أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الانفصال بين المعنى والمرجع
أزمة الدلالة في الفكر الفلسفي الحديث
لا تبدأ الفلسفة في التفكر في اللغة إلا عندما تصبح الكلمات موضع ريبة وعندما تتسرب الشكوك إلى تلك العلاقة البديهية التي كنا نظنها أقرب إلى اليقين من علاقتنا بأجسادنا. ذلك أن اللغة منذ أقدم العصور كانت تُعتبر نافذة شفافة على العالم وأداة محايدة تسمي الأشياء كما هي دون أن تترك في المعنى أثراً من ذاتها. لكن هذا السكون الدوغمائي لم يدم طويلاً إذ سرعان ما انتبه الفكر إلى أن الكلمة ليست مجرد لصيقة بالشيء وأن العلاقة بين اللفظ ومدلوله ليست طبيعية ولا ضرورية بل هي علاقة وضع واصطلاح تخضع لتاريخها وبيئتها وغاياتها. وإذ انكشفت هذه الحقيقة لم يعد بالإمكان العودة إلى السذاجة الأولى؛ فقد غدت الفلسفة مضطرة إلى أن تحفر في تلك الفجوة التي تتسع كلما حاولنا أن نرد الكلمات إلى الأشياء والأشياء إلى كلمات، لتظهر على السطح أزمة دلالية هي في جوهرها أزمة فلسفة بكاملها.
ويكمن جوهر هذه الأزمة في ذلك الانفصال الذي لم يعد ممكنا تجاوزه بالوعظ أو بالحدس، ذلك الانفصال بين المعنى (Sense/Sinn) والمرجع (Reference/Bedeutung)، وهما القطبان اللذان ظل الفكر يتأرجح بينهما منذ أن شق جوتلوب فريجه طريقه في هذا المتاهة بمقالته الشهيرة التي لم تفقد وهجها بعد مائة عام. فالمعنى هو ما نستخلصه من الكلمة، أي الأسلوب الذي تُقدَّم به الإحالة إلى المرجع. إنه بمثابة منشور لغوي يُفكِّك ضوء الواقع إلى أطياف متعددة. أما المرجع فهو الشيء الفعلي في العالم الخارجي، ذلك الواقع القاسي الذي لا تشير إليه الكلمة إلا من بعيد. وقد اعتقد الفلاسفة الأوائل أن العلاقة بين هذين الطرفين بسيطة، ننطق كلمة "حصان" فنشير إلى الحيوان المعروف فيفهم السامع ما نقصد. لكن لو كان الأمر بهذه البساطة لما كان ثمة معنى لفلسفة اللغة ولما انهمك ألمع العقول في تفكيك هذه العلاقة وإعادة تركيبها ألف مرة. إن القطيعة الحقيقية حدثت حين أدرك الفكر أن المعنى لا يقود إلى المرجع بيسر بل قد يحجبه وقد يخلق مراجع وهمية وقد يتعدد المعنى لمرجع واحد وقد يتحد المعنى لمراجع شتى. وقد تحولت السذاجة إلى إشكالية والإشكالية إلى أزمة تعكس في العمق أزمة الإنسان الحديث الذي فقد الثقة في قدرة لغته على الإمساك بالعالم.
لهذا السبب فإن الغوص في هذه الأزمة ليس عملاً تاريخياً يقتصر على تتبع آراء الفلاسفة بل هو عمل وجودي يتعلق بعلاقتنا بالحقيقة والكذب، بالمعرفة والوهم وبالآخر وبالذات. فالحديث عن انفصال المعنى عن المرجع هو حديث عن انفصالنا نحن عن يقين سكن أجسادنا قبل أن يسكن عقولنا. والفلسفة الحديثة بما حملته من نقد للتمثلات الساذجة ومن كشف للبنى الخفية التي تشكل معنى المعنى لم تفعل شيئاً آخر سوى أنها أرخت لهذا الانفصال ليكون مسرحها الوحيد، ولهذا سيكون مسعانا في هذا المقال أن نتبين ملامح هذه الأزمة في أبرز محطاتها متتبعين كيف انقلبت الدلالة من علاقة طبيعية إلى إشكالية نقدية، ومن إشكالية إلى ورطة وجودية لا تنفك تطارد كل قول يدّعي الصدق.
لم يكن قط في تاريخ الفكر أن بدت اللغة لهذا الحد من الشفافية التي تنمّ عن غدر ولا من الائتلاف الظاهري الذي يستبطن شرخاً لا يلتئم، كما بدت في اللحظة التي انقلب فيها السؤال من "ماذا تعني الكلمات؟" إلى "كيف يمكن للكلمات أن تعني أصلاً؟". فالانفصال الذي نتلمسه بين المعنى والمرجع أو بين الدال والمدلول في اصطلاح آخر لم يعد مجرد عيب طارئ في أداة التواصل بل تحول إلى جرح وجودي في نسيج اللغة نفسها وإلى أزمة دلالية تطال قدرة الفكر على الإمساك بالعالم. ذلك أن الفلسفة الحديثة منذ أن استفاقت من سباتها الدوغمائي على وقع صرخة هوسرل "إلى الأشياء نفسها" وتردد صدى نيتشه القائل "الحقيقة هي جيش متنقل من الاستعارات"، لم تعد تستطيع أن تأخذ العلاقة بين العلامة والموضوع كأمر مسلم به بل باتت مضطرة إلى الغوص في تلك الفجوة التي تتسع كلما حاولنا أن نسدها، تلك الفجوة حيث لا يطابق المعنى المرجع وحيث تصبح الكلمة شبحاً يحوم حول شيء لا يمكن الإمساك به.
لقد أدرك أوغسطينوس في اعترافاته تلك المفارقة اللغوية المؤسسة حين يتعلم الطفل اللغة فهو لا يتعلم أسماء الأشياء كما لو كانت أدراجاً تطابق محتويات العالم بل يتعلم ضمن شبكة من الإشارات والنيات المشتركة التي تتشكل قبل أن ينطق بحرف. لكن الفلاسفة الذين جاءوا بعده وخصوصاً أولئك الذين حملوا راية التحليل المنطقي في مطلع القرن العشرين أرادوا أن ينقوا اللغة من غموضها، فظنوا أن بإمكانهم رد كل قضية ذات معنى إلى بنيتها الإحالية الصرفة وإلى علاقة لفظية مباشرة بالواقع. ذلك الحلم الجميل الذي تمثل في صورة لغة مثالية تتطابق فيها القضايا العنقودية مع حقائق العالم في تطابق واحد ونهائي، هو نفسه الذي كشف حدود العقل حين اصطدم بتلك الحقيقة الجوهرية، لا يمكن للغة أن تنظر إلى نفسها من خارج نفسها ولا يمكن للرمز أن يضمن حقيقة مرجعه إلا من خلال رموز أخرى وهكذا إلى ما لا نهاية.
كان فريجه أول من شق هذه الأرض الوعرة بحدته الألمانية النموذجية حين فرّق في مقالته الكلاسيكية "المعنى والمرجع" بين "المعنى" (Sinn) و"المرجع" (Bedeutung). فالجسم السماوي الذي نسميه "نجمة الصباح" هو بعينه الجسم الذي نسميه "نجمة المساء"، أي كوكب الزهرة. لكن معنى العبارة الأولى ليس معنى العبارة الثانية وإلا لكانا متطابقين في كل سياق وهو ما ليس صحيحاً. فثمة جهة تقدّم، ثمة طريقة في إعطاء المرجع، ثمة منشور لغوي يكسّر الضوء إلى ألوان مختلفة قبل أن يصيب الشيء نفسه. وهذا المنشور هو المعنى، ذلك الكيان الغامض الذي يتوسط بين اللفظ والعالم والذي لا يمكن اختزاله إلى صورة ذهنية خاصة لأنه يجب أن يكون مشتركاً بين متكلمين اثنين ليحدث الفهم. وبهذا الضربة النظرية لم يحرر فريجه الدلالة من سذاجة التطابق المباشر فحسب بل زرع بذرة الأزمة، فإذا كان المعنى متميزاً عن المرجع فأي ضمان لدينا أن معنى كلمة ما عندي هو نفس معناها عندك؟ وأي ضمان أن المعنى الذي أحملُه إلى كلمة "العدالة" يشير إلى المرجع نفسه في العالم الواقعي الذي يشير إليه معنى هذه الكلمة عند خصمي السياسي؟ فالمعنى يصبح حاجباً قبل أن يصبح دليلاً، شاشة عرض تتدخل بين العين والموضوع تارةً تُضخم وتارةً تشوه وتارةً تخلق وهماً في المكان الذي اعتقدنا أن هناك حقيقة قاطعة.
هذه الفجوة التي اكتشفها فريجه تتسع أكثر عندما ننتبه إلى أن المرجع نفسه ليس شيئاً ثابتاً مطلقاً بل هو نتاج سياق واصطلاح وممارسة لغوية. فراسل في نظريته الشهيرة عن الوصفات المحددة وجّه نقداً قاسياً لمبدأ التعيين الساذج الذي ظن أن الأسماء العلمية الصرفة مثل "أرسطو" تحيل مباشرة إلى فرد تاريخي ملموس. في الحقيقة عندما نقول "أرسطو" فإننا ننطوي على مجموعة من الوصفات التي يُفترض أنها تنطبق على شخص واحد فقط: "مُعلم الإسكندر الأكبر"، "مؤلف كتاب ما وراء الطبيعة"، "تلميذ أفلاطون" وهلم جرا. لكن لو اكتشفنا فجأة أن شخصاً آخر هو من كتب هذه الكتب أو أن أرسطو كان اسماً جماعياً لعدة أشخاص فماذا يصبح مرجع الكلمة؟ نجد أنفسنا بدون أن ندري قد سحبنا البساط من تحت أقدامنا. المعنى الذي ظننا أنه محايد وعابر يتبين أنه يحمل في داخله نظرياتٍ كليةً عن العالم وفروضاً ميتافيزيقية والتزامات أنطولوجية. الكلمات ليست مرايا بل هي نظارات ملونة لا نخلعها أبداً.
وفي الجانب الآخر من الأطلسي، كان ويليام جيمس وشارلز ساندرس بيرس يؤسسان لمذهب براغماتي سيتخذ من الأزمة الدلالية سلاحاً هجومياً ضد الميتافيزيقا التقليدية. فإذا كان المعنى منفصلاً عن المرجع فربما يكون السؤال الخاطئ هو "ما هو مرجع كلمة الوعي؟"، والسؤال الصحيح هو "كيف نستخدم كلمة الوعي في سياقات حياتنا العملية؟". المعنى عند البراغماتيين ليس صورة مطابقة أو فكرة داخلية سابقة على الاستعمال بل هو مجموع الآثار العملية المترتبة على قولنا أن شيئاً ما هو كذا. لكن هذا الحل الإجرائي لم يلبث أن انقلب إلى مشكلة أخرى، إذا كان المعنى يختزل إلى الاستعمال فأي معنى لقولنا إن هناك عالماً خارج اللغة أصلاً؟ لقد قام البراغماتيون في مسعاهم النبيل لإنقاذ الدلالة من العبث الميتافيزيقي بتفكيك فكرة المرجع الجوهري وتذويبها في سلوكيات وأنماط حياة؛ لكنهم بذلك افتتحوا الباب أمام أزمة أكثر حدة ربما لا يوجد خارج الممارسة اللغوية ما يمكن تسميته "مرجعاً" بالمعنى القوي للكلمة بل كل ما لدينا هو سياقات لغوية ترتبط ببعضها البعض في شبكة لا نهائية من الإحالات والمعاني المتداخلة دون أن يكون لها رصيف ثابت في الواقع المادي أو المثالي.
صحيح أن فكرة المرجع بقيت جاثمة على صدر الفلسفة تحاول كل نظرية أن تتخلص منها بطريقتها. لكن الحدث الأعمق هو ما فعله فرديناند دي سوسير في محاضراته عن اللسانيات العامة حين قلب المسألة رأساً على عقب. لم يقل سوسير ببساطة إن بين المعنى والمرجع فجوة بل قال إن المرجع بحد ذاته ليس خارج اللغة بل هو نتاج لغة. فالدال لا يسبقه مدلول مسبق التكوين في العالم بل الدال والمدلول يخلقان بعضهما البعض داخل نظام اللغة كما يخلق الوجهان العملة الواحدة. عندما أقول "شجرة"، فأنا لا أشير إلى شجرة معينة في العالم بل أدخل في نظام من الاختلافات يجعل كلمة "شجرة" مختلفة عن "شجيرة" و"نبات" و"خشب". المعنى ليس إحالة خارجية بل هو قيمة سلبية وعلائقية تحددها فروق داخلية. ويصير المرجع ذلك الحلم القديم للفلسفة مجرد وهم لساني، اللغة تتحدث عن اللغة وتشير إلى اللغة ولا تصل إلى ما وراءها أبداً. ليس هناك "عالم" نستطيع أن نعرفه خارج شبكة الدوال التي ننسجها وكل ما نسميه "مرجعاً" هو مجرد دال آخر، لعبة أفقية تخلق عمقاً وهمياً حيث لا عمق هناك. الكارثة الفلسفية اكتملت، الانفصال لم يعد بين المعنى والمرجع بل أصبح المرجع متطابقاً مع المعنى في حلقة لا نهائية من الإحالة الذاتية وكأننا نقف أمام مرآتين متقابلتين تعكسان أحدهما الأخرى إلى ما لا نهاية دون أن يظهر أي أثر لعالم خارج هذه اللعبة.
لكن هذه الدائرة المفرغة لم تمنع بعض المفكرين من محاولة القفز خارجها أو على الأقل من الحفر تحتها للوصول إلى أرضية أكثر صلابة. إدموند هوسرل ذلك العبقري الذي أفنى عمره في البحث عن اليقين المطلق آمن بأن الوعي عمدي بطبعه أي أنه دائما وعي بشيء ما وذلك الشيء ليس صورة داخلية ولا لفظاً بل هو الشيء نفسه بوصفه مقصوداً. لقد حاول هوسرل أن يبني جسراً بين المعنى الذاتي والمرجع الموضوعي من خلال "الإرجاع" (Reduktion) الذي ينقلنا من المستوى الطبيعي الساذج إلى المستوى المتعالي حيث نرى الأشياء كما تظهر للمعرفة الخالصة. لكن ألسنة نقاده توالت تشير إلى أن هوسرل لم يخرج من دائرة المعنى قط، فما يسميه "الشيء نفسه" ليس شيئاً مستقلا عن التعينية القصدية للوعي. وفضلاً عن ذلك فإن التخلي عن كل الافتراضات المسبقة بما في ذلك افتراض وجود عالم خارجي يبقي الفينومينولوجيا مشلولةً في وصفها للظهورات ولا تمنحها وسيلة للقول أن هناك ما هو أبعد من الظهور. وبذلك نجد أنفسنا أمام نفق مظلم آخر، الوعي يتحدث إلى نفسه عن نفسه والآخرون إما صور معطاة بين قوسين وإما نتاج تناصص لانهائي.
وإذا انتقلنا إلى الفكر الفرنسي في نصف القرن الأخير، نجد أن المسألة قد اتخذت أبعاداً أكثر دراماتيكية. جاك دريدا في نقده الضاري لـ"حضور" المعنى أعلن أن المرجع ليس مستقراً خلف النص بل يتأجل إلى ما لا نهاية عبر سلسلة من الإحالات التي لا تصل إلى نقطة نهائية. إن الكلمة أو الدال عند دريدا لا تحيل إلى مدلول ثابت بل إلى دوال أخرى والمدلول نفسه ليس أكثر من دال مُعاد مما يخلق لعبة من "الاختلاف" (Différance) التي تُؤجل المعنى والمرجع معاً. في هذه الرؤية أصبح الانفصال بين المعنى والمرجع خصوبة لا عجزاً لأن حرية التلاعب بالدوال تصبح هي الأصل وأي محاولة لتعيين معنى واحد ثابت ليست إلا وهمية تهدف إلى فرض نظام مركزي معين أو ما يسميه دريدا "المركزية الحاضرة". الفلسفة التقليدية من أفلاطون إلى هوسرل كانت تبحث عن كلمة أخيرة وعن معنى يوقف التأجيل وعن مرجع يكون هو نفسه حاضراً لا غائباً، حقيقة مطلقة لا احتيال فيها. لكن دريدا يرى أن كل خطاب يحتوي على آليات التقويض الذاتي بحيث أن ما يبدو معنى قاراً ليس سوى لحظة موقوتة في تدفق الدوال وما يبدو مرجعاً موضوعياً هو مجرد دال يعتقد المرء أنه تجاوز أفق اللعبة وهو لم يفعل.
وينبغي أن نذكر أيضاً أن هذه الأزمة لم تكن مجرد لعبة فكرية في أبراج عاجية بل كانت لها تداعيات وجودية عنيفة على مفهوم الإنسان نفسه. فإذا كانت اللغة لا تصل إلى المرجع بسهولة وإذا كان المعنى يهرب منا كلما حاولنا الإمساك به فكيف يمكن للإنسان أن يعرف من هو؟ أن يعرف حدود جسده وتاريخه وأفعاله؟ لقد انعكس هذا التشظي الدلالي على مفهوم الذات فأصبحت الذات عند الفلاسفة مثل ميشيل فوكو مجرد موقع في شبكة خطابية وبناء لغوي مؤقت وليست كياناً جوهرياً يسبق اللغة. ويمكن في هذا السياق فهم شعار فوكو الشهير "الإنسان يموت" ليس كتنبؤ بيولوجي بل كاعتراف فلسفي بأن فكرة الإنسان بوصفها مركزاً للوعي والمرجعية قد انهارت تحت وطأة اكتشاف أن المعنى والمرجع لا يلتقيان في أي نقطة ثابتة. فمنذ أن جردت الفلسفة الإنسان من امتياز كونه "مرجعاً للمعنى"، سقط في شرك معاناته التي لا مفر منها، أنه لا يجد معنى خارج لعبة الدوال لكنه لا يستطيع أن يرضى بأن يكون مجرد دال بين دوال.
ويبدو جليا أن الأزمة الدلالية التي نعيشها ليست عيباً يمكن إصلاحه وليست مرحلة يمكن تجاوزها بل هي بنية اللغة ذاتها، ما دامت اللغة هي الأداة الوحيدة التي نملكها للتفكير في اللغة والعالم. إن الانفصال بين المعنى والمرجع هو ثمن الحرية الذي ندفعه مقابل ألا نكون آلات تسجيل تردد الصدى المباشر للأشياء. إنها الفجوة التي تتيح للشعر أن يولد وللكذب أن يُحتمل وللفهم أن يكون ممكناً دون أن يكون يقينياً. لكنها أيضاً الفجوة التي تجعل من كل خطاب مغامرة محفوفة بالخطر ومن كل فلسفة معركة ضارية مع شبحها الخاص ومن كل كلمة تنطق بها حكاية عن هزيمة محتملة في أرض لا نعرف ما إذا كانت حدودها حقيقية أم وهمية.
بقي أن نعترف بأن هذا الانفصال بين المعنى والمرجع الذي تتبّعناه في بعض مناحي الفلسفة الحديثة لم يزل يشق طريقه ببطء في دهاليز الوعي الغربي حتى تحول إلى ما يشبه المصير المحتوم. إذ مع لودفيغ فيتغنشتاين ذلك الفيلسوف الذي كتب أطروحته الأولى وكأنها نصب تذكاري لعجز اللغة عن قول ما هو أسمى، انقلبت المسألة رأساً على عقب ثانية. ففي "الرسالة المنطقية الفلسفية" كان قد تبنى صورة العالم بوصفه مجموع الوقائع لا الأشياء واللغة بوصفها صورة منطقية لذلك العالم. لكنه سرعان ما اكتشف في مرحلة تفكيره الثاني أن الصورة لا تنطبق على الواقع لأنها ليست خارج الواقع بل هي جزء من ألعاب لغوية متعددة لا متناهية. وعندما صاغ عبارته الشهيرة "معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة" لم يكن يقدم حلا للأزمة بقدر ما كان يعلن أن الأزمة لا معنى لها بهذا الشكل الذي طرحته به الميتافيزيقا التقليدية. فليس ثمة "معنى" منفصل و"مرجع" منفصل، ثم نعاني من فجوة بينهما؛ بل كل ما لدينا هو استعمالات متنوعة لكلمات تتخذ معانيها من سياقاتها الحياتية المتنوعة. السؤال الخطأ إذاً، هو "ما مرجع كلمة الألم؟"، والسؤال الصحيح هو "كيف يتعلم الطفل استعمال كلمة الألم في لعبة اللغة اليومية؟". بهذه النقلة البراغماتية اللغوية حاول فيتغنشتاين أن يشفي الفلسفة من هوسها بالمرجعية الغائبة لكن كثيرين رأوا في هذا العلاج نوعاً من الهروب إلى الأمام، إذا كان المعنى مجرد استعمال فأي معنى لقولة "الاستعمال" نفسها؟ إنها لا تحيل إلى أي مرجع خارجي سوى مجموعة من السلوكيات التي هي بدورها بحاجة إلى تأويل. وتظل الدائرة محكمة لا يمكن الخروج من اللغة إلى ما وراء اللغة وكل محاولة لتعيين المرجع تتحول إلى استعمال آخر للغة.
أما هايدغر ذلك المفكر الذي نفض عن نفسه غبار الميتافيزيقا الأكاديمية وعاد إلى أصل السؤال عن الوجود فقد تعامل مع أزمة الدلالة بطريقة مختلفة وأعمق. لم يشغل هايدغر بالانفصال بين المعنى والمرجع بقدر ما شغله بأن الوجود نفسه هو الذي يمنح المعنى والمرجع معاً وأن هذا الوجود ليس شيئاً نعثر عليه في العالم بل هو حدث التحقق ذاته. في "الكينونة والزمان"، كان هايدغر يبحث عن معنى "الكينونة" (Sein)، لكنه لم يكن يبحث عنها كمرجع يقبع خلف الموجودات بل كأفق يتيح ظهور الموجودات أصلاً. الكينونة ليست معنى ولا مرجعاً بل هي الشرط المسبق لأي معنى وأي مرجع. ومن هنا أتت فكرته الثاقبة عن اللغة بوصفها "بيت الكينونة" أي أن اللغة ليست أداة للتعبير عن معانٍ سابقة عليها بل هي الحيز الذي يحدث فيه الوجود نفسه. الإنسان ذلك الكائن الذي يسميه هايدغر "الراعي" للغة، لا يتحكم في اللغة ولا يستطيع ردها إلى نظام من العلامات الأحادية لأنه هو نفسه موجود في داخلها. وحين قال "اللغة تتكلم وليس الإنسان"، كان يريد أن يحرر الدلالة من وهم السيطرة الذاتية. فالمعنى والمرجع في هذا الفهم ليسا طرفين منفصلين يمكن التوفيق بينهما بل هما لحظتان داخليتان في حدث واحد هو حدث الوجود المتكلم. لكن هذا الموقف الوجودي الرفيع لم يخل من إشكالية، إذا كانت اللغة هي بيت الكينونة فكيف يمكن لنا أن نتحدث عن وجود لا يظهر في اللغة؟ أو كيف يمكن أن تكون هناك حقائق عن العالم لا يمكن قولها؟ هايدغر أجاب عن ذلك بمفهوم "الخفاء" و"الستار" اللذين يحجبان الوجود بقدر ما يكشفانه، لكن الناقدين اعترضوا بأن هذا الحل يظل دينياً أو شعرياً أكثر منه إبستمولوجياً وأعاده إلى الغموض الذي حاول الخروج منه.
ولا نبالغ إن قلنا إن أزمة الانفصال بين المعنى والمرجع قد بلغت ذروتها في الفكر الفرنسي فيما بعد البنيوية حيث اختلطت الهموم اللسانية بهموم السلطة والجسد والرغبة. فمع جيل دولوز، مثلاً وجدنا أن المعنى لم يعد مرجعاً إلى شيء في العالم ولا إلى شيء في الذهن بل هو مجرد "تأثير سطحي" ينشأ من العلاقات بين السلاسل الدالة. دولوز بشراكته مع فيليكس غوتاري في "ألف هضبة"، طور مفهوم "الآلة الرغبة" التي لا تمثل شيئاً ولا تشير إلى مرجع بل تنتج المعاني كنواتج جانبية لتفاعلات بين عناصر متغايرة. الاختلاف ليس بين المعنى والمرجع بل بين مستويات الاختلاف نفسها. واللغة هنا ليست صورة للعالم ولا مرآة للوعي بل هي نظام تشغيل حربي من علامات تؤثر في علامات أخرى. لكن السؤال الذي يظل مقلقاً إذا كانت الفلسفة قد تخلت عن فكرة المرجع تماماً فبماذا تختلف عن الأسطورة أو الجنون؟ كيف يمكننا أن نزعم أن كلمة "جوع" لها معنى محدد في سياق معين دون أن نعترف ضمنياً أن هناك شيئاً اسمه الجوع موجوداً خارج الكلمة وأن ذلك الشيء هو الذي يضمن استقرار المعنى أو على الأقل قدراً من الفهم المشترك؟ هذا السؤال بالذات هو الذي جعل فلاسفة أمثال جون سيرل وهيلاري بوتنام يقاومون بحزم ما رأوه انزلاقاً إلى النسبوية المطلقة. بوتنام بنظريته الشهيرة عن "المعنى والمعنى" وعن تقسيم العمل اللغوي حاول إنقاذ المرجع من دون العودة إلى السذاجة الإحالية الأولى وقال بإن المعنى ليس مجرد حالة ذهنية ولا مجرد استعمال بل هو شبكة من العلاقات السببية والاجتماعية بين المتكلمين والعالم. حين أقول "الماء"، فأنا لا أعرف كل خصائصه الكيميائية لكن ثمة خبراء في المجتمع اللغوي يعرفون وبهم يثبت المرجع. والمرجع ليس "شيئاً في ذاته" خارج اللغة بل هو عنصر داخلي في الممارسة اللغوية نفسها لكنه عنصر لا يختزل إلى مجرد علاقة بين دوال.
لكن الملاحظ أن هذه المحاولات لإنقاذ المرجع بقيت دائماً معلقة بين نارين، نار الاختزالية الحسية التي لا تعترف إلا بالمادي المباشر ونار البنائية اللغوية التي تذيب كل شيء في النص. فالفجوة التي اكتشفها فريجه قبل أكثر من قرن لم تسد بل تعمقت لأن الفلسفة أخذت تدرك أن السؤال عن المرجع ليس سؤالاً علمياً يمكن حسمه بالتجربة بل هو سؤال فلسفي يتعلق بحدود التفكير نفسه. إننا عندما نسأل "هل تشير كلمة الله إلى أي مرجع؟"، فإننا لا نجري بحثاً لغوياً محايداً بل نخوض معركة دينية وميتافيزيقية. وعندما نسأل "ما مرجع كلمة الحق؟"، فإننا لا نقدم وصفة عملية بل نفتح باباً لا ينغلق على نظريات في الأخلاق والقانون والسياسة. فالمسألة إذن ليست تقنية يمكن تصحيحها بل هي تعبير عن أزمة أعمق هي أزمة اليقين، لم يعد بمقدور الفلسفة الحديثة أن تمنحنا يقيناً بأن كلماتنا تمس عالماً خارجها لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن السعي وراء ذلك اليقين.
لقد تتبعنا كيف أن الانفصال بين المعنى والمرجع لم يعد مجرد إشكال معرفي بين أضلاع مثلث بل تحول إلى بنية داخلية للفلسفة ذاتها. فكلما حاول الفيلسوف أن يقبض على المعنى الخالص تفلت منه يد المرجع؛ وكلما حاول التمسك بالمرجع الجامد انهار أمامه إلى وهم ساذج. هذه الحركة الجدلية لا يمكن تجاوزها لأنها تعبر عن طبيعة اللغة البشرية التي هي في آن معاً قادرة على سحب العالم إلى داخلها وعاجزة عن احتوائه كلياً. اللغة كائن حي يتنفس من فراغين، فراغ المعاني المتشكلة في أعماق الثقافة والتاريخ وفراغ المراجع المتداعية من أفق الوجود الخارجي. ولا يمكن للمرء أن يحسم المعادلة لصالح طرف دون الآخر دون أن يُفقر اللغة وينزع عنها عبقها وغموضها.
وربما يكون الجواب الوحيد الممكن إن كان لا بد من جواب، هو أن نعيش هذه الأزمة لا كعجز بل كقدرة. فالفيلسوف ليس مكلّفاً بأن يجد معادلة سحرية تطابق المعنى والمرجع تطابقاً تاماً؛ الفيلسوف مكلّف بأن يرينا كل مرة من جديد، كيف أن هذه الفجوة هي التي تتيح للأسئلة أن تبقى مفتوحة. لو تطابق المعنى والمرجع تماماً لأصبح كل قول خبراً صادقاً بالضرورة وأصبح الكذب مستحيلاً وأصبح الشعر هراءً وأصبح المستقبل مجرد تكرار للحاضر. لكن لأن هذه الفجوة قائمة ولأن الكلمة يمكن أن تعني أكثر مما تشير إليه ولأننا نستطيع أن نقول ما ليس موجوداً وننتظر ما لم يأت بعد، فإن الحياة الإنسانية ترتفع فوق مستوى الوجود البيولوجي الضيق. إن الأزمة التي شغلت الفلاسفة من فريجه إلى دريدا ومن راسل إلى فيتغنشتاين ليست أزمة في لغة ما يمكن إصلاحها بقواعد نطق أو معجم أوحد بل هي أزمة الإنسان في مواجهة الهاوية اللامتناهية بين ما يقوله وما يعنيه، بين ما يعنيه وما يريد أن يشير إليه وبين ما يشير إليه وما هو موجود بالفعل. إنها أزمة المعنى كخسارة وأيضاً كإمكانية مفتوحة لا تغلق إلا بانغلاق القلب عن السؤال.
عندما صرخ نيتشه يوماً: "الله ميت!"، لم يكن يتنبأ بانحسار التدين فحسب بل كان يعلن موت فكرة أن ثمة ضماناً متعالياً للتطابق بين الكلمات والأشياء. بعد هذا الموت تبقى الكلمات معلقة في الفراغ، لكنها ليست بلا ثقل، لأننا نحن من يمنحها الثقل بجرأتها على الإشارة مع علمها بعدم اليقين. ولهذا السبب ربما تكون المهمة الحقيقية للفلسفة في عصرنا ليست في إنكار الأزمة ولا في تجاوزها بضربات نظرية عبقرية بل في تعليمنا كيف نتكلم ونحن ندرك أننا لا نملك ضماناً نهائياً بأن معنى كلماتنا يلامس مرجعها ومع ذلك نستمر في الكلام، في التأويل، في النقد وفي الحب والبغض والشهادة. لأن الندبة التي يتركها الانفصال بين المعنى والمرجع في جسد اللغة هي نفسها العلامة التي تشهد على أننا بشر لا آلهة ولا حيوانات. والله وحده عند المتكلمين من لا تفوته الإشارة وعنده يتطابق القول والفعل والمعنى والمرجع في وحدة سرمية لا يدركها العقل المحدود. أما نحن فعلينا أن نرتحل في هذه الفجوة وأن نعيشها كأرض لا كهاوية وأن نصنع من عجزنا عن التطابق التام فضيلة التواضع اللغوي التي بدونها تصبح كل حقيقة ادعاءً وكل معرفة ضرباً من العمى.
***
د. حمزة مولخنيف







