قضايا
سو كاري جانسن: سوزان لانجر ومدي قوة الاستعارة

بقلم: سو كاري جانسن
ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم
***
كانت سوزان ك. لانجر تدرك القوة التي لا غنى عنها للاستعارات، تلك التي تتيح لنا قول أشياء جديدة بكلمات قديمة.
"الاستعارة هي قانون النمو لكل دلالة لغوية. إنها ليست تطورًا، بل مبدأ."
– من كتاب "الفلسفة من منظور جديد" (1941) لسوزان ك. لانجر
" الكلمات زواحف مراوغة لا تُروَّض؛ لا يمكن الإمساك بمعانيها على الورق بالحبر."
– من العقل: مقالة في الإحساس الإنساني، المجلد الثالث (1982) لسوزان ك. لانجر
الاستعارات عملاء مزدوجون؛ تقول شيئًا وتقصد شيئا آخر. غايتها ضمن النظام الرمزي ليست الخداع، بل التوسيع – أي توسيع الرصيد المشترك من المعاني. حين نستخدم استعارة، نُزحزح الكلمات عن معانيها الحرفية. تصبح كلماتنا ذات أياد، ممتدة بالمجاز. ونستطيع بها أن نقول أشياء جديدة.
كان هذا من بين أهم الطروحات التي قدمتها سوزان ك. لانجر (1895–1985)، وهي فيلسوفة أمريكية أُهملت طويلاً لكنها تشهد الآن نوعًا من البعث. بدأت لانجر مسيرتها الفلسفية في مرحلة كان فيها المنهج التحليلي لا يزال في طور التشكُّل. وكانت النساء الفلاسفة نادرات، أما النساء المتخصصات في المنطق فكنّ أشبه بالشذوذ. غير أن طرحها في كتابها الأكثر مبيعًا الفلسفة من منظور جديد (1941) – القائل بأن الموسيقى والفنون الأخرى تنطوي على رؤى منطقية تعجز اللغة والعلم والرياضيات عن التعبير عنها – أدى إلى تهميشها داخل وسط فلسفي بات آنذاك معاديًا للنساء. وقد شرح أحد تلامذتها، آرثر دانتو، سبب نادر ذكره لها لاحقًا: فقد التقط خلال دراسته العليا أن اسمها كان يُعد "سامًّا" لمسار الفيلسوف المهني.
وحين كثر الاهتمام بالاستعارة في أواخر القرن العشرين، أُغفلت إسهامات لانجر. ففي كتاب الاستعارات التي نحيا بها (1980)، العمل الأشهر لجورج لاكوف ومارك جونسون، لا يُذكر اسمها مطلقًا. وكذلك في كتابهما الضخم الفلسفة في الجسد (1999) الذي يقع في 600 صفحة. كما نادرًا ما تُذكر في دراسات جادة أخرى عن الاستعارة. فطروحاتها دُفنت في الأرفف، محجوبة عن طلاب هذا المجال.
لكنها تستحق أن يُعاد إخراجها من الظل، وأن تحظى بجمهور جديد، لما قدمته من شرح ناصع لقوة الاستعارة الخلّاقة.
بالنسبة لسوزان لانجر، ليست الاستعارات مجرد حرارة عاطفية في مداد الشاعر. إنها القوة الديناميكية التي تحرّك التواصل اليومي، سواء كان عاديًا أو فنيًا. وبطريقتها الخاصة، فإن الاستعارة مهمة لي ولك بقدر ما كانت مهمة لشكسبير ووردزورث. بعض الأمثلة، من السامي إلى العادي: في عام 1942، استدعى الوجودي ألبير كامو محنة سيزيف الأسطورية كاستعارة لتصوير عبثية الحياة الحديثة. و يفعل الفيلم الأمريكى الكوميدى الرومانسي "يوم شاق في الحياة" (Groundhog Day، 1993) شيئًا مشابهًا. كما أن امتداد الاستعارة المجازي يفسّر لماذا لا نزال نقيس وحدات طاقة الزوارق الآلية وأدوات الحدائق والسيارات بـ"قوة الحصان" حتى في القرن الحادي والعشرين.وكما شرح رالف والدو إمرسون في مقالته "الشاعر" (1844): «اللغة شعر متحجر.» فعندما تدخل الاستعارات إلى حيّز الاستخدام العام، تفقد أجنحتها. تُنسى أصولها شيئًا فشيئًا: فنحن اليوم نركز على قوة آلاتنا، بالكاد نلاحظ أن الخيول لا تزال هناك.
المعنى الحرفي هو رمز للمعنى المجازي، "ذلك الشيء الذي لا اسم له".
يرجع أصل كلمة "استعارة" (metaphor) إلى اليونانية، ومعناها "النقل"، أما السابقة "ميتا" (meta) فتعني "ما بعد" أو "ما وراء"، كما في كلمتي "تحول الشكل" (metamorphosis) أو "ما وراء الطبيعة" (metaphysics). بالنسبة لسوزان لانجر، فإن الاستعارة هي "المفتاح" لفهم تطور الإنسان ونشوء الحضارة: الدين، والعلم، والأدب، والموسيقى، والفن. لم تكن لانجر أول من ادّعى أن الاستعارة أكثر من مجرد صورة بلاغية؛ فقد أدرك فقهاء اللغة الألمان في القرن التاسع عشر الدور الجوهري الذي لعبته الاستعارة في تطور اللغة. واستلهم فريدريش نيتشه من شعرية إيمرسون ليصوغ نظرية في المعرفة يرى فيها أن الحقيقة هي اتفاق اجتماعي يتكوّن من استعارات بالية.
ترى لانجر أن "المبدأ" التناظري الذي تدعمه الاستعارة هو ما يتيح لنا فهم تجربتنا الخاصة، وتمثيل هذا الفهم في رموز قادرة على تجاوز حدود الزمان والمكان. كما شرحت في كتابها الفلسفة من منظورجديد (Philosophy in a New Key):
" نلعب بالكلمات، نستكشف دلالاتها، نستحضر أو نتجنب إيحاءاتها؛ نُطابق العلامات مع رموزنا ونُشيّد "العالم المفهوم"؛ نحلم باحتياجاتنا وأوهامنا ونُكوّن "العالم الداخلي" من الرموز غير المطبقة. ونؤثر في بعضنا بعضًا، ونبني هيكلًا اجتماعيًا، عالمًا من الصواب والخطأ، من المطالب والعقوبات."
ومن ثم فإن الاستعارة، في نظر لانجر، هي قانون نمو اللغة. فعندما لا نجد كلمة للتعبير عن فكرة جديدة، نلجأ إلى القياس – إلى لغة مألوفة تدل على شيء مشابه – ونُسقِطها على الفكرة الجديدة. قد نطلق الكلمة كما هي، أو نُعدّلها بإضافة بادئة أو لاحقة، مثلاً. ويفهم السامعون أن الكلمة لا تُستخدم هنا على نحو حرفي، بل تُؤدّي دورًا تمثيليًا لفكرة أو شيء لا اسم له بعد. فالمعنى الحرفي يصير رمزًا للمعنى المجازي، لذاك "الشيء الذي لا اسم له". وإذا ما استُخدمت هذه الاستعارة كثيرًا، فإن الكلمة تميل إلى التحول نحو المعنى الحرفي، كما هو الحال مع كلمة "قوة حصانية" (horsepower) التي فقدت دلالتها المجازية لدى معظمنا. ومع تلاشي طابعها الاستعاري، تُضاف الكلمة إلى رصيد اللغة الدلالي – فتصبح متاحة لتُستخدم لاحقًا في التعبير عن فكرة جديدة أخرى.
توضح لانجر هذا المسار التطوّري من خلال استعارة شعرية: جدول «يضحك في ضوء الشمس». تُثير هذه العبارة فكرة الضحك لتُلمّح إلى عفوية مجرى الجدول وعدم انتظامه. إنها استعارة حيّة، على النقيض من الجملة: «الجدول يجري بسرعة». فكلمة «يجري» هنا كانت في الأصل استعارة، لكنها منذ زمن طويل استقرّت على معنى حرفي، يُقارب «تدفّق ضحل متموّج». وكما تُلاحظ لانجر، حين نسمع عبارة «شائعة تجري في المدينة»، فإننا لا نفكّر لا في حركة الأرجل ولا في التموجات. لقد غدت الكلمة تدل على «اجتياح» أو «مرور سريع»، واكتسبت بذلك طابعًا عامًا مرنًا. فكلمة «يجري» أصبحت استعارة خاملة، ضمن آلاف غيرها. وتخلص لانجر إلى القول: "إن لغتنا الحرفية ليست سوى مستودعٍ للاستعارات الخاملة".
في غياب اسم للتعبير عن أفكار جديدة، نبحث عن بديل، كلمة أو عبارة ذات دلالة مشتركة.
بهذه الطريقة، تتشكّل اللغة وتترسخ تدريجيًا، كلمةً بعد أخرى، عبر تراكم مجازي بطيء ومستمر. وقد رأت سوزان لانجر أن المحرّك التشبيهي – (أو ينبوع) الاستعارة– كان فاعلًا منذ لحظة البداية، بل منذ ما قبل اللحظة التي ظهر فيها ما يمكن تسميته بالبداية التاريخية للغة. صحيح أن هذا تصور تأمّلي، لكنها سندته بمرجعيات من الأدبيات المبكرة في الأنثروبولوجيا التطورية. كانت لانغر تحثّ قارئها على تخيّل حالة من الفوران الرمزي، «فيض مترف من الرموز»، صنعها الإنسان الأول وهو يحاول التعامل مع سيل الإحساسات الخام التي اجتاحته. وكما هو الحال معنا اليوم، لم تكن عملية الإدراك الحسي لديهم تلقّيًا سلبيًا، بل كانت فعلَ فرزٍ وتمييزٍ وسط دوامة من الفوضى المتفجّرة والمربكة.لقد كان الإنسان العاقل يسعى منذ البدء إلى تنظيم هذا الطوفان الحسي عبر التعرف على الأشكال – الأنماط الأولية والبُنى المتكررة – داخل التيار المتدفق للمثيرات. وهكذا، كان الإدراك لديهم يعني التصوّر: أن يرى المرء شيئًا (التدفّق الحسي) من خلال شيء آخر (الشكل الإدراكي الذي أعطاه العقل والثقافات البدائية). بكلمات أخرى، كان أسلافنا يمارسون فعل التجريد منذ اللحظة الأولى.
قد تكون كلمة "التجريد" هي الأكثر اهتماما في فكر لانجر، وكذلك المفهوم الذي تمثله. وهي تقصد بالتجريد عملية تمييز عنصر مشترك بين أكثر من شيء. والإدراك بهذا المعنى يكون تلقائياً وطبيعياً، كما كان حتى لأسلافنا الذين لم يكن لديهم لغة – وقد يكون أيضاً ضمن القدرات المعرفية في مرحلة الطفولة المبكرة ما قبل النطق. من خلال التعرف على أشكال أو أنماط في زحام الانطباعات التي تملأ العقل، استطاع أسلافنا تمييز عناصر مشتركة – مجهولة الأسماء آنذاك، لكنها حُفظت في صور ذهنية. وما إن تنفصل هذه الصور عن التجربة الحسية الأصلية، أي تصبح مجردة، حتى يصبح بإمكانها أن ترمز لأشياء وحالات أخرى. فجوانب من العالم المادي مثل النار، التي تُسجل في الصور الذهنية، يمكن أن تدل بدورها – أو تعبر عن – مفاهيم مثل الشغف والنشاط. وتذكرنا لانجر بأن الحلم يحمل هذه السمة: فهو "خيال مجازي جامح" مليء برموز "متدفقة" وغالباً ما تكون صورية.
الفكرة هي أن الاستعارة، بوصفها "رؤية تجريدية"، سبقت اللغة. فكل تجربة جديدة أو فكرة مبتكرة تُستوعب من خلال الاستعارة — أي بمقارنتها بشيء آخر. وما إن تترسخ اللغة — باعتبارها مخزونًا من المعاني المشتركة — حتى يبدأ انتشارها ونموها مدفوعًا بالاستعارة (وكانت لانجر قد قدمت نظرياتها حول هذا أيضًا). فبدون كلمة تعبر عن الأفكار الجديدة، نلجأ إلى بديل — كلمة أو عبارة تحمل دلالة مشتركة. وتكتسب الكلمة نفسها، بفضل هذا الامتداد، صبغة أكثر عمومية في هذه العملية — أي تصبح أكثر تجريدًا وأوسع استخدامًا. وبهذه الطريقة، وفقًا للانجر، "نواصل دائمًا تكوين رصيد متراكم من المفاهيم القديمة المجردة، مما يثري كنزًا متزايدًا من الكلمات العامة."
وهكذا، فإن القدرة على رؤية شيء في شيء آخر هي ما يُمكِّن اللغة من مواكبة التجربة الإنسانية والفكر البشري. فـ"الطبيعة الحقيقية" للاستعارة، كما كتبت لانجر، تكمن في أنها تجعلنا "ندرك الأشياء إدراكًا مجردًا"، وهذا بدوره يُعدّ "أعظم إنجازاتنا الذهنية". فكلما فاضت معاني الشعور عن ضفاف التعبير المشترك، جاءت الاستعارة للإنقاذ: نقول شيئًا، ونقصد غيره، ونتوقع أن يُفهَم المعنى المقصود.
من نتائج ما أسمته لانجر "التمدد الاستعاري" أن كل كلمة في لغة حية تحمل أثرًا من كل معنى اكتسبته (مثل نغمة توافقية) وكل ارتباط اكتسبته (مثل هالة). فحتى مع تثبيت الأعراف الاجتماعية للاستخدام العام للكلمة مع مرور الزمن، تبقى المعاني القديمة كامنة، مما قد يجعل بعض الكلمات أكثر قدرةً على التعبير عن هذه البصيرة أو تلك "التي تعجز الكلمات عن وصفها"
واحدة من أهم من إسهامات لانجر الفكرية أنها ساعدتنا على إدراك أن اللغة — لكي تظل نابضة بالحياة، ومواكبة للتجربة — تحتاج إلى كلمات تكون بمثابة "نمور مراوغة لا تُروَّض"، عملاء مزدوجين. فالكلمات تعني أكثر مما نستطيع قوله، وهذا ما يتيح لنا أن نولد المعاني الجديدة من رحم الكلمات القديمة. كما تذكّرنا لانجر بأن الاستعارة هي ما يجعل من "الحياة البشرية مغامرة في الفهم"
(تمت)
***
...................
الكاتبة: سو كاري جانسن/ Sue Curry Jansen: أستاذة فخرية للإعلام والاتصال في كلية مولينبيرج في ألينتاون، بنسلفانيا. من مؤلفاتها: "والتر ليبمان" (2012) و"الاتصالات الخفية" (2016).