قراءة في كتاب

4135 قضايا التعليم في العراقصدر حديثاً كتاب د. محمد الربيعي " قضايا التعليم في العراق" عن مؤسسة لندن للطباعة والنشر، غطى ثلاثة محاور أساسية الصعوبات والتحديات والحلول، موزعة على ثلاثين فصلاً، مقالات منشورة في الصحف والمجلات العراقية مسبوكة بطريقة نقدية تحليلية مؤثرة مخصصة لتشخيص الإشكاليات والعلل التي يعاني منها التعليم في العراق تحديداً، موضحاً جلّ التحديات التي تقف بوجه عجلة تطور مسار العملية التربوية والتعليمية، مقرونة بالحلول الموضوعية التي لو تم الأخذ بها من أصحاب القرار لأعطت حظاً وافراً لتقدم مسيرة التعليم بالإتجاه السليم بما يخدم بناء أجيال المستقبل.

تبرز أهمية أي بلد في العالم من خلال اهتمامه بالتعليم بكل أبعاده  لما له من أهمية فائقة في تعزيز الوعي الجمعي واستيعاب المفاهيم الوطنية التي تصب في بناء وتطور المجتمع من خلال رسم  البرامج والخطط التنموية البشرية والإقتصادية المستدامة التي تغذي كل مرافق الدولة وتسهم في خلق أجيال تمتلك مفاتيح التطور والتقدم في مجالات الحياة المستقبلية. تنطلق رؤية المؤسسات التعليمية الدولية التي تهتم بالشأن العراقي بضرورة إعطاء الأولوية للاستثمار في التعليم وتوسيع دائرة الاهتمام بالميزانية المخصصة للتعليم بهدف إصلاح التعليم والنهوض بدور المؤسسات التعليمية وتحسين أداءها المهني وتجاوز إشكالية ضعف جودة التعليم.

تتجسد فكرة د. الربيعي  بأن التعليم  يُعد الأداة الأهم في عملية البناء لأي مجتمع طموح يريد أن يشق طريقه في عالم التنمية الوطنية والبشرية والمجتمعية وفي كل مجالات التطور التقني. فالتعليم هو الأساس في تقدم الأمم وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي الذي من خلاله تسود قيم المساواة في الحقوق والواجبات. من الحقائق التي لا جدال حولها بأن الدول التي طورت نظامها التعليمي بطريقة علمية فعالة وسليمة إرتقت في المجالات السياسية والإجتماعية والثقافية والاقتصادية. وبنظرة سريعة إلى النتاج الفكري للدول المتطورة ندرك إلى أي مدى اتجه العالم نحو الإهتمام بالمستقبل واستشراف آفاق التطور في المجالات التعليمية بكل أبعادها. لقد خصص د. الربيعي فصلاً لتجربة سنغافورة وفصلاً لنظام التعليم الفنلندي مبيناً التحولات الكبيرة التي جعلتهما في أعلى المراتب الدولية في مجالات التعليم كافة.

يعيش العراق في دوامة أزمات مركبة ومتشابكة ليس لها حلول آنية بسبب آفة الفساد السياسي والمالي المتفاقم في كل مفاصل الدولة، بحيث أصبح العراق يحتل قائمة البلدان المتأخرة. والإجراءات الترقيعية الفاشلة التي قامت بها الحكومات المتعاقبة لم تجد لها صدى عملي في إيجاد الحلول الجذرية، لأن الإشكالية بنيوية وعميقة تستلزم حلولاً علمية وعملية تسهم في نهوض المؤسسات التعليمية، وتتطلب مشاركة أصحاب الإختصاص من الداخل والخارج في تشخيص العلل.

أوضح د. الربيعي علل النظام التعليمي وبما أنتجه من أجيال لا تهتم بالأساليب التعليمية العصرية بل إهتمت بالتلقين والحفظ والغش وتبوءت قمة الهرم التعليمي، وبالمقابل هناك بخس لأصحاب الكفاءات والمواهب من المتعلمين. فأصبح الذكاء ليس إلا مقياس لدرجة حفظ وترديد المعارف وتسجيلها وتسميتها واستذكارها.

تشكو الأكثرية من سوء التعليم ومن فساد النظام التعليمي وضعف الإلتزام بالتربية الأخلاقية في معظم المؤسسات التعليمية. فلم تعد الحلول والإجراءات الشكلية قادرة على رسم الخطط والرؤى العلمية لرفع مستوى التعليم في العراق، لكثرة التحديات وإنعدام الثقة في المؤسسات التعليمية والثقافية بسبب الاضطراب السياسي السائد في كل جوانب الحياة. شخص د. الربيعي أحد العلل التي اسهمت في تخلفنا العلمي والتكنولوجي التي تكمن بدرجة كبيرة بمدى تخلفنا في اللغات العالمية، لأنها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات وكسب العلوم ونقل التكنولوجيا، وبها ايضاً ننقل علومنا وابتكاراتنا واكتشافاتنا وكل ما يمكن أن نساهم به لتطوير الحضارة الإنسانية إلى العالم.

يرى د. الربيعي بأن التعليم يجب أن يكون متاحاً للجميع، والتطوير الشامل جزءاً من المنهج، أي تطوير النظام التعليمي بحيث لا يُجبر الأطفال بأن يكونوا نماذج ببغائية، بل تشجيعهم على حب توسيع المشاركة وطرح الأسئلة وتناول الموضوعات التي تمس حياتهم اليومية باستخدام مختلف التقنيات الحديثة التي تسهم في زيادة فاعليتهم ومهاراتهم، وضرورة إعتماد السياسات التعليمية الرصينة بطرق ووسائل مبنية على التخطيط المبرمج وتنمية التفكير النقدي العلمي الإبداعي القادر على التحليل الموضوعي بمهنية عالية وبوضوح وعقلانية. وتبني الأساليب الاستكشافية التي تعزز المهارات وتقوي الذات العاقلة التي تركز على الفهم والتطبيق بدلاً من متاهات الشرح والتفسير والحفظ والاجترار.

وأكد د. الربيعي  من خلال زياراته المتكررة للمؤسسات التعليمية وخبرته المهنية على مسألة الإنتماء والإلتزام الأخلاقي، مشيراً إلى وجود أزمة في المعارف والقيم والأخلاق المتعلقة بالسلوك الإنساني، وبعدم قدرة المناهج التدريسية المتبعة على تنمية شخصية العراقي كفرد يفتخر بالإنتماء لمؤسسته سواء أكانت مدرسة، جامعة، دائرة حكومية، أو مصنع، وكعضو صالح  ومنتج في مجتمع ديمقراطي حر، وكمواطن ملتزم بالقوانين. فقد ذكر الردود التي وصلته من المهتمين بالشأن التعليمي في العراق التي أثارت عنده الاستغراب لبعض الممارسات اللاحضارية واللا أخلاقية واللا انسانية.

ولذلك ركز د. الربيعي على أهمية تدريس التربية الوطنية وتطوير المناهج الرصينة بما تنسجم ومتطلبات روح العصر، لأنه لا يكفي تغيير الفلسفة التربوية بدون ترجمتها إلى الواقع العملي، مؤكداً بأن التحسن النوعي للتعليم يكمن في توفير فرص التدريب باعتبارها الأساس في إصلاح التعليم وتجاوز ضعف التكوين المعرفي لأداء الجودة والإرتقاء بكفاءة الكادر التعليمي الذي يمتلك التأثير المباشر في العملية التعليمية، مع ضرورة معالجة نظام الامتحانات بالإعتماد على التقنيات النوعية الحديثة  ذات المعايير الموثوقة، مدعومة برؤية مستقبلية وطنية للتغيير الشامل تعزز تطوير البنى التحتية الحديثة التي توفر البيئة الصحية للعملية التعليمية.

لم تعد مسألة التعليم في العراق ذات طابع تقني، فهي ليست مجرد مسألة اصلاح الأدوات والبرامج والأنظمة  الإدارية، بل هي مسألة سياسية تحتاج إلى معالجات عقلانية متطورة تقف على مسببات الأزمة وتتجاوزها برؤية تسهم برفع المستوى التعليمي والإرتقاء به إلى المستويات العالمية، وبضرورة الاستفادة من تجارب الشعوب المشابهة لواقعنا التي تمكنت من توفير التعليم بما يتناغم واحتياجات القرن الحادي والعشرين بصورة أبعد من مجرد القراءة والكتابة ألا وهو القدرة على حل المشاكل والاتصال والمحادثة بما يؤهل الأجيال للتعليم الذاتي النوعي مدى الحياة على أسس سليمة قابلة للتنفيذ بحيث يمكنها تجاوز الأزمات المعرفية التي تعيق عملية التطور وتحقق مزايا التعليم والثقافة المجتمعية الواعية التي تؤهل الطالب بأن يتفهم تطورات السوق وحاجاته لمواجهة تحديات الحياة العملية.

يرى  د. الربيعي بأننا محاطون بالتطورات التكنولوجية ومنتجات العلم في كل مجالات الحياة، وأمامنا تحديات لا حدود لها تتطلب من صناع القرار القناعة بضرورة مواكبة عملية التحديث، وتوفير البيئة التفاعلية من خلال الاستعمال الواسع للتقنيات الإلكترونية والأجهزة الحديثة التي تصب في إزدهار العراق وتحقيق المساواة الاجتماعية والصحية في المجالات العلمية كافة وأن تستفيد من محتويات هذا الكتاب الذي تضمن الكثير من المقترحات العملية ليكون المرشد والدليل لإستحضار المستقبل لكي ننهض بالواقع التعليمي بكل مستوياته. وكذلك تقع على أجيال المستقبل ضرورة إبتكار الأساليب التي تساعد في كيفية التفكير والتعلم واتخاذ القرارات الصائبة التي تحفزهم على التفكير النقدي المرتبط بالمهارات العملية لفهم فن إدارة مهام الحياة وتطوير مسيرة العملية التربوية والتعليمية.

***

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

علي حسينتلقى اول صفعة على وحهه عندما كان في العاشرة من عمره. كان الأب يحاول أن يقنع ابنه الدخول الى مدرسة اللاهوت. لكن " بيير جوزيف برودون " لم يكن يفكر سوى بالبؤس الذي تعيش فيه عائلته. الاب يعمل صانعا للبراميل والام طباخة في مطعم صغير، فيما كان الصبي يعمل راعيا، وفي اوقات الفراغ يحاول تعلم اللغة اللاتينية لكن من دون الاستعانة بقاموس، فلم تكن العائلة تملك المال اللازم لشراء كتب لابنها المتفوق في الدراسة.كان ينظر الى وجه أبيه ويتساءل هل الفقر يجعل الانسان قاسيا؟. كتب في دفتر يومياته: " اني اعلم ما هو البؤس، فقد عشت فيه. وانا مدين بكل ما اعلم لليأس".

الاب الذي ادمن على الخمر، لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان دائم الحضور الى الكنيسة مع زوجته واولاده، امنيته الوحيده ان يجد ابنه " بيير" ذات يوم واقفا مكان القس يلقي موعظة الاحد، وكان بالامكان ان تصنع الحياة البائسة من هذا الصبي رجلا ساخطا على الحياة، لكن شغفه بالقراءة ومتابعة احوال الناس وذكاءه العجيب جعلت منه فيلسوفا مشاغبا، او كما سيسميه الناقد الفرنسي الشهير سانت بوف بـ" رجل الفكر والنضال والجراة "، فقد اقسم على ان يكرس حياته لتحرير " اخوته ورفاقه " وهو يكتب في احدى رسائله: " انا ثائر ولست بهدام ". وعندما صار شابا، قرر ان يثور على "البؤس". لم يكن والده معنيا بالثورة، كان يطمح ان يساعده في تحمل مسؤولية العائلة. هكذا فقد هدد ابنه بان يصفعه ان لم يترك هذه الكتب التي لعبت بعقله. وفي المدرسة لم تكن الامور احسن حالا، فقد اضطر بسبب الحاجة ان يقطع دراسته.

كانت الفترة الاولى من حياة برودون اشبه بالضربات المتتالية، ومع كل ضربة كان يشعر بحقيقة البؤس والظلم الذي تعيشه الطبقات الفقيرة: لا بد من حل. انها الثورة: " رأيت من واجبي التذكير.بان هناك احوالا تصبح فيها الثورة حتما وواجبا معا.. انا ادفع للثورة بجميع الوسائل.. بالكلام والكتابة والصحافة والعمل وضرب المثل".

ولد " بيير جوزيف برودون " في الخامس عشر من كانون الثاني عام 1809 في بيزانسون الفرنسية القريبة من الحدود السويسرية، الابن الثالثة لعائلة تتكون من خمسة ابناء، توفي اثنان منهم في سن مبكرة.

لم يتلق برودون أي تعليم عندما كان طفلاً، لكن والدته تكفلت بتعليمه القراءة في سن الثالثة. عندما بلغ الثانية عشر من عمره دخل المدرسة. كان شغوفا بالتعليم يقضي معظم وقته في مكتبة المدرسة ليستكشف العالم جيدا.عمل في احدى المطابع التي تتولى طباعة الكتب الدينية، فكان يقضي الساعات في قراءة كتب الفكر المسيحي، سيخبرنا فيما بعد أن رحلته الدينية بدأت بالبروتستانتية وانتهت بكونه مسيحيا جديدا. يتحول للعمل في الصحافة، في هذه الفترة يتعرف على المفكر الفرنسي شارل فورييه تدور بينهما حوارات حول مجموعة متنوعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية الفلسفية.. وقد تركت هذه المناقشات انطباعا قويا عند برودون وأثرت عليه طوال حياته. في هذه الفترة يتفرغ لقراءة اعمال مونتاني وروسو وفولتير وديدرو، لكن من بين هؤلاء سيغرم بمونتسكيو وكتابه " روح الشرائع " ويتمنى ذات يوم ان يكتب كتابا مثله. عام 1830 يحصل على منحة لاكمال دراسته، يصدر له اول كتبه " ابحاث حول المقولات القواعدية ". كان في التاسعة والعشرين عندما تقدم للحصول على شهادة البكلوريا. وفي خريف عام 1938 قرر ان يسافر الى باريس لاكمال دراسته الجامعية . في العام 1839 سيلفت الانظار اليه حيث اصدر كتابا " حول الاحتفال بيوم الاحد "، لكنه سيضطر لترك باريس اثر الضجة التي اثارها كتابه " ما هي الملكية؟ " وهو الكتاب الذي اثار اهتمام ماركس فخصص له صفحات في كتابه العائلة المقدسة: " ان كتاب برودون ما هي الملكية؟ هو البيان العلمي الناطق باسم البروليتاريا " – العائلة المقدسة ترجمة حنا عبود -.4126 بؤس الفلسفة

سيواصل برودون اثارة الضجيج حول اعماله. العام 1841 يصدر عددا من الكتابات اشبه برسائل كانت واحدة منها بعنوان " تحذير الى المالكين "، يقدم للمحكمة التي ستبرأه. وبسبب مواقفه ورفعه شعار " الملكية = سرقة " تم التضييق عليه ويفصل من عمله، إلا ان صداقته مع الشاعر تيوفيل غوتيه ستنقذه من وضعه المادي البائس، حيث وجد له عملا في احدى شركات النقل، مما اتاح له دخلا شهريا ثابتا..خلال السنوات الخمسة التي امضاها برودون في هذه الوظيفة نشر كتابين هما " اقامة النظام لدى البشرية " وكتاب " نظام التناقضات الاقتصادية " الذي اشتهر باسمه الثاني " فلسفة البؤس " وهو الكتاب الذي اثار حفيظة كارل ماركس فكتب ردا عنيفا عليه في كتاب بعنوان " فلسفة البؤس " نشر عام 1847.

يسعى لتأسيس مصرف تعاوني لكنه يفشل، عام 1849 يتزوج من عاملة شابة، وينشر كتاب " اعترافات ثوري " وهو مؤلف يسرد فيه الأحداث التي شهدتها فرنسا، وبعد ذلك نشر كتابا بعنوان " الفكرة العامة للثورة في القرن العشرين " قدم فيه نظرة عامة شاملة عن مفهوماته السياسية والاقتصادية.

يتيسر لتجربته أن تؤتي ثمارها، ولم يحل هذا بينه وبين الزواج في العام 1849م نفسه من عاملة شابة باريسية، ولا أن ينشر في العام نفسه «اعترافات ثوري» وهو مؤلف يسرد فيه الأحداث التي شهدتها فرنسة، واتخذ مواقف مناوئة للوحدة الإيطالية والثورة البولندية، وبعد ذلك بثلاث سنوات نشر مؤلفاً هو «الفكرة العامة للثورة في القرن العشرين» يقدم فيه نظرة عامة شاملة عن مفهوماته السياسية والاقتصادية.

 ولم يتيسر لتجربته أن تؤتي ثمارها، ولم يحل هذا بينه وبين الزواج في العام 1849م نفسه من عاملة شابة باريسية، ولا أن ينشر في العام نفسه «اعترافات ثوري» وهو مؤلف يسرد فيه الأحداث التي شهدتها فرنسة، واتخذ مواقف مناوئة للوحدة الإيطالية والثورة البولندية، وبعد ذلك بثلاث سنوات نشر مؤلفاً هو «الفكرة العامة للثورة في القرن العشرين» يقدم فيه نظرة عامة شاملة عن مفهوماته السياسية والاقتصادية.

يمارس برودون العمل السياسي من خلال صحيفة يومية اطلق عليها اسم " ممثل الشعب "، ينتخب نائبا في الجمعية الوطنية، ويعلن داخل الجمعية: " انني في صف العمال ضد راس المال " مؤكدا ان البروليتاريا هي الوحيدة القادرة على انجاز الثورة الاقتصادية.. يواجه هجمة شرسة من اعضاء الجمعية الوطنية حيث يصدر قرار بادانته، وسيتذكر ماركس في تأبينه لبرودون من: " ان موقفه في الجمعية الوطنية لا يستحق سوى كل اطراء وتقدير.. فلقد كان هذا الموقف يعبر عن شجاعة فائقة ". بعد تنصيب نابليون الثالث امبراطورا عام 1851 بدأ برودون يخوض مواجهات جديدة ضد الامبراطور، كتب عددا من المقالات هاجم فيها نابليون: " ان الامبر ما هو سوى مغامر سافل، انتخب في جو من الوهم الشعبي ليهيمن على مقدرات الجمهورية "، يصدر عليه حكم بالسجن ثلاث سنوات، يهرب الى بلجيكا.. إلا ان مغامرته بالعودة الى باريس مكنت السلطات من القبض عليه ليقضي سنوات في السجن، يخرج بعدها ليبدأ مواجهة جديدة وهذه المرة مع الكنيسة بعد ان صدر كتابه الضخم " حول العدالة في الثورة وفي الكنيسة " تمت مصادرة الكتاب ومن جديد يجد نفسه هاربا ليقضي اربع سنوات في بلجيكا يعود منها عام 1862 بعد صدور عفو عنه.. وكانت الامراض قد حاصرته ليتوفي في التاسع عشر من كانون الثاني عام 1865 ويدفي في مقبرة مونبارناس في باريس.

قيل عن برودون بانه واحد من اشد محطمي اصنام القرن التاسع عشر "، ويضعه البعض الى جانب كارل ماركس باعتباره اقتصادي ومفكر وثائر وسياسي وفيلسوف كبير، فهو يوصف بانه " جد " النقابية، والاب الشرعي للاشتراكية العلمية – قالها ماركس قبل ان يشتد الخصام بينهما –، والاب المغذي للماركسية وواحد من اهم مؤسسي علم الاجتماع. وقد جعلت منه كتاباته رجل الطليعة في الاشتراكية الاوربية.. وفي روسيا مارس تاثيرا كبيرا على دوستويفسكي وتورجنيف وفوضوية باكونين وعلى تولستوي الذي الذي كان يصفه بـ" الرجل القوي جدا ". ظل ماركس حتى عام 1846 يشيد بدور برودون في تنمية اسس الاشتراكية العلمية ونجده يكتب في الاييولوجية الالمانية: " ان اهم ما في كتاب برودون ( في خلق النظام عند البشر ) هو جدله،ومحاولته ايجاد طريقة تبدل بها الفكرة المستقلة بعملية التفكير " – الايديولوجية الالمانية ترجمة فؤاد ايوب-.

يخبرنا كارل ماركس انه التقى برودون اثناء اقامته في باريس عام 1844 وستدور بينهما حوارات حول هيغل، وفي واحدة من رسائلة الى انجلز يكتب ماركس: " امضينا مناقشات طوية كثيرا ما كانت تمتد ليلة باكملها، كنت احقنه حقنا هيغيلية كبيرة " – المراسلات ترجمة فؤاد ايوب –

كان ماركس يحمل تقديرا خاصا لبرودون الذي كان يراه افضل اشتراكي فرنسي، ويقدر موقفه من الدين، فقد كان برودون يعتبر الدين عقبة امام التقدم العلمي والاجتماعي، لكنه لم يطالب بازالته نهائيا، وايضا كان ماركس معجبا بنقد برودون للاقتصاد السياسي البرجوازي. اثناء اقامته في باريس يجد ماركس عند برودون عناصر عديدة تؤيد تصوراته، ليس فقط نقده المعمق للملكية الخاصة، بل ايضا تاكيده ان الاقتصاد السياسي يؤلف قاعدة التاريخ وضبط التطور الاجتماعي.

عام 1844 يطرد ماركس من باريس، ليستقر في بروكسل مع أسرته، لينضم إليه إنجلز. وقررا وضع خطط لإنشاء لجنة مراسلات شيوعية، و قد طلب من برودون أن يكون مراسلا له في فرنسا، غير أن هذا الأخير رفض ذلك رفضا قاطعا. كان برودون منزعجا من تأسيس مذهب فلسفي وفي واحدة من رسائله يعلن: " ليس لي مذهب وارفض رفضا صريحا التفكير في المذاهب. لن يعرف للانسانية مذهب إلا نهاية البشرية.. ان الامر الذي اهتم به هو ان اجد للانسانية طريقها او افتح لها الطريق ان استطعت " –برودون مؤبفات مختارة ترجمة عمر شخاشيرو -. ونجده يرد على احدى رسائل ماركس يلبقول: " عزيزي السيد ماركس.إني ارضى عن طيب خاطر ان اصبح طرفا من اطراف مراسللتك التي تبدو لي ذات هدف وتنظيم في غاية الفائدة.

لنبحث معا إذا سمحت عن قوانين المجتمع وعن الصيغة التي تتحقق فيها هذه القوانين وعن مدى التقدم الذي نتوصل بموجبه لاكتشافها. ولكن بالله عليك يجب ان لا نفكر بعد ان دمرنا كل العقائد القبلية بأن نخضع الشعب بدورنا الى عملية تبشير.لنتجنب الوقوع في التناقض الذي وقع فيه مواطنك مارتن لوثر الذي شرع في الحال بعد ان اسقط المذهب الكاثوليكي في تأسيس المذهب البروتستاني مستعينا بالحروم واللعنات. علينا ان لا نجعل من انفسنا ونحن على رأس الحركة رؤساء لتعصب جديد، وان لا نضع انفسنا موضع الرسل لديانة جديدة ولو كانت هذه الديانة دين المنطق ودين العقل. علينا ان نصغي لجميع الاحتجاجات وان نشجعها. لنندد بكل حرمان وبكل صوفية. علينا ان لا ننظر مطلقا إلى اية مسألة على انها منتهية. بهذا الشرط ادخل مسرورا في شركتك وإلا فلا ".

صدر كتاب كارل ماركس " بؤس الفلسفة " في صيف عام 1848. وكان قد تفرغ لكتابته طيلة شتاء عام 1846 اثناء اقامته في بروكسل وقد كتبه بالفرنسية.وفي مراسلاته مع انجلز نعرف ان الكتاب تأخر طبعه بسبب مصاعب الحصول على ناشر له. في الكتاب يحاول ماركس ان يكشف عن تناقضات برودون: " ان طبيعة برودون تدفعه الى الجدل، لكنه ان لم يفهم الجدل حقا فإنه لم يمض الى ابعد من السفسطة ". ويذهب ماركس ابعد من ذلك حين يصنف برودون بانه برجوازي صغير يريد الاشتراكية لكن بدون الثورة: " انه يريد ان يحلق – كرجل من رجال العلم – فوق البرجوازيين والبروليتاريين، وهو ليس إلا البرجوازي الصغير، الذي يتارجح بين راس المال والعمل، بين الاقتصاد السياسي والشيوعية " – بؤس الفلسفة ترجمة حنا عبود –

كان ماركس قد قرأ كتاب برودون " نظام التناقضات الاقتصادية " او فلسفة البؤس فور صدوره. وقد ادرك، ان برودون وضع كتابه انطلاقاً من المناقشات والرسائل التي كانت تدور بينهما حول الفلسفة والاقتصاد وقد رأى في كتاب برودون محاولة الي ايجاد دواء مؤقت للمعاناة الاجتماعية التي تعيشها الطبقات المسحوقة، وان هذه المحاولة جزء من مجتمع برجوازي يحاول ان يحول هذه المعاناة إلى جمعيات خيرية ومنظمات مهنية .. انها الاشتراكية البرجوازية التي تريد ان تكون بديلا عن الاشتراكية الثورية. كان ماركس يرى ان برودون مثل جميع المصلحين، المدافعين عن مصالح الطبقات الوسطى، مدفوع بالرغبة في حماية الملكية الصغيرة الخاصة. فبرودون من وجهة نظر ماركس يقف في آن واحد ضد حق الملكية المطلق الذي يعزز الراسمال الكبير وضد الشيوعية التي كان يعتبرها خطرا اكبر بالنسبة للطبقات المتوسطة ما دامت تتعرض لمبدأ الملكية الخاصة.

في كتابه " فلسفة البؤس " يوجه برودون اللوم الى الشيوعية التي تنادي بحق الملكية المطلق لانه يقود الى الاحتكار، ويدافع عن الملكية الصغيرة التي يعتبرها كفيلة بتامين استقلال الانسان العامل. ولهذا يتهمه ماركس بانه يتخذ موقع وسيط بين الراسمالية والاشتراكية.

يحاول ماركس في كتابه " يؤس الفلسفة " ان يضع تحليلاً علمياً لنمط الإنتاج الرأسمالي، وقواعد لاسس الاقتصاد السياسي الماركسي، فنجده يدرس بعمق الوضع الاقتصادي والدور التاريخي للبروليتاريا في الصراع الطبقي فيكتب: " ان الشرط لانعتاق الطبقة العاملة هو القضاء علي كل طبقة. وفي الوقت نفسه ان التطاحن بين البروليتاريا والبورجوازية هو صراع طبقة ضد طبقة، صراع يكون تعبيره الأقصي ثورة كلية. وفي نظام الأشياء حيث لا توجد طبقات وتطاحنات طبقية اخري، تكف الانتفاضات الاجتماعية عن ان تكون ثورات سياسية. وإلي أن يحين ذلك الوقت، وفي عشية كل تغير للمجتمع، تكون الكلمة الأخيرة دائماً للعلم الاجتماعي " – بؤس الفلسفة -.

ويبدو ان ماركس اراد تصفية حسابه مع برودون ونظريته الاقتصادية وجداله حول هيغل فيكتب: " إن من سوء حظ السيد برودون ان يكون مجهولاً في اوروبا. ففي فرنسا، قد يكون من حقه ان يعتبر اقتصادياً سيئاً، لأنه يمكن ان يعتبر فيلسوفاً ألمانياً. وفي ألمانيا، قد يكون من حقه ان يعتبر فيلسوفاً سيئاً، لأنه يمكن ان يعتبر اقتصادياً فرنسياً قوياً. أما نحن فإننا، بصفتنا ألماناً واقتصاديين في الوقت نفسه، نجد ان من حقنا ان نشجب هذا الخطأ المزدوج ". بالنسبة الي ماركس فإن برودون لا يرى في البؤس سوي البؤس، وقد فاته ان يرى فيه جانبه الثوري الهدام الذي سيتمكن من القضاء علي المجتمعات القديمة. اما برودون فقد كان يرى ان خطيئة ماركس الكبيرة انه يتجاهل ان واقع ان الاقتصاد ليس سوى جزء من علم الاجتماع. فهو يرى ان علم الاجتماع هو الوحيد القادرعلى الكشف عن المعنى الحقيقي لكل التناقضات الاقتصادية عن طريق وضعها ضمن اطرها الاجتماعية.. ولهذا نجده ياخذ على ماركس وجماعة الماديين عدم اهتمامهم بالثنائيات الماثلة في حياتنا: " لا سيما ثنائية الخير والشر." ويسخر ماركس من برودون الذي يجده يستهدي بنظرية هيغل من دون ان يكون قد فهمها جيدا. فهو يكتب تاريخاً للبشرية لا يقسم هذا التاريخ الى مراحل زمنية بل الى مراحل فكرية.

في رسالته الى ماركس يرفض برودون فكرة الثورة والتي: " ليست سوى اهتزاز. لا ينبغي علينا ان نطرح العمل الثوري كوسيلة للاصلاح الاجتماعي، لان تلك الوسيلة المزعومة يمكن ان تكون مجرد دعوة للجوء الى القوة والاستبداد.. يجب ان ندخل الى المجتمع، بواسطة تركيبة اقتصادية اخرى. وانني على يقين من امتلاكي وسيلة حل تلك المعظلة في المدى القصير ".. وكانت الوسيلة هي كتابه "فلسفة البؤس" الذي سيسميه ماركس بدستور البرجوازية الصغيرة: " كان برودون هذا نفسه يعتبر ثوريا متطرفا سواء من جانب رجال الاقتصاد السياسي او الاشتراكيين، وهذا هو السبب في انني لم اشارك فيما بعد اولئك الذين اطلقوا الصرخات من خيانته للثولرة فليس خطأه انه، لم يحقق الآمال التي لم يكن لها ما يبررها ".

ظل برودون طوال حياته يؤمن انه مصلح مهمته أن يهدي العالم: " كل مصلح صانع للمعجزات أو يتمنى على الاقل ان يكون كذلك.. اما انا فاستقبح المعجزات كما اكره انواع السيطرة ولا اهدف إلا الى المنطق ".

***

علي حسين – كاتب

رئرئيس تحرير صحية المدى البغدادية

 

1- تقديم:

هناك سيل من الكتب قذفت بها المطابع إلى السوق، بعضها ولد ميتاً من دون أي انتباه، وبعضها قُرئ كالطعام البائت، وبعضها الآخر عاش قليلا من الوقت ثم اختفى، وبعضها أثار المعارك وظل عالقاً في مفاصل الثقافة جيلاً بعد جيل، وبعضها لا يزال يلاحقنا حتى اليوم. وبعضها مر بسلام إلى القارئ، وبعضها أدخل صاحبها التاريخ بجدارة.

من الكتب التي دخلت التاريخ من أوسع الأبواب كتاب "فلسفة الثورة في الميزان لعباس العقاد، والذي يقول في مقدمته :" عِندَما تَلْتحِمُ الجَماهِيرُ الغاضِبةُ بِنُخْبتِها المُثقَّفةِ الرَّافِضةِ لِلوَضْعِ السِّياسيِّ القائِمِ ومُؤسَّساتِه الحاكِمة، فتَخرُجُ فِي الشَّوارِعِ تُطالِبُ بِسُقوطِ النِّظَام؛ فَإنَّها تَسلُكُ مَسَارًا ثَوْريًّا فِي الإِصْلاحِ عَلى طَريقَتِها؛ تَطلُبُ التَّغييرَ الشَّامِلَ للوُصولِ إِلى وَضْعٍ أَفْضلَ (وأَحْيانًا يَنْهارُ إِلى الأَسْوَأ)، مُتَّخذةً دُسْتُورًا ثَوْريًّا مُركَّزًا يَتلخَّصُ في شِعاراتِها ومَطالِبِها الأَساسِيَّة. وخِلالَ التَّاريخِ السِّياسيِّ للجَماعَةِ الإِنْسانيَّةِ، اختَلَفَتْ تِلكَ الشِّعَاراتُ مِن ثَوْرةٍ لِأُخْرى بحسَبَ خُصوصِيَّةِ الأَهْدافِ وَما تَراهُ الجَماهِيرُ مِن مَساوِئ، فَكانَتِ "الحُرِّيَّةُ والإِخَاءُ والمُسَاواةُ" لَدَى الفَرَنسيِّين، و"تَحقِيقُ العَدالَةِ" عِندَ حِزبِ "تركيا الفَتَاة"، و"الاشتِراكيَّةُ القَوْمِيَّةُ" فِي الصِّين. فمَاذا عَن ثَوْرةِ يُوليو المِصْريَّةِ ضِدَّ مَلَكيَّةِ فارُوق؟ مَا هِيَ عَقيدَتُها وأَهْدافُها المَرْحليَّةُ والطَّوِيلَةُ الأَجَل؟ يَعقِدُ «العَقَّادُ» فِي هَذا الكِتابِ مُقارَنةً بَينَ فَلْسَفةِ ثَوْرةِ يُوليو وأَهْدافِ الثَّوراتِ الكُبرَى عَلى ضَوْءِ قِراءَتِه المُتأنِّيَةِ لكِتابِ عبد الناصر الشَّهيرِ «فَلْسَفة الثَّوْرة»، الَّذِي عبَّرَ فِيهِ عَن نَظْرتِهِ السِّياسيَّةِ والإِقْليميَّةِ لِمِصْر.

وعندما أهدى عبد الناصر إلى عباس العقاد نسخة من كتابه “فلسفة الثورة” كتب العقاد مقالا بعنوان "فلسفة الثورة في الميزان" وجه فيه النقد إلى الكتاب وسجل رفضه لإلغاء الأحزاب وتحديد الملكية الزراعية وتأميم المصانع والشركات وهذه أهم إنجازات الثورة في ذلك الوقت، ورفض العقاد اللجوء إلى “إجراءات ثورية” مثل قوانين العزل السياسي، واعتقال المثقفين، وعزل أساتذة الجامعات، وفى عنفوان الثورة سئل العقاد في حديث صحفي عن "الزعيم" في رأيه، فقال: الزعيم عندي هو سعد زغلول كان ولا يزال كذلك وليس بعده زعيم، وهو يعلم أن كتاب "فلسفة الثورة" وصف سعد زغلول في ثورة 1919 بأنه ركب الموجة الثورية، وحين منح عبد الناصر للعقاد جائزة الدولة التقديرية في احتفال كبير ألقى فيه كلمة بليغة لم يشكر فيها عبد الناصر بل استهل كلمته بقوله: "إني لأشكر هذا الشعب العظيم على هذا التكريم"، وبذلك لم تكن العلاقة جيدة بين العقاد وعبد الناصر وثورة يوليو كما كانت العلاقة مع طه حسين الذى كان عبد الناصر يعتبره صاحب الدعوة إلى الثورة على الأوضاع القائمة وإقامة العدالة الاجتماعية وإنصاف الفقراء ونشر التعليم بينهم للارتقاء بهم، أو كما كانت علاقة عبد الناصر مع توفيق الحكيم الذى كان عبد الناصر يعتبره ملهما له بروايته الشهيرة “عودة الروح" التي ذكر فيها أن مصر في انتظار بطل يعيد إليها الكرامة والشرف ويصلح الأحوال.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة من كتاب فلسفة الثورة في الميزان لعباس محمود العقاد لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان "العقاد والثورة" لحلمي النمنم الذي يعد رائدا من رواد الدرس الإعلامي في العصر الحديث، فهو كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية.

وفي رأيي أن هناك نمطان من الكتاب،نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش.

ولا شك في أن الأستاذ "حلمي النمنم" من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل.

علاوة علي أن "حلمي النمنم" (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من الإعلاميين المصريين الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ، فهو من كبار كُتابنا الإعلاميين الذين نجحوا في خلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكارهم، ومنعرجات مسائلهم، ومساقات حلولهم بعبارات شفافة رقاقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي ؛ وهو والله بحق من كبار كُتابنا الإعلاميين الذين نذروا حياتهم للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، وهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته، وبين الإنسان والفيلسوف تتجلي المشاغبة الفلسفية لهذا الرجل المتعدد الأوجه سواء كناقد، أو سياسي، أو أكاديمي، أو أديب.. الخ؛ فهو غزير الإنتاج، موسوعي المعرفة، لديه دأب علي البحث والتنقيب، وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، وهو رجل منضبط في فكره ومفرداته، ويتمتع بروح دعابة، وخفة دم، ونظرة ساخرة للحياة والكون. وهو في كل هذا يستهدي بشرع قيمي منسق، تتدفق في عروقه حيوية الصحة والسلامة السوية، وينطلق من عقل صاف مدرب علي توليد الأفكار الناضجة الناقدة الملتهبة حماسة وفتوة.

2- التعريف بصاحب الكتاب:

في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الأستاذ حلمي النمنم، واحداً من كبار الإعلاميين المصريين المعاصرين الذين المهمومين بالوطن وبالتطورات التي يشهدها، ويبدو ذلك جليا من خلال إنتاجه الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة، مثل : أيام سليم الأول في مصر، وسيد قطب.. سيرة وتحولات، والرائدة المجهولة زينب فواز، وحسن البنا الذي لا نعرفه، والأزهر الشيخ والمشيخة الحسبة وحرية التعبير، وسيد قطب وثورة يوليو، وطه حسين والصهيونية، وليمة للإرهاب الديني، رسائل الشيخ علي يوسف وصفية السادات، والتاريخ المجهول: المفكرون العرب والصهيونية وفلسطين.. الخ.. في هذه الكتابات يبدو لنا حلمي النمنم.. القيمة والقامة، الإنسان البسيط، الوارف كالظل، الزاخر كالنهر، العميق كالبحر، الرحب كالأفق، الخصيب كالوادي، المهيأ كالعلم، رجل الفكر المتميز، وزير ثقافة مصر السابق.

وحلمي النمنم هو كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982. بعد تخرجه من الجامعة، عمل صحفياً بقسم التحقيقات، في مجلة حواء، بدار الهلال، ثم انتقل منها إلى مجلة "المصور"، حيث تدرج في المناصب، حتى وصل إلى منصب رئيس مجلس إدارة دار الهلال. شارك في تأسيس جريدة الدستور، والذى خرج الإصدار الأول منها عام 1995، كأول جريدة خاصة تصدر منذ قيام ثورة يوليو 1952، كما شارك في تأسيس جريدة "المصري اليوم". كما تولي رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، ثم تولي منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأخيراً تولي وزيراً للثقافة منذ 19 سبتمبر 2015 إلي خرج منها في 2018 وهو الآن يمارس كتاباته في المقالات والأبحاث.. متعه الله بالصحة والعافية.

وقد أسهم حلمي النمنم بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث نشرت مجلات متخصصة، كما حاضر عن الفكر العربي الحديث والمعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

كما كان الرجل كاتباً مرموقاً في عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام، والوطن، وروزا ليوسف، والوفد، والبوابة نيوز، وفيتو، والأخبار...الخ.

3- أهمية الكتاب:

إن البحث الفلسفي في نظر "حلمي النمنم" تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النفول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية "حلمي النمنم" وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد "حلمي النمنم" واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من إعلامينا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا أو ذاك.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفلسفة الحديثة، وقد اخترت كتابه الذي بين يدي وهو بعنوان "العقاد والثورة"، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات التي عني بها مؤلفها "محمد مدين" بالدفاع عن " التنوير، والليبرالية، والعقلانية".

وهنا نجد "حلمي النمنم" في معالجته لهذا الكتاب يتحرك من اتجاه فلسفي يشغل في خريطة الفلسفة المعاصرة من مكان القلب، وهذا الاتجاه هو " الاتجاه التحليلي"، وقد كان " العقاد " ومن بعده أستاذنا الدكتور " زكي نجيب محمود "، هما الرئدان له في فكره التحليلي العميق، إلا أنهما يعكسان بجانب ذلك حماسة وروح "حلمي النمنم" الشابة، تلك الروح التي تذكرنا بحماسة كل من" محمد حسين هيكل" والدكتور "زكي مبارك" وروحهما الشابة.

ولم يكن " حلمي النمنم" في كتابه الذي بين أيدنا مجرد عارض موضوعي للعقاد وموقفه من ثورة يوليو، وإنما نجد فيه عقلاً في مواجهة عقل، وقد تجلي ذلك في كثير من المواقف النقدية التي اتخذها " حلمي النمنم " من فلسفة العقاد، ومن الأفكار السائدة والشائعة في كتاب النمنم عن العقاد، أنه لم يكن من المعارضين للثورة، بل كان العقاد ممن أعجبوا بالهدف الخامس لثورة يوليو وهو إقامة جيش وطني قوي، أما الوصول إلى حياة ديمقراطية هو أسمى ما حققته الثورة من وجهة نظر العقاد؛ لأنه سادت قبل ثورة يوليو أوضاع اجتماعية واقتصادية من شأنها أن تجعل الشعارات الديمقراطية والحقوق والحريات السياسية المنصوص عليها فى الدستور مجرد واجهات تخفي وراءها واقعًا بعيدًا عن الديمقراطية ونظامها الدستوري السليم.

وكان الأثر الأكبر للثورة الذي لاقى إعجاب العقاد كما يري النمنم هو الحرص الثورة على توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية لأهل الريف؛ كما أشاد العقاد بدورها في التعليم لأهميته في بناء الوطن؛ كذلك حققـت يوليـو في نظر العقاد الكثير من المشـروعات الكبـرى والإنجازات القومية أبرزها ما لفت انتباه العقاد واشاد به هو زيادة الرقعة الزراعية عن طريق استصلاحها.

وأنا أؤيد الأستاذ حلمي النمنم فيما قاله هنا، لا سيما وأن العقاد يقول عن نفسه : لقد حاربت الطغيان، وحاربت الفوضى، لقد حاربت التقليد الأعمى والدجل المريب باسم الدين، لقد حاربت رءوس الأموال، وحاربت مذاهب الهدم والبغضاء، لقد حاربت الجمود والرجعية، وحاربت الأحزاب، وحاربت الملوك، لقد حاربت هتلر، ونابليون، وحاربت المستعمرين، لقد حاربت الصهيونية وحاربت النازية أكبر أعداء الصهيونية، وحاربني كل هؤلاء إلى جانب صاحب اللحية والعذبة باسم الدين، لقد نكب هذا البلد المسكين بداء الاستبداد القديم فصارت قيم الناس مرهونة بتقدير الحاكم، فلا مقام لأحد بغير لقب ولا حسب ولا جاه وبلغ من عبادة الأوثان أن “الصوفية” في هذا البلد منذ قرون وعاشت على المظاهر والألقاب، وبين منتسب إلى هذا الضريح ومنتسب إلى هذا الهيكل ومعهم أشتات من الرايات والفوانيس.

ومن هنا يعد كتاب (العقاد والثورة) عصارة تفكير حلمي النمنم، ولذلك لم أهدر الفرصة وحاولت أن أغتنمها لقراءة هذا الكتاب الرائع، وذلك لما فيه خير للإنسانية في الاستفادة من بعضها بعضا. فكانت هذه القراءة التي نتناولها في ثلاثة عشر محورا : المحور الأول، وقد جاء بعنوان "عبـاس العقـاد بـن ملكـين"، بينما جاء المحور الثاني بعنوان " الخـلاف مـع النحـاس يجمـع ”العقـاد والملـك“، في حين جاء المحور الثالث حاملا عنوان" كتاب العقاد الذي صودر في يوليو 52"، ثم يجيئ المحور الرابع حاملا هذا العنوان " التنازل عن العرش"، بينما المحور الخامس جاء بعنوان" الجيش أنقذ مصر". أما المحور السادس فهو بعنوان" محاولـة اغتيـال عبد الناصر"، وأما المحور السابع فهو بعنوان" تطهير الصحافة وعامل الكتابة"، في حين يأتي المحور الثامن فهو بعنوان" مطلب تجاهله الجميع "، وأما المحور التاسع فهو بعنوان" من الملكية إلى الجمهورية"، وأما المحور العاشر فهو يعنوان" فلسفة الثورة"، بينما يأتي المحور الحادي عشر بعنوان" العقاد وعبد الناصر.. إعجاب إلى امتعاض، وأما المحور الثاني عشر فجاء بعنوان" بين سعد زغلول والنحاس وعبد الناصر"، وأما المحور الثالث عشر فجاء عنوانه كالتالي" هل آثر السلامة وابتعد عن السياسة؟".

وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف من خلال عرضه لتلك المحاور في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول : نظري معرفي يقوم علي ضرورة إعادة النظر في الدور الذي يقوم به العقل في نظرية الأخلاق عند هيوم.

الدافع الثاني : عملي واقعي، حيث يعول الكاتب كما قال العقاد في كتابه فلسفة الثورة على ضرورة أن تنطلق كل ثورة من معطيات واقعها الذي تعيشه، دون محاولة للقيام بأي اقتباس أو تقليد لثورات أخرى قامت في مجتمعات وظروف مختلفة، أو استجرار قصص الماضي وأخبار العظماء التاريخية، ومُحاولة إسقاط سيرتهم كاملةً على المجتمعات المحلية والواقع الحديث، لما سيؤدي إليه ذلك من مآسٍ وكوارث بإمكاننا ملاحظةُ بعضها بوضوحٍ اليوم. كما يشدُد العقاد في كتابه أيضا حسب الكاتب على أنّ، الشعارات يجب ألا تُنتقى عشوائياً، لأنها ستتحول إلى مبادئ فيما بعد، توجه مسار الثورة وجهودها وتضحياتها.

ولأكثر من سبب فقد جعل "حلمي النمنم مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال علي الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كل فرصة للتعليق بالسلب علي أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض؛ والدليل علي ذلك ما قاله المؤلف في مقدمة كتابه :" عــلى المستوى السياسي والفكري أخـتـرت موقــف العقــاد مـن ثـورة 23 يوليـو 1952 ومـن الرئيـس جـمال عبد الناصر، الـذى حكـم بـن عامي 1954وحتـى 1970، عـاش العقـاد عـشر سـنوات مـن حكـم عبد الناصر، وحـين غادرنـا إلى العـالم الآخر، كان قـد مـضـى عـلـى ثــورة يوليــو 12 عامــاً، وهــى مــدة زمانيــة كافيــة لاتخــاذ موقــف أو مواقــف منهــا، والشــائع أن العقــاد لم يكــن محبـاً لثـورة يوليـو وكان غـير محـب لعبد النـاصر، وأن عبد النـاصر منحــه جائــزة الدولــة في عيــد العلــم، محاولــة لاستــرضائه وأن رئاســة الجمهوريــة حاولــت الكثيــر مــع العقــاد كي يلــن لعبد النــاصر لكنــه أبي ( أنظر الكتاب ص 9).

ثم يستطرد الكاتب فيقول:" كان العقــاد شــديد التقديــر والإعجاب بالزعيــم ســعد زغلـول، وعنـد الكثيريـن في مـصر أن مـن يحـب سـعد زغلـول لا بـد أن يكـره عبد الناصر والعكـس.. وأن مـن يقـدر دور ثـورة 19 في التاريخ لا بد كذلك أن يرفض ثورة يوليو وكل ما جاءت به ".. (أنظر الكتاب ص 10).

ومن هنا كانت مهمة "حلمي النمنم" في مقدمة كتابه أن يعرف القارئ بمقصوده بموقف العقاد الحقيقي من ثورة يوليو 52"، وأن يبين أن المؤرخين قد أخطأوا عندما تصوروا أن العقاد ضد عبد العناصر وضد ثورة يوليو.

والواقع أنه إذا كان صحيحاً القول بأن للفيلسوف حدثاً واحداً يتكرر كل عدة سنوات كما قال الفيلسوف الفرنسي المعاصر " هنري برجسون"؛ فإنه صحيح أيضاً القول بأن للمفكر المتميز خطاباً واحداً يتكرر دائماً عبر مستويات عديدة تعكس كلها رؤية واضحة ومتفردة، كتلك التي نجدها متضمنة في جميع أعمال "محمد مدين"، وهذه الرؤية متجسدة في أسلوبه الفلسفي ومدي ارتباطه بالحس الصحفي، ومن هنا يقع كتاب (العقاد والثورة) الذي نحن بصدده الآن ضمن الدوال الرئيسية علي معالم هذا الخطاب الذي يمثل بحق اتجاهاً معرفياً جديداً في حقل الفكر العربي الحديث والمعاصر.

خلاصة ما يريد الكاتب إيصاله للقرّاء، أن الأديب الراحل "عباس العقاد" وإن كان من المدافعين عن الرأسمالية والليبرالية، فلما جاءت ثورة يوليو 1952، لم تصدمه كما قيل بإلغاء الملكية والأحزاب، ثم تحديد الملكية الزراعية، وبعد ذلك الاشتراكية والتأميم، وليس صحيحا كما قيل عندما لمس العقاد نجاح الحركة الثورية والتفاف الشعب حولها، لم يستطع إلا مسايرتها، ولكنه لم يؤيدها تأييدًا كاملًا، ولم يؤيد عبد الناصر بقلبه، كما أنه ليس صحيحا القول بأن العقاد هادن الثورة المصرية، ولم يؤيدها، فتناست الثورة خدماته للملك فاروق ولأحزاب الأقلية، وهادنته فعينته عضوًا بالمجلس الأعلى للفنون والآداب ومقررًا للجنة الشعر، كما أنه ليس صحيحا أيضا معاتبة العقاد للقائمين على الحركة الثورية، لأنها في جوائزها التقديرية لم تحسب شيئا لغير التقديرات الجامعية، أي أنها قد تناسته، فسارعت الثورة لمنحه جائزة الدولة التقديرية للآداب عام 1960.. وهلم جرا.

وفي النهاية أقول: تحيةً مني للأستاذ حلمي النمنم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً. بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

..............................

المراجع:

1- عباس محمود العقاد، دار المعارف، القاهرة، 1964.

2-حلمي النمنم : العقاد والثورة، مؤسسة دار الهلال، القاهرة، 2022.

3-د.محمود محمد علي: حلمي النمنم والأبعاد الحقيقية لتجديد الخطاب الديني، صحيفة المثقف العدد: 4674 المصادف: 2019-06-23 01:30:21

 

4095 الحرب البيولوجيةتأليف: فرانسيس بويل (Francis A. Boyle)

ترجمة: عزام محمد مكي

***

الفصل الثاني: صنع الأسلحة البيولوجية

مراحل عملية صنع الأسلحة البيولوجية

من أجل تطوير سلاح بيولوجي، تحتاج الحكومة إلى ثلاث وحدات أساسية:

(1) عامل بيولوجي ضار.

(2) لقاح لتلقيح قواتها وسكانها المدنيين من أجل حمايتهم من "ارتداد" العامل البيولوجي الذي طوره "علماء الحياة".

(3) وسيلة توصيل فعالة وآلية لنشرالعامل البيولوجي.

وتشمل العملية ما يلي: عن طريق الهندسة الوراثية للحامض النووي، يقوم ما يدعون زعما ب "علماء الحياة" عاملًا بيولوجيًا هجوميًا جديدًا. بعد ذلك، وباستخدام نفس التقنية الحيوية للربط الجيني الدقيق، فإن هؤلاء "علماء الحياة" يطورون اللقاح. إنهم يتوجون عملهم بتحويل العامل البيولوجي الى هباء جوي ثم اختباره على الكائنات الحية لإثبات أنه يمكن توصيله إلى الهدف المقصود مع احداث الآثار الضارة المخطط لها. أخيرًا، يقوم "علماء الحياة" هؤلاء بتسليم هذه الوحدات المكونة الثلاثة لسلاحهم البيولوجي الجديد والمُختبَر إلى حكومتهم لإنتاجها وتخزينها ونشرها واستخدامها في النهاية. لاحظ أنه في هذه المرحلة، تحول "علماء الحياة" هؤلاء في عملهم من مما يمكن القول انه مجرد "بحث" مستثنى الى "تطوير" "الاسلحة البيولوجية" المحظور في انتهاك واضح للمادة الاولى من اتفاقية الاسلحة البيولوجية.

وكقاعدة عامة، فإن إحدى الاشارات الواضحة تدل بأن العقد الحكومي الخاص بالحرب البيولوجية مخصص لأغراض غير قانونية ومحظورة وهجومية هو أنه يتطلب على وجه التحديد التحويل الناجح للعامل البيولوجي الى هَبَاب جوي الذي هو موضوع العقد. هذا أمر بالغ الأهمية لنجاح سلاح الحرب البيولوجية الجديد لأن معظم عوامل الحرب البيولوجية المضادة للإنسان يتم توجيهها إلى الضحايا المقصودين عن طريق الجو.

وتحت سيطرة حكومة عديمة الضمير، يتم التمكن بسهولة من التلاعب بالهندسة الوراثية للحامض النووي وإساءة استخدامها من أجل التحايل على اتفاقية الأسلحة البيولوجية وإبطالها وإبطال مفعولها وجعلها مما عفا عليها الزمن، تحت ستار إجراء "بحث" تم استثنائه بسبب تعريفه ومن جانب واحد على انه "دفاعي".

هذا هو بالضبط ما شرع المحافظون الجدد الريغانيون في فعله. حيث شرع ريغانيوا البنتاغون في التعاقد مع باحثين في جامعات مرموقة في جميع أنحاء الولايات المتحدة من أجل إجراء مثل هذه المشاريع ذات الاستخدام المزدوج، حيث يكون "هجومي-دفاعي" في نفس الوقت، للحامض النووي لكل مرض غريب يمكن الحصول عليه من الطبيعة في ظل الاسم الاستبدادي الشمولي (الاوريللي)، اسم "برنامج أبحاث الدفاع البيولوجي (BDRP)". و يقوم المحافظون الجدد تحت ادارة بوش الابن بالشيء نفسه بالضبط اليوم تحت عنوان ما يسمى ببرنامج الدفاع الكيميائي والبيولوجي التابع للبنتاغون (CBDP)، وهو الخلف المباشر لبرنامج BDRP.

يتبع

***

......................

الفصل الخامس

 الحرب البيولوجية الأمريكية ذات الصلة بانتهاكات القانون الدولي

 

4106 يوسف نوفليتابع الدكتور يوسف نوفل في كتابه "من نافذة السرد"* بدايات الرواية العربية، وأهم سماتها . ويوظف لهذه الغاية اسلوبا جغرافيا. فيصنف الاعمال المبكرة حسب تاريخ ومكان صدورها . ثم يتوقف مع نوع بحد ذاته وهو الرواية التاريخية دون اعتبار لبلد المنشأ. وفي النهاية يجد نفسه حائرا. ويتساءل: هل الريادة تاريخية ام فنية؟..

وبالفعل يصعب الاتفاق على تحديد معنى الريادة في فن عربي طارئ وليس له أشكال تراثية متبلورة. وترتب على ذلك عدم وجود اتفاق على حدود وتوجه النوع بشكل عام. فقد تداخلت المسميات لدرجة مخيفة. وأمكن للرواية الحكاية والرسائل والمسرح أن تحمل اسما واحدا. وكل هذا التداخل يدل على مشكلة في الوعي الفني. ومن وجهة نظر شخصية أعتقد أنه علينا تبني 4 محطات أساسية.

الأولى هي "غابة الحق" لفرنسيس المراش، وهي الأسبق من الناحية التاريخية. فقد صدرت لأول مرة عام 1865، ولكنها لا تبتعد كثيرا عن الأعمال التعليمية التي تأتي بصورة إشراقات. غير أنها تميز بين الوحي والأحلام، وتقر أنها ليست وسيطا بين الصورة الكلية والروح، مثلما فعل من قبل جورج بونيان في "رحلة الحاج" الصادرة عام 1678. وسيكرر جبران وبعده نعيمة هذا الأسلوب في "النبي" و"مذكرات الأرقش". وهذا دليل آخر على المصادر الغربية للمراش في شكل الكتابة واتجاه الخطاب. وإذا خيمت على "غابة الحق" أجواء حالم ومفكر فقد اختار نعيمة وجبران أشكالا نصف حلمية ونبوئية يغلب عليها التفكير الذاتي واستنتاج المعرفة من مصادر شخصية هي الخبرة والتأمل.  وببساطة كان المراش يبحث عن المبادئ الأساسية لتحرير المعرفة من شرط الوحي والإلهام، ولإعادتها إلى مكانها الطبيعي وهو التجريب والعقل. حتى أنه يبدأ مقدمته للرواية بصورة لعلم خفاق يحمل عبارة العلم يغلب. ولا يفوته الذكاء ليشير إلى العالم الجديد (يسميه باسمه الصريح وهو أمريكا) وحروبه ضد الشرائع القديمة.

ومهما حاولت لن تسجل أي رواسب للتراث العربي. وأي مقارنة مع مذكرات ثقافية من نوع "المنقذ من الضلال" للغزالي مثلا تؤكد هذه القطيعة. فأسلوب المراش ذاتي وتجريبي بوقت واحد. بينما أسلوب الغزالي ذاتي وحجاجي.

المحطة الثانية هي "مرشد وفتنة" لنعمان عبده القساطلي، وقد صدرت عام 1881، وأرى أنها كسبت قصب السبق من ناحية المضمون. فقد كانت أقرب لجونا المحلي، وتتقاطع مع سيرة أبي الفوارس، ومع جزء هام من الذاكرة الشعبية للراوي المجهول الذي ساهم في ترقية "ألف ليلة وليلة" من مجرد تسلية باردة في جلسات المنادمة والسمر إلى حبكة عجائبية غريبة تساعد الإنسان البسيط على تحمل ومقاومة ظروف الحياة الصعبة وما يتخللها من تقشف ومجالدة ضد الطبيعة. وقد استعمرت تقتنية الأدراج والجيوب هذا العمل البسيط وتفرعت حكاية الإطار إلى كثير من قصص العشق المكبوت والحريح وإلى حكايات حافلة بالدسائس ومواجهة المخاطر والجهاد الدنيوي لأجل غايات أسمى وأرقى. وتستطيع أن توجز ما سبق بنقطتين.

هذه الرواية تعريب لروايات الفروسية الغربية مع استبدال للغابات والأنهار والجبال بالرمل والصحراء ومضارب البدو.

وهي تصعيد للأنا المفردة والنرجسية والمغرورة إلى أنا نرجسية تقتدي بمثال أعلى. وغالبا ما تحرض الغرائز والمحاكاة على تكوين عناصر هذا المثال. ولذلك كان الصراع دراميا وأصيلا ويدور بين أجزاء أساسية -مكونات أولية في البناء بتعبير لاكان، وهما اثنان: موضوع الرغبة وصورة الأب. وبتتعبير آخر يتنازع توجيه الحبكة محور شخصي يتغلب عليه الابتكار وضمان أفضل طريقة كي تشبع الذات المفردة ميولها الخاصة. ومحور شمولي يلعب دور الرقابة التي تفرض قانون الأب وتحدد المسموح به والممنوع. وأعتقد أن هذا البند هو اختصار لخلاصة التجربة الفنية والذهنية مع الماضي أو التاريخ اللاتاريخي. وهو ما أفضل تسميته بالجانب اللاهوتي من التجربة.

المحطة الثالثة هي "المملوك الشارد" لجرجي زيدان. وصدرت عام 1891، وسبقت "17 رمضان" الصادرة بعدها عام 1899 والتي يعتبرها الدكتور نوفل محطة رائدة ومبكرة في فن الرواية. وأرى أنها مثال رائد ومبكر على النضج والوعي الفني لحدود النوع. فقد قدمت جرعة متطورة تحقن الواقع بالخيال. وكان موضوعها سيرة أمين باي وفراره من مذبحة القلعة. ولا يمكن أن تعزل فيها الجانب التاريخي عن الإضافات. وكانت شخصياتها صامتة، بمعنى أنها تعيش وتتطور في داخل البنية، وتترك لنا استنتاج معناها. ويتآزر في إنتاج المعنى الحوار والوصف الخارجي. ولم تكن تخلو من المونولوجات، ولكن ليس بأسلوب تيار الشعور، ولكنها كانت أقرب للتفكير والتأمل. وهو جزء أساسي من أي مونودراما مع فارق واحد أن أبطال المونودراما يفكرون بصوت مسموع، بينما كنا نشترك مع أبطال زيدان برؤية أفكارهم. بمعنى أنه اعتمد على التشارك بالإبصار. وهو ما مهد الطريق لاحقا لما نسميه نشاط الرؤيا. وبودي أن أضيف إن روايات تاريخ الإسلام ليست أقل بأي شيء عن روايات محفوظ الفرعونية. وربما كانت أقرب للمنطق ولديالكتيك الرواية، بينما اختبأ محفوظ وراء أسماء ميتة مفصولة تماما عن حركة المجتمع المعاصر، مع لغة مبالغ فيها، وهو ما تخلى عنه لاحقا في أعماله الاجتماعية التي أعاد بها تركيب الحارة المصرية. ومهما كانت الاتهامات التي واجهها جرجي زيدان فإنها عاجزة عن انتزاع الريادة منه. وبالأخص أن مشروعه تواصل باتجاه واحد وهو قصص الفروسية التي تخللها حكايات غرام رومنسي ومأساوي. كما أنه عمد لترتيب أحداث المدونة وانتخب منها الخفايا والأسرار، وانتقى الشخصيات المعروفة. ومثل هذا الأسلوب كان أفضل طريقة لفتح الصندوق الأسود من تاريخنا المسكوت عنه، ولذلك لعب دورا تنويريا حرك العقل العربي النائم. ولا أستطيع أن أقارن هذا المشروع إلا بكتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين. وإن لم يصحح الوقائع فقد صحح المسار، وقدم خدمة لا يستهان بها لوظيفة التأويل على حساب القراءة السكونية. وبتعبير الدكتور نوفل لم يكن زيدان تبريريا ولم يحاول أن يغطي السلبيات، وتحلى بروح المسؤولية التاريخية دون أن يضحي بروح المسؤولية الفنية. وبذلك يكون مثل عميد الرواية التاريخية والتر سكوت، قد توقف عند لحظات تازيم واختتاق شهدتها الذاكرة الوطنية - بمعنى الماضي الذي يلعب دورا جوهريا في صياغة الواقع. وليس الذاكرة المنهوبة (الوسطية بلغة عبد الحميد إبراهيم). وهي ذاكرة مسلوبة الإرادة وتوفيقية ويغلب عليها الخوف من مواجهة الذات وأخطائها مع التستر وراء المشاعر والأوهام والإشاعات غير الثابتة. والحقيقة أنه لا يوجد في الفن ولا التاريخ أنصاف حلول أو حقائق وسطية. وبتعبير آخر لم يرتكب زيدان جناية ضد التاريخ الإسلامي، بل كان مخلصا لمبدأ العدالة الفنية. والرواية أصلا مولود غربي، ولا بد أن يكون أسلوبها مشحونا بالعقلية المنتجة لها. والقانون رقم واحد في أي رواية أن تبحث عن عقدة، وتترك للشخصيات مهمة تطويرها حتى تصل إلى حل، وهذا هو مبدأ كل الأعمال الخالدة ابتداء من "الحرب والسلم" 1867 لتولستوي وحتى ثلاثية "قصر الذئاب" 2009 لهيلاري مانتيل. فهي كلها تتابع جدلية دامية بين الميول الطبيعية للرخاء والميول الانتهازية التي تحض على العداء والتنازع. ولو لا فهم زيدان لعقلية مصادره لما أتقن لعبة إسقاط الفكرة على الصورة.

تبقى لدينا ثلاث نقاط بمنتهى الحساسية.

الأولى أنه خدم في الاستخبارات الإنكليزية. وهذا لا يكفي لاتهامه بالتجسس والخيانة ومحاولات تخريب سمعة المسلمين. فقد عمل سومرست موم وغراهام غرين مع المخابرات. ومع ذلك كتب كلاهما عن قلق ومآسي الشرق، مع دعوة صريحة لتحرير الإنسان الضعيف من سيطرة وتنمر الحضارة الأقوى. وكان غرين يعد خصما للإمبريالية الغربية، وهو ممنوع من دخول أمريكا.

 الثانية أنه ماسوني خدم الدعوة اليهودية المشبوهة. وكانت الماسونية موضة عند جميع المثقفين، وهي لا تختلف عن النوادي والحلقات - المنتشرة في جميع أرجاء أوروبا بدءا من نوادي الكتاب وحتى النوادي الرياضية. وإذا كانت هذه التجمعات تشكل بؤرا تجذب انتباه ويقظة السلطات فهي بنفس الوقت يمكن أن تكون هدفا أو غطاء للجواسيس. عموما طاردت تهمة التآمر كل رواد حركة الإصلاح. وهذا يساوي بين شيخ معمم مثل الأفغاني والكواكبي وبين مسيحي متأورب على شاكلة جرجي زيدان.

النقطة الثالثة والأخيرة أنه ضعيف الإحساس بالروح الوطنية، وفضل التفسير الحضاري لمحنة الأندلس على التفسير القومي. وربما المقصود هنا أنه قرأ حروب الأندلس بمنطق صدام الحضارات وليس على أساس عرقي أو ديني. وهي تهمة عانت منها جامعة الدول العربية (باعتبار أنها مؤسسة تخدم الدول وليس دين الدولة)، وكذلك جميع الحركات العسكرية والانقلابية التي استبدلت حكومات الاستقلال بجمهوريات. وبالتأكيد هي تهمة ليست في محلها وتدخل في استراتيجية الحرب الباردة. وهذا لا يعفي الانقلابيين من التورط بالفساد وعدم الكفاءة في إدارة مجتمع قانون الطوارئ. ولكن هذه حكاية مختلفة وهي أصلا امتداد لحبكة فساد العثمانيين وما ترتب عليه من مظالم وانتشار للخطيئة والحب الزائف (موضوع خصص له زيدان روايتين هما "الانقلاب العثماني" و"جهاد المحبين"). ثم إن أي كلام عن مضمون قومي ستكون له مرجعية أوروبية. فالقوميات اختراع أوروبي وأتى ليعبر عن تضخم الذات وصعود التفكير الرومنسي وانقسام الكنيسة بين أصوليبن وإصلاحيين. بينما كانت فكرة العروبة جزءا لا يتجزأ من الصراع على الدولة. في أول الأمر لتحويل الحكم من عسكري إلى مدني، ثم لتحويله من نظام إقطاعي إلى بورجوازي. وإذا كانت أول نظرية من إنتاج المثقفين العرب في بلاد الشام فالثانية كانت بتحريض من البورجوازية الغربية، ولتقليم أظافر العثمانيبن قبل خنق بقايا دولتهم القديمة واستبدالها بجمهورية أتاتورك. ومع أنها وضعت عمليا حدا لحركة الإصلاح والتحديث وأقامت على أنقاضها حركة علمانية نهضوية تبقى صوت دولة مهزومة خسرت الحرب عام 1915 (الموضوع المفضل لروايات التركي أورخان كمال Orhan Kemal ).

إن الجانب الرسالي عند المسلمين قد انتهى في حقيقة الأمر بعد حسم مشكلة التوحيد والدخول في مشكلة الفتوحات، وما رافقها من نزاع على الدولة ابتداء من فتنة عثمان. وهو موضوع قالب الرواية للتاريخية، لأنه يتكئ على نقطتين: في المركز خبايا ودسائس البلاط، وفي المحيط البطولات الخارقة والسهر على سلامة الأمة. ويربط بينهما بالتبادل حكايات الغرام العفيف والخطيئة، وما ينجم عن ذلك من صدام بين المبادئ ومعنى الأخلاق في عالم يتعرض للتبدل وللانتهاك باستمرار. ولذلك لم يكن زيدان من اختار حبكة القتل والتآمر، بل هي من اختارته.

المحطة الرابعة والأخيرة هي "زينب" لمحمد حسين هيكل الصادرة عام 1913. والحقيقة لدينا إجماع عليها، ولكن أعتقد أن الفضل يعود لاتكالنا على جهد الدكتور عبد المحسن طه بدر. فهو أول من عقد لها الريادة في كتابه التأسيسي "تطور الرواية العربية في مصر" الصادر عام 1963، وتبعه الدكتور سيد حامد النساج - غير أن الدكتور نوفل يشير عن وجه حق أن النساج عقد لواء الريادة -بمعنى التبكير والأسبقية وليس الجدارة- لحميد خضر البوقرقاصي مؤلف "حكم الهوى" الصادرة عام 1904. والحقيقة أن النساج لم يخالف الدكتور بدر بوجه عام، واتفق معه بكل ما يتعلق بعلامات النضج وبلوغ سن الرشد. وسار البقية وراءهما دون تمحيص أو مراجعة. وربما كان وراء ذلك سببان، الأول أن هيكل مصري. وكتب بأسلوب مباشر ومبسط عن رموز إسلامية هامة من بينها كتبه "حياة محمد" و"حياة أبو بكر" وبقية الخلفاء الراشدين باستثناء علي (وأرى أنها مسألة جوهرية إذا أضفنا لها انتماءه السياسي وهو حزب الأحرار الدستوريين)، وكان الشارع يميل لأسلوبه العاطفي المدعوم بالتمجيد والتجسيم. بينما لا يخفى على أحد أن زيدان مسيحي مهاجر من بلاد الشام. وأية قراءة في رواية "زينب" ستسجل مباشرة اغتراب الشخصيات عن الواقع، حتى أن الريف المصري كان يبدو إلى حد كبير صورة عن الريف الأوروبي. ولا يمكن أن تجد أية شبهة لفكر طبقي أو تحرري إذا استثنينا موقف الأخلاق الريفية من مشكلتين هما الحب وحرية النساء. والبند الثاني يتضمن عمليا تعليم البنات. وبشكل عام كان هيكل أحد رموز الجيل المتحول الذي طرأت عليه طفرة تحضير الثقافة العربية بطريقة هجينة ومعولمة (إن صحت العبارة). حتى أنه بشر بظهور شريحة التكنوقراط وتبنى نفس دعوات المراش لتطبيق ثمار العلوم الغربية (كما تقول ون جين أويان في كتابها عن نوستالجيا الرواية عند العرب). وقد اتبع أجندا إدارية وليس تربوية. وهذا أهم فرق بينه وبين رائد اجتماعي آخر كالمنفلوطي من جهة والشرقاوي من جهة معاكسة. فقد كان يدير موضع الشخصيات من شبكة أفكار خارجة عنها. ولذلك تطور أبطال روايته "زينب" بشكل صوري. بتعبير آخر كانوا مساحة حرة ومفتوحة لإسقاط ثقافته الغربية عليهم. وكانت مصر مجرد خشبة مسرح أو ديكور مستعار لشخصيات وأذهان وافدة. ولا يمكننا أن نطالب هيكل برواية "عرقية" - أدواتها غير مستعارة، لسبب بسيط وهو أننا لم نبتكر فن الرواية، واقترضناه من الآخر -الغريب - حتى أن العربي في نتاجه الروائي لا يختلف عن عطيل بشيء، وهو قشرة، أو قناع، ليمرر أدوات نكتب بها أنفسنا ونعيد تركيب خبرتتا مع الواقع والتاريخ.  ولا تخلو القصة من هذا الإشكال، فالعجيلي، أحد رواد القصة العربية، كان يحمل هذا الانقسام الهوياتي.. المضمون عروبي وبدوي وتغلفه نوستالجيا عميقة وقوية لماضينا في الأندلس ولحاضرنا في نكبة فلسطين، لكن الأدوات فرنسية. ويوجد صدع داخل المنظومة - التفكير والبنية - الشكل. وكان مخاض القصة لديه أشبه بطفل الأنبوب، التخصيب خارجي وبتدخل طرف ثالث third party.

ويمكن أن نكرر نفس الكلام عن من سبقه من الرواد، وبالأخص المصري محمد تيمور الذي بدأ بالنشر في مجلة السفور عام 1917 والسوري فؤاد الشايب مؤلف "تاريخ جرح"، وهي مجموعة قصص صدرت عام 1944. وقد حملت التجربتين بصمات القصة الروسية المشوبة بكثير من الدسائس والتأملات الموباسانية. وأعني بالدسيسة والتأمل الانطباع الكئيب والأسود والذي تغلب عليه روح الهياج النفسي. وبوجيز العبارة كان فجر القصة العربية مدينا بكل شيء لبطل تشيخوفي وضعته الأقدار أمام مرآة الطبيعة، ولعلاقات موباسانية تعاني من رهاب العجز والسقوط. ويمكن أن تلاحظ أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا جوهرا مستقلا لذواتهم وتطلعاتهم، ولكنهم وحدات ذهنية مرشحة للتجزئة والانشطار ولبلوغ نهاية تراكمية وليس تكاثرية. وهذا يضع القصة العربية على مفرق الطرق. فالتراكم يعني الجوهر الواحد الذي يستعمر ذاته، والتكاثر يعني التعددية. ولم يكن يخلو أحد من هذا الخلل الوضعي. وتوجب علينا أن ننتظر جيل الخمسينات لتحويل البنية من قالب صلب إلى إيقاع. وأجزم أن الفضل بهذا التحول النوعي يعود ليوسف إدريس في أولى أقاصيصه وهي "لعنة الجبل" المنشورة في روز اليوسف عام 1950. وهو توقيت متأخر بكل المقاييس. وقد أكدت على هذا الاتجاه لاحقا إضافات نجيب محفوظ، وبالأخص في مجموعة تعتبر معجزة في فن القصة، وهي "دنيا الله" الصادرة عام 1962.

ولكن بالنتيجة لا يوجد فرق فكري أو إيديولوجي بين هذه المحطات على اختلاف منشأها وتوقيتها. فهي لحظة مفارقة لا تصل لدرجة القطع المذهبي لمشكلتنا مع المعرفة، وتجمع كلها على مبدأ واحد وهو الرياء الإيجابي. بمعنى أنها تهادن الأصول ولكن لا تدين لها بأي شيء. وإن شئت الحقيقة لا يوجد سرد ولا خيال فني عربي. وحتى بالنسبة للسير الشعبية فهي لا تخلو من الأفكار الوثنية العجيبة ومن تصورات تضع البطل موضع الإله. ولا يمكن أن لا تنتبه للتشابه الغريب بين شخصية أبي الفوارس أو عروة وأبناء الآلهة في اليونان القديمة. بتعبير آخر مثل هذه المبالغات كانت تخدم الخيال أكثر من أساليب التعبير عنه لغايات واقعية.

ولذلك لا أجد أية علاقة بين الخيال الناطق بالعربية والوجدان العربي. والمسألة هي مسألة دوبلاج. ولو نظرنا لتاريخ انتشار ظواهر السرد ثم الدراما عند العرب ستلاحظ أنها بدأت في وقت متأخر، بعد أن خبا الشعر التاريخي.. أقصد لحظة صعود الحساسية الشعرية وانحدارها لتفكير وتصورات نثرية. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الرواية الحديثة. فهي قد بدأت بشكل حركة تعريب وتحولت إلى استعارة وإسقاط. ونحن نستعمل أدوات الرواية الغربية مثلما نستعمل الكومبيوتر والطائرة والسيارة. وبلغة أوضح هي تجميع لأدوات ثقافية من أجل غايات خطاب نوعي وذاتي. ولذلك يغلب عليها الإعراب عن فكر جزئي وغير شمولي. وأعتقد أن رواياتنا بدأت من نقطة تجميع وانتهت إلى نقطة تجزئة. وحاليا نحن في لحظة تجزيء المجزأ. وأهم الأعمال المعاصرة مبنية على التكرار -نسميه تفريع الحكايات والأفكار. إنها مجرد محاكاة تنعكس في مرايا متقابلة حسب المبدأ المعروف في تكرار الصورة لصورة مثلها. وهو أساس فكرة خطوط الإنتاج وتحول الإنسان إلى آلة بشرية ترعى الآلة غير العاقلة وتخدمها. وتحول ذلك لاحقا بضغط من حركات ما بعد الاستعمار إلى وهم بالتأصيل. لكنه وهم حقيقي يعبر عن أجندا جديدة.

والسؤال الذي يخطر لي دائما كيف نؤصل فنا ليس له جذور ملموسة في ماضينا الفني. وما علاقة فانوس علاء الدين والبساط السحري بالثورة الإسلامية أو أوثان الكعبة وشبكة العلاقات المرتبطة بها. لقد لعبت تلك الحكايات دورا أساسيا في تنويم العقل العربي وتوسيع الفجوة الحضارية، بعكس الرواية الحديثة فقد لعبت دورا تنويريا. وفتحت نافذة في جدار الرجل النائم، وبلغة أوضح فاقمت من دراما الحلال والحرام. وهو ما تحول الآن إلى دراما الممنوع والمسموح.  ولذلك لا يمكننا الحديث عن أجناس دخيلة. فالجذور من ناحية عرقية وحضارية من الدخلاء أيضا. وإلا ما معنى أن يكون اسم بطلة ألف ليلة هو شهرزاد واسم البطل هو شهريار؟.

لا أتردد لحظة بالقول إنه استعمار ناعم. وقد أدى دوره في تعميم ثقافة اتكالية وعاجزة كما فعلت السير من قبل. فهي بالمثل نشرت ثقافة خرافية تؤمن بدور الشياطين والملائكة في تبديل المصائر. إن الكلام عن حدود سائلة للنوع يخص المصادر الغربية. بينما نستطيع أن نتكلم في مجالنا عن غياب للنوع. وعن نوع جامع ناطق بالعربية يعبر عن ألم نوعي ولكن بتوجه عابر للحدود والأجناس. ويؤكد الدكتور نوفل على هذه الحقيقة حين يعترف أن جيل الستينات أرسى فن السرد وبمقاييس إنسانية تختزل المستويات التي بلغها هذا الفن في العالم. وإن كان هم الرواية الأوروبية المعاصرة يركز على علاقة الإنسان النظري ببيئته العملية - هم الرواية العربية هو حل علاقة الإنسان بالإله، وشكل الإله متعدد، ويمكن أن تقول إنه تحول إلى آلهة تبدأ من جزئيات الواقع المحلي كالأب والسلطة وتصل إلى عموميات حضارية مثل المعرفة وآلة الحرب والمؤسسات الدولية وغير ذلك.

وربما هذا هو سبب نهاية وموت رواية الحبكة الثقيلة -أعمال جيل نجيب محفوظ وحتى جبرا جبرا والدخول في حقل الرواية المضادة - ما يخلو من العقدة المركزية ويتابع تصدع ومعاناة أفراد متشابهين في أرض متكررة. وهنا يكون قانون الاختلاف داخليا. الشيء يختلف مع نفسه لتبديل حقيقته وليس مصيره أو اتجاهه فقط (في الذهن "مجمع الأسرار" لإلياس خوري و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح). والمعاناة موزعة وتشبه أسبابها مثل أي عصاب. بمعنى أن السبب هو أعراض الداء نفسه (والتعبير للاكان).

وبالنتيجة أرى أن الخيال الفني مر بلحظتين. الأولى في العصر الوسيط، والثانية في منعطف القرن العشرين. وكلتاهما لمواجهة هبوط في حالتنا الوجودية، ولسيطرة العجم -ثم البورجوازية الأوروبية على مفاصل أساسية في حياة الدولة والمجتمع. لكن أول لحظة بشرت بتعتيم وإظلام شامل، والثانية بشرت بنخبة. ودراما هذه النخبة وخياراتها سيكون هو قالب ومحتوى الرواية، ونحن نعيش في هذه اللحظة حتى الآن. وأبرز ما يميزها أمران.

خطأ في التفسير. وسببه المكابرة وعدم الاعتراف بدور الليبرالية الغربية في كبح جماح ثورتنا ثم في محاولة تدجينها لتكون ثورة ناقصة.

وخطأ في الاتجاه. وسببه الخوف من الحقيقة، والانفتاح على الأمية الثقافية. ولا يوجد أي عتب على الغرب في هذا المضمار، فهو خطأ محلي، وناجم عن إيمان المثقف بالأمر الواقع وليس باتخاذ موقف جدلي منه. وهنا أود الإشارة لفرق أساسي بين القبول والإيمان. أول حالة لا تدل على وجود تعاقد ولكن مساكنة، وثاني حالة تشترط العقد الشيطاني والمذل الذي وقعه فاوست، وبعده دوريان غراي (بطل أوسكار وايلد المعروف)، ولاحقا بطل مسرحية "قارب بلا صياد" لأليخاندرو كاسونا. وهاجم هذه التراجيديا صدقي إسماعيل بوقت مبكر في كتابه الصغير والهام "الله والفقر"، وتناول ازدواجية الثائر الذي يرهن حياته لشيطان يأتي بصورة قدر أو صدفة أو فرض.

ومنعا لأي التباس أجد أن الشعر العربي كان أوليا، بمعنى أنه جزء من التكوين ولا يمكن اختزاله لشيء قبله. في حين أن الرواية فن قبلي priori. وتستطيع أن تفككه لمكوناته، ومن ضمنها الأفكار. ولا أعتقد أن اهتمامات المقامة وألف ليلة هي نفسها اهتمامات "زينب" أو "المملوك الشارد"، فقد تغلب الخيال العلمي والنكتة السوداء (في الأصول)، بينما كانت الرواية الحديثة تراوح بين نوعين من أنواع الألم: جراح الذاكرة والواقع. ولا يوجد برأيي فن مغدور به مثل الرواية، فالشعر تفرع إلى تحت أنواع، بينما تفرع السرد إلى أنواع مستقلة ومنها القصة والمسرح. وكان من المفروض للرواية أن تعبر عن روح المدن الناشئة ولكنها سرعان ما تدهورت للتعبير عن المحن والمآسي حصرا. وأصبحت الفن التراجيدي الأول عوضا عن المسرح. وفرضت عليها التحولات الاجتماعية أن تمنح نفسها لجدل الفلاح وأرضه. وأعتقد أن هذه الخدعة عملت على تفريغ الإنسان -بطل الرواية من مضمونه. فقد صورته بصورة إنسان رمز - ومعادل موضوعي لشقاء الأرض وعناصرها - تراب وحجارة، وكأنها أرادت أن تغطي على خسارة الفلسطيني ثم العسكري لأرضه في فلسطين ودول المحيط. ولذلك جاءت كل الروايات العسكرية حافلة بالمرارة الممزوجة بعناد أسطوري قد لا يكون حقيقيا. ومن هنا جاءت علاقة الشك وانعدام الثقة بين جميع الأطراف -الفلاح والجندي والأرض. ولم تكن حالة نادرة أن تتحول هذه العناصر إلى أطراف أوديبية:الأب الفلاح والابن المقاتل والأم الأرض. وهي صيغة رمزية ليست أصيلة في الذاكرة. فالعربي كان يؤمن بفلسفة الحركة، ويدور مع الأرض مثل دوران الشمس في السماء (وهي صور شعرية كلاسيكية). ثم ورثنا عن الرومان خيالهم الأوديبي الذي أخذوه عنوة عن الإغريق. وهذا التسلسل بحد ذاته حلقات في سلسلة التحول التاريخي للحضارات: من القلق الذهني إلى اضطراب الغريزة وأخيرا إلى تشريعها. وهو نفس الخط الروحي الذي بدأ من دراما قتال الأرباب وتحول إلى عذاب الجسد لخلاص الروح وانتهى بالاستيلاء على الروح والجسد معا في ما يسمى بأطروحة دولة -الأمة.

وعلى الأغلب كسب نجيب محفوظ مكانته السامية لهذا السبب فقط. فهو بعكس بقية أبناء جيله دخل في معترك تطوير فن الرواية، ولم يتوقف عند إنتاجها فحسب. وانتقل بين المراحل التي تختصر تطور الفن كله. فقد بدأ من الذاكرة (في رواياته التاريخية) ثم تحول إلى عالم الشهود (أو مجالدة الواقع الاجتماعي والبيئي ليكون شاهدا عليه). وانتهى بمرحلة ذهنية تعيد برمجة العلاقة بين الشخص وعالمه (ولا أريد أن أقول مركزة الذات من موضوعها - منعا لأي إبهام أو غموض في المعنى). وسن في هذه المرحلة تقاليد أدب طليعي ولامعقول وعدمي يتابع الجانب البارد والمتكرر من حياتنا الواقعية، وهي حياة متصلة بالقوة بعالم مجزأ يغطي كل حالات القيد البشري: الرغبة والشيخوخة والسبات. وقد تابع هذه الظواهر بكثير من التأني في رواياته الذهنية (منها "أولاد حارتنا" و"الطريق"). وبكثير من الاختزال والترميز أو الجدل (في "أحلام فترة النقاهة" و"قلب الليل" و"التنظيم السري") وغيرها. وهذا ما ضمن له خصوصيات ميزته عن رموز مضيئة ومتفوقة من الأجيال التالية أمثال يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس. فقد اكتفى كلاهما برواية حبكة ثقيلة -تخاطب العواطف والوجدان، وغالبا ما تكون مغلفة بالوطنيات وحكايات الغرام. وإذا كان نجيب محفوظ يحتاج لقارئ صبور ومفكر، لم يكن السباعي وعبد القدوس بحاجة لهذا الشرط، فقد اختار كل منهما لرواياته ثلاثة أركان هي:اللغة المبسطة (لغة صحافية قريبة من لغة الصحافة والكلام المحكي). والوجدان الحالم (وكل ما يلمس شؤون قلب وذهن الطبقة المتوسطة الصاعدة كصغار الضباط وطلبة الجامعة والموظف البسيط والعادي). والحبكة المسلية التي يتخللها ما يساعد على الاندماج بالتأزيم والتطهير (دراما العقبات وحلها). ولذلك ابتعدا كما يقول الدكتور نوفل عن الأدب الهادف. وبهذا الخصوص يمكننا تشببه محفوظ بآدم العصابي nerve based learning والسباعي وعبد القدوس بآدم النمطي gene based system. والفرق بينهما هو في الاتجاه. الأول يتابع رحلة البحث عن المعرفة بعد ضبط إيقاع ساعته البيولوجية، وهذه منحة امتلكها عبر تطوير قدراته في الانتخاب والتطويع. والطرف الثاني يلبي نداء غريزته، ولكنه يغلفها بحزمة من المبررات على طريقة وجدان النخبة الرومنسية (كما ذكر عالم البيولوجيا الأسترالي جيريمي غريفث jeremy griffith **

لقد كان الظرف هو الذي يحكم وليس الظاهرة -الفينومينو. وبتعبير غريفث نفسه الإجابة على سؤال المعرفة تحدده العلاقة بين نشوء الوعي وظهور الذهان التراكمي للنوع. وهو تعبير مؤكد عن ذات الغريزة الأصلية وإدارة العقل الواعي لنفسه أوتوماتيكيا.

وبشكل عام لبى السباعي وعبد القدوس مطالب شريحة الشباب في مصر. من ناحية توسيع رقعة الأحلام وشحنها بالحب الممكن، ولكن ليس الميسر. والتركيز على صورة الحبيبة الحزينة والتفكير الرومنتيكي (والتعبير للدكتور نوفل). وهذه هي العقدة التي كانت تحرك الأحداث نحو أزمتها، ثم باتجاه البحث عن حل مشرف (مخرج للنجاة من السقوط). ولم يغامر أحدهما بملامسة التابو الديني أو السياسي شأن محفوظ في عمله الإشكالي (أولاد حارتنا)، وهو بناء بارد لللاهوت غير الميتافيزيقي أو لاهوت الخليقة الضائعة ببن السماء والأرض. ثم في عمله الغروتسكي (الكرنك) وهو أنشودة غروتسكية عن أخطاء الثورة. ولا أستطبع أن أدين محفوظ بالنفاق أو الخيانة لمجرد انقلابه على التجربة الناصرية. فالتجاوزات وعزل النخبة العسكرية عن قواعدها الضامنة كانت موضوعا للعديد من التجارب التالية - سواء بالاختباء وراء حبكة تاريخية (ثلاثية "غرناطة" لرضوى عاشور) أو باستعمال صوت الضمير الثالث ولغة الغائب -الميت أو المهاجر (وهو شأن شريف حتاتة وبقية أبناء جيله). وأضيف عملا حديثا للعراقي نجم والي وهو (سعاد والعسكر). ويستفيد فيه من مأساة النجمة السينمائية سعاد حسني، وتراجيديا صعودها ثم سقوطها، وما رافق ذلك من اختراق للمحرمات وعلى رأسها الحرية الشخصية وجدران السلطة وخفايا المخابرات. وفي هذا العمل تندمج الحقائق مع تفسيرها بطريقة تذكرنا بجو رواية الرعب والقتل الامريكية التي انتشرت في نهايات القرن التاسع عشر، وبالأخص أعمال هوراس والبول.

ولكن لا أفهم لماذا ربط الدكتور يوسف الثنائي عبد القدوس والسباعي بالأحياء الشعبية دونا عن نحيب محفوظ. فجمهور القراء يحكم بفوز محفوظ بقلب الطبقة الشعبية وبكسب الثنائي لقلب شريحة الشباب وبشكل خاص الإناث. فقد قدما وجبة عزاء مسكنة لمجمل النساء المصريات الصغيرات، ولكل من لديها أوهام بحب فردوسي يخلو من المنافع المادية ويخلص لدافع الحب الطاهر فقط. بينما كانت نساء محفوظ من نوعين لا ثالث لهما: أمهات أو عاهرات. وهذا واضح منذ "القاهرة الجديدة" وحتى "الطريق". فقد كانت دراما الصعود ثم المصير الأسود معبدة بواسطة الرذيلة والعاهرات. ولذلك أيضا لا أفهم لماذا عقد الدكتور نوفل دور البطولة لنساء محفوظ. لقد وضع محفوظ المرأة وراء جدار زجاجي، ولم يسمح لها بالخروج على طقوس تراجيدية نوعية تخص المرأة بلحظة الهزيمة والابتزاز حصرا. في حين منحها السباعي وعبد القدوس شرف التبرئة - وقاما ببناء واجتياح مجتمعات مخملية كان قلب المرأة فيه مثل جسدها، مجرد وجهان لعملة واحدة، وهما السعادة والعذاب. ولا يمكن أن تكون هذه الرؤية إلا نتيجة نشاط حلمي أو أمنيات عن يوتوبيا هذا ليس وقتها. وفيما أرى لم تكن المرأة مؤهلة إلا للابتزاز أو لفلسفة المظالم والخديعة. ولا يمكن أن تقبل بهذه التصورات كاتبة مكافحة مثل نوال السعداوي. فنساؤها في "أوراق حياتي" فدائيات وانتحاريات وتعبرن عن منطق امرأة قضيبية لا تعاني من أي رهاب بالخصاء. ومثلها حسيبة بطلة ثلاثية "التحولات" لخيري الذهبي. ونفس الشيء ينطبق على "وردة" بطلة رواية صنع إبراهيم التي تمثل المصير المشؤوم لحركة تحرير ظفار.

و بغض النظر عن الخلفيات السياسية لهذه الأعمال، وما تشكله من خطورة على جو الركود العربي أو حتى جو نشوء الدول العربية وفلسفتها في إلغاء نفسها والدخول بطفرة ذهنية (اعتاد الإعلام المعاصر على تسميتها بالمعجزة) فإنها تحرر المرأة من جانبها النسائي، وهو منحة من الرجل الشرقي.

ولا أستطيع أن أؤكد أن أحدا من جيل محفوظ أو من جاء بعده قد أنصف المراة. وضمنا سناء أبو شرار التي توقف الدكتور نوفل مع روايتها "أن تكوني امرأة" الصادرة عام 2009. وكذلك قاسم أمين مقاول ومتعهد فكرة تحرير المرأة. فقد تعاملوا جميعا مع الموضوع انطلاقا من أفكار بيولوجية مسبقة، لا ترى إمكانية لشيء فوق الصدفة contingency. وهي فكرة باردة وتخطاها التاريخ. ولا يسعني اعتبارها إحدى تجليات عصر غزو الفضاء. فالجندر حل محل البنية، ولم تعد الأمومة تفترض حصرا منطق أحزان الأسرة السعيدة عند محفوظ أو مفهوم قشعريرة الجسد عند عبدالقدوس والسباعي. وأصبح من الوارد أن تكون الأم هي ظل الأب الغائب أيضا (في روايات الأبوة المنفردة single parent). ناهيك عن الإنجاب بتخصيب خارجي أو من إكثار الخلايا بلا تلقيح (موضوعات مفضلة عند البريطانية جانيت ونترسون).

ويبدو أن العقل العربي يكيل بمكيالين. فقد تحفظ بطرح مضمون الخبيئة، إنما تعامل بحرية مطلقة مع الأسلوب. وتابع الدكتور نوفل ثورة الأساليب والعي -أو حبسة المضامين (والتعبير لياكوبسون) من خلال نماذج شبابية طبقت سياسة الأرض المحروقة أمثال مرعي مدكور ويوسف القعيد (في نماذج مبكرة من رحلته) وحسام المقدم ونبيل عبد الحميد وقصي الشيخ عسكر، وأصبح من الممكن -وأحيانا من المحتم تغريب النص، بحيث يتحول الكاتب إلى ملقن والشخصيات إلى ممثلين وكأننا أمام خشبة مسرح ملحمي يلفت انتباهنا أن النص هو رواية، وأن الواقع موجود خارج النص وليس بداخله، وأن القارئ لاعب أساسي في الحبكة (وتذكرني هذه الفكرة بنص للروسي تورغنيف وهو "خبز الآخرين"). ويتفق الدكتور نوفل مع الناقد أيمن تعيلب على تصنيف كل هذه الاختراقات والفوضى التي يقتضيها التجديد تحت اسم واحد وهو "العابرون"، ولكنه لا يرى أفضل من تفكيك أي رواية إلى ثنائيات (أحيانا تبلغ عشر وحدات) لتفسير الظواهر الأساسية التي تحكمها (وهذا هو منهجه في قراءة "919 هحرية" لإبراهيم صالح وقراءة "عندما غرد البلبل" لمحمد قطب).

***

د. صالح الرزوق

............................

* من نافذة السرد اصوات وأطياف الدكتور يوسف نوفل. دار النابغة. 271 ص. مصر. 2022.

**Adam & eve without the guilt. Jeremy griffith.Books. Irish times. Monday. 30 May 2016.

وأشكر الأستاذ صالح البياتي الذي تفضل بلفت نظري لهذا الكتاب الصادر عام 2016.

 

حاتم جعفرصراع العقل، بهذا العنوان لكتابه يكون جميل اﻷنصاري قد لفت إنتباه القارئ ومن أول وهلة، الى أن هناك أمرا مضمرا ستنجلي صورته مع مضي المتلقي في الغوص فيما ذهب اليه الكاتب. ومن العنوان أيضاً ربما سنخرج بخلاصة مفادها، بأن هناك صراعا، ستتضح صورته بشكل جلي، طرفاه، ضفتين متباعدتين، متعارضتين، ومن الصعوبة بمكان أن يلتقيا أو يشغلا في لحظة بعينها أرضا محايدة، فلكل منهما أفكاره وخلفياته ومبررات وجوده، كذلك قناعاته وما يؤمن به. وقد يبلغا حداً من التمترس والثبات على المواقف، بما لا يدع مجالا لثني أحدهما، ففي ذلك ما يعدانه تراجعا عمّا جُبلا عليه إن لم يعدّانه تنازلا. وللتذكير فإننا نتحدث هنا عن طبيعة الصراع الفكري الدائر في دولنا وما حمله من تعصب، والذي بلغ أشدّهُ في بعض المراحل، وأغلقت المنافذ الموصلة بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية.

ومما يعزز الرأي اﻵنف، ما ذهب اليه مصمم الغلاف الخارجي، حيث تظهر خلايا دماغ الإنسان، وقد إنقسمت الى نصفين متساويين في الحجم. اﻷول تتنازعه أديان وأديولوجيات ونظم سياسية، متنوعة ومتعارضة فيما بينها. وإذا ما شيء لها وتحت ظروف معينة أن تلتقي إضطرارا في بعض من المحطات، فهو أمر نادر الحدوث إن لم يكن مستحيلا. والنصف اﻵخر منه (الدماغ) يبدوصافيا، نقيا من كل شائبة، ربما أراد الكاتب إظهاره على هذا النحو ليوصل رسالة تقول: أن لا مناص من أن يُعْملُ المرء عقله، بروية وإسترخاء، ومن دون إنحيازات مسبقة أو ضغوط من هذا الطرف أو ذاك. أو أنه يعكس وينم عن طريقة تفكير الكاتب نفسه وما يحمله من تناقضات كان مصدرها البيئة المحيطة به وما لها من تأثير وقوة حضور وإقناع، تنازعتها بعض الإديولوجيات التي سبق لها أن مرَّت بذاكرة الكاتب وأشغلته ردحا من الزمن. وكي لا نصادر ما ينتوياه، فالقول الفصل في هذا، يتقاسماه الكاتب ومصمم الغلاف معاً.

على الصفحة اﻷولى وفي مستهل الكتاب ستأتيك البسملة، وهذا ﻷمر متعارف عليه في بلادنا، وقد ينوي الكاتب بهكذا فاتحة، الإستبشار والتبرك بصاحب المُلك، على وفق قناعاته وإنطلاقا منها. لكنها في ذات الوقت ستفتح لنا نحن القراء بابا، يدعونا للعودة الى بدايات تشكل رؤى الكاتب وكيفية قراءة ما يحيط به وصولا الى ما أرتآه خياراً، وليس مهما هنا أن نتفق أو نختلف معه.

وإذا شئنا الحكم على طبيعة الكتاب وعلى أي خانة يُحسب، فيمكننا القول بأنه ينتمي الى ما مكن وصفه بأدب السيرة. فمنذ السطور اﻷولى، يأخذ بيدنا الكاتب ليدلنا على ما مرَّت به عائلته وأباه بشكل خاص من صعوبات، إذ (بدأت معاناة الوالد منذ طفولته حيث أضطهٍدَ من زوج جدتي)ص9. غيرأنه والحديث هنا عن الوالد فقد كان عصاميا، فتجده وقد إختط له بعض المهن ومنها الحلاقة والتي إستقر عليها وتحولت فيما بعد الى لقب ستفخر به العائلة وتتشرف بهكذا نسب. في ذات الوقت لم تغب عن عين الوالد ما كان مصمما عليه وفي رغبته والتي كان كثيرا ما يرددها: أريد أن أنشئ مملكة من المثقفين. وفعلا تحقق له حلمه.

لطالما دخل الكاتب في الحديث عن عائلته، فهو لم يغفل التوقف وبصفحات من نور على سيرة والدته أيضا، حيث لاقت هي اﻷخرى من المصاعب ما تشيب له الولدان، أسوة بغالبية اﻷمهات العراقيات اللائي لاقين من اﻷسى وقساوة الظروف ما يصعب التوقف عنده والتذكير به لما يحمله من عسف وأوجاع. فرغم طيبتها وصبرها وجلدها على النائبات التي مرَّت بها العائلة فقد (كان والدي يعاملها بقسوة في بعض اﻷحيان) ص11. 

وإستكمالا لما لاقته هذه السيدة الفاضلة من متاعب، فقد كان لإنتماء ولدها الى إحدى التنظيمات اليسارية، ما شكَّل له صدى سلبيا لدى دوائر أمن الدولة، فراحت عناصرها في البحث عنه، بغية إلقاء القبض عليه وتحت طائلة تُهَمٍ ، تتعلق بميوله السياسية، والتي كانت آنذاك تُعَدٌ من الكبائر وتشكل تحديا   لسطوتها وتسلطها. وعن هذا اﻷمر فقد جرى إعتقال الوالدة وإقتيادها الى دائرة أمن مدينته، كربلاء، وكان سؤالهم الوحيد عن ولدها الذي بات يقلقهم.

وفي ذات السياق وعلى نحو أكثر وجعا فقد تمَّ تغييب أخويه إبراهيم ومهدي، ولم يعد لهم من أثرٍ يُذكر، وهذا ما جرى التأكد منه فيما بعد وجرى تسريب الخبر من قبل إحدى الشخصيات النافذة في العراق والتي لها صلة وثيقة بأصحاب القرار. وخلاصة اﻷمر فقد تم تصفية شقيقيه، ولم يعد لهما من أثر يُذكر في سجلات اﻷمن والدوائر المختصة. خبر كهذا كان له أثرا موجعا لدى أفراد  العائلة وكانت ضحيته اﻷولى والدة الكاتب، إذ وافاها اﻷجل كمدا وحزنا.

لم يفت الكاتب وفي صفحات لاحقة من الإشارة الى أن هناك ومن داخل أجهزة الحكم، سواء على المستوى الرسمي أو اﻷمني بشكل خاص، َمَنْ كان متعاطفا مع المعارضين، وقد تقف خلف ذلك دوافع إنسانية، أو أنَّ هناك ما يشبه الرفض لسياسات الحزب الحاكم ولكن بشكل غير مباشر، تجلَّت صوره في حالات التضامن مع المعارضين ولكن بحذر شديد، مخافة تداعيات اﻷمر وإنسحابه عليهم سلبا. وعن هذا اﻷمر فقد كان للكاتب أكثر من وقفة وتعبير، كان قد جاء على ذكرها في ثنايا الكتاب.

وعن الشأن اﻵنف، سيتوقف الكاتب وعلى الصفحة 29 مثلا، ليورد نصا، جاء على الشكل التالي: هناك كثيرا من المنتسبين الى حزب البعث عندهم الطيبة والإخلاص للوطن ولم يتفقوا مع كثير من توجهات السلطة. ثم يستمر الكاتب وفي ذات السياق ليأتي على مثال آخر أو حالة أخرى، إذ يشير وعلى الصفحة 51: كنت أنا مضطهدا سياسيا، لكن علاقاتي جيدة مع الكثير من اﻷصدقاء البعثيين الذين كانت السلطة بيدهم هي حماية لي من الإعتقال في كثير من اﻷحيان. لم يكتفِ الكاتب بهذا القدر من الإستشهادات بل سيتوقف عندما روته له شقيقته، حين زارهم أحدهم وهو حامل معه رسالة من شقيقها مهدي، الذيكان  يقضي حكما في نگرة السلمان قبل تصفيته، ليبلغها بأنَّ شقيقها بخير. وعندما سألته مَنْ تكون؟ إكتفى بالرد: أنا حارس هناك ولا تسأليني أكثر خوفا من إعدامي.  

 في كتابه أيضا ستتضح بعض معالم التراجع والتردد وجنوحه الى إعادة النظر في مواقفه من اﻷحداث وقراءتها بالتالي على نحو مختلف، وإنعكاس كل ذلك على تصورات الكاتب وما سيخرج به من إستنتاجاءات، ستتقاطع مع ما كان يفكر به وما يتمناه. فمثلا سيعلن الكاتب وعلى الصفحة 14 عن ندمه وتراجعه وبتعابير صريحة عما كان يحمله سابقا من مفاهيم وآراء، بعد أن جرى ذلك الحدث التأريخي، والذي أدى الى تغيير جوهري في طبيعة نظام الحكم، إثر قيام ما سمّي بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وما تبع ذلك من إسقاط للنظام الملك. معزيا تراجعه أو موقفه هذا وعلى حد تعبيره(كنت لا أفقه كثيرا بالسياسة حيث كنا صغارا فرحين بذلك ونردد ما يقولون، ولكن عندما كبرنا عرفنا بأن ذلك كان وبالا على العراق وشعبه).

وإرتباطا بما ذُكِرَ فستتولد عنده ما يمكن أن نطلق عليه بسياسة إعادة النظر في بعض المواقف والتي يدخل قسما منها ونظرا ﻷهميتها القصوى في عداد القضايا المصيرية. فالكاتب وبعد خوضه صراعا مع الذات ومروره بعديد التجارب، إختار له وفي مطلع حياته السياسية اليسار جبهة للإنتماء، غير أنه ورغم قطعه شوطا لا بأس به وقضى من عمره عقودا من السنين مع هذا التنظيم، بات الرجل يكتشف العديد من اﻷمور التي ستقضي على حلمه.

فبسبب تنقلاته المستمرة كغيره من الذين طاردتهم قوى السلطة الحاكمة وإضطراره التغرب مرغما عن وطنه، اثر الحملة القمعية التي شنها النظام الحاكم أواخر السبعينات، كان قد تعرَّفَ على الكثير من القضايا التي كانت خافية عليه وعلى غيره من المنتمين الى ذات الحزب. فعن ذلك يحدثنا الكاتب عن مدى صدمته مما يجري، وأنَّ لديه (شكوك حول أحد أعضاء تنظيمنا بالإمارات أن له علاقة مع المخابرات العراقية)ص67، وعن ذلك فقد قام بإبلاغ مسؤوله في التنظيم الاّ انه لم يلقَ أذنا صاغية.

وفي ذات الدولة التي عاش فيها الكاتب ردحا من الزمن ويقصد هنا الإمارات العربية، يَرِدُ على لسان الكاتب وعلى الصفحة 74، بأن (أحد القياديين في التنظيم يعمل لصالح المخابرات العراقية، وكان عضوا في اللجنة المركزية للتنظيم). على أثر ذلك وﻷنه لم يتلقَ الإستجابة الكافية، فقد وجد نفسه مضطرا على مغادرة محل إقامته بعد تقديمه الإستقالة من العمل، ليتوجه الى دمشق كخيار أفضل له ولعائلته.

في الشام تكررت ذات الشكوك وأخذ الإرتياب من الكاتب مأخذا، وسيتكرر أيضا ذات المشهد الذي كان قد واجهه يوم إقامته في دولة الإمارات، حيث سيلتقي ومن مساوئ اﻷقدار ذات (الشخص القيادي في التنظيم والذي يتعاون مع المخابرات العراقية في دمشق أيضاً، وكانت علاقته مع مسؤول التنظيم المركزي قوية جدا واحيانا يملي عليه ما يريد)ص79.

إجمالا وإذا شئنا إلقاء الضوء وإبداء الرأي على أمر كالذي جاء على لسان الكاتب، وأعني به هنا ما طال البعض من قيادي الحزب الذي يتحدث عنه وما حام حولهم من إتهامات وشكوك وشبهات، كانت قد حامت على بعض منهم، وجرى تداولها ومن قبل أوساط وجهات ليست بالقليلة ولا يستهان بها وبمصداقيتها. وربما جاء البعض منها بغير حساب، وﻷغراض وأهداف لا تمت للحقيقة بصلة. وﻷجل معالجتها على نحو منصف، كان ينبغي على التنظيم السياسي المعني أخذ زمام اﻷمر بيديه والتحقق من هذه الحالة أي التهم، ويجري توكيل اﻷمر وإحالته الى أيادٍ نزيهة وعادلة لتصدر حكمها النهائي ومن دون محاباة أو مجاملة لطرف على حساب آخر، بعد أن تدعم رأيها بالدلائل والقرائن المطلوبة، معززة بشهادات موثقة، بدل أن تلقى التهم على قارعة الطريق، ويشتغل عليها البعض، ويلتقطها مَنْ يشاء بغير حساب ويخفيها مَنْ يشاء ولإعتبارات لا تمت للنزاهة بصلة. فالقصة بالمجمل تتعلق بمصائر بشر، وبمبادئ كبيرة، عظيمة، حملتها على أكتافها أجيال وأجيال، وراح ضحيتها اﻵﻻف، إبتغاءاً لأحلامهم السامية والنبيلة.

وللأسباب التي جئنا على ذكرها والمتعلقة بالإندساسات والإختراقات التي طالت تلك الجهة السياسية ومن قبل أجهزة النظام الحاكم في العراق، فقد قرر الكاتب الإبتعاد وإنهاء الصلة بالتنظيم الذي كان قد إنتمى اليه منذ بواكير عمره اﻷولى. في ذات الوقت فقد بدأت تتبلور لديه فكرة جديدة مفادها: النقطة اﻷساسية التي أخذت أفكر بجدواها وهي أن الذي يكون وطنيا هو من يخدم بلده بإخلاص في العمل وفي مجال إختصاصه هو ليس من خلال التنظيم وإن الوطن يحتاج هؤلاء أحياء وليس شهداء،ص80.

في خاتمة المقال وبصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع وجهة نظر الكاتب فيما ذهب إليه، وإذا كان لنا من رأي عن هذا الموضوع، فالكاتب له ما له وعليه ما عليه. ومن نافل القول فإن حرية إبداء الرأي مكفولة لكل اﻷطراف، إن كان مواليا أو معارضا، وأيضا لكل من يبحث عن الحقيقة.

***

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

علي حسينعلى رقعة صغيرة من الارض في منطقة تحيطها الجبال في شرق الصين ذي الطبيعة الهادئة، وفي ولاية صغيرة اسمها "لو" سيولد طفل تحاط حياته بالاساطير طوال قرون حتى صار من الصعب أن نميز بين الواقع والخيال. فمن ناحية نجد المؤمنين به يضعون تاريخا له يرجع الى اباطرة الصين..من ناحية اخرى حاول الذين كانت تعاليمه تهدد مصالحهم على تحريف سيرة حياته.

رجل يشبه عادة ما نسمعه في القصص الخيالية. بطل يسير منتصب القامة يواجه تحديات الشر الكبيرة. يصف لنا حياته بأنها سلسلة من التجارب: " كنت وانا ابن خمس عشرة سنة اتوق إلى العلم، فلما بلغت الثلاثين ادركت الحلم، فوعيت الاصول وقواعد السلوك، ثم ادركت الاربعين، فخبرت من امور الدنيا ما ثبت به قدمي، وفي الخمسين بصرت الحياة وفهمت معنى الوجود والقدر، ثم كنت وأنا في الستين، أعاين مقاصد الرجل وخبايا نفسه من كلمة يقولها، فما بلغت السبعين حتى اطلق لنفسي العنان، تجوب أنّى شاءت، وتأتي ما بدالها، فما تجاوزت قدراً، ولا بلغت حد غلوائها " – محاورات كونفوشيوس ترجمة محسن فرجاني -.

قبل الميلاد بحوالي 500 عاما قرر رجل ان يتفلسف على طريقته الخاصة، ان يتعلم من خلال الحكمة كيف يصير بشرا، كيف يظفر بانسانيته، ويؤدي ادواره ويتحمل مسؤوليته. وكانت الخطوة الاولى ان يترك وظيفته مشرفا على احدى الحدائق، ويبدأ رحلة بين الولايات لمعرفة احوال الناس، بعدها قرر ان ينشئ مدرسة لتعليم الشباب فن الحكمة واعلن ان المعرفة تعني " ان تعرف جميع الناس " كان كونفوشيوس ذكيا لامعا الى حد آسر. وكان صاحب ذهن حاد قادر على اشاعة الطمئنينة في نفوس مستمعيه. وكانت كلماته الماثورة تنساب من فمه انسيابا يسيرا. يقول بطريقته العفوية: " على المرء ان يقول: انا لا اكترث لعدم وجود مكان لي، لكنني مهتم بكيفية ان اجعل نفسي ملائما لمكان ما. انا لا اكترث بكوني لا اعرف لكي استحق ان اكون عارفا ".

فها هو رجل يدافع عن تمكين الفرد، وعن فهم جذري للمسؤولية الشخصية. انه رجل مؤمن بأن قدرات الفرد اهم من اي شيء آخر، وبأن كل انسان يستحق ان يكون قادرا على بلوغ اقصى امكانياته، وبأن من واجبه أن يمارس ذلك الحق ويدافع عنه: " على المرء ان يكون مثابرا، مخلصا للمبادئ حتى آخر رمق، والذكي من يشمر ذراعه، ويطلق العنان لمواهبه ".

هل كان كونفوشيس فيلسوفا ؟ يقول لاحد تلامذته: " لم اولد فيلسوفا حكيما، وإنما كان تعلقي باخبار الاقدمين هو الذي دفعني عبر سنين من دأب البحث والفكر والمطالعة إلى تحصيل المعارف والشغف بها " – المحاورات ترجمة محسن فرجاني –

يمكن القول ان كونفوشيوس يعد من اعظم الفلاسفة اثراً في التاريخ، حيث تأثر بافكاره مئات الملايين من البشر. وكان اول من ادار مدرسة لتعليم الفلسفة قبل ان ينشئ افلاطون اكاديميته. وكانت دروسه عن الفضيله والنظام والسياسة والمجتمع محاولة لخلق " مجتمع منسجم "، كما ان دعوته لاشاعة الخير لا تزال واحدة من اهم الدروس الفلسفية التي اشاعت مبدا التبادلية والاحترام والتفكير المستمر بما يضمن الخير للجميع. يقول كونفوشيوس: " هناك نوع من الناس يدعي العلم مكابرة وتكلفا، فاولئك هم شر الجهلة، ولقد كان مسلكي دائما هو مناقشة الامور من كل جانب، مع الاستبصار بوجهات النظر المتباينة ثم اختيار اصوب الجوانب واختبارها بمعيار التطبيق العملي واستخلاص الصحيح الثابت فيها مع استبقائه في الوعي الحاضر، ولئن كان مثل هذا المنهج لا يرقى إلى مستوى المعرفة الباطنية المولود بها الانسان، إلا انه يظل منهاجا لمعرفة موثوق بها الى حد بعيد ".

يعترف كونفوشيوس بانه عندما كان في السابعة عشر من عمره، كان " لا شأن له ولا مكانة، يعيش في ظل ظروف ذليلة ".لكنه حاول ان يعمل في مهن عديدة، في الوقت نفسه وجد في القراءة ملاذا يحميه من قسوة الحياة: " كنت اكد واثابر في عملي، حتى انسى غذاء بطني، وامرح واضحك، فلا اعرف للحياة هموما، واعيش ايامي بطولها وعرضها، غير عابئ بزمن شبيبة ماض، او بيوم شبيبة آت ".

غالبا ما ينظر الى كونفوشيوس على انه علم الناس طريقا جديدا للحياة، إلا ان كونفوشيوس لم يدع ان كتاباته تحمل اي ابتكار. فقد كان يعتبر نفسه " كجهاز ارسال " يؤشر للناس الطريق الى الفضيلة والقناعة. لقد كان يبشر عامة الناس بمبدأ يمكن ان يدرك دون الرجوع الى الحيل والخطب الفلسفية: " لو ان المرء في تكريسه نفسه، في جدية، لواجبات الناس، وفي احترامه للكائنات الروحية، حرص على الابتعاد عنها، لكانت هذه هي الحكمة ". اكد كونفوشيوس فضيلة التضامن الاسري. لقد راى في الاسرة " الوحدة الطبيعية لكل النظام والاستمرار " إذ فيها تصبح الفضيلة ثابة ويصبح الواجب حقيقة ".4096 محاورات كونفوشيس

 لو فتحنا اليوم اي كتاب من كتب فلسفة الاخلاق، لوجدنا انها تتحدث عن مفاهيم وقيم لا تختلف كثيرا عن الافكار التي طرحتها الفلسفة الصينية القديمة. نقرأ سبينوزا وهو يبشر بنوع من الاخلاق العالمية، ونطالع ايمانويل كانط وهو يطالبنا بان " نعمل حتى يصير المثل الاعلى لسلوكنا قانونا عالميا " فاننا نتذكر حتما ان كونفوشيوش قد علق قبل اكثر من 2500 عام تعليقا مماثلا لتعليق كانط إذ قال: " يتصرف الانسان الاسمى لكي يجعل سلوكه في كل الاجيال قانونا عالميا ". ولهذا لم يكن غريبا ان نجد كانط يتفرغ في السنوات الاخيرة من حياته في دراسة اعمال الفكر الصيني القديم.

تذكر كتب تاريخ الصين ان كونفوشيوس ولد عام 551 قبل الميلاد ببلدة تدعى " لو " بولاية شانتونغ. وتقول بعض المصادر ان اجداده ينتسبون الى البيت الملكي، وكان كونفوشيوس يسخر من الذين يتباهون باصولهم قائلا: الشريف بما كانت اخلاقه، والدنيء بما اغترف من المال وبهجة العيش ". كان والده " ليانغ هي " قد انجب سبعة بنات من زوجته الاولى، وظل حريصا على ان ينجب ولدا، لذلك تزوج من امراة اخرى انجبت له ولدا معاقا، فقرر ان يتزوج للمرة الثالثة وكان يقترب من السبعين من عمره وقد انجبت له زوجته الثالثة " يان تشنغزاي "، والتي كانت تبلغ من العمر ثمانية عشر عاما ابنا اطلق عليه اسم اسم " كونج فو تسي " وهو ما يقابل " كونفوشيوس "، والذي معناه " السيد الحكيم ". مات والده وهو في الثالثة من عمره، كان الاب يعمل في الجيش، فقامت والدته بتربيته، وفي واحدة من الحكايات الصينية نقرأ ان مجيئه الى العالم " قد اعلنته ارواح السماء التي طيبت شذى الهواء حول مهده " –اعلام الفلاسفة هنري توماس ترجمة متري امين –. ولعل اكثر الاوصاف صدقا هو انه كانت له جبهة ضخمة، كانت تنشئة الطفل صعبة للغاية في سنواته الأولى، حيث قال: "أنا أيضا شاب وضيع، لذا فأنا أكثر قدرة على الاحتقار".، تكفل عمه بتربيته لكنه ايضا توفي بعد سنوات قليلة، تكفلت الام بتربية ابنها حيث عاشت وابنها حياة صعبة للغاية سيذكرها فيما بعد قائلا: " عشت حياة مرهقة، لكنها لا تدعو الى الاحتقار ".

لم يدخل مدرسة وتكفل احد اقاربه بتعليمه القراءة والكتابة، لكنه كان حريصا على التعلم ولهذا نجده يوصي تلامذته: " كن سباقا في تحصيل العلم، ولا تدع الزمن يتجاوزك، واجعل من عقلك وعاء نشيطا لمكنون الذاكرة، فالعلم بغير ذاكرة واعية، جهل مطبق " – محاورات كونفوشيوس -. عمل في عدة مهن، توفيت والدته عندما كان يبلغ من العمر 17 عاما، فقرر ان يرحل عن بلدته حيث ادار شؤون مزرعة احد النبلاء. ويصف كونفوشيوس نفسه، بانه عندما كان شابا، كان بلا منزلة اجتماعية يعيش في ظل ظروف صعبة. فكان عليه ان يعمل في مهن مختلفة، إلا انه حرص على تثقيف نفسه، الى جانب اهتمامه بممارسة الالعاب الرياضية، والولع بالموسيقى وكان يردد: " ما ظننت قبل الآن ان للموسيقى مثل هذا التاثير على النفس "

 تزوج في التاسعة عشر من عمره وانجبت له زوجته ابنا وحيدا " كونج لي "، لم يستمر زواجه طويلا، فقد وجد ان حياته لا تستقيم مع مهنة المفكر الجوال، ولم يتزوج بعد ذلك. في موسوعته: " قصة الحضارة " يكتب ديورانت ان كونفوشيوس كان يبدو احيانا رجلا غريبا للآخرين وهو يقف في الطريق العام يطرح على الناس اسئلة عن التاريخ والحكمة والشعر. وقد وصفه احد تلامذته بانه كان: " طويل القامة، وجه ينم عن الجد والرهبة، لكن روحه تنطوي على رقة واحساس ملاهف بالجمال، وهو يسلك سبيل التواضع والمجاملة، وما من موضع إلا وسمع به، قوي الذاكرة لا ينسى ما يسمع، ذو علم بالاشياء لا يكاد ينفذ " – قصة الحضارة الجزء الرابع ترجمة محمد بدران -. وفي واحدة من الحكايات التي تروى عنه انه حدث مرة ان ضل الطريق الى اجتماع مع بعض تلامذته. فكان ان تمكنوا بالعثور عليه بمعونة رجل قال انه رأى " رجلا فارعا شاذ الخلقة مظهره كالكلب الضال ". فلما وصل هذا الوصف الى اسماع كونفوشيوس، صاح قائلاً: " عظيم. لم يكن في استطاعة أي مصور ان يرسم صورة ادق وافضل من هذا الوصف ".

في الثانية والعشرين من عمره يتفرغ لمهنة التعليم، يينشئ مدرسة، كان مقرها بيته الذي اعلن انه مفتوح لكل من يريد العلم، وكانت اجور الدراسة تتبع قدرة التلميذ على الدفع. وقد حدد الدروس التي سيمنحها للطلبة، وهي الشعر والتاريخ ومبادئ السلوك العام. ولما كان يعتقد ان المجتمع يعاني من اهمال الحكمة، فقد قرر ان يلقن تلامذته دروسا في الشعائر القديمة والاناشيد الرسمية، وتعليم الموسيقى حيث كان يؤمن بفاعلية وتاثير الموسيقى في صقل شخصية الانسان. وكان نظرته للموسيقى بانها ترمز الى الوئام الذي، لو وهب للحكام لعم الخير الدولة باسرها.. ومع مرور السنين حظيت مدرسته بشهرة كبيرة واصبح من تلامذته بعضا من ابناء النبلاء والامراء. في هذه الفترة يقوم برحلة الى عاصمة ولاية " لو يانج " ليلتقي بالفيلسوف الصيني الشهير لاوتسي صاحب الكتاب الشهير " الطريق او كتاب التاو " – ترجمه الى العربية هادي العلوي وهناك اكثر من ترجمة ابرزها ترجمة عبد الغفار مكاوي وترجمة فراس السواح – كان لاتوتسي آنذاك في السابعة والثمانين بينما لم يتجاوز كونفوشيوس الثلاثين، دار بين الرجلين حوار اجاب فيه لاوتسي عن سؤال كونفوشيوس عن قدماء رجال الحكمة، إذ قال له: " إن من تسأل عنهم قد تعفنوا مع عظامهم في التراب، وعندما تحين ساعة الرجل العظيم ينهض للزعامة، ولكن قبل ان يحين اوانه توضع العراقيل امام كل محاولاته. لقد سمعتُ ان التاجر الناجح يخفي ثروته بحرص ويعمل كما لو كان لا يملك شيئا، وان الرجل العظيم برغم وفرة انجازاته، بسيط في سلوكه وفي مظهره. تخل عن كبريائك ومطامحك العديدة، وعن تظاهرك وعن اهدافك العريضة. إن سجيتك لن تكسب شيئا من كل هذه الاشياء. هذه نصيحتي لك " – توملين..فلاسفة الشرق ترجمة عبد الحميد سليم -. ويبدو ان كونفوشيوس ادرك اهمية ما اقاله له لاوتسي، فعاد الى مدرسته حيث نقل لطلبته انطباعه عن الفيلسوف العجوز: " لقد رايت لاوتسي واستطيع ان اقارنه بالتنين ".

عام 501 قبل الميلاد اصبح كونفوشيوس صاحب منزلة كبيرة باعتباره معلما للسلوك القيم والفضائل، مما دفع حاكم ولاية " لو " الى تعينه بمنصب رفيع لاداره بعض شؤون الولاية وقد علق كونفوشيوس على قرار تعينه قائلا: " لا يهمني كيف يمكنني ان اكون، بل يهمني كيف يمكنني ان اكون صالحا ". وبعد عام يصبح رئيسا للقضاة، بعدها يتم تعينه وزيرا للاشغال العمومية، فاتخذ قرارات باجراء مسح للاراضي وتحسين الزراعة. بعدها اخذت المسؤوليات تزداد عليه حيث عين رئيسا للوزراء، عندها بدأ حياشية القصر تتذمر من هذا الشخص الذي حصل على شهرة كبيرة ومحبة جميع الناس، الامر الذي دفع البعض الى الوشاية به عند الحاكم، فقرر كونفوشيوس الاستقالة والعودة الى حياة الترحال بين ولايات الصين المتعددة ينشر تعاليمه.. بعد سنوات يعود الى منزله وكان يقترب من السبعين، يعيد افتتاح مدرسته واستقبال تلاميذ جدد، يتوفى عام 479 وكان قد بلغ من العمر " 72 " عاما ".

نشر كتاب "المحاورات" بعد وفاة كونفوشيوس باعوام وهو مجموعة من المقتطفات والاقوال والحكايات جمعها تلاميذه واعتبروها تسجيلا وتوثيقا لافكار معلمهم. تنقسم مؤلفات كونفوشيوس الى قسمين، الاول يسمى " الكتب الخمسة "وهي الكتب التي كتبها كونفوشيوس بنفسه وتحوي موضوعات في السياسة والاجتماع والفلسفة والدين والموسيقى ونشرت تحت العاوين التالية (كتاب الاغاني او الشعر.. كتاب التاريخ.. كتاب التغيرات.. كتاب الربيع ةالخريف.. كتاب الطقوس والتقاليد).

وهناك الكتب التي جمعها تلامذته ومنها كتاب فصول في الاخلاق والسياسة وكتاب الانسجام، وكتاب المحاورات وكتاب منسيوس وهو كتاب يناقش اسس فلسفة وتعاليم كونفوشيوس – ترجم محسن فرجاني اربعة من هذه الكتب تحت عنوان الكتب الاربعة المقدسة – القارئ لكتاب "محاورات كونفوشيوس " لن يجد الكتاب مجرد تجميع لاقوال المعلم، بل ان الكتاب يقدم صورة رسمها التلاميذ لمعلمهم اثناء حوارتهم معه حيث نرىصورة الرجل المتسامح والمبجل في نفس الوقت، ففي المحاورة الاولى التي ينقلها لنا احد تلاميذ الفيلسوف واسمه " سنغ زي " يقول: " كان المعلم متسامحا ودمثا ومع ذلك كان جليلا. كان مبجلا ومع ذلك لم يكن عنيفا. كان محترما ومع ذلك كان بسيطا "، فيما يؤكد تلميذ آخر اسمه " تسيكون" قائلا: " اربع كان المعلم متحررا تماما منها،: لم يكن لديه استنتاجات يقينية. ولا قرارات مسبقة تعشفية، ولم يكن عنيفا ولا انانيا ".

في المحاورات يخبرنا كونفوشيوس انه " ناقل وليس مبدعا" ويحدث تلامذته قائلا: " لان يعرفني الناس ناقلا ومفسرا لكتب التراث القديم، افضل عندي من ان يعدوني مؤلفا او مبدعا فوضويا، ولقد كان شغفي واخلاصي للثقافة القديمة هو الذي يعطيني الحق في ان اضع نفسي في مرتبة موازية للاوتسي وبنغ زو " – المحاورات ترجمة محسن فرجاني –

في المحاورات يطلب التلاميذ من استاذهم الحكمة، لكنه كان يجيبهم: " انا أُفضل ألا اتحدث " وعندما يقول له التلميذ: اذا كنت لا تريد ان تتحدث ايها المعلم، فما الذي علينا ان نسجله نحن التلاميذ " وعندئذ يجيب كونفوشيوس: " هل تتحدث السماء ؟ تتعاقب الفصول الاربعة في اوقاتها، ويعاد إنتاج كل شيء باستمرار، لكن هل تنطق السماء أية كلمة ". يعطي كونفوشيوس في كناب " المحاورات " اهمية لصفة الصدق ويبدي كراهية للفراغ العقلي وفي هذا يقول: " يجب ان تكون حياة الانسان قويمة وعليه ان يتجنب خداع نفسه او خداع الآخرين، وان يهيئ تعبيرا ظاهرا لما يرضى عنه عقله او يعرض عنه. وتفد الاستقامة من باطن المرء، فهي تعبير مباشر عن قلبه ". وهو يربط الاستقامة بالمعرفة: " حب الاستقامة من غير حب المعرفة يقود الى حجب الاستقامة بستار ضار ".ويُعرف كونفوشيوس الانسان غير الفاضل بانه الذي يفتقر الى طبيعة اصيلة والتي يعني بها " الاخلاص البشري "، وتتضمن هذه الصفة ان يحب المرء للناس ما يحبه لنفسه او كما جاء في المحاورات: " لا ترتكب في حق الاخرين ما لاتحب ان يرتكبه الاخرين في حقك ".

ولعل اهم ما في فلسفة كونفوشيوس هي ايمانه بالديمقراطية الثقافية، فقد كان يصر على ان يسير الناس على هدى تفكيرهم الذاتي، وابدى استعداده لمعاونتهم في تثقيف انفسهم وارشادهم الى طرائق التفكير السليم، بشرط ان يعثروا بانفسهم على حلول للمشكلات التي تجابههم، وكان يقول لتلامذته انه لم يعرف الحقيقة، لكنه اهتدى اليها عن طريق البحث عنها.

اثناء عمله مستشار للحاكم كانت نظرته تتلخص في خلق سياسات تقود الناس الى ان الفضيلة خير من فرض عقوبات على شخص ينتهك القانون: " إن ارشد القانون الناس، وتم السعي لتوحيدهم من خلال العقوبات، فسوف يحاولون ان يتجنبوا العقوبة، دون ان يكون لديهم اي احساس بالخجل. لكن إن ارشدتهم الفضيلة، وتم السعي لتوحيدهم عبر قواعد اللياقة، فسيكون لديهم احساس بالخجل، والاكثر من ذلك انهم سيصبحون جيدين ".. ولهذا كان يرى ان على الحاكم ان يعطي الاولوية للاستقامة ولا يشجع الاعوجاج، وعندئذ سيتبعه الناس بشكل طبيعي. لأنهم يستطيعون ان يروا العدل في التصرف. وإن حدث العكس وتم تشجيع الاعوجاج، فسيصبح الناس مُداهنين للنظام. وقد وضع قواعد للحكم الرشيد تقتضي ان يكون الحاكم مهيبا دون ان يكون شرسا: " غالبا ما يكون صدر الرجل الماجد رحبا كريما،اما الدنيء فهو دائما ضيق الصدر،مهموم البال " مسالة علاقة كونفوشيوس بالدين تبدو مسالة معقدة نوعا ما، فهو لم يعتبر نفسه رسولا دينيا او معلما دينيا. وقد ذكر احد تلامذته انه لم يناقش " طريق السماء " مثلما كان يصر على مناقشة طريق الارض، وقد تساءل احد طلبته كيف يستطيع المرء أن يخدم الارواح، فقال له كونفوشيوس: " اذا كنت عاجزا عن خدمة الناس فكيف تستطيع خدمة الارواح " وسأل طالب آخر عن الموت فقل له: "اذا كنت لم تفهم الحياة بعد، فكيف تستطيع ان تفهم الموت ".. عمل كونفوشيوس بان بان يرفض ان تكون لديه الحقيقة النهائية، اذ كان يلتمس الحقيقة عن طريق المشاهدة والتحليل.كتب ماكس فيبر: " فيما يفهم غياب كافة الميتافيزيقيات وكل بقايا الملاذ الديني تقريبا. كانت الكونفوشيوسية نزعة عقلية الى حد بعيد حتى انها تقف عند الحد الاقصى لما يمكن ان يدعوه الفرد الاخلاق الدينية. والكونفوشيوسية في نفس الوقت اكثر امعانا في النزعة العقلية واكثر اتزانا فيما يتصل بعدم وجود ورفض كافة مستويات المقاييس اللانفعية " – ماكس فيبر الجماعات الدينية ترجمة جورج كتورة -.

قال كونفوشيوس: " اعلم ان احسن الطرق هو طريق الحق، وان ارسخ اساس، ما بني على مكارم الاخلاق، وان خير المبادئ جميعا هو ما قام على التراحم والانسانية " – المحاورات -.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

4095 الحرب البيولوجيةتأليف: فرانسيس بويل (Francis A. Boyle)

ترجمة: عزام محمد مكي

***

عن المؤلف

فرانسيس بويل أستاذ أمريكي بارز وممارس ومدافع عن القانون الدولي. كان مسؤولاً عن صياغة قانون مكافحة الإرهاب للأسلحة البيولوجية لعام 1989، وهو التشريع التنفيذي الأمريكي لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972. ويُدرس القانون الدولي في جامعة إيليونوا، مدينة شامبين، حاصل على دكتوراه في القانون بامتياز بدرجة الشرف وكذلك دكتوراه في العلوم السياسية، وكلاهما من جامعة هارفارد.              

عن الكتاب*

في هذا الكتاب يرسم المؤلف الخطوط العريضة عن بداية قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتأسيس صناعة الاسلحة البيولوجية ولماذا استمرت وبوتيرة متصاعدة ببناء ومراكمة هذه الاسلحة البيولوجية الغير قانونية وبشكل كبير.

ويلاحظ المؤلف كذلك الرابطة الوثيقة بين قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتطوير الاسلحة البيلوجية وهجوم (الجمرة الخبيثة) على الكونغرس الامريكي- الذي مثل الهجوم السياسي الاكثر اهمية على الديمقراطية الدستورية في الولايات المتحدة الامريكية في العصر الحديث- حيث يسلط ضوء جديد على دوافع هذا الهجوم- في الوقت الذي اختارت فيه الصحافة السقوط في ثقب الصمت الاسود- ولماذا قد لا يمكن ان يقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) باعتقال مقترف هذه الجريمة ذات العواقب الوخيمة للقرن الحادي والعشرين.

مقدمة

بدءًا من أكتوبر من عام 2001، شهد العالم هجمات إرهابية بالجمرة الخبيثة على الحكومة الأمريكية والتي من الواضح أنها كانت تهدف إلى إغلاق الكونجرس الأمريكي في لحظة حرجة للغاية في تاريخ أمريكا كجمهورية، أي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية مباشرة. خلال هذه اللحظة بالتحديد كان يجب أن يكون الكونغرس منعقدًا، من اجل اتخاذ قرارات حيوية، وممارسة رقابة صارمة على السلطة التنفيذية للحكومة، وبوجه خاص البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، ووزارة العدل برئاسة المدعي العام جون أشكروفت، وزارة الدفاع في عهد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووكالة المخابرات المركزية تحت إشراف المدير جورج تينيت. ولكن لم تحدث مثل هذه الرقابة من قبل الكونغرس الأمريكي بسبب هجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية. والأسوأ من ذلك، أن الرئيس بوش والمدعي العام أشكروفت تلاعبوا بشكل خادع بهجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية على الكونجرس من أجل خلق الذعر وحالة تدافع للشعب الامريكي والكونغرس الامريكي لاجل سن القانون الوطني الأمريكي الشمولي حتى بدون فعل حقيقي تقريبا من قبل الكونغرس.

سيناقش هذا الكتاب بعضًا من الخلفية التاريخية للقانون والسياسة والعلم وراء الأسلحة البيولوجية في الولايات المتحدة: كيف ولماذا أطلقت حكومة الولايات المتحدة، وواصلت، ثم وسعت بشكل كبير سباق تسلح بيولوجي غير قانوني يحتمل أن يكون له عواقب كارثية على الجنس البشري والمحيط الحيوي الداعم له على الارض هذا الكوكب الهش.

من خلال تحديد سياق البيئة السياسية والقانونية والعلمية التي وقع فيها هذا الهجوم الإرهابي التاريخي الأول من نوعه للحرب البيولوجية ضد حكومة الولايات المتحدة - هجمات الجمرة الخبيثة على الكونغرس في عام 2001 - يسعى هذا الكتاب أيضًا إلى إلقاء ضوء جديد على هذه الأسئلة المقلقة: لماذا يختفي هذا الحادث غير المسبوق وبسرعة كبيرة من مناقشة وسائل الإعلام العامة؟ لماذا فقد مكتب التحقيقات الفدرالي الزخم في البحث عن الجناة؟ لماذا فشل الكونغرس نفسه في متابعة هذا الحادث تحديدا وتداعيات هذا الهجوم الإرهابي عليه، والفشل في العثور على الجاني؟ لماذا لم يكن هناك احتجاج على هذا الفشل؟ ما هي الأسباب التي تجعل امكانية العثور على الجناة الحقيقيين غير موجودة تماما؟

في ضوء التوسع الأخير لإدارة بوش في تمويل أبحاث «الدفاع البيولوجي»، بما في ذلك الاختبارات المقترحة على الأشخاص، والتهديد الواضح والجلي الآن للحرب البيولوجية ليس فقط على الجمهور الأمريكي ولكن على البشرية جمعاء، يقدم هذا الكتاب دليلاً سياسياً حول كيفية إيقاف تصميم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على فتح صندوق باندورا للحرب البيولوجية.

الفصل الأول: اتفاقية الأسلحة البيولوجية

جذور اتفاقية الأسلحة البيولوجية

كان لدى الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي شديد العدوانية والهجوم يعود تاريخه إلى الحرب العالمية الثانية، ولن اقوم بذكر تاريخها الكامل هنا. ولإختصار القصة، قرر الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 إنهاء هذا البرنامج لأسباب تتعلق بـ السياسة الواقعية الميكافيلية. أولاً، كان هناك شعور بأن الأسلحة البيولوجية ذات نتائج عكسية عسكريًا لأنه كان من الصعب السيطرة عليها، وبالتالي سهولة حدوث "ارتدادات" على القوات المسلحة الأمريكية في الميدان وكذلك على السكان المدنيين الأمريكيين في الوطن. ثانيًا، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل ترسانة ضخمة وهائلة من جميع فئات الأسلحة النووية وأنظمة إطلاقها ذات الصلة، في حين كان يُنظر إلى الأسلحة البيولوجية على أنها "القنبلة الذرية للرجل الفقير". لقد أراد نيكسون القضاء على هذه "الاسلحة البيولوجية" من أجل منع دول العالم الثالث من الحصول على أسلحة دمار شامل رخيصة الثمن نسبيًا. من شأن اتفاقية للأسلحة البيولوجية التي تحظر " الاسلحة البيولوجية " أن تمكن الدول الحائزة للأسلحة النووية في العالم من الحفاظ على وتقوية وتوسيع نطاق احتكارها شبه الكامل لأسلحة الدمار الشامل الذي تم تقنينه للتو بموجب معاهدة عام 1968 بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن شأن نفس الحسابات الميكيافيلية الضارة أن تدفع فيما بعد هذه الدول الحائزة للأسلحة النووية نفسها إلى دعم المفاوضات وإبرام والتصديق على اتفاقية عام 1993 بشأن حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة.

ابتداءً من عام 1969، أمر الرئيس نيكسون ومن جانب واحد بتدمير العوامل البيولوجية والذخائر الأمريكية المضادة للأفراد، وهي عملية اكتملت ظاهريًا اعتبارًا من أوائل عام 1973. ومع ذلك، وعلى الرغم من أمر الرئيس، واصلت وكالة المخابرات المركزية البحوث وتطوير أسلحة بيولوجية. في نهاية المطاف، دعمت الولايات المتحدة التفاوض وإبرام وتصديق اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والسمية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1972، التي دخلت حيز النفاذ في 26 آذار / مارس 1975 (التي سيشار إليها فيما يلي باسم اتفاقية الأسلحة البيولوجية-BWC)).

تُلزم المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية الأطراف الحكومية المتعاقدة" بعدم القيام تحت أي ظرف من الظروف بتطوير أو إنتاج أو تخزين أو الحصول أو الاحتفاظ بأي طريقة أخرى:

(1) العوامل الجرثومية أو غيرها من العوامل البيولوجية، أو المواد السمية مهما كان مصدرها أو طريقة إنتاجها، من الأنواع والكميات التي لاتجد لها مبرر من ناحية استخدامها من اجل الوقاية أو الحماية أو الأغراض السلمية الأخرى ؛

(2) أسلحة أو معدات أو وسائل إيصال مصممة لاستخدام مثل هذه العوامل أو المواد السمية لأغراض عدائية أو في نزاع مسلح ".

لاحظ بان المادة الأولى لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر "البحوث" "لأغراض وقائية أو حمائية أو لأغراض سلمية أخرى". فأصبح هذا هو الاستثناء الذي استغلته حكومة الولايات المتحدة كمثال من اجل إلغاء القاعدة العامة لحظر "الاسلحة البيولوجية" الموجود في المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية. لاحظ أيضًا أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر حرفيا "استخدام" الأسلحة البيولوجية في الحرب. وقد سبق أن نص بروتوكول جنيف لعام 1925 على هذا الحظر. ومع ذلك، ووفقًا لديباجة اتفاقية الأسلحة البيولوجية، فإن الأطراف الحكومية المتعاقدة في الاتفاقية قد أندرجت أساسًا من خلال مرجعية بروتوكول الحظر على استخدام الأسلحة البيولوجية في الحرب:

إعادة تأكيد تمسكها بمبادئ وأهداف ذلك البروتوكول ودعوة جميع الدول إلى الامتثال الصارم لها.

في النهاية وخلال إدارة نيكسون انهت حكومة الولايات المتحدة، وهذا ما يحسب لها، برنامجها الهجومي للحرب البيولوجية. ولكن الأخطر من ذلك هو أن بقايا وحدة الحرب الكيميائية والبيولوجية القديمة كانت تكمن في أحشاء البنتاغون، في الانتظار والتمني والأمل من خلال التخطيط والتدبير بالعودة إلى الحياة مرة أخرى.

المحافظون الجدد الريغانيون

ثم في عام 1981، وصلت إدارة ريغان إلى السلطة، معززة بالكثير ممن يصفون انفسهم بالمحافظين الجدد، والذين كانوا مزروعين في البنتاغون. بعد عقدين من الزمان، عاد العديد من هؤلاء المحافظين الجدد إلى السلطة مع مجيء إدارة بوش الابن في عام 2001، لتتم ترقيتهم لاحقا بشكل بيروقراطي لخدماتهم الشائنة السابقة. اتخذ الريجانيون الموقف القائل بأن أمريكا ستستغل تفوقها التكنولوجي في جميع مجالات المساعي العلمية في جميع المجالات للأغراض المتعلقة بالحرب: النووية، والكيميائية، والبيولوجية، والفضائية، والليزر، وأجهزة الكمبيوتر، وما إلى ذلك.  لذلك بدأ الريغانيون في ضخ مبالغ ضخمة من المال في البحوث في العوامل البيولوجية وتطويرها لاغراض زعموا أنها "دفاعية".

على الرغم من المفاهيم الخاطئة الشائعة التي تشير إلى العكس، فإن المادة 1 من اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تستحدث استثناءً "للدفاع" أو "الردع"، ناهيك عن "الرد الانتقامي"، ولكن فقط من أجل "الأغراض الوقائية من الامراض أو الحمائية أو الأغراض السلمية الأخرى". أولئك الذين دعموااتفاقية الأسلحة البيولوجية كانوا وعي تام بأن "الدفاع" ليس بالضرورة "سلميًا". كما لو كان توضيحًا لتلك الحقيقة بالذات، فإن المحافظين الجدد الريغانيين، الذين يؤمنون بشدة بالمبدأ الميكافيلي بأن "الدفاع الافضل هو الهجوم الجيد"، شرعوا في التصرف وفقًا لذلك، من بين أمور أخرى، بشأن "الاسلحة البيولوجية". ينطبق نفس الحساب المكيافيلي على المحافظين الجدد في عهد بوش الابن فيما يتعلق بمبادئهم بشأن شن حروب عدوانية (يُزعم أنها وقائية) واستخدامهم الأول لأسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك "الاسلحة البيولوجية"، والتي ستتم مناقشتها بمزيد من التفصيل لاحقا.

لو افترضنا القيمة الثابتة للدولار، أنفقت إدارة ريغان قدر من الأموال على أبحاث الحرب البيولوجية المزعومة "دفاعية"، هو نفسه الذي انفقته إدارة نيكسون عندما كان لدى حكومة الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي هجومي بشكل علني وعدواني. على وجه الخصوص، سعى الريجانيون إلى استغلال التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة في أبحاث الهندسة الوراثية للحامض النووي التي اضحت في صدارة ابحاث علوم الحياة، بعد إبرام اتفاقية الأسلحة البيولوجية، والتي لم تتم صياغتها وذلك اخذا بالحسبان الاستفادة من ظاهرة "الربط الجيني (gene-splicing)" لغرض تطوير أسلحة بيولوجية. من منظور اتفاقية الأسلحة البيولوجية، كانت المشكلة التي قدمتها الهندسة الوراثية للحامض النووي ولا تزال هي أنها ذات استخدام مزدوج بطبيعتها ولا يمكن تجنبه - يمكن وضعها للاستخدامات الهجومية والدفاعية في نفس الوقت. التكنولوجيا الحيوية هي نفسها تمامًا في كلتا الحالتين.

يتبع:

 الفصل الثاني: صنع الأسلحة البيولوجية

***

........................

* لا تشمل هذه الترجمة جميع فصول الكتاب وانما تقتصر على اربعة فصول، ستنشر تباع. يشمل هذا الجزء على نبذة عن المؤلف مع عرض بسيط للكتاب مع مقدمة يليها الفصل الاول.

4093 دين العقل وفقه الواقعيحق لنا أن نعتبر كتاب الأخ المفكر د. عبد الحسين شعبان الموسوم " دين العقل وفهم الواقع" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام  2021 من الكتب ذات قيمة فلسفية إجتماعية – سياسية ومن ضمن حقل " علم الإجتماع السياسي" حسب تصنيف بروفيسور جروج جبور.

في هذا الكتاب يحاول د .شعبان أن يقدم صورة جديدة للدين كظاهرة إنسانية، إجتماعية – سياسية، حيث بدأ كتابه بحديث " مقلق" عن الدين والتدين والعلم والقانون بالقول: " ما زالت الحقبة المُظلمة تسكن الكثير من عقولنا... تتحكم في سلوكنا وتهيمن على عاداتنا وتقاليدنا لتفرض الركود والرتابة... لتجرّنا إلى الماضي بدلاً من التطلع إلى المستقبل."

إذن، الكتاب يبدأ على إشارة محددة: نحن نعيش في الحقبة المُظلمة، وهذه الحقبة هي عصر من عصور التأريخ بسقفٍ كئيب يعكس أوضاع الإذلال الديني والسياسي والأخلاقي.

هذا الوضع يسميه د. شعبان بـ " الوضع الإغترابي" يواجه المجتمع وبالذات الوسط الديني، ويواجه العالم الذي يتعرض إلى تغييرات هائلة نقف أمامها " مذهولين" لا حيلة لنا تجاهها سوى الخضوع.

أمام هذه الصورة القاتمة، فإننا بحاجة إلى الإنفتاح والإستعداد الفكري لتفهم وإستيعاب وتقبّل ما يجري الآن بعد عقدين ونيّف من القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني أنه علينا أن نفهم " روح العصر" وإختيار الطريق الصحيح للتفكير والمتمثل بالعقلانية والتحليل.

ومن هنا، إذن، يتناول د. شعبان ككاتب ناقد ومُنظّر ومُحلل في كتابه بالدرس والتحليل مفاهيم الدين والعقل والواقع، أي أنه يبحث عن دين العقل لكي يفهم الواقع، فهل للعقل دين؟

(II) دين العقل...!!!

لا يُصنع الدين تبعاً لإرادة الإنسان، أو بعمل عقلي محض. فالدين في شكله التقليدي ينتج عن ظواهر خارجة عن تلك الإرادة، اللحظات التأريخية هي التي تعمل على ظهوره. الدين ينطلق من تجربة عميقة فيها معاناة إنسانية وجدانية و عاطفية، إذن، ينطلق من أرضية بحث الإنسان عن معنى لوجوده.

في تاريخ الفلاسفة الكبار في نهاية العصر الوسيط، إندلعت تجربة اجتاحت أوروبا في وقتها، وهي تجربة النقاش الجدلي بين أصحاب المعتقدات الفلسفية. أصحاب المدارس الفلسفية المختلفة لم يتركوا أي جانب في الحياة دون مناقشة أو جدل وسِجال يتحوّل في أحيان كثيرة إلى صراع حاد بين المفكرين، من أصحاب الإجتهادات المختلفة، ومن جراء ذلك  ظهرت دراسات ومعلومات أثرت وبِعُمق في حياة المجتمعات وتطورها.

من الممكن الإدعاء، بأن د. شعبان من خلال كتابه ( دين العقل... وفقه الواقع) يحاول إعادة تلك التجربة ويخوض جدالاً فلسفياً-دينياً بين الدين والعقل، وقد يكون في ذهنه ما طرحه الفيلسوف أمانويل كانت (1724 - 1804) حول الدين في حدود العقل.

وفي الربط ما بين الدين والعقل، فإنه إبتدأً من القرن السابع عشر تحرر العقل الحديث من مؤثرات خارجية، رغماً عن أن الدين (سواء المسيحية أم الإسلام) أذِن للعقل في العمل على كشف أسرار الطبيعة  ولكن دون أن يتعارض ذلك مع العقيدة الدينية. فالعقل والعقيدة هما من أشكال المعرفة يتكاملان تدريجياً للوصول إلى الوحدة.

وطيلة القرون الوسطى (أو الحقبة المُظلمة كما يسميها د. شعبان) كانت العقيدة تتقدم على العقل، ولإجل تغيير هذا الترتيب، أعلن ديكارت (1596 –1650) الخطوة الأولى عندما أكد أنه من الممكن تفسير كل ما يحدث تفسيراً ميكانيكياً، وهذا يعني أن العقل بدأ يفسر كل ما يحدث واقعاً تفسيراً محضاً.

وطرح فيورباخ (1804-1872) فكرته الثلاثية: الله، العقل والإنسان. وهكذا رجع العقل إلى وجدان الإنسان، وقد لاحظ ماكس شيلر ( 1874-1928) وجود قانون عام يؤمن كل عقل بموجبه بإله. وكما كتب باكونين (1814 - 1876) مرة حول الدين بأنه " يجب ألا تعمل سياسياً فقط، بل دينياً في السياسة، دينياً بمعنى الحرية."

وبالعودة إلى د. شعبان: في هذا الكتاب يقدم مشروعاً فكرياً ولكنه مشروع غير مكتمل ويحتاج إلى إستمرارية متفاعلة مع الزمن والمكان لإنجازه، وإنّ عدم اكتماله لا يعني أنّه ناقص كما قد يتصوّر البعض. د. شعبان لم يُشير إلى عدم الاكتمال لمشروعه، بل عمل على الدفاع عنه لفتح أبواب حوارات وسجالات جديدة بشأنه. إن عدم الاكتمال ليس عيباً، وإنّما يعني أنّ مشروعه ما زال محافظاً على حيويته وطاقته، ولم يتوقف ويستنفذ، لذا يكتب د. شعبان " وعلى الرغم من أهمية المشاريع الفردية في نقد الفكر الديني، فإنني أعتقد أن مشروعاً كبيراً كهذا يحتاج إلى جهد جماعي ومثابرة حثيثة وتراكم طويل الأمد وشجاعة إستثنائية لتحقيقه، مثلما يتطلب فتح قنوات متعددة ومتنوعة تصب فيه وتصل إلى جوهره."

وفي هذا المشروع يتكلم د. شعبان عن دين العقل وهدفه هو إصلاح المجال الديني بإضفاء صفة العقل والعقلانية عليه، وخصوصاً لا يوجد فهم واحد موحد للدين، فإننا إذن بحاجة للعقلانية لكي يصبح الدين دين المعرفة والعقل لا دين الجهل والخرافة.

ويعتبر د. شعبان هذا التحديد ردًّا على أي فهم خاطئ للدين. إذن، ما يقدمه د. شعبان في  كتابه " دين العقل وفقه الواقع" هو مشروع نقدي جديد متنوع بإختصاصات مختلفة، ويحاول فيه أن يجد مخرجاً للأزمة  وتفكيكها. هذه الأزمة المواجهة للأمة هي أزمة عميقة ومرّكبة وطويلة في ظل قناعات لا تتزعزع رغماً من كل التغييرات التي طرأت على العالم.

 هذا المشروع التنويري يُطرح في وقت تم فيه إفراغ الدين من إبداعه الدلالي وواقعيته السياسية والإجتماعية. وقد إتخذ د. شعبان من إحكام العقل إنسجاماً مع فقه الواقع عبر الوعي بالتأريخ كمدخل عام لمشروعه، الذي فيه يُفَرِق د. شعبان ما بين الدين والتديّن، فالدين هو منظومة قيمية إنسانية، بينما التدين هو عبارة عن ممارسات وشعائر وعادات.

وفي مشروعه يؤكد د. شعبان على العدل الذي سيكون ضامناً للدفاع عن الوطن والإنسان، حيث أن هذا العدل يمثل محتوى المواطنة وجوهرها في الدولة الدستورية والقانونية الحديثة التي هي دولة المواطنة والحق.

ولكن يظهر أنه لحد اليوم لم يقف أحد ناقداً وفاحصاً ومناقشاً، وذلك لأنّ العقل، كما يقول هابرماس في مشروعه الذي لم يكتمل أيضّا،" له معين لا ينضب لا من الطاقة ولا من الخيال ولا من الطموح، ولأنّ حركة العلم التراكمية لا تتوقف، وهكذا حركة الزمن لا تتوقف كذلك، هذه هي العناصر الأساسية المكونة لبنية الحداثة، وما دامت هذه العناصر لا تكتمل فإنّ الحداثة لا تكتمل كذلك، فالحداثة يمكن أن تنتكس لكنها لا تكتمل".

إن مشروع د. شعبان يمكن تصنيفه كمشروع فكري تنويري ضمن حركة الحداثة التي هي مشروع لم يُنجز بَعدُ، حسب رؤية هابرماس.

في هذا المشروع التنويري إستخدم د. شعبان منهجاً نقدياً (يماثل منهج ديكارت) هدفه هو بيان القواعد والإرشادات التي ينبغي أن نتبعها، وكيفية استخدام مَلكاتنا العقلية على الوجه الأشمل، ويؤسس على دعائم الشك الذي سيصل إلى اليقين.

المنهج النقدي العقلاني قاد إلى اكتشافات علمية، ولأجل تحرير السياسة من الدين وتخليص المجتمع من الخرافات، ينبغي اعتماد العقلانية، ونقد كل القضايا بما فيها القضية الدينية. لكن هذا الشرط يحتاج إلى ترسيخ الحرية الفكرية. إذن، المشروع التنويري لـ د. شعبان هو دعوة لتجديد الفكر الديني، وتقديم تفسير جديد للنصوص الدينية المقدسة وفق أساس عقلاني. وفي هذا المنهج العقلاني يهدف د. شعبان إلى إقامة مجتمع إنساني وحر.

من المفيد أن نجري مقارنة هذه الأفكار للمفكر شعبان مع ما طرحه ماكس فيبر (1860-1920 ) قبل أكثر من قرن أفكار حول الدين في كتابه الشهير ( الإقتصاد والمجتمع). ويترتب على ذلك أن التفسير الاجتماعي للظواهر الدينية والمعتقدات الدينية كأية ظاهرة اجتماعية، يأتي من الطريقة التفسيرية المستندة على الميثولوجي، حيث أن سبب معتقدات الفرد يتطابق مع المعنى الذي تحمله هذه المعتقدات بالنسبة له أو لها. وفقًا لـ فيبر، فإن  فئة معينة من الناس تلتزم بمعتقد معين هو إظهار أن هذه المعتقدات منطقية بالنسبة لهؤلاء الأشخاص. لذا  تظل كتابات فيبر حول علم اجتماع الدين ذات صلة بسبب إطارها المنهجي والنظري.

على الرغم من أن فيبر يطبق نظرية الفهم لتحليل المعتقدات الدينية بطريقة واعية ومنهجية:

التمسك بأي معتقد، ديني أو علمي وكذلك قانوني، يفسر من خلال حقيقة أن الموضوع لديه أسباب قوية للاعتقاد به. 

لم يكن فيبر وحده من يتبنى هذا الإطار النظري.دى توكفيل (1805 - 1859) قبله يشترك في نفس المبادئ النظرية والمنهجية. ويوضح أن الاختلافات العيانية التي لوحظت بين الولايات المتحدة وفرنسا في محتوى وتوزيع المعتقدات الدينية "مفهومة.

يقول فيبر، إن الدين يشبه حالة السحر، الذي تجنب دائمًا النقاش غير المجدي إلى حد ما - والذي يزخر به الأدب الأنثروبولوجي الكلاسيكي - حول العلاقات بين الدين والسحر: هل أحدهما سابق على الآخر؟ إذا كان كذلك؛ أيهما؟ وهل يكمّل أحدهما الآخر أم يتناقض معه؟ لأنه، بالنسبة إلى فيبر، يحتوي الدين حتماً على جرعات أكبر أو أقل من السحر. علاوة على ذلك، يسعى كل من الدين والسحر إلى أهداف محددة جيداً ويحاولان تحقيقها بالوسائل القائمة على النظريات التي يجدها المؤمن مقبولة.

بهذا الصدد يكتب د. شعبان ان هناك " ثمة فوارق كبيرة بين الدين، الذي هو منظومة قيمية إنسانية، وبين التدين الذي هو ممارسات وشعائر وعادات بعضها أقرب إلى ميثولوجيات وخرافات يشترك فيها الكثير من الأديان" ويضيف: " وإذا كان الأمر قد إقتصر في كثير من الأحيان على تفسير العقائد الدينية، التي يتعلق بعضها بالظواهر الغيبية وتعطّش البشر الروحي للشعور بالطمأنينة الداخلية، ولا سيما في ظل عجز الإنسان عن تفسير وحلّ الكثير من الأسئلة التي تواجهه...".إذن لجوء الإنسان المتدين للغيبية (وفي السحر الكثير من المفارقات الغيبية) هو لكي يطمئن على وضعه ويرتاح.

في السطور الأولى من الفصل الخاص بعلم اجتماع الدين في الاقتصاد والمجتمع، يستشهد فيبر بـ التثنية: نحن نتبع تعاليم الدين "حتى إذا كان الأمر جيداً معك. .. ولكي تطيل أيامك على الأرض ". وفي الفصل الافتتاحي للاقتصاد والمجتمع حول الدين ، يشير فيبر إلى أن المعتقدات التي تبدو غريبة بالنسبة لنا والتي نسميها "غير عقلانية" تبدو كذلك بسبب ما أطلق عليه السايكولوجي السويسري  بياجيه ( 1896- 1980) "مركزية المجتمع".

في رأي فيبر تظهر عقلانية الفكر الديني أولاً وقبل كل شيء في حقيقة أن المؤمن "مزيف". ويختفي الإله الذي لا يؤدي الخدمات المتوقعة منه. إن الفلاح متردد في قبول التوحيد، لأن وحدة الإلهام التي نتوقعها من إرادة إلهية فريدة لا تكاد تتوافق مع تقلبات الطبيعة التي يواجهها.

تبدو إحدى النظريات، التي وفقًا لها أن الظواهر هي في الواقع إرادة في منافسة مع بعضها البعض، أكثر اتساقاً مع ما يراه كل يوم. هذا هو السبب في أن كلمة "وثني" تأتي من تبادل الإهانة: أولئك الذين ظهروا متمردون تجاه التوحيد كانوا يطلق عليهم اسم الوثنية. أصبح القديسون جزءَا أساسياً من الكاثوليكية لأنهم سمحوا للنظرية الدينية بالتوافق مع الواقع في نظر الفلاحين. يؤكد فيبر أن تفسير النبوءات يبدو أنه يتكيف باستمرار مع الواقع.

إذن، تترجم عقلانية الفكر الديني إلى حقيقة أن المؤمن يتبين أنه "تَحقَق". منذ بوبر، كان للتحقق من سمعة سيئة في فلسفة العلم: لا يمكننا التحقق من صحة نظرية، يمكننا فقط "تزويرها". لكن هذا ينطبق فقط على النظريات التي تتخذ شكل افتراضات عالمية. وبصدد العلم يستشهد د. شعبان بـ الفيلسوف برتراند رسل ( 1872- 1970) الذي يقول أن العلم لا يستهدف إنشاء حقائق ثابتة وعقائد أبدية، بل هدفه الإقتراب من الحقيقة وهذه الأخيرة ليست نهائية. وعند المحاولة في كشف العلاقة بين العلم والدين، فإن المعرفة بهما تختلف، حيث أن العلم تتحدد بمقدمات وتجارب ونتائج، بينما الإيمان مرتبط بالقلب وبالعلاقة باسماء أو الغيب أو الما وراء.

(II) لماذا المناظرات؟

أول ما يتبادر إلى الذهن: ما ذا يريد د. شعبان أن يحققه من خلال هذه المناظرات؟ وهل أنها تُكّون جزءًا من مشروعه؟ نعم إنها تمثل جوهر مشروعه، لأن هذه المناظرات تتعلق بمستوى الإدراك والمعرفة.

د. شعبان يكتب بأن ما يجمعه مع الفقيه السيد أحمد الحسني البغدادي " مشتركات كثيرة و مختلفات غير قليلة" وهذه على مستويات متنوعة شخصية، فكرية، ثقافية وإجتماعية. ومن هنا يؤكد د. شعبان على "علاقة عضوية سوسيوثقافية بين الدين والتدين أساسها جهل الإنسان بذاته وبالآخر، إضافة إلى جهله بالطبيعة وغموض المستقبل".

هذه القضايا تشغِل بال الإنسان وتزيد من قلقه والمسألة هذه غير محصورة بالفرد أو الأفراد، بل أنها  تشمل كذلك الجماعات والمجتمعات خالقة قضايا معقدة منها قضية الهوية إلى جانب قضايا مهمة مثل السلام والعدالة والمساواة.

هذا الوضع يفسح المجال للصراع والجدل الذي سيتحول نحو صراع كوني، حيث تراكمت عبر السنين أفكار ومعتقدات وقناعات إتخذت بعضها صفة " العلوية المقدسة".

ولذلك يدعو د. شعبان إلى تعاون ومشاركة ونقد متبادل بين مدنيين حداثيين ودينين مؤمنين

حيث يجب على الجميع الإيمان بحق الإختلاف والحق في النقد وإحترام الخصوصيات.

وفي كل هذا وفي إطار المناظرات يحاول د. شعبان أن يلجأ إلى النقد كوسيلة من وسائل التواصل.

ما هو محتوى هذه المناظرات؟

يُركز د. شعبان على ثلاث قضايا مهمة هي:

* العلاقة المركبة بين الديني والعلماني

* العلاقة بين الدين والدولة، وكيف يمكن حل التناقض، وهل يصلح الدين لكل زمان ومكان، وهل الاسلام فعلاً دين ودولة وما هي ملامح الدولة الدينية، وكيف نفرقها عن الدولة المدنية، وما موقعها من الحداثة؟

* العلاقة بين الاجتهاد ولغة الفكر او الاجتهاد وفكر اللغة.

هذه القضايا الجوهرية في مناظرات د. شعبان أثارت جدلاً واسعاً، وخصوصاً عند تناوله مسألة الدين- العقل، مشيراً إلى حوارات مهمة لفلاسفة كبار ومنهم (هيغل 1770- 1831) الذي يفسر الدين بوصفه الرغبة في السمو الانساني، نحو الاعلى والاكمل، ومن خلالها يتجسد الاله. وعلى العكس قام (فيورباخ) بنقد ذلك، ومنه استمد (كارل ماركس) رؤيته في شأن الدين.

  لقد إستند د. شعبان على حقائق مهمة في مشروعه  التنويري، والتي (الحقائق) تدور حول سلبيات رجال الدين وخشيتهم في محاولة توعية الناس واستبدال المفاهيم القديمة البالية بمفاهيم وسلوكيات واقعية تنسجم مع التحولات الكبرى في العالم والقائمة على الحق والعطاء والحرية، وهذا يخلق بيئة مضادة وكارهة للأفكار التنويرية.

لذلك يكتب د. شعبان " من أجل أن يكون عنصر تحرر وتغيير لا عنصر سكون وخضوع، وعليه لا يمكن قراءة النص الديني والقرآني تحديداً قراءة ماضوية محددة وتأويلاً واحداً، ففي ذلك إساءة إلى حرية الفكر والتفكير، وهو ما فعلناه مع الفارابي وابن سينا وابن رشد الذين قرأناهم بطريقة دوغمائية، وحتى القراءات المتأخرة لهؤلاء ولنصوص دينية تحاول حبسها في فهم خاص وضيق، مثلما تحاول حبس ادراكنا وقراءتنا لها، الى درجة ان القرآن اصبح للتلاوة والترتيل والاعادة والحفظ، في حين أنه اهم كتاب اسلامي جامع ومفتوح وقابل للتأويل والقراءة المفتوحة وهو ليس ملك لاحد، لفقيه او عالم دين او شيخ او قارئ او مرتل، بقدر ما هو ملك الانسان الذي يستطيع قراءته وفهم معانيه وتمثل قيمه الانسانية). 

في كل هذه المناظرات والنقاشات مع السيد الحسني البغدادي يؤكد د. شعبان على النقد كوسيلة من وسائل التواصل والتجاذب، وهو، كما يؤكد كانت أفضل أداة تنموية وتطويرية إكتشفها الإنسان، وهو نقد يقوم على التمايز والخصوصية من جهة والقيم الإنسانية من جهة أخرى.

***

بروفيسور شيرزاد أحمد أمين النجار - من العراق

...................

- الأصل في هذه المادة مداخلة ألقاها د. شيرزاد النجار في منتدى الفكر العربي في عمان بتاريخ 29 تموز / يوليو 2022 في ندوة لمناقشة كتاب د. شعبان "دين العقل وفقه الواقع" وقد نشرت في جريدة الزمان (العراقية) في 10 آب / أغسطس 2022.

 

محمد جواد فارسالقرآن جامع مشترك وفيصل لكل الطوائف

(الأديان تؤدي وظيفة مزدوجة فهي تعوض الفقراء عن فقرهم بالمعنى الروحي، بينما تعطي الشرعية اللازمة لطيف الأغنياء)... كارل ماركس

صدر الكتاب عن دار آحياء تراث الامام البغدادي – العراق – النجف يتضمن الكتاب في البداية سورة التوبة من القران الكريم، ومدخل إلى منظومة التخلف المجتمعي، القسم الاول الخطاب السلفي والخطاب الحداثوي بين المقدس والمدنس، القسم الثاني – فكر وتخلف ...رؤية مغايرة، القسم الثالث العملية السياسية إفتراع واستشمار في الأصل والفرع،القسم الرابع وسائل ناعمة للتاثير على العقول .

في مجال نقد العقل الديني كتب الكثير من الباحثين والاكادميين منهم على سبيل المثال الكاتب السوري صادق جلال العظم كتابه أثار ضجة في الاوساط الدينية، بحجة ان البحث يمس المقدس وهذا يعتبرونه تجاوز للخطوط الحمر الغير مسموح بها .

و قبل فترة قصيرة كتب الاكاديمي المفكر عبد الحسين شعبان كتابه الموسوم ( دين العقل وفقه الواقع ) وهو يتضمن نقاش وسجال مع آية الله السيد الحسني البغدادي، هذا لكتاب أصبح مرجعا للكثير من المثقفين والمتابعين لهذا الموضوع، وكتب عنه الكثير من المقالات لأهمية الفكر التنويري لدى الطرفين في هذا السجال . وجرى مؤخرا مناقشته في منتدى الفكر العربي بحضور نخبة من المثقفين . .

وقبل البدء بعرض الكتاب أريد ان أذكر بما كتبه أبن سينا حول الدين يقول:يدعون الناس إلى الجنة وهم عاجزون عن دعوة يتيم إلى مائدة، يدعون الناس إلى الجنة وأوطانهم مليئة بالمتسولين وماسحي الاحذية، حمقى البلاد وقطاع الطرق أخذوا مال الأرض وورثوا بيت السماء،أي رب ربكم أي دين دينكم .

يتحدث المؤلف حول منظومة التخلف المجتمعي كاتبا: أن عقل الانسان الاسلامي يرحب دائما وبإستجابة مطلقة بمن يبرر له تفكيره،وبمن يجوز له ما لديه من أيديولوجيات فكرية وعقيدية وسسياسية وأخلاقية، بمن يفسر له أبشع ما في جعبته أحسن وأرقى التفاسير . ان أسوء الاعداء في تقديره هو الذي يفند آراؤه وافكاره ويصر في سلوكه صياغة ممتازة، او يحميها من لصوص العقول وفريقي العقائد وباعي الارباب . ويذهب المؤلف أبعد: أما الحمعيات والمجتمعات الاسلامية فأنها لاترى فرق بين النقد والتآمر . فعقل الانسان الاسلامي صفد ظاهرة اسلامية شاذة يعد ضالا ومضلا وجاحد بالله والرسل والتراث والتاريخ . انتهى الاقتباس  وهنا تكمن حقيقة وصحة هذا الوصف في ما نشاهده اليوم لدى من يدعون انهم يحافظون على رسالة الخالق ودعوة رسوله في تعاليم وفتاوى بعيدة كل البعد عن الاسلام المحمدي . المؤلف السيد البغدادي في كتابه هذا، ومن خلال القرأة بين السطور، نجد انه المتطلع خوصا بكثير من الامور الاسلامية خاصة في مجتمعنا العراقي، وكذلك المجتمع الاسلامي على مستوى العالم، وهذا ناتج في الحقيقة عن مطالعا ته ودراساته لتاريخ الاديان وحركة التاريخ وتطوره اليوم .

و ينقلنا الباحث ليسلط الضوء على التشويه والخزعبلات في تاريخ الطائفة الشيعية التي أوردوها في كتب بعظهم وتتحدث بها بعض منابر الحسينية، ومنها " عرس القاسم، وفاطمة الصغرى، وحكاية الفتاة اليهودية، وحكاية ظهور ليلى في كربلآء، وحكاية الطفل، وقصة زيارة الاسرى "، وغيرها من الحكايات المشكوك فيها وروائها والتي لم يكن لها وجود وأنما هي من صنع وتسطير مزوري التاريخ . أترك للقارئ الاطلاع بالتفاصيل الموجودة في متن الكتاب والتي سردها المؤلف كأمثلة، وعن حكاية عاشوراء المعركة ومارافقها من تضخيم وعدم وجود مصداقية في الحدث، والجدير بالذكر ان المؤلف يريد ان تكون هناك مصداقية في النقل للخبر، والسيد البغدادي يميل الى العودة الى القران الكريم في آياته التي نزلت على الرسول،و من هنا نجد ان القران هو الجامع المشترك والفيصل لكل الطوائف الاسلامية في العالم . وفي الجزء الاخير من كتابه يربط المؤلف ما جرى في السابق ومايجري في وقتنا الحاضر، جرى تراجع في هيبة الدولة داخليا وخارجيا، عدم احترام القانون والقضاء، وجود نخبة فاسدة تسعى لتحقيق مصالحها الشخصية في ظل الفقر والتخلف وغياب العدالة، ونشر الفساد الاداري والمالي وأنيهار البيئة التعلمية في المدرسة والجامعة، وأنهيار المؤسسة الصحية وعدم الاهتمام بصحة المواطن، وتدمير الاسرة والمجتمع من خلال انتشار المخدرات، والاعتماد على الخارج . المؤلف لم ينسى ما يجري حول العراق من تامر صهيوني أمبريالي رجعي على العراق وعلى الامة العربية، فقد ركز على القضية العربية وعلى صفقة العصر وأطلق عليها " سايكس -بيكو "جديدة تستهدف القضية الفلسطينية وهذا المخطط يشمل بعض الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني تمهيدا للاعتراف بدولة الكيان الصهيوني وزجها في علاقات مع دول الشرق الاوسط بما يسمى " بالشرق الاوسط الكبير " وأن يقبل العراق توطين اللاجئين الفلسطينين وكي ينسوا قضيتهم في العودة الى بلدهم فلسطين العربية .

وفي موضوعة فكر وتخلف رؤية مثابرة كتب يقول (أن رؤية التخلف في أي نوع من هذه الانواع جدير أن يساوي،بل وبعض تخلف الانواع الاخرى، فالتخلف في الاطروحات السياسية أو القيادية لابد أن يساوي، وبعض التخلف في العلوم الانسانية والتكنولوجيا، كما ان التخلف في هذا لابد أن يعني ويساوي التخلف في ذاك، أي الجماعات والمجتمعات المصابة بمرض هذا الذاتي التكويني الوراثي، وما قالوا عن تقدم وتفوق آباء هذه الجمعات والمخيمات بتلك المدح والثناء ة الثناء المبالغ فيه، والمؤسف والمضحك لم يوجد ولن يوجد اطلاقا إلا مزاعم كاذبة وهمية قد تكون من الجواهز عليها وإرادة التعويض والتنظير عما هو حاصل ) انتهى الاقتباس . ويريد القول ان المتخلفين متفوقين بامتياز في الكذب والادعاء والمزاعم المفبركة، وهم الذين يشعرون بالدونية يريدون التعويض عنها بتلك المزاعم . ويشير الكاتب حول قضية مهمة الا وهي قضية التبرعات والنذر التي تأتي الى العتبات المقدسة في العراق من العراقيين ومن السياحة الدينية لهذه المراقد يكتب: أن ادارة وقضايا العتبات تدخل مع كثير من القضايا التي تتعلق بالدولة كا السياحة الدينية الخارجية، ومنظومة النقل والطرقات والمطارات وحركة الاقتصاد في المدن المقدسة وغيرها، فكيق يجوز أن نربط وتعين الامناء والإشراف على الاموال بيد مرجعية دينية مستقلة عن الدولة ؟ وقد يقال أننا في الفقه نقول ان الامام العادل هو الولي على الاموال العامة والصدقات فلا ظير في اشراف المرجعية العليا على شؤون العتبات .نقول أن هذا يتعلق بحدود الولاية الحسبية الخاصة التي لا تسمح بالتدخل في الشأن العام الا في الحالات التي لابد فيها من دفع الاضرار المحتملة، وادارة العتبات يمكن ان تنهض بها دائرة الاوقاف التي هي من الهيئات المستقلة التي ترتبط بالدولة . وبما يتناسق مع تنظيم السياحة والنقل والاقتصاد، فلماذا توكل الى المرجعية ؟ . انتهى الاقتباس وهذا تسأل مشروع يقدم عليه المؤلف عن اهمية اشراف دائرة الاوقاف التي تعود للدولة بدلا من المرجعية، كما كانت سابقا ايام أنظمة الحكم المتعاقبة .

المؤلف آية الله العظمى السيد أجمد الحسني البغدادي كان شجاعا وجريئا ولايزال كما نعرفه في طروحاته في هذا الكتاب وسعى لإزاحة القداسة عن الكثير من المدعين من منطلق فقهي مستند على التعاليم المتبعة،و يفضح الذين كذبوا على الشعب مسطرين أمجاد كاذبة لا تمت لهم بصلة، وانما كانو يبتغون السيطرة على عقول البسطاء من الناس الذين يتخذون من منابرهم قدوة حسنة وهي ليست كذلك . كتاب العقل الديني ..أديان الأأرض ... ودين السماء

للسيد اية الله العظمى أحمد الحسني البغدادي

كتاب ضم الكثير من المعلومات القيمة والغزيرة، جدير بالقرأة للمهتمين من الاكاديميين والمثقفين العراقيين والعرب لما تضمنه من معلومات كثيرة وغزيرة لم اغطيها كاملة، تركتها للقارئ الكريم للاطلاع عليها، وسوف يجد الكثير من اتسؤلات التي تدور في خلدة على أجوبة لها من وجه نظر أحمد الحسني البغدادي القيمة .

***

محمد جواد فارس

طبيب وكاتب

أنا من عشاق كانط ـ ذلك الفيلسوف الألماني الرائع الذي اتبـع في مناقشـته للمشـكلة الأخلاقيـة بمـا يـتلائم مـع نزعتـه العقليـة وفلسـفته النقديـة، فهو من الذين لم يوافـقوا على ما جاءت به الأخلاق اليونانية ولا الأخلاق المسيحية، ولهذا فقد قام بالبحث في طبيعة الأخلاق بعد نقاش ونقد الأخلاق عند الآخرين، وقد أظهر لنا نظرية أخلاقية عقلية.

وفكرة كانط الرئيسة في الأخلاق ظهرت فــي كتابــه النقــدي الثــاني " نقــد العقــل العملــي " الــذي يشــبه " نقــد العقــل المحــض "، بــل أنــه مــن حيــث المضمون تتمة مباشرة للكتاب النقدي الأول.

اختلف كانط مع النظريات الأخلاقية، التي ترى أن فكرة الخير هي دعامة الأخلاق، في حـين أنه اعتبر الأخلاق هي " فكـرة الواجـب " . وهكـذا أحـدث كـانط ثـورة فـي مجـال الأخـلاق . إن التحـدث عـن الأخلاق عنده تعني " نظرية الواجب "، إذ يرى أن الواجب هو ما أملاه العقل.

وفــي البدايــة كــان متــأثرا بالنظريــات الأخلاقيــة والاجتماعية لــدى جان جاك روســو الــذي نــادى بــالعودة إلــى الطبيعــة أو الفطــرة، لتخلــيص الإنســان مـــن التــأثيرات الســلبية للحضــارة وخــداعها وشــروطها؛ إلا أن كــانط لــم يأخــذ بهــذا الــرأي أو غيــره بــل تنــاول النظريــات الأخلاقيــة بالنقــد.

ونظريتــه الأخلاقية ظهرت بعد ظهور كتابه " نقد العقل المحض بعـدة أعـوام ؛ ومـا أن اسـتقر علـى منهجـه الجديـد المـنهج النقـدي حتـى رفـض تلـك النظريـات الأخلاقيـة التـي كـان يميـل إليهـا، فقد أخـذ ينـادي بنظريـة جديـدة تفصـل الـدين عـن الأخـلاق وتوفـق بـين الأخـلاق والعلـم . فهـو يريـد إيجـاد أخـلاق لا تسـتند علـى دعامـة خارجية، وقد أوضح ذلك في كتابه " تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق.

ولم يكن كانط بكل تأكيد ليَبني على الأرضية غير المتماسكة للنظرية الأخلاقية البريطانية، رغم أنه تأثَّر كثيرًا بفكرة شافتسبري القائلة إن المبادئ الأخلاقية الأساسية لا يُمكن أن تكون مسألةً تَعتمِد على التفضيلات الذاتية، بل يجب أن تكون ملزمة على نحو عامٍّ؛ إذ يؤمن كانط، شأنه شأن شافتسبري، بأن الأخلاق تتضمَّن المشاعر، والتي هي في رأيه الاحترام والغضب والحصافة والتضجُّر والتقدير والندم وما شابه، فنحن لدينا القدرة على الشعور بالسرور لتحقيق واجبنا الأخلاقي. في واقع الأمر، إن هذا الإحساس بالرضا مشروع ومرغوب معًا لكن هذه العواطف لا يمكن أن تُمثِّل دافعًا لأفعالنا. وقد اعتقد هيجل نفس الشيء؛ فالرغبة لا يمكن أن تكون عاملًا في فعل الصواب، بل إن ما نشعر به في هذه الظروف هو الألم قبل كل شئ؛ فالقانون الأخلاقي يعترض بصرامة على ميولنا الطبيعية، وهذه طريقة أدركنا بها وجوده الجليل.

كما يفسح كانط بعض المساحة في فكره الأخلاقي للسعادة؛ لكن رغم أن السعادة هي جزاء الفضيلة في الحياة الآخرة - إن لم يكن في الحياة الدنيا في أغلب الأحيان - فلا يُمكنها أن تكون الدافع المحرِّك نحوها. فالسعادة ما هي إلا فكرة تجريبية وليست قيمة مثالية عند العقل، وهي لا تقوم على مبادئ؛ فعلى الفرد أن يُكافح من أجل الرضا العام؛ لكن الرضا الذي يرتبط ويتسق مع أطهر المبادئ الأخلاقية، فهو لا يؤمن بأن المبادئ الأخلاقية يمكن أن تنبني على الإحساس أو العاطفة أو السعي نحو الرفاهة؛ فالحواس لا تتيح لنا الوصول إلى حقيقة أنفسنا ولا إلى جوهر الأشياء برغم ما قد يزعمه أنصار مذهب الخير عن الاتحاد البديهي بين رُوحين من أصل واحد. فالإحساس ليس أساسًا للمعرفة الذاتية، فالكائن الأخلاقي ينتمي لعالم المعقول لا عالم المحسوس؛ إذ يجب علينا ألا نضع مبدأ السعادة في الاعتبار عندما يتعلق الأمر بالواجب؛ فحسُّ الفضيلة يجب حتمًا أن يكون أكثر من التشوق للرضا. فعلى الإنسان أن يتصرف تبعًا لمبدأ وليس ما يُسميه كانط باحتقار «التعاطف المؤثر». وهو في هذا يختلف مع "تيودور أدورنو" الذي يكتب أن "الأساس الحقيقي للأخلاق موجود في الشعور الجسدي، في التماهي مع الألم الذي لا يُحتمل."

بل إن كانط بلغ به الأمر أن رفض هذا الجهد البريطاني في الفكر الأخلاقي باعتباره محاولة فاشلة لاستخلاص مفهوم الفضيلة من التجربة؛ فالتجرِبة عنده كما هي عند اسبينوزا أساس أكثر تغيرًا واحتمالية من أن يُبنى عليها الحكم الأخلاقي، تمامًا مثلما أنها أساس هش في ذاته لمعرفة الحقيقة بموضوعية، فهي كما يقول كانط "شئ بشع ملتبس» تعارض كل صيغة منتظمة. فالإحساس مُرشِد لا يُعتمد عليه إطلاقًا، والأخلاق أسمى من الطبيعة ولا يمكن أن يكون مصدرها الجسم أو أحواله التجريبية، فالمشاعر والنزعات والميول لا يمكن أن تُوصلنا إلى أي مبادئ موضوعية. يشير كانط باستخفاف — ويقصد هتشسون — في عمله «أسس ميتافيزيقا الأخلاق» إلى «حس مزروع» أو «حاسة خاصة مُفترضة» ساخرًا من أن هؤلاء الذين لا يُمكنهم «التفكير» يظنون أنهم يمكنهم مساعدة أنفسهم بالشعور.» ويصرُّ، وهو يقصد نفس المذهب الأخلاقي، على أن المحاكاة لا مكان لها إطلاقًا في قضايا الأخلاق.

وفي الأيام الماضية صدر كتاب لأخي وصديقي الأستاذ الدكتور علي وطفه بعنوان: «التربية الأخلاقية في الفلسفة الكانطية: مكاشفات نقدية معاصرة»، عن المجلس العلمي - لجنة التأليف والتعريب والنشر بجامعة الكويتـ ويقع الكتاب في 500 صفحة من القطع الكبير ويتناول التربية الأخلاقية عند «كانط» بالدراسة والوصــف والتحليــــل، ويخضعها في الوقت نفسه للنقد المنهجي في ضوء النظريات التربوية الحديثة والمعاصرة، وبأسلوب شائق ولغة فلسفية مفهومة ومبسطـــة وعــرض تربوي واقعي.

وقد اعتمد المؤلف منهج التفكيك العلمي والتنقيب "الأركيولوجــــي" فـــي استكشاف العلاقات الراسخة بين فلسفة كانط الكلية وبين التربية الأخلاقية، ويشكل الكتاب محاولة علمية جادة كرست للوقوف على أسرار التربية الأخلاقية الكانطية والكشف عن أبعادها الفلسفية في سياق تفاعلها مع الواقع من جهة والفكر من جهة أخرى.

ويتناول الكتاب التربية الأخلاقية عند كانط بالدراسة والوصف والتحليل، ويخضعها في الوقت نفسه للنقد المنهجي في ضوء النظريات التربوية الحديثة والمعاصرة. وقد اعتمد المؤلف منهج التفكيك العلميّ والتّنقيب الأركيولوجيّ في استكشاف العلاقات الراسخة بين فلسفة كانط الكليّة وبين التربية الأخلاقية. ويشكل الكتاب محاولة علمية جادة كُرّست للوقوف على أسرار التربية الأخلاقية الكانطية والكشف عن أبعادها الفلسفية في سياق تفاعلها مع الواقع من جهة والفكر من جهة أخرى

يتضمن الكتاب سبعة عشر فصلاً، إضافة إلى مقدمة وخاتمة. وتغطي هذه الفصول مختلف مكوّنات التربية الأخلاقية الكانطية ومظاهرها ضمن سياقاتها التاريخية والفكرية. ويستعرض المؤلّف في البداية مختلف العوامل المؤثّرة في سيرة كانط وتلك المؤثرة في تشكيل فلسفته الأخلاقية. ثم يتناول بالفحص المنهجي مقوّمات المشروع التربوي الكانطيّ، ويبحث في المنهجيّة التي اعتمدها كانط في عملية تجاوز الطبيعة الإنسانية بالتربية الأخلاقية، ثمّ يحلّل طبيعة الممارسة النقدية الكانطية للتربية كما سادت في القرن الثّامن عشر. ويستعرض المؤلف نظرية كانط في التربية الأخلاقية من منظوري الدين والجنس، ثمّ يستعرض الفضائل الأخلاقية التي جعلها كانط في مرتبة الغايات العليا للتربية.

وكرست الفصول الأخيرة من الكتاب للبحث في القضايا الفكرية التي طرحها كانط فيما يتعلق بالتنوير والتربية على التنوير، وفيما يتعلق بالتربية الأخلاقية على مفهوم "السلام الدائم"، وفيما يتعلق أيضاً بتأثير كانط في الفكر الفلسفي والتربوي الحديث. وفي نهاية المطاف يخصص الكاتب الفصل الأخير لنقد التربية الكانطية في ضوء التحولات الفكرية المعاصرة. وباختصار شديد كرّس هذا الكتاب ليستكشف معطيات التربية الأخلاقية في فلسفة كانط في سياق تفاعلاتها الحضارية والإنسانية على نحو نقدي.

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور علي أسعد واطفه (أستاذ  علم الاجتماع التربوي بجامعة الكويت) صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

وهنا وجدنا أن البحث في علم الاجتماع التربوي في نظر الدكتور علي أسعد وطفة، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة.

علاوة علي ذلك فإن جدية الدكتور علي أسعد وطفة وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

هذا بالإضافة أيضاً إلى أنه مكافح مناضل، وتلك ظاهرة ملحوظة في حياته كلها، كافح في صباه وشبابه، كما كافح في كهولته وشيخوخته . كافح وناضل في ميدان العلم والتعليم، في ميدان التربية والاجتماع، في ميدان الوطنية والسياسة، وكلفه كفاحه ما كلفه من عنت ومشقة، وقد حاول جاهداً أن يجمع أنواعا مختلفة من العلوم وضروباً من المعارف؛ وهو عالم يشار إليه بالبنان ضمن علماء الاجتماع التربويين .

وقد شهد له كل من عرفه بأنه نعم الرجل الذي في نظرته تأمل بعيد، وفي قلبه تواضع، وهو ذو شخصية إنسانية طاغية، حانية، حاضنة، وذو بصيرة ناقدة، وشخصية بناءة إيجابية متفائلة، وقلب مفعم بحب البشر، كرس حياته للدفاع عن الإنسان، وإبراز كرامته وقدسيته روحياً ودينياً، حضارياً وثقافياً، اجتماعياً ومادياً.

علاوة علي أن علي وطفه (مع حفظ الألقاب) يعد قامة، وقيمة علمية، وأخلاقية كبيرة، على المستوى العلمي، والمستوى الشخصي أيضاً، لأنه دائماً كان يمد يد العون، لمن يعرف، ولمن لا يعرف صغيراً وكبيراً؛ كما يتميز بدماثة الخلق، وحسن المعاملة مع أصدقائه وزملائه فى العمل، وأنه كان يسعى دائماً إلى تحقيق هدف سامى ونبيل، وهو جبر الخواطر، وأن يجمع بين الصدقة الجارية، والعلم الذى ينتفع به.

لقد كان قارئا لكل الأحداث، ولم تقف قراءته هنا الحديث والمعاصر، بل أبى إلا أن يجمع بين الماضي والحاضر . ودون أن أعرض إلمامه الواسع بعلم الاجتماع التربوي، أحب أن أشير إلي تمكنه من هذا العلم ؛ حيث عرف أصوله وأحاط بشتي جوانبه، إذ درسها في عمق وسعة، وكون فيه رأيه الخاص، ولا أظن أن من بين أقرانه من أهتم بقراءة التربية العربية في معترك الحداثة، أو حضور المقدس في الثقافة العربية، أو جان جاك روسو: فيلسوف الحرية والأب الروحي للتربية الحديثة، أو موت المدرسة في زمن كورنا … وهم جرا.

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به علي وطفه من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلى ما هو أوسع وأرحب . ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية . وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها علي وطفه لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر. ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الاجتماعية والتربوية في لغاتها الحية.

صديقي العزيز الأستاذ الدكتور على وطفه تحيتي  وتقديري دوما  لما  تكتبه   بقلمك الواعي وحسك الفلسفي العميق، وحتي لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي، تحية طيبة لشخصكم الكريم، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

***

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

م4086 الاجتماع الدينينهج الكتاب

لقد حدد المؤلف الدكتور علي المؤمن في بداية الكتاب موضوع الدراسة التي قام بها، وهو المجتمع الإنساني الذي أفرزه التشيع في عصر الغيبة، وهوية هذا المجتمع وأنساقه ومكوناته، وهو ما عبر عنه بـ (النظام الاجتماعي الديني الشيعي). وبما أن المؤلف أشار في المقدمة الى كون منهجه في الكتاب هو الوصفي التحليلي، لذلك؛ نرى أن من الضروري هنا التعريف بالمنهج الوصفي التحليلي.

إن المنهج الوصفي التحليلي أحد فروع المنهج الوصفي المتخصصة التي كانت بمثابة أحد التطورات التي قام بها الباحثون العلميون بإضافتها على صورة المنهج الوصفي الأصلية البدائية، ليقوم فيها المنهج الوصفي التحليلي بوظيفة إضافية أكثر مرونة وفائدة، بجانب وصف الظواهر عن طريق الملاحظة وطرقها المختلفة، حيث يقوم بعمل ما يطلق عليه تحليل الظواهر ومقارنتها بشكل أكثر تفصيلاً. ومن هنا كان تعريف المنهج الوصفي التحليلي أنه ذلك المنهج الوصفي المتعمق الذي يقوم فيه الباحث العلمي بوصف الظواهر والمشاكل العلمية المختلفة، وحل المشكلات والتساؤلات التي تقع في دائرة البحث العلمي، ثم يتم تحليل البيانات التي تم جمعها عن طريق المنهج الوصفي، حتى يمكن إعطاء التفسير والنتائج المناسبة عن تلك الظاهرة، كما يستطيع الباحث العلمي كذلك، أن يضع الظواهر المختلفة في المقارنات بين الظواهر المشابهة، عن طريق المنهج الوصفي التحليلي، حتى يمكن تجميع البيانات المختلفة عن الفروق والمتشابهات بين تلك الظواهر، وهي أهم المميزات التي تميز المنهج الوصفي التحليلي عن غيره من المناهج العلمية، وتعزز استخداماته في البحث العلمي بشكل كبير.

منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي

بعد أن قدّم الدكتور المؤمن تقويماً مختصراً لمناهج علم الاجتماع الديني الوضعي؛ خرج بنتيجة مهمة، وهي أن هذه المناهج ليس لها القدرة على دراسة النظام الديني الاجتماعي الشيعي أو الظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية؛ دراسة موضوعية تكشف بالفعل عن حقائق الظاهرة وبناها المركبة، وبيَّن المؤلف السبب بقوله: (إن المباحث التقليدية لعلم الاجتماع الديني تقتصر على دراسة الظواهر الدينية الاجتماعية، وتأثير الدين في إيجاد الظواهر الاجتماعية المنسوبة اليه، ولا يتمدد الى دراسة الظواهر الاجتماعية السياسية والظواهر الاجتماعية الثقافية والظواهر الاجتماعية المعرفية، لأنها ظواهر مستقلة ــ عادة ــ عن الأديان والمذاهب الأخرى). وإذ تفرز الأديان ومؤسساتها ظواهر دينية اجتماعية غالباً، بينما يضم النظام الديني الاجتماعي الشيعي جميع هذه الظواهر، وتنتمي اليه كل المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمعرفية الشيعية.

والذي دعى المؤلف لقيامه بهذه الدراسة التوصيفية التحليلية للظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية، حسب قوله، هو أن اغلب الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة، لم تأخذ بنظر الاعتبار فرادة هذه الظاهرة، ولم تراع خصوصياتها المركبة، حتى التي كتبها باحثون مسلمون وعرب، وبينهم شيعة، لأنهم أخضعوا هذه الظاهرة لمناهج علم الاجتماع التقليدي ومفاهيمه ومعادلاته ومصطلحاته، كأية ظاهرة اجتماعية دينية أخرى، مما أدى الى وقوع هذه الدراسات في فخ التشويه وعدم الموضوعية. وبيَّن المؤلف مسألة مهمة وهي أن علم الاجتماع الديني الشيعي لا يعنى بدراسة التشيع كمذهب ديني عقدي فقهي، بل بدراسة الشيعة كظاهرة اجتماعية سياسية وثقافية مركبة. كما بيَّن المؤلف أن علم الاجتماع الديني الشيعي الذي يعمل على تثبيت أسسه وقواعده المعرفية، يختص بالشيعة الإمامية الإثنا عشرية فقط، وبصرف النظر عن حجم التزامهم الشعائري والطقسي بل والعقدي أحياناً.

وحدد المؤلف عناصر التشيع ومجتمعه بستة عناصر أساسية، هي: العنصر العقدي، العنصر السلوكي، العنصر التاريخي، العنصر الطقوسي والعنصر الاجتماعي، وأراد من هذا البيان أن يحدد ماهية العنصر الذي سيكون موضوعاً لعلم الاجتماع الديني الشيعي، ألا وهو العنصر الاجتماعي.

وسلّط المؤلف الضوء على بعض المميزات الأساسية للاجتماع الديني الشيعي، باستناده الى قاعدة غيبية، تتمثل في نيابة سلطة النظام الديني الاجتماعي الشيعي عن القائد الحقيقي الغائب، وهو الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، وبيَّن أن المسلمين، وإن كانوا عموماً  يعتقدون بعقيدة المهدي، وأن قائداً إسلامياً مصلحاً سيظهر في آخر الزمان، لينشر العدل الإسلامي في كل الارض، لكن الفرق الأساس بين الشيعة والسنة في هذا المضمار، هو أن المعتقد المهدوي ليس له مدخلية تشريعية عند السنة، ولا يؤثر غيابه في وجودهم وسلوكهم المذهبي الاجتماعي. أما عند الشيعة؛ فان وجوده ليس مجرد عقيدة نظرية عامة لا تؤثر في الواقع الاجتماعي، بل هي عقيدة اساسية، تستند اليها السلطة الدينية الاجتماعية المركزية في شرعية وجودها.

ومن المميزات الأُخر للاجتماع الديني الشيعي ــ حسب الدكتور المؤمن ــ إنه اجتماع عالمي متماسك، وليس اجتماعاً محلياً أو إقليمياً، وان الأواصر المذهبية الاجتماعية المشتركة التي تشد وحداته المحلية ببعضها أو الى المركز، هي أقوى بكثير من التباين اللغوي والقومي والوطني.

وحتى يتوصل المؤلف الى معالم علم الاجتماع الديني الشيعي؛ فإنه توقف عند الظواهر المتفرعة عن الظاهرة الكلية التي اصطلح عليها النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وحددها بست ظواهر أساسية وهي كالتالي:

1- ظاهرة السلطة الدينية الاجتماعية، وهي باختصار تمثل قمة هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وتتمثل في المرجعية الدينية أو ولاية الفقيه.

2- ظاهرة المؤسسة الدينية العلمية، وتتمثل في الحوزة العلمية والمؤسسات العلمية الدينية التابعة لها.

3- الظاهرة الشعائرية والوجدانية والطقسية، وتتمثل في المساجد ومراقد آل البيت والحسينيات وأمثالها.

4- ظاهرة المال الشرعي، وتتمثل في المؤسسات المالية والاقتصادية الداخلية ومصادرها.

5- ظاهرة المؤسسات الداعمة، وهي المؤسسات والجماعات والشخصيات السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية.

6- ظاهرة القاعدة الاجتماعية، وتتمثل في عموم الشيعة سواء الملتزمين دينياً أو غير الملتزمين.

وأوضح الدكتور علي المؤمن رؤيته التأسيسية في مفهوم "النظام الاجتماعي الديني الشيعي"، وذلك من خلال توضيحه للمصطلحات والمفاهيم المكونة لهذا المصطلح المركب الجامع، ويعتقد المؤلف أن هذا المصطلح قديم وله جذوره، إلا أن الحداثة هي في المداخل العلمية المتعددة لدراسته، لذلك هو بحاجة الى تفكيك وتوضيح المراد منه بدقة. وبيَّن المؤلف الى أنه توصّل الى صياغة هذا المصطلح خلال بحثه عن مصطلح جامع يستوعب كل جوانب الكيانية الشيعية في بعديها النظري والعملي. ونرى من خلال دراسة الدكتور المؤمن لهذا المصطلح الجامع أن أهم مفهومين مكونين له هما المذهب الشيعي والطائفة الشيعية، وهما مفهومان مختلفان في مداليلهما، فالمذهب الشيعي مرادف لمفهوم  (التشيع)، والطائفة الشيعية مرادف لمعنى (الشيعة)، وهناك فرق أساس بينهما؛ فالتشيع يدل على العقيدة الاسلامية الشيعية والفقه الاسلامي الشيعي، أو الإسلام من وجهة نظر مدرسة آل البيت، وهو تعبير عن نظرية دينية، أما الشيعة فهم الكتلة البشرية المنتمية بالوراثة - غالباً - الى هذه النظرية، أي أنهم مجتمع المذهب وليس المذهب نفسه.

وبيَّن المؤلف أن أهم ما يميز الشيعة كمجتمع عن غيرهم، هو تحولهم الى جماعة مستقلة - غالباً - عن الدولة في مساراتها الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية والحسبية، بفعل عوامل ثلاثة لا تزال قائمة وبقوة، وهي:

1- طبيعة تعاليم آل البيت وسنتهم.

2- فقدان الشيعة للسلطة السياسية والدول الراعية الحامية.

3- الحفاظ على وجود المذهب ومجتمعه من الاستهداف الطائفي والاجتثاث والإبادة.

وبعد أن بيَّن المؤلف مفهوم النظام الاجتماعي الديني الشيعي، انتقل الى نقطة مهمة جداً في الدراسة، هو بيان هيكلية هذا النظام، وقال: بعد مرور مئات السنيين من الكفاح من أجل البقاء ومن أجل النماء والتقدم؛ باتت هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي، الذي استقر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تضم المكونات والاجزاء العشرة التالية:

1- المرجعية الدينية العليا أو ولاية الفقيه.

2- الحوزة العلمية.

3- وكلاء المرجعية ومعتمدوها وامتداداتها الجغرافية.

4- مراقد أهل البيت والمزارات الشيعية.

5- المساجد والحسينيات والمواكب والمؤسسات الثقافية والتعليمية.

6- الحكومات والجماعات السياسية.

7- المؤسسات والجماعات الأمنية والعسكرية.

8- المؤسسات والوقفيات الاقتصادية والمالية.

9- مقلدوا المرجعية الدينية.

10- عموم الشيعة.

ونرى أن الدكتور علي المؤمن قد أجاد هنا في بيان هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ورسم معالمه، إذ تبيّن من مجموع هذه الأجزاء العشرة المترابطة المتكاملة، أن هذا النظام هو أشمل من مفهوم المرجعية، وأوسع من مفهوم مجتمع المذهب، أي أنه ليس نظاماً دينياً محضاً، ولا نظاماً اجتماعياً محضاً، ولا نظاماً ثقافياً، ولا نظاماً سياسياً، بل يجمع بين ظواهر النظم الأربعة، ويصهرها، ليحوّلها الى نظام واحد متفرد تاريخياً وجغرافياً. وقد ختم المؤلف الفصل الأول بمخطط لهيكلة النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر غيبة الإمام المعصوم. ونرى ضرورة الوقوف على المخطط، والتأمل فيه، قبل الخوض في قراءة الفصل؛ لأنه يعطي فكرة عامة وواضحة عن محتويات الفصل الأول.

المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي

استعرض المؤلف في الفصل الثاني نشوء النظام الاجتماعي الديني الشيعي بصورة مختصرة، وبيّن أنه نشأ في العام الحادي عشر الهجري، أي بعد وفاة الرسول الأعظم (ص)، وحاول المؤلف حصر هذه الحقبة التاريخية الطويلة في ستة عصور مهمة، هي كالتالي:

1- العصر الأول: عصر الإمام علي بن أبي طالب في المدينة والكوفة

2- العصر الثاني: عصر الإمام جعفر الصادق في المدينة والكوفة

3- العصر الثالث: عصر الشيخ عثمان بن سعيد العمري في بغداد

4- العصر الرابع: عصر الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في النجف

5- العصر الخامس: عصر السيد اسماعيل الصفوي الموسوي في تبريز واصفهان

6- العصر السادس: عصر السيد روح لله الموسوي الخميني في قم وطهران

ونرى إن المؤلف اعتمد هذا التقييم في العصور باعتبارها عصور شاملة لصمود النظام الاجتماعي الديني الشيعي واستحكام دعائمه وقوته الميدانية، لا باعتبارها عصوراً علمية أو فقهية أو سياسية، وذكر إن لهذه العصور مدخلية مهمة في دراسة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي

ناقش الدكتور علي المؤمن في الفصل الثالث البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي، وبيَّن في أنه مر بثلاث مراحل رئيسية:

الأولى: مرحلة النيابة الخاصة: السفراء الأربعة

الثانية: مرحلة النيابة العامة: المحدثون والفقهاء

الثالثة: مرحلة النيابة العامة في ظل حكم الفقيه.

وكان من لوازم تمسك المجتمع الشيعي بزعامة نائب الإمام وجود قواعد تشريعية تشد القاعدة بالقمة، وكان في مقدمة هذه القواعد رجوع عامة الشيعة الى المحدث أو الفقيه في مسائلهم الشرعية، بوصفه المتخصص في الشأن الديني والمتولي للفتوى الشرعية. وهنا برز اصطلاح (التقليد)، وهكذا برز وجود مرجعية الفقهاء مجسداً للزعامة الشيعية ثم لحركة الاجتهاد والتقليد، وبات موقع الفقيه المرجع يمثل الولاية العلمية والزعامة الدينية الاجتماعية في عصر غيبة الإمام المهدي والامتداد الشرعي لخطي النبوة والإمامة، وله الحجية في الفتوى والقضاء والحسبة وتداول المال الشرعي والحكم، وبيَّن المؤلف أن هذه الأمور والمفاهيم ليست معقّدة ولا غيبية، بل لها تاريخ مدوّن واضح، سواء في الكتب الحديثة والرجالية أو في المدونات التاريخية.

وقد بيَّن المؤلف نقطة مهمة جداً تتعلق بالتقليد، بقوله: (لقد ظلت بعض الاتجاهات العلمية الشيعية ترفض قاعدة التقليد، لانها ترفض أساساً مبدأ الاجتهاد في الشريعة، ومنها المدرسة الإخبارية، مقابل المدرسة الأصولية، ولكن المفارقة أن الآراء التخصصية التي ترفض الاجتهاد والتقليد هي نفسها تطبِّق منظومة الاجتهاد والتقليد عملياً وحرفياً، وإن رفضتها نظرياً، بل حوّلت منظومتها المرجعية الى نظام مؤسسي أبوي رعوي، محكم وقوي فتوائياً وإدارياً ومالياً، بما يفوق منظومة المدرسة الأصولية الاجتهادية، التي باتت تمثل الخط العام للمرجعية الدينية منذ عهد المرجع الاعلى الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهائي (1206 ه - 1791 م). ومن ثم استعرض أهم مباني ولاية الفقيه وتطور موضوعاتها وتطبيقاتها، بمنهجية وصيغة تحليلية، وبيّن أن مبدأ ولاية الفقيه ليست أطروحة أو نظرية أو فكرة جاء بها شخص محدد أو عالم معين أو فقيه بعينه، بل هي القاعدة الحصرية التي يقف عليها كيان المرجعية الدينية الشيعية والحوزة العلمية والنظام الديني الشيعي برمته، منذ نشوئه في عصر غيبة الإمام المهدي قبل 1200 عام تقريباً وحتى الآن، وبدون ولاية الفقيه لا يبقى أي أصل شرعي لمرجع وفتوى وفقيه وحوزة وتقليد واجتهاد، وقد تأسست المرجعية الدينية على مبدأ ولاية الفقيه حصراً، وبذلك فإن مبدأ ولاية الفقيه هو محل إجماع فقهاء الشيعة، الماضين منهم والأحياء دون استثناء.

وقد أجاد الدكتور المؤمن في دراسته، حينما بيَّن أن الدلالات الجوهرية للأحاديث التي تدل على صلاحية الولاية الدينية والقيادة الاجتماعية الشاملة للفقيه؛ تحدد خمسة وظائف أو صلاحيات حصرية للفقيه، وكل واحدة منها تمثّل ولاية فرعية من ولاية الفقيه، وهي:

1- وظيفة فقهية تتمثل في الإفتاء.

2- وظيفة تحكيمية تتمثل في القضاء.

3- وظيفة مالية تتعلق بشوؤن الحقوق الشرعية.

4- وظيفة حسبية تتعلق بإدارة المجتمع الشيعي.

5- وظيفة سياسية تتعلق بإقامة الدولة الإسلامية وقيادتها.

ويجمع الفقهاء على الوظائف الأربعة الأولى، ولكنهم يختلفون على الوظيفة الخامسة في دلالة أو عدم دلالة الأحاديث عليها، أي أن الخلاف بين الفقهاء ينحصر في مساحات ولاية الفقيه توسعةً وتضييقاً، أما الولاية نفسها؛ فيعدّون مبدأها جزءاً من عقائد الإمامية البديهية المجمع عليها، والتي لا تحتاج الى عناء في الاستدلال عليها كما يقولون. وبعد أن يعرض المؤلف لدلالات أحاديث نيابة الفقيه في هذا الفصل، يخرج بنتيجة مفادها: (إن هذه المخرجات كانت كافية لفقهاء الشيعة ومحدثيهم وزعمائهم ليؤسسوا للنظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي يترأسه الفقيه، ويحافظوا على وحدة النسيج الاجتماعي والسياسي لأتباع أهل البيت، ووحدة كيان مدرسة الإمامة ووحدة قيادتها، وما يترتّب على ذلك من ترابط وثيق بين القاعدة والقيادة المتجسدة في ولاية الفقيه أو المرجعية الدينية. وقد كان هذا النظام نوعاً من الحكومة أو الدولة ناقصة السيادة، وبه كان يتلخّص الفقه السياسي لمدرسة الإمامة حينها. واستمر هذا الحال قروناً طويلة، كان فيها الفقهاء يقفون على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، بما يشكل مزيجاً من القيادة الدينية والإدارة الاجتماعية). ولكن؛ أعتقد أن المؤلف قد أسهب في هذا الفصل في الاستدلال العلمي على مبدأ نيابة الفقيه أو ولاية الفقيه، وكان الأجدى به أن يختصر الموضوع.

المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي

ركّز الدكتور علي المؤمن في الفصل الرابع على بيان قضية مهمة، وهي أن المرجعية الدينية الشيعية ظلت ما يقرب من 1200 عاماً، أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وهي التي أنشأت هيكلية هذا النظام، وبلورته بالتدريج، ومن خلاله حفظت الشيعة من الضربات المتوالية والانهيار. وتشكِّل الحوزة العلمية الشيعية - منذ تأسست - مركز هذا النظام؛ فهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب، بل هي مركز النظام الاجتماعي الديني الشيعي، ولذلك؛ يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية والنظام الاجتاعي الديني الشيعي، ويقودهما على كل الصُعد.

وحدد المؤلف في هذا الفصل أهم قواعد الواقع ومتطلباته؛ إذ يقول بأن النظرة الى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتتمثل هذه القواعد فيما يلي:

1- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب، بل هي منظومة دينية اجتماعية تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني للطائفة الشيعية الإمامية في العالم، ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد، أهمها: الموضوع العلمي الديني المرتبط بالفتوى، والموضوع الاجتماعي الديني المرتبط بادارة الشأن العام الشيعي وحفظ النظام العام، ويترشح عن هذه القاعدة ثلاث قواعد فرعية:

أ‌- إن المرجعية وحوزتها العلمية هما الوجود الأصيل والثابت والجوهري الوحيد في النظام الاجتماعي الديني الشيعي، منذ بداية عصر الغيبة وحتى الآن.

ب‌- إن الوجودات والكيانات الشيعية الأخر، سواء كانت سياسية أو علمية أو اجتماعية أو علاقاتية، مهما بلغ شأنها، هي وجودات عارضة متغيرة، ولا يمكن أن تتساوى مع المرجعية الدينية في مساحة القيادة والصلاحيات الدينية والاجتماعية والمعنوية.

ت‌- إن الإطار الذي ينبغي أن يضم جميع الكيانات الشيعية الفرعية العرضية هو إطار النظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي تقوده المرجعية العليا، وفي داخل هذا الإطار تكون علاقة الكيانات الشيعية بالمرجعية الدينية هي علاقة المتغير بالثابت والفرع بالأصل والتابع بالمتبوع.

2- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها، هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها، أما المحاولات الإصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامستها، بل تلامس التفاصيل والمتغيرات.

3- إن المرجعية تمثل دائماً الأبوة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية، وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة، وبالتالي؛ فإن المرجعية العليا هي (أم الولد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر، وتعمل على الحؤول دون إنكفائهم خارج النظام الاجتماعي الديني، حتى وأن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

وتحت عنوان تطور المفاهيم التدبيرية العقلائية؛ بيَّن المؤلف أن أغلب المصطلحات والمفاهيم المتداولة في وصف ظواهر الاجتماع الديني الشيعي تستند الى قواعد عقلية، وليس لأغلبها أصول تشريعية نقلية، وهي مصطلحات عرفية تدبيرية تنظيمية عقلائية. واعتبر المؤلف مبدأ ولاية الفقيه من المفاهيم القليلة التي تمتلك أصلاً تشريعياً؛ بوصفه الأساس لكل تفاصيل النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ ما يعني أن ولاية الفقيه هي الأصل التشريعي لكل المصطلحات والمفاهيم التنظيمية العقلية المذكورة، وفي مقدمتها الاجتهاد والتقليد والمرجعية الدينية والأعلمية.

المرجع المتصدي وتعدد مرجعيات التقليد

حاول الدكتور علي المؤمن في مقاربة هذا الموضوع؛ إيجاد حل بإزاء إشكالية لا تزال مدار بحث ونقاش، وهي تعدد المرجعيات، للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ فقال المؤلف: (حيال إشكالية تعدد مراجع التقليد؛ يرى المعنيون بالنظام الاجتماعي الديني الشيعي ضرورة حصول إجماع نسبي لدى أهل الخبرة في الحوزتين الشيعيتين المركزيين (النجف وقم)، لطرح أحد المراجع وفق شرائط معينة، ليكون هو المرجع المتصدي او المرجع الأعلى؛ للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ لأنّ ممارسة جميع الفقهاء لولاية الحسبة في الشأن العام في وقت واحد ومكان واحد يؤدي إلى الفوضى وانهيار النظام العام ). ويرى المؤلف أن بالإمكان (إضافة شرطي الكفاءة والمقبولية العامة إلى شرطي الاجتهاد والعدالة؛ ليكونا شرطين مرجِّحين في هذا المجال. أمّا إذا تحقق شرط الأعلمية النسبية؛ فستكون الشروط متكاملة في المرجع المتصدّي أو الأعلى الذي تكون له ولاية على النظام العام).

وهو ما يدعم ــ كما يقول ــ العرف الموروث بحصر  المرجعية العليا والمرجعيات عامة، سواء في النجف أو قم؛  فإنّ دليل حصر المرجعية العليا المتصدّية للشأن العام وولاية الفقيه، هو الدليل العقلي التدبيري المقبول شرعاً؛ بل الواجب بالعنوان الثانوي، والذي يفرض وجـود مرجعية عليا تتولى حصراً شؤون حفظ النظام؛ لدرء المفاسد عن النظام الاجتماعي الشيعي، والحيلولة دون تمزق قراره وتشظيه، ودون تمرد الجماعات الدينية الخاصة على زعامة النظام المتمثلة بالمرجع الأعلى المتصدّي.

وقد أكد المؤلف بأن هناك دائماً خط عام للمرجعية الدينية وخطوط خاصة داخل الحوزة، وأن الخلاف داخل الحوزات العلمية لم يكن يوماً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً؛ إلّا في مخططات الخصوم والأنظمة ووسائل الإعلام الطائفية، أو لدى المنفعلين وأصحاب المصالح، وان كل الحوزات المنتشرة في بقاع العالم لا تزال تستخدم المناهج الدراسية والسياقات العامة والافكار نفسها الى حد التطابق غالبا، وتعتمد سبل التعاون والتبادل والتكامل نفسها منذ 1200 عام وحتى الآن، حتى يمكن القول انها حوزة علمية واحدة فيها فروع مناطقية منتشرة في بلدان الكثافة السكانية الشيعية. واذا كان هناك خلاف داخل الحوزات العلمية فهو يتصل بالخلاف حول تطبيقات الالتزام بمنهجية عمل الحوزة وسيقاتها المتعارفة، وأهمها طريقة طرح بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خارج السياقات والمعايير المتعارفة، وطرح الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة سلوكيات ترتبط بالشأن العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعية العليا المتصدية، الأمر الذي يساهم في تمزيق الواقع الشيعي. وقد يتفاقم هذا التعارض في الأفكار والسياقات والسلوكيات لدى بعض علماء الدين الى المستوى الذي يحوِّلهم الى خط عرضي خاص مقابل الخط العام في النجف أو قم، وقد ضرب المؤلف لذلك أمثلة معاصرة توضح هذا المعنى.

وقد حدد المؤلف معايير خمسة إذا التزم بها عالم الدين الشيعي؛ يُعتبر أنه يسير وفق الخط العام، أما إذا لم يلتزم بها؛ فأنه يمثل خطاً خاصاً عرضياً، ومن خلال تطبيق هذه المعايير؛ يمكن معرفة مصاديق الخطوط العامة والعرضية الخاصة، وهي كما يلي:

1- التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

2- حصول عالم الدين على درجة الاجتهاد من أستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً، أو شهادة أهل الخبرة (المجتهدون العدول) باجتهاده.

3- عدم خروج عالم الدين على الاجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

4- عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام، حتى بعد أن يحصل على الاجتهاد ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد وتتوسع مساحات نفوذه الديني.

5- التزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رسالته الفقهية العملية وإعلان مرجعيته ونشر وكلائه.

ثم بيَّن المؤلف أن واقع الاجتماع الديني النجفي؛ أصبح ينقسم في عقد الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي الى ثلاث منهجيات رئيسة:

1- المنهجية الوسطية الاصلاحية، المتمثلة في مرجعية السيد محسن الحكيم، وقاعدتها: ولاية فقهية واسعة في الأمور الحسبية ورعاية النظام العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وإصلاح محدود في الدولة.

2- المنهجية التقليدية المحافظة، المتمثلة في مرجعية السيد ابو القاسم الخوئي، وقاعدتها: ولاية فقهيه محدودة في الـمور الحسبية، وسمتها التطبيقية: إصلاح تقليدي في الأمة وانكفاء في موضوع الدولة.

3- المنهجية التغييرية الثورية، المتمثلة في الفقيه الشاب محمد باقر الصدر، وقاعدتها: ولاية فقيه عامة ورعاية مطلقة للشأن العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وتحول جذري في الدولة، وانخراط في العمل التغييري الثوري. وهذه المنهجية، أسسها في قم الإمام الخميني.

ثم تطرق المؤلف لدور جماعات الضغط والمصالح في خلق مرجعية رمزية دينية شيعية تنسجم مع إرادتها، وتحقق مصالحها، وأيضا تطرق الى بيان مفهوم الحواشي في مؤسسة المرجعية؛ ليصل الى نتيجة مهمة يلخصها بقوله: (ينبغي عدم الخلط بين الحواشي وجماعات الضغط التابعة للمرجعيات من جهة، وجماعات الضغط والمصالح المرتبطة بأجندات معادية للحوزة وللواقع الشيعي من جهة أخرى. ولعل الخطاب الأخطر، في الوقت الحاضر، الذي تروج له جماعات المصالح والضغط المرتبطة بمخططات خارجية معادية، هو عمل فجوة بين المرجعية العامة والحوزة في النجف من جهة، والجمهورية الإسلامية في ايران وحوزة قم والحركات الاسلامية الشيعية في العراق ولبنان والبحرين وغيرها من جهة أخرى، من خلال اختلاق الخلافات وتضخيم الوقائع وانتقاء التفاصيل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة مع البلدان المتخاصمة مع الشيعةـ وتحديداً أمريكا وبريطانيا وإسرائيل والسعودية، وفي مقدمة هذه الأهداف: الاستفراد بالمرجعية النجفية والواقع الشيعي العراقي، وتمزيق النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومكوناته من داخله).

ثم بيّن المؤلف حقيقة مهمة جداً، تحت عنوان قدسية الدين ومهنية الفقيه، بيّن فيها أن الطاعة والقدسية في النظام الاجتماعي الديني الشيعي هما عمليتان معقدتان وصعبتا المنال، ولا يستطيع أي عالم دين أن يتمتع بهما، سوى فقيه واحد أو اثنين في زمان واحد، هما المرجع الأعلى المتصدي للشأن العام والولي الفقيه الحاكم.

.......... الى هنا

الحوزة العلمية: المؤسسة الدينية للنظام

تناول الدكتور علي المؤمن في الفصل الخامس؛ المؤسسة الدينية المتمثلة في الحوزة العلمية، سواء في النجف الأشرف أو في قم؛ بإعتبارهما يمثلان الثقل الأكبر في الواقع الشيعي. وتكمن أهمية هذه الدراسة للحوزة العلمية؛ في أن المرجعية الدينية تمثل حالة القيادة والرعاية لهذا النظام الاجتماعي الديني الشيعي، لذلك؛ كان هذا الفصل هو عملية شرح وبيان نشأة الحوزات العلمية الشيعية، فبدأ المؤلف بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، ثم انتقل الى الحوزة العلمية في قم؛ لما لهما من التأثير الكبير على قوة أو ضعف النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وختم الفصل بمقارنة بين الحوزتين، بيَّن فيها أوجه التشابه بينهما وأوجه الاختلاف، ونذكرهما هنا باختصار:

1- أوجه التشابه: إنهما تتشابهان الى حد التطابق في المضامين والمحتوى، ولا سيما في مراحل الدراسة الثلاثة: المقدمات والسطوح والبحث الخارج، وكذا المناهج الدراسية في المراحل الثلاث، ومصادر البحث والرواية والاستدلال، وشروط الاجتهاد وأساليب الوصول اليه، وشروط المرجعية، ولا سيما الأعلمية والعدالة، وأساليب إدارة المدارس الدينية التقليدية وغيرها.

2- أوجه الاختلاف: ذكر المؤلف أن هناك أربعة اختلافات:

أ‌-  تختلف حوزة النجف عن غيرها من الحوزات العلمية الكبرى في الكوفة وقم وبغداد وجبل عامل والحلة وكربلاء؛ في أنها لم تأفل ولم تضمحل خلال 1000 عام، بعكس باقي الحوزات، فيمكن القول ـن جميع الحوزات كانت موسمية غالباً، عدا حوزة النجف.

ب‌- إن النجف خلال 1000 عام متواصلة، لم تخل يوماً من مراجع الصفين الأول والثاني، وذلك عندما كان مركز المرجعية العليا ينتقل الى حوزات أخرى في فترات زمنية محدودة، لذلك؛ فإنّ 80% من المرجعيات العليا في التأريخ الشيعي كان مركزها النجف الأشرف.

ت‌- إن أغلب الإنتاج العلمي الديني الشيعي: التفسيري والحديثي والكلامي والفقهي والأصولي والرجالي؛ كتبه علماء النجف، دون بخس حوزات بغداد وقم وكربلاء والحلة وجبل عامل نتاجاتهم.

ث‌-  في مجال تعاطي الحوزتين النجفية والقمية مع الشأن السياسي؛ فإن حوزة النجف ضلت مئات السنين تعاني من سياسات العزل والتهديد والاضطهاد التي تمارسها الحكومات الطائفية في بغداد، أما الحوزة العلمية في قم والحوزات العلمية في ايران؛ فقد ضلت منذ قيام الدولة الشيعية البويهية في العام 322 ه ( 933م ) تعيش أوضاعاً طبيعية غالباً بعيداً عن القمع والتهميش.

إعادة مأسسة منظومة المرجعية الشيعية

في الفصل السادس سلط الدكتور المؤمن الضوء على الدعوات الداخلية الإصلاحية لمنظومة المرجعية الدينية، التي تستند الى الأسس والثوابث والمبادئ، وتستهدف المتغيرات والهياكل، ورأى بأن مبادئ الإسلام ومذهب آل البيت، تضع في عنق المسلم واجب الدعوة الى إصلاح المتغيرات وتجديد القراءات، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبما يعزز قوة النظام الاجتماعي الديني الشيعي وقيادته ومؤسسته الدينية وفاعليتها.

وطرح المؤلف في هذا الفصل قضية مهمة جداً، ألا وهي افتقاد النظام الاجتماعي الديني الشيعي الى مجلس شورى مركزي لإهل الخبرة، والذي هو بمثابة مؤسسة للحكماء والخبراء والاختصاصيين، يقوم برسم الستراتيجيات الموحدة، ويضبط حركة النظام، ويقدم المشورة لكل مكونات النظام وتفرعاته الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية، عبر قواعد نظرية وأدوات إشراف عملية. هذا النقص المؤسسي ظل في بعض ساحات العمل أحد أهم أسباب عدم وضوح المشروع الشيعي العام، وانعدام الستراتيجية الموحدة والقرار القيادي الواحد، بل ويؤدي أحياناً الى انهيار الواقع الشيعي، ومصادرة كفاحه وانجازاته من قبل الآخر الطائفي والآخر الآيديولوجي.

ولتفادي هذا الأمر؛ طرح السيد المؤمن بعض الآليات التي يمكن استحداثها، والمتمثلة بمؤسسة مرجعية استشارية عليا، تحت اسم "مجلس الحكاء" أو "مجلس أهل الخبرة" أو "مجلس أهل الحل والعقد" أو "مجلس كبار العلماء"، والذي يتألف من المجتهدين العدول المقبولين شعبياً، والمتفق على اجتهادهم وعدالتهم، وفق معايير مؤسسية يتم تثبيتها من لجان تخصصية، ويقرّها المرجع الأعلى والمراجع الآخرون؛ لتكون حجة على الجميع. وتناط بهذا المجلس خمس مهام؛ هي بأختصار:

1-  اختيار المراجع الحائزين على شروط التقليد، وطرحهم للأمة؛ لكي يكون تقليدهم مبرئا للذمة.

2- اختيار المرجع الأعلى الجديد من بين المراجع الحائزين على شروط التقليد بعد رحيل المرجع الأعلى السابق.

3- مراقبة استمرار إحراز المراجع لشروط المرجعية.

4-  تقديم المشورة للمرجع الأعلى في مختلف شؤون المرجعية.

5-  التخطيط ورسم الستراتيجيات للنظام الاجتماعي الديني الشيعي ومختلف فروعه ومكوناته، بالتعاون مع لجان من الاختصاصيين والخبراء والأكاديميين من غير علماء الدين.

شرطا الأعلمية والكفاءة في المرجع الأعلى

وضمن المباحث المهمة في الفصل السادس؛ ناقش المؤلف قضية شرط الأعلمية في المرجع الأعلى، ومعايير الأعلمية ومواصفاتها، وكيفية إحرازها من قبل المرجع؛ ليصل المؤلف من خلال البحث الى قضية مهمة جداً ألا وهي: إن مفهوم الأعلمية المتجدد الذي يتطلبه الواقع، وينسجم مع وظائف المرجع، ينطوي على أربعة مفاهيم متفرعة، هي: "الأعلمية التقليدية" و"الأعلمية المتجددة" و"الأصلحية الموضوعية" و"الأقدرية القيادية".

وذكر المؤلف أن مفهوم الأعلمية المتجددة، يجمع في داخله المفاهيم الثلاثة الأخرى: "الأعلمية التقليدية" و"الأصلحية الموضوعية" و"الأقدرية القيادية"، ويترشح عنه خمسة معايير متداخلة، تكمل بعضها:

1- أعلمية في مسائل الحلال والحرام.

2-  أعلمية في الموضوعات، ولا سيما الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

3-  أعلمية في فهم مقاصد الاسلام ونظامه العام.

4-  أصلحية في وعي مصالح الأمة ومتطلبات نهوضها.

5-  الأقدرية على قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

ثم يضيف المؤلف شرطاً مهما آخر للمرجع الأعلى، ألا وهو شرط الكفاءة، وهو يدخل في إطار المعايير الثاني الى الخامس المذكورة، ويعتقد المؤلف أن هذا الشرط الترجيحي ربما هو الأهم إطلاقاً في ترجيح فقيه على آخر، بالنظر لحاجة منصب القيادة المرجعية اليه، بل مرجحاً على الأعلمية النسبية؛ فلو كان هناك فقيهان، أحدهما مشتهر بأعلميته، والآخر مشتهر بكفاءته؛ فمن الأولى هنا ترجيح الأكفأ للتصدي للمرجعية العليا، مع لحاظ شرط المقبولة العامة.

وعرّف الدكتور علي المؤمن "الكفاءة"؛ بأنها تعني الصفات والمهارات والسمات الشخصية الذاتية، ويمكن إجمالها فيما يأتي اختصاراً:

1-  الحكمة ورجاحة العقل والاتزان المقترنة بالشجاعة.

2-  الوعي الدقيق بالمحيط الاجتماعي والوطني والدولي، الى مستوى القدرة العميقة على تشخيص المصالح والمفاسد على المستويين المحلي والعام.

3-  القدرة على الإدارة والقيادة والتدبير، بدءاً بإدارة الحاشية والمكتب الخاص ومؤسسة المرجعية والحوزة العلمية، وانتهاء بإدارة المجتمع والشأن العام.

4-  الثقافة العامة، ولا سيما في العلوم والمعارف المرتبطة بفتاوى الشأن العام وإدارته، كعلوم الاجتماع والنفس والانثرولوجيا والسياسة والقانون والاقتصاد.

5-  التمتع بنزعة استشارة أهل الاختصاص الحقيقيين، في موضوعات الفتاوى والأحكام والشأن العام، سواء من علماء الحوزة أو غيرهم.

ثم ختم المؤلف الفصل السادس ببيان شرط المقبولية العامة في المرجع الأعلى، ومعنى هذا الشرط هو تحويل ولاية المرجع المتصدي، في الحسبة العامة أو الحكم، من ولاية بالقوة الى ولاية بالفعل، أي من ولاية كامنة الى ولاية ظاهرة فاعلة، وذلك من خلال قبول الجمهور الشيعي لهذا المرجع أو ذاك بأن يكون هو الراعي والمرشد والزعيم في قضاياه العامة؛ إذ أن دور الجمهور هنا يقتصر هنا على تفعيل ولاية المرجع وزعامته ليكون هو المرجع الأعلى المتصدي.

عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي

بيَّن السيد علي المؤمن في الفصل السابع عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي، وقال: إن هذا النظام يحظى بعناصر قوة وثبات واستمرار، لا يحظى بها أي نظام اجتماعي ديني آخر في العالم، إسلامي وغير إسلامي، وهذه العناصر الواقعية تشكِّل ضمان بقاء المذهب الشيعي، وتماسك النظام الاجتماعي العالمي الذى أفرزه المذهب. وأوضح المؤلف بأن منهجه في المقاربة هنا يتناول العناصر الواقعية، وليست العقدية والنظرية، وأن عناصر القوة الواقعية الأساسية التي تشكل الحماية لمدرسة آل البيت وأبنائها وللنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ هي اثنى عشر عنصراً أساسياً:

1- القضية المهدوية.

2-  المرجعية الدينية.

3-  ولاية الفقيه.

4-  التماسك المجتمعي الديني.

5-  عالمية النظام الشيعي.

6-  الاستقلال المالي الديني.

7-  المراقد والمزارات.

8-  شعائر الإمام الحسين.

9-  دولة ايران.

10-  المشاركة في الحكومات.

11- الجماعات السياسية.

12-  جماعات المقاومة.

وقد تناول المؤلف شرح كل واحد من هذه العناصر، وبيانها وتوضيحها، بصورة مختصرة غير مخلة بالمعنى المراد. ثم ختم الفصل بعنوان مهم، ألا وهو رهانات ضرب عناصر قوة الشيعة، وبيّن فيه أن المؤسسين الثمانية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة، وغيرهم من الفقهاء والزعماء الدينيين والسياسيين والعسكريين الشيعة عبر مئات السنين؛ تنبّهوا الى أهمية عناصر القوة الشيعية الواقعية المذكورة، وانشغلوا بتفاصيلها وتطويرها وتنميتها؛ لتكون معادلاً موضوعياً لمشكلة فقدان الشيعة للسلطة السياسية، الى جانب تقوية البعد النظر العملي والفقهي والفكري لمدرسة آل البيت.

وقال المؤلف: تزداد أهمية تقويم عناصر القوة الإثنى عشر المذكورة، وإصلاحها، وممارسة واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معها، الى جانب واجب دعمها وإسنادها وعدم تضعيفها؛ كلما ازداد تأثيرها وحضورها في الواقع الشيعي، وكلما ازداد الخلل في أدائها، دون أن تتحول تمظهرات الواجبين الى ولاء عاطفي أعمى غير واع أو خصومة تهريجية مخربه.

اشكاليات الهوية الشيعية

ذكر الدكتور علي المؤمن في بداية الفصل الثامن المهم جداً، مجموعة من الأسئلة، كان الهدف منها ــ كما يذكر ـــ الاسهام في إيجاد حلول علمية لإشكالية الهوية الشيعية من جهه، والمشكلتان الطائفية والعنصرية المستعصيتان لدى أغلب نظم الاجتماع الديني والسياسي في المنطقة العربية والإسلامية من جهة اخرى، وهما المشكلتان اللتان تهددان الأمن المجتمعي، وتفرضان على الشيعه حجراً مركباً في حريه الاعتقاد وممارسة الشعائر والطقوس، وأعتقد أنها أسئلة مهمة، وضرورة الإجابه عنها بكل علمية وموضوعية وواقعية، لأنها تصب في بلورة الهوية الشيعية.

وأكد المؤلف على حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، ألا وهي عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وأن هذا النظام ليس وليد اليوم، بل أنه متجذر في  الواقع الشيعي، وهو سر حفاظ المذهب الشيعي والمجتمع الشيعي على بقائهما واستمرارهما في ظل مساعي الاقصاء والاجتثاث، وأن المرجعية الدينية الشيعية معنية بكل شيعه العالم، ولا تخص بلدن دون آخر. وسلط المؤلف الضوء على قضية مهمة أخرى، ألا وهي الخطاب العنصري والمناطقي المتعلق باختيار المرجع، وبيّن أنه لا يشكِّل ظاهرة عامة، وليس له عمق نوعي أو عددي، بل هو عبارة عن موجة انحرافية، كانت جزءاً من أجنده نظام البعث، خصوصاً بعد العام 1991.

وأوضح المؤلف معايير عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ووحدته الاجتماعية وتماسك مكوناته البشرية، والمتمثلة في وحدة الشيعية سوسيولوجيّاً دينيّاً، وليست سوسيولوجيّاً محظاً وليست وحدة انثروبولوجية؛ إذ أن لكل مجتمع شيعي، هويته الانثروبولوجية والاجتماعية المستقلة، التي تتشكل من خلال تميزه، في لغته وقوميته وثقافته المحلية وجغرافياه الوطنية وخصوصياته العقليه والنفسية والاجتماعية والانسانية، عن غيره من المجتمعات الشيعية. وهي خصوصيات لا تعيق تماسك مكونات النظام الاجتماعي الديني الشيعي، بل تضفي عليه هذه الهويات المتعددة؛ قوة التنوع الثقافي والعقلي، خاصة وأن طبيعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وتراكم خبراته؛ تجعله يمتلك القدره الذاتية على تقارب هذه الهويات وشدها، وتكاملها في إطار هوية اجتماعية دينية واحدة، وبالتالي؛ فإن تنوع الهويات الانثروبولوجية والاجتماعية للشيعة، هو عنصر شد وليس فُرقة.

ولا يتوقف تعدد الهويات الاجتماعية والانسانية للشيعة على تعدد بلدان الحضور الشيعي، وبالتالي؛ فإن الجامع المشترك لكل هذه العرقيات والثقافات الوطنية والمحلية، هو الاجتماع الديني الشيعي، وهو جامع مشترك قوي وعميق، ويتفوق غالباً على العنصر القومى واللغوي والمناطقي. ثم قام المؤلف باستعراض ستة نماذج منتقاة من المجتمعات الشيعية بغية التعرف على طبيعة التنوع النفسي والاجتماعي والعقلي للمجتمعات الشيعية المتعددة قومياً ووطنياً، وهي: المجتمع الشيعي الجزيري والخليجي، المجتمع الشيعي العراقي، المجتمع الشيعي الإيراني، المجتمع الشيعي اللبناني، المجتمع الشيعي الآذربيجاني والمجتمع الشيعي الهندي.

وتحت عنوان خيار الاندماج بمجتمع الدولة؛ أكد المؤلف في دراسته أن هناك اشتباكاً بين الهويات والانتماءات، يستدعي فضه، من خلال تعديل شامل في القرارات والسياقات ذات العلاقة بالحريات والحقوق المذهبية والسياسية في بلدان الحضور الشيعي، وإلغاء القوانين والأعراف والمفاهيم الطائفية التي تعيق ممارسة المجتمعات الشيعية حقوقها الانسانية وحريتها المذهبية، أما الابقاء عليها وإرغام الشيعة على القبول بها كأمر واقع؛ فإن ذلك يؤدي تلقائياً الى نفور الشيعة من النظام السياسي الذي يحكمهم، وإنكفائهم ضده، والى مزيد الخصام بين الاجتماع الديني الشيعي والاجتماع السياسي للدول التي تضطهد الشيعة.

المرجعية الشيعية بعد السيستاني والخامنئي

أعتقد أن السيد المؤمن حينما استعرض في الفصل التاسع نماذج من المرجعيات الشيعية المطلقة في القرن العشرين، ثم درس واقع مرجعيتي السيدين العليين الحسينيين السيستاني والخامنئي، ومن هو المرشح بعدهما، سواء كان من حوزة النجف أو من حوزة قم؛ فإنه يكشف عن الأهمية الكبيرة لمنصب المرجعية، وكونه يحدد مصير الشيعة وتوجهاتهم على كل الصعد، وكونه  يمثل موقع زعامة النظام الاجتماعي الديني الشيعي والحوزة العلمية. ثم ختم المؤلف كتابه بالنتائج والخاتمة.

وقد أجاد المؤلف في بيان مراده، وما يصبو اليه من، هذه الدراسة الوصفية التحليلية، كما أكد على أن هذه الدراسة هي محاولة لتقديم وعي علمي بحقائق الاجتماع الديني الشيعي ودراسة النظام الاجتماعي الذي يترشح عنه، وتحليل هيكله ومكوناته وأنساقه الداخلية، وعلاقاته بالآخر، المختلف مذهبياً وفكرياً وسياسياً، وتأثير الأسس العقدية والفقهية للتشيع في صياغة هذا النظام وأعرافه وتقاليده وطقوسه.

***

بقلم: د. محمد علي السعدي

 

عبده حقيقراءة في كتاب: انحدار من هنا: انعدام الأمن في التقاعد في عصر عدم المساواة للكاتبة الأمريكية كاثرين إس.

منذ سنوات عديدة، كان التفرقة العمرية واحدة من "المذاهب"، إلى جانب العنصرية والتمييز على أساس الجنس والقدرات، وهي أمور مرفوضة في الخطاب التقدمي وغير قانونية بموجب قانون مكافحة التمييز - على الأقل من الناحية النظرية. ومع ذلك، لا يزال التمييز ضد كبار السن هو الأكثر شيوعًا وغير المدروس والمقبول بشكل عام من بين جميع تحيزاتنا.

على سبيل المثال هناك وسائل الإعلام، من الإعلانات إلى الأخبار، التي تصور الشيخوخة بشكل حصري تقريبًا من حيث الخسارات - القدرات الجسدية والعقلية، ومكافأة العمل، والمال، والرومانسية، والكرامة. تقودنا تلك الصور المحزنة والمقلقة في كثير من الأحيان إلى الخوف من قدر الشيخوخة. ولكي ننأى بأنفسنا عن هذا القلق، نعتبر كبار السن غالبا هم "الآخر" ونهمشهم، ربما بشكل أكثر وضوحًا في الملاحظات العرضية المتعصبة للغرباء.

لقد أصبحنا أكثر عرضة للخطر على مر السنين في أنظمة رأسمالية تعامل الناس بالفعل على أنهم مستهلكون لا غير. الكاتبة أبيلوايت، على الرغم من نبرتها المتفائلة، في كتابها الأخير تصف هذا النظام بالرأسمالية العالمية، كما هو الحال عندما تنتقد حكاية صراع الأجيال. الصورة التي يتم استحضارها هي أن كبار السن مجرد ناس جشعون يبتلعون الوظائف والمنازل والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ولا يتركون شيئًا للجيل القادم.

إنه لمن السهل الانجرار إلى لعبة إلقاء اللوم على الأجيال، وتحريضها على التفرقة العمرية الكامنة، ونسيان أن النظم الاقتصادية ليست ظواهر لا هوادة فيها مثل الجاذبية أو الزمن؛ بل هي نتيجة اختيارات إنسانية . في الواقع، بدلاً من اعتبار كبار السن كائنات مثل العلقات، يجب أن نتذكر أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يتحقق بين جميع الأجيال. إن كبار السن جزء لا يتجزأ من المجتمع. لقد دعم معظمهم الشباب وكبار السن بعضهم البعض بأي طريقة كانت متاحة. وسواء كانوا نشطون ويعملون أو متقاعدين، فإنهم يقتنون المنتوجات والخدمات ويدفعون الضرائب ويساهمون بالعمل والدعم والتمويل لأسرهم ومجتمعاتهم.

الكاتبة أبلوايت تختتم بيانها بتوصيات صادمة على أنها أجزاء مما يمكن أن يكون صفقة جديدة وعظيمة للعمر. يمكن أن تبدأ بمزيد من المرونة في التوظيف حتى يتمكن الأشخاص من الحصول على وظائف لمدد أطول، مع مزيد من الوقت للتدريب والاستكشاف ومتانة العلاقات العائلية فضلا عن وضع الموارد في تصميم يسهل الوصول إليه للأماكن العامة، بالإضافة إلى برامج لدعم التنقل للأشخاص من خلال الأعمار والقدرات. فمن شأن هذا تسهيل اندماجهم في المجتمع، وسيكونون في وضع جيد للمشاركة بسبب التحسينات في قطاع السياسة الصحية والممارسة السريرية والتمويل والبحث. وإذا كانت هناك حاجة، في نهاية العمر، إلى مزيد من العناية المركزة، فسيتم تعويض العمال وأفراد الأسرة الذين يقومون بأعمال رعاية مدفوعة الأجر.

الحقيقة هي أن تحسين الأنظمة لتشمل كبار السن من شأنه تحسين الازدهار ونوعية الحياة للجميع.

كل ذلك يدعونا اليوم إلى حركة جديدة ضد التمييز على أساس السن وتعيين ممثلين وصانعي سياسات مسؤولين اجتماعيًا في مناصبهم. كما يتطلب ذلك نوعًا من زيادة الوعي والتحريض الذي يدور الآن حول قضايا العرق والعدالة والمناخ والجنس. الخطوة الأولى هي الاستيقاظ على الأضرار الحقيقية للتفرقة العمرية ورفض إطعام الوحش الاقتصادي بكلماتنا وأفعالنا.

***

عبده حقي

 

طارق بوحالةأصدر الباحث والأديب الجزائري الدكتور علاوة كوسة منذ أيام قليلة كتابا جديدا وسمه بـ: الأنساق المقنعة في الشعر الشاهدي العربي عن دار النشر الفتيّة "فكرة كوم للنشر والتوزيع" الجزائر "2022" ، ويندرج موضوع هذا العمل في إعادة قراءة الأشعار المكتوبة كشواهد ونقوش على القبور والأضرحة المترامية في كثير من الأقطار العربية، وذلك من منظور الإجراء النقدي الذي يتيحه نشاط النقد الثقافي، حيث حاول الباحث الغوص في هذه الشواهد الشعرية، ثم الكشف عن المضمرات النسقية المختزنة، وتأويلها في ضوء جملة من المعطيات والسياقات المنتجة لها.

ومما يحسب للباحث أيضا أنه قد بذل جهدا كبيرا في جمع هذه الأشعار من أمكنة عديدة، إذقام بزيارة بعض الأماكن في الجزائر وخارجها للحصول على هذا الأشعار، كما اتصل ببعض الأصدقاء لتزويده بما يملكون، وأيضا العودة إلى الكتب والمؤلفات المتضمنة لبعض الشواهد قديما وحديثا، وهو ما سمح له بعد ذلك بإخراج معجم يتضمن كل الأشعار المجموعة وتضمينه (المعجم) في كتابه.

لقد وظف الدكتور علاوة كوسة خبرته في مجال النقد الأدبي، و-هو صاحب الدراسات العديدة في مجال نقد الشعر والقصة والرواية والقصة القصيرة جدا وغيرها- ليطعّم هذه الخبرة بعد ذلك بالاشتغال على مقولات النقد الثقافي، وتوظيفها في قراءة الشعر الشاهدي، كما لم يغفل عن إبداء جملة من الآراء حول واقع النقد الثقافي في الخطاب العربي المعاصر، خاصة بعد الدعوة الرائدة للناقد السعودي عبد الله الغذامي،  ليسعى بعد ذلك إلى تبني المقولة المركزية في هذا النشاط، وهي مقولة "الأنساق الثقافية" باحثا عنها وهي متوارية خلف البناء الشعري للنماذج الشاهدية المختارة.  وقد استعان الباحث أيضا بقدراته التأويلية في سبر أغوار المدونة الشعرية المختارة، جامعا بين الخبرة النقدية والمهارة الشعرية، فأخرج لنا كتابا رائدا وسبّاقا وطريفا، حُق له أن يكون مدونة خصبة للقراءة والتحليل.

***

د. طارق بوحالة

 

اسعد شريف الامارة2. العائلة والتنشئة الاجتماعية

يعرض "صفوان" رأي رادكليف برون تعريف العائلة بانها وحدة البنية التي من خلالها تنبني منظومة قرابة، والتي سماها العائلة الأولية، وانتقد ذلك " كلود ليفي – ستروس" بقسوة معتقدًا بفكرة تُكون العائلة البيولوجية نقطة انطلاق أي مجتمع لتحضير منظومته في القرابة. وأتفق معظم المحللين النفسيين واسموه بـ "المرحلة التناسلية" التي لم يحتج على وجودها أول مرة إلا "جاك لاكان"؟  هذا الاعتقاد بغريزة طبيعية تدفعنا إلى الانجاب اعتقادًا أصلب أيضا من الاعتقاد بالغيب، لأنه يمتلك حقيقة أننا مُجهزون بيولوجيًا لتنفيذ هذا الهدف، وهو يضمن لنا إذا جاز القول خلودًا علمانيًا ولا يدهشني أن المحلل الذي أحتج على هذا الاعتقاد كان هو نفسه الذي بين رسوخ نرجسيتنا عبر وقوعنا في أسر شيء مُتلاشٍ إلى أبعد حد، أسر مظهر خداع، وصورة مرآوية " الإنسان ظل الظل" وإذا أخذنا في الحسبان هذا الاحتجاج فالسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمعرفة إن كانت المجتمعات البشرية قد شرعت في بناء نُظم قرابتها ليس انطلاقًا من العائلة البيولوجية، أيا كان المعنى الذي نخلعه على تعبير"انطلاقًا من" بل شرعت في بنائه لكي تقطع الطريق على التخريب الناجم عن لغة الأسس الغريزية الممنوحه لتلك الأسرة، والملمح الأوحد الذي يبقى مما ندعوه"العائلة الطبيعية" هو ولادة الطفل من رحم الأم، ولما كان تعيين العامل الثاني لهذه الولادة غير مُتناسب مع اليقين نفسه، فقد ارتبطت معرفته باعترافه: أب الطفل هو الذي يعترف بأن هذا الطفل ابنه، وينقل له اسمه، ففي استبدال المعرفة بالاعتراف تكمن روح الثقافة، وكل نظام قرابة يُفضي إلى نظام إعتراف بين أعضاء المجتمع، ولا نبالغ إذا قُلنا إن اسم الأب يُجسد مثال هذا الاعتراف الأصلي إن لم يكن حجر الزاوية فيه، ومع ذلك تعالوا نتمعن أكثر من مختلف أشكال العائلة.

يدخلنا "مصطفى صفوان" في هذه الصفحات بموسوعة شاملة من أنظمة تكوين الأسرة واتساع العائلة في ترامياتها المتنوعه من الأبوة والانجاب والنسب ومحورها يدور على أساس الوجود وهي المرأة ، الزوجة بصورها المتعددة، صورة المرأة المنجبة، والاب الغائب، وبديله في الانجاب أو في الأرث باستعراض كتاب "ليفي- ستروس" الموسوم "النظرة البعيدة" ومقال "العائلة" الذي يعده كلاسيكيًا، لأنه قائم على تأثير مذهب التطور البيولوجي الذي قاد علماء الاعراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين إلى افتراض أن العائلة الحديثة القائمة اساسا على الزواج من امرأة واحدة تُمثل شكلًا من تطور على خط واحد أشد تعقيدًا، خط تُميزه في طفولة البشرية ملامح متعارضة تماما كمثل "الاختلاط البدائي" و " الزواج الجماعي". أما ما يُثبت طابع هذا الموقف غير المسموع فهو تضاؤله بالاطراد مع اغتناء علم الاعراق بالمعطيات الجديدة.

وما زال يناقش "صفوان" أراء"ليفي- ستروس" وبرأي "ليفي- ستروس" قوله: تُظهر هذه المعطيات أن نوع العائلة التي تتميز في المجتمعات المُعاصرة بالزواج الأُحادي وسكن الزوجين الشابين المستقل والروابط العاطفية بين الأبوين والاطفال ..الخ كانت موجودة أيضا بوضوح في مجتمعات بقيت في مستوى ثقافي نِصفُه بالأولي، أو عادت إليه. أتاحت هذه الحقيقة نزوعًا عاما إلى القبول غالبًا بان حياة العائلة موجودة في المجتمعات البشرية كلها" كما يذكرها كلود ليفي- ستروس في كتابه النظرة البعيدة في العام 1983 في الفصل الثالث، طبعة باريس. ويذكر"ستروس" أيضًا    قوله: أما العائلة على القران الدائم إلى حد يزيد أو ينقص لكنه مقبول اجتماعيصا، بين فردين من جنسين مُختلفين يؤسسان زواجًا، يُنجبان ويُربيان أطفالًا فتبدو كمثل ظاهرة كلية عمليًا حاضرة في نماذج المجتمعات كافة، ص67" ويناقش "ليفي- ستروس" فكرة العائلة الاحادية بانها مؤسسة حديثة ولكنه يخطئ ويطرح حالات نادرة مختلفة عن الحياة العائلية أي ما نسميه بالاسرة بالمعنى الدارج للمصطلح لا وجود لها على ما يبدو حيث يستشهد بمثال "النايار"  الذي يعدهم علماء الاعراق مثالا ممتازًا على المجتمع الأمومي. ويذكر "صفوان" سوف اعود إلى هذا المثال نفسه لتفحصه عن قرب أفضل أن استشهد نصيا بالوصف الذي يقدمه "ليفي- ستروس" لهذا المجتمع.

عند "النايار" وهم شعب هندي كبير على ساحل مالابار، لا يستطيع الرجال الذين تستغرقهم الحرب أن يؤسسوا عائلة، ولكون الزواج احتفالا رمزيًا خالصًا فهو لا يخلق روابط دائمة بين الزوجين: يمكن للمراة المتُزوجة ما تشاء من العشاق، وكان الاولاد ينتمون إلى السُلالة الأمومية، أما السلطة العائلية وحقوق ملكية الأرض فلم يكن الزوج الممحو أساسًا هو الذي يُمارسها، بل يُمارسها إخوة الزوجة. ويناقش "صفوان" فكرة ليفي -ستروس عند"النايار" بنقلها إلى مجتمعات أفريقيه حيث تسمح للبالغين من القتيان ممن تم تحضيرهم لممارسة مهنة السلاح والتفرغ لها بإقامة علاقات جنسية وعاطفية مُباحة مع فتيات من صفهم ولا يستطيعون الزواج وتأسيس اسرة إلا في نهاية هذه الفترة القتالية. لدينا هنا امثلة تتأسس فيها العائلة الزوجية مع اختلاط تكويني يُجسد النايار مثاله الأكثر تناسقًا، ومن ثم يكمن النزوع العام الذي تراعيه هذه العائلة مراعاة واضحة تقريبًا في الاختلاط الطبيعي للرغبة الذكورية التي يرى ليفي- ستروس ظهورها من جديد على شكل أولي حتى في مجتمعاتنا الحديثة. يستنتج "ليفي- ستروس" بعد أن وجد في العائلات التي يغلب فيها تعدد الزوجات حينًا، وتعدد الازواج حينًا آخر، أن العائلة الزوجية أكثر تواترًا وأنها في كل مكان يبدو أنها تغيب عنه، يتعلق الأمر عموما بمجتمعات مُتطورة جدًا ولا يتعلق كما كان يمكن أن نتوقع بعائلات أكثر بدائية وبساطة وهذا لا يمنع وجود عائلات غير زوجيه – علينا ان نضيف إلى النايار تعدد الأزواج عند التودا في القرن التاسسع عشر وهذه الحقيقة وحدها كافية للبرهان على أن العائلة الزوجية ليست ناجمه عن ضرورة كُلية، ويتسائل كلود ليفي – ستروس إذا لم تكن كُلية العائلة نتيجة قانون طبيعي، فكيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبًا" ليفي- ستروس، ص71".

يناقش مصطفى صفوان" اراء بعض العلماء ومنهم ليفي -ستروس، ورادكليف- برون و تود وموردوك و غولييه وأخيرا يستعرض اراء جاك لاكان.

يدل مصطلح "العائلة المُوسعة " على تشكيلات تشمل عدة عشرات من الاشخاص الذين يعيشون ويعملون بأمرة سُلطة مُشتركة. ويضيف "ليفي- ستروس" ويطمئن بعض القارئات الحذرات من كونهن مختزلات إلى الدور الذي تلعبه سلع التبادل بين شركاء ذكور، مؤكدًا أن العائلة "المنحسرة" كما يصفها بالتعارض مع العائلة "الموسعه" ليست هي العنصر الأساس في المجتمع، ولا تنتج عنه أبدًا" بحسب رأيه. وبعبارة اخرى إذا كان المجتمع ثقافة، فالعائلة نفسها "هي" في صميم الحياة الاجتماعية انبثاق هذه الضرورات الطبيعية التي ينبغي التحالف معها. والكلام ما زال لــ "ليفي- ستروس" ويرى " صفوان" أن العائلة الثلاثية أو "المنحسرة" لا تصدر عن قانون كٌلي، لكن ثمة استثناءات، ومن ثم كيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبا؟ الجواب هو انها دون أن تكون نتيجة قانون طبيعي تُمثل مع ذلك قيدًا طبيعيا وهو قيد لا تستطيع المجتمعات الموجودة في اسفل سلم الثقافات أن تنفصل عنه، بينما تعرف تلك التي توجد في أعلى هذا السلم، وهذا أقل ما نتمناه لها، كما يضيف "ليفي- ستروس". لقد تجنب "رادكليف- برون" المغالطة المعنية حيث يرى في المقام الاول أن فكرة الطبيعة هي فكرة ثقافية، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة، فضلا عن أن " لويس ماران" في ترجمته البنية الوظيفية، ميز بنيوية "رادكليف- برون" الواقعية عن بنيوية"ليفي- ستروس" المتعلقة بعملية تعقيد، وتكون النتيجة الملموسة أكثر لهذا الاختلاف في أن المُعَلم الانكليزي يميل إلى تفصيل التناقضات والتشديد على تكاملها بينما يدفعها تلميذه الفرنسي إلى الحد الأقصى، ولا ننسى وصفه لشعب "النايار" الذي كما يرى العائلة فيه أحادية الزوجة، وتكون عمليًا غير موجودة عنده، حيث يتضمن هذا الوصف تمييزًا حاسمصا ايضا بين أشكال انتقال النسل الأبوي والأمومي، إلا ان التمييز بين مجتمعات النسل الأبوي والنسل الأمومي كما يعتقد "رادكليف- برون" ليس مطلقًا، بل هو نسبي، رغم أن حتى المجتمعات الأبوية الأكثر صرامة، توجد أهمية اجتماعية مؤكدة للجانب الأمومي من القرابة، كذلك يحفظ الأب وقراباته في المجتمعات الأمومية الأقوى دومًا الأهمية في حياة الأفراد. يؤكد "رادكليف- برون" أن اقتران المرأة النايار بعشيقها اقترانا عاطفيًا متينا يدوم طيلة الحياة، واظهار العاشق شغفه القوي بالاطفال. ويرى "إيمانويل تود" الذي يضع وجود العائلات الثلاثية بحسب رأيه حدًا "للتفكير بالبنية" سواء أكانت هذه العائلات في اوروبا الغربية أم على الطرف الآخر للعالم القديم، أم عند الآغاتا" وهم بقية شعب من الصيادين جامعي الثمار في جزيرة لوزون في ارخبيل الفلبين.

يرى "صفوان" ان المسلمة الأساسية في البنيوية هي ضرورة العلاقات بين مختلف عناصر البنية الاجتماعية: على العائلة، والقرابة، والدين، والاقتصاد، والتربية، والسياسة أن تتوافق لتشكيل كُل منسجم، أما "دوركهايم" فيرى وجوب ربط تصور ديني معين من التشابك الاجتماعي. أما "تود" فيتبنى شكلا منطقيا ىخر: شكل تقليدية المناطق الهامشية أو المعزولة التي أقامها علماء اللغة منذ الفترة الواقعة بين عامي 1915 و 1920 لشرح الخرائط التي تمثل اختلاف اللهجات.

تقود القطيعة مع المُسلَمة البنيوية "تود" إلى الموافقة الأكثر حسمًا من موافقة "ليفي- ستروس" على التصور الذي يُوصي به "روبير لوي" في كتابه مقال في علم الاجتماع البدائي. وفيه نجد ثبات الطابع الكوني والأولي تقريبا في العائلة الثلاثية المتكونة فقط من زوجين واطفالهما التي تظهر في هذا العمل بأسم العائلة الثنائية. يتطرق "تود" على نحو خاص إلى تناول هذا الاستنتاج من جديد في كتاب "موردوك" في البنية الاجتماعية إذ يرى هذا المؤلف أن العائلة الثلاثية تراكم اجتماعي شامل، ولأنها نموذج وحيد للعائلة المعمول بها، أو لأنها وحدة اساسية في الاشكال العائلية المُعقدة فهي تكون في المجتمعات المعروفة كلها مجموعة متميزة ذات وظيفة عالية، ويؤكد عدم وجود أي استثناء في عينة 250 ثقافة تفَحصها، وهو ما يؤكد استنتاج "لوي". وعليه ما ندعوه "1اسرة" بالمعنى الدقيق للكلمة الذي يتضمن زوجين وأطفالهما، إنما هو ظاهرة موجودة، وطالما وجدت في المجتمعات كافة. يعد "تود" أن كل كا بامكانه تأكيده على المستوى الذي  بلغه في بحثه هو توافق الوقائع التي تفحصها مع مجموع من الافتراضات وأولها الافتراض الآتي: كانت العائلة الأصلية من نمط ثلاثي، نواته الأولية القِران الزوجي. ويتابع "تود" شارحًا رأيه حيث يقول: على العكس سوف تظهر الأشكال التي سبق أن عَدها علماء الأعراق الأوربيون قديمه"العائلات الكبيرة، وأصل العائلة" كانها من بناءات التاريخ، ولن تظهر في أية حالة بأنها من بقايا البدائية. ويناقش "تود" ايضا في المحل الأول آخذًا في حسبانه الواقع التاريخي، وهي الحركة العامة في اوراسيا التي تنطلق من الثلاثية إلى الذرية الأبوية حيث يرى أن تعاقب ثلاثة مستويات من النسب الأبوي "بروز البكورة الذكرية، والعائلة الأهلية الأبوية، والانحطاط الجذري لوضع المرأة" وهو تسلسل ملحوظ في الشرق الأوسط والصين والهند الشمالية.

يرفض "غودولييه" رفضًا شاملا تصور العائلة بأنها أساس المجتمع، كما يرفض الرأي المتضمن في هذا التصور والذي بمقتضاه يتكون المجتمع من مجموعة وحدات عائلية، حيث يقول: في رأيي لا يُمكن لأي مجتمع بما هو مجموعة إجتماعية من شأنها أن تتمثل لأعضائها بوصفها كلا وبأنهم يولدونها كما هي، أن يتأسس على القرابة. إنما القرابة ضرورية وإن لم تكن أساسية: فلا تخلو أية لغة حية من لفظة تتعلق بالقرابة. ويضيف "غودولييه" ليست علاقات القرابة قليلة الشان في العلاقات الاجتماعية. ويطرح مثال على ذلك شعب البارويا الشعب الذي درسه عن قرب حيث قضى بينه عدة سنوات قوله: سيكون من العبث تحديد الاقارب من جهة الأم بلفظة قرابات الدم التي قد توحي بأنهم يتقاسمون دمهم مع الطفل على حين أن دم الطفل وعظامه يأتيان من مَني أبيه، بينما يأتي روحه وعقله من أحد أجداده الذكور، أو الاناث بحسب جنس الطفل المنتمين أيضا وحصرًا إلى ذرية الأب. ويرى "غودولييه" لم يستطع الرجال في أي مكان أن يعترفوا ولم يريدوا الاعتراف أصلا بأنهم منبع المحظورات والتعليمات التي فرضوها على أنفسهم، ولم تستطع البشرية في أي مكان وخلال آلاف السنين أن تكتشف نفسها في أعمالها. تكثر التساؤلات والاعتراضات عند أولئك الذين يُثبتون كون القرابة علاقة اجتماعية خالصة، ولا شيء في مضمونها يرتبط بالجنس وبعملية توليد الحياة البيولوجية، وأي عالِم إناسة يعرف هذه الاعتراضات وعليه يجيب عليها: نلامس هذا السؤال الوجودي الذي ارادت الاعتبارات السابقة أن تُجيب عليه: هل توالد المجتمعات البشرية مُجرد ظاهرة ثقافية، أم أنه ثقافي بكلية بحسب عبارة مارشال سلنس؟ وتطرح الاجابة بالاستشهاد القرابة والعائلة عند "البارويا" الذي يقدمه "غودولييه"، فالكلمة التي تدل على العائلة في لغة البارويا هي كومينيداكا التي تعني الكل المتكون من الأب وزوجته وأولاده، ولفظة "كومي" تعني الحميع. العائلة إذا هي هؤلاء الناس في كليتهم. وظهور التضامن الواضح في هذه العائلة، ومن الصفات الواضحة لديهم ايضا منها لا توجد هيمنة الذكورية ولا سيطرة رجل على امرأة، ولا وجود مختلف، أو أنواع القيود على الاجساد، ومن المظاهر المعلنة في حالات الحزن الشديد أن يشنق الرجل نفسه حزنًا على موت زوجته، أو تشنق الزوجة نفسها حُزنًا على موت زوجها، وليس نادرًا أن يحمل أرمل حول العنق شعر زوجته الراحله وبعض عظامها، أو أن تحمل أرملة شعر زوجها وبعض عظامه المأخوذة خلال المأتم الثاني حينما تٌجمع عظام الميت لكي توضع في اشجار غابة الاجداد.

يناقش"صفوان" وضع العائلة الثلاثية التي يدافع عن جانبها الثقافي بحزم دفاع "ليفس -ستروس" لكن ليس دون أن نشاركه داعمين رأيه القائل بأن هذه العائلة تدين للطبيعة" باختراع البشر العاديين" كما يستنتج في نهاية تحليله بعض المعتقدات الاجتماعية التي تتعلق بحمل الطفل، يفترض إذًا بصورة عادية العلاقات الجنسية في كل مكان. وحين العودة الى ما يمكن تسميته بنقاش"مالينوفسكي -فرويد" يُعطي فرويد الحق لأن "عقدة أوديب" كما يقول مستشهدًا بأندريه غرين ليست مبنية حول علاقات سلطة، بل حول علاقات الطفل مع ذاك الذي يُضاجع أمه. ولكن فاتته ملاحظة العكس: اذا كان الأب الحقيقي يُضاجع الأم، فإن من يضاجع الأم ليس الأب بالضرورة، ونحن نعرف الآثار المُزمنة التي يتحملها طفل يُشارك في تجربة لا يعرف أن يستشعر خلالها الدلالات التي يعنيها عدم الاخلاص والخيانة، وبعبارة أخرى ما يتركه "غودولييه" جانبًا في تحليلاته الضيقه، هو ببساطة المعنى الذي يستمده اسم الأب ليس من معرفتنا البيولوجيه، بل من نظام الاعتراف الرمزي الذي تقوم عليه الثقافة.

ويطرح التساؤل فكرة التقارب بين الجنسية عند البشر وكذلك الجنسية عند الكائنات الحية الاخرى، إنما هو ضرورة الاتحاد الجنسي بما هو شرط تجديد الحياة، وهو بحد ذاته تتكفل به الطبيعة، ومستمرة حتى تهيئة فصل للشبق بين الجنسين، والحال أن ليس للشيق فصل عند البشر، هذه الحقيقة لم تمنع " كارل ابراهام" من صياغة نظرية عن تطور الشهوة- الرغبة  الجنسية "اللبيدو" ، التي تبلغ ذروتها في المرحلة التناسلية، وأثبتت التحليلات هذه النظرية بوصفها التعبير حتى عن الواقع، أي ما كان يعرف أو يعتقد أنه كان يعرفه أصلا. لم يرَ أي محلل نفسي باستثناء "لاكان" أن الأكثر ثورية مما حمله التحليل النفسي لم يكن اكتشاف الجنسية عند الطفل، بل اكتشاف طابع الجنسية البشرية غير التناسلي، لا بل الرمزي.

وجد "لاكان" زيف كل زعم بدراسة الإنسان لا يُراعي انغماس "انصهار" إندماج" الإنسان في اللغة، ووجد أيضًا زيف اقتصار آثار هذه المراعاة في اللغة على توليد عقلانية منطقية.

اللغة وسيلة اتصال بين البشر وجميع الناس يقرون بذلك، فضلا عن أن اللغة تنقل قضايا إيجابية وسلبية، وهي تنقل طلبات وحاجات مقابلة، حيث يميز "لاكان" ما تحت الطلب" يقصد هنا ما تحت الطلب هو الطلب غير المٌعبر عنه، الخاص بالرغبة في الجسد"، يقصد هنا هو طلب مختلف عن الحاجة وما فوقها من حيث هو طلب حب، من غير شروط، لا يستجيب له أي موضوع مع انه قد يجعلها رمزًا، لكن اي شريك جنسي لا يكتفي بأن يختزل إلى موضوع حاجة ولا بأن يعاد وضعه ببساطة على قاعدة تمثال الحب.

تقتضي الاجابة على هذا السؤال إعادة النظر في مسألة اللغة من زاوية أخرى غير زاوية علاقتها بالطلب، أعني انها تفتح الباب على سؤال الكينونة فتدخله بطريقتين: أولا من جانب الاختلاف بين الاثبات والنفي، إذ يرجع كل من هذين المصطلحين إلى ثنائية أخرى، ثنائية الصح والخطأ، وتعرف كلتاهما بالرجوع إلى ما تكون الحالة وما لاتكون، إنه المعنى المسمى"وجوديًا" وهو مصطلح غير ملائم، لأن الشيء الذي لا يوجد يجب أن يمر عبر اللغة مع احتمال تأثره فيها بالنفي، أما الجانب الآخر فيتعلق بما يدعى بالمعنى الإسنادي لفعل الكون، ويمكن في ارجاع الدلالة إرجاعا لا نهائيا إلى دلالات اخرى، فليس ثمة من دلالة لا نهائية حتى إن على نظام بديهي أن يترك هامشا لبعض الدلالات غير الموصوفة، وينطبق الأمر نفسه على الذات الناطقة: فالبحث عن معنى أو هوية تمنح كينونتها معنى، إنما ينتهي دوما بتعيين، والجزء الاكثر مادية من الكينونة يفلت من المعرفة وهذا لا يعني انه يفلت من الوجود، وإذا كانت الحالة كذلك ينقلب النقص إلى نقص لاشيء، والحال أن فرويد بدون فلسفة اللغة لكن بصدق نفسي مدهش، اكتشف في نقص الكينونة الموضوع المفقود في حد ذاته الذي  هو سبب الرغبة. يجيب "لاكان" مبينا أن القضيب الرمزي لكونه دلالة على الاستعارة الأبوية، هو في الواقع موضوع مفقود في حد ذاته، بمعنى عدم ظهوره في الصورة المرآوية إلا بصفة نقص ويشار له برمز خاص عند لاكان. وأزاء ذلك تصبح الذات من دون هذا النقص معلقة بهذه الصورة الهاربة، لكنها لا تخدمه بأقل مما يُفكر الآخر، انه الخصاء الرمزي من خلال هذا الحرف الأول من الكلمة الذي يُحيي في المتكلم "الماهوي" أيا كان جنسه، رغبة غيرية. وخلاصة القول أن الرغبة إذ تطبع على الجنسية البشرية توجها إلى ما بعد صورة الجسد الخاص، أو الموضوع المنشود "يذكر اسفل الصفحة مثال الذات ، فالفرق بين الأنا الواقعي والأنا في المرأة، أن "الانا" في المرآة هو المكان الذي تتخيل فيه الذات أمثلة من العظماء والزعماء ترغب التوحد في الزعيم من حيث هو الموضوع المرغوب.

ويؤكد "صفوان" مثلما قلبت اللغة نظام الحاجات بتمريرها عبر عُروض الطلبات، شكل الأوديب المُواربة التي يفضلها يُقاد المتكلم الماهوي" أعتقد يقصد المترجم بترجمته المتكلم الصامت" إلى توظيف شخص آخر من الجنس نفسه، أو من الجنس الآخر بوصفه موضوعًا سببًا لرغبته، الموضوع الذي يجد فيه كينونته. ويقول"صفوان، ص 54" لم تنجح عملية تخطي الأوديب النجاح المرغوب ولم نتعامل في التحليل سواء أكان مَرضيًا أم تربويًا، إلا مع حالات أوديبييه غير ناجحه، يقول "فرويد" إن التوتر بين الأبن والأب لم ينته أبدًا نهاية تامة، وما لم ينته أبدًا فيما أحسب هو الخلط بين الرغبة والطلب، لأن الرغبة ليست سوى إخفاء الطلب، وما الطلب سوى نقص تملؤه موضوعاته الموصوفة بأنها جيدة. يقودنا الرأي هنا إلى أن الشخص المنتمي إلى الجنس القوي، المتمكن ، والمعتقد انه تخطى بانتمائه نقص الكينونة، هو عضوه الجنسي إلى حد تحويل نرجسيته إلى نرجسية قضيبية، ذلك أن هوى السلطة والقوة الذي يمنحه امتلاك الهبة، والهبة المقابلة الذي يملأ مجال رؤيتنا وكذلك امتداد دال "الهبة" الاستعاري إلى أجزاء الجسد الخاص، يثبت كما هو لغات الأرض قاطبة أقول هذا الهوى هو توأم النرجسية، حيث تمتد قوة هذه الاستعارة حتى الجسد الخاص الذي نتحدث عنه كما لو أنه ملكيتنا ، "تملك" جسدًا وفي الحقيقة نحن لا شيء من دون هذا الجسد، وبقدر ما تستلم البنت أيضا لهذا الخلط بين الكينونة والتملك، بين الرغبة والطلب، حيث تثير الرغبة في القضيب الذي يظهر أن جماعة الذكور مُزودة به، أو على الأقل تُعوض عن غيابه بما تمنح صورتها أمام المرآة من عناية خاصة، فالنرجسية النسائية المشهورة نظير النرجسية القضيبية الذكورية الأقل وهمًا. يسأل "موريس غودولييه" مشيرا في خاتمة كتابه إلى ما يحدث في أيامنا " ثقافة الطلاق، ومراقبة الولادات، والزواج المثلي، والانجاب بالمساعدة..الخ عما يُمكن أن يكون رأي "فرويد" و "لاكان" في ذلك، أتخيل أن فرويد كان سيجيب بأن عقدة أوديب تصدر عن كلية الأسرة، أو العائلة الثلاثية حيث تربي الطفل أم، حتى لو ميزها عن الامهات الصغيرات، أب حتى لو ميزه عن الاباء الصغار، انه إذا أب يعني له حتى الاسم عالم القانون حيث يتماشى المحظور والمسموح ولا يتعارضان، اما الباقي فسوف يدعنا فرويد نأخذ على عاتقنا أمر مواجهة نتائج اندثار هذه العائلة. أما "لاكان" بالتأكيد سيرى فيه إثباتًا لما قاله دومًا، أي عدم وجود علاقة جنسية.

***

د. أسعد شريف الامارة

 

مفيد خنسةالفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(تقول:

أنا لست رقْماً

وما كنت رَقمْاً،

فلا تنسَ هذا

وسجّله فوق الزمنْ

فقلت:

وما رقم حظي إذنْ؟

**

تقول:

أتعلم أني أتيتُ

بفصل الربيعِ،

أتذكر هذا؟

فقلتُ:

وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟

عادةً في الربيعِ

تجيء الزهورْ

**

تحاول أن تتأكد

أني أرى جيّدا

فتسأل:

ما لون شوقي إليكَ

غدا؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة الواثقة والعاشق الذي يتظاهر باللامبالاة في حوار طبيعي وعقدته (أنا لست رقماً) وشعابه الرئيسة هي: (تقول:/ أنا لست رقْماً/ وما كنت رَقمْاً،) و(فلا تنسَ هذا/ وسجّله فوق الزمنْ) و(تقول:/ أتعلم أني أتيتُ/ بفصل الربيعِ،/ أتذكر هذا؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (فقلت:/ وما رقم حظي إذنْ؟) و(فقلتُ:/ وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟/ عادةً في الربيعِ/ تجيء الزهورْ) و(تحاول أن تتأكد/ أني أرى جيّدا) و(فتسأل: / ما لون شوقي إليكَ/ غدا؟).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوب الإنشائي والخبري، وفيه يبين الشاعر موقفين متباينين وربما متعاكسين، موقف العاشقة الواثقة وموقف الشاعر الذي يعني ما يقول ببرودة أعصاب ومكر، فقوله: (تقول: أنا لست رقْماً/ وما كنت رَقمْاً،/ فلا تنسَ هذا/ وسجّله فوق الزمنْ/ فقلت/: وما رقم حظي إذنْ؟) أي هي لا ترضى أن تكون واحدة من اللواتي مررن في حياته، وتذكره أن يحفظ ذلك جيداً على مرور الأزمنة عليه، أما هو فيرد من حيث لا تتوقع، ومن حيث لو يتوقع القارئ، أي إذا كانت هي لا ترضى أن تكون رقماً عابراً في حياتها، فهل هو يرضى أن يكون رقماً

في حياتها، وإذا كان الأمر كذلك، يسأل عن رقم حظه بين الأرقام التي مرت في حياتها، وهذه تورية واضحة، فهو لا يريد المعنى القريب من السؤال، إنما يريد أن يؤكد المعنى البعيد، وهو أنه لا يمكن أن يقبل أن يكون هو الآخر رقماً عابراً في حياتها، وإن كان السؤال يحتمل معنى: وهو أن لديها أرقام كثيرة قد مرت في حياته، ويريد أن يعرف ما رقمه هو في حياتها. وقوله: (تقول: أتعلم أني أتيتُ/ بفصل الربيعِ،/ أتذكر هذا؟/ فقلتُ: وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟/ عادةً في الربيعِ / تجيء الزهورْ) أي تحاول أن تذكره بشيءٍ كان توقيته استثنائياً في حياته، وهو أنها كانت قد جاءته في فصل الربيع، بينما هو يؤكد اعتيادية مثل هذا الحدث، لأنها كالزهرة، ومن الطبيعي أن تجيء الزهور في فصل الربيع، وقوله: (تحاول أن تتأكد / أني أرى جيّدا/ فتسأل: ما لون شوقي إليكَ/ غدا؟) أي تريد أن تتأكد من أنه قد أصبح واثقاً من حبها وشدة شوقه لها، وهذا المعنى مجازي، ويريد الشاعر أن يبين الصورة الحسية بإظهار اللون الحسي لإحداث مفارقة بين المعنيين الحسي والمجازي، فكان سؤالها عن لون شوقها إليه غدا.

الفرع الخامس:

يقول الشاعر:

(تحاول أن تطمئن لمعرفتي

بخفايا الجسدْ

فتسأل:

ما عمق قلب المحبّ

إذا ما الحبيب ابتعدْ

**

أقول:

ومن هو هذا الذي

سوف يفهم دمعكِ مثلي

ويشرحه للسماءْ

ومن سوف يحفظ،

عن ظهر قلبٍ،

يديك، ورجليكِ، والمنحنى

وتلالَ الضياءْ

ومن هو هذا الذي

سوف يكتب فيك

كهذا الغناءْ؟

تقولُ وقد شردت لحظةً:

بعدُ ما ولدته النساءْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة البوح بالحب بين العاشقين وعقدته (تحاول أن تطمئن) وشعابه الرئيسة هي: (تحاول أن تطمئن لمعرفتي/ بخفايا الجسدْ) و(فتسأل: ما عمق قلب المحبّ/ إذا ما الحبيب ابتعدْ) و(أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي) و(تقولُ وقد شردت لحظةً: / بعدُ ما ولدته النساءْ)، وأما شعابه الثانوية فهي: (أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي) و(ويشرحه للسماءْ/ ومن سوف يحفظ،/ عن ظهر قلبٍ،/ يديك، ورجليكِ، والمنحنى / وتلالَ الضياءْ) و(ومن هو هذا الذي/ سوف يكتب فيك/ كهذا الغناءْ؟).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يرسم الشاعر صورة الغرام في أقوال متبادلة بين العاشقين، فقوله: (تحاول أن تطمئن لمعرفتي / بخفايا الجسدْ / فتسأل: ما عمق قلب المحبّ/ إذا ما الحبيب ابتعدْ) يشير إلى أن الشاعر يريد أن يظهر المفارقة بين الدلالة الحسية للمفردة والدلالة المجازية، فخفايا الجسد، تحمل معنيين حسي إذا كان المقصود مكونات الجسد المادية، ومجازي إذا كان المقصود المكونات المعنوية، النفس أو الروح أو القلب وما يملك من عاطفة وأحاسيس ومشاعر وجدانية، والعمق: يمكن أن يكون المعنى حسي إذا كان مقصود الارتفاع، ومجازي إذا كان المقصود شدة الشوق وعمق الأحاسيس، ويصبح المعنى، أي تريد أن تطمئن على أنه يعرف خفايا الجسد الحسية والمعنوية، فتسأله كم يصبح عمق قلب المحب إذا ابتعد عنه الحبيب، وهذه كناية على أن القلب يصبح أكثر عمقاً وبعداً، لأنه يختزن ألماً كبيراً، وحزناً عميقاً، وشوقاً لا يقاس عمقه بالمسافات، وهذه تورية واضحة لأن الهدف من السؤال واضح، فهي تريد أن تعرف مدى شوقه وحزنه وألمه إذا ما ابتعدت عنه ورحلت، وغابت عن ناظريه، وقوله: (أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي/ ويشرحه للسماءْ) يمثل الإجابة عما تحاول أن تطمئن عليه، أي هل يوجد من يفهم حقيقة مشاعرها، ورقة أحاسيسها حين تعبر عنها بالدمع المنهمر على وجنتيها مثلما يفهمه هو ويوضح أبعاده داعياً لملائكة السماء أن تكون لها عوناً، لتفرج همها وتكشف ضرّها، وقوله: (ومن سوف يحفظ،/ عن ظهر قلبٍ،/ يديك، ورجليكِ، والمنحنى/ وتلالَ الضياءْ/ ومن هو هذا الذي/ سوف يكتب فيك/ كهذا الغناءْ؟) أي ويضيف ليطمئنها إلى أنه يحفظ عن ظهر قلب ظواهر وخفايا جسدها، بأسلوب استفهامي، عما إذا أحد غيره يعرف تفاصيل جسدها، يديها الجميلتين، والتفاف ساقيها المثيرتين، وانحناء خصرها الرقيق، واستدارة نهديها البراقين، ومن مثله سيكتب القصائد التي تزدان بالموسيقا، وتتهيّأ للغناء، وقوله: (تقولُ وقد شردت لحظةً: / بعدُ ما ولدته النساءْ) يشير شرودها فيه إلى دهشتها لتحققها من أنه الوحيد الذي يمكن له أن يعرف خفايا جسدها كما يعرفه هو، لأن معرفته تتعدى المظاهر الخارجية الحسية، إلى معرفة خفاياه الوجدانية والعاطفيّة.

الفرع السادس:

يقول الشاعر:

(تسائلني:

ما شعورِ الكلامِ المحلّق

وهو يطيرْ

ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ

قصيدةُ حبٍّ

وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ

من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟

ما اتجاه الرياحِ

إذا عصفَ العشقُ؟

ماذا تقول الينابيعُ

حين يمرُّ غزالٌ بها ؟

وتسألُ....... تسألُ.....

حين ترى لا جوابَ لديَّ

تجيءُ إليَّ

وتتركُ راحتها فوق وجهي

كلاماً أخيرْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة التي تتوالى أسئلتها للعاشق الصامت وعقدته (تسائلني) وشعابه الرئيسة هي: (ما شعورِ الكلامِ المحلّق/ وهو يطيرْ) و(ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ/ قصيدةُ حبٍّ) و(وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ/ من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟) و(ما اتجاه الرياحِ/ إذا عصفَ العشقُ؟) و(ماذا تقول الينابيعُ/ حين يمرُّ غزالٌ بها ؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (وتسألُ....... تسألُ...../ حين ترى لا جوابَ لديَّ/ تجيءُ إليَّ) و(وتتركُ راحتها فوق وجهي/ كلاماً أخيرْ).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يظهر صورة العاشقة التي تتساءل عن حالات الحب السامية، وكيف يتجلى شعور الأشياء الحية والجامدة بها، فقوله: (تسائلني:/ ما شعورِ الكلامِ المحلّق/ وهو يطيرْ/ ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ/ قصيدةُ حبٍّ/ وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ/ من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟) أي هما في حديث مستمر، لذلك يستخدم الشاعر الفعل (تسائلني) بدلاً عن تسألني، وتريد أن تعرف ما حقيقة شعور الكلام في الغزل والحب وهو يطير ويتلاشى مع النسيم؟، وتريد أن تعرف شعور الكتاب الذي تطبع على أوراقه قصائد في الحب والغزل؟، وتريد أن تعرف أي إحساسٍ يشعر به العشب بعد يوم انهمرت فيه الأمطار الغزيرة وسقت الأرض العطشى فانبعثت الحياة فيه من جديد؟!، وقوله: (ما اتجاه الرياحِ/ إذا عصفَ العشقُ؟/ ماذا تقول الينابيعُ/ حين يمرُّ غزالٌ بها ؟) أي تريد أن تعرف اتجاه الريح حين يعصف العشق في محيط القلب؟ وتريد أن تعرف ماذا تقول الينابيع في الأودية البعيدة حين يمر بها أنهكه العطش فشرب منها حتى ارتوى؟، وقوله: (وتسألُ....... تسألُ..... حين ترى لا جوابَ لديَّ/ تجيءُ إليَّ / وتتركُ راحتها فوق وجهي/ كلاماً أخيرْ) أي حين تُكثِر من الأسئلة التي ليس لديه الإجابة عنها، تقترب منه وتضع راحة كفها على وجهه، وكأنها تجيب: إن شعور الكلام المحلق وهو يطير، كشعوره، وإحساس العشب كإحساسه حين تضم راحتاها وجهه المستجيب.

 الفرع السابع:

يقول الشاعر:

(تقول:

مضى زمنٌ يا صديقي

ولم أرَ في الكلمِ العذبِ

حالي

مضى زمن لم أشاهد بهِ

بهو نفسي

ولم أرَ بالي

أليس له من طريق إليَّ مجازك

ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟

سأزعلُ

خلِّ ببالكَ هذا..

فقلت: أُخلّي ببالي

أمامكِ

لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ

للخيالِ

**

أقولُ:

خذينا بحلمكِ

لم يبقَ عند صديقك

متسعٌ

كي يحطَّ بهِ وجدهُ

تقول: وكيف ؟!

وتفاحنا لم يقل بعدُ

آخر ما عندهُ؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة وهي تذكر صديقها الشاعر بالكتابة عنها، وعقدته (مضى زمن يا صديقي) وشعابه الرئيسة هي: (تقول: / مضى زمنٌ يا صديقي/ ولم أرَ في الكلمِ العذبِ/ حالي) و(مضى زمن لم أشاهد بهِ/ بهو نفسي/ ولم أرَ بالي) و(أليس له من طريق إليَّ مجازك) و(ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟)، أما الشعاب الثانوية فهي: (سأزعلُ/ خلِّ ببالكَ هذا..) و(فقلت: أُخلّي ببالي/ أمامكِ / لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ/ للخيالِ) و(أقولُ: / خذينا بحلمكِ/ لم يبقَ عند صديقك/ متسعٌ / كي يحطَّ بهِ وجدهُ) و(تقول: وكيف ؟ / وتفاحنا لم يقل بعدُ/ آخر ما عندهُ؟).

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع خبري وإنشائي، وفيه يرسم الشاعر صورة عتب العاشقة على عاشقها الشاعر بعد أن مضى زمن طويل لم يكتب فيها شعراً، فقوله: (تقول: / مضى زمنٌ يا صديقي/ ولم أرَ في الكلمِ العذبِ/ حالي/ مضى زمن لم أشاهد بهِ/ بهو نفسي/ ولم أرَ بالي) أي إنها لم تجد ما يعنيها من الكلام الجميل الذي اعتادت على رؤيته في كتاباته الشعرية، وقد مضى زمن طويل ولم يتغزل بها ولم تشاهد الصور البهية التي يعبر من خلالها اتساع حضورها لديه، ولم تشاهد تعابيره المجازية التي تتحدث المعاني التي يمكن أن تخطر على بالها، وقوله: (أليس له من طريق إليَّ مجازك/ ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟/ سأزعلُ/ خلِّ ببالكَ هذا..فقلت: أُخلّي ببالي / أمامكِ/ لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ/ للخيالِ) أي لقد رابها هذا الزمن الذي مضى من غير أن تكون موضوعاً لأيّ من قصائده، وهي تتساءل باندهاش: هل المعاني المجازية التي لم تجد سبيلاً إليها؟!، وهي الوحي الذي يلهم الشاعر على إبداع القصيدة لم يستطع أن يخترق مجال حضورها؟ فيثير الخيال ويحرك المشاعر، وتضيف: إنها ستزعلُ منه إذا ما استمر بهذا الانقطاع عن الكتابة عنها، وعليه أن يتذكر ذلك جيّداً وباستمرار، وهو يطمئنها بأنه سيفعل، لأنه لا بد من وقفة متأنية للخيال من أجل أن يحسن الوصف ويبدع في الكتابة، وقوله: (أقولُ: خذينا بحلمكِ/ لم يبقَ عند صديقك متسعٌ/ كي يحطَّ بهِ وجدهُ/ تقول: وكيف ؟/ وتفاحنا لم يقل بعدُ/ آخر ما عندهُ؟) أي يطلب منها أن تعذره لأنه لم يعد لديه متسعٌ كي يقول فيها، لأنه لم يترك فيها شيئاً لم يقل فيه، أما هي فتذكره أنها ما زالت تملك فضاءات جديدة للوجد وفي المقدمة تفاحها الشهي الذي لم تظهر له كل ما يكتنزه من الجمال والجاذبيّة.

الفرع الثامن:

يقول الشاعر:

(أقول:

إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟

علوتُ... علوتُ...

ولست أرى من فضاءٍ

أخيرْ

تقول:

تدبّرْ أموركَ،

إن لم تكن عالياً

ما يناسبُ،

خفّضْ سماءَكْ

أنا ما ركضتُ وراءكْ!

**

وقالت:

أأعجبك النهد. قل لي

أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟

فقلت:

امنحيني القليلَ من الوقت ...

إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً

عليهْ!

**

أقول:

مضيتُ بعيداً بعينيكِ

يظهرُ أن رجوعي صعبٌ...

ومهما أحاولْ

فقالت:

لتبقَ هناك حبيبي....

لطيفٌ هناك المكانُ.

ولا تنسني بالرسائلْ

**

تقول:

يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ

قل لي إذا كنت تكذبُ ؟

لا أثرٌ في عيونِكَ

لا لونَ ينظر نحوي...

سأخنقُ شِعركَ هذا

بكلتا يديَّهْ

فقلت:

رويداً... رويداً عليّهْ

أخبئُ حبكِ في القلبِ

في الجيبةِ الداخليّهْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة الشك المتبادل في الحوار بين العاشقين وعقدته (إلى أين يمكنني أن أطير؟) وشعابه الرئيسة هي: (أقول: / إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟) و(علوتُ... علوتُ... / ولست أرى من فضاءٍ/ أخيرْ) (أقول: / مضيتُ بعيداً بعينيكِ/ يظهرُ أن رجوعي صعبٌ... / ومهما أحاولْ) و(فقلت: رويداً... رويداً عليّهْ / أخبئُ حبكِ في القلبِ/ في الجيبةِ الداخليّهْ)، أما شعابه الثانوية فهي: (تقول: / تدبّرْ أموركَ،/ إن لم تكن عالياً/ ما يناسبُ،/ خفّضْ سماءَكْ/ أنا ما ركضتُ وراءكْ!) و(وقالت /: أأعجبك النهد. قل لي/ أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟) و(فقلت: / امنحيني القليلَ من الوقت ... / إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً عليهْ!) و(فقالت:/ لتبقَ هناك حبيبي.... / لطيفٌ هناك المكانُ. / ولا تنسني بالرسائلْ) و(تقول: / يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ) و(قل لي إذا كنت تكذبُ ؟ ) و(لا أثرٌ في عيونِكَ/ لا لونَ ينظر نحوي... سأخنقُ شِعركَ هذا/ بكلتا يديَّهْ).

في المعنى:

يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه تتجلى صورة الشك لديها، فقوله: (أقول: / إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟ / علوتُ... علوتُ... / ولست أرى من فضاءٍ/ أخيرْ) أي إنه يعلو بالانجذاب والحب إليها، ثم يعلو باطراد من دون أن يرى نهاية لذلك العلوّ، وقوله: (تقول: / تدبّرْ أموركَ،/ إن لم تكن عالياً/ ما يناسبُ،/ خفّضْ سماءَكْ/ أنا ما ركضتُ وراءكْ!) أي مادام اختارها في طلب السمو بالحب فعليه أن يكون عالياً بما يناسب ويكفي، وإلا كان من المفترض أن يختار ما يناسب قدراته وإمكاناته ويخفض سقف أحلامه وأمنياته في العلو، لأنها باختصار شديد لم تجبره على اختياره لها، ولا بد له أن يتدبر الأمر ويكون على قدر تحمل المسؤولية في الاختيار، وقوله: (وقالت: / أأعجبك النهد. قل لي/ أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟ / فقلت: / امنحيني القليلَ من الوقت ... / إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً/ عليهْ!) أي إنه سؤال افتراضي ليجعل الأمر عادياً، وكأنها تريه نهدها كما تريه أي شيء آخر لتعرف ما إذا كان قد أعجبه أم لا، فيجيء رده طبيعياً، في أنه يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يمتلئ تماماً من التمتع فيه، وبهذه الصورة، يستطيع الشاعر أن يكشف عن أكثر الأحاسيس والمشاعر عمقاً في حالات الحب بين عاشقين والتي تبقى عصية على البوح، ليجعلها موضوعاً عادياً، كأي موضوع اعتيادي يحصل بين شخصين، وقوله: (مضيتُ بعيداً بعينيكِ/ يظهرُ أن رجوعي صعبٌ/... ومهما أحاولْ/ فقالت:/ لتبقَ هناك حبيبي.... / لطيفٌ هناك المكانُ. / ولا تنسني بالرسائل) يشير إلى حرص الشاعر على إحداث تقابل بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، بين الحسي والعقلي، بين الواقعي والمتخيل، فالجملة الأولى: (مضيتُ بعيداً بعينيكِ) تحمل معنى مجازي، أي أنه أطال النظر فيهما حتى أخذه الغرام بهما بعيداً، حتى توقع أنه من الصعب عليه الرجوع بعد هذا الابتعاد الكبير على الرغم من محاولاته المتعددة من شدة الدهشة والإعجاب، والمعنى مجازي، أي يتوقع أنه من الصعب عليه أن يخرج من حالة الإعجاب والانجذاب إلى عينيها الجميلتين، فيجيء ردها بما يشبه الدعابة على اعتبار المعنى المجازي معنى حقيقياً، فتطلب منه أن يبقى حيث مضى بعينيها لأن مكان لطيف، ولكنها تذكره ألاّ ينساها من الرسائل، لأن الحبيب إذا فرض عليه الابعاد عن حبيبته، تكون الوصية للحبيب أن يواصل حبيبته بالرسائل على الأقل. وهذا التقابل أو الدمج بين المعاني الحسية والمجازية يحدث خلخلة في بنية التركيب الشعري حتى يبدو الأسلوب ينطوي على دعابة لطيفة أو سخرية مبتكرة تكشف عن البساطة التي تصل أحياناً إلى درجة السذاجة، وقوله: (يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ/ قل لي إذا كنت تكذبُ ؟/ لا أثرٌ في عيونِكَ/ لا لونَ ينظر نحوي/... سأخنقُ شِعركَ هذا/ بكلتا يديَّهْ/ فقلت: / رويداً... رويداً عليّهْ/ أخبئُ حبكِ في القلبِ/ في الجيبةِ الداخليّهْ)، يبين حالة مشابهة لما جاء في التركيب السابق، إذ أنّ العاشقة يراودها الشك في أنه يكذب عليها في ما يكتب من الشعر، لأنها لا ترى في عينيه آثار الحب الذي يعبر عنه، كما أنها تشعر بنظرات العشق منه نحوها، ثمّ تضيف بأنها سوف تمزق أشعاره إذا تأكدت أنه لا يكتبه لها، فيجيء تبريره بارداً بسيطاً ساذجاً كما كان ردها في التركيب السابق، بأن سبب عدم ظهور علامات الحب في عينيه هو بسبب أنه يخبّه في المكان الأغلى وهو قلبه، لا بل ويخبئه في المكان الأكثر استتاراً فيه، كما يخبئ المرء الشيء الأغلى عليه في الجيبة الداخلية من سترته، ولا أثر يدل على وجود هذا الشيء فيها.

الشاعر السوري صقر عليشي.

***

مفيد خنسه

 

عادل مردانفي ثريا الغلاف الأبيض عنوان ثلاثي الكلمات، يكتنز بالإيحاء الرومانسي، فكان الإستهلال في البدء: (للكتابة مواسم الزرع والمطر، إذ تصبح حسّاسية الروح هي الهواء المضاء لكامل المشهد بحثاً عن الأبدي الآتي من النّبع، هذي القراءات، محاولة لإيقاظ الحساسية الجماليّة، فاللغة التشكيلية، مهمتها الكشف والإنارة). هناك تحت الثريا الكبرى، صاحبة المثول، تنمو في المتن التشكيلي عتبات الفصول من (الصمت مليء بالأجوبة) إلى الذات التي أوجعها المنفى، في مفتتح الصمت إستغراق في مفهوم الطبيعة الصامتة، وأشهر رسّاميها الأوربيّين، العروج الى المنجز العراقي للرواد.....

من سرديّات الكتاب، مقطع قصير لحياة فنان وقاص، في ذكرى يحيى جواد (الشّارع أيام الخمسينات، كان مليئاً بالأضواء والعطور، أشجاره لا تحزن ولا تشيخ، تتوسط جانبه الأيسر سينما ريجينتّ، يوم بغداد مثل طفل بريء، لم يدنسها الغزاة بعد، كان يحيى جواد الساكن في مكتبه، إذ عرفته لأول مرّة من خطوطه في مجلتي الثقافة الجديدة، والمثقف حين شدّ إنتباهي تصميم له)، بعدها يأتي المشهد الساخر، حول دعوة حسين مردان الموجهة لسارتر وزوجته، في البحث عن أشياء ضائعة، وسطور عن شاكر حسن آل سعيد (رسام يجمع بين الفكر والفلسفة، كان يعبّرعن إستقلاليته ونمطه الخاص، في ظلّ تأثيرات صوفيّة، بدأ آل سعيد يرتاد ميادين جديدة، فذهب بعيداً في تفكيك الحرف، بنظريته – البعد الواحد، حين عمد إلى الكشف عن الجوهر، في أعماق الأشياء)، تتواتر الفصول القصيرة، والعتبات الصغرى تصرخ، من فرط حزنها، على جداريّة – ناظم رمزي التي تصدرت المشفى، حين شيّد عبد الوهاب فيضي جداريّة بالموزائيك، صورة للطبيب إبن سينا، لكنّ المعاول إستيقظت على جسد المشفى، فلم تبقَ إلا ذكرى المكان...

في محطة ممشى المشاهير محاولة للتشبث بالمخيّلة، حتى لو كانت بسعة الظلّ ( تلك المخيلة، لم تعد قابلة للحضور، كي يستعيد شارع الرشيد، وجوده الماضي الجميل، الواقع خلاف الحلم، الشّارع يرثي مجده المضاع، لم تعد الأماني وحدها قادرة أن تحيل الشّارع الى ممشى للمشاهير في بغداد للأسف، إن مدننا تجهر عن نفسها، فهي مدن بلا ماضٍ).

تقفز العين الى صفحة، يبحث فيها سعد علي، عن مغيث في السماء ( كأنّك تحلم أن ترتقي الى السّماء، مع وجهك الإيقونة، وتوزع أيامك الغابرات مع تلك الخصلة الطائرة، من الديوانية إلى فالنسيا، وجه مثل حبّة قمح، يقاوم الأيام الصاخبة بالموت) ...

في الغربة يلتحف نعمان هادي، مشروعه الفنيّ ( يتذكر نعمان جيداً، أن معلمه فائق حسن نَبّهَ تلميذه إلى أسلوبه المشابه للفرنسي فرانكونارد، في بورتريت – ولد أسود بقميص أحمر، لم يعرف ذلك الرسام إلّا بعد سنوات أثناء زيارته إلى متحف اللوفر، أعماله تحمل إمكانيات البحث والجدل، ولا يمكن للنظرة العابرة أنْ تستقصي كلّ مدلولاتها ومضامينها، إذ ركز همّه على موضوعة الإنسان، والحيز الذي يشغله على خامات العمل، خضعت بمرور الزّمن، إلى التفاوت في الأهمية والدرجة، وكيفية التنفيذ)...

عن صفاء التوجه، في البحث والكتابة، تبدو تجربة جعفر طاعون، متأثرة بالتجارب الفنية الجديدة، وإستلهام معطياتها، في أغلب موضوعاته خلاصة، لعوالم الأحلام والخيالات والأساطير، الحياة والموت، الحبّ والجمال، حضور الإنسان وإختفاؤه، هكذا بات ينظر للكون كبيضة ( عنوان إحدى معارضه)، بمشاركة أكثر من مئة طفل، إنّه يتأمل حياة الإنسان في جزء صغير منه بشكل مغاير، في أعماله نبرة صوفيّة مضيئة، تتصاعد من الداخل، يحاول أن يستعيد فيها، حرّيته في التأمل ...

على هيكل سرير عباس الكاظم بقايا وطن: (نال الفنّان العراقي المقيم في الدنمارك، الجائزة الأولى – بينالي القاهرة 1998، عن عمله (وطن)، وأصبح من ممتلكات متحف الفنّ الوطنيّ المصريّ، إعتمد عباس أسلوب ما يعرف بفنّ التجهيز أو التركيب the art of installation، وهو الفن الذي يعتمد الفكرة كعنصر أساس، إذ قدّم سريراً للنوم من مادة الحديد، يرتكز على كثيب رملي، جلب مادته من الإهرامات المصريّة، وإذا تسنى لأيّ منا أن يتأمل التركيب الفني لهذا العمل، سيجعلنا أقدر على فهمه، إذ ترتقي المهارة الفنيّة، مع البعد الفلسفي، فسيجد أنه مصمم وفق أسس تمتدّ في عمق المعانيّ، التي يحملها التراب، في معنى الوجود (الولادة والموت)....

وقوف ثم إنحناء، هكذا يستمر المثول للجميل، أمّا الجليل فيأخذنا للسجود إليه، تستمر السياحة الى مرفق آخر، في إكتشاف قدرات مكي حسن النحتية التي تزاول الخفاء: كان فناننا قد إنتهل من الروافد والينابيع الرافدينية، إنها اللحظة الفارقة التي شهدت بداية التحولات الثقافية، ترافقها محاولات النفاذ بالتجربة الشخصية إلى أعماق الحياة العراقية، منذ أول تمثال برونزي نفذه حسين – الرجل صاحب الجناح- قبل أن يختار المربع كثيمة تعبيرية في أعماله اللاحقة، كان مكي يبحث بقلق واضح، عن الشكل الرامز لطموحه، في تحقيق شخصية تنسجم وروح العصر، إذ إعتمد خامة البرونز، في أغلب أعماله النحتية وكرّس جهده لتطويع هذه الخامة، وتفجير الطاقات الحبيسة، التي تريد أنْ تعلن عن ذاتها....

تجربة أخرى يتأملها الكاتب بأسلوبه الكافي: عبد الرحمن الجابري، محاولة لوضعها في مسارها الحقيقيّ بسبب من صلته الوثيقة بالحياة، لا يختفي الموضوع في أغلب أعمال الجابري ولا يتلاشى في نسيج اللوحة، إلا أن إشارات لونية تمنح سطح العمل قسطاً كبيراً من الوضوح، مع جماليات تشكيلية لا بد منها لايجاد نوع من التوازن، في مواجهة القلق والمعاناة التي رافقت حياة الفنان، والمصير المحزن الذي إنتهت إليه، شاء أن يبني بيتاً لصغيرته عشتار، لكن خطفوها، كل أمسك بمعوله يهدم الحلم....4060 جمال العتابي

تتوقف العين عند ورقة (تلمس العمق وإبتكار الجوهر)، حول منجزات موفق مكي مكتشفاً المنابع الخفيّة لإمكانات العمارة والتشكيل، إخلاصه للحاضر تمثل في الإستجابة الى الإشتراك بمعرض- فوق الرماد -، ذكرى إستهداف شارع المتنبي، عام 2007، وأتبعه بمعرضه الخاص – إحتضار الكتابة، إستخدم الفنّان مواد مختلفة خشب، قماش على ورق، بطريقة الكولاج، فالخشب على الورق، يوحي لفعل التهشيم، باللون الاسود، كمعادل للإحتراق...

حوارالعتّابي مستمر، مع تكوينات لضياء حسن التعبيريّة: ( إنّ إستلهام الحرف، ولا سيما الآيات القرآنيّة في أعمال ضياء، هو أول الطريق الى التصوّف الفنيّ، إذا جاز لنا التعبير، لأنّ الفكر الصوفيّ بدوره، ينزع الى الحقيقة، في المنحنى الثاني، من إسلوبه نتوقف عند توظيف الحرف معماريّاً أو هندسيّاً، أيّ إستخدام الخطوط المستقيمة، والأقواس والمنحنيات، إنَّ حقيقة الأشياء تكمن في تصميمها، وأنَّ أكثر الذين فهموا التصميم، هم الفنانون ومهندسو العمارة.)....

ما حكاية زياد جسام بعمله المجسم - الكتاب حياة-.. إستثمر فنّاننا بذكاء، ما يعرف بــــ (فن الانستليشن)، فنّ تركيب العمليات الفنية التشكيلية، الذي يقوم أساساً على التداخل المكانيّ، مع موجودات المحيط الواقعي للعمل، وتستخدم عادة مواد مختلفة، وخامات عمل متباينة المصدر، فكرة العمل بسيطة، لكنّها ذات مغزى ثقافيّ.. وهذا النوع من أنواع الفنّ المفاهيميّ –ثلاثة كتب من مواد مختلفة، بلون أخضر مورقة، وممتدة الجذور تمثل عالماً جميلاً، عالم المعرفة والعقل)....

... ذلك الضاحك يصوغ، حياة عراقية متخيّلة: (بشوق لقيس يعقوب، يعود لأربعين عاماً مضت، يوم كنا نقف، في أحدى شرفات (مجلتي)، في الطابق الثامن من عمارة الرواف في أبي نؤاس، نتطلّع إلى دجلة الراحل جنوباً، إنشغل قيس في غربته، بمشروعه الفنيّ المعماريّ، يعتقد أن دائرة الآثار – وزارة الثقافة، منظمة اليونسكو، أو معهد العالم العربيّ في باريس، سيتسابقون من أجل الفوز بأحد مشاريعه، رغم كل ذلك قيس لا يتوقف، ما زال يحلم ويتخيّل .

سيرة الماء والنّار، كتاب الشاعرة مي مظفر، عن الفنان الراحل زوجها، أمير الكرافيك - رافع الناصري- أشهد إن كاتبة هذه السّيرة، تجاوزتْ الصمت الثقيل، وسأم الغياب، سيرة كتبت فصولها ميّ مظفر، بدقات القلب كانت في أغلب الصور حزينة، في قسمات وجهها رموز مجهولة، البورتريت الذي رسمه رافع للوجه الجميل يقول هكذا ...

على سور جامع الخلفاء، يزهو تطويع الحديد، بإيقاع حروفيّ، لهاشم الخطاط: ( شعور بالنشوة السّحرّية يمتلك الحواس، كلما أسعفنا الوقت، بزيارة المكان،،الذي يطلّ عليه جامع الخلفاء، في طرازه المعماري المدهش، لـــ (محمد مكيّة)، وهو يعيد في توازٍ وتواصل حميم مع الروح البغداديّة في العمارة، المشهد يدعو إلى التأمل في كل محاولة، لإكتشاف المعاني الجماليّة للسّور الحديدي، إذ يتصدر واجهة المسجد، بخط الديوانيّ الجلي، لساحر الخط العربي – هاشم محمد البغدادي - وقد علاها الصدأ

بين العمارة والتشكيل، مجاورة مثيرة، وهي صداقة إمتدّتْ لقرون، يوجه بوصلته جمال، الى فضاءات المعمار خالد السلطاني: (ما زال السلطاني منحازاً، الى كشوفاته المعمارية، بحرص متناهٍ ثمة حوار خفيّ بين الصورة والمثال لديه، بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمغمور، لكنه حوار محكوم، بإمتحانات الإنسان، مجاهداته وأقيسته، ذلك لأنهّ حينما أقام وحدته مع العمارة، أصبح منحاه الوجوديّ، التاريخ مقروءاً بالصورة، والمعاودة الحرّة للأصوات الداخلية، التي تبعتها العمارة)...

الى غابة الحروف، عند محطة الحرف العربيّ، بنضج خط (الثلّث) وإرتكازه بصورته المثاليّة، على يد هاشم البغداديّ، يعدّ حرف الحاء المفرد الملفوف، لما يمتاز به من صعوبة في الرسم، وجمال البناء والشكل، مقياساً لمهارات الخطّاط، وجودته في الكتابة، بإمكان الفنان، أن يعيد ترتيب الحروف سايكولوجياً، من خلال التأثير الناتج، عن الإيماء والحركة، حرف الحاء بناء معماريّ وموسيقيّ، تتجسد فيه مفردات البناء الهندسيّ، إنها عملية ولادة، ترقّب وطلق، معاناة وعاطفة، الحرف مولود يتحرك ويومض، يولد الحاء حاملاً صناديق أسراره، بإكتماله يتدفّق بهدوء...

يستمر المجرى الى صفحة التراث الحيّ، عند المثول أمام الجورنيكا، حقاً فالحرب ذئابٌ تترصد الأقمار: (الجورنيكا أقرب إلى موسيقى كونية هادرة، ترفض قوانين السكون، أفلاك ترتعش بألوان الأبيض والأسود والأزرق الداكن، لإقتناص لحظات الصراع، مع جنون الحرب، بين الظلمة والنّور، لوحة تفكر ذاتيّاً، بما تختزن من طاقة، في مساحة مسطّحة، ذات إشعاع داخليّ). للأجساد حصة في الجورنيكا، وعن عمارة الجسد يقول البيركامي: - الجسد حامل المعرفة ....

جاذبية الرجوع والحنين، إلى قصر هاملت: (تلوح من بعيد – قلعة الينسور- شامخة، في الفضاء المطلق، يقبل عليها الآف الزوار، تحيل الفضاءات، ومياه البحر المحيطة بها إلى إيقاعات تتجه صعداً الى السماء، وكأنها تدخل في مدارات من الأنوار الساطعة، نظام خارق الجمال من البناء والفن المعماري، ينتابني ذهول في رواميز التاريخ، وحروب القراصنة، أشبة بالذهول الذي أصاب (فرتنبراس) النرويجي، الذي تقلّد عرش الدانمارك، بعد مقتل الأمير الشاب...)، عبارة خالدة لشكسبير، تتلألأ على لسان هاملت:- أن المرء يستطيع التبسم، ما شاء، وهو مجرم أثيم .....

فاعلية الخطاب في سردية – جمال العتّابي، التي تشاغل الزمن، توزعت على أدراج مبدعي الداخل والخارج دون تميز، كذلك تنوّع في التناول شاملاً حقول: الرسم، النحت، العمارة، الخطّ العربيّ، والآثار أيضاً إسترسل بسرديّته المتنوعة، وكأنّها تأثيل لمسيرة التشكيل العراقيّ الحديث، فكان الرثاء حاضراً.

***

عادل مردان

علي حسين"كلّ من تحب، وكلّ من تعرف، وكلّ من سمعت به يوماً، كلّ إنسان كان يوماً موجوداً، كلّهم، عاشوا حياتهم هناك.. على ذرّة الغبار المعلّقة في شعاع الشمس"

كارل ساغان

تخيل المشهد التالي.. انها الساعة الواحدة بعد منصف الليل.. انت لا تزال مستيقظا، جالسا امام شاشة الكومبيوتر تُحدق بصور الكون التي نشرتها وكالة ناسا.. وتسأل نفسك: أين نحن من كل هذا؟.. تنظر إلى المكتبة التي تحيط بك جدرانها، وهي تضم الآف النفوس التي عاشت على هذا الكوكب.. تتخيل ان " المرحوم " نيتشه " ينظر اليك بعينين زائغتين وهو يقول: " ألم اخبركم يوما ان " الإله مات ".. تذهب باتجاه الرف الذي يضم كتب الفيلسوف الالماني الذي مات مجنونا، تتطلع في العناوين تسحب كتاب " هذا هو الانسان ".. تعود الى شاشة الكومبيوتر وهي تعرض امامك صور عجيبة..تتذكر ذلك الرجل الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره وهو يتجول في الغابات ينظر الى السماء ثم يصرخ: " ايها الجرم السماوي العظيم ! أية سعادات هذه التي ستنالها ان لم تحظ بهؤلاء الذين على عالمهم تشرق ".. تتخيله جالسا قرب صخرة، يردد مع نفسه بصوت خافت: " تتساءل.. أين الله؟ ساخبرك بالإجابة. لقد قتلناه.. انت وأنا جميعا قد قتلنا الله.. ألا تسمعون ضجيج حفاري القبور الذين يدفنون الله " - العلم المرح ترجمة علي مصباح -. يتذكر نيتشه في كتابه " هذا هو الانسان "، ذلك اليوم المصيري عندما خطرت في باله فكرة الانسان الخارق (السوبرمان). ولكن هل كان نيتشه صاحب هذا المصطلح؟.

 في عام 1806 وقبل ثمانية وثلاثون عاما من ولادة نيتشه، وفي منطقة شرق المانيا وبالتحديد في مقاطعة فايمار، كان هناك شاب لم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره اسمه يوهان فولفغانغ غوته قد انتهى من كتابه الجزء الاول من مسرحية بعنوان " فاوست "، وهي التراجيديا التي اراد من خلالها فهم وادراك المعنى الحقيقي للكون. يقلق فاوست غوته من ايمان عصره الذي لا يتزعزع، يقلق من حب شعبه لتلقي الاوامر من الإله، ويرغب بالوصول إلى حقيقة لا تُعيقها الخرافات. ويحشر فاوست نفسه بكل اشكال المعرفة –الفلسفة، الطب، اللاهوت – من اجل ان يفهم ويعرف الطبيعة اللامتناهية للعالم، ولكن من دون جدوى، وتسمع روح السماء مناشدات فاوست اليائسة للحصول على لمحة من الابدية، وتسأله: ما الذي يزعجك ايها الانسان الخارق؟.. كان فاوست عالما طبيعيا مصابا بمرارة خيبة الامل، فقد احاط نفسه بالاجهزة في غرفة بحثه ودرسه وهو يخاطبها بقوله: " لا ريب انك تهزئين مني، ايتها الآلات، وقفت بلا حول امام البوابة، وكان عليك ان تكوني المفتاح " – فاوست ترجمة عبد الرحمن بدوي -. هذه الرغبة الملحة في التعمق الدائم نحو المعارف، سوف تنتهي الى احضان الشيطان " مفستوفيليس ".. يكتب توماس مان ان غوته وهو يحذر من الخطر الذي يجابه العالم، كان يؤمن ان العلم وحده القادر على انقاذ الانسانية. في واحدة من رسائله يكتب غوته: " ليس هناك من بين كل المكتشفات والادلة ما هو ابلغ الاثر على النفس البشرية من تعاليم كوبرنيكوس ".

عام 1540 أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب، يمكن تعليلها بأن الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر

ولد نيقولا كوبرنيكوس يوم التاسع عشر من شهر شباط عام 1473 في مدينة بولونية تدعى تورون، ومات عام 1543 في مدينة تدعى فرومبورك. وكانت ولادته في عائلة من التجار والموظفين الكبار، فقد كان والده قاضياً، لكنه توفي مبكراً عندما كان عمره ابنه عشرة أعوام، فتبناه خاله القس واخذه ليعيش معه في مدينة كراكوفيا حيث حرص على إدخاله إلى أفضل المدارس. وفي عام 1491م دخل إلى جامعة كراكوفيا، حيث درس الصناعات والحِرف، ولكن من دون أن ينال أي شهادة. وقبل أن يترك مدينة تورون عينه خاله كاهناً قانونياً في مدينة فرومبورك، حيث أشرف على الشؤون المالية للكنيسة،. ثم سافر بعد ذالك إلى إيطاليا، حيث درس القانون الشرعي المسيحي والطب في جامعة بولونيا الإيطالية. كما درس بعد ذلك علم الفلك. بعدها اقنع خاله أن دراسة الطب أمر له أهميته لخدمة الكنيسة، كانت دراسة الطب في تلك السنوات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدراسة علم النجوم، فقد كانت الفكرة السائدة أن هنالك روابط غامضة بين أعضاء الجسم وحركة النجوم، أتمّ كوبرنيكوس دراسة الطب بعدها عاد الى بلدته لرعاية خاله المسن وأثناء عمله مستشاراً قانونياً للكنيسة أخذ يقرأ كل ما يتعلق بعلم الكواكب، وقد استقر في أحد أبراج سور الكاتدرائية منشغلاً بدراسة مقاسات الأفلاك من خلال استخدام أجهزة بسيطة صنعها بنفسه ليصدر في يوم 24 آيار من عام 1543 كتابه "دورات الأجرام السماوية"

كان قد بلغ السبعين من عمره ويقال إن نسخة من الكتاب وضعت بين يديه اثناء احتضاره حيث كان في غيبوبة المرض يعاني من نزيف في المخ، ليتوفى بعدها بساعات، أهدى كتابه الى البابا بولص الثالث، حيث كان يحاول أن يتجنب الصعاب والملاحقة وجاء في الاهداء: "نصحني أصدقاء بانه يجب عليّ أن أنشر كتابي القابع في حوزتي مختفياً، وأخبروني بأنه ينبغي لي أن لا أهتم بقلقي، ولا أمنع مؤلفي عن الظهور أكثر من ذلك".

يكتب غوته: "لم يُحدث أي اكتشاف أو رأي، أو كتاب -من جميع الاكتشافات والكتب - أثراً على الروح البشرية أعظم مما أحدثه كتاب كوبرنيكوس"دورات الاجرام السماوية". لأنه بهذا الكتاب إختفت أمور كثيرة في الضباب والدخان، ولا عجب إن معاصريه لم يرغبوا في أن يتركوا كل هذا يمر بسهولة، وقاموا بكل مقاومة ممكنة لكتاب حوّل كل المهتدين به حرية الرأي وعظمة التفكير اللتين لم تعرفا حتى ذلك الوقت، والحقيقة إنه لم يحلم بها أحد قط".4059 كارل ساغان

اذهب ثانية باتجاه رفوف المكتبة التي صففت عليها ما جمعته خلال اكثر من 40 عاما من كتب تتعلق بالعلم والعلماء، اطيل النظر الى كتاب " دورات الاجرام السماوية " فاجده يبدو مطمئنا الى جوار مجلدات غاليلو غاليلي الاربعة، والمح المسرحية التي كتبها برتولد بريشت بعنوان " حياة غاليليه " بعد صعود هتلر الى كرسي الحكم..في زاوية سأجد كتب الفيزيائي الأمريكي كارل ساغان الذي توفي عام 1996. وكان مشهورا بأنه يرسم معادلاته الرياضية على المناديل الخاصة بالمطاعم..كان ساغان قارئا للفلسفة،وقال ذات يوم ان والده ظل مولعا بكتابات نيتشه، وان هذا الاب كان يتباهى من ان عائلته لأمه ترتبط بقرابة مع عائلة الفيلسوف الروسي الشهير نيكولاي برديائيف. كان صموئيل ساغان، عامل في متجر للملابس هاجر من اوكرانيا التي كانت ضمن الامبراطورية الروسية، ليستقر في احدى احياء بروكلين الفقيرة، عاشت الأسرة في شقة متواضعة وفي التاسع من تشرين الثاني عام 1934 رحب بولادة ابنه البكر " كارل " الذي سيصبح بعد نصف قرن واحدا من اشهر علماء امريكا، وصاحب برنامج تلفزيوني يتابعه اكثر من 500 مليون انسان.. يقول في رد على سؤال حول توجهاته العلمية ان والده اشار اليه وهو صغير وقال لوالدته " هذا الصبي سيكون متمردا ".

يقول كارل ساغان ان والده لم يكن متدينا، ولم يذهب للصلاة يوما على عكس والدته " راشيل " التي كانت تؤمن بالله، وتتردد دائما الى المعبد، وتمنع وجود اللحوم في البيت ايام السبت .. يعترف ان والديه كانا مثل الاجرام المختلفة، والدته من عائلة فقيرة، في شبابها كانت طموحة وتمنت ان تدخل الجامعة إلا ان الفقر والقيود الاجتماعية اصابتها بالاحباط، بعد ذلك ستجد في ابنها " كارل " معبودها الوحيد الذي سيحقق احلامها. يقول كارل ساغان ان احساسه الدائم بالدهشة ومتابعة الاشياء جاءه من والده، وفي كتابه " ظلال الأجداد المنسيين " ترجمت فصول منه في مجلة عالم الفكر – يرى ان الفضول نشأ عنده من مراقبة والده الذي كان مغرما بالمسرح حتى ان عمل في ادارة احد المسارح: " لم يكن والداي عالما. لم يعرف شيئا تقريبًا عن العلم. لكنه استطاع ان يزرع في نفسي الشك والتساؤل ".

يتذكر ساغان أن إحدى اللحظات الأكثر اهمية في حياته عندما اصطحبه والده إلى معرض نيويورك العالمي عام 1939 كان في الخامسة من عمره. أصبحت المعرض نقطة تحول في حياته. يتذكر فيما بعد الخريطة المتحركة لمعرض أمريكا الغد: "لقد أظهرت طرقًا سريعة جميلة وأوراق البرسيم وسيارات جنرال موتورز الصغيرة جميعها تحمل الناس إلى ناطحات السحاب والمباني ذات الأبراج الجميلة والدعامات الطائرة "، تذكر كيف أن المصباح الكهربائي الذي أضاء على خلية كهروضوئية أحدث صوته طقطقة، كتب ساغان: " من الواضح أن العالم يحمل عجائب من النوع الذي لم أكن أتخيله من قبل".

بعد وقت قصير من دخوله المدرسة الابتدائية، بدأ في التعبير عن فضول قوي بشأن الطبيعة. يتذكر أنه قام برحلاته الأولى إلى المكتبة العامة بمفرده حصلت له والدته على بطاقة مكتبة. أراد أن يعرف ما هي النجوم، حيث لم يتمكن أي من أصدقائه أو والديهم من إعطائه إجابة واضحة: " ذهبت إلى أمين المكتبة وطلبت كتابًا عن النجوم، والإجابة كانت مذهلة. أن الشمس كانت نجمًا ولكنها قريبة جدا. كانت النجوم شموسا، لكنها كانت بعيدة جدا فقط نقاط ضوئية صغيرة... فجأة انفتح الكون لي "، ظل الفضاء يشغل اهتمامه الرئيسي، خاصة بعد قراءة قصص الخيال العلمي لكتاب مثل ه.ج ويلز وجول فيرن، والتي حركت خياله حول الحياة على كواكب أخرى.

 التحق ساعات بجامعة شيكاغو، خلال الفترة التي قضاها كطالب جامعي، عمل في مختبر الوراثة وكتب أطروحة حول أصول الحياة. انضم إلى جمعية رايرسون الفلكية، حصل على البكالوريوس في الفيزياء عام 1955. ثم حصل على الماجستير. عام 1960 حصل على الدكتوراه بأطروحة بعنوان " الدراسات الفيزيائية للكواكب "، عمل استاذا مساعد في هارفارد، بعدها انتقل للتدريس في جامعة كورنيل وبقي ما يقرب من 30 عامًا حتى وفاته في عام 1996.

ارتبط كارل ساغان ببرنامج الفضاء الأمريكي منذ بدايته. عمل مستشارا لوكالة ناسا. ساهم في العديد من مهام المركبات الفضائية التي استكشفت النظام الشمسي، وقام بترتيب التجارب في العديد من الرحلات الاستكشافية. قام بكتابة أول رسالة تم إرسالها إلى الفضاء وكانت على لوحة مطلية بالذهب متصلة بمسبار الفضاء بايونير 10، الذي تم إطلاقه عام 1972. عام 1988 كتب مقدمة للطبعة الاولى لكتاب ستيفن هوكينغ الشهير " تاريخ موجز للزمان ".حصل عام 1994 على ميدالية الرفاهية العامة، وهي أعلى جائزة تمنحها الأكاديمية الوطنية للعلوم "للمساهمات المتميزة في تطبيق العلم على الصالح العام..فاز كتبه بجائزة بوليتزر. حصل برنامجه الشهير عن الفضاء على جائزة إيمي، وتحول ساغان من عالم فلك غامض إلى رمز للثقافة الشعبية.

كان ساغرم من دعاة البحث عن حياة خارج كوكب الأرض. وحث المجتمع العلمي على استخدام التلسكوبات الراديوية للحصول على إشارات من أشكال الحياة الذكية المحتملة خارج كوكب الأرض. في ذروة الحرب الباردة، انخرط في جهود نزع السلاح النووي من خلال الترويج لفرضيات حول آثار الحرب النووية على البشرية .

تزوج ثلاث مرات. وانجب خمسة ابناء، اصبيب بالتهاب في الرئة وتوفي في 20 كانون الثاني عام 1996، بعد شهر من احتفاله بعيد ميلادهه الـ " 62 ".

من بين جميع القيم العلمية، عرف كل عن ساغان تقديره لحرية الشك: " على النقطة الزرقاء الباهتة (الارض) التي هي الموطن الوحيد الذي عرفته البشرية على الإطلاق، هناك الكثير من المعضلات التي لم يتم حلها، والعديد من الأسئلة ذات الإجابات غير المؤكدة فقط. أولئك الذين يطالبون بمراقبة الأفكار غير التقليدية - أو الرقابة الذاتية - يلعبون بالنار. لأنه عندما لا يكون المشككون آمنين، فإننا جميعًا في خطر."

في كتابه " عالم تسكنه الشياطين " – ترجمة ابراهيم محمد ابراهيم - يبيّن ساغان كيف أن العلم هو طريقة للتحرر الإنساني، وخصوصاً التحرر من الأساطير والمعتقدات القديمة والخرافات والتنجيم، التي لا تزال تسيطر على العقل الإنساني حتى في أكثر الدول المتقدمة علمياً، مثل الولايات المتحدة الأميركية. ويتساءل عن التباعد بين التقدم التقني في العلوم والتكنولوجيا، وبين بقاء عقل الإنسان خاضعاً للمفاهيم التي لا تخضع للعلم أو تنتمي الى عالم الغيب والأساطير والمؤامرات.

في كتابه "اصل الاخلاق " – ترجمة حسن قبيسي يشجب نيتشه، الدعوة التقليل من شأن الإنسان" الذي أحدثته الثورة العلمية. يبدو نيتشه حزينا على فقدان "إيمان الإنسان بكرامته، وتفرده، وعدم الاستغناء عنه في مخطط الوجود". يكتب كارل ساغان بالنسبة لي، من الأفضل بكثير أن أفهم الكون كما هو في الحقيقة بدلاً من الاستمرار في الوهم، مهما كان ذلك مُرضيًا ومطمئنًا. ما هو الموقف الأفضل للبقاء على المدى الطويل؟ ما الذي يعطينا المزيد من النفوذ على مستقبلنا؟ وإذا تم تقويض ثقتنا الساذجة بأنفسنا قليلاً في هذه العملية، فهل هذه تمامًا مثل هذه الخسارة؟ ألا يوجد سبب للترحيب بها كتجربة ناضجة وبناء شخصية؟

رغم ان نيتشه مات مريضا، مهملا قبل اكثر من مئة عام، الا ان تاثيره لايزال اثيراً لدى الكتاب والقراء في ان واحد، ولا يزال الناس منقسمين على الحكم عليه انقساماً لا يشبه أنقسامهم في الحكم على احد، ونجد الجميع يستشهد بعبارات هذا الفيلسوف العبقري الذي عاش وحيدا ومات وحيدا. لم يكن احد قبله بمقدوره ان يقلب التفكير الغربي رأساً على عقب، ولم يات أحد بتاريخ متناقض وخطير النتائج كما فعل نيتشه : " كم من الناس سيستند يوما من الايام الى سلطتي من غير وجه حق "، وكانت مخاوفه معقولة، الم يقل يوما وهو منبهر: " اضع يدي على الألف القادمة "، واليوم في عصر الانترنيت والالكترونيات لايزال الحديث عن نيتشه يشغلنا، ففي كل يوم يولد قارئ جديد سيقرأ فيما بعد سطراً من " العالم المرح " فيدهشه، أو كلمات من هكذا تكلم زرادشت فتسحره.. ويظل هذا الفيلسوف الذي مات مجنونا لغز عالمي، فنيتشه كما كتب يوما الفيلسوف الألماني الوجودوي كارل ياسبرز: " لايمكن استنفاذه، وقد غرف كل جيل من نبع رؤاه، وسعى الى استنفاذه، وقد بليت كل الانية وتكسرت، غير انه في العمق، ما يزال النبع نضاحاً لاينضب ".

قبل اكثر من عامين صدر كتاب يطرح فيه مؤلفه الكاتب الانكليزي باتريك ويست فكرة تخيل عودة نيتشه الى حياتنا هذه الايام، ويناقش تاثير نيتشه على عصرنا الحاضر، فهذا لفيلسوف الذي اخترع كلمة السوبرمان، لاتزال افكاره حول طبيعة الخير والشر، وارادة القوى، تردد صداها في جميع أنحاء العالم، وفي وسائل الاعلام، ونجده يظهر في سلسلة هاري بوتر كانسان خارق، يطرح الكاتب سؤالا: هل نحن مدينون لنيتشه، الذي اكد ان " ما هو عظيم في الإنسان، أنه جسر وليس هدفًا ".

يقول الكاتب أن نيتشه يحب أن يطرح أسئلة. وقد كان يعتقد أنه كلما زادت عدد الأسئلة التي نطرحها كلما زادت الحكمة التي نكتسبها ونطورها في حيانتا بشكل أفضل، وان الانسان عندما يعاني للوصول الى هدفه فان ذلك افضل له، فالشجاعة هي في مواجهة الصعوبة، والسماح لنفسك بالعيش بشكل تجريبي، واستكشاف خبرات الحياة بجرأة: " كن ممتنًا لأنك لم تأخذ الطريق السهل وتستمر في ذلك مثل "متعرج ممل".

يؤيد كارل ساغان افكار نيتشه حول الدعوة الى قيم تؤدي الى ثقافة قوية وجديدة، وقوة الحياة هذه سيطلق عليها نيتشه اسم " ارادة القوة".

انظر وقد اخذني النعاس الى كتاب " هذا هو الانسان "، والى صورة نيتشه يبدو غاضبا، واتصفح ماكتبه كارل ساغان عن عالمنا الذي تسكنه الشياطين، واتخيل نيتشه على متن مركبة فضاء يجلس الى جواره كارل ساغان وصديقه ريتشارد فاينمن عالم الفيزياء الذي حصل على نوبل عام 1965، ينظرون جميعا الى الكون الذي وصفه كارل ساغان بانه " كل ما موجود، وما وجد، وما سيوجد ". يبدو نيتشه متعبا لكنه لا يزال يؤمن بفكرة العود الأبدي، فكل ما يحدث الآن سوف يحدث مرّةً أخرى أيضًا، بالطريقة نفسها في كل مرةٍ وإلى الأبد، أي يوجد دورات من الحياة حيث الكون والإنسان يُعاد خلقهم من جديد ليحدث مثلما حدث تمامًا، وهذه الدورات تستمر في التكرار إلى الأبد. ينتبه كارل ساغان الى ان ستيفن هوكينغ كان مغرما بهذه الفكرة وهو يشرح نظرية الانحسار العظيم للكون والتي تقول أن الكون سيفنى ثم ينبثق مرة أخرى بنفس الشكل وسوف يحدث ذلك مراتٍ لا متناهية. يقول نيتشه: " إن كل اتجاه على خط مستقيم إنما هو اتجاه مكذوب، فالحقيقة منحرفة، لأن الزمان نفسه خط مستدير أوله وآخره”.

ولكن ماذا عن الله؟، ينظر ساغان باتجاه نيتشه ويقول: " مثل هذه الموضوعات تتطلب الشك والخيال معا، فالخيال يحملنا الى عوالم لم تكن موجودة من قط. اما الشك فيمكننا من التمييز بين الزائف والحقيقي ومن اختبار افكارنا.. والكون غني دون حدود بالحقائق الرائعة والوسائل الذكية لاكتشاف الاشياء التي تمتنفها الاسرار ".. يبتسم فاينما وهو يقول: " على الرغم من حقيقة أنني قلت أكثر من نصف العلماء لا يؤمنون بالله، فإن العديد منهم يؤمنون بكل من العلم والله بطريقة متناغمة تماما، لكن رغم أن هذا التناغم ممكن ليس من السهل تحقيقه. "

هنا ينظر ريتشارد فاينمن وكارل ساغان بمحبة وشفقة الى العجوز نيتشه وهما يرددان: " حيثما لا توجد أدلة، لا يمكن الحصول على دليل ملموس، لا يمكننا أن نستنتج أن الله موجود، ولا نستطيع أن نستنتج أنه غير موجود".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

ضياء نافعهذا كتاب مدهش بدءا من غلافه - (لوحة تشكيليّة حالمة وملوّنة بشكل ساطع)، وحجمه - (المتناسق والمنسجم تماما مع سمات عصرنا العاصف وايقاعاته السريعة)، ومضمونه - (الرومانسي الواقعي الخيالي الغريب بخليط متجانس رائق)، ولغته الروسيّة الجميلة الرقراقة، والتي حافظ عليها - بمهارة ودقّة – المترجم الدؤوب نزار محمود كنعان بلغتة العربيه الصافية، وقد أشار د. نزار في بداية هذا الكتاب الى شكره الجزيل للاديب علي احمد ناصر (... لجهوده الكبيرة في انجاز هذا العمل ...)، وهي اشارة رائعة تؤكد على الموقف النبيل للمترجم، الذي لا يمكن له الا ان يذكر دور اليد التي تمتد لمساندته، وهذا بحد ذاته تأكيد للقول الشهير في تراثنا عن (تواضع العلماء) طبعا، وكل ذلك كان واضحا - وبسطوع - على صفحات هذا الكتاب الرشيق والجميل شكلا ومضمونا، والذي جاء بعنوان – (ألكساندر غرين // الأشرعة القرمزية // ترجمة نزار محمود كنعان)، وهو كتاب صادر في موسكو عام 2020 ويقع في 142 صفحة من القطع المتوسط، الكتاب الذي أضافه د. نزار محمود كنعان الى سلسله كتبه المتميّزة العديدة، التي قدّمها لنا في الفترة الاخيرة، وأغنى بها المكتبة العربية في مجال الادب الروسي مثل كتابه الموسوعي الكبير – (أعلام الشعر الروسي)، او في مجال اختصاصه العلمي - آفاق علم الفلك المعاصر، مثل كتابه – (الطريق الى النجوم من أجنحة بن فرناس الى ملحمة فوياجير)، وغيرها من المؤلفات والمساهمات الثقافية الاخرى له.... .

الاشرعة القرمزية للكاتب الروسي الكساندر غرين، هو الكتاب الذي قال عنه باوستوفسكي – اذا مات غرين، ولم يترك لنا سوى واحدة من قصائده النثرية، واعني – (الاشرعة الحمراء)، فان هذا سيكون كافيا كي نعتبره واحدا من كوكبة عظماء الادباء الروس، ونحن نتفق مع رأي باوستوفسكي الموضوعي والدقيق هذا، وليس عبثا، ان (الاشرعة القرمزية) قد تحولت ومنذ الستينيات ولحد الان الى (عيد الاشرعة القرمزية)، الذي يحتفل به خريجو المدارس الثانوية بمدينة بطرسبورغ في اقرب يوم سبت لاطول ليلة بيضاء في تلك المدينة الرائعة الجمال، حيث تمخر سفينة باشرعة قرمزية نهر النيفا وترافقها مسيرة الالعاب النارية المتنوعة، وتستمر هذه الاحتفالات طوال الليلة البيضاء وحتى الصباح، ويشارك بها الملايين من الروس والاجانب، الا ان تسمية هذا المهرجان بعنوان رواية غرين قد تمّ عام 1968، بينما توفي الكاتب عام 1932، ولهذا، لا يوجد بتاتا اي ربط مباشر بين الكاتب غرين نفسه وبين هذا المهرجان، الا ان المنظمين الاوائل له استعاروا عنوان تلك الرواية القصيرة لغرين انطلاقا من جماليتها ورومانسيتها وانسجامها مع تلك الفعّالية،

ولا يعرف الادب الروسي ابدا تجربة تشبه هذا التقليد الشبابي الجميل في تاريخ روسيا، التقليد الذي يمكن لنا ان نقول – (خلقته !) واحدة من نتاجات غرين الابداعية، ولا مجال للحديث – في اطار مقالتنا – بتفصيل اوسع حول العلاقة المتبادلة بين هذا العيد غير الاعتيادي وبين رواية غرين القصيرة (الاشرعة القرمزية)، اذ ان هذه الظاهرة الجميلة تستحق مقالة تفصيلية باكملها .

ألكساندر غرين – مؤلف النتاجات الفلسفية السايكولوجية بعناصرها الخيالية الرمزية في تاريخ الادب الروسي، هو شبه مجهول وشبه معروف (في آن واحد!) للقراء العرب، اذ توجد بالعربية بعض الترجمات لبعض نتاجاته، بما فيها ترجمة اخرى للرواية القصيرة (الاشرعة القرمزية) نفسها، والتي يدور حولها حديثنا هنا بترجمة د. نزار محمود كنعان، الا ان القراء العرب لا يعرفون اهميّة الموقع الحقيقي لهذا الكاتب الروسي في مسيرة الادب الروسي وتاريخه عموما، الكاتب الذي عاش 37 سنة في الامبراطورية الروسية (من ميلاده 1880 الى ثورة اكتوبر 1917)، وعاش 15 سنة في الاتحاد السوفيتي (من 1917 الى وفاته عام 1932)، وامتاز عن جميع الادباء الروس قاطبة (وعبر كل تاريخ الادب الروسي) بعالمه الخيالي البحت تماما، والذي لا مثيل له في الادب الروسي، لدرجة، انه حتى بعض القراء الروس كانوا يظنون، ان نصوصه الادبية ليست روسيّة، وانما هي لكاتب اجنبي، وانها مترجمة الى اللغة الروسية ليس الا، بل وتم اطلاق تسمية خاصة للمكان الذي تجري به احداث نتاجاته الخيالية، التي لا يمكن ان تحدث على الارض الروسيّة لأنها تمثّل رومانسية جديدة بكل معنى الكلمة، وهذه التسمية هي – غرينلانديا (اي الارض المرتبطة باسم الكاتب غرين نفسه)، ولم يتفهم البعض اثناء حياة هذا الكاتب عمق تلك النتاجات وجماليتها غير الاعتيادية، وانه كان (المترجم بين العالم الواقعي والحلم الانساني) كما كتب مرة أحد الباحثين الروس المعاصرين، وباختصار، فان غرين هو – أديب المعجزة، التي يحلم الانسان دائما ان يحققها ولو في الخيال، رغم انه قال مرة بحدة معترضا على ذلك – روايتي رمزية وليس خيالية ...

ألكساندر غرين بانتظار الباحثين العرب، كي يقدموا ابداعه ومكانته الحقيقية للقراء العرب، وتحية للدكتور نزار محمود كنعان على مساهمته العلمية في تحقيق هذه الخطوة بكتابه هذا، اذ جاء الكتاب شاملا بمقدمته العميقة واسلوبه السلس الرقيق وصوره الملونة العديدة للفيلم السوفيتي (الاشرعة القرمزية) الذي انتجته موسكو عام 1961، وشاهده في حينها عشرون مليونا من المشاهدين ....

***

أ.د. ضياء نافع

 

محمد صفاءبقلم: ريونوسكي أكوتاغاوا

ترجمة: محمد صفاء

***

لم يكتب أحد إلى الآن بصدق عن الحالة العقلية لشخص على عتبة الانتحار. قد يكون بسبب كبرياء المنتحر، أو ربما بسبب قلة اهتمامه النفساني في حالته العقلية. رسالتي الأخيرة إليك: سأسعى جاهداً لتوضيح حالتي العقلية. لكن حتى لو أنني سأفشل في إيصال دوافعي إليك إيصالاً دقيقاً، فسأظل راضياً عن هذه المحاولة. يصور هنري رينيه في إحدى قصصه القصيرة، رجلاً ينتحر، ولكن هو نفسه لا يدري ما السبب. بإمكانك إيجاد العديد من الدوافع للانتحار في الصحف في الفقرات المُتعلقة بأقسام الشرطة، بدءاً من الضائقة المالية، أو اعتلال الصحة، إلى الألم النفسي. من خلال تجاربي فأن تلك الدوافع لا تمثل الدوافع جُلها، ولكنها تدلنا إلى الرحلة نحو السبب الصحيح. أولئك الذين ينتحرون هم معظمهم، مثل ذلك الرجل الذي صوره رينيه، غير واعي بالدافع الحقيقي. ينطوي الانتحار، مثله مثل باقي أفعالنا، تحت الكثير من الدوافع المتشعبة. في حالتي، فأنا مدفوع، على الأقل، بإحساسٍ حُوشِيٍّ بالقلق: حس ضبابي بالقلق اتجاه مستقبلي. من المحتمل أنك لن تكون قادراً على تصديق كلامي. علمتني عشر سنوات من الخبرة بأن أولئك الذين ليسوا من معارفي المقربين والأوفياء، تتبحثر كلماتي فيهم كأغنية في الهواء. لذلك لن ألومك.

تفكرت بالموت طوال السنتين الماضيتين. وكان ذلك خلال تلك المدة التي قرأت فيها لماينلاندر، فترسخت أعماله رسوخاً عميقاً في روحي. وأنا متأكد أن ماينلاندر يصور الرحلة إلى الموت تصويراً مبدعاً تماماً، مُعبراً عنه بكلماتٍ مُجردةٍ. أريد أن أصور نفس الشيء في شكلٍ ملموسٍ أكثر. ليس لدي رغبة أجل من هذه، ولا حتى شفقة تجاه عائلتي. قد يبدو هذا لك لا شيء سوى «لا إنسانية»، ولكن إذا كنت تعدني لا إنساني. فأعلم أني مجرد إشارة عابرة.

أنني ملزم بتدوين كل هذا تدويناً صادقاً (أنا أشعر أني بدلت كل ما بوسعي من جهد لأتفحص حسي الحُوشِيّ عن القلق اتجاه مستقبلي في كتابي «حياة أبله». ففي هذا الكتاب، قررت بتعمد ألا أكتب عن عاملٍ اجتماعيٍ معينٍ يخيمُ بظلالهِ علي – العصر الإقطاعي-. هذا لأننا نحن البشر نحيا حتى اليوم في ظلاله إلى حدٍ ما. حاولت أن أكتب فقط عن المناظر، والأضواء، والممثلين – في معظم الأحيان تمثيلي الخاص بي – التي ظهرت في مراحل أخرى غير هذه. يخامرني الشك بنفسي ما إذا كنت أستطيع تفهم هذه الحالة عندما أعيش في غمرتها. كان قلقي الأساسي يكمن في كيفية الموت بطريقة أقل معاناة. الشنق، بالطبع، أنسب طريقة لهذه الغاية. ولكن عندما تصورت جسدي وهو متدلدل، تملكني شعوراً غزيراً باشمئزازٍ جماليٍ (أتذكر مرة عندما وقعت في غرام امرأةٍ ما، ولكني فقدت مشاعري تجاهها عندما اكتشفت أنها كاتبة رديئة)، ولا يمكن للغرق أن يحقق مَبْلَغي أيضاً، وذلك لأني قادر على السباحة. وحتى لو أنني نجحت فرضاً، فسأتألم أكبر من الشنق. أثارت في نفسي فكرة قذف نفسي تحت القطار من دون بقية الأفكار إحساساً بالاشمئزاز الجمالي. ستفشل احتمالية الموت بواسطة مسدساً أو سكيناً لارتعاش يداي. وسيكون القفز من أعلى المبنى مقززاً بلا شك. وبناءً على هذه الاعتبارات، قررت أن أقتل نفسي باستخدام العقاقير. ربما من الممكن أن يكون الموت باستخدام العقاقير أشد إيلاماً من الشنق. وفضلاً عن حقيقة أنني أجدها أقل اشمئزازاً من الشنق، ولكن لا يمكنهم إنقاذي. بقيت فقط مسألة ابتياع مثل هكذا عَقّار، ولا أحتاج أن أقول، إنها لم تكن مهمةً يسيرةً بالنسبة لي. أني قد حملت نفسي على الانتحار، وصممت على استغلال كل الوسائل التي في متناول يدي لأحوز هذا العقار. وفي الوقت نفسه، حاولت أن أكتسب أي معرفة استطيع اكتسابها عن علم السموم.

تحول تفكيري لاحقاً عن أين سأنتحر؟ سيجب على عائلتي الاستناد على إرثي بعد وفاتي: وهي أرض ضئيلة تعادل مساحتها مئة تسوبو فقط،(1) ومنزلي، وحقوق أعمالي، وادخارات بقيمة مئتا ألف ين. كنت قلقاً حيال عدم صلاحية منزلي للبيع بسبب انتحاري، ورأيت بناءً على ذلك إحساس بالحسد تجاه البرجوازي الذي لديه على الأقل منزلاً ريفياً واحداً. قد تجدني أقول أشياء سخيفة جداً. ولكن عندما تفكر في تلك المسائل، فالإنسان في الواقع يشعر بإحساسٍ غائِرٍ بالحماقةِ، حماقة حتمية. أردت فعل كل ما بوسعي من جهداً لأقتل نفسي بطريقة بحيث لا يرى أي أحد من خارج عائلتي جثتي.

حتى بعد أن استقريت على الوسيلة، إلا أني وجدت نفسي ما زلت ملتصقاً بالحياةِ بطريقةٍ محدودةٍ إلى حدٍ ما. وبسبب هذا، احتجت إلى مقفزٍ ليقذفني إلى الموت (لا أعتقد بما يعتقده الغربيين بأن الانتحار خطيئة. ففي الكتب البوذية، يشدد بوذا على أن الانتحار في أحد تعاليمه. يحرف البعض الحقيقة لإرضاء مشاعر العامة، وقد يقولون أن هذا الإقرار ينطبق فقط في الحالات اللاتي يكون فيها الأمر «حتمياً». ولكن بالنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فالحالات «الحتمية» تلك، لسن الحالات القصوى الوحيدة اللاتي يموت المرء فيها موتاً أكثر بؤساً ولا مفر منه. فأي شخص يختار أن ينتحر يفعل ذلك بسبب الحالات، اللاتي يعدها بالنسبةِ له، «حتمية». أولئك الذين ينتحرون قبل هذه المرحلة، يلزمهم كثيراً أن يتشجعوا. وبعد التفكير في الحقائق المتوفرة، وتقييم جميع الجوانب المُتعلقة، فمن العادة أن تتولى امرأةً ملء دور المَقفز. قبل أن ينتحر هاينرش كلايست، استجدى أصدقائه ليكونوا رِفاقه. حاول جان راسين أن يرمي نفسه في نهر السين مع موليير، وبيبر كورني. لسوء الحظ ليس لدي أصدقاء مثل أولئك، ولذلك مجرد حاولت أن أقنع امرأة والتي كنت ملماً بموتها بجانبي. إلا إن هذا انقلب ليكون مقترحاً لم تستطع الإقدام عليه من أجلي، وسرعان ما أصبحتُ واثقاً بقدرتي على الانتحار بدون مَقفز. هذا لم يأتي من قنوط بعدم رغبة أي أحد بالموت معي؛ بل كنت أضحى عاطفياً بصورة متزايدة، وحتى لو كانت زوجتي ستفجع بموتي، فأردت أن أكون حذراً تجاهها. في نفس الوقت، عَلِمْتُ أن قتل نفسي بدون شريكاً متواطئاً سيكون أسهل. فضلاً عن الراحة الناجمة عن قدرتي على الانتحار في الوقت الذي أختاره.

كان تجهيزي الأخير أن أنهي حياتي بطريقة لن تلاحظها عائلتي قبل أن انتحر. بعد عدة شهور من التجهيز، ظفرت بثقة معينة بأني سأكون قادراً على فعلها. (لا أستطيع كتابة تلك التفاصيل هنا لمصلحة أولئك الناس الذين يهتمون بي. ولكن حتى لو كتبتها هنا، من المؤكد أن تهمة سخيفة مثل «المساعدة والتحريض على الانتحار» لن تُشرع بمقتضى القانون، وإذا طبق هذا القانون، كيف سيزداد عدد المجرمين! حتى لو أدعت الصيدليات، ومتاجر الأسلحة، وبائعي شفرات الحلاقة، بأنهم لم يعلموا، فطالما ما تخون كلماتنا وتعبيراتنا نوايانا الحقيقية، فسيظلون يجنون بعض الاشتباه. فضلاً عن أن المجتمع والقانون وما إلى ذلك، قد استوجب المساعدة والتحريض على الانتحار. ففي النهاية، أي قلوب بصدور أولئك المجرمين!) قد جهزت كل الإجراءات بهدوء، والآن سأؤنِس نفسي بفكرة الموت فحسب. كان جوٌّي في معظمه مثلما كتب ماينلاندر.

نحن حيوانات بشرية ولهذا نخشى الموت مثلما تخشاه الحيوانات. ما يسمى بـ «إرادة العيش» هو لا شيء سوى اسم مختلف للغريزة الحيوانية. لستُ سوى واحداً من تلك الحيوانات، وعندما ألاحظ فقدان اهتمامي بالطعام والنساء، فأدرك أنني قد فقدت الغريزة الحيوانية تدريجياً. والآن أنا أمكث في عالم ذو أعصاب سقيمة، واضحاً كوضوح الشمس.(2) حاورتُ في الليلة الماضية عاهرةً عن أجورها (!) وشعرت شعوراً عميقاً بمعاناة الإنسان الذي «يحيا لأجل أن يحيا». إذا كان بإمكاننا إرسال أنفسنا إلى رُقاد أبدي، نستطيع بلا شك أن نحوز السلام، إن لم تكن السعادة، ولكن لدي شكوك عن متى سأكون شجاعاً بما فيه الكفاية لأنتحر. في هذه الحالة، أصبحت الطبيعة بالنسبة لي أجمل من أي وقت مضى، فأنت تحب جمال الطبيعة، وبلا شك أنك ستهزأ من تناقُضاتي. ولكن الطبيعة جميلة حرفياً لأنها تنهال على العينان اللتان لن تقدرانها لوقتاً طويلاً. قد أبصرتُ، وأحببتُ، وفهمتُ أكثر من الآخرين. هذا لوحده يمنحني بعض الأقساط من السلوان وسط الأسى الكؤود. رجاءً لا تعرض هذه الرسالة على الجمهور لعدة لسنوات بعد موتي. من الممكن أنني قد أنتحر بطريقة تبدو موتاً طبيعياً.

ملاحظة: بقراءتي لحياة أمبادوقليس، أدركت أن يا لها من رغبة عتيقة لتجعل النفس إلهاً، بقدر ما أستطيع أن أقول، أن هذه الرسالة لا تسعى لذلك. لا، أنا موجود بوصفي إنساناً بسيطاً فقط. قد تستحضر قبل عشرين عاماً عندما ناقشنا «أمبادوقليس على إتنا»(3) تحت إشجار الزيزفون. في ذلك الوقت، كنت ذلك الشخص الذي تخيل نفسه إلهاً.

***

...................

(1) أن وحدة القياس الشائعة لمساحات العقارات في اليابان هي تاتامي، والتسوبو ضعف التاتامي. تختلف مساحات التاتامي باختلاف المنطقة، ولكن غالباً ما يكون المعيار القياسي على منطقة ناغويا، إذ تبلغ مساحة التاتامي فيها 1.653 م2، والتسوبو ضعف التاتامي، أي 3.306م2. وفي حالة هذه الرسالة، فإن مئة تسوبو تساوي 330م2، ويعد المتر المربع القياس الشائع الاستخدام لقياس مساحة الأراضي في المنطقة العربية.

(2) أن الترجمة الحرفية للعبارة الإنجليزية، معناها شفاف كالجليد، والمقصود نقي وواضح، وتُرجمت إلى "واضحاً كوضوح الشمس" كونه التعبير المعروف والشائع لدى العرب والناطقين بالعربية.

(3) وفقاً لتلك الأسطورة، كان إمبادوقليس يعد نفسه إلهاً، ومنتحلاً لصفة الإلوهية، وجلب الموت إلى نفسه، من خلال قذف نفسه في فوهة البركان، على جبل إتنا، في الساحل الشرقي من جزيرة صقلية، ليقنع اتباعه بإلوهيته.

اسعد شريف الامارةمقدمة الكاتب: ان تشظي التحليل النفسي بأفكاره ونظرياته إلى اتجاهات جديدة فيه،  هو بحد ذاته يبين عمق النفس البشرية، وكل من يتناولها يتناول التحليل النفسي عن ما بداخله فيشطح ويخرج عن النص الفرويدي،  هو يشطح لما بنفسه من؟، إلا جاك لاكان، لم يشطح بالظواهر الفرويدية أو يتشظى بقدر ما تعمق بها وَسبر سِبر أغوارها بالعمق، فلم يلوذ بها وإنما دخل في عُمق العمق، فولج فيها وأضاف، إضافة نوعية غيرت التصور الكلاسيكي إلى تصورات معاصرة، وكان مصطفى صفوان من الرواد الاوائل ممن سار في هذا الخط الفرويدي – اللاكاني.

تعد الكتابة عن عالمٍ من علماء التحليل النفسي المعاصرين هي بحد ذاتها مدخل صعب الولوج له لكثرة مطبات الأفكار التي يعرض لها وثنائيات التداول بين التحليل النفسي الكلاسيكي وتحولاته المعاصرة لا سيما أنه عاصر عدة أزمان منذ أختياره لعالم البحث في التحليل النفسي، لأنها مدخل غائص في عمق النفس البشرية، فكيف نبحث في فكر عالم مثل "صفوان" تربى على الفرويدية الكلاسيكية بكل عمقها مذ وصوله إلى باريس في العقد الرابع من القرن العشرين واستمراره فيها متداولا مع أستاذه العلامة "مصطفى زيور" فِكر عالمٍ غير وجه عميق في النفس البشرية بإكتشافاته وفتوحاته ومعرفته الحقة بخبايا النفس البشرية، وهو "سيجموند فرويد" الذي يدين له كل من قرأ فكره وتعمق فيه وبحث بما طرحه ليجد نفسه يغرق في معرفة نفسه وإكتشاف ما يمكن أكتشافه على وفق ما قرره فرويد. اننا أزاء معضلة العرض الأكاديمي لفكر متعدد ومترامي الأطراف في ثلاثة أبعاد، ولا يستطيع الفكر الأكاديمي أن يغوص في هذه المعرفة المتنوعة للتحليل النفسي، فهو فكر أكاديمي الأساس، علمي تقليدي التكوين، عميق في البحث الذي لا يتمكن التجريب أو الرصد المحدود لدراسة الظواهر في  أن تضعه على طاولة الدراسات التقليدية المتعارف عليها بتقنين الظواهر التي تناولها التحليل النفسي، فكيف إذا كان الطرح وعرض أفكار التحليل النفسي هي بحد ذاتها غير قابلة لِلمها" لَم شملها" "جمعها" في إناء تقليدي من مناهج البحث المعاصرة، إنها محاولة إجتهادية نرى فيها من الصعوبة ما لا يمكن وصفها،  أو تحديدها، أو الإكتفاء بعرضها، ولنا في هذا ما نستطيع إيصاله للقارئ الكريم ليكتشف ان عالم "مصطفى صفوان" فلسفة عميقه ذات أبعاد نفسية مترامية في الفكر والفلسفة والعلوم الإجتماعية والنفسية،  فما نود عرضه هو قاصر بالتحديد لما نريد عرضه، وأردد دائمًا أن من يريد معرفة التحليل النفسي ودراسته لا يمكن حصر نظرياته وأفكاره في موضوع أو مقالة، أو كتاب، بل أن يقرأ نفسه من خلال التحليل النفسي ليجد المنهج النفسي الملائم لمعرفة النفس، فكتاب "مصطفى صفوان" يحتوي في أبوابه الثلاثة على موضوعات من الدقة لا يمكن إدراكها بيسر، فالباب الأول ضم موضوعات هي:

البارحة..

1. عن القرابة  2. العائلة والتنشئة الاجتماعية 3. البيت والمعبد.

أما الباب الثاني فضم:

اليوم..

4. من المعبد إلى المخبر، أو الأب بوصفه شيئًا جزئيًا.

5. الآباء المُقيمون في المنازل والاسئلة حول الأصول.

6. السوق.

7. فلسفة السوق.

الباب الثالث فضم:

الفردية والفرد..

8. الفردية والفرد.

9. الفرد والمجتمع.

10. الجنسانية "الجنسية" في المجتمع الليبرالي الجديد والتحليل النفسي بين الحاضر والمستقبل.

ونحن بأزاء استعراض هذه المحاور الغنية هي في الحقيقة اكتشاف معرفي بحد ذاته وليس عرض تقليدي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تَعرف أولي لاستدعاء ما يمكن استدعائه من ما خزن في الدماغ من معلومات وإن كانت بسيطة ولكنها قد "ربما" من المحتمل ان تضيف للقارئ المتعلم مثلنا شيء من المعرفة إيمانًا منا بأن المعرفة تراكمية وبالأخص في التحليل النفسي، لنقل مجازًا في اللاشعور" اللاوعي".. تحية إكبار وإجلال لهذا العملاق المفكر الذي ترك فينا ومن قرأ له أو تتلمذ بين يديه أشياء غير محسوسة ولكنها شكلت سلوكه وتعامله وأسلوب حياته.. له الرحمة والمغفرة ولنا أن نترحم له ما حيينا في كل عمل نقوم به.

من الباب الأول.. البارحة وموضوعاته:

1. عن القرابة..

يتحدث "صفوان" عن أسس البناء للأسرة ويعدها الخلية الأولى في المجتمع، وهذا الرأي من الصعب قبوله، او الاعتراف بأن المجتمع البعيد عن أن يكون مؤلفًا من عائلات، وعلى هذا الأساس يرسم قوانين الزواج وهو المشرف على تكوين العائلة، وبأن هذه القوانين جزء لا يتجزأ من قواعد القرابة. ويطرح "صفوان" فكرة طرفان يتقاسمان الآراء حول القرابة الأول يرى فيها الظاهرة الأساسية للنسيج الاجتماعي، والثاني يرى ان الاحتلافات الناتجه عن القرابة تعكس اختلافات إجتماعية وسياسية، ودينية، وقد احتفظت هذه الاختلافات في مفهوم القرابة ببعض المعالم ضمن ما يُدعى بالعائلة الملكية، أو عائلة الموُثقين، أو الأطباء. ويعرض أيضًا أهمية هذه الطرائق المختلفة في تصور مكانة القرابة في المجتمع، لكن اهتمامنا ينصب بالدرجة الأولى على تعرييف القرابة نفسها. ويعرض "صفوان" عدة دراسات بهذا المضمار منها دراسة "مارشال سلنس" في كتابٍ بعنوان: ما تعنية القرابة وما لا تعنيه. نشر في العام 2013 يركز فيه على فكرة تبدد الشك في أن الأمر يسري في الكينونة بقدر ما يُعبر عنه الأسم. وفي الوقت نفسه وفي الجامعه نفسها وهي جامعة شيكاغو نشر استاذ آخر وهو "دافيد.م. شنايدر" في العام 1968 كتابًا عن القرابة الامريكية وأعيد نشره في العام 1980 يلح فيه على أهمية القرابة وعدها بأنها تولد مشاعر التضامن والواجب، وتشكل  الأبواب التي يستطيع علم الاعراق من خلالها أن يُحيط بالواقع سائلًا السكان عن طريقة عيشهم هذه المشاعر وتقييمها. أما "رادكليف- براون" هو الذي شرح بأوضح العبارات العلاقة بيين أشكال اللغة التي يستحيل من دونها أيُ اتصصال بين الأفراد الناطقين من جهة، وبينها من جهة اخرى: اللغة يجب أن تُطبق أن تزودنا بأداة اتصال منُاسبة إلى حد يقل أو يزيد، ولهذه الغاية، تخضع لبعض الشروط الضرورية والعامة. إذ تُظهر مقارنة بين اللغات كيف تحقق هذه الشروط باستخدام مختلف المبادئ الصرفية كالإمالة والإلصاق، ونسق الكلمات، والتغيير الداخلي، أو استخدام النبرات من عدمه كما ذكره "راد كليف – برون".

يرى"مصطفى صفوان" قوله لا يهتم أي مجتمع بشري اهتماما خاصًا بضمان استمرار نوعنا، ولو كانت الحال كذلك لامتنعت مجتمعاتنا عن الحرب وعلى عكس ذلك ينزع كل مجتمع إلى استمرار وجوده الخاص ووجود مناقبه وأعرافه، لكن لا يكفي مجيئ الفرد إلى العالم كي يُصبح جزءًا من المجتمع، إذ يجب أن يكون ثمرة زواج مُعرَف بأنه "ترتيب اجتماعي يتلقى الطفل بموجبه وضعية شرعية في المجتمع، تُتحددها القرابة، بالمعنى الاجتماعي للمصطلح " ويضيف "صفوان" قوله أما الطفل المولود دون زواج يعترف به المجتمع، فلن يجد مكانًا في هذا المجتمع، سوف يوصف بأنه غير شرعي، وعليه لم تنتظر المجتمعات البدائية علماء الإناسة المعاصرين كي تُفرق بين الطبيعي والثقافي، وهنا يؤكد صفوان قوله: لا يوجد مجتمع بشري لا يمنح نفسه أصلًا رمزيًا يضمن وحدته، بينما تُخفق البنية الثنائية إخفاقًا ذريعًا نتيجة غياب مبدأ أول يضمن الإيمان به إجتماع الناس عليه وبحكم صراعاتهم.

يتسائل "صفوان" هل بإمكاننا أن نميز تمييزًا أفضل بين مساهمة القرابة البيولوجية بقدر ما يدين لها الطفل بدمه وعظامه، وبين مُساهمتها الروحية، أو الثقافية، بقدر ما يجب عليه الاعتراف له بانه يُدخله في النسب الأبوي، أو يمنحه الأسم الذي يجد فيه "سلنس" تبادل الكينونة الذي يخلق الرابط بين الأب والأبن؟ إنما التمييز بين الطبيعة والقافة ثابتٌ، في الأساس وملحوظ في المجتمعات البشرية كلها، ولم يغب عن أي مجتمع أن يطرح مسألة الاختلاف بين الطابع البيولوجي الذي لا خلاف عليه للعلاقة بين الأم والطفل، ونظام القرابة الذي يرسمه، ومن خلاله يمنح المولود الجديد مكانه، وهكذا نعود إلى نقطة انطلاقنا، أي إلى الزواج من حيث هو ترتيب إجتماعي. ويناقش "صفوان" في كتابه هذا موضوع الترتيب من وجهة "ليفي – ستروس" القائلة بأن الأمر أمرُ تبادل بفرض نفسه خيارًا للمفردة الأولى من هذا التخيير: ثمة حاجتان تُمارسان خارج القرابة هما الزواج والقتل، أي بوصفه شرط تعايش المجموعات البشرية، ويطرح "صفوان" رأي "ستروس" قوله أصل تحريم نكاح الُقربى ومع ذلك نرى في البُنى الأولية للقرابة مقاطع تدفعنا إلى التفكير بالاختلاف بين المُباح والممنوع الذي يُملي على مَن يشعر به اختيار الزواج. وباختصار إن قيام تعاقب الأجيال الذي يُديم المجتمع وجوده الخاص على اقتران الجنسين البيولوجي، أمر واقع ولكن تظل الحقيقة أيضًا أن ولادة الطفل حدث ثقافي، أو ثقافي كُليًة كما يقول "سلنس" ليس فقط لأن مجيئه إلى العالم يُمثل مجيء نتيجة مضاجعه دون مشاركة طرف ثالث يُشدد "لاكان" على طابعه الرمزي كالقضيب الأولي عند شعب البوشمان، او مشاركة روح الجد الذكوري، أو الأنثوري لذرية الأب عند شعب البارويا دون الحديث عن مشاركة الآلهة العليمة. لقد جُردت هذه الاطراف الرمزية من وظيفتها البارزة بوصفها قاعدة الوجود الاجتماعي، لكن فرويد عثر عليها في حالات العُصاب العائلية على شكل أب ميت، يخصي ويستمر دومًا في الصراع بين الابن والأب الذي لا يُحسم أبدًا في رأيه. واشار "كروبير" إلى مبدأ الطوطم والتابو، المبدأ الذي يعده الاسطورة الوحيدة التي تمخضت عنها الأزمنة الحديثة، أما "لاكان" الذي أعاد نقد "كروبير" عادًا بحق أن قصة قتل الابناء أباهم في القبيلة البدائية حلم من احلام فرويد، بالمعنى الحصري للمصطلح، فقد نسي هذه القصة دون أن يترك منها إلا ما يتركه الموت، أي الأسم. ومع أن هذا الأسم يًكون في الواقع النقطة التي تنبثق منها الثقافة في انفصالها عن الطبيعة، فهو يُكثف قي ذاته وحدها ثقل هذه الثقافة الكامل بإعلانه أن عبور عالم يرتبط فيه قبول الحياة نفسه عند الطفل بالحب الأمومي، إلى عالم آخر حيث العلاقات بين البشر وعلاقاتهم أيضًا بالأملاك التي يتعلقون بها، تتجسد في الحقوق والواجبات التي يتألف منها القانون، وعندئذ ما الدور الذي يأخذه"أو كان يأخذه" هذا الأسم في تنظيم الجنسانية البشرية.

يرى "مصطفى صفوان" إن ظهور الجنسية "الجنسانية" المبُكرة عند الطفل لظاهرة يصعب شرحها، ولكنها ما أن تظهر حتى يكاد يكون من الطبيعي تقريبا أن تتوجه على نحو أفضل صوب أمه التي تُمثل في نظره، لكونها موضوع حُبه الأول، الخير الأسمى، أننا إذا سلمنا مع فرويد بأن "الانتماء إلى الأب جزء من الجوهر الأمومي" يتمخض عن ذلك أن ظهور الجنسية "الجنسانية" التافه عند الطفل غير المُستبِعد كما ينبغي يُعادل دخوله في عالم القانون ويسبق اندماجه في نظام القرابة الخاص بمجتمعه. ويضيف"صفوان" توضيحًا بناءً على هذه الفكرة استنادًا لقاعدة الرغبة بنتيجتين:

النتيجة الأولى:  بعدم وجود إشباع الرغبة دون الاعتراف برغبة الآخر.

النتيجة الثانية: بأن أية رغبة هي رغبة في نزع الأعتراف بها إلى حد أن إنكارها ييًفاقم شدتها.

وقوله.. في النهاية.. ليس التحليل النفسي شيئًا آخر غير دراسة العمليات التي بفضلها تُعبر الرغبة عن نفسها، وهنا نبلغ الاكتشاف الأكثر إدهاشًا الذي أتحفتنا به تجربة المعالجة بالكلام: فمع نقل الصيغة الهيغلية إلى الصعيد الرمزي بدل ربطها بصعيد الوعي بالذات. تتجلى الرغبة وظيفًة اكثر تأسيسًا، وفي مجموعها أكثر ما يخلع الطابع الإنساني على المتكلم "الما هو"، ومن ثم نرى تفاهة تشبيه التحليل النفسي بتقنية الاعتراف.

أما "لاكان" وهو يشدد على الفعالية الرمزية التي من دونها لا يتضح أي شيء على مستويي الأوديب الواقعي  والتخيلي، فَحَول اتجاه هذه العقدة التي انتقلت من النظرية الجنسية الطفلية إلى نظرية الرغبة، وتتضمن هذه النظرية ضرورة موائمة الرغبة مع المبدا القائل بعدم إشباع رغبة الفرد بمعزل عن إشباع رغبة الآخر. المبدا الذي من دونه يفقد القانون أي معنى، ويرى "لاكان" قوله: تُكَون هذه الموائمة ضمن إطار العائلة الحديثة "المعيارية الأوديبية" التي يُعين فيها وظيفة الأب الحقيقي، وهنا يَحضر وضعان لا يُمكن إبعاد أحدهما عن الآخر:

الوضع الأول: وضع الأب الذي لا يتخرط في ذرية تعود إلى قضيب أول. (راجع  حال البوشمان، وكذلك حالة شريبر بالتفصيل- قصة شريبر معروفة جدًا عند المحللين، فهو كان قاضيًا كبيرًا ثم اصيب بالجنون، كان ذهاني، وهو الوحيد الذي حلله فرويد)

الوضع الثاني: الذي ميزه "لاكان" عن الوضع الاول بوضوح عدة مرات وتحديدًا في مقالته بعنوان" تخريب الذات وجدلية الرغبة في اللاوعي الفرويدي" فهو الذي لا يقوم فقط على إملاء القانون، بل على تفويض نفسه به، بكل ما يتضمن من اعتراف.

***

د. أسعد شريف الامارة

 

 

علي حسينهو الأن في الخمسين من عمره، عاش حياة مليئة بالعمل زاخرة بالكتب والموسيقى تخللتها اوقات كان يفقد الامل فيها.. حياة مثيرة، انشأ صداقات واثار ضده عداوات كثيرة.. في ذلك العام 1762 كان يعيش في سويسرا مطاردا من قبل السلطات الفرنسية بتهمة نشر الرذيلة والسعي إلى تهديم قيم المجتمع.. اثار الاهتمام بعد صدور عددا من كتبه التي تناولت الاداب والموسيقى والاقتصاد،وتربعت روايته الوحيدة "جولي أو هلويز الجديدة " التي نشرها عام 1761 على قائمة الكتب الاكثر مبيعا، حكاية حب بطلتها شابة مثالية، تقع في حب معلمها الخاص وحين تختلي بنفسها تكتب: " لقد جعلت السماء أحدنا للآخر، لم يكن هناك اتحاد اكثر مثالية من هذا، روحانا متداخلتان أيضا بشكل وثيق، ولم يعد بوسعهما الانفصال أبداً ".وقد اتهم رئيس اساقفة باريس الرواية بانها " تنفث سم الرغبةفي الوقت الذي تبدو فيه وكأنها تُحرمه ".

اثار صدور كتابه " اميل او التربية "، ضجة كبيرة في فرنسا وصدر مرسوم ملكي بمنعه من التداول واتهام كاتبه بتخريب عقول الفرنسيين.. واقترح مجلس الدولة ان يلقى القبض على جان جاك روسو، ثم امر البرلمان ان يمزق الكتاب ويحرق في فناء قصر العدالة وجاء في بيان المجلس النيابي: " لما لم يتورع صاحب الكتاب عن الاعلان عن اسمه، فمن الواجب ملاحقته مباشرة، ومن الاهمية ان تتخذ العدالة موقفا لتجعل منه ومن الذين يتبين لهم انهم ساهموا اما في طبع واما في نشر هذا النوع من الكتب الجديرة واياهم باقصى الشدة، عبرة لمن اعتبر ".إلا ان الهجوم الأعنف جاء من واحد من اشهر فلاسفة ذلك العصر" فولتير" الذي كتب مقالا باسم مستعار يسخر فيه من كتاب " إميل أو التربية " متهما مؤلفه جان جاك روسو بالنذالة بعد ان عَّرض أطفاله لخطر الموت على باب أحد المستشفيات، وطالب فولتير بانزال اشد العقوبات على كاتب يمارس الخديعة، وفي المقال الذي لم يصدق روسو ان فولتير كاتبه نقرأ هذه العبارات: " اننا نرثي للاحمق، ولكن حين تستحيل حماقته جنونا فاننا نوثق رباطه، ذلك ان التسامح وهو فضيلة، يصبح عندها رذيلة ".

الذين كتبوا سيرة جان جاك روسو ياخذون عليه، التناقض في السلوك الذي كان يعيش فيه، فنجده، مثلا، يترك خادمة الفندق التي تزوجها بعد ان أنجبت له خمسة أولاد، يسلمهم إلى ملجأ الايتام غير عابئ بالمسؤولية، ثم يُفاجىء الناس بكتاب مهم عن التربية وكأنه يريد ان يكفّر عن ذنوبه وخطاياه، والبعض كان يرى ان روسو تخلى عن ابنائه لأنه اراد أن ينهج منهج أفلاطون الذي اكد في كتابه الجمهورية من أن الطفل مُلكٌ للدولة. إلا ان ستيفان تسفايج في مقدمته التي كتبها لكتاب إميل أو التربية ينفي هذه التهمة عنه مؤكدا أنه لم يكن له أطفال على الإطلاق لعجزه عن الأبوة، وتسفايج يعتقد أن روسو لفّق على نفسه هذه التهمة، لأنه كان يعاني من مرض جنسي ائر على رجولته، فمنعه من الإنجاب، وانه كان يريد بهذه القصة أن يثبت للعالم ان باستطاعته ان ينجب أبناء بهذه الوفرة، ثم يلتمس للتصرف فيهم هذا التصرف عذراً من أعذار الفلاسفة والحكماء.

ينظر الى جان جاك روسو باعتباره واحدا من ابرز رجالات التنوير ساهم في وضع نظرية سياسية مهدت لقيام الثورة الفرنسية، إلا ان العالم لم يغفر له جريمة رمي اطفاله في ملجأ للايتام.. يكتب فرانسو نودلمان: " ان بحث التربية الذي كتبه روسو يحمل عددا من الندوب، بل واكثر من ذلك، إن هذا المؤلف نفسه هو الاثر الذي يحاول الكاتب من خلاله طمس جرح يندمل " –عبقرية الكذب ترجمة اياد عيسى –

قد يندهش القارئ عندما اخبره ان اول كتاب قرأته لجان جاك روسو كان " الاعترافات "، وقد حصلت على نسخة صدرت عن مطبوعات كتابي، واتذكر ذات يوم وانا مندمج في قراءة اعترافات هذا الفيلسوف الغريب الاطوار، انتبهت لصاحب المكتبة يقف على راسي وهو يوبخني لانني اقرأ كتابا لا يليق بعمري آنذاك. لم اكن افهم لماذا ثار وغضب رغم انني لم اكن انتهيت من الفصل الاول ؟.. بعد ذلك قررت ان اصبح شجاعا وابحث عن هذا الكاتب الممنوع، فكنت اذهب الى كشك الراحل هاشم عذافة والذي يجاور مكتبة المثنى في شارع السعدون، فوجدت عنده طبعة اخرى من الاعترافات، ومجلد كبير الحجم بعنوان " إميل أو التربية " وكتاب بعنوان " جان جاك روسو " تاليف نجيب المستكاوي، وقد استمتعت بقراءته اكثر من استمتاعي بقراءة كتب روسو.. وعرفت فيما بعد ان المؤلف يعد واحدا من ابرز الصحفيين الرياضيين. سألت نفس ما علاقة كرة القدم بروسو ؟.. لم اكن اريد ان اصبح الصبي المتخلف الذي يخشى تجربة قراءة كل ما هو مثير للاهتمام. وكان المستكاوي مفتاح لي لفهم شخصية جان جاك روسو، وكان كتابه هو ما احتاجه آنذاك. ولهذا اعتقد ان القارئ اذا كان يحب القراءة مثلما احبها انا.قد يجد متعة في اكتشاف الكتب واسرارها. هل اصبحت قراءة روسو بسبب كتاب نجيب المستكاوي سهلة ؟. بالتاكيد نعم. لان من خلاله عرفت لماذا منعني صاحب المكتبة من الاستمرار في قراءة كتاب " الاعترافات "4051 جان جاك كروسو

ولد جان جاك روسو في الثامن والعشرين من حزيران عام 1713 في جنيف من أبوين فقيرين، فَقد أمّه بعد ولادته. يكتب في اعترافاته: "ولدت سقيماً عليلاً، وقد كلفت أمي حياتها، فكانت ولادتي فاتحة مصائبي وشقائي"- الاعترافات ترجمة خليل رامز سركيس - كان والده يعمل في النهار مُصلحاً للساعات وفي الليل معلماً للرقص، تخلى عن ابنه روسو عندما كان في الثامنة من عمره وتركه في بيت خاله الذي حاول أن يُدخِله ديراً ليصبح كاهناً، لم تمضِ أيامه في الدير هادئة، فقد اتهم بسرقة إحدى السيدات، ليطرد من الدير، ويعود الى خاله الذي سيرسله، هذه المرة، للعمل عند أحد الكتَبة العموميين، فيطرده بعد يومين، فيذهب به خاله إلى صاحب ورشة شديد القسوة غليظ القلب، ما دفع روسو إلى تعلم الغش والكذب والسرقة، إلى درجة إنه بدأ يتمرد، ويخرج مع أصدقائه إلى خارج المدينة للبحث عن الحرية، ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل، فيشبعه صاحب الورشة ضرباً.كان التشرد والحرمان واليُتم طابع حياة روسو، ما عمق أحاسيسه، وجعله يشعر بالظلم: "لقد علمتني ذكرى التبدل الذي أصابني في حياتي، الفرق بين تبعية الابن للأسرة وبين الخضوع الذليل للآخرين".إلا أن لحظات من السعادة كان يشعر بها، وهو يتفرغ لقراءة الكتب التي كانت تحتفظ بها أمه، ففي السابعة من عمره حاول والده أن يمرنه على المطالعة، فكان يطلب منه أن يقرأ بصوت عالٍ قصصاً كانت والدته قد قرأتها، يكتب في الاعترافات: "والدي يقول لي بخجل، وقد سمع أصوات السنونو تحيي الصباح: لنذهب الآن الى النوم، إني طفل أكثر منك"، وحينما انتهيا من قراءة جميع القصص الموجودة في البيت، أخذ يقرأ ما بمكتبة جده حيث عثر على كتاب مسخ الكائنات لأوفيد، وبعض مسرحيات مولير، إلا أن الكتب التي سحرته كانت مؤلفات المؤرخ بلوتارك: "عندما كنت في السادسة من عمري وقع في يدي بلوتارك، فحفظته عن ظهر قلبي، وكنت قد قرأت كل رواية فيه فكبدني ذلك ذرف سيل من دموعي قبل أن أبلغ السن التي يُقبل فيها القلب على مثل هذه الكتب، ونشأ فيّ تذوق لظواهر البطولة ونزوات العاطفة وأخذ ينمو ويشتد منذ ذلك الحين، حتى أدى بي في النهاية الى النفور من كل شيء لا يلائم تخيلاتي"، إن الطفل روسو الذي فقد أمّه، وهجره أبوه، وجد لنفسه ملاذاً من الحياة في الكتب: "وجدت نفسي أقدر على التعامل مع الكائنات الخيالية التي أحاطتني بها الكتب، من التعامل مع أولئك الذين أراهم في العالم"..عاش جان جاك روسو 65 عاماً، وصفها رومان رولان في كتابه"اراء روسو الحية"بالشعور بالغربة عن العالم: "كان يرى نفسه غريباً بين الناس وإنه لم يكن يشعر بأنه على ما يرام في قلب الأسرة الانسانية، ولم يكن يرى أقرانه مخلوقين على شاكلته، لذلك كان في وسعه أن يفهم معنى الشعور بالغربة والضياع الذي يحس به إنسان غريب آخر في المجتمع هو الطفل"- - ترجمة بدر الدين خليل -. والغريب إن الحياة تصالحه بعد سنوات من العداء والقطيعة، فيبتسم له الحظ خلال الشهور الأخيرة من حياته، حيث استقر به المقام عام 1778 في الريف الفرنسي، فالرجل التعس الذي ظن أن الحياة ستنتصر عليه، لم يعلم إنه قد قهر الحاضر والمستقبل، ففي السنوات الأخيرة من حياته ظهرت ست طبعات من مجموعة مؤلفاته وعشر طبعات من روايته"هيلويز الجديدة"، وفي سنة 1771 نشر الجزء الأول من"الاعترافات"- نشر الكتب كاملا بعد اربعة سنوات من وفاة روسو عام 1782 - إلا ان هذه السعادة لم تدم طويلا ففي صباح الخميس، الثاني من تموز عام 1778، خرج كعادته لجمع النباتات، لكنه شعر بضيق في صدره فسقط على الأرض، فأصيب بجرح في رأسه وليموت بعدها بساعات، وقد شخص الأطباء حالته بأنها انفجار في شرايين المخ. وبعد وفاته زار قبره الملايين من الفرنسيين بينهم الملكة وجميع الأمراء، ووجد قادة الثورة الفرنسية في كتبه دليلا للحكم وفي إحدى الخطب الثورية يعلن روبسبير: "هذه الثورة كان رائدها شخص واحد اسمه جان جاك روسو، وستظل مدينة له مدى الحياة".

صدر كتاب إميل او التربية في شهر آيار من ام 1762، قبل كتاب العقد الاجتماعي بشهر واحد. وقد نشر في باريس بعد ان حصل صاحب احدى المطابع على اذن من الرقابة. كانت رواية " هيلويز الجديدة " قد منحت روسو الشهرة والمال، واخذت المطابع تبحث عن كتبه حيث دفع صاحب المطبعة مبلغا ستة الاف فرنك نظير مخطوطة "إميل ". الكتاب في البداية كان عبارة عن مناقشة اجراها روسو مع احدى سيدات المجتمع الارستقراطي اسمها " مدام دبينيه " عن افضل الطرق لتربية ابنها. وقد قصد به روسو في البداية أن يكون تكملة لروايته " هيلويز الجديدة ". وكان قد تاثر بمقالات مونتاني واطلع على كتاب جون لوك " خواطر في التربية ". كان روسو يفكر بكتابة دراسة عن التربية عندما كان في الثلاثين من عمره وقد بدأ المشروع لكنه توقف بسبب ظروف الحياة، وسيعود له بعد اكثر من خمسة عشر عاما ليتفرغ له ما يقارب الثلاثة اعوام. كان خلالها يعمل مربيا لاولاد احدى العوائل.آنذاك اراد ان تكون له فلسفة خاصة في مجال التربية.. كانت بوادر كتاب إميل قد ظهرت في روايته " هيلويز الجديدة " حيث يكتب: " يخطئ الاباء باعتبار اولادهم انهم مفكرون منذ ولادتهم وكذلك يعتبرونهم كالرجال ويخاطبونهم بالمنطق والتفكير الصحيح. حتى قبل ان يكون باستطاعة هؤلاء التكلم السليم، فالطبيعة تريد الاولاد اطفالا قبل ان يصبجوا رجالا. وان ينمو الجسد ويقوى قبل ان يتمرن العقل على التفكير السليم ".

هذه العبارة التي جاءت على لسان جولي في " هيلويز الجديدة " تشكل قسما كبيرا من مفهومه للنظام التربوي الذي يجب ان يسود في المجتمع.

قسم روسو كتاب " إميل أو التربية " الى خمسة اقسام يتناول في كل قسم مرحلة من مراحل حياة الانسان متتبعا بذلك حياة الطفل " إميل " منذ الولادة وحتى الزواج. وفي الكتاب ينبهنا روسو ان إميل يتعلم من تلقاء نفسه مبادئ الدين الاولى، فلا يفرض عليه أي مذهب او ديانه، إنما يترك له الخيار من اجل ان يُصبح انسانا واعيا بذاته سعيدا بالحياة التي اختارها: " ألفق ببصرك إلى كل أمة في الارض، واقرأ كل سفر من أسفار تاريخها، ففي جميع انواع العبادات العجيبة القاسية هذه، وفي هذا التنوع المذهل من العادات والتقاليد، ستجد في كل مكان نفيس الافكار الاساسية، افكار الخير والشر..ففي اعماق قلوبنا مبدأ فطري للعدل والفضيلة تحكم بمقتضاه على افعالنا، أو افعال غيرنا، أخير هي ام شر، وهذه المبدأ الذي نسميه الضمير " – إميل أو التربية ترجمة عادل زعيتر -.

صاغ روسو كتابه هذا على شكل رواية بطلها الطفل " إميل "، ومن خلال احداث الرواية، يقدم روسو رؤيته التربوية القائمة على فكرة صلاح الفرد وفساد المجتمع، فالفرد يولد بفطرة طيبة نقية وطاهرة، لكن بيد المجتمع إفسادها أو حمايتها، فالشر الذي يحدثه الإنسان ليس أصيلا فيه. وقد قال في عبارة مشهورة استهلَّ بها كتابه: " كل شيء يخرج من يـد الخالق صالحاً، وما إن تلمسه يـد الإنسان، يصيبه الاضمحلال " – إميل ترجمة عادل زعيتر -.والكتاب ينتمي الى مرحلة اصبح فيها روسو مفكراً يُبشر بفلسفة خلاصتها أن الإنسان يولد طيباً في طبيعته، لكن ظروف المجتمع هي التي، تمارس أثرها السيء عليه، ما يفقده بالتدريج طيبته.، كان روسو يريد ان يترك وصيته في التربية، مثلما ترك لنا وصيته في الحكم والعلاقة بين الحاكم والشعب في كتابه الشهير " في العقد الاجتماعي " الذي اعتبره المؤرخون المحرك الاساسي للثورة الفرنسية سنة 1789.ويقال إن الثوار حملوا كتابه هذا بعد أحد عشر عاما من وفاته، وكانوا يلوحون به وهم يحاصرون قصر فرساي، قبل ان يقتحموه.

يبدو جان روسو ثوريا في كتابه " أميل"، فالانسان الذي لا يكون شيئا عند ولادته، سيصبح ذات يوم كل شيء.ان هذا التكوين للعقل، هو الذي يدرسه روسو، وهو يريد ان يؤكد ان لا معنى لتاريخ فساد الانسانية، إذا لم يكن تاريخ الانسان نفسه، ان تطور الفرد يعكس إذاً تاريخ نسله، ومع هذا الفرق نجد أمام كل طفل امكانية مستقلة، فليس الطفل بالنسبة لروسو أولا، إلا احاسيس، ثم عقلا حسياً، ومن ثم يغدو " عقلا عقلانياً " واخيراً ضميراً اخلاقياً، فكيف نساعد الطفل لئلا يبعثر حظه في تطوير ملكاته العقلية، ولهذا فهو يوصي بالقيام: " بدراسة صارمة ودقيقة لطبيعة الطفل قبل الإقدام على تربيته ". وتقوم المسألة بعد ذلك على: " جعل الطفل يسلك درب الحقيقة ما أن يبدو قادراً على التعرف عليها، ومن ثم يسلك درب الخير ما أن يصبح قادراً على ذلك مدركاً المعنى الحقيقي للخير ". ولهذا فالتربية فرحة، وطريق الطبيعة البكر الذي يجب ان يقود الى ثقافة متناغمة مع جوهر الطفل الذي يريد ان يكون سعيداً.

كان روسو يعلق اهمية كبيرة على كتابه اميل، لأنه يتضمن حجر الزاوية في نظريته، فبعد ان كشف في مقالاته ورسائله عن رذائل المجتمع الحديث، كان يتعين عليه ان يُحدد في مؤلفاته القادمة نواحي الاصلاح التي يجب ادخالها على المجتمع، وقد كان يعرف جيدا ان احداً لا يستطيع ان يشرع في اصلاح الدنيا من دون ان يسعى او الى اصلاح التربية وقد حرّص روسو ان يوضح لقرائه، كيف ان الافكار الواردة في اميل مكملة لمبادئه ومتماشية مع فلسفته.

بعد مايقارب الـ " 250 " عاما على رحيل جان جاك روسو، هل لاتزال كتبه تقرأ بنفس الحماس التي كانت تقرأ ايام كان هذا الفيلسوف مطاردا.يكتب اميل برهيه ان كنب روسو لاتشيخ، فهي موجودة الان اكثر من اي وقت مضى.

في كل مرة وانا ابحث عن كتاب في رفوف مكتبتي، يلوح لي جان جاك روسووهو يتساءل: ما هو مصير البشرية، وهل لا يزال ايماننا قويا بالحياة،واتذكر صرخته في آخر كتبه " أحلام يقظة جوال منفرد": " ايها المجانين الذين تتذمرون من الحياة. اعلموا ان كل مصائبكم تاتي منكم ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علجية عيش(قراءة في كتاب الإقتصاد الثقافي والإبداعي في الجزائر للأستاذ بومدين بلكبير)

الصراع الآن هو صراع بين الحداثيين والمحافظين، صراع بين الأصالة والمعاصرة وقد أحدث هذا الصراع الإنفصال بين جيل وجيل، فماهو موجود هو استهلاك منتوج صنعه غيرنا أعطاه البعض قراءات مختلفة دون مراعاة المناخ الثقافي الذي كان سائدا في زمن ما ، فقد فيه المجتمع ةكل تلاحم اجتماعي، السباب عديدة ومتعددة منها ما تعلق بحرية التفكير وإبداء الراي، الإعتراف بحقوق ثقافية مناسبة للأقليات ومتوافقة مع حقوق الإنسان (حرية الدين والتمذهب) عدم وجود رقابة تعسفية وغيرها من المؤشرات التي تنهض بالفعل الثقافي ، لاسيما في الجزائر التي تعانيةمن خطر التقليد والقرصنة، وجب الآن التفكير في إنشاء مدنا ثقافية كما أنشات مدنا جامعية

هو كتاب من الحجم المتوسط يقع في 122 ضفحة ، صدر عن منشورات بهاء الدين طبعة 2022 قسمه صاحبه إلى عدة محاور سلط فيه الضوء على إشكالية لطالما شغلت بال المثقفين والمفكرين العرب والمفكرين الغربيين وأدرجوها ضمن صراع الثقافات والحضارات، في ظل التغيرات التي تشهدها الساحة الثقافية في الوطن العربي عامة وفي الجزائر خاصة، أول ما يشد القارئ هو عنوان الكتاب قبل أن يتصفح مضمونه، إذ يلفته الإنتباه إلى مفهوم الإقتصاد لما تحمله هذه الكلمة من معاني ومفاهيم كفكرة "الرأسمال" وهو المفهوم المادي للقيمة المالية لإنجاز أي مشروع من خلاله نجني الثروة ، لكن في هذا الكتاب يراد به الرأسمال الفكري الذي بدونه لا يمكن بناء الإنسان، وهو مشروع خاض فيه الكثير من الفلاسفة والمفكرين من بينهم مالك بن نبي الذي اشار في كثير ابحاثه إلى الإنسان كفاعل يؤثر ولا يتأثر.

و الأستاذ بومذدين بلكبير استاذ جامعي وباحث وروائي من الجزائر متحصل على سهادة دكتوراه في إدارة الأعمال وافستراتيجية، عضو الجمعية العمومية لمؤسسة المورد الثقافي ببيروت ، له عدة غصادرات تدول معظمها حول الثقافة والمعرفة، في هذا الكتاب زواج المرلف بين الجانب الإقتصادي والهاجس الشقافي، فق عرّف الأستاذ بومدين بلكبير الإقتصاد الثقافي على أنه إنشاء أعمال فنية وتوزيعها واستهلاكها، حيث اقتصرت هذه الأعمال منذ فترة طويلة على الفنون الجميلة والنثر والفنون الزخرفية والموسيقى والعروض الحية في التقاليد الإنجلوساكسونية، ثم اتسع نطاقها منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لدراسة خصوصيات الصناعات الثقافية كالسينما والموسيقى والتأليف، بالإضافة إلى اقتصاد المسسات الثقافية (المتاحف، المكتبات، والمعالم التاريخية) وقد استعمل الكاتب السلوب النقدي، عندما نبه إلى كيف نهب المال العام باسم الثقافة الذي أدى إلى القطيعة والعزوف عن متابعة الأعمال الثقافية ودعم النشط الثقافي، كما يرجع الباحث السبب إلى غياب البراغماتية في معالجة هذا العزوف وهذه القطيعة.

قد يفهم من كلام صاحب الكتاب أنه يدعوا إلى خصخصة قطاع الثقافة، اي تسليم إدارته وتسييره إلى مستثمرين في الثقافة ، وهذا يعني أن النشاط الثقافي سوف قتصر على الغناء والرقص فقط، الذي غالبا ما يحقق أرياحا، وهذه يعني خدمة جمهور معين، ونلاحظ أن الستاذ بلكبير لم يوضح بشكل مبسط مسألة الشراكة، وفتح الباب لإنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة لأصحاب المهنة (الكار) كما يقال، لإبتكار منتجات ثقافية يمكن تسويقها، وهذا مرهون بالدور المنوط بوزارة الثقافة في دعم هذه المؤسسات ومرافقتها، يكون ذلك من خلال إنشاء هيئة وطنية لرعاية الأعمال الثقافية ، السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو كيف يمكن إحداث الشراكة بين قطاعين كل قطاع له خصوصيته ونمط حياته الثقافية ، مثلما رأينا في اتفاقيات 'التوأمة' التي تبرمها بلديات الجزائر مع بلديات فرنسية، وهي تجربة لم تناقش نتائجها إلى اليوم، لأن الزيارات المتبادلة بين الطرفين كانت سياحية شارك فيها ابن فلان وعلان ولم يكن هناك فعل ثقافي يذكر.4044 الاقصتاد الثقافي

 ونحن نتابع ما جاء في الكتاب وجدنا الجواب على هذا السؤال عندما قال الكاتب أن عمليات الشراكة ليست بالعملية السهلة (ص 20) لما قد يسببه ذلك من إرباك وتوتر وزيادة قلق أولئك ألأطراف وشعورهم بالخوف من فقدان ماهو مألوف ومعتاد، المسالة حسبه تتعلق بالذهنيات، هي إشكالية استعصت حتى على الفلاسفة تغييرها، لإختلاف المجتمعات ونمط حياتها ونمط تفكيرها، فتغيير الذهنيات مشروع يتحقق بذهاب جيل ومجيئ جيل جديد، وللوصول إلى هذا الهدف على أهل الثقافة (و لا نقول المستثمرون في الفعل الثقافي، لأن هذه العبارة عملية ربحية وليست خدماتية تبني الإنسان وتجعل منه كائنا مفكرا مبدعا) أن يضعوا خارطة طريق واستراتيجية جديدة للثقافة -كما يقول هو- ومناقشة أولويات القطاع ذلك بالإنخراط في حقول المعرفة ، وقد خص الكاتب لهذا العنصر (المعرفة) حيزا هاما من الصفحة 41 الى الصفحة 52 ، وهدا لما للمعرفة من أهمية في بناء الإنسان ورغم ما تحمله هذه الكلمة من معاني ودلالات ، فهي تمنح فرصا لخلق الإبتكارات.

 وقد قدم الكاتب تجربة بنغلاداش (ص 43) والشراكة من أجل الرخاء الإلكتروني للفقراء في أندونيسيا، عندما تحدث عن تقرير الأمم المتحدة حول اقتصاد المعلومات، وحبذا لو أضاف الكاتب نماذج من تجربة الجزائر في هذا المجال، من باب المقارنة وتحديد حجم معاناة شعبها من تأخر في المجال المعلوماتي، نحن متأخرون عن ذلك الركب فعلى سبيل المثال عادة ما يقع خلل تقني أثناء انعقاد الملتقيات، ويعجز منظمو الملتقى عن معالجة الخلل ولنتصور كم من الوقت نهدره ونحن ننتتظر التقنيون ليصلوحوا الخلل، السبب لأن الجزائر لا تزال غير متحكمة في التكنولوجيا الحديثة، ثم ألا نلاحظ معاناة المواطن الجزائري وهو محروم من شبكة الهاتف والإنترنت في المدن الجديدة، كما أن مشاريع تزويد السكان بالألياف البصرية تسير بخطى حلزونية، كانت هذه عينة فقط عن بعد المجتمع الجزائري عن الركب الحضاري.

و كما قال الأستاذ بلكبير في الصفحة 44 هناك فجوة كبيرة بين من يمتلكون المعرفة ومن يفتقدونها أو يتأخرون في استخدامها وأرجع الكاتب سبب هذه الفجوة إلى وجود مجموعة من المؤشرات منها استخدام الإنترنت مع إجراء مقارنة مع المجتمع الإفريقي والمجتمع الأمريكي هذا الأخير الذي أحرز تفوق علميا ومعرفيا في مختلف المجالات، أما عن حديثه عن التجارة الإلكترونية، فهذا يستدعي الوقوف على جملة من الحقائق حول التجارة، فإن كنا نسمع عن وجود تجاوزات في التجارة بين شخصية طبيعية أو معنوية (بشر بشر) فكيف الوضع بالتجارة الإلكترونية في ظل ظهور الجرائم الإلكترونية التي شوهت كل الفضاءات المعرفية؟ ثم ماذا نفهم من المشروع الإفتراضي؟ ، ويمكن القول ان الجزائر لا تزال بعيد كل البعد عن الحكومة الإلكترونية، رغم أن هذا المشروع تم التفكير فيه في 2013 ، وبالتالي فالتجارة الإلكترونية والتمويل الإلكتروني والإدارة الإلكترونية في الجزائر لا تزال بعيدة المنال، كل التقارير التي تم ذكرها في الكتاب هي تقارير دول أخرى غير الجزائر.

في كل هذا وذاك يمكن القول أن هذه التقارير قد تكون نموذجا حيا يحتذى به في الجزائر ويكون قاعدة انطلاق أساسية ومتينة، الحقيقة التي لا يختلف فيها إثنان أنه تتحقق نظرية هذا الكاتب حول المعرفة الإلكترونية إذا كان لنا مجتمع قارئ وكانت هناك مقروئية، مجتمع يعمل على تغذية عقله وملئه بالأفكار الحية الفعالة والمعارف التي تبني ولا تهدم كما يسعى لملء بطه بالأكل، فكل ما جاء ذكره ينحصر في مجال ضيق لا يخرج عن حدود إنشاء الهياكل وتجهيزها أو طبع كتب في الإطار الذي يحدده النظام أو السلطة، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، كثير من الكتب تصادرها السلطة وتمنع من تسويقها في سوق الكتاب، فالمسالة إذن تتعلق ببناء الإنسان فكرا ومنهجا، ثم أن القارئ يتساءل عن الدافع لإدماج الثقافة والفنون في الفعل الإقتصادي، لأن العملية تكون "بزنسة" ، والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يكون الإستثمار في الثقافة؟ فتنظيم معرضا للكتاب أو ملتقى يعالج إشكالية ما أو تنظيم ندوات دون استخلاص النتائج يعني اننا لم نفعل شيئا، واضعنا جهدا كبيرا واضعنا وقتا كثيرا ، فكثيرا من الملتقيات التي يخرج أصحابها بتوصيات تظل حبرا على ورق دون العمل بها وتجسيدها في الميدان أو تحويلها إلى مشروع يخدم المجتمع، المشكلة ربما تتعلق بتحديدنا نوع الجمهور الذي نريد الوصول إليه، هذا الدجمهور الذي يبحث عن شيئ يسليه (مسرحية فكاهية، أو فنان يُهَيِّجُهُمْ بأغانيه (....).

ثم أن الكاتب تطرق إلى الوضع الذي عاشه العالم كله جراء انتشار الجائحة ، حتى ولو أن هذه الجائحة اثرت سلبا على كل القطاعات وأجهضت مشاريعها بما فيهم قطاع الثقافة، إلا أن هذا الأخير (اي قطاع الثقافة) مريض وقد أدخل قسم الإنعاش قبل ظهور الوباء، ونظن أن الوباء كان حجة لبعض المسؤولين على قطاع الثقافة لتبرير سبب انهيار هذا القطاع وانحداره على كل المستويات خاصة في الجزائر، فإذا تحدثنا مثلا عن الكتاب في الجزائر، نجد أن بعض دور النشر أصبحت تهتم بالكتاب التجاري وأخرى تركز على ماذا يثير الشباب الذي يبحث عن وسيلة ينفس بها عن نفسه كالروايات البوليسية والروايات العاطفيه، وكتب الطبخ والأزياء بالنسبة للفتيات ولذا تلجأ بعض دور النشر إلى إعادة طبع مثل هذه الكتب وتسويقها من جديد لأنها مربحة ومدرة للدخل.

خلاصة القول أن قطاع الثقافة قد حظي باهتمام الأنتروبولوجيين الذين درسوا المجتمعات البدائية ومع التطورأ الثقافة من اهتمام علماء الإجتماع لإرتباط الثقافة بالمجتمع، إذ تلعب الثقافة دورا مهما في حياة الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع، أما بعد ظهور التعددية الثقافية وجد الإنسان نفسه يتخبط في خيوط عنكبوتية، وحدث له ما حدث للغراب الدي حاول تقليد مشية الحمامة ففقد مشيته ومشية الحمانة ، هكذا هو الإنسان في نظام تعددي يختلط عليه الأمر بين ماهو ثابت وما هو متغير ، بين ماهو أصيل وما هو حداثي، وقد حمّل الكاتب الوزارات المسؤولية في تراجع الفعل الثقافي، إلا أنه أهمل نقطة مهمة جدا هي ان الذين تداولوا على وزارة الثقافة كانوا ينفذون إيديولوجيا معينة وأجندات وبرامج سياسية تحت غطاء ثقافي يمكن تسميتها بـ: "التفرنج والتغريب"مهمتهم ضرب الثقافة العربية والإسلامية ومقوماتها، فالثقافة في الجزائر تسيّست وكل مبادرة ثقافية إلا وخلفها أطماع سياسية، وظفت لها كل الوسائل وعلى رأسها الإعلام، الصراع الآن هو صراع بين الحداثيين والمحافظين فوقع الإنفصال بين جيل وجيل، فماهو موجود هو استهلاك منتوج صنعه غيرنا أعطاه البعض قراءات مختلفة دون مراعاة المناخ الثقافي الذي كان سائدا في زمن ما .

***

علجية عيش بتصرف

علي حسينذات مرة كتب الروائي الاميركي أرسكين كالدويل: " دائما ما تصبح الكتب التي اقرأها جزءاً من تجاربي الشخصية، وأتخيل انني عشتها". ولعله يقصد إنه يحاول أن يعيش تلك التجارب التي استمدها من الكتب، ويتبناها يوما بعد آخر بحيث تصير جزءاً من عالمه الواقعي ومع هذا يظل السؤال ماذا نقرأ؟.

ربما تكون مثلي قد قرأت نصيحة غوستاف فلوبير التي يقول فيها: " لا تقرأ مثل الأطفال، من أجل المتعة، ولا مثل الطموحين، بغرض التعلم. لا، أقرأ كي تعيش ". ولعل معظمنا يبدأ أولى خطواته في القراءة منطلقين من الفضول لمعرفة ماذا تخبيء هذه الصفحات، وكثير من القراء يؤمنون بمقولة: اقرأ من أجل المعرفة. ينصحنا الفيلسوف ديكارت بإعداد قوائم لتحديد الكتب التي يجب أن نقراها، كتمرين من تمارين العقل واستكشاف العالم ويكتب هذه النصيحة: " إن قراءة الكتب هي بمثابة محادثة مع أفضل الشخصيات من القرون الماضية "، كان ديكارت مصاباً بأمراض في الصدر، وكان الأطباء ينصحونه بإراحة جسمه، فاجازوا له البقاء في الفراش طويلا، ما ساعده على الاهتمام بقراءة الأدب الكلاسيكي او كما يخبرنا هو: "لأقوم بجولات فكرية في الماضي السحيق فآخذ بطرف الحوار مع النبلاء الطاعنين في السن".

تمثل القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي اشيه برحلة، ذات يوم وانا ابن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي.. عندما استرجع كيف قضيت سنوات طويلة من عمري في رفقة الكتب، أتساءل أحيانا إن كانت هذه الكتب غيرت حياتي، أم انها سجنتني في عوالم مثالية وخيالية.

كنت وأنا أدخل المكتبة، التفت باتجاه الرفوف التي تحوي مئات العناوين، وأشعر ان هذه الكتب تنظر ألي وإنها تعرف عني أكثر مما أعرف عنها، وأحيانا أتخيل ان كل كتاب يخفي داخله عالماً سحرياً لانهاية له.

يخبرنا صاحب مقبرة الكتب الاسباني كارلوس زافون أن أحد زبائن المكتبة قال له يوما: " لاشيء قادر على التأثير في القارئ أكثر من الكتاب الأول الذي يلمس قلبه حقاً.إذ إن صدى الكلمات التي نظن إننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيد في ذاكرتنا منزلاً سنعود إليه عاجلاً ام آجلاً. "

في ذلك الوقت اعتقدت انني أستطيع الحصول على أي كتاب لأن المكتبة لاتبعد عن بيتنا سوى عشرات الأمتار، ثم إنني وجدت في شخصية صاحب المكتبة محفزاً لي على اختيار ما أريد قراءته، ولهذا كنت سعيدا حين عثرت ذات يوم، على سلسلة من الروايات المصورة: وقد جذبني كتاب كان يمتلئ بالرسوم الملونة عنوانه " الكونت دي مونت كريستو " أما مؤلفه فمكتوب اسمه على الغلاف وبالألوان " الروائي المشهور الكسندر دوماس ".

كان هذا أول عهدي بالروايات، لم اسمع بأسماء الذين يروي الكاتب حكاياتهم، ولا أعرف معنى " مونت كريستو،، وما الذي يمكن أن تنفعني مغامراته ؟ لكن الحكاية استولت على عقلي، وأتذكر إنني قرأته خلال يومين، أتمدد على فراشي وأعيد قراءة الصفحة الواحدة أربع أو خمس مرات لأفهم مغزي القصة.

بعد سنوات تعرفت جيدا على صاحب الرواية " الكسندر دوماس الأب " تميزا له عن ابنه حامل الاسم نفسه " الكسندر دوماس الابن " مؤلف الرواية الشهيرة " غادة الكاميليا ". واكتشفت إن هذا المؤلف الذي عاش ثمانية وستين عاماً - ولد في الرابع والعشرين من تموز عام 1802 - كانت له عادات غريبة، يتباهى بان له أكثر من مئة ابن غير شرعي، ويؤكد في كل مناسبة انه لن يتزوج، ويقال انه كان لايرى إلا وهو يتأبط كتاباً، صاحب مزاج خاص في الكتابة، ويذكر كاتب سيرته انه كان يكتب قصصه على ورق ازرق، أما اشعاره فيستخدم لها الورق الاصفر، ويخصص الورق الوردي لكتابة مقالاته السياسية اللاذعة، يعاني من مرض الدوار، لايستطيع القراءة والكتابة وهو جالس على منضدة،وإنما وهو متمدد على بطنه،ويضع تحته وسائد عديدة، وبرغم هذه النزوات، فقد أصدر اكثر من اربعمائة مجلد، وكتب للمسرح مئة مسرحية، مُثلت جميعها في زمنه، وقامت بإداء ادوارها ممثلات معظمهن وقعن في أسر شخصيته المرحة، ربح من وراء كتبه اكثر من مليون جنيه استرليني، انفقها جميعها على ملذاته، وحين حاصرته الديون قررت إحدى المعجبات به ان تشتري ديونه كي لايدخل السجن، ثم ساومته بين قفص الزواج أو قضبان السجن، فقرر في النهاية ان يرضخ لطلبها ويتزوجها.4027 الاكسندر

الكونت دي مونت كريستو التي قرأتها، سحرتني منذ اللحظة الاولى، ولم ينفع فيما بعد انني اكتشفت انها عمل يتسم بالبساطة وإن احداثها لاتختلف عن اي فيلم عربي بالابيض والاسود مليئة بالمشاهد الميلودرامية والدموع والآهات، فهي برغم ذلك شغلت النقاد بسبب انها لاقت اقبالا كبيرا في مختلف العصور، ولاتزال على قائمة الكتب الاكثر مبيعا.

تدور أحداث رواية "الكونت دي مونت كريستو" حول البحار إدمون دانتيس، الذي نراه في الصفحات الاولى، وهو يستعد للزواج، إلا أن حادث القاء القبض عليه بتهمة مناصرة نابليون، وايداعه في حصن إيفان الرهيب، يدمر مخططاته، وخلال الاثني عشر عاما التي قضاها في الحبس كان يؤمن انه بريء مما نسب إليه من تهم، وأن سبب سجنه إنما هي مؤامرة حاكها ثلاثة أشخاص، كان لكل منهم سبب للتخلص منه. الأول فرنان الذي كان ينافسه على خطيبته مرسيدس، والثاني انغلار منافسا له في أعماله، أما الثالث فكان القاضي فيلفور الذي أيقن منذ اللحظة الاولى ان القضية ستعود عليه بقوائد كثيرة إن هو حكم على إدمون. وخلال سنوات حبسه الطويلة لا تشغله قضية سوى وضع الخطط للهرب من جحيم السجن واثبات براءته والانتقام من الذين ظلموه.

وبفضل مساعدة يقدمها صديقه الأب فاريا الذي يخبره قبل موته بمكان وجود كنز يمثل ثروة هائلة، في جزيرة مونت - كريستو. يتمكن إدمون من الهرب؟، وبعد مغامرات وأهوال يحصل على الكنز، فيقرر العودة الى الحياة العامة بهيئة جديدة واسم جديد " الكونت دي مونت كريستو " الثري الذي لا يعرف أحد شيئاً عن حياته الماضية، ويبدأ بوضع خطه للانتقام مستخدما ثروته الهائلة لتحقيق أهدافه في مطاردة الذين ظلموه. لقد تحول الى قدر يلاحق ضحاياه، وتمضي الرواية لتخبرنا أن خطة السجين السابق تنجح، وإنه أخيراً استطاع تحقيق العدالة الغائبة..ويعود في النهاية ليكشف عن نفسه بعد رحلة عاشها مع اسماء وهمية ومؤامرات كان يخطط لها بالخفاء، ليلتقي أخيرا بخطيبته مرسيدس ليعلن لها انه لايزال يحبها ويتمنى الارتباط بها.

نشر الكسندر دوماس الأب روايته " الكونت دي مونت كريستو " عام 1844، في ذلك العام توفت الفتاة ماري دوبليسيس عن عمر 23 عاما نتيجة الآم شديدة في المعدة لم تمهلها طويلا، كانت قد أخبرت إحدى صديقاتها انها تشعر دائما بان حياتها ستعود من جديد، ولم تكن تدري أن هناك مؤلفاً شاباً أراد ان يقلد والده الأديب المشهور فقرر أن يكتب قصة هذه الفتاة التي شغلت البلاط الفرنسي بجمالها، لينشر عام 1848 روايته " غادة الكاميليا "، وأصرّ الشاب أن يطلق على نفسه اسم " الكسندر دوماس الابن ". كان الابن أحد الاطفال غير الشرعيين للكاتب الشهير، الجميع يعامله كفتى منبوذ، إلا انه كان شديد الاعجاب بشخصية والده، فاختار أن يسير على نفس الدرب.

اذن هذه هي الرواية، وفي ذلك الوقت لو طلب مني أن أكتب تعريفاً عن هذه الرواية لاختصرته بعبارة " ممتعة ". في رسالة يبعثها الكاتب الانكليزي مالكولم لاوري الى ناشره يشرح له فيها المغزى من كتابة روايته الشهيرة (ما تحت البركان): " يمكن ببساطة قراءتها على انها قصة ستستفيد منها إن لم تتجاوزها، ويمكن اعتبارها موسيقى ساخنة، قصيدة، أغنية، مأساة، كوميديا، مهزلة، وهكذا إنها سطحية، عميقة، ممتعة ومملة، على حسب الذوق".

ممتعة حسب الذوق، كانت هذه العبارة التي يمكن أن أطلقها على رواية الكسندر دوماس التي أخذني فيها أنا الصبي الذي لايعرف من العالم سوى الشارع المؤدي من البيت الى المدرسة، الى بلد غريب وبعيد، وأدخلني عالماً مسحوراً، وكنت وأنا التهم صفحات الرواية وأتخيل نفسي أدخل الى شوارع باريس التي تدور فيها حكاية السجين إدمون وانني التقي بأناس أشعر بانني قريب منهم، هكذا قرأت أول رواية مثل طفل يمتلئ دهشةً من عجائب العالم.لم أكن أعرف أن سياسياً مثل لينين كان يصرح لمعارفه بأن روايته المفضلة تظل " الكونت دي مونت كريستو " وإن هذا الكاتب الذي حصد الشهرة والمجد باع ذات يوم كل ما يملك ليشتري بنادق ساهمت في تحرير وتوحيد أيطاليا، وإنه كان يطلق عليه لقب ملك المسلسلات الروائية التي علمت الشعب الفرنسي قراءة التاريخ من خلال الأدب حتى أن دار النشر التي تولت إصدار أعماله في القرن التاسع عشر، كتبت على غلاف الطبعة الكاملة " التاريخ " كما يرويه دوماس ".

في الثلاثين من تشرين الأول عام2002، وفي باريس، امتد بساط الى البانثيون "مقبرة العظماء". وعلى أنغام النشيد القومي الفرنسي، كان الحرس الرئاسي يسير ببطء، كانت الآلاف التي وقفت تشارك في المشهد المثير تنثر الزهور عند مرور الموكب الذي يتكون من أعضاء الاكاديمية الفرنسية. وعند اقتراب الموكب من البانثيون انتشر الطلاب وتطلعوا الى المنصة المقامة تحت القبة الكبرى التي جلس عليها اعضاء الحكومة وعلى رأسهم الرئيس جاك شيراك، الذي كان قد وقع مرسوما جمهوريا لنقل رفات دوماس الأب من قريته في الجنوب الفرنسي الى مقبرة العظماء، ليدفن الى جوار فولتير وروسو وفكتور هيغو.

وفي رحلته الأخيرة يمر جثمان الاكسندر دوماس بقصر مونت كريستو الذي تحوّل الى متحف، حيث يمضي ليلة واحدة فيه، يستعيد مع جدران القصر الأحداث التي صاغها كاتب عاش ومات من أجل الكتابة ومغامرة الحياة.

***

علي حسين – كاتب

رئيسة تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علي حسينمن مجرد صبي يجلس في زاوية من زوايا البيت يقرأ ويطيل النظر في مجلات وكتب مصورة، لشاب يجلس إلى جوار فؤاد التكرلي ويتحاور مع غالب هلسا، ويستمع بانتباه شديد إلى ما يقوله عبد الرحمن منيف، ويستشير علي جواد الطاهر في كتب التراث، هكذا عملت في مكتبة، وبقيت فيها لاكثر من عشرين عاما.. لأكون دقيقا كنت اعمل في الساعات التي يسمح بها الوقت، بعد ان انتهي من اليوم الدراسي. في كل يوم أجوب أرفف المكتبة، افتش عن الكتب التي وصلت حديثا، أو أبحث عن كتاب سمعت عنه من احد الزبائن، أو البي طلب زبون متشوق لقراءة كتاب، واثناء هذا التجوال اليومي كنت اسمع بأسماء العديد من الكُتاب الذين لم اعرف عنهم شيئا من قبل. واصبحت أيضاً أكثر دراية بنوعيات الكتب، وبخفايا حياة الكُتاب..لم تعد الروايات بالنسبة لي هي الكتب الوحيدة المفضلة، بل أيضا كتب الفن والسياسة واضيف لها كتب الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد. وكنت احاول أن اتعلم كل ما احتاجه لأبدو للزبون على دراية بالكتاب الذي يسألني عنه. تعلمت الاسماء والعناوين الغريبة. كانت المكتبة بالنسبة لي مدرسة للتعليم والتثقيف.. واثناء اسئلة الزبائن كنت انظر بعطف إلى اولئك الكتاب الذين لاتباع اعمالهم.. فهناك كتب لا أحد يريد شرائها رغم اهميتها، ومنها سلسلة بعنوان " مجموعة الروائع الانسانية "، كانت تصدر في بيروت عن اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، كان الزبائن يهتمون باعترافات جان جاك روسو التي صدرت ضمن السلسلة بترجمة خليل رامز سركيس، لكنهم يهملون كتابه " هواجس المتنزه المنفرد بنفسه "، و لا يلتفتون إلى كتابه الآخر " اصل التفاوت بين الناس"، والقليل منهم يستهويهم كتابه العقد الاجتماعي.. بالنسبة لي كان منظر هذه الكتب يشعرني بالسعادة وكنت افكر إذا كانت هذه الكتب قابلة للقراءة ام لا، فقررت ان اضحي ذات يوم بالمبلغ الذي اتقاضاه كل اسبوع مقابل ان احمل معي هذه السلسلة الى البيت. لمدة شهرين تفرغت لقراءة اعترافات روسو، وخواطر باسكال، وقدر فولتير، وتقسيم العمل الاجتماعي لدوركهايم، وفي الحكم المدني لجون لوك، وتأملات ديكارت.. كنت اقرأ بشراهة، احاول ان افهم. انتهيت من الكتب لكنني لم اتشربها جيدا. ايقنت انني فشلت في التعرف على خباياها. وجدت اعترافات روسو مؤثرة جدا، لكن خواطر باسكال كانت نوعا غريبا من الكتب لم يكن مألوفا لديَّ من قبل .

عندما كان هرمان هسه يعمل في مكتبة كان يقول للزبائن ان الكتب مثل الاصدقاء، علينا ان نحكم عليها بعد ان نعاشرها بصورة حقيقية، اما الحديث عنها دون معرفة فهي اشبه بنميمة بغيضة. فيما بعد ستُعلمني الصداقة الحقيقية لروسو وباسكال وفولتير وديكارت، كيف يكون الانسان انسانا ويظفر بإنسانيته، ويؤدي ادواره ويتحمل مسؤوليته. ما الشيء الذي يهم القارئ في الفلسفة ؟ يجيب بليز باسكال :" إن الشيء الهام ليس تلبية فضول تأملي عقيم، بل معرفة اخلاق موثوقة تسمح لنا بتنظيم حياتنا في أمان ". كنت قد قرأت منذ سنوات عبارة للفيلسوف الالماني " بيتر سلوتراديك " يقول فيها :" بينما يحاول ديكارت مخاطبة قرائة بمزاج صباحي وانطلاقات مبرمجة، فان باسكال هو كاتب القراءة الليلية والمتواطئ مع اجترارنا للافكار المحطمة بشكل جوهري ".

عندما توفي في التاسع عشر من آب عام 1662، تم العثور في داخل معطفه على اوراق حرص ان يخيطها داخل بطانة المعطف، وكانت هذه الصفحات تشكل الجزء الاكبر من كتابه " خواطر " الذي نشر بعد وفاته بسبعة اعوام. قبل وفاته بايام قال لأحد معارفه ان فلسفة ديكارت مدهشة ومؤثرة، لكن صاحبها متكبر صغير مضحك. يستهل باسكال كتابه " خواطر" بالقول :"من هزأ بالفلسفة فقد تفلسف حقا".

قال عنه والده :" منذ أن اصبح قادراً على الكلام بدت عليه بوادر الذكاء النادر ". ولد بليز بسكال في التاسع عشر من حزيران عام 1623 لعائلة يعمل معظم ابنائها في سلك القضاء اوالعمل في التجارة، توفيت والدته وهو في الثالثة من عمره، فتفرغ الاب الذي كان شغوفا بالرياضيات ويعمل قاضيا في مدينة روان لرعاية ابنه الذي قال عنه كانت الكلمات تأتيه من تلقاء نفسه، عام 1631 قدم الاب استقالته من وظيفته لينتقل بعائلته الى باريس، حيث تبدا مرحلة جديدة في حياة الصبي البالغ من العمر ثماني سنوات تفرغ خلالها تنفيذا لاوامر والده بتعلم اللغتين اليونانية واللاتينية، من اجل ان يقرا كتب ارسطو. وستكتب شقيقته جاكلين :" لم يلتحق اخي بأي مدرسة، لقد علمه ابي ولقنه منهجا استعان به في حياته ". يشير باسكال الى ذلك في كتابه خواطر:" تلقيت تربية تميزت باتباع طريقة الوسط العدل، ومزايا كثيرة ومتفردة، وعناية اكثر من ابوية "، في العاشرة من عمره استطاع بليز بسكال ان يتوصل الى معرفة 32 مسالة من كتاب اقليدس في الهندسة، وفي الثانية عشر من عمره سيخبر والده انه قرأ في الخفاء الكتب الستة الاولى لاقليدس، ولما بلغ السادسة عشر من عمره وضع كتابا في الهندسة اثار اعجاب رينيه ديكارت الذي كان يكبره بسبعة وعشرين عاما، فاعتقد ان والد بسكال هو من كتبه. فيما بعد سيقر ديكارت بعبقرية باسكال ليكتب الى بيير مرسين :" نادرا ما وجدت الرياضيات قوة في البحث مماثلة لما فعله طفل لم يتجاوز السادسة عشر من عمره ".4021 باسكال

في تلك الفترة توجه الى دراسة الفيزياء والمنطق والفسلفة، وكان والده يعمل محاسبا ويجد في بعض الاوقات مشقة في جمع الارقام وتنظيمها، فقام الفتى بليز باختراع آلة حاسبة تجري ايه عملية حسابية. في الثامنة عشرة من عمره بدت عليه اولى مظاهر الضعف الجسدي وسيتعرض باسكال الى تجربة مثيرة في العشرين من عمره حيث اصيب بكسر في الساق، فتولى علاجه طبيب كان يعتنق مذهب جانسيينيوس، وهو مذهب يقترب من الصوفية المسيحية، في شبابه سعى باسكال الى وضع الاسلوب الاختباري من اجل اصلاح طريقة ديكارت النظرية، فديكارت يعتقد ان التفكير المنظم يقود الى المعرفة المثلى وان العلم الرياضي هو مفتاح العالم. اما باسكال فيرى ان الحقيقة تتعدى شتى جوانب عقلنا القاصر وانه يتحتم علينا ان نتوجه دوما الى الطبيعة ونستنطقها، فنعيش تجربة الاختبار. وهكذا فان باسكال بعد ان يرفض اخضاع التفكير الى السلطة الدينية، وبعد ان يسخر من نفوذ القدماء وسلطتهم، نراه يقف امام حوادث الكون المختلفة يناقشها استنادا الى اسرار الطبيعة وقوانينها. وبهذا يعارض ارسطو وتلامذته ويخالف ديكارت الذي يريد ان يقيم فلسفته على مجرد التفكير، وبرغم ان باسكال كان متدينا إلا انه اثار الكثير من المناقشات التي ازعجت الكنيسة حيث طالب بان يشارك عامة الناس بمناقشة المسائل الدينية حتى الصعبة منها مؤمنا ان العقل الانساني يستطيع بحث معظم المشاكل الدينية، وبهذا كانت افكاره تمهد لظهور فلسفة فولتير...توفي باسكال وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، وقد اصيب بمرض سرطان المعدة،

في مقدمة الترجمة الانكليزية لكتاب " خواطر" يكتب الشاعر ت.س.اليوت :" معظم البشر كسالى ولا مبالون وعبثيون ولديهم عواطف فاترة. وهم بالتالي عاجزون عن الشك والايمان ". يكتب بسكال :" يجب ان نعرف انفسنا، وإذا لم يفدنا ذلك في معرفة الحقيقية، فهو على الاقل يساعدنا على تنظيم حياتنا، وليس ما هو اكثر صوابا من هذا. ما السبب في ان الاعرج لا يزعجنا، فيما العقل الاعرج يثير حفيظتنا. السبب هو ان الاعرج يعترف باننا نسير في استقامة، اما العقل الاعرج فإنه يقول بأننا نحن الذين نعرج "..

بدأ بليز باسكال بكتابه " خواطر " عام 1656، بعد ان تعرضت ابنة شقيقه الى مرض خطير في معدتها، لكنها ستشفى واخبرت عمها انها ذهبت الى الكنيسة ومسحت مكان الالم بـ " الاكليل المقدس " فتم شفائها، وأيا كان السبب في الشفاء، إلا ان الحكاية زادت من اصرار باسكال على تاليف كتاب يتحدث فيه عن قيمة الايمان، وبدت صفحات الكتاب اشبه بالخواطر الفلسفية والافكار سطرها على اوراق متناثرة، وفيها يدافع عن الدين في مواجهة موجة التشكيك فيه التي طبعت عصره. نُشر الكتاب عام 1669، وسنجد فيه ردودا على منهج ديكارت في الشك، وسخرية من " مونتاني " الذي يقول عنه إنه " يغري باللامبالاة في مواجهة الخلاص " . كان باسكال قد التقى ديكارت للمرة الاولى عام 1647، الفيلسوف الكبير قد تجاوز الخمسين من عمره، فيما لم يكن باسكال قد تجاوز الخامسة والعشرين منشغلا بتجاربه في الضغط الجوي واستخدام الباروميتر، لم يكن اللقاء وديا، فقد ادعى ديكارت لنفسه اكتشاف ظاهرة الضغط الجوي، وهو الأمر الذي باعد بينهما وخلق حالة من العداء.يُحسب لباسكال ريادته في ابتكار المنهج التجريبي. كان ديكارت يرى ان الاستدلال السليم يقود بنفسه الى المعرفة الكاملة دون الحاجة الى اية معرفة اخرى وان العلم الرياضي هو مفتاح الكون، اما باسكال فكان يرى ان الحقيقية الواقعة تطغي على عقلنا الضعيف. ولهذا يجب علينا ان لانكف عن استجواب الطبيعة، وان التجريب هو الذي يستطيع تفسير لالظواهر اكثر من العقل.

يحتوي كتاب " خواطر " على مناقشة لكثير من قناعات باسكال بالعلم والحياة والدين، لكنه يسلط الضوء اكثر على مشكلة الانسان التي يرى انها المشكلة الكبرى، فالإنسان يقف في كل مكان بين العظمة والحقارة، فهو قادر على اكتشاف عظمة الحياة، لكنه لا يعرف الطريق اليها. يرسم باسكال الانسان على انه لاعب لا يكف عن الحركة، إنه مدفوع بتصور المكاسب، لكن لا يرضيه أي مكسب، فخلف غريزة اللعب المضطربة يقف الخوف من العبثية إن حياته ليست إلا حركة هروب دائمة ويرى باسكال ان الانسان كائن ضعيف يحيا في صراع بين ما يشعر به من قوة وعظمة، وما يجد عليه ذاته من ضعف وضآلة امام الكون اللامتناهي. وسنجده في الخواطر يسخر من نفسه اولا لانه امضى وقتا طويلا في دراسة العلوم المجردة، ليتاكد له فيما بعد انها لا تصلح للانسان وان " الجهل بها انفع بكثير من التعمق فيها " – خواطر ترجمة ادوار البستاني.

داخل صفحات كتاب " خواطر " يتصارع باسكال المؤمن، مع باسكال العقلاني، فهو الآن يريد ان ينفصل عن باسكال المتشكك، ولهذا يقدم للقارئ افكاراً فلسفية ذات وجهين، الأول عقلاني يناقش الحجج والبراهين والثاني متأمل وروحاني . الامر الذي يصفه الشاعر اليوت بانه محاولة لمزج أفكاره نحو الدين، بمعرفته الدنيوية. ولهذا فهو يخاطب القراء ذوي التوجهات العقلية العلمية بنفس الطريقة التي يخاطب القراء ذوي التوجهات الدينية.

ان ما يريد بيانه هو شقاء الانسان بدون الله، وفي نفس الوقت هناك عظمة هذا الانسان التي يمكن ان نستدل عليها حتى من شقائه :" فمن الذي يشعر بانه شقي لأنه ليس ملكا إلا ذلك الذي كان ملكا من قبل " – خواطر –. إن الانسان يعرف انه شقي، وبالتالي فهو عظيم لأنه يعرف ذلك.وفضلا عن ذلك فان باسكال يقر ان الفكر يُكّون عظمة الانسان:" ما الانسان إلا قصبة، والقصبة اضعف شيء في الطبيعة، لكنه قصبة مفكرة، ولا ينبغي ان يتسلح الكون كله لسحقه. فنسمة رياح،او قطرة ماء تكفي لتدميرة. لكن الكون لو سحقه سيظل اعظم نبلا ممن يقتله، لأنه يعرف انه يموت، ويعرف ما يمتاز به الكون عليه، أما الكون فلا يعرف شيئاً عن ذلك " – خواطر – ". ان الكون يحيط الانسان من ناحية المكان، ويبتلعه كأنه نقطة، لكن بالفكر فأن الانسان يحيط بالكون.

هل كتاب " خواطر " دعوة للايمان ؟.. يؤكد باسكال ان الانسان عاجز عن ان يمنح لنفسه الايمان، لكن هناك وسيلة عن طريق اعداد نفسه، وان فعل ذلك فان الله سيمنحه الايمان الذي يبحث عنه. إلا هذا الايمان يحتاج الى التدعيم العقلي:" إذ لم يفعل المرء شيئا سوى ما هو مؤكد ويقيني، فانه ينبغي أن لايفعل شيئا للدين " – خواطر -.

ان العقل عند باسكال قابلا لأن يميل إلى كل جانب، ولهذا نحن نرى الناس كثيرا ما لا يؤمنون إلا بما يحبون، فالقلب والعقل متباينان: " عبثا يحاول العقل زعزعة المبادئ بالاستدلال، فإنها خارجة عن دائرته ولا شأن له فيها، من المضحك أن يطلب العقل إلى القلب الأدلة على مبادئه، كما أن من المضحك أن يطلب القلب إلى العقل الشعور بالقضايا التي يستنبطها" – خواطر-

ذلك هو المذهب الذي ينادي به، فيه شيء الوجودية الدينية التي ظهرت فيما بعد بكتابات كيركغارد الذي اخذ من باسكال اختبارات الذات القلقة والوجدان المضطرب، وفي كتاب " خواطر " اشارات الى مجموعة من المفاهيم الوجودية كالخوف، والحيرة، والتشاؤم، والقلق.فالانسان يعيش حالة من التاقض بين واقع مؤلم، محير مقلق، وبين مثالية عالية يتمناها فهو يامل في الوصول الى الحقيقة، لكنه لا يدرك غير الخطأ. ويرغب في الحصول على السعادة، ولا يجني غير الشقاء والملل وينشد العدالة الحقيقية، ولا يجد سوى عدالة مزيفة. ولهذا يعيش في حيرة متناهية :" ها هو الغموض الذي احسه، ويجعلني اضطرب، انه يكنفني من كل جهة، ان وجه الطبيعة امامي ما هو إلا مادة للشك والقلق، ويبدو انني لم ار علامة على الألوهية ولو انني وجدتها لكان قد هذأ إيماني.. ولكم تمنيت مائة مرة ان تشير هذه العلامات على الالوهية لانها تدل عليها..ومتى تهدأ حيرتي وانا اجهل من انا، وما الذي افعله وما هو مصيري، وواجبي ؟ يحاول قلبي تلمس طريق الخير الخقيقي. لكن ليس ثمة طريق عسير في بلوغ الابدية " – خواطر -.

يؤكد باسكال اننا لا نستطيع ان نحظى بالسلام والسعادة والحقيقة إلا بتسليم انفسنا الى قوة اعلى، وان لم نفعل ذلك فسوف نجني الاحباط والظلمة والتشسويش والاخطاء، وباجابته على من يسألون : إن كان الله حقيقيا لماذا لايكون واضحا بشكل اكبر ؟ يرد : بدلا من الشكوى من ان الله اخفى نفسه، عليك ان تشكره لانه كشف الكثير من ذاته. بالنسبة لباسكال، الافتقار الى الايمان نوع من الكسل، انها النظرة التي اختصرها اليوت في مقدمته لـ" خواطر وهو يصف البشر بالكسالى لانهم :" عاجزون عن الشك والايمان، وعندما يطلق الانسان العادي على نفسه صفة الشك او عدم الايمان، يكون موقفه في العادة موقفا بسيطا يحجب فيه نفوره الكبير من التفكير بأي شيء يمكن ان يعود عليه بنتيجة ".

في واحدة من اشهر خواطره يقول باسكال :" العدل أن يتبع ما هو عادل . العدل بلا قوة عجز، القوة بلا عدل استبداد ".هكذا ينتقد باسكال فصل العدل عن القوة، وان العدل والقوة هوية واحدة. لكن القوة هي التي تنشيء العدل ليصبح العدل مثلاُ اعلى لا يستطيع الاستغناء عن خدمات القوة.

اراد باسكال من خلال " خواطر " معرفة كل ما يمكن معرفته عن العالم، لكنه يقر في النهاية انه ليس بالامكان معرفة كل شيء. وهو يشير إلى ان الله يريد منا الاستخدام الأعلى للعقل كي نتصرف ونبدع في هذا العالم. وقبول ما نحن عليه ككائنات روحانية لديها تجربة بشرية.

هل يمكن ان نصف باسكال بانه فيلسوف وجودي ؟. نعم بالتاكيد، فقد اهتم بالموجود الانساني وبإمكاناته، بالاضافة الى انه اهتم بإمكان ان يختار نفسه او لايختار نفسه في حضرة الله. كما ان كتاباته تجسد الصراع الاساسي للنفس البشرية. يكتب بيتر سلوتردايك ان باسكال :" يقف على عتبة العالم الحديث كشخصية مفتاحية مظلمة يصدعها الشك وإذا كان التاريخ الفكري للقرون الماضية بمثابة عرض للظروف العبث، فإن مكان باسكال فيه سيكون مضمونا الى الابد. إنه يحتل المرتبة الاولى بين الامناء الفلسفيين لليأس الحديث " – امزجة فلسفية ترجمة جميلة حنيفي - :

قال باسكال ذات مرة :" لقد بحثت عن كاتب فوجدت انساناُ " ولعل هذه العبارة توضح حقيقة هذا الفيلسوف الذي اراد ان يقول لنا ان عظمة البشر تكمن في مقدرتهم على إدراك بؤسهم الخاص.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

من أرض الإغتراب التي ولد فيها وتعايش في ثقافة مختلفة جذريا ً، وهو من أصول لبنانية متمسكة بعاداتها ودينها الإسلامي، ليتربى في بيت عربي ويكون همه الأول الفلسفة الإسلامية ويصدر سبعة كتب عن الإسلام، وهو لا يخالف شريعة الإسلام والمسلمين، بل استمد مادته من القران الكريم والسنة النبوية، وهو يؤكد قول الإمام الشافعي " من تعلًم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته ُ، ومن نظر في الفقه نبل قدره " والقران بحسب لسان العرب لأبن منظور هو كلام الله المنزل على محمد "ص" المكتوب في المصاحف،مؤكدا في معظم كتبه الصادرة" الإسلام فهو النسخة الشاملة والكاملة للعقيدة التي كشف عنها الأنبياء الأوائل بمن فيهم آدم، وإبراهيم وموسى وعيسى، الإسلام هو آخر الأديان السماوية وهو الثاني من حيث عدد معتنقيه في العالم بعد المسيحية " ص7

 إنطلق الباحث البروفسور في جامعة مشغن "طلال علي طرفة" ليؤكد لنا وعبر قراءة مستفضية وهو العارف الجيد بإسرار اللغة الانكلزية ليقول كلمته كونه أستاذ محاضر في الإدارة وفي الدراسات الدينية في عدة جامعات، وخطيب دائم على منابر الأمم المتحدة، وجاء ليقول عبر كتبه السبعة وهو في انتظار مطبوعه الثامن ان الفرق بين الإسلام وباقي الديانات السماوية أن الإسلام هو دين الله ودين الأنبياء جميعهم من آدم إلى نوح فابراهيم وموسى وداود وسليمان وإسحق ويعقوب وعيسى، إنه دين أزلي أي أنه عند الله منذ الأزل أي منذ البدايات.ص8، ويخوض البروفسور "طرفة" عبر قراءت تاريخية وفلسفية للكثير من المنظرين العرب وغير العرب ليقول كلمة صدق في معظم كتبه الصادرة " إذا نظرنا اليوم إلى الأمة الإسلامية في كل أنحاء العالم نرى أنها أمة بالأسم فقط، أما بالفعل فهي أمم مشرذمة ومفككة وللأسف متعادية في ما بينها، ولهذا يعطي النصيحة لكل العاملين في هذه الأمة من خطباء ومعميين واستاذة جامعات ومدارس فقهية ليقول "وحدة الملسمين تجذب اتباع الديانات الأخرى إلى الإسلام، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد سمح بها حيث قال "ولَو شاءَ رَبُك لجعلَ الناس َ أمة واحدةً ولا يزالونَ مخُتلفين َ" ص9

وتجده هو الناصح لهذه الأجيال بطريقة مختلفة عما يفعله البعض سواءأً من المعمين أو غيرهم لعدم تماشي سلوكهم اليومي والحياتي من آجل ترسيخ القيم والعادات التي تحمل في طياتها أستمراراية هذه الحياة، والحياة أسمى هدية قدمها الله تعالى لمخلوقاته، أعطاها الله سبحانه كل الأسباب والمقومات سواء للإنسان أم للحيوان أم للنبات، وكل هذه تدور حول عنصر أساسي ألا وهو الطاقة، معرفاً لنا الطاقة أنها القدرة على إنجاز عمل ما، إنها السبب في حدوث الأشياء، فالصلاة طاقة مركزة تربطنا بالخالق، والطاقة نوعان إيجابية وسلبية فالصلاة تعزز الطاقة الإيجابية، لأنها شكل من أشكال التأمل بها نبني جسرا ً بين العقل والروح.أما إذا دخلت الطاقة السلبية حياتنا فإنها تؤثر فينا بشكل ردي ء، سيما وأنها قوية جدا ما يسبب الإحباط والكرب، والخوف والقلق، ما نحتاج إليه هو أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا ونحررها من آجل بناء آلية دفاعية فعالة،وحتى يؤكد نصائحه لكل من يتتلمذ على يديه يعود إلى التاريخ مستعينا ً بطروحات الأمام " علي " عليه السلام، وخير تعريف للإسلام هو تعريف للإمام " علي بن أبي طالب " حيث قال " الإسلام خضوع، والخضوع يقين، واليقين إيمان، والإيمان قبول، والقبول انتماء، والانتماء عمل " ص 11 موكدا على هذه الأقوال ومركزا على واقعنا الحالي باعتباره باحثا ً اسلاميا ً وقارئاً نهما ً بعد ان ترجمت كتبه من اللغة الانكليزية الى عدة لغات ومنها العربية، الفرنسية، الفارسية وغيرها، وهنا أراد عبر مقدمة قصيرة هو اختصار ما سبق أن كتبته في مؤلفاتي السبعة التي تحمل العناوين التي سترد في متن هذا الكتاب المعنون " دليل مؤلفات " ليكون هذا الكتاب هو الثامن جامعاً لأهم ما ورد في مؤلفاتي السبعة الأولى.ص13

وقد أصبحت كتبه تباع بين أكبر جامعات الولايات المتحدة الأمريكية ومنها جامعة "مشيغين" لأن هذه الجامعات تجمع الدارسين من كل الديانات، محاولأ إيصال رسالة النقاط المشتركة بين الديانات الإبراهيمية الثلاث،اليهودية والمسيحية والإسلام، بهدف تحقيق الوحدة في التنوع وإحلال التسامح والتضامن والأخوة والأمان بين أتباع هذه الأديان الثلاثة، جميع كتبه التي إنطلق منها جاءت لتعطي مقاربة للمرحلة التي يمر بها العالم، وخاصة نحن نعيش عصر الإرهاب والحروب والموت والدم، ويدخلك عبر لغة سلسلة وفيها من التشويق وكأنك تلامس سر المخلوقات التي أبدع بها الخالق العظيم، فهو عالم نفساني مجرب دخل في عصرنا الحالي ليوقف هذه المجازر داعيا ً الى تحقيق الوحدة في التنوع وإحلال التسامح والتضامن والأخوة والأمان بين اتباع هذه الأديان الثلاثة، مطالبا ً الجميع إلى الألفة والاحترام والمحبة والأمان من خلال لقاءات واجتماعات يسودها التآلف والمصالحة وصفاء القلوب والنوايا لأن ما يجمع بين هذه الديانات يفوق بكثير ما يفوق بينها، بهذه الطريقة يحل الوئام ويسود السلام، ليس هذا فقط فهو منظر من طراز خاص بعد ان تمعن في جميع الفلسفات التي شكلت لديه مادة دسمة ويتفحصها بعمق ودراية ليقول عبر كتبه المعنونة وهي " الوحدة في الإسلام " و" الصبر في الإسلام " و" الطاقة في الإسلام " و" إمامة علي والصراط المستقيم " و" القلب السليم " و" ابناء ابراهيم " و" فاذكروني اذكركم " وهو في انتظار مطبوعه الثامن الذي سوف يصدر قريبا ان شاء الله، وهنا يختار شخصيات معروفة ومرموقة تنتمي إلى كل من هذه الأديان، وعملت بكل صدق ومحبة على ردم الهوة بين هذه الأديان وعلى الترويج للسلام والوئام والتفاهم والوحدة وحرية المعتقد والاحترام المتبادل على سبيل الذكر لا الحصر أورد الشخصيات التالية " النائب هوارد ا.برمان " رئيس الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي الذي قدم تعديلاً قانونيا

إلى الكونغرس الأميركي حصل على دعم مجلس الشيوخ ومرر القرار من قبل مجلس النواب الذي تدعم بموجبه الولايات المتحدة روح السلام والرغبة في الوحدة وتشجع على الأنضمام إلى تلك الأصوات حول العالم التي تندد بالإرهاب والتعصب والقتل الجماعي والكراهية الإثنية والدينية.وكذلك عمدة نيويورك " مايكل ر.بلومبرغ " الذي دافع عن التسامح الديني والعيش باحترام،وحتى هب معهم " الحاخام إيمي إيلبزع " المؤسس الشريك في مركز الشفاء اليهودي في سان فرنسيسكو –كاليفورنيا " وغيرهم من الأسماء التي وردت في كتاب " أبناء إبراهيم ". الجدير بالذكر أن الباحث د. طرفه شأنه شأن الكثير من المهاجرين اللبنانيين والعرب الذين التحقت اسؤته بركب الاغتراب متأبطين معهم أحلامهم التي سعوا لتحقيقها عب العمل والعلم والمعرفة، ولعل الرحلة المعرفية تعد الاهم في حياة د. طرفه حيث تجلت مخرجاتها بعدد من البحوث العلمية التاريخية والدينية التي اعتمدت مناهج بحثية متنوعة لدراسة الظواهر الدينية والتاريخية والرسالات السماوية لمناطق الشرق الاوسط وغيرها وتعد تلك البحوث مراجع أكاديمية للباحثين في مجال الاديان والعقائد والتاريخ حيث يصف ويقارن ويشرح الظاهرة الدينية وفق المنظورات المنهجية والتاريخية الشاملة للثقافات في محاولة لفهم السلوك الثقافي بجوانبه المتعددة بما فيه الجانب الديني والاجتماعي.

***

قاسم ماضي – ديترويت

علي حسينترسخت في اذهاننا صورة "نيقولا مكيافيللي" وفي يده تاج السلطة، حتى اننا عندما نريد ان نتهم احدا ما بالمراوغة نقول عنه "مكيافيللي". في واحدة من عباراته الشهيرة يكتب " ان: " القوة عادلة عندما تكون ضرورية "، وهذه الجملة تعد احدى المفاتيح الرئيسية لكتاب " الامير ".

رحل مكيافيللي قبل حوالي " 500 " عام، لكن لا يزال اسمه يتردد كلما تحدثنا عن حيل الساسة والالاعيب الحكام. ما سبب السمعة السيئة التي لاتزال تلاحقه؟ هل يستحقها؟ ولماذا تلاحق اللعنة كتابه " الامير ".

يبدو كتاب الامير حين نأتي الى قراءته من دون معرفة مسبقة بصاحبه والاحوال التي عاشها، كتيب يدعوا الى القسوة، وربما يمجد ايضا بإراقة الدماء حتى ان فيلسوفا بحجم برتراند رسل يصف الكتاب بانه " دليل لقطاع الطرق وأعضاء العصابات "..قبل فترة ليست بالقصيرة قررت اعادة قراءة كتاب مكيافيللي.. بحثت في مكتبتي فوجدت اكثر من نسخة اقدمها التسخة التي ترجمها محمد لطفي جمعة، احدثها النسخة التي ترجمها عبد الكريم ناصف وبينهما ترجمة فاروق سعد التي تضمنت دراسة مطولة عن الفكر السياسي قبل الامير وبعده، وترجمة حديثة عن نسخة دار بنغوين الشهيرة.. يجب ان اعترف انني قرأت الكتاب عندما كنت في المدرسة الاعدادية، وكانت قراءتي له من باب الفضول وليس المعرفة، فقد كنت اسمع عن الكتاب كثيرا.. ولهذا لم يثير اهتمامي موضوعه بقدر ما كنت ابحث عن السبب الذي يجعل القراء يبحثون عنه.. بعد ذلك بسنوات خاطرت من جديد بقراءة كتاب الامير، بعد ان عثرت على اسم مكيافيللي يتردد على لسان احدى شخصيات مسرحية شكسبير الكوميدية "زوجات وندسور المرحات": ماذا هل أنا مخادع.. هل أنا ميكافيللي " – ترجمة مصطفى طه حبيب -.بدى المؤلف في المقدمة التي كتبها للكتاب يستعطف الامير لورنتسوا: " ليس في طاقتي ان اقدم لكم هدية أعظم من أن اتيح لكم أن تفهموا في وقت قصير ما درست في سنين طويلة ".. وبرغم ان ميكافيللي يقدم نصائح للامير، إلا انه قرر ان ياخذ حيطته ويغلف هذه النصائح بالدعوة الى وجود حاكم قوي وفعال يخدم مصالح الدولة.. كان قد تعرض قبل تفرغه لكتابة " الامير " الى السجن والتعذيب، ثم أُرسل الى المنفى لاتهامه بالمشاركة في مؤامرة ضد عائلة مديتشي..كانت معرفة خفايا حياة مكيافيللي دافعا لان اواصل القراءة وابحث عن كل ما يتعلق بهذا الفيلسوف الغريب الاطوار.. عليَّ ان اعرف من هو وبماذا يفكر وكيف استطاع ان يضع قواعد للسيطرة على الحكم؟، في الوقت نفسه كان هو طريداً لهذه السلطة التي جعلته يقضي سنوات من حياته في عزلة وضيق حتى إنه يكتب في إحدى رسائله: " ويحي، ما أتعس حظي، لقد ولدت للشقاء والعناء، فلن أحصل على ما أريده قط".

ولِدَ نيقولا مكيافيللي في أيار عام 1469 وهو الابن الأكبر لبرنارد ميكافيللي وسيكتب فيما بعد: "ولدتُ فقيراً وتعلمتُ في عمر مبكر ألا أنفق سوى أقل القليل بدلاً من أن أعيش في ترفٍ"، ويشير كتاب سيرة ميكافيللي أن هذا الزعم ينطوي على نوع من المبالغة، صحيح إن والده لم يكن ثرياً، لكنه عاش في منزل كبير، كما إنه اقتنى مزرعة خارج فلورنسا، وكان والده يعمل موثقاً قانونياً، وتربطه علاقات بعدد من رجال البلاط، وعُرف بشغفه باقتناء الكتب، كان يهوى الأعمال الأدبية الكلاسيكية، ويردد أمام ابنه الصغير مقولات لأفلاطون وأرسطو وشيشرون، ويبدو أن الأب المحب للقراءة كان قد قرر أن ينعم ابنه بفوائد الثقافة الإنسانية التي كانت مزدهرة في فلورنسا آنذاك، على الرغم من التكاليف المالية التي قد يتكبدها، بدأ الإبن وهو في سن الرابعة يتعلم اللاتينية، وبعدها بعام كان يدرس علم الحساب، وبعد عيد ميلاده الثامن انتظم في دروس خاصة بالأدب على يد كريستوفر لاندينو، الذي اشتهر بتفسيرات لكتاب دانتي الكوميديا الالهية، بعدها التحق في ستوديو فيورنتينو، وهي جامعة صغيرة، كان مكيافيللي يتمتع بصفات جسدية غير جذابة إذ كان نحيل القوام ذا شفتين رفعتين وذقن صغير ووجنتين غائرتين وشعر أسود قصير، وكان ذكاؤه الحاد وميله الى حياة الصخب يتناقض مع مظهره المتقشف، وقد عُرف عنه نهمه للقراءة وولعه بلعب القمار وفي الجامعة اشتهر باسم"ميكا"وهي تورية لكلمة إيطالية، تعني لطخة أو بقعة إشارة الى الضرر الذي يحدثه لسانه اللاذع.

في الجامعة درس البلاغة وقواعد اللغة والشعر والتاريخ والفلسفة، وكانت قصيدة الفيلسوف الروماني لوكريشيوس التي تحمل عنوان"طبيعة الأشياء"أحد النصوص التي درسها وأثّرت به كثيراً، وقد أعجب بالحجة الرئيسية للوكريشيوس القائلة بأنه ينبغي التخلص من الخوف والخرافات الدينية باستخدام العقل والتعمق في دراسة الآليات الخفية للطبيعة البشرية في الجامعة انهمك مكيافيللي في دراسة الشعر والفلسفة، وقد جمع ثلاثة من اعماله التي كتبها آنذاك في ديوان شعر مزوّد بلوحات للرسام بوتيشيللي، وفي تلك السنوات يتتلمذ على يد مارسسيلو أدرياني الذي كان شديد الإعجاب بمواهب تلميذه، وتشاء الصدف أن يتولى أدرياني منصب المستشار الأول للبلاد، ويتذكّر الأستاذ تلميذه الموهوب، فيقرر أن يُعيّنه في الهيئة الاستشارية الدبلوماسية، ليجد نفسه في صيف عام 1498 موظفاً حكومياً، وقد أثبت مهارة في وظيفته مما دفع البلاط لتعيينه رئيساً للجنة الاستشارية، وبهذه الصفة جرى تكليفه بمهام تتعلق بالعلاقات الخارجية لفلورنسا، فذهب بمهمة الى بلاط لويس الثاني عشر، وكانت هذه المرة الأولى التي يجري فيها حواراً مع أحد الملوك، وقد ظل في البلاط الفرنسي ستة أشهر، وعاد الى فلورنسا بعد أن أرسل له مساعده برقية يُخبره بأنه: "إذا لم تعد أدراجك فسوف تفقد مكانك في البعثة الدبلوماسية"، وفي عام 1501 يتزوج ماريتا كورسيني التي أنجبت له ستة ابناء، ويبدو إنها احتملت خياناته المتعددة. بعدها يُرسل في مهمة الى روما لمتابعة اختيار بابا جديد بعد وفاة البابا الكسندر السادس، وهناك أعجب بشخصية البابا الجديد يوليوس الثاني، لكنه سرعان ما بدا ينفر منه بسبب قراراته الخاصة بالحرب، فكتب لأحد مساعديه ملاحظة تقول إن البابا الجديد على ما يبدو قد كلفه القدر ليدمِّر العالم، كانت هذه الملاحظات تؤكد اهتمام مكيافيللي بما يجري في غرف السياسة، حيث بدأ يسجل أحكامه في رسائل الى أستاذه مارسسيلو ادرياني، وبحلول عام 1510 وبعد عدة جولات في الخارج كان مكيافيللي قد توصل الى رأي نهائي بشأن معظم رجال الدولة الذين إلتقاهم، لكن رأيه في البابا يوليوس الثاني ظل محيّراً، فمن ناحية كان إعلان البابا الحرب على فرنسا يبدو استهتاراً جنونياً بالنسبة لمكيافيللي، لكنه في الوقت نفسه كان يأمل أن يثبت البابا إنه المنقذ لإيطاليا وليس نكبتها المنتظرة، ويبدو إن مخاوفه قد تحققت فبعد أربع سنوات حتى زحف الجيش الاسباني باتجاه إيطاليا، لتجد فلورنسا نفسها محتلة، والنظام الجمهوري يُحل، وفي السابع من تشرين الأول عام 1511 طُرد مكيافيللي من الوظيفة وحُكم عليه بالسجن لمدة عام، ثم في شباط عام 1513 تلقى أسوأ ضربات القدر على الإطلاق، إذ اتهم بطريق الخطأ إنه شارك بمؤامرة ضد البلاط، وبعد أن تعرّض للتعذيب، حُكم عليه بالسجن ودفع غرامة مالية كبيرة، وقد عبّر عن ذلك فيما بعد حين أهدى كتابه الأمير الى عائلة مديتشي الحاكمة قائلاً: "إن خبث القدر الهائل والمعهود أطاح بي بلا رحمة"، ولم تمضِ فترة سجنه طويلاً حيث أعلنت الحكومة العفو، فخرج مكيافيللي من السجن، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته هدفها الأول تبرئة نفسه من التهم الموجهة إليه، ومع الانتهاء من كتابه الأمير تجددت آماله في العودة الى موقع حكومي مؤثر، وكتب الى صديقه فيتوري إن منتهى تطلعاته أن يجعل من نفسه: "نافعاً لحكامنا حتى إذا بدأوا بتكليفي بدحرجة حجر".إلا أن محاولاته خابت، ونجده يتخلى عن كل أمل في العودة الى العمل الحكومي: "انني سأضطر لأن أظل أحيا هذه الحياة البائسة، دون أن أعثر على رجل واحد يتذكر خدمة قدمتها أو يعتقد إنني قادر على فعل أي خير"، في هذه السنوات عاش في منزل ريفي متواضع في ضواحي فلورنسا، وعانى من العوز، ويصف ايامه الكئيبه حين يخرج كل صباح للصيد وقطع اشجار الغابة، ثم يجلس في زاوية يقرأ دانتي، وفي المساء يتغير المشهد فنجده ينسحب الى غرفة مكتبته، ليغرق بين الكتب بعد ان يخلع ملابسه اليومية، ويرتدي بدلة، كأنه يريد مقابلة احد الامراء: " عندما ارتدي اللباس المناسب، ادخل الى مجالس البلاط القديمة، مجالس رجال الايام الخالية، فيستقبلونني بمودة، ومعهم اتغذى بالغذء الوحيد الذي هو غذائي، والذي من اجله ولدت. واتجاسر على محادثتهم من دون خجل، وأسالهم عن اسباب اعمالهم، وما اعظم انسانيتهم وهم يجيبونني بدافع عطفهم الانساني ولا اشعر بأي نوع من الضجر طيلة اربع ساعات، هي المدة المنقضية في كل مرة اجلس فيها مع نفسي، وأنسى كل معاناتي، ولا أتوجس خيفة من الفقر ولا أهاب الموت، فأنا أطمس تماماً هويتي فيهم ". لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد كما يخبر صديقه فيتوري، فهو بعد ان ينتهي من الحديث مع الأباطرة والملوك يمسك قلمه ثم يدوِّن: " ما انتفع به من حديثهم "، وقد حوّل ميكافيللي هذه الاحاديث فيما بعد الى كتاب صغير عن مبادىء الحكم: " أقلب فيه بكل ما وسعني من عمق الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع، متناولاً ماهية الإمارة، وما انواعها؟ وما طرق الحصول عليها؟ وكيف يمكن الحفاظ عليها؟ ولما يفقد الأمراء إماراتهم؟ " –حياة نيكولو مكيافيللي جورج بريتنزوليني ترجمة طه فوزي -.

ونجد مكيافيللي في هذه السنوات يتجه بحماس الى الكتابة، فأنجز كتابه الشهير المطارحات، بعدها بدأ بكتابة تاريخ فلورنسا، وتفرغ لكتابة"فن الحرب"، وبدا أن فرصته في العودة الى الوظيفة الحكومية قد لاحت بسبب تغيير نظام الحكم، لكن اسمه لم يذكر ضمن الأسماء التي رُشّحت للعمل في الجمهورية الجديدة، وكان في ذلك ضربة كبيرة لطموحاته، ما أدى الى إصابته بالمرض، وقد شكا لزوجته من آلام في قلبه التي لم تمهله طويلاً، حيث توفي في الثاني والعشرين من عام 1527 وقد كُتب على شاهدة قبره "لا يبلغ المدح شأو ذلك الاسم نيقولا مكيافيللي"..

عام 1513 ينتهي مكيافيللي من الصفحة الاخيرة من كتابه " الامير " والتي يختتمها بهذا السطر: " ان رائحة السيطرة الاجنبية تلسع كل انف، فهل لبيتك الرفيع اذن، أن يؤدي الواجب، وبتلك الشجاعة والآمال التي توحي بها قضية عادلة، حتى ينهض وطن اآباء والاجداد نحت رايتها " – الامير ترجمةمحمد مختار الزقزوقي -4007 ميكافيلي

يتألف كتاب الأمير من ستة وعشرين فصلاً، ويبدو الكتاب محاولة من مكيافيللي لاستعراض مهاراته بوصفه محللاً سياسياً، ونراه يصرّ منذ الصفحات الأولى على أن كتابه هذا جديد في منهجه، أراد من خلاله حسب قوله أن يقدم قوائم من الفضائل والوصايا التي على الأمير ينفذها ونراه يؤكد أن نهجه في السياسة يختلف عن نهج من سبقوه، فالآخرون وفق ما قاله في"الأمير"تناولوا الجمهوريات التي لم يكن لها وجود في أي مكان على وجه الأرض، لكنه على خلاف من ذلك يناقش الواقع الفعلي للأشياء، ولهذا نراه يؤكد أن الأمير الذي يسعى وراء حب رعاياه بدلاً من أن يجعلهم يخافونه، لابد أن يفقد موقعه، وهو يرى أن على الحاكم أن يتصرّف كأسد قوي وحاسم وكثعلب ماكر ومراوغ في أحيان أخرى، وهو يصر على أن الأمير لا يسعه أن يتقيّد بدواعي المُثل الأخلاقية المعتادة، إن أراد أن يؤدي دوره أداءً سليماً. وباختصار نرى مكيافيللي يواجه قرّاءه منذ الصفحات الأولى بنظرية تقول بأن الجهود المخلصة لامتلاك ناصية المعتقدات الأخلاقية التقليدية وتطبيقها، لن تؤدي الى ظهور حاكم مُطاع. فالأمور السياسية حسب وجهة نظر مكيافيللي تحتاج الى أحكام خاصة بها.

ولعل أبرز فصل من فصول الكتاب، هو الذي يحاول فيه مكيافيللي أن يحدد نطاق حرية البشر في القيام بعمل. حيث يرى إن الثروة كانت لها سلطات قوية على الإنسان، فهي من حين لآخر تكتسح مثل النهر كل شيء أمامها وتدمّر المؤسسات كافة التي استطاع الناس اختراعها لحماية انفسهم وحفظ النظام، وهو يرى إن الثروة مثل فاتنة متقلبة المزاج تبدّل أوضاع الملعب تماماً فتعمل على الإبطاء في التكنيك السليم، وهو يرى أن النجاح والفشل في الحكم لا يتمُّ اكتسابهما بحسن السلوك، بل شيئان يتم انتزاعهما بالقوة من بين يدي عالم لا يتسم بالعاطفة، وفي مكان آخر يرى مكيافيللي أن الناس لهم سمات ثابتة على الدوام شجاع أو جبان، فالأوضاع قد يصلح لعلاجها أسلوبُ معيّنٌ من العمل أحياناً، وقد يصلح أسلوب آخر في أحيان أخرى، لكن لا أحد يستطيع دائما أن يتزيّا بزي واحد لأزمنة تتغير وتتبدل.

لعل الفكرة التي يطرحها مكيافيللي القائلة أن على القادة أن لا يكونوا طيبين كي يكونوا حكاماً أقوياء تعود إلى الرؤية المتشائمة للطبيعة البشرية. كان مكيافيللي بسبب ما عاناه في حياته يعتقد أن البشر " جاحدون ومخادعون, وجشعون للربح"، ولهذا هو يرى إن الحاكم إذا أقام سلطته بالكامل على ما يظهره له الناس من الحب، فسيلاقي منهم الخذلان في أقرب فرصة عندما تسوء الأمور.

يتهم مكيافيللي أنه يؤسس أفكاره في الحكم على نوع معين من اللاأخلاقية، وخصوصا لو تأملنا السؤال الذي يطرحه عما إذا كان الأفضل للحاكم أن يحكم بالرحمة أم بالقسوة، فهو يؤكد أن الحاكم مفرط الرحمة سيتسبب بالمزيد من الأذى للمجتمع مقارنة مع الحاكم القاسي الذي يخلق التناغم من خلال الخوف. وأن كَرَم الحاكم وتسامحه مع الاخطاء سيقود في النهاية إلى تمرد الرعية: "إن ارتكاب الحاكم للفظائع يكون حسناً فقط إذا جرى دفعةً واحدةً وللضرورة وحماية الحاكم لنفسه، وإذا لم يستمر بها بل انصرف عنها لرعاية محكوميه وتحسين معيشتهم. لكن الخطأ أن يبدأ الحاكم بجرائم قليلة، ثم يزيد من ارتكاب المزيد منها مع الزمن بدلاً من أن يتوقف عنها"

لا يظهر مكيافيللي احتراما لما ندعوه اليوم حقوق الانسان، بالنسبة له يمكن التضحية بالافراد ان تطلب الأمر ذلك خدمة لمصالح الدولة، وهو يرى ان الحاكم المتردد في استعمال القوة حينما تفرضها عليه الظروق هو امير سيء، لأن لينه سوف يؤدي الى مزيد من اراقة الدماء لاحقا..كان مكيافيللي مشغول تؤرقه فكرة واحدة دائما: هل يمكن ان يكون المرء سياسيا جيدا، وشخصا جيدا في وقت واحد. وقد كانت اجابته في النهاية بالنفي.

لقد مثلت افكار مكيافيللي خروجا كبيرا عن الافكار السائدة في زمانه حتى ارتبط اسمه مع بدايات عصر النهضة الاوربي الذي عرفته بدايات القرن الخامس عشر. اي الفترة التي كانت فيها اوربا على ابواب التقدم العلمي. كما مثلت كتاباته في جوهرها صرخة احتجاج كبيرة على الوضع السائد في ايطاليا آنذاك، والتي كانت تعيش وضعا متفسخا وحالة من التشرذم الذي لم تشهده من قبل، ولم ير مكيافيللي الخطا في الناس وانما في القائمين على امورهم وفي مقدمة هؤلاء بابوات الكنيسة المسيحية. ولهذا حظرت الكنيسة كتاباته لاكثر من مئتي عام نتيجة اصراره على ان كون المرء مسيحيا صالحا، غير منسجم مع كونه حاكما جيدا.

كان هدف مكيافيللي الرئيسي والذي يشكل الخلفية الاساسية لكل اعماله هو في بحثه كمواطن ايطالي الى توحيد بلاده، وربط مسألة وحدة ايطاليا هذه مع مسالة حريتها. لقد اعاد مكيافيللي للفعل السياسي بشريته وللقانون وضعيته، فالبشر هم صانعوا السياسة وموضوعها في آن واحد. وقد اعتبر مكيافيللي ان كل عمل سياسي يقوم على مفهوم السيادة. سيادة البشر وليس سيادة قوى " فوق البشر " وبالتالي لا يرى مكيافيللي اي تبرير ممكن لادعاء الكنيسة بان لها الحق في تسيير امور العالم حسب " الارادة الالهية "

كتب الفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون: " ينبغي ان نشكر مكيافيللي وامثاله من الكتاب الذين يقولون صراحة وبدون تمويه ما اعتاد الناس ان يفعلوا. لا ما يجب عليهم ان يعملوا "

ظن مكيافيللي ان كتاب الامير سوف يمهد له السبيل الى اسرة ميديتشي لينال لديها الحظ وة، وتنعم عليه بوظيفة جديدة، لكن خاب ظنه،

واخفق في الحصول على ما يريد. وهنا اعتزل الحياة مختارا، ثم رأى نفسه انه رجل فكر وادب وان السياسة تدير له ظهرها فوجه طاقته الفكرية في اتجاه جديد، وقرر ان يكتب مسرحية واثمرت جهوده اذ الف مسرحية بعنوان " الماندراغولا " – ترجمة نبيل رضا المهايني –وهي كوميديا تحكي عن الغواية وانهيار القيم.

من المفارقات في حياة مكيافيللي انه عاش حياته في ظل امراء اقوياء دون أن يصبح قويا مثلهم. وكان مجرد منفذ للاوامر دون ان يكون له صلاحية اصدارها وتشريعها كما كان يطمح.. لكنه في المقابل رسم لنا صورة شديدة الوضوح للحاكم، ما تزال تحتفظ بقدرتها على اثارة الدهشة واشاعة الخوف واعطاء الدروس.. يكتب موسوليني في تقديمه لكتاب الأمير: " حدث ان انتصر جميع الانبياء غير العزل، وهلك الانبياء العزل ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علي حسينكتب فولتير في الخامس من كانون الأول عام 1726 رسالة إلى المركيزة دو بومبادور يقول فيها: "في هذه البلاد – يقصد انكلترا- هناك نور قوي من المعرفة "، كان فولتير في الثانية والثلاثين من عمره، خارج قبل أشهر من سجن الباستيل وينفذ عقوبة الأمر الملكي الذي صدر في الأول من أيار والذي ينص: "على فولتير أن يتعهد بمغادرة فرنسا من دون استمهال، وأن يبحر في اليوم نفسه من مرفأكاليهالى لندن " .

في تلك السنوات يعثر على كتب فرنسيس بيكون.. كان الفيلسوف الإنكليزي قد توفي قبل مئة عام من وصول فولتير الى انكلترا، فقد سقط فريسة المرض بعد أن حاول في يوم شديد البرودة أن يتأكد من فعالية الثلج في حماية اللحوم من التفسخ، فأصيب بالتهاب حاد أدى الى وفاته، وتسحر فولتير كتب بيكون فيقرر أن يكرس سنوات المنفى لدراسته ونراه يصف شعوره في رساله يبعثها الى شقيقه الأكبر: "وضعت كتبه الى جانب السرير، لأنني أشعر إنها تبوح لي بالكثير من الأعاجيب".

وجد نفسه وجهاً لوجه أمام فيلسوف التجريبية،، حيث أصبح بيكون يمثل حداً فاصلاً في حياة فولتير، لقد وصف لنا شعوره وهو ينتهي من مؤلفات بيكون: " لقد كان بيكون بالنسبة لي أشبه بمرآة أتطلع من خلالها الى خفايا الفكر، بعد ذلك سيكتب في يومياته: "لم يكن قاضي القضاة بيكون يعرف الطبيعة، بيد إه عرف وحدّد جميع الدروب التي تقود إليها. لقد احتقر في سن مبكرة ما كان المجانين المعتمرون القبعات المربعة ما يعلمونه باسم الفلسفة في البيوت الصغيرة المسماة معاهد، وقد بذل كل ما في وسعه كيلا تستمر تلك الجماعات، التي نصبت نفسها مدافعة عن كمال العقل البشري، في إفساد هذا العقل بماهياتها وبهلعها من الفراغ واسقباحها له، وبصورها الجوهرية، أي بكل تلك الكلمات التي اكتسبت هالة من الوقار بفعل الجهل، والتي أصبحت شبه مقدسة من جراء مزجها على نحو مثير للسخرية بالدين".

أحس فولتير أن كتابات بيكون تنبئ بولادة عصر جديد فجعل من نفسه مبشراً لها وبعد سبع سنوات ومن منفاه سيكتب أطروحته في الدفاع عن مذهب إرادة الحرية عند الإنسان وإثباته في وجه جميع الصعوبات: "إن شعور الحرية الحي في كل واحد منا حاضر على نحو مباشر، ولايمكن أن يكون محض خداع، لأن وجود ظاهرة الإرادة في ذاته كاف كي بيرهن على حريتها"ثم يطلق فولتير مقولته العظيمة: "أن تريد وأن تفعل هذا هو تماماً ما يعني أن تكون حراً".

بعد وفاة فولتير بمئتي عام، ساجد نفسي في مواجهة بيكون، مستلقيا على اريكة خشبية ومعي نسخة من كتاب سلامة موسى " هؤلاء علموني "، كنت استكشف من خلاله عددا من الاسماء ساهمت في تغيير الدنيا كما يقول سلامة موسى في مقدمته ..

في الفصل الخاص بفولتير يشير سلامة موسى ان الفيلسوف الفرنسي كان يشيد بدور" بيكون داعية التجربة " . من هو بيكون الذي اغرم به فولتير ؟ نجحت بصعوبة في الحصول على كتاب بعنوان " فرنسيس باكون .. مجرب العلم والحياة " كتبه عباس محمود العقاد، تلقفته بفرح على امل اكتشاف السر وراء اعجاب فولتير بصاحب القبعة الكبيرة الذي وضع العقاد صورته في الصفحة الاولى من الكتاب ..نجحت في قراءة المقدمة رغم انها تتحدث عن اوضاع انكلترا في زمن بيكون ويتطرف فيها العقاد الى شكسبير وكريستوف مارلو، ويتحدث عن فاوست الانكليزي، دون ان يكشف لي سر هذا الفيلسوف الفرنسي ؟ .. بعد اكثر من عشرين صفحة وجدت نفسي في مواجهة شخص يصفه العقاد بانه لم يكن " من اصحاب الخلق الوثيق والبنيان الركين " .. في تلك الايام كنت معجبا بقدرة العقاد على الكتابة في كل الفنون، الادب، الفلسفة، الدين، علم النفس، واسأل نفسي كيف له القدرة على جمع كل هذه المعلومات وصياغتها في كتب كانت تنفذ ما ان تصل الى المكتبة ؟ .. وفي مثل سني آنذاك كان العقاد مرشدا عقليا لي، وبرغم ان بعض صفحات كتبه تبدو غامضة لصبي في عمري، إلا انه كان اشبه بضوء ساطع يكشف امامي طرقا جديدة للمعرفة .كنت قد قرأت ان العقاد كان يمتلك مكتبة صخمة جدا، بل يقال ان شقة العقاد كانت عبارة عن مكتبة، الكتب في كل مكان، في حجرة الاستقبال، وفي المطبخ، وعلى السرير وفي الممرات، كانت مكتبته تبهر كل من يراها حيث تتزاحم الكتب على رفوفها، وبسبب كثرة الكتب سيضطر العقاد الى استئجار الشقة المقابلة لشقته ليملأها هي الاخرى بالكتب . وتمنيت ان تكون لي مكتبة مثل مكتبة العقاد، الكتب فيها تتكدس على الارفف، وتتراكم قرب السرير، وتكاد تختنق بها الجدران .. كتب تؤثث غرفتي وامتلك من خلالها كل شيء، الم يقل شوبنهاور: " اختلطت فكرة شراء الكتب بامتلاك محتواها " .

كانت الرحلة مع كتاب العقاد عن فرنسيس بيكون رحلة ممتعة وغنية، ملهمة، وباعثة على الحياة، وعندما انتهيت منها، قررت أن اجرب رحلة اخرى مع هذا المواطن الانكليزي، وهذه المرة مع كتاب بعنوان " فلسفة فرنسيس بيكون " تاليف حبيب الشاروني . بعد ان انتهيت منه شعرت بانني قد قمت بانجاز يستحق التقدير . فاذا كان كتاب العقاد اشبه بجولة في حياة وفلسفة بيكون، فقد كان كتاب حبيب الشاروني يشبه الذهاب في رحلة فكرية في عالم العقل والمعرفة .

منذ لحظة ولادته في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1561 حدد له والده السير نيكولاس بيكون حامل أختام الملكة اليزابيث الأولى مستقبله: العمل في السياسة، يكتب فرنسيس بيكون: "إن مولدي ونشأتي وثقافتي كانت كلها تشير الى الطريق الذي ينبغي أن أسلكه، السياسة، فكنت وكأنني رضعت السياسة في طفولتي" إلا أن هذا الشاب المغرم بحياة البلاط والمحب للمغامرات وحياة الترف كانت تنتزعه رغبة أخرى هي الاشتغال بالفلسفة..وكان في كثير من الأحيان يبدو متردداً أيهما يؤثر السياسة بكل منافعها أم الفلسفة بكل متاعبها: "كنت أعتقد إنني ولِدت للقيام بخدمة البشرية..ولذلك أخذت أسأل نفسي: كيف يمكنني أن أُفيد البشرية أكثر مما يمكن، فوجدت أن لدي استعدادا خاصاً بطبيعتي لتأمل الحقيقة" ..لكنه وبسبب الظروف التي مرّ بها بعد وفاة والده عام 1579 يقرر العمل في السياسة فيضطر الى ترك كليته للقبول بمنصب دبلوماسي في السفارة الانكليزية في باريس، ولم تجلب له السياسة سوى الخصوم والمتاعب والتي أدت واحدة منها الى اعدام أقرب اصدقائه " الايرل اسكس " الذي اتهم بالخيانة العظمى، وقد اختارت الملكة اليزابيث، فرنسيس بيكون بمنصب المدعي العام الذي قدم الادلة على خيانة صديقه، الأمر الذي جعل بيكون يشعر بتانيب الضمير والخزي فيكتب: "إن طموحي أشبه ما يكون بالشمس التي تنفذ من خلالها النجاسة والدنس، وبالرغم من ذلك تظل نقية كما كانت من قبل"..وبسبب مواقفه السياسية وعمله في القضاء حيث أكمل دراسة القانون في كمبريدج أصبح بيكون شخصية شهيرة وغنية وحصد المناصب الكبيرة، مدعي عام المملكة، النائب العام، وأخيراً جلس على كرسي رئيس القضاة. إلا أن الأمور لم تجرِ بما يشتهي، فالخصوم كانوا يتحينون الفرص للايقاع به، وفي احتفال أقامه بمناسبة بلوغه الستين عاماً وهو يشرب نخب"شرف رعايا الملك وأسعدهم حظاً"وصلت الى قصره كتيبة من الجنود ومعها أمر بإلقاء القبض عليه بتهمة تقاضيه الرشوة.. حيث أودع في سجن برج لندن ولم تنفع رسائل الشكوى التي قدمها للملك جيميس بالعفو عنه، حيث أصدر القضاة قراراً بأن يدفع غرامة قدرها أربعون ألف جنيه لتنتهي مرحلة سجنه، ويقرر أن يعتزل الناس ليعيش في الريف آخر سني حياته متفرغاً لمعشوقته الفلسفة التي سرقتها منه السياسة وألاعيبها..كان بيكون قد نشر عام 1605 أول مؤلفاته وهو كتاب"المقالات" متاثرا بكتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال دو مونتاني. بعدها بعام نشر كتاب عن حكمة القدماء إلا أن عمله في السياسة لم يمنحه الفرصة لإكمال مشروعه الفلسفي فجاءت مرحلة العزلة ليكتب خلالها مؤلفاته الرئيسة كتاب"الاصلاح العظيم"الذي صدر الجزء الأول منه عام 1615، أما الجزء الثاني فقد ظهر بعنوان مختلف"الارغانون الجديد" .بعدها نشر أجزاء من مؤلفه التاريخ الطبيعي والتجريبي لتأسيس الفلسفة"وكتاب غاية الغابات"وأخيراً كتابه"أطلانطا الجديدة " وهو محاكاة ليوتيبيا توماس مور.3995 بيكون

في معظم مؤلفاته حاول بيكون أن يعيد تقويم الفلسفة اليونانية، حيث وجد إن العيب الاساس في طريقة تفكير فلاسفة اليونان والعصور الوسطى هو الاعتقاد بان العقل النظري وحده كفيل بالوصول الى العلم، وأصرّ على الوقوف بوجه الفكرة التي تحتقر التجربة، ويشبه مؤرخو الفلسفة الدور الذي لعبه فرنسيس بيكون في الفلسفة بالدور الفعال الذي قدمه مارتن لوثر في حركة الاصلاح الديني فمثلما كان لوثر ومعه أصحاب الدعوة الإصلاحية يؤمنون أن غاية الدين أن يكون الفرد إنساناً صالح النوايا، وهو ليس بحاجة إلى سلطة يأخذ بتفسيراتها للدين، فإن بيكون كان يرى أن تحقيق غاية العلم هو أن يبدً الإنسان وكانه طفل بريء ن وأن يتحرر من كل سلطة مفروضة على ذهنه، وأن يستخدم عقله ويضع لنفسه منهجاً صحيحاً، وبذلك يصل الى الحقيقة دون معونة من آراء القدماء. وكما نادى لوثر بأن لاجدوى منها في الوصول الى الخلاص، فكذلك حاول بيكون أن يثبت في فلسفته التنويرية، أن حكمة القدماء وفلسفتهم اللفظية لا جدوى منها في الوصول الى الحقيقة وإنما هي عقبات تجعلنا نكتفي بمواجهة الالفاظ بدلاً من أن نواجه الطبيعة والأشياء بشكل مباشر.فمزيداً من نور المعرفة يهدينا إلى عقيدة فلسفية.. ولهذا يعلن بيكون من مكان عزلته: "فلتعقل حتى يمكنك أن تعتقد"ونجده يستهدف في فلسفته تضييق مجال الظن ليتسع مجال اليقين: "إن المعرفة وحدها هي التي تطهّر العقل من كل الشوائب"، ويكرس سنواته الأخيرة لفكرة واحدة وهي إن المعرفة ينبغي أن تثمر، وإن العلم ينبغي أن يكون قابلاً للتطبيق في كل مجالات الحياة، وإن على الإنسان أن يضع أمامه هدفاً واحداً وهو أن يجعل من تغيير ظروف الحياة وتحسينها وتغييرها واجباً مقدساً..ولهذا نجد صرخته العظيمة من أن العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الناس ليس علماً، والعلم الذي هو مجرد تكديس أفكار ونظريات مجردة دون أن ينعكس تاثيرها على أحوال الإنسان ليس علماً.. فقد وجد إن العلم الذي يدرس في الجامعات ليس علماً، ولا بد من ثورة شاملة تحدد وظيفة هذا العلم وعلاقته بما حوله.ووجد بيكون إن الطريق الى العلم الصحيح يكمن في التجربة العلمية ولهذا أخذ بنفسه يقوم ببعض التجارب كالتبريد الصناعي وتلقيح النباتات لإنتاج أنواع مختلفة جديدة، ورسم خرائط لاختراع سفن تسير تحت الماء، وأخرى لمركبة تطير في الهواء.

وقد كانت خاتمة حياته مرتبطة بشغفه بالتجارب العلمية، ففي أحد أيام شهر آذار من عام 1626 وبينما كان مسافراً في الريف الانكليزي أخذ يفكر في طريقة جديدة يمكن بها حفظ اللحوم من التعفن، فنزل من عربته واشترى دجاجة ذبحها ثم ملأها بحشوة من الثلج، وما إن فرغ من التجربة حتى أصيب بنزلة برد حادة تطوّرت الى التهاب بالرئتين لم يمهله طويلاً..وكانت وصيته أن يدفن في نوع من الكتمان: "إنني مودع روحي بين يدي الله، أما اسمي فإنني باعث به الى سائر الأمم والعصور"ويقول فولتير إن بيكون كان بإمكانه أن يكتب على شاهدة قبره"لتكن أفكاري حجر الزاوية في بناء عالم جديد مليء بالنور" .

صدر كتاب " الارغانون الجديد " عام ١٦٢٠، وهو الجزء الثاني من كتابه " الإحياء العظيم"، وكان قد كتب من قبل كتاب " النهوض بالعلم" فجعله الجزء الاول من كتابه . كان بيكون ينوي ان يتألف كتاب " الاحياء العظيم من ستة اجزاء، لكن ظروفه لم تتح له سوى نشر الجزء المعنون " الارغانون الجديد " .وهو يكتب في مقدمته للكتاب: " السبب وراء قيامنا بنشر كتابنا على عدة اجزاء يعود الى أن بعضه يمكن ان يوضع خارج دائرة الخطر، ونفس السبب يجعلنا نلحق قسما صغيرا من هذا العمل في هذه المرحلة ..هذا هو مخطط لتاريخ طبيعي وتجريبي مناسب للتاسيس لأرضية فلسفة من نوع جديد " – الاورغانون الجديد ترجمة منذر محمود وهناك ترجمة قام بها عادل مصطفى - . والكتاب يعد تمردا على منهج ارسطو . فكتب ارسطو في المنطق جمعها تلامذته واطلقوا عليها " الأورغانون " والتي تعني " الآلة"، وسميت بهذا الاسم لأن المنطق عند أرسطو هو " آلة العلم" او وسيلة الفيلسوف للوصول إلى الصواب . وقد اراد بيكون بتسمية " الاورغانون الجديد " معارضة منطق ارسطو ولم يفعل ذلك لصالح الافلاطونية او النزعة الصوفية المسيحية، وانما من اجل التقدم العلمي الذي يسعى لخدمة الانسان .إن قيمة المعرفة وتبريرها، كما يرى بيكون، تكمن في تطبيقها العملي وفائدتها، فوظيفتها الحقيفية ان توسع سيادة الجنس البشري وسيطرة الانسان على الطبيعة، فنجده في الكتاب يلفت الانتباه الى الاثار العملية لاختراع الطباعة والبارود التي غيرت مظهر الاشياء . وكان بيكون يرى ان العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الإنسان في شيء ليس علما، فهو مجرد تكديس للأفكار والآراء دون أن ينعكس تأثيره على أحوال الناس، فالعلم كما يوضحه في " الاورغانون الجديد "، هو ذلك يؤدي إلى تغيير حقيقي في حياة البشرية . وقد اتجهت دعوة بيكون إلى القيام بأنواع جديدة من الدراسات العلمية التي ترتبط بحياة الإنسان ارتباطا وثيقا، بحيث يكون هذا العلم أساسا متينا تُبْنى عليه الفلسفة الجديدة، بدلا من ذلك الأساس الارسطي الواهي الذي يصفه بانه مجرد تجريدات لفظية .

كان هدف فرنسيس ييكون الذي يطرحه في " الاورغانون الجديد " هو ان يكون العلم، القوة التي يملكها الإنسان في مواجهة ظروفه، ولكي يصل الانسان إلى رأي صحيح في طبيعة الأشياء عليه ان يتحرر اولا من كل الاحكام المسبقة، التي تقف عائقا دون تقدمه. ان المعرفة هي بالحقيقة صورة عن الطبيعة دون تصورات تحمل على الخطأ، الاحكام المسبقة هي ما يسميه بيكون بالأوهام. وربما كان أشهر أجزاء كتاب " الأورغانون الجديد وهو لجزء الذي يتحدث فيه بيكون عن الأوهام الأربعة التي تحيط بحياة الانسان وهي:

1- أوهام القبيلة: وهي ناشئة عن طبيعة الجنس البشري، ذلك أن العقل ومعنى الطبيعة عندنا لايمكن أن ينشا إلا تبعا لمقاييسنا الانسانية، والعقل بمثابة مرآة غير مستوية إذ هو يجنح إلى مزج ذاته بالاشياء وهو بذلك يقوم بمسخ الاشياء.

2- اوهام الكهف: وهي اوهام قائمة في الفرد وهي تنشأ عن استعداداته، عن تربيته، عن عاداته وميوله.

3- اوهام السوق: وفيها يعتقد بيكون ان اللغة تقود أيضا إلى الخطأ من خلال تقديم دلالات خاطئة، عدا ان العبارات تقدم نفسها على الاشياء.من هنا تنشأ الخلافات حول الكلمات والاسماء والالفاظ.

4- اوهام المسرح: وهي اوهام متوارثة مع تعاليم المدارس الفلسفية. وقوامها استخدام اساليب برهانية معكوسة واختراع النظريات المبسطة. وهو يرى ان معظم الاراء الفلسفية السابقة، اشبه بمسرحيات غرضها التلاعب بعقولنا التي كثيرا ما تتقبل تلك الاراء دون مناقشة او نقد .

وبعد ان ينتهي بيكون من عرض الاوهام الاربعة، يؤكد على ضرورة التخلص منها جميعا حتى يكون دخولنا مملكة الانسانية بلا أفكار أو اوهام مسبقة ..لكن ما هو الطريق لدخول مملكة العقل والعلم .. يؤكد بيكون ان بداية الطريق هي الشك الذي هو طريق التجربة والخطأ.فالشك يدفعنا الى التجربة التي على ضوئها يتضح الطريق .

حظيت افكار فرنسيس بيكون باهتمام الفلاسفة، وكتب عنه الفيلسوف الالماني ليبنتز: "إنه حتى عبقرية عظيمة مثل ديكارت لتخر زاحفة على الأرض إذا قورنت ببيكون من حيث اتساع النطاق الفلسفي والرؤية الرفيعة "، وقد اعتبره فلاسفة التنوير مؤسسا للعهد الفلسفي الحديث واهدوا اليه موسوعتهم الفلسفية وقال ديدرو: " إننا إذا انتهينا من وضعها بنجاح نكون مدينين بالكثير لبيكون الذي وضع خطة معجم عالمي عن العلوم والفنون في وقتٍ خلا من الفنون والعلوم " .فيما اهدى ايمانويل كانط كتابه " نقد العقل المحض ": إلى بيكون معتبرا اياه المؤسس الاول للحداثة .

يكتب فريدريك كوبلستون في موسوعته الفلسفية: " ان مؤلف الاورغانون الجديد يحتل مكانة من اكثر الأماكن أهمية في تاريخ فلسفة العلم " .

***

علي حسين - كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

الحديث عن نتاجات المفكر الإسلامي الدكتور علي المؤمن، في مجال إعادة كتابة تاريخ العراق السياسي المعاصر، هو تخليد لمنجز شعبي ونخبوي عراقي، أشعر أنني جزء صغير منه، بل أشعر أنه جزء من كياني ووجودي، ورؤاي الفكرية وخياراتي الثقافية، وإذ أكتب هنا، أشعر وكأن فرصة ذهبية أتيحت لي للمساهمة في هامش عمل كبير، انفرد به الكاتب الفذ، في توريخ حقبة مظلمة، قلّما مرّ بها شعب من الشعوب على طول التاريخ، آملاً أن تكون سطوري هذه، دعوة لكل عراقي، أو متعاطف مع شعب العراق، أن يساهم حسياً أو أدبياً أو ثقافياً، في تخليد سفري الدكتور المؤمن: "سنوات الجمر" و"عروس الفرات".

كما هي دعوة لكل الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، العراقية، وغير العراقية، للمساهمة في تخليد الأحداث التي حاول السيد المؤمن استقصاءها وتدوينها، أو إبرازها، فهي اليوم أضحت ركناً مهماً من أركان تاريخ الإنسانية العام، وشاهد ماثل، على صراع الخير والشر، والعلم والجهل، والحق والباطل .

إنّ الرسالة التي يحملها الأخ السيد المؤمن في قلبه وروحه وعقله، هي رسالة المبادئ والقيم الإلهية، فكانت أعماله البديعة، هذه، مرآة تحكي صورة هذه القيم والمبادئ، في شريط الأحداث، عبر الشخوص الإنسانية، فالكاتب ينشد تشييد حضارة إلهية إنسانية، جعل مركزها، المنجز الإنساني نفسه. حيث أن الحضارة، هي ما يبنيه الإنسان على أرض الواقع، وما يصنعه من أحداث. وتتنوع الحضارات بتنوع القيم الراسخة في دواخل الإنسان، كمحرك لعقله وقلبه وجوارحه. ومن هنا كان اهتمام الكاتب علي المؤمن في التركيز على الإنسان، في مشاعره وأحاسيسه، ومنجزه الفكري والاجتماعي .

وهنا؛ ينبغي، ولزاماً، على كل دارس لمؤلفات الدكتور علي المؤمن، أن يضع نفسه في موضع الباحث والمستكشف، في تفاصيل كل أعماله، وبين ثنايا سطوره التي خطها قلمه؛ ليكتشف العوالم التي ينطلق منها، والعوالم التي يصبو إليها، والأهم، العوالم التي رآها جديرةً بالتسجيل والتوثيق، والتكبير، والتركيز، فهذا ضروري لكي يضع الباحث المستكشف، يده، على الصورة التقريبية للغد الذي يطمح إليه الدكتور المؤمن، والأنموذج الذي يشيده .

لقد اخترت، في معرض الحديث عن أعمال الدكتور المؤمن، عملين من أعماله، هما "سنوات الجمر" و"عروس الفرات"؛ لشعوري العميق بأنني أنتمي إليهما ولأجوائهما مباشرة، شأني في ذلك، شأن ملايين العراقيين، فهناك تلازم شديد، بين هذين الكتابين. فعندما كنت أجيل عيني بين سطور "سنوات الجمر"، وأتلمس الأحداث الدقيقة التي يوثقها، يخامرني شعور، بأن ثمة أنين دفين يكاد يند بينها، وعبرات وآهات تكاد تنسكب على صفحات الأوراق.. ثمة صرير سلاسل حديد، وعبرات ساخنة، ودم عبيط، يريد أن يظهر نفسه للقارئ، لكي يحس بما يقرأ .

وعندما صدرت روايته "عروس الفرات"، كنت أسلب نفسي، أحياناً كثيرة، من السياق الأدبي للرواية، لأتمثل لوعتها في شريط أحداث "سنوات الجمر"!، حتى ليخامرني شعور آخر، بأن "عروس الفرات" لاتفهم، إلا في إطار نص توثيقي، أو تحليلي، لكي يتفهم  القارئ كل سطر وكل حوار وكل زمن وكل موقف دار فيها .

وأزعم هنا، أنني أكتب للمستقبل، للأجيال التي تعيش الآن، والتي ستعيش غداً، ممن لم يعايش أحداث "سنوات الجمر" و"عروس الفرات"، ليكون هذان المنجزان، عبرة للمستقبل القريب!! كما هما للبعيد، فلا يمكن، لهذا الجيل، أن يقتنع، بأن قادة تنظيم (داعش)، الذين يبقرون بطون الحوامل، ويفجرون الجثث على المثكولين بها، وينسفون المساجد والكنائس ورياض الأطفال؛ هم أنفسهم ضباط التعذيب البعثيين الذين كانوا يغتصبون الفتيات البواكر أمام آبائهن وإخوانهن، ويذبحون صبياً في جادة تراثية وادعة، أمام أمه وجيرانه، ويرسلون عجائز هلكى، إلى طرق جبلية وعرة، بليل شتاء قارس، عشرات الكيلومترات، حفاة عراة، وسط حقول ألغام حربية، لمجرد اختلاف العرق والمذهب .إذن؛ الحاجة ماسة، لوجود شاخص أدبي حسي، يحكي للأجيال القادمة، والرأي العام العالمي، ما كان يجري في العراق منذ ١٩٢٠ إلى ٢٠٠٣ .

وهنا تكمن القيمة الأدبية لـــ"عروس الفرات"، فهي بأسلوبها الأخاذ، تحفر، في المتلقّي، جرحاً غائراً، في الضمير الشعبي، يصبح، مع الزمن، جزءاً من المخيلة الشعبية، وهذا ذروة الانجاز الأدبي ـــ بحسب "نعوم تشومسكي"ـــ، لتستعاد مع كل حدث مستقبلي، وطني، ديني، طائفي، أو حتى مناطقي .

وأيضا، هنا تكمن قيمة التسجيل التوثيقي لـــ"سنوات الجمر"، على أنها شاهد على العصر، ولاسبيل لتزويره أو تأويله، فقد قطع المؤلف الحصيف الطريق على التزوير والتأويل، الذي قد يطال أحداث هذه الحقبة، عبر (الأروقة السياسية) و(التشريعية والتنفيذية !)، أو الأروقة التاريخية والاجتماعية .

الاستاذ علي المؤمن أرخ ووثّق، لفترة، عمل المجتمع الدولي والإقليمي،كثيراً لمحو أحداثها، والتعتيم عليها، وهنا تبرز قيمة الجهد المعرفي والنفسي والجسدي، الذي بذله المؤلف، في ترميم لوحة الأحداث الممزقة، ناهيك عن العامل الأمني والسرية الحزبية التي تكتنف الكثير، مما وثقه، مما يتطلب جهوداً شاقة وحسابات كثيرة، قبل تدوين أية واقعة، لاسيما وأن الكتاب ألّف في زمن بلغت سطوة النظام الصدامي المجرم، أوجها، والتأييد الدولي والإقليمي، مداه الأبعد .

يحق لي هنا، أن أصف رواية "عروس الفرات"بأنها (جورنيكا الدعوة الإسلامية) أو (جورنيكا الشيعة) أو (جورنيكا العراق)، فالعالم قد خلّد واقعة قرية "الجورنيكا" الإسبانية، بلوحة رسمتها ريشة "بابلو بيكاسو" أشهر فنان عالمي، ويالكثرة أوجه الشبه بين مأساة العراق، ومأساة قرية "الجورنيكا"، فبيكاسو رسم لوحته الأشهر تخليداً لضحايا القصف النازي (قوة دولة)، أبان الحرب الأهلية الإسبانية، بعدما مالت موازين القوى لصالح فئة عدوة للنازي، لتهجم عليها طائراته بقسوة منقطعة النظير، لتترك المدينة حطاماً، من أشلاء النساء والأطفال والأبنية. والحالة في العراق أقسى بكثير من "الجورنيكا"، فالتمييز الطائفي والعرقي، كان يبتلع العراق من أقصاه إلى أقصاه، ولو أن الأمور سارت على وتيرة التغالب السياسي، أو التخندق الحزبي، تمهيداً لإعادة التوازن لقوى الدولة، سلمياً؛ لهان الأمر. ولكن قوى (الدولة) السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية، أفرغت كل مافيها من قهر وغلبة وبطش، وبقسوة بالغة، فوق رؤوس المغاير الطائفي والقومي، بغية إيقاف كل نشاط سياسي أو ثقافي، أو حتى اجتماعي، لكسر المعادلة الطائفية.

وفي تقديري المتواضع، إن ثنائية "سنوات الجمر" + "عروس الفرات"، هو أبرز عمل علمي وأدبي، أنتجه العراق، لفهم ما يجري في تلك الحقبة الطويلة، وهذا هو الذي حداني، لإقتراح أن تطبع رواية "عروس الفرات" على حواف "سنوات الجمر"، كما كان سارياً من قبل في طباعة كتابين أو ثلاثة، في متن واحد، يكون شرحاً، أو مشروحاً، أو نقضاً، أو إبراماً .

ولو أردنا استعارة التعابير السينمائية، فإن "عروس الفرات" هي الموسيقى التصويرية للفلم التسجيلي "سنوات الجمر"، وإذا نظرنا إلى "سنوات الجمر" على أنه نص تاريخي بارد؛ فإن "عروس الفرات" تأويله، لابعد أغواره، بل هي روحه وعمقه، وهي لحمته وسداه، هي عصفه وبرقه ورعده .

قد يكون كتاب "سنوات الجمر" أهراماً فنياً شاهقاً، يبهر السياح، لكن "عروس الفرات" هي حبّات عرق ودماء، تشخب على أكتاف المسخرين لبنائها. وبالتالي؛ فإن الواقع العراقي (المثالي) في الحقبة التي يؤرخها "سنوات الجمر"، تندمج فيه وقائع الكتابين، بل أن أحدهما يحرك الآخر، ويستولده .

نعم؛ هناك آلاف القصص الطويلة والقصيرة، التي يرويها شخوصها أو شهودها، قد حدثت في أمكنة أحداث "عروس الفرات" نفسها، ولكن؛ أن يرويها مؤرخ متمرس، ومفكر اجتماعي، وناقد بصير؛ فإن ذلك يضفي عليها، مصداقية أكبر، وشمولاً أوسع، وفاعلية أقوى، ليحولها من تفصيل يومي مكرور، إلى فاعل اجتماعي ونفسي ثابت .

وحسناً فعل الأُستاذ المؤمن، عندما أنتحى نحو (الأسطورة الملحمية ) كقالب أدبي يفرغ فيه حمولة ذاكرته وعذاباته وآلامه ومعاناته (والناس معه)، ليس لقلة الوقائع الفعلية، بل العكس، لكثرتها وتشابهها، حتى أصبحت لازماً حياتياً يومياً، فحوّلها، من مادة أولية وثائقية، تعني أفراداً معيّنين، إلى إطار رمزي يعبر عن كل القصص المتشابهة، فلك أن تقول أن شخوص "عروس الفرات"، رمزية، ولك أن تقول أنها واقعية، وما بين رمزيتها المفرطة في التعالي عن الواقع، وواقعيتها الشديدة التي تكاد تجاري دقات عقارب الساعة؛ يفتح الكاتب الأبواب أمامك مشرعة، بأقصى ما تنفتح، إلى كل ألوان التعبير الإنساني الفني، السينمائي والمسرحي والغنائي والأبي، فضلاً عن الرسم والتجريد والنحت والغرافيك، وليفتح أمام كل لون من ألوان التعبير هذه، العديد من الخيارات التقنية، المدمجة والمفككة .

فعندما يقشعر بدنك للصمود الأسطوري للمرأة العراقية في محنتها؛ فذلك يحيلك إلى تأثير أدب (بنت الهدى) الذي خطف قلبها، وعندما يتملكك العجب من الشجاعة الفائقة التي إمتاز بها أبناء الحركة الإسلامية؛ فذلك يحيلك إلى أثر (الحرارة الدينية) التي سعّرها السيد الشهيد محمد باقر الصدر في مريديه، وفلسفها في كتبه، والتي سرت في مفاصل الأمة، من (غار حراء) إلى أقبية (الشعبة الخامسة)، ومن (معركة بدر)، إلى (خان النص)، حتى ليتراءى أمام مستكشف الوقائع التاريخية أن "عروس الفرات" مدمجة مع "سنوات الجمر"، وهو حال جميع آثار وأفكار الدكتور علي المؤمن؛ فأحدها يفسر الآخر ويشرحه ويعلله، لأنه ظل منذ أربعة عقود يشتغل على مساحة موضوعية واحدة، ويسير في مضمار فكري وبحثي واحد، يربط عبره الماضي بالحاضر بالمستقبل، ويستخدم أغلب فنون الكتابة ومناهج البحث والمداخل العلمية، لتحقيق هدف واحد.

وللقاري الحق في أن يقرأ "عروس الفرات" كنص أدبي ملحمي، رمزي أو واقعي، لكن لي أيضاً أن أفترع حقاً جديداً، هو قراءتها بالتزامن مع "سنوات الجمر"، ولاغرابة في ذلك؛ فإن كثيرا من الوقائع التي تقرأها في "سنوات الجمر"، لن تفهم حقيقتها التاريخية، إلا وأنت تتصور شخوصها، أنهم الذين تجري عليهم أحداث "عروس الفرات". ولن تعيش عوالم "عروس الفرات"، إلا وأنت مطل عليها من نافذة أبطال أحداث "سنوات الجمر"، بل لايمكنك أن تعيش (سنوات العروس) إلا وأنت تكتوي بلظى (جمر الفرات) .

ولن تشم رائحة شواء لحوم المعتقلين بأعقاب سجائر السجانين، إلّا حين تُدخل نفسك في صندوق حياةٍ، إمتدت منذ إعدام الشهيد محمد باقر الصدر، إلى "مخيم جهرم" للمهجرين العراقيين، ولن تدرك سر الروح التي كانت تضغط على الزناد في "معسكر الشهيد الصدر" للمجاهدين العراقيين، إلّا حين تدخل في  تلافيف الحوار الداخلي لــ "السيد عبد الرزاق الموسوي" وهو يرى ابنته "شيماء" عارية تغتصب أمامه .

كنت أقول سابقاً، عندما نترادف مع بعضنا في معلومات ووثائق كتاب "سنوات الجمر"، حين صدوره، إننا نعيش حرباً أهلية مكتملة الأركان .فـــ"سنوات الجمر" لايؤرخ لحياة حزبية، ولا لعملية سياسية، بل يؤرخ لحرب أهلية، قاعدتها العريضة التمييز الطائفي، في ظل نظام علماني طائفي إقصائي، يقهر المكون الإنساني الأكبر والأعزل، بأدوات الدولة الطائفية، العسكرية والأمنية والاعلامية والثقافية .

لاشك أن ما كتبه علي المؤمن في تاريخ الحركة الإسلامية والأدب الملحمي والدراسات الاجتماعية والأعمال الفكرية، هو مادة ثرة لكل سياسي، ففي ضوئها يستطيع فهم الواقع السياسي العراقي أو بنيته التحتية على الأقل، وفي ضوئها يستطيع استشراف المستقبل، ويستطيع في ضوئها ضبط فعله السياسي، فالأستاذ المؤمن كاتب متعدد المزايا، فهو لا يكتب، كمراقب تسجيلي، بل كتب، ويكتب، كفاعل سياسي واجتماعي وثقافي .

وبالرغم من أن بعض المراقبين والمتخصصين يرى في (التحيز) الايديولوجي للدكتور المؤمن، مثلبة في المؤرخ والمفكر، إلا أن (التحيز) المزعوم عند السيد المؤمن، عنصر ثقة مراكم، يضيف مصداقية أكبر، للدقة في تحري المعلومة، والحرص على وثاقة مصدرها. بمعنى أن انتماءه الفكري وإيمانه بعدالة قضيته، يضفي، علمية أدق على مايدونه.

***

محمد الموسوي - باحث عراقي

 

نجيب طلالالمشهَد الخاص: مبدئيا لم أفاجأ بالإصدار الأخير “خمسة أيام في فلسطين المحتلة” (1) للشاعر المكافح والجسور - محمد بلمو - لماذا؟

فيوم تعرفت عليه كطالب بجامعة فاس، وفي إطار تنظيم تقدمي (؟) وقتئذ؛ وهاجس القضية الفلسطينية وطروحاتها، وأطروحاتها وتطوراتها، تنمو في دواخله وتسكن حدسه وروحه وجسده وجوارحه؛ كبقية الرفاق، ولكنه كان ظاهرة استثنائية؛ هو والطالب (الصادقي وباديش)(2) لسبب بسيط أن ينم عن مدى حبه وتعلقه بفلسطين؛ وذلك ارتباطا بالمجال والفضاء الذي عاش فيه وتربى فيه منطقة بني عمار- الفيحاء بشجر الزيتون؛ وهذا الأخير له دلالة عميقة بفلسطين وتاريخها . والمسألة التي ضاعفت وساهمت في تأثيره وتأثره؛ بُعَيْد التحاقه بعوالم الإعلام والصحافة وحياة العاصمة التي كانت تعيش بين الفينة والأخرى على إيقاع المسيرات الحاشدة إنزال الفصائل السياسية؛ دفاعا عن القضية الفلسطينية وشجب الاحتلال الصهيوني ناهينا عن أنشطة وإنزال الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني؛ واللقاءات الحماسية التي كانت تتم في المركز الثقافي السوفياتي (وقتئذ) كل هذا كان مؤثرا في تركيبة الصديق الفاضل – بلمو- وفي غيره ... وبالتالي فطبيعي أننا نجد هذه العوامل قد تضافرت معاً، لتطيل وتشدّد من وطأة استحواذ الوعي لديه بالقضية الفلسطينية كقضية إنسانية؛ تاريخية؛ وجودية؛ عروبية؛ قومية. وبالتالي فزيارته للأراضي الفلسطينية؛ وإن كانت  ذات طابع جماعي ومهني؛ على إثر إتمام وافتتاح مطار غزة الدولي وبتنسيق بين السلطة الفلسطينية ومكتب مطارات المغرب سنة[1999]

استغلها لسرد ما رأته العين وما أحس به؛ كشاهد موقع/ مكان؛ ناقلا إلينا صورا ومشاهد لكي نتماهى مع الوضع الشاذ والاستثنائي الذي يعيشوه إخواننا الفلسطينيين، فهاته اليوميات التي جاءت على أنقاض زيارته؛ والتي تعد فرصة . ولكنها تأكيد بأن  القضية الفلسطينية تجري مجرى الدم في عروق وكيان الشاعر/ الإعلامي – محمد بلمو- وهي الدافع لتدوين مشاهداته؛ التي لاتندرج ضمن زاوية نظر؛ ولكنها نتيجة فعل النظر والملامسة والمعايشة عن قرب. وإن كان ذلك الفعل – مراقب- بشكل دقيق وأمني:... وفق إجراءات تتحكم فيها أطراف تيسيرية وأخرى تعسيرية، تتمثل في الطرف الفلسطيني الذي بذل وسعه في تذليل العقبات والصعوبات التي يختلقها المحتل لإزعاج الوفد الصحافي المغربي، وفي الطرف الإسرائيلي بعديد مكوناته الذي لم يذخر جهدا ولا طريقة تضييقية لعرقلة المسار.. تضييقات ومضايقات هي حصيلة ما يجترحه الاحتلال الصهيوني من أساليب قمعية وقهرية للشعب الفلسطيني (3) هاته حقيقة يعاني منها أي وافد عربي للأراضي المحتلة؛ ناهينا عن تكريس البطش والهيمنة والاستبداد ضد الأهالي، لكن من باب المزايدات التي أصابت الجسد الثقافي المغربي؛ ربما أحدهم يؤكد بأن الوضع الذي أشار إليه الكاتب  في الكتاب يعود لعقدين من الزمن؛ أي أن الأوضاع اختلفت وستختلف لما هوأحسن؟ ربما ! ولكن هنالك تقرير لهاته السنة لاتعرفه إلا القلة يقول: وكان من شأن الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والتوترات التي تصاعدت في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أثناء زيارة البعثة وخلال كتابة هذا التقرير، أن ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام. ومن كلا الجانبين، قُتل ُجرح مدنيون - عمالا وأصحاب عمل ونساء ورجالا - حيث علقوا في دوامة الصراع الذي تغلغل في جميع جوانب حياتهم (4) طبعا ممن ستتيح له فرصة قراءة المنجز سيطرح أسئلة وتساؤلات منها المشروعة ومنها المزايدات الجوفاء:

تساؤلات طارئة:

- هل خمسة أيام كافية لتدوين ما يعانيه الشعب الفلسطيني؟  - ما جدوى من هذا الإصدار؟  - لماذا لم ينشر فيما قبل أو ما بعد زيارة 1999 بسنوات؟ -  فصدوره الآن هل له علاقة بالتطبيع أو اللاتطبيع؟ - من أي زاوية سيساهم هذا المنجز في القضية الفلسطينية؟ هل بادرته ومبادرته ستكون نموذجا للمثقفين، في تدوين مارأه في أسفارهم  لمدن ودول خارج الدولة – الأم -  إسوة بالسلف الذي كان يدون رحلاته؟

المشهد العام:

هنا فصاحب الكتاب ليس من حقه أن يجيب عن مثل هاته الأسئلة لأنه قدم ما يمكن أن يقدمه، مسجلا بذلك مشاهداته المؤلمة، وتقييدا ته التي تتنفس وجعا وتعاني مغصا عارما.، كل هذا طبقا لما شاهده هناك، وما كان مسموحا له ولرفقائه الصحفيين التحرك فيه بحيث: هذه بعض ملامح المجال الذي كان على الصحفيين التحرك والقيام بمهامهم. مجال ملغوم، ومتوتر، قابل للانفجار في كل لحظة، باعتبار ما تمارسه  إسرائيل من سلطات تعسفية في حق الفلسطينيين والهوية الفلسطينية. مجال موجوع، متألم، مقهور، مقموع، مراقب، مضطهد.. في مختلف حالاته وأوضاعه، اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا (5) في أجواء هذا المجال تحرك - محمد بلمو- ورفقاؤه، وعبر احتكاكاته بالأمكنة (بخطوطها الأفقية والعمودية)، وأهل فلسطين..بحيث توقف عند الأمكنة متحسرا، تلك التي تم طمس معالمها الأصلية؛ إثر تدخلات تدليسيه إسرائيلية . وهذا هو الواقع والإيقاع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني؛ وارتباطا بالمعالم والعمل؛ نعود للتقرير الذي يشير: وكان من شأن الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والتوترات التي تصاعدت في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أثناء زيارة البعثة وخلال كتابة هذا التقرير، أن ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام. ومن كلا الجانبين، قُتل ُجرح مدنيون - عمالا وأصحاب عمل ونساء ورجالا - حيث علقوا في دوامة الصراع الذي تغلغل في جميع جوانب حياتهم (6) وهذا الأمر يمكن مشاهدة في يوم واحد؛ فبالأحرى في خمسة أيام؛ وإن كانت غير كافية لتدوين خبايا وأسرار ما يقع في الأراضي. مثلما تحدث عن الألم: وعن الإحساس بالاحتلال الذي وجده “واقعا ملموسا” في معبر رفح، حيث عاين معاناة الفلسطينيين لساعات طوال من أجل السماح لهم بالمرور (7) وفي خمسة أيام؛ قدم لنا ما كنا لا نعلمه؛ وخاصة مسألة [المطار] في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على المطار الذي يشكل عنوانا بارزا لدولة فلسطين المأمولة، لكن الاحتلال لا يريد لمطار[غزة] الدولي أن يشتغل، فهو مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية؛ لذلك تواجِه نشاطه بالعراقيل وتستقبل زبناءه في معبر رفح بامتعاض يجعلهم يقررون عدم العودة إليه مرة أخرى(8) وبحدسه الصحفي ورؤيته الشعرية لما وراء الصور؛ يسرد علينا عن يهوديين مغربيين وجدهما صدفة بالأرض المحتلة، رافقه أولهما في الطائرة، قبل أن يجده مستنطَقا في خروج ودخول مع موظفين متعددين، لأنه “اختار المجيء عبر مطار غزة وليس عبر مطار [بن غوريون] لذلك لم يغفر له إخوته في الدين هذه الزلة، حتى وإن كانت غير مقصودة. أما ثانيهما فوجده ب”معبر إيريز” الذي يسميه أصحاب الأرض “معبر [بيت حانون]: ما إن وقفنا قبالة الجنود الثلاثة حتى بادر أحدهم بتحيتنا بلهجة مغربية خالصة قائلا: تبارك الله عليكم ! كان ذلك مفاجئا لنا، لكننا فهمنا بسرعة أنه يهودي مغربي، فأجبناه في نفس الوقت: الله يبارك فيك، ثم سأله تافنوت: الأخ مغربي؟ من أي منطقة؟ نظر إلينا ثم إلى الجندي الأشقر الذي كان يتابع الموقف، دون أن يعرف فحوى الحديث الذي انطلق بدون مقدمات.. صمت قليلا كمن أحس بأنه تسرع في حديثه معنا، ثم قال بلهجة تنم عن رغبته في التخلص من هذه الورطة ورفع الحرج عنه أمام زميله الذي كان يتابع المشهد بارتياب: أنا مغربي.. من الشلوح”. من الأطلس المتوسط؟ سألتُه، لكنه لم يرد، كما لو أنه لم يسمع السؤال، والحقيقة أنه كبت تلقائيته الأولى كمن أدرك أن موقعه الجديد كإسرائيلي وجندي في جيش العدو لا يسمحان له بالتمادي في الحديث مع إخوانه المغاربة، أو مع أشباح ماضيه على الأصح (9) وبالتالي فالصورة واضحة؛ لكن المبهم؛ أن اليهودي الخارج عن المنظومة الصهيونية المتحكمة في الأراضي الفلسطينية؛ بدوره تمارس عليه الإكراهات والعنصرية والجملة هاهنا كاشفة لذلك؛ ولكنها لن تستطع الوصول  إلى (لماذا؟): لذلك لم يغفر له إخوته في الدين هذه الزلة، حتى وإن كانت غير مقصودة. لكن الذي توصل إليه وبعد مروره من [بيت حانون] تلك العنصرية الصارخة بين عيش المستوطنات الباذخ، والقرى الفلسطينية المعزولة المهملة، التي لا يتوفر بعضها حتى على طريق صغير مُعَبد يصلها بالعالم: كأننا انتقلنا من دولة فقيرة إلى دولة غنية” حيث “لا شيء هنا يشبه ما تركناه في قطاع غزة، الحافلة من النوع الممتاز، أفضل بكثير من الحافلة الغزاوية. الطريق سيار واسع من الطراز الأمريكي، وعلى الجانبين حقول خضراء شاسعة (10) هنا نستشف بأن شاعرنا اقتحم الحدود الفلسطينية بكل تلقائية؛ وذلك من زاوية الحضور العيني والعياني للمدن الفلسطينية ك[عسقلان] التي “يسميها المحتلون (اشكلون) و[بيت حنون] و[غزة] و[القدس] و[بيت لحم] و[يافا]: التي تعتبر من أقدم مدن العالم، فقد عالج الاحتلال موضوعها بطريقة خطيرة جدا؛ إذ أحاطها بمدينتين استيطانيتين، هما (تل أبيب) من الشمال و(باتيام) من الجنوب (..) تتوسعان في اتجاه يافا، وتضغطان عليها (..) والنتيجة أن الكثير من سكانها اضطروا إلى النزوح سنة 1948(11) فهاته حقائق من الضرورة التعريف بها ومحاولة مناقشتها؛ لأن ما يقدمه الإعلام "السمعبصري" في كثير من الأحيان يكون مضللا؛ لاعتبارات دبلوماسية وتوجيهات دولية: لم أتخيل وأنا أسمع بهذه المستوطنات من قبل، بأن الأمر يتعلق بمدن كاملة، تتوسع باستمرار وبوتيرة عالية. تشق لها الطرق الضخمة وسط الأراضي الزراعية الفلسطينية، لتربطها بباقي المستوطنات ومدن الاحتلال، يسميها الفلسطينيون الطرق الالتفافية، في طريقنا إلى بيت لحم، شاهدنا عن بعد ثماني مستوطنات مبنية على الطراز الأوروبي(12) فهاته المفارق  كما أشرت لا يقدمها لنا  الإعلام "السمعبصري" كاشفا عيش أصحاب الأرض حياة تعيسة ومأساوية في مخيم احتضن ثلاثة أجيال، وبين الحياة الباذخة/ المخملية/ العصرية للمستوطنين في مستوطنات لا تبعد عن المخيمات إلا بكيلومترات قليلة. وبدوري لم أنتبه لهذا أمام زخم الصور الواردة من هناك؛ والتي غالبا ما تركز على هدم المباني وتهجير الفلسطينيين وما شابه ذلك؛وبالتالي فالحكمة الواردة ليس من رأى كما سمع؛ لأن السمع يرتبط بالدعاية والإشاعة؛ لكن المشاهدة والمعايشة تبطل ذلك؛ بمعنى أن شاعرنا يسلط الضوء على جانب مهمل في طروحاتنا، يتجلى في  مسألة اللغة: “قضينا الليلة الثانية من زيارتنا في فندق حياة بمدينة القدس.. لا شيء في هذا الفندق يحيل إلى هوية الأرض التي بني عليها. اللغة العربية لا أثر لها في مطبوعاته ولوحاته (..) تحاول أن تعطي للزائر الأجنبي انطباعا مشوها عن الواقع والتاريخ أيضا.... وفي إحدى المطبوعات السياحية لدولة الاحتلال، كُتِب تحت صورة المسجد الأقصى: من بقايا العهد العربي. كأنما عروبة القدس أصبحت في عداد الماضي(13) وفي نفس تدوينة الشاعر محمد بلمو- يثير “باب المغاربة” تلك الساحة التي نراها عبر شاشة التلفزة مزدحمة باليهود، يمارسون طقوسهم أمام حائط المبكى؛ وهو في الأصل والتاريخ حائط البراق بقوله: هذه الساحة جزء من حي المغاربة الذي دمره الاحتلال ليحوله إلى مكان لممارسة هذه الطقوس اليهودية، هنا كان يسكن العديد من المغاربة. كانوا يأتون إلى الحج، وحين يستشعرون الخطر المحدق بالمدينة، يقررون الإقامة هنا بجانب المسجد الأقصى للدفاع عن المدينة المقدسة (14) لكن ما أحسست به،متسربلا بين السطور أن صاحب المنجز لم يذق طعم النوم؛ لسبب طبيعي يتمثل في الخوف والأرق والصدمة، باعتباره منوجد في قلب فلسطين الجريحة؛ والتي أعادت له كل حمولاته النفسية / الفكرية/ الثقافية/ بحيث من المنطلق وفي وسط التدوينة نجد مفردة (النافذة / الشرفة) كإشارة للترقب والمراقبة والتأمل؛ مما شكلت له "النافذة / الشرفة" وعيا شقيا؛ في إطار الحسرة، والقلق، ومرارة الواقع الفلسطيني:  ناظرا من نافذة الطائرة إلى صحراء سيناء وأراضي قطاع غزة، وذاكرته “تستعيد أخبار الحروب وعمليات التهجير والمجازر والاستيطان، قبل أن تهدأ عاصفتها على إيقاع صور الانتفاضة المغتالة (...) كنت وحدي في الغرفة، أحسست بالاختناق، رغم أن المكان فسيح ومغر.. نهضت نحو الشرفة، أزحت ستائرها وانسللت إليها لأستنشق هواء القدس العربية.. تمعنت في المشهد، لا وجود لقبة الصخرة ولا للكنائس القديمة، ولا لسور مدينة الصلاة. فالشرفة تطل على منطقة استوطنها الإسرائيليون، وشيدوا فيها أحياء عصرية تخترقها شوارع واسعة مضاءة.. كنت وحدي في غربة الشرفة” (15)

وعموما؛ فهذا المنجز الحامل بين دفتيه ملاحظات تأملية تاركة أسئلة مفتوحة؟ ومشاهدات بَوْحيَّة  تشعل حرائق الأسئلة؟ يمكن أن يعتبر رسالة واضحة، تعيد النقاش مرة أخرى حول القضية الفلسطينية بمنظور جديد؛ منظور بعيد عن الإجتراروالتكرار؛ ولكن بمنظور متقارب مع القضية، وإشكالية التطبيع في العالم العربي؟ وفي نفس الوقت؛ أرضية لإعادة النظر في مهمة الشاعر ووظيفته، كما يمكن أن تعيد بنا لسؤال شرعية الكتابة الممتدة في الزمان التاريخي والوجداني، وطبيعة الكتابة البديلة، التي تناضل من أجل تحقيق العدالة والعدالة الاجتماعية والعدالة الإنسانية.

الإستئناس:

(1) 5 أيام في فلسطين المحتلة” لمحمد بلمو؛ ولوحة الغلاف للفنان الفلسطيني الكبير - محمد الركوعي- عدد صفحاته 150 - عن منشورات مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية /2022

2) محمد الصادقي (نموذج فقط) منذ بلوغه وهو يناضل بالشعر والكلمة، والحضور في الساحة. حتى أنه قاد مسيرة من إحدى إعدادية أزرو. دعما للقضية الفلسطينية وضد زيارة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لمدينة افران فاعتقل على إثرها بسجن اخنيفرة رفقة رفيقين وبعد التحاقه بكلية فاس، بعدما نال شهادة البكالوريا في السجن، ازداد نضالا وحماسا تجاه القضية الفلسطينية لكن اثر الضغوطات والصراع النفسي، فقد عقله وظل تائها في أزقة مدينة أزرو. لكن الإشكالية الكبرى فالتنظيم التقدمي لم يفكر فيه أو يساعده أو يتذكره (تلك) (أزمة اليسار) وربما توفي لأنني زرته  قبل ظهور فيروس) كوفيد (بسنة. فلم أجده أمام  فندق والحانة القريبة من الصخرة. أما (محمد باديش) نموذج قل نظيره  في كتابة الشعر العروبي والقومي؛ حتى سكنته فلسطين، في جوارحه، فكان رفقة – محمد بلمو- يحضران الحلقات لتقديم جديد  القصائد الشعرية تجاه القضية الفلسطينية، فكانت أشعاره متميزة وحماسية، لكن لطبيعته وتربيته الصحراوية كان يتقاتل من أجل البحث عن موارد إضافية، فاهتدى لبيع الكتب رفقة – الصادقي- في ساحة جامعة ظهر المهراز آنذاك، وبعض المداخل كان يساهم بها في صندوق القضية الفلسطينية، لكن صعوبة الحياة وتقلب الأيام، لم يكمل سلكه الجامعي، فآخر عمل اشتغله قبل أن يتوفي رحمه الله (حارس عمارة) وبدوره فالتنظيم التقدمي لم يفكر فيه أو ساعده !

***

طلال نجيب

.........................

3) مقدمه للكتاب من طرف محمد إدارغة – ص 3

4) وضع عمال الأراضي العربیة المحتلة : ص- 10 -   تقرير المدير العام – ملحق عن مؤتمر العمل الدولي- الدورة 110/ 2022

5) مقدمه الكتاب – ص - 4

6) وضع عمال الأراضي العربیة المحتلة : ص - 12

7) متن الكتاب  لمحمد بلمو/2022

(8) نفسه

(9) نفسه

(10) نفسه

(11) نفسه

(12) نفسه

(13) نفسه

(14) نفسه

(15) نفسه

 

علي حسينقد يبدو الحديث عن كيركغارد او كانط او حتى شوبنهاور في هذا الوقت غريبا الى حد ما.. فما بالك وانت تريد ان تتحدث عن فيلسوف لا يزال البعض يعتبره لغزا من الغاز الفلسفة واعني به هيغل.

في مقدمة كتابي "في صحبة الكتب" وضعت قائمة لكتب اصابتني بالحيرة في بداية قراءاتي الفلسفية، ومن بين هذه الكتب، النسبية لاينشتاين "، الكينونة والعدم لسارت، والوجود والزمان لهايدغر، راس المال ماركس، نظرية المعرفة لينين، ثلاثية كانط عن العقل، وكتاب ظاهريات الروح لهيغل.. وكان عليّ لكي اتجاوز هذه الحيرة ان ابدأ بقراءة الكثير من الكتب عن السادة " المحيرون " هؤلاء. قبل ان اقترب من هيغل كنت اتصور نفسي القارئ " الخطير " الذي لايشق له غبار، وان باستطاعتي ان اهتك اسرار أي كتاب يقع بيدي، وان بامكاني ان اقرأ نصوص الكتب قراءة جيدة، إلا ان قررت يوما ان اجرب حظي مع كتاب " مبادئ فلسفة الحق " للفيلسوف الالماني هيغل، وكان الكتاب من اصدارات وزارة الثقافة السورية لعام 1973 ترجمة تيسير شيخ الارض.- صدرت بعد ذلك ترجمة اخرى للكتاب بعنوان اصول فلسفة الحق قام بها امام عبد الفتاح امام اشهر من قدم هيغل الى العربية -. ما الذي استهواني بالكتاب حتى دفعت مبلغ وقدرة " ثلثمائة فلس عراقي " عدا ونقدا للمرحوم بناي جار الله لشراءه. كان الفضول الدافع الاول، والدافع الثاني حديث بعض الاصدقاء من ان ماركس كان متأثرا بهيغل، والدافع الاهم انني اردت ان اعرف ماذا يريد ان يقول هذا الفيلسوف الذي شاهدته صورته الملونة في مجلة المعرفة ويبدو متضايقا من العالم. بعد ذلك كانت العبارة المكتوبة على الغلاف الأخير للكتاب حافزا لكي اخرج النقود من جيبي واسلمها لصاحب مكتبة التحرير، فقد كتب المترجم ان هذا الكتاب من اوآخر كتب هيغل، وانه يحوي على مجمل فكره، وان الموضوعات التي يطرحها تتعلق بالانسان.. في البيت هيأت نفسي لقراءة ممتعة، لكن ما ان وقعت عيني على السطور الاولى من التقديم والتي تقول: " ما من احد ينكر الصعوبة الناجمة عن تفسير الفلسفة الهيغيلية "، حتى تيقنت انني وضعت نفسي في ورطة، وان الكتاب سيأخذ بخناقي ويضعني في قائمة القراء " الغشمة "، اذ لم اكن قد تحولت بملء ارادتي الى قارئ غشيم.. وتخيلت نفسي وانا اصارع كتاب " مبادئ فلسفة الحق " مثل سيزيف الذي قرأت عنه في كتابات البير كامو، ادفع بكتاب هيغل الذي تحول الى صخرة الى قمة جبل من الغموض، ثم اتابع هذه الصخرة وهي تسقط في حضني من جديد. وضعت صخرة سيزيف – مبادئ فلسفة الحق – في مكان داخل مكتبتي البيتية التي بدأت تنمو، على امل ان اجد يوما من يساعدني على حمل مثل هذه الصخور.

لماذا تذكرت هيغل هذا اليوم بالذات، والناس مشغولة البال بما يجري في بلاد النهرين، ومتى تغلق باب الازمات ؟. كنت اليوم كعادتي في كل جمعة اجلس في بيت المدى في شارع المتنبي عندما اقترب مني شاب، يحمل نسخة من كتابي " غواية القراءة " وطلب مني ان اوقعه له. كان يحمل معه مجموعة من الكتب دفعني الفضول ان اسأله عن عناوينها، نظرت الى الاغلفة وكانت اكثرها كتب فلسفية. واحد بعنوان نصوص من الفلسفة الحديثة، وكتاب يبدو غلافه قديما بعنوان في الفلسفة المعاصرة. وكتاب مفكرون عظماء.. قال لي الشاب انه يهوى قراءة الكتب الفلسفية لكنه يجد صعوبة في فهم البعض منها، ثم طلب مني مشورة حول كتب هيغل، واي العناوين يمكن ان يبدأ به.. تحدث الشاب كثيرا عن الفلسفة، وكنت انظر اليه واتذكر حماسي ايام الشباب، وكيف كنت اريد ان اقرأ كل شيء.. اخبرته بمحنتي القديمة مع هيغل وقدمت له النصيحة التي قدمها لي ذات يوم الراحل يوسف عبد المسيح ثروت، وتتلخص في البحث عن الكتب التي كتبت عن هيغل، لكي تكون جواز مرور للدخول الى فلسفة هذا العقل المثير للجدل.

في كتابه " تاريخ الفلسفة الغربية " يصف برتراند راسل، هيغل بأنه " الفيلسوف الأصعب "، فيما اعترف هو بأنه: " من السهل أن تكون غير مفهوم بدرجة عالية، من أن تكون مفهوماً بطريقة بسيطة ". ويصف بعض كتاب سيرته بان كتاباته بالنسبة للفلسفة مثل قمة إيفرست لمتسلق الجبال.. ورغم مكانة هذا الفيلسوف الكبيرة في الفكر العالمي، إلا ان الوجودي كيركغارد كان يرى في هيغل وفلسفته بانهما " يشكلان مقالا في الكوميديا ". وعندما قرأت مقال كيركغارد الذي ترجمه مجاهد عبد المنعم مجاهد ونشر في كتابه " رحلة في اعماق العقل الجدلي، قلت مع نفسي ان هذه الكوميديا التي يسخر منها كيركغارد، لا تزال تشكل بالنسبة لي احدى قمم الجبال التي لا يمكن الصعود اليها بدون ان نتسلح بكل ادوات التسلق.

عندما اكتب في صفحتي على موقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك " عن هيغل او كانط او سبينوزا تكون خشيتي من ان بعض الموضوعات ربما تكون جافة وصعبة ولا تتحملها اجواء الفيسبوك التي تتطلب مقالات سريعة وقصيرة، وايضا خوفي من ان يقول البعض يارجل مالنا ومال فلاسفة أكل الدهر عليهم وشرب. فيما يتساءل البعض لماذا نولي اهتمام لفلاسفة مثل هيغل ونحن نعيش عصر السرعة والتغريدة القصيرة وهيمنة ال" التك توك ".ويكون جوابي دائما ان هؤلاء الفلاسفة استطاعوا ان يناقشوا معظم المسائل التي تحيرنا في الوقت الحاضر ووجدوا اجابات مهمة لا نريد للاسف ان نتعمق فيها.

دائما ما يطرح سؤال: ما مصدر تلك المكانة التي يتمتع بها هيغل، يقول البعض ان ذلك نابع من اهتمامات هيجل نفسه وخصوصا بمسائل الدولة ومناقشة معضلات المجتمع، ان عبارته الشهيرة " الدولة هي ارفع اشكال الروح الموضوعية " لا تزال تمثل التراث السياسي لمعظم الامم في العصر الحديث.. وكان من حسن الحظ ان فلسفة هيغل لم تكن فلسفة مغلقة تبحث فقط في المعاني الفلسفية التي تهم المختصين بالفلسفة، وانما كانت فلسفة مفتوحة تبحث ايضا في القضايا التي تهم الناس، فإلى جانب كتبه " ظاهريات الروح " و" المنطق "، كتب هيجل في فلسفة التاريخ وعلم الجمال وفلسفة القانون.. وقد كان هيغل تجسيدا حياً للفلسفة من حيث هي عمل يشتغل به الانسان، ولم يكن يخجل من أن يوصف بانه فيلسوف محترف، اذ ان الفلسفة عنده حرفة، لها قواعدها ولغاتها واحوالها، وتقتضي مرانا وتدريبا عقليا خالصا، ومن العجيب ان الآراء لا تزال تختلف الآراء حول فلسفته، فالبعض ينظر اليه كما ينظر الى ارسطو على انه هو الفيلسوف الذي اتى بمذهب رحب يضم في داخله كل الفلسفات السابقة، والبعض الآخر يعده الخطأ الأكبر في الفكر البشري، وليس في هيغل الانسان اي جانب طريف، اذ يبدو ان الهدف الوحيد لحياته كان القيام بدور كاتم سر "الفكر"، لقد وصف هيغل فلسفته بانها: "محاولة لجعل الفلسفة تنطق بالالمانية"،

هل نحتاج ان نتحدث عن حياة هيغل. يصفه احد تلامذته بهذا الوصف المثير " " القامة خمسة اقدام وبوصتان (اي حوالي 167 سنتيمترا) الشعر والحواجب غامقة والعيون رمادية والانف والفم متوسطتان والذقن مستديرة والجبهة عادية والوجه بيضاوي باستطالة ". وشهد غالبية طلبته بانه لم يكن ذا جاذبية. وكان وجهه على حد قولهم شاحبا كما كان مترهلا. اعتاد ان يهمل ملابسه وهو جالس على كرسي الفلاسفة لألقاء محاضراته، بدأ دائما كانه متعب. وكان يطرق براسه وهو يتكلم في تردد متصل، فضلا عن انه كثيرا ما كان يسعل وسط الكلام.

ولد جورج فيلهلم هيغل في مدينة ستيغارت الألمانية عام 1770، لعائلة فقيرة، فقد أمه التي كان يحبها كثيرا في الحادية عشرة. وقتل أخوه في الحرب، وجنّت أخته التي كان متعلقاً بها كثيرا، كان الوالد موظف بسيط، والأم ربة بيت لا تعرف القراءة والكتابة، ولم يبلغ عامه التاسع عشر حتى اندلعت الثورة الفرنسية التي اطلق هو عليها فيما بعد "الفجر الجديد". عاش هيغل في العصر الذهبي للأدب الألماني، وبالرغم من كونه اصغر من غوته بعشرين عاما، ومن شيلر بعشرة اعوام، فقد استطاع ان يتقرب من حلقتهم الضيقة ويصبح احد مريدي غوته، وهناك يرتبط بعلاقة صداقة مع شاعر المانيا الكبير هولدرلين.

كان هيغل اكبر إخوانه حظوة عند أبيه وذلك لأنه كان يرى فيه الذكاء المفرط، وقد ارد الوالد ان يجعل من ابنه كاهناً، فسجله في الفصل الأكاديمي بجامعة "توينجن" لدراسة اللاهوت، وهناك تعرف على شيلينغ الذي سيصبح اقرب اصدقائه وكان يصغره بخمسة أعوام، إلا أن دراسة اللاهوت لم تستهوه فقرر الانصراف لقراءة مؤلفات افلاطون وسنيكا ومونتسكيو، ثم وجه اهتمامه الى جان جاك روسو وكان كتاب "العقد الاجتماعي" بمثابة كلمة السر التي تراءت لهيغل الشاب من اجل قيام فلسفة ثقافية حديثة الأسلوب، وقد دفعته آراء روسو الى ان يشكل نادياً للسياسة كانت تناقش فيه الثورة الفرنسية، الأمر الذي دفع السلطات الألمانية الى مطاردة اعضاء النادي، فقرر هيغل الهرب الى مدينة برن، وهناك استطاع ان يجد وظيفة في احد بيوت الأثرياء، بعد ان توسط هولدرلين في تعيينه، وفي تلك الفترة عكف على دراسة مؤلفات هيوم وميكافيللي و لايبنتز وسبينوزا، كما قام بدراسة مؤلفات كانط. في تلك الفترة نلاحظ اتجاه هيغل نحو فصل الدين عن الدولة، وفي رسالة الى هولدرلين عام 1795 يكتب: " لاسيبل الى هز صرح الكنيسة الارثوذكسية، طالما ان مهامها ترتبط بمصالح دنيوية، وتتداخل في بناء الدولة، وطالما ان الكنيسة مصرّة على ان تجعلنا نضع ايدينا في جحورنا ونتكاسل في انتظار ان تاتي مملكة الله، العقل والحرية سيظلان كلمة السر التي بيننا ونقطة اتحادنا، هي الكنيسة غير المرئية."3991 مبادئ فلسفة الحق

شعر هيغل بسعادة غامرة في عمله الجديد، وقد عدّه خطوة نحو الأمام: "سوف اعود، كي اصبح مساويا للعالم اكثر بعض الشيء مما كنت". كانت هذه رسالة بعث بها الى شقيقته، وفي تلك الفترة يكتب مقالات يُعلق فيها على خطب البرلمانيين التي كانت تناقش الضرائب على الفقراء واصلاح قانون الأراضي. بعد وفاة والده عام 1799 يتخلى هيغل عن وظيفة المعلم الخاص، ليلتحق بصديقه شيلينغ في جامعة ينا، وكان شيلر وفيخته هناك ايضا، الآن شيلنغ حقق شهرة ومكانة سمحتا له بالتوسط لتعيين صديقه هيغل مدرساً في الجامعة براتب متواضع، وفي تلك الفترة يؤسس مع شيلنغ مجلة للفلسفة ينشر فيها الفصول الاولى من كتابه "علم ظهور العقل "، في تلك الفترة احتل الفرنسيون مدينة ينا فأغلقت الجامعة ما اضطر هيغل، لأن يعمل صحفياً بالقطعة، ثم قبل وظيفة مدير مدرسة ثانوية.

في عام 1801 يقدم رسالته للدكتوراه وفيها يخالف آراء نيوتن، ويعود للجامعة ليصبح عام 1805 استاذاً فوق العادة، إلا أن الحرب التي لم تنته بددت آماله بحياة مستقرة، فسُرق منزله، ولم ينجح سوى في انقاذ واحد من ممتلكاته وهو الأكثر قيمة لديه: مخطوط فينو مينو لوجيا الروح "ظاهريات الروح" الذي كان يحتفظ به في جيب معطفه اثناء حريق المدينة واضطر لطلب مساعدة غوته. عام 1806 استطاع ان يقنع احد الناشرين بطبع كتابه الذي لم يجد اقبالاً من القراء حيث وجدوا صعوبه في حل ألغازة،، لكن رغم المصاعب إلا أن هيغل كان يرى ان العالم يتحضر لمعركة كبيرة سينتصر فيها الانسان، انسان الأزمنة الحديثة الذي شاهده يسير فوق حصانه، لقد حمل نابليون او روح العالم الى المانيا بعض المكتسبات السياسية والاجتماعية للثورة الفرنسية: "شاهدت القيصر، تلك النفس العالية، ممتطيا جواده، انه لفي الواقع احساس رائع ذلك الذي يغمر المرء حين يرى هذا الفرد مركزاً في نقطة جالساً على جواد."

بلغ هيغل الأربعين من عمره ولم يتزوج، ونراه عام 1811 يكتب الى احد اصدقاءه يزف اليه نبأ خطوبته: "اعلم انك تود لي السعادة من كل قلبك.. اسمها ماري فون توخر "، كانت ماري اصغر منه باثنين وعشرين عاما، وقد أراحه الزواج وساعده على زياده انتاجه الفلسفي، فقدم بعد عام كتابه الأشهر "علم المنطق"، وقد تميز هذا الكتاب عن سائر انتاج هيغل حتى ان مؤلفه دعاه "افكار الله قبل الخلق"، كان هيغل آنذاك قد صار علماً في سماء الفلسفة عندما طلبت اليه جامعة هايدلبرغ ان يقبل فيها منصب الأستاذية، حيث امضى في هذه الجامعة عامين قبل ان يقدم له وزير التربية البروسي منصب استاذ الفلسفة في برلين، كان يتمنى منذ زمن طويل الاستقرار في مركز الحياة الثقافية والسياسية في المانيا، وقد وفرت له جامعة برلين حقلاً واسعاً للكشف والدراسة، واستطاع امام جمهور مختار من الطلبة ان يقدم محاضراته الشهيرة حول فلسفة الدين والجماليات وفلسفة التاريخ ونشر عام 1821 كتابه "مبادئ فلسفة الحق."

غير انه أثار منذ وصوله برلين، حفيظة الأوساط المحافظة التي اتهمته بانه يغلف أفكاره السياسية الإصلاحية بتعابير فلسفية غامضة، وقد اغضب السلطات بمحاضراته واعماله، مما ادى الى ان تتم مراقبته من قبل الشرطة، ولم يقتصر خصومه على اتهامه بوحدة الوجود وانكار خلود النفس، وانما كانوا يهزأون من كل تفكيره الديني، وقد كانت شهرته سبباً في تكاثر أعدائه وتزايد الحملات عليه، وكان شوبنهاور في مقدمة الذين سخروا من فلسفة هيغل واعتبرها مضيعة للوقت، لكنه لم يهتم وواصل عمله، إلا ان أصابته بمرض الكوليرا لم تمهله طويلا، فمات في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1831 ولم يكن احد ينتظر لم مثل هذه الميته.

كتاب " مبادئ فلسفة الحق " هو اخر كتاب كتبه هيغل، وكان ولا يزال من اكثر الكتب التي اثارة الجدل والهجوم في نفس الوقت حيث اتهم هيغل بانه الف كتابه لخدمة سيده فريدريك فيلهام ملك بروسيا. في مبادئ فلسفة الحق " يبرر هيغل قيام الدولة انطلاقا من الوجهة التشريعية والاخلاقية. فالقانون عنده هو التعبير عن الارادة العقلانية التي تحقق ذاتها كحرية بشكل يسير قدما ومن ثم كان لتطوره طابع منطقي وتاريخي في نفس الوقت. لقد رفض هيغل النظرة العقلانية للقانون كشيء مطلق خارج التاريخ مستمد من المبادئ الخالدة والصادقة بشكل مطلق والتي تنطبق على جميع المجتمعات وتحكم التطور التاريخي جميعه، وانتقد هيغل العقلانية على عنايتها بالفرد في الانسان لا عنايتها بالعنصر الاجتماعي، وعلى جعل القانون ثانويا بالنسبة لاشباع رغبات الافراد واحتياجاتهم بدون العناية بالضرورات الاعلى للمجتمع والدولة.

وقد وجه هيغل نقدا الى الرومانسية الاجتماعية، واكد على ان القانون يجب ان يرتبط مع الواقع الاجتماعي والتطور التاريخي وان الفرد يجب ان يتلائم مع النزعة الجمعية ويخضع لهذه النزعة.ويعد الخضوع الكامل للفرد للسلطة المطلقة للدولة المبدأ الرئيسي في كتابه " مبادئ فلسفة الحق "

عند هيغل يحدث اندماج المجتمع في الجماعة في دولة مثالية تكون مرآة واداة للمجتمع. لم يتصور هيغل الحرية نفسها من جانبها الذاتي باعتبارها تعبيرا عن الارادة الحرة، بل نظر اليها على انها الخضوع للقانع بحرية من جانب الفرد للمبادئ العامة للاخلاقيات الموضوعية التي تكون الدولة خير تعبير عنها: " “إذا خلطنا بين الدولة والمجتمع المدني، وجعلنا الغاية الخاصة من الدولة الأمن وحماية الملكية الخاصة والحرية الشخصية- لكانت مصلحة الأفراد بما هم كذلك الغاية النهائية التي اجتمعوا من أجلها، وينتج عن ذلك أن تكون عضوية الدولة مسألة اختيارية. غير أن علاقة الدولة بالفرد شيء مختلف عن ذلك أتم الاختلاف.. إن الفرد لن تكون له موضوعية ولا فردية أصيلة ولا حياة أخلاقية إلا بوصفه عضوا من أعضائها. إن الاتحاد الخالص والبسيط هو المضمون الحقيقي والهدف الصحيح للفرد، ومصير الفرد هو أن يعيش حياة كلية جماعية" – مبادئ فلسفة الحق -

يصر هيجل على أن تكون الدولة غاية لا مجرد وسيلة ويرفض التفكير فيها باعتبارها وسيلة لتحقيق أي مصلحة شخصية.

ذهب هيغل إلى أن التعامل مع الدولة باعتبارها آلية للحصول على غايات خارجية ومادية، تعمل على إشباع حاجات الناس، يخرجها عن طابعها الأخلاقي ويؤدي في النهاية إلى الفساد السياسي والانهيار الاجتماعي، ويؤدي كذلك إلى انهيار الدولة ذاتها.

ويرى هيغل أن بذور الانهيار هي في اعلاء النـزعة الفردية والتعامل مع الدولة باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات اقتصادية جزئية،. لكن ما الحل الذي يقدمه هيجل لهذه الأزمة، تلك التي يسميها تناقضات المجتمع المدني؟ يتمثل الحل في مفهومه عن الدولة، فهي في نظره القادرة على علاج هذه التناقضات.

إن تكوين نظام سياسي وعقلاني ومرض عند هيغل يتطلب إرادة جماعية كلية لا إرادة فردية جزئية.

يبين الكسندر كوجيف في كتابه " مدخل لقراءه هيغل " – ترجمة عبد العزيز بومسهولي - ان نظرية الدولة عند هيغل كلها ترتكز على مفهومي الرضى والاعتراف. فالدولة توجد عندما يجد كل مواطن، في قلب الجماعة، تلبية للمصالح التي يقر بأنها معقولة، وكل واحد يعترف بالدولة عندما يتعرف على ارادته الشخصية المعقولة في الارادة العامة التب تعبر عنها اجهزة الدولة.

في عام 1843 كتب شاب الماني اسمه كارل ماركس كتابا عنوانه " نقد فلسفة الحق عند هيغل "، في محاولة لتحديد طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمع المدني اي بمجموع المصالح الاقتصادة والاجتماعية. وانتهى ماركس الى ان نظام هيغل بقضي الى التوفيق مع العالم كما هو وتكريس عقلاني للوضع البرجوازي. ففي كتاب هيغل رفعت الدولة الى نظام عقلي، هو تجسيد وارتقاء للمنطق وتيرير للملكية ونظمها. فالدولة عنده هي منظمة وخالقة للمجتمع. هي دولة معقولة. بكل انظمتها ووسائلها.

ورغم النقد الذي يوجهه ماركس في بداياته الى هيغل إلا انه سيعترف فيما بعد بافضال هيغل عليه وسيكتب: " حين كنت اكتب الجزء الاول من راس المال، كان ابناء الجيل الجديد، اولئك الادعياء المتهورون، يباهون بانهم ينظرون الى هيغل نظرتهم الى (كلب ميت).. لذا بادرت واعلنت صراحة انني لست إلا تلميذ لهذا المفكر العملاق ". وفي الدفاتر الفلسفية يكتب لينين " يستحيل استحالة قاطعة ان نفهم راس المال لكارل ماركس، ما لم ندرس منطق هيغل ونفهمه باكمله ".

قبل عامين وبمناسبة الاحتفال بمرور 250 على ولادة هيغل كتبت الفيلسوفة الامريكية جوديث بتلر مقالا بعنوان "اهمية هيغل لزماننا " قالت فيه ان التفكير في هيغل هذه الايام سيدو امرا غريبا، فما ذا بامكان فيلسوف ولد قبل 250 عاما ان يفعل في حياتنا، وما الذي سيقوله عن ثورة الاتصالات والكواكب.. وتضيف بتلريرينا هيغل في كتابه " ظاهريات الروح " أننا لسنا مخلوقات متوحدة ببساطة، منفصلين عن بعضنا البعض، ففي منظوره، الأفراد الواعين لذاتهم ليسوا متوحدين تماما البتة لأنه وفي جزء يعتمدون على بعضهم ولا يمكنهم الاستغناء عن الآخرين. وهو يقدم لنا حسب تعبير بتلر تأمل ذاتي يتلخص في ان فرصتنا كافراد تكمن وعينا بذاتنا: " متى ما وصلنا إلى معرفة ذاتنا، قبضنا على السبيل الذي نغدو به مرتبطين جوهريا بالآخرين.

تقول بتلر في مقالها: " في قراءتي لهيغل، هذا الاكتشاف بأني مربوط بالآخر وأن الآخر مربوط بي وأن كلانا مربوط بعالم حي، ينير وضعنا كمخلوقات حية وعلاقتنا التبادلية المتجسدة وحسا من الالتزام الأخلاقي المتبادل والذي هو التزام أيضا للمحافظة على عالم يجعل حياتنا ممكنة وجديرة بالعيش" – اهمية هيغل لزماننا ترجمة فاطمة الشملان.

في زماننا هذا نقول اننا بحاجة الى قراءة كتب هيغل، فهو يقدم لنا افكارا اكثر دقة، وهي بذلك اكثر قابلية للاستهمال، عن انفسنا، وعن صعوباتنا، وعن مكاننا في التاريخ.

في كتاب بعنوان " بعنوان " هيغل في دماغ لاسلكي " للفيلسوف السلوفيني " سلافوي جيجيك " يقول أنه من الضروري ألا نعود إلى هيغل فحسب، بل نكرر انتصاراته ونتجاوزها، ونتغلب على حدوده بأن نكون أكثر هيغلية من السيد هيغل نفسه،ويتساءل جيجيك: لماذا لا يكون القرن الحادي والعشرين، قرن هيغل بامتياز ؟

***

علي حسين – العراق

رئيس تحرير صحيفة المدى

 

عامر هشام الصفارصدر في بغداد مؤخرا عن المكتبة العصرية الكتاب الجديد لمؤلفه أستاذ جراحة الجملة العصبية الدكتور عبد الهادي الخليلي. وقد جاء كتابه بعنوان "مكافحة السرطان في العراق-توثيق لجهود متواصلة-. وقد أهدى المؤلف كتابه التوثيقي هذا الى أستاذه الجرّاح العراقي المعروف الراحل الدكتور خالد القصاب، وذلك عرفانا بما قدّمه من خدمات في سبيل تطوير المجتمع الطبي وتوعية المجتمع عامة للوقاية من مخاطر السرطان- هذا المرض الوبيل.

يشير المؤلف الخليلي الى أن الأستاذ القصاب كان قد قاد مسيرة مكافحة السرطان في العراق منذ خمسينات القرن الماضي..حيث شاركه فيها أساتذة من رواد الطب العراقي ومنهم د قيس كبه والدكتور حسين طالب والدكتور فائق السامرائي والدكتور خليل الآلوسي والدكتور علي الهنداوي والدكتور الجرّاح زهير البحراني والدكتور محمد أبو طبيخ والدكتور عبد الرحمن الجوربجي وآخرون... حيث بذل الجميع جهودا كبيرة مضنية لوضع خطط تنظيم العمل وتطوير أساليب التشخيص والعلاج..فضلا عن العمل على تثقيف المواطن للوقاية من المرض وأكتشافه مبكرا.

وقد فصّل المؤلف في موضوعه فخصّص جزءا من كتابه للتعريف بالمرض-السرطان – وماهيته ومسبباته وكيفية الكشف المبكر عنه، وفي موضوعة الأسباب المؤدية للأصابة للأصابة بالسرطان كان لابد من البحث في موضوعة تلوث البيئة العراقية..وهو تلوث الهواء والماء والغذاء مما له علاقة في التسبب بمرض السرطان كالتدخين والأفراط في تناول الكحول والسمنة وزيادة التعرض للشمس.

وحول علاقة السرطان بالوراثة والمورثات (الجينات) يشير المؤلف الى أن هناك علاقة لبعض تلك الجينات بعدد من الأمراض وبضمنها بعض أنواع السرطانات، بحيث يمكن التعرّف عليها حتى قبل الأصابة بها..فأشار الى أن "المكتوب على الجين يجب أن تراه العين" أحيانا..

كما فصّل المؤلف في سبل علاج مرض السرطان مع أعطائه نبذة تاريخية بهذا الصدد.. حيث بدأت بواكير العلاج الهرموني للسرطان حينما أكتشف العالم توماس بيتسون في عام 1878 أن ثدي أنثى الأرنب المختبري لا تنتج الحليب حينما يتم أستئصال مبايضها.. وعندها حاول بيتسون علاج أحدى حالات سرطان الثدي بأستئصال مبايض المريضة، فتبين أن هناك تحسنا في حجم الورم في الثدي... وبذلك تم أستخدام هرمونات التاموكسفين مثلا اليوم في علاج سرطان الثدي..أما بخصوص العلاجات المتوفرة الأخرى لأمراض السرطان فقد فصّل الكتاب في سبل العلاج الجراحي، والعلاج بالمواد المشعة والعلاج الأشعاعي والكيمياوي ثم العلاج بالمواد المناعية.

وعودة لخدمات التشخيص والعلاج لمرض السرطان في العراق، أشار المؤلف الخليلي الى ما أفاد به الأستاذ د علي الهنداوي حول معهد النظائر المشعة في العراق، والذي تأسس في أواخر الخمسينات ببغداد.. حيث وصلت أول وجبة من النظائر المشعة في تموز عام 1958 وهي وجبة مكونة من اليود المشع وغرين الذهب حيث تم العمل في المعهد مع الخبير البريطاني نورمان فييل.

وفي أشارة الى مستشفى الأشعاع والطب النووي يذكر المؤلف أن أفتتاحها كان في عام 1969 في منطقة العلوية ببغداد.. حيث أختص عمل الأطباء فيها على التشخيص للأمراض السرطانية والمعالجة الأشعاعية.. حيث جهزت المستشفى بأجهزة الكوبلت المشع والمعجلات الخطية والعقاقير الخاصة بعلاج السرطان.. كما تم أنشاء معهد الأشعاع والطب النووي في الموصل عام 1975.. وكان أن أفتتحت مراكز أخرى للطب النووي في محافظات عراقية عديدة بعد ذلك..

وحول جمعية مكافحة السرطان العراقية خصص المؤلف د عبد الهادي الخليلي فصلا خاصا تطرق فيه الى بدايات عمل الجمعية حيث حصلت موافقة وزارة الداخلية عام 1961 على تأسيسها لتكون جمعية غير حكومية وغير ربحية هدفها النفع العام..فكانت بأسم "المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان" حيث أسسّها وقام عليها د خالد القصاب وقيس كبه وخليل الآلوسي وعبد الرحمن الجوربجي ومحمد علي خليل المدامغة وأحسان القيمقجي وآمنة صبري مراد وداود سلمان علي وسالم الدملوجي وحسين طالب... وفي عام 1962 عقدت الجمعية أول مؤتمر لها خاص بالسرطان حيث تبعتها بعد ذلك مؤتمرات سنوية عديدة شارك فيها أستشاريون أطباء من مصر وفرنسا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا.. حيث قدّم فيها الأطباء العراقيون خيرة بحوثهم الأصيلة بخصوص مرض السرطان..3989 الخليلي

وقد سعت الجمعية منذ تأسيسها لأصدار المنشور الصحي التثقيفي، فكانت نشرة أقرأ عن ..والتي كان الغرض منها تزويد المواطنين بمعلومات أساسية حول أنواع السرطان الأكثر أنتشارا وهي سرطان الجلد والفم والمجاري البولية والمعدة والأمعاء والثدي وسرطان الرحم... وكل هذه النشرات كانت موجهة لتوعية الجمهور بأعراض السرطان الأولى بغية التشخيص المبكر، فالعلاج مع التركيز على الهدف الوقائي أيمانا بأن "الوقاية خير من العلاج".. وفي عام 1967 أصدرت الجمعية مجلتها العلمية الأخبارية بعنوان مجلة السرطان العراقية حيث كان الدكتور الخليلي سكرتير تحريرها لمدة 3 سنوات.

وتعد ندوة "الخلية السرطانية" والتي عقدت بمبادرة من الدكتور الخليلي وجمعية مكافحة السرطان بالتعاون مع كلية الطب بجامعة بغداد واحدة من أهم الندوات التي شهدها العرق عام 1985 حيث شارك فيها عدد كبير من أساتذة الطب والعلوم. هذا اضافة الى الندوة المهمة الأخرى والتي عقدت عام 1995 في مدينة الطب ببغداد والتي أختصت بجهود أطباء الأشعة بالتعاون مع الجراحين العراقيين في مكافحة مرض السرطان فكان ان تطرقت الندوة الى موضوعات مهمة منها: أورام الثدي وأورام الجهاز الهضمي والكبد وأورام الجملة العصبية.

وقد خصّص المؤلف فصلا كاملا لموضوعة تأسيس مجلس السرطان في العراق والذي تشكل عام 1982 بقانون نص على تشكيل المجلس الأعلى لبحوث ومعالجة الأورام السرطانية في العراق حيث يدير المجلس هيئة أدارية تعنى بتنظيم جهود مكافحة السرطان ويرأسه وزير الصحة شخصيا وله أن يختار أعضاء المجلس.

وفي تقريره لوزارة الصحة أشار د خالد القصّاب حينذاك -أي عام 1982- الى أن السرطان يعتبر مشكلة صحية في العراق، فقد أظهرت الدراسات الوبائية أن 47% من أصابات الرجال بالسرطان و 30% من أصابات النساء بالمرض أنما ترتبط بعوامل بيئية مما يتعلق بالصحة والسلامة الشخصية للأفراد.  ومن هذه العوامل: التدخين.. الأصابة بمرض البلهارزيا (المتوطن في العراق)..وجود المواد الحافظة في الأغذية .. التعرض لضوء الشمس الساطع.. وغيرها..

وحول تأثير الحروب والحصار في التسعينات على أمراض السرطان في العراق يشير المؤلف الخليلي الى ان التدمير الهائل الذي حصل أثناء الهجوم العسكري..والحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على جميع مرافق الحياة تقريبا في العراق قد سبّب تدميرا بعيد المدى في البنى التحتية للوطن.. حيث تأثرت سبل تشخيص وعلاج الأمراض السرطانية كثيرا.. وكمثل على ذلك أشار الخليلي الى عدم توفر النظائر المشعة لأغراض التشخيص والعلاج الطبي، مما أدى الى عدم أمكانية تشخيص الأورام السرطانية وغيرها من الأمراض التي تستخدم فيها النظائر المشعة.

وقد فصّل المؤلف في هيكيلية مجلس السرطان في العراق ومن ذلك تأسيس مركز التسجيل السرطاني عام 1974 والذي بدأ فيه العمل الفعلي عام 1975 حيث كان مقره في مستشفى الأشعاع والطب النووي وبأدارة كفؤة من قبل د منى الحسني وبدعم من د تحسين السليم. وقد أقتصر المركز في بداية سنوات أستحداثه على جمع المعلومات عن الحالات السرطانية لدى المرضى الذين يعالجون في مستشفيات بغداد.. حيث كانت هذه المعلومات تغطي مساحة كبيرة من مرضى المحافظات العراقية الأخرى، والذين كانوا يطلبون العلاج في بغداد. وفي عام 1999 تم أدخال التقنيات الحديثة في عمل مركز التسجيل السرطاني وتطبيق أسلوب الأدخال الحاسوبي والأبتعاد عن الأسلوب الورقي.

وفي عام 2000 أصدر مركز التسجيل السرطاني تقريره عن واقع السرطان حينذاك في العراق حيث أشار الى أن عدد المصابين بالسرطان قد أزداد وبصورة كبيرة في السنوات الأخيرة فقد تم تسجيل حوالي 150 ألف حالة سرطانية خلال السنوات 1991-1999 أي ما بعد سنوات الحرب والحصار على العراق. كما تم تسجيل ما يقرب من 4500 حالة لسرطانات الأطفال (بعمر اقل من 15 عاما) خلال السنوات 1991-1999 مقارنة ب 1500 حالة فقط خلال الثمانينات اي بمعدل 3 اضعاف زيادة في عدد الحالات السرطانية بين الأطفال في تسعينات القرن الماضي عنها في الثمانينات. كما لوحظ التغير في النمو الوبائي لبعض أنواع السرطانات في سنوات ما بعد عام 1991.. مما فصلّه الكتاب بخصوص سرطان الثدي والدماغ والرئة والقصبات الهوائية والقولون والمستقيم (الأمعاء الغليظة) وسرطان الدم وسرطان الغدد اللمفاوية.

وفي عام 2000 عقد في بغداد وبمبادرة من الدكتور الخليلي وزملائه من أعضاء مجلس السرطان المؤتمر العلمي حول السرطان حيث تحدث فيه الخليلي قائلا: لقد تعرض العراق في التسعينات نتيجة العدوان العسكري عليه الى التلوث بمختلف أنواع المسرطنات وخصوصا اليورانيوم مما سبب كارثة صحية على المدى الطويل.

وفي كلمة الأستاذ الجرّاح د زهير البحراني في المؤتمر أشار أيضا الى العدوان على العراق عام 1991 وما أستخدم فيه من أسلحة محرمة أدت الى تلوث بيئي واسع شملت أضراره جميع الأحياء.

وقد أشار الكتاب في جزئه العربي والأنكليزي الى مشروع بحث علمي عراقي مقدم الى المنظمة الدولية حول علاقة السرطان باليورانيوم المنضب..حيث تمت الموافقة عليه من قبل المنظمة الدولية لبحوث السرطان في فرنسا في شهر شباط 2003 ولكن ظروف الأحتلال وما بعده لم تسمح بتنفيذه وبدء العمل عليه. وتشمل الدراسة المقترحة ثلاثة جوانب:

* الكشف عن اليورانيوم في عينات التحليل النسيجي، وفي دم وأدرار مرضى السرطان.

* الكشف عن اليورانيوم في دم وأدرار عائلات مرضى السرطان.

* الكشف عن اليورانيوم في دم وأدرار الأشخاص غير المصابين بالسرطان في المناطق التي تعرضت للقصف باليورانيوم ومقارنتها بالأشخاص الذين يسكنون في المناطق التي لم تتعرض لليورانيوم.

وأستمرارا مع نهج المؤلف في التركيز على التعريف بالبحوث العلمية التي أجريت في العراق بخصوص الوقاية من السرطان تم نشر خلاصة بحث د آسيا الفؤادي بخصوص علاقة الغذاء بالسرطان، كما تم نشر البحث الخاص بدرجة الماجستير للباحثة هديل الكتبي والذي يدور حول تأثير الحصار على السرطان في العراق.

وفي الفترة التي تلت أحتلال العراق عام 2003 تسلم الدكتور سعيد اسماعيل حقي مع فريق من المستشارين الأميركان مسؤولية أدارة الصحة حيث أرسل د الخليلي مذكرة للمسؤولين حول السرطان في العراق بغية أعطاء صورة عن واقع المرض الخبيث في البلاد، والتعريف بدور مجلس السرطان بأعتباره الجهة المركزية المعنية بشأن السرطان من ناحية التسجيل والدراسة والتخطيط والتنفيذ للخطط الخاصة بالبرنامج الوطني للسيطرة على المرض الخبيث. وفي خطة عمل مجلس السرطان تم التركيز على حقل التسجيل السرطاني وتنشيط هذا التسجيل ليعتمد الأسلوب الفعال في جمع المعلومات وملأ الأستمارات وبيانات وفيات المرضى بالسرطان وذلك في بغداد وبقية المحافظات. كما تم التطرق تفصيلا لموضوعة التشخيص المبكر للسرطان والوقاية منه مع التركيز على أستمرار وتعزيز التعاون بين مجلس السرطان واللجنة المركزية لآثر التلوث نتيجة الحرب في مناطق معينة من العراق.. أضافة لأعداد دراسة دقيقة للبحث في أسباب أرتفاع معدلات الأصابة بسرطان الغدد اللمفاوية

(Non-Hodgkins Lymphoma) وتطوير قاعدة المعلومات في المجلس وذلك برفدها بأحدث المستجدات والبحوث والمراجع العلمية.

وقد فصّل الكتاب في قانون مجلس السرطان في العراق والصادر عام 1985 وتعديله الأول الصادر عام 1990 والتعديل الثاني الصادر عام 1997 والثالث الصادر عام 2001.

كما نشر المؤلف دليل ملأ أستمارة التسجيل السرطاني الصادرة عن وزارة الصحة ومجلس السرطان في العراق وذلك عام 2002،أضافة الى نشر خطة الطواريء لتأهيل المعالجة الشعاعية للأورام السرطانية والصادرة عن وزارة الصحة العراقية عام 2004.

***

د. عامر هشام الصفّار

 

هي سلسلة من الدراسات اعتادت شركة "الأصالة" للنشر الجزائر ـ، إنجازها في شكل (كتاب جماعي)، سلطت فيه الضوء على مواقف شخصيات ونظرياتهم في مختلف القضايا، وكان لها أن اختارت في عددها السادس (6) شخصية فكرية تناولت من خلالها سؤال النهضة، إنه المفكر والفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، وهو عمل جماعي جبّار شارك فيه نخبة من الباحثين العرب سلطوا الضوء على جملة من الإشكاليات المتعلقة بالفكر النهضوي عند مالك بن نبي وشروط الإقلاح الحضاري، الكتاب صدر في 2019 أشرف عليه الدكتور عمر نقيب، الملاحظ أن الكتاب لا توجد فيه مقدمة ولا خاتمة ولا تعقيبات كما نراه في بعض الأعمال الجماعية، وكان على المشاركين في هذا العمل الجماعي الجبّار أن يتفقوا على وضع مقدمة أو يختاروا من يتوبهم، وحبذا لو كتب الناشر تصديرا يعلم فيه القارئ بمبادرتهم في إنجاز هذا العمل الجماعي ونشره في كتاب، ليكون مرجعا للطلبة والباحثين

الهدف من إصدار هذا العمل الجماعي الكشف عن أسباب التعتيم الإعلامي، الثقافي والسياسي التي مارسته بعض الأطراف بعد الإستقلال ولعل السبب الرئيسي يعود إلى نوعية خطب مالك بن نبي الموجهة إلى النخبة، كما كشفوا فيه مدى تأثر مالك بن نبي بزعماء الإصلاح كالأفغاني، الكواكبي، محمد عبده وابن باديس، إلا أنه كان أكثر التزاما بحياده العلمي وفكره الموضوعي في نقده أعمال الإصلاحيين ووضعها في إطار سمّاه مشكلات الحضارة، فقد عالج مالك بن نبي قضايا الأمة ومشكلات المجتمع والثقافة ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي والظاهرة القرآنية، كما عالج يعض الأمراض الإجتماعبة كالتخلف الحضاري والظاهرة الإستعمارية وهذا لمدة تزيد عن 20 سنة، والمتأمل في أفكار مالك بن نبي أن الرجل كانت له نظرة تفاؤلية في عملية التغيير الإجتماعي والسياسي والإقتصادي، من الصعب طبعا تلخبص كتاب يحتوي على 430 صفحة، فما وقفنا عليه هو أن الأفكار كانت متقاربة ومتكررة من باحث لأخر، رغم أن كل واحد منهم اختار الزاوية التي يعالج بها مسيرة هذا الرجل الفكرية، آرائه ومواقفه من مختلف القضايا ومن هم الذين يقاسمونه هذا الفكر النيّر، كأرنولد توينبي ومحمد إقبال وغيرهم، خاصة وأن مالك بن نبي يعدّ من أعلام الفكر العربي هو ومحمد أركون إلى جانب طه حسين وعادل حسين وعبد الله العروي وعبد الرحمان بدوي وغيرهم (انظر كتاب اعلام الفكر العربي للد/ السيد ولد اباه صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر)

فعلى سبيل المثال وقفنا على أن بعض المشاركين في هذا العمل الجبار تحدثوا عن فكرة تطرق إليها آخرون ليس هذا من باب المقارنة بل لغياب اتفاق مسبق حول الأفكار التي ستطرح للنقاش وهذا قد يقودنا إلى الإجترار كما يقال، كما لاحظنا أن بعض الباحثين المشاركين طرحوا فكرة حساسة حدا لكنهم لم يعطوها حقها من الشرح والتبسيط، وآخرون اكتفوا بنقل مشاركات مللك بن نبي في الملتقيات وهي عبارة عن تغطيات إعلامية وحوارات أجراها إعلاميون معه وشهادات من عايشوه، باستثناء البعض الذين ابحروا في فكر مالك بن نبي وموقفه من المذاهب والفرق الإسلامية وهو البحث الذي أجرته الباحثة استاذة ا آمنة بن شيكو أستاذة التعليم العالي بالمدرسة العليا ببوزريعة خاصة ما تعلق بنظرة مالك بن نبي للوهابية في قضية التوحيد، ولكنها لم تعطه حقه من الشرح بحكم أن الوهابية تعتبر من أكبر الفرق الإسلامية تشددا، في ظل ما يتميز به الفكر افسلامي من جمود وانعدام الفعالية في مرحلة النهضة، ما وقفنا عليه أن مالك بن نبي كان متأثرا بالنهضة اليابانية ما جعله يولي أهمية كبيرة للثقافة والتربية في جوانبها العملبة، من أجحل محاربة التخلف الذي ارجعه مالك بن نبي إلى الجهل بالإسلام وروحه، عكس الأمم الأخرى الي جعلت من عقيدتها مرجعا في بناء نهضتها ولم تتأثر بالثقافات الغربية كاليابان والصين.

هل كان مالك بن نبي إخوانيا؟

سؤال قد يخضع إلى التأويل بل التمييع، وقد يقول قائل أنها محاولة لزرع فتنة أو إحياء فتنة نائمة، الهدف ه تسليط الضوء على بعض المصطلحات التي قليلة التداول في النقاشات الفكرية، كمصطلح "الإسلامائية المعاصرة" التي أسسها الإخواني حسن البنّا في الثلاثينات قبل أن تتغير في الستينات بعد سيد قطب وتنوع تياراتها حيث بات من الضروري الإعتقاد أن حل مشكلة المسلمين ينحصر في بناء دولة إسلامية وهة ما عبروا عنهى في مصر بشعار " الإسلام هو الحل"، وقد تطرق إليها الدكتور محمد شاويش عندما تحدث عن العلاقة بين مالك بن نبي والإخواني حسن البنّا ولا يقصد بالعلاقة تواجد شخصين في مكان وزمان واحد باستمرار، وإنما هي علاقة تقارب فكري بين مفكر وآخر او منظر وآخر مهما باعدت بينهما المسافات، فهذا الموضوع بالذات حساس جدا، ومن باب الشغف اخذت من مكتبتي المنزلية مذكرات الدعوة والداعية للإمام الشهيد حسن البنا، وقد وقفت على تقارب أفكارهما في قضية "النهوض في سبيل النهضة، فمالك بن نبي تحدث في بحوثه أن التربية تعتبر واحدة من دعامات النهضة، وكان هذا موقف حسن البنّا، يقول حسن البنا في اصفحة 130-131 من مذكراته: " يجب أن تكون التربية دعامة النهضة فترى ألأمة أولا وفهم حقوقها تماما وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربى على الإيمان بها، ويقول لا نهوض لأمة بغير خُلُقٍ، إن نهضتنا لا تزال مبهمة لا وسائل ولا غايات ولا مناهج ولا برامج، كل ما في الأمر تطاحن على الحكم وتهاتر بالألفاظ ودس وتقرب من الهدو وانتظار لما يلقى إليههم من فضلات مائدته.

هكذا ربط مالك بن نبي بين التربية والحضارة

في حين يرى مالك بن نبي أن التجديد هو عملية تربوية لها آلياتها، فقد اعتبر مالك بن نبي مشكلة الإنسان التربوية هي ألصل في ازمة الحضارة الإسلامية، وقد اشار عمر نقيب في لصفحة 258 من الكتاب إلى مفهوم التربية عند مالك بن نبي، يقول مالك بن نبي: " ليس الهدف من التربية أن تعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا اشياء جميلة لكن الهدف ان يتعلم كل فرد فنّ الحياة مع زملائه، يعني ان نعلمه كيف يتحضر (وردت هذه العبارة في كتابه ميلاد مجتمع) وعي وسيلة فعالة لتغيير الإنسان وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه، ونستنتج أن مالك بن نبي ربط بين التربية والحضارة إذ يرى أن التربية أفرغت من محتواها الحضاري، الفرق أن حسن البنا يربط الترببة بالزعامة من أجل النهوض فيقول: أمنا الزعامة فيجب ان تختار وتنتقد حتى إذا وصلت إلى درجة الثقة، ويجب ان يكون الزعيم زعيما تربى ليكون كذلك، لا زعيما خلقته الضرورة وزعمته الحوادث فحسب أو زعيما حيث لا زعيم، في حين لا يتحدث مالك بن نبي عن "الزعامة" ولا ترد هذه الكلمة في بحوثه، وها نقف على الفرق بين مالك بن نبي وحسن البنا، الأول تبنى المنهج السياسي لأن مطالبهم كانت الوصول إلى الحكم وبناء دولة إسلامية، والثاني (أي مالك بن نبي) اتخذ من المنهج العلمي والفكري الحضاري مسلكا لبناء الإنسان، كما نلاحظ الإختلاف بين مالك بن نبي وحسن البنا هو أن مالك بن نبي لم يضع نصورا واضحا لهذه المدرسة (مدرسة الإخوان) سواء في كتابه شروط النهضة أو كتابه وجهة العالم الإسلامي، رغم أنه كان ملما بأفكار عصر النهضة كالأفغاني ومحمد عبده مثلما أشار إلى ذلك الدكتور محمد شاويش .

500 فتوى أباح أصحابها الجهاد لبناء الدولة الإسلامية

قد يتساءل سال مالفرق بين النهضة والحضارة؟ ومن التي تسبق الأخرى؟هل الحضارة تأتي قبل النهضة، ثم تأتي هذه الأخيرة في حالة سقوط الحضارة، وماذا عن الحضارات الأخرى التي سقطت؟ هل أعيد بناؤها؟ بمعنى هل نهضت من جديد؟ نحن أمام إشكالية معقدة وهي الهزيمة التي لحقت بالحضارات وبخاصة الحضارة الإسلامية والسؤال يفرض نفسه: هل الإسلام هو السبب أم المسلمين الذين لم يفهموا الإسلام فَهْمًا صحيحا فراحوا يمارسون التطرف باسم الجهاد؟ حسب الأرقام، فقد أفتى 500 عالما ينتمون إلى 70 هيئة ومنظمة ورابطة على أن الجهاد واجب بالمال واسلاح، دون مراعاة خطر التطرف الذي غالبا ما يفضي إلى صراع مسلح بمختلف أوجهه ومساحاته، فهو لا يغدو أن يكون صراع أفكار فقط، إنما صراع أفراد، صراع هيئات وصراع مصالح ومؤسسات ز صراع نظم عسكرية مدنية، بل صراع أجيال وفي النهاية يكرس الصراع التخلف فكرا وسلوكا ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر..) إلى آخر الآية 159 من سورة آل عمران، ولهذه الأسباب تأخر المسلمون، ولا ننسى أن المدّ السلفي لا ينادي بقيام ثورة ثقافية أو فكرية، فهو يراها (أي الثورة الثقافية والفكرية) خطر يهدده، ولذا فهو يبذل جهده لإبعاد هذا الخطر.

كيف يحدث الإصلاح الحضاري؟

لقد تحدث كثير من المفكرين والفلاسفة عبر مختلف العصول عن هذه المسألة ومنبينهم المفكر افسلامي محمد إقبال، فهذه الإصلاحات تقوم على أسس روحية يفرزها القرآن، وأخرى علمية ومنطقية وتاريخية، لأن الإنسان بتركيبته البشرية واختياراته الضالة كثيرا ما يوقع نفسه في الهلاك، فهو جوزء من العالم خلقه الله ووهب له العقل وقوة الإرادة والعزيمة، كانت هذه نظرة محمد إقبال الذي قال : إن الإنسان بدن ونفس (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) بينهما انسجام وتكامل، كل منهما يتحرك وينشط ويؤثر في الآخر وهما معا يشكلان الشخص الذي تجتمع فيه الوحدة مع الكثرة،، من وجهة نظر محمد إقبال فإن التغيير يعني الإصلاح والتجديد وقد ذهب في ذلك باحثين آخرين منهم الدكتور جيلالي بوبكر بأن الإصلاح والتجديد يقتضي بأن أي إصلاح مرتقب وأي تجديد منتظر في حياة الإنسان الفكرية والإجتناعية لا يحصل إلا إذا بدأ التغيير فعلا وحقيقة في النفس÷ بحيث يسترجع قوتها وإلهامها وجمالها وتجدد حياتها الروحية بتجديد صلتها بمبادئها وتمسكها بها، ويؤكد الدكتور جيلالي بوبكر أن الحضارة لا تبنى خارج التغيير الذي لابد أن بما في نفس الإنسان ثم يتحول إلى خارج الذات، فالمسلم عند محمد إقبال هو منبع التغيير والتجديد وافصلاح في التاريخ ومصدر السعادة في العالم، لا يسع المجال هنا الإشارة إلى رؤية الدكتور جيلالي بوبكر لـ: "مفهوم الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال " وهو عنوان حمل كتابه وجاء باسلوب مشوق جدا يجعل القارئ اسيرا له لما يحمله من معاني سامية للإنسان المسلم الذي على عاتقه رسالة ربانية في النهوض بالأمة، يقول محمد إقبال أن هناك فهم خاطئ من المسلمين للإسلام نفذ إليهم بمخالطتهم لغيرهم وتمكن منهم بسبب ركودهم وموقفهم في تدبر معنى الإسلام أمام خطورة المرحلة.

أما التجديد عند مالك بن نبي فهو مبادرة تغير الإنسان والأفكار والشياء بما ينسجم مع القوانين والسنن في الطبيعة،كما لا يؤمن مالك بن نبي بالتكديس، أما افصلاح عنده يعني إزالة المفاسد والعودة إلأى حقل الحارة كما يعني البعث والإحياء وهو في جميع الحالات شرط لقيام الحضارة وبناء المجتمع، وكما سبق ذكره فإن مالك بن نبي عندما اصدر كتاباته الأولى التي صاغ فيها نظريته حول شروط النهضة في نهاية الأربعينات كان الخطاب الإسلامي قد بلوره الجيل ألأول من مدرسة ألإخوان المسلمين (عبد القادر عودة)، فمالك بن نبي رأى أن الصراع اليوم هو صراع إيديولوجي وفكري ما دعله ينطلق من فكرة جوهربة هي ان العالم اليوم يتجه إلى المفهومية (افيديولوجية) وهو ما خلص غليع الدكتور عبد القادر بوعرفة من جامعة وهران ليوضح أهمية إعداد الإنسان، ونستخلص مما جاء في أعمال هؤلاء الكتاب والباحثين ان المشروع النهضوب عند مالك بن نبي قائما على التحليل العلمي والعقلاني لظاهرة التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة وعدم فهم المسلمين للإسلام مقدما ىفي ذلك التجربة الصينية واليابانية، وخلاصة القول أننا اليوم في حاجة ماسة إلأى تجديد خطابنا الإسلامي والسياسي لتحقيق المشروع النهضوي والحضارية وبناء مجتمع سليم .

***

علجية عيش بتصرف

 

محمد بوفلاقةصـفحات خالدة من تاريخ البحـرية الإسـلامية

لعل أحداً لا يحتاج إلى كبير عناء لكي يدرك تلك العلاقة الوشيجة التي نشأت بين العرب والبحر، منذ العصور التليدة، فقد تأقلم العرب مع البحر بسرعة عجيبة، فشقوا عُبابه، وذللوا أمواجه، واستغلوا كنوزه، وذلك منذ العصر الجاهلي، وبعد ظهور الإسلام ازداد الحماس بغرض نشر الإسلام في مختلف الكور والأصقاع، وفتح مناطق جديدة، فازداد النشاط البحري الإسلامي لمختلف الجهات.

وعلى الرغم من المنزلة الكبيرة التي يحتلها البحر عند العرب، إلا أن هذا الموضوع لم ينل حظاً وافياً من الدرس والتحليل، والعناية به لم تكن بالقدر الذي يكشف عن تلك المنزلة الكبيرة التي اتسمت بها علاقة العرب بالبحر، فهناك الكثير من الجوانب المهمة لم تُسلط عليها الأضواء، ولم تحظ باهتمام كبير من قبل الدارسين، وقد ظل هذا الموضوع مُغيباً، وبعيداً عن التناول لفترة طويلة.

ويجيء كتاب المؤرخ الجزائري الراحل الدكتور مولاي بلحميسي الموسوم ب:«البحر والعرب في التاريخ والأدب»، ليقدم لنا دراسة جادة، ينفض من خلالها الغبار عن علاقة العرب بالبحر عبر التاريخ، ويبرز لنا تجسيده في مآثرهم الأدبية.فالهدف الرئيس الذي يهدف إليه الكتاب –كما جاء في مقدمته- هو الرد على مزاعم البعض الذين رأوا أن العرب مشارقة ومغاربة يشمئزون من هذا المتسع حتى نفروا التعامل معه وهابوه، ولا يركبونه إلا مُكرهين، وقد عبر الكاتب عن هذه القضية بقوله:«قال بعض الغربيين الجاهلين لتاريخ الإسلام فهم(أيّ العرب) بدوٌ، أصحاب خيل وماشية وإبل يبحثون عن الزرع والضرع والكلأ، ويجتازون من أجل ذلك الفيافي، والصحاري، ويتخذون الكثبان المحرقة، والزوابع الخانقة، وسموم الحرّ، ولكنهم لا يرتاحون للبحر العجّاج المتلاطم الأمواج، وسواءً أكانوا رُحلاً أو حضراً، فهم لا يميلون لركوب السفن، وليست لهم مواهب أو مؤهلات للملاحة، ثم ذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك وقالوا إن المؤرِّخين العرب وشعراءهم وقصاصيهم وصفوا المعارك بين القبائل، وتغنوا بجمال البيد، وخلّدوا ذكرى الفرسان والأبطال والأيام، ولكنهم تجاهلوا الأزرق، وما حوى من أساطيل، وما خاضه رجالهم من غزوات، وما جلبوه من غنائم وخيرات.وبقيت هذه الأفكار المسبقة سائرة راسخة رغم غرابتها وعدم صحتها»(1).

ويرى المؤلف أن هؤلاء الكتاب قد جانبوا الصواب عن قصد، أو عن غير قصد في إدراك السرعة العجيبة التي تأقلم بها العرب مع البحر، فالقرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والرحلات العربية القديمة شرقاً وغرباً، تفند هذه المزاعم الخاطئة، فلا بد من اكتشاف دور الأجداد في صنع الأمجاد، ومعرفة ما عرفته البحرية الإسلامية من نشاطات وبطولات عبر العصور.

وقد أرخ المؤلف للأحداث الهامة التي عرفتها البحرية العربية منذ الفتح الإسلامي إلى غاية سقوط الأندلس سنة:1492م، وما يتميز به المؤلف هو أنه يؤرخ، ويضع بعض التحاليل الثاقبة ، وذلك بطريقة سردية حكائية، وكأنه يكتب لنا قصة تاريخية، وهذا ما أضفى على الكتاب ميزة خاصة.

قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة، جاءت متسلسلة تسلسلاً منطقياً، ومرتبطة مع بعضها البعض، من حيث التكامل المعرفي، والتدرج المنهجي، فالمحور الأول خصصه للحديث عن مكانة البحر في الثقافة العربية والإسلامية، كما عرض بإسهاب للكثير من الشهادات والكتابات التي دونها المؤرخون والرحالة، والتجار، بالإضافة إلى ما جادت به قرائح الشعراء.

ومن خلال المحور الثاني ألقى المؤلف الضوء على الفتوحات البحرية الإسلامية، وتعرض لصناعة وبناء السفن المقاتلة، وتدريب البحارة، وتكوينهم بغرض توسعة الانتشار الإسلامي، وقد دعم الباحث هذا القسم بالكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على ركوب البحر.

وعُنون المحور الأخير من الكتاب ب:«بداية النهاية»، ومن خلال هذا الجزء، تعرض المؤلف للحملات الصليبية التي سعت بشكل رئيس للاستيلاء على الممالك الإسلامية، وتشتيتها، وألقى الضوء على الهجمات الشرسة التي تعرضت لها البحرية الإسلامية، ولم يكتف المؤلف بالتأريخ للوقائع، بل إنه يقدم للقارئ جملة من التحاليل، والرؤى، والأفكار المعمقة عن الأسباب التي أدت إلى تراجع البحرية الإسلامية، وانطفاء شعلتها، وسيطرة الصليبيين وتأخر المسلمين، على الرغم من الكثير من المحاولات التي سعت إلى استرجاع الأيام المشرقة للبحرية الإسلامية.3972 مولاي بالحميسي

من القفار إلى البحار

من خلال القسم الأول من الكتاب عرض المؤلف بطريقة مكثفة الكثير من القضايا الهامة التي تنضوي في مجملها تحت لواء إبراز مكانة البحر في الثقافة العربية و الإسلامية، إذ يرى الباحث أن القدماء قد خصصوا في أسفارهم ودواوينهم مكانة مرموقة للبحر، ولصفاته، وأرزاقه، ومخاطره، فتعرض لمجموعة من التعريفات، والمفاهيم التي تناولت البحر، كما قدم فذلكة تاريخية عن النشاط البحري العربي، فالعرب المستقرون باليمن، وحضرموت والبحرين عُرفوا ببراعتهم في الملاحة بحكم الموقع الجغرافي لبلادهم على البحر الأحمر، والمحيط الهندي، والخليج العربي، وهذا ما سنح لهم بالاحتكاك بمختلف الشعوب، والأخذ منها، وهذا النشاط كانت له أصداء في شعرهم، ونثرهم، وعاداتهم، ولعل من أشهر الأبيات التي جسدت هذا النشاط، بيت عمرو بن كلثوم الشهير:

مَلأنا البَرَّ حتّى ضاقَ عَنّا وظَهْر البحرِ نملؤُه سَفينا

ويشير المؤلف إلى أن السفن العربية إبان العصر الجاهلي لم تكن مقتصرة على السفر لأماكن محدودة وحسب، بل عُرف الرحالة العرب بمغامراتهم، فقد وصلوا إلى السواحل الشرقية بالقارة السمراء، مثل:زنجبار، والمحيط الهندي، وسرنديب، كما خرجت قطائع من عمان والبحرين إلى أن وصلت للهند وكشمير، وفي العصر الإسلامي، وبعد التحولات الجذرية التي شهدتها الحياة العربية تعددت الأسفار، نظراً للوحدة التي تحققت، والرغبة في الازدهار، فزادت المبادلات، وسلكوا الطرق البحرية منطلقين من البصرة، وصيراف، فعبادان، فالخشبات، كما عرض المؤلف للكثير من الأهوال المرعبة التي تعرض لها البحارة العرب، فقد تحدى ركاب البحر الأخطار المحدقة بهم، وتجاهلوا الأهوال العظام، وقد استشهد الكاتب بمجموعة من النصوص التي تجلي هذا الموضوع، وتُبرز معاناة ركاب البحر، للحريري، وابن زاكور الفاسي، والوزير التمقروتي، وابن خلدون، وابن بطوطة، وألقى الضوء على المحاولات العربية لاكتشاف أسرار البحار، ويقصد بذلك رحلات المخاطرة التي قام بها الرحالة العرب، ومن أشهرها رحلة خشخاش بن الأسود، الذي أشاد به كل من البكري والحميري، والذي غامر إلى غاية الوصول إلى أرض واسعة مجهولة عاد منها بكنوز كثيرة، بالإضافة إلى الرحلة الشهيرة التي عُرفت برحلة المغررين، أي المخاطرين.

الصراع البحري

في القسم الثاني، والموسوم ب:«الصراع البحري»، يُقدم لنا الدكتور مولاي بلحميسي متابعة تاريخية لتطورات البحرية الإسلامية، وذلك منذ البدايات الأولى لتشكلها، وقد عدد جُملة من الأسباب التي أسهمت في تأخر ميلاد البحرية الإسلامية، ومن أهمها: معارضة الخلفاء في المراحل الأولى، وندرة المواد الضرورية لبناء المراكب، وفقدان اليد المتخصصة. وقد تحرك المسلمون بحذر في عهد الخلفاء الراشدين، فصمموا على اختراق البحر كغيرهم، غير أن تحفظ الخلفاء أحجمهم، وعطل المغامرات البحرية نسبياً، فقد تميز عهد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- بالمعارضة لأية محاولة بحرية إسلامية، «وبعد أن انهارت قوى بيزنطة، وانفصل الشام عن جسم الروم ركز معاوية همه على فتح الساحل الفينيقي قبل الشام ومصر، وسمح عمر-بصفة استثنائية- سنة:691م، بالغارة على الحبش رداً على هجومهم على سواحل شبه الجزيرة، وكتب معاوية إلى عمر يسأله الإذن في الغزو البحري، فكتب له:«إني لا أحمل المسلمين على أعواد(مراكب)نجرّها النجار، وجلفطها الجلفاط يحملهم عدوهم إلى عدوهم».

وسمح عثمان بن عفان-رضي الله عنه- لقطائع بحرية بركوب البحر، وعندما عُيّن الحجاج بن يوسف والياً على العراق من قبل عبد الملك بن مروان ثم الوليد الأول، كان أول من أنزل في الماء سفناً مدهونة بالقار، وقد شجع معاوية على ركوب البحر والجهاد ركوباً على السفن، وذلك بغرض كسب مهارة الروم، وخبراتهم، ودرايتهم، ولذلك فإن الكثير من الدارسين يذهبون إلى أن معاوية هو أول من أسس البحرية الإسلامية، وأنشأ السفن، وأرسل الحملات المظفرة ضد الروم ، وفي المرحلة اللاحقة تطورت البحرية العربية أيما تطور، فأضحت السفن تشق البحار، وترسو بسواحل الجزر والأقطار العربية، ولاسيما بعد أن ظهرت صناعة القطع البحرية بمصر، والشام، وفلسطين، فتطورت البحرية الإسلامية تطوراً سريعاً، وهذا ما أشار إليه العديد من المؤرخين، ممن تتبعوا شؤون البحرية الإسلامية، إذ عبر المستشرق ولهوسان عن هذا الأمر قائلاً:«إن العرب رغم نفورهم من الماء اجتازوا عهد الجمال والقفار إلى عهد السفن والبحار».

وشهدت المرحلة الأموية اهتماماً كبيراً ببلاد المغرب، إذ أوعز عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز عندما كان والياً على مصر توجيه ألف قبطي بأهلهم، وأولادهم إلى تونس، مؤكداً على أن يحسن معاملتهم وعونهم، كما كتب إلى حسان بن النعمان يأمره بأن يبني لهم داراً للصناعة تكون قوة واعدة للمسلمين، وأن يجلب الخشب لإنشاء المراكب«ولم يختر المسلمون قرطاج المعرّضة دوماً لهجمات الروم، وفضلوا تونس لأنها أكثر أمناً فبادروا بتنفيذ أوامر الخليفة، ثم استعدوا لضرب السواحل النصرانية، وأن يجاهد ابن النعمان الروم في البر والبحر ليشغلهم عن القيروان، وقد شهدت هذه المرحلة نشاطاً بحرياً كبيراً، فتتالت الغزوات، وكان افتتاح طرابلس على يد عمرو بن العاص سنة:642م، ومن أبرز الحملات التي أشار إليها المؤلف، الحملة التي بعثها عبد العزيز بن مروان بقيادة عطاء بن رافع الهذلي إلى سردينية سنة:703م.كما نظم موسى بن نصير حملة«النبلاء»، سنة:704م بقيادة ابنه عبد الله الذي أرسى بالساحل الغربي بصقلية، كما أرسل موسى بن نصير أسطول إفريقية سنة:705م، بقيادة عياش بن أخيال وذلك لضرب جزر العدو، ومهاجمة سيراكوزا، وتكررت الحملة على صقلية الكثير من المرات، ففي سنة:720م، كانت بقيادة موسى بن أوس الأنصاري، وفي سنة:727م بقيادة بشر بن صفوان الكلبي، وفي:728م بقيادة عثمان بن أبي عبيدة بن قبة، وفي السنة التي تلتها بقيادة المستنير بن الحبحب، وفي سنة:730م بقيادة ثابت بن الهيثم، وبعدها بسنتين بقيادة عبد الملك بن قطان، وتكررت الحملة على سردينية سنة:710م، وسنة:732 م بقيادة عبد الله بن زياد، وما يلفت الانتباه هو أن أغلب الأنشطة البحرية، كان الهدف منها كل من جزيرتي صقلية وسردينية بالدرجة الأولى، نظراً لما لهاتين الجزيرتين من أهمية بالنسبة للمسلمين، وفي نفس الوقت فقد تواصلت سياسة الإنشاء والتجهيز في عهد بني أمية من خليفة لآخر، وخاصة عبد الملك بن مروان(685-705م)، وقد وجد عبد الملك في حسان بن النعمان القائد الذي يعول عليه، وفي أيام عبد الله بن الحبحب(731-741م)أحدثت دار الصناعة بتونس، كما عُرف عن موسى بن نصير قبل ذلك الخبرة العالية بشؤون البحر الأبيض المتوسط، وفطن المسلمون منذ البداية لما تشكله جزر الحوض الغربي، وخاصة الجزر الشرقية من خطر على استقرار دعائم الحكم الإسلامي في المغرب، ومن ثمة تم فتح الأندلس(2).

الصراع البحري ببلاد المغرب والأندلس

وكصنوتها بالمشرق العربي، بادرت دول المغرب العربي آنذاك بالتصدي لأطماع الروم بالاستيلاء على البلاد الإسلامية، من خلال البحر، وقد كان الوقوف في وجههم بوساطة بني الأغلب، أو الدولة الأغلبية(800-909م). والتي أسست بالمغرب الأدنى إبان حكم بني العباس، وقد كانت عاصمتها في البدء بالقيروان، ثم انتقلوا إلى رقادة، ومن أهم الإنجازات البحرية التي حُققت في هذه المرحلة دخول المسلمين لبلرمو سنة:827م، وعندما فُتحت هذه القاعدة الهامة مهدت الطريق للسيطرة على الجزيرة ككُل، ومن ثمة كان فتح قوصرة، ولم يتوقف الزحف الإسلامي عند هذا الحد، ففي سنة:842م، وقعت في أيديهم مدينة ميسين، وفي عهد إبراهيم الثاني كانت السيطرة على سرقوسة، ومما يُذكر لبني الأغلب أسبقيتهم في إنشاء أسطول حول المغرب الأدنى(تونس) ، وقد كان هذا الأسطول بمثابة دولة بحرية، لعبت دوراً بارزاً في البحر المتوسط، وبعد المرحلة الأغلبية جاءت المرحلة الفاطمية(909-1171م)، فبدأ نشاط الفاطميين بالمغرب الأدنى، فقدموا خدمات جليلة، وكان لهم دور كبير في تطور البحرية الإسلامية، فما إن أسست الدولة حتى تم الانتقال من رقادة إلى المهدية ، بعد أن قرر أبو محمد عبيد الله الإقامة على الساحل، ابتداءً من سنة:921م، نظراً لموقعها المتميز الذي يحيط به البحر من ثلاث جهات، «وقد كان لإنشاء المهدية أعظم الأثر في تدعيم الأسطول الفاطمي في إفريقية (المغرب الأدنى). ولتأمين المرسى من الأخطار قام المهدي بضم هذا المكان بسلسلة من حديد يرفع أحد طرفيها عند دخول السفن، ثم تُعاد كما كانت تحصيناً للمرسى من دخول مراكب الروم.أما دار الصناعة فكانت بشرقي قصر عبيد الله، وتسع أكثر من مأتي مركب، وفيها قبوان كبيران طويلان لآلات المراكب، وعُددها لئلا ينالها شمس أو مطر، وسرعان ما أصبح المرسى، زيادة عن دوره التجاري، قاعدة عسكرية تخوض المعارك البحرية، فتعددت الفتوحات، وغزا الفاطميون جنوب فرنسا، ومدينة جنوة ثم مدينة بيزا(1011-1014م)، وفاقوا الأغالبة في الجهاد البحري، كما نافسوا بني أمية في الأندلس. وقد بلغت بحريتهم المستوى العالي قبل أن يلتحقوا بمصر(316هـ/936م).وكانوا يسمون من ركب البحر للجهاد"غازي البحر".وقد أعجب الشعراء أيما إعجاب بهذا المكسب الجليل المرعب للأعداء، فقال الشاعر علي بن محمد الأيادي التونسي يصف هذه الوحدات في عهد الخليفة محمد القائم(322هـ/934م) قائلاً:

أَعجِب بأسّطول الإمام محمد وبحُسنِهِ وزمانِهِ المستغرب

لبِست بِهِ الأمواجُ أحسن منظر يبدو لعين الناظر المتعجب

وعلى جوانبها أسودُ خلافة تختال في عدد السلاح المُذهب

وقد لعب الصقالبة أيام الفاطميين دوراً في البحرية انطلاقاً من المغرب، وكان صابر قائد الأسطول الذي أقلع من الشاطئ التونسي سنة:928م، وأغار على سواحل إيطاليا، واستولى على مدينة طارنة، قبل أن يغير على نابلي. وفي سنة:929م حاصر الأسطول اليوناني، ولم يكن الصقلبي الوحيد في خدمة الفاطميين، فجعفر بن عبيد الله قاد الأسطول الفاطمي، وذهب سنة:924م لمهاجمة صقلية وكلابرا»(3).

ويرى المؤلف أن من بين الأسباب التي أدت إلى ضعف القوة الفاطمية :التنافس الشديد بين دولة بني أمية في الأندلس، ودولة الفاطميين، فكثرت الصدامات بينهما، والتي سرعان ما قضت على هذه القوة، وسرعان ما انتفع منها أعداء المسلمين، وفي أواخر القرن السادس تراجعت البحرية الإسلامية، وضعف أمرها عندما انتقل العبديون إلى مصر.وما فتئت أن عادت قوتها وسطوتها في أواخر هذا القرن، وقد ظلت المهدية في زمن الموحدين هي الهدف الرئيس للنصارى يريدون غزوها، والاستيلاء عليها.

وتحت عنوان:«الأندلس مهد البحرية الإسلامية»، يتوقف الدكتور مولاي بلحميسي مع تلك الصفحات المشرقة من تاريخ البحرية بالبلاد الأندلسية، فبعد أن قدم توطئة عن أهم المراحل السياسية التي مرت بها الأندلس منذ الفتح الإسلامي(711م)، أشار الكاتب إلى أن الأحقاب السياسية التي مرت بها الأندلس، انعكست انعكاساً مباشراً على البحرية، ففي زمن القوة، والاستقرار، والتماسك تميزت بالنظام، والهيبة، والإشعاع، وبعد مرحلة القوة، جاء زمن الفتور والضعف والتفريط بما شيده الأوائل، فانعكس الوضع السياسي على البحرية.

كانت انطلاقة البحرية الإسلامية بالأندلس مبنية على رؤية حضارية، فقد شعروا منذ البداية بضرورة تشييد أسطول بحري للربط بين العدوتين، فقد كانوا يرون أن البحر هو همزة وصل لا حاجز فصل، ولا يمكن أن يستطيع أهل البلاد العيش بدون اتصال بأرض الإسلام إلا عن طريق الماء، فأدركوا أهمية امتلاك السفن، ونظراً للحاجة إلى المراكب لحراسة الشواطئ ، والاتصال الدائم بالجزر الشرقية(الباليار)، وقد كانت المهام في تزايد مستمر لعبور المضيق، والصيد البحري، والمبادلات التجارية وغيرها.

وأغلب الأحداث والوقائع التي شهدتها البحرية الأندلسية دارت على الواجهة المتوسطية، مثل:المشاركة في فتح صقلية، واقريطش، وتطور بجانة، بالإضافة إلى الهجومات على الجزر الشرقية، وقد قام الكاتب بتفصيل أهم الأحداث التي عرفتها البحرية الأندلسية، ابتداءً من هجومات المجوس التي استمرت لسنوات طويلة، ومرت بمراحل ، فقد كان الهجوم الأول للمجوس سنة:844م، وامتدت المرحلة الثانية ما بين سنوات:858 إلى غاية861م، والمرحلة الأخيرة ما بين سنوات:966إلى971م.

وقد كان لغارات المجوس على الأندلس أيام عبد الرحمن الثاني عدة انعكاسات، فقد استخلص عبد الرحمن الدرس، وبادر ببناء الحصون، وإنشاء دور الصناعة بإشبيلية، ووضع مراكز للمراقبة وذلك على طول الساحل الأطلسي، كما سارع إلى إنشاء عدد كبير من السفن الحربية، بالإضافة إلى الاهتمام بتطوير العتاد، والآليات، وتقديم أجور مشجعة لرجال البحر.

وفي فترة حكم عبد الرحمن الثالث(912-961م) أصبح مقر القوات البحرية ابتداءً من سنة:933م بالمرية، وقد استخدم الخليفة جماعات من الملاحين الموجودين ببجانة، وقد أضحت الاهتمامات مركزة على البحرية، فانتظمت في هذه الفترة، وعُززت إلى جانب وحدات المراقبة التي تهدف إلى دحر العدو بمراكب تجارية ضخمة طفقت تشق البحار في مختلف الاتجاهات، وأحدثت الكثير من الورش، ودور الصناعة بغرض تغطية المبادلات التجارية في البحر الأبيض المتوسط، وفي السواحل الشرقية كان الملاحون ذوو الخبرة يقطنون الشواطئ منذ عهد محمد الأول، وقد تجلت فعالية هذه التدابير، وظهرت فوائدها الجمة أثناء القرن الرابع عشر الميلادي، ففي سنة:966م انتشر خبر قدوم المجوس في ثمانية وعشرين مركباً فأمر الحكم الثاني محمد بن روماحس بضرورة التصدي للعدو، فغادرت الأساطيل إشبيلية، ولاحقت العدو، وهزمتهم في مياه شلب، وفكّت من أيديهم الأسرى المسلمين.

وقد ألقى المؤلف الضوء على الصراع الفاطمي الأموي، والذي كان متعلقاً بشكل كبير بالبحرية، فالمنافسة الميدانية كانت على المضيق، وهذا ما دفع عبد الرحمن الثالث لاتخاذ مجموعة من التدابير، إذ أرسل مجموعة من القطع البحرية السريعة إلى المضيق، وذلك لمراقبة تدخلات الفاطميين، وقطع الإمدادات عن الثائر ابن حفصون، الذي اعترف بخلافة الفاطميين ببلاد المغرب، ورغم الاحتياطات الكبيرة التي اتخذها الخليفة، بيد أنه لم يهنأ له بال، وقد ظل حذِراً يخشى قوة الفاطميين، نظراً لما عُرفوا به من روح قتالية عالية، وظل يعزز البحرية دون هوادة، وقد أخذ الأمويون المبادرة، واستولوا على مليلة وسبتة في سنة:927م، وقد توترت العلاقات، وكثرت الصدامات، ومن أبرز النتائج التي نجمت عن هذا الصراع تراجع شأن البحريتين، وانتفاع الأعداء بهذا التراجع، فازدادت التحرشات بالبحرية الإسلامية في القرن السادس الهجري، ولاسيما بعد انتقال العبديين إلى مصر.

وبعد أن استولى المنصور بن أبي عامر على السلطة(976-1009م)، اعتنى بالمسائل العسكرية، وقدم خدمات جليلة يشهد بها جميع من أرخوا للبحرية الإسلامية، فقد أحدث أسطولاً رفيع المستوى عدداً وعُدة، كما عُرف بشجاعته، وقدرته العالية في الحرب والتنظيم، وقد وصفه عبد الواحد المراكشي قائلاً:«ولم يزل محمد بن أبي عامر طوال أيام مملكته مواصلاً لغزو الروم مفرطاً في ذلك، لا يشغله عنه شيء، وبلغ في إفراطه حب الغزو أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد فتتبعه عساكره.غزا في أيام مملكته نيفاً وخمسين غزوةً(981-1002م)ذكرها أبو مروان بن حيان في كتابه"المآثر العامرية". وفتح فتوحاً كثيرة، ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على من كان قبله وملأ الأندلس مغانم وسبياً».

وبعد المنصور بن أبي عامر ظهر مجاهد العامري(1044م)، والذي لا تقل شخصيته شجاعة، وقوة، وسلطة ، ونفوذاً عن ابن أبي عامر، نظراً لاحتكاكه بالمنصور، فقد تربى في أحضانه، ودخل في خدمة العامريين، وما يُذكر لمجاهد مشروعه الضخم الذي سعى من خلاله إلى احتلال جزيرة سردينية، « ومن أجل هذا الهدف أقدم مجاهد على تجديد دار الصناعة القديمة التي كانت بالمرية، فتضاعفت طاقتها، وأمدته بالسفن المقاتلة والنقالة من مختلف الأحجام، وكانت مراكبه ترابط في مياه دانية في زمانه، وزمان ابنه علي أعظم مركز لأساطيل الأندلس، وتضاعفت طاقتها يومئذ، وزودته بالمعدات الحربية من كل حجم واختصاص، وقد أقلع أسطوله من دانية والجزر الشرقية في ربيع:406هـ، أغسطس1015م، وقد بلغ عدد السفن120سفينة، ولم يتمكن مجاهد من تحقيق مشروعاته، إلا أنه خلق نشاطاً بحرياً إسلامياً في زمن الانقسامات، وقد كانت طموحاته أكبر من مقدرة أمير من أمراء الطوائف، وقد عبر ابن خلدون عن هذه الصحوة، وهذا المجهود قائلاً:«إن أساطيل إفريقية والأندلس في القرن الرابع بلغت منزلة كبيرة»(4).

واحتلت البحرية مكانة خاصة عند المرابطين، فاستعانوا في البدء بسفن اشبيلية، ووجدوا بني ميمون يتولون قيادة البحرية، وذلك قبل إنشاء دار خاصة للصناعة بالقصر الصغير، كما اهتموا أيما اهتمام بالتسليح، وقد تبدى اهتمامهم من خلال تشييدهم للكثير من الورشات، ومن بينها:ورشة وهران، والريف، وورشة سبتة وطنجة، كما تم إنشاء العديد من المراسي، وسعوا إلى تحصينها تحصيناً دقيقاً، وبعد أن نزل يوسف بن تاشفين بالجزيرة الخضراء، وقام بتحويلها إلى قاعدة منيعة، انطلق إلى مواجهة العدو ألفونسو السادس وهزمه، فحميت الثغور ودانت له مختلف الممالك، وقد أدرك يوسف بن تاشفين ضرورة تغطية العجز في السفن، فاهتم بصناعة الوحدات، وبعد الاستيلاء على طنجة سنة:470هـ، أخذ ما تبقى من أسطول الحموديين.

ويرى المؤلف أن الموحدين يختلفون عمّن سبقهم، من خلال تطبيقهم لاستراتيجية فريدة من نوعها على العدو، فقد كانت لديهم آراء جديدة، وهذا ما أحدث تطورات كبيرة في البحرية الإسلامية، وقد قاموا بتسليحها، وتزويدها بعدد كبير من الرجال، إضافة إلى بناء الحصون الدفاعية، وإنشاء أجهزة المراقبة، وقد عمل عبد المؤمن بن علي على النهوض بالبحرية فطهر الساحل التونسي(548هـ/1153م) ثم المهدية، ثم سوسة، وسفاقس، وبونة(عنابة)سنة:548هـ/1153م.

وشن عبد المؤمن بن علي«الحملات الكبرى على نصارى الأندلس بعد أن ضايقوا المسلمين في عقر دارهم، وقد تكررت ضغوطات ألفونسو الثامن، مما دفع المسلمين للاستنجاد بالخليفة فلبى الدعوة، وعبر المضيق، ودخل الأندلس سنة:539هـ/1444م، واستولى على قادس سنة:1161م، وعلى إشبيلية سنة:541هـ، وعلى المرية سنة:547هـ/1152م.وقد اهتم ببناء السفن، وفي سنة:1162م، تم إنشاء أسطول يحتوي على مائة مركب بأرزيو، مما جعل هذا النشاط يحول المدينة الساحلية إلى أكبر دار للصناعة في الناحية»(5).

وتحت عنوان:«فترة القوة والشموخ» ختم الكاتب حديثه عن مرحلة الازدهار، فقد توقف من خلال هذا العنصر مُقدماً رؤية تحليلية منهجية عن العصر الذهبي للبحرية الإسلامية، والذي امتد من فجر الإسلام إلى غاية انطفاء شمعة الأندلس، وسقوط غرناطة سنة:1492م.وقد أرجع المؤلف أسباب ازدهار البحرية الإسلامية وتطورها السريع إلى روح الجهاد في فجر الإسلام، وتحمس الحكام في بداية الملحمة، فلم يُقصروا، وانفقوا بدون حساب، واتخذوا الإجراءات اللازمة التي أوصلتهم إلى بعيد، بالإضافة إلى التضامن و روح المسؤولية الجماعية التي طبعت شخصياتهم، وضرب مثالاً بعهد دولة المرابطين والموحدين، فقد كانوا عندما ينادي حاكم للنجدة نتيجة لمضايقة النصارى يأتي الجميع، ومثال ذلك نداء صلاح الدين واستنجاده ببحرية المغرب.

ضمور التوهج وبداية النهاية

بعد العصر الذهبي للبحرية الإسلامية، وعهد الفتوحات في البحر الأبيض المتوسط، وبعد أن«صال المسلمون، وجالوا عبر البحار المعروفة آنذاك، والمحيطات وحققوا ما كانوا يصبون إليه، مالت شمسهم إلى المغيب، وأفل نجمهم فتقلص نفوذهم، وتضعضع بنيانهم، فاستصغرهم من كان يهابهم، وافترس ممالكهم، وانتهك أعراضهم، وهدد أمنهم فطويت صفحات مشرقة، وأقبلت أيام الأرق والتحسر والعجز على رد أي فعل»(6).

وقد بدأت المأساة، وانطلقت رحلة الضنى والشجن التي مرت بها البحرية العربية من المشرق، عندما اغتنم الروم تردي الأوضاع الداخلية، فاستولوا على شواطئ الشام، ثم مصر دون أن يجدوا مقاومة فاعلة، وهذا ما عبر عنه ابن حوقل بعد أن شاهد مصير هذين البلدين قائلاً:«فمصير قنسرين يغني عن بقية المدن، كانت فيما مضى عامرة وغاصة بأهلها، فاكتسحها العدو، وكأنها لم تكن، رغم سورها الحجري فخربوا جامعها، وسبوا ذراريتها، وقتلوا أهلها ثم أحرقوا المدينة».

وكان مصير الثغور لا يختلف عن مصير المدن، فكل ما وُجد على السواحل أو قريباً منها سيطر عليه الغزاة، وأقدم الروم على احتلال أنطاكية سنة:359هـ، كما أهلكوا الكثير من الحصون كحصن الاسكندرية(اسكندرون) الذي كان بمثابة روضة غناء عُرفت ببساتينها العامرة، وكذلك الشأن بالنسبة لحصن التيبات على شاطئ البحر، كان فيه مقلع خشب الصنوبر، الذي ينقل إلى الشام ومصر.

وفي المغرب الأدنى اغتنم الروم فرصة انتقال الفاطميين إلى مصر سنة:966م، فاعتدوا عليها، واستعد الزيريون للمقاومة، وعندما جاء تميم بن المعز إلى الحكم(453-501هـ)، وبعد أن اتخذ المهدية مقراً له، لم يكن تحت سلطته إلا ساحل البحر الممتد من سوسة إلى قابس، وعندما وقعت هجمات الغزاة تمكنوا لكثرة عددهم، وقوة عتادهم من النزول إلى البر، واستقروا بجانب المهدية، وعاثوا فيها فساداً، وأحرقوا الغلال، وسبوا السكان، ولم يجد تميم من حل سوى مصالحتهم على المال الذي أخذوه، وفي عصر يحيى بن تميم(501-509هـ)أنشأ أسطولاً بحرياً غزا به بلاد النصارى ووصل إلى جنوة وسردينية، وفي عهد الحسن بن علي(515-543هـ) هاجم النورمان الشواطئ التونسية سنة:517هـ، وذلك بقيادة الأميرال جرجي الأنطاكي، ونزلوا بجزيرة الديماس، فقاتلهم جيش الحسن، وأعاد روجر الكرة فهجم على المهدية، ولم يجد مقاومة كبيرة نظراً لانشغال الأمير بمحاربة الأعراب، فاستولوا عليها، وسكنوا قصورها، وغنموا ما فيها، وقد مكثوا بالساحل إلى غاية سنة:1159م، عندما قرر عبد المؤمن بن علي تحرير سواحل المغرب الأدنى.

وأما سواحل الأندلس التي كانت عامرة، وآهلة بالسكان، فقد اشتد تكالب الصليبيين عليها، وراحوا يقتلعون تلك الأمصار من أيادي المسلمين، وقد شجعهم على ذلك الأوضاع السياسية المتردية«إذ كانت شمس دولة عبد المؤمن في طريقها إلى الغروب، فُضربت السواحل الشرقية، والمحيطية، والمضيق، وانتهت بسواحل المغرب الأقصى والأدنى، وعانت المدن الساحلية ما عانت من الغارات والحصارات، وكل أنواع المضايقات منذ القرن الخامس عشر، وانهزم المسلمون بعد وقعة بطرنة قرب بلنسية سنة:455هـ/1063م، وتلتها وقعة بارباسترو سنة:456هـ/1067م، ثم تكرر الضغط على بلنسية حتى افتكها العدو، وامتلكها سنة:636هـ/1238م، فكانت الفاجعة الكبرى»(7).

وقد قدم المؤلف متابعة تاريخية شاملة لسقوط السواحل الأندلسية، فحدد استيلاء النصارى عليها على النحو الآتي:

كان احتلال جبل طارق-ويسمونه جبل الفتح، أو البحر الزقاق-سنة:660هـ، 1262م.

واستولى جاك الأول على الجزيرة الخضراء سنة:641هـ/1244م.

بلنسية استولى عليها ملك أرقون سنة:636هـ/1238م.

مرسية استولى القشتاليون عليها سنة:640هـ/1243م.

وقد استولى المجوس على الجزيرة الخضراء سنة:245هـ/859م.

وبعد أن صفا الجو للصليبيين خططوا للسيطرة على السواحل المغربية، وذلك بعد زوال دولة المرابطين، والموحدين، فسيطر البرتغاليون على المدن الساحلية الجنوبية، مثل:أصيلة، وأغادير، وطنجة سنة:1471م دون أن يجدوا أية مقاومة تذكر فواصلوا رحلتهم، وسيطروا على سبتة، والقصر الصغير، وكان للقشتاليين جنوب ساحل المغرب المقابل لجزر الخالدات، كما استولوا على مليلية سنة:1497م، وصخرة باديس سنة:1508م، وبعد ذلك انتقل الصراع إلى الجزر المتوسطية، وقد استولى الروم مسبقاً على قبرص، وذلك بعد حرب ضارية امتدت ما بين سنوات:(1061-1086م)، وتمت السيطرة على صقلية بعد الخلاف الذي حدث بين طوائف الجزيرة، وسقطت في أيديهم سنة:484هـ.وكانت الفاجعة الكبرى بسقوط طليطلة سنة:1085م، بعد حصارها مدة ما يزيد عن تسعة أشهر من قبل القشتاليين.

فذلكة

إن هذا الكتاب يمكن أن ندرجه ضمن واحد من الدراسات الهامة التي أرخت لعلاقة العرب بالبحر، وتتبعت تحولات البحرية الإسلامية، منذ توطد هذه العلاقة، إلى غاية سقوط الأندلس وتراجع مكانة البحرية الإسلامية، وقد أرخ المؤلف لهذه الحقبة الواسعة بطريقة سردية حكائية، مما أضفى على الكتاب ميزة خاصة، بالإضافة إلى أن الباحث يُقدم تحاليل ثاقبة، وقد استشهد في تحاليله بالكثير من النصوص التي تثبت هذا الأمر، والتي تنقسم إلى نصوص لقدامى المؤرخين العرب، ونصوص شعرية كثيرة صورت البحر، وكشفت عن تلك العلاقة الوشيجة التي نشأت بين البحر والعرب.

وتجدر الإشارة إلى الميزة المهمة التي نلفيها في هذا السفر القيم، وهي أن الباحث يذكر الإحالات والهوامش بكل دقة، عقب كل بحث من الأبحاث، إذ يجد القارئ في الفصل الواحد من الكتاب عدداً كبيراً من القوائم التي تشير إلى المصادر والمراجع التي استقى منها المؤلف معلوماته، وهذا ما يمكن القارئ من الاستزادة والتعمق أكثر في الموضوع، ويكشف عن الجهود الكبيرة التي بذلها المؤلف في سبيل تأليف هذا السفر، و يدل على حرصه الكبير الذي يرمي من ورائه إلى خلق وعي ثقافي وفكري لدى المتلقي، وما يمكن قوله إن هذا الكتاب صالح سواء لعامة القراء، أو للباحثين المتخصصين.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

..................

الهـوامـش:

(1) د.مولاي بلحميسي:البحر والعرب في التاريخ والأدب، منشوراتANEP، 2005م، ص:5.

(2) د.مولاي بلحميسي:البحر والعرب في التاريخ والأدب، ص:69وما بعدها.

(3) د. مولاي بلحميسي:المصدر نفسه، ص:73 وما بعدها.

(4) المصدر نفسه، ص:84، و87.

(5) المصدر نفسه، ص:95.

(6) المصدر نفسه، ص:127.

(7) المصدر نفسه، ص:127، و129.

3921 طلال عتريسييتناول الدكتور علي المؤمن في كتاب "الاجتماع الديني الشيعي" موضوعاً من أهم المواضيع التي شغلت الكثير من الباحثين منذ عقود، خاصة بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران، وما أدت إليه من إهتمام عالمي بالإسلام، وبالتشيع بشكل خاص، نظراً لهوية هذه الثورة وطبيعة قيادتها. إلا أن ما يميّز المؤلف في هذا الكتاب، وما يجعل عمله أكثر صعوبة لجهة القراءة الموضوعية والعلمية، أنه ينتمي إلى هذا الاجتماع الشيعي اجتماعياً وفكرياً وعقائدياً، وهو بالتالي؛ أعرف بما يجري في هذا الاجتماع وتفاصيله واتجاهاته من كثير ممن كتبوا عن هذا الاجتماع، عن بعد، مسلمين وغير مسلمين، ما يجعل قراءة هذا الكتاب ومناقشته فرصة معرفية للتعرف من الداخل على طبيعة هذا الاجتماع ومكوناته، والتحديات التي يواجهها والمستقبل الذي يتطلع إليه.

يستعرض المؤلف في الفصل الثاني، بعد عرض منهجه البحثي في الفصل الأول، المراحل التاريخية لتشكل النظام الاجتماعي الشيعي، منذ الإمام علي إلى يومنا هذا. وقد تكون هذه المعلومات التاريخية معروفة وموجودة في الكتب والمؤلفات الشيعية بشكل خاص، إلا أن ما يستحق التوقف عنده هو اعتبار المؤلف أن العصر الذي يعيشه هذا النظام اليوم هو عصر الإمام الخميني. وبرأينا هو محق في هذا الاعتبار، نظراً للتحولات الكبرى التي أحدثتها هذه الثورة وهذه القيادة في واقع الشيعة في مختلف بلدانهم، بعد عقود طويلة من التهميش ومن الانكفاء الذي عاشه الشيعة أو فرض عليهم. ولا شك أن المؤلف يتمتع بالجرأة العلمية عندما يعتبر أن هذا العصر هو عصر الإمام الخميني، لأنه يعرف ما قد يثيره هذا الرأي من ردود أو من اعتراض في أوساط شيعية حوزوية وغير حوزوية، وهو يؤكد: (إن هذا العصر هو العصر الذهبي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي) (ص35)، لكنه لا يشرح للقارئ لماذا يعتبر أن هذا العصر هو العصر الذهبي.

يعتبر المؤلف إن المجتمع الشيعي يتشكل من ستة عناصر هي: العقدي- الفقهي- السلوكي- التاريخي- الطقوسي- الاجتماعي (ص 22)، ولا ندري لماذ أهمل البعد الثقافي في هذا التشكل، ولماذا لم يلحظ الترابط بين السلوكي والطقوسي والاجتماعي على سبيل المثال. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يمكن أن نطرح السؤال الذي يستند إلى منهج المؤلف نفسه في ترابط المسارات المعرفية، وهو كيف تفاعلت العناصر الأربعة الأخيرة (السلوكي، والتاريخي، والطقوسي، والاجتماعي) في إنتاج الإجتماع الشيعي، وهل تبدلت هذه العناصر في هذا العصر الذهبي الذي يعيشه هذا الاجتماع اليوم؟. وعلى سبيل المثال؛ يمكن أن نذكر طقوس إحياء عاشوراء، كيف تبدلت من السريّة والهامشية إلى العلنية والتنظيم والفاعلية السياسية والثقافية.

يطرح المؤلف فرضية أساسية يعتبر فيها أن (الاجتماع الديني الشيعي هو اجتماع عالمي متماسك، وليس محلي أو إقليمي، وأن الأواصر المذهبية الاجتماعية المشتركة التي تشد وحداته المحلية الى بعضها، أو إلى المركز، هي أقوى بكثير من التباين اللغوي والقومي والوطني)(ص25). وكان من المفيد لو قام المؤلف بتحليل دينامية الارتباط بهذه الأواصر مع اندماج الشيعة في بلدانهم وأوطانهم، خاصة وأن المؤلف يذهب في نهاية البحث إلى تحليل قد يكون مغايراً لهذه الفرضية عندما يستنتج: (إن الشيعي كلما تعرض الى الضغوطات والتهميش والارهاب؛ فإنه سيندك أكثر في نظامه الاجتماعي المذهبي، ويلجأ الى مؤسسته الدينية، وقيادته المرجعية في الشأن العام، وبأشكال ومضامين ربما تتعارض أحياناً مع حَرفية القوانين والقرارات السياسية للدولة)(ص250)، علماً بأن المؤلف، كما سبقت الإشارة، يفترض أن هذا الأمر هو أمر طبيعي، نظراً لعالمية الاجتماع الديني الشيعي، وهو ما يحتاج إلى المزيد من التوضيح والتحليل.

عرض المؤلف في الفصل الرابع ما يعتبره جوهر وقلب النظام الاجتماعي الشيعي وهو (المرجعية الدينية وقيادة النظام)(ص89)، وقد تحدث عن ثوابت هذه المرجعية وقواعدها التشريعية، وقام بتحليل جوانب مهمة في واقع هذه المرجعية، وصولاً إلى مسألة نعتبرها من وجهة نظرنا في غاية الأهمية في عصرنا الحالي، وهو ما يسميه المؤلف (خلاف المنهجيات الاصلاحية والمحافظة والثورية في الحوزة العلمية)، وتحتاج هذه القضية برأينا إلى التوسع والشرح وعقد المقارنات حول القضايا التي يبرز فيها الخلاف بين محافظ وإصلاحي وثوري؛ هل هي في القضايا الفقهية، أم في القضايا السياسية، أم في قضايا أخرى تحتاج إلى الشرح والتوضيح، خاصة وأن مثل هذا الخلاف قد يكون له علاقة بما يعتبره المؤلف العصر الذهبي الذي يعيشه الاجتماع الشيعي اليوم.

يرى المؤلف أن العصر الشيعي السادس، الذي أسسه الإمام الخميني (تعرض للغزو الطائفي بأشد ما يمكن من هجوم لإسقاطه)(ص54). وهذه وجهة نظر تحتاج الى النقاش، فما هو مؤكد وصحيح أن هذه الجمهورية الإسلامية تعرضت لأقسى أنواع الهجوم والحصار والعقوبات والتهديدات لإسقاطها، لكن السؤال هو هل تم ذلك كله بخلفية طائفية أو مذهبية، أم بخلفية سياسية واستراتيجية لها علاقة بدور الجمهورية الإسلامية في المنطقة وبمواقفها من قضايا أساسية تتعارض مع سياسات دول الهيمنة والإستكبار في العالم، مثل الموقف من الكيان الصهيوني، والموقف من المقاومة ومن دعم حركات التحرر، ومن الإستقلال على المستويات كافة. وأبرز مثال على ذلك برأينا هي الحرب التي شنها النظام العراقي السابق ووقف العالم كله إلى جانبه، ولم تكن في جوهرها حرباً مذهبية.

وحول اسئلة الهوية الشيعية يشير المؤلف إلى (أن ضربات الخصوم استهدفت منذ 1979 (انتصار الثورة الاسلامية) النظام الاجتماعي الديني الشيعي وتدميره من الداخل، وتفكيك بنيته العالمية، أكثر من استهداف التشيع كعقيدة وفقه (ص 165). ربما كان هذا الرأي يحتاج إلى أمثلة وبراهين عن هذا الإستهداف للنظام الاجتماعي الشيعي، خاصة بعد 1979 وفي أي بلدان حصل ذلك، كما فعل المؤلف حين أعطى الأمثلة عن النجاح النسبي للشيعة في التوفيق بين الانتماء للمذهب والإنتماء للوطن، خاصة وأن هناك اختلاف واضح وتفاوت في القدرات بين المجتمعات الشيعية في بلدانهم المختلفة، فما يجري في لبنان على مستوى المذهب ليس كما يجري في البحرين، على سبيل المثال.

يخوض المؤلف في (فرادة المجتمع الديني النجفي)، وهو بحث مهم ومفيد، وربما غير معلوم للكثيرين، خاصة وأن النجف هي حاضرة مهمة وأساسية من حواضر التشكل الشيعي الفقهي والثقافي والاجتماعي التاريخي والراهن، لكن الملاحظة التي نسوقها في هذا البحث المهم، أن التحديات التي يعرضها المؤلف والتي يواجهها هذا المجتمع هي تحديات "قديمة" تعود إلى السبعينيات (البعث والشيوعية)، وكان من المتوقع أن تطرح الأسئلة التي تتناول التحديات الراهنة التي تواجه هذا المجتمع (الثقافية والاجتماعية والسياسية) وتحولاتها، خاصة بعد سقوط النظام السابق.

يعرض المؤلف لـ (ترشيد الطقوس الدينية)، خاصة في مناسبة إحياء عاشوراء (ص 225)، ويدعو إلى تجنب أي سلوك أو اي خطاب يمكن أن يشوه هذا الإحياء (ونقاء المذهب)، ويفترض المؤلف أن مثل هذه الممارسات ستؤدي إلى (دعم المذهب الوهابي التكفيري دعماً نوعياً، وتضطر السنة إلى الارتماء في احضان الإيديولوجية الوهابية)(ص227) . أما الخطر الثاني فهو تشويه عقيدة أهل البيت. وإذا كان الخطر الثاني صحيحاً، فإن الخطر الأول يحتاج إلى المزيد من النقاش والشرح والتحليل، حتى لا يعتقد البعض أن تكفيرية العقيدة الوهابية هي رد فعل على المبالغات الشيعية، خاصة وان ما جرى في السنوات الماضية، يؤكد ارتباط الوهابية بمشاريع غربية في أفغانستان وسوريا والعراق وفي بلدان أخرى.

في خاتمة الكتاب، يعتبر المؤلف (إن ما جاء في هذه الدراسة يجعل منها قاعد لاسستشراف مستقبل النظام الاجتماعي الديني الشيعي برمته، ومدخلاً للاجابة على سؤال: كيف سيكون المشهد في النجف وقم وعموم شيعة العالم بعد عشر سنوات، أي في العام 2030م، بكل تفاصيله الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية؟) (ص247). ويتابع بالقول: (لعل بالإمكان، من خلال الإجابة على هذا السؤال، رسم خارطة طريقة واقعية ودقيقة لإعادة بناء منطقة الشرق الأوسط، عبر إعادة تكوين الواقع السياسي والقانوني والديني والمذهبي لبلدان الحضور الاجتماعي الشيعي، بما ينسجم وقواعد القانون الدستوري وأحكام القانون الدولي، والنظم السياسية العادلة، بمضامينها الإسلامية وأدواتها الديمقراطية اللصيقة بالواقع الاجتماعي والسياسي والعقدي، وهو ما ينبغي أن يكون هدف جميع شعوب العربية والإسلامية) (ص248). وفي الحقيقة لم تتوضح طبيعة العلاقة المتوقعة بين (مستقبل المشهد في النجف وقم وعموم شيعة العالم" وبين قواعد القانون الدستوري وأحكام القانون الدولي، بمضامينها الإسلامية وأدواتها الديمقراطية).

لا بد من التأكيد في النهاية، أن هذا الجهد العلمي المتميّز في الكتاب يقدم فائدة مطلوبة ومناسبة في هذه الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية التي تمر بها بلادنا العربية والاسلامية، ويمر بها الشيعة بشكل خاص، ولا شك أن التعرف على هذا الاجتماع، سيساهم في إزالة الغموض والابهام الذي يتعمده البعض حول الشيعة، ما يؤسس لعلاقات انسانية واجتماعية ومواطنية سليمة تحتاجها مجتمعاتنا.

***

د. طلال عتريسي - أكاديمي لبناني

 

ثامر الحاج امين(العفيف الأخضر 1934 ــ 2013) واحد من المفكرين التونسيين الذين أثارت كتاباتهم جدلا واسعا في العالم العربي لما فيها من نقد وتخطي الثوابت التي لا يسمح الحديث حولها والخوض فيها، فمنهجه في التعاطي مع نصوص الموروث اتسم بالشجاعة والجرأة في تناول الحوادث المسكوت عنها في كتب التراث وكذلك آراءه الجريئة في التحولات السياسية التي شهدتها الساحة العربية.

بعد رحيل العفيف الأخضر بسنتين أي في عام 2015 صدر له عن منشورات دار الجمل كتاب مهم هو (رسائل الى القادة والرؤساء) وقد ضم الكتاب عددا من الرسائل الموجهة الى بعض الرؤساء والشخصيات الفاعلة في الساحة السياسية العربية والعالمية وهذه الرسائل سبق له ان نشرها في الصحف والمواقع الالكترونية وتناول فيها بلغة لا تنقصها الجرأة والشجاعة حال العالم العربي محذرا فيها من السياسة الرعناء التي ينتهجها الحكام بحق شعوبهم والمنطقة، ولكثرة الرسائل التي ضمها الكتاب والتي قاربت من الثلاثين رسالة فقد تناولنا عددا منها تلك التي تكشف عن قدرة الأخضر على التحليل النفسي لسلوك المقصودين فيها وجلهم من الرؤساء الذين أذاقوا شعوبهم الويل بسبب استبدادهم واخطاءهم الكارثية علاوة على ما تضمنتها من اسرار لم يسبق للقارئ ان تعرّف عليها.

استهل العفيف الأخضر كتابه المذكور بـ (رسالة مفتوحه الى صدام حسين) والمثير للدهشة في هذه الرسالة انها منشورة وصدام حسين ما يزال في الحكم وتخيل الجرأة التي يخاطب فيها الأخير قائلاً له (كذاتي منفصل عن مبدأ الواقع أنت غير مؤهل للعمل السياسي على رأس دولة بمكانة العراقي لأن السياسة فن الممكن لا فن التخييل وقد برهنت الوقائع منذ 18 عاما انك أمي في فن السياسة مما جعلك سيد الرهانات الخاسرة ص 5)، وكواحدة من الرهانات يتوقف عند حرب الكويت التي أسفرت وحسب تقديرات احد قادة اركان الجيش الفرنسي عن سقوط 400 الف جندي عراقي قتلى علاوة على الاعداد الكبيرة من العراقيين الذين يموتون نتيجة نقص الغذاء والدواء وتفاقم البطالة، ويظهر من خلال رسالته الطويلة ان الأخضر قد قرأ بشكل مفصل تاريخ العراق وكذلك التاريخ الشخصي لصدام وخفاياه الكثيرة فعن عناد صدام وقصور نظرته يقول له (كمصاب بالمركزية الذاتية جعلت من نفسك مركز العالم فانك تعتبر ان مجرد بقائك في الحكم انتصار على رعاياك الذين حرمتهم من الكثير بفضل الحظر الذي جرّته عليهم انتصاراتك في ام المعارك ص 8) وتذهب الرسالة الى التحليل النفسي لشخصية صدام حسين فتصفها مصابة بالبارانوية الخطيرة التي من أهم اعراضها الحذر المفرط، تضخم الأنا، خطأ الحكم والعجز من التكيف مع الواقع الاقليمي والدولي، وتحصيل حاصل يؤكد له في رسالته (ربما انك عاجز عن ممارسة النقد الذاتي الذي يتطلب مرونة ذهنية وذكاء تاريخيا لا يمتلكها البارانوي فأنت عاجز عن مراجعة احكامك، لأن كل نقد لها او تراجع عنها يجعلك تتهاوى من الداخل كأسد من ورق، فما قررته قد قررته مرة والى الأبد ص 15)، أما رسالته الى الرئيس جلال الطالباني فلم تكن بتلك الأهمية فقد اقتصرت على الطلب منه بعدم التوقيع على عقوبة الاعدام بحق خصومه السياسيين بما فيهم رجال النظام السابق فقد كان يرى في عقوبة الاعدام عقاب همجي انتقامي تمارسه دولة يفترض فيها ان تكون مؤسسة عقلانية.

رسالة أخرى مهمة الى الرئيس الليبي معمر القذافي كتبها أبان الثورة في ليبيا يطلب فيها من القذافي الاستفادة من نهاية صدام حسين والاسراع الى ترك الساحة من أجل وقف نزيف الدم والاقتتال بين ابناء البلد الواحد والاستفادة من نصيحة الرئيس التركي اردوغان الذي ضمن له الأمان من الملاحقة الجنائية الدولية وان يكون (القرار هو الفرار) لكن القذافي لم يأخذ بتلك النصيحة واختار نهايته الدموية، ويبدو ان هذه الرسالة المحرضة على الفرار وراءها دوافع انتقامية سببها قيام القذافي بحرق كتب العفيف الأخضر في ليبيا ومنع تداولها، ويرى الأخضر في تحليله لشخصية القذافي ان جنون العظمة وحب السلطة جعله غير مؤهل للاعتزال ولم يتركها الاّ بعد ان حول ليبيا الى مقبرة وغابة تسرح فيها قطعان الذئاب المتعطشة للقتل والدم.

ولم يغفل الفلسطينيين في سلسلة رسائله فقد تناول الأخضر اسباب محنتهم ويرجعها الى أخطاء سلطتهم الدينية والسياسية، فالدينية منها كانت بسبب الخلط بين احكام الفقه ومبادئ السياسة مشيرا الى موقف مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني الذي رفض تقسيم فلسطين من قبل لجنة بيل البريطانية سنة 1937 التي أعطت منها للفلسطينيين 80 % و 20 % لليهود متشبثا بمبدأ (فلسطين كلها وقف اسلامي ولا يجوز التفريط في شير واحد منها لليهود ص 21) في حين كان رد زعيم اليهود دافيد بن غوريون المدروس هو (بالتأكيد هذا القرار لا يرضيني، ولكنني أرفض ان أرفض) فيعقد الاخضر مقارنة واضحة بين استعانة الحسيني بأحكام جامدة فأضاع وطن وشعبه واستشارة بن غوريون بالسياسة التي هي فن الممكن فكسب وطنا لشعبه ويعلق على هذا ان رفض عرض الخصم يجب ان تسبقه دراسة علمية للبدائل الممكنة للعرض المرفوض وكذلك هي اخطاء السياسيون الذين تقمصوا شخصية مفتي فلسطين ومنهم ياسر عرفات عندما رفض عام 2000 مقترحات كلينتون التي يعتبرها الأخضرهي افضل ما قد يحصل عليه الفلسطينيون في المستقبل.ويصف شعار (كل شيء أو لا شيء) بأنه عناد عصابي وهو مرض موروث من اطوار الطفولة والشفاء منه هو النقد الذاتي.

ومن بين ثلاث رسائل بعثها العفيف الأخضر الى الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا يخاطبه فيها بالصديق العزيز يسلط الضوء في رسالته الاولي على واقع العالم العربي الجديد وتحديدا في البلدان التي شهدت تحولات في انظمتها السياسية (السودان، مصر، تونس، ليبيا، العراق) وقيادة الاسلام السياسي للأنظمة فيها ويصور له وما آلت اليه هذه البلدان من أوضاع سيئة ممثلة بانهيار الأمن والاقتصاد وحملات الانتقام والتردي في الخدمات وغياب الأمن وانتشار العنف، ويبدو ان دوافع رسالة الأخضر جاءت تعقيبا على رسالة مانديلا التي سبق ان وجهها للإسلاميين وحث فيها نخب تونس ومصر على المصالحة الشاملة للتفرغ لبناء المستقبل بدلا من التسمر في مرارات الماضي وكذلك دعوتهم الى اتخاذ تجربة جنوب افريقيا في المصالحة الوطنية نموذجا وحذرهم في رسالته بين المصالحة وطوفان الفوضى، ويتخذ الأخضر من المواقف الغريبة والآراء المتناقضة للسيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية نموذجا للعقلية التي تسود حكم هذه البلدان وفي الرسائل الثلاث يكشف الاخضر عن معلومات مانديلا الضئيلة والمغلوطة عن القادة الاسلاميين لهذه البلدان عندما يخاطبهم بـ (إخوتي في بلاد العرب) ويستغرب من شخصية بحجم مانديلا التاريخي واشعاعه الكوني ان ينخدع بسهوله بالأعلام المضلل والتهويل الكاذب الذي يثار حول هذه الشخصيات والاستشهاد بها كمرجعيات سياسية من امثال الغنوشي والترابي وغيرهم.

وفي ختام رسالته الى مانديلا يدعوه الاخضر الى مواصلة مهمته الجليلة بالاتصال بجميع اصدقائه من الشخصيات العالمية ليوقعوا معه رسالة الى قادة هذه البلدان المضطربة بضرورة ايجاد حكومة مصالحة تضم الجميع وتوسيع قاعدة النظام الاجتماعية بإضافة نخب جديدة اقتصادية وسياسية وثقافية والتخلي عن الوجوه المشبوهة التي أثرتْ من خلال سرقاتها قوت الشعب وخيراته ويجد في المصالحة والمراجعة الجدية لسياسة الحكم هي البديل من الانقلاب العسكري والفوضى الزاحفة التي تعيشها الان هذه البلدان.

رسالته للرئيس التركي الطيب رجب أوردوغان يشيد فيها بدعوة الأخير زعماء الاسلام السياسي في مصر وتونس الذي ينتمي ارودوغان الى فكرهما السياسي بترك التعصب الديني وانغلاقهم على روح العالم مذكرا اياهم أن (الحرية والديمقراطية والعلمانية لا تتناقض مع الاسلام) والغريب ان أول من رفض هذه الدعوة هم الاخوان المسلمون في مصر وجاء بعدها رفض رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مدعيا بأن (النهضة لا تستنسخ تجارب الاخرين) لكنه كان في أدائه السياسي يحاول استنساخ التجربة الايرانية، وقد وصف الاخضر الرئيس اردوغان بانه شخصية تتمتع بالشجاعة السياسية الغائبة في أرض الاسلام والقادرة على تجسيد مشروع المصالحة بين الاسلام والعلمانية.

في رسالته الى الرئيس الجزائري بوتفليقة يدعوه فيها الى تجفيف ينابيع الارهاب من المدارس الجزائرية التي كان يجري فيها اخضاع التلاميذ من المدرسة الابتدائية الى برامج تعلم كيفية غسل الموتى ورجم المرأة الزانية ويطلب منه ان أراد ان يدخل التاريخ كأول رئيس جزائري ان يقدّم لأبناء الجزائر المسلمين تعليما دينيا تنويريا، وان يعلمهم التفكير في النص الديني بالعقل ونبذ العنف والتكيف مع قيم عصرهم الانسانية.

الرسالة التي بعثها الى الرئيس السوري حافظ الأسد فانه يصف فيها توجهاته بالعمى السياسي فانطلاقا من معطيات موضوعية لا من تخييلات وهلاوس يسطّر له اخطائه الممثلة يسياسته الداخلية الاستبدادبة العمياء وسياسته الاقليمية التي تفتقر الى الواقعية بتدخلاته في شؤون دول الجوار والتحالفات الخاطئة وجعل سوريا ساحة لتدخلات الدول الخارجية من حيث تخلف صناعة القرار السوري مخاطبا اياه (بصفتك، نظريا على الأقل، صاحب القرار، كان عليك ان تحيط نفسك بصناع قرار ذوي اختصاص وكفاءة، بفضلهم ــ وبفضلهم فقط تتعود على سماع الأسئلة المحرجة، وأفضل من ذلك على الاصغاء الى الأحداث لفهم مداليلها العميقة، هذا الفهم هو الذي سيقيك من المزالق والأخطاء القاتلة، لأن صدام لم يفعل، فقد فقدَ كل شيء الذرية والحكم ص 66). ويتهمه صراحة (بتشجيع تسلل الارهابيين الى العراق لمنع اعماره واغراق لبنان في المشاكل والدم وعرقلة الوحدة الوطنية الفلسطينية بين حماس وفتح ص 100).

ولمناسبة اعلان الملك محمد السادس ملك المغرب " سحب المغرب لجميع تحفظاته عن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة " يقف الاخضر مناصرا لهذا القرار ويعتبره يوما تاريخيا في تاريخ تحرر المرأة المغربية من رواسب التقاليد المعادية لها، ولكي لا يبقى هذا الاعلان حبرا على ورق يبعث الاخضر رسالة الى ملك المغرب يدعوه فيها الى استكمال خطواته لا نجاح هذا المشروع الحداثوي التنويري ومنها تحديث قوانين الأحوال الشخصية وكذلك تحديث الخطابين التعليمي والاعلامي لخلق ثقافة مضادة للثقافة السائدة المعادية لحقوق المرأة.

أما رسالته الى عمرو موسى ايام وجوده في منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية فأنها جاءت متضامنة معه ضد التطاول الذي حصل عليه من بعض الأبواق وكان يدعوه في الرسالة الاضطلاع بمهمة تاريخية هي مصالحة عقلاء حماس مع ادارة أوباما وحكومات الاتحاد الأوربي وحذر من حصار المجتمع الدولي لحماس مشيرا الى ان الحصار يوقظ جنون الشك وعقدة الاضطهاد الكامنة خاصة في الشخصيات الدينية العنيفة التي ترى نفسها ضحية.

يكشف كتاب (رسائل الى القادة والرؤساء) عن قدرة مؤلفه العفيف الأخضر على التحليل السياسي الواقعي والعقلاني المرتكز على اسس تاريخية ودينية وسياسية وكذلك على التحليل النفسي للشخصية المبني على قراءة واعية لنظريات علم النفس فجاء كتابا ممتعا غنيا بمادته التاريخية ودقيقا في توصيفاته وتنبؤاته التي تحقق منها الكثير.

***

ثامر الحاج امين

 

منى زيتونمقدمة كتاب: الإلحاد والتطور.. أدلة كثيرة زائفة

بسم الله، والحمد لله، نحمده ونستعينه. أما بعد،

يقول تعالى: ﴿‏وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً‏﴾‏ ‏[النساء: 89]. وهذا الكتاب، وكما يظهر جليًا ‏من الإهداء موجه إلى المؤمنين بالله؛ ليظهر لهم كثيرًا مما خفي عنهم من علم حقيقي، عن زيف ما يدعيه ‏التطوريون الغربيون وأذنابهم من العرب، ويسهم أحيانًا في زعزعة إيمانهم، وقناعتي التامة أن من شاء فليؤمن ‏ومن شاء فليكفر، فليس الهدف من الكتاب حث الملاحدة المعاندين على الإيمان.‏

وقد كنت منذ سنوات بعيدة ألاحظ أن جدل التطوريين حول القيمة العلمية لنظرية التطور يبالغ ويشيع عنها أنها حقيقة راسخة ثابتة لا مجال لدحضها، وهذه ‏المبالغة تبدو صفة أساسية في الكثير من الدعاوى حول ‏النظرية؛ دعاوى متضخمة لتعويض أدلتهم ‏الهزيلة العاجزة.‏ ولم أجهل أن هناك من يسعون جاهدين لإقناع شباب العرب زورًا بصحة نظرية ‏التطور لإظهار أنفسهم على درجة زائفة من العلم ليست لهم ولا تعبر عن حقيقتهم، ولكن لم يعنني هذا ‏ولم يخلق لدي عزيمة أن أجتهد في الرد عليه حتى ظهرت ثم شاعت نظرة جديدة للتطور وجدت من يروج لها بين العرب، ‏وهو ما أصبح يُعرف بالتطور الموجه؛ وهي محاولة إسلامية لمجاراة ما طرحه فرانسيز كولينز رئيس مشروع ‏الجينوم البشري في كتابه الشهير "لغة الإله".‏

وقد سألت نفسي لِم لا أترك المؤمنين بالله من غير المدققين يؤمنون بأن التطور هو أسلوب ‏الله في ‏الخلق، حتى وإن كنت أعلم يقينًا أن كل أدلته زائفة، طالما أنهم لم يدرسوا أدلة النظرية ‏من جهة، ولا علم لهم ‏بالعقائد من جهة أخرى، ولا يبدو أن الاقتناع بالتطور من عدمه يمكن ‏أن يؤثر في إيمانهم؟ أليس المهم أن يبقوا ‏مؤمنين بوجود الله؟!‏ خاصة وأنا أعلم يقينًا أن أغلب شباب العرب من مدعي مناصرة التطور يفعلون ذلك من باب المسايرة للمجتمع المتحضر ‏‏الذي يحسبون أن جله مقتنع بصحة النظرية، بينما في أحدث استطلاع في الولايات المتحدة الأمريكية عن النظرية ظهر أن ‏‏‏40% من الأمريكان ليسوا مؤمنين بالتطور، هذا على الرغم من كل أساليب الترويج الإعلامي له، ورغم منع ‏تدريس أي وجهة نظر أخرى تعارض التطور في المدارس الأمريكية.‏

ولكني رأيت الأمر أخطر مما يبدو ظاهريًا؛ كان مشركو قريش يعترفون به سبحانه وتعالى خالقًا، ولكن مع ‏الاعتقاد بوجود أصنام تنفع وتضر وتشرك ‏الله بشكل ما في تسيير أمور الكون، ولو كان ‏الإيمان بالله فقط كافيًا ما بُعث سيدنا محمد إلى قريش وغيرهم من ‏المشركين لتصحيح عقيدتهم الفاسدة. ‏إذًا فالأمر لا ‏يتعلق بالإيمان بالله وحسب، بل لا بد أن يكون ذلك الإيمان ‏على عقيدة صحيحة.‏

ثم إن شياطين الإنس يريدون أن يبرهنوا لأنفسهم أنهم على حق، ولأجل ذلك فهدفهم جر مزيد من البشر ‏معهم إلى الهاوية، فهم لا يكتفون ممن يقر بحدوث تطور الأنواع من بعضها باقتناع ساذج بسيط قد لا يؤثر على ‏إيمانه؛ كونه لا يفهم ‏عمق ما يعتقد التطوريون من دور محوري للطبيعة في الخلق، بل ‏يُصرّون على تقديم ما يدّعونه أدلة ‏على حدوث التطور للعامة، وهنا يبدأ الطعن في ‏قيومية وعلم الله وقدرته المعجزة على خلق كل شيء بمقدار. ‏وما يفعله هؤلاء ليس اجتهادًا ‏فكريًا، بل تنطعًا علميًا، ونشرًا لأفكار تقتضي الشرك والإلحاد بدعوى التجديد في ‏الدين، ‏والعقيدة لا تُجدد لتتوافق مع أهواء الملاحدة، وهذا ليس جمودًا فكريًا ولكنه محاربة للعبث ‏بعقيدتنا.‏

والمنظور التطوري الذي يحاول أن يعطي التطور صبغة دينية يدّعي أن الطبيعة تعبث ‏بعيدًا عن الله، ‏ويطعن في علم وحكمة الله وإحاطته بخلقه، يطعن في غائية الخلق حتى مع ‏ادعاءات المدعيين بأنه أريد ‏للخلق أن يكون هكذا.‏ إنها حيلة الشيطان القديمة تتجدد مع مصدر شرك وكفر عصري؛ فعبادة الأصنام بدأت عندما أقنع ‏الشيطان أتباعه بتكريم عظمائهم وصنع أصنام لهم، ثم عبدوها واتخذوها آلهة مع الله، ثم كان من بعضهم أن ‏عبدوها دون الله.

‏ومما يروج له التطوريون أن نظرية الخلق تغذي في الإنسان نرجسيته، ولذا فهناك من يتمسك بها ويرفض ‏التطور لأجل ذلك، والحقيقة على عكس ما يدعي مروجو نظرية الأسلاف القردة، بل نظرية الخلق تفهم الإنسان ‏قيمته وتفرده ودوره على الأرض كخليفة لله فيها، على عكس نظرية التطور التي لا تجعله يميز نفسه عن ‏الحيوانات، ويركز فقط على احتياجاته الفسيولوجية ولا يرى في ذلك بأسًا.‏

وهذا كان السبب الرئيسي لإنعاش نظرية التطور في القرن العشرين بإدخال آلية الطفرة؛ لأن الداروينية صارت أيديولوجية تسهم في صياغة العصر المادي الذي أرادوا أن يتم تكريس الإنسان ‏فيه بأن يقنعوه أن ‏أصله حيوان، إذًا فلتبقِ أسير غرائزك ورغباتك أيها الإنسان. ونحمد الله أن العقد الأخير من القرن العشرين كان بداية طرق معاول الهدم في تلك النظرية ‏‏البهيمية، ولا زالت تتصدع بأيدي التطوريين بما تسفر عنه نتائج دراساتهم عن الجينوم -على عكس ما يظن العامة-، وبالمستجدات العلمية في بقية العلوم، وهو ما سنفصل فيه في الباب الرابع، كما تصدعت كثيرًا بضربات قوية من أصحاب نظرية التصميم الذكي.‏

وهدفي من الكتاب أن أثبت أن التطور ليس أسلوب الخلق، وأن التطور مرفوض علميًا مثلما هو مرفوض عقديًا؛ فالتطور وانبثاق الأنواع من بعضها ليست نظرية علمية، وإنما هي تفسير معيب ألبس ثوب العلم زورًا ودون أدلة، ويقيني ‏أن التفسير المعيب قد يعيق العلم لأنه يوقف مسيرته ويهبط عزيمة العلماء عن السعي لمعرفة التفسير الصحيح، ‏كما أنه قد تنبني عليه أكوام من الاستنتاجات الخاطئة. ولو كان العلماء الحقيقيون يصدقون كل دعاوى ‏التطوريين ما اكتشفوا وظائفًا لكل ما ادعى التطوريون أنه عديم ‏الوظيفة من أجزاء الجينوم أو أعضاء جسم ‏الإنسان وباقي الأنواع، ‏ولكن التطوريين لم يستطيعوا إعاقة حركة العلم لخدمة نظريتهم، وإن كانوا قد خدموها ‏بالتضخيم ونشر الزيف وترديد الأكاذيب عنها حتى صدقوها وصدقها معهم كثير من الناس.‏

وهناك فكرة شائعة عن نظرية التطور بأن جذورها تعود إلى فلاسفة اليونان، ونسبة النظرية إلى الفيلسوف ‏اليوناني أناكسيمندر ‏Anaximander‏ ‏ ‏(610 ق.م– 546 ق.م)، وهو من ‏ أعلام المدرسة الميليسية (تابعة للأيونية)،‏ وهذه النسبة غير صحيحة، ‏فهو قد استثنى الإنسان من بقية الحيوانات التي –وفقًا له- خرجت من المياه إلى اليابسة، وقال إن الإنسان ‏الأول بقي محفوظًا في جوف الأسماك جنينًا حتى كبر واستطاع القيام بأمر نفسه فخرج إلى اليابسة عندها، ولم ‏يقل إن السمك هو أصل الإنسان أو أن الإنسان تولد عنه، ومن يدّعِ أن  أناكسيمندر‏ قال إن نوعًا يمكن أن ينتج ‏من آخر لم يفهم حقيقة ما قال، وما أكثرهم!‏

في هذا الكتاب تعرضت بالنقد لنظرية نشأة وارتقاء الحياة على الأرض عن طريق آلية الانتخاب الطبيعي، ‏والتي تُنسب إلى دارون، فتُعرف به ويُعرف بها، وإن كان الباحثون في المجال لا يخفى عليهم أن ألفريد والاس ‏هو من صرح بها أولًا  عام 1858م، فادعى دارون أنه توصل إليها قبل عشرين سنة، وهناك تشكك في أن ‏كليهما سرقاها من الاسكتلندي باتريك ماثيو، ولست مهتمة بتتبع أول من فكر في دور الانتخاب الطبيعي ‏المزعوم في التنوع الحيوي، فعلى كل حال لم نر هذا الانتخاب الطبيعي يخلق أنواعًا، وقد وفرت جهدي في ‏تقديم شروح عن النظرية والرد على ادعاءاتها، وليس البحث عمن بلانا بها، فحسابه على الله. ‏

وإن كان هذا لا يمنع أن أصرح باقتناعي التام أن أيًا من والاس أو ماثيو ما كان بإمكانه نشر مثل هذه ‏النظرية الحدسية غير المنطقية؛ فدارون كان شخصاً يمتلك قدرًا كبيرًا من الذكاء الاجتماعي، في حين كان يفتقد ‏إلى كل ما له ‏علاقة بمتطلبات النجاح الأكاديمي؛ إذ كانت كتابته رديئة وكثير الأخطاء ‏الإملائية وبطيء الفهم، ما ‏يدل على ذكاء لغوي منحدر، ولم يعرف عنه خلال دراسته التميز في ‏الرياضيات أو الفلسفة أو المنطق، ما يدل ‏على ضعف ذكائه المنطقي/الرياضي؛ الذي لو كان يتحلى ‏بدرجة معقولة منه لما وضع نظرية قائمة بتمامها على ‏الحدس، رغم ما حاول ادعائه لها من أدلة، وعليه فدارون إنما نجح في تمرير نظريته إلى الوسط العلمي في ‏عصره من خلال علاقاته الاجتماعية ‏وتحزبات وثلل تدافع عنه وليس لقيمتها. ‏ ‏

كما لم أهتم بعرض الفروق بين أفكار دارون في الطبعات الثلاث من كتابه "أصل الأنواع" الذي ‏عرض فيه نظريته، فنظرية التطور الحديثة تختلف اختلافًا بائنًا عما عرضه دارون بسبب ما استجد من علوم. وإن ‏كنت قد رددت على نوعيات الأدلة التي استدل بها دارون في كتابه ضمن مقالات الباب الرابع.‏

فالكتاب الذي بين أيديكم هو مجموعة من المقالات الفكرية والعلمية، كُتبت ونُشرت على مدونتي لنقد ‏التطور وبعض مواقع الكترونية عبر ‏سنوات، وفي البداية كانت في صورة مختصرة لأنها كانت ردودًا ‏توليت صياغتها سريعًا ردًا على أحد دعاة التطور العرب، ثم حسّنتها وزدتها، وسبق جمعها ونشرها ‏ككتاب الكتروني دون طباعة. وكان سبب جمعها سوية هو مراوغة التطوريين المعروفة عنهم والتهرب من نقاش ‏دليل لآخر. وهذه هي الطبعة الأولى للكتاب.‏

https://critiqueofevolution.blogspot.com/

يحتوي الكتاب أربعة أبواب، أولها يتضمن مقالات للرد على بعض ما يستند إليه الملاحدة ويعرضونه من ‏أفكار، مثل: عرض ونقد لفلسفة العلم عند كارل بوبر، وحديث عن الإلحاد ودور الاستقراء التام‏ فيه، والأفكار ‏الإلحادية المضمنة في نظرية التطور‏، وعرض لمعنى لا محدود‏ية الله، ومعنى الإلحاد في أسمائه، وبعض من الخواطر حول الإلحاد‏، وأخيرًا: ‏هل ينبغي علينا أن نكترث لأمر الملحدين؟‏!‏

ويتضمن الباب الثاني مقالات توضح موقع نظرية التطور من العلم والدين، فبدأت بعرض الاتجاهات المختلفة في تفسير التنوع الحيوي، ‏وعرض لنظرية خلق الأنواع وفنائها كما أراها لأنني لم أقرأ لأحد حاول تنظيرها ووضع مبادئ لها، وتضمن مقالًا إجابة عن ‏السؤال الهام: هل التطور علم؟ وأوضحت في آخر بعض المغالطات المنطقية المرتبطة بالتطور، كما خصصت مقالًا عن فلسفة ‏الصراع من أجل البقاء، والتي برر بها دارون لحتمية التطور وحدوث الانتخاب الطبيعي، والنزعة العنصرية ‏للنظرية وما نشأ ‏عنها؛ إذ يدعي بعض المتحذلقين أن دارون لم يقصد بتاتًا الصراع العنيف الدامي وإنما فقط ‏صلوحية الصفات للتكيف مع البيئة أو الصلوحية العمرانية على حد تعبير الشيخ رشيد رضا، ولكن هذه ليست ‏الحقيقة وما عهد النازية منا ببعيد، ومعلوم كيف أثرت أفكار دارون في هتلر وقادته لكل الحماقات التي اقترفها.‏

ومقالات الباب الثالث تتضمن شروحًا عن النظرية، مثل: رحلة البيغل الثانية التي شارك فيها دارون ‏وبعض المغالطات التفسيرية التي يلصقونها بيوميات دارون عنها، ومقالًا عن فساد التمثيل والقياس بين ‏الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي، والذي أسرف دارون في الحديث عنه في "أصل الأنواع"، ‏ويتضمن هذا المقال عرضًا للإشكاليات المرتبطة بتعريف النوع الحيوي، وشرحًا للاعتراضات والانتقادات التي وُجهت ‏إلى نظرية التطور في عصر دارون، وشروحًا عن فرضيات أصل الحياة على الأرض، وتقديرات عمر الأرض وعلاقتها ‏بنظرية التطور،‏ وما يرتبط به من مفاهيم كالحد الكوني والألفة الكيميائية‏، وشروحًا عن الطفرة؛ تلك الآلية ‏الجديدة التي أحيا بها التطوريون النظرية في القرن العشرين، والتضاعف الجيني وكيف يتصورون قدرته على ‏تخليق المعلومات الجديدة اللازمة للانتواع. وشرحًا لأكذوبة نشأة الأنظمة الحيوية تدريجيًا وعن طريق سقالات، والذي يقيسه التطوريون على نمو الأجنة.‏

وأما الباب الرابع فيتضمن ردودًا على كل ما استخدمه التطوريون من أدلة على ‏صحة النظرية، وبيان زيفها؛ ستجدون ردودًا على استدلالاتهم بالتوزيع الحيوي وعلم المورفولوجي وعلم ‏الأجنة، وعلى خرافة الأعضاء الأثرية‏، وما أسموه بعيوب التصميم في جسم الإنسان، والتأسل ‏الرجعي. إضافة إلى الرد على مزاعم امتلاء السجل الأحفوري الذي كان يأمل دارون أن يمتلئ بما يخدم نظريته، ‏وادعى بعضهم أنه صار دليلًا دامغًا على حدوث التطور، وعرض ونقد لأشهر الحفريات والأدلة التي يقدمونها على تطور ‏البرمائيات والطيور والحيتان والإنسان. وما استجد من استدلالاتهم بعد اكتشاف ‏DNA، والتعديلات المتكررة ‏التي أدخلوها على شجرة التطور التي كانت مجرد فكرة أولية وضعها دارون وأنماها التطوريون من بعده. وكيف ‏أثرت المكتشفات في علم فوق الوراثة (فوق الجينات)‏ في إعادة النظر في ادعاءات التطوريين عن الطفرة والتطور ‏الصغروي، والرد على أدلة التطور الصغروي.‏

ولم يعتنِ الكتاب بعرض بعض روائع تصميم الخالق، وهي بحاجة إلى كتاب كامل يمكن أن يكون جزءًا ‏ثانيًا لما بين أيديكم، إن يسر الله، وسيسرني إن فكر غيري في إعداده، فالتطوريون تصيبهم كلمة تصميم في مقتل، ‏‏ودومًا يسعون ‏إلى تشويه روعة أي تصميم حيوي،‏ بل إن التصميم الدقيق للكون ‏يفترضونه لأن كوننا نشأ من بين أكوان متعددة!‏

لقد خاضت نظرية التطور حروباً ومعارك كثيرة، وتم نفخ الروح فيها من جديد، وعن نفسي أتمنى أن لا ‏‏يقبضني الله قبل أن يقبضها.‏ وقد كان مما فت في عضدي منذ كتابة المقالات الأولية للكتاب أن كثيرين ‏من المؤمنين لم يروا أن الموضوع يستحق ما أبذله من جهد فيه، وأن الحياة على الأرض قاربت أن تنتهي ‏ونفنى، فما أهمية الرد على المعاندين المشغولين بكيف بدأت ليبرروا لأنفسهم بعض قناعاتهم العقدية؟ ورغم ‏أنني لا أحب المناظرات عمومًا، فإنني لم أوافق هؤلاء المؤمنين في الرأي، لأن التطوريين خلطوا العلم الزائف ‏بالعقيدة ليفسدوا على الناس عقيدتهم ويدخلوا الشك في نفوسهم، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ‏فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق‏﴾‏ ‏[العنكبوت: 20]؛ فالبحث في أصل الحياة على الأرض أمر إلهي، وفي مقال "أصل ‏الحياة" سنرى أن التطوريين بعد جهد عادوا مرة أخرى إلى فرضية الأديان، وصارت نظرية الطين الصلصال ‏Clay Theory‏ مما يروج له بعضهم لتفسير نشأة الحياة الأولى، وإن ادعوا أنها ليست هي أساطير الأديان! لذا ‏فإن على من يعلم واجب أن يعلم غيره. ولمن لا يعرف فأنا حاصلة على عدة درجات جامعية، منها درجة ‏جامعية في التاريخ الطبيعي.‏ ولأجل هذا كله كان هذا الكتاب.‏

وسيجد القارئ أسلوب تنسيق الكتاب وتوثيق مراجعه بخلاف المعتاد باعتباره معدًا ليكون كتابًا الكترونيًا ‏بالأساس، وبالنسبة لكثرة النقول باللغة الإنجليزية في الباب الرابع، والتي أوردتها مصحوبة برابطها الالكتروني، ‏ولم أكتف بترجمة محتواها أو صياغته بأسلوبي،  فذلك كان مقصودًا لتحقيق الفائدة المرجوة، فمن خلال ‏تجاربي مع التطوريين العرب أعرف أنهم دائمو التشكيك بالباطل في صحة كل ما نكتب ونشرح من نتائج ‏الدراسات الأجنبية، وإيراد النص باللغة الإنجليزية كما هو مصحوبًا بترجمته أفضل سبيل لسك أفواههم، فهو ‏شيء اضطررت إليه رغم تفضيلي للكتابة الإبداعية وعدم اللجوء إلى النقول بكثرة. ولا أنسى ما أصر عليه أحدهم ‏عند نقاشه مع أحد المراهقين المؤمنين عن سحالي جزر بودماركارو، وهي مما يستدل به التطوريون ‏على حدوث التطور الصغروي؛ إذ أصر التطوري على أن هذه السحالي قد تطورت وصارت نوعًا آخر، وبقي ‏يجادل المؤمن حتى أعطيت الأخير النص الإنجليزي الذي يثبت أن جينوم السحالي لا زال على ما كان عليه، ‏ومن ثم فلا زالت النوع نفسه.‏

ولعل القارئ يجد في هذه المقالات والبحوث فائدة، وأن يعم النفع بها.‏

***

د. منى زيتون

مصر- الإسماعيلية

29 نوفمبر 2021

نبيل عودةكان علينا طرد جميع الفلسطينيين في عام48

* قال بمقابلة صحفية: (موضوع الضمير لا يشغلني، هذا ليس ما يتوقع ان يقوم به مؤرخ * الصهيونية دفعت رشاوى لمندوبي دول أعضاء في الأمم المتحدة للتصويت إلى جانب قرار التقسيم).

يحاول المؤرخ اليهودي بيني موريس فيما كتبه عن "حرب 1948- تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى" وكتاب "من دير ياسين الى كامب ديفيد" الى إعادة كتابة تاريخ هذه الحرب من منظور جديد، وذلك من خلال بحث أجراه، وصفه بأنه واسع النطاق، وانه عثر على وثائق هامة، نشرها في كتابيه المذكورين. ويسمي تلك الحرب بانها "حرب بلا خيار".

 تؤكد الوثائق التي يتحدث عنها بيني موريس أن مندوبين في الأمم المتحدة حصلوا على رشاوي من الحركة الصهيونية، من أجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1947. ويشرح انه كان خوفا من فشل الحصول على ثلثي الأصوات في الأمم المتحدة مما يعني فشل مشروع اقامة دولة اسرائيل. وقد خصصت الحركة الصهيونية مليون دولار لتقديم الرشاوي، عدا الابتزاز السياسي. وذلك في مواجهة ضغط الدول العربية وتهديدها "بفرض حظر" على تصدير النفط !!

ويدعي موريس "أن الحرب في عام النكبة (1948) لم تكن صراعا على الأرض، وإنما تدخل في إطار الجهاد الأول، وهي حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأنه من غير المؤكد أن إسرائيل ستنتصر فيها". بحسب موريس.

بالعودة إلى الأجواء التي سبقت التصويت على قرار تقسيم فلسطين، فإن توترا انتاب قادة الحركة الصهيونية، من جهة أن التصويت إلى جانب القرار يعني قيام دولة إسرائيل، وأن عدم التصويت سيشكل ضربة قاصمة للصهيونية، الأمر الذي دفع قادة الحركة الصهيونية إلى عدّ الرؤوس، وتبين أن نتائج التصويت لن تكون جيدة.

في هذه النقطة قرر أحدهم أن الدبلوماسية النظيفة لا تكفي، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، يجب الانتقال إلى وسائل ظلامية، بما في ذلك الرشوة وممارسة الضغوط. ويكتب موريس في هذا السياق أن الاعتبارات المالية كان لها تأثير على تصويت مندوبي دول أمريكا الجنوبية. بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرار التصويت. كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها. مندوب غواتيمالا أبدى حماسا زائدا في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية تؤكد أنه تلقى أموالا من منظمات يهودية أمريكية، كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين أنه "كان على علاقة بفتاة يهودية"، ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك.

ورغم أن موريس لا يعتبر الوثيقة جيدة، إلا أن رسائل ومذكرات موظفين ومسؤولين بريطانيين تشير إلى وجود هذه القضايا بشأن عدد من الدول في أمريكا الجنوبية، والتي تم إقناع مندوبيها بواسطة الأموال بالتصويت إلى جانب قرار التقسيم.

كما يشير إلى حالات ابتزاز، حيث قامت جهات صهيونية بممارسة الضغوط وتهديد مندوب ليبيريا بعدم شراء المطاط. وتمت أيضا ممارسة ضغوط اقتصادية شديدة، وخاصة الدول التي رفضت تلقي الرشاوى مثل كوستاريكا، وصوتت في نهاية المطاف مع التقسيم. ويشير ان الضغوط كانت من رجال الأعمال اليهود، مثل صامويل زموراي رئيس شركة الفواكه الموحدة وهي نقابة أمريكية كبيرة ذات نفوذ واسع وخاصة في دول الكاريبي.

وتلفت الصحيفة إلى أن هذه الحقائق لم تكن مفاجئة نظرا لوجود ما يشير إلى ذلك. كما سبق وأن أتى المؤرخ ميخائيل كوهين على ذكر ذلك، وذكر توم سيغيف ذلك بما كتبه عن تخصيص ميزانية مليون دولار لـ "عمليات خاصة".

وموريس بتصريحاته يعتبر هذه الوسائل مشروعة، انطلاقا من أن قيام دولة إسرائيل كان على جدول الأعمال والغاية تبرر الوسيلة، إضافة إلى ادعائه بأن الرشوة أفضل من الحرب العالمية الثالثة التي "هدد" بها العرب في حال قيام الدولة.

ينحو موريس إلى تصوير الصراع العربي – الإسرائيلي كصراع ديني. اذ يدعي أن ما اعتبر حتى الآن أنه صراع جغرافي وسياسي وعسكري بين مجموعتين قوميتين هو صراع يجب أن ينظر إليه على أنه حرب جهاد.

ويجيب موريس في مقابلة صحفية أن حرب 1948 كانت ذات طابع ديني، بالنسبة للعرب على الأقل، وأن العنصر المركزي فيها هو دافع الجهاد، إلى جانب دوافع أخرى سياسية وغيرها.

ويستند موريس في ادعائه هذا إلى وثيقة بريطانية بشأن فتوى لعلماء الأزهر، والتي تتضمن كما يقول دعوة إلى الجهاد العالمي موجهة لكل مسلم، بالتجنيد إلى الحرب المقدسة، وإعادة فلسطين إلى حضن الإسلام وإبادة الصهيونية.

ويقول موريس أيضا، إنه يجد صعوبة في عدم انتباه المؤرخين لذلك. وفي الوقت نفسه يفترض أنه ربما يكون قد أولى هذه الوثيقة أهمية أكبر مما تستحق، خاصة وأننا نعيش في عصر يوجد فيه الجهاد على الطاولة. هذا صراع بين عالم ظلامي إٍسلامي وعالم متنور، وفي العام 48 كانت جولة الجهاد الأولى في العصر الحديث.

واستنادا إلى نظريته تلك، يصل موريس إلى نتيجة مفادها أن الحديث هو عن أمور مطلقة، بمعنى أنها لا تحتمل الصلح. ويضيف على سبيل المثال، أنه لن يكون هناك صلح بين حماس وإسرائيل. قد تحصل تسويات تكتيكية، ولكنها ليست أساسية. فهم لن يتقبلوننا، لأن الأرض بالنسبة لهم إٍسلامية، وأن الله أمرهم بتدميرنا، وهذا ما يتوجب عليهم فعله.

ويتابع أنه في العام 48 كان الفهم الإسرائيلي التلقائي بأن جميع العرب قرويون سذج لا يفقهون شيئا، وهذا غباء. مثلما حصل في العام 2006 عندما صوتوا لحركة حماس. عندها قال الإسرائيليون إن السبب يعود إلى قيام حماس بتوزيع الهدايا والحليب مجانا، ولكن هذا خطأ أيضا، فهم يعرفون لمن هم يصوتون، مثلما كان يعرف العرب في العام 48. الدين بالنسبة لهم مهم جدا، وإبادة الصهيونية مهمة جدا.

ولا يغفل موريس التأكيد على أن ما يسميه بـ حرب الاستقلال هي حرب وجود ودفاع عادلة.

إلى ذلك، يتضمن الكتاب تطرقا إلى ممارسات الجنود الإسرائيليين خلال الحرب، فيشير إلى 12 حالة اغتصاب قام بها جنود إسرائيليون. من بينها قيام 3 جنود باغتصاب فتاة فلسطينية من مدينة عكا، بعد قتل والدها أمام ناظريها، ثم قاموا بقتلها، وحكم عليهم بالسجن لمدة 3 سنوات فقط. كما تتضمن حالة اغتصاب فتاة من مدينة يافا لم يتجاوز عمرها 12 عاما. في المقابل يشير إلى حالة واحدة جرت فيها محاولة لاغتصاب مجندة إسرائيلية من قبل جنود في الجيش العربي إلا أن الضابط المسؤول أطلق عليهما النار، وأنقذ المجندة.

وبحسبه فإن الجرائم التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون عام 48 تفوق تلك التي ارتكبت في حروب أخرى. ويقول كان هناك كثيرون ممن تركوا غرائزهم تتحكم بهم، بعضهم جاء من معسكرات الإبادة في أوروبا مصابين بعدواها، وسعوا للانتقام من "الأغيار"(أي غير اليهود: الفلسطينيين في حالتنا) بعضهم حارب سنة كاملة لأن العرب أجبروهم على القتال. بعضهم أراد الانتقام لمقتل أصدقاء لهم. لكل شعب هناك نقاط سوداء في تاريخه، والأعمال الظلامية التي وقعت في هذه الحرب هي نقطة سوداء في تاريخنا يجب استخلاص العبر منها.

مجزرة دير ياسين كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد

وردا على سؤال بشأن تخصيص جزء واسع من الكتاب لمجزرة دير ياسين، يكشف موريس إنه بالنسبة لليهود فإن أهم نتائج ما حصل في دير ياسين، أنها كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد. ويضيف أن العرب تحدثوا عن دير ياسين في البث الإذاعي وضخموا تفاصيل المجزرة، ما دفع سكان حيفا ويافا إلى الاعتقاد بأن الإيتسيل قادمون لارتكاب مجزرة مماثلة. طبعا يتجاهل بيني موريس وغيره ان المواطنين العرب في حيفا واجهوا مجزرة باطلاق النار الكثيف على منطقة السوق وهي مكتظة بالمواطنين مما دفعهم للهرب نحو الميناء، حيث كان الجنود الانكليز الذين لم يوفرا أي حماية للمواطنين، من الميناء صعدوا للقوارب التي هجرتهم الى لبنان وآخرين هربوا لمناطق أخرى. ومن 70.000 فلسطيني حيفاوي بقي 3566 مواطنا فقط!!

مجازر أخرى لا تقل بشاعة ونشوء قضية اللاجئين

يعترف موريس أن مجزرة دير ياسين لم تكن المجزرة الوحيدة، فقد وقعت أعمال قتل كثيرة، مثل مجزرة اللد التي قتل فيها 250 شخصا غالبيتهم لم يكونوا مقاتلين، وقتل أسرى في داخل المسجد. ويكشف موريس في كتابه وقوع مجزرة أخرى في يافا. فبعد سيطرة الهاغانا على يافا تم العثور على 12 جثة، عثر في ثياب أصحابها على بطاقات هوية شخصية إسرائيلية، الأمر الذي يؤكد أن المجزرة وقعت بعد سيطرة الهاغانا على المدينة وتوزيع البطاقات الزرقاء على من تبقى من السكان.

وبحسب موريس فإن هروب العرب هو الشكل العام، متجاهلا ان المجازر في عدد غير قليل من البلدات العربية ارتكبت لإثارة الرعب الذي دفع الفلسطينيين للهرب، وبعد ذلك جرى تدمير قراهم ولم يسمحوا لهم بالعودة، ويقول: أما عمليات الطرد الحقيقية فقد حصلت في مواقع معدودة فقط، متجاهلا تدميرحوالي 500 بلدة عربية وعشرات المجازر واعمال العنف والاغتصاب كما حدث مثلا في قرية الصفصاف التي تقع على خاصرة جبل الجرمق !!

يقول موريس إن الحرب سببت نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين متجاهلا ان المجازر هي السبب المباشر لهرب الفلسطينيين من بلداتهم، واغلاق طرق العودة امامهم بالعنف الدموي أيضا. ويدعي انه بنفس الدرجة أدت الحرب إلى دفع اليهود إلى الهرب من الدول العربية، بعد أن تم نهب ممتلكاتهم. لكنه لا يقدم أي دليل عملي، بل من المعروف ان الحركة الصهيونية نظمت حالات صدام مع المواطنين في العالم العربي (العرق مثلا) لدفع اليهود للقدوم الى اسرائيل.  ويدعي في هذا السياق أيضا أن الأرقام كانت مماثلة ("!!!") ويذكر موريس في هذا السياق قول موشي شاريت عام 49 (وزير خارجية في بداية اقامة اسرائيل) بأن ما حصل هو "تبادل سكان"!!. ويعقب موريس بأنه يوجد منطق في ذلك، وأن الاختلاف هو أن اللاجئين اليهود تم استيعابهم في إسرائيل، في حين أن العرب لم يقوموا باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين وظلت قضيتهم قائمة.

تشكيك بوجود شعب فلسطيني

وإضافة إلى ذلك، يشكك موريس بمدى صحة حقيقة وجود شعب فلسطيني في العام 1948، بادعاء أن الوعي السياسي القومي كان ضعيفا في وسط الفلسطينيين، وعدم قدرتهم على إقامة جيش قطري بدلا من مجرد عدد من المقاتلين في كل مدينة وقرية.

ويختتم الكتاب بقوله: هناك انتصار في العام 48، ولكن ذلك لا يضمن بقاء دولة إسرائيل. ان قيام الدولة في العام 48 أثار ردود فعل رافضة في وسط العرب وغريزة شديدة للانتقام. العالم العربي يرفض قبول وجودنا. وحتى لو وقعت "اتفاقيات سلام"، فإن رجل الشارع والمثقف والجندي يرفضون الاعتراف بإسرائيل. وإذا لم يكن هناك حل سلمي بين الشعبين، فإن النهاية ستكون مأساوية لواحد منهما.

ويخلص في احدى المقابلات الصحفية إلى القول بأنه من الصعب أن يكون لديه أسباب للتفاؤل بشأن احتمالات إسرائيل، حيث أن العالم العربي، وبمساندة العالم الإسلامي، يزداد قوة ومن الممكن أن يكون لديهم سلاح نووي. كما أنه لا يوجد في الأفق ما يشير إلى احتمال الت