دراسات وبحوث

أكرم جلال: الحَجّ.. وأبعاده الرّوحيّة والفَلسَفيّة

قال الله عَزَّ وجَلّ: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحَجّ: 26-27].

إنّ الحَديثَ في فَلسفةِ وروحِ الحَجّ والوقوفِ عند أسرار مناسكه إنَّما هو مِن أجل أداءه بالصورة التي أمرَ اللهُ تعالى بها، ولِيَبلُغ بها الحاجّ أعلى المراتب، فالحَجّ كباقي الأركان الإسلامية لايَجوز الاكتفاء بمناسكه وأحكامه الشكليّة وحركاته التعبديّة الظاهريّة، الخالية مِنَ الجَوهر والمَضمون, بل على المسلم الرّسالي أن يَتَبَحّرَ في البُعد الرّوحي والفَلسفي لهذه الشَعيرة العَظيمة لِكَي يكون الحَجّ حينها مَعْلَماً وطَريقاً لبناء الفرد والمجتمع على سواء. فعن إبن عباس قال: رأيت رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسلم) في حَجّة الوداع يذكر ضمن حديثه في اشراط الساعة أمراً عن حَجّ آخر الزّمان يقول فيه: (يحَجّ أغنياء أمّتي للنزهة، ويحَجّ أوساطها للتجارة، ويحَجّ فقراؤهم للرياء والسّمعة 1).

فالحَجّ إذن ليس مُجَرد أعمال وألفاظ خالية من الأهداف والمعاني، وهو قطعًا ليس سَفَراً تَرفيهياً ولا سُوقاً يَتَسابَق إليه التُجّار؛ إنّه الهجرةُ والوفادة على الله تعالى، بل هو الفِرار إلى الله جل جلاله، فعن الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أنه قال (علّة الحَجّ الوفادة إلى الله 2).

الحجُّ أكبر الفَرائض وأعظم الشَعائر وأقصَرَ طُرق القُرب الإلهي، إنّه سَيرٌ وسلوكٌ معنويٌّ نَحوَ الكمال المطلق تتجسد فيه أبهى معاني التوحيد والعبودية وأعلى درجات التكمال الإنساني. الحَجّ هو خامِس فروع الدين، واجب على المستطيع وتركه تعمداً يُعَدّ من الكبائر، قال رسول الله (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسلم): (لو أنفقتَ في سبيل الله بحَجّم جبل أبي قُبيس ذهباً، فإنّك لن تصل مرتبة الحاجّ وما يحوزه من القَدر 3).

إنَّ التَدَبّر في المعاني الرّوحية لمناسك الحَجّ تعتبر من أهم الأعمال التي على الحاج أو المعتمر الإتيان بها، والتي من خلالها يصل لمرتبة يدرك بأنّ رحلة الحَجّ إنَّما هي رحلة نَحوَ التَجَرّد عن كلّ قِيَم الانحطاط المّادية والتحليق نَحوَ سماء الفضيلة والتّكامُل وَنَيل أعلى مَراتب القُرب الإلهي، وهذه المَراتب الرفيعة لا تُدرك إلّا من خلال التعرّف على الأبعاد الرّوحية والفلسفية. فكما أنّ للحَجّ أفعالاً ظاهريّه على الحاج الإتيان بها على أكمل وجه، فإنّ له أيضاً أبعاداً روحيّه باطنية، وعلى الحاج السعي لإدراك تلك المنافع، والتي لا تُنال إلّا من خلال التَدَبّر في روح كلّ شعيرة من شعائر هذا الفَرض العظيم حتى يصل فيها السالك إلى التكامل النوراني في الفكر والسلوك وبذلك يَبلغ بالحَجّ أعلى مقامات القرب من الله جل جلاله.

الإخلاص في النية:

إنّ القاصِدَ لإداء فريضة الحَجّ أو العمرة بأفضل وأكمل صورها وبأعلى مراتب القبول، عليه وقَبل الشّروع بأي عمل، أنْ يبدأ بِعَقد النيّة بحقيقيّة الإخلاص ويتدبر في المَقصَد والباعِثَ من وراءِ سَعيه، فإنْ كانَ القَصد والباعث هو لنيل الكمالات الرّوحية وإدراك مقامات القرب الإلهي فإنَّه بذلك قد استحصل النيّة الصّحيحة الموصلة لنيل المراد، وإنْ كانت البَواعث لا تحمل صفة الإخلاص لله فعلى السّاعي أن يُجهد نفسه لرفع الشبهات والتخلي عن موانع صفاء النية، فقد روي عن الرسول الأكرم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسلم قوله: (إنما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه 4).

إنّ درجة الإخلاص في النية تختلف من شخص لآخر تبعاً لدرجة إيمانه ومعرفته، فَمِن المسلمين من يَقصد الحَجّ طَلَباً للدنيا، ومنهم من يبغي الدنيا ويسأل الله الآخرة، ومنهم من لا يبغي من سَعيه إلّا وَجه الله تعالى وحده، يدفعه بذلك الحبّ والرّغبة والشوق لنيل مراتب الكمال والقرب من الله ذي الجلال.

دخولُ الميقات والإحرام:

الإحرامُ هو أحد أركان الحَجّ أو العمرة، ويبدأ من الميقاتِ المُحدّد، وهو أول واجب يأتي به الحاج مقروناً مع النيّة وَلَبس الثوبين والتّلبية مِن أجل الدّخول في حَرَم اللَّه وأمنه.

إنّ البُعد والرّوحي لفريضة الإحرام من الميقات هو من أجل أن يَستَحضر وَيَستَذكر الحاجّ أو المعتمر أنّه حينما يصل إلى أحد المَواقيت فأنه بذلك قد وَصَلَ إلى محطةٍ يَنطَلق منها إلى حَرَم الله المُقدس، إنّه بمثابة تكبيرة الإحرام في الصلاة، فَعَن الإمام الرضا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال: (فإن قيل: فلم أمروا بالإحرام؟ قيل: لأن يخشعوا قبل دخولهم حرم الله وأمنه، ولئلا يلهوا ويشتغلوا بشيء من أمور الدنيا وزينتها ولذّاتها، ويكونوا صابرين فيما هم فيه قاصدين نَحوَه مقبلين عليه بكُليّتهم، مع ما فيه من التعظيم لله عز وجل ولبيته، والتذلل لأنفسهم عند قصدهم إلى الله تعالى، ووفادتهم إليه، راجين ثوابه، راهبين من عقابه، ماضين نَحوَه، مقبلين إليه بالذل والإستكانة والخضوع 5).

والبدء بالإحرامِ مِنَ الميقات يَترتّب عليه شروط وأحكام تتناسب وقدسيّة المكان ومنها استشعار العَظَمَة الإلهية والسّاحة المُقدّسة التي حلّ بها الحاج، ثم لكي يبدأ الحاج إحرامه مستحضراً تلك المشاعر وقد خرج من ذنوبه وخلع عنه ثياب المعاصي فإنَّ عليه الإتيان بغُسل للإحرام، والذي هو غُسل للذّات من أجلِ تَنقيَتها مِن كلّ دَنَس روحي، وتطهيرها مِن كلّ نَجَس. وكما أنّ غُسل الإحرام تَطهيرٌ من النجاسات الدنيويّة ظاهراً، فهو أيضاً اغتسال بماءِ التّوبه من أجلِ الوفود على اللهِ تعالى طاهِرَ الرّوح والسّريره، فقد ورد عن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في هذا المورد: (اغْسِلْ بماء التّوبةِ الخالصةِ ذُنوبَك 6). والحاجّ أو المُعتمر وَمِن أجل بُلوغ الطّهارة الرّوحيّة والبدنيّة فإن عليه التجرّد عن كلِّ رِداءٍ دُنوي، وعليه أنْ يَخلَعَ ثياب المَعصية المُتَمَثّلة بثياب المَخيط وَلبس ثياب الطاعة، إنّه لباس التقوى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]. إنّ في لِبس ثَوبي الإحرام تَجسيدٌ للإنفكاك والتَّخلّي الرّوحي عن خيوطِ الدُنيا المُتشابكة والاكتفاء بثوب المُقبلين على الله، إنَّه التَجَرّد عن الأفكار والميول والشُبهات التي تَمنع المؤمن الرسالي من إكمال السّير نَحوَ إدراك أعلى مراتب التكامل، إنَّه التّجرد عن عبودية غير الله والخروج من وحل الأهواء الضّالة والشهوات المُحرمة للبدأ بالسّير نَحوَ مَعدن النور المطلق.

على الحاج أنْ يَستَحضر بدخوله الميقات أنّه قد خَرج من هذه الدنيا وَخَلَع عنه زينتها ولم يأخذ من حُطامِها سُوى قِطعتين من القماش ليتذكر بذلك لِباس الكَّفن، وهذا الاستذكار مِن شأنه أنْ يزيد السالك خشوعاً وخضوعاً واستحضاراً وهو يفد على مالِك المُلك، لا يَحمل من الدُنيا سوى رجاءاً وطمعاً ورغبةً بما عنده من عظيم العطايا وجزيل الثواب، وعلى الحاج أن يحمل معه هذا الاستحضار ليرافقه في أداء جميع مناسكه.

قال الإمام السجّاد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لأحد أصحابه (الشبلي): (حَجّجت يا شبلي؟" قال: نعم، يا ابن رسول الله. فقال (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): "أَنَزلْتَ الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت؟" قال: نعم. قال (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): "فحين نزلت الميقات نويت أنّك خلعت ثوب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟" قال: لا. قال (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): "فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات ؟" قال: لا.

قال (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): "فحين اغتسلت نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب ؟" قال: لا. قال (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): "فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسل!". 7).

وأمّا عَقدُ نيّة الحَجّ، ففيه يَستَحضر الحاج التّبري مِن كلّ عقدٍ أو وَلاية قد ألزَم بها نَفسه ولا يُبقي إلّا العَقدَ معَ الله تعالى والولاية لله جَلّ وعلا. وفي هذا المورد يقول الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): (وأحْرِم من كُلِّ شيءٍ يَمْنَعُك عن ذِكر الله تعالى ويَحَجّبُك عن طاعتِه 6).

وأمّا صلاةُ الإحــرام، والتي يؤتى بها في الميقات وقبل الشروع بالإحرام إلى بيتِ الله الحرام، فهيَ إشارة واستحضار لمعنى القُرب الإلهي من خلال التقرب إلى الله بخير الأعمال وهي الصلاة، والتي هي عمود الدين، من أجل أن يحضى الحاج أو المعتمر بعناية الله ولطفه.

والتلبية من واجبات الإحرام وَتَتِمّ مِن خلال تَرديد ذِكر: «لَبَّیكَ ألّلهُمَّ لَبَّیكَ، لَبَّیكَ لاشَریكَ لَكَ لَبَّیكَ، إنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلكَ، لاشَریكَ لَكَ لَبَّیكَ»، إنّه جواب مُحب لدعوةِ مَحبوبه وتَرديد عاشقٍ قَد دَنى من مَعشوقه، إنّها مَرتبة عالية مِن مَراتب الامتثال للأمر الإلهي وإذعان بموت الأنا والبدء بالسّير نَحوَ الحيّ الذي لا يموت، هي وقفة الصادقين بين يَدَي ربّ العالمين، مُذعنين مُعترفين أنّه هو الله الواحدُ الأحد، لا شريك له ولا ولد، وأنّ الحاج يجب أن لا يَغفَل عن استحضار هذه المعاني في التلبية في قلبه وعلى لسانه في كل الأوقات من خلال فعل الواجبات وترك المحرمات، كما في الخبر عن سليمان بن جعفر قال سألت أبا الحسن (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عن التلبية وعلّتها، فقال: (إن الناس إذا أحرموا ناداهم الله عز وجل، فقال: عبادي وإيمائي، لأحر ّمنـّكم على النار، كما أحرمتم لي، فقولهم: لبيك أللهم لبيك، إجابة لله عز وجل على ندائه لهم 8).

ولأنّ الوافدين إلى بيتِ الله الحرام هُم على مَراتب مختلفة من الشهود والمعرفة بحقيقة المقصود، لذلك فأنَّ الإخلاص واستحضار معاني التلبية تتفاوت من شخص لآخر، فَعَن مالك بن أنس قال (حَجَجت معه)، أي الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) سنة، فلما استَوَت به راحلته عند الإحرام كانَ كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخر من راحلته، فقلت: قل يا أبن رسول الله، ولابد لك من أن تقول. فقال: يا إبن أبي عامر، كيف أجسر أن أقول: " لبيك أللهم لبيك " وأخشى أن يقول تعالى لي: لا لبيك ولا سعديك؟ 9).

أما تروك الإحرام فهو بمثابة الصوم عن المفطرات في شهر رمضان، إنّه الإمساك عن كلّ ما يحرم على الحاج الإتيان به من أجل أن تكون هذه الأيام المعدودة منطلقاً للإمساك عن كلّ المُحرمات وسلوكاً يلتزم به الحجّاج في باقي الشهور والأيام، وهذا هو الطريق لنيل مرتبة التقوى.

في المسجد الحرام للطواف:

الحاجّ أو المُعتمر حينما يَطوفُ حَول الكعبة فإنه بذلك يَدور حَول مَركز التّوحيد ويَسير على مَنهج الله وَفَلَك شَرعِه، إنه بذلك يُعلن إلتزامه بكلّ ما أمر به الله والابتعاد عَمّا نهى عنه. إنّ الطواف حول الكعبة إنّما هو طواف مع الملائكة حَول عَرش الرحمن، ففي ذلك يقول الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): (... وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت...6).

وَهو بهذا الدوران إنّما يَسعى للوصول إلى مَقامات الكّمال الإنساني، فالطواف حَول أركان الكعبة وأضلاعها هو بمثابة الالتزام والخُضوع لأركان دين الله، وحينما تجعل الكّعبة على يَسار الحاج أثناء الطواف وأن يكون الانطلاق من مقابل الحَجّر فهو إشارة لإستقامة القلب على قبلته لكي يبدأ مشوار التجليات، والذي أساسه الحُب والارتباط بين مَركز وقُطب الإنسان وهو القلب مع رمز التوحيد الإلهي وقبلة المسلمين الكعبة المشرفة.

إنَّ لهذا المنسك عظمة قد اختصّها الله تعالى، ففي خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد اللَّه (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال: (للَّه تبارك وتعالى حول الكعبة عشرون ومائة رحمة، منها ستون للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين 10).

لذلك فإنَّ الطّواف يُمثل صَلاةً مُتَحرّكة يَستحضر فيها الحاجّ جميع الأبعاد الرّوحيّة والمعنويّة، وهي حالة من التناسق والتناغم والارتباط الرّوحي بين سير البشر وسلوكهم وبين أن يكون هذا السّير مُتَمَحوراً وخاضعاً لأوامر الله ومُتَخلّقاً بالعقيدة والسلوك العملي الذي شرّعه ربّ البيت.

عن عليّ بن ميمون الصائغ قال: (قدم رجل على عليّ بن الحسين (ع) فقال: قدمت حاجّاً؟ فقال: نعم، فقال: أتدري ما للحاجّ؟ قال: لا، قال: من قدم حاجّاً وطاف بالبيت وصلّى ركعتين كتب الله له سبعين ألف حسنة، ومحى عنه سبعين ألف سيّئة، ورفع له سبعين ألف درجة، وشفّعه في سبعين ألف حاجة، وكتب له عتق سبعين ألف رقبة، قيمة كلّ رقبة عشرة آلاف درهم 11).

السعي بين الصفا والمروة:

ثم يتجِّه الحاجّ أو المُعتمر لتأدية رُكن السّعي بين جبلي الصفا والمروة اللذين جَعَلَهما الله جلّ وعلا من شعائره في قوله: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ، فَمَنْ حَجّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة: 158].

والسّعيُ مَظهر من مظاهر الفِرار إلى الله بخطوات يرجو من خلالها الحاج والمعتمر نيل القرب إلى الله تعالى، فالذي يَقصد القُرب الإلهي ترى دأبه الجدّ في السّير نَحوَ الباري، لذا فالسعي بين الصفا والمروة إنّما هو صورة للسعي في الحياة الدنيا، إنّه السّير المُلتزم بالأوامر الإلهية والخاضع للحدود التي شَرّعها الباري، لا يَخرُج عنها الساعي ولا يَتَعداها، بل يتردد في أفعاله بين حدود الله التي أقامها، مُتواصل في سيره، يُهَرول تارةً وَيَمشي تارة أخرى، لا يتوقف ولا يكلّ ولا يَقنط بل برجاء رحمة الله يَستمر حتى يُتم عدد الأشواط التي أمر الله بها وهو على هدى وبصيرة من أمره. فعن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن إبن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (ع) قال: قال النبي (ص) لرجل من الأنصار: (إذا سعيت بين الصفا والمروة سبعة أشواط كان لك عند الله أجر من حَجّ ماشياً من بلاده، ومثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة 12).

فالصفا والمروة هما حدودُ الله في السّعي أثناء الحَجّ، ويمثّلان بوضوح الجانب الرّوحي للحدود الشرعية التي أمر بها الله عز وجل والتي يجب على المؤمن الرسالي أن يستلهم منها العِبر في سَعيِهِ وَسلُوكه في الحياة الدنيا من أجلِ نَيل مَراتب القُرب الإلهي.

والسّعي من جانب آخر يُمثل استذكاراً واقتداءً بسعي أم إسماعيل (هاجر) زوجة إبراهيم الخليل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، تلك المؤمنة المُطيعة لله ولرسوله، المجاهدة الصابرة، العاملة بما أمر الله، عاشت تلك المآسي والمِحَن والتحديات وهي على ثبات وبصيرة، فكانت تَحمل آلامها وهمومها وحيدة مع إبنها الصغير وهي تسعى بينَ جبلي الصفا والمروة باحثة عن الماء في سبعِ أشواط، لَم تَهِن ولم يَتَزعزع إيمانها بل أصبَحَت قُدوَة ومثلاً، وعلى كلّ حاجٍ مواساتها والاستلهام من إيمانها وصبرها وأخذ العِبَرِ والدُروس مِنْ أنّ الثّبات على حدود الله والسّير على منهجه قد يكون صعباً لكن عاقبته خيراً، قال الله تعالى ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 24].

وقد جاء في بعض الروايات ما يدل على علاقة السعي بالنبيّ إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فعن الإمام الصادق (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قال: (صار السعي بين الصفا والمروة؛ لأنّ إبراهيم عرَضَ له إبليس، فأمر جبرئيل (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فشدَّ عليه فهرب منه، فجرت السنَّة. يعني بالهرولة 13).

وفي العودة إلى الرواية الواردة عن الإمام السجَّاد (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) في حديثه مع الشبلي حينما يَصِفُ فيها البُعد الباطني للطّواف (ثم قال (ع): طفت بالبيت، ومسست الأركان وسعيت؟ قال، نعم، قال (ع): فحين سعيت نويت أنك هربت إلى الله، وعرف ذلك منك علام الغيوب؟ قال: لا.

قال (ع): فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت.)

ثُمّ تأتي صَلاة الطّواف من بَعد الطّواف مباشرة في إشارة لشأن الصلاة وعظمتها وكيفَ أنّ اللهَ تبارك وتعالى أراد أن لا تخلو فريضة الحَجّ من فريضة الصلاة والتي هي عمود الدين. لقد أراد الباري أن يَختم الحاجّ طوافه بركعتين يتوجه فيهما لله بقيامٍ وركوعٍ وسجود، خاشعاً متضرعاً، في بيت الله وفي بقعة مُشرّفة هيَ خَلف مقام إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) الذي رفع قواعد هذا البيت وأذّن في الناس بالحَجّ.

الوقوفُ بعرفة:

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِن رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا آللهَ عِنْدَ آلْمَشْعَرِ آلْحَرَامِ وَآذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ آلضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ آلنَّاسُ وَآسْتَغْفِرُوا آللهَ إِنَّ آللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 198].

إنّ في الصعودِ إلى عَرَفة إشارة إلى ذلك الرُقيّ الذي بَلَغَة الأنبياء وَدَلالة في السّير على مَنهَج الأولياء والأصفياء. في عَرَفة حيث يَجتمع الحجّاج في اليوم التاسع من ذي الحَجّة من الظُهر الشرعي إلى الغروب الشرعي، لِيَخلو المُؤمن بذاته ولِيَتَقَرّب منها وَيَبدأ بمحاسبتها ومساءلتها عبر حوار روحي معنوي صادق.

وقد سُمِّيَتْ عَرَفَةُ عَرَفَةَ لِأَنَّ جَبْرَئِيلَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هُنَاكَ اعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ، واعْرِفْ مَنَاسِكَكَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَةَ (14)، ففيها تتجلّى أجمل معاني التّعبد والارتباط بالله جل جلاله لذلك جاء في الحديث الشريف (الحَجّ عرفة).

في عرفة يقف الحاجّ بَين يَدَي الله جلّ وَعَلا وَقفة صادقة مَعَ نَفسه وَمَع ربّه، يَتَخلّى من خلالها عن كلّ العلائق والنَوازع والرَغَبات الدّنيويّة، مِن أجل أن يحضى بأعلى مقامات التكامل الإنساني، ويمدّ أوثق روابط التّواصل مع الذّات الإلهية من أجل نَيل مراتب القرب الإلهي.

في عَرَفة يَقِف الحُجّاج بِمُختلف أطيافهم وأعراقهم وألوانهم ولغاتهم ولباسهم وطبقاتهم الاجتماعية، وقد خَلَعوا عَنهم لِباس الدّنيا وَبَرَزوا بلباس النّقاء والصفاء ليجمعهم على اختلافهم، فيقف الغني مع الفقير، والرئيس مع المرؤوس، والتابع مع المتبوع، وليشهدوا لله بالوحدانية وليهتفوا ويرددوا لبيك اللهم لبيك، وفي ذلك ورد عن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسلم) أنه قال: (إنّ الله عزّ وجلّ يُباهي ملائكته عشيّة عرفة بأهل عرفة فيقول- أُنظروا إلى عبادي أتوني شُعثاً غُبراً 15).

يقف الحُجّاج في عرفة لكي يغتسلوا بفيوض الرحمة الإلهية ويتطهروا بالتوبة، وليوقظوا قلوبهم المُتعبة على حقيقة القرب الإلهي لتستنير بذلك أرواحهم ونفوسهم وعقولهم، وَقَفوا مُستكينين مُتضرّعين سائلين الله تعالى أن يأذن لهم بالدخول، فعن محمّد بن عقيل، عن الحسن بن الحسين، عن عليّ بن عيسى، عن عليّ بن الحسن، عن محمّد بن يزيد الرفاعيّ رفعه: (أنّ أمير المؤمنين (ع) سئل عن الوقوف بالجبل لِمَ لمْ يكن في الحرم؟ فقال: لأنّ الكعبة بيته والحرم بابه، فلمّا قصدوه وافدين وقفهم بالباب يتضرّعون 16.)

فَعَرَفةُ هيَ إذن محطّةٌ للتّأمل والمُراجعة والمُحسابة والتّزود مِن أجل تَنقية وَتَطهير القلوب مِن كُلّ ما عَلَقَ بها من أدران وشوائب خلال رحلة الإنسان الطويلة والتي قَد خَسِرَ فيها بعضاً من مبادئه وَقِيَمه فأمتلأت بعض النفوس بالأمراض والأوباء والفكريّة والرّوحيّة والأخلاقيّة، فَتأتي عَرَفة ليراجع فيها الحاجّ ما مضى وما عليه العمل فيما بقي، وَلِيَعقِدَ العَزم في الانطلاق واستكمال مشواره نَحوَ الله بوعي وبصيرة وثبات.

في عَرَفة يَقِف الحُجّاج متضرّعين لله ومقرّين له بالربوبيّة، والوحدانيّة، قد استغنوا عن كلّ ما سواه وجاءوه متمسكين به، مُعترفين بفضله وإحسانه وجميل كرمه وعظيم إنعامه، وأنّ القوة والإرادة والمشيئة بيده وحده، فهو وحده المُعطي والمُعز والمُتفضل ونحن جميعاً عباده المُحتاجون إليه، لا نَملِك لأنفسنا نَفعاً ولا ضَراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

وبالعودة لحديث الإمام زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) مع الشبلي ( قال (ع) له: أوقفت الوقفة بعرفة؟.. وطلعت جبل الرحمة وعرفت وادي نمرة، ودعوت الله سبحانه عند الميل والحَجّرات؟.. قال: نعم.

قال (ع): هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله سبحانه، أمر المعارف والعلوم، وعرفت قبض الله على صحيفتك، واطلاعه على سريرتك وقلبك؟.. قال: لا، قال (ع): نويت بطلوعك جبل الرحمة أن الله يرحم كل مؤمن ومؤمنة، ويتولى كل مسلم ومسلمة؟ قال: لا. قال (ع): فنويت عند النمرة أنك لا تأمر حتى تأتمر، ولا تزجر حتى تنزجر، قال: لا.قال (ع): فعندما وقفت عند العلم نويت أنها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر رب السماوات؟. قال: لا.

قال (ع): فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات.

الوقوف في مزدلفة:

وفي غروب اليوم التاسع من ذي الحَجّة الحرام يَبدأ الحجّاج بالإفاضة من عرفات باتّجاه المَشعر الحَرام ليأتوا بالواجب التالي، وهو الوقوف في المزدلفة من فجر اليوم العاشر إلى وقت طلوع الشمس.

فعن الحسين بن سعيد، عن فضالة وحمّاد، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد الله (ع): (إذا غربت الشمس فأفِضْ مع الناس، وعليك السكينة والوقار، وأفِضْ من حيث أفاض الناس، واستغفر الله إنّ الله غفور رحيم، فإذا انتهيت إلى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق فقل: (أَللَّهُمَّ ارْحَمْ مَوْقِفِي، وَزِدْ فِي عَمَلِي، وَسَلِّمْ لِي دِينِي، وَتَقَبَّلْ مَنَاسِكِي) وإيّاك والوضيف الذي يصنعه كثير من الناس، فإنّه بلغنا أنّ الحَجّ ليس بوضف الخيل ولا إيضاع الأبل، ولكن اتّقوا الله وسيروا سيراً جميلاً، ولا توطؤا ضعيفاً، ولا توطؤا مسلماً، واقتصدوا في السّير، فإنّ رسول الله (ص) كان يكفّ بناقته حتّى كان يصيب رأسه مقدم الرحل ويقول: (يا أيّها الناس عليكم بالدّعة) فسنّة رسول الله (ص) تتّبع.

قال معاوية بن عمّار: وسمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (أَللَّهُمَّ أعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ) يكرّرها حتّى أفاض الناس، قلت: الا تفيض فقد أفاض الناس؟ قال: إنّي أخاف الزّحام وأخاف أنْ أُشرك في عنت إنسان 17).

يَجتَمع الحجّاج في مزدلفة ليكونوا كتلة قوية مُوَحدة لا تَخشى ولا تَهاب عدوها بل تتهيأ في التصدي له؛ في المُزدلفة يجمع الحُجّاج أسلحتهم التي سيستخدمونها في رمي عدوهم، نعم يجمعون الحصى ليكون بذلك رمزاً وإشارةً إلى الإعداد والاستعداد لمواجهة العدوّ الأكبر، فقد وري عن الإمام الصادق (ع) أنه سُئل لِمَ الموقف بالمشعر ولم يصير بالحرم؟ ذلك فقال: (لأنّ الكعبة بيت الله والحرم حَجّابه والمشعر بابه، فلمّا أن قصده الزائرون وقفهم بالباب حتّى أذن لهم بالدخول، ثمّ وقفهم بالحَجّاب الثاني وهو مزدلفة، فلمّا نظر إلى طول تضرّعهم أمرهم بتقريب قربانهم، فلمّا قربوا قربانهم، وقضوا تفثهم، وتطهّروا من الذنوب التي كانت لهم حَجّاباً دونه، أمرهم بالزيارة على طهارة 18).

رَمي الجمار:

وَمَعَ بُزوغ الشّمس من يوم العاشر من ذي الحَجّة يَبدأ مَسير الحجّاج كأنهم جيش الله يَتَحرّك باتجاه عدوه الأعظم، ليبدؤا برمي جمرة العقبة، وهي أول الجمرات التي تُرمى في صباح يوم العيد؛ وجَمرة العَقبة هي رَمز للشيطان الذي هو العدو الذي يجب أن يُقاتل على الدوام، في كل يوم وفي كل ساعة، وأن لا يَغفَل عَنه الإنسان طَرفة عَين أبداً، قالَ الله تعالى ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ [ فاطر: 6]، فعن الإمام أبي عبد الله (ع) في رمي الجمار قال: (له بكلّ حصاة يرمي بها تحطّ عنه كبيرة موبقة 19).

فبالرمي إشارة إلى أنّ المؤمن الرسالي يَرفض دُنيا الشيطان وأن يكون على حَذَر من مكائده؛ في الرمي إعلان لرفض جبهة الباطل والانضمام لجبهة الحق؛ وأما مَن تَرَبّى وَعاش في ظلّ جبهة الشيطان فإنه لا يَرمي إلّا نَفسه ولا يُنكر إلّا عَمَلَه، فَعَلى الحاجّ أن يُطَهّر قَلبه ويُعلن صادقاً رفضه لحزب الشيطان قبل أن يَرميه، يقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): (إنّ الجمار إنّما رميت لأنّ جبرئيل حين أري إبراهيم المشاعر برز له إبليس، فأمره جبرئيل أن يرميه، فرماه بسبع حصيات، فدخل عند الجمرة الأخرى تحت الأرض فأمسك، ثمّ برز له عند الثانية فرماه بسبع حصيّات أُخر، فدخل تحت الأرض موضع الثانية، ثمّ إنّه برز له في موضع الثالثة فرماه بسبع حصيات، فدخل في موضعها 20).

حلق الرأس ونحر الهَدي:

في الحَلْق غُفرانٌ للذنوب وتَطهيرٌ للقُلوب وَتَنقيةٌ مِنَ العَلائق الذَميمة والصّفات المَشينة، إنّها إشارة إلى إدراك الصفاء الرّوحي والنظافة المعنوية والتي تُخرِجُ صاحِبها منَ الظُلمات إلى النور، وَتُمَكّنه مِن بُلوغ أعلى مَدارج القُرب الإلهي.

وأما الهَدي ففيه إمتثال لأمر الله تعالى؛ ذلك الأمر الذي لبّاه وجَسّده نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بأعلى وأجمل صُوَر الطّاعة حينَما أقدَم على ذَبح وَلَدِه إسماعيل (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) امتثالاً لأمر الباري عز وجل، قالَ الله تعالى ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴾ [الصافات: 102-108]، لذلك ففي نَحر الهَدْي إشارة ودلالة على أنّ الحاجّ لابدّ أن يكون على الدَوام مُستعداً للتّضحية والفِداء بِما يأمُرُه بِهِ البّاري عزّ وجل، وأن يَستَلهِمَ مِنْ نبيّنا إبراهيم وولده نبي الله إسماعيل الدروس في الإرادة والعزيمة والصبر والثّبات والطّاعة من أجل بلوغ ساحل مرضاة الله؛ على الحاجّ أن يَستَذكر عَظمة إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) وكيف أنّه خَلَع عن نَفسه كلّ أنواع الأنا وحبّ الذّات لِيَبلُغ به المَدى أنْ يَقدِمَ على ذَبْحِ وَلَدِه امتثالاً لأمر الله تعالى، فوجد ولده إسماعيل صابراً وهو يقول يا أبت إفعل ما تُأمر، فما كان إلّا أن تَقَبّل اللهُ منهما وفداه بذبحٍ عظيم. على الحاجّ وهو ينحر الهَديَ أن يستحضر تلك الواقعة وأن يكون مستعداً للتلبية كما لَبّى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فلقد قدّما للمسلمين درساً بليغاً في الصدقَ مع الله تعالى. إنّ على المُسلم الرّسالي أنْ يُقَدّم أوامر الله على مُرادات نَفسه وَميولِه وَنَوازعه، كما قدّم إبراهيم وأسرع دون تَردد إلى التَنفيذ مُتَخَلّياً عن كلّ عاطفة قَد تَحول بَينه وبين مَرضاة الباري، فنَجح في هذا الابتلاء العظيم، فَنالَتْه رَحمة الله، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وجعلها الله للمسلمين سُنَّة ثابتة إلى يوم القيامة؛ ليَتَزوّدوا مِنها بالدّروس والعِبَر مِن أجل أن يبلغوا بذلك مرتبة الامتثال والصّبر والثّبات لأوامر الله ولو بتقديم أعزّ ما يملكون، ولِتَكون مَرضاة الباري أعَزّ عليهم من مرضاة أنفسهم، فحينما يبلغ الحُجّاجُ هذا المستوى المعرفي والتدبّر الواعي والتأمّل المَوضوعي ويدركوا العمق الفلسفي والبلاغة والحكمة من تشريع مناسك الحَجّ عموماً وهذه الشعيرة خصوصاً، سيرجعون وهم بأعلى مقامات البصيرة، وبأرفع مَراتب التّجرد عَن القِيَم الوَضيعة ليكملوا مشوارهم نَحوَ سَماءِ القُرب الإلهي.

وفي رواية الشبلي عن مولانا زين العابدين (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يسأله:.. ثم قال (ع): وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصليت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة؟ قال: نعم.

قال (ع): فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار أنك بلغت أنك رميت عدوك إبليس، وعصيته بتمام حَجّك النفيس؟ قال: لا.

قال (ع): فعندما حلقت رأسك نويت أنك تطهّرت من الأدناس، ومن تبعة بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أمك؟ قال: لا.

قال (ع): أفعندما صلّيت في مسجد الخيف نويت أنك لا تخاف إلّا الله عزوجل وذنبك، ولا ترجو إلّا رحمة الله تعالى؟ قال: لا.

قال (ع): فعندما ذبحت هديك نويت أنك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسكت بحقيقة الورع، وأنك اتبعت سنة إبراهيم (ع) بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحانة قلبه وحاجة سنته لمن بعده، وقربه إلى الله تعالى لمن خلفه؟: قال: لا.

قال (ع): فعندما رجعت إلى مكة، وطفت طوف الإفاضة نويت أنك أفضت من رحمة الله تعالى، ورجعت إلى طاعته، وتمسكت بوده، وأديت فرائضه، وتقربت إلى الله تعالى؟ قال: لا.

قال له: زين العابدين (ع): فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا ذبحت، ولا أديت نسكك، ولا صليت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقربت، ارجع فانك لم تحَجّ، فطفق (الشبلي) يبكي على ما فرط في حَجّه، وما زال يتعلم حتى حَجّ من قابل بمعرفة ويقين.

وهنا لا بدّ من التذكير أن من أعظم الابتلاءات التي يُصاب بها الحُجّاج هو إداءهم للمناسك دون وَعي ولا تَدَبّر ولا تَعَمّق في القِيَم الرّوحية التي تَحملها تلك الأفعال والأذكار، وأما حينما يؤدّونها بوعي وتدبّر وبصيرة فإنهم بذلك يَجْنُون الثّمار التي أعدّها لله تعالى لهم، وسيرجع الحاجّ من رحلته إنسانًا يحمل فكراً وروحاً وعقيدة تَشُدّه للعمل بما أمر الله، وَتَعْصِمه عنْ كلّ ما حَرّم جلّ وعلا، وهذا هو أعظم ثمار الحجّ.

***

د. أكرم جلال كريم

.......................

المراجع

1.  وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج11، ص278.

2.  عيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق - ج2، ص90.

3.  وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج8، ص 79، الحديث1. والتهذيب - الشيخ الطوسي - ج1، 451.

4.  كنز العمال - المتقي الهندي - حديث 7272.

5.  وسائل الشيعة - الشيخ الحر العاملي - ج9، ص3.

6.  البحار - المجلسي - ج96، ص124، رقم 1.

7.  مستدرك الوسائل - الشيخ الطبرسي - ج10 / 166 / 11770.

8.  علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج 2، ص416. وعيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق - ج2، ص83، ح21. والبحار - المجلسي - ج99، ص184، ح10.

9.  علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج4، ص235. وأمالي الصدوق - 234/ 247.

10. الكافي - الشيخ الكليني - جلد 4، ص240، باب فضل النظر إلى الكعبة ح2. وثواب الأعمال - الصدوق -11/ 72.

11. الكافي - الشيخ الكليني - ج 4، ص411، ح1. والفقيه - الشيخ الصدوق - ج2، ص564، ح133. والوسائل - الشيخ الطبرسي - ج1، ص 302، ح17801. ومرآة العقول - العلامة المجلسي - 18:1/29.

12. المحاسن - الشيخ البرقي - 1:183/139. والوسائل - الشيخ الطبرسي - 13:18236/471. والبحار - العلامة المجلسي - 99:10/235.

13. علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج1، ص432، الباب 16.

14. من ‏لا يحضره ‏الفقيه - الشيخ الصدوق - ج2، ص196.

15. الكافي - الشيخ الكليني - ج4، ص 261. والنوادر - القمي: 140 / 360. والبحار - المجلسي - ج99، ص42، ح 13.

16. الكافي - الشيخ الكليني - 4:1/224. والتهذيب - الشيخ الطوسي - 5:1565/448. والوسائل - الشيخ الطبرسي - 11:14661/225.

17. التهذيب - الشيخ الطوسي - 5: 187/ 623.

18. علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج2، ص443، الباب 190.

19. الكافي - الشيخ الكليني - ج4، ص 480. والمحاسن - الشيخ البرقي - ج1، 142، 189.

20. قرب الإسناد - الشيخ البرقي - ج147، ص532. ووسائل الشيعة - الحر العاملي - ج10، ص214. والبحار - العلامة المجلسي- ج12، ص102.

في المثقف اليوم