أقلام فكرية

محمد يونس محمد: ما قبل العقل في كشوفات المعرفة

يشكل البحث في القضايا المضمونة بشكل مباشر مهمة العقل المنهجي، ولكن يكون البحث القضايا المجهولة والغمضة مهمة المعرفة الخلاقة، وصراحة يشكل الدور الذي تقدمه المعرفة أحد أهم المرتكزات والعتبات التي تؤهل العلم إلى الاستمرار في التواصل، وصراحة نحن قد أوجبنا على أنفسنا من البحث في تلك القضايا الفكرية الغامضة، والبلوغ إلى حد معقول في كشف ما تلك الرموز البدائية أو تدخل في إطار الحضارة، ففي الحضارة أيضا هناك رموز حتى في الإطار العلمي، وليس فقط في البدائية، والعالم المستقيم المسار لا بد من منعرج يغير له المسار، ولا يؤمن أبدا بأن تلك السيرورة لا تحتمل أي منعطف أو منعرج، وتلك سمة العقل الجدير، لا يقف على مسار أحادي أبدا، لا يمكن استمرار الحياة على معنى واحد، فلابد من تنوع أنماط الوجود البشري، وكما أن العقل لابد من الاهتمام به إنسانيا، ونمنح العقل تلك النزهة في الدخول في عالم الأسرار والرموز، وذلك ليس بوضع العقل في متاهة، فالعقل الجدير يرتاح في أن يكتشف ما لا يعلم وما لم يدركه، ففي العقل حضور للمعرفة الخلاقة الجديرة بالكشف وكسب الأفكار الغائبة عن العقل وعن الذاكرة، وعلي وجه الخصوص ما قبل الحضارة، أو ما يسمى بالعقل البدائي، وذلك العقل المجهول لابد له من مميزات، ومن المهم ترك السياقات العامة المعهودة، والدخول في عالم المجهول البعيد.

من الصعب أن نقف على تفسير ما قبل العقل عبر أدوات منهجية، فهي صراحة قاصرة وغير متمكنة من بلوغ حد خارج ما تقف عليه، والعقل البدائي أو ما قبل العقل منطقة قصية جدا، وهي خارج وعينا التاريخي، ولم نعثر على عقل منصف اهتم بدراسة تلك المنطقة بإخلاص ونقاء وحرص موضوعي، وأغلب المصادر اعتمد على وقائع ما بعد ذلك التاريخ، وسعت إلى بث خطاب لغوي يرفع من مستوى بلاغة العقل، ولكن هناك تفسيرات ليس بالسهل تقبلها، فتفسير البشرية كانت في تلك المرحلة حيوانات مدجنة، وما يؤهلها وسيلة التفاهم، وفكرة التطور التي يطرحها الكتاب المثير للجدل، فكتاب – أصل الأنواع- لتشارلز داروين يعتمد على التحول وليس التطور، وهو يرى بأن البشر في الصيرورة كانوا قردة، وتلك فكرة مردودة علميا، فالتركيب الباثولوجي للقرد يختلف إلى حد كبير عن البشر، والبشر كائن مفكر فيما الحيوان كائن غريزي، والتطور الجيني في المجال العلمي يعكس لنا حالة اختلاف تؤشر فوارق تلزمنا الوقوف عندها، وإعادة تفسير الفكرة من جديد من جميع الجوانب، على الرغم من  البعد الأنطولوجي الذي امتدت الفكرة إلى مساحة تاريخية، ونحن سنلجأ أولا إلى المعرفة اللسانية للفصل ما بين مفردة التطور داخل ذات المجال العضوي، وما بين مفردة التحول من جنس إلى آخر، وهنا نقف في معارضة فكرة داروين، ونحن مع العقل الحيوي، لكن مع الإنسان أيضا، والمعرفة في هذا العصر تهتم باللسانيات والنتائج التي تصل إليها في الفصل ما بين فكرة لغوية وفكرة اخرى.

لا بد من أن  نقر بأن العقل البدائي عقل يسعى إلى المعرفة الأولية، ويهدف إلى امتلاك مقومات عقلية أولى، والتي تتمكن من جذب مقومات أخرى، وركن الذاكرة البشرية ركن مهم في القيام بواجبه الطبيعي، والعقل البشري من الطبيعي يتطور كلما تطورت الحياة وتتسع خاناته كلما اتسعت الحياة، والعلاقة طردية ما بين العقل والحياة، ولكن قد تسحب النفس البشرية العقل نجوها في الحال الذي تمر به في انهيار، أو تعيش حالة صراع جدلي، أو تعيش على معيار مزدوج مرة يجذبها إلى جهة وأخرى يجذبها إلى عكس تلك الجهة، والنفس البشرية أحيانا تستثمر العقل في حال تكون الفطرة سليمة، ولكن في حال أن تكون الفطرة تلوثت بأثر تصاعد وتيرة النفس في الرغبات، والعقل يختلف عما كان في العصر الحجري القديم عن ذلك العقل الذي أنتج حصان طروادة، والفارق الواسع هو ذات الإغراق ما بين عصر حصانة طروادة وما بين عصر المقاتلات الفائقة لسرعة الصوت، والفارق الكبير في عدة جوانب وليس في جانب واحد، واهم الجوانب هو ما بلغناها من تطور في مفهوم الزمن، فنحن نعيش في العالم الإلكتروني حالات لا ندرك ما مداها، فيشكل اختصار الزمن أحد العوامل المهمة في علم الإلكترونيات.

تفسير عوامل تطور العقل البدائي وتحسن فهمه للحياة، والعقل صراحة في جانب النشاط لا بد من دعم خارجي على وجه الخصوص، والعقل الخالي من طاقة التنظيم الاستدلالي يمتلك خيالا لا يسيطر عليه، وعلي عكسه وجود الاستدلال المنظم يجعل الأفكار العملية مضمونة، وهناك رصانة متينة لا تنفرط في المستوى العملي للأفكار العملية، والتي هي على العكس من تلك البدائية العقل والتي التطور والسيرورة المتواصلة تمنحها التماسك والرسوخ في الذاكرة البشرية، والعالم البدائي وما يمثل من عقل من الطبيعي بحاجة التنسيق والتنظيم، وإذا (كان للعلم هدف شامل فالدفع بالإدراك السديمي الذي بدأ في المراتب الدنيا واللاوعي على الأرجح مع بدايات الحياة نفسها، إلى أعلى مراتب الضبط والوعي)1، والفصل ما بين عقل الحضارة واللغة والمجتمع وما بين العقل الذي سبق ذلك ضروريا، كي تكون المقومات المفقودة تدعم وتسهم في وجود مقومات نتصورها عند العقل البدائي، أو ما نسميه ما قبل العقل إذا حددنا العقل بوجود اللغة والمجتمع والتاريخ والحضارة، وتلك المقومات المفقودة في عقل الجماعات واللثغة والتشكل الأولي للحياة، وتلك المقومات التي تتصف بأنها بدائية حسب التوصيف العلمي والمنهج المختص بدارسة تاريخ علم الأجناس، والعالم ما قبل الدين وعالم ما بعد الدين يختلف أيضا، فعالم ما قبل الدين هو التام البدائية عالم الأفراد، وعالم الدين وما بعد عالم المجتمعات والشكل الاجتماعي واللغة الموحدة.

التشكل البدائي للعقل يمثل النموذج البشري فيه هو ذات النموذج البشري المعاصر، ولا يختلف إلا في المقومات العامة وبأدنى نسب في الطبائع والنفسية، أما في الجانب التكوين الجسدي فلا يختلف البشر البدائي عن الفرد المعاصر، والنموذج البدائي يختلف عن المعاصر في السلوك والوعي والفهم للحياة وممارسة الطقوس، فالفرد البدائي كان بلا رب ثابت في إطار اليقين بوعي وعقل ذلك الفرد، وما يفسر وجود الرب يتمثل في الفطرة السليمة، فذلك أحد مباني إنسانية الدين وليس الدين نفسه، والعالم الضيق الأفق عند العقل البدائي، يختلف تماما عن العقل المعاصر، والذي يكون فيه العالم بلا حدود ولا أفق زمني عضوي، والفرد البدائي يرى بأن العالم هو ما يحيط به من مكان، ويتحدد العالم بتلك البقعة المكانية، والمكان ليس كما في الظرف المعاصر هو من يهيمن علينا، ولا نملك الخيارات المتعددة إزاءه، فالفرد والعقل ما قبل التاريخ والحضارة والدين، تكون تلك المقومات ليس إلا مشاعر مكبوتة، تبقى بلا تطور ولا تدوم نحو المستقبل، وهناك مشترك ما بين الفرد البدائي والفرد المعاصر، فالفرد المعاصر في وضع نفسي استثنائي، في جانب فقدان الأمل بالمستقبل من جهة الإحساس بالمستقبل، ومن جهة ثانية يعيش الفرد المعاصر ذات الاغتراب الذي يعيشه الفرد البدائي في تركيبة عقله المتواضعة، وكذلك أيضا نجد العقل المعاصر قريبا جدا من تواضع وضعف عند ذلك العقل البدائي.

***

محمد يونس محمد

.........................

1- الفكر البري، كلود ليفي شتراوس، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص 30.

في المثقف اليوم