عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

بداية، أنا لا أنتمي إلى اتحاد الناشرين المصريين، ولا إلى دار الكتب والوثائق القومية، ولا حتى إلى نقابة المهن التمثيلية؛ تلك النقابة التي بدت مشغولة ـ قبل يومين ـ بقضية "حقوق الأداء العلني" أكثر من انشغالها بتاريخ مصر الذي يعاد تشكيله على هوى فيلم سينمائي، هو الأضخم إنتاجًا هذا العام. عمل يقرر أن السود في مصر كانوا ضحايا كما كانوا في أمريكا، وكأن صفحات تاريخنا ـ بيضاء كانت أم سوداء ـ لم تشهد قط أن مصر كانت الملجأ، لا المعتدي.

لكن دعنا من هذا كله، ولنترك السينما قليلًا، ونغوص في مستنقع آخر؛ مستنقع الأرقام المعيارية الدولية للكتب (ISBN)، وملفات “الوورد” القابلة للتحريف، واشتعال المعركة بين "الاتحاد" و"الدار" في أربعة بيانات متتالية خلال 24 ساعة فقط. أربعة بيانات.. اثنان من هنا، واثنان من هناك، كأنهما يتسابقان في الإصدار كما يتسابق الأطفال في لعبة "أنا أسرع منك!".

المعركة: ملخص سريع لمن نام باكرًا

بدأت القصة بالقرار رقم 198 لسنة 2026، الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية. القرار في ظاهره بسيط: أي ناشر يرغب في الحصول على رقم إيداع لكتابه ـ ذلك الرقم السحري الذي يمنح الكتاب شرعية وجوده على الرف ـ عليه أن يقدم نسخة من الكتاب بصيغة "Word".

نعم، عزيزي القارئ، لم تقرأ خطأ "وورد". ذلك الملف الأبيض الذي نفتحه عادة لكتابة قوائم التسوق، أو رسائل الغضب العابرة. ذلك الملف الذي يستطيع طفل في الصف الأول الابتدائي أن يضغط عليه بالزر الأيمن للفأرة، ثم "نسخ"، ثم "لصق". ذلك الملف الذي لو أردت أن تسرق روايةً كاملة وتنسبها لنفسك، لما احتجت لأكثر من ثوان معدودة وسطر أوامر واحد. وقالت دار الكتب: على مرحلتين. أولًا قبل الطباعة النهائية، ثم بعد الإصدار. وكأن الناشر سيسلمهم "مسودة الرواية" قبل أن ينام عليها مؤلفها ليلة كاملة يقلب فيها فاصلة أو حرف عطف!

عندها، استشاط اتحاد الناشرين المصريين، برئاسة الأستاذ فريد زهران، غيظًا. فنزل البيان الأول. ثم ردت الدار ببيان هادئ جميل. ثم رد الاتحاد ببيان أكثر غضبًا. ثم ردت الدار... حسنًا، نحن نتحدث عن أربعة بيانات فقط، لكن الأجواء لا تزال ملتهبة كأننا في غرفة مغلقة يختنق فيها خمسون ناشرًا وموظف حكومي واحد.

ما قاله الاتحاد (وأنا أتفق معه بنسبة 95%)

أولًا، القرار اتخذ دون أي تشاور معهم. صفر تشاور. صفر إعلان مسبق. فجأة وجدوا أنفسهم أمام قرار يمس جوهر عملهم، وما من أحد سألهم. تخيل أن يصدر قرار بتغيير شكل رخصة القيادة دون أن يسأل السائقون؟ لا، لا تقارن؛ فالسائق لا يخشى على سيارته أن تسرق بضغطة زر، أما الناشر فيخاف على روحه.

ثانيًا، والأهم: خطر الوورد. يقول الاتحاد، بحق: "الملف القابل للتعديل والنسخ هو بمثابة دعوة مفتوحة للسرقة الأدبية". وماذا لو تسربت هذه الملفات من دار الكتب؟ أو من جهة أخرى؟ أو من موظف تعصف به أزمة مالية، فعرض على مؤلف ناشئ أن يبيع له رواية بعشرين ألف جنيه؟ نحن في مصر، والمواطن المصري صار خبيرًا في الـ"باك أب" والـ"نسخ الاحتياطي"، بمعناهما غير القانوني.

ثالثًا، هذا إجراء بيروقراطي كان قد أُلغي منذ عام 2017؛ أي في عصر ترامب الأول، كانوا قد اكتشفوا خطأ هذه الفكرة وألغوها. والآن، في عصر الذكاء الاصطناعي وChatGPT، نعيد إحياءها؟ منطق عجيب.

رابعًا، اتهم الاتحاد الدار بتهميش دوره القانوني، وهو دور واضح في قانون النشر المصري: فالاتحاد هو الممثل الشرعي للناشرين، وهو أشبه بالنقابة، وأي قرار يمسهم يجب أن يستطلع رأيهم. لم يحدث.

خامسًا، رفعوا الأمر إلى وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، وطالبوا بالإلغاء الفوري. ومعهم النائبة الدكتورة ضحى عاصي، أمين سر لجنة الإعلام والثقافة والآثار، التي تقدمت بطلب إحاطة عاجل إلى مجلس النواب.

وهنا تتسع دائرة المشهد، لدينا الآن دار الكتب، واتحاد الناشرين، ووزارة ثقافة، ولجنة برلمانية، ونواب، ووزيرة، وجميعهم في حالة استنفار قصوى... حول ملف وورد!

ماذا قال الاتحاد أيضًا عن الإيداع والرقابة؟

وهنا الجزء العميق يا صديقي، الذي يجعلك تدرك أن القصة أكبر من مجرد شخصين يتشاجران حول صيغة ملف.

قال الاتحاد إن الإيداع في الأساس هو مجرد "إثبات نسبة النص إلى كاتبه"، أشبه بشهادة ميلاد أدبية. وهو إجراء ليس رقابيًا. ومصر موقعة على اتفاقيات دولية تمنع الرقابة المسبقة على الكتب، وقد صادقت على ذلك. وفي الدستور المصري نفسه، الرقابة على الكتب لا تكون إلا بعد النشر، إذا تضرر المجتمع من المحتوى، ووفق إجراءات قضائية واضحة، لا قبل النشر. فإذا طلبت مني الدار أن أرسل لها الكتاب بصيغة قابلة للتعديل قبل الطباعة، فقد حولت الإجراء من إيداع إلى مراجعة مسبقة. قد تكون هذه المراجعة بريئة في نيتها، لكنها في التطبيق تتحول إلى رقابة.

ناهيك عن أن الاتحاد حذر من أن هذا القرار قد يؤدي إلى خروج مصر من الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA)، الذي كنا أعضاء مؤسسين فيه. تخيل.. كنا معهم من البداية، ننادي بحرية المعلومات وتدفق المعرفة، ثم نأتي اليوم بنظام يجبر الناشرين على تسليم مفاتيح مملكتهم قبل أن يبنوها. هذا بالضبط ما وصفه الاتحاد بأنه "خطوة إلى الوراء"، قد تخرجنا أو تطردنا من هذا المحفل الدولي.

ماذا قال بعض الكتاب؟

بعض الكتاب، وهم في العادة لا يتفقون على لون السماء، اتفقوا هذه المرة على أن القرار غير دستوري. الكاتب الكبير سلم سنين من عمره، وليالي من الأرق، وفكرة حملها تسعة أشهر ثم ولدها على الورق. وأخيرًا، حين يذهب ليودعها للناشر ويحلم أنها ستصبح كتابًا حقيقيًا... يكتشف أن دار الكتب تريد الملف الأصلي القابل للتعديل قبل أن يدخل إلى المطبعة! لماذا؟ لأي غرض؟

قال كاتب ساخرًا على فيسبوك: "يعني أنا ككاتب ممكن أصحى ألاقي روايتي منشورة على موقع اسمه 'قصص وردية' باسم شخص آخر، ويقول: أنا اللي كتبتها، وهات إثباتك. وأنا سلمت الملف لدار الكتب. من يضمن لي أن الدار لا تسرب؟ لا أحد. الثقة معدومة". وقال آخر: "التحول الرقمي مهم، لكن ليس بهذه الطريقة. كان يمكن عمل منصة آمنة، أو إرسال ملف PDF محمي بكلمة سر، أو أي شيء آخر، لكن ليس الـWord العاري كما نرسل سيرة ذاتية لشركة".

وأين الفنانون من كل هذا؟

والآن، نصل إلى المفارقة الأكبر، التي جعلتني أكتب هذا المقال أساسًا بينما لا تزال رقبتي تؤلمني. قبل يومين، أو يوم واحد، اجتمع زمرة من الفنانين في البرلمان، وكانت لهم جلسة مطولة، وكانوا غاضبين، ولهم الحق في الغضب. فموضوع "حق الأداء العلني" للأعمال الفنية التي تعرض على منصات المشاهدة قضية شائكة، والفنان المصري لا يحصل على مستحقاته كاملة حين يعرض فيلمه على إحدى المنصات الرقمية. فاجتمعوا، وتحدثوا كثيرًا. ولم يتحدث أحد عن الفيلم. عن ذلك العمل الضخم الذي انقسم عليه المشاهدون بين مؤيد ومعارض، لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أنه يعيد كتابة تاريخ مصر بوقاحة.

الفيلم الذي يريد أن يقنع جيل الألفية وجيل Z بأن السود في مصر كانوا مهمشين ومضطهدين كما كانوا في أمريكا في ستينيات القرن الماضي. الفيلم الذي يخلق "حقوق سود" على الطريقة الأمريكية في بلد عاش فيه السود أحرارًا، وزراء وقادة وجنودًا، منذ أيام محمد علي باشا وحتى الآن. لا أحد في البرلمان انتبه. لا أحد رفع صوته. الجميع مشغول بـ"رقم الإيداع"، و"ملف الوورد"، و"حقوق العرض المباشر"، وبعضهم مشغول بمعركة الكراسي في النقابات.

أما الفيلم الذي يمس تاريخ مصر ووحدة نسيجها الاجتماعي، ويحاول أن يدخل صراعًا عرقيًا مصنوعًا بالكامل في بلد لم يعرف العنصرية بالمعنى الأمريكي قط، فقد مر مرور الكرام. كأن أحدًا لم يشاهده. كأن المخرج أمسك بعصا سحرية، فجعل كل النقاد والسياسيين والفنانين ينسونه فجأة.

في النهاية، أنا مع الناشرين في خوفهم على الملكية الفكرية. وأتفهم رفضهم تقديم ملف وورد سهل الاختراق. وأتفهم أن الدار ربما نوت خيرًا بطلب النسخة الرقمية لأجل رقمنة الإيداع ومواكبة العصر.

لكن الطريقة كارثية، والتوقيت كارثي، وعدم التشاور هو الجريمة الحقيقية هنا. ولكن، وبصراحة شديدة، أنا حزين مثل الناشرين، لكن لسبب مختلف، الناشر حزين على وورد، وأنا حزين على التاريخ. الناشر خائف على كتبه من السرقة، وأنا خائف على هويتنا من التشويه. الناشر يريد أن يلغوا القرار 198، وأنا أريد أن أُلغي فيلمًا واحدًا من الذاكرة الجمعية، لكن لا أستطيع. الجميع في ساحة المعركة، والفنانون في ساحة أخرى، ومصر كلها في ساحة ثالثة، وكل ساحة تنادي: "أنا المظلوم". لكن أين العقل؟ وأين الأولويات؟

أما كتاب الله المجيد، فهو بريء من كل هذا؛ فهو لا يحتاج إلى رقم إيداع لأنه محفوظ في الصدور. لكن كتبنا نحن البشر، من روايات ودواوين ودراسات، تحتاج إلى حماية من السرقات ومن الترهلات البيروقراطية.

الخلاصة: ماذا نريد؟

نريد أن تلغي دار الكتب شرط الـWord فورًا، ثم تجلس مع اتحاد الناشرين لوضع آلية آمنة للإيداع الرقمي باستخدام تقنيات التشفير، وملفات PDF المحمية، وسلاسل الكتل (Blockchain) إن لزم الأمر. نريد أن يتذكر النواب والفنانون ووزارة الثقافة أن تاريخ مصر أغلى من أي قضية فنية أو أدبية. مصر لم تكن يومًا عنصرية، ولا يستطيع أحد أن يثبت العكس بفيلم درامي فارغ.

نريد أن نرتاح... رقبتي تؤلمني من كثرة المتابعة.

***

د. عبد السلام فاروق

 

قُتلت كوثر، ذات الخمسة عشر عاماً، قتلها أهلها لأنها رفضت الزواج مِن ابن عمها، وهذا عُرف عشائري، أن يكون ابن العم أحق بابنة عمه، حتى وإن كان متزوجاً، وهذا ما اتفق عليه بـ«النّهوة»، أن ينهي (يمنع) ابن العم المتقدم للزواج مِن ابنة عمه.

وفي حالة كوثر أنها لم تختر الزواج مِن شخص آخر، إنما رفضت الزواج، واختارت الدراسة، وربما تعنف لرفضها بالمنع مِن الذهاب إلى المدرسة، لكن أن يُعتبر رفضها جريمة «مخلة بالشَّرف»، ويتقدم أهلها على قتلها، بحفلة ابتهاج، هذا ما هو جديد على القرون كافة.

عندما تقرأ تاريخ مدينة مِن مدن العراق، يظهر أمامك التحضر، وأنفاس الماضي (الجميل)، يبدأ من الاسم إلى التفاصيل، فماذا يعكس في ذهنك اسم «النَّهروان»، غير الماء والخضرة، مرة يتداول في الخصب والزراعة، وهو جزء أصيل في تاريخ العراق كافة، وأخرى في حوادث فاصلة في التاريخ، كمعركة «النِّهروان» الشَّهيرة «ذكرها المؤرخون والبلدانيون، قيل في الاسم: «الأكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون، وهي ثلاثة نهروانات: الأعلى والأوسط والأسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد وفيها عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف وجرجرايا والصافية ودير قنى وغير ذلك، وكان بها وقعة مشهورة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، مع الخوارج، وقد خرج منها جماعة من أهل العلم والأدب» (الحموي، معجم البلدان). وقيل أصلها «نهروانا» اسم نهر جف ماؤه وعطش القاطنون على شاطئيه، فأعيد إصلاحه، واستقر الاسم «النهروان» (نفسه).

كان لاسم «النِّهروان» نغمة، يعتقد لمن سمع بالاسم وقرأ اللفظ، أنها واجهة حضارية، في عمرانها والعمران البشري، شأنها شأن «أور»، و«بابل»، و«نينوى»، و«بغداد»، وكل اسم آرامي سُبق بحرف الباء، وإذا تنشر وسائل الإعلام ما غطى على رونق «النهروان»، كتاريخ ومكان، أن قوماً قطنوها قطعوا ما بينها وبين تاريخها، فقد طغى الحدث عليها، وتداولت المقالات تحت عنوان «ابنة النّهروان»، وكأن الكُتّاب قصدوا الفصل بين الجريمة والمدينة، فمِن الطبيعي في أذهانهم أن «كوثر» بإصرارها على التعليم، ورفض ما يُراد لمستقبلها، هي «النّهروان»، بذاتها.

صحيح أن قتل النساء بالعراق زاد على حده، لكن لكوثر قصة أخرى، ذات معانٍ موغلة بالظلم والاعتداء على الحاضر، وعلى أمكنة طالما تداولت أسماؤها ضمن تاريخ العراق الحضاري، وفي هذا الظرف، قد يفاجئوك أحد الفازعين لقتل «ابنة النَّهروان» أن يكون سياسياً منتخباً، أو برلمانياً في المستقبل القريب، فهو الذي يملك القانون ويشرّعه ويفرضه بقوة ثقافة قتل النساء، لأي سبب كان، وإن كان رفضاً للزواج، أو رغبة في الدراسة، مثلما يعتقد المشدودون لأسماء وتواريخ المدن، التي نشأت على الماء.

ظهرت معانٍ أخرى لاسم «النهروان» ومنها «ثواب العمل» (التنوخي، نشوار المحاضرة)، وكان مِن أبرز أعلامها المفسر وصاحب اللغة والمؤرخ أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني (390هج)، صاحب كتاب «الجليس الصالح الكافي والأنيس النَّاصح الشَّافي»، الذي أصدرته دار الكتب العلمية (2005) محققاً. لم تعطِ «ابنة النهروان» أو كوثر النهروانية فرصة قراءته، أو ما تركه النهروانيون مِن كتب التاريخ والأدب، وما علق في الأذهان عن «النهروان» تاريخاً ومكاناً.

خلد شعراء الخوارج النهروان، فلهم وقعة شهيرة فيها، مثلما تقدم، وكان أبرزهم عمران بن حِطان، قبل أن يرجع عن رأي الخوارج، وبرز اسمها أيضاً: «فكم بالنهروان مِن قتيل/ تولى الله حكمهم فعادوا». عموماً خارج تاريخ هذه الوقعة تجد واقعة ابنتها كوثر، مع أن النهروان تعني: جداول الماء، وخصوبة الأرض، والقرى والبساتين، والأدب أيضاً، فهي التاريخ والجريمة أيضاً، لمن يريد إعادة كتابة تاريخها وتدوين أخبارها. سلاماً على ابنة النهروان القتيلة.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

الخريطة الجينية للبشرية مهمة جدا للتطور العلمي وحياة البشرية في المستقبل. هذا المشروع يجب ان يكون دوليا وبميزانية دولية تضم جميع الدول دون استثناء . البنك ذو دوافع علمية بحتة ومن اجل البشرية جمعاء. دي ان ئي DNA هو اختصار ل (Deoxyribonucleic Acid)، ويُعرف بالعربية باسم الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين تمثل الخريطة الجينية الوراثيةً الجينية للبشر وتعتبر كدليل كتب فية كل المعلومات حول الكائن الحي.

الهدف الأساسي لإنشاء هذا البنك العالمي ياتي من نظرة مستقبلية لمصير البشرية حيث سيساعد في المستقبل علىً تجنب حدوث العديد من المشاكل المعاصرة من أمراض وأوبئة وحتى الحروب والنزاعات ومن ناحية اخرى ستؤدي إلى تحسين الأداء البشري بصورة عامة وبناء إنسان سليم خالي من الأمراض بجميع أنواعها الطبيعية، النفسية، العقلية والبيئية المرتبطة بالعقائد والأعراف والثقافات.

لست بخبير في المادة، هذه مجرد أمنية ولكن تلك الأفكار راودتني وانا انظر الىً حال العالم ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرون والطفرات العلمية الخيالية التي ستأتي بها القرن القادم. كذلك إلى الصورة المرفقة للانتماء الفرد العراقي والتي تثبت ان البشرية نتيجة مباشرة لحوار حضاري بين الشعوب والأمم .2782 tawfiq

ان المعلومات الخيالية التي توفرها اليوم الذكاء الاصطناعي غير نظرة العالم إلى الكثير من الأمور وسيأتي بانفجار معلوماتي كبير وربما يولد معلومات لم تكن البشرية على علم بها. لكن القادم اكثر من ثورة معرفية حين تقوم الأجهزة المعلوماتية الحوار فيما بينهم والتوصل إلى نتائج قد تغير مسار الحياة على الأرض.

المشكلة في كل الأحوال ان الأجهزة خالية من العواطف لهذا تكون قراراتها غير إنسانية رغم صحتها وواقعيتها. كل تلك التطورات في عالم المعرفة يحتاج إلى بناء إنسان جديد واعي، واقعي وخال من الخطأ.

بنك معلومات للخريطة الجينية البشرية مستقبل الإنسانية وربما ستكون جميع وثائقه في شمال السويد قرب القطب الشمالي كنقطة بعيدة عن الصراعات السياسية في العالم.

لست بنفسي متفائلا أن أكون في ذلك العالم القادم ولكني أتمنى ان توفق الإنسانية في بناء عالم اكثر سلاما لما نتركه نحن ابناء القرن العشرين والواحد والعشرين.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - السويد

2026

.............................

إشارة:

الحمض النووي (DNA) بوليمر قطبي يتكون من سلاسل متكررة من النيوكليوتيدات. يبلغ طول سلسلة الحمض النووي من 22 إلى 26 أنغستروم (2.2 إلى 2.6 نانومتر)، وعرضها 3.3 أنغستروم (0.33 نانومتر). يلتف حلزون الحمض النووي دورة كاملة كل 3.4 إلى 3.6 نانومتر، وذلك تبعًا لتسلسله؛ لذا، يوجد ما يقارب 10 إلى 10.5 أزواج من القواعد النيتروجينية في كل دورة.

على الرغم من صغر حجم كل وحدة متكررة من الحمض النووي، إلا أن سلسلة البوليمر الخاصة بها قد تتكون من ملايين النيوكليوتيدات. فعلى سبيل المثال، يبلغ طول أكبر كروموسوم بشري، وهو الكروموسوم رقم 1، 220 مليون قاعدة نيتروجينية متكاملة.

تشكل سلسلتا الحمض النووي بنية معقدة، تشبه الكرمة، على شكل حلزون. تُسمى القاعدة العضوية المرتبطة بجزيء سكر بالنيوكليوزيد، وإذا ارتبط النيوكليوزيد بمجموعة فوسفات عبر قاعدته، فإنه يُشكل نيوكليوتيدًا. وإذا ارتبطت عدة نيوكليوتيدات معًا، كما في الحمض النووي DNA، يُسمى ذلك عديد النيوكليوتيدات.

تتكون خيوط الحمض النووي DNA من وحدات تتألف من السكر ومجموعات الفوسفات المرتبة بالتناوب وبشكل متكرر على طول الخيط.

السكر المستخدم في الحمض النووي DNA هو ديوكسي ريبوز، وهو نوع من البنتوز (سكر خماسي الكربون). وترتبط جزيئات السكر معًا بواسطة مجموعات الفوسفور.

في الحجِّ رسالةٌ للأُمّة الإسلامية، لحلفائها وأنصارها، وحتى لأعدائها؛ ففي أيام الحج يجتمع المسلمون في مكة المكرمة بأعدادٍ عظيمة، وتراهم يصطفون في صفوفٍ موحّدةٍ، وبلباسٍ واحد، وبصوتٍ واحد، يلبُّون اللهَ وحدَه.

الرئيسُ فيهم والمرؤوسُ، الملكُ والمملوكُ، الحاكمُ والمحكومُ، الغنيُّ والفقيرُ، السيّدُ والخادمُ، كلُّهم خاضعون لربّهم، بعد أن زالتْ عنهم تلك المناصبُ الكاذبة، والأسماءُ الخادعة؛ وتساووا جميعًا في تواضعٍ وخشوعٍ لرب العالمين. قويُّهم وضعيفُهم، الصحيحُ منهم والعاجزُ فيهم، لا همَّ لهم سوى التّلبية والتهليلِ: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له).

فبماذا تشعرُ أيُّها القارئُ العزيزُ عندما ترى تلك الجموعَ الهائلةَ تطوفُ بالبيت العتيق، وتلبّي للهَ وحده لا شريك له؟! (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك)؛ شعورٌ لا يُوصَفُ بالكلام، وإنّما يُعَبَّرُ عنه بذرفِ الدموع خشيةً وإجلالاً، ويعبر عنه خشوعٌ وشوقٌ لخالق السماوات والأرض يفيض من الروح فيضًا؛ أمام هذا المشهد العظيم تعلم أنّك آتيه فرداً، وأنك سوف تقف بين يديه عارياً عن الدنيا وزينتِها إلا ما ادّخرتَه لآخرتِك فيها.

ولِتَفهمَ أنّ الإسلامَ دين التواضع والخضوع لخالق هذا الكون ومدبره، وهو كذلك دين القوة والعزة لكل من دخل فيه ودخل الإيمان قلبه؛ لِتَفخرْ بدينك، وتلحقْ بالرَّكبِ الذي سبقك، فلا تخضعْ ولا تلَينْ أمام إغراءات الشياطين، أو أمام خصمِك اللّعين. فما دمت في جيشِ ربِّ العالمين، فلا غلبةَ لأحدٍ عليك من دونه، وهو ينصرك ما دمت ثابتًا على الحق متمسكًا بدينك. فاثبت على ثغرك لأنّك جزء من هذه الأُمّة؛ أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الأمة التي ما زالت الأرضُ بأكملِها تسمع صداها في أشهر الحجّ وأيامه.

وفي الحج رسالة لذلك الذي تخاذلَ عن نصرة الدّين، وظنّ أنّه قد فاز وانتصر لملذاته الدنيئة، وظنَّ أنه قد أحدث فرقاً بخُذلانه وخنوعه؛ فليَرَ كم هم المسلمون في عرفة؟ وكم منهم ذو شأنٍ عظيمٍ قد خلع ثوب المراتب والمفاخر تواضعاً وخشوعاً لمن هو عبدٌ عنده، واستعداداً لتلبية الله وحده! لِيَرَ الخائن أنه ليس شيئاً أمام تلك الجموع، وأنّ المسلمين في غنىً عنه؛ هو لم يفرّقْ بين تلك الصفوف بخيانته، ولم يحدُثْ فراغٌ بينها أو فجوة أبدًا، لكنه هو الوحيدُ الذي خسر بعد أن دلاّه الشيطان بغرور.

ولِيعلمَ أعداءُ الإسلامِ أنَّ المسلمين أكثرَ ممّا يظنّون، وأنهم يزيدون كل عامٍ ولا ينقصون مهما كادوهم أو مكروا بهم؛ باقون ما بقي الخير في الأرض، والإسلام باقٍ ما بقي الحق والصدق في الناس، وما بقيت الأخلاق المحمدية فيهم. لِيَرَ الحاقدون على الدين في الحج عبادَ اللهِ الذين أتَوه طوعاً وخضوعاً، حين حان وقتُ الحجّ فوفدت الوفودُ وانقادتْ لله في كلِّ أمرٍ ونسكٍ وشعيرةٍ من الشعائر العظيمة.

هناك أُمّةٌ بأكملِها بصوتٍ واحدٍ، وزيٍّ واحد، يحجُّون لله الواحدِ الأحد، وهم على استعدادٍ تام للتضحية بأرواحهم في سبيل دينهم ولحماية شعائرهم، فماذا بعد أن أصبحوا متجرّدين عن الحياةِ الدنيا، ولبسوا ثوبَ الموت، واتّجهوا لله وحدَه؟!

لكنّ السؤالَ الذي يبقى يدوي في الأذهانِ دونَ توقُّفٍ: هلِ الأمّةُ تُدركُ عظمةَ هذه الرسالة؟؟ أم أنها غافلةٌ عن مصدر قوَّتِها وعن عظمتها أمام عدوّها؟!

جوهر النسك والمعنى الروحاني لا الشكلي

إنّ الحكمة من مناسك الحج جلية لمن تفكر وتدبر؛ فهي ليست في العدد ولا اللباس أو الطواف الفجّ، بل هي تتجلى في صدق الإيمان؛ هي في اختبار من سيقولون سمعنا وأطعنا، ومن سيجادل في الدين ويتساءل عما وراء الأحكام.

أنت في الحج تسافر إلى الله عز وجل، وهو سبحانه الذي لا يتركك قط حتى في نومك؛ تسافر من بيتك إلى بيت حافظك ورازقك وخالقك العظيم لتعلم كم أنه قريب منك، وكم أنك بعيد عنه. أنت تحتاج إلى شد الرحال وعقد النية لتذهب إليه، يجب أن تهاجر دنياك تاركاً أهلك ومالك وذاهباً لربك، فلا مال ولا بنون؛ لأن كل ما يريده منك أن تأتيه بقلب سليم لا شك عنده في رب العالمين، ولا فيما فرضه عليك في الدين.. لا تفكير ولا تردد، فقط تسليم وتدبر.

ولأنك ستقابل خالقك العظيم فيجب أن تلبس لباسًا يليق بعبد من عباده، ولا يوجد لباس مناسب لتقابل به من خلقك فسواك غير جسدك العاري عن كل زينة، ولفة بيضاء تواري بها سوأتك تأدبًا وحياءً؛ فإن كنت تذكر، فأنت عندما أتيت إلى الدنيا لفوك بلفافة بيضاء، وحتى حين تخرج منها سوف يلفونك بالأبيض أيضًا، لذلك فأنت بين يديه تكون كما خلقك أول مرة.

تطوف حول بيته بجسدك، وقلبك في سمائه يطوف، وروحك ترتقي وتصعد في السماوات العلى بعد أن تركت الدنيا وما فيها؛ ومع هيبة المكان هيبة المشهد.. الناس بالآلاف من كل بقاع الأرض يهللون بصوت مرتفع شهادة وإقراراً منهم على خالص الإيمان، فيخشع قلبك بعد أن خضعت كل الأصوات للرحمن سبحانه، وترتجف روحك وتتدثر بالإيمان.

وعند لمسك للحجر الأسود فأنت تدرك أن ذلك من باب الاتّباع، ومن حبك للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان تقبيل حجرٍ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله. وحتى عند رمي الجمرات، عندما ترمي الشيطان فأنت تتبرأ من عدوك وعو الرحمن. فأنت تدرك أن العبادة والمناسك كلها ليست في الشكل أو المظهر، بل تتعمق في المعاني الروحية المتجذرة بالإيمان في القلب والكيان.

فالحج رسالة لك تخبرك أن العمل التعبدي ومناسك الحج كلها أعمال جوارح يقودها تصديق القلب وإيمانه الخالص وطاعته لربه؛ رسالة لأمم بأكملها أن لنا ولهم يوماً يجمعهم فيه ربنا وربهم، ويحشرهم جميعاً ويبعثهم حتى وقد أصبحوا تراباً وعظاماً نخرة؛ المسلمون يوقنون بذلك ويأتونه طوعاً، أما الجاحدون فسيأتونه وهم صاغرون ذليلون.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

 

في كتابه الماتع " ال٢٠٠فكرة" يذكر الصحافي الكبير مصطفى أمين كيف يؤثر غلط مطبعي أو لغوي بنقص حرف في تغيير المعنى الكامل للجملة وربما بسبب هذا الغلط يتابع الصحافي قضائيا.. فيقول في مقال له " الغلطة المطبعية" ص 288: (إني لا أنسى غلطة مطبعية كادت أن تذهب بي إلى محكمة الجنايات و أنا محرر صغير في مجلة روز اليوسف لقد كتبت كلمة عن وزير المعارف فسقط حرف الواو وجاء الخبر  بعنوان " زبر المعارف "وكانت مصيبة لأن وزير المعارف هذا كان معروفا بأنه زير نساء).

وهذه بعض الأغلاط التي انتشرت في صحافتنا العربية:

1- استعمال الفعل أثرى متعديًا؛ فيقولون: "وقد أثرى العقاد المكتبة العربية بكثير من الكتب"، مع أن هذا الفعل لم يستعمل في العربية إلا لازمًا؛ تقول: ثرى الرجلُ، وأثرى الرجلُ، أي صار ثريًّا.

2- استعمال الفعل لفَت بمعنى شدَّ وجذب، فيقولون: "لفت فلان انتباه الناس"، مع أنه لا يستعمل إلا بمعنى "صرف" وأبعد، قال تعالى على لسان قوم إبراهيم - عليه السلم -: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس: 78].

3- استخدام أسلوب الاستثناء بعد عبارة (على الرغم من)، فيقولون "وعلى الرغم من أنه لم يدرَّب التدريب الكافي إلا أنه حقَّق انتصارًا باهرًا على خصمه"، والصحيح أن نقول: "وقد أحرز انتصارًا.. على الرغم من أنه لم يتدرب...".

4- دخول الباء على المأخوذ مع الفعل استبدال وتبدَّل؛ فيقولون: "استبدلنا الخبيث بالطيب" يقصدون ترك الخبيث، وأخذ الطيب، والعكس هو المقصود؛ لأن الباء لا تدخل إلا على المتروك؛ قال تعالى مُوبِّخًا بني إسرائيل ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61].

5- استعمال الاعتذار لعكس ما يُعتذر عنه، فيقولون: "اعتذر فلان عن حضور الاجتماع"، والصواب: اعتذار عن الغياب، أو اعتذر عن عدم الحضور" (1)

فغياب إسكافي اللغة أو المدقق اللغوي يجعل بعض الصحف والمجلات تقع في هذه الأغلاط اللغوية التي لا ينتبه إليها إلا الملمون باللغة السابحون في عوالمها السحرية الجميلة.

***

الكاتب شدري معمر علي - الجزائر

...............

1- أ. د. جابر قميحة، أخطاء لغوية في الصحف والإذاعة ' والتلفزيزن - شبكة الألوكة..

في مواسم الحصاد، لا يُقاس الفرح بكمية القمح وحدها، بل بما تحمله تلك السنابل من حكاياتٍ طويلة، تبدأ ببذرةٍ تُغرس في الأرض، وتنتهي بأملٍ يُفترض أن يصل إلى موائد الناس خبزاً وكرامة. لكن في هذا المشهد المتكرر كل عام، ثمة وجعٌ يتسلل بين خطوط الذهب، وجعٌ لا تراه العين سريعاً، لكنه يسكن قلب الفلاح، ويكبر مع كل موسمٍ يُخذل فيه.

يا فرحةً ما دامت…

عبارة تختصر مأساة موسمٍ كامل، حين تتحول لحظة الحصاد من ذروة الفرح إلى بداية القلق. فبدلاً من أن يكون الحصاد نهاية رحلة التعب، يصبح بداية معركةٍ أخرى، معركة التسويق، ومعركة إثبات الحق في بيع محصولٍ هو أساس الحياة.

القمح في هذه البلاد ليس مجرد محصول زراعي، بل هو شريان سيادة. هو ذاكرة الأرض، وهوية الفلاح، وهو الركيزة الأولى للأمن الغذائي. ومع ذلك، يتكرر المشهد ذاته: إنتاج وفير، يقابله ارتباك في الاستلام وتأخير في الإجراءات، وغياب واضح في التخطيط.

الفلاح، الذي يبدأ يومه قبل شروق الشمس لا يطلب أكثر من أن يُقابل تعبه بنظامٍ عادل. لكنه يجد نفسه أمام واقعٍ معقد: منافذ تسويق محدودة، إجراءات بطيئة وأسعار لا تنصف حجم الجهد المبذول. وفي كثير من الأحيان، يقف أمام محصوله كمن يقف أمام حلمٍ مهدد بالضياع.

إن غياب الدعم الحكومي لا يظهر فقط في نقص المال، بل في غياب الرؤية الشاملة.

فحين لا تكون هناك خطة واضحة لاستيعاب الإنتاج، ولا بنية تحتية كافية للتخزين، ولا سياسات تسعير محفزة، فإن الفلاح يُترك وحيداً في مواجهة سوقٍ قاسٍ لا يرحم.

وهنا تتشكل المفارقة المؤلمة:

كلما زاد الإنتاج، زادت المعاناة.

وكلما امتلأت الحقول بالخير، امتلأت القلوب بالقلق.

أي منطقٍ هذا الذي يجعل الوفرة عبئاً...؟

وأي إدارةٍ تلك التي تعجز عن تحويل الإنتاج إلى قوة اقتصادية حقيقية...؟

إن المشكلة ليست في الأرض، فالأرض ما زالت تعطي بسخاء.

وليست في الفلاح، فهو ما زال صابراً متمسكاً بجذوره.

بل المشكلة في حلقةٍ مفقودة بين الإنتاج والتسويق، بين الجهد والنتيجة، بين الحلم والواقع.

ومع مرور الوقت، لا تبقى هذه الأزمة مجرد قضية موسمية، بل تتحول إلى تهديدٍ استراتيجي.

فالفلاح الذي يخسر اليوم، قد لا يزرع غداً.

والأرض التي تُهمل، قد تصمت بعد حين.

وعندها، لا يكون الخطر في فقدان محصول، بل في فقدان القدرة على الإنتاج نفسه.

إن الأمن الغذائي لا يُبنى بالشعارات، بل بالسياسات الفاعلة.

ولا يتحقق بالاستيراد، بل بدعم المنتج المحلي.

ولا يُصان إلا حين يشعر الفلاح أن الدولة تقف معه، لا خلفه فقط، بل إلى جانبه.

ولذلك، فإن معالجة هذا الواقع تتطلب أكثر من حلولٍ مؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة، تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند المخزن عبر الاتي :

١-- آليات واضحة وسريعة لاستلام المحصول دون تأخير.

٢-- تسعير عادل يضمن للفلاح ربحاً يحفزه على الاستمرار.

٣-- توسعة الطاقات التخزينية بما يواكب حجم الإنتاج

٤-- دعم حقيقي لمستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة ووقود

٥-- تقليل الروتين الإداري الذي يستهلك وقت الفلاح وجهده

٦-- إشراك المزارعين في صنع القرار الزراعي، لا تهميشهم

إن الفلاح ليس رقماً في معادلة، بل هو حجر الأساس في بناء الاقتصاد الزراعي.

وإهماله لا يعني خسارة فرد، بل خسارة منظومة كاملة من الاستقرار والإنتاج.

يا فرحةً ما دامت…

لكنها لا يجب أن تبقى كذلك.

يمكن لهذه الفرحة أن تكتمل، إذا تحولت السياسة من ردّ فعل إلى فعل، ومن إدارة أزمة إلى بناء نظام. يمكن للسنابل أن تبقى رمزاً للخير، لا بداية لحكاية الخيبة، إذا وُجدت الإرادة الحقيقية للإصلاح.

في النهاية...الحنطة ليست مجرد حبوب بل هي قصة وطن تُكتب كل عام.

إما أن تُكتب بحبر الكرامة، حين يُنصف الفلاح ويُصان إنتاجه أو تُكتب بمرارة الإهمال، حين تُترك السنابل لتواجه مصيرها وحدها.

والسؤال الذي يبقى معلقاً :

كم موسمٍ آخر نحتاج، لندرك أن دعم الفلاح ليس خياراً… بل ضرورة بقاء...؟

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

يوم بدات عملية التحول الالي في الموضع الازدواج الجزئي الطبقي الاوربي، ماكان لها ان تتحقق كاملة، وظلت بدون تحقق بانتظار شرط توفر مادي ينتظر تولده باعقاب الاله بصيغتها الاولى المصنعية كمحطة ثانيه، واخر قد يكون الاهم، عقلي ادراكي جوهر، لامغادرة لليدوية من دونه ظل منذ بدء تبلور المجتمعات والى الساعه غير منظور،  رازحا تحت وطاة حالة من القصورية  العقلية الكبرى، مانعه لمقاربة الحقيقة المجتمعية الاساس الناظمه للوجود، وللاليات والمسار المجتمعي البشري، ومثل هذا القصوركانت له صيغة ادنى في الحالة الاوربية، تمثلت بالعجز التاريخي، عن ادراك ظاهرة الطبقات والصراع الطبقي،  وهو ماقد استمر قائما حتى القرن التاسع عشر، قبل ان تكتشف وتتحول لاحقا الى مفهوم ينحو لان يكون شاملا كنظرية تاريخية مفترضة، من الموحي ايرادها تنويها كمثال رغم قصوريتها وارضويتها هي بالذات، فالاصطراعية الكبرى  التحولية هي بالاحرى اصطراعية مجتمعية بين "ارضية يدوية جسدية"، واخرى "لاارضية عقلية تكنولوجية" هي الحصيلة والمنتهى المقرر للاله ان ترتقي لموجباته، بعد بضع تحولات تطرأ عليها في مجرى الصراع وعملية الانتقال التي  تبدأ اوربيه ثم امريكية في المجتمعية من دون تاريخ، وصولا الى المحطة الاخيرة  الراهنة، حيث الازدواج اللاارضوي التاريخي في ارض البدء الاول، ارض مابين النهرين.

ذلك يعني ان الاتقلاب الالي التحولي بدا بالاحرى  مع القرن السادس عشر في ارض سومر التاريخيه، وهو قد تهيأت اسبابه الاولى ابان الطور العباسي القرمطي الانتظاري الامبراطوري بعد القرن السابع حتى الثالث عشر، ماقبل سقوط العاصمة العالمية ومركز العملية الاقتصادية بغداد عام 1258 و فعل الاقتصاد العالمي التجاري الريعي داخل اوربا، وما تسبب به من تحفيز لعملية الاصطراع  الطبقي الاخير الراهن هناك، وهو عملية لم تكن ذاتية منطلقا، بقدر ماهي برانيه بدات مع وبعد انهيار عاصمة الاقتصاد العالمي، والدورة الازدواجية  العراقية الثانيه التي لم تكن قابله كما الدورة الاول السومرية البابليه الابراهيمية  للتحقق، لنقص الاسباب المادية( وسيلة الانتاج) والادراكية الكبرى، ليعود هذا الموضع من المعمورة الى الانبعاث هذه المرة ذاهبا للتحقق اللاارضوي، مع القرن السادس عشر، في دورة جديده، طورها الاول قبلي ، مع "اتحاد قبائل المنتفك" عام 1530، الذي هو بالاحرى انبعاث  ودورة النطقية  الغائبة المؤجلة مابعد اليدوية، مع الوسيلة المادية الانتاجية المبتدئه  تحولا على الضفة الاخرى من المتوسط،  سيرا الى التكنولوجيا العقلية النهاية والمقصد، هي ومابعدها، حيث الاشتراطات الحتمية للانقلاب التحولي اللاارضوي الانتقالي  بالكائن البشري، من "الانسايوان"  الانتقالي الحالي، الى "الانسان/ العقل"منتهى وغرض العملية الارتقائية النشوئية، لا كما يراها دارون  بحكم قصوريته، على انها عملية جسدية وحسب.

اثرمرورعملية التشكل الحديثة غير الناطقة بالحقبة الاولى القبلية السومرية الجنوبية،  ولدت حقبة انتظارية مستعادة نجفية، بدات مع القرن الثامن عشر، ووقتها  وخلال الحقبتين المشار اليهما لم تكن الديناميات الشامله المتولدة عن الانقلابيه الاليه في اوربا قد صار لها حضور يمكن ان يسهم في  بلورة منظور التشكل العراقي الحديث فوق المحلي "الوطني" بالطبيعه والكينونه، بينما استمرت القصورية العقلية، بالاخص في هذا الموضع من الكرة الارضية سارية، مع العلم انها الموضع المنطوي على الحقيقة المجتمعية  الازدواجية الكبرى، فلما حضر الغرب الاوربي مع القرن العشرين لم يعرف العراق سوى المنظور المستعار خارج الاليات والبنيه الذاتيه، ومنه تولدت ظاهرة الحزبيه المسماة بالوطنيه اعتباطا، واستمرت على مدى يقارب القرن تحت اشتراطات الغرب وتوهميته الاولى  ونموذجيته الليبرالية  ومفاهيمه الكيانويه، وهذة سقطت كليا وانتهى مفعولها بعد ثورة  تموز 1958 ، لتنتهي مع ظهور الدولة الريعيه بعد تاريخ البرانيه المستمر من احتلال هولاكو لبغداد عام 1258 ، حين تحولت عاصمة  الدورة الثانيه الامبراطورية المنهارة  الى موضع لتعاقب الدول واشباه الامبراطوريات، وصولا الى البرانيه الاستعمارية الحداثية، ونموذجيتها المباينه للدول التي سبقتها والتي من دون نموذج  مثل الالي الابتدائي المتغلب على مستوى المعمورة، وان بالوهم، علما بان ماتعاقب من دول على العاصمه المنهارة لم يتعد حكمه بالتتابع، حدود العاصمه، بالاخص مع القرن السادس عشر حين صار العراق كما العادة وكما هي بنيته "دولتان" سفلى قائمه بلا اعلان كيانيه، وعليا بلا سلطة، في حال اصطراع دائم مع الاسفل.

في العشرينات والثلاثينات بعد الاحتلال البربيطاني واقامته مايسمى ب " الدولة " البرانيه من خارج النصاب المجتمعي تحقيقا لمصالحه، ولاستحالة بسطه سيطرته على العراق بعد الثورة الكبرى اللاارضوية غير الناطقة عام 1020  والتي كادت تجبره على الانسحاب من دون "حكومه من اهل البلاد تكون واجهه"، بينما كان هو اصلا يميل لتكريس هيمنته على " اقامه وافتعال الدول" كقاعدة كان يجدها موافقه لاغراضه الهيمنيه مع انها تلعب في العراق دورا اباديا على مستوى النموذج المفرض، عن طريق فرض برانيه احاديا على مجتمعية ازدواجيا بالكينونه، الامر الذي فتح الباب امام شيء من التشكلية الازدواجية الاصطراعية  مع دينامياتها الاعلى، وبالاخص مع الريع النفطي والحزب العقائدي والنواة القرابيه ومع  الاحتدامية الاصطراعية الازدواجية بين التشكل الاسفل والدولة في الاعلى، فلقد اصبح النفط كعامال من خارج الاصطراع( هو بهذا يشبه الالة بدخولها الصراع الطبقي الاوربي من خارجه لتقلب مساراته) ماقد اوحى بحضور حالة غير مألوفه، استثارت  احترابا اقليميا استمر لثمان سنوات انتهت بخروج الريع من الفعل، بسبب كلفة الحرب ماقد وضع الحكم في حال الاختلال اقرب للجنوني وقتها، واخذ الامور نحو خصوصية مستجده لاعلاقة لها بحال ابار النفط، ولا حتى بدول الانهار التي منها العراق بالاصل وتاريخيا، مع انه موضع تشكل امبراطوري نموذجي كوني  من بداياته،   تحكمه الدورات والانقطاعات رغم كل مايحيط به، وماهو شائع نموذجيا، فلقد اقام جيشا هو "الرابع " على مستوى العالم الامر الذي لاعلاقة له برغبات او مايريده صدام حسين بازاء اليات تكوينيه تتجاوزه، وهكذا سيعيش العراق من الثمانينات الى حرب التدمير الساحقة للكيانيه في 2003 ومابعدها، سلسلة من الاصطراعات الدامية، والاحتراب الذي لايهدأ، مكررا ظاهرة "العيش على حافة الفناء " التاريخيه اليوم، بينما العالم يدخل طور التفارق بين عملية التطور الموضوعي الالي، واستمرار وطاة القصورية الادراكيه الباقية ماثلة منذ ابتداء تبلور المجتمعية.

الثورة العظمى، او التحول الاكبر المنتظر، تصوري عقلي يخص ضرورات النظر والفكر، فاذا لم يتمكن الكائن البشري من هنا فصاعدا من تجاوز قصوريته التاريخيه الادراكية، فانه سيذهب بلا مراء نحو الفناء، ذلك لان وسيله الانتاج الاخذه بالتبلور والتي ستغدو فاعلة اساسيه من هنا فصاعدا، هي وسيلة لاعلاقة لها بالحياة والوجود القائم، والذي كان قائما ابتداء من تبلور المجتمعات الجسدية الحاجاتيه نتاج الانتاجية اليدوية، ونوع الكائن البشري والمكتوب له بلوغه، من هنا ياتي الشعور المتزايد بالعجز، او اللاقدرة ازاء ماصارت البشرية تعانيه على الصعد المختلفة، الامر البديهي حين يكون الواقع ومجريات الحياة سائرة باتجاه، والعقل متوقف عند مفاهيم وتصورات من زمن اخر انتهى مفعوله وانقضى امده..

" اما الادراكية وانهاء وعبورالقصورية العقلية، او الفناء"، هذا شعار اليوم الذي انبثقت اولى علامات لفت النظر باتجاهه مع " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"منذ 2008 بقوه مفعوا الكينونه الازدواجية التاريخيه اللاارضوية، وماقد قاربه العالم  والكائن البشري من انتقال من الجسد الى العقل.

ـ يتبع ـ حلقة أخيرة دعوية.

***

عبد الأمير الركابي

في لحظات الهدوء، يرتدي الجميع أجمل ما لديهم من ثياب الأخلاق؛ نرى اللطف، والحلم، والأناة. لكن المحك الحقيقي لصلابة هذه المنظومة القيمية يكمن في لحظة واحدة.. لحظة الغضب العارم.

إن الغضب ليس مجرد انفعال عابر، بل هو حالة من "التعري الأخلاقي"، حيث يفقد الإنسان في لحظة طيش واحدة كل السمات والفضائل التي ميز الله بها البشر وستر بها نزعات الشرور داخل النفس الإنسانية. في تلك اللحظة، يبدأ المرء بنزع ثوب حلمه، ثم وقاره، ثم حياؤه، تدريجياً وبسرعة فائقة، ليجد نفسه في النهاية عارياً تماماً أمام الملا؛ تظهر عيوب النفس ومساوئها دفعة واحدة دون ساتر.

الوقوف عند السلوك الظاهري لا يكفي، فلحظة الانفجار هذه ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات وجذور ضاربة في عمق الطفولة فالتربية العنيفة، واللوم الزائد، والتوبيخ المستمر للطفل، يزرع داخله شعوراً بالدونية وعدم الأمان وهذا العنف واللوم في الطفولة يكبُر مع الإنسان ليتحول إلى آلية دفاعية مشوهة؛ فيصبح سريع الغضب، يشك في نوايا الآخرين، ويحور كلماتهم، متوهماً أن الجميع يتآمر ضده أو يسعى للنيل منه.

فتصبح لديه نزعة للتخلي عن كل ما هو جميل، والاندفاع لتدمير العلاقات عند أول شرارة خلاف.

الوصول إلى هذه المرحلة ليس قدراً محتوماً، والشفاء من هذه الترسبات يبدأ بخطوات واعية ومدروسة:

1. الوعي الذاتي:

إن دراسة وفهم سيكولوجية النفس البشرية، ومعرفة الدوافع وراء انفعالاتنا، يمنح الإنسان قدرة على تفكيك الغضب قبل أن يلتهمه. الوعي هو الخطوة الأولى لترميم شروخ الطفولة.

2. القرب من الله سبحانه وتعالى:

السكينة الحقيقية تنبع من عمق الصلة بالله والثقة المطلقة بتقديره. هذا القرب يورث النفس طمأنينة تجعلها تترفع عن المعارك الوهمية، وتتذكر قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.

3. التدرب على الهدوء (ضبط النفس)

الحلم بالتحلّم، والهدوء مهارة تُكتسب بالمران. التوقف لثوانٍ قبل إبداء أي رد فعل، وتغيير الوضعية الجسدية عند الغضب، يحول دون نزع الثوب الأخلاقي.

4. تعزيز الثقة بالنفس:

حين يكون الإنسان متصالحاً مع ذاته، واثقاً من قيمته، لن تهزه كلمات الآخرين، ولن يرى في كل نقد أو اختلاف "مؤامرة" تستدعي منه الهجوم والدفاع العنيف.

فالأخلاق ليست زينة نرتديها في الرخاء ونخلعها في الشدة. إنها هوية الإنسان الحقيقية. وحماية هذه الهوية تتطلب منا جهداً مستمراً في تهذيب النفس، ومواجهة رواسب الماضي، لكي لا نقع في فخ "التعري" أمام أنفسنا وأمام مجتمعاتنا في لحظة غضب عابرة.

***

هناء عبد الكريم

ذي قار _ قلعة سكر

 

الكثير من المناسبات التي يُراد منها أن تكون محطةً للفرح وتلطيف النفوس تتحول، بسبب منغصاتٍ وعوارض غير محسوبة، إلى نقيض ما أُريد لها، وهذا ما حدث في حفل عقد قران الشاعر كزار حنتوش.

ففي الثامن عشر من شهر آذار عام 1997 شهدت قاعة الحرية في الديوانية حفلاً جماهيرياً كبيراً بمناسبة عقد قران الشاعر كزار حنتوش على رفيقة دربه الشاعرة رسمية محيبس. وقد تميز الحفل بحضور رسمي وشعبي غير مسبوق؛ فعلى الصعيد الرسمي، وعلى غير العادة، حضر الحفل كبار المسؤولين الحكوميين والحزبيين في المدينة، أما شعبياً فقد غصّت القاعة بطابقيها وممراتها بجمهور واسع من بسطاء المدينة ومثقفيها. وكان الأبرز في الحفل مشاركة الشاعرين عريان السيد خلف وحسن النواب إلى جانب الشاعر علي الشباني الذي تولّى إدارة الحفل، وكذلك ثامر أمين وحاكم الحداد ومحسن دوري، وقد حظي الشاعر عريان باستقبال شعبي لافت، فعلى عكس الاحتفالات الجماهيرية التي لا يُسمع فيها سوى الهتافات التي تمجّد القائد، ذهبت هتافات الجمهور باتجاه كيل المديح لعريان وإظهار مكانته في الوجدان الشعبي، الأمر الذي أثار حفيظة المسؤولين الذين كانوا ينتظرون من الحفل أن يكون مناسبة لتمجيد رأس النظام والهتاف باسمه، إلا أن الجمهور والمشاركين تجاهلوا ذلك، وجرت الرياح بما لا تشتهي سفن المسؤولين فساد التوتر أجواء الحفل، وبدا الحرج واضحاً على كبيرهم. عندها أدرك الشاعر عريان حساسية الموقف والتوتر الذي ساد الصفوف الأولى، فاضطر إلى تهدئة الاحتقان بالتوقف عن قراءاته الشعرية، لينفضّ الحفل وسط غضب المسؤول الحزبي الأول في المدينة، الذي خرج من القاعة مزمجراً، واصفاً الحفل بأنه مؤامرة ضد الحزب والثورة، وداعياً إلى إحضار المشاركين في الحفل إلى مقره الحزبي في الليلة نفسها، ولولا تدخل بعض الوسطاء لتهدئة الموقف وإقناع المسؤول بأن الأمر لم يكن مقصوداً ولا مبيّتاً، لدخلنا تلك الليلة في أزمة كبيرة.

وكانت مشاركتي في ذلك الحفل شهادةً أدبية بحق كزار حنتوش، لا بأس من استذكارها بعد مرور ثلاثة عقود على ذلك الحدث، وقد جاء فيها:

(كتب الشاعر رسول حمزاتوف:

أيها الزمن، لا تتباهَ، فنحن لسنا ظلالاً تلتمع في نورك، فينا يعيش رجال تمنحك فضائلهم بريقك، أبطالنا وشعراؤنا والفلاسفة ينيرون طريقك، وأنت بروعتهم، لا بروعتك، تشعّ كل ساعة وكل يوم.

لم تكن هذه الكلمات، التي تُدين بفضل المبدعين ودورهم في تزيين الحياة، مجرد أحرف مزوقة، إنما شهادة يؤكد صوابها هذا الكرنفال الزاخر بالجمال والمحبة والفرح ، وأيُّ حدثٍ هذا الذي جعل من صحافتنا ومدينتنا، لأيام متواصلة، تُعدّ العدة للاحتفال به؟ وهل كان كزار حنتوش، هذا “الناحل كيخط النمل”، يختلف عن بقية الشعراء؟ وكيف استطاع ابن الديوانية هذا أن يجعل من صحافتنا، هذه الحسناء المترفعة، تمنح وسادتها لرأسه الصغير وتنشغل بأخباره ومشاريعه؟ وأين يكمن السر في هذا الكرنفال البهي، حيث توافد الكثيرون، ومن مسافات بعيدة، لكي يشاركوا أفراح هذا الكائن الأعزل إلا من قصائده النابضة بحب الناس؟

عريان السيد خلف، ومعه حشد من المبدعين والمحبين، يغنون وينشدون القصائد لعرس هذا الشاعر الذي لا يملك سوى قلبه الطيب وسرباً من حمام القصائد المحلّقة في فضاء الإبداع العراقي ، كبيرنا وصغيرنا تركوا وراءهم الكثير، وحضروا لكي يؤكدوا حجم المحبة لشاعر تميز بالبساطة والعفوية؛ شاعرٌ لم يرتدِ يوماً بدلة رسمية، ولم يغسل شعره بالشامبو الفرنسي، ولم يتعطر يوماً بعطر سان لوران، ولم يكن يدخن سجائر “مالبورو”، كما أشك في أنه تناول يوماً وجبة طعام في مطعم “البحر الأبيض”.

ومع هذا الزهد، الذي لم يكن باختياره، فإنه نال كل هذه المحبة، لأنه شاعر نقي السريرة، يكتب الشعر بلغة تتوهج في نفوسنا مثل خبز التنور، ويختار مواضيع قصائده من بيننا فتدخل القلب ضاحكة ، لذا لا نستغرب هذا الحب والاهتمام الجماهيري. فهنيئاً لك يا ابن حنتوش، فعرسك هو عرس الديوانية) .

18/3/1997

***

ثامر الحاج أمين

انطوت يوم السبت السابع عشر، من ايار العام الفائت، واحدة من انصع الصفحات الأدبية الشعرية في بلادنا، مخلفة وراءها ارثا ادبيا شعريا تشبث حتى مقولاته الأخيرة بالتراث العربي العريق. مركزا على اهمية معرفة الذات، اولا وقبل كل شيء، ومتخذا من التراث العربي الخالد انموذجا له، فيما يقوله ويمارسه خلال عمله في مجال التربية وتعليم اللغة العربية خلال ما قارب لأربعة عقود من الزمن، واثناء كتابته الشعر ايضا.

المرة الاولى التي التقيت فيها الشاعر الصديق الراحل جريس دبيات (١٩٥٠/ ١٧-٥-٢٠٢٥)، ابن كفر كنا المحب، الوفي المخلص، كانت برفقة الشاعر الكاتب الصحفي المرحوم ميشيل حداد، ابن مدينتي الناصرة، وقد تم ذلك اللقاء في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، وتم على ما اذكر في استوديوهات دار الإذاعة، اما المناسبة فقد كانت لغرض تسجيل بعض من القصص والقصائد الشعرية في البرنامج الادبي الذي كان يعده ويحرره الكاتب الاعلامي المثقف المرحوم عرفان ابو حمد، ابن مدينتي الناصرة.. الذي امضى سحابة شبابه وعمره حتى ايامه الاخيرة مقيما مع ابناء اسرته الصغيرة في مدينة حيفا.

منذ اللحظة الاولى شعرت انني عثرت في شاعرنا الراحل، على الصديق المنشود، الدارس الاكاديمي للغة العربية والاسلام، في جامعة حيفا، العامل في مجال تعليم اللغة العربية في بلدته كفر كنا ذات التاريخ الديني والحضاري التليد، لهذا ما ان انتهينا من تسجيل ما سبق واعددناه من مواد ادبية، حتى جلسنا في غرفة اعدت هناك لاستقبال الضيوف، وشرعنا في التحدث، لأتبين، عبر حديث محب متدفق مثل قصيدة، انه عاشق للغة العربية والشعر العربي، لا سيما لدى شاعرنا الخالد ابي الطيب المتنبي، وما زلت اذكر وهل انسى، انشاده ما استظهره عن ظهر قلب لشاعره الاثير ذاك.

هكذا جرى الامر في لقائنا الاول ولم نفترق حينها الا بعد تحديد موعد متجدد للقاء اخر..، لتتواصل فيما بعد اللقاءات، لقاء يتلوه لقاء، وحديثا يوطد العلاقة الأدبية فيما بيننا بعد حديث، وقد ترافقت تلك اللقاءات بزيارات متبادلة هو يزورني في الناصرة، وانا ازوره في المقابل.. في بلدته كفر كنا، او قانا الجليل، بلدة المعجزات. في تلك اللقاءات التي تمت في بيت ذويه، وقد كان يقوم في حينها في مركز البلدة، تعرفت على ابناء اسرته.  اخواته ليلى، عايدة وادما، واخيه الاكبر عيسى، مدير المدرسة ومعلم اللغة العربية ايضا، ووالدته التي سترحل فيما بعد بسنوات مديدة، مخلفة وراءها جرحا اسيا، طالما حدثني عنه، وقد رافقه حتى يومه الاخير في عالمنا، كما كنت استشف كلما التقيت به في هذا المكان او ذاك من مكان سكناي او مكان سكناه.

كما قلت عمل الشاعر الراحل للتو، الصديق جريس دبيات في مجال تعليم اللغة العربية، ولم يكن معلما عاديا كما اشار عدد من تلاميذه وأصدقائه، منهم بلدياته غسان ابو داوود، في تعقيبات سريعة على رحيله، وانما كان معلما يعدي تلاميذه في حبه للغة العربية وشاعره الاثير المحبب ابي الطيب المتنبي، وقد أشار تلميذه الدكتور سمير خطيب، انه حتى بعد تقاعده عن التعليم عام ٢٠٠٦ ، واصل تزويده، واعتقد تزويد اخرين من طلابه، بتوجيهاته وتصويباته اللغوية، فيما كانوا يقعون فيه من هنات وعثرات، ولم يتوقف نشاطه اللغوي التنويري هذا على طلابه خلال تدريسه لهم، وبعد تقاعده من التعليم، وانما تجاوزه ليقوم فيما بعد، بالتعاون مع الاعلامي الصديق فهمي فرح، بإنشاء زاوية إذاعية، تبث من برنامج الاخير، ويقوم الاستاذ جريس دبيات بدوره خلالها بتقديم ارشادات وتصويبات لغوية ملحة وتحتاج الى من يتولى امر كشفها وتقديمها للجمهور العام، لغرض تحسين الاداء اللغوي لمن يحتاج ويرغب.

كان هذا على مستوى العطاء في مجال التربية والتعليم، اما في مجال عشق شاعرنا الاول، وهو الشعر العربي، بشقيه العمودي والتفعيلي، فقد دأب/ شاعرنا على كتابته بصمت واناة ودون جلبة او ضجيج، مركزا على العديد من المواضيع في مقدمتها الارض، الوطن والمرأة، اضافة الى شعر الرثاء، وقد اصدر خلال سنوات عطائه في مجال الشعر عددا من المجموعات الشعري هي: مع إطلالة الفجر، ١٩٩٤، تظلين احلى، ١٩٩٦، ورماديات، ٢٠٠١ ، وقد كان لي شرف الموافقة على طباعتها واصدارها، ابان فترة رئاستي للجنة البحث في طباعة الكتب المقدمة الى دائرة الثقافة العربية. ويذكر ان   شاعرنا الراحل، كان يعد لإصدار مجموعة اخرى اضافية، حملها عنوانا حافلا بالمحبة هو كرمى لعينيها، غير انه لم يتمكن من اصدارها.. فهل يتمكن ورثته؟..

لقد تواصلت علاقتنا الادبية هذه، حتى ايامه الاخيرة، وحتى عندما الزمه المرض بيته، بقي وفيا لهذه العلاقة، فكان يعلق على ما اكتبه وانشره في السوشيال ميديا، تعليق العارف المحب المدرك، وكان رحمه الله معاضدا ومساندا حكيما، واعيا ومدركا، لكل كلمة يعقب بها على كتابة لي، الامر الذي وطد علاقتنا الادبية، وعزز الاحترام الشخصي الادبي المنطلق من فهم الذات اولا وقبل كل شيء، ذلك الاحترام الذي قام على الاحترام المتبادل ووقفت في صميمه المصلحة الأدبية العامة.

***

ناجي ظاهر

منذ سن مبكرة فتحت عيني على الصحافة العربية كانت تستهويني صور الكتاب التي ترافق اعمدتهم وزواياهم الإبداعية فكانت جريدة الأهرام اليومي تجمع في صفحاتها كبار الكتاب والمفكرين من مصطفى محمود واحمد بهجت وأنيس منصور  واحمد بهاء الدين وموسى صبري ويوسف إدريس وغيرهم من الرواد الذين أثروا في وجدان القارئ العربي، فكنت اقبل على الصحف من أجل كاتب تستهويني أفكاره وكم حلمت وأنا صغير ان يكون لي عمود مثلهم انثر فيه افكاري وهواجسي، ومما كان يشد انتباهي ويبهرني تلك الكتابات التي يصف اصحابها تجاربهم في عواصم العالم من باريس إلى لندن فارتبطت الكتابة في ذهني بالشهرة والسفر والمال ومعرفة الشخصيات الكبرى، وكم تمنيت ان تكون صحفنا مثل الصحافة المشرقية تستكتب كبار الكتاب والشعراء فتفتح الجريدة فنجد فيها اسماء لامعة في الثقافة والفكر تتحفنا بتجاربها وخبراتها فيقبل القراء على شراء الجريدة ولكن للاسف تجد صحفنا خالية من هذه الوجبات الفكرية الدسمة وتفتقر إلى هذه الأعمدة لأن كثيرا من الكتاب يزهدون في الكتابة فالصحف لا تدفع مستحقات تليق بمكانتهم الإبداعية وحتى الذين يحاولون تأثيث هذه الصحف بأعمدة مجانية على الصفحات الثقافية يجدون انفسهم يعانون فهذه الصفحات الثقافية تظهر يوما وتغيب أسبوعا أو اكثر وفي كثير يحجب عمود الكاتب من أجل مادة ثقافية تزاحمه أو إشهار يأخذ مكانه..

ماذا لو وجدنا صحيفة تستثمر في هؤلاء الكتاب تفتح لهم مجالات الكتابة وتغدق عليهم بالمال ولم لا تتكفل بطبع كتبهم وتكليفهم بسفريات ورحلات تجمع بين السياحة والثقافة بإحراء حوارات مع شخصيات ثفافية وسياسية في تلك البلدان والمدن ..

إنها مجرد هواجس ينفثها قلمي وأنا أعلم الواقع الثقافي الذي نعيشه، مازلت رغم كل الخيبات والانكسارات اعشق كتابة الأعمدة، مازالت صورة كبار الكتاب في الصحف العربية الشهيرة تسكن مخيلتي، فأنا من جيل تربى على قراءة الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية وعاش اجواء الثقافة الحقة والإعلام الهادف فلا تستغرب عزيزي القارئ تشبثي بهذه الأحلام رغم انحسار الصحافة الورقية وسهولة النشر الالكتروني الذي لا يكلف شيئا ولا يصيبك بدوار النشر الورقي...

***

الكاتب شدري معمر علي

 

ما الذي تكشفه معركة النحو في العراق؟

انّ الضجّة التي أثارها اقتراح أحد الاعلاميين العراقيين تعيين ”مشرف لغوي“ لرئيس الوزراء لم تكن في جوهرها سجالاً نحويا عابرا حول ضمّة أُسقِطت أو فتحة أُسيء موضعها، بل كانت لحظة انكشاف نفسي وثقافي عميق، خرج فيها العراقي المعاصر من نقاش اللغة إلى مساءلة معنى الدولة ذاتها. فما بدا ظاهريا دفاعا عن سلامة الإعراب، كان في العمق صراعا بين صورتين للسلطة: سلطة كانت تستمد هيبتها من فخامة الخطاب وسلطة جديدة يُراد لها ان تُقاس بقدرتها على الإنجاز لا ببلاغة اللسان.

لقد ظلّ البيان في الوعي العربي والعراقي خصوصاً جزءا من هندسة الشرعية السياسية. فالحاكم في المخيال التقليدي لم يكن مجرد مدير للدولة، بل خطيبا يحمل سحر اللغة ورهبة الأداء، حتى غدت الفصاحة قرينة للهيبة وكأنّ الدولة تُحكم بالنحو قبل القوانين. من منابر الجاهلية إلى جمهوريات القرن العشرين كانت البلاغة تُنتج نوعا من السلطة الكاريزمية التي تُخضع الجماهير بالإيقاع قبل المنطق وبالصوت قبل الفعل.

غير أنّ المأساة التاريخية التي عاشها العراق والعالم العربي قلبت المعادلة رأسا على عقب. فالعقود الطويلة من الخطب الرنانة والشعارات الفخمة التي انتهت إلى الحروب والانهيارات والاستبداد، ولّدت داخل الوعي الجمعي ما يشبه الصدمة الحضارية تجاه البلاغة نفسها. لم يعد المواطن يثق باللغة حين تنفصل عن الواقع ولم تعد الفصاحة وحدها قادرة على انتاج الشرعية. وهكذا نشأ ما يمكن تسميته بـالشك الشعبي في البيان، حيث تحوّلت البلاغة من رمز للقيادة إلى احتمال للخداع ومن أداة اقناع إلى قناع قد يخفي الفراغ.

ومن هنا يمكن فهم العنف الرمزي الذي انفجر في التعليقات الرقمية. فالمجتمع لم يكن يناقش أخطاء لغوية بقدر ما كان يفاوض ذاكرته الجماعية. هناك من يرى في اللحن تصدّعا في صورة الدولة الوقورة، لأنّ الحاكم في اللاوعي العربي يُفترض أن يكون صورة للأب الكامل: فصيحاً ومتماسكا ومهابا. وفي المقابل ظهرت نزعة براغماتية ساخرة تكاد تقول: دعوا الحركات لسيبويه وأعطونا كهرباء وماء وعدالة. إنها الثنائية التي وصفها علي الوردي بـ ”ازدواجية الشخصية“، لكنها هنا تعود في نسختها الرقمية الحديثة: صراع بين التوق إلى الرمز وهيمنة الحاجة إلى المنفعة.

والأكثر دلالة أنّ السجال كشف عن جرح حضاري دفين لدى العراقي. فحين يستحضر المعلّقون دول الخليج أو مصر للمقارنة، فهم لا يقارنون أداءً لغويا فحسب، بل يقيسون المسافة المؤلمة بين إرث العراق التاريخي وواقعه الراهن. العراق الذي قدّم للعالم الحرف والنحو والمدارس العقلية الكبرى يجد نفسه اليوم مأزوما حتى في صورة خطابه الرسمي. هنا يتحول نقد الإعراب إلى احتجاج وجودي مكتوم، إذ لا يعود السؤال: لماذا اخطأ المسؤول لغوياً؟ بل: كيف انحدرت الدولة التي كانت مركزاً للمعرفة إلى هذا القدر من التآكل الرمزي؟

لقد منحت الرقمنة المواطن سلطة لم تكن متاحة من قبل. فالحاكم لم يعد محاطا بهالة مقدسة تُمنع مساءلتها، بل أصبح خاضعا لتشريح يومي علني، تُفكّك فيه نبرته وحركاته وحتى مخارج حروفه. انّها نهاية الزعيم المنبر وبداية المسؤول القابل للتقييم. ولهذا لم يعد الجمهور يبحث عن البلاغة بوصفها قيمة مستقلة، بل بوصفها جزءا من كفاءة شاملة، فإن غابت الإنجازات، تحولت الفصاحة إلى استفزاز وإن حضر الفعل غُفرت العيوب اللفظية.

إنّ ما يحدث اليوم ليس أزمة نحو، بل تحوّل في فلسفة الشرعية ذاتها. فالعراقي الذي طالما أُخضع لسحر الخطابة بدأ يتحرر تدريجيا من عبادة الشكل إلى مساءلة الجوهر ومن الانبهار بالنبرة إلى المطالبة بالمؤسسة. إنه انتقال تاريخي من الشرعية اللفظية إلى الشرعية الإنجازية، حيث لم تعد الدولة تُقاس بقدرتها على إنتاج الخطب، بل بقدرتها على إنتاج الحياة.

وهكذا فإن الجدل حول ضمة وكسرة لم يكن حدثاً صغيرا، بل علامة على مخاض فكري عميق يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة في العصر الرقمي، عصر لم يعد فيه البيان وحده يصنع الهيبة، بل أصبح الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الناس جميعا.

***

حميد القحطاني

حبط: بطل، فسد وذهب سدى

أحبط: أفسد، أبطل

الإحباط: إعاقة النشاط المتجه نحو هدف، أما بإيقافه او التهديد بإيقافه، أو الإيحاء إن مآله إلى الهزيمة والخيبة.

ما يعترينا إفساد الصالح فينا، ولدينا طاقة لتثبيط عزائم بعضنا، وهدر طاقاتنا، ومناوأة أي تطلع إستشرافي وثاب.

ولهذا تجدنا بلا قدرة على التأثير والتغيير، ومعظم جمعياتنا وتجمعاتنا مصيرها الفشل، والتأسن في مدارات ما فينا من الأهواء المعجونة بأمّارة السوء المتسيّدة على وعينا الجمعي.

وهذه بعض العوامل المبنية على الملاحظة والتجربة:

أولا: غياب الهدف الجامع

من الصعب في مجتمعاتنا الإعتصام بهدف مشترك جامع، ولهذا فالمصالح المشتركة لا قيمة لها ولا معنى، وكل منا يغني على ليلاه المدنفة (مَن أضناه الحب وأتعبه) في دنياه.

فلكل هدفه ورأيه المتمترس فيه ولا يرى هدفا سواه، فالغلو منطواه، ويكره سواه.

ثانيا: التناحرية

تناحر: تخاصم بعنف وقوة

ينطبق علينا القول "وما اجتمعت بأذواد فحول"، فالروح الغابية فاعلة فينا ومؤثرة في مسيرتنا على كافة المستويات، ولهذا ما أصلح أمر الأمة سُراتها.

التناحر بأنواعه وأساليبه قائم في مجتمعاتنا، والشجاع مَن ينال من غيره ويحط من قدره ويسفه ما يقدمه للبلاد والعباد.

ثالثا: معاداة الناجحين والمتميزين

من عجائب سلوكنا أننا نضع المصدات والعثرات أمام الناجحين من أبناء أمتنا، ولا نريد التصديق بأن لدينا طاقات وقدرات ذات قيمة حضارية معاصرة، بل تجدنا نهرول وراء الآخرين ونحسب أننا دونهم بكثير، ونتوهم أننا في مستنقع وعلينا أن نأكل بعضنا لنبقى إلى حين.

رابعا: نكران التطور والتقدم وعدم الإعتراف بأن الأرض تدورر

ليس غريبا إذا قلنا بأن العديد من أبناء الأمة ينكرون دوران الأرض ولا يتفكرون في توالي الليل والنهار، والعديد من نخب الأمة يتجاهلون أو يتغافلون عن هذه الحقيقة وكأنهم يعيشون في عصر كوبرنيكوس.

أي أنهم يتمترسون فيما بدا لهم راسخا وفاعلا في الحياة وفقا للزاوية العليلة التي يحدقون فيها ومنها، وتلك معضلة خفية ذات آثار سلبية كارثية.

خامسا: القهقرية

أي الإندفاع للتدحرج إلى الوراء، فالميل للخطو إلى الوراء منهج معزز بآليات نفسية وسلوكية، جعل الأجيال تبدو وكأنها تتزحلق على السفوح بتعجيل متسارع نحو وديان الغياب.

فالكل ورائي النظر، وكأن عيونه خلف رأسه، ولا يبصر ما يرى، بل يحسب أنه يرى وفقا لما تمليه عليه مطموراته المتسيدة عليه.

سادسا: تفسير الأحداث المعاصرة بما جرى سابقا بتبريرية فاضحة

لا يوجد حدث معاصر إلا وتحقق تفسيره وفقا لما جرى فيما مضى من العقود والقرون والعصور، وهذه حالة تراجعية تمويتية لا تعترف بالحاضر ومفرداته، وتميل إلى الإتيان بالغوابر وفرضها على زمن لا يعرفها ولا تعرفه.

سابعا: لا يجوز الإعتراف بقدرات بعضنا

من الخطوط الحمراء المفروضة علينا، ونجهل مصادرها، أو نتغاضى عنها خوفا ورهبة، أن لا يسمح لنا بالتفاخر ببعضنا، لأن في ذلك سلوك إيجابي بنّاء، والمطلوب السلوك السلبي الهدام، لنبقى في خنوع وإمتثال لإرادة الآخرين.

ثامنا: الإعلام التقنيطي

إعلامنا مروّج لما يحط من قدراتنا، ويمعن بإلهائنا وتغييبنا وتنويم الأجيال وتخديرها بطروحات متنوعة، ذات إنحدارية عالية نحو تجريدها من دورها الحضاري، وإخراجها من دائرة الحياة، وذلك بتحبيب الموت ونكران الدنيا وما فيها، وفقا لمعتقدات مسوّقة وأضاليل مؤججة للعواطف والإنفعالات.

تاسعا: الفريسة يجب أن تتمرغ بمأساتها

إستلطاف المآسي والويلات مشروع ذو ربحية عالية، ووسيلة ناجعة لصناعة القطيع الرابض في ميادين السمع والطاعة، وإعتبار الأحداث من المسلمات المرسومة والأقدار المحتومة، وعلينا الإستسلام وإستعذاب النكبات والتغني بالتداعيات، واللوذ بالصمت وذرف الدموع الآسيات.

عاشرا: العاطفة عقلنا الفاعل فينا

العواطف المؤججة تقودنا إلى سلوكيات إنعكاسية ذات تداعيات مأساوية، وتترجم في واقعنا الدامي إرادة  " سبق السيف العذل"، ثلاث كلمات تمحق الإثم والخطيئة، وتحررنا من تأنيب الضمير، وتدعونا إلى تكرار ردود أفعالنا الآنية.

حادي عشر: إغماط حق الآخرين شجاعة

أسس تربيتنا وتنشأتنا غابية الأركان ويحكمها القول: " إذا لم تكن ذئبا ذؤوبا بالت عليك الثعالب"، هذا هو المسار المخفي في حياتنا التي نحاول أن ندثرها بأنواع الأقنعة، وخصوصا التي تتصل بالقيم السامية، فالبشر يرتدي أزياء غيره وما فيه لا يبديه بوضوح، بل بمخاتلة ومراوغة معقدة.

ثاني عشر: النفس الطاغية

الطغيان من أهم أركان وجودنا، ويعتمل في دنيانا، ونكون مؤهلين للتعبير عنه عند أية فرصة تعزز فرديتنا وتمنحنا صلاحيات إتخاذ القرار. وهذه الروح الطغيانية تعطل التشاور والتحاور والإنصات للرأي الآخر، وتؤكد على الإستبداد والإنفراد في كل شيئ لتأكيد الذات المكلومة.

ثالث عشر: الجوع النفسي

الحاجات النفسية للبشر في مجتمعاتنا لم يتحقق إرضاؤها، ولهذا فأنه محمّل بكدمات وجراح وأقياح نفسية متنوعة، ما أن تجد فرصة مواتية حتى تنطلق، والمؤلم أن الكثير من أبناء المجتمع يكنزون دمامل محتقنة بالأقياح، والويل لنا من إنفجارها، فالأقياح النفسية المتراكمة فينا تقودنا إلى سوء المصير.

رابع عشر: التنافس المجهول

في واقعنا التنافس يعني التقاتل والإنتقام من بعضنا، فمفهوم التنافس بيننا غير محكوم بضوابط ذات قيمة وطنية أو مجتمعية، إنه تناطح أكباش وصراع ديكة، ومبارزة دامية، الفائز فيها قاتل والخاسر مقتول.

خامس عشر: الإعتصامية الغائبة

نجهل ما يعصمنا ويجمعنا ونقترب منه إن عرفناه بإنفعالية تقضي عليه وتكرهنا به، وبرغم معرفتنا بالآية " واعتصموا بحبل الله جميع ولا تفرقوا..."، لكننا أغفلنا كل حبال الألفة والمودة والرحمة والتمسك براية، قل هو الله أحد، وقديما قال حكماؤنا

"تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت آحادا"

سادس عشر: صعوبة العيش كأحرار

فلا بد لنا من شخص نضفي عليه هالة القدسية ليأخذنا إلى حيث يشاء، ونحن نتبع نخنع ومَن يرفع صوته يستحق الرجم والإعدام

سابع عشر: الغدر والخيانة

الغدر شطارة والخيانة بسالة، ولهذا لا نحفظ العهود والمواثيق، والكراسي السلطوية في مجتمعاتنا تدوس على رقبة الدستور والقانون، والعديد من المتنفذين لا يمسهم القانون، ويكون وسيلتهم للنيل من الآخرين.

ثامن عشر: الإذعانية

مجتمعات الإذعان للآخرين لا تمتلك إرادة تقرير المصير، ومن الواضح أن السائد في طروحاتنا، أن ما حصل لنا سببه أن الآخرين قروره وأرادوه، ولا نجرؤ على التساؤل عن إرادتنا، فالحياة صراع إرادات، فلماذا نلغي إرادتنا ونلقي باللوم على غيرنا؟

تاسع عشر: التواكلية

سلوك الإعتماد على الغير يتحرك بنشاط مروع في مجتمعاتنا، ويمثل علاقة الطفل بوالديه، وكأن لكل شيئ في حياتنا أبٌ وأم، وعلينا أن نلقي بأوزارنا عليهما، ومن النادر أن تجد من يعتمد على نفسه ولا يتواكل على غيره.

وهذا واضح في سلوك أنظمة حكمنا التي تغذي الإعتماد عليها لتتمكن من الحكم بالحرمان والقهر والجور المبرر بألف حيلة وحيلة.

عشرون: الإدعائية

لا يوجد بيننا من لا يعرف، ولا مَن يرى أن الله أعلم، وأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا، الجميع يعرفون، وفي جهلهم وغفلتهم يغرقون، وبكل ما لا تعرف يعرفون، وكأننا كرات بليارد متصادمة، والحقيقة الغائبة أو المتجاهلة أننا لا ندري شيئا في خضم الوجود المتسع الأطراف، لكننا ندعي ما ندعيه، ونندس في جلابيب الأوهام.

هذه بعض العوامل التي تساعدنا على فهم تبعثرنا وتناثرنا كالهشيم، رغم ما يجمعنا ويؤسس لقوتنا المتميزة وإبداعنا الأصيل.

فهل لدينا القدرة على إستثمار طاقاتنا وبناء وجودنا الحضاري المنير؟

***

د. صادق السامرائي

 

{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [سورة الحج : 26]

الحج عمل عظيم، والعمل العظيم لا يحتاج جهداً عظيماً، وإنما لإخلاص عظيم؛ فالفرائض والعبادات يجب أن تكون مدفوعة بالإيمان الخضوع لله سبحانه، لتنال شرف العبودية وتكون طائعاً لربك، مؤدياً لرسالتك، ومحافظاً على نقاء قلبك وطهر روحك. إن الله عز وجل غني عن العالمين، ولكنه يمحص المؤمنين ويختبر إيمانهم، وذلك ليصفي قلوبهم عن كل ما دونه، حتى لا يكون عملهم إلا لله وحده؛ هذه هي الحكمة من إخلاص النية قبل كل عمل، فتثبيت الإيمان يبدأ من النية الصادقة الخالصة لله وحده.

وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). فقد يكون العمل ظاهره لله، ودافعه كان حاجة صاحبه به نيل شيء من متاع الدنيا وزينتها؛ هذا العمل صالح في نظر الناس، وغير مقبول عند رب الناس؛ لأنه جل جلاله لا يرضى بالعمل الذي لا يُبتغى به وجهه وحده.

وفي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). فالقلب هو محل نظر الرب سبحانه، والعمل الخالص يُدفع من شغاف القلب ومن عمق الروح بنية خالصة لتعظيم العظيم ظاهراً وباطناً بالخوف منه وحده والرجاء فيه قبل كل شيء، بالسير في سبيله ومراقبته في كل خطوة، وبأن يكون كل عمل في الحياة لله وحده، حتى تعمير الدنيا يُنوى به العون على عبادته، وفي البحث عن رزق يُنوى به العون على ذكره وشكره، والنوم ينوى به الراحة لإعادة النشاط والسعي من جديد في سبيل رب العالمين؛ هكذا يكون العمل خالصاً مخلصاً له وحده.

وعندما نتكلم عن أداء فريضة الحج، فهذا يعني أن عليك أن تفهم كل ما عليك من آداب تجاه نيتك هذه؛ فالحج عظيم؛ لأنك تنوي به زيارة بيت الله الحرام، وما أعظمه من شرف! لذلك عليك أن تستشعر عظمته قبل زيارته.

فلسفة الإحرام والمساواة في حضرة الحرم

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة البقرة : 197]

بعد النية يأتي العمل، وأول أعمال الحج هي الإحرام الذي تخلع فيه أثواب العناء الملوثة بالذنوب، وتتجرد من نفاقك وجحودك وآثامك، وكل ما كان يثقل كاهلك من معاصٍ وذنوب، لتخلع أثواب الغرور التي ألبسك الناس إياها، وثوب الكبر الذي زينه الشيطان لأجلك. فأنت تخلع ثياب الدنيا المبهرجة بزينتها وتلبس ثوباً أبيض لا خياطة فيه، لا شكل له؛ أنت وآلاف المسلمين القادمون إلى بيت الله الحرام ترتدون زياً واحداً، فلا فرق بينكم لمن يراكم من بعيد، ولكن الفرق يعرفه الذي يعلم خفايا قلوبكم وعمق أرواحكم.

لا الأعراف ولا العادات والتقاليد تسمح لك بالتميز أو العصرية في حضرة الحرم الشريف؛ أنت في بيت الله عز وجل، والله ينظر إلى قلوبكم لا لأجسادكم. وفي ضيافة الرحمن، كل عباده متجردين عن التكلف، ملزمون بثوب التواضع والخشوع؛ لأنهم مقبلون على بيت ليس كباقي البيوت، مقبلون على خالقهم ورازقهم، فلا تفضيل بين عباده هناك ولا تمييز بينهم. فغنيهم يترك كل ماله وزينته، ويذهب إليه بثوب أبيض لا يكفي حتى لجسده، ليعلم أنه فقير إليه مهما بلغت ثروته.

وفقيرهم أيضاً يخلع أثواب العجز والذل والكدر، ويلبس ثوباً أبيض، شأنه كشأن غنيهم، ليعلم أن أصحاب الجاه والمال عند الله مجرد عباد مثل أصحاب البلاء والفقر، فلا المال ولا الجاه يرفع مقامهم على مقام غيرهم. فهناك في بيت الله الحرام، لا ينفع مال ولا بنون؛ ليفرح الفقير والعاجز والضعيف بأن العظيم سبحانه لا يفرق بين عباده إلا بتقواهم وإيمانهم، وهذا في علم الغيب عنده؛ لذلك أيها المسكين البائس الحزين فليبقَ أملك بالرحيم عظيماً؛ فلعلّك الأقرب إليه وأنت لا تشعر. إن الإحرام يؤدبك شئت أم أبيت؛ لأنك ذاهب إلى أعظم بيت، وكل ضيوف ربك لا فرق بينهم عنده

من كل فج عميق: الهروب من الذنوب إلى سكينة الغفور

قال الحق سبحانه: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [سورة الحج : 27]

في الحج يأتي الناس من كل بقاع الأرض؛ فمنهم الذي يأتي إلى ربه راكباً، والذي يأتيه مشياً على قدميه وقلبه يسبقه، والذي يأتيه هرولة من شدة شوقه إليه. ومع تقدم العلم وتعاقب الأزمان، أصبح الناس يأتون إليه بوسائل مختلفة -بالطائرات، أو القطارات، أو الحافلات، أو السيارات- لكل منهم فج عميق؛ طريق من بلده إلى بيت ربه، وفج عميق داخله، فيه الهموم والحاجات والأسرار الثقيلة مجتمعة، التي تريد أن تخرج لمكان آمن، لا خوف فيه ولا حزن.

فالكل يأتيه ليتوب عن معاصيه التي أكلت قلبه، وقد أكله ندمه عليها، وهناك عند ربه فقط سيجد الأمان والسكينة التي تعينه وتشجعه على أن يبوح بما يخاف أن يسمعه الناس أو أن يُفضح بينهم، فيتحرر منه عندما يبوح به لمن يعلم سره ويستر أمره، فيتوب عليه الرحمن ربه ويمحوها ويغفر له كل زلة؛ لأن الكريم يكرم ضيوفه بمغفرة عظيمة، أولئك الذين أتوه طامعين بكرمه، خائفين عقابه، راجين رحمته، هاربين منه إليه سبحانه؛ ما أحلمه وما أرحمه!

وتبقى رحلة الحجُّ أعظمَ رحلةٍ يعودُ فيها الإنسانُ إلى حقيقتِه الأولى؛ عبدًا ضعيفًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا بالله.

هناك تتساقطُ عن القلبِ أثقالُ الدنيا، وتنكشفُ للنفسِ حقيقتُها بعيدًا عن الزينةِ والأسماءِ والمكانة، فلا يبقى إلا العبدُ وربُّه.

فالحجُّ ليس انتقالًا من بلدٍ إلى بلد، بل انتقالٌ من الغفلةِ إلى اليقظة، ومن التعلّق بالدنيا إلى التعلّق بالله، ومن ثقلِ الذنب إلى سكينةِ المغفرة وبرد اليقين برحمة ربّ العالمين.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

تُعَدّ اللغة الإنجليزية والعملة الأمريكية (الدولار) من أبرز الأدوات التي أسهمت في تشكيل ملامح العالم الحديث، حيث لعبتا دورًا محوريًا في تعزيز مظاهر العولمة والتواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة.

في هذا السياق، يُمكن إرجاع الهيمنة الحالية لكلٍّ من اللغة الإنجليزية والدولار الأمريكي إلى عوامل تاريخية واقتصادية متشابكة، ساهمت في ترسيخهما كرموز للقوة والتأثير العالمي.. ويمكن استعراض الأسباب الكامنة وراء مثل هذه السيطرة.

1. الإرث الاستعماري: 

شهدت القرون الماضية توسّع الإمبراطورية البريطانية، التي جعلت من اللغة الإنجليزية أداةً لفرض الثقافة والتعليم وحتى التجارة. امتد هذا التأثير إلى مختلف أنحاء العالم، آذ جرى استخدام الإنجليزية كلغة مشتركة في المجتمعات المستعمَرة وأصبحت تدريجيًا جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية والسياقات الرسمية لتلك الدول.

2. هيمنة الاقتصاد العالمي:

برزت الولايات المتحدة كقوة اقتصادية عظمى خلال القرن العشرين، ما أدى إلى انتشار اللغة الإنجليزية على نطاق غير مسبوق، لا سيما في المجالات التجارية والاقتصادية. واستنادًا إلى هذا الواقع، أصبحت الشركات متعددة الجنسيات والبنى الاقتصادية العالمية تعتمد عليها وسيلةً للتواصل وفهم لغات الأسواق المحلية والدولية.

3- الدور المركزي للدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي: 

لا يمكن الحديث عن هيمنة الدولار الأمريكي من دون الإشارة إلى الدور الذي يلعبه كعملة احتياطية عالمية. تتجذّر هذه المكانة القائمة على الثقة بالنظام الاقتصادي الأمريكي والتشابك الاقتصادي العالمي الذي يعتمد بصورة كبيرة على الاقتصاد الأمريكي.

ورغم وجود محاولات مستمرة لبعض الدول الخارجة عن النظام المالي التقليدي لتقليل الاعتماد على الدولار، مثل إيران والصين، إلا أن الانتقال إلى نظام عالمي جديد قد يستغرق وقتًا طويلاً، خاصة مع التأثير الواسع النطاق الذي يتمتع به الدولار.

4- العالم ما بعد الدولار: بين الواقع والطموح:

يتطلع بعض الوطنيين في الصين لأن يصبح الإيوان هو العملة المهيمنة عالميًا بدلاً من الدولار الأمريكي. مع ذلك، يشكك الكثيرون من المحللين حول إمكانية حدوث هذا قريبًا، ويرى البعض أن مثل هذه الطموحات قد تكون أهدافًا بعيدة المنال.

كما أشار الاقتصادي (بول كروغمان) مؤخرًا خلال مقابلة إذاعية إلى أن استبدال الدولار كعملة رئيسة للنظام المالي العالمي أمر بالغ التعقيد ولن يتحقق بسرعة أو بسهولة. وبالفعل، يشير التاريخ إلى أن العملات المهيمنة مثل الجنيه الإسترليني والدولار الأمريكي تتسم بمرونة وقوة لا يمكن التغاضي عنهما.

5- دور اللغة الإنجليزية والتحديات الثقافية في العولمة: 

مع ازدهار التجارة الدولية واستمرار التحولات الاقتصادية، تظل اللغة الإنجليزية لغة الأعمال الرئيسية حول العالم. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها بعض الدول لتعزيز لغاتها القومية في المشهد العالمي، يظل الأثر الموروث الذي كرّسته الإمبراطورية البريطانية والهيمنة الاقتصادية الأمريكية حاضرًا بقوة، حتى في الأماكن التي تتمتع بتقاليد لغوية محلية عريقة مثل الصين والهند.

كما أن التحدث بالإنجليزية لا يزال وسيلة ملائمة للعديد من رجال الأعمال الأجانب الذين يسعون للعمل في الأسواق الصينية أو أماكن أخرى، حيث تسهّل اللغة التواصل وتجاوز الحواجز اللغوية.

أما بالنسبة لتجارب السفر الشخصية وتأثير هذه العوامل في الحياة اليومية، فإن اللغة الإنجليزية تُشكّل الوسيلة الرئيسة للتواصل الدولي بالنسبة للكثيرين، بما في ذلك أصحاب الخلفيات اللغوية غير الناطقة بالإنجليزية مثل الناطقين بالعربية. من جهة أخرى، يُعتبر الدولار الأمريكي العملة الأكثر استخدامًا في التحويلات والسفر والعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود.

في الختام، يمكن القول إن هيمنة اللغة الإنجليزية والدولار الأمريكي لا تعكس فقط تاريخ الاستعمار أو قوة الاقتصاد الحديث، بل أيضًا تشكل دعامة أساسية للنظام العالمي الراهن. ومع ذلك، فإن النقاشات المستمرة حول مستقبل هذا النظام تطرح احتمالات تغييرات قادمة قد تعيد تشكيل الميزان اللغوي والمالي على الساحة الدولية.

***

شاكر عبد موسى - كاتب وباحث

 

من الصعب تفسير وفهم ما حصل لجوهرة حضارية ساطعة في ذروة تألق الدولة العباسية، وإشعاع عصرها الذهبي المشرق في أرجاء الدنيا.

مدينة أرادها مؤسسها أن تتفوق على جمال حواضر بلاد الأندلس، التي إشتهرت ببهائها ومنطلقاتها المعرفية المتميزة، وحقق رؤيته، وشيدها وفقا لمعاير جمالية " تسر الناظرين " لكنها وبعد مقتل المتوكل تحولت إلى مدينة "تسوء الناظرين"، فكيف يتحقق ذلك في وقت قصير، وكأنها إنهارت من علو وتبعثرت أجزاؤها، وتهدمت رموزها العمرانية وفي مقدمتها الجامع الكبير بملويته الشماء الذي بدأ البناء فيه سنة (234 ) هجرية.

قتلوا المتوكل سنة (247) هجرية، وبعدها تهاوت معالم المدينة وإنمحقت قصورها، ومواقعها المتنوعة بطرزها العمرانية الفريدة، والتي شكلت ثورة عمرانية إنتشرت في أرجاء الدنيا.

جامع بن طولون في القاهرة بدأ العمل فيه سنة (263) هجرية، متأثرا بفكرة الجامع الكبير في سامراء، وجامع قرطبة في إسبانيا بدأ بناؤه سنة (169) هجرية، أما الجامع الأموي في دمشق، فبدأ بناؤه سنة (86) هجرية، وجميعها باقية إلى يومنا الحاضر، وجوامع سامراء إنمحقت وتحولت إلى ركام، وكذلك قصورها ومعسكراتها ومنشآتها المتنوعة التي كانت تدار الدولة العباسية منها.

ماذا جرى؟

لماذا الإنتقال الحاد من الجمال إلى القبح؟

مَن هي الأقوام التي محقت وجودا فائق الروعة والبهاء؟

كيف يعم الخراب الجامع الكبير وجامع أبي دلف؟

لا قيمة للأجوبة الجاهزة التبريرية التقنيطية التي تتهم الآخرين، بينما الحقيقة المريرة أن مَن كان في المدينة وحولها هم الذين فتكوا بعمرانها، فتعرضت البنايات فيها لهدم متواصل، وخلع لأحجارها وبيعها للناس لبناء بيوتهم، فمعظم بيوت سامراء القديمة مبنية بالطابوق (لفرشي) المخلوع من بناياتها السامقة، ويبدو أن تجارة الناس بالطابوق كانت منتشرة، كما أن بناء السور (1250) هجرية،  قد إستحوذ على معظم طابوق القصور العباسية والمواقع الإدارية.

ومن المفيد ذكر أن العباسيين قد شيدوا معامل للطابوق لتوفير حجارة البناء، وكذلك معامل للجص، كلها تخربت، وإعتاشت المدينة على هدم قصورها لبناء ما يسمى بالبيوت.

التفسير والتحليل لا نفع منهما بعد أن "وقع الفأس بالرأس"

 ويبدو أن المدينة تحت طائلة الهدم والتخريب في معظم العصور، ولم تتمتع بالقدرة على إدامة ما تبقى فيها من معالم آثارية عباسية، إلا في العهد الملكي، رغم هدم ساطع الحصري لسورها (وهو ليس عباسيا) سنة (1936)، أما باقي العهود فخربتها وما عمرتها، ولا يزال ناعور النيل منها يدور ويعبر العصور.

 عند زيارة إسبانيا تحضر سامراء بما قيل عن قصورها الفارهة وجمالها العمراني الخلاب الذي إندثر، وبقيت معالم الأندلس متشامخة تجتذب السائحين من أرجاء الدنيا.

فأين العيب؟

هم حافظوا على آثارنا وإعتنوا بها، ونحن أعداء تأريخنا وقساة على تراثنا ومدمرون لمعالم وجودنا!!

مَعالمُها توارتْ واسْتحالتْ

خرائبُ كمْ نُعاديها فماتَتْ

بها الدنيا تَسامَتْ في رؤاها

وأطلقتِ المَحاسنَ واسْتزانَتْ

بها هَجَعتْ مَعالمُ مُرتقانا

وحينَ بلوغِها مَجْداً تهاوَتْ

***

د. صادق السامرائي

........................

الطابوق الفرشي: طابوقة بمساحة قدم مربع، وسمكها خمسة سنتيمتر.

الفهم عن الله، مفتاح تحويل العوائق إلى معارج

لا شك أن الفهم عن الله هو مطية السالك إلى الله تعالى الحبيب المحبوب ففي رحاب طريق السلوك إلى الله، تتجلى حقيقة كبرى ينبغي الانتباه إليها لأهميتها القصوى حيث ان كل فكرة تخطر على البال، وكل خطوة يخطوها السالك لحضرة الله عز وجل ، هي إما دافع نحو القرب أو مثبط عن الوصول. إنها لحظات فارقة تتطلب وعيا عميقا وفهما عن الله في كل تفصيل، حتى لا تضل النفس في متاهات الأمارة بالسوء، بل تتحول كل عقبة إلى جسر، وكل سلبية إلى إيجابية، وكل خاطر إلى مطية نحو وجه الله الكريم، فالفكرة هي منبع الحركة ومحركها، حيث ان الفكرة هي الشرارة الأولى لكل فعل، وهي البذرة التي تنمو لتثمر سلوكا. فإذا كانت الفكرة مستنيرة بنور الفهم عن الله، كانت الحركة مباركة والخطوة موفقة.

لتتخيل انك أيها القارئ العزيز انك جالس على اريكتك مرتاحا فرن هاتفك ليخبرك المتصل انك فزت صدفة في قرعة أرقام هواتف ففاز رقم هاتفك بسيارة ينبغي أن تلتحق بالمدينة الفلانية حالا، لا شك انك ستنطلق فرحا خصوصا ان تأكدت من المؤسسة التي قامت بالقرعة وان كل المسار المتبعة صحيحة، وقد يحصل ان يتصل مخادعون بشخص آخر لينطلق فرحا هو الآخر فلما وصل لوسط الطريق جاءه اتصال ليخبره انه قد مكر به فإنه ولا شك سيقفل راجعت حزينا.

إن الذي حركك فرحا فكرة، ومن جعله يقفل راجعا بحزن فكرة، الفكرة قراءنا الأعزاء دافع الحركة والفكرة تصطحب معها شعورا، اما حزن او فرح او قلق او حيرة او وسواس.... الخ من تلونات المشاعر المصطحبة الأفكار.

إن السالك الحقيقي هو من يدرك أن الأفكار ليست مجرد خواطر عابرة، بل هي رسائل اما إلهية او شيطانية وهي في كلتا الحالتين اختبارات تتطلب التأمل والتدبر. فالفكرة الإيجابية التي تدعو إلى الخير والعطاء، هي نفحة من نفحات الحق، ينبغي احتضانها وتنميتها.

أما الفكرة السلبية، التي تدعو إلى الكسل أو اليأس أو الغفلة، فهي رسالة نفس أمارة او فكرة شيطانية تتطلب اليقظة والتحويل.

لا غرو ان تلونات النفس الأمارة بالسوء انما هي في الحقيقة تحديات في طريق السلوك فالنفس الأمارة بالسوء هي الحجاب الأكبر بين العبد وربه. حيث تتلون بأشكال شتى، وتتسلل إلى القلب والعقل عبر وساوس خفية، وتسويفات ماكرة، وتصويرات سلبية تهدف إلى إعاقة السالك عن سيره في طريق ابتغاء وجهه الكريم. إنها في غالب الأحيان تدعو إلى الراحة، وتزين المعصية، وتوهم بالاستحقاق، وتثبط العزائم.

هنا يبرز دور ان الفهم عن الله هو الدرع الواقٍ والسلاح النافع، فالوساوس هي همسات شيطانية تحاول زرع الشك والتردد في قلب السالك.

 والفهم عن الله يقتضي إدراك أن هذه الوساوس ليست من ذات السالك، بل هي عوارض خارجية ينبغي دفعها بالاستعاذة والذكر والتفكر في عظمة الله ورحمته. كلما زادت الوساوس، زادت الحاجة إلى التمسك بحبل الله المتين الذي هو في نظرنا مثل قناة تغدق ماء غيبيا زلالا من حوضه الشريف من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فمن سيسقى غدا يوم القيامة من حوضه الشريف هو من شرب اصلا من كاساته صلى الله عليه وسلم عبر قنوات الصلاة وقراءة القرآن الكريم اللذان يشكلان كلاهما حبل الاتصال بين ما هو علوي نوراني وبين ما هو مادي ارضي.

***

د. محمد غاني - كاتب المغرب

لا احد قد لاحظ او لفت انتباهه مافي خلفية المظهر المتاخر غير العادي، الامريكي المتباعد عن اوربا، بغض النظر عما قد يردده امريكيون من باب  تكريس مامعتبر كتحصيل حاصل بالقول "نحن اوربيون"، بقصد الاصل والمنحدر الذي لايعني شيئا، ويغيرالحقيقة المجتمعية الحاصله خارج تاريخ المجتمعات  امريكيا، بغض النظر عن الحاجة التي لامهرب منها، تلك التي تجعل امريكا الاليه كينونة ووجودا، مضطرة كيانويا لاعتماد النموذجية الغربية في الدولة والنظام وان شكلا، بظل ازدواج  يحتل فيه التعبير الشرق متوسطي اللاارضوي الابراهيمي، موقعا مقابلا،  فامريكا الرسالوية، لاكيانيه "ولاوطنيه"، تعد نفسها في الجوهر كما تقتنع "شعب الله المختار" والمكلفة ببناء "اورشليم الجديده"، وبدلالة المجتمع المعجون ب 1586 جماعة دينيه 700 منها غير تقليديه بحسب ماتقول موسوعة الاديان الامريكيه في اواخر الثمانينات، (1) بما يجعلها كيانية ازدواج ضرورة،  فاقدة للذاتيه والكينونة المحددة، بما لايمنع احتمالية خروجها على العنصر الاوربي من ازدواجيتها، وهو ما يبدو اليوم اقرب للبروز في الموقف من اوربا ابان الحرب الراهنه   والموقف الاوربي غير المؤيد بالمطلق لسياسة ترامب.

  وليس ثمة مايمنع تحت وطاة المتغيرات الموضوعية من تغليب النزوع  الابراهيمي المفبرك على حساب الاوربي التوهمي الغربي،  بما في ذلك حتى الذهاب الى اعتباره بمثابة المشروع الاعم " العالمي"  بدل العصري الحداثي الاوربي ومتبقياته، بقدر مايصير هذا الخيار مصيريا. ان امريكا اكثر البلدان ميلا للحروب، وهي الوحيدة التي تنفق الترليونات على هذا المنحى بفعل قوة فقد الذاتيه، تفعل ذلك  بدوافع مصيرية تتعلق بالهوية المحالة الى الفكرة، والحصيلة هي تعاظم اسباب  طلب الكينونه غير الممكنه بفعل انفصال هذه الكيانيه عن المجرى التاريخي المجتمعي، وارتكازها لاسباب وعوامل مفتعله ومركبه  مستمدة من خارجها وتجارب غيرها، فضلا عن خضوعها هي الاخرى  البديهي للقصورية العامة العقلية البشرية بازاء الظاهرة المجتمعية، الامر الشامل والملازم للظاهرة المجتمعية ابتداء من بدء تبلورها حتى الساعه.

 ولن يخطر على البال طبعا ان حدثا من نوع الانقلاب من النمطية والنموذجية الكيانيه الاوربية التي رافقت وتولدت عن الاله، هو من الممكنات او مايمكن توقعه مع صلادة اعتقادات الغرب التوهميه وقصوريتها ازاء الحدث الالي وحقيقته التحولية مجتمعيا، وبما خص الالة نفسها التي كانت مصنعية، وصارت تكنولوجية، وكانت "طبقية" وصارت نوع مجتمعية مفقسه خارج رحم التاريخ، لنعود مرة اخرى ونعثر على مفاعيل الواقع ومتغيراته غير المحسوبة، والمصاغة المصممه خارج الادراكية البشرية من قبل الطبيعه، بحيث نكون عمليا ونحن ننتقل الى اللامجتعمية مابعد اليدوية، اي المجتمعية العقلية على انقاض الجسدية الحاجاتيه، اي من اليدوية المنتهية الصلاحية، الى الطور الالي بصيغته المصنعية الابتدائية، الاقرب الى الطور السالف، والمحمل بكل متبقياته بالاخص من ناحية النظر والرؤية، لنذهب فورا ومباشرة بعدها الى المجتمعية بلا تاريخ ولا بنية طبقية، يحضر في صيرورتها العالم الاسبق بحالتيه الابرز، الاوربية الازدواجية الطبقية، والشرق الاوسطية وازدواجها المجتمعي الاعلى ديناميات، والمنطوي على الغاية التحولية العظمى اللاارضوية مآل ومنتهى الانقلاب الالي بعد اليدوي.

 دخلنا من هنا فصاعدا حالة تعقيدات استثنائية على الصعد المختلفة، علما باننا نعاني اصلا من قصورية تاريخه عقلية، صارت تساوي الوجود  اذا لم يتم كشف النقاب عن المضمر في الظاهرة المجتمعية، ذلك الذي ظل الى اليوم خارج الادراك، وظل على سبيل المثال يمنع القول البداهي فعليا، والحاسم بما يخص  كون الاله هي  وسيلة انتقال مجتمعي من الارضوية الجسدية الحاجاتيه  التي استمرت غالبه على مدى تاريخ الظاهرة المجتمعية تحت طائلة اليدوية، الى العقلية  ومدخلها الطرف الاخر من الازدواج المجتمعي اللاارضوي  العراقي لاغير.

ليس مستبعدا ان تفكر امريكا بالحاق اوربا بالمشروع الابراهيمي الذي تعتمدة " صهيو ترامبيا" فهي قد حظيت على مدى غير قصير بموقع القائد لما يعرف ب "الغرب" ومع ان اجمالي المشروع المنوه عنه لم يتبلور كليا بعد، الا ان  الموقف الامريكي لهذه الجهه مايزال غير مكتمل العناصر والاشتراطات الواقعية، ومنها ازالة العقبة الاخيرة الايرانيه  التي مازالت تمثل حالة مانعه للغلبه الامريكية الابارية الشرق متوسطية مع السيادة المحورية الاسر ائيلية الشرق متوسطية، ولا علاقة لموضوع السلاح النووي بذاته بما يجري، الا من حيث كونه مصدر اضعاف ومنع السيادة الاسرائيلية  الكلية الذاهبة الى احياء مشروعها الاصل من الفرات الى النيل، لنصبح امام غرب آخر غير ذلك الذي عرفناه اوربيا بعد انبجاس الاله، غرب بقيادة الكيانيه المفقسة خارج الرحم التاريخي، قاعدته المفهومية شرق متوسطية مفبركة، اساسها " الوعد" المكلل بالهوس التاريخي، خارج السياقات الابراهيمية  المختتمه، والكينونه المجتمعية التاريخيه.

 في كل هذا لايمكن للجانب الاصل الفعال ان يخطر على بال الامريكي ولا الاسرائيلي، فضلا عن اصحاب الشان انفسهم، فالحرب مع العراق انتهت، والسياقات اللاحقة المراد تكريسها ونوع الحكم واجمالي الوضع السياسي يتطابق مع مامطلوب من  منع الكيانيه العراقية من الحضور بذاتيتها، ومن المستحيل اطلاقا ان يفكر امريكي اوعراقي من الحثالة الريعيه المتصدرة للمشهد، بان الحرب الامريكية على العراق لم تتوقف ولم تنته، فالعراق بالنسبه لهؤلاء هو صدام حسين ودولته وحزبه، بلا العراق الاخر اللاارضوي الذي هو اصلا كينونه غير كيانيه، مضادة للكيانيه المتعارف عليها وللدولة.

وبحسب مفهوم الحرب السائد والمترسخ، فان العراق الذي نشير اليه لاوجود له على اي مستوى كان، وهو كذلك بالفعل اذا  اعتمدنا المقياس المشار اليه بدل مقياس الحرب اللاارضوية خارج المدمرات والصواريخ والمسيرات، وصولا للسلاح النووي  العبثي، بمقابل الحرب الادراكية التي صارت اليوم قضية تساوي الفنائية،  فالكائن البشري الذي نعرفه ونحن منه، كان ووجد قاصرا عقليا ووعيا بمايتعلق بوجوده ومسارات ومنتهيات حقيقته، الامر الذي كان من الممكن ان يستمر ابان الطور اليدوي من التاريخ البشري، وهو ماقد انتهى وماعاد قابلا للاستمرار بعد ظهور الاله ووصولها طورها وصيغتها العليا الراهنه التكنولوجية العقلية، فاما ان يتمكن الانسان اليوم من تجاوز وعبور قصوريته العقلية الكبرى، او ينتهي الى الفناء  ويزول، مايجعل الحرب الراهنه، الكبرى لابل العظمى الحالية، حربا ادراكية بلا حل اخر، محورها  كشف النقاب عن الانقلابيه اللاارضوية الحاكمه للوجود المجتمعي البشري، وهو ماقد بدا تلمسه على استثنائية صعوبته اليوم، منذ 2008 مع صدور كتاب "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" عن دار الانتشار العربي ـ بيروت،  وعشرات ان لم يكن مئات المقالات المنشورة في موقع "الحوار المتمدن" وعلى الفيسبوك، و" تجديد النبوة والثورة الكونية الاتيه من جهة العراق" بلا ناشر، واخيرا قبل حوالي السنه ، "كتاب العراق: الكتاب اللاارضوي المنتظر منذ سبعة الاف عام" عن دار الانتشار العربي ـ بيروت. ومجموعها  لم يلا قى الى اليوم اية التفاته فعلية، الامر المفهوم والمتوقع بناء لشساعة الفاصل بين الوعي الارضوي واللاارضوي.

***

عبد الأمير الركابي

قال الأستاذ الذي كنت أعمل معه في إحدى الجلسات: "إن المجتمعات المتقدمة تصنع أعلامها وتسوقها"، وما فهمت قوله في وقتها.

وكان أساتذتنا ذوي تطلعات علمية وبحثية، لكنهم يبخسون جهد بعضهم، ولا يتفاعلون بأساليب بنّاءة تصلح لولادات معرفية ذات قيمة حضارية، وإنما كلٌّ يغني على ليلاه!!

وكنا زملاء ذوي حماس وإبداع وتشوف للتطور والتقدم والتغيير الصالح للإنسان، لكننا نبعثر جهودنا ونتخندق ونتباعد أو نتنافر عندما يتعلق الأمر بالمهنة والعلم، فالواحد منا يرى قوته بإضعاف الآخر، ومجده بإلغاء الآخر، وهذه سلوكية متراكمة في واقعنا، الذي لا يسمح بالإستطالة وإنما بالتطاول، ويمنع التفاعل الإستقوائي ويجنح للتفاعل الإنفرادي المتأسد!!

وأول ما أدهشني في العالم الجديد التفاخر والتباهي بالعطاءات العلمية المتآخية المتوثبة نحو صيرورات جديرة بالتنامي.

قلت لزميلي الذي كنت برفقته في مؤتمر علمي: "هنا مربط الفرس"، "هذا جوهر تأخرنا"

قال: ماذا تقصد؟

قلت: " إننا نبخس بضاعتنا ونهملها، وهم يسوقون بضاعتهم ويمنحونها أقصى قيمة"

قال: إنهم مجتمع متقدم ونحن مجتمع متأخر.

قلت: "تقدموا بالأخلاق وتأخرنا بالرياء والنفاق والفساد والخداع والتضليل"

وواقع حالنا أن الأخلاق العلمية والأصول التفاعلية ما بين العقول غائبة، فمنهجنا السائد، أن نبحث فيما يقلل من قيمة وأهمية العطاء العلمي المُنتَج في مجتمعنا، ونعجز عن الإتيان بما هو أحسن منه، لكن مواقفنا التسفيهية كثيرة ومتشعبة.

ففي بلداننا عقول فذة نيرة ذات قدرات عالمية وحضارية تتفوق على غيرها، لكننا نتفاخر بطمسها ومصادرة حقوقها التنويرية والتفاعلية في المجتمع، ونحارب تسويقها وتقديرها، وما نجتهد به أننا نسعى بما نملكه من الطاقات السلبية لوضعها على الهامش، والإنشغال بالتهامش!!

المجتمعات المتقدمة تتفاخر بعقولها المبدعة وتعزها وتتباهى بإضافاتها، وتوفر لها الظروف الكفيلة بإطلاق ما تحتويه من الأفكار المنيرة المؤثرة بمسيرة أرقى.

مجتمعنا كنز حضاري وإبداعي مطموس، مصادَر المناهج والسبل والدليل، وتحفه النزعات السلبية الإستكانية الإقصائية، التي تجعل ما فيه متوحل بالدونية والعجز والفقدان، وكأن ما يأتي به عقلنا لا معنى له ولا قيمة ولا دور أو أثر، وهذه نزعة إتلافية إنغرزت في الوعي الجمعي وترسخت بالتكرار المرير المعزز بالأحداث الإنفعالية الشديدة التأثير.

وعندما تتأمل عقولنا في ميادين الإبداع والعلوم، تقف مبهورا عزيزا، وتشعر بالحسرة والخيبة على هذا الغبن والإقهار وعدم الإظهار، حتى صارت فرية أننا لا نشارك في صناعة الحضارة ولا يمكننا أن نشارك، أشبه باليقين، وما هي إلا تضليل وتهمة آثمة نكراء، نساهم في ترويجها ، لأننا لا نعرف قوانين ومناهج تسويق بضاعتنا العقلية الإبداعية الحضارية، فتجدنا ننظر لبعضنا بإنكسار وهوان!!

ومن الواجب القول بأننا موجودون في قلب الينابيع الحضارية ونساهم في دفقها الإبداعي الإبتكاري، وعلينا أن نصدّق ذلك ونؤمن بأنفسنا ونطرد سراب الإنكسار العسير.

وفي كافة العلوم لدينا عقول ذات فكر ورؤية وإبداعات خلاقة ذات صياغات ناجعة وتواصلات نافعة، يمكنها أن تنجز مشاريع حضارية معاصرة، لكننا نشيح الطرف عنها، لأننا منبهرون بالآخر الذي يجيد تسويق نفسه وبضاعته وفقا لأحدث الأساليب والنظريات التسويقية.

ولهذا فواقعنا لا يُرتجى منه تعزيزا لقيمة ودور أي عقل ، لأنه مصاب بإضطراب الإنبهار بالآخر، وإحساسه الإنكساري العميق، ويقينه الراسخ بأن واقعه لا يأتي إلا بما هو مشين وبخس، وبهذه الرؤية يتفاعل مع ما حوله ويعكس ما يحتويه فيه.

فلن يتوقع نابغة بيننا الإسناد والتشجيع من مجتمعه، مهما حاول أو تصور، فمجتمعنا لا يريد أعلاما بل أقزاما، ويحرق أعلامه ويبارك مناهج أقزامه، وتلك معضلة مخلة بروح اية خطوة ذات منحى إرتقائي منير.

المجتمعات المتقدمة تنقب عن الجواهر المطمورة فيها، ومجتمعاتنا تطمر الجواهر اللماعة البراقة المتلألئة في دروبها، وتكره جواهرها المعاصرة وتدفنها في تراب إنفعالاتها وأطيان ضلالاتها.

وتحية للجهود المنقطعة النظير التي تتحدى هذه العاهة وتبترها من جذورها، وتزرع مكانها بذور تفاخر وتكاتف وتلاحم وتفاعل إبداعي رائع المنطلقات والتطلعات، فبالإصرار والتحدي المتواصل حتما نكون!!

ذَخائِرُ ذاتِنا ذهَبَتْ لغيْرِ

نُحاربُها ونَنعتُها بكُفرِ

أ كلُّ جَديدةٍ حُسِبت ضَلالا

فعِشنا ليلَنا مِنْ دونِ فَجْرِ

هيَ الألبابُ إنْ فعلتْ أجادَتْ

تَفاعُلها سيُطلقُها بعَصرِ

***

د. صادق السامرائي

بحماس صحفية شابة، كنت قد خالفت في اوائل التسعينات الاصوات الداعية الى ضرورة صعود قيادات شابة واستخدام دماء جديدة في ألمواقع القيادية في الدولة وطالبت وقتها بالابقاء على اصحاب الخبرة والتجارب الطويلة لقدرتهم على تفادي الاخطاء والادارة بحكمة واستندت في ذلك على آراء المواطنين الذين التقيت بهم، لكن مدير قسمي رفض نشر تحقيقي آنذاك على الرغم من اعجابه بحماسي وجرأتي لأنه كان من (اصحاب الخبرة) ولذلك نبهني الى حقيقة لم تخطر في بالي، ففي تلك الفترة بالذات، كان نجل الرئيس المخلوع قد تبوأ عدة مناصب قيادية لاتتناسب مع عمره مثل نقيب الصحفيين ورئيس اللجنة الاولمبية ورئيس تحرير صحيفة بابل، وكذلك كان الأمر مع شقيقه الاصغرالذي ترأس أهم جهاز أمني في البلاد وهو جهاز الأمن الخاص ...قال لي مديري ان تحقيقي لن ينشر أبدا لأن (أصحاب الخبرة) في صحيفتي لن يخاطروا بذلك ففي ذلك ربما نهايتي ونهايتهم .. من يومها وأنا انظر الى كبار القياديين في مواقع الدولة باكبار وتقدير فهم يرون مالايراه الشباب ويدركون حجم المخاطر الناجمة من التهور والحماس ..

تذكرت هذه الحادثة عندما جرى تكليف رئيس وزراء جديد شاب بقيادة الدولة وتشكيل حكومة جديدة، وفي الحال تصدر المشهد مصطلح (الازاحة الجيلية) وبرزت العديد من الاصوات لتنادي به كعلاج ناجع لأوضاعنا المزرية بينما انتقدت أصوات أخرى عديدة تسليم مقدرات الدولة بأياد شابة قد يتفوق لديها التهور والحماس على الخبرة والحكمة ..

لقد فرض علينا رئيس الوزراء الحالي كما فرض علينا نجلا الرئيس المخلوع لكن هنالك اختلاف بين الحالتين ففي الماضي، كانت القيادة تحكم بسياسة الصوت الواحد، اما اليوم، فلابد ان يكون للحكم الديمقراطي (حسنة) وحيدة وهي أن يشارك مجلس نواب من الشعب في الحكم وان يستنير الحاكم بآراء مستشاريه ...أليست هذه فرصتنا الوحيدة لنستقبل القيادات الشابة بالقبول والاستحسان فيما لو لجأ رئيس الوزراء الى اختيار تشكيلة وزارية على أساس الكفاءة والخبرة والتاريخ النزيه والاستعانة بمستشارين أمينين يحملون هم بناء الوطن وحمايته ؟

اذن، لن يكون بمقدورنا رفض الازاحة الجيلية المفروضة علينا او حتى انتقادها لأن كلامنا سيكون هواء في شبك ولكن بمقدورنا أيضا أن ندعو الى التخلص من تأثير الاحزاب والمحاصصة واستبعاد الوجوه المستهلكة والالتجاء الى الخبرة والروح الوطنية والنزاهة فهي الحل الحقيقي الناجع لأوضاعنا المزرية !

***

عدوية الهلالي

هناك نساء لا يمكن اختصارهن بكلمة، ولا احتواؤهن داخل وصف عابر. نساء يشبهن الضوء حين يدخل الأماكن المعتمة دون استئذان، فيعيد ترتيب المعنى في كل شيء. المرأة الاستثنائية ليست تلك التي تبحث عن الأضواء، بل التي تصنع أثرها بهدوء، وتترك في الأرواح شيئًا لا يُنسى.

هي امرأة تعرف أن القوة لا تعني القسوة، وأن الرقة ليست ضعفًا. تحمل قلبًا ممتلئًا بالحياة، لكنها في الوقت ذاته تعرف كيف تواجه العواصف دون أن تنكسر. تمرّ عليها الأيام الثقيلة، فتزداد نضجًا لا انطفاءً، وتتعلم من خيباتها كيف تمضي بثبات أكبر نحو ذاتها.

المرأة الاستثنائية لا تعيش على هامش الحياة، بل تكون جزءًا أصيلًا من معناها. تمنح من حولها الطمأنينة، وتزرع الأمل حتى في أكثر اللحظات قسوة. تشبه الأرض الطيبة؛ مهما أثقلها التعب، تبقى قادرة على الإزهار من جديد. وفي حضورها شيء من السلام، وشيء من الكبرياء، وشيء من الحنان الذي لا يُشبه أحدًا.

هي لا تنتظر من العالم أن يمنحها قيمتها، لأنها تدرك جيدًا من تكون. تعرف أن الاستثنائية لا تُقاس بالمظاهر، بل بالقدرة على البقاء نقية رغم كل ما يتركه الزمن من تعب. لذلك تراها تمضي بخطوات واثقة، حتى وإن كانت الطريق مليئة بالعثرات.

وحين تحب، تمنح حبًا يشبه الدفء الحقيقي؛ حبًا يرمم ولا يهدم، يضيء ولا يطفئ. فهي لا تكون ظلًا لأحد، بل روحًا كاملة تسير بجانب من تحب دون أن تفقد نفسها. وفي داخلها دائمًا مساحة من النور تقاوم العتمة، ومساحة من الإيمان تجعلها قادرة على البدء من جديد مهما حدث.

المرأة الاستثنائية ليست امرأة مثالية، بل امرأة حقيقية. تشعر، وتتعب، وتخاف أحيانًا، لكنها لا تسمح للهزيمة أن تسكنها. ولهذا تبقى مختلفة؛ لأنها تعرف كيف تحوّل الألم إلى قوة، والخذلان إلى نضج، والصمت إلى حضور يليق بها.

إنها امرأة تشبه الحياة حين تكون أكثر صدقًا… وأكثر جمالًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

 

الفرق بين التفكير الوثني، والتفكير الإلحادي؛ هو أن المُلحد يسأل ليُعجز مناظريه بمحاولات فاشلة منه لإثبات أن الكون لا خالق له، وأما الخطاب الروحاني فهو يجيب عن كل ما لم نسأل عنه في الدين؛ ليوهمنا أن الكون تفاعل مع ذبذباته، وأن عقله الباطن يستجيب لرغباته فيجلب له السعادة ويجذب له النجاح بفضل إيجابيته السطحية.

الحج بين التلبية الخالصة والبحث عن "الطاقة الإيجابية"

مناسك الحج لله وحده، لكن هناك من أصبح يمارسها للشفاء وللمباركة بالحجر الأسود وأصبحت نية الطواف هي التخلص من الطاقات السلبية، وليس تلبية لله وحده ولقضاء فريضة الإسلام…

فهم يقولون (أن الكعبة مركز الكون وليست مركز الأرض فقط، وعندما ندور حول الكعبة ندور عكس عقارب الساعة فتتجمع الطاقة الإيجابية نتيجة الإيمان بالله).

الحج لديهم مجرد وسيلة لجمع الطاقة الإيجابية، فإيمانهم إيمان مشروط، بل إنه نفاق، وفتنة عظيمة تسحر العقول الضعيفة وتريب القلوب.

فهل أصبحت مناسك الحج وثنية؟

وأما موضوع مناسك الحج فقد لفق الشيطان فيه، ونفث، وهمز حتى أقنع الملحدين بأن مناسك الحج طقوس وثنية يمارسها المسلمون مثل الوثنيين، وحاشا لله، وحاشا عباده المسلمين من هكذا وصف لا يليق بحق الإسلام.

لا دخل لي في الملحدين ولا في أفكارهم؛ لأني أخاطب هنا مسلمين فقط، لكن للإنذار، وللتحذير، ولأن هذه الأفكار للأسف قد أصبحت منتشرة بصورة مبطنة، ومبهرجة، وبطريقة إسلامية تجعلك لا تعرف أنها نفسها أفكار الشيطان الشركية، والإلحادية؛ بل إنهم يسمونها علم الطاقة الكونية، وعلم الروحانية.

وللأسف فقد وجدت أن هذه الوثنية تُمارس فعلاً في عصرنا هذا ويطبقها أصحاب القلوب المريضة.

رد الدكتور مصطفى محمود على شبهة "الوثنية" في المناسك.

عندما قرأت كتاب "حوار مع صديقي الملحد" قرأت موضوع أفزعني جدًا وهو (هل مناسك الحج وثنية؟) وهذا يعتبر تفكيراً شيطانياً بحتاً، وكل الأفكار التي تناولها الكتاب كانت أفكاراً شيطانية من الدرجة الأولى، ذكر فيه كل الأساليب الخبيثة التي يقنع الشيطان بها أهل الضلال أن ضلالهم نور، وأن نور الإسلام ضلال.

سأل الملحد الدكتور مصطفى محمود قائلاً: (ألا تلاحظ معي أن مناسك الحج عندكم هي وثنية صريحة؟ ذلك البناء الحجري الذي تتمسحون به، وتقبيل الحجر الأسود، والسبع طوفات والسبع رجمات وهي بقايا من خرافة الأرقام الطلسمية..).

أجاب الدكتور مصطفى محمود في هدوء:

«ألا تلاحظ معي أنت أيضاً أن في قوانين المادة التي درستها أن الأصغر يطوف حول الأكبر؟ الإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس.. إلى أن نصل إلى "الأكبر مطلقاً" وهو الله.. ألا نقول "الله أكبر"؟ وأنت الآن تطوف حوله ضمن مجموعتك الشمسية رغم أنفك ولا تملك إلا أن تطوف، فلا شيء ثابت في الكون إلا الله هو الصمد الصامد الساكن والكل في حركة حوله. أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله.. وهو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله، فأصبح رمزاً وبيتاً لله.»

«ألا تضعون باقة ورد على نصب حجري وتقولون إنه يرمز للجندي المجهول؟ فلماذا تلوموننا لأننا نلقي حجراً على نصب رمزي نقول إنه يرمز إلى الشيطان؟ ألا تعيش في هرولة من ميلادك إلى موتك؟ أليست هذه هي الحركة البندولية لكل المخلوقات؟ ورقم 7 الذي تسخر منه.. ما السر في أن درجات الطيف الضوئي 7، والإلكترونات تدور حول نواة الذرة في نطاقات 7، وأيام الأسبوع 7؟ ألا يدل ذلك على شيء؟ أم أن كل هذه العلوم هي الأخرى شعوذات طلسمية؟ نحن لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها.. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.»

الروحانية المعاصرة: تقديس الذات والكون بديلاً عن الخضوع

في عالمنا الجديد أصبح للقمر طاقة تمد الإنسان بها وللشمس طاقة وللكون طاقة، ليست تلك الطاقة المعروفة لديك "الطاقة الحرارية والضوئية" وليس تفكيرهم في الكون مثل تفكيرك فيه أنه مسخر لنا بكل ما فيه رحمة ولطف من الله وحده… لا أبدًا فتفكيرهم تخطى الزمان والمكان وتجاوز كل حدوده، فقسموا الطاقة إلى جزئين فقط إيجابية وسلبية، فهم يرون أن التأمل في الكون وعظمة خالقه تصدر ذبذبات للكون، وتتواصل معه بها، وذلك التأمل يزيد طاقتك، ويمكنك

من التواصل مع عقلك الباطن الذي بدوره يستطيع أن يجلب لك كل ما تفكر فيه، هذا الخطاب يبدو بسيطًا وبريئًا، ويبدو في الظاهر أنه لا يضر ولا ينفع؛ لكنه سمٌ فتاك بالعقيدة والإيمان إن تم أخذه أخذًا سطحيًا، وفهمه بطريقة مخلة بالنيات النقية والطاهرة، فتتحول المفاهيم الإيمانية العميقة لسطحية متذبذبة في الأخلاص والاستقامة لله وحده.

هذه هي الوثنية الحديثة قد لا تقوم على الأصنام الحجرية، لكنها تقوم على تقديس الذات والكون والطاقة، حتى تقبيل الحجر الأسود يقبلونه تقديسًا لذواتهم فهو لأنه من الجنة، يرون أن طاقته عظيمة في علاج أمراضهم النفسية، هم يربطون كل شيء بالعلاج النفسي، مثلاً: تفعيل للشاكرات في الصلاة، وتنظيف الهالة بالأذكار، والارتقاء الروحي بالحج، والتطهير الذاتي بالصوم.

لقد جعلوا العبادة مجرد تركيزًا على العلاج الروحي، ولتحقيق أغراض شخصية ودنيوية فقط، حتى انسلخوا عن الله انسلاخاً تاماً وعن الدين والعقيدة وتركوا الغاية (رضى الله) انشغالاً بالوسيلة.

الروحانيون اليوم يجعلون الإنسان يقدس نفسه، وهو لا يعلم أنه قد انسلخ عن دينه، بعد أن أوكله الله لعقله الباطن، يجلب له السعادة، ويصرف عنه التعاسة، وما أتعس هؤلاء وما أشقاهم!

وللأسف فإن كثيرًا من المنجذبين إلى هذه التيارات يدخلونها بحثًا عن علاج لقلقٍ داخلي أو فراغٍ روحي، ويتم استغلالهم بالوهم حتى يسهل استدراجهم، ونزع عقيدتهم وإيمانهم بعد أن تتغير معتقداتهم ومفاهيمهم حول دينهم وعبادتهم.

وقد انتهى الأمر ببعضهم إلى الانغماس في ممارسات تقترب من الشعوذة والخرافة، فقد استخدموا علم التنجيم، وعلم الأرقام والحروف، ثم أخذوا آيات من القرآن، وقالوا علم طاقة إسلامي!!!

اليوم لا أحد يسأل لماذا سبع جمرات وسبع هرولات؟! ولماذا أرقام محددة؟! بل هم يؤمنون أن لله حكمة في كل ذلك، ولكنهم بدل أن يطيعوا الله فيما أمرهم، انصرفوا للتفكير في الأرقام نفسها، و قدسوها لذاتها، وقد تلاعبوا بوظيفتها الأساسية فجعلوها ساعي بريد يسعى لتوصيل رسائلهم، ففي عقيدتهم الغير مقبولة يدعون أن كل رقم يتكرر فهو يحمل رسالة كونية لصاحبة، ولكل حرف رقم يمثل مكانته في الأبراج الكونية، ولأسمك عدد يميزون به شخصيتك ويعرفون به حظك إن تم جمعه معه مع عدد حروف أسم أمك، نحن قد نكون مجرد أرقام زائلة تزداد ثم تندثر ليأتي الرقم الذي بعده، لكن الأرقام لا تمثل شخصياتنا وأسلوب حياتنا، ولن تحدد عدد حروف اسمائنا نسبة حظوظنا أو أقدارنا، حاشا لله، كل شيء أحصاه في كتاب مبين، ليس في نجمة شاردة أو رقم تائه بين أرقام الكون الوسيع، الرقم مجرد توضيح لنا وهو لا ولن يكون توضيحنا وتوضيح لذواتنا.

أصبح هذا علماً يُدرس أسموه علم الأرقام، يستدلون على خيالهم بفرائض الله التي جعل لكل فريضة رقم، فهم تركو الفريضة وركزوا على الرقم، ليس لهم من أمر الكون شيء سوى التسليم والطاعة فحكمة الله هي التي تسير هذا الكون العظيم بدقة متناهية ونظام بديع، ونحن مجرد مخلوقات ممن خلق نعيش في كونه ولا دخل لنا في تدبيره فلله في خلقه شؤون، نحن خلقنا لعبادته وتسبيحه، فلننشغل بما خلقنا له ولا يلهينا عن ذلك انشغالنا بما خُلق لنا، ولنكن كما قال الفيلسوف مصطفى محمود رحمة الله: ( نحن لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها.. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.) لكن الشيطان اليوم يحاول أن يصرفنا عن العبادة العميقة،  والتفكير السليم، ويجرنا نحو عبادة شكلية سطحية، ولتفكير عقيم لا يؤدي إلى نتيجة سوى زيادة البعد عن الإيمان الكامل والتوكل السليم، وبدل الخضوع بالسمع والطاعة أصبحنا نفكر لماذا وكيف وماذا؟

متاهة الأرقام والحروف: محاولة تفسير الغيب وخطر الانزلاق إلى الشعوذة

ولا ننسى أنه قد تم تأليف علم الأرقام في القرآن؛ وأصحابه يدعون أنهم يجمعون عدد الآيات وعدد الكلمات فيتنبئون بتواريخ مستقبلية غيبية لا دخل لهم فيها، أما ما طابق كلامهم وتوقعاتهم مع تلك الدلائل والبراهين؛ فهو فتنة يمحص الله بها إيمان عباده ليرى وهو العليم الخبير من المؤمن ومن الذي في قلبه زيغ وقد قال الحق سبحانه:

{ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [ سورة النساء : 46 ]

إن أول فكرة تنصرف عن الإنسان حين يدخل في هذا العلم، ويبدأ في التصديق هي أنه عبد، وعليه أن يطيع فقط لايجادل في آيات الله التي في الكون والأنفس والآفاق وكل ماحوله هو آية تؤكد أن الخالق واحد وأن عظمته تفوق أدراك المخلوق.

 تغيب فكرة التسليم والتسبيح لله عند أول تصديق لخطاب يسحر العقول بحسن بيانه وكثرة تظليلة، وقد يُجلب برهان حسي يُفتن به من يُفتن وينجو من ينجو، هذا هو الدجل الذي يُدخلك في متاهة الشيطان وأنت لا تفهم وتظن أنك كنت تفكر فقط وتحلل وتحاول الغوص في معاني الحروف والأرقام.

وقد نصّ العلماء على أن استخدام "حساب الجمل" في القرآن لا أصل له في الشريعة، ولا يجوز فهم القرآن بغير طرائق فهم العرب (التفسير واللغة)، كما أنه يفتح أبواب الباطل. وهناك استثناء بسيط فقد أجاز بعض العلماء استخدامه فقط في "التاريخ" (التأريخ لحدث ما) دون بناء عقائد أو تنبؤات غيبية عليه، لكن استخدامه للكشف ومحاولة معرفة الغيب هو محرم بإجماع.

والعلم هذا بكاملة علم أرقام الحروف، أو أسرار الحروف، وأسمه الآخر (علم الجفر) فقد نهى أهل العلم عن الاشتغال به، ونُقل الإجماع على تحريمه إذا تضمن التنبؤ بالغيب أو ادعاء معرفة حوادث المستقبل، فهو من الدجل وعلوم الجاهلية

وقال عنه ابن خلدون: (هو المسمى لهذا العهد بالسيمياء نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرف من المتصوفة فاستعمل استعمال العام في الخاص وحُدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس وظهور الخوارق على أيديهم.. وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوعه ولا تُحاط بالعدد مسائله) مقدمة ابن خلدون.

وفي الختام، فإنَّ جوهر علاقتنا بالله عزوجل يقوم على التسليم والمحبة وعلى السمع والطاعة، لا على معادلات الطاقة ولا حسابات الأرقام.

وانشغالنا بالبحث عن قوى خفية في العبادات، سيُفقدنا خشوعنا وسيصرفنا عن المقصد الأسمى وهو إخلاص العبودية لله وحده.

فما أجمل أن نعود إلى رحاب الإيمان الفطري؛ حيث يطمئن القلب بذكر الله، وترتقي الروح بالامتثال لأمره.

***

إعداد وتقديم: فاطمة محمد الدفعي - كاتبة وباحثة في الشؤون الفكرية والنفسية

في المشهد الثقافي العربي، تبدو بعض دور النشر وكأنها تخلّت عن دورها التاريخي في اكتشاف الأصوات الجديدة والمغامرة الأدبية الحقيقية، لصالح الرهان على الأسماء الإعلامية السهلة والتسويق السريع. ومن بين هذه الدور تبرز دار المدى، التي يراها كثير من القرّاء العراقيين وقد انحازت، خلال السنوات الأخيرة، إلى مشاريع لا تضيف الكثير إلى الرواية العربية بقدر ما تعتمد على شهرة الكاتب وحضوره الإعلامي.

الرهان المتكرر على الكاتب المصري بلال فضل، عبر أعمال مثل «أم ميمي» و«جيزة جيزة جيزة»، يثير أسئلة حقيقية حول المعايير التي تحكم عملية النشر اليوم: هل أصبحت الشهرة التلفزيونية والانتشار الرقمي أهم من القيمة الأدبية؟ وهل تحوّل الكتاب إلى منتج استهلاكي سريع بدل أن يكون مشروعًا فنيًا متماسكًا؟ المفارقة أن بلال فضل، الذي يُقدَّم أحيانًا بوصفه «اسمًا أدبيًا عربيًا»، لم يصنع، في الأصل، مشروعًا روائيًا متماسكًا بالمعنى الفني، بل بنى حضوره أساسًا عبر المقالة الساخرة والإطلالة الإعلامية واللغة اليومية القريبة من منشورات مواقع التواصل. وحتى نصوصه الأخيرة تبدو أقرب إلى تدوينات مطوّلة تستثمر المزاج الشعبي واللغة الخفيفة أكثر مما تشتغل على الجماليات الروائية أو العمق الفني.

ثم إن الكاتب الذي ابتعد عن مصر لأكثر من عقد، مقيمًا في الولايات المتحدة، واكتفى بحضور متقطّع عبر تيك توك وفيسبوك ويوتيوب كان قد فقد تدريجيًا صلته الحقيقية بالشارع المصري الذي كان يستمد منه مادته الأساسية. فالكتابة التي تعيش على نبض الشارع تفقد الكثير من طاقتها حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى مادة مستهلكة يُعاد تدويرها من الخارج.

وحتى لو افترضنا أن هذا النوع من الكتابة ما يزال يجد من يتفاعل معه داخل مصر، بحكم الخصوصية المحلية واللهجة والسياق الاجتماعي، فما الذي يعنيه ذلك للقارئ العراقي؟ وما الذي يربط القارئ العراقي بهذه الخلطة الشعبية المصرية الخالصة، التي تقوم على الإفيه اليومي والسخرية العابرة أكثر مما تقوم على الأدب بوصفه فنًا إنسانيًا عابرًا للحدود؟ ومن هنا تبرز الأسئلة المشروعة: لماذا يستمر هذا الرهان تحديدًا؟ ولماذا يجري تقديم هذه الأعمال وكأنها حدث ثقافي كبير، بينما يتم تجاهل عشرات الأصوات العراقية الشابة والجادة؟ وهل تحكم اختيارات النشر اعتبارات ثقافية فعلية، أم أن هناك شبكة مصالح وعلاقات شخصية وتفاهمات غير معلنة أصبحت تتحكم بما يُطبع ويُسوَّق ويُقدَّم بوصفه "الأدب العربي المعاصر"هذه الأسئلة ليست اتهامات، لكنها تعكس شعورًا متزايدًا لدى كثير من القرّاء والكتّاب بأن المشهد الثقافي العراقي لم يعد يُدار دائمًا وفق معيارالقيمة الفنية، بل وفق اعتبارات العلاقات والانتشار السريع والضجيج الإعلامي وهذا محبط للكثير من كتاب العراق في الداخل والخارج.

الأكثر إثارة للاستغراب أن القارئ العراقي، الذي يمتلك ذاكرة ثقافية شديدة الحساسية تجاه الأدب الحقيقي، لم يعد يتفاعل مع هذه الأسماء كما تفترض بعض إدارات النشر. فبلال فضل، مهما كانت جماهيريته السابقة، لم يعد يشغل المساحة نفسها حتى داخل الشارع الثقافي المصري، مقارنة بأسماء روائية شابة استطاعت أن تطور أدواتها وتبني مشروعًا أدبيًا أكثر رسوخًا. القارئ العراقي، الذي تربّى على إرث سردي عميق وقاسٍ ومشحون بالتجربة التاريخية، لا يبحث غالبًا عن نص يشبه منشورًا غاضبًا على فيسبوك أو تعليقًا جنسياًً ساخرًا مباشراً . ولذلك يبدو الإصرار على تسويق هذه الأعمال داخل الوسط الثقافي العراقي أقرب إلى سوء تقدير حقيقي لذائقة القارئ العراقي.

وفي المقابل، يشعر كثير من الكتّاب العراقيين بأن هناك فجوة واضحة في تعامل بعض دور النشر المصرية مع الأدب العراقي. فبرغم الثقل التاريخي للرواية العراقية، وبرغم الجوائز العربية والدولية التي حصدها كتّاب عراقيون، ما تزال فرص النشر والترويج داخل السوق المصرية محدودة ومدفوعة الثمن مسبقاً عند النشر ولاتقامر دور النشر المصرية بطباعة رواية لكاتب عراقي والترويج له عدا عن زج روايته في جوائز الرواية العربية كما حصل مع المذى بتقديم رواية أم ميمي قبل سنوات لجائزة البوكر العربية، وكأن الثقافة العربية تُدار أحيانًا بمنطق المركز والهامش، لا بمنطق الجودة والإبداع.

القضية هنا ليست صراعًا روائياً بين مصر والعراق، ولا اعتراضًا على كاتب بعينه، بل اعتراض على عقلية مسؤولي النشر في المدى التي ترى في الاسم المتداول ضمانة تجارية، حتى لو كان النص عاديًا، بينما تُغلق الأبواب أمام أصوات جديدة تمتلك شجاعة التجريب والاختلاف.

***

ياسين غالب

رغم انشغالي هذه الأيام ببناء منزلي الجديد، وما يرافق ذلك من تعب وضيق وقت وتفاصيل لا تنتهي، إلا أنني أحاول في الوقت نفسه أن أبني شيئاً آخر أكثر عمقاً من الجدران والسقوف؛ أحاول أن أبني أفكاري ووعيي وأسئلتي، مستعيناً بما يقدمه عبد الجبار الرفاعي من قراءة مختلفة للإنسان والدين والتراث. فبعض الكتّاب يمنحونك معلومات، أما الرفاعي فيمنحك طريقة جديدة للنظر إلى العالم.

 في كل مرة يقترب فيها عبد الجبار الرفاعي من التراث، لا يقترب منه بوصفه مخزناً للمقدسات الجاهزة، بل بوصفه غابة كثيفة من الأسئلة، والرموز، والأقنعة، والطبقات التاريخية المتراكمة. هو لا يدخل إلى النصوص القديمة حاملاً مطرقة الهدم، كما يتهمه خصومه، ولا يحمل مبخرة التقديس الأعمى كما يفعل حراس الموروث، بل يدخل وفي يده مصباح التأويل، محاولاً فك الألغاز التي تراكمت عبر القرون حول الدين، والإنسان، والمعنى.

لقد تعامل كثيرون مع التراث وكأنه صندوق مغلق لا يجوز فتحه، بينما رأى الرفاعي أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في العقول التي جمدت التاريخ وحولت التجارب البشرية إلى يقينيات نهائية. ولهذا كان مشروعه أقرب إلى محاولة تحرير الروح من سجون الشروح والحواشي والخوف المتراكم. حين يقرأ التصوف لا يقرأه كطقوس غامضة، بل كبحث عميق عن المعنى الإنساني. وحين يناقش الفقه أو علم الكلام، فإنه يحاول كشف اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، لا تحويلها إلى قوانين أبدية فوق الزمن، إنه يفتش دائماً عن الإنسان المختبئ خلف ركام المصطلحات.

 ميزة الرفاعي أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يوقظ القلق الفكري. يعيد فتح الملفات التي أغلقتها السلطات الدينية والسياسية معاً، ويذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن التراث ليس متحفاً للصمت، بل مادة حية قابلة للفهم والنقد وإعادة القراءة.

بعد إعادة قراءة كتب عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، يتبين أن الرجل لم يُكتشف كما ينبغي بعد، وأن كثيرين مرّوا على مشروعه الفكري مروراً سريعاً دون التوقف عند طبقاته العميقة. فكل قراءة جديدة تكشف زاوية مختلفة، وكأنك لا تقرأ كاتباً واحداً، بل عوالم متجاورة من الفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام، وأسئلة الإنسان القلقة.

 شخصياً، كلما تعمقت في نصوصه ازددت اقتناعاً أن الرفاعي ليس مجرد مفكر يكتب عن الدين، بل عقل يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وروحه في زمن امتلأ بالضجيج والتعصب واليقين الأعمى. ولهذا يبدو الإعجاب به ليس انبهاراً عابراً بكاتب، بل تقديراً نادراً لشخص امتلك شجاعة السؤال، وهدوء الحكيم، وجرأة العبور داخل المناطق التي يخشى كثيرون الاقتراب منها. في عالمنا العربي، حيث يُكافأ المكرر ويُحاصر المختلف، تبدو محاولة فك الألغاز التراثية مغامرة خطرة. لكن من دون هذه المغامرة سنبقى ندور داخل المتاهة نفسها، نكرر الأسئلة القديمة، ونخاف حتى من مجرد التفكير خارج الجدران التي بناها الأسلاف.

***

ستار الزهيري – كاتب عراقي

ليست الجريمة التي هزّت العراق أخيراً مجرد حادثة قتلٍ عائلية عابرة، ولا يمكن اختزالها في عبارة “غسل عار” كما تفعل اللغة الاجتماعية الكسولة التي اعتادت أن تُخفّف بشاعة الجرائم عبر تسميات موروثة. نحن أمام لحظة انهيار أخلاقي عميق، لحظة تكشف تصدّع البنية النفسية والاجتماعية للإنسان العراقي المعاصر، وتفضح المسافة الهائلة بين كثافة الخطاب الديني وبين ضمور الضمير الإنساني. فأن تُقتل فتاة في الرابعة عشرة من عمرها لأنها رفضت الزواج ممّن فرضه الأب عليها، فهذا وحده مأساة. لكن أن يتحول القتل إلى مناسبة للغناء والرقص والاحتفال، فذلك يعني أن الجريمة لم تعد فعلاً فردياً شاذاً، بل أصبحت طقساً اجتماعياً يجد من يبرره ويصفق له ويمنحه شرعية جماعية.

إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس الدم وحده، بل انهيار الإحساس بالذنب. ففي علم النفس الاجتماعي، حين يفقد الإنسان شعوره الداخلي بالخطأ، ويتحوّل العنف إلى قيمة جماعية محمية بالعُرف، يصبح المجتمع مهيأً لإنتاج جرائم أشد قسوة. الإنسان الطبيعي قد يرتكب خطأ تحت ضغط الغضب أو الخوف أو الانفعال، لكنه يبقى مطارَداً بوخز الضمير. أما حين يرقص القاتل بعد جريمته، فهذا يعني أن الضمير نفسه قد أُعيد تشكيله وفق ثقافة ترى القسوة بطولة، وترى السيطرة على المرأة شرفاً، وترى الطاعة العمياء للعائلة أعلى من حق الإنسان في الحياة.

لقد دخل المجتمع العراقي منذ سنوات طويلة في أزمة مزدوجة: تضخم في المظاهر الدينية، وتراجع في القيم الأخلاقية الحقيقية. فالمشكلة ليست في الدين، بل في تحويل الدين إلى طقوس صوتية فارغة تُستهلك في المنابر والخطابات والمواكب والشعارات، بينما تُهمَل جوهرية الإنسان وكرامته وحقه في الاختيار والرحمة والعدل. إن الدين الذي لا يمنع أباً من ذبح ابنته، ثم الاحتفال بذلك، ليس ديناً غائباً فحسب، بل دين جرى تشويهه وتحويله إلى قشرة اجتماعية تُستخدم أحياناً لتغطية أكثر الغرائز بدائية ووحشية.

ومن المؤلم أن هذه الظواهر تتفاقم في بيئات تُعدّ من أكثر البيئات امتلاءً بالمجالس الدينية والخطب والوعظ والمنابر. هنا يبرز السؤال المرعب: كيف يمكن لمجتمع يسمع المواعظ كل يوم أن يزداد عنفاً وقسوة؟ كيف يمكن لبيئة غارقة بالشعائر أن تنتج هذا الكم من التوحش الأسري؟ الجواب يكمن في الفرق بين “التديّن الشكلي” و”الأخلاق الإنسانية”. فليست كثرة الشعائر دليلاً على نضج الضمير، كما أن ارتفاع الصوت بالموعظة لا يعني بالضرورة حضور الرحمة في النفوس.

لقد تحولت المواعظ في كثير من الأحيان إلى خطاب تعبوي عاطفي لا يعالج البنية النفسية العميقة للإنسان، ولا يربيه على احترام الفرد وحقوقه واستقلاله الإنساني. يتم التركيز على الطقوس أكثر من التركيز على الإنسان نفسه. يُربّى الفرد على الخوف من الجماعة أكثر من خوفه من الظلم. وعلى الطاعة أكثر من التفكير. وعلى الانتماء القبلي والطائفي أكثر من الضمير الكوني. وهنا ينشأ إنسان قادر على البكاء في مجلس ديني، ثم ممارسة القسوة المطلقة داخل بيته دون أي تناقض نفسي يشعره بالخجل.

إن المجتمع العراقي اليوم يعيش أزمة “ازدواج الشخصية الاجتماعية”. ففي الفضاء العام يبدو متديناً، محتشداً بالشعارات، غارقاً في الرموز الدينية، لكنه في العمق يعاني تصحراً أخلاقياً خطيراً. ولعل أخطر ما أصاب المجتمع هو هذا الانفصال بين الخطاب والسلوك. بين ما يُقال وما يُمارس. بين القداسة المعلنة والعنف المخفي. حتى أصبح بعض الناس يتعاملون مع الدين بوصفه هوية جماعية لا مشروعاً أخلاقياً.

وفي علم الاجتماع، حين تتراجع سلطة القانون ويتضخم نفوذ القبيلة والعرف، تبدأ العائلة بالنظر إلى نفسها كدولة مستقلة تمتلك حق الحياة والموت على أفرادها. وهنا تتحول المرأة، خصوصاً الفتاة الصغيرة، إلى “ملكية عائلية” لا إنساناً مستقلاً. ويصبح جسدها وقرارها ومستقبلها جزءاً من مفهوم الشرف الجمعي. لذلك لم يكن رفض تلك الطفلة للزواج يُنظر إليه بوصفه حقاً إنسانياً، بل عُدَّ تمرداً على سلطة الأب والعشيرة. ومن هنا جاء العنف بوصفه “إعادة فرض النظام”، لا بوصفه جريمة في نظرهم.

لكن الحقيقة الأشد مرارة أن المجتمع نفسه كثيراً ما يشارك في الجريمة بالصمت أو التبرير أو التواطؤ النفسي. فحين تنتشر التعليقات التي تبحث للقاتل عن أعذار، أو تعتبر الضحية “سبب المشكلة”، فإننا لا نكون أمام قاتل واحد، بل أمام ثقافة كاملة تُنتج القاتل وتحميه. وهنا تصبح الجريمة نتيجة منطقية لبنية اجتماعية مأزومة، لا حادثة معزولة.

لقد تعرض الإنسان العراقي خلال عقود طويلة إلى حروب وحصار وعنف طائفي وانهيارات اقتصادية وسياسية متتالية. وكل مجتمع يعيش زمناً طويلاً تحت العنف، يبدأ تدريجياً بفقدان حساسيته تجاه الألم. تتبلد المشاعر، ويصبح الموت خبراً عادياً، وتتحول القسوة إلى سلوك يومي. ومع غياب التربية النفسية السليمة، وضعف التعليم، وتراجع دور الثقافة والفنون، ينمو جيل مضطرب يرى العنف لغة طبيعية للتعامل مع الخلافات.

كما أن الخطاب الذكوري المتضخم لعب دوراً خطيراً في ترسيخ فكرة امتلاك المرأة. فالفتاة في بعض البيئات لا تُعامل كإنسان كامل الإرادة، بل كرمز لشرف الجماعة. لذلك يُنظر إلى حريتها الشخصية كتهديد لسلطة الرجل، لا كحق طبيعي. وهذه العقلية لا علاقة لها بالدين الحقيقي، بل هي امتداد لتقاليد قبلية قديمة أُلبست أحياناً لباساً دينياً زائفاً.

إن الدين الحقيقي يبدأ من حرمة الدم، ومن الرحمة، ومن كرامة الإنسان. يبدأ من قوله تعالى إن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعاً. لكن حين يتحول الدين إلى مجرد هوية صوتية وصراخ منابر، دون بناء أخلاقي وإنساني، فإنه يفقد أثره التربوي العميق. ولهذا يمكن لمجتمع أن يكون ممتلئاً بالمآذن والرايات والخطب، لكنه فارغ من الرحمة.

ما حدث لهذه الطفلة ليس جريمة ضد فرد فقط، بل صفعة لضمير مجتمع كامل. إنها مرآة مخيفة تكشف ما تراكم تحت السطح من عنف وكبت وتشوهات نفسية واجتماعية. والمشكلة لن تُحلّ بإدانة عابرة أو موجة غضب مؤقتة، بل تحتاج إلى مراجعة جذرية لفكرة التربية والدين والرجولة والشرف والعائلة والقانون.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان العراقي من الداخل، لا إلى زيادة الضجيج فوق رأسه. بحاجة إلى تعليم يُربي على التفكير لا الطاعة العمياء، وعلى احترام المرأة لا امتلاكها، وعلى قيمة الإنسان لا سلطة الجماعة. بحاجة إلى خطاب ديني يزرع الرحمة لا الخوف، والوعي لا الانفعال، والضمير لا الاستعراض. وإلا فإن المجتمع الذي يرقص فوق جثمان طفلته اليوم، قد يستيقظ غداً ليجد أنه يرقص فوق جثمان إنسانيته كلها.

***

د. علي الطائي

13-5-2026

حربان خاضتهما الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ في الشرق الاوسط تحت  لافتة "اسلحة الدمار الشامل"، الاولى كذبة وتلفيق لااساس له والثانيه كاحتمال، وفي الحالتين كان الهدف الفعلي مغيبا كليا، ومخطط الشرق الاوسط كمرتكز حماية ضد روسيا والصين وحماية لاوربا مع نوع كيانيه معممة عالميا باسم "الابراهيميه المفبركة" ارتكازا الى التسّيد الاسرائيلي،  وتفاعل " دول الابار" بالضد من دول الانهار التاريخيه، الاصل ومولد الرؤية الابراهيمه خاصية هذا المكان التعبيرية الكونيه فوق القومية الاوربيه.

ذك ماقد جعل اقدام صدام حسين على احتلال الكويت يتحول الى جنون امريكي، وقد ولد  عقبة كبرى امام امكان تحقق مشروع امريكا الذي تجلى في حينه ب "الشرق الاوسط الكبير" على انقاض كيانيه هي بذاتها ريعيه نفطية من نوع اخر غير اباري، بل "نهري" مضاد ل "الابارية"،  وهو المزدوج كينونة مجتمعية، مايجعل  الريعيه فيه اداة اصطراع داخلي محفزة  الى اقصى حد ممكن للاصطراعية الذاتيه، ويعظم وتائرها وانعكاساتها الاقليميه، وفي المقدمه محركات ومتغيرات الاوضاع في ايران، وماعرفته من ثورة انطلقت من "النجف"، وماتبعها من حرب  هي الاطول بين بلدين بعد الحرب العالمية الثانيه، تلك التي اسقطت فعاليه النفط السلطوية الاصطراعية عراقيا بسبب تكلفة الحرب الباهضة، ما قد عاد مغيرا وتيرة الاصطراع المجتمعي، واودى بالحكم الى  الاختلال  الجنوني  وقد صار وقتها "حكم بلا ركيزه اساس "، ماقد ولد حال من الاضطراب غير المسبوق، انعكس على مجموعه "دول الابار المحاذية"، وهو ماحصل بالفعل مع احتلال الكويت، ليستثير جنونا مقابلا لدى راعي مشروع الشرق الاوسط المصد والنموذج.

وقتها صرح شخص مثل كيسنجر قائلا:"مشكلتنا نحن الغربيون ليست مع صدام بل مع العراق، هذا البلد القوي ربما ياتي احد بعد صدام ويقوده باتجاه مضاد لمصالحنا في الشرق الاوسط وعليه يجب تحطيم العراق" بمعنى ان ماقد اقدمت عليه الولايات المتحدة في حينه ليس حربا معتادة  القصد منها تحطيم قدرات الاخر العسكريه، بل ازاله البلد المقصود وحذفه من الخارطة كوجود، بحسب ممكنات الادراك المتاحة لجهة ارضوية من حيث الجوهر، مع تخلخل رؤاها وتذبذبها العاجز عن رؤية حقيقة وخلفيات ماهي بصدد الخوض في غماره، بالذات وخصوصا في مكان مثل الشرق الاوسط بكينونته غير المماط عنها اللثام، وبدئيته التاريخيه المجتمعية ومنطوياتها الكبرى المغفله، المتعدية للقدرات المتاحة للعقل البشري وماهو مؤهل لادراكه من الحقيقة المجتمعية، خصوصا في ارض مابين النهرين حيث اعلى المجتمعات البشريه ديناميات ازدواجية اصطراعية، هي المنطوى البدئي على الغرضية والهدف المودع في الظاهرة المجتمعية، والتعبيرية الكونية المحققة للازدواج المجتمعي خارج ارضها، وكلها قضايا خارج الممكنات العقلية المتاحة استيعابا.

ومرة اخرى يسقط السؤال  فوق الضروري الواجب طرحه من الاعتبار، فلا احد عربيا عراقيا ولا عالميا، تساءل يوما يوما: لماذا وجدت الظاهرة النفطية الريعية لدرجة توليد نمطية "دول الابار"، وبمقدمها  الجزيرة العربيه المحورة ريعيا قبليا من نمطيتها  التاريخيه " كمجتمع لادولة احترابيه تاريخيه" واسلام ايديلوجي سلطوي استعادي، والاهم لماذا لم تستقل الدول المذكورة المتشكله اليوم بظل الغلبة الغربية، من دون حضور نمطية نفطية اخرى نهرية ازدواجيه اصل واساس بدئي،  اصطراعي مجتمعي وراعي بامتياز الدور الاول للريعية النفطية فيه كما يمكن تصورها بداهة، دخولها كعنصر ضرورة ضمن وسائل الاصطراع الارضوي اللااارضوي مجتمعيا.

ومرة اخرى لابد من التنويه ب " دياكتيك الطبيعه والمجتمع" المغفل، غير الممكن ادراك اشكال تجسده كينونة، بالاخص اذا قصدنا العقول القاصرة والاتباعية  التبسيطية في طورها الحديث الاول المرهون للنموذجية الغربيه وتوهميتها، بالاخص وقد وجد لها اساس في المنطقة يمكن ان تعتمده نواة لاتباعيتها الغربيه، اساسها بلد نهري اخر مهم مع عامل اخر مساعد من المجال الوسط الشامي، اذ اعتبرت مصر نموذجية لاحتمالية التحول المعاصر على الطريقة الاوربيه، وماتمخض عن الانقلاب الالي عند بدايته الاولى بين ظهرانيها، وهو ماتمثل بظاهرة الالباني محمد علي نموذجيته العليا.

فكيف كان الغرب الحديث ينظرمن ناحيته الى الشرق المتوسطي كالحاقية اقصادية ومفهومية،  اهم لحظاتها ذهاب الانكليز الى الكويت لاستجلاب ال سعود المنفيين هناك  بعد اكتشاف النفط وتوفر القاعدة والاساس الالحاقي العضوي بالغرب وتوهميته الكبرى، لتغدو "الوهابية " من وقتها اساسا وجوديا وكيانيا فريدا لحكم القبيله في مجتمع اللادولة المحاربة الجزيري الذي لايحكم،  ومن هنا تبدا عملية بناء الشرق الاوسط الحديث الراهن، مع قيام "جبهة الابار" دولا موصولة عضويا اقتصاديا بالغرب الاوربي، ثم الامريكي، من دون نسيان الجانب الاخر الهام الاستعادي الابراهيمي المزور على حساب الابراهيمة التاريخية النهرية، ممثلا بالكيانيه الصهيوينه ركيزه  الكيانيه الشرق متوسطية الحديثة بالمنظور الغربي الامريكي.

هنا يوجد الشرق الاوسط العربي، خصوصا الحديث،  بالنفط الريعي، لابالصناعة والبرجوازية ودول التحرر، والصيغه الانقلابيه التي تقابل الاليه الاوربية شرق متوسطيا هي النفط ومكانته في الهيكلية الراسمالية العالمية، وهو مشكل النظم والكيانيه، الامر الفريد قطعا على المستوى العالمي، بما يجعل من تاريخ المنطقة تاريخا انتقاليا من " دول الانهار" الى " دول الابار" ومجتمعاتها التي من دون تاريخ، وهو ماقد صار في النصف قرن الاخير انتقالية ذات حضور عالمي مباشر، تضطلع في تشكيله الولايات المتحده بناء على حكم بنيتها الناقصة، وديناميات التحول الالي التكنولوجي، وقرب حضور مفعول التكنولوجية مافوق الجسدية الارضوية، ومابدأ يترتب على مثل هذا الانتقال الفاصل  وينجم عنه من اختلال بنيوي شامل.

وقد يكون من باب الصدفه او العبقرية الديالكتيكيه التاريخيه، ان توجد بين الظاهرتين  المشار لهما،اخرى ثالثة هي حالة ( النهرية/ الريعيه)،تقوم في الموضع البدئي الاول، ومحل اللاارضوية والازدواج المقابل والمضاهي  للانقلابيه الغربيه، والمتشكل المنبعث منذ القرن السادس عشر فترات تبدا قبلية ثم انتظارية مستعادة نجفية، مع اكتشاف القارة الامريكيه وقبل بزوغ الاله في الغرب، في دورة ثالثة راهنه  بعد الدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، هي دورة الانقلاب العقلي  المتوافقه مع مجريات الانبثاق الالي وتحوراته الصاعدة، من اليدوية الارضوية الاوربية تباعا  عبر مجطات الالية المصنعية، ثم التكنولوجيا الانتاجية الراهنه، الى التكنولوجيا العليا العقلية الاخذه بالتبلور من هنا فصاعدا، حين تكتمل اسباب الانقلاب العقلي اللاارضوي، وسائل مادية، ومستلزمات ادراكية، وهو مايستوجب اعادة قراءة للتاريخ الحديث، والعام ككل، بناء للسردية التحولية العظمى المقررة مسبقا للكائن البشري والمجتمعات، من الحيوانيه الى "الانسان/ العقل"، عبر مرحلة "الانسايوان" المعاشة الى الان، والمشارفه على الزوال.

ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

 

بعد أن كانت الكلمات تذرف دموعا صارت تنزف دما، في مجتمعات لا تعرف الإستقرار، وتعاني من مراحل التجارب الفادحة الخسائر، فما إستطاعت أن تبني نظاما دستوريا راسخا لتدبير أمورها وشؤون بلادها، ودخلت في دوامة تغيرات لكل منها تجاربه التي تتلخص بلاحق يجتث سابق، وليلها كأن نجومه شدت بجلاميد العصور المتناطحة.

وأضحت المجتمعات لا تمتلك أكثر من الكلمات المتوجعة، بكائيات ورثاء وغموض وإبهام كلها محفوفة بالخوف من آفات الكراسي الشرسة.

وعندما يتسلط المتأدينون على الحكم، يكون التعبير عن الرأي كفر، والتظاهر جريمة تستحق الإعدام الفوري، والمهم أن يبقى الكرسي إماما وقائدا.

نكتب وما نفع الكتابة أمام فوهات الأسلحة المنفلتة التي لا تميز بين الصالح والطالح، ولا تعرف سوى لغة البارود التي تكتب ملاحم مآسيها بدماء الأبرياء.

الكلمات تحولت إلى هباء منثور وبعثرة فوق أمواج الأنين، فلا خلاص للغزالة من قبضة أنياب الأسد على عنقها.

عاشت المجتمعات التي تهذرب فوق أجيج التداعيات، وبراكين النكبات، وهي تجعجع ولا ترى لها طحينا أو خبزا يسد رمق الجائعين.

مجتمعات تتعثر بمفرداتها، وتأكل ذاتها وتسحق موضوعها، وكل مًن عليها خان وإستهان، وتدحرج في الوديان، يلملم ما غنمه من السحت الحرام المُدان، ويبرره بأقوال الذين يرغبون بالأخذ الفتان.

كانت الكلمة عهدا وميثاقا وصراطا منيرا، وتحولت إلى نثار كالغبار في ديار تغزوها آفات الرمال.

ما عادت الكلمة ذات قوة، إنها عبارات خلبية، تحقق الخيبات وتدّعي بأنها أبية.

الكل يعرفون، وبخيوط الشر ينسجون، وعلى بعضهم يتناصرون، وللطامعين بهم يتقربون، فكيف سيتحررون، وبسيادتهم يتمتعون، وآكليهم لهم يفترسون؟

كلامٌ من تباريحِ الجِسامِ

تُردّدهُ الضحايا باخْتصامِ

ومُفترسٌ يُداهمها مِرارا

يُمزّقها ويَدعوها للسلامِ

غريبُ عَقيدها أزْرى بخَلقٍ

فيُحُرقها بأوْديةٍ الحِمامٍ

***

د. صادق السامرائي

من المفارقة التاريخية أن العراق يعد تقريباً أول دولة في العالم تخصص يوماً وطنياً يشتمل على تكريم لضحايا المَقابِرِ الجماعيَّةِ وذكرى لها. جاء هذا اليوم مشرعاً في (قانون العطلات الرسمية العراقي) بموجب القرار (12 لسنة 2024)، في حين لم يرد له ذكر في (قانون المقابر الجماعية رقم 15 لسنة 2015)، ولا حتى توصية بهذه المناسبة؛ رغم أن القانون الأخير أوصى وزارة حقوق الإنسان (في مادته السادسة) ببناء وتشييد صروح ومعالم للمقابر الجماعية، وهي المادة التي لم تنفذ لغاية يومنا هذا!

بينما ما تزال الجهات الرسمية -وأقصد مديرية شؤون المقابر الجماعية- تعلن إلى اليوم بأن هناك كثير من المقابر الجماعية لم تفتح بعد، على الرغم من تحديد مواقعها ! ويعزى ذلك لأسباب كثيرة لا سبيل إلى الخوض فيها الآن.

مثل هذا التصريح يجعل ملف المقابر الجماعية عبارة عن حزن دائم، وملف حِدادٍ لم يكتملْ بَعدُ! على خلاف من انتهت قصتهم بمعرفة مصير ذويهم، فارتاحت بذلك النفوس التي بقيت في حِدادٍ مُعلَّقٍ على فكرة العثور على قبورهم واكتشاف رفاتهم.

إن فكرة الفَقْدِ الدائمِ هي فكرة قلق دائم وحزن دائم، وحداد لم تكتمل أيامه بعد! وهذا يفاقم من مشاعر الأهالي الذين لديهم ضحايا في عداد مفقودي المقابر الجماعية، ويزيد من فكرة الظُّلمِ المُستمرِّ الذي لم يتحقق الإنصافُ فيه بعد. بخلاف من وجد ذووه رفاته ليطالب بتعويض مادي أو معنوي، فيتحول الضحية هنا من فكرة الحزن والانتظار إلى فكرة الاطمئنان لمصيره وطي سؤال الضياع المؤرق.

لذلك جاء قانون شؤون المقابر الجماعية ليضع مكافأة مادية لمن يعثر على مقبرة ويخبر عنها، ووضع نصاً جزائياً بحق من لم يخبر عنها أو يعبث بها أو ينكر حادثتها، كما جاء في المادة التاسعة من القانون. وهذا يعني أن مسألة العثور على مقبرة يجب أن تكون في منزلة الإنصافِ المَعنويِّ إلى جانب إنصاف الضحايا مادياً.

إن "اليوم الوطني للمقابر الجماعية" الذي جاء ضمن قانون العطل الرسمية، هو جزء من تلك النتيجة التي توحي بأهمية مضاعفة لرفض تكرار الجريمة بعناوينها المتعددة؛ مثل (حلبجة، والأنفال، وقتل العلماء وحظر الأحزاب). علماً أن نص القانون يقرن بين قتل العلماء والأحزاب معاً في سياق واحد.

فالحداد المعتاد يمكن كمراسيم أن تنقضي أيامه بما جاء به العرف الاجتماعي، ولكن الحداد الرسمي على ضحايا المقابر الجماعية هو ما يجب أن يكون حالياً غيرَ مكتملٍ بَعدُ! لحين ما يتم فتح آخر مقبرة والعثور على آخر رفات وطي ملف المقابر الجماعية في العراق إلى الأبد. وتبقى ذكراها كجزء من الإنصافِ الدائمِ لمشاعر ذويهم وتكريماً لأرواح من فقدوا بها.

لذلك نعد المقابر الجماعية في العراق هي حِدادٌ لم يكتملْ بَعدُ!

***

د. رائد عبيس

يُعَدُّ استخدامُ المغريات بأنواعها المادية والجسدية والعاطفية واحدًا من أنجح وسائل جذب الآخر وإثارة فضوله، ثم الإيقاع به. فالاغراء، بطرقه المذكورة، تسبّب في إيقاع كثير من الأشخاص في مهاوي الخيانة والتجسس والسقوط الأخلاقي والسياسي. وكان واحدًا من الوسائل التي استخدمتها دوائر المخابرات في استدراج المعارضين واصطيادهم، عن طريق تجنيد فتيات جميلات يتسللن إلى حياة الخصم أو المعارض السياسي ليقع فريسةً سهلةً لهن.

ويبدو أن هذه الطريقة في الاصطياد باستخدام الاغراء لم تقتصر على إيقاع الإنسان فحسب، بل تعدّت إلى اصطياد الحيوانات أيضًا. وقد استهوت هذه الفكرةُ الكتّابَ والروائيين، فوظّفها بعضهم ضمن أعمالهم الأدبية. ففي روايته (بيضة النعامة) يذكر مؤلفها "رؤوف مسعد" حكايةً طريفةً تتعلق بصيد القرود بالطريقة السودانية، يقول فيها : (إن الصيادين في ود مدني ـــ مدينة صغيرة في السودان ـــ يعرفون مكان قبيلة القرود في الغابة، حيث يدخلون إليها حاملين جرار الخمر، يعبّون منها جرعاتٍ صغيرة، ثم ينصرفون إلى مكان قريب خلف الأشجار الكثيفة وينتظرون. حينئذٍ يهبط كبيرُ قبيلة القرود متوجسًا إلى الجرار، يتشممها ويدور حولها ويتقافز ويصيح، ثم يبدأ في عبِّ الشراب، فتُهرع إليه بقية أفراد القبيلة، يتحلقون حول الخمر ويشربون منها حتى ترتخي مفاصلهم ويتطوحون مثل البشر السكارى، فيقفز إليهم الصيادون ويمسكونهم بسهولة ويسر، ثم يعرضونهم للبيع ص15) .

وقد تبدو هذه الحكاية، للوهلة الأولى، مجرد قصة طريفة عن الصيد، لكنها في الحقيقة تحمل بُعدًا رمزيًا واضحًا، مفاده أن دناءة النفس والاستسلام للشهوات بلا وعي غالبًا ما يقودان إلى الوقوع في الفخ. فالإنسان لا يختلف كثيرًا في سلوكه عن القرد أمام اللذة.

وفي السياق ذاته، يسرد الكاتب " توفيق يوسف عواد " في كتابه (غبار الأيام) حكايةً أخرى يقول فيها إن مجموعةً من الفئران، في مدينة مرسيليا الفرنسية، قامت بالسطو على قبو يضم دنانًا من الخمر المعتّق، وراحت تكرع بلا هوادة. وعندما دار الخمر برؤوسها وانتشت، خرجت بلا وعي إلى الشوارع، فأصبحت عرضةً للاصطياد من قبل المارة. فالاستسلام للنشوة هو الذي قاد الفئران إلى مصيرها المحتوم.

ويظهر هذا الاستنتاج أيضًا في رواية (ابنة الضابط)، وهي من أبرز أعمال " ألكسندر بوشكين،" إذ يعتقد «بيوتر أندرييفيتش»، أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية، أن الإغراء اللفظي طريقٌ سالك إلى قلب الفتاة الجميلة «ماشا ميرونوفا»، فيأخذ بنظم القصائد وإرسالها إليها، لكنه لا يحظى منها بأي اهتمام يُذكر، مما يدفع صديقه «شافابرين» إلى نصحه قائلًا: «إذا أردتَ أن تزورك ماشا ميرونوفا عند المغيب، فقرطٌ تهديه إليها أنجعُ من قصائدك الغزلية الركيكة»، في إشارة إلى أن الإغراء المادي قد يكون الطريق الأقصر إلى قلب الحبيبة.

ويؤكد الكاتب الأمريكي "روبرت غرين " هذا المعنى في كتابه (فن الإغواء)، إذ يورد ضمن خطواته الأربع والعشرين قوله: «استدرجِ الهدفَ بعمق إلى إغوائك من خلال خلق الإغراء المناسب». وهي حقيقة يلتقطها من الواقع؛ فهناك من يضعف أمام المال، وآخر ينهار أمام الجسد، وثالث يلين أمام الكلام المعسول والمنمق.

***

ثامر الحاج أمين

 

بغياب الهوية الوطنية العليا وسيادة العشائرية والولائية، لا بد من النظر إلى العشيرة على أنها مؤسسة إجتماعية ذات إنتاجية بمردودات ربحية على أبنائها، فالقائد شيخ العشيرة الذي عليه أن يدير شؤون مؤسسته بدراية ووفقا لما ينجم عنه تشاوره مع أبناء العشيرة المتمرسين بميادين الحياة.

المؤسسة  كيان لتحقيق هدف معين إقتصادي، تعليمي، إجتماعي أو ثقافي ، وتعمل بطريقة منظمة للوصول إلى غاياتها، والمؤسسة العشائرية، يجب أن تكون خيرية وخدمية، وتحفيزية لإطلاق القدرات الذاتية الكامنة في أبناء العشيرة، وأن يكون لها إطار إقتصادي يحث على الإكتفاء الذاتي.

المؤسسة العشائرية، تتبنى إطلاق القدرات الإبتكارية والمشاريع الصالحة لحياة أفضل، وتخلق آليات تفاعل للإعتصام بإرادة المدينة التي هي فيها، فالمؤسسات العشائرية المتفاعلة بإيجابية تؤلف قوة متكاملة ذات تأثيرات حيوية معاصرة.

ومن الواضح أن هناك توجهات خفية لتحويل العشائر إلى موجودات متناحرة، تنخر كيان مكانها، وتبدد طاقات مجتمعها، وتستدعي القوى الطامعة للإستحواذ على مقدرات وجودها، وهي في غفلة مما يتحقق، ليتم أكلها كما أُكل الثور الأبيض.

فهل توجد قدرة على إستيعاب مفهوم المؤسسة العشائرية، أم أن اللعب على المشاعر وتأجيج العواطف السلبية سيكون سلاحا للإطاحة بها؟

وهل ستتحول العشائرية إلى سُبة؟!!

تَكاتفنا بأرضِ الحقّ نَصرُ

وأيُّ تَناحرٍ شرٌّ وقهرُ

عَشائرُنا رموزٌ لإتلافٍ

وآصرةٌ وإخوانٌ وصِهرُ

فكنْ فيها عزوماً لانْطلاقٍ

يقودُ مَسيرَها رأيٌ وفِكرُ

***

د. صادق السامرائي

إن المتأمل في لوح ملكوت السماوات والأرض بعين الفكرة والعبرة والبصيرة، يدرك أن حركة الأفلاك والاجرام والمجرات ليست في الحقيقة مجرد تعاقب ميكانيكي للزمن، بل هي إشارات قدسية ورموز علوية تخاطب الروح أكثر من كونها تخاطب العقل او الجسد في رحلة ابدية للانسان نحو سماوات العرفان القدسية . ومن أعظم هذه الرموز تجليا هو مفهوم الغسق؛ تلك اللحظة البرزخية التي يودع فيها النهار ضياءه المادي، ليفسح المجال لسواد الليل الذي ليس هو في الحقيقة عند أهل الشهود والمعنى إلا ستارا يسدل على عالم الشهادة ليفتح أبواب عالم الغيب.

لا غرو ان الغسق انما هو بوابة الانخلاع عن عالم الحس حيث يعد الغسق في المنظور العرفاني لحظة النزع الروحي من قيود المادة. فبينما تغيب الشمس الحسية، يبدأ العارف بالله الغارق بقلبه في شهود المعنى في استشعار غياب الأغيار عن مرآة قلبه.

 إن الضوء الباهر للنهار، برغم جماله، قد يكون حجابا كثيفا، لأنه يغرق النفس في تفاصيل الكثرة، ويشغل الحواس بصور المكونات وزخرفها.

أما الغسق، فهو بداية الخمول المحمود، حيث تبدأ الصور المادية في التلاشي، ويخفت ضجيج العالم الخارجي، مما يهيئ الروح لعملية الفناء عن الحس.

إن الليل لا يعطي للناظر في نظره سوى نفسه، فهو يدرك ولا يدرك به، فإنه غيب وظلمة.

 في هذه الظلمة، يفقد الحس أدواته، فالعين لا ترى، والأذن تسكن، واللمس يتراجع، وهنا تبدأ الروح في استعادة سلطتها. إن سواد الليل ليس عدما، بل هو امتلاء بالمعنى الذي لا تدركه الحواس المحدودة. انه هو الحالة التي يسود فيها نور الغسق، وهو النور الذي من شدة سطوعه في عالم الغيب، يظهر للعين الحسية كظلمة، تماما كما تبدو الشمس بقعة سوداء لمن حدق فيها طويلا.

لا مندوحة ان سواد الليل انما هو في الحقيقة بقاء بأنوار المعنى فعندما يتحقق الفناء عن الحس بسواد الليل، يشرق في باطن العارف فجر المعنى، هذا هو البقاء الذي يتلو الفناء، بقاء الروح بمشاهدة الحق منزهة عن شوائب التشبيه والصور المادية. إن الظلمة هنا تعمل كـ غرفة مظلمة (Camera Obscura) تتركز فيها أشعة الحقيقة لتنطبع على لوح القلب الصقيل.

***

د محمد غاني، كاتب - المغرب

لقد تعلّم الإنسان الحديث كيف يشطر الذرّة، لكنه لم يتعلّم بعد كيف ينفذ الى أعماق ذاته. استطاع أن يختصر المسافات بين القارات وأن يملأ العالم بالضجيج والاتصال لكنه ازداد بعدًا عن نفسه. وهذه ليست أزمةً أخلاقية عابرة، بل مأزق حضاري كامل لأن الإنسان حين يفقد صلته بذاته، لا يفقد مجرد معرفة داخلية، بل يفقد البوصلة التي تمنح المعرفة معناه والقوة غايتها والحياة اتجاهها.

إن أخطر أنواع الجهل ليس الجهل بالعالم، بل الجهل بالنفس. فالأول قد يُنتج إنسانًا متأخرا أما الثاني فيُنتج إنسانًا يمتلك أدوات الحضارة ويعجز عن فهم لماذا يستخدمها. ولهذا لم يكن قول الامام علي (ع): ”من عرف نفسه فقد عرف ربه“ حكمة أخلاقية فحسب، بل كان كشفا عن قانون وجودي عميق: الإنسان لا يبلغ الحقيقة الكبرى الا عندما يمر عبر حقيقة ذاته.

غير أن الذات التي يكتشفها الإنسان أول الأمر ليست ذاتاً مطمئنة. إنه لا يعثر في أعماقه على الكمال الذي تخيّله، بل على النقص. يكتشف أن علمه محاط بالمجهول وأن قوته يجاورها الضعف وأن يقينه نفسه قابل للاهتزاز. وهنا تحديداً تبدأ الرحلة الحقيقية، لأن معظم البشر لا يعيشون داخل حقيقتهم، بل داخل صورة متخيلة عنها. إنهم يقاومون رؤية هشاشتهم فيلوذون بالغرور أو الاستهلاك أو الضجيج أو أوهام النجاح. ذلك أن الإنسان يخشى الاعتراف بنقصه أكثر مما يخشى الفشل نفسه.

لكن النقص ليس مأساة الإنسان، بل مصدر حركته. فالكائن الكامل لا يبدع لأنه لا يحتاج الى الإبداع أصلًا. أما الإنسان فإنه يتحرك لأنه يشعر - بوعي أو بغير وعي - بأن هناك مسافة تفصله عما ينبغي أن يكونه. ومن هنا أدرك ألفرد أدلر أن الشعور بالنقص هو المحرك الخفي للفعل البشري. غير ان الرؤية الروحية تمنح هذه الفكرة بُعدا أعمق، فالإنسان لا يهرب من نقصه فقط، بل ينجذب من خلاله نحو معنى أعلى نحو صورة من الكمال تتجاوز وجوده المحدود.

ولهذا فان الإبداع في جوهره ليس ترفا ثقافيا، بل قلق وجودي يبحث عن خلاصه. فالمبدع الحقيقي لا يكتب لأنه مكتف ولا يرسم لأنه مرتاح ولا يكتشف لأنه راض عن العالم. إنه يفعل ذلك كله لأنه يشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً وفجوة خفية بين الواقع وما ينبغي أن يكون. وكل عمل عظيم في التاريخ كان بطريقة ما محاولة لرأب هذا التصدع بين الإنسان وصورته المثالية.

ولعل هذا ما يفسّر أن الحضارات والدول لا تولد في لحظات الرفاه، بل في لحظات القلق الكبرى. فحين تفقد أمة ما شعورها بالنقص تبدأ في التآكل من الداخل. الحضارات والدول التي تظن أنها بلغت نهايتها تدخل - دون أن تدري - في مرحلة أفولها. ذلك أن الشعور بالاكتفاء هو بداية الجمود، والجمود هو الصورة البطيئة للموت الحضاري. أما المجتمعات الحية فهي تلك التي تظل مشدودة الى أفق أعلى من واقعها، تشعر دائماً بأن ما لم تحققه أعظم مما حققته.

ومن المفارقات الجوهرية أن الإنسان لا يستطيع ادراك نقصه الا لأنه يحمل في داخله فكرة ما عن الكمال. فالإحساس بالقصور يتضمن ضمنًا الإيمان بوجود معيار أسمى. العالم لا يشعر بجهله الا لأنه يلمح اتساع الحقيقة خلف ما يعرفه والفنان لا يعاني من محدودية عمله الا لأنه يرى جمالاً أعظم من قدرته على التعبير. ولذلك فإن معرفة النفس لا تنتهي عند حدود النفس، بل تتجاوزها نحو المعنى الأعلى للوجود، لأن الإنسان في أعمق أعماقه ليس كائناً يطلب الأشياء بقدر ما يطلب المعنى.

وبهذا يظل القلق ملازمًا للعظماء. كلما اقتربوا من الحقيقة اكتشفوا اتساع المجهول وكلما أنجزوا شيئًا أدركوا حدود ما أنجزوه. ان الإنجاز الحقيقي لا يولّد الغرور، بل يولّد التواضع لأن الإنسان حين يقترب من المعرفة يرى بوضوح أكبر حجم ما يجهله. أما الغرور فغالبًا ما يكون تعويضا عن فراغ داخلي ومحاولة يائسة لإخفاء هشاشة لم تُفهم بعد.

لقد منحت الحضارة الحديثة الإنسان قدرة هائلة على السيطرة لكنها لم تمنحه بالضرورة القدرة على الفهم. وهنا تكمن المأساة: فالعلم يستطيع أن يخبرنا كيف نفعل الأشياء لكنه لا يجيب دائما عن سؤال: لماذا نفعلها؟ ولهذا فإن العالم الذي يفقد البعد الروحي والأخلاقي يتحول بسهولة إلى آلة ضخمة بلا غاية. ان القوة حين تنفصل عن معرفة النفس تصبح قادرة على تدمير الإنسان باسم تقدّمه نفسه.

أما الإنسان الذي يعرف نفسه حقًا فإنه لا يسقط في عبودية الإنجاز ولا في وهم الاكتمال. إنه يدرك أن نقصه ليس عيبًا ينبغي اخفاؤه، بل طاقة ينبغي تحويلها إلى خلق وتجاوز. ومن هنا يصبح الوعي بالذات فعلًا حضاريا لا تمرينا نفسيا. فالحضارة لا يصنعها الإنسان الواثق بنفسه على نحو اعمى، بل الإنسان القادر على رؤية هشاشته وضعفه دون أن ينهار، وعلى إدراك محدوديته دون أن يفقد شجاعته.

وربما كانت مأساة الإنسان الكبرى أنه تعلّم كيف يقيس المجرّات البعيدة، قبل أن يتعلّم كيف يفهم الفراغ الكامن في روحه.

***

حميد علي القحطاني

الأديان هدفها تهذيب النفس الأمّارة بالسوء، ومعضلتها أنها أيضا تبرر أفعالها، فهي حمّالة أوجه متعددة، وتسمح بالتشظي والتفرق والإحتراب، وفقا لما تستحضره من منطلقات ورؤى تحسبها حقائق مطلقة ولا سواه من صحيح.

الأديان تمزّق، وذلك من صلب طبيعتها وتأثيرها على السلوك البشري، لأن البشر محكوم بالإختلاف، ولا يتطابق مخلوقان في الوجود، كما لا تتطابق بصمات الأصابع بل لكل منا بصماته، ووفقا لذلك آليات تفكيرنا تتباين، والإختلاف بين المخلوقات تحصيل حاصل.

الأديان بطرفيها المتناقضين لا تصلح لصناعة الحياة، بل تسعى لتأمين الإستعدادات للموت، وتعتبر الدنيا بلا قيمة ولا معنى إلا للإبتلاء  وتنكر ما فيها من الإبداع والتفاعل البناء، وتكون جذوة للحروب وسفك الدماء، ومعظم الحروب التي خاضتها البشرية ذات دوافع دينية، ومن أمثلتها الحروب الصليبية، وغيرها من الحروب العديدة التي فتكت بالبشر.

الدين حالة قابلة للتفرع وتنوع الإعتقادات وتأكيد الصراعات، ففي كل دين مذاهب وفرق وجماعات وأحزاب وفئات، كل منها يرى أنه على حق وعنده علم اليقين، وعليه أن يمحق غيره وإن كان من نفس الدين، لأنه يبرر ذلك بأنه من المعادين لجوهر الدين الذي يقبض على عنقه.

المسيرة المعاصرة تقتضي أن يكون الدين للدين والدنيا للدنيا، ولا يجوز الخلط بينهما، لأن في ذلك عدوان على الدنيا والدين.

فإذا حطّ الدين في الكرسي فأنه سيضطر للخداع والتضليل لتمرير إرادة السلطة وقوة الحكم، فيتحول الدين إلى عبد للكرسي، وبهذا يفقد سماته ويتحرر من قيمه ومبادئه ويلوثها بما يمليه عليه الكرسي من مناهج وتصورات وتفاعلات مع محيطه.

فلكي تقضي على أي دين ضعه في كرسي السلطة، وستبرز حقيقة أدعيائه، وستنفلت أمّارات السوء التي فيهم وتمتطي الدين كحصان يأخذها إلى حيث الرغبات المأمولة.

المجتمعات المتقدمة متدينة، لكنها تعلمت أن لا تضع الدين في الكرسي، وأن تعمل لدنياها بمطلق طاقتها، وكذلك تواصل إيمانها بما تستطيعه من القدرات، والأمثلة لا تعد ولا تُحصى.

فلماذا نتوهم بأن الحياة لا تصلح إلا بدين يتربع على كرسي السلطة؟!!

وهل لدينا مثال على صلاح الدنيا بالدين؟!!

دياناتٌ بها الأيامُ سارتْ

على طرقٍ من الأمْواتِ عانتْ

تفرّقَ دينُها وغدى شظايا

على بَعضٍ أصالتْ واسْتثارتْ

هَدرْنا في مَسيْرتنا دماءً

لأوْهامٍ أصابَتنا ودامَتْ

***

د. صادق السامرائي

بكثير من الجزم والقناعة، تتردد في سردياتنا بعض المقولات الشعبية المتداولة وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل الاستثناء والشك، بينما يطرح الواقع الإنساني أمثلةً معاكسة لها، ومن هذه المقولات " لا تطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت " التي تعكس خوفًا اجتماعيًا من أن من ذاق الحرمان قد يميل إلى الأنانية حين يمتلك المال والسلطة، ومن المؤكد ان للتحولات الاجتماعية في حياة البعض وسلوكياتهم بعد التحول دورٌا في انتشار هذه المقولة وشيوعها بين العامة، في حين هناك أمثلة وتجارب عديدة تنسف هذا المحتوى ولا تعتبره قاعدة عامة يركن اليها . فكتب التاريخ تذكر أن قادةً وشخصياتٍ تاريخية خرجت من الفقر وأصبحت رموزًا في العدل، وكان أغلبهم ينتمون إلى الطبقات الفقيرة من المجتمع، ومن بينهم الأنبياء والرسل، إذ إن جلّهم خرجوا من الفقر وأصبحوا أكثر إحساسًا بالعدالة والعطاء؛ لأنهم يعرفون معنى الحاجة.

ومن دون شك، فإن الذي ساهم في تكريس هذه المقولة في أذهان العامة وتداولها بينهم هو بعض الحكام الذين أساؤوا استخدام السلطة، وأشاعوا الفساد، وانشغلوا بالتهافت على المغانم، فالسلطة، كما هو معروف، تكشف معادن الناس، ثم لا ننكر أن الفقر قد يدفع البعض الى سلوكيات سلبية، ولكن من الصعب تعميم هذا الاتجاه، فليس كل (ابن خير وعينه شبعانه) هو منزّه من آفة الطمع وليس كل حاكم أو صاحب سلطة صعد من الفقر سيكون فاسدًا، بل هناك العديد من النماذج المضيئة في التاريخ أثبتت أن القيم الفردية أقوى من الخلفية الاجتماعية في تحديد السلوك، وأن الفقر لا يمنع من النبل، وبالتالي من الخطأ ربط الاخلاق بالأصل الطبقي .

وهناك أمثلة تعزز هذه الحقيقة، حيث يذكر المؤرخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أنه كانت لدى الخليفة العباسي الثالث والثلاثين (المستظهر بأمر الله، 530–575هـ) جارية تُدعى "بنفشة"، وهي رومية الأصل، اشتراها بعشرة آلاف دينار. وقد ساعدها حُسن وجهها على الوصول إلى دار الخلافة، فأصبحت حظيّة لدى الخليفة وذات مكانة رفيعة في القصر العباسي، وكان حكمها نافذًا في الأمر والنهي. وقد قامت هذه الجارية بأعمال خيرية عديدة، فأعتقت خلقًا كثيرًا من الموالي والجواري والمماليك الذين كانوا في خدمتها، إضافةً إلى ما عُرف عنها من الإحسان والصدقة. وكانت تُخرج في عيد الفطر من كل سنة صاعًا من التمر، وتقول: "هذا ما فرضه الشرع عليّ، وأنا لا أقتنع من مثلي بهذا"، فتُخرج صاعًا من الذهب العين، وتأمر بتفريقه على الفقراء، في حين تجد حاكمًا ينحدر من أسرة غنية يتباهى بتوزيع حفنة من العدس على شعبه في الأعياد.

إن قصة "بنفشة" التي أوردها ابن الأثير في كتاب الكامل في التاريخ مثالٌ لافت على أنه ليس كل من جاء من خلفية فقيرة يكون فاسدًا، بل إن هناك نماذج سياسية واجتماعية مضيئة خالفت في سلوكها وأدائها هذا المفهوم. فالأخلاق لا يحددها الأصل الطبقي بقدر ما يحددها الضمير والتربية والقيم، والتاريخ في كل زمان يجمع بين نماذج مضيئة وأخرى مظلمة. 

***

ثامر الحاج أمين

عبَسَ الشخص: قطّب ما بين عينيه وتجهم لإبداء الإستياء وعدم الرضا، ظهر أثر الحزن على وجهه.

العلاقة بين مزاج الأرض والبشر صَدَوية، فهي كائن حي ومرآة لما تحمله على ظهرها، فإن كانت المخلوقات ذات مزاج إيجابي فأنها ستعكس ذلك وتساهم في تعزيزه وإدامته، وإن كان سلبيا، فستواجهه بغضب وإنفعالية قد تصل للعدوانية الفائقة.

والبشر الذي يحترم أرضه، ينال منها الخير والبركة، والذي يدوسها ويحتقرها وينكر نعمتها عليه، فأنها لا ترحمه ولا ترضعه من أثداء ثراها.

البشر الذي يعذب التراب يتعذب، والذي يحارب الشجر يتحجر، ومَن عشق أرضه أولته ما تستطيعه من الرعاية والعطاء.

فهل نحن لأرضنا أوفياء؟

الأرض بطبيعتها تريد ماءً، ولهذا تأتها السماء بالمدرار الوفير، والبشر المتخاصم معها يريد أن يسقيها دماءً، ويطعمها أبدانا غضة على بدايات مسار الحياة.

الأرض أم البشر، وما أكثر الذين لا يراعون عقوقها في مجتمعاتنا، ولهذا فهي تبخل علينا بما تكنزه من الطعام، وترفضنا لأننا نعاديها، ونسعى لكسوها باللون الأسود، وهي المغرمة باللون الأخضر وبالشجر.

من قوانين الطبيعة العلاقة الخفية بين اللون الأخضر والمطر، فكلما إحتاج الزرع للماء تكاثفت الغيوم وهطل المطر مدرارا، وهذه سمفونية تخاطبية ذات أنغام متواشجة يدركها الذين يعيشون في البيئات الجبلية والسهول، فالزرع يستحضر المطر، والماء رزقه مثل أي مخلوق فوق التراب.

ترابٌ من بواطنهِ وُلدْنا

فيأوينا ويُطعمنا الثَمينا

هيَ الأرضُ التي فيها انْتشرنا

ومِنْ نُهُرٍ وينبوعٍ شَرِبْنا

نُخاصِمها ولا ندري سِواها

وتأكلنا إذا وَهنتْ قِوانا

***

د. صادق السامرائي

يقولون إنّ الخبز لم يعد ذاك الخبز الذي عرفته البيوت القديمة، فقد امتدّت إليه أيدي المختبرات، تعبث بجينات القمح كما تعبث الرياح بسنابل الحقول، فتغيّرَ لونه، وخبا طعمه، وفقدت الأرغفة شيئًا من روحها الأولى.

وكذلك الجبن، والدجاج، والغنم، والبقر، كلّها أصابتها يد الاقتصاد حين تحالفت الرأسمالية مع العلم، فصار الشيء يشبه نفسه في الصورة فقط، بينما تبدّلت حقيقته في العمق، إلا ما استعصى على التغيير واحتفظ ببعض براءته الأولى.

غير أنّ الكارثة الكبرى لا تبدو في الطعام، بل في الإنسان نفسه. فكأنّ هندسة الجينات لم تتوقف عند النبات والحيوان، بل انسحبت خفيةً إلى الأخلاق. حتى غدت النفوس لا ترتجف أمام الظلم، ولا تنفر من القبح، ولا تثور في وجه الباطل.

صرنا نرى هذا السيل الهائل من القتل والإجرام يمرّ أمام العيون بلا دهشة، وبلا غضب، وبلا ذلك الوجع الإنساني الذي كان يومًا علامة على وجود حياة ووجود حياء.

ولعلّ العرب كانوا من أكثر الشعوب تعرضًا لهذه “الهندسة الأخلاقية”، حتى بدا كثير منهم بلا مذاق عربي، ولا حسّ إنساني، ولا هوية أخلاقية واضحة.

وحين أقول “العرب”، فأنا لا أعني قوميةً بعينها، بل هذا العالم الممتدّ الذي جمعته الجغرافيا والتاريخ والحضارة. العالم الذي يضمّ المسلمين والمسيحيين والصابئين والأيزيديين واليهود والملحدين وغيرهم، ويضم العرب والأكراد والأمازيغ والنوبيين والكلدان والآشوريين وسائر القوميات التي اختلطت دماؤها وتشابكت حكاياتها وتعانقت أعراقها وامتزجت ثقافاتها عبر القرون.

وإذا كان خمود عامة الناس مؤلمًا، فإنّ ما يثير الصدمة حقًا هو حال بعض من يُفترض أنهم أهل الوعي والثقافة؛ أولئك الذين مضت سنوات على المآسي المشتعلة في المنطقة، ولم يقطر لقلم أحدهم دمعٌ، ولو كان كَذبًا.

ومع ذلك، لا يكفّ بعضهم عن الغرق في هويات ضيقة، يستحضرون مناسبات غابرة، وكأنّ التاريخ منفصل عن حاضر الدم والنار، مع أنّ تلك الوقائع نفسها كانت وما تزال جزءًا من هذا الواقع الاجتماعي والسياسي المضطرب.

إنّ أكثر ما يبعث الخوف، أن تمتدّ هذه الهندسة الوراثية المرعبة إلى جوهر الإنسان ذاته، إلى تلك المنطقة الخفية التي تحفظ في دواخلنا الرحمة وتحافظ على الشفقة و تحمي زرع المودة.

وعندها لن نغدو كالحيوانات التي تتجاور وتتعايش في الطبيعة بقدر واضح من الإنسجام، بل سنصبح وحوشًا ينهش بعضنا بعضًا بلا قلب ولا ذاكرة ولا رحمة.

***

أحمد راضي

 

بقلم: جيريمي إل. فوست

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

إن معرفة الأسباب التي تدفع الناس إلى اختيار عدم المعرفة - وعواقب هذا الاختيار - قد تساعدنا في معرفة متى يصبح الأمر مشكلة.

أخيرًا، ستحل عليك غدًا العطلة التي كنت تنتظرها. ستنطلق أنت وأصدقاؤك في رحلة بحرية لمدة أسبوعين، خالية من المسؤوليات ومليئة بالمرح. تبدأ بتجهيز أمتعتك ثم تشعر بدوار خفيف. لا تُفكر كثيرًا في الأمر لأنك كنت متوترًا مؤخرًا في محاولة الاستعداد للرحلة. لاحقًا، تبدأ بالسعال. ربما مجرد حساسية، هذا ما تفكر فيه وأنت تُكمل يومك. عندما تستيقظ في الصباح - يوم الرحلة - تشعر بالتهاب في الحلق وقشعريرة. تُفكر للحظة: يبدو أن هذا قد يكون كوفيد. ربما عليّ إجراء فحص ذاتي. تبدأ في السير نحو خزانة الأدوية، لكنك تتوقف. إذا جاءت نتيجة الاختبار إيجابية، ستشعر بأنك مضطر لعزل نفسك عن الآخرين وستفوّت الرحلة. لقد قضيت وقتًا طويلًا في التخطيط لها، ودفعْت مبلغًا كبيرًا من المال مقابل التذاكر. أصدقاؤك سيشعرون بخيبة أمل. " أنا متأكد أنني بخير ."تُقرّر أن من الأفضل ألّا تعرف.

سواء مررتَ بمثل هذا الموقف أم لا، فإن كثيرين منّا قد اختاروا "ألّا يعرفوا" بطرق أخرى: على سبيل المثال، تأجيل زيارة الطبيب لإجراء فحص، أو الامتناع عن الاطلاع على تقريرك الائتماني، أو تجنّب بعض المواضيع في النقاش لأنك تفضّل ألّا تعرف رأي الآخرين الحقيقي. تُعرف هذه العملية — أي اختيار عدم معرفة معلومة متاحة لك مجانًا — باسم تجنّب المعلومات.

لدينا اليوم إمكانية الوصول إلى معلومات تخصّنا شخصيًا أكثر من أي وقت مضى وفرصٌ أكبر للبحث عنها أو تجنبها. فالأجهزة الذكية تتابع نشاطنا البدني وأنماط نومنا، والخدمات المصرفية الإلكترونية تتيح لك مراقبة أمورك المالية في أي وقت، ويمكنك مقارنة نمط حياتك مع حياة أصدقائك أو المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. لدينا أيضًا وصول دائم إلى معلومات ذات تبعات كبرى، مثل معلوماتٍ حول أزمة المناخ، وحقوق الإجهاض، والآثار الاقتصادية للرسوم الجمركية الأمريكية. إذا صحّ القول المأثور "المعرفة قوة"، فإنّ معظم الناس يمتلكون قدرًا غير محدود من السلطة في جيوبهم. وفي هذا السياق، من الغريب أن يختار أحدهم التخلي عن هذه السلطة بتجنب المعلومات.

عندما بدأت دراسة هذه الظاهرة، نظرت إليها على أنها نوع من "البحث عن الذات"، فأنا نفسي كنت قد تجنبت المعلومات في الماضي. ورغم كوني مهووسًا بالإحصاءات ومولعًا بالبيانات، إلا أني تساءلت: كيف يمكنني أن أكون محاطًا بالأرقام والحقائق، ومع ذلك أختار أحيانًا تجنب معرفة معلومات تتعلّق بي شخصيًا؟

أكدت أبحاثي أنني لست وحدي في هذا الشأن. مؤخرًا، أجريتُ دراسة مع زميلتي جينيفر إم. تابِير، طلبنا فيها من طلاب جامعيين المشاركة في استطلاع يومي، يجيبون فيه عمّا إذا كانوا قد تجنّبوا أي نوع من المعلومات في ذلك اليوم. وجدنا أن المشاركين تجنّبوا المعلومات — في سياق واحد على الأقل — في أكثر من 30% من الأيام. أكثر المعلومات التي تمّ تجنّبها كانت تتعلق بالمعلومات المالية والأخبار والنشاط البدني .ومن اللافت للنظر أن 14 مشاركًا فقط (من أصل 181) لم يبلغوا عن أي تجنب للمعلومات خلال أسبوعين، بينما أفاد عدد مماثل بتجنب المعلومات في 10 أيام أو أكثر. هذه النتائج توضح أن غالبية الأشخاص يمارسون تجنبًا معتدلًا للمعلومات، بينما يبالغ البعض في هذه الممارسة بشكل واضح.

نظرًا لأن تجنّب المعلومات يبدو سلوكًا شائعًا، فلماذا يلجأ الناس إليه؟ في مراجعة علمية أعدّتها كيت سويـني وزملاؤها، جرى تصنيف الأسباب المحتملة لتجنّب المعلومات ضمن ثلاث فئات رئيسية: حماية معتقد قائم، وتجنّب اتخاذ إجراء غير مرغوب فيه، وتقليل المشاعر السلبية.

أولًا، قد تهدد المعلومات أنواعًا مختلفة من المعتقدات الراسخة لدى الفرد.  فعلى سبيل المثال، قد يؤمن شخص ما بأنه يتمتع بموهبة في استثمار الأموال في سوق الأسهم. ثم، في أحد الأيام، ينهار السوق فجأة وبشكل غير متوقّع. ومن المحتمل جدًا أنه خسر جزءًا من استثماراته. لكن بدلًا من التحقق من أدائه، يختار تجنّب معرفة التفاصيل، آمِلًا أن يتعافى السوق من تلقاء نفسه. وطالما أنه لا يرى الخسائر بعينه، فإن إيمانه بقدرته الاستثمارية يظلّ سليمًا دون أن يُمسّ. وقد درست عدة أبحاث ظاهرة تجنّب المعلومات في السياق المالي. ففي إحدى الدراسات، كان الناس أكثر ميلًا لتجنّب معرفة الخسائر المحتملة في الأسهم الافتراضية، مقارنةً بالأرباح المحتملة. وفي دراسة أخرى، تبيّن أن حاملي الأسهم في الولايات المتحدة والدول الإسكندنافية كانوا يدخلون إلى حساباتهم ليفحصوا محافظهم الاستثمارية بشكل أكبر عندما كانت الأسواق مرتفعة.

بصورة أوسع، حين تكون هناك معلومات تهدّد معتقدًا معينًا — سواء كان عن الذات، أو عن شخص آخر، أو عن حالة العالم — فإن الميل الطبيعي يكون تجنّب تلك المعلومة والبحث بدلًا من ذلك عن معلومات تدعم المعتقد القائم. وقد أظهرت الدراسات أن الناس يفكرون مسبقًا في مدى تحيّز الخبر قبل قراءته، ويميلون إلى قراءة المصادر التي يتوقعون أنها تتفق مع آرائهم. وهذا قد يفسّر سبب ميل الناس إلى متابعة القنوات الإخبارية التي تتماشى مع معتقداتهم السياسية.

*

يميل الناس إلى تجنب المعلومات المزعجة عندما يشعرون بأنهم لا يملكون سيطرة على الموقف.

لكن تجنّب المعلومات لا يقتصر فقط على الدفاع المسبق عن المعتقدات. فكما في مثال اختبار كوفيد، قد تتطلّب المعلومات التي تكتشفها — مثل معرفتك بأنك مريض - أن تغيّر سلوكك بطريقة لا ترغب فيها. وقد يتيح لك تجنّب المعلومات أيضًا أن تتخذ قرارات ثم تدّعي لاحقًا أنك لم تكن تعلم. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، قال حوالي 63% من المشاركين إنهم لا يريدون معرفة عدد السعرات الحرارية في قطعة الكعك - حتى لا يشعروا بالذنب عند تناولها. إن الدافع لدى هؤلاء يشبه دافع المسافر الذي يشتبه بأنه مريض، لكن يفضل ألا يعرف. (رغبة في حماية أنفسهم من العواقب غير المريحة للمعرفة)

وأخيرًا، هناك بُعد عاطفي لتجنّب المعلومات: فهذا السلوك قد يساعد على تجنّب مشاعر غير مرغوب فيها. في دراستنا اليومية (التي اعتمدت على مذكرات المشاركين)، وجدنا أن الأفراد كانوا أكثر ميلًا لتجنب المعلومات في الأيام التي شعروا فيها بمشاعر سلبية مكثفة. كما كانوا أكثر عرضة لفعل ذلك بعد أيامٍ عاشوا فيها مشاعر إيجابية قوية  وقد افترضنا أن الأشخاص الذين يشعرون بالحزن أو الغضب، قد يتجنّبون أي معلومة من شأنها أن تزيد حالتهم سوءًا. وبالمثل، بعد الشعور بسعادة كبيرة، يسعى الناس أحيانًا للمحافظة على هذه الحالة الإيجابية عبر تجنّب أي شيء قد يعكّر صفوهم. بشكل عام، وبما يتوافق مع النظريات النفسية، يبدو أن الناس يستخدمون تجنّب المعلومات كاستراتيجية لتنظيم المشاعر أي أنهم يحاولون السعي وراء المعلومات أو تجنبها بهدف تعزيز مشاعرهم الإيجابية وتقليل السلبية منها.

تشير أبحاث أخرى إلى أن الناس يتجنّبون المعلومات أحيانًا لأنهم يشعرون بأنهم غارقون فيها بالفعل. فعندما يشعر شخص ما بأنه مثقل بالمعلومات، فمن الطبيعي أن يقرر "أخذ استراحة" من متابعة الأخبار أو تصفّح الهاتف — حتى وإن كانت هناك أحداث كثيرة تدور حوله. كما توجد دلائل على أن الناس يميلون إلى تجنّب المعلومات المقلقة - مثل خطر الإصابة بمرض ما - عندما يشعرون بعدم وجود أي سيطرة لديهم على الموقف فإذا لم يكن بوسعهم فعل شيء حيال ما قد يكتشفونه، فقد يفضّلون البقاء في جهل مريح بدلًا من مواجهة حقيقة مزعجة لا يمكنهم تغييرها.

ثمة عامل آخر محتمل قد يؤثر في قرار تجنُّب المعلومات، وهو إدراك الفرد لرغبة الآخرين في أن يعرف هذه المعلومات. فخلال بحثي مع زميلتي " جينيفر تايبِر " حول تتبع معلومات كوفيد-19 في بداية الجائحة (قبل توفر اللقاحات)، سألنا المشاركين عن استعدادهم لإجراء فحص كوفيد في سيناريوهات مختلفة — مثلًا: إذا تعرّضوا لشخص مصاب، ثم سنحت لهم فرصة مقابلة صديق لم يروه منذ وقت طويل. وتبيّن أن الدافع الرئيسي لإجراء الفحص كان اعتقاد المشاركين أن أصدقاءهم أو عائلاتهم يريدون منهم ذلك. أي أننا — حين نعتقد أن الأشخاص المهمين في حياتنا يريدوننا أن نطّلع على معلومات معينة — نكون أكثر ميلًا لمعرفتها. والعكس صحيح أيضًا: إذا بدا أن الآخرين غير مهتمين بمعرفتنا لأمر ما، فقد نقلِّل نحن بدورنا من اهتمامنا به. هذا يسلّط الضوء على كيف يمكن للضغوط الاجتماعية — حتى غير المباشرة منها — أن تُشكّل خياراتنا المعلوماتية، سواءً في السياقات الصحية أو غيرها. فالتفاعل بين رغبتنا الشخصية وتوقعات المحيطين بنا قد يُحدد في النهاية ما نختار معرفته... وما نختار تجاهله.

لكن تجنّب المعلومات لا يخلو من المخاطر - بعضها بسيط، وبعضها قد يكون بالغ الخطورة. فقد يأكل شخص كمية من كعكة الشوكولاتة أكثر مما كان ينوي. وقد يتجاهل المستهلكون سياسات معيبة تتبعها شركة ما، ويواصلون شراء منتجاتها. وقد يتأخّر مريض في طلب العلاج من مرض كان يمكن اكتشافه مبكرًا، مما يؤدي إلى تفاقم حالته.

هناك أيضًا مخاطر أعمق يجب أخذها في الاعتبار. فتجَنُّب المعلومات التي تتعارض مع معتقدات المرء يُفسِّر - ولو جزئيًا - الاستقطاب السياسي. فالأشخاص الذين يتجاهلون وجهات النظر المخالفة لآرائهم يميلون إلى تعزيز ثقتهم بمعتقداتهم بشكل متزايد، بغض النظر عن الأدلة المتوفرة. إنهم بذلك يقتصرون على ما يريدون سماعه ويتجنبون ما لا يرغبون فيه. وفي سياق وسائل التواصل الاجتماعي، قد تسهم هذه النزعة في تعزيز خوارزميات تغذّي المستخدمين بمحتوى أكثر تطرفًا مع مرور الوقت.

*

قد لا يُشكّل تجنّب المعلومات مشكلة دائمًا؛ فهناك حالات يمكن أن يكون فيها مفيدًا.

في كثير من الأحيان، يتطلب تجنب المعلومات قدرًا من الامتياز الاجتماعي أو الاقتصادي. على سبيل المثال، يكون تجنب المعلومات المتعلقة بأمورك المالية أسهل عندما يكون لديك ما يكفي من المال. وبالمثل، يكون تجنب المعلومات حول السياسات العامة – بما في ذلك السياسات الضارة – أسهل عندما لا تتأثر مباشرةً بتلك السياسات.

ومع ذلك، وكما أشرتُ سابقًا، فإن تجنّب المعلومات لا يكون دائمًا مشكلة؛ ففي بعض الأحيان، يمكن أن يكون مفيدًا. فعادة "التمرير الكئيب" (doomscrolling)، أي الاستهلاك المستمر للأخبار السلبية عبر الإنترنت، ترتبط بارتفاع مستويات القلق وتدهور الصحة النفسية.

لذا فإن تجنّب هذا النمط، ووضع حدود للتعرّض للمعلومات السلبية، قد يعود بفائدة على  سلامة الصحة النفسية.

صحيح أن التجنّب المزمن للمعلومات المزعجة قد يؤدي إلى مشكلات، إلا أن تأثيراته قد تكون ضئيلة في مواقف معينة. ففي دراستنا مع طلاب الجامعات، لم نجد أدلّة قوية على أن تجنّب المعلومات حول الدرجات، أو المال، أو الصحة في يوم معين أثّر على سلوكهم في اليوم التالي، مثل الوقت الذي قضوه في الدراسة، أو الإنفاق، أو ممارسة الرياضة. لكن أبحاثًا مستقبلية قد تكشف الآثار بعيدة المدى لتجنّب المعلومات الحاسمة (مثل المعلومات عن كيف يمكن لعدم النشاط البدني أن يزيد من خطر الإصابة بالأمراض).

إذا كنتَ - أو شخص تعرفه-  قد تجنب مؤخرًا أنواعًا معينة من المعلوما ، فقد يكون ذلك لأسباب متنوعة، ولا توجد قاعدة واضحة تحدد متى يكون التجنب "جيدًا" أم لا. لكن أثناء تفكيرك في قراراتك المتعلقة بالسعي وراء المعرفة أو الابتعاد عنها، من المفيد أن تسأل نفسك:هل هناك ما يمكنني فعله بناءً على هذه المعلومة؟

تشير الدراسات الكمية والنوعية على حد سواء إلى أن الناس يميلون لتجنّب المعلومات عندما يشعرون بالعجز عن التأثير في نتائجها. فإذا كنت تغرق في الأخبار السيئة حول أمر لا تملك حياله شيئًا، وكانت هذه المتابعة تؤثر سلبًا على صحتك النفسية، فربما من الأفضل أن تأخذ استراحة.

أما إذا صادفت معلومات قابلة للتطبيق — تتعلق بصحتك، أو أموالك، أو أحداث يمكن أن تؤثر فيها أنت أو غيرك — فربما يستحق الأمر أن تتعرّف عليها، حتى لو كنت مُيالًا إلى تجنبها.

***

........................

* جيريمي إل. فوست/Jeremy L Foust: أستاذ مساعد في قسم علم النفس في جامعة كونفرس بمدينة سبارتنبرغ، ولاية كارولاينا الجنوبية، الولايات المتحدة. وهو أيضا عالم نفس تجريبي متخصص في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الصحي.

https://psyche.co/ideas/why-we-choose-to-avoid-information-thats-right-in-front-of-us

لا انتقال من اليدوية من دون مغادرة الاحادية الارضوية وقصوريتها الاعقالية، بما يضع هذا الجانب من عملية الانتقال بموقع الاساس والهدف المقصود، اي الغاية التي تقع الالة بموضع العامل المساعد على تحققها للضرورة، مايجعل من "اكتشاف" و "اماطة اللثام" الجارية هنا في ارض اللاارضوية بمثابة المنطلق والاساس الانتقالي المنوه عنه بغض النظر عن التوهميه الابتدائية، فالعقل البشري عقلان عقل يدوي ارضوي، وعقل انقلابي متعد للقصورية البدائية الارضوية اليوم  ومن هنا فصاعدا يبدا بالحضور بعد مايقارب العقدين المنصرمين من السعي غيرالملاحظ ولا المنوه عنه، مادام بالامكان عجزا وقصدا اخراجه من الدائرة، علما بان تدني مستوى الادراكية وزرايته الغامرة، يحول مثل هذا الموقف الى ممارسة بداهة بازاء انقلاب كلي، وثورة كبرى تنحو الى ولادة المنظور الوطن كوني  العراقي المغيب منذ مايزيد على السبعة الاف عام، بانتظار طور من التاريخ البشري المجتمعي من اليدوية، المجتمعية والانتقال الى المجتمعية العقلية، وقت تتوفر الاسباب عقلا لادراك ماقد كان خارج الطاقة العقلية البشرية الادني، وتظل كذلك مادامت اليدوية سائدة.

هذا ولابد من اخذ حال متبقيات الارضوية وحثالات الريعيه الراهنه، ومع بدء  وتيرة الانتقال الكبرى بالاعتبار وقد وصلت مستويات من الانحدار والتردي الشامل  والاميه التي تجعلها قاصرة حتى بازاء ذاتها التي تنتسب لها، وقد  تهالكت وامتلات عجزا وتشوها على الصعد كافة، الامر الذي من المستحيل تصور امكانيه او حتى احتمال مقاربته كما الحال مع عمل من نوع " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ: من الابراهيمه الى ظهور المهدي هكذا يرد التاريخ العراقي على التحدي الامريكي" الصادر عن "دار الانتشار العربي/ بيروت"  عام 2008 ب 460 ص، عدا عن عشرات  لابل مئات المقالات المنشورة في "الحوار المتمدن" في الفترة اللاحقة  على صدر الكتاب المشار اليه والى اليوم، هذا غير كتاب من نوع "تجديد النبوة"بلا ناشر، وصولا اخيرا الى " كتاب العراق" الصادر عن نفس الدار التي اصدرت الكتاب الاول في 2025 لنتعرف على ظاهرة غير ملاحظة ولا مؤشر عليها باية صيغة كانت، خصوصا مع وبعد تشرين 2019، حيث نتوفر على  مسار راهن للنطقية اللاارضوية العظمى المؤجله، واقعا يكرر  مناسبات سابقة  غير ناطقة، اولها ثورة ،1920 تبعتها ثورة 1958، وصولا الى الثورة الراهنه المولودة في غمار بدء النطقية المؤجلة، وحلول لحظة الانتفاض الواقعي اللاارضوي غير الناطق بصيغته الاخيرة والنهائية، بانتظار لحظة الانقلاب الكبرى الكونيه وحلول تاريخ النطقية الموجله اللاارضوية العظمى.

انه  "زمن النطقية" المتجهه نحو " تشرين  اللاارضوية الناطقة"، وهو يواكب متفاعلا  تحولات الانتقالية  المجتمعية من الارضوية اليدوية، بعد التوهمية الاوربيه الامريكيه بانتظار اكتمال اسبابها  بحلول لحظة وسيلة الانتاج العقلية اللاحقة على التكنولوجية الانتاجية الغالبه حاليا، بعد الفترة الاليه المصنعية، وتعاظم ازمه الكيانيه  المفقسه خارج رحم التاريخ مع احتدام وتعاظم الرغبة في اختلاق اسباب كيانيه مفبركه مستعادة ابراهيميا، وهو ماقد صار اليوم منهجيه كيانيه، ترامب  ممثلها ومنفذها النموذج.

ومن غير المفترض عند معاينه لحظة انقلاب كبرى فاصلة وانتقاليه نوعيه، تجاهل ضخامه  المجريات والاحداث الملازمه للحظة من هذا النوع،  بالاخص تحت طائلة الانقلابيه الكلية في المنظور والرؤية والقدرة العقلية على النظر، مابين معتاد مترسخ متراكم، واخر صار اليوم لزوما في حال تحقق، مابين منظور الارضوية التاريخي الراسخ الذي انتهت صلاحيته، والانبجاس الشامل اللاارضوي الازدواجي  الذي صار حاضرا وهو يصارع داخلا من بين الشقوق التي تولدها الشروط والاليات الموضوعيه، مع كل مايتلازم مع عمليه عظمى من هذا النوع من مصاعب كبرى غير مالوفة ومتعددة الاشكال والتجليات.

هذا غير مامتوقع ان يستغرقه الانتقال الكبير من زمن وتراكميه حدثية كما الحال في العراق من التسعينات الى اليوم، مع ما منتظر وقد لايكون في الحسبان، ويحضر هنا للتذكير تاريخ الاصطراعيه الامريكية العراقية من التسعينات، وظهور تيار "المعارضة الوطنيه" بمختلف مواقفها المضادة للعدوان الامريكي، وصولا لوقوع العدوان وعملية السحق الكياني عام 2003 والاتجاه الى وضع خيار مضاد للذي كانت الولايات المتحدة بصدده وتخطط له بما يكرس انهاء حضور العراق، حين اقترح تيار المعارضة الوطنية "المؤتمر التاسيسي العراقي" وقتها، وعقد لهذا الغرض في 2004 مؤتمرا تحضيريا  للمؤتمر التاسيسي في بيروت، حضره 350 شخصية جاءوا من العراق، تهيئة للخيار الاخر، ولابد من الاعتراف بان مقاربة الحقيقة الاصطراعية الكونيه التي دخل غمرتها العراق في حينه، لم تكن قد جرت مقاربتها بكل ابعادها وقتها، وربما الى اليوم، وان غلبه المنظور الارضي كانت ماتزال مهيمنه بانتظار  بداية تلمس الطريق الواجب من يومه، وبدء ادراك الاهمية الفصل للناحية الفكرية التصورية والموقع الحاسم للمسالة الكبرى المعلقة على مر تاريخ عراق الازدواج المجتمعي، ماقد رجح من حينه المكانة الفاصلة للمهمه الفكرية الوطن كونيه، اي لوجود العراق الذي امضى تاريخه الثر الاستثنائي السيزيفي الكوني بلا رؤية للذات ظلت متجاوز للقدرات العقلية المتاحة للكائن البشري، مع ان الوصول اليها ضرورة قصوى، ولحظة انقلاب بشرية استثنائيةعلى مستوى المعمورة.

وعلى سبيل المثال، فان موضوعا مثل ازدواجية المواجهه المفترضة من قبل مجتمع مزدوج كينونة وبنية ماكانت، وهي ليست مقبوله او قريبه للتداول حتى الساعه، ولنتصور لو ان احدهم قال بان ماحصل بين العراق والولايات المتحدة وحملتها التدميرية الكونيه لم يكن معركة مع العراق، بقدر ماهو معركة مع العراق الارضوي، وان المجابهه الاشمل والابعد، اي الاصطراعية اللاارضوية مع العدوان التدميري ظلت وماتزال  لها تجليات وسياقات اخرى، وتفاعليه مستمرة الى الساعة، بعد ان انتهى الطرف الارضوي، وفقد  اية امكانات تصد او استمرارية باية صيغة كانت، ويصعب جدا على اي كان، ان يقبل مثل هذه الفكرة، او يتخيلها كاحتمال، مع انها موجودة في تاريخ هذا المكان وحاضره،  بالامكان متابعتها واظهار الامثلة عليها في اكثر من حالة وفترة تاريخيه، منها ولعل ابرزها تلك التي تعود الى انهيار الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية مع سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانيه عام 1258 وتحولها الى مركز براني، تتناوب عليه الدول واشباه الامبراطوريات من هولاكو الى العثمانيين والانكليز ممن كانوا  يستعملون العاصمة المنهاره موقعا رمزيا لاحتلال ماكانت اسبابه قائمه او ممكنه، اذ ظلت الدول المتعاقبة معزوله في  العاصمه بغداد، سلطاتها لاتتعدى اسوار المدن الكبرى.

والاهم هنا ليس فقط اقتصار السلطات البرانية على بغداد وحدها من دون بقية ارجاء العراق، وبالاخص منه ارض السواد اسفل بغداد، فالحاصل وقتهاماكان مجرد تعذر سيطرة، بقدر ماكان استمرار الديناميات الخاصة الذاتيه الوطن كونيه في التشكل، من دون اعلان كيانوي هو اصلا امر غير وارد ضمن تكوين المجتمعية اللاارضوية، فما ان حل القرن السادس عشر حتى ظهرت علائم التشكل الانبعاثي مع " انحاد قبائل المنتفك" في ارض سومر، بعد تفاعليه استمرت من سقوط بغداد في القرن الثالث عشر، متخذه شكل فوضى عارمه ظلت شاملة لارض السواد حتى القرن الخامس عشر، عندما بدات  عملية نضج التشكل الانبعاثي الثالث الراهن بالتبلور، متخذه صيغة " القبليه" الاولى التي ستتبعها مع القرن الثامن عشر صيغة ثانيه انتظارية نجفية، وصولا الى الثالثة المواكبه للبرانيه الحداثية الاستعمارية مع القرن العشرين.

ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

قراءة في آليات التساهل الاجتماعي في العراق

يُعدّ علي الوردي من أبرز من اشتغلوا على تفكيك البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع العراقي، وقد وجّه نقدًا لاذعًا لما يمكن تسميته بالتفكير التبسيطي أو “الخطّي”، أي ذلك النمط الذي يختزل الظواهر المعقّدة في تفسيرات مباشرة وحلول أحادية، متجاهلًا تشابك العوامل النفسية والثقافية والاقتصادية. هذا النقد لا يقف عند حدود التنظير، بل يجد امتداده في الممارسات اليومية للمجتمع، والتي تعبّر عنها اليوم مفردات دارجة مثل “ميخالف” و“غَلِّس”.

فالخطّية عند الوردي لا تعني مجرد التسامح، بل تعني الاعتقاد بأن الحل البسيط كافٍ لمعالجة مشكلة معقّدة؛ كأن يُظنّ أن العفو وحده كفيل بإصلاح المخطئ، دون الحاجة إلى تنبيه أو تقويم أو فهم للأسباب العميقة التي أدّت إلى الخطأ. وهنا تتجلّى إحدى إشكاليات المجتمع، حيث يُستبدل الفعل الإصلاحي الحقيقي بردود أفعال عاطفية سريعة.

في هذا السياق، تبرز عبارة “ميخالف” بوصفها تجسيدًا معاصرًا لهذا النمط من التفكير. فهي، في ظاهرها، تعبير عن التسامح وتخفيف التوتر، لكنها في باطنها قد تتحوّل إلى آلية لتجاوز الخطأ دون معالجته. إن تكرار “ميخالف” في المواقف التي تستدعي التنبيه أو المساءلة، يفضي إلى ترسيخ سلوكيات خاطئة، إذ يُفهم منها ضمنًا أن الخطأ يمكن أن يمرّ بلا تبعات، وأن العلاقات الاجتماعية أهم من تقويم السلوك.

غير أن التطور الأخطر يتمثل في شيوع مفردة “غَلِّس”، التي لا تكتفي بتجاوز الخطأ، بل تشير إلى تجاهل متعمّد ومقصود، بل وربما إلى دعوة ضمنية لإخفاء الخلل وعدم الخوض فيه. وإذا كانت “ميخالف” تعبيرًا عن تسامح قد يكون ساذجًا، فإن “غَلِّس” تمثّل انتقالًا إلى مستوى أكثر خطورة، حيث يصبح التجاهل سياسة، ويغدو السكوت عن الخطأ خيارًا واعيًا، بما يفتح المجال أمام تكرار الانحرافات وتطبيعها. ولعلها ابرز ممارسات تفشي الفساد في مجتمعنا العراقي اليوم.

إن الجمع بين هذه المستويات الثلاثة – الخطّية كإطار فكري، و“ميخالف” كسلوك اجتماعي، و“غَلِّس” كآلية واعية للتجاهل – يكشف عن منظومة متكاملة من التساهل غير المنتج، الذي لا يفضي إلى إصلاح بقدر ما يساهم في إعادة إنتاج المشكلات. فالمجتمع الذي يعالج أخطاءه بالعفو المجرد، أو يتجاوزها بدافع المجاملة، أو يتعمّد إخفاءها، إنما يؤجل أزماته ولا يحلّها.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لقيم النقد البنّاء والمساءلة الواعية، بوصفهما شرطين أساسيين لأي إصلاح اجتماعي حقيقي. فالتسامح، وإن كان قيمة إنسانية نبيلة، يفقد معناه إذا لم يُقترن بالتوجيه، كما أن الحفاظ على العلاقات لا ينبغي أن يكون على حساب ترسيخ الخطأ. ولعل في استعادة نقد الوردي للتفكير الخطّي مدخلًا مهمًا لفهم هذه الظواهر، والعمل على تجاوزها نحو وعي اجتماعي أكثر نضجًا وتعقيدًا.

***

د. وليد الزيدي

 

سواء كان عربياً مؤمنا أم شيوعياً كافراً!

الأنظمة العربية، البائد والقائم منها، على حد سواء، وجميعها كانت ومازالت معادية للشيوعية وأحزابها، أخذت أسوأ ما في الماركسية ودعت إليه، الشيوعية كايديولوجية وأحزاب، وهو مفهوم (الواقعية الاشتراكية) وهو من بين أكثر مفاهيم الشيوعية التباساً وتخلفاً وعدائية للشعوب والمثقفين بالفعل، لأنه، في واقع الحال، كان سيف السلطة القمعي والرقابي المسلط على الثقافة والمثقفين وحرية الرأي والتعبير.

فهذا المصطلح الملتبس في واقعه وهدفه، نادى بأن تكون وسائل التعبير الثقافية، وبكافة أشكالها ومجالاتها، محصورة في التعبير عن مشاكل الطبقات المسحوقة في المجتمع، وهي طبقة العمال والفلاحين، هاتان الطبقتان الفقيرتان اللتين سعت الأحزاب الشيوعية لاستغلال جهلهما، من حيث كونهما تمثلان الأغلبية في جميع مجتمعات كوكب الأرض، لتمرير إشكالياتها مع الثقافة ومن يمثلونها، (كجهاز توعية ورقابة ثقافيّان وإنسانيان) وجعلهما تحت السيطرة والرقابة، بحجة أن النتاج التعبيري - الثقافي، وبكافة أوجه تمثله، يجب أن يعبر عن مشاكل العمال والفلاحين وباقي الطبقات المسحوقة، لا التوعية بتجاوزات القمع وكشف جرائم ممارسات السلطة وأربابها.

الغريب أن المؤسسات الثقافية العربية (وللغرابة بما فيها الأنظمة الملكية، الأنظمة التي تدعوها الأنظمة الجمهورية - الثورجية بالأنظمة الرجعية والمتخلفة) أخذت هذا الفهم وجعلت منه المعيار الأول لتقييم الأعمال الأدبية والفنية، وميزان جودتها، وخاصة في مجال الرواية، التي استشرت جوائزها في الخمسة وعشرين سنة الماضية، بشكل مثير للشك والريبة معاً، أكثر مما هو مثير للتساؤل الثقافي البريء.

الطريف (هل هو طريف فعلاً!) أن فهم الشيوعية لتطويع واستغلال التعبير الثقافي، قد تحول إلى وجهة الرؤية والتقييم الوحيدة للطبقة الأكاديمية العربية، مجاراة لأنظمتها، وعليه فهي أصبحت معيارهم الأوحد لتقييم جودة الروايات، في مسابقات الجوائز التي صاروا ينتدبون لتقييم ما يقدم إليها، تحت شعار كلمة الحق الباطلة (إذا لم يعبر الأدب عن مشاكل المجتمع، فعن أي شيء يعبر ولم يكتب وسيكتب)؟!

وبالمقابل سأسأل ككل الروائيين، كما ينبغي (ومن قال أن الأدب - الرواية منه على وجه الخصوص- قد كتب، ويجب أن يكتب، من أجل التعبير عن مشاكل المجتمع وهموم طبقاته المسحوقة، بتعبير الفهم الشيوعي)؟

هل كتبت رواية (دونكي خوته) من أجل التعبير عن هموم العمال والفلاحين أم للمتعة؟ ومثلها يسري القول على رواية روبنسون كروزو ورواية باميلا، كروايات أولى وأولية، معروفة ومعتمدة،  لمسيرة نشوء الرواية، بشكلها الذي نتعارفه ونعتمده اليوم وتطورها أيضاً.. وإلى يومنا هذا؟

على الإطلاق، الرواية لم تكتب إلا للمتعة... ومنذ يومها الأول.. إذن لماذا تقبلت أنظمتنا (الرجعية والمتخلفة.. عفواً المؤمنة!) إهانة الأحزاب الشيوعية والفكر الماركسي لنفسها، بقبولها لهذا الفهم الشيوعي حزبياً والماركسي فكرياً؟

ببساطة لأن هذا الفهم يأتي على هوى جميع الأنظمة العربية، كبيوت لتفريخ السلطة وأدواتها القمعية. فجميع الأنظمة العربية، وسواء كانت ثورية - تقدمية، جمهورية، أو كانت رجعية - متخلفة، ملكية، فإن رؤيتها واحدة تجاه الثقافة ومنتجيها (جهاز زعزعة للاستقرار والسلم الوطني، قبل أن يكون أداة لترويج الأفكار السامة والهدامة، المنافية للأخلاق والآداب والمثل والقيم الاجتماعية السليمة والمرضي عنها.. والتي يجب أن تسود وتبقى ليبقى النظام.. إلى الأبد.. وأبد الآبدين)!

الحقيقة، وهذا ما يثبته تاريخ الأحزاب الشيوعية التي وصلت للحكم وتمتعت بفيوض نعيمه، في دول المعسكر الاشتراكي السابق، على وجه الخصوص، فإن دعوى الواقعية الاشتراكية، لم تكن سوى (كلمة حق يراد بها باطل) وهدفها السيطرة على ما تنتجه أقلام المثقفين في دولهم، من أجل أن يبقى النتاج الأدبي والفكري، بل وحتى الديني، تحت السيطرة ولا يقول إلا ما يرى ويريد أركان النظام وما يديم بقائهم في السلطة، مهما كانت مساحة استبدادهم وظلمهم واستعبادهم للشعوب، لا لشيء سوى دوام بقائهم في نعيم السلطة وبحبوحة أموالها وامتيازاتها الأخرى.

وكل ما يرضي الحاكم العربي ويديم بقائه على كرسي السلطة، يأتي باسم الأخلاق والقيم والمثل.. والسلم والسلام الأهلي والاجتماعي.. والوطن طبعاً أيضاً.. أليست هذه هي الحقيقة المرة؟

الحاكم، سواء كان عربياً أم غربياً، وسواء كان ملحداً وكافراً أم مؤمناً ووطنياً، لا يهمهم غير البقاء في السلطة، وعليه فإن الثقافة والإعلام، كوسائل توعية وتحريض، هي معاول هدم وتفتيت لوحدة الوطن. أما بركات (الواقعية الشيوعية الملحدة) فهي الروح والثقافة الوطنيتان، ولأركانها وحدهم يجب دفع الثمن.. وعطايا الجوائز الكبرى وامتيازاتها!.. وطبعاً الموت والخذلان لمن يقول أن هذا المفهوم شيوعياً وليس وطنياً وهدفه المحافظة على وحدة الوطن والسلم الأهلي ووحدة الشعب و.. إلى آخره من شعارات رسمية تؤثث الصفحات الأولى للصحف الرسمية ولأروقة الجامعات ونوادي إبداعها الذي يجب أن يبقى وطنياً جداً ومنضبطاً جداً!

ولكن ماذا عن المتعة في الرواية، التي من أجلها وحدها نقرأها؟

من أفهم كارل ماركس أن الرواية قد (اخترعت) لتكون بوقاً دعائياً للزعيم أو رأس السلطة والحزب القائد؟ سرفانتس؟ روبنسن كروزو؟ شكسبير؟ ريشاردسون؟ كآباء مؤسسين؟

والأهم من كل هذا هو، لماذا كل شيء طرحه كارل ماركس، في رؤيته الشيوعية، كان كافراً ولا أخلاقياً، في نظر الأنظمة العربية الديموقراطية والأخلاقية، فيما عدا دعوته النتنة هذه (الواقعية الاشتراكية)؟

المشكلة الكبرى هي أن دعوى الشيوعية الكافرة هذه، صارت وحدها هي المعيار الذي يجب أن تصدر الرواية بموجبه من دور النشر العربية، ووحدها المعيار الذي تطبل بموجبه وسائل الإعلام (للأعمال الروائية الكبيرة والخالدة).. وأيضاً وحدها التي تبتسم لها شرفات قصور الحكم العربية.. ببساطة لأن كان غابريل غارسيا ماركيز قد شهد لأحد أركان الحكم الشيوعي (فيدل كاسترو) بقراءة الرواية، فأنا أقطع بأن ما من حاكم عربي قد قرأ رواية يوماً.. وربما لن يفعلها يوماً حتى بطريق الخطأ!

ربما لأن الحاكم العربي يعد نفسه صانع حدث الرواية الكبير.. والأوحد؟

ربما.. من يدري... فما يفكر به سيدي وحده هو الذي يعرفه، كما يقول ماركيز في روايته (الجنرال في متاهة).

***

د. سامي البدري