قضايا
محمد غاني: رحلة في أبجدية التجليات
إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.
ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.
خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.
يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط. أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.
إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني. لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.
أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.
اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:
ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.
إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.
فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.
كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.
تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.
إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.كاتب، المغرب.
إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.
ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.
خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.
يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط.أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.
إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني.لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.
أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.
اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:
ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.
إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.
فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.
كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.
تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.
إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.
***
د محمد غاني – كاتب / المغرب







