قضايا

الحسين بوخرطة: غزوات العالم الافتراضي

الحسين بوخرطةقراءة لمقال الأستاذين الباحثين منى الجيراري وعبد الإله فرح "الزواج الافتراضي: مقاربة وصفية للعلاقات العاطفية"
بعدما ناولتني الأخت الكريمة منى الجيراري نسخة من عدد يونيو 2021 من مجلة "إيكولوجيا الصحة والاجتماع: مداخل ومقاربات سوسيولوجية"، دار بيننا نقاش خفيف في موضوع الأدوار المعاصرة للسوسيولوجيا وحاجة الشعوب الملحة لأبحاث واستنتاجات علم النفس الفردي والاجتماعي والأنتروبولوجيا والإثنولوجيا والفلسفة. أثير في نقاشنا إشكالات مترابطة من أهمها التطورات التكنولوجية والعلمية والظاهرة السوسيولوجية وإشكالية "التشييئية"(التنشئة كمفهوم ماركسي للدلالة على عمل مستلب يفرق بين الإنسان وإنتاجه réification)، وأدوار الإعلام ومؤسسات التنشئة ما بين الأمس القريب والعقود الثلاث التي تلت إعلان النظام العالمي الجديد بشموليته وعولمته ومنظماته الرسمية وغير الرسمية. وختم اللقاء، الذي لم يدم أكثر من ربع ساعة، بتعبيرات حركية متبادلة دالة عن اعتراف متبادل بالعلاقة المعقدة ما بين الحياتين الحقيقية والافتراضية للأفراد والجماعات على المستويين القطري والكوني زمن ما بعد الحداثة. وهي تستعد للمغادرة، وعدتها أنني سأخصص للمقال، الذي أعدته صحبة الباحث عبد الإله فرح تحت عنوان "الزواج الافتراضي: مقاربة وصفية للعلاقات العاطفية"، قراءة نقدية أناقش فيها مضامينه تعميما للفائدة، واعترافا بأهمية الموضوع والجهد الذي بذل لإعداده ونشره.
هكذا، مباشرة بعد انتهائي من قراءته، أحسست بنوع من الانبهار بمستجداته المعرفية وظواهره السوسيولوجية التي تخللت مدخله، وفقراته الوسطية، ومخرجاته الختامية. المقال أثار فضولي وقادني للتمعن في سلوكياتنا المستحدثة وما يجري حولنا رغما عنا. لقد أصبح الفرد منا فعلا منغمسا في حياتين، الأولى حقيقية، والثانية افتراضية، وطفا على سطح التطورات في نفس الآن مزايا التحرر الثقافي ومكتسباته وما تلعبه التكنولوجيات الحديثة من أدوار ريادية في دينامكية التغيير الاجتماعي، وإشكالية مآل الدفء الإنساني، وتلاقح وتناقح أفكار الأجيال وتفاعلها المستمر وجها لوجه في جلسات الصداقة والأسرة ولحظات المتعة الحميمية وتظاهرات الندوات والمؤتمرات والأوراش واللقاءات التكوينية والتثقيفية....
التطورات الكونية تزخر بالإيجابيات التي تستجيب لمتطلبات التزايد الديمغرافي كونيا. التكنولوجيا تلعب في نفس الوقت أدوارا جوهرية وأساسية في البحوث العلمية في مختلف مجالات الحياة، وفي التواصل والتعارف الاجتماعيين، وفي مجالي المراقبة والحريات، .... لكن بقي الاستباق في مجال تخمين مسارات التغيرات الاجتماعية بهاجس وانشغال احتفاظ الحياة الإنسانية على سر وجودها ومسؤولية استخلاف الانسان في الكون وأمانة اعمار الأرض واكتشاف الفضاء ذا راهنية قصوى.
تفاعلا مع ما جاء في المقال، يمكن القول أن ظهور الانترنيت أحدث فعلا ثورة غليان نشيطة في حيوات الشعوب والأمم. تعددت المواقع الاجتماعية وشملت كل فضاءات الحياة اليومية للفرد والجماعة. تعددت وتنوعت مجالات الانجذاب لهذه المواقع والافتتان بها كثيرا، وبرز على الخصوص اندفاع قوي ومبهر لشباب مجتمعات الثقافات التقليدية للغوص في هذا العالم بعزم تحقيق النجاح في تكسير أصفاد المكبوتات المتراكمة. الوعي بالحاجة إلى استغلال المنافذ المتعددة للتعارف والتواصل بين الجنسين يتزايد كلما تحقق تقدم في مجال الابتكار التكنولوجي. وبالموازاة اشتدت العزائم لتقييم طبيعة العلاقات العاطفية التي نجحت في الانتقال من الفضاء الافتراضي إلى الحياة الواقعية (زخم العواطف وقوتها ونجاحها)، وتحويل هذا الانشغال إلى مجال يستحق تصنيفه من أولويات السياسات الحكومية لدى دول الجنوب.
نظرا للارتباط الوثيق، على المستويين المتوسط والبعيد ، للتغيير الاجتماعي برهانات الحفاظ على الأمن العام للدول والأمم في العالمين العربي والمغاربي عامة وفي المغرب خاصة، برزت بالملموس الحاجة لتوثيق العلاقة بين الانشغال العام بأفق ورهان الاستفادة من التطور التكنولوجي من جهة، وتجويد العلاقات الاجتماعية على أساس قيم إنسانية وثقافية مرسخة للتضامن والمردودية والنجاعة والدقة من جهة أخرى. لقد أبانت التطورات أن الوقت قد حان مغربيا لتجاوز البنية المؤسساتية للمنظومة الوطنية لإنتاج ودراسة واستغلال المعطيات الإحصائية وتجديد مناهجها ومصادرها وآلياتها. إن تتبع نبضات الدينامية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السريعة أصبح يستلزم التوفر على منظومة إحصائية متكاملة ويقظة، تنبعث منها باستمرار إشارات وإنذارات ومؤشرات تترجم إلى إجراءات تحفيزية وتوجيهية وتعديلية حامية لمسار الأمة من الانزلاق في اتجاه التفكك والانحراف.
إن التحرر من الأمكنة، المتميز بسرعة تبادل المعلومات ومنح الأفراد القدرة على الاتصال والتواصل 24 ساعة/24 ساعة، يجب أن يتم استغلاله لتجويد استهلاك الشباب للمعلومة بالكلمة والصوت والصورة عبر المواقع الاجتماعية في اتجاه دعم حقهم في تحقيق أحلامهم عبر الولوج إلى العضوية الاجتماعية، وفي نفس الوقت لتوطيد روح وطنيتهم باستحضار مكانة الأمة المغربية بين الأمم حاضرا ومستقبلا. فبحث الشباب عن اشباع غرائز التجديد والتفوق والأمن بآفاقها الواسعة وإمكانياتها الزاخرة يلزم مؤسسات الدولة بالحضور الآني لتغذيتها بمنطق النفعية الفردية والجماعية، وبالتالي إحداث التجديد والتميز المنتج في طبيعة تطور تمثلاث الأجيال الصاعدة لمفاهيم الوطن والسيادة والعولمة والحاجة إلى نظام توازنات كونية منتصرة للعدالة والمساواة والحق في التنمية والرفاهية.
والحالة هاته، لقد لامست في فقرات هذا المقال الرائع الوقع القوي للتكنولوجيا وفضاءات المواقع الاجتماعية على حياتي المجتمع والدولة على السواء. فأجيال الشباب تقاوم محاولات المنع اليومية التي تمارسها فاعلية الإكراه الثقافي التقليدي بكل السبل الممكنة. ففرضية تحقيق الانتصار والهروب بسلام من أغلال سلاح الاتهام بارتكاب المحرمات وتسليط سلاح الكفر والوصم على الشباب تكتسب كل يوم نقط الامتياز بطموح تحويل العالم الافتراضي إلى واقع معاش ومندمج في حياة المجتمع المغربي. يمكن القول هنا أن التكنولوجيا بغزواتها المبهرة سائرة في طريقها بسرعة فائقة لتحويل مجموعة من السلوكيات والمواقف من طبيعتها الممقوتة والهامشية إلى ممارسات شرعية تفرض أحقية وجودها أو تدفع إلى غض الطرف عنها في حالة عدم الرضا. القمع العنيف الممنهج والمسخر لمنع تكوين العلاقات العاطفية غير الشرعية في المغرب يعيش منعطفات تنم بإمكانية إضعاف وقعه. إن تطور العلاقات المجتمعية تعطي الانطباع وكأن البلاد تخطو خطوات هائلة لجعل التربية الجنسية والانشغال بما يفيد الحياة سندا واقيا للتطبيع مع ظاهرة العلاقات العاطفية والجنسية العشوائية، وأن مستوى اكتساحها للمجالات التقليدية يزداد قوة يوما بعد يوم، باحثا بشتى السبل ترسيخ صفة الأمر الواقع على المستوى السوسيولوجي.
إن قوة التصاق التكنولوجيا بحياة أجيال الشباب اليوم تنم كذلك وكأن استخدام الإنترنت قد تجاوز تمثل كونه منفذ هروب من اللوم أو الوصم أو العقاب الاجتماعي، محققا بذلك نوع من التراكم في إضفاء الشرعية على حق العزاب في تلبية احتياجاتهم الاجتماعية وأيضا الترفيهية والجنسية.
ما أعطى للمقال رونق إفادة معرفية هو توظيفه لمجموعة من النظريات المؤطرة لظاهرة الزواج الافتراضي تبرهن كون اللجوء إلى ما هو افتراضي في هذا الشأن ليس ظاهرة غريبة عـن حياتنا اليومية، وتؤكد في نفس الوقت الوقع القوي للإنترنت في تحرير العلاقـات العاطفيـة. لقد اعتمد الباحثان الملاحظة والرؤية والمراقبة والتأمل، كمنهجية بحث، مركزين معرفيا على تحقيق تقارب المعطيات النظرية بالممارسة الاجتماعية.
فبالرغم من عدم الحسم في توحيد مضمون التعريفات التي أعطيت لمفهوم الزواج، فإن قاسمها المشترك، الذي يعتبره عقدا اجتماعيا معترف به قانونيًا بين شخصين تطغى عليه أكثر النوازع الجنسية التقليدية كأساس لديمومة الارتباط، لم يتطور بالشكل المطلوب لكسب خاصية المشروع بثقافة إنتاج أجيال قادرة على خدمة نفسها بنفسها وتنمية وطنها وحماية سيادته. لم يتقدم مفهوم الأسرة كثيرا بالرغم من اعتماد البلاد على مدونة متقدمة في هذا المجال منذ سنة 2004. لم تلتحم الأسرة بما يكفي وبرؤية معرفية وفلسفية بمؤسسات التنشئة والطب العضوي والنفسي. مؤسسة الزواج في بحث مستمر عن منافذ للابتعاد، بالمسافة الطبيعية المستحقة، عن تمثل اعتبارها "آلية ضبط وصون ديني" مسخرة حصريا لتأنيس الغريزة الجنسية عند فئات واسعة من المجتمع المغربي. لقد طغى لعقود مضت هاجس الامتثال للتقاليد البالية في حياة الثقافية المغربية، وتكرر إشهار سيف المشاعة الجنسية على الرقاب لتشييد نسق ثقافي يحافظ على مصالح حراس المعبد القديم، بحيث لا يكلون ولا يملون من استثمار كل الإمكانيات المادية والمعنوية لتسييج فضاءات العيش المشترك بأسوار وأسلاك الحماية من الاختراق، وبالتالي طمس آفاق البحث عن مقومات الحياة وفنون العيش الكريمة المنتجة لدى عامة الشعب. إن إشهار سلاح العبث، الذي يتعمد ربط تعارف الجنسين خارج مؤسسة الزواج الشرعي بالعار بدون براهين عقلانية، لم يتوارى يوما في الاستعانة بآليات تمجيد الحياة الأخلاقية والاجتماعية لفرض ذاته. حافظ هذا السلاح على جبروته لقرون ساعيا ترجيح كفة وقع ضغوطات الامتثال للمعايير الاجتماعية على حساب الإبداع وإدمان البحث عن المعارف وأسرار الكون الربانية.
إن التمعن في استنتاج المفكر بيير بورديو (Pierre Bourdieu) في مسألة الزواج، كما جاء في المقال، تبين أنه قد نجح إلى حد بعيد في شرح وتشريح الظاهرة كما تعاش في مجتمعاتنا. فهو يعتبر الزواج في بلداننا مجرد آلية تمكن من تكوين التحالفات وتعزيز التموقعات بين العائلات في الأنساق القبلية والطبقات الاجتماعية. وبذلك فهو يرمي إلى تعميق فهم دوافع تشديد المقاومة من طرف رواد التقليد، الطامحين لتعطيل سرعة المرور إلى الحداثة. فالنساء في تحليله يتحركن في النظام المعاش كأهداف للتبادل الاجتماعي أكثر من كونهن ذوات، مفضيا إلى كون قيمتهن ترتكز أكثر على قدرتهن على التوافق مع نموذج الأنوثة في المجتمع الذكوري. بهذه النظرة ينجلي الغموض نسبيا عن معيقات بناء المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي. لا زال مفهوم الزواج في مجتمعنا مجرد عقد مقدس يربط بين الرجل والمرأة، ويسعى إلى تحقيق السعادة الشخصية للطرفين من خلال تلبية الحاجيات النفسية والاجتماعية والجسدية لكل منهما. فهو، كما جاء في المقال، مجرد علاقة تجمع بين فردين من جنسين مختلفين، أو علاقة تربط رجل بامرأة في إطار مشروع أسرة يلزم الطرفين المتعاقدين باحترام الحقوق والواجبات تجاه بعضها البعض، وتنظمها قوانين وتشريعات تسعى لمناهضة التقليدانية والجمود، ساعية قيادة المجتمع المغربي إلى ربط الأسرة بطابع المؤسسة الأولى المرسخة للجودة في التنشئة في مراحل حياة الأجيال المتعاقبة.
اكتسح الانترنيت مجالات الحياة، وتم الوعي الرسمي بقيمة وقع تقدم التشريعات المكتوبة، وتم الاعتراف بثنائية الواقعي وغير الواقعي، المحسوس والافتراضي، وأصيب الفكر التقليدي بداء فقدان المناعة. لقد تهدمت بقوة الممارسة الفواصل بين الافتراضي والواقعي، بل أكثر من ذلك تجبر الافتراضي وثبَّت قدميه على سكة مسار جذاب، المشي فيه مغر للغاية. خاصياته الساحرة جعلته يطمح إلى زعزعة المقومات المعتادة للواقع متمسكا بتوسيع آفاقه وإغنائها.
في هذه النقطة بالذات، لم يبتعد العديد من المفكرين، أمثال إيليكنز ويلمان ودامر وهارون بن زئيف، عن هذا الطرح. العالم الافتراضي أصبح فعلا جزء من العالم الواقعي، ويشكلان بذلك عالمين متكاملين ومتفاعلين يصعب تقبل إمكانية الفصل بينهما. والحالة هاته، شكل الإنترنت فضاء رحبا مقويا للعلاقات بين الأفراد في المجتمع الواقعي. الإنترنت فرض نفسه بتأثيره العميق على النفوس، ليكتسب شرعية كبيرة في تحديد طبيعة العلاقات الرومانسية والجنسية من جهة، وتسهيل إنجاز الأعمال والأنشطة المدرة للدخل من جهة ثانية. فإلى جانب الرفع من غليان الثورة الرومانسية والجنسية عبر الإنترنت، حدث فورانا في دفق المعلومة المنتجة والمفيدة، لترتقي الحاجة إلى رصد معالم هذا العالم الجديد وتقييم السلوكات والأقوال والأفعال المشيدة لهذا الصرح الهائج بازدواجيته المتفاعلة، وتحديد مكانة لائقة له في سلم الأولويات العامة وفي مستويات انشغال المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
تعددت المواقع الإلكترونية بخدماتها ومنتدياتها ومجموعاتها الافتراضية. أتيحت فرص التواصل بغزارة أفقيا وعموديا، مشكلة عواصف إلكترونية هوجاء. انزاحت الموانع عن فرص التعارف، وتحول العديد منها إلى علاقات عاطفية، منها القوية ومنها العابرة. تنوعت الرغبات الاجتماعية لدى الأفراد بغرض الاستقرار العاطفي بعدما كانت تعاني الاختناق بسبب حدة الرقابة عن قرب. الشباب في بحث دائم عن منافذ التسلل عبر الإنترنت للبحث عن الرفيق أو عن الرفيقة. فمنهم أو منهن من أعجب أو أعجبت بالجسد المزخرف الجذاب وطمح أو طمحت لاستهلاكه ولو مرة واحدة، ومنهم أو منهن من اكتملت لديه صورة الفارس المثالي أو الفارسة المثالية وسعى أو سعت لتأسيس أسرة ناجحة. طبيعة الثنائية المكونة من الرجل والمرأة تغيرت، ومنطق الارتهان للمصالحة المشتركة بين الجنسين تغير كذلك. النباهة والفطنة واليقظة في التعاطي مع الانترنيت لا يمكن أن تكون لها إلا مكاسب جمة وذات جودة عالية، سواء تعلق الأمر بكسب المعرفة، أو التعرف على الآخر في إطار تجويد مقاربة النوع المؤهلة لأدوار الأسرة في المجتمع.
أما ما يتعلق بالجنس الافتراضي (Cybersex)، فإمكان البعض أن يسميه شدودا، مستحضرا فوائد تحويل مزايا الافتراضي إلى حميمية واقعية دافئة. إلا أن هذا الموقف يحتاج إلى تحقيق معرفي ميداني. في غياب التربية الجنسية، هناك من يستسلم ويغض الطرف عن ممارسة الجنس الافتراضي تحت إكراه الخوف من مطبات الفضح بواسطة التسجيل بالصورة والصوت. هناك من يراهن على تحويل هذه الظواهر إلى ممارسة شرعية، على غرار صعوبة إثبات الزنا دينيا زمن الشقق والمنازل ذات الأبواب الموصدة بالأقفال. وهناك من أولي الاختصاص من يطالب باستنتاج علمي للوقع المتبادل بين الإثارة الجنسية وممارسة الجنس السيبرياني والصحة النفسية للفرد والمجتمع. هل هناك فوائد صحية وعقلية لعمليات التبادل الواقعي لرسائل استفزازية ومثيرة بهدف جلب شهوة المتواصلين بعضهما البعض، والوصول إلى مرتبة الجماع أثناء ممارسة العادة السرية معًا في نفس الوقت؟
أبان الواقع أن الاتصال وربط العلاقات الاجتماعية بين الأفراد من كل الجنسيات عبر جهاز الكمبيوتر الشخصي أو الهاتف المحمول في أي مكان وزمان، سواء في المنزل، أو في العمل، أو في المدرسة، ... أصبح أمرا متاحا للجميع، وغير مكلف بتاتا، ويصعب مراقبته أو محاصرته. تعددت مواقع جذب حاجة النفوس لممارسة اللذة في تواصلها مع الجنس الآخر، وتطورت تقنيات البرمجة وصبيب الانترنيت لتحقيق ذلك، وتم ربط شعبية المواقع بالمداخيل الإشهارية.
تراكمت التسهيلات المطلوبة، وبقيت ظواهر الابتزاز والتشهير، المناوئة للتطورات المجتمعية كونيا، تتصدر جداول أعمال الحكومات والأنظمة السياسية. لا زالت المواقع الإلكترونية تتميز بالعشوائية على مستوى المهام التي تقوم بها. هويات المتواصلين غير مضبوطة وحساباتهم غير خاضعة لقواعد تقنية وقانونية. فتنوع الميولات والاهتمامات والخصائص المميزة للجنسين المتواصلين، وكذا الرغبات الرومانسية والتصنيف الإيروتيكي وما تتيحه من أنواعٍ جديدة من الاحتمالات الخيالية، أصبح واقعا مندمجا في حياة مجتمعنا.
لم يعد في بلادنا من يرفض العالم الافتراضي رفضا باتا، بقدر ما تتعالى هنا وهناك أصوات مطالبة بالاستفادة من الإلكترونيات في مجال التنمية والحداثة والتطور المعرفي والثقافي والحضاري. المقال كان واضحا في هذه النقطة. بالعودة إلى دراسة أعدتها صحيفة "économiste " حول الشباب المغربي في سنة 2011، فإن الشباب يرتبطون بالإنترنت في المنزل بنسبة 78% في مقابل 25% من المقاهي المختصة (Cybers). ونظرا إلى الانتشار المتزايد للمقاهي والمطاعم في العديد من المدن، أصبح من الضروري أن نجد في كل مقهى أو مطعم أو فندق خدمة الواي فاي Wifi. وقد أظهرت نفس الدراسة بأن 55% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و29 سنة مرتبطون بحبيب/حبيبة (Girlfriend/BoyFriend).
لقد تم تيسير التعارف بين الجنسين في العالمين الحضري والقروي على السواء، وأتيحت الفرص الزاخرة ميسرة عمليات تجويد الاختيار واشتد التركيز على سلامة اللقاء الواقعي وسلاسة ضمان الاستمرارية الآمنة. لقد تم التخلص من عناء ومتاعب العلاقات العاطفية بين الشباب المغربي التي كان يبحث روادها، كلما اشتدت الحاجة للقاء وجها لوجه، عن مكان وزمان مواتيين يضمنان التملص من المراقبة والعقاب. الحياة العاطفية عند الشباب لم تعد مرتبطة بالمكان أو الزمان، بسبب الإمكانيات التي أتاحتها وسائل الاتصال التي تعمل على تقريب المسافات. البحث عن الزواج عن طريق الإنترنت عند الشباب تحول إلى سعي عام لتحقيق الارتقاء العاطفي. لقد تم الاستشهاد في المقال بمقولة زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman) الذي اعتبر البحث عن تحقيق الزواج عبر العالم الافتراضي سعيا "نحو الأمن في المقام الأول والأخير، الأمن بمعانيه المتعددة: أمن القرب من يد العون في الشدائد، والتعزية في الأحزان، والمؤانسة في الوحدة، والغوث في المحنة، والمواساة في الفشل، والتهنئة في النجاح، والتلبية الفورية للحاجة عند طلبها". الكل، بما في ذلك المحافظين، استسلم لهذا الغزو الساحر. فرض على التقاليد التطور عبر التراكم الزمني.
إن القاعدة الديمغرافية لفئات الشباب الذين يحملون مجموعة من الأفكار والمواقف التي تتعارض مع كل ما هو تقليدي في توسع متسمر. حب الانخراط في كل ما يساير تطورها وتقدمها أصبح حقيقة. لقد تيسر إيجاد المخاطب من الجنس المخالف لإبراز صفات ومميزات الذات. إيصال الصفات الإيجابية مثل المهنة والمستوى التعليمي والأصل الاجتماعي لمن يستحق أصبح ممكنا. إمكانيات الانتقاء على أساس تمثلات الجودة أصبحت متوفرة. كما جاء في المقال، أصبح في متناول كل شابة طامحة في زواج ملائم عبر الإنترنت إبراز جمالها الخارجي أولا وأصلها الاجتماعي ثانيا ومستوى تعليمها ثالثا، لفئات عريضة من الشباب. تستغرق الوقت الكافي الذي يمكنها من تتويج جهودها التواصلية والفنية بحصر لائحة شباب تجاوزوا عتبة المطالب والرغبات بمختلف ألوانها، فتتاح لها الفرصة سانحة للمرور إلى مسألة التربية والأخلاق، والتي تبقى رغم أهميتها من الأمور الثانوية.
بالتكنولوجيا تمكنت ظاهرة الزواج من قطع مسافات هامة في تجاوز إكراهات العرق والجنسية والطبقية ولون البشرة، ... وتم إبطال الحدود ونزعات الميز العنصري. لقد تزايد عدد حدوث الزواج المختلط جراء ميول وانبهار الشباب للحرية والمساواة والرفاهية والعضوية الاجتماعية والتحضر والتصنيع. إن طبيعة الفضاء الإلكتروني المرسخة لمبدأ المساواة نظريًا، ولحق الجميع في الولوج إليه واستغلال إمكانياته، ساهم في تقوية مبدأ الحق في التأمل بعيدا عن المكبلات التقليدية بطموح العيش في فضاء فني ينتج السعادة المادية والنفسية. وهنا ما أثاره الكاتبان في موضوع "الحقول" لبورديو، ومنها حقل الزواج، أبرز وجود تخصصات ومساحات في التواصل تتأسس وتتكاثر بسرعة، وتبني حدودها على قواعد المصلحة والمنفعة الفردانية. بهذه الحقول تتفاعل النوازع النيوليبرالية الطامحة لتحقيق الهيمنة والسيطرة برهانات سماها بورديو "الرأسمال"، الذي يأخذ شكل ملاحقات وغايات وأهداف محددة يسعى روادها الوصول إليها باستثمار كل الوسائل المتاحة بما في ذلك الوقت.
إن التغير السريع للأذواق وتوفر إمكانيات تلذذ ممارسة السلوكات الجديدة يلعب أدوارا قوية المفعول لممارسة حياة أخرى على هامش القانون والعرف والشرع. أكثر من ذلك، تتوسع هذه الحقول، التي كانت هامشية في بدايتها، مرجحة الانطباع وكأن موعد سيطرتها على مجمل لحظات الحياة قريب جدا. في هذه النقطة بالذات، قدم الكاتبان لوحة تشكيلية فنية بينت بجلاء كيف استطاعت المرأة التملص من السيطرة الذكورية مساهمة في إضعاف مسببات النزاع والصراع والهيمنة المعتادة في العلاقات الاجتماعية. لقد كانت المرأة دائما، يقول الباحثان، خاضعة لإرادة الرجل. اختياراتها وسلطتها كانت مقيدة بسلطة الرجل وهيمنته في المجتمعات التقليدية. هذا الأخير، كان لا يتقاعس في إشهار سلطة الثقافة والدين محتكما لتأويلات عقائدية مصلحية كلما أحس بتمرد أنثوي. وبذلك، تجاوزت العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة في مجال الزواج التصنيف الذي كان يضعها في خانة كونها الرأسمال المتاح للرجال الذين يحتلون المركز المهيمن والمسيطر. لقد تعسف الزمن بأحقيته على المظلومية، وهيأ للمرأة بذلك ظروف التمتع الثقافي بالحق في التنوع الاستهلاكي للرجال، وانسلت بفعل جبروت الآلة والإلكترونيات من شدة المحاصرة التي ضربت عليها لقرون، ليتم بذلك تجاوز العادات التي لا تتيح التعارف مع الجنس الآخر إلا في مجالاته الضيقة وعلى رأسها فضاء مؤسسة الزواج.
هذا التحكم الثقافي، الذي ساد وسيطر لعدة قرون، لم تتمخض عنه بحكم الواقع إلا ندرة في حركية وجاذبية الجمال الأنثوي في الحياة الاجتماعية، لتساهم التراكمات في اشتداد حدة المكبوتات وتفاقم الميولات الجنسية الإجرامية. فبورديو، كما جاء في المقال، أقر بالواضح العواقب الوخيمة الناتجة عن الهيمنة الذكورية على الأجساد الأنثوية في المجتمعات التقليدية. إن الاستثمار التقليدي في إنتاج الرمز بنفحات رجولية قوية، أضعف الجرأة والفاعلية المجتمعية إلى درجات مقلقة ومخيفة. لقد عانى الوجود الأنثوي جراء تحمله قسوة براثن التقليدانية التي نالت من أدواره الطبيعية في المجتمعات والأمم المحافظة. لقد تم تكبيله بتهديد متواصل لأنشطته بعبارات الردع المضنية التي نجحت في قمعه كلما حاول الإفلات من القالب الثقافي الموبوء. لقد تم إحاطة حركية المرأة في كل مكان وزمان بمصطلحات عديدة ومتنوعة كابحة لكل أنواع التعبير عن العواطف والأحاسيس المشروعة. لقد تم ابتداع كلمات بمثابة رصاصات لا ترحم، وتم تسديدها لمقتل المرأة مثل: عيب، إهانة، خجل، قلق، تأثم أو شكل أهواء وعواطف، الحب بعد الزواج، كضم الإعجاب، احترام المقدسات.... تم تغييب المبادرة الأنثوية وحقها في الجرأة والمواجهة، وترسخ في الأذهان اقتران شرعية وجودها بالحشمة والاحمرار، والحرج الكلامي، والارتجاف عند مخالطتها الرجال، ...
برز الانترنيت كوعاء لخدمة الليبرالية الثقافية، وسلك سبيل تكسير الطابوهات والموانع بدون أن تتجرأ قوة ما عن إعلان قدرتها على كبحه. أصاب التحول كل وسائل الإعلام والاتصال، وارتقت العلاقة بين الرجل والمرأة إلى درجات فرض نسق الانعتاق، مبتعدة بالتدريج وبشتى السبل عن المؤسسات التقليدية المتنوعة، باحثة عن أدوار جديدة للأسرة ولكل مؤسسات التنشئة. التراكمات في هذا المجال أصبحت ملموسة. صوت النساء يخترق بقوة فضاء الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. أكثر من ذلك، قوة غزو الأنثوية للعالم الافتراضي أبرز حقائق جديدة. أصبح الحضور النسائي يلعب أدوارًا متنوعة في بناء هوية ثقافية وحياتية جدية للمرأة والأسرة.
كما أصبح لافتا للنظر، فردود الفعل التقليدية، التي تستثمر الغالي والنفيس من أجل إكثار وتنويع المنابر الإعلامية المناوئة لمسار التحديث الثقافي، لم تراكم التقدم الكافي في سعيها للحفاظ على مواقع وسلط النخب الدينية. الإنترنت رسخ امتيازا جديدا للمرأة ومنحها القدرة على الاختيار المتعدد وتحقيق أهدافها في التعليم، والعمل، والزواج، والجنس، والترفيه والسعادة. إنها الاعتبارات التي دفع الباحثان إلى استنتاج تجاوز المرأة إكراه الالتزام بعلاقة عاطفية واحدة، لأنها تمتلك في الواقع الافتراضي عينة أكبر من الرجال وتتاح لها إمكانية الانتقاء والتجريب بغرض الحسم النهائي في الاختيار. أكثر من ذلك، أصبحت الحميمية عبر العالم الافتراضي موردا لتقوية الاستقلالية، وفضاء للتفاوض بين الجنسين والبحث على تجويد العلاقات الجنسية وزخرفتها بعبارات اللذة المغذية للخيال الإيروتيكي، بحيث تأخذ المجريات الواقعية اتجاها جديدا، يتشبث الفاعلون فيه بضمان قوة التأثير والسحر الأنثوي. فممارسة الخيال، كما جاء في المقال، تحول إلى منعش أساسي للحياة العاطفية الحديثة. لقد ساهمت الحداثة بقوة عبر وسائل الإعلام والاتصال في توسيع الخيال عند الأفراد. بالخيال، حسب إيفا ايلوز، يحاول الشريكان تقليد الواقع من خلال الاعتماد على الأحاسيس والمشاعر والعواطف التي تجعل الغائب حاضرا، وهي بذلك تكون قد أبرزت العلاقات الطبيعية بين عاطفة الحب والخيال. الخيال في الواقع الافتراضي يؤدي إلى العديد من الخيارات الممكنة، فهو ليس محافظا أو رجعيا، بل هو يتجسد في المستقبل أي أنه يتطلع إلى الأمام.
خلاصة القول، لقد تغيرت حياة الإنسان رأسا على عقب. العالم الافتراضي يكتسح مجريات حياته اليومية على حساب الواقع. كثافة المراقبة الاجتماعية المباشرة على الفرد والجماعة في تناقص مستمر. الثقافة التقليدية، وما ترتب عنها من مكبوتات عاطفية، ساهمت في تفاقم اللهفة اليومية للغوص في العالم الافتراضي للتعبير الطبيعي على حاجيات الذات العربية الإسلامية.
أما مستوى الإدماج الاجتماعي وتحقيق الاستباق لتوطيده في إطار دينامية الأدوار والوظائف الفردية والجماعية الجديدة، فتحتاج إلى منظومة عمومية عصرية قادرة على تشخيص الأزمات والتوترات في العلاقات والوضعيات المعاشة فور أو قبل حدوثها، وبالتالي توجيه التغيير الاجتماعي لتستفيد الجماهير من الفرص الزاخرة التي تتيحها المكننة والإلكترونيات وكشوفات البحوث العلمية، والتمكن من آليات حشد الحماس الشعبي للإسهام في جهود تقليص الهوة في مجال الحداثة ما بين الغرب الأوروبي والأمريكي والشرق الآسيوي والروسي والجنوب الإفريقي.
إن الانشغال المفرط للشباب بالتواصل التافه، المُشَكَل لأدران أسرار التطور التكنولوجي، ستكون له تكلفة ثقيلة وعوائق وخيمة في المستقبل. والحالة هاته، بات من الضروري بذل الجهود المضنية في التفكير في اتجاه ترصيص البناء الاجتماعي وتوطيده، ومن تم السعي المتواصل من أجل الانتصار لقيمة العمل البناء والحفاظ على الصحة النفسية للأفراد وحمايتهم من إدمان التفاهة.
فكلما استشرى التيه والهشاشة وتعاظمت آفات الاضطراب والتفكك في المجتمع، كلما استفحل التهميش والانحراف، وكلما استعصى على القدرات الفردية والجماعية التكيف مع المتغيرات السريعة المؤرقة، وكلما استعصى على الدولة مهام ضبط وتأطير سيرورة الديناميات والأزمات الاجتماعية والحفاظ على الأمن العام.

 

الحسين بوخرطة

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5671 المصادف: 2022-03-16 11:14:01


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م