قضايا
بولص آدم: تأميم ملحمة جلجامش!
قد تبدو كلمة "التأميم" غريبة في سياق الحديث عن ملحمة أدبية عمرها آلاف السنين. فالمصطلح ارتبط في الوعي السياسي بنقل ملكية المؤسسات أو الثروات إلى الدولة. غير أن المقصود هنا معنى رمزي وثقافي مختلف؛ أي تحويل إرث إنساني مشترك إلى ملكية معنوية خاصة، وإدخاله ضمن سردية قومية أو هوياتية محددة. ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن "تأميم ملحمة جلجامش"، حين تصبح الملحمة موضوعاً للتنافس بين جماعات مختلفة تسعى إلى احتكار رمزيتها أو ضمها إلى تاريخها الخاص، رغم أن عالمها أقدم بكثير من الهويات القومية التي نعرفها اليوم.
منذ أن خرجت ألواح ملحمة جلجامش من تحت أنقاض المدن الرافدينية القديمة وعادت إلى الضوء في العصر الحديث، لم تعد مجرد نص أدبي ينتمي إلى الماضي السحيق، وأصبحت أيضاً موضوعاً لصراعات التأويل والهوية. فالنص الذي كُتب قبل آلاف السنين، في عالم يختلف جذرياً عن عالمنا، وجد نفسه داخل معارك فكرية وقومية لم يكن يعرفها مؤلفوه ولا أبطاله.
تكمن المفارقة في أن الملحمة التي تتناول الإنسان في مواجهته للموت والزمن تحولت إلى مادة تُستخدم لإثبات انتماءات قومية. فأصبحت شخصياتها وأحداثها وأماكنها موضوعاً للتنافس بين سرديات متعددة، يسعى كل منها إلى العثور في النص على ما يمنحه عمقاً تاريخياً أو شرعية رمزية.
إن القومية الحديثة تبحث دائماً عن جذور بعيدة. وكلما كان الماضي أقدم وأكثر مجداً ازدادت قيمته في بناء الوعي الجماعي. ولهذا كثيراً ما تُقرأ الحضارات القديمة بوصفها بدايات مفترضة لشعوب معاصرة، وتُستدعى إلى معارك الحاضر وتوتراته.
هنا تبدأ عملية الإسقاط التاريخي. فبدلاً من دراسة الماضي ضمن شروطه الخاصة، يجري إعادة تشكيله وفق احتياجات الحاضر. وتتحول الأسئلة من محاولة فهم الشخصيات في سياقها التاريخي إلى البحث عن هوياتها القومية المفترضة. وهكذا يصبح النص الأدبي ساحة للتنافس الرمزي، وتتحول الفرضيات مع مرور الوقت إلى ما يشبه الحقائق داخل الخطاب الثقافي للجماعات التي تتبناها.
والمشكلة لا تكمن في طرح الفرضيات أو اقتراح قراءات جديدة للنصوص القديمة، فذلك جزء طبيعي من أي جهد معرفي. المشكلة تظهر عندما تُقدَّم الفرضية بوصفها نتيجة نهائية. فثمة فرق واضح بين الدراسة التي تسعى إلى إقناع القارئ بقوة الدليل، والقراءة التأويلية التي تدعوه إلى تبني منظور معين. وعندما يختلط المجالان، تتحول الاحتمالات إلى يقينيات، وتصبح الرغبات الهوياتية أقرب إلى حقائق مفترضة.
ومن المفيد التمييز هنا بين القراءات الشعبية والبحث الأكاديمي المتخصص. فثمة محاولات شائعة لربط شخصيات الأدب الرافديني أو أسماء الشعوب والأماكن القديمة بلغات أو هويات معاصرة اعتماداً على التشابه الصوتي بين الكلمات أو على تقاطعات جغرافية وثقافية عامة. غير أن مثل هذه المقاربات لا تحظى عادة بقبول واسع في الدراسات التاريخية واللغوية المتخصصة، لأن التشابه اللفظي وحده لا يكفي لإثبات القرابة التاريخية أو الاستمرارية القومية.
أما الاتجاه الأكاديمي السائد فيتعامل مع شخصيات جلجامش وأنكيدو ضمن سياقها الحضاري الرافديني، وينظر إليهما بوصفهما جزءاً من البيئة السومرية والأكادية التي نشأت فيها الملحمة. ولهذا يتعامل المؤرخون وعلماء اللغات القديمة بحذر مع الادعاءات التي تنسب شخصيات أو شعوباً من عصور موغلة في القدم إلى قوميات معاصرة. فالقوميات الحديثة تشكلت في ظروف سياسية وثقافية متأخرة نسبياً، في حين أن عالم جلجامش يسبق ذلك بآلاف السنين.
وتزداد حساسية هذه المسألة في الشرق الأدنى القديم بسبب تعاقب الحضارات وتداخل الشعوب واللغات عبر فترات زمنية طويلة. فالتاريخ في هذه المنطقة لم يكن خطاً مستقيماً يمتد من شعب قديم إلى أمة حديثة، وإنما شبكة معقدة من التفاعلات والهجرات والتحولات الثقافية. ولهذا تبدو محاولات إلباس شخصيات الملحمة هويات قومية معاصرة أقرب إلى إعادة قراءة الماضي بمنطق الحاضر.
وحين تحاول جماعة ما أن تقدم نفسها بوصفها الوريث الوحيد لحضارة قديمة أو منطقة تاريخية بعينها، فإن ذلك يقود في كثير من الأحيان إلى تقليص حضور الجماعات الأخرى أو تهميش دورها في السردية التاريخية. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الأساسية في القراءات الهوياتية للماضي، إذ يصبح التاريخ مجالاً للاحتكار الرمزي بدلاً من أن يكون مجالاً للفهم المشترك.
وفي حالة ملحمة جلجامش تحديداً، فإن البيئة الحضارية التي خرجت منها الملحمة هي بيئة بلاد الرافدين القديمة، وهي بيئة أسهمت في تشكيلها حضارات وشعوب متعددة، من السومريين والأكديين إلى البابليين والآشوريين وغيرهم. ولذلك فإن تحويل الملحمة إلى ملكية رمزية لقومية معاصرة واحدة يثير سؤالاً مشروعاً: ماذا عن الجماعات الأخرى التي ترتبط هي أيضاً بهذه الجغرافيا وبهذا التراث التاريخي؟
ومن منظور تاريخي، يبدو أكثر دقة النظر إلى تراث بلاد الرافدين بوصفه إرثاً حضارياً مشتركاً تتقاطع معه هويات معاصرة متعددة بدرجات متفاوتة، لا بوصفه ملكية حصرية يمكن إلحاقها بجماعة واحدة أو سردية واحدة. فالحضارات الكبرى التي أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني تتجاوز بطبيعتها الحدود والهويات التي نشأت بعد آلاف السنين من أفولها.
كما أن السرديات القومية تميل بطبيعتها إلى البحث عن أبطال مؤسسين. وعندما يصعب العثور على شخصيات تاريخية تؤدي هذا الدور، يجري أحياناً استدعاء شخصيات أسطورية لتصبح رموزاً لهوية معاصرة. وعند هذه النقطة تتحول الأسطورة إلى وثيقة إثبات، ويتراجع الاهتمام بقيمتها الأدبية والإنسانية.
غير أن ملحمة جلجامش نفسها تقاوم هذا الاختزال. فهي لا تقدم شخصياتها بوصفها ممثلين لأمم أو قوميات، وإنما بوصفها نماذج إنسانية كبرى. جلجامش يجسد مواجهة الإنسان للسلطة والفقد والموت، وأنكيدو يجسد العلاقة المعقدة بين الطبيعة والحضارة. ومن خلال صداقتهما ورحلتهما المشتركة تتولد الأسئلة التي منحت الملحمة خلودها.
إن القيمة الحقيقية لجلجامش تكمن في عالميته. فبقاء الملحمة عبر آلاف السنين لم يكن نتيجة انتمائها إلى هوية معينة، وإنما بسبب قدرتها على التعبير عن خبرات إنسانية مشتركة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا والانتماء. وعندما تُختزل هذه الشخصيات في هوية واحدة، تضيق مساحة المعنى التي جعلتها حية في وجدان البشر.
لهذا ربما يكون السؤال الأهم: لماذا نبحث باستمرار عن هوياتنا المعاصرة داخل نصوص كُتبت في عصور سحيقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن هواجس الحاضر ورغبته في العثور على جذور ثابتة وسط عالم متغير. أما جلجامش، الذي عبر آلاف السنين ووصل إلينا من عالم بعيد، فما يزال يذكرنا بأن ما يجمع البشر في النهاية أكبر بكثير مما يفرقهم.
***
بولص آدم







