قضايا

الظلامية والتنوير

إذا كانت الطبيعة، كما يتم تداوله بعلمية تكاد تكون مطلقة، تؤثر على الكائن سواء اجتماعيا أو عرقيا، ما يتجلى في لون البشرة مثلا، حيث تكون داكنة أكثر بسبب اصباغ الجلد، بالأماكن التي تكون تحت تأثير قوي لاشعة الشمس، ما يجعل البشرة الداكنة أكثر مقاومة لأشعة الشمس ما فوق البنفسجية من البشرة البيضاء، وحيث تكون فتحات المناخير أيضا واسعة لتسهيل عملية التنفس، فإن هذا التأثير يمكن أن نلمسه على الحالة النفسية أيضا، حيث يتأثر مزاج الكائن بالظلام أو الضباب او بالشمس و أشعتها الخ... ، فتجد من يحس بكآبة الغيوم و الضباب، ومن يعيشها نتيجة للشمس الحارقة، و عواصف الرمال.

من هنا اغامر، بشكل ربما متعسف، للحديث عن فكرة التنوير التي سادت في العصر الكلاسيكي الأوروبي، وفتحت المجال إلى تحرر العقل الغربي من عقال لاهوتي مسيس، فينصب حديثي خاصة على تفسير ذاتي لاختيار مصطلحي التنوير مقابل الظلامية، علما أن آليات التواصل، سواء علمية أو معرفية او شعرية، بما أنها تعتمد على اللغة، تمتح من ثقافة البيئة التي تنميها.

اعتمد إذن مفكرو الكلاسيكية على هذين المصطلحين: تنوير /ظلامية، مقتبسين ذلك من الطبيعة كتعبير بهذه الثنائية، من جهة على الاستبداد الناتج عن تسلط سياسي اتخذ الفكر الخرافي لتدجين العقل فيصبح الإنسان كائنا خنوعا مستسلما للرهبان الذين يستفيدون من محاسن الحياة ويقررون تحريمها على من اخضعوهم بقوة الخرافات وبقوة السيف، مستندين في ذلك على تأويلات للنصوص الدينية التي تناقلوها. ومن جهة  أخرى على العقل الذي تحرر من هذا الفكر الخرافي الذي نشره السياسي المتسلط والقامع للإنسان الأوروبي. فكانت صفة الظلام من نصيب الاستبداد الكهنوتي، وصفة النور من نصيب النقد اللاذع لهذه الظلامية، باعتماده على آليات العقل المنطقية. كرمزين إذن، أُخذا من بيئة لها تأثير كبير على نفسية الإنسان الأوروبي. والبيئة الأوربية، أي تلك التي تقع شمال الخط الاستوائي، وبعيدة عن أنوار البحر الأبيض المتوسط، زيادة على ظلام الليل، تُعرف أيضا بكثافة الضباب  والصقيع، حيث يصبح شعاع الشمس مرغوب فيه بقوة بما له من مزايا على النفسية التي تنتشي وتتفتح كزهرة بكل انشراح. هذا في نظري المتعسف، ما جعل المفكرين يستلهمون تلك الثنائية الظلام / النور للتعبير عن فكرهم الذي تحرر من طغاة الكنيسة المتحالفين مع النبلاء، والذين يشكلون الكآبة في كل تجلياتها، بالنسبة لعامة الناس، حسب منطق التنويريين. وباختيارهم هذه الصورة التي تُغلب العقل/ النور على الجهل/ الظلام، حببوا تلك الثورة الفكرية للإنسان الأوروبي الذي لم يعد يستحمل الظلمات مع حلمه الدائم بالنور. هكذا، في نظري لعب التأثير النفسي دورا مهما في تقبل تلك الثورة الكوبرنيكية، إن صح التعبير. فتقبل الإنسان هناك قوة العقل، اي النور، فأصبح ينعم بالاكتشافات العلمية والتقنية وحقق سعادة نسبية دنيوية بما توصل إليه إلى حدود الساعة.

ماذا عنا نحن؟ بطبيعة الحال، حدث تفاعل نتيجة التعامل مع هذه الأفكار الغربية، التي فاجأتنا في وقت كنا فيه في سبات عميق، سواء عن طريق الحرب أو عن طريق السلم. فأصبحنا نتداول أيضا هذه الثنائية بشكل آلي، ونحاول ربطها بثقافتنا. فهناك من اقتنع بفكرة "مسح الطاولة" (tabula rasa) أي التخلص من إرثنا الثقافي واعتماد ما توصل إليه الغرب بصفته انتاجا إنسانيا ، وهناك من تحدث عن "أزمة العقل العربي" وحاول تلقيحه بما توصل إليه الفكر الغربي. وهناك من رفض الفكر الغربي جملة وتفصيلا، وراح يبحث عن "الصحوة" بالغوص في تراثنا، متناسيا لغرض في نفس السياسة أن التنوير الذي شع بأروبا أصله مفكرين من ثقافتنا وتراثنا مع الأسف منهم من تم حرقه ومن تم تقطيع أوصاله ومن تم طرده وحرق كتبه ومن تم صلبه ومن تم اختراقه بالخازوق وووو... . ومن خلال تطورات الأحداث يبدو أن فكر "الصحوة"، هو الذي يؤطر مجتمعاتنا منذ ما سمي بالنهضة. الصحوة، التي تعني الرشد واليقظة، يقابلها الإهمال والنسيان. كلمات إذن تعبر عن ما اعتبره "الصحويون" بدءا بالافغاني ومحمد عبده ومرورا بجماعة الاخوان المسلمين إلى الفكر الوهابي، عن حالة خمول للفكر العربي الإسلامي ما أدى إلى الابتعاد عن التدين نتيجة للغفوة التي عاشتها الشعوب العربية الإسلامية ثم نتيجة للتصادم الثقافي مع الغرب. تصادم له ما يبرره ويقوي أيديولوجية الصحويين بما أن التنوير الأوروبي ببلدان الضباب والصقيع أدى إلى استعمار بلدان الشمس والحرارة. وأمام هذا التناقض، بطبيعة الحال سوف يؤدي هذين المصطلحين :تنوير/ظلامية إلى تقزز نظرا للنفاق الذي يتجلى في تصرفات من اسسوا لهذين المفهومين. خاصة وأن الغرب لم يعتبر الكنيسة ظلامية حينما تكلفت هي بالدعاية "التنويرية" من خلال تبنيها خطاب "تحضير الشعوب المتخلفة" خدمة للحركة "التنويرية" المستعمِرة لاستغلال خيرات بلدان "المتخلفين" خدمة لتطور علمهم وصناعتهم. أضف إلى ذلك أن علاقة الشعوب التي توجد تحت الخط الاستوائي بالطبيعة، علاقة مختلفة عن تلك التي نجدها عند شعوب ما فوق الخط الاستوائي. فلا تغريهم الأنوار لأنهم يعيشون طول الوقت تحت حرارة الشمس و نورها الساطع. وربما ما يستهويهم أكثر هي الرطوبة ونسيم الليل. لهذا حتى من ناحية التعابير اللغوية، فنحن نقول مثلا :"هذا يثلج صدري..." وهم يقولون :"هذا يدفئ قلبي.." (ça me réchauffe le cœur) وإذا حدث أن قالوا :"هذا يثلج قلبي = ça me glace le cœur، فمعناه مختلف تماما، لأنه تعبير عن الخوف. لهذا أعتقد، ولو تعسفا، أن ثنائية التنوير /الظلام، لا تستقيم مع فكرنا. فنفسيا، وبما أن الشمس بنورها من نصيبنا على طول السنة، وبما أنها تؤدي إلى التعب والتراخي أكثر، نتوق ربما إلى شيء من الرطوبة والبرودة، ما نجدهما بالليل. لهذا لم يجد هذان المصطلحان تجاوبا نفسيا لدينا. فحياتنا كلها حرارة وانفعال، سرعان ما يخبو انفعالنا تحت مسكن الظلال، تماما كما نفعل حينما ننفعل تحت الحرارة وطنين الذباب ما يجعلنا ربما نقلب الطاولة ونكسر ما في الأرجاء، وبعدها نصبو أكثر إلى الهدوء الروحي، عوض صخب الحياة. ما يجعلنا نتساءل هل حققت صحوتنا تقدما نضاهي به من آمنوا بالتنوير، أم أدت إلى غيبوبة تامة امام حركية تاريخية متسارعة يتحكم فيها من تشبثوا بشعاع من نور به اخترقوا ضباب الجهل؟ هل مازالت طريق الصحويين تزرع آمالا لشعوب ضاقت بها الدنيا ام ترانا وصلنا إلى نهاية الطريق فاصطدمنا بقوة مع حضارة غربية لا ترحم المستضعفين، بل أصبحت تؤجج فكرهم المثالي وتزرع بينهم من يؤثر فيهم بقوة ويسرع بالتحاقهم بالحوريات؟

***

محمد العرجوني

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5875 المصادف: 2022-10-06 01:39:09


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5992 المصادف: الثلاثاء 31 - 01 - 2023م