قراءة في كتاب
حاتم حميد محسن: مقالات في الاقتصاد.. قراءة في كتاب جديد
صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الاقتصاد (1) احتوى على 38 مقالا اقتصاديا تتركز حول مختلف جوانب الاقتصاد. هذه المقالات، سبق وان نُشرت في السنوات السابقة الى جانب عدد كبير من المقالات الاخرى في مواقع وصحف ورقية والكترونية من بينها صحيفة المثقف الغراء، وقد اختيرت لغرض اطلاع القارئ الكريم على جوانب مختلفة في حقل الاقتصاد بحيث تعطي للقارئ صورة مكتملة بدلا من التركيز على جانب واحد للموضوع.
هل الاقتصاد علم؟
اعتُبر الاقتصاد كعلم اجتماعي يركز على العلاقة بين الفرد والمجتمع. لكن بعض النقاد يجادلون ان الاقتصاد لا يرقى الى تعريف العلم وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرضيات قابلة للإختبار، وعدم توفر إجماع بين الاقتصاديين. الاقتصاديون لا يستطيعون القيام بتجارب يمكن التحكم بها بالمختبر كما في الكيمياء مثلا.
العلاقة بين الاقتصاد والسياسة
اذا كان علم الاقتصاد يهتم بدراسة الاقتصاد ومحاولة التأثير فيه، فان السياسة تسعى نظريا وعمليا للتأثير على الناس عبر ممارسة السلطة من خلال الحكومة والانتخابات او الأحزاب السياسية. نظريا، يُعتبر الاقتصاد غير سياسي، الاقتصادي المثالي يجب ان يرفض أي انحياز سياسي او محاباة لكي يعطي معلومات محايدة وتوصيات غير منحازة حول كيفية تحسين الأداء الاقتصادي للبلد. السياسيون المنتخبون يقومون لاحقا بتقييم هذه المعلومات الاقتصادية واتخاذ القرارات على ضوئها. اما في مجال التطبيق فهناك علاقة قوية بين الاقتصاد والسياسة لأن الأداء الاقتصادي هو الميدان الرئيسي للمعركة السياسية. العديد من القضايا الاقتصادية هي بطبيعتها سياسية لأنها ذاتها تتأطر بمختلف الآراء السياسية.
ان العديد من القضايا الاقتصادية يُنظر اليها من زاوية المعتقدات السياسية، فمثلا، بعض الناس يميلون للشك بتدخلات الحكومة . لذلك هم يفضلون السياسات الاقتصادية التي تسعى للتخفيف من تدخلات الحكومة في مجال الاقتصاد مثل اللامركزية والخصخصة وخفض الضرائب. ومن جهة أخرى قد يفضل الاقتصاديون تعزيز اكبر قدر ممكن من المساواة في المجتمع ولديهم رغبة اكبر في تشجيع التدخل الحكومي لتحقيق هذا الهدف. سنعثر دائما على دليل يدعم فوائد خفض الضرائب. وكذلك نجد دليلا يدعم فوائد الضرائب العالية، بينما نجد بعض الاقتصاديين محايدين وليس لديهم ميول سياسية.
أوجه التداخل بين الفلسفة والاقتصاد
في ص 146 يشير المقال الى التداخل بين التفكير الاقتصادي والإعتبارات الفلسفية. المفكرون الاقتصاديون الأوائل منذ ارسطو وحتى آدم سمث وجون ستيوارت مل كانوا أيضا من أبرز الفلاسفة. ورغم ظهور الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في نهاية القرن التاسع عشر وسعيه في بناء الاقتصاد كعلم منفصل بعيد عن التفاعل مع الفلسفة، لكن العديد من اقتصاديي القرن العشرين الكبار كان لهم أيضا اهتمام بالمسائل الفلسفية. الاقتصاديون كنز وهايك وسين هم أمثلة لإقتصاديين متميزين لهم مساهمات في مختلف مجالات الفلسفة ويتم إبلاغ أعمالهم الاقتصادية برؤى فلسفية.
هناك العديد من المساهمات التي تمزج بين التحليلات الاقتصادية والتفكير الفلسفي في القضايا السوسيواقتصادية الحالية مثل الاحتباس الحراري واللامساواة الاقتصادية والفقر والشيخوخة وقضايا الصحة. العديد من المجلات البحثية العالمية تتخصص حاليا في نشر أعمال تقع في نقاط الالتقاء بين الاقتصاد والفلسفة.
الرؤية الثورية للاقتصاد الكنزي
اكتسب الاقتصاد الكنزي اسمه من الاقتصادي البريطاني جون مايرند كنز(1883-1946) الذي اعتُبر مؤسس الاقتصاد الكلي. يرى كنز ان عدم كفاية الطلب الكلي يقود الى فترات طويلة من البطالة العالية. مخرجات الاقتصاد من السلع والخدمات هي عبارة عن مجموع أربعة عناصر: الاستهلاك والاستثمار ومشتريات الحكومة وصافي الصادرات. أي زيادة في الطلب يجب ان تأتي من أحد هذه العناصر الأربعة. لكن أثناء الركود تبرز قوى كبيرة تضغط على الطلب فيهبط نتيجة لهبوط الانفاق. فمثلا اثناء الانحدار الاقتصادي تؤدي حالة عدم التأكد الى تآكل ثقة المستهلك، حيث تدفع المستهلكين الى تقليل انفاقهم خاصة على السلع المعمرة مثل البيوت والسيارات. هذا الانخفاض في الإنفاق يؤدي الى القليل من الانفاق الاستثماري من جانب الشركات التي بدورها تقلل الانفاق بسبب قلة الطلب على منتجاتها. هذا سيضع مهمة زيادة المخرجات بالدرجة الأولى على أكتاف الحكومة. تدخّل الدولة ضروري لتخفيف التقلبات الاقتصادية والتي تُعرف بالدورة الاقتصادية.
المعارضون لتدخّل الدولة
اما المعارضون لتدخل الدولة في الاقتصاد والمؤمنون بحرية السوق Laissez faire فهم يعتقدون أساسا ان ترك الأسواق الحرة للعرض والطلب الطبيعيين هي الطريقة الأكثر فاعلية في خلق الثروة والازدهار. وهذا يعود للاسباب التالية:
1- فاعلية السوق وآلية الأسعار : الاقتصاديان فردريك هايك وملتن فريدمن يجادلان ان الأسعار تنقل إشارات ومعلومات حيوية عن العرض والطلب والندرة. تدخّل الحكومة مثل (وضع سقف سعري او حد ادنى للأسعار) يشوّه هذه الإشارات واحيانا يخلق نقصا او فائضا اصطناعيين.
2- نقص الحوافز: في القطاع العام، يؤدي نقص حافز الربح الى اللافاعلية وزيادة الموظفين وهدر بيروقراطي. المشاريع المملوكة للدولة تفتقر الى الانضباط التنافسي الضروري لخفض التكاليف وللابتكار مقارنة بالقطاع الخاص.
3- المأزق الأخلاقي والإعانات: مدفوعات الحكومة والإعانات ستحمي الشركات الفاشلة وغير الكفوءة. هذا يخلق مأزقا أخلاقيا حيث تتبنّى الشركات والمؤسسات مخاطر كبيرة ومفرطة لأنها تتوقع حماية الدولة لها من الإفلاس.
أوهام التوازن الاقتصادي
الاقتصادي ايرفينغ فيتشر الذي اخترع نظرية التوازن Equilibrium theory خلق اطارا حديثا في الاقتصاد، ففي عام 1907 نشر فيتشر اقتصاد التوازن، وهو الفكرة بان الأسواق بطبيعتها تتحرك نحو توازن مستقر. في 15 أكتوبر عام 1929 صرح فيتشر ان الأسهم تبقى دائما ذات قيمة عالية. نظريته أخبرته ان السوق عقلاني. وبعد أيام من ذلك التصريح حدثت كارثة الثلاثاء الأسود في أسواق الأسهم الامريكية فخسر كل شيء. ذلك الدمار أجبره على مواجهة الخطأ، في عام 1933 نشر نظرية جديدة ترفض التوازن كليا. كتب فيتشر: "من السخف افتراض التوازن الاقتصادي كما هو الحال في افتراض ان المحيط الأطلسي يخلو من الأمواج". لكن الاقتصاديين الكلاسيك الجدد استمروا في عام 2025 يدرّسون نظرية فيتشر المهملة. هم أخطأوا فهم الكساد الكبير ثم اعادوا بناء نفس الاطار واخطأوا فهم أزمة عام 2008، وحتى الان لازالوا ينصحون الطلاب بتجاهل الانتقادات ضد التوازن.
ما المقصود بفكرة التوازن؟
يصف الاقتصاديون حالة التوازن بالموقف الذي يتساوى فيه الطلب مع العرض. الطلب بشكل عام يتناقص عندما ترتفع الأسعار، بينما يميل المزيد من المجهزين للدخول الى السوق عندما يرتفع السعر. التوازن السعري يُفترض ان يكون عند السعر الذي يتطابق فيه العرض تماما مع الطلب. الناس يستعملون أفكار التوازن لإشتقاق معادلات تسعى لوصف الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد. ان المشكلة هي ان فكرة التوازن ليست اكثر من تجريد نظري خالص ولن يحدث ابدا في الاقتصادات الواقعية. الاقتصاد الواقعي يتميز بالحركة. لا وجود لأي نقطة عندها يتساوى الطلب مع العرض. الطلب يتغير من لحظة الى أخرى وكذلك العرض. هناك أعداد لا متناهية من الأفعال الاقتصادية تحدث في كل لحظة لأن المستهلكين يغيرون مواقفهم حول سلعة معينة في السوق، والمنتجون أيضا يقررون ان رغبوا بطرح المزيد من السلع في السوق. لا توجد أية نقطة يتوقف عندها الاقتصاد ويسمح لإختبار نفسه. دراسة الاقتصاد في لحظة ساكنة تشبه محاولة دراسة جسم الانسان بلا حركة. الجسم يتحرك باستمرار، يأخذ الهواء ويدفعه نحو الخارج. الدم يتدفق في الاوردة والشرايين ويغذي الخلايا العصبية. دراسة الجسم وهو ساكن تسيء فهم جوهر الموضوع وهي حركته. عندما يكون الجسم مستقرا هو لايزال يمارس الحركة لأن المعلومات تنتقل بين خلايا الدماغ. الاقتصاد يتصف بتغير مستمر لأنه يستجيب لمدخلات من عدد لا يحصى من الافراد. الناس لا يستجيبون لتوازن اقتصادي مجرد، هم يستجيبون للتغيرات التي تحدث فعلا أمامهم في الاقتصاد الواقعي، وان سلوكهم لا يمكن تجريده ودراسته كما لو كان استجابة لظروف ثابتة.
حقيقة اليد "اللامنظورة" لآدم سمث
من الأسرار التي جرى التكتم عليها في الاقتصاد هي ان لا وجود لليد اللامنظورة. بعد اكثر من قرن في محاولة اثبات العكس، حقق المنظرون الاقتصاديون في المسألة واستنتجوا في السبعينات من القرن الماضي ان لا سبب للاعتقاد بان الأسواق تقودها يد لا مرئية الى حالة مثلى من التوازن او أي توازن كان. بالطبع، التاريخ المضطرب والديناميكي للرأسمالية يكذّب وجود أي يد لامرئية. الازمة المالية لعام 2008 وأزمة الديون اللتان هددتا اوربا هما فقط دليل آخر على ذلك.
آدم سمث اقترح فكرة اليد اللامرئية في كتابه (تحقيق في طبيعة وأسباب ثروة الأمم،1776). هو ذكر ذلك فقط مرة واحدة في الكتاب، بينما هو لاحظ مرارا مواقف لا تعمل فيها "الحرية الطبيعية". في نقده لفكرة اليد اللامرئية يذكر جوزيف ستجلز الحائز على جائزة نوبل "ان اليد اللامنظورة لا منظورة لأنها غير موجودة" ويضيف ان ادم سمث اعتبر الشركات في سعيها للربح كأنها تُقاد بيد لا مرئية لتحقيق الأفضل للعالم. ولكن سمث كان مدركا لعوائق ونواقص الأسواق الحرة، حيث ان البحوث اثبتت ان الأسواق الحرة لا تقود الى الأفضل. يقول ستجلز ان لا وجود هناك لليد اللامرئية. متى ما حصلت هناك مؤثرات خارجية (حين لا يتحمل صاحب الشركة جميع تكاليف الإنتاج كما في حالة التلوث التي يتركها صاحب المصنع خلفه) فان الأسواق لن تعمل بنجاح وهنا تكون الحكومة مسؤولة عن تمويل البحوث العلمية الهامة وتلعب دورا في إنجاح عمل المصارف وإجراءات السلامة، فلابد من فرض العقود وحقوق الملكية لكي تعمل الأسواق بفاعلية.
ختاما: لابد من الإشارة الى انه لا يمكن في مقال صغير الإحاطة بجميع محتويات الكتاب، فلاتزال هناك مقالات تتعلق بالمنافسة وتأثيرها على الاخلاق، ولماذا يحتاج الاقتصاديون لدراسة التاريخ الاقتصادي، وكيف يقود الاقتصاد الإعلام الواسع، الفرق بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، والتبريرات الماركسية لإعتبار العمل مصدر القيمة، والمنطلقات الماركسية في نقد الاقتصاد السياسي، والاتجاه الديالكتيكي في المدرسة الاقتصادية النمساوية، وكذلك عن فشل سياسات البنك الدولي وموضوعات أخرى.
***
حاتم حميد محسن
.......................
الهوامش
(1) كتاب مقالات في الاقتصاد للكاتب حاتم حميد محسن صدر عام 2026 في مدينة السماوة/العراق عن دار أديان للطباعة والنشر والتوزيع في 254 صفحة. في السابق صدرت للكاتب تأليفا وترجمة ستة كتب أخرى في دمشق بين عامي 2008 و2010 في قضايا الاقتصاد، والاقتصاد والتنمية، وتناقضات العولمة، وأصل الأزمات المالية وكتب أخرى. سنعرض لاحقا قراءة لكتابنا الجديد (مقالات في الفلسفة) الذي صدر عن نفس الدار أعلاه.







