أقلام حرة

الإقتصاد في التعبير!!

عندما كتب محمد بن إسحاق (80 - 151) هجرية، السيرة النبوية بتوجيه من الخليفة أبو جعفر المنصور (95 - 158)  هجرية، لتكون مَعينا لإبنه المهدي (127 - 169) هجرية، علق عليها المنصور بأنها طويلة وعليه أن يختصرها ففعل.

وكانت إلتفاتة نابهة من المنصور، تنم عن معرفة واعية بالذوق المعرفي والقابلية العقلية للإنسان.

فلكي تعرف وتتعلم يجب أن تتمثل خلاصات الأفكار، ولا تغرق في التفاصيل فتصاب بالدوار والغثيان وتسأم القراءة.

والعرب مارسوا الإيجاز  في بواكير تفاعلهم مع الكلمة، وأكدوه في خطبهم وكتاباتهم.

وفي عصر السرعة والفيض المعلوماتي، ترانا نكتب ونتحاور بإطناب وإسهاب، وكأننا لا نريد قارئا، ولا نرغب بنشر الفكرة التي نتناولها في الحوار.

فالأسئلة طويلة ومبهمة، وأجوبتها تتمادى بالتعقيد، وكأن طرفي الحوار لا يعرفان في ماذا يتحاوران.

هذا ليس بحوار وإنما دوار، يحتاج القارئ الذي يتورط بقراءته لأدوية مسكنة لأوجاع رأسه، ولفترة نقاهة ليتخلص من التوتر النفسي الذي سببه له.

الحوارات الثقافية أخذت تنتشر في الصحف والمواقع والدوريات، وتفتقد لضوابط  الحوار ومناهجه وأساليبه اللازمة، والمحاور بلا خبرة وقدرة على إطلاق جوهر ما في محاوره.

ومعظم الأسئلة لا قيمة معرفية لها ولا منفعة إدراكية، فالحوار لا يضيف جديدا للقارئ، بل هو أشبه بالقوة الطاردة والمبلدة للوعي والتفاعل التنويري المرجو من الحوار.

وحتى في البرامج المتلفزة، المهارات الحوارية لها أهميتها، ودورها المهم في صناعة التلقي الإيجابي للحوار.

ترى هل لدينا القدرة على التحاور وفقا لمقتضيات عثرنا، أن الحوار صار إبن عم الهراء؟

وكم ممتع حوار إفلاطون  لسقراط، ويعلم أسلوب وأدوات الحوار، ومناهج الوصول للب الفكرة والمعنى والمغزى.

فهل سنصل إلى مستوى الإيجاز الحواري التواق النابض بالتنوير والتعبير المكثف الواضح السديد.

الإيجاز: وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل، الإختصار.

الإطناب: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو بسط الكلام وإطالته لتكثير الفائدة

الإسهاب: بسط الكلام وإطالته دون فائدة

ومن الأقوال في الإيجاز والإختصار:

-الإيجاز ذروة سنام البلاغة (إبن رشيق)

-الإيجاز خاصية أصيلة في اللسان العربي وهو لب البلاغة (إبن خلدون)

- البلاغة كلمة تكشف عن البقية (الفراهيدي)

والخلاصة أن الإيجاز يقي من الترهل الإبداعي، والفوضى التعبيرية.

وخير الكلام ما قل ودل!!

***

د-صادق السامرائي