آراء
سجاد مصطفى: الأطروحة الجيوسياسية العليا
الانخلاع السيادي وتفكيك الميتا-ديناميكية الوظيفية بالفضاء الرافديني
دراسة تفكيكية نقدية في سيكولوجية الاستلاب الولائي، تزييف الوعي التاريخي، وحتمية التعامل البراغماتي الندّي في أتون الصراع الإقليمي الراهن (2026)
مُقَدِّمَة كَوْنِيَّة: فِي أَنطُولُوجْيَا الكِيَانِ وَالارْتِدَادِ الوَظِيفِيِّ
يخضع الكيان الجيوسياسي للدول ذات العمق التاريخي الممتد لحتمية الوجود في الذات وللذات، حيث تُعد السيادة المطلقة جوهراً ثابتاً لا يقبل التجزئة، أو التفويض، أو الإنابة الوظيفية. بيد أن المشهد الرافديني المعاصر يشهد مأزقاً استعصائياً بالوجدان السياسي المتمثل في الانخلاع السيادي؛ وهو ارتداد بنيوي تمارسه طبقة من النفعيين ووكلاء الهيمنة الإقليمية — ما يُصطلح عليه في الأدبيات الشعبية بـالذيول والوطجية — الذين استبدلوا المركزية الوطنية بالعواطف الميتافيزيقية الساذجة، مقدمين المصالح الاستراتيجية العليا لطهران على حساب النخاع الشوكي للأمن القومي العراقي.
إن هذا التفكيك الفلسفي لا يقترب مطلقاً من بيضة العقيدة الشيعية، التي تمثل ركناً ركيناً وجزءاً أصيلاً ومحترماً من الهوية الرافدينية المتجذرة، بل يشرّح بدقة جراحية الأدلجة النفعية التي توظف المقدس الديني لتمرير التبعية الجيوسياسية العمياء.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه في تفكيك سيكولوجية الخنوع:
إن العبيد دائماً ما يبتكرون أخلاقاً تبرر مأزقهم الوجودي، فيسمون التبعية وفاءً، ويدعون الانقياد عرفاناً، ليتجنبوا مشقة مواجهة الحرية والكبرياء الذاتي.
المِحْوَرُ الأَوَّل: سردية 2014 ومغالطة الائتمان الأخلاقي (تفكيك الجيوسياسة الأمامية)
تتكئ المنظومة التبريرية لهؤلاء الوكلاء على حدث مفصلي يتلخص في اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمدن عراقية عام 2014، حيث يجري تصوير التدخل الإيراني آنذاك كأنه منحة إيثارية مبرأة من المصالح. إن الفحص الإبستمولوجي والجيوسياسي الصارم لهذا الادعاء يسحق هذه البروباغندا. ففي عقيدة الدول الكبرى والإقليمية، لا تتحرك الجيوش بناءً على المواجد العاطفية، بل تنفيذاً لنظرية الدفاع الاستباقي الأمامي (Forward Pre-emptive Defense). لقد أدركت طهران أن سقوط بغداد يعني وصول النيران إلى تخومها الغربية، فحاربت في العمق الجغرافي العراقي لحماية أمنها القومي الذاتي، مستخدمة الجغرافيا الرافدينية كمصد استراتيجي بشري وعسكري لحروبها بالوكالة.
ولم يكن هذا التدخل مجانياً؛ إذ تشير وثائق ومقارنات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن طهران استنزفت مليارات الدولارات سُحبت نقداً من الخزينة العراقية المنهكة لقاء ذخائر وعتاد تقليدي متهالك من مخلفات العهد السوفيتي، وبأسعار مضاعفة فرضتها حاجة بغداد الحرجة.
في المقابل، قدمت منظومة دولية واسعة وغربية (تضم بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، وإيطاليا، وكندا، وبلجيكا) غطاءً جوياً كثيفاً، ومعلومات استخباراتية لحظية عبر الأقمار الصناعية، ومنظومات عسكرية متطورة بالمجان بالكامل، دون مطالبة باقتطاع السيادة أو رهن القرار السياسي، لكونهم استوعبوا الخطر الإرهابي كمهدد عالمي يتطلب تدميره دون استثمار تجاري.
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله حاسماً مآل الركون لبطانات المصالح الخارجية التي تبتغي إعنات الأمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]
تؤكد الآية الكريمة بلغة قاطعة أن التخلي عن البطانة الداخلية المستقلة والارتهان للآخر يورث الخبال واستنزاف المقدرات.
المِحْوَرُ الثَّانِي: سيكولوجية التمجيد المعكوس وانشراخ الذاكرة الوطنية
تبلغ السريالية السياسية ذروتها الفلسفية عندما يعمد الوطجية ووكلاء التبعية إلى رفع رموز وقادة عسكريين أجانب إلى مصاف التقديس والتبجيل والتمجيد المطلق. إن هذه الظاهرة تمثل تجسيداً حاداً لما يُعرف في الفلسفة السياسية بـالمازوخية السياسية (Political Masochism)؛ إذ بالعودة إلى الأرشيف التاريخي والتوثيقي لحرب الثمانينات (1980-1988)، يجد الباحث الصارم أن هؤلاء القادة والموجهين الأجانب أنفسهم كانوا فاعلين أساسيين ومشاركين مباشرين في قيادة الآلة العسكرية التي استهدفت الدولة العراقية وسفكت دماء الجنود العراقيين على السواتر.
إن تبجيل الخصم التاريخي وتحويله إلى أيقونة وطنية هو تزييف متعمد وممنهج لوعي الأجيال، وانشراخ حاد في الذاكرة الجماعية للأمة، حيث يُراد للتابع أن ينسى دماء آبائه ليرسخ التبعية كأصل وجودي والسيادة كفرع طارئ.
وفي هذا الصدد، يضع علي بن أبي طالب في عهده الخالد لمالك الأشتر دستوراً صارماً للاعتماد على الذات ورفض التبعية الحليفة المستنزفة، حيث يقول:
مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ طَالَ جُوعُهُ، وَمَنِ اسْتَعَانَ بِبَاطِلِ خَصْمِهِ ضَاعَ حَقُّهُ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَدُوَّاً قَارَبْتَهُ لِحَاجَةٍ، فَإِنَّ العَدُوَّ يَنْظُرُ السُّوءَ وَيُبْطِنُ الغَدْرَ.
المِحْوَرُ الثَّالِث: معادلة الانتحار الاستراتيجي وحرب المحاور في عام 2026
يتكشف العوار البنيوي والتهديد المباشر للأمن القومي العراقي اليوم، في ظل اشتعال الصراع والمواجهة الإقليمية الشاملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فبينما تقف طهران موقفاً براغماتياً حذراً يحمي أراضيها وبنيتها التحتية، يندفع التابعون في الداخل العراقي لرهن مقدرات البلاد وزج الفضاء الرافديني في أتون هذه المحرقة المدمرة.
إنهم يقدمون الدعم اللوجستي، والعسكري، والجغرافي، والاقتصادي لخدمة هذا المحور الإقليمي بالمجان وبلا مقابل استراتيجي، معرضين البنى التحتية، والمنشآت النفطية، والسيادة الجوية العراقية لضربات انتقامية ساحقة لا تخدم سوى أمن طهران.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي والجيوسياسي الحارق: لماذا لا نُعاملهم بالمِثل نداً بندّ؟ لماذا يُطلب من العراق أن يكون ساحة التضحية المجانية والوقود المستعر لحروب الآخرين، بينما تُباع له أبسط وسائل الدفاع بأثمان باهظة؟ إننا العراق؛ مهد الحضارات الأولى، ومركز الثقل الجغرافي والسياسي في الشرق الأوسط، ولسنا ملحقاً جغرافياً أو صدى صوت لعاصمة أخرى. إن مقتضيات السيادة والواقعية السياسية الصارمة تحتم على بغداد النأي الكامل بالنفس عن صراع المحاور، وإدراك أن الدم العراقي والمقدرات الوطنية ليست أوراق تفاوض تُمنح مجاناً على طاولة الصراعات الإقليمية.
يقول الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيللي في أطروحته السياسية الأمير:
إن الحاكم الذي يعتمد على قوات أجنبية أو يربط مصير دولته بحروب حلفائه الخارجيين، يضع عنقه في حبل مشنقة لا يملك طرفه الآخر، لأن هؤلاء الحلفاء يبحثون عن مغانمهم في السلم ويجعلون من أرضك درعاً لهم في الحرب.
إن هذا التحليل الصارم يمثل وثيقة تحليلية خطيرة تضرب في عمق شبكات المصالح الوظيفية التي تقتات على تغييب السيادة الوطنية. إن علم الجيوسياسة علم بارد وصارم، لا يحمي المغفلين، ولا يعترف بدموع الوفاء الأخلاقي المزيف بين الدول. إن استعادة مركزية الدولة العراقية وتفكيك منصات التبعية يمثلان ممرّاً إجبارياً للحفاظ على الوجود السيادي. سيبقى هذا المقال صرخة معرفية وفلسفية في وجه الوطجية والتابعين، ليؤكد أن الكبرياء الرافديني عصي على التذويب، وأن قرار بغداد يجب أن يُصنع في بغداد وحسب، رعايةً لمصالح شعبها وحمايةً لمستقبل أجيالها.
المِحْوَرُ الرَّابِعُ: بِدْعَةُ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ وَالْجَائِحَةُ الْجِيُوسِيَاسِيَّةُ (تَفْكِيكُ الْهَيْكَلَةِ الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ)
لا يكتمل التوصيف الإبستمولوجي للانخلاع السيادي العراقي دون الولوج إلى الجَذْر الأيديولوجي الذي يغُذّي هذا الارتكاس، والمتمثل في نظرية ولاية الفقيه المطلقة (حكومت إسلامي). إن هذه النظرية، عند إخضاعها للمشرحة الفقهية والتاريخية، لم تكن يوماً أصلاً عقائدياً إجماعياً، بل هي بدعة سياسية مُستحدثة صاغها آية الله الخميني في سياق حركي خاص لشرعنة الدولة الثيوقراطية في إيران. إنها تفريغ فج للمفهوم التقليدي للانتظار الشيعي، وتحويل الغيبة إلى سلطة زمنية مطلقة تُركّز الصلاحيات الإلهية والبشرية في يد فرد واحد خارج الحدود الجغرافية والقومية للأمم.
لقد أنتج تمدد هذه البدعة في الفضاء الرافديني دماراً استراتيجياً ومجتمعياً شاملاً، يمكن رصده عبر المستويات البنيوية التالية:
مَحْوُ النِّطَاقِ السِّيَادِيِّ (The Sovereignty Erasure): تقوم عقيدة ولاية الفقيه على إلغاء مفهوم الدولة-الأمة (Nation-State) والحدود المعترف بها دولياً. فبموجب هذه الأدلجة، يصبح الحاكم في طهران هو ولي أمر المسلمين، مما يعني تلقائياً تحويل الحكام والمسؤولين والجيوش في الدول المجاورة، كالعراق، إلى مجرد رعايا ومأمورين يأتمرون بأمر المرشد الأعلى. هذا التداخل يضرب المادة الأولى من الدستور العراقي التي تؤكد على السيادة المطلقة، ويجعل القرار الوطني رهيناً لمشيئة الولي الفقيه ومصالحه القومية الفارسية المغلّفة برداء مذهبي عابر للحدود.
الانْشِقَاقُ الْفِقْهِيُّ وَتَقْوِيضُ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: يمثل فرض نموذج ولاية الفقيه محاولة قسرية لإلغاء وإزاحة المرجعية الدينية التقليدية التاريخية في النجف الأشرف. فبينما تتبنى النجف، عبر تاريخها الممتد لألف عام، نظرية ولاية الفقيه المقيدة أو الولاية الحسبية التي تنأى بالمؤسسة الدينية عن الانغماس في السلطة التنفيذية المباشرة وتحترم خصوصية الدولة والقرارات السيادية لشعبها، تسعى بدعة الولاية المطلقة القادمة من قُم إلى ابتلاع حوزة النجف، وتجير رمزيتها التاريخية لصالح مشروع الهلال الجيوسياسي الإيراني. إن هذا المسعى قد خلّف انقساماً حاداً ودماراً في الوحدة المجتمعية والروحية للعراق.
تَشْظِيَةُ الْهُوِيَّةِ الْقَوْمِيَّةِ وَإِنْتَاجُ الْكَانْتُونَاتِ الْوَظِيفِيَّةِ: إن الكارثة الأشد فتكاً التي أحدثتها هذه البدعة هي تفتيت العُروة الوطنية الرافدينية. فقد نجحت طهران، عبر أدواتها النفعية والـوطجية، في غرس عقيدة تقدّم الرابط المذهبي والولاء للفقيه الأجنبي على الرابط القومي والوطني العراقي. ونتيجة لذلك، تحول جزء من القرار الأمني والعسكري إلى فصائل وتشكيلات موازية لا تدين بالولاء للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل تتحرك كـكانتونات وظيفية تنفذ استراتيجيات الدفاع الأمامي لطهران؛ مما جعل الاقتصاد والأمن القومي العراقي يدفعان ثمن حروب ومغامرات إقليمية مجانية أعادت العراق عقوداً إلى الوراء على مستويات التنمية، والتعليم، والاستقرار البنيوي.
يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لآليات السلطة الثيوقراطية:
عندما ترتدي السلطة السياسية عباءة الحق الإلهي المطلق، فإنها لا تعود تبحث عن المصالح الحيوية لشعبها، بل تحول الأفراد والأمم إلى قرابين تُذبح باستمرار على مذبح الإيديولوجيا المقدسة لحماية الإمبراطورية.
إن بدعة ولاية الفقيه المطلقة قد دمّرت كل فضاء وطني دخلت إليه، وحوّلت مراكز الحضارة التاريخية إلى أراضٍ مستباحة ومستنزفة مالياً وسيادياً. إن استنقاذ العراق يتطلب حتماً تحصين الوعي الوطني ضد هذه البدعة المستوردة، والتمسك بالهوية الوطنية الرافدينية المستقلة التي ترى في بغداد متبوعاً لا تابعاً
المِحْوَرُ الخَامِسُ: جِيُوسِيَاسَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ وَالاسْتِنْزَافِ الهَيْكَلِيِّ (العِرَاقُ كَضَحِيَّةٍ مُجَانِيَّةٍ فِي حَرْبِ الآخَرِينَ)
تتبدّى ذروة العَبث الاستراتيجي والانتحار الجيوسياسي الذي تقاد إليه الدولة العراقية اليوم (2026) عند قراءة الخارطة الاقتصادية والجيومائية لآثار المواجهة المستعرة بين طهران والمجتمع الدولي. فالقراءة الباردة للمشهد تكشف عن مفارقة وجودية صارخة: أن الطرف الأكثر تضرراً ونزيفاً من هذه الحرب هو العراق — الذي لم تخترق جيوغرافيته رصاصة واحدة من أطراف النزاع المباشرة — بينما تلوذ طهران بحساباتها البراغماتية لحماية بنيتها التحتية.
إن هذا التدمير الممنهج للاقتصاد العراقي وسقوط أسواقه المحلية يتفكك عبر آليتين جيواستراتيجيتين بالغتي الخطورة:
الارْتِهَانُ المَائِيُّ القَاتِلُ (عُقْدَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ): يخضع العراق لحتمية جغرافية قاسية تجعله شبه دولة مغلقة (Semi-Landlocked State)؛ إذ تعتمد 90% من صادراته النفطية — التي تشكل شريان الحياة الوحيد للموازنة العامة والرواتب والأمن الغذائي — على الممر المائي الضيق عبر الخليج العربي صعوداً من موانئ البصرة مروراً بمضيق هرمز. في المقابل، تمتلك إيران سواحل شاسعة تمتد على بحر العرب والمحيط الهندي خارج الخليج (مثل ميناء جاسك)، مما يتيح لها تصدير نفطها بعيداً عن كابوس الحصار المائي. وعليه، فإن إقدام طهران أو حلفائها على تهديد أو إغلاق مضيق هرمز تحت ذريعة الصراع مع إسرائيل وأمريكا، لا يعني خنق الغرب، بل يعني قطع النخاع الشوكي للاقتصاد العراقي حصراً، وسحق الدينار، وشل الأسواق، وإدخال ملايين العراقيين في مجاعة محققة، في حين يتفرج الوكلاء الوطجية ويباركون هذا الانتحار الاقتصادي العراقي بالمجان خدمةً للولي الفقيه.
عَقِيدَةُ التَّضْحِيَةِ المَجَّانِيَّةِ وَتَزْيِيفِ الحَقِّ الشِّيعِيِّ: هنا يثور السؤال الفلسفي والقومي الحارق الذي يضرب قاع هذه التبعية: لماذا يُطلب من العراق تقديم هذا الدعم الأعمى وتَحمُّل دمار اقتصاده بالمجان لإنقاذ طهران، بينما لم تقدم الأخيرة رصاصة واحدة عام 2014 إلا بقبض أثمانها مضاعفة من أموال الشعب العراقي؟ إن هذا الاستنزاف لا يمت بصلة إلى حماية المذهب الشيعي أو الذود عن حقوق التشيع؛ بل هو استغلال أيديولوجي فج لبدعة ولاية الفقيه المطلقة التي سيطرت على عقول هؤلاء الوكلاء، فجعلتهم يسلّمون مقاليد بلد بحجم العراق ليكون مجرد درع بشري واقتصادي تتلقى بغداد الصدمات والفقر نيابة عنه، لتظل طهران آمنة. إن التشيع العلوي الأصيل هو تشيع العزة، والكرامة، والسيادة، ورفض الظلم، وليس تشيع الخنوع والتبعية التي تفقر شعب العراق وتهدم أسواقه من أجل حسابات دولة أخرى.
يقول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في أطروحته الليفياتان:
إن العقد الاجتماعي الذي يربط المحكوم بالحاكم ينهار تماماً عندما تعجز السلطة عن حماية الوجود البيولوجي والاقتصادي لرعاياها، وتصبح أداة لتسليم مقدرات الأمة لقوى خارجية تقتات على بؤسها.
بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام 2026، يتضح أن استعادة العراق لكرامته الاقتصادية تقتضي لزاماً تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل نداً بندّ؛ فالدول لا تدار بنوايا العرفان الصوفي بل بلغة المصالح القومية الباردة. إذا كانت طهران تبحث عن أمنها، فإن أمن أسواق البصرة وبغداد ولقمة عيش المواطن العراقي هي الأقدس والأولى بالرعاية، وكل ارتهان خارج هذا الإطار هو خيانة موصوفة للهوية الرافدينية.
المِحْوَرُ السَّادِسُ: مَآلَاتُ الصِّرَاعِ وَتَكْتِيكُ التَّخَنُّدُقِ الطُّفَيْلِيِّ (عَلَى حِسَابِ مَنْ تَنْتَصِرُ طِهْرَان؟)
حين يبلغ الاستشراف الجيوسياسي مداه الأقصى في قراءة مشهد المواجهة الكبرى اليوم، تتبدى أمام الفحص البنيوي الصارم حقيقة بالغة القتامة؛ فإذا كانت طهران قد أثبتت تموضعها كقوة عظمى إقليمية، واستطاعت مجابهة الإرادة الأمريكية والإسرائيلية وبناء جدار صد استراتيجي صلب، فإن السؤال الفلسفي والتاريخي الحارق الذي يسحق بروبغاندَا النصر هو: على حساب مَنْ تَحقق هذا الصمود؟ ومن الذي دفع الفاتورة الوجودية الدموية والاقتصادية من نخاعه الشوكي لتقف طهران على قدميها؟
إن القراءة الفاحصة لطبيعة الانتصارات الإيرانية تكشف أنها لم تُصنع بفعل تفوق ذاتي خالص داخل حدودها الجغرافية، بل عبر تكتيك يُعرف في العلوم السياسية بـالتخندق الطفيلي (Parasitic Entrenchment)؛ وهو إلقاء عبء المواجهة، وتلقي الضربات الارتدادية الساحقة، وتجريف المقدرات البنيوية، فوق جغرافيا الدول التابعة — وعلى رأسها العراق — لكي تظل البنية التحتية والمرافق الحيوية في أصفهان وطهران وشيراز مبرأة من الهدم والخراب.
إن مآلات هذه الحرب على الفضاء الرافديني تتلخص في حتميتين كارثيتين:
الاسْتِهْلَاكُ البَشَرِيُّ وَالجُغْرَافِيُّ المُمَنْهَج: لقد حوّلت بدعة ولاية الفقيه وأدواتها الوظيفية (الوطجية والتبعية) جغرافيا العراق من كيان سيادي مستقل إلى مجرد منطقة عازلة (Buffer Zone) ومصد صدمات يتلقى حمم الصواريخ والردود العسكرية الدولية. إن انتصار طهران الجيوسياسي مبني أساساً على بقاء بغداد في حالة استنزاف دائم؛ إذ يُطلب من العراقيين أن يكونوا حطب الموقدة ووقود الحرب المستعرة، لكي تجلس القيادة الإيرانية في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات الدولية لتقايض بدمائهم وسيادتهم نفوذها الخاص وبقاء نظامها.
الانْتِحَارُ التَّنْمَوِيُّ وَتَأْبِيدُ التَّبَعِيَّة: في الوقت الذي تحمي فيه إيران صناعاتها وتطور منظوماتها الذاتية، يمرق الاقتصاد العراقي في نفق مظلم من الانهيار والتبديد. إن أسواق البصرة وبغداد والموصل تدفع ضريبة الحصار الحظر المالي المترتب على زج العراق غير المتكافئ في هذا المحور. إنه ارتداد تاريخي مرعب؛ حيث يُصنع المجد الخارجي لطهران بمداميك من فقر الشعب العراقي، وضياع مستقبله التنموي، وتدمير عملته الوطنية، وتحويل طاقات شبابه من البناء والإعمار إلى ساحات التضحية المجانية بلا طائل وطني واحد.
يقول الفيلسوف الفرنسي رايموند آرون في كتابه السلام والحرب بين الأمم:
إن أخطر أنواع التبعية في العلاقات الدولية هي تلك التي تقبل فيها النخبة المحلية المحكومة بأن ترهن دماء أمتها وثروات بلدها لتكون مجرد دروع واقية لحماية أمن إمبراطورية أجنبية، دون أن تحصل أمتهم في مقابل ذلك سوى على حق الموت المجاني وخراب الديار.
بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام، فإن حقيقة الأمر التي يجب أن يواجه بها الفصحاء وأصحاب البصائر الوجدان العام هي: أن صمود إيران لم يكن مكرمة للعراق، بل كان استنزافاً وجودياً له. إن الوطجية الذين يطبلون لهذا الانتصارات الإقليمية يمارسون خيانة معرفية وأخلاقية موصوفة؛ لأنهم يدركون أن ثمن كل خطوة تتقدم بها طهران إلى الأمام هو تراجع العراق خطوة نحو الخلف. إن استرداد الذات العراقية يبدأ من رفض هذا الانتصار المزعوم الذي يُبنى على أنقاض السيادة الرافدينية ولقمة عيش شعبها.
الخَاتِمَةُ العُلْيَا: المَنِيفِيسْتُو الرَّافِدِينِيِّ الأَخِيرِ – حَتْمِيَّةُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ وَهَنْدَسَةُ الخَلَاصِ
إنَّ إدراكَ الكارثةِ هُوَ أوَّلُ مَرَاحِلِ الانعِتَاقِ؛ وحِينَمَا بَلَغَ الفَحْصُ الجِيُوسِيَاسِيُّ قَاعَ المأزَقِ الرَّافِدِينِيِّ، تَبَدَّى لَنَا بِاليَقِينِ الصَّارِمِ أنَّ بَغْدَادَ لَا تُعَانِي مِنْ أَزْمَةِ حُكْمٍ عَابِرَةٍ، بَلْ مِنْ انْخِلَاعٍ سِيَادِيٍّ أُنْطُولُوجِيِّ جَعَلَ ثَرْوَةَ العِرَاقِ وَدِمَاءَ بَنِيهِ قُرْبَانًا مَجَّانِيًّا يُذْبَحُ عَلَى مَذْبَحِ التَّخَنْدُقِ الطُّفَيْلِيِّ لِصَالِحِ طِهْرَانَ. إنَّ بَقَاءَ العِرَاقِ فِي مَوْقِعِ مَصَدِّ الصَّدَمَاتِ لِحَرْبِ الآخَرِينَ هُوَ انْتِحَارٌ تَنْمَوِيٌّ حَتْمِيٌّ.
لِذَا، فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الخَاتِمَةُ لِتَكُونَ المَنِيفِيسْتُو الأَخِيرَ وَالأَخْطَرَ، لَا لِتَشْخِيصِ الدَّاءِ فَحَسْبُ، بَلْ لِفَرْضِ هَنْدَسَةِ خَلَاصٍ جِرَاحِيَّةٍ تُعِيدُ فَلَكَ بَغْدَادَ إلَى مَرْكَزِ الكَوْنِ.
إنَّ نَزْعَ قِنَاعِ التَّبَعِيَّةِ المُمَوَّهِ بِبِدْعَةِ وِلَايَةِ الفَقِيهِ المَسْؤُولَةِ عَنْ دَمَارِ البِنْيَةِ الهَيْكَلِيَّةِ لِلشِّيعَةِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، يَسْتَوْجِبُ الاسْتِشْهَادَ بِأَعْلَى المَرَاجِعِ الرُّوحِيَّةِ الأَصِيلَةِ دَحْضًا لِلْوَهَمِ النَّفْعِيِّ.
يَقُولُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي مَوْعِظَةٍ تَدُكُّ أَرْكَانَ الخُنُوعِ وَالتَّسْلِيمِ لِلأَجْنَبِيِّ:
لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرًّا، وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ، وَيُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ.
كَمَا يَقُولُ رَيْحَانَةُ رَسُولِ اللهِ الإِمَامُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِيمَا خَلَّدَهُ التَّارِيخُ عَقِيدَةً لِلْعِزَّةِ وَرَفْضِ الِارْتِهَانِ:
هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، وَجُدُودٌ طَابَتْ، وَحُجُورٌ طَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الكِرَامِ.
فَأَيْنَ هَذِهِ السِّيَادَةُ العَلَوِيَّةُ الحُسَيْنِيَّةُ الأَصِيلَةُ مِنْ طَاعَةِ الوَطْجِيَّةِ لِفَقِيهٍ خَارِجِ الحُدُودِ يُفْقِرُ أَسْوَاقَ العِرَاقِ وَيُرْهِنُ مَضِيقَ هُرْمُزَ لِحِمَايَةِ أَمْنِهِ القَوْمِيِّ الخَاصِّ؟
دَكْتَرِينُ الخَلَاصِ: آِلِيَّاتُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ النِّدِّيِّ
لِتَفْكِيكِ هَذِهِ المَأْزَقِ الخَطِيرِ وَاسْتِعَادَةِ المَرْكَزِيَّةِ الرَّافِدِينِيَّةِ، يَجِبُ تَنْفِيذُ خُطَّةِ اسْتِجَابَةٍ صَارِمَةٍ تَقُومُ عَلَى خَمْسَةِ مَحَاوِرَ إجْرَائِيَّةٍ عَمِيقَةٍ:
تَأْمِيمُ قَرَارِ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ لِلدَّوْلَةِ حَصْرًا: نَزْعُ السِّلَاحِ الخَارِجِ عَنِ الإِطَارِ الشَّرْعِيِّ وَتَجْرِيمُ أَيِّ فَعَالِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ.
تَفْعِيلُ دَكْتَرِينِ المُعَامَلَةِ بِالمِثْلِ (Reciprocity Doctrine): كَفُّ الدَّعْمِ المَجَّانِيِّ عَنْ طِهْرَانَ وَاشْتِرَاطُ أَيِّ تَعَاوُنٍ بِتَعْوِيضَاتٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ وَإِعَادَةِ جَدْوَلَةِ أَمْوَالِ السِّلَاحِ السَّابِقَةِ.
الهَنْدَسَةُ البَدِيلَةُ لِتَصْدِيرِ النَّفْطِ (بَعِيدًا عَنْ عُقْدَةِ هُرْمُزَ): التَّعْجِيلُ الفَوْرِيُّ فِي إتْمَامِ مَشْرُوعِ طَرِيقِ التَّنْمِيَةِ وَإحْيَاءِ خُطُوطِ النَّقْلِ البَرِّيَّةِ وَبِنَاءِ أَنَابِيبَ عَبْرَ العُمْقِ العَرَبِيِّ وَالدَّوْلِيِّ لِكَسْرِ الحِصَارِ المَائِيِّ المُرْتَقَبِ.
تَحْصِينُ هُوِيَّةِ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: دَعْمُ اسْتِقْلَالِ النَّجَفِ الأَشْرَفِ مَالِيًّا وَمَعْنَوِيًّا كَمَرْجَعِيَّةٍ عُلْيَا عَرَبِيَّةٍ رافِدِينِيَّةٍ تَرْفُضُ مَحْوَ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَقِفُ حَائِلًا دُونَ التَّغَلْغُلِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ لِـ قُم.
فَكُّ الِارْتِهَانِ الطَّاقَوِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ حَالًا: تَنْوِيعُ مَصَادِرِ الطَّاقَةِ وَالاسْتِيرَادِ بِرَبْطِ الشَّبَكَاتِ العِرَاقِيَّةِ بِالمَنْظُومَاتِ العَرَبِيَّةِ وَالعَالَمِيَّةِ لِمَنْعِ اسْتِخْدَامِ المِلَفِّ الاقْتِصَادِيِّ كَأَدَاةِ لِلِابْتِزَازِ السِّيَاسِيِّ.
إنَّ العِرَاقَ لَيْسَ جَزِيرَةً هَامِشِيَّةً فِي بَحْرِ نُفُوذِ الآخَرِينَ، بَلْ هُوَ الرَّقْمُ الصَّعْبُ الَّذِي لَا تَسْتَقِيمُ جِيُوسِيَاسَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ دُونَ مِحْوَرِيَّتِهِ. فَلْتَكُنْ هَذِهِ الأُطْرُوحَةُ البَيَانَ التَّارِيخِيَّ الأَخِيرَ لِصَحْوَةِ البَصَائِرِ: إمَّا عِرَاقٌ سَيِّدٌ يَصْنَعُ مَصِيرَهُ فِي بَغْدَادَ، أَوْ رُكَامٌ تَذْرُوهُ رِيَاحُ المَحَاوِرِ
نَخْتِمُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةَ العُلْيَا بِقَوَافٍ تَدُكُّ مَضَاجِعَ التَّبَعِيَّةِ، وَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى كِبْرِيَاءِ بَغْدَادَ المَسْلُوبِ عَبْثًا فِي أَتُونِ حُرُوبِ الآخَرِينَ:
«إِنْ لَمْ تَكُنْ نِدَّ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ
فَأَنْتَ عَبْدٌ وَإِنْ سَمَّوْكَ قَوَّادُ»
***
سجاد مصطفى







