قراءات نقدية
قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية في مجموعة "عمتي النخلة" القصصية
بين يدي كتاب للسيدة الأديبة سعاد الراعي عنوانه (عمتي النخلة) وهو مجموعة قصص تخصّ الأطفال سلوكهم وطموحاتهم وموقفهم، ومن خلال الطفولة وعالمها تظهر ملامح الآباء والأمهات.
العنوان هو عتبة تلك القصص، وهو عنوان مقتبس من حديث للنبي نصّه (أكرموا عمتكم النخلة) ويعتقد بروحانيته الكثير من الناس في مجتمعنا العربي والذي يقرأ العنوان يستشف منه الخير والبركة والرزق، والذي يسمع بكلمة طفل يستشف منها البراءة والنقاء. هذا من حيث العموم لكننا إذ نتعمق في التفاصيل نجد أنّ هناك استثناءات في عالم الأطفال، مثلما هي الاستثناءات في عالم الأمومة.
لم تغفل الكاتبة أن ترسم في بعض قصصها ملامح السلب عند الطفولة كما لم تغفل أن تتعمق في شخصية الطفل فتبحث عن النقاء فيه لذلك يمكن القول، بكل ثقة، إن الطفولة في تلك المجموعة تنضوي كالآتي:
أولا: طفولة سلبية مشاكسة مؤذية، طبيعتها تؤذي الحيوان
ثانيا طفولة مستباحة مضطهدة من عوامل خارجية
ثالثا: الطفولة المتزنة
النمط الأوّل تكون فيه الصفات السلبية كأي مخلوق تطغى إذا وجدت منفذا، لانّ الإنسان يتكون من مجموعة من النقائض حرارة وبرودة ورطوبة ويبس وغيرها من المتناقضات كما يقول الإمام علي في إحدى خطبه، الطفل بحكم تلك المتناقضات والإنفلات منها يحاول أن يثبت نفسه ورجولته، أو يلفت النظر إليه لأنّه لا يحبّ الإهمال، وهو مجبول على الحركة بحكم نموه السريع، كلّ ذلك روته لنا المؤلفة في قصتها الأولى عن الطفل (عادل) الذي يحاول أن يثبت هوايته بمشاكسة لافتة للنظر وهو طفل طبيعي يجمع المتناقضات يذكرنا بطفولتنا حين كنا نلعب في بساتين نهر جاسم في بستاننا رمان أو عنب مع ذلك نذهب إلى بستان الجيران لنقطف منه عنبا ورمانا حتى إذا علم أهلنا بالأمر عاقبونا. لم نفعل بدافع السرقة بل المغامرة ففي ذلك الوقت لم يكن هناك شبكة عنكبوتية تعلم الغش والفساد والجريمة ولم نكن في سن تسمح لنا بالذهاب إلى السينما لنتعلم بعض الشرّ لكنها مشاكسات طفولة جبلنا عليها من هذه المشاكسات رغبة البطل أن يصيب بقرة الجيران بسهمه، فيطلق عليها السهم، ويحاول أن ينتزعه من رجلها فيركض وراءها غير أنها تدخل بيت الجيران الذين اشتكوا إلى الأب وهنا تتدخل الجدة بحكمتها إذ أن الجميع يخضعون لها ورأيها، وتدخل الجدة يمثل نقطة الخلاص في أية ملحمة جادة. من الطبيعي إنّ العمل سلبي لكن فيه بعض الإيجاب لو كان بطل القصة يروم الإيذاء وحده لوجه السهم إلى بطنها أو مكان آخر غير أنّه يريد أن يثبت أنّه قادر على الإيذاء فقط.
مهما يكن فطفولة عادل يمكن أن تعد ضمن السلوك الاعتباطي، أو الحركة المفرطة لكنها ترتدع وتخاف وتتأثر، وسبب تصرفها السلبي في بعض الحالات هو إثبات الوجود.
ونجد أيضا النمط الآخر لسلوك مشاكس غير أنّه يمثل مشاكسة طبيعية يمتاز بها كلّ طفل مثل الطفل الذي يتسلق النخلة العالية، ويعدّها صديقة على الرغم من أنها ليست في بستانهم بل في بستان آخر، ويثق بها أكثر من ثقته بالناس الآخرين.
على أيّة حال أن نحصر سلوك الأطفال الذكور في هذه القصص بطرازين:
الطراز الأوّل الذي يسميه المختصون في علم النّفس: السلوك الفوضوي - Challenge behaviour وقد مثَّله الطفل عادل وصاغت سلوكه الكاتبة باقتدار.
النمط الثاني: الحركة المفرطة - Hyper active
مع أشارة مهمة إلى أنّ هذين النمطين من السلوك ربما ما كان لهما أن يتحققا لو كانت هناك في بلداننا نواد وفعاليات، وتجمعات يتبناها المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني إضافة إلى جهود الدولة ومبادراتها.
ولا تغفل الكاتبة النموذج السلبي العالمي الذي يمكن ان يؤول بالايجاب. لقد خلد الادب الانكليزي روبن هود ذلك الشخص الذي كان يسرق من الاغنياء ليطعم الفقراء وهناك في بريطانيا قلعة باسمه هي قلعة روبن هود الشهيرة يمكن ان نقارن بينه وبين الفتى طلال الذي كان يخاطر ليجعل اصدقاءه يشاهدون الشريط السينمائي كل يوم يقفز من السياج ليدخل السينما ويخرج ليعطي بطاقة السماح لصديق من اصدقائه ووجه المقارنة يكون حسب الاتي:
روبن هود شاب طلال صبي
روبن يسرق المال ويوزعه على الفقراء. طلال يسرق الجمال. الفن. ليوزعه على الاخرين فالجوع الفني أهمم من الطعام حسب قول المسيح الشهير ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.
ان تمرد روبن هود عام ضد طبقة معينة هي الاغنياء اما سلوك طلال فلا يعد تمردا بقدر ما هو البحث عن الشيء الراقي المذهل وتقديمه لأصدقائه الذين في سنه فعنصر الزمن محدود في هذه المسالة لم نجد طلالا يغامر من اجل الكبار ولا الصغار بل من ان يجعل الذين في عمره يستمتعون بالجمال
النمط الثاني هو الدال على الطفولة المضطهدة والاضطهاد يتخذ طريقين:الطريق الأول اضطهاد خارجي يقف أمامه الطفل عاجزا كما في قصة (هبة) الطفلة تعيش أجواء الحرب في غزة، كانت الأم تربطها لكي تضمن وجودها معها في الخيمة. تغتنم فرصة نوم أمها العميق فتفك رباطها وتذهب إلى بيتهم الذي دمره القصف وقتل خلاله تحت الأنقاض أخوها الصغير وأبوها. إنها تبحث في انقاض بيتهم عن لعبة تقدمها هدية لأخيها.
الطريق الثاني: الاضطهاد الداخليّ وهو ما يصبّه المجتمع والأسرة من قسوة على الطفولة وهنا ترسم الكاتبة شخصية الطفلة أيضا لتؤثر في القارئ أكثر(سحر) أخت لخمسة أخوة يعيشون في غرفة واحدة. الأم لا تقسو على الأبناء بل على سحر وحدها كونها الكبرى فهي التي تقوم بتنظيف الأرض، وغسل الصحون، وترتيب البيت، وكل شيء. أمها لم تسألها إن كانت ترغب في لعبة ما. والحقّ إنّ الكاتبة وفقت في اختيار الأم السلبية، فليست الأمومة في كلّ الحالات تعني الإيجاب. هناك أمهات فرطن بأبنائهن والأدب العالمي منذ القدم يشير إلى ذلك.
ثالثا: الطفولة المتَّزِنَة
وهي الطفولة التي تعرف قدراتها وتكتشفها بحكم التربية والتعليم من قبل الأسرة والثقافة، وقد أهدت الكاتبة هذه القصة الى ابنها (مسار)، والقصة قصته بالفعل أو جزء من سيرته، مثل هؤلاء الأطفال نجدهم هادئين يؤمنون بالحوار منذ الصغر يستفيدون من كل معلومة وينتبهون لكلّ شئ.. لديهم الموهبة والذاكرة القوية، وهم لا يلعبون مع الأطفال ولايؤمنون بالتصرف العشوائي أو المؤذي، وإن أرادوا اللعب فإنَّهم يلعبون بنظام كأن يذهبوا إلى النوادي، مثلما فلعل بطل قصة (لظى في خاصرة الطفولة)حين أراد أن يمارس هوايته اتخذ من ساحل البحر مكانا له. مثل مسار الذي خلق مكانا يمارس قيه هوايته، ومثله رأيت اثنين في محلتنا، أحدهما درَّسته في الصف الخامس العلمي وأعجبت بنبوغه، وكلاهما أصبح طبيبا. أحدهما يتيم ربته أمنه، والآخر والده معلم. وهي طفولة مثالية نمتها الموهبة وتربية الأسرة.
الطفولة الأخرى التي أفردت لها الكاتبة قصتين هي الطفولة المغتربة التي تتبادل الحقيقة بين قضيتي المهجر والاغتراب وفي الحقيقة إن مثل هذه الطفولة نشأت في الغرب
القصة (شكرا لأنك لم تكوني سيئة) نجد فيها طفلة أجنبية تبحث في المحيط الخارجي عن الهدوء والأمان الذي فقدته بسبب الشجار الدائم بين أبويها. كأن هذه الطفلة تعيش يومها في حالة حرب وما لجؤها القصير الى الاعتزال الا استراحة محارب الى ان تلتقي أمها
اما القصة الاخرى (على حافة الأبوة) فعن مغترب مهندس اسمه (أسام) تزوج من اجنبية وعندما كبرت. الطفلة ووجدت الّا إحساس في البيت حاولت الانتحار هناك جانب مهجري في القصة هو الأب الذي يعيد حساباته من جديد، أما الصبية فتعاني من هاجس الاغتراب، إذن المهجر يعنى الأب وهو جانب والاغتراب يشمل الصبية التي عاشت طفولتها ببرود وهذا جانب آخر وهو سر جمال القصة.
والحق ان الكاتبة في معظم قصص الكتاب تحدثت عن طفولة جسدت وعينا نحن عندما كنا صغارا في زمن مختلف تماما عما هو عليه الآن ماعدا طفلة غزة وطفلتي الاغتراب اللتين تعيشان طفولتهما الآن زمن الذكاء الصناعي والميديا التي حلت بديلا عن النخل والبستان والنهر.
إذن الكاتبة سجلت لنا في هذه القصص الطفولة من خلال العناوين التالية:
الحركة المفرطة
السلوك الفوضوي
التحدي
إثبات الوجود
أما الطفلة فتمثلت تحت العناوين:
اضطهاد الأسرة
المجتمع
الحرب
الاغتراب
وهي عناوين ومصطلحات تخص علم النفس.
أحيي الكاتبة السيدة سعاد الراعي وامل ان التقيها في ابداع ادبي جديد.
***
د. قصي الشيخ العسكر







