أقلام فكرية
ياسر البتانوني: الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل
تعد الآلام الإنسانية من أكثر الظواهر التصاقا بالوجود البشري، ومن أكثر القضايا التي استدعت تأملات الفلاسفة والحكماء والمتصوفة ورجال الدين على السواء؛ ذلك أن الإنسان لا يعيش حياته في دائرة النعيم الخالص، كما لا يقضيها في دائرة الشقاء المطلق، وإنما يتحرك وجوده بين أضداد متقابلة يتعانق فيها الفرح والحزن، والعطاء والحرمان، والقوة والضعف، والأمل والانكسار. ومن ثم لم يكن الألم عرضا طارئا على الحياة الإنسانية، بل كان جزءا من بنيتها العميقة، وعنصرا أساسيا في تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله.
وإذا كان الإنسان بطبعه ينفر من الألم ويبحث عن السعادة والراحة، فإن التأمل العميق يكشف أن الآلام ليست دائما شرا محضا، كما أنها ليست عبئا عديم المعنى ألقي على كاهل الإنسان عبثا؛ بل إنها تحمل في طياتها حِكَمًا دقيقة ووظائف وجودية وأخلاقية وروحية تتجاوز حدود المعاناة المباشرة إلى آفاق أرحب من الفهم والنضج والارتقاء.
إن ماهية الألم لا تتمثل في مجرد الإحساس بالوجع الجسدي أو المعاناة النفسية، وإنما تكمن في كونه تجربة وجودية شاملة تهز أعماق الإنسان وتعيد صياغة نظرته إلى نفسه وإلى الحياة. فالإنسان في أوقات الرخاء قد يستغرق في أوهام القوة والاكتفاء والسيطرة، غير أن لحظة الألم تكشف له حقيقة ضعفه وحدوده، وتجعله أكثر إدراكا لطبيعة وجوده الإنساني القائم على الحاجة والتغير والفناء. ومن هنا فإن الألم ليس مجرد حادثة تقع للإنسان، بل هو في كثير من الأحيان لحظة كشف وجودي تعيد ترتيب أولوياته، وتدفعه إلى مراجعة مسلماته، وإعادة النظر في معنى الحياة وغاياتها.
وتتنوع الآلام التي يتعرض لها الإنسان بتنوع أبعاد شخصيته؛ فهناك الآلام الجسدية الناجمة عن المرض والشيخوخة والعجز، والآلام النفسية الناتجة عن الفقد والخذلان والوحدة والقلق، والآلام الاجتماعية التي يسببها الظلم أو الفقر أو الإقصاء، فضلا عن الآلام الفكرية والروحية التي تنشأ من الحيرة والبحث عن المعنى والشعور بالاغتراب الوجودي. وهذه الأنواع جميعها، على اختلاف صورها، تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الألم يمثل اختبارا عميقا لإنسانية الإنسان، وميدانا تتجلى فيه حقيقة وعيه ونضجه وقدرته على فهم ذاته والعالم.
ومن الخطأ الجسيم النظر إلى الآلام من زاوية الحس المباشر وحده؛ لأن ما يبدو شرا في لحظة معينة قد ينطوي على خير خفي لا يتكشف إلا مع مرور الزمن. فالحكمة الإلهية لا تقاس بمقدار ما يراه الإنسان من لذة أو ألم، وإنما بما تحققه الأحداث من مقاصد أعمق تتجاوز الإدراك الجزئي المحدود. ولهذا فإن كثيرا من التحولات الكبرى في حياة الإنسان تبدأ من لحظة انكسار أو محنة أو تجربة قاسية، إذ كثيرا ما يكون الألم أداة لإعادة تشكيل الشخصية، وتحريرها من الغفلة والسطحية والتعلق المفرط بزخارف الحياة.
إن الألم في ضوء الحكمة الإلهية ليس مجرد وسيلة للعقاب، بل هو في كثير من الأحيان وسيلة للتربية والتهذيب والتزكية. فهو يوقظ القلب من سباته، ويحرر النفس من غرورها، ويكشف للإنسان هشاشة الأشياء التي كان يظنها ثابتة ودائمة. ولعل من أعظم وظائف الألم أنه يعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى، فيدرك أنه ليس سيد الوجود المطلق، وإنما عبد محدود القدرة والعلم، محتاج إلى عون خالقه ورحمته في كل لحظة من لحظات حياته.
ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء الوجودي؛ فالألم ليس قيمة في ذاته، وليس مطلوبا لذاته، وإنما تكمن قيمته فيما يفتحه أمام الإنسان من إمكانات للنمو الداخلي والتجاوز الروحي. فالإنسان الحصيف الفطن لا يقف عند حدود السؤال: لماذا أتألم؟ بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا يمكن أن أتعلم من هذا الألم؟ وكيف يمكن لهذه التجربة أن تجعلني أكثر حكمة ونضجا وإنسانية؟
إن الارتقاء الوجودي الذي تصنعه الآلام يتمثل في انتقال الإنسان من سطح الحياة إلى أعماقها، ومن الانشغال بالمظاهر إلى إدراك الجواهر، ومن الثقة المطلقة بالنفس إلى الوعي بحدودها، ومن التعلق بالأسباب إلى شهود المسبب سبحانه وتعالى. ولهذا كثيرا ما تكون المعاناة بداية ميلاد جديد للإنسان، إذ تفتح له أبوابا من الفهم لم يكن ليدركها في أوقات الرخاء والاطمئنان.
ولعل من أبرز آثار الألم أنه يوقظ في النفس ملكة البصيرة؛ فالمعارف التي تمنحها الكتب قد توسع مدارك الإنسان، أما الآلام التي يخوضها بصدق فإنها توسع أعماقه. ولذلك كان الحكماء يرون أن المعاناة الواعية لا تنتج المعرفة فحسب، بل تنتج الحكمة، والفارق بينهما كبير؛ فالمعرفة تتعلق بإدراك الأشياء، أما الحكمة فتتعلق بفهم معانيها ومقاصدها ووضعها في مواضعها الصحيحة.
كما أن الآلام تربي في الإنسان فضائل لا تنمو عادة في بيئة الراحة المطلقة؛ كالصبر، والرضا، والتواضع، والرحمة، والتعاطف مع الآخرين. فالإنسان الذي ذاق مرارة الفقد أقدر على مواساة المكلومين، والذي عرف معنى المرض أصدق شعورا بمعاناة المرضى، والذي اكتوى بنار الحاجة أكثر فهما لآلام المحتاجين. وهكذا يتحول الألم من تجربة فردية إلى مصدر للإثراء الأخلاقي والإنساني.
غير أن الفرق بين الألم الذي يرتقي بصاحبه والألم الذي يحطمه لا يكمن في طبيعة المعاناة ذاتها، بل في الكيفية التي يتعامل بها الإنسان معها. فهناك من يستسلم للألم فيغدو أسيرا للمرارة والسخط واليأس، وهناك من يحوله إلى فرصة للمراجعة والبناء والتجاوز. ومن هنا فإن الحكمة لا تتمثل في الهروب من الألم، لأن ذلك خارج عن قدرة الإنسان، وإنما تتمثل في حسن استثماره وتوظيفه في بناء الذات وصقل الروح.
خلاصة القول: إن الآلام الإنسانية ليست عائقا أمام اكتمال الإنسان بقدر ما هي أحد أهم الوسائل المؤدية إليه. فهي في ضوء الحكمة الإلهية ليست مجرد محن عابرة، بل أدوات لصناعة الإنسان العارف بربه، الواعي بنفسه، المدرك لحقيقة وجوده. وإذا أحسن الإنسان فهم آلامه والتعامل معها بعقل متأمل وقلب مؤمن، تحولت من عبء يثقله إلى جسر يعبر به نحو مستويات أرقى من النضج الروحي والوعي الوجودي، فتصبح المعاناة نفسها طريقا من طرق الارتقاء والكمال الإنساني الممكن.
***
بقلم: أ. د. ياسر البتانوني
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية







