ترجمات أدبية
بول بيكرنغ: مطبخ الأحلام
بقلم: بول بيكرنغ
ترجمة: صالح الرزوق
***
صفر مانفريد في المطبخ بينما زوجته تستلقي بجسمها الأبيض البدين على السرير الوردي في الطابق الأعلى ضمن بيت سخيف برخام أخضر مشيد على الطراز الإيطالي وعلى مقربة من غرونوولد. كان مانفريد يحب امتلاك بيت على أن يكون خلفه مباشرة الحديقة العامة. وكان يحب رؤية الأولاد يلعبون. ويحب مراقبتهم على الأرجوحة وأن يلاحظ ابتساماتهم في تلك اللحظة العابرة. السيقان تركل بسعادة، قبل أن يتراجعوا نحو القوس المثبت بالأرض بواسطة السلاسل. وكان يسعده النظر باستقامة إلى أشجار البتولا الغامضة ونرجس فصل الربيع. ولكن كان مانفريد وأولريكِ على بعد شارع منها، على بعد صف من البيوت عن الجنة، وعلى أحد الجوانب القرقعة الناجمة عن تفرعات قطار إس بهان (قطار سريع يربط المدينة بالضواحي*). وكانت توقظه كل صباح حينما تمر القطارات القذرة الملونة بالأحمر والأبيض وهي تشق طريقها من شرق برلين، لتؤدي واجبها اليومي في الغرب، ولكنها في هذه الأيام تنقل كبار المواطنين إلى غرونوولد، أو للالتقاء مع مسنين بلغوا السبعين من أعمارهم في الشرق. لكن القطارات لا توقظ أولريك. كان الصباح مشرقا. ومانفريد يصفر بصوت مرتفع. صفر بنغمة عالية جدا لكن حبسها الهواء في شاربه وجعلها تمر من بين الزوايا كما لو أنها تطير بأجنحة. في الأيام السابقة اعتاد أن يقول إنه بمقدور تلك الأجنحة أن تنقل أفكاره حيثما أراد. كانت أولريك تضحك وتبعد شعرها الصبباني المنسدل عن عينيها. وتقول له إنه صغير جدا ليكون له شارب، حتى لو سمح له بأن يحلم. كانت تضحك وتهرب من بين الأشجار، وكان يقبض عليها، ويحضن وجهها المثالي بين يديه. كان يعرف كل انحاناءاته وفتحاته. وبمرور السنوات توقف وجه أولريك عن أن يكون جميلا. كان الوجه جزءا منه، وهو يصفر في ذلك الصباح المشرق، ثم بدأ بالبكاء. سقطت دموع ما نفريد على التفاحة التي يقطعها. حينما تكون طفلا ومتفائلا تتواصل الأحلام. أحلامنا تسبقنا وتصعد إلى السماء التي تنادينا. ولكن في عمر السابعة والعشرين المخادع تخلى شباب مانفريد عنها. لم تعد أحلامه تتقافز بين الغيوم. جاء مانفريد إلى مطبخه ليحلم، بمعزل عن العالم. والآن يحلم بإغلاق أبوابه وليس فتحها. وعزاؤه الوحيد وراء باب المطبخ الخشبي الثقيل. مطبخ أحلامه. في مطبخه أحدث الأدوات التي ظهرت في الخمس سنوات الأخيرة. ومثل كل مطبخ في المدينة مطبخه معبد للغرب والسوق الحر. وأيضا تذكير لمانفريد وأولريك بيوم زفافهما. كان يضحك في حديقة بيت أمه الكائن في ووبيرتال (مدينة في ألمانيا الغربية). فقد سافرا برحلة شهر العسل إلى الكاريبي حيث هطلت أمطار حارة. قالت أولريك بعد ثلاثة أسابيع من العودة: "لم أكن أعلم أنك تحب الطهي. دعنا من العشاء ولنذهب إلى الفراش. المحاسب يطبخ السجلات (بمعنى أنه يزور ويتلاعب بها)...". صرف مانفريد نظره عنها وهي تقف عارية في عتبة الباب. ضحكت وأخبرته أن لا يتصرف كولد صغير. لماذا هو بريء لهذه الدرجة؟. ضغطت على ما بين فخذيه بيديها القويتين. قام مانفريد بمهمة الطهي. ولكنه لم يطبخ أي سجل (لم يزور في السجلات). الأحلام تأتي بالبراءة المستفزة. براءة تحمي نفسها بالرعب... من بعيد حام صقر فوق غرونوولد بحثا عن فراء رمادي متحرك أو لمحة من أنف وردي مختبئ تحت أوراق الخريف. كانت السكين في يد مانفريد. اشترى السكين من متاجر كوفهاوس دي ويستينز (متجر مشهور في أوروبا وعلامة من علامات مدينة برلين) وهو يفخر بها. والسكين مستوردة من فرنسا. القبضة سوداء وثقيلة ولها ملمس العظام. والنصل حاد ويمكنك أن تشطر به الشعرة إلى شطرين. وحينما يطبخ يخرج سكينه دوما من غمدها البلاستيكي والمطاطي، ويرتدي مريوله. المريول أزرق وأبيض، وقد نقعه مانفريد بالنشاء، وحافظ على نظافته، وكان يعلقه وراء باب ثقيل. والباب من السنديان القديم ومصدره مزرعة أم مانفريد. لكن بقية بيت مانفريد وأولريك على الطراز الحديث المجهز بسجاد بيج سميك وكروم عازل. كان البيت مثل رجل بريء في محفل سياسي. تأمل مانفريد صورته المطبوعة على نوافذ المطبخ. رأى نفسه يضع في يديه قفازات مطاطية سوداء. القفازات سميكة وثقيلة ومن النوع الذي يستعمله الصيادون في البحر القطبي البارد ليفرغوا بها صيدهم. وقد حصل على القفازات من صديقه. وأحب مانفريد استعمالها في المطبخ. قالت له أولريك في إحدى الليالي وهي تدخل إلى المطبخ: "تبدو مثل قس عالي المقام في المعبد. وتبدو كأنه عليك أن تضحي بهذه الحيوانات المسكينة والصغيرة".
انزلق طرف الكعب العالي على رخام أرض المطبخ الأبيض والأسود. كانت في الخارج تسلي الزبائن في مطعم صاخب في كيودام (زقاق مشهور في برلين. اسمه الكامل كورفوريستندام). عملت في شركة مرسيدس وبدأت تحسن من ملبسها. وأفرطت باستعمال المكياج وأكثرت من إضافة الكحل إلى رموش عينيها قبل الخروج ليلا. من قبل لم تكن تفضل الكعب العالي، وحاليا تقول إن الشباب يتوقعون هذا الزي. وأصبحت تنورتها أقصر. وارتدت الجوارب بدل السروال الضيق قائلة: "هل يضر إذا كسبت بعض العملاء؟ لن يستغرق ذلك غير وقت قصير يا عزيزي. ويمكننا توفير النقود ثم نباشر تجارة خاصة بنا. وسترى. لا تقلق. لم يلمسني أي منهم بأصبعه...". وفي تلك الأمسيات حين تقبله سيلاحظ أن نفسها مشبع بالنبيذ الغازي الحلو. وسرعان ما أصبح كعب أولريك عاليا مثل توقعاتها. أصبحت ثيابها أغلى. وقالت: أصبح لديها حساب في الشركة. وأكدت اللصاقات الموجودة على بذاتها السود الأنيقة أنها من باريس. وقد مكثت ليلة في دسلدورف. وسرعان ما بدأت بإحضار شركاء العمل إلى البيت، وكان مانفريد يطبخ بينما أولريك تجري مكالماتها الرقيقة، وهي تضع شفتيها الحمراوين أمام ضوء الشموع. وفي إحدى المرات أحضر مانفريد طبقا من الدجاج مع الكمأة - الترجمة الفرنسية الحرفية للاسم هو دجاج في نصف الطريق للعزاء - ولكنه لم يتعرف على أولريك. ولم يدعم إيمانه بتلك المرأة غير عظام وجنتيها تلك وذلك الوجه بالشعر الصبياني المنسدل، وبالطبع، تلك الطاقة والعزيمة في صوتها المرتعش، وقد ساعدته تلك العلامات للتعرف على زوجته في هذه المرأة ذات الثوب الأسود والمخمورة قليلا. قالت له: "آه يا مانفريد. تبدو مضحكا بمريولك. ألا يبدو مضحكا بمريوله؟ وذلك الشارب... شارب لرجل بني الشعر، ما هذا؟". ضحكت صديقتها، وتراجع مانفريد إلى المطبخ. مطبخ حلمه. في البداية كانت أحلامه جيدة جدا. كان يصنع كريم الكراميل بالتوت (كعكة من الكاستير المغطاة بسائل الكراميل)، وكان السائل ينساب على أصابعه. وفكر بلون عيني أولريك الأزرق. كانت عيناها تقريبا زرقاوين جدا. كانت أمها طبيبة، وجعلت البنت الصغيرة تضع عدسات في أول ثلاثين يوما من حياتها. قالت: بتلك الطريقة، لم تبدل العينان لونهما. ولم تصبحا بنيتين باهتتين، لون معاطف المتسولين. كانت أولريك تكره أمها، وتوفي أبوها في السجن. وذكرتها عيناها الزرقاوان بالجدل اللامتناهي مع أمها. بالنسبة لمانفريد كانت عيناها الزرقاوان تتبدلان إلى طيرين أزرقين، وكان يود الطيران مع أولريك فوق برلين حتى يبلغا الغابة المسحورة حيث كل البيوت مصنوعة من حلوى المرزبان (لوز وسكر)، وحيث النساء اللطيفات كبيرات السن تشوين الجبنة بشوكات طويلة وتصنعن شراب الشوكولا. ولكن كن جميعا مفتونات بجمال أولريك. حتى حيوانات الغابة البرية. جرحت السكين أصبعه. فاستيقظ مانفريد من حلمه. قال شخص ببذة رمادية وتفوح منه رائحة عطر الحلاقة نفسها: "ماذا تعمل الآن يا مانفريد؟. أنت لا تنفق كل وقتك بالطبخ. أليس كذلك؟. لا أظن أنه يشغل وقته بالطهي يا أولريك؟. أنت لا تحتفظين بالرجل المسكين مغلولا بالسلاسل في المطبخ؟. هل تسيئين معاملته يا أولريك".
ضحكوا جميعا. ولم تكن ضحكاتهم لطيفة. الصوت لم يكن بريئا ومرحا كما هو في أكواخ المرزبان داخل الغابة المسحورة. تصور مانفريد أوراق الأشجار العملاقة وهو يقطف البقدونس.
قالت له: "هو محاسب".
"محاسب في أي شركة؟".
"في مجمع الكيمياء القديم...".
قال مانفريد دفاعا عن النفس: "يصنعون فيه المواد الطبية". وضع الطبق من يده على طاولة بزجاج مدخن. كانت في يده سكين. ويداه بقفازين مطاطيين سميكين.
قال له:"ربما بمقدورك معاونتنا يا مانفريد؟".
"ربما ننتفع منه بشيء ما؟".
"أعتقد ذلك...؟".
نظرت أولريك إليه متسائلة. وكانت على وشك أن تغادر عملها بسيارة الشركة. أرادت أن تبدأ عملها الخاص. وهو ذو علاقة بهؤلاء الرجال أصحاب البذات السود والذين تلمع عيونهم حينما يرمقونها. ولكنهم لم يحضروا زوجاتهم معهم أبدا. تجادل مانفريد مع أولريك. فكسرت كوبا وأقسمت أن لا تنفق حياتها في ذلك البيت الصغير قرب غرونوولد وبجوار قعقعة خط إس بهان. حيث صوت الانحدار والهبوط. أغنية الشرق البائس. كان بوده أن يخدمها، وارتاح للفكرة قليلا. سيطبخ لها. كان مانفريد يطبخ معظم الأوقات. ولكنه لم يطبخ الكتب أبدا. كان لسانها يدور ببطء في فمها مثل عقرب الساعة. تقترب أولريك على أطراف أناملها. تتعرى. وتشعر بمرور الهواء بين ساقيها وعلى يديها. كانت ساقاها متينتين. وكان مستعدا لأداء أي خدمة لأجلها. فهي لا تنتمي للرجال أصحاب البذة... ولكنها تنتمي له. ما فائدة النقود لعصفورين أزرقين؟. حينما قابلوها أول مرة ازدرت النقود. كانت تزدري الأشياء. واجهت معه الأمريكيين، ووقفت ضد الفساد في الحكومة المحلية وضد القوة النووية. لمست وجهه ونظرت بعمق عينيه. قال لها: "سيكون المستقبل مختلفا وسترين ذلك". وها هو يرى الآن. شاهدها تفك جوربها من المشد. المستقبل مختلف أكثر مما يمكن لمانفريد، حبيبها الجميل، أن يتخيل. كانا في السابق نباتيين. التزم بالحمية النباتية قبلها بعام، وبعد قيامه بزيارة مع صديق مزارع إلى مسلخ. كان مانفريد على علم ببعض الوصفات النباتية وكان يشغل نفسه بالطبخ طيلة وقته. وسمحت له أولريك بذلك.
قالت: "أود لو تنتظرني. أود لو ينتظرني رجل عطوف ولطيف". وخططا للحياة في الريف. والآن لا تظهر قدراتها قبل منتصف الليل.
"أحبك يا أولريك...".
ولكن مؤخرا باشر بشراء اللحم الطازج. وأحب مانفريد تقطيع اللحم الأحمر بسكين مشحوذة مصنوعة خصيصا للطهاة الفرنسيين. كم يحب التقطيع الدقيق. وأحب ملمس الفولاذ الصلب وهو يخدش لوح خشب السنديان تحته. اشترى أرنبا وسلخه بنفسه، ارتدى القفاز المطاطي والمريول حينما كانت أولريك في دسلدورف برحلة عمل. بادله الرأس النظر من المغسلة. وشعر بفراء أذني المخلوق الناعم. وكان بإمكانه شم رائحة الفجر في منخريه ومشاركته طعم العشب بين أسنانه البيض الحادة. رغب مانفريد أن يحلم بعودة الأرنب إلى الحياة.
"أحبك يا أولريك. كم أحبك".
حينما قطع اللحم كان فارسا أبيض نقيا، يمتطي فرسه ويتقدم جيشا رماديا خياليا قوامه مواكب من الرجال الزاحفة. دق الأقدام، بالتزامن، يمكن سماعه من مدينة إلى مدينة تليها في هواء راكد تعلق فوق السهل الألماني. غلبته رائحة الدم والنار. ومرارا أراد أن يقذف شريحة لحم نيء في فمه كأنها حبة سكاكر. أشكال شركاء أولريك الرقيقة كانت تعصف أمامه مثل النحل ثم تسقط، الكثير من قطرات الدم. كان عليه أن يمتطي فرسه. وأن يحميها. وحينما بادلته النظر، لم تتجاوز أحلامه المطبخ. لعقت شفتيه بعد طهي الشرائح لأجلها في تلك الليلة.
"أنت تفعل كل شيء من أجلي. أليس كذلك يا مانفريد؟".
"أي شيء يا عزيزتي...".
"هل يمكن أن تأتي لي بهذا؟. أعلم أنهم يصنعونه في شركتك. أحد العملاء لدينا... لديه عيادة. ويحتاج للدواء. وهو مخدر، كما أظن. لكن الحكومة متشددة جدا تجاه هذه الأشياء. وهو غير مسجل في الرخصة الطبية. كما ترى".
كان مانفريد طباخا. ولكنه لا يستطيع التزوير. ولم يزور حتى يوم تهيئة البيانات. أشار إلى زجاجات سود على أحد الرفوف.
"ما هذه؟".
"يا إلهي يا مانفريد. هل تعلم أنك سألت سؤالا عن عقاقيري؟. هذه أول مرة في أربع سنوات. علينا أن نحتفل".
ابتسم مانفريد والصيدلي. لعبا معا في عطلة الأسبوع ضمن فريق كرة القدم قبل أن تنجب زوجة الصيدلي طفلا. أراد مانفريد من أولريك أن تنجب ولدا. سيحمل الطفل إلى غرونوولد، ليلعب بالأرجوحة.
"بجدية. ما هي؟".
"بلا مزاح؟".
"نوع من أنواع المخدر؟".
ضحك الصيدلي.
"آه، لن تشعر بأي شيء إن تناولت جرعة من ذلك. التأثير مثل جرعة مفرطة من الإنسولين. ستدخل في غيبوبة. نشاط البدن يتابع دورته. والمركب يتكون أصلا من سم يستعمله دبور المؤونة Laeder Wasp ليشل به عناكب الرتيلاء tarantula spider ليسهل على صغاره افتراسها... شيء مرعب فعلا".
"ولكن لأي غاية تستعمله؟".
"حسنا، صدق أو لا تصدق، يجربونه بكميات قليلة جدا من أجل أمراض القلب... والحقيقة يا مانفريد أنا لا أعلم...".
"لا يمكن شراؤه؟".
"لماذا يود أي إنسان شراء سم الرتيلاء؟. هيا يا مانفريد. دعنا نتابع حياتنا". كان مانفريد يطبخ، لكنه لم يطبخ السجلات. على الأقل ليس حتى ذلك اليوم الذي حمل فيه زجاجتين قديمتين سوداوين ومعهما فواتير وسجلات كومبيوتر. كان خزان السموم في الشركة الكيميائية واسعا. وبنيا في الحرب الأخيرة. هنا تمت صناعة بلورات زيكلون بي، والغاز الذي استعملوه ضد اليهود. ثماني عبوات في الشركة كانت في الطرف الآخر من الخزان. عرضها العمال المستجدون كما لو أنها من الأعاجيب. كانت الزجاجتان في جيبه وهو يبحث عن دبور المؤونة في المكتبة الأمريكية. جعلته الحقيقة يرتجف. قالت أولريك المتحمسة في تلك الليلة: "هذا بول يا مانفريد. هو رئيس مجموعتتا الصغيرة. أنا متأكدة أنه لديك الكثير من الكلام". كانت ليلتها جميلة جدا. وقد شعر بالغيرة. صافح مانفريد اليد الصغيرة وتمنى فورا تقريبا لو أنه يرتدي القفازات السود السميكة التي يستعملها في المطبخ. كانت اليد طرية وباردة. كان للرجل وجه أبيض وديع ورأس أصلع تماما. ولكن كانت عيناه تبرقان بحماس فولاذي. وهو يرتدي ثيابا رسمية أكثر من ثياب مدير مصرف. ومع ذلك لا يمكن لأحد مقابلة تلك العينين وإنكار أن ذلك الرجل قائد. وقد أرعبت العينان مانفريد. شاهدت أولريك مانفريد يعبس فقبلته قبلة خفيفة على خده. كانت لها رائحة عطر غالي الثمن.
قال بول بنغمة جازمة: "أنا بعلاقة عمل مع زوجتك". وكان يحمل سيجارة بلقان سوبراني (سجائر جاءت إلى لندن من شرق أوروبا. سوبراني كلمة روسية تعني الجماعة) كما لو أنها سهم.
"شكرا للمعروف الذي أديته لنا". ولفت أولريك بذراعها مانفريد.
سأل: "لماذا تريدها؟".
قال بول: "آه. هذا سر. نحن الأطباء نحب أن نخفي أوراق اللعب بصدورنا".
لاحقا سأل مانفريد أولريك: "ما اختصاصه الطبي؟".
"لا تكن مملا يا عزيزي. دعنا نمتع أنفسنا.. يا عزيزي قد أسافر مع بول بمهمة عمل إلى فرنسا. لا أظن أنك تمانع. أليس كذلك؟".
وحينما كانت بعيدة في فرنسا قرأ مانفريد قصصا عن زرع الخلايا. وكانت التفاصيل منشورة في بيلد زيتونغ (جريدة ألمانية) وهي عن تخدير أولاد صغار من الغجر لدرجة اقتربوا بها من مفارقة الحياة، ثم تم إلقاؤهم أمام أبواب المستشفى بدون كلية. استعمل الخاطفون عقارا نادرا لإنهاك فريستهم. وهو مركب مشابه لسم بعض الحشرات. طبخ مانفريد. ولكنه طبخ السجلات (تلاعب بها) مرة واحدة. كان يعتقد أنه فارس بريء على ظهر حصانه، ومعه سيف وامض. وكان يخسر أولريك. لدى عودتها من فرنسا علم أنها تبتعد عنه. كان يلاحظ كيف تلامس كوع جاكيت بول المصنوع من التويد. نسي كل مخاوفه... عن مقالة البيلد زيتونغ. كان بول مزمعا على السفر برحلة إلى تركيا.
قال له:"أريد من زوجتك الجميلة أن تبدل تسريحة شعرها. حينما أعود سأقنعها بتصفيفه على شكل جدائل ملفوفة. سيبدو أفضل كثيرا لو أنه أجعد. ألا تعتقد ذلك يا مانفريد..؟".
لم يكن في هذه الأيام يفعل أي شيء في المطبخ غير التفكير. التفكير والحلم. ولكنه لم يعد قادرا على أن يحلم بأولريك بعد الآن. لم تعد عيناها تتحولان إلى عصفورين أزرقين. فقد امتلكها شخص آخر. "آه يا مانفريد كل شيء ينحو نحو الاكتمال. وسريعا سيكون لدينا نقود تكفي لنغادر هذا البيت الصغير البائس. وربما نستطيع الانتقال إلى دسلدورف..".
"طالما أردت بيتا في الشارع المجاور قرب باحة ألعاب الأطفال".
"آه. لا يا عزيزي. لماذا كل هذه البراءة ولدينا خبرة أعمق. لم أفكر يوما بالثراء يا عزيزي. وكل ما نحتاجه القليل من الجسارة. يا عزيزي أنت لا تأكل وجبة السلمون المتاحة. وتكلف نفسك الكثير من المتاعب".
لكنها في اليوم التالي سقطت بغيبوبة. اتصل بطبيب العائلة فنقلها الرجل إلى المستشفى. أجروا لها الفحوص ولم يجدوا شيئا. ولم يفهموا لماذا لا تحتاج للتنفس الصناعي. سأل مانفريد إذا كان بمقدورها العودة إلى البيت فسمحوا لها. كانت الممرضة تزورها يوميا. اتصل بول ولم يخبره مانفريد عن الغيبوبة. لم يعاود بول الاتصال. فقد كان بعيدا في رحلة أخرى. وبعد أسبوعين بدأت أولريك تنزف تحت الجلد. كانا أسبوعين مجيدين. جلس مانفريد ينظر لجسمها العاري، ويحلم بالوقت الذي أمضياه معا. وكان بإمكانه أن يفتح جفنيها حتى يشبع من عينيها الزرقاوين. أمكن لمانفريد وأولريك أن يكونا عصفورين أزرقين ثانية. ولكن لم يستمر ذلك إلى الأبد. طبخ مانفريد وطبخ السجلات مرة واحدة وتوجب عليه دفع الثمن لقاء كل شيء. وقد أخبرته أمه بذلك. كانت أولريك تتنفس. أنفاسا عميقة لطفل نائم. ثم جاءت في ذهنه الفكرة. فيما مضى كان التقليد في وقت الكرنفال يقضي أن تصنع أقنعة مزيفة من قشرة معجنات حلوة قصيرة. وتكون الأقنعة وجه فطائر فواكه صغيرة يأكلها المحتفلون حينما يعودون إلى البيت من الحفلات. والعاشق يأكل قناعا على شكل محبوبته. طبخ مانفريد. ولكنه في هذه المرة لن يطبخ السجلات. مزج السكر مع الزبدة والطحين وبسطه على لوح من الخشب. اليوم لم يحلم. ارتدى قفازه الأسود، وصنع شكل قلب من العجين بواسطة سكين ذات قبضة سوداء، مصنوعة في باريس. حمل مانفريد العجينة أمامه وهو يصعد على الدرج ببطء. لآخر مرة نظر إلى الوجه الجميل. رأى هنا خطوطا تبدو ناعمة في الجامعة. ولكن الآن لن تكبر. في إحدى المرات توسلت إليه ليقتلها إذا غدرت بالقيم والمثل. وقدمت له برعم وردة. وهو منحها زهرة ليلك. بهدوء غطى الوجه بالعجين وسقطت دمعة وهو يتمسك بالعجين فوق الأنف والفم. تمسك بالعجين حتى خمدت الأنفاس. ارتجف جفنا أولريك وهي تموت. بالنسبة لمانفريد هذا يعني أن العصفورين الأزرقين يطيران بحرية. لن تكون بعد الآن تحت رحمة الرجال الذين يدخنون الشيروت السويسري (سيجار بدون فلتر)، وتنبعث منهم رائحة عطر الحلاقة نفسه الذي اشترياه من السوق الحرة في المطارات الدولية. ستكون له ثانية. سيكون بمقدورهما الحلم حتى الأبد. خارج نافذة المطبخ شاهد صقرا يحوم ثم يبتعد فوق غرونوولد. غيوم بيض كالصوف اندفعت نحو الأعلى. أغلق باب السنديان المتين خلفه بعد أن وضع قناع العجين بحذر على قشرة الموبيليا. كان قد جهز العجينة قبل يومين وطبخها بدون عينين في فرن حار، ووضع عليها البقوليات كي لا تنتفخ. والآن قلبها مع التوت. أصبح طعمها طازجا. ذكرته بعينيها. كانت حلوة المذاق كشفتيها. وكانت تسبقه على طول زقاق كورفيرستيندام (شارع معروف في برلين) وهي تضحك. المستقبل بين أيدبهما. ببطء انتزع فلينة السم. مقدار ملعقة يتسبب بالشلل. سكب باقي الزجاجة على الفطيرة. طبخ ما نفريد. ولكنه في هذه المرة لم يزمع على طهي السجلات. لبعض الوقت اضطرب من العمل الشرير برفقة أولاد الغجر ثم محا من ذهنه الرؤية المخزية. فكر بالعصافير الزرق فقط. كانت الفطيرة في الفرن. حسب الدقائق بساعة الفرن. بقي لديه وقت لترتيب وثائقهما. سيترك بطاقتي التطوع بالأعضاء للشرطة. وسبق لمانفريد أن أرسل رسالة يخبرهم فيها ماذا سوف يفعل. شعر ببالغ الهدوء. أخيرا الفطيرة جاهزة. حقق بها النجاح. يمكنه رؤية ملامحها بها كاملة. كان مانفريد مهتما بالعينين خشية أن ينقصهما التفاصيل. كان خداها بمحلهما. وكل ما ينقص خصلة صبيانية من الشعر. كان أكل الفطيرة تدنيسا لها تقريبا. ولكنه أكلها. ومع كل لقمة حلوة رأى وجهها. شاهد وجهها وتذوق المرارة مع طعم التوت. وبعد أن انتهى من آخر لقمة رن الهاتف.
"آه أنت مانفريد. معك بول".
"اعتقدت أنك لا تزال مسافرا...".
شعر مانفريد بتوتر في قفا يده. وضع السكين الثقيلة على طاولة الهاتف وتخلص من أحد القفازين، وهو يقبض على السماعة تحت ذقنه. لسعته شفتاه. كأنه طفل ويجرب لأول مرة المثلجات الأمريكية. كان بول متحمسا.
قال: "توقعت أنني أول من سيخبرك".
"عن زراعة الخلايا؟".
لم يكن هناك هدف من الكتمان.
"أي زراعة خلايا؟ لا. أردت أن أكون أول من يبلغ أولريك عن نجاح مشروعنا. هل هي معك؟ الكيميائيات التي حصلت عليها. هل تتذكر..؟. وجدنا شفاء للصلع. لا تخبر أحدا أن السم هو أحد المكونات. بكميات صغيرة وآمنة، انتبه. الأمر لا يهم بالنهاية. الشخص الوحيد الذي بعرف كامل الصيغة هو أولريك. وهي في رأسها الصغير والجميل. يا لها من بنت ذكية. شعري ينمو. ولا أحتاج لزراعة شعر. فهو ينمو حقا. وسنكون جميعا أثرياء... يمكنك أن تطبخ الآن ما تريد يا مانفريد. ويمكنك أن تشتري أشياء أكبر من أحلامك الواسعة. لدينا قناعة أن الصيغة جيدة ولكننا بحاجة لتجارب في تركيا... سنصبح أغنياء...".
في تلك اللحظة أدرك مانفريد أنه يريد أولريك فقط. وستغفر له. هو يعلم أنها ستغفر له. وأنه أنقذها. لم يسمع بول وهو يتكلم حينما سقط على الأرض. مانفريد وأولريك الآن عصفورين أزرقين يحلقان عاليا فوق برلين، في حدود الغابة المسحورة، وفي سبيل كل وصفة لأطعمة مطبخ الأحلام.
***
.......................
* كل ملاحظة وردت بين قوسين هي للمترجم. ولشرح بعض المفردات غير الشائعة. والترجمة عن مجلة وينترز تيل - حكايات الشتاء. عدد 5. ص149-162.
* بول بيكرنغ Paul Pickering روائي ومسرحي بريطاني. تلقى تعليمه في ليستر. كان كاتب عمود في التايمز، والصنداي تايمز، ولندن إيفننغ ستاندارد، وبانش. يعمل بالصحافة الدولية. من أهم أعماله الروائية: الغابة تحيط بهاري 1985، بوابة بابل الزرقاء 1989، الفيل 2021، ومن مسرحياته: العودة إلى البيت 2019، وغيرها...







