اليهودية وأقوال بطرس وبولس ويوحنا. بالإضافة إلى المسائل ذات الصلة بطبيعة السيد المسيح وخلاصه؛ فالإله في العقيدة المورمونية ليس مُشخصاً وليس له لحم ودم وطبيعة إنسانية كاملة كما يزعمون، وأنه لم يخلق العالم من العدم؛ بل كان عمله أقرب إلى التنظيم والتهذيب والهندسة شأن إله أفلاطون، وأن أبوته للبشر أبوة غير حقيقية قريبة الشبه بقصة ميلاد البشر في الأساطير الإغريقية والشرقية القديمة مثل (أسطورة الإله زيوس في الإغريقية)، والإله اندرا في الأساطير الهندية، والإله تينيا في الأساطير الأتروسكانية الإيطالية نحو 900ق.م، وكذا أسطورة إبيمثيوز اليونانية)، كما أكد المرمونيون أنه (أي يسوع المسيح) ليس إلهاً منفرداً للكون؛ بل هو عضو في مجمع الآلهة واختص بألوهية سكان العالم الأرضي، وأنه توأم الشيطان، وابن مريم من أحد آلهة السماء، وبكورة الاتصال الجنسي غير المباشر بين الآلهة والجنس البشري.

أمّا الروح القدوس فهو المسئول عن خلق أرواح الإلهة الصغرى في الكواكب الأخرى. وبذلك يُصبح الثالوث المُقدس المورموني على النقيض تماماً ممّا تؤمن به كل الكنائس المسيحية على اختلافها؛ فيسوع المسيح عند المورمونيين ليس إلهاً للكون بل هو عضو في مجمع الآلهة، وأنه مخلوق وليس خالق وله كل الصفات الآدمية وأنه ولد من اتصال جنسي بين الآب إله السماء والكون، ومريم – على نحو خاص- وكان ليسوع زوجات وأبناء وأنه مخلّص بالتفويض وليس له إرادة حرة مُطلقة، وأن الأقانيم الثلاثة التي تتحدّث عنها الأناجيل المسيحية ليست كياناً واحداً في شخص المسيح، بل هي أقانيم منفصلة في الوضع والحالة والزمان والقدرة ويستحيل جمعها في شخص واحد حتى على سبيل المجاز، وأن نصوص العهد الجديد مضطربة ومتناقضة في حديثها عن سيرة المسيح بداية من ولادته وصفاته ومعجزاته.

وعليه؛ لا يمكن الاعتماد أو الاحتجاج بها في سياق الحديث عن طبيعة المسيح. ومع ذلك كله فالعقيدة المورمونية تؤمن بمجد المسيح وقداسته وطهارته وصَلبه وعودته ثانية في آخر الزمان.

ويجمع اللاهوتيون المسيحيون على هرطقة تعاليم المورمونيين وتجديف زعمهم بأن نبيهم نبي آخر الزمان المتمم للشريعة والمُصحح لتحريف الكتاب المُقدس والناسخ للعقائد الإيمانية ومانح حرية تأويل الوحي للعقول البشرية بمعزل عن سلطة الكنيسة وأوهام القساوسة. وكل ذلك لا سند له ولا برهان على صحته عندهم. وينظر المجمع الكنسي لهذه العقيدة بعين الريبة والجحود ويعتبرها بدعةً مُحرمة يجب اجتنابها، وأنها من المعتقدات المهرطقة المعاصرة والمناهضة للاهوت المسيحي بعامة الأرثوذكسية بخاصة.

ويبدو بوضوح تأثر إنجيل مورمون بالعقيدة الآريوسية تلك التي وردت في كتاب “إلثاليا” الذي حرّره آريوس (256- 336م) بقلمه، وجاء فيه:

أن الإله واحد أزلي، غير مخلوق، لا بداية له ولا نهاية، وهو الحكيم الديان والذي لا ينقسم ولا يتحول ولا يتغير.

وهو الذي أنبثق عنه أبنه الوحيد يسوع، (أي أنه ابن بالتبني شأن غيره من المُختارين والمُصطفين) قبل كل الدهور، وبه خلق العالم وما فيه من الموجودات المحسوسة.

وأن يسوع لم يُولد كسائر البشر بل وجد بإرادة إلهية “كن فكان” فهو مخلوق ويستمد وجوده ومجده من الإله المُطلق (الآب)، فأضحى الكلمة التي لا تتغير، ومن ثمَّ كان وجود الآب سابقاً على كل الموجودات بما في ذلك الابن الذي خُلق بإرادة الإله قبل الزمن، وقبل كون العالم. هو قد نال حياته وكينونته من الآب، الذي أعطى مجده للابن، وأعطاه سلطاناً على كل شيء.

والخلاصة أن “جوزيف سميث” قد ذهب مع الآريوسيين إلى أن يسوع المسيح ليس إلهاً، وأنه ليس من جوهر الآب الخالق، كما أن الذي وُلد ونَمى وصُلب وتألم لا يمكن أن يكون الإله، ولا الكلمة الخالدة، بل هو الابن الذي تجسد في صورة يسوع البشري.

وإذا أمعنا النظر سوف نجد هذا التصور المورموني للقانون الإيماني الجديد قد تأثر إلى حد كبير بالكثير من الآراء الفلسفية المطربة والنحل العقديّة المجترئة، نذكر منها آراء البطريرك نسطوريوس (386- 451م) والفيلسوف الفرنسي أبيار أبيلار (1079- 1142م) والفيلسوف البوهيمي يان هوس (1369-1415م)، والفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو (1548م- 1600)، والفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632- 1677م) وغيرهم من الذين وسموا بالهرطقة لانتصارهم للعقل وتشكيكهم في سلامة الكتاب المقدس.

الأبوة الإلهيّة والبنوة البشريّة:

يُعلّم “سميث” في كتاب المورمون والأحاديث التي روتها زوجته عنه، بأن إله السماء له مئات الزوجات اللواتي وهبهن القدرة على الحمل والإنجاب، ثم وهب هذا الحمل الروحي المادة الجنينية التي حولت النطفة الروحية إلى لحم ودم، وتشكل في هيئة البشر ومخلوقات أخرى لها طبائع مختلفة مثل (المردة والجن والعفاريت والشياطين) وذلك وفق إرادته. ولم يُدرك الأنبياء السابقين حقيقة إله السماء فوقعوا في التجسيد والتشبيه واعتقدوا أن أبوته للبشر أبوة مادية، وأن مواقعته للبشريات أو الجنيات مواقعة حسية (زواج ونكاح). والحقيقة أنه اتصال جنسي مجازي وأبوة ربوبية ميتافيزيقية (أقرب إلى فيض أفلوطين أو تصورات الغنوصيين أو الهرامسة التي حولت الوجود الروحي إلى وجود مادي) وعليه؛ فالبشر في رأي المورمونيين “أبناء الرّب”، والرب أي الإله أباً لهم من أم بشرية مخلوقة في زمن سابق على اتصاله بها، والأمهات قد تشكلت وفق تصور إله السماء فحملت ببشر وملائكة ومردة وشياطين وعلى رأسهم آلهة صغرى تحكم الأجناس والأمم. وقد منح الرب لهؤلاء الآلهة الصغار بعض قدراته وخصاله وطباعه، وذلك وفق ما صورته الأساطير المتواترة. أما الأبناء فينمون ويكبرون ثم تموت أجسادهم وتعود أرواحهم إلى سابق عهدها بعد تطهيرها فتعود إلى المعيّة الربانية، أو تُرد ثانية في ميلاد ثاني في أجساد أخرى وفق طبائعها الجديدة. وهو تصور أقرب إلى الفكر الهندوسي الرواقي والبوذي وسيوصوفي (تناسخ الأرواح) وغير ذلك من تصوّرات الجماعات الروحيّة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم د. عصمت نصار

 

جعفر نجم نصرلعل العنوان أو المصطلح المركب يبدو متناقضاً بين العرفان الذي هو تجربة ذوقية روحية باطنية فردية خارج دائرة المجتمع وانشغالاته ومصطلح السياسة الذي يشير إلى عملية بشرية اداتية لأدارة السلطة وشؤون الدولة عموماً، وهو أمرٌ دنيوي صرف ولا شأن له بعالم الباطن أو عالم الاخرويات.

ان سبب هذه الصدمة أو التناقض الظاهري بين العرفان والسياسة هو السياق التاريخي الثقافي لكلا المسارين العرفان والسياسة في العالم الاسلامي، فلقد ترسخ على مدى قرون خلت أن هنالك انفصالا كليا بين التجربة الصوفية والعرفانية وبين شؤون الدولة أو العمل السياسي، ولعل هذا الامر يعزى إلى اعتقاد الكثير من الباحثين ان العرفاء والمتصوفة هم مشغولون بعالم الباطن الروحي وبالتالي فهم منصرفون كلياً عن الشأن السياسي، أو بعبارة أخرى ان العارف أو المتصوف هو زاهد في الدنيا برمتها وبذلك فهو غير معنى بالسياسة ومفاتنها وشهواتها وسياقاتها السلطوية على الناس.

وهذا الأمر مناف لكثير من الحقائق التاريخية والاصول الثقافية التي تبين لنا أن ظهور المتصوفة والعرفاء في داخل الاسلام انما جاء بوصفه رد فعل ضد السياسة واهلها من الخلفاء والامراء والوزراء وقادة جيشهم، بل ان فعل المعارضة بحد ذاته هو فعل المتصوفة والعرفاء على طول الخط إلّا بحالات شاذة هنا وهناك، إذ قال الكاتب هادي العلوي عن تلك المعارضة عندهم لم يستعمل مشايخنا (يقصد المتصوفة والعرفاء) هذا المصطلح الذي هو من مستحدثات جيلنا لكنهم مارسوه بوصف انه مسلك للخروج من قيد الاغيار، وتعني المعارضة قطع العلاقة مع الدولة وأربابها والدعوة إلى - أو العمل على تغييرها، والدولة شيطان تتألف من شياطين وفعلها شيطاني وسلوك أربابها شيطاني، وشيطان من يعاملها ويتعامل معها، وتتألف منهم جملة الاغيار المقيمين في دار الضد والحس والشهوة، وهم عماد الظلم ومنشأ الظلمة والخلق منهم في بوار (1).

وهذهِ المعارضة تجسدت بمظاهر اجتماعية وثقافية بل وسياسية متعددة على مدى العصور، ولهذا وجدنا كبار العرفاء من اوائل المقتولين على ايدي السلطة(الحلاج، السهروردي، عين القضاة الهمذاني) وغيرهم الكثير، وإذ كان هؤلاء يناؤون السلاطين في العالم الاسلامي، فإن الكثير من المتصوفة في عصور لاحقة دخلوا في صراع مع السلطات السياسية الاستعمارية في عدد من البلدان لاسيما في شمال افريقيا.

وفي هذا السياق ينبغي التذكير بما قاله الكثير من الباحثين حول عصر ظهور التصوف والعرفان، والذي ظهر بوصفه أتجاه معارضة صامتة للوهلة الاولى ازاء عالم الاسراف والبذخ ومظاهر الفسق والفجور التي سادت العالم الاسلامي بعد تزاحم  الفتوحات وتضخم بنية الدولة الاسلامية من جهة مواردها المالية (الخراج) الذي بلغ حد التخمة.

إذ يذهب الباحث علي سامي النشار إلى ان الزهد ومظاهر التقوى كانت موجودة في القرن الاول الهجري، وان الكثير من هؤلاء الزهاد ظهروا معارضين لبعض الخلفاء أمثال ابو ذر الغفاري والحسن البصري وغيرهم الكثير، ولكن لم تظهر اللغة الاصطلاحية وتقعيد القواعد الصوفية والعرفانية إلّا في القرن الثاني الهجري، والامر الجوهري هو ان هنالك روحا للمعارضة كانت تسري في هذين القرنين ازاء ترف السلطة ومفاسدها (2).

ولا يخرج كامل مصطفى الشيبي عن ذلك الامر كثيراً ويزيد عليه بالحديث المفصل عن خصوصية المجتمع الكوفي وبداية تشكل حركة للزهد على نطاق واسع، أذ يقول: أما ميادين الزهد الكوفي فقد تعددت، فقد وجدنا فيها الزهد الاسلامي الاصيل القائم على التواضع في الملبس والمأكل والتزام تلاوة القرآن والخوف من عذاب الاخرة، ووجدنا في الكوفة الزهد المنبعث من عذاب الاخرة ، والزهد الاتي من الاحداث التي تناوبت عليها من قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم. وسنرى أن الكوفة ستكون مثابة للبس الصوف في العالم الاسلامي كله وسيتبين لنا ان ذلك كان مقصوراً عليها، وكان تعبيراً عن معارضة سلبية، وفوق هذا كان في الكوفة أول من تسمى صوفياً وأول من قال بالولاية الصوفية (3).

يعلل الشيبي هذا السلوك ويربطه بما جرى في عصر الفتنة أبان الخليفة الثالث وثم تصارع معاوية بن أبي سفيان والامام علي بن ابي طالب وثورة الامام الحسين ونكص اهل الكوفة على عقبيهما، ومن ثم شعورهم بالندم الشديد ومحاسبة النفس، مما دفعهم إلى ذلك، ولكنهُ رغم ذلك يعد هذا الامر معارضة سلبية لأنهم لم ينصروا الحق وأهله آنذاك.

وتأسيساً على هذا العصر واعتماداً على أنموذج سعد بن أبي وقاص يرى الباحث السنغالي الاصل الفرنسي الجنسية سليمان بشير ديان ان المتصوفة كانوا انسحابيين من الحياة السياسية من جهة، وغير مدركين لتمامية وجود دولة اسلامية يوالونها أو يسعون دائماً لأقامتها من جهة اخرى!؟.

إذ يقول: يقف سعد بوصفه نموذجا مثاليا في عيون المسلمين لما يعنيه (القتال في سبيل الله بالأموال والانفس) خاصة الصوفيين منهم، عندما أصبح في نهاية حياته رمز التوجه الواضح الذي يقف أمام الدولة وجهاً لوجه. وخلال الفتنة والحروب الطاحنة التي شقت المجتمع المسلم، بدءاً من السنوات الاخيرة من حكم الخليفة الثالث عثمان (ت656م) إلى ان بلغت ذروتها في المعارك بين علي الخليفة الرابع، ومعاوية الذي تمرد عليه (بدءاً من عام 656م وحتى وفاة علي عام 661م) انسحب سعد بن أبي وقاص، ببساطة من المجال العام، رافضاً الانحياز وتأييد احد الطرفين في مسألة الخلافة السياسية - الدينية وعندما تم الضغط عليه ليفعل ذلك، نقل عنه انه قال : لن اشارك في القتال حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول هذا مؤمن وهذا كافر. يستدعي هذا الموقف ملاحظتين أثنتين، الأولى وثيقة الصلة بما يسمى الدولة الاسلامية، والثانية معنية بما يمكن تسميته بالنزعة الصوفية للانسحاب(4).

ثم يستمر ليقول: كان للطريقة التي انحسب بها سعد بن أبي وقاص من الميدان العام، حيث كان وجوده قد يعني الاجابة عن السؤال الصعب حول من يجب ان يكون الخليفة، إرث غني، وقد تبناها عدد من الفلاسفة والصوفيين ونظروا لها، وكان ابو نصر الفارابي (874-905م) الذي يمكن اعتباره مؤسس التراث الاسلامي للفلسفة السياسية المتجذرة في تعليمات أفلاطون احد هؤلاء، وتبعه في ذلك فيلسوف مثل ابن باجة (1085-1138م)، الذي اعتبر ان الدرس الرئيس الذي يمكن أخذه من فلسفة افلاطون هو أن: (المدينة الفاضلة) يوتوبيا مستحيلة، ولذلك فقد رفض مجرد فكرة تدخل (محب الحكمة Lover of Wisdom) في شؤون الدولة (5).

ان الباحث ديان هنا يمظهر مديات الانسحاب الصوفي من المجال السياسي ويجعله يأخذ منطقاً فلسفياً كذلك عاداً تجربة ابي وقاص انموذجاً متكرراً احتذى بهِ الفلاسفة والمتصوفة على حدٍ سواء، على اعتبار ان اليوتوبيا السياسية أمر مستحيل ومن ثم الانخراط في أي ممارسة سياسية هي أمرٌ عبثي، بل ليسهم في تلويث صاحبه واعاقته عن القيام بالعمل المثمر الخادم لشؤون المجتمع واعضائه.

ثم يستمر قائلاً: تقليد تقدير الانسحاب بالطريقة التي قام بها سعد بن أبي وقاص بوصفها رد فعل على حالة الشؤون العامة تم استحضارها كثيراً من فلاسفة حديثين، اعتبر محمد إقبال ان واحداً من الاسباب المبكرة لحالة التحجر التي وجد فيها الفكر الديني للإسلام نفسه بعد القرن الثالث عشر هو حقيقة أن أفضل العقول المسلمة انسحبت من حالة الوهن التي انتابت الشؤون العامة واختاروا مسار الانسحاب في تصور نيو- أفلاطوني يقدر الحياة التأميلة ''Viata Contempativa'' قبل كل شيء. يقول إقبال إن: الروح الغيبية الكلية في الصوفية المتأخرة حجبت رؤية الناس عن مفهوم مهم جداً في الاسلام كأدب اجتماعي، وبتقديمه امكانية التفكير المتحرر بجانبه التأملي، فقد جذب وأخيراً امتص أفضل العقول في الاسلام ولذلك، فقد تُركت الدولة المسلمة بشكل عام بأيدي متوسطي القدرة فكرياً، والاغلبية غير المفكرة في الاسلام، بلا شخصيات ذات معايير عليا لتقودهم، ووجدوا الامن فقط بالاتباع الاعمى للمدارس (6).

لا أعتقد ان اختيار شخصية مثل ابن ابي وقاص كان أمراً دقيقاً وملائماً بالنسبة لذلك العصر، وكان الاولى اختيار شخصية اكثر ورعاً وزهداً من قبل الاستاذ ديان، وكان جيل وعصر بن ابي وقاص يضم شخصيات مشهورة بالميل الصوفي والعرفاني الواضح امثال: عمار بن ياسر وابي ذر الغفاري وأضرابهم، إذ كان الانموذج هذا من كبار اصحاب الاقطاعيات والثروات بعد فتح العراق وعاش حياة ترف كبيرة (7).

ولربما كان الكاتب نفسه (ديان) لا يعرف الحق وأهله في ذلك العصر، فوجد ان ابي وقاص يمثل ذاته، أي انه اختاره، كأسقاط نفسي وذلك لعدم اتضاح الرؤية أمامه، ان انسحاب المتصوفة والكثير من الفلاسفة يرتبط بأمر جوهري لم يلتفت له (ديان) مطلقاً وهو (شرعية السلطة) هل كانت موجودة أم ان الحاكم والنظام هو منطق المغالبة المسند إلى (العصبية) بالمعنى الخلدوني؟ ان هذا الامر هو ما استشعره هؤلاء وليست مسألة علمانية الدولة آنذاك التي وجدوا فيها مبرراً للأنسحاب ولعدم نصرة طرف على آخر!؟.

ولعل محمد اقبال ادرك هذا الامر وزاد عليه ان الاسلام الطرقي هو الخطر الماحق لتجارب المتصوفة والعرفاء، لأن التنظيمات الصوفية أياً كانت (أخوانيات أو هياكل طرقية) أو نحو ذلك ستكون مبعثاً للبحث عن مصالحها المادية ومن ثم تدخل في هدنة مع الوضع السياسي القائم، وهذا ما جرى في المشرق والمغرب على مدى قرون إلّا حالات محدودة دخلت في صراع سياسي.

يقول الباحث بومدين بوزيد بهذا السياق: ظلت ظاهرة التحالف مع السلطة أو التمرد عليها ملازمة للطرقية الصوفية التي هي شبيهة ما ننعته اليوم بالإسلام السياسي، ولعل الصورة تتضح حين نعلم ان بعض الطرقيين كانوا مباركين للمستعمر الفرنسي، وهذا لا يطعن فيها كطريقة صوفية ولكن علينا ان ندرك التفاوت والاختلاف بين مرحلة وأخرى... (8).

وقد تزامنت مواقف بعض المتصوفة وأحكامهم الفقهية-الباطنية مع قيام بعض الانتفاضات وأستغلها المستعمر، كمنشور محمد الموسوم (3 فيفري 1883) الذي يحرم على أتباعه الثورة ويلغي من يتدخل في السياسة، كما استعمل الفرنسيون سمعة الشاذلية وطلبوا تأييدها في حربهم سنة 1914 فقد اصدر شيخ زاوية قصر البخاري فتوى مضمونها طاعة الفرنسيين لأنهم (أولو الامر) وهنا فسر أولي الامر بأنهم الحكام الفرنسيون، وقد كان اول الخارجين عن ثورة بوعمامة عام 1881 أتباع الزيانيين والتيجانية (9).

فلهذا كان المتصوفة والعرفاء الاوائل كأفراد هم أكثر مواجهة للأمر السياسي من التنظيمات أو الاسلام الطرقي، ولهذا الامر دلالة واضحة من جهة ان نفي المصالح بوجود الجماعة صعب بالنسبة للطرق ولزعمائها وليس لجميعها لأن بعضهم دخل في مواجهة مع المد الاستعماري كما نعلم أمثال (السنوسية) وغيرهم، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فأن صلة تجربة الباطن بالنسبة للعارف مع عالم الظاهر (الدنيا وشؤونها) ستكون تجربة فردية ذوقية خاصة، لا تؤثر فيها الضغوط الحياتية التي ممكن مصادفتها في الطرق التي اصبحت مرتبطة اقتصادياً بحسب اتساع عدد أسر المريدين والذين لم تكتمل لديهم عملية السير والسلوك كما لدى كبار العرفاء، فلهذا كانوا يتأثرون سريعاً بالضغوط السياسية ويخضعون لها إلّا بعضا منهم وهم عدد ضئيل بطبيعة الحال.

ان المسألة معقدة للغاية، ولا يمكن اختزالها بسببين أو علتين وينتهي الامر، وذلك لأن الكثير من الامور متداخلة ضمن سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية فرضت نفسها على الكثير من الطرق الصوفية والعرفاء، ونحن هنا ليس بصدد الدفاع بقدر ما نبحث عن مشهدية سياسية متعددة الاوجه لممارسة العرفاء والمتصوفة في عصور متفاوتة.

في قبالة ذلك كله نجد ان هنالك دولة أو سلطة روحية تسيّر شؤونهم ان كان ضمن مديات علاقة العرفاء ببعضهم البعض أو من خلال علاقة المريدين المخلصين بوليهم أو شيخهم الروحي (شيخ الطريقة) ولقد تحدث الباحث حسن محمد الشرقاوي عن هذا الامر والذي أطلق عن عالم السياسة الباطنية هذا ومتعلقاته اسم (الحكومة الباطنية).

إذ قال لهؤلاء الصالحين، دولة وحكومة، ونظام رئاسة، وطاعة واخلاص، واحكام، واتصالات، ومجالس واجتماعات، وأوامر وتعليمات، وسلطات واختصاصات، وليس كما نراها في الحكومات المدنية، أو في القوانين الوضعية، أو في الدساتير والقواعد القانونية، وانما دستورهم لم يضعه من البشر أحد، وقانونهم لم يضعه احد من الناس، وانما خصهُ رب الناس، وخالق الموجودات، الحق تعالى إله العباد (10).

والاولياء يتصل بعضهم ببعض عن طريق المبشرات، وهي رؤى يراها المؤمن فتتحقق له، ويتقابلون بطريق التوجه رغم بعد الزمان والمكان ويلهمون الهاماً بالمغيبات، وحلول المشكلات، ودولتهم تقوم على مصادر ثلاثة: الرؤيا، والطاعة، والاخلاص،...، ويتأكد للدولة الباطنية وجودها بما يفيض الله على اعضائها من كشوفات وانتصارات وفتوحات، وفيوضات، وما يمن عليهم من نعم، ومنن وعطايا ومشاهدات، وتجليات، وما يتولاهم الله برعايته من رحمات، فيفتح عليهم، فيصبحون في عباده المخلصين، إذا قالوا صدقوا، وإذا وعدوا انجزوا، لهم فراسات وتوسمات ، ورؤى وكرامات، وحكم ومعارف ،وعلوم اشراقية عجز عنها الوصف ويقف امامها العقل حائراً (11).

بطبيعة الحال ان الحديث هنا عن حكومة روحية خاصة لا تسري سلطاتها الروحية على افراد المجتمع كافة، إذ هي مخصوصة بأبناء الطرق الصوفية وجملة العرفاء الموجودين، ولكن السؤال المحوري الذي يطرح هنا هو: هل لهذهِ الحكومة الباطنية تأثير على الدولة وسلطتها السياسية وسائر المؤسسات المرتبطة بها؟: وهل هؤلاء اعضاء هذهِ الحكومة الباطنية لهم أدوار أو وظائف سياسية، ومن ثم لديهم مواقف سياسية واضحة؟.

لا يمكن ان يكون لها اثر سياسي أو نشاط سياسي مباشر وواضح ولكن انعزالها وانسحابها عن المشهد السياسي بالضرورة سيكون ذا صيغة معارضة بطبيعة الحال، ولعل السلطات السياسية في الكثير من البلاد تسعى إلى ارضائها، لما لها من دور كبير في العملية الانتخابية كما في مصر والمغرب والجزائر على وجه الخصوص، ومن ثم فإن دورهم سلبي بنحوٍ ما، ولكن احدى ايجابياتهم هي ترشيد سلوك اعضائها أو مريديها الذين ينتشرون بين المدن والارياف بنحوٍ كبير، ولعل السلبية السياسية هي الطاغية عليهم عموماً.

ولكن المعوّل دائماً منذُ القرن الثالث الهجري إلى القرن المعاصر على العرفاء المتفرقين هنا وهناك في العالم الاسلامي، وهذا الامر هو الذي أشار اليه وأكده العارف الاكبر الشيخ محي الدين بن عربي، من خلال حديثه الدائم عن الولاية المطلقة لـ(الولي) العارف. وهذا ما فصلَ في وظائفه ومن جملته الوظائف السياسية في كتابه المبرّز في هذا الشأن (التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية) والذي يقابل فيه بين العوالم المادية والاجتماعية والباطنية، وقال عنه ابن العربي واصفاً: وهو مشتمل على مقدمة وتمهيد وأحدٍ وعشرين باباً من دقائق التوحيد في تدبير الملك الذي لا يبيد على الترتيب الحكمي والنظام الالهي، وجاء غريباً في شأنه ممزوجاً رمزه ببيانه، يقرأه الخاص والعام ومن كان في الحضيض الاوهد ومستوى الجلال والاكرام. (قد علم كل اناس مشربهم) ففيه للخواص اشارة لائحة وللعوام طريقة واضحة، وهو لباب التصوف، وسبيل التعرف بحضرة الترؤف والتعطف، يلهج به الواصل والسالك، ويأخذ منه حظه منه المملوك والمالك، يُعرب عن حقيقة الانسان وعُلو منصبه على سائر الحيوان، وانه مختصر من العالم المحيط مركب من كثيف وبسيط لم يبق في الأماكن شيء إلّا أودع فيه اول منشئه ومبانيه، حتى برز على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال (12).

وهو يقابل بين الممالك الثلاث عالم الافلاك والاجرام وعالم الطبيعة (النبات والحيوان) وعالم الانسان كيما يصل بين تداخلهن وتمازجهن وتشابهن، ولكنه يولي لعالم الانسان أو المملكة الانسانية الحصة الاوفر لمقام الانسان (خليفة الله) وهنا تظهر ملامح الرؤية السياسية لديه والتي تتمظهر بحسب المنطق العرفاني والعالم الباطني للإنسان الكامل أو الساعي للكمال ضمن كافة شؤونه ومن ضمنها (الشأن السياسي) الذي لا يغيب عن أبن عربي.

إذ يقول: ولما أردنا ان نأخذ في مقابلة النسختين العالم الاكبر والاصغر على الاطلاق في جميع الاسرار العامة والخاصة، رأينا ان ذلك يطول وغرضنا من العلوم ما يوصل إلى النجاة في الآخرة، إذ الدنيا فانية داثرة، فعدلنا إلى امرٍ يكون فيه النجاة ويتمشى معهُ المراد الذي بنينا عليه كتابنا وهو: أنا نظرنا الانسان فوجدناه مكلفاً مسخراً بين وعدٍ ووعيدٍ، فسعينا في نجاته مما توعد بهِ وتخليصه لما وعد الله فأضطرنا الحال في اقامة القسطاس عليه من العالم الاكبر، فقلنا: أين ظهرت الحكمة من الخطاب والوعد والوعيد من العالم الاكبر؟ فرأنيا ذلك في حضرة الامر والنهي وحضرة الامامة ومقر الخلافة، فوجدنا الخليفة شاهداً، فيه ظهرت الحكمة وأثر الاسماء وعلى يديه تنفعل أكثر المكونات المخلوقة للباري تعالى. فتقصينا الاثر وأمعنا النظر في حظ الانسان من هذه الحضرة الامامية، فوجدنا في الانسان خليفة ووزيراً وقاضياً وكاتباً، وقابض خراجٍ وجبايات، وأعواناً ومقابلة اعداء، وقتلاً وأسراً  إلى إمثال هذا مما يليق بحضرة الخلافة التي هي محل الارث، وفي الانبياء انتشرت راياتها ولاحت علامتها، وأذعن الكل لسلطانها (13).

هي مقابلة تامة بين الدولة بالمعنى الخاص بأدواتها أو مؤسساتها باختلاف العصور وبين الانسان الحاوي لذات تلك الادوات، فالخليفة عنده هو الروح، والذي يضع لها واجبات ومشاغل خاصة، والوزير عنده هو العقل، والقاضي هو العدل، وهكذا يستمر ابن العربي في بيان معالم تلك الدولة أو الحكومة الباطنية التي تقابل عالم الظاهر والحس في الدنيا، وما مراده إلّا ليبين ان اصلاح الباطن كفيل بأصلاح الظاهر والتي في مقدمتها ( السلطة) ومؤسساتها الراعية لها، ونحيل القارئ إلى الكتاب للمراجعة والبحث عن المماثلة والمطابقة بين ما قاله ابن العربي وبين الدولة في صيغتها الواقعية.

لعل أحدهم يتساءل: هل ان المتصوفة مشغولون ومنهمون بمدوناتهم بحكومة الباطن اكثر من حكومة الظاهر؟ ام ان للأمر وجهة نظر أخرى؟ او توجد مواقف اخرى عن مواجهة العرفاء أو التصدي للشؤون السياسية وتحولاتها ان كانت لحاكم من أبناء البلد أو كان غازياً؟ بطبيعة الحال نحن نوهنا عن ألوان وصيغ التعاطي مع الشأن السياسي وعلى عدة مراحل تاريخية متباينة، ولعلنا سنجعل من سيرة ومواقف وتنظيرات العارف التركي سعيد النورسي (1877-1960) الملقب بـ(بديع الزمان) خير انموذج واجه أعتى وأبشع اشكال إنهاء الحياة الروحية واقصاء الدين عن الدولة والمجتمع إلّا وهي سياسات (العلمنة) التي أعتمدها كمال أتاتورك وأسلافه (  1881-1938 )، لأجل الوقوف عن معاني ودلالات (عرفان سياسي) مارسهُ الاستاذ النورسي إلى ساعة رحيله، وهو يتحدى ويقارع تلك السياسات التي أستدعت منهُ نهضة روحية بثها في مشروعه الفكري والروحي والاخلاقي (رسائل النور).

لعل في حدود المواجهة المباشرة كان النورسي ضد علمنة الدولة العثمانية بعد سقوط الخلافة وتولي أتاتورك الحكم كرئيس جمهورية، ولكن في حقيقة الامر ان المواجهة التي أقامها النورسي ازاء العلمانية كانت تنتمي إلى حدود وفضاءات أوسع لأنه جعل من مركزية القرآن الكريم مواجهة للمركزية الغربية وفي شتى القضايا، وهذا الامر ظل يعمل عليه إلى حين وفاته، وهذا ما أكدته (رسائل النور).

وذلك أنه لجدير بالاهمية والتأمل، ان مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م (1316ه) إذ كان يهعتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التاريخ لأجل استيعاب العلوم والاستنارة بها، أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم (طاهر باشا) ان أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منهُ ان وزير المستعمرات البريطاني قد قال: (ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم)، فثارت ثائرته واحتد وغضب... وغير اهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه... جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى ادراك معاني القرآن الكريم واثبات حقائقه، ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته، واصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً واستاذاً له حتى انه اعلن لمن حوله: (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن اطفاء نورها) (14).

والنشاط السياسي للنورسي مر بأطوار مختلفة ينبغي الاشارة اليها، لأنها تبين لنا كيف تحول من رجل كان على المحك بالشؤون السياسية بنحوٍ مباشر، وكيف تحول النشاط السياسي لديه عبر انتقاله الى (العرفان السياسي) وبطريقة مغايرة ولما أسماه هو في مذكراته بين (سعيد القديم) و(سعيد الجديد)، ولهذا الامر مغزى جوهري من جهة أن تركيزه على القرآن الكريم وتلمذة اتباعه في اجواء الفهم الجديد للقرآن أو استخراج جواهره المتنوعة، استدعى منه فهماً جديداً لمعنى ان يكون مواجهاً السلطات آنذاك.

مرحلة (سعيد القديم) تبدأ من السنوات المبكرة لشبابه حتى نفيه إلى (بارلا) سنة (1926م) وخلال هذهِ المرحلة حاول النورسي خدمة الاسلام عبر الانخراط في الحياة السياسية ومحاولة التأثير فيها، وعبر دعوته للإصلاح السياسي والتعليمي في عهد السلطان عبد الحميد، والقائه الخطب في الجوامع والساحات، ونشره للمقالات السياسية العنيفة في جريدة (وولقان) ومحاولته استمالة رجال الاتحاد والترقي وتسخيرهم لخدمة الاسلام، وتصديه للتيارات المُعادية للدين(15).

فلقد كان ينظر بعين الريبة والشك في رجال الاتحاد والترقي وكان يتهمهم بالتغريب وسحق الهوية الاسلامية، وهذا ما عبرت عنه مواقفه ابان أعلان المشروطية التي أيد دلالاتها وأهميتها في ادارة الدولة، ولكن كان يخشى من سطوة الحرية المنفلتة، التي يتزعمها رجال الاتحاد والترقي، ولهذا قال: ان اصحاب الافكار الفاسدة يريدون الاستبداد والمظالم تحت شعار الحرية، فلأجل إلّا نشاهد مرة اخرى تلك الاستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان،...، إن هذا الانقلاب لو أعطى الحرية التي ولدّها لأحضان الشورى الشرعية لتربيها فتُبعث أمجاد الماضي لهذهِ الامة قوية حاكمة، بينما لو صادفت تلك الحرية الاغراض الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها، يا أبناء الوطن، لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً، كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر. وذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الاحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة(16).

والمركزية الغربية لا تغيب ناظريه حتى لو كان الشأن داخليا وخاصا للغاية، إذ ينوه عنها قائلاً: ان اوروبا تظن ان الشريعة هي التي تمد الاستبداد بالقوة وتعينه، حاش وكلا.. ان الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعني الاستبداد، لذا تألمتُ كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة.... (17).

النورسي بعد ذلك اتخذ موقفا مغايرا من السياسة، ولعل الامر يبدو كمفارقة للوهلة الاولى، ولكن من يتمعن يدرك ان ممارسة الموقف من السياسة والسياسيين بطريقة جديدة نلاحظها بوضوح شديد بعد مجيء أتاتورك لسدة الحكم، ولعل هذهِ المفارقة تظهر لمن يرى جوابه عن السؤال الآتي: لم انسحبت من ميدان السياسة ولا تتقرب إليها قط؟ قال مجيباً: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب عشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها، فذهبت محاولته ادراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها، وان التدخل فيها فضول- بالنسبة إليَّ، فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب، وهي ذات خطورة، وأن أغلبها خداع واكاذيب. وهناك احتمال ان يكون الشخص آلة بيد الاجنبي دون ان يشعر، وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما ان يكون موافقاً لسياسة الدولة أو معارضاً لها، فإن كنت موافقاً فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يغنيني بشيء، حيث إنني لست موظفاً في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى -عندئذٍ- لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها، وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلابد ان أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة، فإن كان التدخل فكرياً فليس هنالك حاجة إليَّ أيضاً، لأن الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه، فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يُبتلى الكثيرون بجريرة شخص واحد، فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد... (18).

ان الهاجس الدائم عند النورسي ليس اسقاط النظام السياسي، بل كل اعماله قبل موقفه انف الذكر وبعده، انما يقوم على ضرورة الاصلاح الدائم وبذل النصح، لكنه كان يدرك ببصريته الثاقبة ان المعارضة المسلحة وتغيير النظام بالقوة يقود إلى الفوضى وأسالة الدماء، وهذا ما رفضه بشكل قاطع، ولهذا لم يشارك بالثورة التي تزعمها سعيد بيران 13/2/1925(19)، فعرفانهُ السياسي كان يدور في فلك اصلاح الباطن كمقدمة لأصلاح الظاهر عبر انشاء واعداد جيل كامل تحت تربيته على المعاني الكلية في القرآن الكريم.

ان التحولات الهائلة التي حدثت بعد انهاء الخلافة وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، دفعت النورسي إلى اتخاذ مواقف سياسية متعددة، لاسيما بعد القرارات التي أقصت الدين من الدولة والمجتمع على حدٍ سواء، إذ قام أتاتورك إلى حين وفاته عام 1938 بكل ما ملكت يداه وما من شأنه انهاء الحضور الاسلامي في مختلف مجالات الحياة، ألغى الخلافة والمحاكم الشرعية، وعدل الدستور لإلغاء الدين من نصوصه، وحظر نشاط كل الفرق والطرق الدينية، وقام بتغييرات تطمس حتى بعض المظاهر الدالّة على ماضي إسلامي، مثل إلغاء الطربوش والحجاب، والابجدية العربية، والتقويم الهجري، وعطلة يوم الجمعة... مقراً، بدلاً منها، مظاهر غربية مثل: القبعة والحرف اللاتيني والتقويم الميلادي والتعطيل يومي السبت والاحد، ومضى أتاتورك أبعد من ذلك عندما فرض مبدأ العلمانية في الدستور وانشأ مؤسسات تابعة للدولة تشرف على الشؤون الدينية و(تضبط) حركة الائمة والوعاظ الذين تحولوا موظفين عند الدولة، كما ألغى الدروس الدينية من المدارس بموجب قانون (توحيد التدريس) أي بأختصار، وضع أتاتورك تركيا على سكة (العلمنة والتغريب) (20).

بوجهٍ عام حاربت السلطة الجديدة الدين، وطال اضطهادها كل من رأت منه عدم الامتثال لها، فأعدمت عدداً كبيراً من علماء الاسلام، وأصدرت بحقهم قانون الخيانة الوطنية، وهو القانون نفسه الذي تم بموجبه اعدام (الشيخ سعيد بيران) وسجنت أربعين عالماً من أصحابه بحجة قيامهم بحركة مقاومة كردية مدعومة من قبل الانجليز، على حين كانت في حقيقتها حركة إسلامية ضد النظام العلماني، كما أُعدم كثيرون غيرهم، وسجن وعذب آخر في محاكم الاستقلال التي أنشئت لتصفية الخصوم(21).

ان الاستبداد السياسي العلماني الجديد ذو القبضة الحديدة والعنيفة فرض على الاستاذ النورسي ممارسة تقية سياسية لأجل تمرير خطابه الروحي والنقدي ضمن سياقات خاصة، إذ بعد فشل ثورة الشيخ بيران اتهم النورسي بدعمها مما دفع السلطات إلى نفيه إلى قرية نائية في غربي الاناضول من أعمال (إسبارطة) أسمها (بارلا)، وكان تحت المراقبة الدائمة والمستمر’، وكما قال كاتب السيرة :كانت عيون السلطة تترصد الاستاذ وتراقب حركاته وسكناته لذا كان الاهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي اكثر قوته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل وجام، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الاشجار متأملاً ومتعبداً(22).

ولكن رويداً رويداً بدأت الناس تتجمع حوله بعدما بنى مسجداً في هذهِ القرية وبدأ في مشروعه العاكف على تجريد فهم آيات القرآن واستخراج المعاني والدلالات الكونية والروحية والاخلاقية والاجتماعية منها، وعن ذلك الامر قال النورسي: أخذتني الاقدار نفياً من مدينة إلى اخرى... وفي هذهِ الاثناء تولدت من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم... أمليتها على من حولي من الاشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم (رسائل النور) إنها انبعثت حقاً من نور القرآن الكريم لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذهِ الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وانما هي إلهام إلهي (23).

ولكن هذهِ الرسائل لا يمكن ان تستمر دون هذهِ التقية السياسية التي مارسها الاستاذ وعبّر عنها بمبادئ معينة قائلاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن انقاذ البلاد وانقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام، وهذه المبادئ هي: 1- الاحترام المتبادل 2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام  4-الحفاظ على الامن 5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخدول في الطاعة (24).

وهو كان يتوخى نشر فكره وكسب الاتباع والمريدين عبر هذه الرسائل التي لا يمكن نشرها على نطاق واسع من دون الاعتماد على هذهِ المبادئ، ولهذا قال: والدليل على ان رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُبث وتُحكم هذهِ الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الاساس لأمن البلاد، وهو ان رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً ان تجعل اكثر من مائة الف رجل اعضاء نافعين للبلاد والعباد دون ان يتأذى أو يتضرر بهم احد من الناس، ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول (25).

من يتمعن جيداً برسائل النور وبجملة المواضيع التي غطتها منذُ انطلاقها واهتمام الناس بها ومن كل الفئات والطبقات، انما يؤكد لنا ان الاستاذ النورسي أراد لتلك الرسائل ان تعبر عن مضامين القرآن الكريم المتعددة والتي تغطي كافة شؤون الحياة والوجود بشكلٍ عام كيما تكون هي (المعادل الموضوعي) لسياسات العلمنة وثقافتها التي ابتلعت كل جوانب الحياة آنذاك في تركيا.

ولعل الامر اللافت للنظر هنا أن علمنة الدولة التركية أسست جيلا واسعا من الشباب اللادينيين الذين كانوا يناصبون الاستاذ النورسي العداء، قبالة جيل روحي/ أخلاقي عمل الاستاذ على أعداده وتهذيبه، ولهذا كانت هنالك حرب مجتمعية خفية بني هذين الجيلين، جيل (العلمنة) وجيل (رسائل النور).

ولهذا قدم الجيل العلماني ومن خلفه السلطات السياسية والامنية المراقبة لنشاطات الاستاذ وجليه (القرآني الجديد) تهمة تشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم وما يهدم أسسه... وأمثالها من التهم. وعلى إثر هذا أخذ الاستاذ النورسي وطلابه في 25/4/1935 وسيقوا مكبلي الايدي إلى (أسكي شهر) لمحاكمتهم، وكانت هنالك خشية من السلطات لحدوث ثورة واسعة فلهذا كانت الاجهزة الامنية وبرئاسة رئيس الوزراء آنذاك (عصمت إينونو) تراقب خطورة الموقف(26).

وهكذا اقتيد الاستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن أسكي شهر ووضعوا في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، وبدأت عمليات التعذيب الرهيب تنهال عليهم، لكن الاستاذ رغم الظروف الشاقة استمر في الارشاد والتوجيه، فتحول كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى (27).

لاشك في ان النورسي قد وجه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة (التربية الروحية) أو بالأحرى (التزكية)، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهم لكل عملية تربوية تتغيا اخراج جيل قرآني رباني يُساهم من خلال (العمل الايجابي البناء) في خلافة الارض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الملقاة على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها (28)، وانطلاقات من القرآن الكريم الذي حث في الكثير من آياته على ضرورة التزكية، واتساقا مع تركيز النورسي على الجانب العملي في التربية الروحية، أكد بديع الزمان ان الطرائق إلى الخالق عز وجل كثيرة ومتعددة، لكن مردّها جميعاً إلى القرآن الكريم(29).

وبعد ان قضى مدة محكوميته في سجن (أسكي شهر) تم نفيه إلى مدينة قسطموني وقد بقي فيها ثماني سنوات، وهو يكتب رسائل النور ويرشد المجتمع، ويستمر في تهذيب الافراد آنذاك كيما ينظموا إلى الجيل القرآني/النوراني الذي عكف على تهذيبه قبالة جيل اللادينيين، ثم يستمر مسلسل الاتهامات له ولتلاميذه واتباعه بأنهم يألفون (جمعية سرية) تحرض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى اتاتورك بـ(الدجال و(السفياني)(30).

ولقد حاولوا مراراً وتكراراً تسميم طعامه، ولكن بعض تلاميذه ينقذوه ويستمر النفي تلو النفي والسجن تلو السجن، تحت دعاوى الاتهام ذاتها التي تتكرر، وما خشيتهم منه ومن رسائل النور ومن تلاميذه، إلّا لأنهم جيل قرآني يمارس العرفان السياسي بنحوٍ من التقية المكثفة تحت مظلة نشر معارف القرآن الكريم المتعددة.

ما نريد ان نختم بهِ هو القول بأن الاستاذ النورسي على سيرة الاولياء والعرفاء وفي مقدمتهم أبن العربي، ذهبَ نحو أن اصلاح الباطن مقدمة جوهرية لا مهرب منها لإصلاح الظاهر، فإصلاح الدولة لا يتم من دون أفراد صالحين يقودون هذا الامر ويولونه اهميته، ومن دون هذهِ المعادلة لا طائل من الاندكاك بالعمل السياسي.

 

جعفر نجم نصر

.......................

المراجع:

(1) هادي العلوي، مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في الشرق، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق - بغداد، ط2، 2007، ص49.

(2) ينظر: علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني، دار المعارف، القاهرة، ط7، 1977، ص63-65.

(3) كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، الجزء الاول، منشورات الجمل-بيروت-بغداد، 2011، ص280.

(4) سليمان بشير ديان، الصوفي والدولة، مقالة في كتاب: ما وراء الغرب العلماني، تحرير: عقيل بلغرامي، ت: عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2018، ص41-42.

(5) المصدر نفسه، ص47-48.

(6) المصدر نفسه،ص50_51.

(7)لتفاصيل أكثر ينظر: خليل عبد الكريم، شدد الربابة بأحوال مجتمع الصحابة، دار مصر المحروسة، القاهرة، ط1، 2011، ص328 وص334.

 

(8) بومدين بوزيد، التصوف والسلطة: جدل المقاومة والسلم ورمزية صاحب الوقت، دائرة الامة، الجزائر، 2012، ص85.

(9) المصدر نفسه، ص87.

(10) حسن محمد الشرقاوي، الحكومة الباطنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1992، ص20.

(11)المصدر نفسه،ص20.

(12) محي الدين بن العربي، التدبيرات الإلهية في اصلاح المملكة الانسانية، دراسة وتحقيق وتعليق: د. محمد عبد الحي العدلوني الادريسي الحسني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2015، ص70.

(13) المصدر نفسه، ص77.

(14) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية (المجلد 9)، اعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة، ط6، 2011، ص88-89.

(15) ابراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت، ط1، 2010، ص30.

(16) بديع الزمان سعيد النورسي، المصدر نفسه، ص105-106.

(17) المصدر السابق نفسه، ص107.

(18) المصدر نفسه، ً241.

(19) ينظر تفاصيل اكثر: المصدر نفسه، ص243.

(20) محمد نور الدين، قبعة وعمامة: مدخل إلى الحركات الاسلامية في تركيا، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1997، ص20.

(21) إبراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي، مصدر سابق، ص65.

(22) بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص259.

(23) المصدر نفسه، ص277.

(24) بديع الزمان النورسي، كليات رسائل النور، الشعاعات، المجلد (4)، مصدر سباق، ص384.

(25) المصدر نفسه، ص384-385.

(26) ينظر: بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص295-296.

(27) المصدر نفسه، ص296.

(28) محمد حلمي عبد الوهاب، التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2018، ص145.

(29) المصدر نفسه، ص146.

(30) بديع الزمان النورسي،سيرة ذاتية ،مصدر سابق، ص375.

 

 

محمد بنيعيش1- بعدما بهت الذين كفروا أمام الذي رأوا في الصحيفة الظالمة من خلال تحقق معجزة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي كانت ذات قوة مضاعفة جمعت بين الصور المادية المتمثلة في انتقاء الحق من الباطل، كما ارتقت على كل العقول والتخمينات البشرية العادية إخبارا بالغيب كمعجزة معرفية وعلمية.

فقد لجأ الكفار، عوضا عن أن يسلموا ويستسلموا، إلى مضاعفة العناد والزيادة في نسبة ومقادير العداء للدعوة وصاحبها وأتباعه .

وفي هذه المرحلة سيتصاعد البلاء على أشده وعلى عدة مستويات، يمكن أن نستعرض بعض أوجهه مما قد لا تستطيع الجبال تحمله.بحيث هنا ستتداخل المراحل والأماكن والطموحات والآمال مصطدمة مع الإحباطات وخيبة الرجاء حتى قد بلغت القلوب الحناجر وترددت النفوس بين خيار البقاء أو الرحيل والإقامة أو الهجرة...

فكان عثمان بن مظعون السابق ذكره من بين الذين امتحنوا بعدما فرج الله عنهم ووجدوا السعة في أرض الحبشة حتى عادوا إلى مكة، متفائلين بالنصر والتمكين لمعطيات وأخبار وصلتهم ببصيص الفرج كان من بينها إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

بحيث قد اصطدم بالواقع الذي ليس له دافع، فوقع من جديد في الحصار من غير حصار الشعب وتم التنكيل به ومن معه من الصحابة الكرام الذين سلكوا نفس مسلكه في اختيار الجوار المقدس جوار الله العزيز الحميد.

أما بالنسبة إلى رسول الله (ص) وهو أشد الناس بلاء فلقد كان على موعد مع القدر في ابتلائه، وهو كأشد ما يكون من وسيلة لامتحان القلوب وصقلها على التسليم وتقبل ما يلائم وما لا يلائم بحسب علو المقام، كما أن فيه سبرا لصدق التوكل وحسن الظن بالله تعالى، وأنه لا يقدر للعبد إلا ما فيه سر عبوديته وحقيقتها، وسر شكره وحمده حيث لا يحمد على مكروه سواه .

وكيف لا يكون البلاء بهذا المستوى وهذا الصنف والرسول (ص) سيد الموحدين وهو سيد الخلق والرسل وهو أول العابدين في قبول امتحان سيده.

فلقد جاء القدر مباشرة، بعد معاناة الحصار والتطلع إلى الفرج و نسيان الأضرار والركون إلى تدارك الأنفاس وبسط الاستبشار، مختطفا أهم سند قومي ومدافع عصبي له (ص) وذلك بوفاة عمه أبي طالب، ثم بعده بزمن قليل، لا يتجاوز الأيام على عد الأصابع، زوجته وسنده العاطفي والمعنوي والمادي سيدة الصديقات في تاريخ أزواج الأنبياء والرسل من أولي العزم، أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كما عبر عن ذلك ابن كثير في وصف ذوقي جميل إثر الحديث عن وفاة أبي طالب:"ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله (ص) ورضي الله عنها .وقيل :بل هي توفيت قبله والمشهور الأول .

وهذان المشفقان :هذا في الظاهر، وهذا في الباطن .هذا كافر، وهذه مؤمنة صديقة ر ضي الله عنها وأرضاها.

2- قال ابن إسحق:ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد.

فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهُلْك خديجة وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن إليها، و بهُلْك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين "1 .

فعبارة هذا في الظاهر بالنسبة إلى أبي طالب وهذا في الباطن بالنسبة إلى السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع التمييز بين العقيدتين لدى كل من أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها لهو وعي دقيق وشفافية روحية في ملامسة الموضوع وطبيعة المرحلة ذات الارتباط بوجدان النبي (ص) .

إذ أبو طالب قد كان يمثل عصبية بالنسبة إليه (ص) وهي مع ما لازمتها من مؤازرة وثبات موقف وعدم تخلي عند الشدائد ستكون بلسما ودعامة معنوية على المستوى النفسي باعتبار بشريته (ص) وطبيعتها المحتاجة إلى المساندة المجتمعية، ابتداء من الأسرة والقرابة وانتهاء بالعشيرة والقبيلة أو الوطن...

فكان حينذاك رائد هذا الموقف هو أبو طالب بلا منازع، لما له من صفة قد تعوض عن مقام الأبوة بل هي نفسها ولكن في صورتها الفرعية المعاضدة بالعصبية وتبادل الحقوق والواجبات الأبوية والبنوة والتوارث ماديا ومعنويا.

ومما زاد في حزن النبي (ص) على عمه أبي طالب وأسفه ليس فقط لأنه مات وافتقد مساندته، لأنه يعلم يقينا وشهودا أنه منصور بإذن الله تعالى ولن يطاله من الكفار إلا ما أذن الله فيه كترقية وزيادة مقام له، ولكنه وهذا هو الأدعى إلى الحزن والشفقة والأسى أن عمه هذا قد مات على كفر ولم يعلن عقيدته وتصديقه لرسالة ابن أخيه، وهي نهاية كانت أصعب على نفس النبي (ص) من الموت نفسه.بحيث سيكون في الغالب قد اعتراه تأسف على سلبية المصير وسوئه الذي آل إليه أبو طالب بالرغم من مساندته له ونصرته كأعمال جليلة تحتسب له في دائرة الناجين .كما أن الموت على هذه الحالة وبحضرة صناديد قريش قد فتح فرصة ثمينة لهم لإعلان الشماتة بالنبي (ص) والمغالاة في الاستفزاز والمعارضة غير المحدودة لغاية إذايته جسديا والنيل من حريته بالمضيقات والتهديد بالتصفية العلنية .فكانت حينذاك وفاة أبي طالب ذات سلبية على نفسه أولا وذات انعكاسات مرهقة على النبي (ص) ومسار دعوته وأصحابه تبعا.

أما بالنسبة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فقد كانت شريكة حياته (ص) وأم أولاده ومسنده وملاذه في جسمه وروحه وعينه وعاطفته، وهو يرثها وترثه من كل الجوانب، وهي بهذا ستكون قد فاتت عمه أبا طالب من حيث قوة دعمها له (ص) ومركزيتها الجامعة بين التوافق الجسدي وبين الروحي العقدي، وهو الأهم والنقطة الأصعب في تمثل هذا الفقد، أي أنها كانت مؤمنة ومتحدة به روحيا وعاطفيا وجسديا ونسبيا.

ومن هنا فموت أبي طالب كما تذكر الروايات قد كان سابقا للسيدة خديجة رضي الله عنها وذلك كتمهيد للصدمة الكبرى الموالية وتأهب لتحملها، إذ المواساة النفسية النسبية، أي عصبة النسب التي كان يمثلها أبو طالب، ستكون أيضا مما توفرها له (ص) بحكم القرابة والعشيرة، ولكنها ليست كل شيء، بل الأهم هو المقام، أي مقام الصديقية الذي كانت تتمتع به السيدة خديجة ووصلت إليه بواسطة زوجها السيد الرسول (ص)، وهو أعلى مقام مساند للنبوة والرسالة ومناصر لها، سبق وتحدثنا عنه بتفصيل نسبي في كتابنا:نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

والنبي الرسول في مثل هذه المراحل الشديدة قد يحتاج إلى الصديقين لمؤازرته أكثر من احتياجه إلى المساندين، إذ هنا يتبين الفرق بين المقامين، بالرغم من أن الصديقين قد يكونون ضرورة مساندين، ولكن ليس كل المساندين قد يكونون صديقين.

3 - وعند هذا الفقد المضاعف جاء عام الحزن الكبير للنبي (ص) بفقد السيدة خديجة رضي الله عنها كصديقة مساندة وهو الذي تلا فقد أبي طالب كمساند غير صدِّيق.وهذا كما قلت قد كان فيه تدريج للنبي (ص) فيما يبدو أن القدر أراده له ليرتقي في عالم معرفة النفس وطب القلوب وانشراحها، وهي ممهدات إلى المعرفة الكبرى، معرفة الله تعالى وتحصيل الشهود بغير قيود وتحقيق الرؤية القدسية من غير حجاب ولا بواب، إذ البواب الأكبر والأجمل سيصبح هو سيدنا محمد (ص) نفسه، أول العابدين وسيد ولد آدم والخلق أجمعين.

وقد سمي العام بعام الحزن، أي أنه قد اكتمل دورته الزمنية بكل أحوالها وظروفها، وتعاقبت عليها جميع الشهور بتلوناتها وأسمائها، وأظلمت مظاهرها ومعابرها فغمت وعمت، وضاقت النفس وتألمت، فما كان بعد هذا الفقد والقبض والجلال إلا طلب الهجرة والترحال إلى ذي العزة والجلال:(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)2 .

لكن محنة النبي (ص) قد طالت حتى محاولة هذا الخلوص نجيا نفسه، فحوصر في الداخل، في الشعب وخارج الشعب، ومنع من الذهاب إلى الخارج في إقامة إجبارية كأسوأ ما تكون هذه الإقامة وأشدها على النفس.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

1- ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص122

2- سورة يوسف آية 110

 

اياد الزهيريلا شك بأن ظاهرة الأسطورة تعتبر ظاهرة ثقافية، فهي تمثل المحاولة الأولى للأنسان في سعيه لأنتاج المعرفة، وهي تعكس شوق الأنسان لرصد الحقيقة، والغوص في أعماقها، وهي ظاهرة أختص بها الأنسان عن غيرة من الكائنات الأخرى، هذا التميز كان نتيجة لما يتمتع به هذا الكائن البشري من قدرات عقلية خلقت فيه قابلية التفكير، وأثارت فيه النزعة الملحة لأشباع نزعته المعرفية. فالأسطورة كانت تعتبر الخطوة الأولى للأنسان القديم في تصديه لمحاولة تفسير ما حوله من ظواهر طبيعية أثارت في نفسه الخوف والدهشة، كما أثارت فيه الرغبة والأمل في معرفة كنهها، ولعل لتجنب مضارها، وجلب فوائدها. أن أول سرد أسطوري وضعه الأنسان كان هو أسطورة التكوين، لأن معرفة الكون الذي هو جزء منه كان هاجسه الأول، وكان هاجساً قوياً هزه من الأعماق، مما جعلها تحتل في نفسة مكاناً مقدساً، وقد سيطرة على عقله ومشاعره، وسجلت درجة الأعتقاد منزلة القداسة، حتى بات يزاول طقوساً وشعائر يعبر بها عملياً عن شغفه وأحترامه لها، كما يمكننا القول بأن هذا الأعتقاد شكل أول خطوات التدين عند الأنسان، ومن ذلك سجل الدين له حضور منذ بداية ظهور الأنسان، ومن ذلك لا يمكن لأحدنا أن يجد مجتمعاً أنسانياً خالياً من الدين، منذ الخليقة وليومنا هذا، فالدين حاجه نفسية وعقلية . فالأسطورة كانت باكورة التدين، وهذا ما جعل الباحث فراس السواح يصفها في كتابه (الأسطورة والمعنى ص 20) بأنها (حكاية مقدسة) . أستمرت سطوة الأسطورة على نفوس وعقول البشر لفترة طويلة كنمط تفكير أوحد، الى أن جاءت الفلسفة كنمط تفكير متقدم، أنتقل فيه الأنسان من الخيال والحدس ووعي المشاعر الى التفكير العقلي والمنطقي، ومن نظرة التسليم المطلق لما جاء به السرد الأسطوري الى فلترة عقلية تعتمد في قناعتها على المسلمات المنطقية . هذا التحول في النظرة هو الذي حدى بأفلاطون بجمهوريته بأن صرح بضرورة أبعاد الشعر عن الجمهورية الفاضلة التي تقوم على العقل، لأن السماح بالشعر يعني فتح الطريق أمام الأسطورة (الأسطورة والمعنى ص31). يتضح من كتابات الدكتور خزعل الماجدي، بأستخدام حسه الشعري الخيالي، في التحليل التاريخي للأسطورة، كما أن لأفلاطون كل الحق في أبعاده للشعراء من جمهوريته الفلسفية، وأن هذه الجمهورية حسب أدعاءه تقوم ركيزتها على المنطق، في حين أن الدكتور الماجدي هو في الأصل شاعراً ومجيئه للدراسات التاريخية متأخر على شاعريته، فمزج شاعريته في المنهج العلمي للدراسات التاريخية وخاصة الأسطورة، مما جعله يقع بالمحذور الذي حذر منه أفلاطون بضرورة أبعاد الشعراء من هذا المجال الذي يعتمد بشكل أساس على المنطق.

ولكي لا نطول في هذه المقدمة الضرورية، ننتقل الى الدكتور الماجدي في كيفية خلطه للأسطورة الرافدينية القديمة مع أسطورة قابيل وهابيل التوراتية، وهي أسطورة لست بصدد الدفاع عنها لأني أساساً لا أعتقد بصحتها بأعتبارها تمثل أيضاً سرداً أسطورياً، ولكن كُتبت على أيدي حاخامات اليهود، وهذا ما أكده بوكاي حيث يقول (كان الكتاب المقدس قبل أن يكون مجموعة أسفار تراثاً شعبياً لا سند له الا الذاكرة، وهي العامل الوحيد الذي أعتمد عليه في نقل الأفكار) (بوكاي دراسة الكتب المقدسة ص20 )، ولم أجد هناك مصدراً رئيسياً لها كما يدعي الماجدي في الأسطورة الرافدينية، الا اللهم قد يكون أوحت الأساطير الرافدينية لكتاب الأسفار التوراتية ببعض الأفكار أو أستنهضت بهم أيحاءً أسطورياً، ولكن بنفس الوقت لا يمكنني أن أنفي أفكاراً فيها كان مصدره النبي موسى عليه السلام، ولكن كما هو معروف للمطلعين على السرد الأسطوري أنه قد يبدأ من حقيقة معينه وينسجون عليها حبكة سردية كبيرة تغطس فيها الحقيقة الأولى، ويبقى الوجود الأكبر لما نسجه النساجون من سرد قصصي أسطوري يطغي على البذرة الأولى. أن خطورة ما يريد التوصل اليه الدكتور الماجدي هو سعيه الحثيث، وقصديته الواضحة الى ربط الأسطورة الرافدينية القديمة بالتوراة، متجاوز بها الى المسيحية ليختمها بالأسلام، وهذا مقصده المهم والنهائي. وأن حكاية قابيل وهابيل من خلال تحليل سرديتها التي ربطها الدكتور الماجدي ستكشف أن ليس هناك تناصاً تاماً، ولكن لا يمكنني الجزم بأنه ليس هناك أيحاءً قدمته الأساطير الرافدينية لكتبة التلمود والكابالا وأسفار أبو كريفا وغيرة من الكتب اليهودية التي تناولت حكاية قابيل وهابيل .لنذهب بعد هذه المقدمة الى رصد أدعاءات الدكتور الماجدي في ربطه بين حكاية قابيل وهابيل والأسطورة الرافدينية، وهي بالحقيقة أن هناك أكثر من أسطورة رافدينية يدرجها الدكتور الماجدي والتي يدعي أن التوراة والكتب اليهودية تناصت معها، وأول هذه الأساطير هي أسطورة (أنانا ودِموزي) التي جعل منها الدكتور الماجدي الجذر الذي أرتبطت به أسطورة التوراة، والتي جعل الماجدي من هابيل فيها نضيراً لدِموزي الذي يمثل اله الرعي في المعتقد الأسطوري السومري، وهنا يربطه الماجدي مع هابيل بأعتبار هابيل يمتهن الرعي أيضاً . أن عنصر مشترك واحد لا يشترط التناظر بين الأسطورتين، كما أن هناك أختلافات كثيرة تبعد كل مقاربة بينهم، فمثلاً أن دِموزي يمثل اله الخصب الذي يرعى الزرع،الذي هو مهم للرعي،وهذا يعني أنه ليس ممارس للرعي حتى نماثله مع هابيل الذي تدعيه التوراة أنه مارس الرعي، كما لدِموزي معبد يُعبد فيه أسمه (أي موش) وهو نفس المعبد الذي تُعبد به الآلهة أنانا،كما ذكر الماجدي في كتابه (أنبياء سومريون ص ٢٥٢) وهذه مفارقة في حين أن قابيل أنسان، كما أن هابيل أختلف مع أخيه قابيل، في حين أن دِموزي لم يختلف مع أنانا عشيقته وزوجته، بل أن أنانا شعرت بأنه لم يعد يهتم بها فغضبت منه، فأرسلته الى العالم السفلي غضباً عليه، ولكن بعد توسط الاله أنكي وشفاعته له أرجعت المياه الى مجاريها بين دِموزي وأنانا الالهين العاشقين، ولم يحدث أي جريمة قتل كما حدثت بين هابيل وقابيل، وأن الشفاعة التي حصل عليها دِموزي لم يحصل عليها قابيل من الله، لذى لا أرى أي حالة من التماثل أو التناظر بين حكاية هابيل وقابيل وبين الأسطورة الرافدينيه (دِموزي وأنانا)، فالرجل قد جارى ما فسره الآخرون وخاصة الغربيون في ربطهم هذا بين حكايتين لا رابط لهم، كما أن الماجدي مارس ربطاً تعسفياً يتماشى ونظرته الآيدلوجية التي تسعى الى نسف الأديان السماوية.

كما يمكننا الذهاب الى أسطورة أخرى يتعلل بها الدكتور الماجدي، ويعتبرها دليل آخر مضاف للتناص الحاصل بين الأدب الأسطوري الرافديني وما جاء من حكايات بين دفتي التوراة وغيره من كتب اليهود الأخرى . هذه الأسطورة هي أسطورة (أيميش وأنتين) و هي أسطورة لا علاقة لها بما جاءت به حكاية هابيل وقابيل، ولا علاقة لهما في فحوى الحكايتين، فأيميش وأنتين، هما ألاهين مخلوقين من قِبل الاله انليل، فكان الاله ايميش خُصص ليرعى فصل الصيف والرعي، أي لم يكن راعياً، بل يهيء ظروف الرعي، أي الحقول التي ترعى فيها الحيوانات أما أنتين خلقه لرعاية فصل الشتاء والفلاحة، وقد حصل خلاف بينهما، ولم يُذكر سبب الخلاف، ولكنهما أحتكما الى الاله انليل، والتي يذكر الماجدي أن الاله انليل فض الخلاف بينهما، وقد مال الى جانب الفلاحة والشتاء على الرعي والصيف، في حين أن حكاية التوراة قد بينت الخلاف وسببه، وهي تنافسهم على الزواج من أختهم (أقليما)، وأن الخلاف أنتهى الى مقتل أحدهما، في حين لم يبين في أسطورة (أيميش وأنتين) لا نوع الخلاف وسببه، ولم ينتهيا الى القتل كما حصل مع قابيل وهابيل، وهنا أسئل الدكتور الماجدي أي تشابه وتماثل بين هذه الأسطورة السومرية وماجاء بالتوراة؟، كما أن الباحث فراس السواح ذهب الى أن أنليل قد صالح أيميش وأنتين وأنتهى الأمر بمديح لأنليل (مغامرة العقل الأولى ص211). ولو ذهبنا الى أسطورة رافدينية أخرى أستطراداً بالدليل على لا تناصية التوراة مع الأسطورة الرافدينية في هذا الخصوص، والتي يسوقها خزعل الماجدي كدليل على هذا التناص هو أسطورة (أشنان ولاهار)، حيث يخلق انليل (ألاهار) النعجة، ويخلق (اشنان) الحبوب، وعندما تنافسى أحتكما الى أنليل، وحينها أنحاز انليل الى أشنان الهة الحبوب على حساب لاهار الهة النعجة، وهنا أيضاً تمثل هذه الأسطورة عكس ماذهبت الية حكاية قابيل وهابيل التوراتية، حيث نرى الاله انليل وقف الى جانب أشنان الهة الحبوب في حين أرتضى الله في النص التوراتي الى قبول تقدمة هابيل لحسن سيرته وتقواه، وأنه مجني عليه من قِبل أخيه قابيل، فالله التوراتي يقدم أسباب وجيه للرضى من هابيل والغضب على قابيل، في حين نرى أن الاله انليل يقبل عن أحدهم ولا يقبل من الآخر أنه  مجرد أمر مزاجي للأله أنليل.

أن خلاصة ما أُريد قولة أنني لست بصدد الدفاع عن التوراة، بل بصدد نفي التناص الذي يدعيه الدكتور خزعل الماجدي وغيره من الكثيرين، وكما بينا أنه دليل واهن ولم يقم على حجة يُعتد بها أو يمكن الركون أليها، وأن لا تناظر بين الأسطورة السومرية والحكاية التوراتيه فيما يخصل قابيل وهابيل، بل أنا أميل تماماً الى أن ما جاءت به التوراة والكتب اليهودية الأخرى هو من أنتاج المخيال اليهودي، وهم يمتلكون من الأمكانية ما تغنيهم من الأقتباس من غيرهم، وأن لم أنفي تماماً أنهم لم يأثروا بغيرهم، وهذا ما يحدث في كل زمان ومكان، كما أحببت أن أشير الى نقطة مهمة الا وهي أن القرآن الكريم لم يرد في نصوصه أي أشارة الى أسماء أبني أدم هابيل وقابيل، كما لا يردا حتى في الأحاديث النبوية، الا في حديث ضعيف عن طريق أبن كثير، وأن أبن كثير أعتمد على أبن عباس، وعبد الله بن عمر أبن العاص، وهؤلاء الأثنين وخاصة في مجال التاريخ القديم وقصص الأنبياء القدامى، وقصص الخليقة، يعتمدون كثيراً على أهل الكتاب، وأن هناك الكثير من الباحثين الأسلامين القدامى قد أعتمدوا كثيراً على ما يسمى بالأسرائيليات، وهذا ما نجده مثلاً في كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لمؤلفه محمد بن أياس الحنفي، كما أن هناك بعض المفسرين القريبي عهد منا، قد ذكروا في تفاسيرهم أسما أبني آدم (قابيل وهابيل)، ومنهم محمد رشيد رضا، وسيد قطب، ومحمد جواد مغنية، وهم يعتبرون ذلك من الروايات الأسرائيلية (قصة أبني آدم...غسان عاطف بدران ص12-13).

ومما يجدر الأشارة اليه أن للشيخ محمد جواد البلاغي كتاب مهم بهذا الصدد تحت عنوان (الأكاذيب الأعاجيب)، كما هناك كتاب تحت عنوان (الموروث الأسطوري في تفسير أبن كثير) وهي أطروحة ماجستير في جامعة النجاح بفلسطين من أعداد (مؤيد أحمد سعيد خلف)، حيث تبين ولوج الأسرائيليات في التفاسير الأسلامية، وهناك الكثير الكثير في هذا الصدد . ان التلاعب بالتاريخ أصبحت لعبة تهوي الكثير ممن يسعى للشهرة، أو ينفذ من خلالها أجندة خطيرة، وهي مهام تقوم بها مراكز تنتمي لدوائر دول وجهات متنفذه عالمية تستخدمها كأدوات في حربها الناعمة ضد أديان ودول وشعوب يُراد تحطيمها بأدوات فكرية معقدة لا تحسن عملية النفاذ اليها ومعرفة حقيقتها، وخاصة الشعوب القليلة القراءة مستخدمين التاريخ الموغل بالقِدم والذي يتجنب دخوله الكثير لتشابك أحداثه، والشك في مصادره، كما أني لا أستطيع أن أزعم أن ليس هناك تناص في نقل الأفكار سواء على المستوى التاريخي أو الأدبي، وحتى العلمي والفني، ولكن ما أُريد الأشارة اليه أن ما قد تسلل من خيوط تناص في مواقع سردية أخرى، فهو تناص نقله الكتاب والباحثون والمفسرون في أطار التراث الثقافي التاريخاني، وهو ما حدث بالفعل في الكثير من السرديات، ولكن المهم هو الفصل مابين ما هو موروث ثقافي في مجال التفسير والتأويل، وبين ما يمثل النص الأصلي (الألهي) المتمثل بالكلام الذي أرسله الله سبحانه وتعالى للأنبياء، فالفرق كبير، ولكل منهما مصدره، ولكن الخطورة في دمجهما وأعتبراهما حالة واحدة، ويتمتعان بنفس الدرجة من المقام والقدسية، وهنا هو الخطأ الفادح لمن سهى، والخطيئة العظمى لمن أستهدف ورمى، محاولاً التشوية والتحريف.

 

أياد الزهيري

 

الصفحة 6 من 6

في المثقف اليوم