أقلام فكرية

الدين في حدود العالم الافتراضي (2)

سامي عبد العالثمة علاقةٌ ضمنيةٌ بين الميتافيزيقا والعالم الافتراضي غدت أكثر وضوحاً من أي وقتٍ سابقٍ. ليس على قاعدة المعنى، فقد يتضمن كلُّ ما هو ميتافيزيقي (كمعْقل للأديان) نوعاً من الافتراض، ولكن أيضاً لا يعدُّ كل ما هو افتراضي ميتافيزيقياً بالضرورةِ. ومن جهة أخرى يعد الافتراضي أكثر مرونة من قضايا الميتافيزيقا الصلبة والتقليدية. وهذا ما تؤكده (آفاق الأديان) بفحواها (كإيمان حر) عندما تلتقي مع عوالم الوسائط والبيئات الافتراضية. إن الجوانب الدينية المنفتحة والحرة تجد دوماً (أصداءً ثريةً) بين المتفاعلين على صفحات التواصل والميتافيرس، أي ستُخرج ما في عقولهم بكل قوة متخيلةٍ وفائضةٍ عن الحد.

ومن النادر أنْ تطّلع (أنت أو غيرك) على جوانب الأديان عبر العالم الافتراضي دون أنْ تجد (حواراً أو نقاشاً) مفتوحاً إلى أقصى مدى. يجري ذلك على كافة المسائل التاريخية والراهنة بين (وداخل) الأديان على السواء. ولن يُغلق مثل هذا الباب في القريب العاجل، بل سيظل حواراً أو نقاشاً لم تُقَل فيه الكلمة الأخيرة بعد، ولن يقف عند أناسٍ بعينهم إنما يقتضي مشاركة (أعضاء المجتمع الكوني)، حتى كلِّ من ليس معنيَّاً بالأمر.

حُضُورالافتراضي

لعلَّ أبرز ما يُميز الواقع الافتراضي هذا الحضور الفاعل للآخرين، ذلك بخلاف التصورات المؤدلّجة في أغلب الأديان عن المغاير المستبعد دوماً. وهي تصورات تجعله منبوذاً ومرمياً خارج الإعتقاد، لأنَّ الخطاب التقليدي (السلفي) لا يعترف به، لا يُعرْه أيَّ اهتمام يذكر إلاَّ باعتباره موضوعاً لحُكم فقهي أو شخصاً مقولاً ضمن عبارة ثقافية ما. ففي ذهنيات الإسلام السياسي كانت أفعال وعقائد أصحاب الأديان الأخرى خارج نطاق المعرفة. حتى أنَّ مفهوم الفتنة لا يقتصر على فتنة النساء والمال ورغد العيش والحياة(الدنيا)، بل كانت هناك كما عند الحنابلة (فتنة الاختلاط) بأصحاب الأديان والتوجُس من اتباعها[1]. وهذا البعد الثالث سيسقط أرضاً بضربة واحدة، لأنَّ الفضاء التواصلي يشترط وجود كل أفراد الإنسانية في صميم العلاقات الحوارية المتخيلة imagined dialogical.

لم يكن تصنيف الآخرين بحسب الخطاب الديني لدى الجماعات الاسلامية سوى أُناس يدخلون تحت عناوين الأعاجم، وتحت عمليات الغزو والفتوحات، وبين أهل الأمصار القريبة و البعيدة، ودار الحرب ودار السلام. وحتى الآخر القريب في الدين نفسه يرتبط بسلطة الحاكم والجماعة وبالجهاد وأحكام الردة[2]. بينما من خلال الوسائط الإلكترونية يعتبر الآخر حاضراً كندٍّ، كمناقش، كمحاور، كمشارك دائم وكفاعل مؤثر في حياتنا الكونية. وهذا نوع إنساني مختلف من" الآخر الكونيcosmic other " لم يعهده الإسلاميون ولا السلفيون، بل استطاعت التكنولوجيا الرقمية إقناع أصحاب (المركزية الميتافيزيقية) أنهم مجرد لمسات ضوئية وعمليات فنية. وأنَّ ذواتهم في أوقات معينة هي محض أيقونات معجبة أو باسمة أو دامعة أو غاضبة أو داعمة للآراء (علامات الإيموجيemoji signs). وبالتالي، فإنَّ الذات المبني كعقدة انطولوجية لا هوتية بين الحياة والموت ليس ذاتاً، لأنَّ الافتراضي التواصلي سيشكل كلَّ ما ينتمي إليه. ومن ثم فإن ما يجرى على وجوده المتلاشي، سيجري بالمثل على هويته، لدرجة أنَّ حواراً بين المعتقدات هو حوار في بناء ما هو مختلِّف بالمثل.

ولنلاحظ أنَّه إذا كانت الهوية كقاعدة أسياسية غيرَ محددةٍ، فالاعتقاد قابل للتشكُّل وفقاً لبنية الحوار والتواصل بين المعتقدات والآراء لا خارجهما. لأن الاختلافات الثرية هي أساس الموقف بامتياز، وتسهم في تكوين الوعي إلى درجةٍعميقةٍ. بحيث ينظر المُحاور الديني في هذه الأثناء إلى: ماذا سيقتنع، وبماذا سيؤمن، وكيف سيظهر، وبأية صورة سيكون بالنسبة لغيره؟ ولعلنا نرى أنَّ أكبر ما يحدث هو اليقين بأنَّ الآخر بكل تنوعه ومعتقداته يعد جزءاً ضرورياً مما نفكر ونعتقد. على الأقل ما لم نؤمن بما يؤمن علينا أنْ نؤكد باختلافه المستقل فيما يتصور. وكلُّ لاهوت اعتقادي مغلق لا يفكر في الافتراضي أصلاً، بل قد لا يتطلع لملاقاته من الأساس، لأنه يؤمن بوجود ديانته كعقيدة أيديولوجية رهن النقاء والخلوص الذاتيين. وأنَّ أي مُحاور لا يحق له (مجرد الحق) في أنْ يطاول وجوده ناهيك عن مرتبة الأدنى منه.

والسبب راجع إلى فكرة أنَّ ديانته الخاصة (يهودياً كان أم مسيحياً أم مسلماً) لا تُقارن بأية ديانة سواها. ولذلك فإنَّ حضور الافتراضي لن تتسع له أية ديانةٌ، وبخاصة من جهة كونه يمثل (نقطة الانفجار الذاتي point of self  -  explosion) لما نعتقد. ومن حيث أنَّه جزء من صلب الوجود الحي لنا والذي يشترط وجود غيرنا بالتساوي. فالوجود المشترك يعني العلاقات التي يستغرق فيها الأفراد معاً بجانب الصور المعيارية الكامنة وراء الأهداف، إنّه الفهم المشترك لحياة متعددةٍ الجوانب[3].

ليس الافتراضي مادةً حتى يمارس عليه المؤدلّجون سلطة عنيفةً، لكنه حضور بصيغ الغياب والتنوع والانفتاح والتداخل وكل الترابط الممكن. إذ ذاك فإنَّ الافتراضي يضع فقهاء ورجال الدين إجمالاً إزاء شيء مختلفٍ لم يعهدوه. لأن الفقه وتفسيرات النصوص المقدسة مبنيةٌ على أبعاد مكانية- زمانية في حدود الثقافة وقائمة على أفعال وأحداث اجتماعية لا تخلو من أهدتاف وغايات. وعندما يواجهون شيئاً " افتراضياً كونياً " لا يجدون بُدّاً من الارتباك للأسباب التالية:

1- الافتراضي هو الوسيط والفكرة المرنة والصور الباقية معاً. وهذا معناه نزع القداسة عن صور بعض المعتقدات الدينية، لأنَّ الدين له سلطة المقدس المفارق نصّاً وحرفاً وفكرةً. والفقهاء لم يخرجوا بعد من حدود الخطاب المفارق للعقل حتى يراكموا أفكاراً إنسانية وتقنية قابلة للتواصل. فإذا بهم يصطدمون بعالم مفتوح وغريب دون رد مباشر ولا مراقبة عن كثب. وربما ذلك بسبب أن وظيفتهم الدينية التي كانت ترى في وجود سلطة الاعتقاد كموروثٍ عن مرجعيات أمر مفروغ منه.

2- وجود المتلقي الفاعل هو الأساس، حتى لو كان بمثابة مصدر الفكرة. لأنَّ كل من سيشاركونه إنما هم موجودون في صميم ما يتواصل به. والأبعد أنَّ مساحة التلقي ذاته هي "حيز الاعتقاد"، ولا يمكن ضخ سلطة الاعتقاد على نحو مصدري من طرفٍ واحدٍ، لأن مؤمناً متعالياً(بحكم ما يعتقد) سيكتشف أنَّه متلقٍ بالمثل، وليس له حِلٌّ من ذلك الوضع بتاتاً. وحتى أنَّ النصوص المصدرية المقدسة ستكون نصوصاً بلا سلطةٍ إلاَّ من عمليات التفكير فيها بين الرفض والقبول والتفكيك والتحليل والشرح والقراءة الفاحصة وإعادة التأويل. وأنَّ الموقف النهائي لن يُحسم، فالأمر متروك لتداعي التواصل كعمل مشتركٍ لا ولن يُغلِّب أحدَ أطرافه إطلاقاً على أي طرفٍ.

3- كلُّ (ما يأتينا ونرسله) من واقع الوسائط الديجيتال إنّما يعدُّ تأويلاً قابلاً للنقاش الافتراضي. وهنا يُظهر فعل الثورة التواصلية، من حيث أنه لا شيء أصلي خارج التصورات والنتاجات الحوارية المؤولّة. أي أنَّ ما سيُطرح للتلقي سيكون (معنى مضافاً) إلى أشياءٍهي بدورها (معانٍ مضافة) نتيجة الوسيط والتقنيات التي تشكل جوهرها وتجتذب إليها أبنيةَ الثقافة. ويؤثر الافتراضي ليس على صعيد الجماعة المؤولَّة، بل حتى قد يكون ثمة(ازدواج حواري dialogical double) للفرد عبر الصور العائش بها مع نفسه كزوجينcouples في الفضاء الإلكتروني[4].

4- صور الأفكار والمعتقدات مجرد بدائل. وليس أدلّ على هذا من أنها تشكل فنون الممكن القابل للنقاش في ضوء تحليلات وأفكار يطرحها الآخرون. وأنَّ ما يُرجّح منها هو أمر قائم على آراء المتلقين الذين هم أنت أحدُهم ليس أكثر. وذلك يصطدم أول ما يصدم بفكرة الناجي الوحيد (أو الديانة الوحيدة) التي على صوابٍ وسواها على خطأ. وبالتالي ليس ثمة فرقة ناجية كما وردت في تراث الفقه الاسلامي المتعلق بالفتنة في وجود أهل المذاهب لا الأديان الأخرى[5].

5- وجود معايير إنسانية متنوعة لا ميتافيزيقية واحدة خارج الفضاء الافتراضي. فالتنوع يحدث لكون المعايير قابلة للتغير والتطور والنقد، وأنَّ الأديان عليها إيجاد حاضنة لكل تنوع ممكن ليس رأسياً، بل أفقياً بين كافة الناس هذه المرة. ذلك لأنَّ الوجود معاً بالنسبة لكل المغايرين اعتقادياً أمرٌ مفروغ منه، بل مفهوم ضمناً.

6- عنصر الزمن يجعل الاحتمالات ناشطةً دوماً، لأنَّ الفقهاء لن يلجؤوا إلى اساليب الدعوة التقليدية، بفضل أن الوسيط الافتراضي مفتوح على الأزمنة والحيوات في قادم الأيام والسنوات. كما أنَّ جوانب الفقه التقليدية لا تحتمل هذا العالم الثري والطارئ باستمرار، حتى أنَّ مساحة الحياة الملموسة ستكون إحدى احتمالات الواقع، لأن العالم الافتراضي يلخص وجودنا في سيمياء الصور وبالوقت نفسه يعيد بناء روحانية جديدة[6].

والآن لو التفتنا إلى معطيات المسألة بجدية، لوجدنا كل ذلك يمس قضايا الافتراضي في الفقه أو ما يُسمّى بـ " الفقه الافتراضي"[7]. الفقه الذي يأخذ بوضع أحكام محتملة للحوادث والنوازل والمسائل المفترضة التي لم تقع بعد. وبخاصة عواقب الأحداث الكبرى من حروب وصراعات وفتن وأوبئة ومحن وما يترتب عليها من ظواهر في المستقبل. وهو من باب أنَّ الفقهاء يقدرون للأحداث واقعاً ما قبل وقوعها في إطار الشريعة[8]. وقد أثار هذا اللون من الفقه جدلاً واسعاً في المذاهب الاسلامية، أقول دفع الفقهاء إلى التفكير بشكل مختلف عقلياً. فقد قيل إنَّ القرآن يدعونا إلى استعمال العقل في مداه الأوسع، لدرجة أنَّ الحوادث المفترضة شيء ضروري لصورة الحياة الراهنة والآتية بقدر أهمية الماضي. وأن الأحداث المفترضة هي الأساس الذي نذهب إليه عاجلاً أم آجلاً.

من هذه الزاوية، كانت ثمة تهديدات فعلية للفهم المغلق للشريعة والفقه المفصَّل على الوقائع، لدرجة أنه قد أُثر عن السلف: أنهم اعلنوا كراهة التحدث عن أشياء لم تحدث بعد وكانوا يكفون عن الفتوى مباشرةً إذا عرفوا أنَّ موضوع الفتاوى يقع فيما هو مفترض. فعن مسروق وهو أحد فقهاء السلف، قال سألت أُبي بن كعب عن مسألةٍ، فقال أكانت (أي أَوَقَعت) هذه بعد؟ قلت لا، قال: فأَجِمَّني (أي أرحني واتركني منها) حتى تكون؟! وعن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان لا يقول برأيه في شيء يسئل عنه حتى يقول أنزل أم لا؟ فإنْ لم يكن نزل لم يقل فيه قولاً، وإنْ يكن وقع تكلم فيه. وقال ابن مسعود " إياكم وأرأيت، أرأيت، فإنما قد هلك من كان قبلكم بأرأيت، أرأيت. ولا تقس شيئاً، فتزل قدم بعد ثبوتها، وإذا سُئل أحدكم عما لا يعلم، فليقل لا أعلم، فإنَّه ثلث العلم ". ووردَ عن الشُعبي أيضاً، أنه كان يقول لمحدثه احفظ عني ثلاثاً، منها: إذاسئلت عن مسألة، فلا تتبع مسألتك: أرأيت[9].

يعني هذا أنَّ حضور الافتراضي يعدُّ متغيراً أساسياً في فهم صور الاعتقاد وأساليب التفكير. وأنَّه إذا كان محل رفض بصيغ سلفيةٍ، إلّا أنَّه أصبح فاعلاً في الفضاء التواصلي. والأكثر دلالة أنَّ ذلك ينسحب على الزمن الآتي بقدر ما ينسحب على الماضي. لأنَّ وسائط الافتراض أتاحت للجميع التنقيب في الموروثات وأتاحت كلَّ الفرص لظهور المغيّب والمسكوت عنه. والافتراضي (سواء أكان فضاءً تواصلياً أم تدابير فقهية) سيحتاج إلى ثورة في الخطاب الديني، بل في أبنية المفاهيم والأفكار. والسلفية أكثر الاتجاهات الاسلامية معرفة بتغيير الأفاق والمعايير حين تكون هناك ثورة على صعيدها. إنَّ فهم السلفية في ذاتها وتداعيتها هو الصورة المقلوبة من العالم الافتراضي، لا توجد سلفية في الواقع الديجيتال وإلاَّ ستظل مهددةً على الدوام، وستكون غير مبررةٍ.

انفجار التراث

نظراً لقدرات الوسائط والبيئات الافتراضية على التنوع، فإنَّها تتيح فُرصاً لتجلي كل التراثات الممكنة، أنْ تنفجر، أنْ تطفو على سطح الوعي بصور العالم. وكأنها تطرح السؤال ضمنياً: بأية شروط سيكون تراث الأديان مقروءاً ومعيشاً على نحو مغاير؟! الإجابةُ بسيطة جداً: أننا سنتعامل مع هذا التراث حيث لا توجد شروط إلاَّ من واقع التقنيات ومعالمها الفكرية والفلسفية والإنسانية، بينما (ستترتب عليها) الأشياء الأخرى. لأنّ الوسائط تسمح بحضور جميع التراثات جنباً إلى جنبٍ دون اقصاء، لم يعد هناك تراثٌ مهم وآخر أقّل أهمية، لقد اختفي منطق التراتب الذي يغلِّب سلطةً ما لتضع تراثاً في أولوية الظهور على حساب غيره.

والتراثات قد لا تكون منتمية فقط إلى أديان مختلفةٍ، بل بالضرورة سينفجر التراث الواحد خلال الفضاء الافتراضي إلى مجموعة تراثات كانت محجوبةً عن النظر. إنَّ فكرة التراث العام الذي يبتلع سواه(كحوت عملاق) يلتهم الأسماك الصغيرة فكرة غير مجديةٍ وسط هذا الفضاء اللانهائي. لأن الانفجار الحادث في بنيته افتراضياً قد وفرّ مناخاً جديداً للمعرفة والتعقل، بل زادت كميات وكيفيات التفاصيل التي لا تتوقف، ولعلَّ الوسيط الديجيتال قد أثار شهوة المعرفة والأسئلة والحوار والبحث عن المغيّب طوال عقود حتى داخل أفق الدين الواحد. وجعل الإنسانَ يبحث عن الأحلام المستحيلة impossible dreams، الأحلام بذاكرة مختلفة ليست منتمية إلى محددات تاريخية جمعية صارمة[10].

وهذا يهدم السياج الأيديولوجي للجماعات والمذاهب الدينية من الأساس، لأنَّ عنايتها كانت منصبة بالدرجة الأولى على إقصاء التراثات الأخرى في التاريخ العربي الإسلامي. وعندما ينفك هذا السياج تخرج صور مغايرة لم تكن معروفةً من قبل. فمن اطلع مثلاً على تراث الصوفية المتمردين على سلطة الفقهاء والحكام؟! من اطلع على تراث المسيحية الأولى في البيئات الإسلامية؟ ومن ناقش تراث العقلانيين العرب سواء أكانوا شعراء أم علماء أم حكماء أم متصوفة وهم أصحاب رؤى مغايرة حول الدين والإله والحقيقة مثل أبي بكر الرازي وأبي حيان التوحيدي والحلاج وابن عربي؟ ومن كشف خريطة التنوع الاعتقادي الواسع بخلاف ضيق الأيديولوجيا؟

إنَّ انفجار التراث explosion of heritage كان نتيجة قمعه المتواصل  ولذلك فهو يمثل ثورةً حقيقيةً في التاريخ المعرفي والفكري للمجتمعات الدينية. لا يتغير على أثرها ما كان معروفاً فقط، بل كذلك يحتاج بناءً فكرياً مختلفاً على نحو تأصيليٍّ. الكارثة أنَّ الاسلاميين والفقهاء (وتسرب الأمر منهم إلى الاعتقاد الشعبوي) يبنون تصوراتهم عن الآخر وعن الذات بإقصاء المغاير، أي قتل تراثه بإهالة التراب عليه وعدم الاعتراف به. ولعلَّ وجود (تراثات متنوعة) هو الأمر الذي يجعل الاعتراف بالآخر ممكناً. لكون التراثات جزءاً لا يتجزأ من وعينا وذاكرتنا الثقافيتين، وأنه يستحيل استئصال أي تراث مهما يكن صغيراً. لسبب مبدئي أنه يصعب استئصال الذاكرة- أية ذاكرة- من الجذور التي لم نعد نعاصرها. وكم رأينا مع الجائحة السياسية(الربيع العربي) والجائحة البيولوجية (كوفيد19) عدم اعتراف الإسلام السياسي بالآخر، فرغم أنَّ الجوائح الحرجة تحيي أواصر الإنسانية وبواعث الإخاء البشري والتكاتف الكوني إلاَّ أنَّ مؤدلجي الأديان واصلوا العداء والكراهية لكل مغاير تراثاً وحاضراً.

المعضلة أنَّ (السياسة والبيولوجيا) هما أبرز مقومات الاسلام السياسي والاسلام الشعبوي، إذ حاول الإثنان تسييس وتدجين العقائد الدينية وتحويلها إلى أداة لإقامة دولة الخلافة أو تحويل الشريعة إلى ملاذ آمن من الطغاة والاستبداد. وتأتي البيولوجيا كطاقات جسمية تتزي بالسياسة وتوظفها لصالح مآربها الدفينة، ذلك باعتماد الجماعات الدينية على القوة الجسدية والمادية في دحر الاعداء واعتماد اللاهوت الشعبوي على الانغماس في الحياة الغرائزية المباشرة وتبرير الممارسات الخاطئة. وهما الشكلان اللذان استعملتهما جماعات الاسلام السياسي والكتل الشعبوية حتى اللحظة بإفراط، فلم تكن جائحة الثورات غير فتنة سياسية كبرى بلغة السلفية (فتنة الخروج على السلطان الجائر). ومع ذلك كان على اتباع الأيديولوجيات الدينية الانغماس فيها لتبيان وجودهم مع حركة الشوارع[11]. وبالمثل وجد الإثنان الجائحة المرضيّة فرصة للتعبير عن رفضهم للأنظمة. علماً بأنَّ التنظيمات الدينية خاصةً كانت تحل محل مؤسسات الدولة الوطنية لمساعدة المرضى في السابق. وكانت جائحة الأمراض فرصة لتبرير الذنوب ورسم سيناريو الغفران وأنها مما كسبت أيدي الناس، وأنَّ هؤلاء لو تمسكوا بما صلُّحَ به أوائل الأمة ما كانت لتهاجمنا الفيروسات!! ووجد اتباع الاسلام الشعبوي أن الاهتمام بهم أثناء الجوائح حيلة ماكرة من الاسلام السياسي ومن الدولة معا صراعاً حول السلطة و حول اعلان التواجد في الحياة العامة.

وبالعودة إلى التراثات لن يكون هناك عمقٌ ايديولوجي أحادي لهذه الجماعات، لأنهم اعتبروا سلفاً أن حياتهم نمط من الحياة الماضوية كما يعتقدون. والخطورة في هذا أنهم يستحضرونه حساً وعقلاً وفعلاً، فما رأيناه أثناء الجوائح السياسية العربية هو(كائنات تراثية) تقتات فكراً وفعلاً على كل ما ينتمي إلى الماضي، وحرصت كل الحرص على عودة الزمن إلى الوراء. حتى قيل إنَّ جميع الثورات العالمية كانت تذهب إلى الأمام وترسم مسارات المستقبل إلاَّ الثورات في الثقافة العربية الاسلامية إنما هي عائدة إلى الخلف. لدرجة أنَّ أعضاء التنظيمات رسموا بأجسادهم خطاباً تراثياً واحداً مع خطابٍ ملفوظ يعبر عن حلم دولة الخلافة رغم التطورات السياسية الراهنة. هكذا قد تحدث الجوائح في كل المجتمعات الإنسانية (وبخاصة كوفيد19) وتحدث بناء عليها ترتيبات نحو المستقبل، لكنها في سياقنا العربي الاسلامي يجرجرها الاسلاميون نحو عصور الحياة الاسلامية الأولى.  ولذلك لا تدرك الثورات أهدافها الإنسانية، لكونَّها احادية التوجهات منذ البداية، فالنظر إلى التراث بمنظور متعددٍ يخفف حدة الاحادية التي تطبع الفكر الديني.

وبالتالي لن يكون ثمة عصر ذهبي أنتج الحياة المستقبلية منذ أزمنة بعيدةٍ، الفكر لا يعرف ما يسمى بالعصر الذهبي بقدر ما تكون مرحل جديدة أكثر أهمية وتطوراً من سابقاتها، وإلاَّ فإنَّ أصحاب العصر الذهبي قد ماتوا منذ زمن سحيق ولن نستطيع اللحاق بهم. فالحياة تدفع دوماً بمتغيراتها المدهشة والصعبة وهي تتحدى الاتيان بشيء مختلف، ولن تجدي النظرة الاحادية الرامية إلى الأسلاف ضد عجلة الزمن. كما أنَّ (التراثات) هي خط الإنطلاق المُساوي بين كل الأديان والملل والمذاهب، فهي جميعاً لها الحق في الوجود والتعبير عن نفسها كما هي. ولنا الحق نحن أيضاً أن نبدأ في ابتكار تراثنا المعبر عن حيواتنا الخاصة سواء أكانت قد اتفقت مع الماضي أم لا.

كما أنَّ الوحدة المفترضة للتراث هي مجرد تصور ليس أكثر، وأنَّ هناك جوانب غائبة لم تكن معروفةً وربما لا تلتئم تحت أية صورة متماسكةٍ. وليس التراث تراثاً هكذا إلاَّ بقدر ما هو ابداع إنساني مشروطٌ بعصرٍ يستحيل إعادة عقارب الحياة إليه، ولا يمكن استحضاره بكامل وجوده إلينا. والخياران مستحيلان بالفعل دون إبداع نمط مغاير من الحياة على قدر المساواة وأكثر تطوراً بحسب ظروف الزمن وتحولاته.

***

د. سامي عبد العال

.......................

[1]- وهذه سمة مشتركة بين أغلب المذاهب الفقهية (الشافعية والمالكية والحنابلة)، لكنها أوضح عند الحنابلة الذين رأوا أن الامام أحمد بن حنبل كان لا يسير في طريق يمشي فيه يهودي أو نصراني تحصيلاً للأجر والثواب، ولو قابل أحدهم مصادفة لا يبدأ إطلاقاً بالتحية والسلام. عبد الرحمن بن محمد بن قدامه، الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، الجزء الرابع،  دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 1994، ص 178.

مع أنَّ هناك أفكاراً في التراث كانت متقدمة جداً كما عند الإمام القرافي المالكي حين قال بصدد أصحاب الأديان الأخرى: " الرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل التلطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة والهوان... وحفظ غيبتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم وأن يعاونوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم ". شهاب الدين أبو العباس القرافي، الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق، الجزء الثالث، دار المعرفة، بيروت - لبنان 1998، ص15.

[2]- ابن تيميه، الخلافة والمُلك، من رسائل شيخ الإسلام(4)، تحقيق حماد سلامه ومراجعة محمد عويضه، مكتبة المنار، الزرقاء – الأردن، الطبعة الثانية 1994، ص ص43-44. والفكرة نفسها استمرت لدى المفكرين الاسلاميين في النظر للحياة وغير المؤمنين: سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، الطبعة السادسة 1979، ص ص17-19.

[3]- Charles Taylor, Modern Social Imaginaries, Duke University Press, Durham, NC, 2004, P 23.

[4]- Patrice Flichy, The Social Imaginary of Virtual Worlds, In: Mark Grimshaw(Editor), The Oxford Handbook of Virtuality, Oxford University Press, Oxford New York, 2014, P 707.

[5]- الفرقة الناجية تصور يكاد يكون شائعاً في الخطابات الدينية على أساس الادعاء، بدليل أنه غداً ثقافة للتمييز بين الحق والضلال وزاد مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، يقول ابن بطة الحنبلي واصفاً لحظة ميلاد متجددة لحديث الفرقة الناجية وأهميته: ".... كان أمر الأمة مجتمعاً، والقلوب متآلفةً والأئمة عادلة، والسلطان قاهراً والحق ظاهراً، فانقلبت الأعيان وانعكس الزمان وانفرد كل قوم ببدعتهم وحزُب الأحزاب، وخُولف الكتاب، واتخذ أهل الإلحاد رؤوساً أرباباً وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق وتهول(تحير) في العسرة العامة وأهل الأسواق ونعق إبليس بأوليائه نعقةً فاستجابوا له من كل ناحيةٍ، وأقبلوا نحوه مسرعين من كل قاصيةٍ، فألبسوا شيعاً وميزوا قطعاً وشمتت بهم أهل الأديان السالفة والمذاهب المخالفة، فإنَّ لله وإن إليه راجعون....".

ابو عبد الله بن بطة العكبري الحنبلي، الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة (الجزء الأول)، تحقيق ودراسة رضا بن نعسان معطي، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض السعودية، الطبعة الأولى 1988، ص165.

[6]- Ken Wilber, The Religion of Tomorrow, A Vision For the future of the great Traditions, More Inclusive, More Comprehensive, More Complete, Shambhala, Boulder, 2017, PP 642-643.

[7]- هو الفقه الذي يبنى على افتراض وجود أشياء وحوادث يمكن وجودها عقلاً ويحتمل وقوعها في المستقبل، وهناك آيات قرآنية تستخدم اساليب الافتراض والتمثيل كما في سورة(الانبياء/ 22) (لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله لفسدتا)، بمعنى أننا لو افترضنا كذا لكان الحال كذا وبينما أن المفترض غير قابل للاعتقاد لو تصورناه كذلك، لكنا قادرين على تأكيد ما نفكر فيه. راجع: فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب،التفسيرالكبير، الجزء السابع عشر، دار إحياء التراث العربي بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة 1999، ص2٠١.

[8]- صلاح الدين خلوق، الفقه الافتراضي وتطبيقاته على النوازل المعاصرة، مركز التراث الثقافي المغربي، الدار البيضاء الطبعة الأولى2015 ، ص ص 27- 34.

[9]- أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،  الجزء الرابع، دار السعادة – القاهرة 1974، ص 319.

[10]- Vincent Mosco, Becoming Digital: Toward a Post-Internet Society, Emerald Publishing Limited, United Kingdom, North America, Japan, 2017, P180.

[11]- الفكرة نفسها عندما كانت تحدث ما يسميه الإعلام الإساءة إلى رسول الاسلام، ففي هذه الحالة كان الإسلاميون (بل المسلمون جميعاً) ينزلون الشوارع معبرين عن رفضهم وموظفين كافة الموارد الإعلامية والافتراضية للرد على الإهانات.

Ahmed Al-Rawi, Islam on YouTube: Online Debates, Protests, and Extremism, Palgrave Macmillan, London, 2017, PP 7- 31.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5750 المصادف: 2022-06-03 05:04:57


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م