أقلام ثقافية

ضياء نافع: دردشة عفوية عن التشيخوفية

...... وقالت نتاشا (وهو اسم الدلع طبعا، اذ انها نتاليا) - ليس عبثا عدم وجود مفردة تشيخوفيزم (اسم تشيخوف + لاحقة ... يزم) باللغة الروسية، (اي التشيخوفية)، وانما توجد فقط بالروسية كلمة (تشيخوفيانا)، وتعني الدراسات والآراء المختلفة عن حياة تشيخوف وابداعه، فعلّق فانيا (وهو ايضا اسم الدلع، اذ انه ايفان) معترضا على ذلك و بنبرة احتجاج واضحة - ولكن لا توجد بالروسية ايضا مفردات مثل – بوشكينيزم، او تولستويزم، او دستويفسكيزم ...الخ، ومع ذلك فانني لم أجد في الادب الروسي، ولا في الادب العالمي حسب اطلاعي، على شئ يشبه او يوازي او حتى يقترب من قصة تشيخوف (السيدة ذات الكلب الصغير)، فهناك قال لنا تشيخوف بشكل بسيط ومقنع ورائع حقيقة هائلة في الحياة الانسانية تكمن في ان الحب المتأخّر للانسان هو الحب الحقيقي، رغم انه الحب المستحيل، وانا غالبا ما اعيد قراءة نهاية تلك القصة، التي تلخّص تلك الحقيقة الحياتية وتؤكّد عليها، وأظن، انها واحدة من خصائص التشيخوفية كظاهرة ادبية، اي انه يحدد لنا حقائق موجودة في مسيرة حياتنا دون ان يلاحظها الانسان، او – ببساطة - لا يريد ان يراها او الاعتراف بها، رغم انها موجودة . انتبه الحاضرون الى هذا النقاش الفكري والذي انبثق بشكل عفوي بينهما، وانقسموا الى فريقين تقريبا، الاول يؤيد نتاشا، والثاني يؤيد فانيا، وكان هناك بعض الصامتين (وربما هم الاكثرية !!!)، ولكنهم كانوا يتابعون بدقة وامعان وانتباه شديد ذلك النقاش الفكري حول تشيخوف، الذي بدأ في لقاء (ما تبقى على قيد الحياة !!!) من خريجي كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، اللقاء النادر جدا جدا، والذي ننتظره دائما بشغف كبير، لأنه يعيدنا الى حلاوة ذكرياتنا عندما كنّا طلبة شباب في كليتنا الحبيبة قبل اكثر من نصف قرن من الزمان .

صمتنا جميعا بعد تعليق فانيا، وهو صمت ضروري طبعا للتفكير والتأمّل وتحديد موقف واضح ومحدد تجاه هذا النقاش الغريب والطريف جدا بين زميلتنا نتاشا وزميلنا فانيا حول التشيخوفيزم، او التشيخوفية، وخرقت فيرا اخيرا هذا الصمت وقالت – أما أنا، فاعيد دائما قراءة قصص تشيخوف القصيرة، اذ انني بحاجة ماسة في حياتي الصعبة و المعقّدة الى الضحك، او في الاقل، الى الابتسامة، وقصص تشيخوف تلك تمنحني ذلك، اي انها (الدواء!!!) بالنسبة لي، هذا اولا، وثانيا، لأني أجد فيها عبقرية تشيخوف الشاب، العبقرية العفوية والنقيّة والخالية من اي تعقيد وتقعير، عبقرية طبيعية ونظيفة جدا وتنساب بهدوء وسكينة وتتغلغل رأسا في اعماق الروح، اذ انه كتب تلك القصص بسرعة ودقّة ودون اي (مكياج!!!) عندما كان شابا يافعا، وطالبا مشغولا بدراسة الطب صباحا . أجابت نتاشا معلّقة على هذا الكلام – لم أقل أنا شيئا يتناقض مع ما ذكرتما من كلمات عن تشيخوف، بل، اني اؤيد ذلك، وانا ايضا اطالع نتاجاته دائما ومعجبة بها مثلكم، ولكن هذا لا يعني بتاتا، ان هناك ظاهرة متكاملة في علم الادب يمكن ان نسميّها التشيخوفية في الادب الروسي والعالمي، فطرح فانيا عليها رأسا سؤالا (صارما وحادّا!)، وهو – وماذا يمكن ان نسميها في رأيك ؟ فابتسمت نتاشا وقالت – فانجكا، نحن في جلسة سمر لنستعيد ذكرياتنا الجميلة، وليس هدفنا الان صياغة دقيقة لمصطلحات علم الادب كما كنّا نفعل ايام الدراسة في الكليّة، فضحكنا جميعا تأييدا لها، ولكن فانيا قال وبنفس النبرة الغاضبة – ان تهربك من الجواب ذكي جدا يا نتاشا، ولكن التهرب بشكل عام يعني انك لا تعرفين الاجابة الدقيقة عن سؤالي . قال ساشا – فانيا، لا ضرورة لاطلاق مثل هذه الاحكام المتوترة، نحن ندردش ليس الا، وقد نختلف وقد نتفق في دردشتنا، وهذا أمر طبيعي جدا، ولو كان تشيخوف حاضرا معنا الان لما سمح لك ان تتصرف هكذا، اذ ان تشيخوف نفسه كان وديعا و مسالما جدا، ويتجنب بالذات التصادمات الفكرية مع الآخرين، فضحكنا مرة اخرى، وقال اليوشا وهو يضحك - فكرة رائعة يا ساشا، اذ يجب دعوة تشيخوف في اللقاء القادم والاستفسار منه مباشرة حول التشيخوفية، فهو الذي سيحسم الموضوع، فعلّقت فيرا قائلة – لقد قال لنا تشيخوف في رسائله الى اصدقائه ماذا تعني التشيخوفية، ولعل اهم عناصرها يكمن في الايجاز، الا تتذكرون جملته التي اصبحت مثلا معروفا في روسيا، وهي – الايجاز شقيق العبقرية ؟ فتعالت الاصوات من هنا وهناك تأييدا لفيرا، وقال اليوشا – نعم، نعم، هذا صحيح جدا، فالاطناب بالكلام والكتابة ظاهرة مملّة فعلا للمستمع والقارئ، خصوصا، وان عصرنا هذا باحداثه المتلاحقة السريعة لم يعد ملائما ابدا للاطناب، واريد ان اضيف، ان تشيخوف قال مرة في احدى رسائله لاديبة ناشئة – احذفي نصف القصة، وجاءت التعليقات من هنا وهناك مثل امواج البحر المتلاطمة، فهذا يصرخ – لا تنسوا اسلوب البساطة والوضوح والشفافية، وذاك يضيف – والكتابة عن المواضيع الانسانية الخالدة دون كلمات طنانة ورنانة، وثالث يقول – ولهذا فان الانسانية تتقبّله لحد اليوم، فصاحت نتاشا وهي تضحك مقهقهة – انا معكم ايها الزملاء الاعزاء، انا معكم فعلا وقولا، ودعونا نعود الى طبيعة جلسة السمر هذه، الجلسة النادرة واللذيذة، فتشيخوف يوحدنا ولا يفرقنا.......

***

أ. د. ضياء نافع

في المثقف اليوم