 قراءة في كتاب

متى وقعت في حب ميلان كونديرا، ولماذا؟.. لا اتذكر التاريخ بالضبط، لكنني وجدت ذات يوم في مكتبة التحرير رواية بعنوان " الحياة هي في مكان آخر " من اصدار دار الاداب ترجمة رنا ادريس.. وكانت احد الاكتشافات الباهرة في عالم القراءة.. فهي رواية لا تتناول الاحداث او القضايا الكبيرة التي نعيشها، لكنها معنية بطبيعة العلاقات الانسانية. بطل الرواية " جازوميل " يعاني من محبة أمه الزائدة التي تترك اثارها على كل شيء في حياته، ولهذا يقرر ان يخترع له حياة اخرى من خلال شخصية اسمها " إكزافييه" الذي يحيا معه في عالم من الاحلام، عابراً من حلم إلى آخر، كما لو كان يعبر من حياة إلى أخرى، ولن نعجب حين يخبرنا الروائي أن هذه الحرية العجيبة ناجمة عن كونه بلا أم وبلا أب، ذلك أن انعدام وجود الأبوين هو شرط الحرية الأول، لا تبدأ الحرية حيث يُرفض الآباء أو يُدفنون، بل حيث لا يكون لهم وجود، حيث يأتي الإنسان إلى العالم دون أن يدري من أين.

يصبح جازميل الشاب الوسيم مثل كونديرا في الخمسينيات شاعراً، " كان يكتب قصائد عن الطفولة المصطنعة، عن الحنان، عن موت وهمي، عن شيخوخة وهمية، كانت تلك ثلاث رايات زرق يتقدم تحتها خائفاً نحو جسد المرأة الراشدة الحقيقي على نحو هائل".

وبرغم بلوغه سن العشرين، ولسبب لا يكشف عنه كونديرا، يظل جازوميل يقبل أن تختار له أمّه ملابسه، لذا لن نندهش حين نراه بعد ذلك يُوثق عشيقته الشقراء الصغيرة ويشل حركتها حين يمارس الجنس معها:  " إن جوهر المشكلة أنها كانت تفلت منه، إنه لم يكن يتملكها تماماً". كان أي ميل للاستقلالية لدى العشيقة الصغيرة يسوء جازوميل، كان يود:  " ألّا تكون أبداً في مكان آخر غير مغطس الحب ذاك، ألّا تحاول الخروج منه، ولو بالفكر، أن تكون مغمورة تحت سطح أفكار جازوميل وكلماته"، مثلما كان هو مغموراً في أفكار أمّه وكلماتها.

في النهاية يشي جازوميل بعشيقته إلى السلطات فيتم إلقاء القبض عليها والزجّ بها في السجن، وهكذا سيصبح سيدها المطلق، وسيكون في النهاية، قد أخذ بثأره من أمّه " إنها له، له، له"..ثم يقع الشاعر الشاب مريضاً حتى الموت، ويكتب كونديرا في نهاية الرواية مقطعاً شديد التهكم يقول فيه جازوميل لأمّه وهو لا يزال يمسك بيدها:  " أنتِ الأجمل من بينهن جميعاً، أنتِ أكثر من أحببتُ".

كانت الرواية غريبة بالنسبة لي، كان من الصعب عليّ آنذاك ان افهم الطبيعة المعقدة لبطل الرواية.. لكن الرواية قدمت لي خدمة اخرى فقد ادخلتني عالما من القراءة جديد تماما.

بعد سنوات، اصبحت روايات كونديرا متوفره، اعدت قراءة " الحياة هي في مكان آخر ".. بدت الرواية تبدو لي مذهلة، لقد كنت قادرا بعد القراءة الثانية على استيعاب الفكاهة السوداء التي تتمتع بها روايات كونديرا

بدأت بعد ذلك محبتي بكونديرا واعماله.. وبدأت معها رحلة البحث عن كتبه وايضا سنوات الانتظار، فقد كنت في كل عام انتظر مثل آلاف من عشاق الكاتب التشيكي ان يحصل على جائزة نوبل، ولسوء الحظ فقد بلغ الثالثة والتسعين من عمره، وفي كل عام يصر اصحاب الجائزة على إيهام القراء ان كونديرا شخصية من الخيال لا وجود لها على ارض الواقع، وانه يعيش في مكان آخر. احد الاجابات الساخرة التي يقولها كونديرا حول عدم حصوله على جائزة نوبل انه ولد في يوم " كذبة نيسان " – ولد في الاول من نيسان عام 1929 – ولهذا يعتبر ان علاقته بجائزة نوبل اصبحت أصبحت مثل النكات التي تلقى بمناسبة الأول من نيسان مجرد اكاذيب. يقول انه في صباه حلم دواء من شأنه أن يجعل الانسان غير مرئي والى " الآن أرغب في الحصول على الدواء الذي يجعلني غير مرئي. ''

في كل حديث عن جائزة نوبل يتذكركونديرا مواطنه الشاعر التشيكي ياروسلاف سيفرت الذي حصل على نوبل عام 1984 وكان قد بلغ الثالثة والثمانين من عمره، ويقال أن السفير السويدي عندما اراد ابلاغ ياروسلاف سيفرت بفوزه بالجائزة كان يرقد في المستشفى وقال للسفير بحزن:  " لكن ماذا سأفعل الآن بكل هذه الأموال؟".

الابن الوحيد لعائلة مثقفة من الطبقة الوسطى،ولد في مدينة برونو المدينة الثانية في (تشيكوسلوفاكيا) بعد براغ. والده متخصص في الموسيقى، ولا نعرف ما مهنة أمّه، ظل متعلقاً بوالده عازف البيانو الشهير الذي قاده إلى دروب بارتوك، وسترافينسكي، ورحمانوف. اضطر في سنّ مبكرة أن ينشغل بالسياسة، ففي التاسعة من عمره كانت بلاده تشيكوسلوفاكيا تنزلق نحو الحرب، وسيكتب في ما بعد أن العديد من أفراد عائلته زُجّ بهم في معسكرات الاعتقال النازية بسبب ميولهم الشيوعية، وأن البعض منهم لقوا حتفهم. عندما وقع انقلاب براغ عام 1948 كان ميلان في الثامنة عشرة من عمره، وقد سحرته دروب يوتوبيا الكادحين، فانضم للحزب الشيوعي: " اسرتني الشيوعية بقدر ما أسرني سترافنيسكي وبيكاسو والسيريالية " – السيرة غير المعروفة لميلان كونديرا ترجمة وثام غداس -. بدأ حياته شاعراً، ويُقال أن مجموعته الشعرية الأولى: (أنا لا أقرأ التشيكية) حظيت بردود فعل إيجابية، لكن كونديرا اكتشف في ما بعد وبالصدفة سارتر الفيلسوف من خلال كتابه " الوجود والعدم، ليعنرف فيما بعد ان جان بول سارتر احد اساتذته في الفكر.وقد حاول في مجموعته الشعرية الثانية أن ينزع نحو الوجودية، الأمر الذي أثار نقمة الجهات الرسمية التي قررت فصله من الحزب عام 1950، وكانت أسباب الفصل تؤكد أنه من غير المعقول في بلد شيوعي، أن يبشّر الشعراء بالعدمية والوجودية. في سن السادسة والعشرين كتب قصيدة يمجّد فيها بطل المقاومة التشيكي (فوسيك) فاستحق عنها إعادة الاعتبار له، ليصدر قرار بإعادته إلى الحزب.

طيلة الستينيات قام كونديرا بتدريس السينما في الجامعة، وفي تلك الأثناء نشر روايته (المزحة) وهي درس عن الحب في زمن سيطرة الأيديولوجيات، وقد تُرجمت إلى الفرنسية بتقديم الشاعر الفرنسي الكبير أراغون، الذي وجد فيها تصويراً لأزمة الأحزاب اليسارية في أوروبا، في عام 1968 قرر الروس دخول براغ، لم يختر كونديرا الهروب، فقد أراد الاستمرار في إيمانه بالاشتراكية وبإمكانية التغيير من الداخل، لكنه في المقابل ترك نفسه، لأن يكتب بحريّة، الأمر الذي أدى إلى طرده عام 1970 من الحزب الشيوعي، وصدور قرار بمنع كتبه من التداول، بعدها أقيل من وظيفته في الجامعة، قرر أن يعمل في إحدى الصحف لتحرير باب الأبراج باسم مستعار:  " ألّا يكون للمرء وجود علني أمر له محاسنه أيضاً". في هذه الفترة ينصرف لكتابة الرواية لتصدر له روايتان كبيرتان هما:  (الحياة هي في مكان آخر) و(فالس الوداع) اللتان رسّختا اسمه كواحد من روائيي الجيل الجديد. عام 1975 يسافر إلى فرنسا ليقيم بصفة لاجئ، بعد أربعة أعوام يُجرّد من جنسيته التشيكية، فيُمنح عام 1979 الجنسية الفرنسية، لم يُحدث المنفى ولا الكتابة بالفرنسية، تغيراً في أسلوب كونديرا الروائي، وأقصى ما لاحظه النقاد أن رواياته باتت تحمل خصائص التقشف في اللغة والاقتصاد في الوسائل، وتجنب النزعات العاطفية، ولعل ما سمح لكونديرا بهذه النقلة، هو إصراره على إعادة كتابة ماضيه الشخصي، الأمر الذي جعله يمتنع عن إعادة طباعة أعماله القديمة التي تعود إلى فترة الخمسينيات والستينيات، فهو يعدّها غير ناضجة ولا تسحق القراءة:  "إن أول نصّ يستحق الذكر هو قصة قصيرة كتبتُها في سن الثلاثين، بعنوان (غراميات مرحة)، من هنا بدأَت حياتي ككاتب".

يتصرف كونديرا مع قصة حياته الخاصة كروائي، فينبّهنا في (خفّة الكائن التي لا تُحتمل) إلى " أن الشخصيات الروائية لا تولد من جسد أمّ، بل من بضع كلمات موحية، من استعارة، من موقف أساسي"، وهو أقرب إلى تصور سارتر في (الوجود والعدم)، الكتاب الذي اعتبره كونديرا أشبه بالإنجيل، كان سارتر في الكلمات يصرّ على أن نسيان الطفولة والسكوت عن الأشياء التي تمّ تلقيها وتعلمها، أشبه بقانون رفض الهوية.

عندما يسأل عن الروائي المفضل لديه يجيب بسرعة:  أنا أحب تولستوي كثيرا. إنه أكثر حداثة من دوستويفسكي. ربما كان تولستوي أول من أدرك الدور اللاعقلاني في السلوك البشري. الدور الذي يلعبه الغباء في حياة الناس " – فن الرواية ترجمة بدر الدين عردوكي -

رواية بعد أخرى نستكشف مع كونديرا مفارقات الوجود الإنساني، ما من أحد أكثر منه موهبة في الكشف عن الضلالات التي نعيش فيها، والأدوار التي فُرضت علينا كي نلعبها في الحياة، وأكاذيبنا، واستعراضاتنا الجنسية، وحيلنا ومراوغاتنا لصدّ " خفة الكائن التي لا تحتمل"، ولا أحد مثله باستطاعته المزج مزجاً بارعاً وبطريقة أقرب إلى كتابة النوتة الموسيقية، بين الخيال الروائي، والمقالة الفلسفية، أن فكرته الأساسية في معظم أعماله الروائية، هي أن لاوجود للهوية، لأنّ مظهرنا الجسدي أمر اعتباطي، دائم التحوّل، وذاكرتنا لا يمكن الوثوق بها كثيراً، وحتى آرائنا وأفكارنا وأذواقنا وأنماط عيشنا، إنّما تصوغها الصدفة، يخبرنا كونديرا أن الإيجابي هو الذي أدرك الطبيعة التراجيكوميدية للحياة الإنسانية، والسلبي هو ذلك الذي يسعى دوماً إلى إقناعك بالانتماء إلى شيء ما، بلد أو حزب، أو دين أو عائلة.

يكتب كونديرا:  " بعد نشري لكتابي الأول (المزحة) الكثير من القراء اكتشفوا أن شخصيات الرواية موجودة بينهم وهم يلتقون بها في الطرقات والمترو ومقاهي الرصيف". ويضيف صاحب (الضحك والنسيان) إن دراسته للموسيقى والسينما مكّنته من أن يتناول الموضوعات الأكثر قتامة بأسلوب هزلي، من (خفة الكائن التي لا تُحتمل) إلى (الحياة هي في مكان آخر) مروراً بـ (المزحة والجهل)، ظلّت الفكاهة سمة مميزة لكتاباته، وهو يقول لمحاوره كريستيان سالمون:  " إن التسلية والإمتاع كانت وسيلته لتمرير أفكار يعتقد بها، فهو يعتقد أن الرواية يجب أن تجمع بين المعنى الجادّ والأسلوب المُسلّي، على غرار ما قدّم تشارلز ديكنز في رائعته (أوقات عصيبة) - ترجمة:  عز الدين محمد زين -

يؤكد كونديرا في كل أعماله الروائية أن العالم الذي نعيش مآسيه، لا يساوي دم من ماتوا ليجعلوه مكاناً أفضل، فهدف النسيان والسخرية عند الإنسان، هو تجاوز التاريخ ثم الانصراف لما هو أهم، سواء كان حياة أو فناً أو موقفاً أخلاقياً أو صمتاً مطبقاً.

في معظم رواياته يحاول ميلان كونديرا الخروج إلى ادراك فلسفي للحياة المعاصرة. وفي رأيه ان الروائي لا يملك الحق في تقييد نفسه بالانتماء والانحياز لا الى المذهب السياسي ولا الى العقيدة ولا الى الايديولوجيا

(- انت شيوعي. ياسيد كونديرا

- لا، انا روائي

- انت منشق؟

- لا انا روائي.

- انت يساري، ام يميني؟

- لا انا روائي) – فلسفة الحياة عند كونديرا ترجمة اشرف الصباغ -

لماذا احب ان اقرأ كونديرا دائما، بالنسبة لي ولكثير من قراء رواياته، نجد ان صاحب " المزحة " يمنحنا بعضا من روحه المتمردة التي تتسلل من بين صفحات رواياته. نقرأ كونديرا لأننا نريد أن نكون مثله في مرحلة ما من حياتنا. كل كتاب من كتب ميلان كونديرا هو تجربة شخصية. نقرأها لأننا لا نريد أن يقال لنا ما يجب أن نفعله،ولأننا ايضا نكره أن يقال لنا ما يجب أن نفعله. والاهم من هذا كله دعوته للحقيقة والحرية الداخلية التي بدونها لا يمكن التعرف على حقيقة الانسان. يكتب كونديرا: " أن تكون كاتبا لا يعني أن تلقي مواعظ عن الحقيقة، يعني القدرة على اكتشاف الحقيقة ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

4135 قضايا التعليم في العراقصدر حديثاً كتاب د. محمد الربيعي " قضايا التعليم في العراق" عن مؤسسة لندن للطباعة والنشر، غطى ثلاثة محاور أساسية الصعوبات والتحديات والحلول، موزعة على ثلاثين فصلاً، مقالات منشورة في الصحف والمجلات العراقية مسبوكة بطريقة نقدية تحليلية مؤثرة مخصصة لتشخيص الإشكاليات والعلل التي يعاني منها التعليم في العراق تحديداً، موضحاً جلّ التحديات التي تقف بوجه عجلة تطور مسار العملية التربوية والتعليمية، مقرونة بالحلول الموضوعية التي لو تم الأخذ بها من أصحاب القرار لأعطت حظاً وافراً لتقدم مسيرة التعليم بالإتجاه السليم بما يخدم بناء أجيال المستقبل.

تبرز أهمية أي بلد في العالم من خلال اهتمامه بالتعليم بكل أبعاده  لما له من أهمية فائقة في تعزيز الوعي الجمعي واستيعاب المفاهيم الوطنية التي تصب في بناء وتطور المجتمع من خلال رسم  البرامج والخطط التنموية البشرية والإقتصادية المستدامة التي تغذي كل مرافق الدولة وتسهم في خلق أجيال تمتلك مفاتيح التطور والتقدم في مجالات الحياة المستقبلية. تنطلق رؤية المؤسسات التعليمية الدولية التي تهتم بالشأن العراقي بضرورة إعطاء الأولوية للاستثمار في التعليم وتوسيع دائرة الاهتمام بالميزانية المخصصة للتعليم بهدف إصلاح التعليم والنهوض بدور المؤسسات التعليمية وتحسين أداءها المهني وتجاوز إشكالية ضعف جودة التعليم.

تتجسد فكرة د. الربيعي  بأن التعليم  يُعد الأداة الأهم في عملية البناء لأي مجتمع طموح يريد أن يشق طريقه في عالم التنمية الوطنية والبشرية والمجتمعية وفي كل مجالات التطور التقني. فالتعليم هو الأساس في تقدم الأمم وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي الذي من خلاله تسود قيم المساواة في الحقوق والواجبات. من الحقائق التي لا جدال حولها بأن الدول التي طورت نظامها التعليمي بطريقة علمية فعالة وسليمة إرتقت في المجالات السياسية والإجتماعية والثقافية والاقتصادية. وبنظرة سريعة إلى النتاج الفكري للدول المتطورة ندرك إلى أي مدى اتجه العالم نحو الإهتمام بالمستقبل واستشراف آفاق التطور في المجالات التعليمية بكل أبعادها. لقد خصص د. الربيعي فصلاً لتجربة سنغافورة وفصلاً لنظام التعليم الفنلندي مبيناً التحولات الكبيرة التي جعلتهما في أعلى المراتب الدولية في مجالات التعليم كافة.

يعيش العراق في دوامة أزمات مركبة ومتشابكة ليس لها حلول آنية بسبب آفة الفساد السياسي والمالي المتفاقم في كل مفاصل الدولة، بحيث أصبح العراق يحتل قائمة البلدان المتأخرة. والإجراءات الترقيعية الفاشلة التي قامت بها الحكومات المتعاقبة لم تجد لها صدى عملي في إيجاد الحلول الجذرية، لأن الإشكالية بنيوية وعميقة تستلزم حلولاً علمية وعملية تسهم في نهوض المؤسسات التعليمية، وتتطلب مشاركة أصحاب الإختصاص من الداخل والخارج في تشخيص العلل.

أوضح د. الربيعي علل النظام التعليمي وبما أنتجه من أجيال لا تهتم بالأساليب التعليمية العصرية بل إهتمت بالتلقين والحفظ والغش وتبوءت قمة الهرم التعليمي، وبالمقابل هناك بخس لأصحاب الكفاءات والمواهب من المتعلمين. فأصبح الذكاء ليس إلا مقياس لدرجة حفظ وترديد المعارف وتسجيلها وتسميتها واستذكارها.

تشكو الأكثرية من سوء التعليم ومن فساد النظام التعليمي وضعف الإلتزام بالتربية الأخلاقية في معظم المؤسسات التعليمية. فلم تعد الحلول والإجراءات الشكلية قادرة على رسم الخطط والرؤى العلمية لرفع مستوى التعليم في العراق، لكثرة التحديات وإنعدام الثقة في المؤسسات التعليمية والثقافية بسبب الاضطراب السياسي السائد في كل جوانب الحياة. شخص د. الربيعي أحد العلل التي اسهمت في تخلفنا العلمي والتكنولوجي التي تكمن بدرجة كبيرة بمدى تخلفنا في اللغات العالمية، لأنها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات وكسب العلوم ونقل التكنولوجيا، وبها ايضاً ننقل علومنا وابتكاراتنا واكتشافاتنا وكل ما يمكن أن نساهم به لتطوير الحضارة الإنسانية إلى العالم.

يرى د. الربيعي بأن التعليم يجب أن يكون متاحاً للجميع، والتطوير الشامل جزءاً من المنهج، أي تطوير النظام التعليمي بحيث لا يُجبر الأطفال بأن يكونوا نماذج ببغائية، بل تشجيعهم على حب توسيع المشاركة وطرح الأسئلة وتناول الموضوعات التي تمس حياتهم اليومية باستخدام مختلف التقنيات الحديثة التي تسهم في زيادة فاعليتهم ومهاراتهم، وضرورة إعتماد السياسات التعليمية الرصينة بطرق ووسائل مبنية على التخطيط المبرمج وتنمية التفكير النقدي العلمي الإبداعي القادر على التحليل الموضوعي بمهنية عالية وبوضوح وعقلانية. وتبني الأساليب الاستكشافية التي تعزز المهارات وتقوي الذات العاقلة التي تركز على الفهم والتطبيق بدلاً من متاهات الشرح والتفسير والحفظ والاجترار.

وأكد د. الربيعي  من خلال زياراته المتكررة للمؤسسات التعليمية وخبرته المهنية على مسألة الإنتماء والإلتزام الأخلاقي، مشيراً إلى وجود أزمة في المعارف والقيم والأخلاق المتعلقة بالسلوك الإنساني، وبعدم قدرة المناهج التدريسية المتبعة على تنمية شخصية العراقي كفرد يفتخر بالإنتماء لمؤسسته سواء أكانت مدرسة، جامعة، دائرة حكومية، أو مصنع، وكعضو صالح  ومنتج في مجتمع ديمقراطي حر، وكمواطن ملتزم بالقوانين. فقد ذكر الردود التي وصلته من المهتمين بالشأن التعليمي في العراق التي أثارت عنده الاستغراب لبعض الممارسات اللاحضارية واللا أخلاقية واللا انسانية.

ولذلك ركز د. الربيعي على أهمية تدريس التربية الوطنية وتطوير المناهج الرصينة بما تنسجم ومتطلبات روح العصر، لأنه لا يكفي تغيير الفلسفة التربوية بدون ترجمتها إلى الواقع العملي، مؤكداً بأن التحسن النوعي للتعليم يكمن في توفير فرص التدريب باعتبارها الأساس في إصلاح التعليم وتجاوز ضعف التكوين المعرفي لأداء الجودة والإرتقاء بكفاءة الكادر التعليمي الذي يمتلك التأثير المباشر في العملية التعليمية، مع ضرورة معالجة نظام الامتحانات بالإعتماد على التقنيات النوعية الحديثة  ذات المعايير الموثوقة، مدعومة برؤية مستقبلية وطنية للتغيير الشامل تعزز تطوير البنى التحتية الحديثة التي توفر البيئة الصحية للعملية التعليمية.

لم تعد مسألة التعليم في العراق ذات طابع تقني، فهي ليست مجرد مسألة اصلاح الأدوات والبرامج والأنظمة  الإدارية، بل هي مسألة سياسية تحتاج إلى معالجات عقلانية متطورة تقف على مسببات الأزمة وتتجاوزها برؤية تسهم برفع المستوى التعليمي والإرتقاء به إلى المستويات العالمية، وبضرورة الاستفادة من تجارب الشعوب المشابهة لواقعنا التي تمكنت من توفير التعليم بما يتناغم واحتياجات القرن الحادي والعشرين بصورة أبعد من مجرد القراءة والكتابة ألا وهو القدرة على حل المشاكل والاتصال والمحادثة بما يؤهل الأجيال للتعليم الذاتي النوعي مدى الحياة على أسس سليمة قابلة للتنفيذ بحيث يمكنها تجاوز الأزمات المعرفية التي تعيق عملية التطور وتحقق مزايا التعليم والثقافة المجتمعية الواعية التي تؤهل الطالب بأن يتفهم تطورات السوق وحاجاته لمواجهة تحديات الحياة العملية.

يرى  د. الربيعي بأننا محاطون بالتطورات التكنولوجية ومنتجات العلم في كل مجالات الحياة، وأمامنا تحديات لا حدود لها تتطلب من صناع القرار القناعة بضرورة مواكبة عملية التحديث، وتوفير البيئة التفاعلية من خلال الاستعمال الواسع للتقنيات الإلكترونية والأجهزة الحديثة التي تصب في إزدهار العراق وتحقيق المساواة الاجتماعية والصحية في المجالات العلمية كافة وأن تستفيد من محتويات هذا الكتاب الذي تضمن الكثير من المقترحات العملية ليكون المرشد والدليل لإستحضار المستقبل لكي ننهض بالواقع التعليمي بكل مستوياته. وكذلك تقع على أجيال المستقبل ضرورة إبتكار الأساليب التي تساعد في كيفية التفكير والتعلم واتخاذ القرارات الصائبة التي تحفزهم على التفكير النقدي المرتبط بالمهارات العملية لفهم فن إدارة مهام الحياة وتطوير مسيرة العملية التربوية والتعليمية.

***

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

علي حسينتلقى اول صفعة على وحهه عندما كان في العاشرة من عمره. كان الأب يحاول أن يقنع ابنه الدخول الى مدرسة اللاهوت. لكن " بيير جوزيف برودون " لم يكن يفكر سوى بالبؤس الذي تعيش فيه عائلته. الاب يعمل صانعا للبراميل والام طباخة في مطعم صغير، فيما كان الصبي يعمل راعيا، وفي اوقات الفراغ يحاول تعلم اللغة اللاتينية لكن من دون الاستعانة بقاموس، فلم تكن العائلة تملك المال اللازم لشراء كتب لابنها المتفوق في الدراسة.كان ينظر الى وجه أبيه ويتساءل هل الفقر يجعل الانسان قاسيا؟. كتب في دفتر يومياته: " اني اعلم ما هو البؤس، فقد عشت فيه. وانا مدين بكل ما اعلم لليأس".

الاب الذي ادمن على الخمر، لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان دائم الحضور الى الكنيسة مع زوجته واولاده، امنيته الوحيده ان يجد ابنه " بيير" ذات يوم واقفا مكان القس يلقي موعظة الاحد، وكان بالامكان ان تصنع الحياة البائسة من هذا الصبي رجلا ساخطا على الحياة، لكن شغفه بالقراءة ومتابعة احوال الناس وذكاءه العجيب جعلت منه فيلسوفا مشاغبا، او كما سيسميه الناقد الفرنسي الشهير سانت بوف بـ" رجل الفكر والنضال والجراة "، فقد اقسم على ان يكرس حياته لتحرير " اخوته ورفاقه " وهو يكتب في احدى رسائله: " انا ثائر ولست بهدام ". وعندما صار شابا، قرر ان يثور على "البؤس". لم يكن والده معنيا بالثورة، كان يطمح ان يساعده في تحمل مسؤولية العائلة. هكذا فقد هدد ابنه بان يصفعه ان لم يترك هذه الكتب التي لعبت بعقله. وفي المدرسة لم تكن الامور احسن حالا، فقد اضطر بسبب الحاجة ان يقطع دراسته.

كانت الفترة الاولى من حياة برودون اشبه بالضربات المتتالية، ومع كل ضربة كان يشعر بحقيقة البؤس والظلم الذي تعيشه الطبقات الفقيرة: لا بد من حل. انها الثورة: " رأيت من واجبي التذكير.بان هناك احوالا تصبح فيها الثورة حتما وواجبا معا.. انا ادفع للثورة بجميع الوسائل.. بالكلام والكتابة والصحافة والعمل وضرب المثل".

ولد " بيير جوزيف برودون " في الخامس عشر من كانون الثاني عام 1809 في بيزانسون الفرنسية القريبة من الحدود السويسرية، الابن الثالثة لعائلة تتكون من خمسة ابناء، توفي اثنان منهم في سن مبكرة.

لم يتلق برودون أي تعليم عندما كان طفلاً، لكن والدته تكفلت بتعليمه القراءة في سن الثالثة. عندما بلغ الثانية عشر من عمره دخل المدرسة. كان شغوفا بالتعليم يقضي معظم وقته في مكتبة المدرسة ليستكشف العالم جيدا.عمل في احدى المطابع التي تتولى طباعة الكتب الدينية، فكان يقضي الساعات في قراءة كتب الفكر المسيحي، سيخبرنا فيما بعد أن رحلته الدينية بدأت بالبروتستانتية وانتهت بكونه مسيحيا جديدا. يتحول للعمل في الصحافة، في هذه الفترة يتعرف على المفكر الفرنسي شارل فورييه تدور بينهما حوارات حول مجموعة متنوعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية الفلسفية.. وقد تركت هذه المناقشات انطباعا قويا عند برودون وأثرت عليه طوال حياته. في هذه الفترة يتفرغ لقراءة اعمال مونتاني وروسو وفولتير وديدرو، لكن من بين هؤلاء سيغرم بمونتسكيو وكتابه " روح الشرائع " ويتمنى ذات يوم ان يكتب كتابا مثله. عام 1830 يحصل على منحة لاكمال دراسته، يصدر له اول كتبه " ابحاث حول المقولات القواعدية ". كان في التاسعة والعشرين عندما تقدم للحصول على شهادة البكلوريا. وفي خريف عام 1938 قرر ان يسافر الى باريس لاكمال دراسته الجامعية . في العام 1839 سيلفت الانظار اليه حيث اصدر كتابا " حول الاحتفال بيوم الاحد "، لكنه سيضطر لترك باريس اثر الضجة التي اثارها كتابه " ما هي الملكية؟ " وهو الكتاب الذي اثار اهتمام ماركس فخصص له صفحات في كتابه العائلة المقدسة: " ان كتاب برودون ما هي الملكية؟ هو البيان العلمي الناطق باسم البروليتاريا " – العائلة المقدسة ترجمة حنا عبود -.4126 بؤس الفلسفة

سيواصل برودون اثارة الضجيج حول اعماله. العام 1841 يصدر عددا من الكتابات اشبه برسائل كانت واحدة منها بعنوان " تحذير الى المالكين "، يقدم للمحكمة التي ستبرأه. وبسبب مواقفه ورفعه شعار " الملكية = سرقة " تم التضييق عليه ويفصل من عمله، إلا ان صداقته مع الشاعر تيوفيل غوتيه ستنقذه من وضعه المادي البائس، حيث وجد له عملا في احدى شركات النقل، مما اتاح له دخلا شهريا ثابتا..خلال السنوات الخمسة التي امضاها برودون في هذه الوظيفة نشر كتابين هما " اقامة النظام لدى البشرية " وكتاب " نظام التناقضات الاقتصادية " الذي اشتهر باسمه الثاني " فلسفة البؤس " وهو الكتاب الذي اثار حفيظة كارل ماركس فكتب ردا عنيفا عليه في كتاب بعنوان " فلسفة البؤس " نشر عام 1847.

يسعى لتأسيس مصرف تعاوني لكنه يفشل، عام 1849 يتزوج من عاملة شابة، وينشر كتاب " اعترافات ثوري " وهو مؤلف يسرد فيه الأحداث التي شهدتها فرنسا، وبعد ذلك نشر كتابا بعنوان " الفكرة العامة للثورة في القرن العشرين " قدم فيه نظرة عامة شاملة عن مفهوماته السياسية والاقتصادية.

يتيسر لتجربته أن تؤتي ثمارها، ولم يحل هذا بينه وبين الزواج في العام 1849م نفسه من عاملة شابة باريسية، ولا أن ينشر في العام نفسه «اعترافات ثوري» وهو مؤلف يسرد فيه الأحداث التي شهدتها فرنسة، واتخذ مواقف مناوئة للوحدة الإيطالية والثورة البولندية، وبعد ذلك بثلاث سنوات نشر مؤلفاً هو «الفكرة العامة للثورة في القرن العشرين» يقدم فيه نظرة عامة شاملة عن مفهوماته السياسية والاقتصادية.

 ولم يتيسر لتجربته أن تؤتي ثمارها، ولم يحل هذا بينه وبين الزواج في العام 1849م نفسه من عاملة شابة باريسية، ولا أن ينشر في العام نفسه «اعترافات ثوري» وهو مؤلف يسرد فيه الأحداث التي شهدتها فرنسة، واتخذ مواقف مناوئة للوحدة الإيطالية والثورة البولندية، وبعد ذلك بثلاث سنوات نشر مؤلفاً هو «الفكرة العامة للثورة في القرن العشرين» يقدم فيه نظرة عامة شاملة عن مفهوماته السياسية والاقتصادية.

يمارس برودون العمل السياسي من خلال صحيفة يومية اطلق عليها اسم " ممثل الشعب "، ينتخب نائبا في الجمعية الوطنية، ويعلن داخل الجمعية: " انني في صف العمال ضد راس المال " مؤكدا ان البروليتاريا هي الوحيدة القادرة على انجاز الثورة الاقتصادية.. يواجه هجمة شرسة من اعضاء الجمعية الوطنية حيث يصدر قرار بادانته، وسيتذكر ماركس في تأبينه لبرودون من: " ان موقفه في الجمعية الوطنية لا يستحق سوى كل اطراء وتقدير.. فلقد كان هذا الموقف يعبر عن شجاعة فائقة ". بعد تنصيب نابليون الثالث امبراطورا عام 1851 بدأ برودون يخوض مواجهات جديدة ضد الامبراطور، كتب عددا من المقالات هاجم فيها نابليون: " ان الامبر ما هو سوى مغامر سافل، انتخب في جو من الوهم الشعبي ليهيمن على مقدرات الجمهورية "، يصدر عليه حكم بالسجن ثلاث سنوات، يهرب الى بلجيكا.. إلا ان مغامرته بالعودة الى باريس مكنت السلطات من القبض عليه ليقضي سنوات في السجن، يخرج بعدها ليبدأ مواجهة جديدة وهذه المرة مع الكنيسة بعد ان صدر كتابه الضخم " حول العدالة في الثورة وفي الكنيسة " تمت مصادرة الكتاب ومن جديد يجد نفسه هاربا ليقضي اربع سنوات في بلجيكا يعود منها عام 1862 بعد صدور عفو عنه.. وكانت الامراض قد حاصرته ليتوفي في التاسع عشر من كانون الثاني عام 1865 ويدفي في مقبرة مونبارناس في باريس.

قيل عن برودون بانه واحد من اشد محطمي اصنام القرن التاسع عشر "، ويضعه البعض الى جانب كارل ماركس باعتباره اقتصادي ومفكر وثائر وسياسي وفيلسوف كبير، فهو يوصف بانه " جد " النقابية، والاب الشرعي للاشتراكية العلمية – قالها ماركس قبل ان يشتد الخصام بينهما –، والاب المغذي للماركسية وواحد من اهم مؤسسي علم الاجتماع. وقد جعلت منه كتاباته رجل الطليعة في الاشتراكية الاوربية.. وفي روسيا مارس تاثيرا كبيرا على دوستويفسكي وتورجنيف وفوضوية باكونين وعلى تولستوي الذي الذي كان يصفه بـ" الرجل القوي جدا ". ظل ماركس حتى عام 1846 يشيد بدور برودون في تنمية اسس الاشتراكية العلمية ونجده يكتب في الاييولوجية الالمانية: " ان اهم ما في كتاب برودون ( في خلق النظام عند البشر ) هو جدله،ومحاولته ايجاد طريقة تبدل بها الفكرة المستقلة بعملية التفكير " – الايديولوجية الالمانية ترجمة فؤاد ايوب-.

يخبرنا كارل ماركس انه التقى برودون اثناء اقامته في باريس عام 1844 وستدور بينهما حوارات حول هيغل، وفي واحدة من رسائلة الى انجلز يكتب ماركس: " امضينا مناقشات طوية كثيرا ما كانت تمتد ليلة باكملها، كنت احقنه حقنا هيغيلية كبيرة " – المراسلات ترجمة فؤاد ايوب –

كان ماركس يحمل تقديرا خاصا لبرودون الذي كان يراه افضل اشتراكي فرنسي، ويقدر موقفه من الدين، فقد كان برودون يعتبر الدين عقبة امام التقدم العلمي والاجتماعي، لكنه لم يطالب بازالته نهائيا، وايضا كان ماركس معجبا بنقد برودون للاقتصاد السياسي البرجوازي. اثناء اقامته في باريس يجد ماركس عند برودون عناصر عديدة تؤيد تصوراته، ليس فقط نقده المعمق للملكية الخاصة، بل ايضا تاكيده ان الاقتصاد السياسي يؤلف قاعدة التاريخ وضبط التطور الاجتماعي.

عام 1844 يطرد ماركس من باريس، ليستقر في بروكسل مع أسرته، لينضم إليه إنجلز. وقررا وضع خطط لإنشاء لجنة مراسلات شيوعية، و قد طلب من برودون أن يكون مراسلا له في فرنسا، غير أن هذا الأخير رفض ذلك رفضا قاطعا. كان برودون منزعجا من تأسيس مذهب فلسفي وفي واحدة من رسائله يعلن: " ليس لي مذهب وارفض رفضا صريحا التفكير في المذاهب. لن يعرف للانسانية مذهب إلا نهاية البشرية.. ان الامر الذي اهتم به هو ان اجد للانسانية طريقها او افتح لها الطريق ان استطعت " –برودون مؤبفات مختارة ترجمة عمر شخاشيرو -. ونجده يرد على احدى رسائل ماركس يلبقول: " عزيزي السيد ماركس.إني ارضى عن طيب خاطر ان اصبح طرفا من اطراف مراسللتك التي تبدو لي ذات هدف وتنظيم في غاية الفائدة.

لنبحث معا إذا سمحت عن قوانين المجتمع وعن الصيغة التي تتحقق فيها هذه القوانين وعن مدى التقدم الذي نتوصل بموجبه لاكتشافها. ولكن بالله عليك يجب ان لا نفكر بعد ان دمرنا كل العقائد القبلية بأن نخضع الشعب بدورنا الى عملية تبشير.لنتجنب الوقوع في التناقض الذي وقع فيه مواطنك مارتن لوثر الذي شرع في الحال بعد ان اسقط المذهب الكاثوليكي في تأسيس المذهب البروتستاني مستعينا بالحروم واللعنات. علينا ان لا نجعل من انفسنا ونحن على رأس الحركة رؤساء لتعصب جديد، وان لا نضع انفسنا موضع الرسل لديانة جديدة ولو كانت هذه الديانة دين المنطق ودين العقل. علينا ان نصغي لجميع الاحتجاجات وان نشجعها. لنندد بكل حرمان وبكل صوفية. علينا ان لا ننظر مطلقا إلى اية مسألة على انها منتهية. بهذا الشرط ادخل مسرورا في شركتك وإلا فلا ".

صدر كتاب كارل ماركس " بؤس الفلسفة " في صيف عام 1848. وكان قد تفرغ لكتابته طيلة شتاء عام 1846 اثناء اقامته في بروكسل وقد كتبه بالفرنسية.وفي مراسلاته مع انجلز نعرف ان الكتاب تأخر طبعه بسبب مصاعب الحصول على ناشر له. في الكتاب يحاول ماركس ان يكشف عن تناقضات برودون: " ان طبيعة برودون تدفعه الى الجدل، لكنه ان لم يفهم الجدل حقا فإنه لم يمض الى ابعد من السفسطة ". ويذهب ماركس ابعد من ذلك حين يصنف برودون بانه برجوازي صغير يريد الاشتراكية لكن بدون الثورة: " انه يريد ان يحلق – كرجل من رجال العلم – فوق البرجوازيين والبروليتاريين، وهو ليس إلا البرجوازي الصغير، الذي يتارجح بين راس المال والعمل، بين الاقتصاد السياسي والشيوعية " – بؤس الفلسفة ترجمة حنا عبود –

كان ماركس قد قرأ كتاب برودون " نظام التناقضات الاقتصادية " او فلسفة البؤس فور صدوره. وقد ادرك، ان برودون وضع كتابه انطلاقاً من المناقشات والرسائل التي كانت تدور بينهما حول الفلسفة والاقتصاد وقد رأى في كتاب برودون محاولة الي ايجاد دواء مؤقت للمعاناة الاجتماعية التي تعيشها الطبقات المسحوقة، وان هذه المحاولة جزء من مجتمع برجوازي يحاول ان يحول هذه المعاناة إلى جمعيات خيرية ومنظمات مهنية .. انها الاشتراكية البرجوازية التي تريد ان تكون بديلا عن الاشتراكية الثورية. كان ماركس يرى ان برودون مثل جميع المصلحين، المدافعين عن مصالح الطبقات الوسطى، مدفوع بالرغبة في حماية الملكية الصغيرة الخاصة. فبرودون من وجهة نظر ماركس يقف في آن واحد ضد حق الملكية المطلق الذي يعزز الراسمال الكبير وضد الشيوعية التي كان يعتبرها خطرا اكبر بالنسبة للطبقات المتوسطة ما دامت تتعرض لمبدأ الملكية الخاصة.

في كتابه " فلسفة البؤس " يوجه برودون اللوم الى الشيوعية التي تنادي بحق الملكية المطلق لانه يقود الى الاحتكار، ويدافع عن الملكية الصغيرة التي يعتبرها كفيلة بتامين استقلال الانسان العامل. ولهذا يتهمه ماركس بانه يتخذ موقع وسيط بين الراسمالية والاشتراكية.

يحاول ماركس في كتابه " يؤس الفلسفة " ان يضع تحليلاً علمياً لنمط الإنتاج الرأسمالي، وقواعد لاسس الاقتصاد السياسي الماركسي، فنجده يدرس بعمق الوضع الاقتصادي والدور التاريخي للبروليتاريا في الصراع الطبقي فيكتب: " ان الشرط لانعتاق الطبقة العاملة هو القضاء علي كل طبقة. وفي الوقت نفسه ان التطاحن بين البروليتاريا والبورجوازية هو صراع طبقة ضد طبقة، صراع يكون تعبيره الأقصي ثورة كلية. وفي نظام الأشياء حيث لا توجد طبقات وتطاحنات طبقية اخري، تكف الانتفاضات الاجتماعية عن ان تكون ثورات سياسية. وإلي أن يحين ذلك الوقت، وفي عشية كل تغير للمجتمع، تكون الكلمة الأخيرة دائماً للعلم الاجتماعي " – بؤس الفلسفة -.

ويبدو ان ماركس اراد تصفية حسابه مع برودون ونظريته الاقتصادية وجداله حول هيغل فيكتب: " إن من سوء حظ السيد برودون ان يكون مجهولاً في اوروبا. ففي فرنسا، قد يكون من حقه ان يعتبر اقتصادياً سيئاً، لأنه يمكن ان يعتبر فيلسوفاً ألمانياً. وفي ألمانيا، قد يكون من حقه ان يعتبر فيلسوفاً سيئاً، لأنه يمكن ان يعتبر اقتصادياً فرنسياً قوياً. أما نحن فإننا، بصفتنا ألماناً واقتصاديين في الوقت نفسه، نجد ان من حقنا ان نشجب هذا الخطأ المزدوج ". بالنسبة الي ماركس فإن برودون لا يرى في البؤس سوي البؤس، وقد فاته ان يرى فيه جانبه الثوري الهدام الذي سيتمكن من القضاء علي المجتمعات القديمة. اما برودون فقد كان يرى ان خطيئة ماركس الكبيرة انه يتجاهل ان واقع ان الاقتصاد ليس سوى جزء من علم الاجتماع. فهو يرى ان علم الاجتماع هو الوحيد القادرعلى الكشف عن المعنى الحقيقي لكل التناقضات الاقتصادية عن طريق وضعها ضمن اطرها الاجتماعية.. ولهذا نجده ياخذ على ماركس وجماعة الماديين عدم اهتمامهم بالثنائيات الماثلة في حياتنا: " لا سيما ثنائية الخير والشر." ويسخر ماركس من برودون الذي يجده يستهدي بنظرية هيغل من دون ان يكون قد فهمها جيدا. فهو يكتب تاريخاً للبشرية لا يقسم هذا التاريخ الى مراحل زمنية بل الى مراحل فكرية.

في رسالته الى ماركس يرفض برودون فكرة الثورة والتي: " ليست سوى اهتزاز. لا ينبغي علينا ان نطرح العمل الثوري كوسيلة للاصلاح الاجتماعي، لان تلك الوسيلة المزعومة يمكن ان تكون مجرد دعوة للجوء الى القوة والاستبداد.. يجب ان ندخل الى المجتمع، بواسطة تركيبة اقتصادية اخرى. وانني على يقين من امتلاكي وسيلة حل تلك المعظلة في المدى القصير ".. وكانت الوسيلة هي كتابه "فلسفة البؤس" الذي سيسميه ماركس بدستور البرجوازية الصغيرة: " كان برودون هذا نفسه يعتبر ثوريا متطرفا سواء من جانب رجال الاقتصاد السياسي او الاشتراكيين، وهذا هو السبب في انني لم اشارك فيما بعد اولئك الذين اطلقوا الصرخات من خيانته للثولرة فليس خطأه انه، لم يحقق الآمال التي لم يكن لها ما يبررها ".

ظل برودون طوال حياته يؤمن انه مصلح مهمته أن يهدي العالم: " كل مصلح صانع للمعجزات أو يتمنى على الاقل ان يكون كذلك.. اما انا فاستقبح المعجزات كما اكره انواع السيطرة ولا اهدف إلا الى المنطق ".

***

علي حسين – كاتب

رئرئيس تحرير صحية المدى البغدادية

 

1- تقديم:

هناك سيل من الكتب قذفت بها المطابع إلى السوق، بعضها ولد ميتاً من دون أي انتباه، وبعضها قُرئ كالطعام البائت، وبعضها الآخر عاش قليلا من الوقت ثم اختفى، وبعضها أثار المعارك وظل عالقاً في مفاصل الثقافة جيلاً بعد جيل، وبعضها لا يزال يلاحقنا حتى اليوم. وبعضها مر بسلام إلى القارئ، وبعضها أدخل صاحبها التاريخ بجدارة.

من الكتب التي دخلت التاريخ من أوسع الأبواب كتاب "فلسفة الثورة في الميزان لعباس العقاد، والذي يقول في مقدمته :" عِندَما تَلْتحِمُ الجَماهِيرُ الغاضِبةُ بِنُخْبتِها المُثقَّفةِ الرَّافِضةِ لِلوَضْعِ السِّياسيِّ القائِمِ ومُؤسَّساتِه الحاكِمة، فتَخرُجُ فِي الشَّوارِعِ تُطالِبُ بِسُقوطِ النِّظَام؛ فَإنَّها تَسلُكُ مَسَارًا ثَوْريًّا فِي الإِصْلاحِ عَلى طَريقَتِها؛ تَطلُبُ التَّغييرَ الشَّامِلَ للوُصولِ إِلى وَضْعٍ أَفْضلَ (وأَحْيانًا يَنْهارُ إِلى الأَسْوَأ)، مُتَّخذةً دُسْتُورًا ثَوْريًّا مُركَّزًا يَتلخَّصُ في شِعاراتِها ومَطالِبِها الأَساسِيَّة. وخِلالَ التَّاريخِ السِّياسيِّ للجَماعَةِ الإِنْسانيَّةِ، اختَلَفَتْ تِلكَ الشِّعَاراتُ مِن ثَوْرةٍ لِأُخْرى بحسَبَ خُصوصِيَّةِ الأَهْدافِ وَما تَراهُ الجَماهِيرُ مِن مَساوِئ، فَكانَتِ "الحُرِّيَّةُ والإِخَاءُ والمُسَاواةُ" لَدَى الفَرَنسيِّين، و"تَحقِيقُ العَدالَةِ" عِندَ حِزبِ "تركيا الفَتَاة"، و"الاشتِراكيَّةُ القَوْمِيَّةُ" فِي الصِّين. فمَاذا عَن ثَوْرةِ يُوليو المِصْريَّةِ ضِدَّ مَلَكيَّةِ فارُوق؟ مَا هِيَ عَقيدَتُها وأَهْدافُها المَرْحليَّةُ والطَّوِيلَةُ الأَجَل؟ يَعقِدُ «العَقَّادُ» فِي هَذا الكِتابِ مُقارَنةً بَينَ فَلْسَفةِ ثَوْرةِ يُوليو وأَهْدافِ الثَّوراتِ الكُبرَى عَلى ضَوْءِ قِراءَتِه المُتأنِّيَةِ لكِتابِ عبد الناصر الشَّهيرِ «فَلْسَفة الثَّوْرة»، الَّذِي عبَّرَ فِيهِ عَن نَظْرتِهِ السِّياسيَّةِ والإِقْليميَّةِ لِمِصْر.

وعندما أهدى عبد الناصر إلى عباس العقاد نسخة من كتابه “فلسفة الثورة” كتب العقاد مقالا بعنوان "فلسفة الثورة في الميزان" وجه فيه النقد إلى الكتاب وسجل رفضه لإلغاء الأحزاب وتحديد الملكية الزراعية وتأميم المصانع والشركات وهذه أهم إنجازات الثورة في ذلك الوقت، ورفض العقاد اللجوء إلى “إجراءات ثورية” مثل قوانين العزل السياسي، واعتقال المثقفين، وعزل أساتذة الجامعات، وفى عنفوان الثورة سئل العقاد في حديث صحفي عن "الزعيم" في رأيه، فقال: الزعيم عندي هو سعد زغلول كان ولا يزال كذلك وليس بعده زعيم، وهو يعلم أن كتاب "فلسفة الثورة" وصف سعد زغلول في ثورة 1919 بأنه ركب الموجة الثورية، وحين منح عبد الناصر للعقاد جائزة الدولة التقديرية في احتفال كبير ألقى فيه كلمة بليغة لم يشكر فيها عبد الناصر بل استهل كلمته بقوله: "إني لأشكر هذا الشعب العظيم على هذا التكريم"، وبذلك لم تكن العلاقة جيدة بين العقاد وعبد الناصر وثورة يوليو كما كانت العلاقة مع طه حسين الذى كان عبد الناصر يعتبره صاحب الدعوة إلى الثورة على الأوضاع القائمة وإقامة العدالة الاجتماعية وإنصاف الفقراء ونشر التعليم بينهم للارتقاء بهم، أو كما كانت علاقة عبد الناصر مع توفيق الحكيم الذى كان عبد الناصر يعتبره ملهما له بروايته الشهيرة “عودة الروح" التي ذكر فيها أن مصر في انتظار بطل يعيد إليها الكرامة والشرف ويصلح الأحوال.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة من كتاب فلسفة الثورة في الميزان لعباس محمود العقاد لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان "العقاد والثورة" لحلمي النمنم الذي يعد رائدا من رواد الدرس الإعلامي في العصر الحديث، فهو كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية.

وفي رأيي أن هناك نمطان من الكتاب،نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش.

ولا شك في أن الأستاذ "حلمي النمنم" من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل.

علاوة علي أن "حلمي النمنم" (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من الإعلاميين المصريين الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ، فهو من كبار كُتابنا الإعلاميين الذين نجحوا في خلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكارهم، ومنعرجات مسائلهم، ومساقات حلولهم بعبارات شفافة رقاقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي ؛ وهو والله بحق من كبار كُتابنا الإعلاميين الذين نذروا حياتهم للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، وهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته، وبين الإنسان والفيلسوف تتجلي المشاغبة الفلسفية لهذا الرجل المتعدد الأوجه سواء كناقد، أو سياسي، أو أكاديمي، أو أديب.. الخ؛ فهو غزير الإنتاج، موسوعي المعرفة، لديه دأب علي البحث والتنقيب، وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، وهو رجل منضبط في فكره ومفرداته، ويتمتع بروح دعابة، وخفة دم، ونظرة ساخرة للحياة والكون. وهو في كل هذا يستهدي بشرع قيمي منسق، تتدفق في عروقه حيوية الصحة والسلامة السوية، وينطلق من عقل صاف مدرب علي توليد الأفكار الناضجة الناقدة الملتهبة حماسة وفتوة.

2- التعريف بصاحب الكتاب:

في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الأستاذ حلمي النمنم، واحداً من كبار الإعلاميين المصريين المعاصرين الذين المهمومين بالوطن وبالتطورات التي يشهدها، ويبدو ذلك جليا من خلال إنتاجه الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة، مثل : أيام سليم الأول في مصر، وسيد قطب.. سيرة وتحولات، والرائدة المجهولة زينب فواز، وحسن البنا الذي لا نعرفه، والأزهر الشيخ والمشيخة الحسبة وحرية التعبير، وسيد قطب وثورة يوليو، وطه حسين والصهيونية، وليمة للإرهاب الديني، رسائل الشيخ علي يوسف وصفية السادات، والتاريخ المجهول: المفكرون العرب والصهيونية وفلسطين.. الخ.. في هذه الكتابات يبدو لنا حلمي النمنم.. القيمة والقامة، الإنسان البسيط، الوارف كالظل، الزاخر كالنهر، العميق كالبحر، الرحب كالأفق، الخصيب كالوادي، المهيأ كالعلم، رجل الفكر المتميز، وزير ثقافة مصر السابق.

وحلمي النمنم هو كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982. بعد تخرجه من الجامعة، عمل صحفياً بقسم التحقيقات، في مجلة حواء، بدار الهلال، ثم انتقل منها إلى مجلة "المصور"، حيث تدرج في المناصب، حتى وصل إلى منصب رئيس مجلس إدارة دار الهلال. شارك في تأسيس جريدة الدستور، والذى خرج الإصدار الأول منها عام 1995، كأول جريدة خاصة تصدر منذ قيام ثورة يوليو 1952، كما شارك في تأسيس جريدة "المصري اليوم". كما تولي رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، ثم تولي منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأخيراً تولي وزيراً للثقافة منذ 19 سبتمبر 2015 إلي خرج منها في 2018 وهو الآن يمارس كتاباته في المقالات والأبحاث.. متعه الله بالصحة والعافية.

وقد أسهم حلمي النمنم بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث نشرت مجلات متخصصة، كما حاضر عن الفكر العربي الحديث والمعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

كما كان الرجل كاتباً مرموقاً في عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام، والوطن، وروزا ليوسف، والوفد، والبوابة نيوز، وفيتو، والأخبار...الخ.

3- أهمية الكتاب:

إن البحث الفلسفي في نظر "حلمي النمنم" تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النفول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية "حلمي النمنم" وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد "حلمي النمنم" واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من إعلامينا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا أو ذاك.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفلسفة الحديثة، وقد اخترت كتابه الذي بين يدي وهو بعنوان "العقاد والثورة"، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات التي عني بها مؤلفها "محمد مدين" بالدفاع عن " التنوير، والليبرالية، والعقلانية".

وهنا نجد "حلمي النمنم" في معالجته لهذا الكتاب يتحرك من اتجاه فلسفي يشغل في خريطة الفلسفة المعاصرة من مكان القلب، وهذا الاتجاه هو " الاتجاه التحليلي"، وقد كان " العقاد " ومن بعده أستاذنا الدكتور " زكي نجيب محمود "، هما الرئدان له في فكره التحليلي العميق، إلا أنهما يعكسان بجانب ذلك حماسة وروح "حلمي النمنم" الشابة، تلك الروح التي تذكرنا بحماسة كل من" محمد حسين هيكل" والدكتور "زكي مبارك" وروحهما الشابة.

ولم يكن " حلمي النمنم" في كتابه الذي بين أيدنا مجرد عارض موضوعي للعقاد وموقفه من ثورة يوليو، وإنما نجد فيه عقلاً في مواجهة عقل، وقد تجلي ذلك في كثير من المواقف النقدية التي اتخذها " حلمي النمنم " من فلسفة العقاد، ومن الأفكار السائدة والشائعة في كتاب النمنم عن العقاد، أنه لم يكن من المعارضين للثورة، بل كان العقاد ممن أعجبوا بالهدف الخامس لثورة يوليو وهو إقامة جيش وطني قوي، أما الوصول إلى حياة ديمقراطية هو أسمى ما حققته الثورة من وجهة نظر العقاد؛ لأنه سادت قبل ثورة يوليو أوضاع اجتماعية واقتصادية من شأنها أن تجعل الشعارات الديمقراطية والحقوق والحريات السياسية المنصوص عليها فى الدستور مجرد واجهات تخفي وراءها واقعًا بعيدًا عن الديمقراطية ونظامها الدستوري السليم.

وكان الأثر الأكبر للثورة الذي لاقى إعجاب العقاد كما يري النمنم هو الحرص الثورة على توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية لأهل الريف؛ كما أشاد العقاد بدورها في التعليم لأهميته في بناء الوطن؛ كذلك حققـت يوليـو في نظر العقاد الكثير من المشـروعات الكبـرى والإنجازات القومية أبرزها ما لفت انتباه العقاد واشاد به هو زيادة الرقعة الزراعية عن طريق استصلاحها.

وأنا أؤيد الأستاذ حلمي النمنم فيما قاله هنا، لا سيما وأن العقاد يقول عن نفسه : لقد حاربت الطغيان، وحاربت الفوضى، لقد حاربت التقليد الأعمى والدجل المريب باسم الدين، لقد حاربت رءوس الأموال، وحاربت مذاهب الهدم والبغضاء، لقد حاربت الجمود والرجعية، وحاربت الأحزاب، وحاربت الملوك، لقد حاربت هتلر، ونابليون، وحاربت المستعمرين، لقد حاربت الصهيونية وحاربت النازية أكبر أعداء الصهيونية، وحاربني كل هؤلاء إلى جانب صاحب اللحية والعذبة باسم الدين، لقد نكب هذا البلد المسكين بداء الاستبداد القديم فصارت قيم الناس مرهونة بتقدير الحاكم، فلا مقام لأحد بغير لقب ولا حسب ولا جاه وبلغ من عبادة الأوثان أن “الصوفية” في هذا البلد منذ قرون وعاشت على المظاهر والألقاب، وبين منتسب إلى هذا الضريح ومنتسب إلى هذا الهيكل ومعهم أشتات من الرايات والفوانيس.

ومن هنا يعد كتاب (العقاد والثورة) عصارة تفكير حلمي النمنم، ولذلك لم أهدر الفرصة وحاولت أن أغتنمها لقراءة هذا الكتاب الرائع، وذلك لما فيه خير للإنسانية في الاستفادة من بعضها بعضا. فكانت هذه القراءة التي نتناولها في ثلاثة عشر محورا : المحور الأول، وقد جاء بعنوان "عبـاس العقـاد بـن ملكـين"، بينما جاء المحور الثاني بعنوان " الخـلاف مـع النحـاس يجمـع ”العقـاد والملـك“، في حين جاء المحور الثالث حاملا عنوان" كتاب العقاد الذي صودر في يوليو 52"، ثم يجيئ المحور الرابع حاملا هذا العنوان " التنازل عن العرش"، بينما المحور الخامس جاء بعنوان" الجيش أنقذ مصر". أما المحور السادس فهو بعنوان" محاولـة اغتيـال عبد الناصر"، وأما المحور السابع فهو بعنوان" تطهير الصحافة وعامل الكتابة"، في حين يأتي المحور الثامن فهو بعنوان" مطلب تجاهله الجميع "، وأما المحور التاسع فهو بعنوان" من الملكية إلى الجمهورية"، وأما المحور العاشر فهو يعنوان" فلسفة الثورة"، بينما يأتي المحور الحادي عشر بعنوان" العقاد وعبد الناصر.. إعجاب إلى امتعاض، وأما المحور الثاني عشر فجاء بعنوان" بين سعد زغلول والنحاس وعبد الناصر"، وأما المحور الثالث عشر فجاء عنوانه كالتالي" هل آثر السلامة وابتعد عن السياسة؟".

وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف من خلال عرضه لتلك المحاور في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول : نظري معرفي يقوم علي ضرورة إعادة النظر في الدور الذي يقوم به العقل في نظرية الأخلاق عند هيوم.

الدافع الثاني : عملي واقعي، حيث يعول الكاتب كما قال العقاد في كتابه فلسفة الثورة على ضرورة أن تنطلق كل ثورة من معطيات واقعها الذي تعيشه، دون محاولة للقيام بأي اقتباس أو تقليد لثورات أخرى قامت في مجتمعات وظروف مختلفة، أو استجرار قصص الماضي وأخبار العظماء التاريخية، ومُحاولة إسقاط سيرتهم كاملةً على المجتمعات المحلية والواقع الحديث، لما سيؤدي إليه ذلك من مآسٍ وكوارث بإمكاننا ملاحظةُ بعضها بوضوحٍ اليوم. كما يشدُد العقاد في كتابه أيضا حسب الكاتب على أنّ، الشعارات يجب ألا تُنتقى عشوائياً، لأنها ستتحول إلى مبادئ فيما بعد، توجه مسار الثورة وجهودها وتضحياتها.

ولأكثر من سبب فقد جعل "حلمي النمنم مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال علي الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كل فرصة للتعليق بالسلب علي أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض؛ والدليل علي ذلك ما قاله المؤلف في مقدمة كتابه :" عــلى المستوى السياسي والفكري أخـتـرت موقــف العقــاد مـن ثـورة 23 يوليـو 1952 ومـن الرئيـس جـمال عبد الناصر، الـذى حكـم بـن عامي 1954وحتـى 1970، عـاش العقـاد عـشر سـنوات مـن حكـم عبد الناصر، وحـين غادرنـا إلى العـالم الآخر، كان قـد مـضـى عـلـى ثــورة يوليــو 12 عامــاً، وهــى مــدة زمانيــة كافيــة لاتخــاذ موقــف أو مواقــف منهــا، والشــائع أن العقــاد لم يكــن محبـاً لثـورة يوليـو وكان غـير محـب لعبد النـاصر، وأن عبد النـاصر منحــه جائــزة الدولــة في عيــد العلــم، محاولــة لاستــرضائه وأن رئاســة الجمهوريــة حاولــت الكثيــر مــع العقــاد كي يلــن لعبد النــاصر لكنــه أبي ( أنظر الكتاب ص 9).

ثم يستطرد الكاتب فيقول:" كان العقــاد شــديد التقديــر والإعجاب بالزعيــم ســعد زغلـول، وعنـد الكثيريـن في مـصر أن مـن يحـب سـعد زغلـول لا بـد أن يكـره عبد الناصر والعكـس.. وأن مـن يقـدر دور ثـورة 19 في التاريخ لا بد كذلك أن يرفض ثورة يوليو وكل ما جاءت به ".. (أنظر الكتاب ص 10).

ومن هنا كانت مهمة "حلمي النمنم" في مقدمة كتابه أن يعرف القارئ بمقصوده بموقف العقاد الحقيقي من ثورة يوليو 52"، وأن يبين أن المؤرخين قد أخطأوا عندما تصوروا أن العقاد ضد عبد العناصر وضد ثورة يوليو.

والواقع أنه إذا كان صحيحاً القول بأن للفيلسوف حدثاً واحداً يتكرر كل عدة سنوات كما قال الفيلسوف الفرنسي المعاصر " هنري برجسون"؛ فإنه صحيح أيضاً القول بأن للمفكر المتميز خطاباً واحداً يتكرر دائماً عبر مستويات عديدة تعكس كلها رؤية واضحة ومتفردة، كتلك التي نجدها متضمنة في جميع أعمال "محمد مدين"، وهذه الرؤية متجسدة في أسلوبه الفلسفي ومدي ارتباطه بالحس الصحفي، ومن هنا يقع كتاب (العقاد والثورة) الذي نحن بصدده الآن ضمن الدوال الرئيسية علي معالم هذا الخطاب الذي يمثل بحق اتجاهاً معرفياً جديداً في حقل الفكر العربي الحديث والمعاصر.

خلاصة ما يريد الكاتب إيصاله للقرّاء، أن الأديب الراحل "عباس العقاد" وإن كان من المدافعين عن الرأسمالية والليبرالية، فلما جاءت ثورة يوليو 1952، لم تصدمه كما قيل بإلغاء الملكية والأحزاب، ثم تحديد الملكية الزراعية، وبعد ذلك الاشتراكية والتأميم، وليس صحيحا كما قيل عندما لمس العقاد نجاح الحركة الثورية والتفاف الشعب حولها، لم يستطع إلا مسايرتها، ولكنه لم يؤيدها تأييدًا كاملًا، ولم يؤيد عبد الناصر بقلبه، كما أنه ليس صحيحا القول بأن العقاد هادن الثورة المصرية، ولم يؤيدها، فتناست الثورة خدماته للملك فاروق ولأحزاب الأقلية، وهادنته فعينته عضوًا بالمجلس الأعلى للفنون والآداب ومقررًا للجنة الشعر، كما أنه ليس صحيحا أيضا معاتبة العقاد للقائمين على الحركة الثورية، لأنها في جوائزها التقديرية لم تحسب شيئا لغير التقديرات الجامعية، أي أنها قد تناسته، فسارعت الثورة لمنحه جائزة الدولة التقديرية للآداب عام 1960.. وهلم جرا.

وفي النهاية أقول: تحيةً مني للأستاذ حلمي النمنم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً. بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

..............................

المراجع:

1- عباس محمود العقاد، دار المعارف، القاهرة، 1964.

2-حلمي النمنم : العقاد والثورة، مؤسسة دار الهلال، القاهرة، 2022.

3-د.محمود محمد علي: حلمي النمنم والأبعاد الحقيقية لتجديد الخطاب الديني، صحيفة المثقف العدد: 4674 المصادف: 2019-06-23 01:30:21

 

4095 الحرب البيولوجيةتأليف: فرانسيس بويل (Francis A. Boyle)

ترجمة: عزام محمد مكي

***

الفصل الثاني: صنع الأسلحة البيولوجية

مراحل عملية صنع الأسلحة البيولوجية

من أجل تطوير سلاح بيولوجي، تحتاج الحكومة إلى ثلاث وحدات أساسية:

(1) عامل بيولوجي ضار.

(2) لقاح لتلقيح قواتها وسكانها المدنيين من أجل حمايتهم من "ارتداد" العامل البيولوجي الذي طوره "علماء الحياة".

(3) وسيلة توصيل فعالة وآلية لنشرالعامل البيولوجي.

وتشمل العملية ما يلي: عن طريق الهندسة الوراثية للحامض النووي، يقوم ما يدعون زعما ب "علماء الحياة" عاملًا بيولوجيًا هجوميًا جديدًا. بعد ذلك، وباستخدام نفس التقنية الحيوية للربط الجيني الدقيق، فإن هؤلاء "علماء الحياة" يطورون اللقاح. إنهم يتوجون عملهم بتحويل العامل البيولوجي الى هباء جوي ثم اختباره على الكائنات الحية لإثبات أنه يمكن توصيله إلى الهدف المقصود مع احداث الآثار الضارة المخطط لها. أخيرًا، يقوم "علماء الحياة" هؤلاء بتسليم هذه الوحدات المكونة الثلاثة لسلاحهم البيولوجي الجديد والمُختبَر إلى حكومتهم لإنتاجها وتخزينها ونشرها واستخدامها في النهاية. لاحظ أنه في هذه المرحلة، تحول "علماء الحياة" هؤلاء في عملهم من مما يمكن القول انه مجرد "بحث" مستثنى الى "تطوير" "الاسلحة البيولوجية" المحظور في انتهاك واضح للمادة الاولى من اتفاقية الاسلحة البيولوجية.

وكقاعدة عامة، فإن إحدى الاشارات الواضحة تدل بأن العقد الحكومي الخاص بالحرب البيولوجية مخصص لأغراض غير قانونية ومحظورة وهجومية هو أنه يتطلب على وجه التحديد التحويل الناجح للعامل البيولوجي الى هَبَاب جوي الذي هو موضوع العقد. هذا أمر بالغ الأهمية لنجاح سلاح الحرب البيولوجية الجديد لأن معظم عوامل الحرب البيولوجية المضادة للإنسان يتم توجيهها إلى الضحايا المقصودين عن طريق الجو.

وتحت سيطرة حكومة عديمة الضمير، يتم التمكن بسهولة من التلاعب بالهندسة الوراثية للحامض النووي وإساءة استخدامها من أجل التحايل على اتفاقية الأسلحة البيولوجية وإبطالها وإبطال مفعولها وجعلها مما عفا عليها الزمن، تحت ستار إجراء "بحث" تم استثنائه بسبب تعريفه ومن جانب واحد على انه "دفاعي".

هذا هو بالضبط ما شرع المحافظون الجدد الريغانيون في فعله. حيث شرع ريغانيوا البنتاغون في التعاقد مع باحثين في جامعات مرموقة في جميع أنحاء الولايات المتحدة من أجل إجراء مثل هذه المشاريع ذات الاستخدام المزدوج، حيث يكون "هجومي-دفاعي" في نفس الوقت، للحامض النووي لكل مرض غريب يمكن الحصول عليه من الطبيعة في ظل الاسم الاستبدادي الشمولي (الاوريللي)، اسم "برنامج أبحاث الدفاع البيولوجي (BDRP)". و يقوم المحافظون الجدد تحت ادارة بوش الابن بالشيء نفسه بالضبط اليوم تحت عنوان ما يسمى ببرنامج الدفاع الكيميائي والبيولوجي التابع للبنتاغون (CBDP)، وهو الخلف المباشر لبرنامج BDRP.

يتبع

***

......................

الفصل الخامس

 الحرب البيولوجية الأمريكية ذات الصلة بانتهاكات القانون الدولي

 

4106 يوسف نوفليتابع الدكتور يوسف نوفل في كتابه "من نافذة السرد"* بدايات الرواية العربية، وأهم سماتها . ويوظف لهذه الغاية اسلوبا جغرافيا. فيصنف الاعمال المبكرة حسب تاريخ ومكان صدورها . ثم يتوقف مع نوع بحد ذاته وهو الرواية التاريخية دون اعتبار لبلد المنشأ. وفي النهاية يجد نفسه حائرا. ويتساءل: هل الريادة تاريخية ام فنية؟..

وبالفعل يصعب الاتفاق على تحديد معنى الريادة في فن عربي طارئ وليس له أشكال تراثية متبلورة. وترتب على ذلك عدم وجود اتفاق على حدود وتوجه النوع بشكل عام. فقد تداخلت المسميات لدرجة مخيفة. وأمكن للرواية الحكاية والرسائل والمسرح أن تحمل اسما واحدا. وكل هذا التداخل يدل على مشكلة في الوعي الفني. ومن وجهة نظر شخصية أعتقد أنه علينا تبني 4 محطات أساسية.

الأولى هي "غابة الحق" لفرنسيس المراش، وهي الأسبق من الناحية التاريخية. فقد صدرت لأول مرة عام 1865، ولكنها لا تبتعد كثيرا عن الأعمال التعليمية التي تأتي بصورة إشراقات. غير أنها تميز بين الوحي والأحلام، وتقر أنها ليست وسيطا بين الصورة الكلية والروح، مثلما فعل من قبل جورج بونيان في "رحلة الحاج" الصادرة عام 1678. وسيكرر جبران وبعده نعيمة هذا الأسلوب في "النبي" و"مذكرات الأرقش". وهذا دليل آخر على المصادر الغربية للمراش في شكل الكتابة واتجاه الخطاب. وإذا خيمت على "غابة الحق" أجواء حالم ومفكر فقد اختار نعيمة وجبران أشكالا نصف حلمية ونبوئية يغلب عليها التفكير الذاتي واستنتاج المعرفة من مصادر شخصية هي الخبرة والتأمل.  وببساطة كان المراش يبحث عن المبادئ الأساسية لتحرير المعرفة من شرط الوحي والإلهام، ولإعادتها إلى مكانها الطبيعي وهو التجريب والعقل. حتى أنه يبدأ مقدمته للرواية بصورة لعلم خفاق يحمل عبارة العلم يغلب. ولا يفوته الذكاء ليشير إلى العالم الجديد (يسميه باسمه الصريح وهو أمريكا) وحروبه ضد الشرائع القديمة.

ومهما حاولت لن تسجل أي رواسب للتراث العربي. وأي مقارنة مع مذكرات ثقافية من نوع "المنقذ من الضلال" للغزالي مثلا تؤكد هذه القطيعة. فأسلوب المراش ذاتي وتجريبي بوقت واحد. بينما أسلوب الغزالي ذاتي وحجاجي.

المحطة الثانية هي "مرشد وفتنة" لنعمان عبده القساطلي، وقد صدرت عام 1881، وأرى أنها كسبت قصب السبق من ناحية المضمون. فقد كانت أقرب لجونا المحلي، وتتقاطع مع سيرة أبي الفوارس، ومع جزء هام من الذاكرة الشعبية للراوي المجهول الذي ساهم في ترقية "ألف ليلة وليلة" من مجرد تسلية باردة في جلسات المنادمة والسمر إلى حبكة عجائبية غريبة تساعد الإنسان البسيط على تحمل ومقاومة ظروف الحياة الصعبة وما يتخللها من تقشف ومجالدة ضد الطبيعة. وقد استعمرت تقتنية الأدراج والجيوب هذا العمل البسيط وتفرعت حكاية الإطار إلى كثير من قصص العشق المكبوت والحريح وإلى حكايات حافلة بالدسائس ومواجهة المخاطر والجهاد الدنيوي لأجل غايات أسمى وأرقى. وتستطيع أن توجز ما سبق بنقطتين.

هذه الرواية تعريب لروايات الفروسية الغربية مع استبدال للغابات والأنهار والجبال بالرمل والصحراء ومضارب البدو.

وهي تصعيد للأنا المفردة والنرجسية والمغرورة إلى أنا نرجسية تقتدي بمثال أعلى. وغالبا ما تحرض الغرائز والمحاكاة على تكوين عناصر هذا المثال. ولذلك كان الصراع دراميا وأصيلا ويدور بين أجزاء أساسية -مكونات أولية في البناء بتعبير لاكان، وهما اثنان: موضوع الرغبة وصورة الأب. وبتتعبير آخر يتنازع توجيه الحبكة محور شخصي يتغلب عليه الابتكار وضمان أفضل طريقة كي تشبع الذات المفردة ميولها الخاصة. ومحور شمولي يلعب دور الرقابة التي تفرض قانون الأب وتحدد المسموح به والممنوع. وأعتقد أن هذا البند هو اختصار لخلاصة التجربة الفنية والذهنية مع الماضي أو التاريخ اللاتاريخي. وهو ما أفضل تسميته بالجانب اللاهوتي من التجربة.

المحطة الثالثة هي "المملوك الشارد" لجرجي زيدان. وصدرت عام 1891، وسبقت "17 رمضان" الصادرة بعدها عام 1899 والتي يعتبرها الدكتور نوفل محطة رائدة ومبكرة في فن الرواية. وأرى أنها مثال رائد ومبكر على النضج والوعي الفني لحدود النوع. فقد قدمت جرعة متطورة تحقن الواقع بالخيال. وكان موضوعها سيرة أمين باي وفراره من مذبحة القلعة. ولا يمكن أن تعزل فيها الجانب التاريخي عن الإضافات. وكانت شخصياتها صامتة، بمعنى أنها تعيش وتتطور في داخل البنية، وتترك لنا استنتاج معناها. ويتآزر في إنتاج المعنى الحوار والوصف الخارجي. ولم تكن تخلو من المونولوجات، ولكن ليس بأسلوب تيار الشعور، ولكنها كانت أقرب للتفكير والتأمل. وهو جزء أساسي من أي مونودراما مع فارق واحد أن أبطال المونودراما يفكرون بصوت مسموع، بينما كنا نشترك مع أبطال زيدان برؤية أفكارهم. بمعنى أنه اعتمد على التشارك بالإبصار. وهو ما مهد الطريق لاحقا لما نسميه نشاط الرؤيا. وبودي أن أضيف إن روايات تاريخ الإسلام ليست أقل بأي شيء عن روايات محفوظ الفرعونية. وربما كانت أقرب للمنطق ولديالكتيك الرواية، بينما اختبأ محفوظ وراء أسماء ميتة مفصولة تماما عن حركة المجتمع المعاصر، مع لغة مبالغ فيها، وهو ما تخلى عنه لاحقا في أعماله الاجتماعية التي أعاد بها تركيب الحارة المصرية. ومهما كانت الاتهامات التي واجهها جرجي زيدان فإنها عاجزة عن انتزاع الريادة منه. وبالأخص أن مشروعه تواصل باتجاه واحد وهو قصص الفروسية التي تخللها حكايات غرام رومنسي ومأساوي. كما أنه عمد لترتيب أحداث المدونة وانتخب منها الخفايا والأسرار، وانتقى الشخصيات المعروفة. ومثل هذا الأسلوب كان أفضل طريقة لفتح الصندوق الأسود من تاريخنا المسكوت عنه، ولذلك لعب دورا تنويريا حرك العقل العربي النائم. ولا أستطيع أن أقارن هذا المشروع إلا بكتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين. وإن لم يصحح الوقائع فقد صحح المسار، وقدم خدمة لا يستهان بها لوظيفة التأويل على حساب القراءة السكونية. وبتعبير الدكتور نوفل لم يكن زيدان تبريريا ولم يحاول أن يغطي السلبيات، وتحلى بروح المسؤولية التاريخية دون أن يضحي بروح المسؤولية الفنية. وبذلك يكون مثل عميد الرواية التاريخية والتر سكوت، قد توقف عند لحظات تازيم واختتاق شهدتها الذاكرة الوطنية - بمعنى الماضي الذي يلعب دورا جوهريا في صياغة الواقع. وليس الذاكرة المنهوبة (الوسطية بلغة عبد الحميد إبراهيم). وهي ذاكرة مسلوبة الإرادة وتوفيقية ويغلب عليها الخوف من مواجهة الذات وأخطائها مع التستر وراء المشاعر والأوهام والإشاعات غير الثابتة. والحقيقة أنه لا يوجد في الفن ولا التاريخ أنصاف حلول أو حقائق وسطية. وبتعبير آخر لم يرتكب زيدان جناية ضد التاريخ الإسلامي، بل كان مخلصا لمبدأ العدالة الفنية. والرواية أصلا مولود غربي، ولا بد أن يكون أسلوبها مشحونا بالعقلية المنتجة لها. والقانون رقم واحد في أي رواية أن تبحث عن عقدة، وتترك للشخصيات مهمة تطويرها حتى تصل إلى حل، وهذا هو مبدأ كل الأعمال الخالدة ابتداء من "الحرب والسلم" 1867 لتولستوي وحتى ثلاثية "قصر الذئاب" 2009 لهيلاري مانتيل. فهي كلها تتابع جدلية دامية بين الميول الطبيعية للرخاء والميول الانتهازية التي تحض على العداء والتنازع. ولو لا فهم زيدان لعقلية مصادره لما أتقن لعبة إسقاط الفكرة على الصورة.

تبقى لدينا ثلاث نقاط بمنتهى الحساسية.

الأولى أنه خدم في الاستخبارات الإنكليزية. وهذا لا يكفي لاتهامه بالتجسس والخيانة ومحاولات تخريب سمعة المسلمين. فقد عمل سومرست موم وغراهام غرين مع المخابرات. ومع ذلك كتب كلاهما عن قلق ومآسي الشرق، مع دعوة صريحة لتحرير الإنسان الضعيف من سيطرة وتنمر الحضارة الأقوى. وكان غرين يعد خصما للإمبريالية الغربية، وهو ممنوع من دخول أمريكا.

 الثانية أنه ماسوني خدم الدعوة اليهودية المشبوهة. وكانت الماسونية موضة عند جميع المثقفين، وهي لا تختلف عن النوادي والحلقات - المنتشرة في جميع أرجاء أوروبا بدءا من نوادي الكتاب وحتى النوادي الرياضية. وإذا كانت هذه التجمعات تشكل بؤرا تجذب انتباه ويقظة السلطات فهي بنفس الوقت يمكن أن تكون هدفا أو غطاء للجواسيس. عموما طاردت تهمة التآمر كل رواد حركة الإصلاح. وهذا يساوي بين شيخ معمم مثل الأفغاني والكواكبي وبين مسيحي متأورب على شاكلة جرجي زيدان.

النقطة الثالثة والأخيرة أنه ضعيف الإحساس بالروح الوطنية، وفضل التفسير الحضاري لمحنة الأندلس على التفسير القومي. وربما المقصود هنا أنه قرأ حروب الأندلس بمنطق صدام الحضارات وليس على أساس عرقي أو ديني. وهي تهمة عانت منها جامعة الدول العربية (باعتبار أنها مؤسسة تخدم الدول وليس دين الدولة)، وكذلك جميع الحركات العسكرية والانقلابية التي استبدلت حكومات الاستقلال بجمهوريات. وبالتأكيد هي تهمة ليست في محلها وتدخل في استراتيجية الحرب الباردة. وهذا لا يعفي الانقلابيين من التورط بالفساد وعدم الكفاءة في إدارة مجتمع قانون الطوارئ. ولكن هذه حكاية مختلفة وهي أصلا امتداد لحبكة فساد العثمانيين وما ترتب عليه من مظالم وانتشار للخطيئة والحب الزائف (موضوع خصص له زيدان روايتين هما "الانقلاب العثماني" و"جهاد المحبين"). ثم إن أي كلام عن مضمون قومي ستكون له مرجعية أوروبية. فالقوميات اختراع أوروبي وأتى ليعبر عن تضخم الذات وصعود التفكير الرومنسي وانقسام الكنيسة بين أصوليبن وإصلاحيين. بينما كانت فكرة العروبة جزءا لا يتجزأ من الصراع على الدولة. في أول الأمر لتحويل الحكم من عسكري إلى مدني، ثم لتحويله من نظام إقطاعي إلى بورجوازي. وإذا كانت أول نظرية من إنتاج المثقفين العرب في بلاد الشام فالثانية كانت بتحريض من البورجوازية الغربية، ولتقليم أظافر العثمانيبن قبل خنق بقايا دولتهم القديمة واستبدالها بجمهورية أتاتورك. ومع أنها وضعت عمليا حدا لحركة الإصلاح والتحديث وأقامت على أنقاضها حركة علمانية نهضوية تبقى صوت دولة مهزومة خسرت الحرب عام 1915 (الموضوع المفضل لروايات التركي أورخان كمال Orhan Kemal ).

إن الجانب الرسالي عند المسلمين قد انتهى في حقيقة الأمر بعد حسم مشكلة التوحيد والدخول في مشكلة الفتوحات، وما رافقها من نزاع على الدولة ابتداء من فتنة عثمان. وهو موضوع قالب الرواية للتاريخية، لأنه يتكئ على نقطتين: في المركز خبايا ودسائس البلاط، وفي المحيط البطولات الخارقة والسهر على سلامة الأمة. ويربط بينهما بالتبادل حكايات الغرام العفيف والخطيئة، وما ينجم عن ذلك من صدام بين المبادئ ومعنى الأخلاق في عالم يتعرض للتبدل وللانتهاك باستمرار. ولذلك لم يكن زيدان من اختار حبكة القتل والتآمر، بل هي من اختارته.

المحطة الرابعة والأخيرة هي "زينب" لمحمد حسين هيكل الصادرة عام 1913. والحقيقة لدينا إجماع عليها، ولكن أعتقد أن الفضل يعود لاتكالنا على جهد الدكتور عبد المحسن طه بدر. فهو أول من عقد لها الريادة في كتابه التأسيسي "تطور الرواية العربية في مصر" الصادر عام 1963، وتبعه الدكتور سيد حامد النساج - غير أن الدكتور نوفل يشير عن وجه حق أن النساج عقد لواء الريادة -بمعنى التبكير والأسبقية وليس الجدارة- لحميد خضر البوقرقاصي مؤلف "حكم الهوى" الصادرة عام 1904. والحقيقة أن النساج لم يخالف الدكتور بدر بوجه عام، واتفق معه بكل ما يتعلق بعلامات النضج وبلوغ سن الرشد. وسار البقية وراءهما دون تمحيص أو مراجعة. وربما كان وراء ذلك سببان، الأول أن هيكل مصري. وكتب بأسلوب مباشر ومبسط عن رموز إسلامية هامة من بينها كتبه "حياة محمد" و"حياة أبو بكر" وبقية الخلفاء الراشدين باستثناء علي (وأرى أنها مسألة جوهرية إذا أضفنا لها انتماءه السياسي وهو حزب الأحرار الدستوريين)، وكان الشارع يميل لأسلوبه العاطفي المدعوم بالتمجيد والتجسيم. بينما لا يخفى على أحد أن زيدان مسيحي مهاجر من بلاد الشام. وأية قراءة في رواية "زينب" ستسجل مباشرة اغتراب الشخصيات عن الواقع، حتى أن الريف المصري كان يبدو إلى حد كبير صورة عن الريف الأوروبي. ولا يمكن أن تجد أية شبهة لفكر طبقي أو تحرري إذا استثنينا موقف الأخلاق الريفية من مشكلتين هما الحب وحرية النساء. والبند الثاني يتضمن عمليا تعليم البنات. وبشكل عام كان هيكل أحد رموز الجيل المتحول الذي طرأت عليه طفرة تحضير الثقافة العربية بطريقة هجينة ومعولمة (إن صحت العبارة). حتى أنه بشر بظهور شريحة التكنوقراط وتبنى نفس دعوات المراش لتطبيق ثمار العلوم الغربية (كما تقول ون جين أويان في كتابها عن نوستالجيا الرواية عند العرب). وقد اتبع أجندا إدارية وليس تربوية. وهذا أهم فرق بينه وبين رائد اجتماعي آخر كالمنفلوطي من جهة والشرقاوي من جهة معاكسة. فقد كان يدير موضع الشخصيات من شبكة أفكار خارجة عنها. ولذلك تطور أبطال روايته "زينب" بشكل صوري. بتعبير آخر كانوا مساحة حرة ومفتوحة لإسقاط ثقافته الغربية عليهم. وكانت مصر مجرد خشبة مسرح أو ديكور مستعار لشخصيات وأذهان وافدة. ولا يمكننا أن نطالب هيكل برواية "عرقية" - أدواتها غير مستعارة، لسبب بسيط وهو أننا لم نبتكر فن الرواية، واقترضناه من الآخر -الغريب - حتى أن العربي في نتاجه الروائي لا يختلف عن عطيل بشيء، وهو قشرة، أو قناع، ليمرر أدوات نكتب بها أنفسنا ونعيد تركيب خبرتتا مع الواقع والتاريخ.  ولا تخلو القصة من هذا الإشكال، فالعجيلي، أحد رواد القصة العربية، كان يحمل هذا الانقسام الهوياتي.. المضمون عروبي وبدوي وتغلفه نوستالجيا عميقة وقوية لماضينا في الأندلس ولحاضرنا في نكبة فلسطين، لكن الأدوات فرنسية. ويوجد صدع داخل المنظومة - التفكير والبنية - الشكل. وكان مخاض القصة لديه أشبه بطفل الأنبوب، التخصيب خارجي وبتدخل طرف ثالث third party.

ويمكن أن نكرر نفس الكلام عن من سبقه من الرواد، وبالأخص المصري محمد تيمور الذي بدأ بالنشر في مجلة السفور عام 1917 والسوري فؤاد الشايب مؤلف "تاريخ جرح"، وهي مجموعة قصص صدرت عام 1944. وقد حملت التجربتين بصمات القصة الروسية المشوبة بكثير من الدسائس والتأملات الموباسانية. وأعني بالدسيسة والتأمل الانطباع الكئيب والأسود والذي تغلب عليه روح الهياج النفسي. وبوجيز العبارة كان فجر القصة العربية مدينا بكل شيء لبطل تشيخوفي وضعته الأقدار أمام مرآة الطبيعة، ولعلاقات موباسانية تعاني من رهاب العجز والسقوط. ويمكن أن تلاحظ أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا جوهرا مستقلا لذواتهم وتطلعاتهم، ولكنهم وحدات ذهنية مرشحة للتجزئة والانشطار ولبلوغ نهاية تراكمية وليس تكاثرية. وهذا يضع القصة العربية على مفرق الطرق. فالتراكم يعني الجوهر الواحد الذي يستعمر ذاته، والتكاثر يعني التعددية. ولم يكن يخلو أحد من هذا الخلل الوضعي. وتوجب علينا أن ننتظر جيل الخمسينات لتحويل البنية من قالب صلب إلى إيقاع. وأجزم أن الفضل بهذا التحول النوعي يعود ليوسف إدريس في أولى أقاصيصه وهي "لعنة الجبل" المنشورة في روز اليوسف عام 1950. وهو توقيت متأخر بكل المقاييس. وقد أكدت على هذا الاتجاه لاحقا إضافات نجيب محفوظ، وبالأخص في مجموعة تعتبر معجزة في فن القصة، وهي "دنيا الله" الصادرة عام 1962.

ولكن بالنتيجة لا يوجد فرق فكري أو إيديولوجي بين هذه المحطات على اختلاف منشأها وتوقيتها. فهي لحظة مفارقة لا تصل لدرجة القطع المذهبي لمشكلتنا مع المعرفة، وتجمع كلها على مبدأ واحد وهو الرياء الإيجابي. بمعنى أنها تهادن الأصول ولكن لا تدين لها بأي شيء. وإن شئت الحقيقة لا يوجد سرد ولا خيال فني عربي. وحتى بالنسبة للسير الشعبية فهي لا تخلو من الأفكار الوثنية العجيبة ومن تصورات تضع البطل موضع الإله. ولا يمكن أن لا تنتبه للتشابه الغريب بين شخصية أبي الفوارس أو عروة وأبناء الآلهة في اليونان القديمة. بتعبير آخر مثل هذه المبالغات كانت تخدم الخيال أكثر من أساليب التعبير عنه لغايات واقعية.

ولذلك لا أجد أية علاقة بين الخيال الناطق بالعربية والوجدان العربي. والمسألة هي مسألة دوبلاج. ولو نظرنا لتاريخ انتشار ظواهر السرد ثم الدراما عند العرب ستلاحظ أنها بدأت في وقت متأخر، بعد أن خبا الشعر التاريخي.. أقصد لحظة صعود الحساسية الشعرية وانحدارها لتفكير وتصورات نثرية. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الرواية الحديثة. فهي قد بدأت بشكل حركة تعريب وتحولت إلى استعارة وإسقاط. ونحن نستعمل أدوات الرواية الغربية مثلما نستعمل الكومبيوتر والطائرة والسيارة. وبلغة أوضح هي تجميع لأدوات ثقافية من أجل غايات خطاب نوعي وذاتي. ولذلك يغلب عليها الإعراب عن فكر جزئي وغير شمولي. وأعتقد أن رواياتنا بدأت من نقطة تجميع وانتهت إلى نقطة تجزئة. وحاليا نحن في لحظة تجزيء المجزأ. وأهم الأعمال المعاصرة مبنية على التكرار -نسميه تفريع الحكايات والأفكار. إنها مجرد محاكاة تنعكس في مرايا متقابلة حسب المبدأ المعروف في تكرار الصورة لصورة مثلها. وهو أساس فكرة خطوط الإنتاج وتحول الإنسان إلى آلة بشرية ترعى الآلة غير العاقلة وتخدمها. وتحول ذلك لاحقا بضغط من حركات ما بعد الاستعمار إلى وهم بالتأصيل. لكنه وهم حقيقي يعبر عن أجندا جديدة.

والسؤال الذي يخطر لي دائما كيف نؤصل فنا ليس له جذور ملموسة في ماضينا الفني. وما علاقة فانوس علاء الدين والبساط السحري بالثورة الإسلامية أو أوثان الكعبة وشبكة العلاقات المرتبطة بها. لقد لعبت تلك الحكايات دورا أساسيا في تنويم العقل العربي وتوسيع الفجوة الحضارية، بعكس الرواية الحديثة فقد لعبت دورا تنويريا. وفتحت نافذة في جدار الرجل النائم، وبلغة أوضح فاقمت من دراما الحلال والحرام. وهو ما تحول الآن إلى دراما الممنوع والمسموح.  ولذلك لا يمكننا الحديث عن أجناس دخيلة. فالجذور من ناحية عرقية وحضارية من الدخلاء أيضا. وإلا ما معنى أن يكون اسم بطلة ألف ليلة هو شهرزاد واسم البطل هو شهريار؟.

لا أتردد لحظة بالقول إنه استعمار ناعم. وقد أدى دوره في تعميم ثقافة اتكالية وعاجزة كما فعلت السير من قبل. فهي بالمثل نشرت ثقافة خرافية تؤمن بدور الشياطين والملائكة في تبديل المصائر. إن الكلام عن حدود سائلة للنوع يخص المصادر الغربية. بينما نستطيع أن نتكلم في مجالنا عن غياب للنوع. وعن نوع جامع ناطق بالعربية يعبر عن ألم نوعي ولكن بتوجه عابر للحدود والأجناس. ويؤكد الدكتور نوفل على هذه الحقيقة حين يعترف أن جيل الستينات أرسى فن السرد وبمقاييس إنسانية تختزل المستويات التي بلغها هذا الفن في العالم. وإن كان هم الرواية الأوروبية المعاصرة يركز على علاقة الإنسان النظري ببيئته العملية - هم الرواية العربية هو حل علاقة الإنسان بالإله، وشكل الإله متعدد، ويمكن أن تقول إنه تحول إلى آلهة تبدأ من جزئيات الواقع المحلي كالأب والسلطة وتصل إلى عموميات حضارية مثل المعرفة وآلة الحرب والمؤسسات الدولية وغير ذلك.

وربما هذا هو سبب نهاية وموت رواية الحبكة الثقيلة -أعمال جيل نجيب محفوظ وحتى جبرا جبرا والدخول في حقل الرواية المضادة - ما يخلو من العقدة المركزية ويتابع تصدع ومعاناة أفراد متشابهين في أرض متكررة. وهنا يكون قانون الاختلاف داخليا. الشيء يختلف مع نفسه لتبديل حقيقته وليس مصيره أو اتجاهه فقط (في الذهن "مجمع الأسرار" لإلياس خوري و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح). والمعاناة موزعة وتشبه أسبابها مثل أي عصاب. بمعنى أن السبب هو أعراض الداء نفسه (والتعبير للاكان).

وبالنتيجة أرى أن الخيال الفني مر بلحظتين. الأولى في العصر الوسيط، والثانية في منعطف القرن العشرين. وكلتاهما لمواجهة هبوط في حالتنا الوجودية، ولسيطرة العجم -ثم البورجوازية الأوروبية على مفاصل أساسية في حياة الدولة والمجتمع. لكن أول لحظة بشرت بتعتيم وإظلام شامل، والثانية بشرت بنخبة. ودراما هذه النخبة وخياراتها سيكون هو قالب ومحتوى الرواية، ونحن نعيش في هذه اللحظة حتى الآن. وأبرز ما يميزها أمران.

خطأ في التفسير. وسببه المكابرة وعدم الاعتراف بدور الليبرالية الغربية في كبح جماح ثورتنا ثم في محاولة تدجينها لتكون ثورة ناقصة.

وخطأ في الاتجاه. وسببه الخوف من الحقيقة، والانفتاح على الأمية الثقافية. ولا يوجد أي عتب على الغرب في هذا المضمار، فهو خطأ محلي، وناجم عن إيمان المثقف بالأمر الواقع وليس باتخاذ موقف جدلي منه. وهنا أود الإشارة لفرق أساسي بين القبول والإيمان. أول حالة لا تدل على وجود تعاقد ولكن مساكنة، وثاني حالة تشترط العقد الشيطاني والمذل الذي وقعه فاوست، وبعده دوريان غراي (بطل أوسكار وايلد المعروف)، ولاحقا بطل مسرحية "قارب بلا صياد" لأليخاندرو كاسونا. وهاجم هذه التراجيديا صدقي إسماعيل بوقت مبكر في كتابه الصغير والهام "الله والفقر"، وتناول ازدواجية الثائر الذي يرهن حياته لشيطان يأتي بصورة قدر أو صدفة أو فرض.

ومنعا لأي التباس أجد أن الشعر العربي كان أوليا، بمعنى أنه جزء من التكوين ولا يمكن اختزاله لشيء قبله. في حين أن الرواية فن قبلي priori. وتستطيع أن تفككه لمكوناته، ومن ضمنها الأفكار. ولا أعتقد أن اهتمامات المقامة وألف ليلة هي نفسها اهتمامات "زينب" أو "المملوك الشارد"، فقد تغلب الخيال العلمي والنكتة السوداء (في الأصول)، بينما كانت الرواية الحديثة تراوح بين نوعين من أنواع الألم: جراح الذاكرة والواقع. ولا يوجد برأيي فن مغدور به مثل الرواية، فالشعر تفرع إلى تحت أنواع، بينما تفرع السرد إلى أنواع مستقلة ومنها القصة والمسرح. وكان من المفروض للرواية أن تعبر عن روح المدن الناشئة ولكنها سرعان ما تدهورت للتعبير عن المحن والمآسي حصرا. وأصبحت الفن التراجيدي الأول عوضا عن المسرح. وفرضت عليها التحولات الاجتماعية أن تمنح نفسها لجدل الفلاح وأرضه. وأعتقد أن هذه الخدعة عملت على تفريغ الإنسان -بطل الرواية من مضمونه. فقد صورته بصورة إنسان رمز - ومعادل موضوعي لشقاء الأرض وعناصرها - تراب وحجارة، وكأنها أرادت أن تغطي على خسارة الفلسطيني ثم العسكري لأرضه في فلسطين ودول المحيط. ولذلك جاءت كل الروايات العسكرية حافلة بالمرارة الممزوجة بعناد أسطوري قد لا يكون حقيقيا. ومن هنا جاءت علاقة الشك وانعدام الثقة بين جميع الأطراف -الفلاح والجندي والأرض. ولم تكن حالة نادرة أن تتحول هذه العناصر إلى أطراف أوديبية:الأب الفلاح والابن المقاتل والأم الأرض. وهي صيغة رمزية ليست أصيلة في الذاكرة. فالعربي كان يؤمن بفلسفة الحركة، ويدور مع الأرض مثل دوران الشمس في السماء (وهي صور شعرية كلاسيكية). ثم ورثنا عن الرومان خيالهم الأوديبي الذي أخذوه عنوة عن الإغريق. وهذا التسلسل بحد ذاته حلقات في سلسلة التحول التاريخي للحضارات: من القلق الذهني إلى اضطراب الغريزة وأخيرا إلى تشريعها. وهو نفس الخط الروحي الذي بدأ من دراما قتال الأرباب وتحول إلى عذاب الجسد لخلاص الروح وانتهى بالاستيلاء على الروح والجسد معا في ما يسمى بأطروحة دولة -الأمة.

وعلى الأغلب كسب نجيب محفوظ مكانته السامية لهذا السبب فقط. فهو بعكس بقية أبناء جيله دخل في معترك تطوير فن الرواية، ولم يتوقف عند إنتاجها فحسب. وانتقل بين المراحل التي تختصر تطور الفن كله. فقد بدأ من الذاكرة (في رواياته التاريخية) ثم تحول إلى عالم الشهود (أو مجالدة الواقع الاجتماعي والبيئي ليكون شاهدا عليه). وانتهى بمرحلة ذهنية تعيد برمجة العلاقة بين الشخص وعالمه (ولا أريد أن أقول مركزة الذات من موضوعها - منعا لأي إبهام أو غموض في المعنى). وسن في هذه المرحلة تقاليد أدب طليعي ولامعقول وعدمي يتابع الجانب البارد والمتكرر من حياتنا الواقعية، وهي حياة متصلة بالقوة بعالم مجزأ يغطي كل حالات القيد البشري: الرغبة والشيخوخة والسبات. وقد تابع هذه الظواهر بكثير من التأني في رواياته الذهنية (منها "أولاد حارتنا" و"الطريق"). وبكثير من الاختزال والترميز أو الجدل (في "أحلام فترة النقاهة" و"قلب الليل" و"التنظيم السري") وغيرها. وهذا ما ضمن له خصوصيات ميزته عن رموز مضيئة ومتفوقة من الأجيال التالية أمثال يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس. فقد اكتفى كلاهما برواية حبكة ثقيلة -تخاطب العواطف والوجدان، وغالبا ما تكون مغلفة بالوطنيات وحكايات الغرام. وإذا كان نجيب محفوظ يحتاج لقارئ صبور ومفكر، لم يكن السباعي وعبد القدوس بحاجة لهذا الشرط، فقد اختار كل منهما لرواياته ثلاثة أركان هي:اللغة المبسطة (لغة صحافية قريبة من لغة الصحافة والكلام المحكي). والوجدان الحالم (وكل ما يلمس شؤون قلب وذهن الطبقة المتوسطة الصاعدة كصغار الضباط وطلبة الجامعة والموظف البسيط والعادي). والحبكة المسلية التي يتخللها ما يساعد على الاندماج بالتأزيم والتطهير (دراما العقبات وحلها). ولذلك ابتعدا كما يقول الدكتور نوفل عن الأدب الهادف. وبهذا الخصوص يمكننا تشببه محفوظ بآدم العصابي nerve based learning والسباعي وعبد القدوس بآدم النمطي gene based system. والفرق بينهما هو في الاتجاه. الأول يتابع رحلة البحث عن المعرفة بعد ضبط إيقاع ساعته البيولوجية، وهذه منحة امتلكها عبر تطوير قدراته في الانتخاب والتطويع. والطرف الثاني يلبي نداء غريزته، ولكنه يغلفها بحزمة من المبررات على طريقة وجدان النخبة الرومنسية (كما ذكر عالم البيولوجيا الأسترالي جيريمي غريفث jeremy griffith **

لقد كان الظرف هو الذي يحكم وليس الظاهرة -الفينومينو. وبتعبير غريفث نفسه الإجابة على سؤال المعرفة تحدده العلاقة بين نشوء الوعي وظهور الذهان التراكمي للنوع. وهو تعبير مؤكد عن ذات الغريزة الأصلية وإدارة العقل الواعي لنفسه أوتوماتيكيا.

وبشكل عام لبى السباعي وعبد القدوس مطالب شريحة الشباب في مصر. من ناحية توسيع رقعة الأحلام وشحنها بالحب الممكن، ولكن ليس الميسر. والتركيز على صورة الحبيبة الحزينة والتفكير الرومنتيكي (والتعبير للدكتور نوفل). وهذه هي العقدة التي كانت تحرك الأحداث نحو أزمتها، ثم باتجاه البحث عن حل مشرف (مخرج للنجاة من السقوط). ولم يغامر أحدهما بملامسة التابو الديني أو السياسي شأن محفوظ في عمله الإشكالي (أولاد حارتنا)، وهو بناء بارد لللاهوت غير الميتافيزيقي أو لاهوت الخليقة الضائعة ببن السماء والأرض. ثم في عمله الغروتسكي (الكرنك) وهو أنشودة غروتسكية عن أخطاء الثورة. ولا أستطبع أن أدين محفوظ بالنفاق أو الخيانة لمجرد انقلابه على التجربة الناصرية. فالتجاوزات وعزل النخبة العسكرية عن قواعدها الضامنة كانت موضوعا للعديد من التجارب التالية - سواء بالاختباء وراء حبكة تاريخية (ثلاثية "غرناطة" لرضوى عاشور) أو باستعمال صوت الضمير الثالث ولغة الغائب -الميت أو المهاجر (وهو شأن شريف حتاتة وبقية أبناء جيله). وأضيف عملا حديثا للعراقي نجم والي وهو (سعاد والعسكر). ويستفيد فيه من مأساة النجمة السينمائية سعاد حسني، وتراجيديا صعودها ثم سقوطها، وما رافق ذلك من اختراق للمحرمات وعلى رأسها الحرية الشخصية وجدران السلطة وخفايا المخابرات. وفي هذا العمل تندمج الحقائق مع تفسيرها بطريقة تذكرنا بجو رواية الرعب والقتل الامريكية التي انتشرت في نهايات القرن التاسع عشر، وبالأخص أعمال هوراس والبول.

ولكن لا أفهم لماذا ربط الدكتور يوسف الثنائي عبد القدوس والسباعي بالأحياء الشعبية دونا عن نحيب محفوظ. فجمهور القراء يحكم بفوز محفوظ بقلب الطبقة الشعبية وبكسب الثنائي لقلب شريحة الشباب وبشكل خاص الإناث. فقد قدما وجبة عزاء مسكنة لمجمل النساء المصريات الصغيرات، ولكل من لديها أوهام بحب فردوسي يخلو من المنافع المادية ويخلص لدافع الحب الطاهر فقط. بينما كانت نساء محفوظ من نوعين لا ثالث لهما: أمهات أو عاهرات. وهذا واضح منذ "القاهرة الجديدة" وحتى "الطريق". فقد كانت دراما الصعود ثم المصير الأسود معبدة بواسطة الرذيلة والعاهرات. ولذلك أيضا لا أفهم لماذا عقد الدكتور نوفل دور البطولة لنساء محفوظ. لقد وضع محفوظ المرأة وراء جدار زجاجي، ولم يسمح لها بالخروج على طقوس تراجيدية نوعية تخص المرأة بلحظة الهزيمة والابتزاز حصرا. في حين منحها السباعي وعبد القدوس شرف التبرئة - وقاما ببناء واجتياح مجتمعات مخملية كان قلب المرأة فيه مثل جسدها، مجرد وجهان لعملة واحدة، وهما السعادة والعذاب. ولا يمكن أن تكون هذه الرؤية إلا نتيجة نشاط حلمي أو أمنيات عن يوتوبيا هذا ليس وقتها. وفيما أرى لم تكن المرأة مؤهلة إلا للابتزاز أو لفلسفة المظالم والخديعة. ولا يمكن أن تقبل بهذه التصورات كاتبة مكافحة مثل نوال السعداوي. فنساؤها في "أوراق حياتي" فدائيات وانتحاريات وتعبرن عن منطق امرأة قضيبية لا تعاني من أي رهاب بالخصاء. ومثلها حسيبة بطلة ثلاثية "التحولات" لخيري الذهبي. ونفس الشيء ينطبق على "وردة" بطلة رواية صنع إبراهيم التي تمثل المصير المشؤوم لحركة تحرير ظفار.

و بغض النظر عن الخلفيات السياسية لهذه الأعمال، وما تشكله من خطورة على جو الركود العربي أو حتى جو نشوء الدول العربية وفلسفتها في إلغاء نفسها والدخول بطفرة ذهنية (اعتاد الإعلام المعاصر على تسميتها بالمعجزة) فإنها تحرر المرأة من جانبها النسائي، وهو منحة من الرجل الشرقي.

ولا أستطيع أن أؤكد أن أحدا من جيل محفوظ أو من جاء بعده قد أنصف المراة. وضمنا سناء أبو شرار التي توقف الدكتور نوفل مع روايتها "أن تكوني امرأة" الصادرة عام 2009. وكذلك قاسم أمين مقاول ومتعهد فكرة تحرير المرأة. فقد تعاملوا جميعا مع الموضوع انطلاقا من أفكار بيولوجية مسبقة، لا ترى إمكانية لشيء فوق الصدفة contingency. وهي فكرة باردة وتخطاها التاريخ. ولا يسعني اعتبارها إحدى تجليات عصر غزو الفضاء. فالجندر حل محل البنية، ولم تعد الأمومة تفترض حصرا منطق أحزان الأسرة السعيدة عند محفوظ أو مفهوم قشعريرة الجسد عند عبدالقدوس والسباعي. وأصبح من الوارد أن تكون الأم هي ظل الأب الغائب أيضا (في روايات الأبوة المنفردة single parent). ناهيك عن الإنجاب بتخصيب خارجي أو من إكثار الخلايا بلا تلقيح (موضوعات مفضلة عند البريطانية جانيت ونترسون).

ويبدو أن العقل العربي يكيل بمكيالين. فقد تحفظ بطرح مضمون الخبيئة، إنما تعامل بحرية مطلقة مع الأسلوب. وتابع الدكتور نوفل ثورة الأساليب والعي -أو حبسة المضامين (والتعبير لياكوبسون) من خلال نماذج شبابية طبقت سياسة الأرض المحروقة أمثال مرعي مدكور ويوسف القعيد (في نماذج مبكرة من رحلته) وحسام المقدم ونبيل عبد الحميد وقصي الشيخ عسكر، وأصبح من الممكن -وأحيانا من المحتم تغريب النص، بحيث يتحول الكاتب إلى ملقن والشخصيات إلى ممثلين وكأننا أمام خشبة مسرح ملحمي يلفت انتباهنا أن النص هو رواية، وأن الواقع موجود خارج النص وليس بداخله، وأن القارئ لاعب أساسي في الحبكة (وتذكرني هذه الفكرة بنص للروسي تورغنيف وهو "خبز الآخرين"). ويتفق الدكتور نوفل مع الناقد أيمن تعيلب على تصنيف كل هذه الاختراقات والفوضى التي يقتضيها التجديد تحت اسم واحد وهو "العابرون"، ولكنه لا يرى أفضل من تفكيك أي رواية إلى ثنائيات (أحيانا تبلغ عشر وحدات) لتفسير الظواهر الأساسية التي تحكمها (وهذا هو منهجه في قراءة "919 هحرية" لإبراهيم صالح وقراءة "عندما غرد البلبل" لمحمد قطب).

***

د. صالح الرزوق

............................

* من نافذة السرد اصوات وأطياف الدكتور يوسف نوفل. دار النابغة. 271 ص. مصر. 2022.

**Adam & eve without the guilt. Jeremy griffith.Books. Irish times. Monday. 30 May 2016.

وأشكر الأستاذ صالح البياتي الذي تفضل بلفت نظري لهذا الكتاب الصادر عام 2016.

 

حاتم جعفرصراع العقل، بهذا العنوان لكتابه يكون جميل اﻷنصاري قد لفت إنتباه القارئ ومن أول وهلة، الى أن هناك أمرا مضمرا ستنجلي صورته مع مضي المتلقي في الغوص فيما ذهب اليه الكاتب. ومن العنوان أيضاً ربما سنخرج بخلاصة مفادها، بأن هناك صراعا، ستتضح صورته بشكل جلي، طرفاه، ضفتين متباعدتين، متعارضتين، ومن الصعوبة بمكان أن يلتقيا أو يشغلا في لحظة بعينها أرضا محايدة، فلكل منهما أفكاره وخلفياته ومبررات وجوده، كذلك قناعاته وما يؤمن به. وقد يبلغا حداً من التمترس والثبات على المواقف، بما لا يدع مجالا لثني أحدهما، ففي ذلك ما يعدانه تراجعا عمّا جُبلا عليه إن لم يعدّانه تنازلا. وللتذكير فإننا نتحدث هنا عن طبيعة الصراع الفكري الدائر في دولنا وما حمله من تعصب، والذي بلغ أشدّهُ في بعض المراحل، وأغلقت المنافذ الموصلة بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية.

ومما يعزز الرأي اﻵنف، ما ذهب اليه مصمم الغلاف الخارجي، حيث تظهر خلايا دماغ الإنسان، وقد إنقسمت الى نصفين متساويين في الحجم. اﻷول تتنازعه أديان وأديولوجيات ونظم سياسية، متنوعة ومتعارضة فيما بينها. وإذا ما شيء لها وتحت ظروف معينة أن تلتقي إضطرارا في بعض من المحطات، فهو أمر نادر الحدوث إن لم يكن مستحيلا. والنصف اﻵخر منه (الدماغ) يبدوصافيا، نقيا من كل شائبة، ربما أراد الكاتب إظهاره على هذا النحو ليوصل رسالة تقول: أن لا مناص من أن يُعْملُ المرء عقله، بروية وإسترخاء، ومن دون إنحيازات مسبقة أو ضغوط من هذا الطرف أو ذاك. أو أنه يعكس وينم عن طريقة تفكير الكاتب نفسه وما يحمله من تناقضات كان مصدرها البيئة المحيطة به وما لها من تأثير وقوة حضور وإقناع، تنازعتها بعض الإديولوجيات التي سبق لها أن مرَّت بذاكرة الكاتب وأشغلته ردحا من الزمن. وكي لا نصادر ما ينتوياه، فالقول الفصل في هذا، يتقاسماه الكاتب ومصمم الغلاف معاً.

على الصفحة اﻷولى وفي مستهل الكتاب ستأتيك البسملة، وهذا ﻷمر متعارف عليه في بلادنا، وقد ينوي الكاتب بهكذا فاتحة، الإستبشار والتبرك بصاحب المُلك، على وفق قناعاته وإنطلاقا منها. لكنها في ذات الوقت ستفتح لنا نحن القراء بابا، يدعونا للعودة الى بدايات تشكل رؤى الكاتب وكيفية قراءة ما يحيط به وصولا الى ما أرتآه خياراً، وليس مهما هنا أن نتفق أو نختلف معه.

وإذا شئنا الحكم على طبيعة الكتاب وعلى أي خانة يُحسب، فيمكننا القول بأنه ينتمي الى ما مكن وصفه بأدب السيرة. فمنذ السطور اﻷولى، يأخذ بيدنا الكاتب ليدلنا على ما مرَّت به عائلته وأباه بشكل خاص من صعوبات، إذ (بدأت معاناة الوالد منذ طفولته حيث أضطهٍدَ من زوج جدتي)ص9. غيرأنه والحديث هنا عن الوالد فقد كان عصاميا، فتجده وقد إختط له بعض المهن ومنها الحلاقة والتي إستقر عليها وتحولت فيما بعد الى لقب ستفخر به العائلة وتتشرف بهكذا نسب. في ذات الوقت لم تغب عن عين الوالد ما كان مصمما عليه وفي رغبته والتي كان كثيرا ما يرددها: أريد أن أنشئ مملكة من المثقفين. وفعلا تحقق له حلمه.

لطالما دخل الكاتب في الحديث عن عائلته، فهو لم يغفل التوقف وبصفحات من نور على سيرة والدته أيضا، حيث لاقت هي اﻷخرى من المصاعب ما تشيب له الولدان، أسوة بغالبية اﻷمهات العراقيات اللائي لاقين من اﻷسى وقساوة الظروف ما يصعب التوقف عنده والتذكير به لما يحمله من عسف وأوجاع. فرغم طيبتها وصبرها وجلدها على النائبات التي مرَّت بها العائلة فقد (كان والدي يعاملها بقسوة في بعض اﻷحيان) ص11. 

وإستكمالا لما لاقته هذه السيدة الفاضلة من متاعب، فقد كان لإنتماء ولدها الى إحدى التنظيمات اليسارية، ما شكَّل له صدى سلبيا لدى دوائر أمن الدولة، فراحت عناصرها في البحث عنه، بغية إلقاء القبض عليه وتحت طائلة تُهَمٍ ، تتعلق بميوله السياسية، والتي كانت آنذاك تُعَدٌ من الكبائر وتشكل تحديا   لسطوتها وتسلطها. وعن هذا اﻷمر فقد جرى إعتقال الوالدة وإقتيادها الى دائرة أمن مدينته، كربلاء، وكان سؤالهم الوحيد عن ولدها الذي بات يقلقهم.

وفي ذات السياق وعلى نحو أكثر وجعا فقد تمَّ تغييب أخويه إبراهيم ومهدي، ولم يعد لهم من أثرٍ يُذكر، وهذا ما جرى التأكد منه فيما بعد وجرى تسريب الخبر من قبل إحدى الشخصيات النافذة في العراق والتي لها صلة وثيقة بأصحاب القرار. وخلاصة اﻷمر فقد تم تصفية شقيقيه، ولم يعد لهما من أثر يُذكر في سجلات اﻷمن والدوائر المختصة. خبر كهذا كان له أثرا موجعا لدى أفراد  العائلة وكانت ضحيته اﻷولى والدة الكاتب، إذ وافاها اﻷجل كمدا وحزنا.

لم يفت الكاتب وفي صفحات لاحقة من الإشارة الى أن هناك ومن داخل أجهزة الحكم، سواء على المستوى الرسمي أو اﻷمني بشكل خاص، َمَنْ كان متعاطفا مع المعارضين، وقد تقف خلف ذلك دوافع إنسانية، أو أنَّ هناك ما يشبه الرفض لسياسات الحزب الحاكم ولكن بشكل غير مباشر، تجلَّت صوره في حالات التضامن مع المعارضين ولكن بحذر شديد، مخافة تداعيات اﻷمر وإنسحابه عليهم سلبا. وعن هذا اﻷمر فقد كان للكاتب أكثر من وقفة وتعبير، كان قد جاء على ذكرها في ثنايا الكتاب.

وعن الشأن اﻵنف، سيتوقف الكاتب وعلى الصفحة 29 مثلا، ليورد نصا، جاء على الشكل التالي: هناك كثيرا من المنتسبين الى حزب البعث عندهم الطيبة والإخلاص للوطن ولم يتفقوا مع كثير من توجهات السلطة. ثم يستمر الكاتب وفي ذات السياق ليأتي على مثال آخر أو حالة أخرى، إذ يشير وعلى الصفحة 51: كنت أنا مضطهدا سياسيا، لكن علاقاتي جيدة مع الكثير من اﻷصدقاء البعثيين الذين كانت السلطة بيدهم هي حماية لي من الإعتقال في كثير من اﻷحيان. لم يكتفِ الكاتب بهذا القدر من الإستشهادات بل سيتوقف عندما روته له شقيقته، حين زارهم أحدهم وهو حامل معه رسالة من شقيقها مهدي، الذيكان  يقضي حكما في نگرة السلمان قبل تصفيته، ليبلغها بأنَّ شقيقها بخير. وعندما سألته مَنْ تكون؟ إكتفى بالرد: أنا حارس هناك ولا تسأليني أكثر خوفا من إعدامي.  

 في كتابه أيضا ستتضح بعض معالم التراجع والتردد وجنوحه الى إعادة النظر في مواقفه من اﻷحداث وقراءتها بالتالي على نحو مختلف، وإنعكاس كل ذلك على تصورات الكاتب وما سيخرج به من إستنتاجاءات، ستتقاطع مع ما كان يفكر به وما يتمناه. فمثلا سيعلن الكاتب وعلى الصفحة 14 عن ندمه وتراجعه وبتعابير صريحة عما كان يحمله سابقا من مفاهيم وآراء، بعد أن جرى ذلك الحدث التأريخي، والذي أدى الى تغيير جوهري في طبيعة نظام الحكم، إثر قيام ما سمّي بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وما تبع ذلك من إسقاط للنظام الملك. معزيا تراجعه أو موقفه هذا وعلى حد تعبيره(كنت لا أفقه كثيرا بالسياسة حيث كنا صغارا فرحين بذلك ونردد ما يقولون، ولكن عندما كبرنا عرفنا بأن ذلك كان وبالا على العراق وشعبه).

وإرتباطا بما ذُكِرَ فستتولد عنده ما يمكن أن نطلق عليه بسياسة إعادة النظر في بعض المواقف والتي يدخل قسما منها ونظرا ﻷهميتها القصوى في عداد القضايا المصيرية. فالكاتب وبعد خوضه صراعا مع الذات ومروره بعديد التجارب، إختار له وفي مطلع حياته السياسية اليسار جبهة للإنتماء، غير أنه ورغم قطعه شوطا لا بأس به وقضى من عمره عقودا من السنين مع هذا التنظيم، بات الرجل يكتشف العديد من اﻷمور التي ستقضي على حلمه.

فبسبب تنقلاته المستمرة كغيره من الذين طاردتهم قوى السلطة الحاكمة وإضطراره التغرب مرغما عن وطنه، اثر الحملة القمعية التي شنها النظام الحاكم أواخر السبعينات، كان قد تعرَّفَ على الكثير من القضايا التي كانت خافية عليه وعلى غيره من المنتمين الى ذات الحزب. فعن ذلك يحدثنا الكاتب عن مدى صدمته مما يجري، وأنَّ لديه (شكوك حول أحد أعضاء تنظيمنا بالإمارات أن له علاقة مع المخابرات العراقية)ص67، وعن ذلك فقد قام بإبلاغ مسؤوله في التنظيم الاّ انه لم يلقَ أذنا صاغية.

وفي ذات الدولة التي عاش فيها الكاتب ردحا من الزمن ويقصد هنا الإمارات العربية، يَرِدُ على لسان الكاتب وعلى الصفحة 74، بأن (أحد القياديين في التنظيم يعمل لصالح المخابرات العراقية، وكان عضوا في اللجنة المركزية للتنظيم). على أثر ذلك وﻷنه لم يتلقَ الإستجابة الكافية، فقد وجد نفسه مضطرا على مغادرة محل إقامته بعد تقديمه الإستقالة من العمل، ليتوجه الى دمشق كخيار أفضل له ولعائلته.

في الشام تكررت ذات الشكوك وأخذ الإرتياب من الكاتب مأخذا، وسيتكرر أيضا ذات المشهد الذي كان قد واجهه يوم إقامته في دولة الإمارات، حيث سيلتقي ومن مساوئ اﻷقدار ذات (الشخص القيادي في التنظيم والذي يتعاون مع المخابرات العراقية في دمشق أيضاً، وكانت علاقته مع مسؤول التنظيم المركزي قوية جدا واحيانا يملي عليه ما يريد)ص79.

إجمالا وإذا شئنا إلقاء الضوء وإبداء الرأي على أمر كالذي جاء على لسان الكاتب، وأعني به هنا ما طال البعض من قيادي الحزب الذي يتحدث عنه وما حام حولهم من إتهامات وشكوك وشبهات، كانت قد حامت على بعض منهم، وجرى تداولها ومن قبل أوساط وجهات ليست بالقليلة ولا يستهان بها وبمصداقيتها. وربما جاء البعض منها بغير حساب، وﻷغراض وأهداف لا تمت للحقيقة بصلة. وﻷجل معالجتها على نحو منصف، كان ينبغي على التنظيم السياسي المعني أخذ زمام اﻷمر بيديه والتحقق من هذه الحالة أي التهم، ويجري توكيل اﻷمر وإحالته الى أيادٍ نزيهة وعادلة لتصدر حكمها النهائي ومن دون محاباة أو مجاملة لطرف على حساب آخر، بعد أن تدعم رأيها بالدلائل والقرائن المطلوبة، معززة بشهادات موثقة، بدل أن تلقى التهم على قارعة الطريق، ويشتغل عليها البعض، ويلتقطها مَنْ يشاء بغير حساب ويخفيها مَنْ يشاء ولإعتبارات لا تمت للنزاهة بصلة. فالقصة بالمجمل تتعلق بمصائر بشر، وبمبادئ كبيرة، عظيمة، حملتها على أكتافها أجيال وأجيال، وراح ضحيتها اﻵﻻف، إبتغاءاً لأحلامهم السامية والنبيلة.

وللأسباب التي جئنا على ذكرها والمتعلقة بالإندساسات والإختراقات التي طالت تلك الجهة السياسية ومن قبل أجهزة النظام الحاكم في العراق، فقد قرر الكاتب الإبتعاد وإنهاء الصلة بالتنظيم الذي كان قد إنتمى اليه منذ بواكير عمره اﻷولى. في ذات الوقت فقد بدأت تتبلور لديه فكرة جديدة مفادها: النقطة اﻷساسية التي أخذت أفكر بجدواها وهي أن الذي يكون وطنيا هو من يخدم بلده بإخلاص في العمل وفي مجال إختصاصه هو ليس من خلال التنظيم وإن الوطن يحتاج هؤلاء أحياء وليس شهداء،ص80.

في خاتمة المقال وبصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع وجهة نظر الكاتب فيما ذهب إليه، وإذا كان لنا من رأي عن هذا الموضوع، فالكاتب له ما له وعليه ما عليه. ومن نافل القول فإن حرية إبداء الرأي مكفولة لكل اﻷطراف، إن كان مواليا أو معارضا، وأيضا لكل من يبحث عن الحقيقة.

***

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

لا ريب أن الإشكاليات المعرفية التي يعاني منها المقدس ورهان الأخلاق تنعكس مباشرة على واقعنا المعاصر، إذ أضحت (كما يقول الباحث الجزائري المتميز عبد العزيز بلعقروز)، مسألة القيم في الواقع الكوني مجالا تداوليا للنّقاش ضمن التحولات الحداثية والمابعد حداثية؛ واشتركت في هذا النّقاش المعرفة بفروعها (الفلسفة، العلوم الإنسانية، الاجتماعية…) بخاصة من داخل المؤسسات التي أدركت منزلة وجود التوجيه القِيمي داخل هياكلها كيْما تستقيم وكيْما تكون مقاصدها مشروعة. وفضلا عن هذا، فإن التحوُّلات الكونية في مستوى الصّلات بين الثقافات والحضارات، قد دخلت إلى معجمها التقييمي روح المفاضلة بين الثقافات والحضارات، إما شعورا بتفوق نظام القيم الذي تتبناه، وإما إبصارا منها دونية في منظومة قيم مختلفة عنها، لكن هذه الرؤية لم تكن تؤدي إلى مسالك الأمان، إذ اندفع العنف وبصورة لا سابق لها، بسبب هذه التّصنيفات القِيمية التي تتحرّك من وحي عوائد نفسية وأيدولوجية وجَهالة معرفية. لقد استوجب من جهة أخرى؛ استدعاء سؤال القيم مُجدّدا، لكن ليس من أجل المفاضلة والتّصنيف التراتبي للقيم، وإنّما من أجل التنقيب عن المُشْترك بين الثقافات المتنوعة، من أجل أن يكون أفقا وجسرا للتواصل، ومُسوغا قويا من مُسوغات القول بوحدة الطّبيعة الإنسانية في نزوعها نحو قيم مخصوصة نجدها مبثوثة في ذاتها أو في فطرتها، وإما لانتماء البشرية إلى روح دينية أصلية ألهمتها هذه القيم وتمظهرت بعدها في الأديان وتجلّياتها.

ومن ثم ظل سؤال “المقدس ورهان الأخلاق” هو أهم الأسئلة المحورية لعودة منظومة القيم، وبعثها من سباتها العميق على مدى  عصورها المتطاولة، وهذا الحضور المُكثَّف والجلي، لسؤال القيم، انجلى أيضا في الفكر العربي المعاصر، وذلك من خلال ما يُصنّف من كتب تسعى لأن تفكر في القيم انطلاقا من زاويتها ومنظورها، ومنظورها معناه: حقيقة النظام الأخلاقي الذي يدبّر ذاتها، من حيث الأصول والمبادئ التي ينبني عليها.

وهنا يجيئ كتاب المقدّس ورهان الأخـلاق، للفيلسوف والمفكر المبدع ماجد الغرباوي، والذي صدر حديثاً عن مؤسسة المثقف في سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق سوريا، وهو الكتاب الثامن من سلسلة “متاهات الحقيقة”. والكتاب يقع في 385 صفحة من الحجم الكبير، وقد زينت لوحة الفنان التشكيلي الكبير ا. د. مصدق الحبيب غلاف الكتاب الجميل.

يتناول فيه كاتبه مجموعة قضايا من بينها العلاقة بين الكلام الإلهي والتعاليم الدينية والسلوك، ودور المقدس في شرعنة الممارسات التي قد تتعارض مع الأخلاق، وما هي رهانات المقدس وهو يشرعن بعض الممارسات رغم تعارضها مع القيم الأخلاقية، وهل ثمة ما يدو لاعادة النظر بمجموعة مفاهيم كالقداسة وغيرها؟. ومن جملة الموضوعات التي تناولها الكتاب أيضا: التشكيل الأخلاقي للوعي، القرآن والأخلاق، الفقه والأخلاق، أخلاق العنف، التحريض على القتال، إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق، من خلال السلوك النموذجي للأنبياء، وكيفية فهم التعارض بينها وبين القيم الأخلاقية. كما تناول الكتاب: شروط الفعل الأخلاقي، الإلزام والأخلاق، الفعل الأخلاقي، الوعي الأخلاقي، مستويات الفعل الأخلاقي، الضمير، التجربة الدينية والأخلاق، جوهر الدين والأخلاق، مأسسة الأديان والأخلاق، النص والأخلاق، المقدس والأخلاق. كما ركز الكتاب على التعارض بين الأوامر الإلهية والأخلاق، وتعارضها مع الأحكام الشرعية، وما هي العلاقة بين الدين والأخلاق. والفرق بين القيم الأخلاقية الأصيلة والنسبية / المكتسبة. ثم حدد مبادئ التشريع: العدل وعدم الظلم. السعة ولارحمة. المساواة. وغيرها من موضوعات في دائرة اشتغال الكتاب لتسوية إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق.

ثم ينتقل، في محور لاحق، للكشف عن بديهيات العقل، ويناقش ضرورة الاحتكام لمصادر عقلانية من أجل استنباط معايير حاكمة للأخلاق. وفي هذا المضمار يقارب مشكلة الحسن والقبح، وهل هما عقليان أم شرعيان؟. ولمن ترجح الكفة للتدبير والتفكير أم  للنص؟.

ويؤكد الغرباوي في كل فصول كتابه على الفجوة التاريخية التي يحملها العقل التراثي بنيويا، فهو يرهن الحقيقة لمؤدى الخبر، ويصدّق ما يوافق عقائده بعيدا عن الدليل العقلي والفلسفي. مع أن الواجب يقتضي الركون للدليل وقدرته على تحدي الإشكالات، ودراسة جميع الأدلة والبراهين والقرائن المتاحة والإجابة على جميع الأسئلة والاستفهامات وتحليل الواقع بجميع عناصره.  وهذا يعني أن لا نكتفي  بالخبر دليلا على صحة الأفكار والمواقف، كي لا نكرس السكون والتبعية. ويخلص بالنتيجة إلى ضرورة أن تقوم النخبة بترقية الوعي إلى مستوى قبول الآخر، والتعددية، واتباع الدليل والبرهان في اعتماد الحقائق.

كما تناول الكتاب مجموعة قضايا قاربها الكاتب ضمن الحوار المفتوح. وكان محفز البحث فيه: سؤال عن قدرة القرآن على تهذيب سلوك المسلمين. سؤال يخفي أكثر مما يظهر، ويدين أكثر مما يُبجل. يثير أسئلة ويرسم علامات استفهام كبيرة، حول دور المقدس في شرعنة جملة ممارسات تتعارض مع القيم الأخلاقية. ما هي رهاناته؟ وهل يمكن إعادة تشكيل الوعي أخلاقيا؟ وماذا عن التعارض؟ وهكذا يستمر طرح الأسئلة، ويواصل السجال طريقه، للكشف عن بديهيات العقل وفق رؤية أخلاقية تؤمن أن العقل مصدر الأخلاق، وأن الحُسن والقُبح عقليان لا شرعيان. روية تضع العقل فوق النص. فثمة إشكالية معقدة بين الدين والأخلاق تطرق الكتاب للقسم منها.

ومن هنا جاءت الأجوبة في هذه الموسوعة الحوارية (متاهات الحقيقة)، تقارع حصون الكهنوت وتحطّم أسيجة تراثية تستغرق الذاكرة، وتطرح أسئلة واستفهامات استفزازية جريئة.. بحثا عن أسباب التخلف، وشروط النهوض، ودور الدين والإنسان في الحياة. فتوغّلت عميقا في بنية الوعي ومقولات العقل الجمعي، واستدعت المهمّش والمستبعد من النصوص والروايات، وكثّفت النقد والمساءلة، وتفكيك المألوف، ورصد المتداول، واستنطقت دلالات الخطاب الديني، بعد تجاوز مسَلَّماته ويقينياته، وسعت إلى تقديم رؤية مغايرة لدور الإنسان في الحياة، في ضوء فهم مختلف للدين، وهدف الخلق. فهناك تواطؤ على هدر الحقيقة لصالح أهداف أيديولوجيات – طائفية. ومذهبية – سياسية.

وقد سبق أن صدر لماجد الغرباوي عدة مؤلفات تناول بها تجديد الفكر الديني بشكل عام والإسلامي على وجه الخصوص. ومن أهم أعماله: إشكاليات التجديد، التسامح ومنابع اللاتسامح، قراءة نقدية في تجليات الوعي، الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، الشيخ محمد حسين النائيني منظّر الحركة الدستورية، الضد النوعي للاستبداد.. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الدين، تحديات العنف، الأصول الرجالية الأربعة. وقام بتحقيق كتاب “الوجيزة في الدراية”  لمحمد بهاء الدين العاملي والذي صدر عن منشورات المكتبة الإسلامية. كما صدرت عنه مجموعة كتب، وترجمت كتبه إلى لغات أخرى.

والأستاذ ماجد الغرباوي يُعدّ أحد القامات الفكرية العراقية- العربية التي آلت على نفسها الجمع بين النظرة العقلية الغربية والتراث الإسلامي في معالجة القضايا الفكرية، وهي تلك النظرة التي كشفت له عن العديد من الأفكار المهجورة في الفكر الإسلامي، وفي علاقة الإسلام بالآخر والقضايا الفكرية الآنية، ويحسب له أنه موسوعي الثقافة مستنير الفكر، فهو الذي كتب عن نقد الفكر الديني، والتسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، والمرأة، والاصلاح والتجديد، وهو متخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية.

علاوة علي أنه متعدد المواهب فهو كاتب، وشاعر، وباحث دؤوب؛ حيث يسعي من خلال مشروعه في تجديد العقل الديني إلى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، وذلك من خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

ولهذا نراه في مشروعه النهضوي الذي لا يقل عن مشروع كل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وغيرهما يسعى الى: تحرير العقل من بنيته الأسطورية وإعادة فهم الدين على أساس مركزية الإنسان في الحياة. وترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ومن خلال قراءة متجددة للنص تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن كتاباته تتميز بالوسطية والعقلانية، وتكشف عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية؛ ولقد شهد له كل من كتب عنه من الباحثين بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

تحية خالصة لماجد الغرباوي لابن أرض الرافدين، وحفيد هارون الرشيد، الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى ماجد الغرباوي، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

***

أ.د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.................

المراجع :

1-ماجد الغرباوي :  المقدس ورخان الأخلاق، ضمن متاهات الحقيقة 8، دار أمل الجديدة، دكشق.

2-عبد الرازق بلعقروز : سؤال القيم في الفكر العربي المعاصر : قلق تاريخي أم رهان واقعي ؟، اسلام أون لاين .

3- محمد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسية، ترجمة هاشم صالح، دار النهضة العربية، مركز الإنماء القومي، 2007.

4- أ. د. محمود محمد على - قراءة في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي “تحرير الوعي الديني”، صحيفة المثقف.

علي حسينعلى رقعة صغيرة من الارض في منطقة تحيطها الجبال في شرق الصين ذي الطبيعة الهادئة، وفي ولاية صغيرة اسمها "لو" سيولد طفل تحاط حياته بالاساطير طوال قرون حتى صار من الصعب أن نميز بين الواقع والخيال. فمن ناحية نجد المؤمنين به يضعون تاريخا له يرجع الى اباطرة الصين..من ناحية اخرى حاول الذين كانت تعاليمه تهدد مصالحهم على تحريف سيرة حياته.

رجل يشبه عادة ما نسمعه في القصص الخيالية. بطل يسير منتصب القامة يواجه تحديات الشر الكبيرة. يصف لنا حياته بأنها سلسلة من التجارب: " كنت وانا ابن خمس عشرة سنة اتوق إلى العلم، فلما بلغت الثلاثين ادركت الحلم، فوعيت الاصول وقواعد السلوك، ثم ادركت الاربعين، فخبرت من امور الدنيا ما ثبت به قدمي، وفي الخمسين بصرت الحياة وفهمت معنى الوجود والقدر، ثم كنت وأنا في الستين، أعاين مقاصد الرجل وخبايا نفسه من كلمة يقولها، فما بلغت السبعين حتى اطلق لنفسي العنان، تجوب أنّى شاءت، وتأتي ما بدالها، فما تجاوزت قدراً، ولا بلغت حد غلوائها " – محاورات كونفوشيوس ترجمة محسن فرجاني -.

قبل الميلاد بحوالي 500 عاما قرر رجل ان يتفلسف على طريقته الخاصة، ان يتعلم من خلال الحكمة كيف يصير بشرا، كيف يظفر بانسانيته، ويؤدي ادواره ويتحمل مسؤوليته. وكانت الخطوة الاولى ان يترك وظيفته مشرفا على احدى الحدائق، ويبدأ رحلة بين الولايات لمعرفة احوال الناس، بعدها قرر ان ينشئ مدرسة لتعليم الشباب فن الحكمة واعلن ان المعرفة تعني " ان تعرف جميع الناس " كان كونفوشيوس ذكيا لامعا الى حد آسر. وكان صاحب ذهن حاد قادر على اشاعة الطمئنينة في نفوس مستمعيه. وكانت كلماته الماثورة تنساب من فمه انسيابا يسيرا. يقول بطريقته العفوية: " على المرء ان يقول: انا لا اكترث لعدم وجود مكان لي، لكنني مهتم بكيفية ان اجعل نفسي ملائما لمكان ما. انا لا اكترث بكوني لا اعرف لكي استحق ان اكون عارفا ".

فها هو رجل يدافع عن تمكين الفرد، وعن فهم جذري للمسؤولية الشخصية. انه رجل مؤمن بأن قدرات الفرد اهم من اي شيء آخر، وبأن كل انسان يستحق ان يكون قادرا على بلوغ اقصى امكانياته، وبأن من واجبه أن يمارس ذلك الحق ويدافع عنه: " على المرء ان يكون مثابرا، مخلصا للمبادئ حتى آخر رمق، والذكي من يشمر ذراعه، ويطلق العنان لمواهبه ".

هل كان كونفوشيس فيلسوفا ؟ يقول لاحد تلامذته: " لم اولد فيلسوفا حكيما، وإنما كان تعلقي باخبار الاقدمين هو الذي دفعني عبر سنين من دأب البحث والفكر والمطالعة إلى تحصيل المعارف والشغف بها " – المحاورات ترجمة محسن فرجاني –

يمكن القول ان كونفوشيوس يعد من اعظم الفلاسفة اثراً في التاريخ، حيث تأثر بافكاره مئات الملايين من البشر. وكان اول من ادار مدرسة لتعليم الفلسفة قبل ان ينشئ افلاطون اكاديميته. وكانت دروسه عن الفضيله والنظام والسياسة والمجتمع محاولة لخلق " مجتمع منسجم "، كما ان دعوته لاشاعة الخير لا تزال واحدة من اهم الدروس الفلسفية التي اشاعت مبدا التبادلية والاحترام والتفكير المستمر بما يضمن الخير للجميع. يقول كونفوشيوس: " هناك نوع من الناس يدعي العلم مكابرة وتكلفا، فاولئك هم شر الجهلة، ولقد كان مسلكي دائما هو مناقشة الامور من كل جانب، مع الاستبصار بوجهات النظر المتباينة ثم اختيار اصوب الجوانب واختبارها بمعيار التطبيق العملي واستخلاص الصحيح الثابت فيها مع استبقائه في الوعي الحاضر، ولئن كان مثل هذا المنهج لا يرقى إلى مستوى المعرفة الباطنية المولود بها الانسان، إلا انه يظل منهاجا لمعرفة موثوق بها الى حد بعيد ".

يعترف كونفوشيوس بانه عندما كان في السابعة عشر من عمره، كان " لا شأن له ولا مكانة، يعيش في ظل ظروف ذليلة ".لكنه حاول ان يعمل في مهن عديدة، في الوقت نفسه وجد في القراءة ملاذا يحميه من قسوة الحياة: " كنت اكد واثابر في عملي، حتى انسى غذاء بطني، وامرح واضحك، فلا اعرف للحياة هموما، واعيش ايامي بطولها وعرضها، غير عابئ بزمن شبيبة ماض، او بيوم شبيبة آت ".

غالبا ما ينظر الى كونفوشيوس على انه علم الناس طريقا جديدا للحياة، إلا ان كونفوشيوس لم يدع ان كتاباته تحمل اي ابتكار. فقد كان يعتبر نفسه " كجهاز ارسال " يؤشر للناس الطريق الى الفضيلة والقناعة. لقد كان يبشر عامة الناس بمبدأ يمكن ان يدرك دون الرجوع الى الحيل والخطب الفلسفية: " لو ان المرء في تكريسه نفسه، في جدية، لواجبات الناس، وفي احترامه للكائنات الروحية، حرص على الابتعاد عنها، لكانت هذه هي الحكمة ". اكد كونفوشيوس فضيلة التضامن الاسري. لقد راى في الاسرة " الوحدة الطبيعية لكل النظام والاستمرار " إذ فيها تصبح الفضيلة ثابة ويصبح الواجب حقيقة ".4096 محاورات كونفوشيس

 لو فتحنا اليوم اي كتاب من كتب فلسفة الاخلاق، لوجدنا انها تتحدث عن مفاهيم وقيم لا تختلف كثيرا عن الافكار التي طرحتها الفلسفة الصينية القديمة. نقرأ سبينوزا وهو يبشر بنوع من الاخلاق العالمية، ونطالع ايمانويل كانط وهو يطالبنا بان " نعمل حتى يصير المثل الاعلى لسلوكنا قانونا عالميا " فاننا نتذكر حتما ان كونفوشيوش قد علق قبل اكثر من 2500 عام تعليقا مماثلا لتعليق كانط إذ قال: " يتصرف الانسان الاسمى لكي يجعل سلوكه في كل الاجيال قانونا عالميا ". ولهذا لم يكن غريبا ان نجد كانط يتفرغ في السنوات الاخيرة من حياته في دراسة اعمال الفكر الصيني القديم.

تذكر كتب تاريخ الصين ان كونفوشيوس ولد عام 551 قبل الميلاد ببلدة تدعى " لو " بولاية شانتونغ. وتقول بعض المصادر ان اجداده ينتسبون الى البيت الملكي، وكان كونفوشيوس يسخر من الذين يتباهون باصولهم قائلا: الشريف بما كانت اخلاقه، والدنيء بما اغترف من المال وبهجة العيش ". كان والده " ليانغ هي " قد انجب سبعة بنات من زوجته الاولى، وظل حريصا على ان ينجب ولدا، لذلك تزوج من امراة اخرى انجبت له ولدا معاقا، فقرر ان يتزوج للمرة الثالثة وكان يقترب من السبعين من عمره وقد انجبت له زوجته الثالثة " يان تشنغزاي "، والتي كانت تبلغ من العمر ثمانية عشر عاما ابنا اطلق عليه اسم اسم " كونج فو تسي " وهو ما يقابل " كونفوشيوس "، والذي معناه " السيد الحكيم ". مات والده وهو في الثالثة من عمره، كان الاب يعمل في الجيش، فقامت والدته بتربيته، وفي واحدة من الحكايات الصينية نقرأ ان مجيئه الى العالم " قد اعلنته ارواح السماء التي طيبت شذى الهواء حول مهده " –اعلام الفلاسفة هنري توماس ترجمة متري امين –. ولعل اكثر الاوصاف صدقا هو انه كانت له جبهة ضخمة، كانت تنشئة الطفل صعبة للغاية في سنواته الأولى، حيث قال: "أنا أيضا شاب وضيع، لذا فأنا أكثر قدرة على الاحتقار".، تكفل عمه بتربيته لكنه ايضا توفي بعد سنوات قليلة، تكفلت الام بتربية ابنها حيث عاشت وابنها حياة صعبة للغاية سيذكرها فيما بعد قائلا: " عشت حياة مرهقة، لكنها لا تدعو الى الاحتقار ".

لم يدخل مدرسة وتكفل احد اقاربه بتعليمه القراءة والكتابة، لكنه كان حريصا على التعلم ولهذا نجده يوصي تلامذته: " كن سباقا في تحصيل العلم، ولا تدع الزمن يتجاوزك، واجعل من عقلك وعاء نشيطا لمكنون الذاكرة، فالعلم بغير ذاكرة واعية، جهل مطبق " – محاورات كونفوشيوس -. عمل في عدة مهن، توفيت والدته عندما كان يبلغ من العمر 17 عاما، فقرر ان يرحل عن بلدته حيث ادار شؤون مزرعة احد النبلاء. ويصف كونفوشيوس نفسه، بانه عندما كان شابا، كان بلا منزلة اجتماعية يعيش في ظل ظروف صعبة. فكان عليه ان يعمل في مهن مختلفة، إلا انه حرص على تثقيف نفسه، الى جانب اهتمامه بممارسة الالعاب الرياضية، والولع بالموسيقى وكان يردد: " ما ظننت قبل الآن ان للموسيقى مثل هذا التاثير على النفس "

 تزوج في التاسعة عشر من عمره وانجبت له زوجته ابنا وحيدا " كونج لي "، لم يستمر زواجه طويلا، فقد وجد ان حياته لا تستقيم مع مهنة المفكر الجوال، ولم يتزوج بعد ذلك. في موسوعته: " قصة الحضارة " يكتب ديورانت ان كونفوشيوس كان يبدو احيانا رجلا غريبا للآخرين وهو يقف في الطريق العام يطرح على الناس اسئلة عن التاريخ والحكمة والشعر. وقد وصفه احد تلامذته بانه كان: " طويل القامة، وجه ينم عن الجد والرهبة، لكن روحه تنطوي على رقة واحساس ملاهف بالجمال، وهو يسلك سبيل التواضع والمجاملة، وما من موضع إلا وسمع به، قوي الذاكرة لا ينسى ما يسمع، ذو علم بالاشياء لا يكاد ينفذ " – قصة الحضارة الجزء الرابع ترجمة محمد بدران -. وفي واحدة من الحكايات التي تروى عنه انه حدث مرة ان ضل الطريق الى اجتماع مع بعض تلامذته. فكان ان تمكنوا بالعثور عليه بمعونة رجل قال انه رأى " رجلا فارعا شاذ الخلقة مظهره كالكلب الضال ". فلما وصل هذا الوصف الى اسماع كونفوشيوس، صاح قائلاً: " عظيم. لم يكن في استطاعة أي مصور ان يرسم صورة ادق وافضل من هذا الوصف ".

في الثانية والعشرين من عمره يتفرغ لمهنة التعليم، يينشئ مدرسة، كان مقرها بيته الذي اعلن انه مفتوح لكل من يريد العلم، وكانت اجور الدراسة تتبع قدرة التلميذ على الدفع. وقد حدد الدروس التي سيمنحها للطلبة، وهي الشعر والتاريخ ومبادئ السلوك العام. ولما كان يعتقد ان المجتمع يعاني من اهمال الحكمة، فقد قرر ان يلقن تلامذته دروسا في الشعائر القديمة والاناشيد الرسمية، وتعليم الموسيقى حيث كان يؤمن بفاعلية وتاثير الموسيقى في صقل شخصية الانسان. وكان نظرته للموسيقى بانها ترمز الى الوئام الذي، لو وهب للحكام لعم الخير الدولة باسرها.. ومع مرور السنين حظيت مدرسته بشهرة كبيرة واصبح من تلامذته بعضا من ابناء النبلاء والامراء. في هذه الفترة يقوم برحلة الى عاصمة ولاية " لو يانج " ليلتقي بالفيلسوف الصيني الشهير لاوتسي صاحب الكتاب الشهير " الطريق او كتاب التاو " – ترجمه الى العربية هادي العلوي وهناك اكثر من ترجمة ابرزها ترجمة عبد الغفار مكاوي وترجمة فراس السواح – كان لاتوتسي آنذاك في السابعة والثمانين بينما لم يتجاوز كونفوشيوس الثلاثين، دار بين الرجلين حوار اجاب فيه لاوتسي عن سؤال كونفوشيوس عن قدماء رجال الحكمة، إذ قال له: " إن من تسأل عنهم قد تعفنوا مع عظامهم في التراب، وعندما تحين ساعة الرجل العظيم ينهض للزعامة، ولكن قبل ان يحين اوانه توضع العراقيل امام كل محاولاته. لقد سمعتُ ان التاجر الناجح يخفي ثروته بحرص ويعمل كما لو كان لا يملك شيئا، وان الرجل العظيم برغم وفرة انجازاته، بسيط في سلوكه وفي مظهره. تخل عن كبريائك ومطامحك العديدة، وعن تظاهرك وعن اهدافك العريضة. إن سجيتك لن تكسب شيئا من كل هذه الاشياء. هذه نصيحتي لك " – توملين..فلاسفة الشرق ترجمة عبد الحميد سليم -. ويبدو ان كونفوشيوس ادرك اهمية ما اقاله له لاوتسي، فعاد الى مدرسته حيث نقل لطلبته انطباعه عن الفيلسوف العجوز: " لقد رايت لاوتسي واستطيع ان اقارنه بالتنين ".

عام 501 قبل الميلاد اصبح كونفوشيوس صاحب منزلة كبيرة باعتباره معلما للسلوك القيم والفضائل، مما دفع حاكم ولاية " لو " الى تعينه بمنصب رفيع لاداره بعض شؤون الولاية وقد علق كونفوشيوس على قرار تعينه قائلا: " لا يهمني كيف يمكنني ان اكون، بل يهمني كيف يمكنني ان اكون صالحا ". وبعد عام يصبح رئيسا للقضاة، بعدها يتم تعينه وزيرا للاشغال العمومية، فاتخذ قرارات باجراء مسح للاراضي وتحسين الزراعة. بعدها اخذت المسؤوليات تزداد عليه حيث عين رئيسا للوزراء، عندها بدأ حياشية القصر تتذمر من هذا الشخص الذي حصل على شهرة كبيرة ومحبة جميع الناس، الامر الذي دفع البعض الى الوشاية به عند الحاكم، فقرر كونفوشيوس الاستقالة والعودة الى حياة الترحال بين ولايات الصين المتعددة ينشر تعاليمه.. بعد سنوات يعود الى منزله وكان يقترب من السبعين، يعيد افتتاح مدرسته واستقبال تلاميذ جدد، يتوفى عام 479 وكان قد بلغ من العمر " 72 " عاما ".

نشر كتاب "المحاورات" بعد وفاة كونفوشيوس باعوام وهو مجموعة من المقتطفات والاقوال والحكايات جمعها تلاميذه واعتبروها تسجيلا وتوثيقا لافكار معلمهم. تنقسم مؤلفات كونفوشيوس الى قسمين، الاول يسمى " الكتب الخمسة "وهي الكتب التي كتبها كونفوشيوس بنفسه وتحوي موضوعات في السياسة والاجتماع والفلسفة والدين والموسيقى ونشرت تحت العاوين التالية (كتاب الاغاني او الشعر.. كتاب التاريخ.. كتاب التغيرات.. كتاب الربيع ةالخريف.. كتاب الطقوس والتقاليد).

وهناك الكتب التي جمعها تلامذته ومنها كتاب فصول في الاخلاق والسياسة وكتاب الانسجام، وكتاب المحاورات وكتاب منسيوس وهو كتاب يناقش اسس فلسفة وتعاليم كونفوشيوس – ترجم محسن فرجاني اربعة من هذه الكتب تحت عنوان الكتب الاربعة المقدسة – القارئ لكتاب "محاورات كونفوشيوس " لن يجد الكتاب مجرد تجميع لاقوال المعلم، بل ان الكتاب يقدم صورة رسمها التلاميذ لمعلمهم اثناء حوارتهم معه حيث نرىصورة الرجل المتسامح والمبجل في نفس الوقت، ففي المحاورة الاولى التي ينقلها لنا احد تلاميذ الفيلسوف واسمه " سنغ زي " يقول: " كان المعلم متسامحا ودمثا ومع ذلك كان جليلا. كان مبجلا ومع ذلك لم يكن عنيفا. كان محترما ومع ذلك كان بسيطا "، فيما يؤكد تلميذ آخر اسمه " تسيكون" قائلا: " اربع كان المعلم متحررا تماما منها،: لم يكن لديه استنتاجات يقينية. ولا قرارات مسبقة تعشفية، ولم يكن عنيفا ولا انانيا ".

في المحاورات يخبرنا كونفوشيوس انه " ناقل وليس مبدعا" ويحدث تلامذته قائلا: " لان يعرفني الناس ناقلا ومفسرا لكتب التراث القديم، افضل عندي من ان يعدوني مؤلفا او مبدعا فوضويا، ولقد كان شغفي واخلاصي للثقافة القديمة هو الذي يعطيني الحق في ان اضع نفسي في مرتبة موازية للاوتسي وبنغ زو " – المحاورات ترجمة محسن فرجاني –

في المحاورات يطلب التلاميذ من استاذهم الحكمة، لكنه كان يجيبهم: " انا أُفضل ألا اتحدث " وعندما يقول له التلميذ: اذا كنت لا تريد ان تتحدث ايها المعلم، فما الذي علينا ان نسجله نحن التلاميذ " وعندئذ يجيب كونفوشيوس: " هل تتحدث السماء ؟ تتعاقب الفصول الاربعة في اوقاتها، ويعاد إنتاج كل شيء باستمرار، لكن هل تنطق السماء أية كلمة ". يعطي كونفوشيوس في كناب " المحاورات " اهمية لصفة الصدق ويبدي كراهية للفراغ العقلي وفي هذا يقول: " يجب ان تكون حياة الانسان قويمة وعليه ان يتجنب خداع نفسه او خداع الآخرين، وان يهيئ تعبيرا ظاهرا لما يرضى عنه عقله او يعرض عنه. وتفد الاستقامة من باطن المرء، فهي تعبير مباشر عن قلبه ". وهو يربط الاستقامة بالمعرفة: " حب الاستقامة من غير حب المعرفة يقود الى حجب الاستقامة بستار ضار ".ويُعرف كونفوشيوس الانسان غير الفاضل بانه الذي يفتقر الى طبيعة اصيلة والتي يعني بها " الاخلاص البشري "، وتتضمن هذه الصفة ان يحب المرء للناس ما يحبه لنفسه او كما جاء في المحاورات: " لا ترتكب في حق الاخرين ما لاتحب ان يرتكبه الاخرين في حقك ".

ولعل اهم ما في فلسفة كونفوشيوس هي ايمانه بالديمقراطية الثقافية، فقد كان يصر على ان يسير الناس على هدى تفكيرهم الذاتي، وابدى استعداده لمعاونتهم في تثقيف انفسهم وارشادهم الى طرائق التفكير السليم، بشرط ان يعثروا بانفسهم على حلول للمشكلات التي تجابههم، وكان يقول لتلامذته انه لم يعرف الحقيقة، لكنه اهتدى اليها عن طريق البحث عنها.

اثناء عمله مستشار للحاكم كانت نظرته تتلخص في خلق سياسات تقود الناس الى ان الفضيلة خير من فرض عقوبات على شخص ينتهك القانون: " إن ارشد القانون الناس، وتم السعي لتوحيدهم من خلال العقوبات، فسوف يحاولون ان يتجنبوا العقوبة، دون ان يكون لديهم اي احساس بالخجل. لكن إن ارشدتهم الفضيلة، وتم السعي لتوحيدهم عبر قواعد اللياقة، فسيكون لديهم احساس بالخجل، والاكثر من ذلك انهم سيصبحون جيدين ".. ولهذا كان يرى ان على الحاكم ان يعطي الاولوية للاستقامة ولا يشجع الاعوجاج، وعندئذ سيتبعه الناس بشكل طبيعي. لأنهم يستطيعون ان يروا العدل في التصرف. وإن حدث العكس وتم تشجيع الاعوجاج، فسيصبح الناس مُداهنين للنظام. وقد وضع قواعد للحكم الرشيد تقتضي ان يكون الحاكم مهيبا دون ان يكون شرسا: " غالبا ما يكون صدر الرجل الماجد رحبا كريما،اما الدنيء فهو دائما ضيق الصدر،مهموم البال " مسالة علاقة كونفوشيوس بالدين تبدو مسالة معقدة نوعا ما، فهو لم يعتبر نفسه رسولا دينيا او معلما دينيا. وقد ذكر احد تلامذته انه لم يناقش " طريق السماء " مثلما كان يصر على مناقشة طريق الارض، وقد تساءل احد طلبته كيف يستطيع المرء أن يخدم الارواح، فقال له كونفوشيوس: " اذا كنت عاجزا عن خدمة الناس فكيف تستطيع خدمة الارواح " وسأل طالب آخر عن الموت فقل له: "اذا كنت لم تفهم الحياة بعد، فكيف تستطيع ان تفهم الموت ".. عمل كونفوشيوس بان بان يرفض ان تكون لديه الحقيقة النهائية، اذ كان يلتمس الحقيقة عن طريق المشاهدة والتحليل.كتب ماكس فيبر: " فيما يفهم غياب كافة الميتافيزيقيات وكل بقايا الملاذ الديني تقريبا. كانت الكونفوشيوسية نزعة عقلية الى حد بعيد حتى انها تقف عند الحد الاقصى لما يمكن ان يدعوه الفرد الاخلاق الدينية. والكونفوشيوسية في نفس الوقت اكثر امعانا في النزعة العقلية واكثر اتزانا فيما يتصل بعدم وجود ورفض كافة مستويات المقاييس اللانفعية " – ماكس فيبر الجماعات الدينية ترجمة جورج كتورة -.

قال كونفوشيوس: " اعلم ان احسن الطرق هو طريق الحق، وان ارسخ اساس، ما بني على مكارم الاخلاق، وان خير المبادئ جميعا هو ما قام على التراحم والانسانية " – المحاورات -.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

4095 الحرب البيولوجيةتأليف: فرانسيس بويل (Francis A. Boyle)

ترجمة: عزام محمد مكي

***

عن المؤلف

فرانسيس بويل أستاذ أمريكي بارز وممارس ومدافع عن القانون الدولي. كان مسؤولاً عن صياغة قانون مكافحة الإرهاب للأسلحة البيولوجية لعام 1989، وهو التشريع التنفيذي الأمريكي لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972. ويُدرس القانون الدولي في جامعة إيليونوا، مدينة شامبين، حاصل على دكتوراه في القانون بامتياز بدرجة الشرف وكذلك دكتوراه في العلوم السياسية، وكلاهما من جامعة هارفارد.              

عن الكتاب*

في هذا الكتاب يرسم المؤلف الخطوط العريضة عن بداية قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتأسيس صناعة الاسلحة البيولوجية ولماذا استمرت وبوتيرة متصاعدة ببناء ومراكمة هذه الاسلحة البيولوجية الغير قانونية وبشكل كبير.

ويلاحظ المؤلف كذلك الرابطة الوثيقة بين قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتطوير الاسلحة البيلوجية وهجوم (الجمرة الخبيثة) على الكونغرس الامريكي- الذي مثل الهجوم السياسي الاكثر اهمية على الديمقراطية الدستورية في الولايات المتحدة الامريكية في العصر الحديث- حيث يسلط ضوء جديد على دوافع هذا الهجوم- في الوقت الذي اختارت فيه الصحافة السقوط في ثقب الصمت الاسود- ولماذا قد لا يمكن ان يقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) باعتقال مقترف هذه الجريمة ذات العواقب الوخيمة للقرن الحادي والعشرين.

مقدمة

بدءًا من أكتوبر من عام 2001، شهد العالم هجمات إرهابية بالجمرة الخبيثة على الحكومة الأمريكية والتي من الواضح أنها كانت تهدف إلى إغلاق الكونجرس الأمريكي في لحظة حرجة للغاية في تاريخ أمريكا كجمهورية، أي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية مباشرة. خلال هذه اللحظة بالتحديد كان يجب أن يكون الكونغرس منعقدًا، من اجل اتخاذ قرارات حيوية، وممارسة رقابة صارمة على السلطة التنفيذية للحكومة، وبوجه خاص البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، ووزارة العدل برئاسة المدعي العام جون أشكروفت، وزارة الدفاع في عهد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووكالة المخابرات المركزية تحت إشراف المدير جورج تينيت. ولكن لم تحدث مثل هذه الرقابة من قبل الكونغرس الأمريكي بسبب هجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية. والأسوأ من ذلك، أن الرئيس بوش والمدعي العام أشكروفت تلاعبوا بشكل خادع بهجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية على الكونجرس من أجل خلق الذعر وحالة تدافع للشعب الامريكي والكونغرس الامريكي لاجل سن القانون الوطني الأمريكي الشمولي حتى بدون فعل حقيقي تقريبا من قبل الكونغرس.

سيناقش هذا الكتاب بعضًا من الخلفية التاريخية للقانون والسياسة والعلم وراء الأسلحة البيولوجية في الولايات المتحدة: كيف ولماذا أطلقت حكومة الولايات المتحدة، وواصلت، ثم وسعت بشكل كبير سباق تسلح بيولوجي غير قانوني يحتمل أن يكون له عواقب كارثية على الجنس البشري والمحيط الحيوي الداعم له على الارض هذا الكوكب الهش.

من خلال تحديد سياق البيئة السياسية والقانونية والعلمية التي وقع فيها هذا الهجوم الإرهابي التاريخي الأول من نوعه للحرب البيولوجية ضد حكومة الولايات المتحدة - هجمات الجمرة الخبيثة على الكونغرس في عام 2001 - يسعى هذا الكتاب أيضًا إلى إلقاء ضوء جديد على هذه الأسئلة المقلقة: لماذا يختفي هذا الحادث غير المسبوق وبسرعة كبيرة من مناقشة وسائل الإعلام العامة؟ لماذا فقد مكتب التحقيقات الفدرالي الزخم في البحث عن الجناة؟ لماذا فشل الكونغرس نفسه في متابعة هذا الحادث تحديدا وتداعيات هذا الهجوم الإرهابي عليه، والفشل في العثور على الجاني؟ لماذا لم يكن هناك احتجاج على هذا الفشل؟ ما هي الأسباب التي تجعل امكانية العثور على الجناة الحقيقيين غير موجودة تماما؟

في ضوء التوسع الأخير لإدارة بوش في تمويل أبحاث «الدفاع البيولوجي»، بما في ذلك الاختبارات المقترحة على الأشخاص، والتهديد الواضح والجلي الآن للحرب البيولوجية ليس فقط على الجمهور الأمريكي ولكن على البشرية جمعاء، يقدم هذا الكتاب دليلاً سياسياً حول كيفية إيقاف تصميم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على فتح صندوق باندورا للحرب البيولوجية.

الفصل الأول: اتفاقية الأسلحة البيولوجية

جذور اتفاقية الأسلحة البيولوجية

كان لدى الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي شديد العدوانية والهجوم يعود تاريخه إلى الحرب العالمية الثانية، ولن اقوم بذكر تاريخها الكامل هنا. ولإختصار القصة، قرر الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 إنهاء هذا البرنامج لأسباب تتعلق بـ السياسة الواقعية الميكافيلية. أولاً، كان هناك شعور بأن الأسلحة البيولوجية ذات نتائج عكسية عسكريًا لأنه كان من الصعب السيطرة عليها، وبالتالي سهولة حدوث "ارتدادات" على القوات المسلحة الأمريكية في الميدان وكذلك على السكان المدنيين الأمريكيين في الوطن. ثانيًا، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل ترسانة ضخمة وهائلة من جميع فئات الأسلحة النووية وأنظمة إطلاقها ذات الصلة، في حين كان يُنظر إلى الأسلحة البيولوجية على أنها "القنبلة الذرية للرجل الفقير". لقد أراد نيكسون القضاء على هذه "الاسلحة البيولوجية" من أجل منع دول العالم الثالث من الحصول على أسلحة دمار شامل رخيصة الثمن نسبيًا. من شأن اتفاقية للأسلحة البيولوجية التي تحظر " الاسلحة البيولوجية " أن تمكن الدول الحائزة للأسلحة النووية في العالم من الحفاظ على وتقوية وتوسيع نطاق احتكارها شبه الكامل لأسلحة الدمار الشامل الذي تم تقنينه للتو بموجب معاهدة عام 1968 بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن شأن نفس الحسابات الميكيافيلية الضارة أن تدفع فيما بعد هذه الدول الحائزة للأسلحة النووية نفسها إلى دعم المفاوضات وإبرام والتصديق على اتفاقية عام 1993 بشأن حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة.

ابتداءً من عام 1969، أمر الرئيس نيكسون ومن جانب واحد بتدمير العوامل البيولوجية والذخائر الأمريكية المضادة للأفراد، وهي عملية اكتملت ظاهريًا اعتبارًا من أوائل عام 1973. ومع ذلك، وعلى الرغم من أمر الرئيس، واصلت وكالة المخابرات المركزية البحوث وتطوير أسلحة بيولوجية. في نهاية المطاف، دعمت الولايات المتحدة التفاوض وإبرام وتصديق اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والسمية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1972، التي دخلت حيز النفاذ في 26 آذار / مارس 1975 (التي سيشار إليها فيما يلي باسم اتفاقية الأسلحة البيولوجية-BWC)).

تُلزم المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية الأطراف الحكومية المتعاقدة" بعدم القيام تحت أي ظرف من الظروف بتطوير أو إنتاج أو تخزين أو الحصول أو الاحتفاظ بأي طريقة أخرى:

(1) العوامل الجرثومية أو غيرها من العوامل البيولوجية، أو المواد السمية مهما كان مصدرها أو طريقة إنتاجها، من الأنواع والكميات التي لاتجد لها مبرر من ناحية استخدامها من اجل الوقاية أو الحماية أو الأغراض السلمية الأخرى ؛

(2) أسلحة أو معدات أو وسائل إيصال مصممة لاستخدام مثل هذه العوامل أو المواد السمية لأغراض عدائية أو في نزاع مسلح ".

لاحظ بان المادة الأولى لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر "البحوث" "لأغراض وقائية أو حمائية أو لأغراض سلمية أخرى". فأصبح هذا هو الاستثناء الذي استغلته حكومة الولايات المتحدة كمثال من اجل إلغاء القاعدة العامة لحظر "الاسلحة البيولوجية" الموجود في المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية. لاحظ أيضًا أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر حرفيا "استخدام" الأسلحة البيولوجية في الحرب. وقد سبق أن نص بروتوكول جنيف لعام 1925 على هذا الحظر. ومع ذلك، ووفقًا لديباجة اتفاقية الأسلحة البيولوجية، فإن الأطراف الحكومية المتعاقدة في الاتفاقية قد أندرجت أساسًا من خلال مرجعية بروتوكول الحظر على استخدام الأسلحة البيولوجية في الحرب:

إعادة تأكيد تمسكها بمبادئ وأهداف ذلك البروتوكول ودعوة جميع الدول إلى الامتثال الصارم لها.

في النهاية وخلال إدارة نيكسون انهت حكومة الولايات المتحدة، وهذا ما يحسب لها، برنامجها الهجومي للحرب البيولوجية. ولكن الأخطر من ذلك هو أن بقايا وحدة الحرب الكيميائية والبيولوجية القديمة كانت تكمن في أحشاء البنتاغون، في الانتظار والتمني والأمل من خلال التخطيط والتدبير بالعودة إلى الحياة مرة أخرى.

المحافظون الجدد الريغانيون

ثم في عام 1981، وصلت إدارة ريغان إلى السلطة، معززة بالكثير ممن يصفون انفسهم بالمحافظين الجدد، والذين كانوا مزروعين في البنتاغون. بعد عقدين من الزمان، عاد العديد من هؤلاء المحافظين الجدد إلى السلطة مع مجيء إدارة بوش الابن في عام 2001، لتتم ترقيتهم لاحقا بشكل بيروقراطي لخدماتهم الشائنة السابقة. اتخذ الريجانيون الموقف القائل بأن أمريكا ستستغل تفوقها التكنولوجي في جميع مجالات المساعي العلمية في جميع المجالات للأغراض المتعلقة بالحرب: النووية، والكيميائية، والبيولوجية، والفضائية، والليزر، وأجهزة الكمبيوتر، وما إلى ذلك.  لذلك بدأ الريغانيون في ضخ مبالغ ضخمة من المال في البحوث في العوامل البيولوجية وتطويرها لاغراض زعموا أنها "دفاعية".

على الرغم من المفاهيم الخاطئة الشائعة التي تشير إلى العكس، فإن المادة 1 من اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تستحدث استثناءً "للدفاع" أو "الردع"، ناهيك عن "الرد الانتقامي"، ولكن فقط من أجل "الأغراض الوقائية من الامراض أو الحمائية أو الأغراض السلمية الأخرى". أولئك الذين دعموااتفاقية الأسلحة البيولوجية كانوا وعي تام بأن "الدفاع" ليس بالضرورة "سلميًا". كما لو كان توضيحًا لتلك الحقيقة بالذات، فإن المحافظين الجدد الريغانيين، الذين يؤمنون بشدة بالمبدأ الميكافيلي بأن "الدفاع الافضل هو الهجوم الجيد"، شرعوا في التصرف وفقًا لذلك، من بين أمور أخرى، بشأن "الاسلحة البيولوجية". ينطبق نفس الحساب المكيافيلي على المحافظين الجدد في عهد بوش الابن فيما يتعلق بمبادئهم بشأن شن حروب عدوانية (يُزعم أنها وقائية) واستخدامهم الأول لأسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك "الاسلحة البيولوجية"، والتي ستتم مناقشتها بمزيد من التفصيل لاحقا.

لو افترضنا القيمة الثابتة للدولار، أنفقت إدارة ريغان قدر من الأموال على أبحاث الحرب البيولوجية المزعومة "دفاعية"، هو نفسه الذي انفقته إدارة نيكسون عندما كان لدى حكومة الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي هجومي بشكل علني وعدواني. على وجه الخصوص، سعى الريجانيون إلى استغلال التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة في أبحاث الهندسة الوراثية للحامض النووي التي اضحت في صدارة ابحاث علوم الحياة، بعد إبرام اتفاقية الأسلحة البيولوجية، والتي لم تتم صياغتها وذلك اخذا بالحسبان الاستفادة من ظاهرة "الربط الجيني (gene-splicing)" لغرض تطوير أسلحة بيولوجية. من منظور اتفاقية الأسلحة البيولوجية، كانت المشكلة التي قدمتها الهندسة الوراثية للحامض النووي ولا تزال هي أنها ذات استخدام مزدوج بطبيعتها ولا يمكن تجنبه - يمكن وضعها للاستخدامات الهجومية والدفاعية في نفس الوقت. التكنولوجيا الحيوية هي نفسها تمامًا في كلتا الحالتين.

يتبع:

 الفصل الثاني: صنع الأسلحة البيولوجية

***

........................

* لا تشمل هذه الترجمة جميع فصول الكتاب وانما تقتصر على اربعة فصول، ستنشر تباع. يشمل هذا الجزء على نبذة عن المؤلف مع عرض بسيط للكتاب مع مقدمة يليها الفصل الاول.

4093 دين العقل وفقه الواقعيحق لنا أن نعتبر كتاب الأخ المفكر د. عبد الحسين شعبان الموسوم " دين العقل وفهم الواقع" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام  2021 من الكتب ذات قيمة فلسفية إجتماعية – سياسية ومن ضمن حقل " علم الإجتماع السياسي" حسب تصنيف بروفيسور جروج جبور.

في هذا الكتاب يحاول د .شعبان أن يقدم صورة جديدة للدين كظاهرة إنسانية، إجتماعية – سياسية، حيث بدأ كتابه بحديث " مقلق" عن الدين والتدين والعلم والقانون بالقول: " ما زالت الحقبة المُظلمة تسكن الكثير من عقولنا... تتحكم في سلوكنا وتهيمن على عاداتنا وتقاليدنا لتفرض الركود والرتابة... لتجرّنا إلى الماضي بدلاً من التطلع إلى المستقبل."

إذن، الكتاب يبدأ على إشارة محددة: نحن نعيش في الحقبة المُظلمة، وهذه الحقبة هي عصر من عصور التأريخ بسقفٍ كئيب يعكس أوضاع الإذلال الديني والسياسي والأخلاقي.

هذا الوضع يسميه د. شعبان بـ " الوضع الإغترابي" يواجه المجتمع وبالذات الوسط الديني، ويواجه العالم الذي يتعرض إلى تغييرات هائلة نقف أمامها " مذهولين" لا حيلة لنا تجاهها سوى الخضوع.

أمام هذه الصورة القاتمة، فإننا بحاجة إلى الإنفتاح والإستعداد الفكري لتفهم وإستيعاب وتقبّل ما يجري الآن بعد عقدين ونيّف من القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني أنه علينا أن نفهم " روح العصر" وإختيار الطريق الصحيح للتفكير والمتمثل بالعقلانية والتحليل.

ومن هنا، إذن، يتناول د. شعبان ككاتب ناقد ومُنظّر ومُحلل في كتابه بالدرس والتحليل مفاهيم الدين والعقل والواقع، أي أنه يبحث عن دين العقل لكي يفهم الواقع، فهل للعقل دين؟

(II) دين العقل...!!!

لا يُصنع الدين تبعاً لإرادة الإنسان، أو بعمل عقلي محض. فالدين في شكله التقليدي ينتج عن ظواهر خارجة عن تلك الإرادة، اللحظات التأريخية هي التي تعمل على ظهوره. الدين ينطلق من تجربة عميقة فيها معاناة إنسانية وجدانية و عاطفية، إذن، ينطلق من أرضية بحث الإنسان عن معنى لوجوده.

في تاريخ الفلاسفة الكبار في نهاية العصر الوسيط، إندلعت تجربة اجتاحت أوروبا في وقتها، وهي تجربة النقاش الجدلي بين أصحاب المعتقدات الفلسفية. أصحاب المدارس الفلسفية المختلفة لم يتركوا أي جانب في الحياة دون مناقشة أو جدل وسِجال يتحوّل في أحيان كثيرة إلى صراع حاد بين المفكرين، من أصحاب الإجتهادات المختلفة، ومن جراء ذلك  ظهرت دراسات ومعلومات أثرت وبِعُمق في حياة المجتمعات وتطورها.

من الممكن الإدعاء، بأن د. شعبان من خلال كتابه ( دين العقل... وفقه الواقع) يحاول إعادة تلك التجربة ويخوض جدالاً فلسفياً-دينياً بين الدين والعقل، وقد يكون في ذهنه ما طرحه الفيلسوف أمانويل كانت (1724 - 1804) حول الدين في حدود العقل.

وفي الربط ما بين الدين والعقل، فإنه إبتدأً من القرن السابع عشر تحرر العقل الحديث من مؤثرات خارجية، رغماً عن أن الدين (سواء المسيحية أم الإسلام) أذِن للعقل في العمل على كشف أسرار الطبيعة  ولكن دون أن يتعارض ذلك مع العقيدة الدينية. فالعقل والعقيدة هما من أشكال المعرفة يتكاملان تدريجياً للوصول إلى الوحدة.

وطيلة القرون الوسطى (أو الحقبة المُظلمة كما يسميها د. شعبان) كانت العقيدة تتقدم على العقل، ولإجل تغيير هذا الترتيب، أعلن ديكارت (1596 –1650) الخطوة الأولى عندما أكد أنه من الممكن تفسير كل ما يحدث تفسيراً ميكانيكياً، وهذا يعني أن العقل بدأ يفسر كل ما يحدث واقعاً تفسيراً محضاً.

وطرح فيورباخ (1804-1872) فكرته الثلاثية: الله، العقل والإنسان. وهكذا رجع العقل إلى وجدان الإنسان، وقد لاحظ ماكس شيلر ( 1874-1928) وجود قانون عام يؤمن كل عقل بموجبه بإله. وكما كتب باكونين (1814 - 1876) مرة حول الدين بأنه " يجب ألا تعمل سياسياً فقط، بل دينياً في السياسة، دينياً بمعنى الحرية."

وبالعودة إلى د. شعبان: في هذا الكتاب يقدم مشروعاً فكرياً ولكنه مشروع غير مكتمل ويحتاج إلى إستمرارية متفاعلة مع الزمن والمكان لإنجازه، وإنّ عدم اكتماله لا يعني أنّه ناقص كما قد يتصوّر البعض. د. شعبان لم يُشير إلى عدم الاكتمال لمشروعه، بل عمل على الدفاع عنه لفتح أبواب حوارات وسجالات جديدة بشأنه. إن عدم الاكتمال ليس عيباً، وإنّما يعني أنّ مشروعه ما زال محافظاً على حيويته وطاقته، ولم يتوقف ويستنفذ، لذا يكتب د. شعبان " وعلى الرغم من أهمية المشاريع الفردية في نقد الفكر الديني، فإنني أعتقد أن مشروعاً كبيراً كهذا يحتاج إلى جهد جماعي ومثابرة حثيثة وتراكم طويل الأمد وشجاعة إستثنائية لتحقيقه، مثلما يتطلب فتح قنوات متعددة ومتنوعة تصب فيه وتصل إلى جوهره."

وفي هذا المشروع يتكلم د. شعبان عن دين العقل وهدفه هو إصلاح المجال الديني بإضفاء صفة العقل والعقلانية عليه، وخصوصاً لا يوجد فهم واحد موحد للدين، فإننا إذن بحاجة للعقلانية لكي يصبح الدين دين المعرفة والعقل لا دين الجهل والخرافة.

ويعتبر د. شعبان هذا التحديد ردًّا على أي فهم خاطئ للدين. إذن، ما يقدمه د. شعبان في  كتابه " دين العقل وفقه الواقع" هو مشروع نقدي جديد متنوع بإختصاصات مختلفة، ويحاول فيه أن يجد مخرجاً للأزمة  وتفكيكها. هذه الأزمة المواجهة للأمة هي أزمة عميقة ومرّكبة وطويلة في ظل قناعات لا تتزعزع رغماً من كل التغييرات التي طرأت على العالم.

 هذا المشروع التنويري يُطرح في وقت تم فيه إفراغ الدين من إبداعه الدلالي وواقعيته السياسية والإجتماعية. وقد إتخذ د. شعبان من إحكام العقل إنسجاماً مع فقه الواقع عبر الوعي بالتأريخ كمدخل عام لمشروعه، الذي فيه يُفَرِق د. شعبان ما بين الدين والتديّن، فالدين هو منظومة قيمية إنسانية، بينما التدين هو عبارة عن ممارسات وشعائر وعادات.

وفي مشروعه يؤكد د. شعبان على العدل الذي سيكون ضامناً للدفاع عن الوطن والإنسان، حيث أن هذا العدل يمثل محتوى المواطنة وجوهرها في الدولة الدستورية والقانونية الحديثة التي هي دولة المواطنة والحق.

ولكن يظهر أنه لحد اليوم لم يقف أحد ناقداً وفاحصاً ومناقشاً، وذلك لأنّ العقل، كما يقول هابرماس في مشروعه الذي لم يكتمل أيضّا،" له معين لا ينضب لا من الطاقة ولا من الخيال ولا من الطموح، ولأنّ حركة العلم التراكمية لا تتوقف، وهكذا حركة الزمن لا تتوقف كذلك، هذه هي العناصر الأساسية المكونة لبنية الحداثة، وما دامت هذه العناصر لا تكتمل فإنّ الحداثة لا تكتمل كذلك، فالحداثة يمكن أن تنتكس لكنها لا تكتمل".

إن مشروع د. شعبان يمكن تصنيفه كمشروع فكري تنويري ضمن حركة الحداثة التي هي مشروع لم يُنجز بَعدُ، حسب رؤية هابرماس.

في هذا المشروع التنويري إستخدم د. شعبان منهجاً نقدياً (يماثل منهج ديكارت) هدفه هو بيان القواعد والإرشادات التي ينبغي أن نتبعها، وكيفية استخدام مَلكاتنا العقلية على الوجه الأشمل، ويؤسس على دعائم الشك الذي سيصل إلى اليقين.

المنهج النقدي العقلاني قاد إلى اكتشافات علمية، ولأجل تحرير السياسة من الدين وتخليص المجتمع من الخرافات، ينبغي اعتماد العقلانية، ونقد كل القضايا بما فيها القضية الدينية. لكن هذا الشرط يحتاج إلى ترسيخ الحرية الفكرية. إذن، المشروع التنويري لـ د. شعبان هو دعوة لتجديد الفكر الديني، وتقديم تفسير جديد للنصوص الدينية المقدسة وفق أساس عقلاني. وفي هذا المنهج العقلاني يهدف د. شعبان إلى إقامة مجتمع إنساني وحر.

من المفيد أن نجري مقارنة هذه الأفكار للمفكر شعبان مع ما طرحه ماكس فيبر (1860-1920 ) قبل أكثر من قرن أفكار حول الدين في كتابه الشهير ( الإقتصاد والمجتمع). ويترتب على ذلك أن التفسير الاجتماعي للظواهر الدينية والمعتقدات الدينية كأية ظاهرة اجتماعية، يأتي من الطريقة التفسيرية المستندة على الميثولوجي، حيث أن سبب معتقدات الفرد يتطابق مع المعنى الذي تحمله هذه المعتقدات بالنسبة له أو لها. وفقًا لـ فيبر، فإن  فئة معينة من الناس تلتزم بمعتقد معين هو إظهار أن هذه المعتقدات منطقية بالنسبة لهؤلاء الأشخاص. لذا  تظل كتابات فيبر حول علم اجتماع الدين ذات صلة بسبب إطارها المنهجي والنظري.

على الرغم من أن فيبر يطبق نظرية الفهم لتحليل المعتقدات الدينية بطريقة واعية ومنهجية:

التمسك بأي معتقد، ديني أو علمي وكذلك قانوني، يفسر من خلال حقيقة أن الموضوع لديه أسباب قوية للاعتقاد به. 

لم يكن فيبر وحده من يتبنى هذا الإطار النظري.دى توكفيل (1805 - 1859) قبله يشترك في نفس المبادئ النظرية والمنهجية. ويوضح أن الاختلافات العيانية التي لوحظت بين الولايات المتحدة وفرنسا في محتوى وتوزيع المعتقدات الدينية "مفهومة.

يقول فيبر، إن الدين يشبه حالة السحر، الذي تجنب دائمًا النقاش غير المجدي إلى حد ما - والذي يزخر به الأدب الأنثروبولوجي الكلاسيكي - حول العلاقات بين الدين والسحر: هل أحدهما سابق على الآخر؟ إذا كان كذلك؛ أيهما؟ وهل يكمّل أحدهما الآخر أم يتناقض معه؟ لأنه، بالنسبة إلى فيبر، يحتوي الدين حتماً على جرعات أكبر أو أقل من السحر. علاوة على ذلك، يسعى كل من الدين والسحر إلى أهداف محددة جيداً ويحاولان تحقيقها بالوسائل القائمة على النظريات التي يجدها المؤمن مقبولة.

بهذا الصدد يكتب د. شعبان ان هناك " ثمة فوارق كبيرة بين الدين، الذي هو منظومة قيمية إنسانية، وبين التدين الذي هو ممارسات وشعائر وعادات بعضها أقرب إلى ميثولوجيات وخرافات يشترك فيها الكثير من الأديان" ويضيف: " وإذا كان الأمر قد إقتصر في كثير من الأحيان على تفسير العقائد الدينية، التي يتعلق بعضها بالظواهر الغيبية وتعطّش البشر الروحي للشعور بالطمأنينة الداخلية، ولا سيما في ظل عجز الإنسان عن تفسير وحلّ الكثير من الأسئلة التي تواجهه...".إذن لجوء الإنسان المتدين للغيبية (وفي السحر الكثير من المفارقات الغيبية) هو لكي يطمئن على وضعه ويرتاح.

في السطور الأولى من الفصل الخاص بعلم اجتماع الدين في الاقتصاد والمجتمع، يستشهد فيبر بـ التثنية: نحن نتبع تعاليم الدين "حتى إذا كان الأمر جيداً معك. .. ولكي تطيل أيامك على الأرض ". وفي الفصل الافتتاحي للاقتصاد والمجتمع حول الدين ، يشير فيبر إلى أن المعتقدات التي تبدو غريبة بالنسبة لنا والتي نسميها "غير عقلانية" تبدو كذلك بسبب ما أطلق عليه السايكولوجي السويسري  بياجيه ( 1896- 1980) "مركزية المجتمع".

في رأي فيبر تظهر عقلانية الفكر الديني أولاً وقبل كل شيء في حقيقة أن المؤمن "مزيف". ويختفي الإله الذي لا يؤدي الخدمات المتوقعة منه. إن الفلاح متردد في قبول التوحيد، لأن وحدة الإلهام التي نتوقعها من إرادة إلهية فريدة لا تكاد تتوافق مع تقلبات الطبيعة التي يواجهها.

تبدو إحدى النظريات، التي وفقًا لها أن الظواهر هي في الواقع إرادة في منافسة مع بعضها البعض، أكثر اتساقاً مع ما يراه كل يوم. هذا هو السبب في أن كلمة "وثني" تأتي من تبادل الإهانة: أولئك الذين ظهروا متمردون تجاه التوحيد كانوا يطلق عليهم اسم الوثنية. أصبح القديسون جزءَا أساسياً من الكاثوليكية لأنهم سمحوا للنظرية الدينية بالتوافق مع الواقع في نظر الفلاحين. يؤكد فيبر أن تفسير النبوءات يبدو أنه يتكيف باستمرار مع الواقع.

إذن، تترجم عقلانية الفكر الديني إلى حقيقة أن المؤمن يتبين أنه "تَحقَق". منذ بوبر، كان للتحقق من سمعة سيئة في فلسفة العلم: لا يمكننا التحقق من صحة نظرية، يمكننا فقط "تزويرها". لكن هذا ينطبق فقط على النظريات التي تتخذ شكل افتراضات عالمية. وبصدد العلم يستشهد د. شعبان بـ الفيلسوف برتراند رسل ( 1872- 1970) الذي يقول أن العلم لا يستهدف إنشاء حقائق ثابتة وعقائد أبدية، بل هدفه الإقتراب من الحقيقة وهذه الأخيرة ليست نهائية. وعند المحاولة في كشف العلاقة بين العلم والدين، فإن المعرفة بهما تختلف، حيث أن العلم تتحدد بمقدمات وتجارب ونتائج، بينما الإيمان مرتبط بالقلب وبالعلاقة باسماء أو الغيب أو الما وراء.

(II) لماذا المناظرات؟

أول ما يتبادر إلى الذهن: ما ذا يريد د. شعبان أن يحققه من خلال هذه المناظرات؟ وهل أنها تُكّون جزءًا من مشروعه؟ نعم إنها تمثل جوهر مشروعه، لأن هذه المناظرات تتعلق بمستوى الإدراك والمعرفة.

د. شعبان يكتب بأن ما يجمعه مع الفقيه السيد أحمد الحسني البغدادي " مشتركات كثيرة و مختلفات غير قليلة" وهذه على مستويات متنوعة شخصية، فكرية، ثقافية وإجتماعية. ومن هنا يؤكد د. شعبان على "علاقة عضوية سوسيوثقافية بين الدين والتدين أساسها جهل الإنسان بذاته وبالآخر، إضافة إلى جهله بالطبيعة وغموض المستقبل".

هذه القضايا تشغِل بال الإنسان وتزيد من قلقه والمسألة هذه غير محصورة بالفرد أو الأفراد، بل أنها  تشمل كذلك الجماعات والمجتمعات خالقة قضايا معقدة منها قضية الهوية إلى جانب قضايا مهمة مثل السلام والعدالة والمساواة.

هذا الوضع يفسح المجال للصراع والجدل الذي سيتحول نحو صراع كوني، حيث تراكمت عبر السنين أفكار ومعتقدات وقناعات إتخذت بعضها صفة " العلوية المقدسة".

ولذلك يدعو د. شعبان إلى تعاون ومشاركة ونقد متبادل بين مدنيين حداثيين ودينين مؤمنين

حيث يجب على الجميع الإيمان بحق الإختلاف والحق في النقد وإحترام الخصوصيات.

وفي كل هذا وفي إطار المناظرات يحاول د. شعبان أن يلجأ إلى النقد كوسيلة من وسائل التواصل.

ما هو محتوى هذه المناظرات؟

يُركز د. شعبان على ثلاث قضايا مهمة هي:

* العلاقة المركبة بين الديني والعلماني

* العلاقة بين الدين والدولة، وكيف يمكن حل التناقض، وهل يصلح الدين لكل زمان ومكان، وهل الاسلام فعلاً دين ودولة وما هي ملامح الدولة الدينية، وكيف نفرقها عن الدولة المدنية، وما موقعها من الحداثة؟

* العلاقة بين الاجتهاد ولغة الفكر او الاجتهاد وفكر اللغة.

هذه القضايا الجوهرية في مناظرات د. شعبان أثارت جدلاً واسعاً، وخصوصاً عند تناوله مسألة الدين- العقل، مشيراً إلى حوارات مهمة لفلاسفة كبار ومنهم (هيغل 1770- 1831) الذي يفسر الدين بوصفه الرغبة في السمو الانساني، نحو الاعلى والاكمل، ومن خلالها يتجسد الاله. وعلى العكس قام (فيورباخ) بنقد ذلك، ومنه استمد (كارل ماركس) رؤيته في شأن الدين.

  لقد إستند د. شعبان على حقائق مهمة في مشروعه  التنويري، والتي (الحقائق) تدور حول سلبيات رجال الدين وخشيتهم في محاولة توعية الناس واستبدال المفاهيم القديمة البالية بمفاهيم وسلوكيات واقعية تنسجم مع التحولات الكبرى في العالم والقائمة على الحق والعطاء والحرية، وهذا يخلق بيئة مضادة وكارهة للأفكار التنويرية.

لذلك يكتب د. شعبان " من أجل أن يكون عنصر تحرر وتغيير لا عنصر سكون وخضوع، وعليه لا يمكن قراءة النص الديني والقرآني تحديداً قراءة ماضوية محددة وتأويلاً واحداً، ففي ذلك إساءة إلى حرية الفكر والتفكير، وهو ما فعلناه مع الفارابي وابن سينا وابن رشد الذين قرأناهم بطريقة دوغمائية، وحتى القراءات المتأخرة لهؤلاء ولنصوص دينية تحاول حبسها في فهم خاص وضيق، مثلما تحاول حبس ادراكنا وقراءتنا لها، الى درجة ان القرآن اصبح للتلاوة والترتيل والاعادة والحفظ، في حين أنه اهم كتاب اسلامي جامع ومفتوح وقابل للتأويل والقراءة المفتوحة وهو ليس ملك لاحد، لفقيه او عالم دين او شيخ او قارئ او مرتل، بقدر ما هو ملك الانسان الذي يستطيع قراءته وفهم معانيه وتمثل قيمه الانسانية). 

في كل هذه المناظرات والنقاشات مع السيد الحسني البغدادي يؤكد د. شعبان على النقد كوسيلة من وسائل التواصل والتجاذب، وهو، كما يؤكد كانت أفضل أداة تنموية وتطويرية إكتشفها الإنسان، وهو نقد يقوم على التمايز والخصوصية من جهة والقيم الإنسانية من جهة أخرى.

***

بروفيسور شيرزاد أحمد أمين النجار - من العراق

...................

- الأصل في هذه المادة مداخلة ألقاها د. شيرزاد النجار في منتدى الفكر العربي في عمان بتاريخ 29 تموز / يوليو 2022 في ندوة لمناقشة كتاب د. شعبان "دين العقل وفقه الواقع" وقد نشرت في جريدة الزمان (العراقية) في 10 آب / أغسطس 2022.

 

محمد جواد فارسالقرآن جامع مشترك وفيصل لكل الطوائف

(الأديان تؤدي وظيفة مزدوجة فهي تعوض الفقراء عن فقرهم بالمعنى الروحي، بينما تعطي الشرعية اللازمة لطيف الأغنياء)... كارل ماركس

صدر الكتاب عن دار آحياء تراث الامام البغدادي – العراق – النجف يتضمن الكتاب في البداية سورة التوبة من القران الكريم، ومدخل إلى منظومة التخلف المجتمعي، القسم الاول الخطاب السلفي والخطاب الحداثوي بين المقدس والمدنس، القسم الثاني – فكر وتخلف ...رؤية مغايرة، القسم الثالث العملية السياسية إفتراع واستشمار في الأصل والفرع،القسم الرابع وسائل ناعمة للتاثير على العقول .

في مجال نقد العقل الديني كتب الكثير من الباحثين والاكادميين منهم على سبيل المثال الكاتب السوري صادق جلال العظم كتابه أثار ضجة في الاوساط الدينية، بحجة ان البحث يمس المقدس وهذا يعتبرونه تجاوز للخطوط الحمر الغير مسموح بها .

و قبل فترة قصيرة كتب الاكاديمي المفكر عبد الحسين شعبان كتابه الموسوم ( دين العقل وفقه الواقع ) وهو يتضمن نقاش وسجال مع آية الله السيد الحسني البغدادي، هذا لكتاب أصبح مرجعا للكثير من المثقفين والمتابعين لهذا الموضوع، وكتب عنه الكثير من المقالات لأهمية الفكر التنويري لدى الطرفين في هذا السجال . وجرى مؤخرا مناقشته في منتدى الفكر العربي بحضور نخبة من المثقفين . .

وقبل البدء بعرض الكتاب أريد ان أذكر بما كتبه أبن سينا حول الدين يقول:يدعون الناس إلى الجنة وهم عاجزون عن دعوة يتيم إلى مائدة، يدعون الناس إلى الجنة وأوطانهم مليئة بالمتسولين وماسحي الاحذية، حمقى البلاد وقطاع الطرق أخذوا مال الأرض وورثوا بيت السماء،أي رب ربكم أي دين دينكم .

يتحدث المؤلف حول منظومة التخلف المجتمعي كاتبا: أن عقل الانسان الاسلامي يرحب دائما وبإستجابة مطلقة بمن يبرر له تفكيره،وبمن يجوز له ما لديه من أيديولوجيات فكرية وعقيدية وسسياسية وأخلاقية، بمن يفسر له أبشع ما في جعبته أحسن وأرقى التفاسير . ان أسوء الاعداء في تقديره هو الذي يفند آراؤه وافكاره ويصر في سلوكه صياغة ممتازة، او يحميها من لصوص العقول وفريقي العقائد وباعي الارباب . ويذهب المؤلف أبعد: أما الحمعيات والمجتمعات الاسلامية فأنها لاترى فرق بين النقد والتآمر . فعقل الانسان الاسلامي صفد ظاهرة اسلامية شاذة يعد ضالا ومضلا وجاحد بالله والرسل والتراث والتاريخ . انتهى الاقتباس  وهنا تكمن حقيقة وصحة هذا الوصف في ما نشاهده اليوم لدى من يدعون انهم يحافظون على رسالة الخالق ودعوة رسوله في تعاليم وفتاوى بعيدة كل البعد عن الاسلام المحمدي . المؤلف السيد البغدادي في كتابه هذا، ومن خلال القرأة بين السطور، نجد انه المتطلع خوصا بكثير من الامور الاسلامية خاصة في مجتمعنا العراقي، وكذلك المجتمع الاسلامي على مستوى العالم، وهذا ناتج في الحقيقة عن مطالعا ته ودراساته لتاريخ الاديان وحركة التاريخ وتطوره اليوم .

و ينقلنا الباحث ليسلط الضوء على التشويه والخزعبلات في تاريخ الطائفة الشيعية التي أوردوها في كتب بعظهم وتتحدث بها بعض منابر الحسينية، ومنها " عرس القاسم، وفاطمة الصغرى، وحكاية الفتاة اليهودية، وحكاية ظهور ليلى في كربلآء، وحكاية الطفل، وقصة زيارة الاسرى "، وغيرها من الحكايات المشكوك فيها وروائها والتي لم يكن لها وجود وأنما هي من صنع وتسطير مزوري التاريخ . أترك للقارئ الاطلاع بالتفاصيل الموجودة في متن الكتاب والتي سردها المؤلف كأمثلة، وعن حكاية عاشوراء المعركة ومارافقها من تضخيم وعدم وجود مصداقية في الحدث، والجدير بالذكر ان المؤلف يريد ان تكون هناك مصداقية في النقل للخبر، والسيد البغدادي يميل الى العودة الى القران الكريم في آياته التي نزلت على الرسول،و من هنا نجد ان القران هو الجامع المشترك والفيصل لكل الطوائف الاسلامية في العالم . وفي الجزء الاخير من كتابه يربط المؤلف ما جرى في السابق ومايجري في وقتنا الحاضر، جرى تراجع في هيبة الدولة داخليا وخارجيا، عدم احترام القانون والقضاء، وجود نخبة فاسدة تسعى لتحقيق مصالحها الشخصية في ظل الفقر والتخلف وغياب العدالة، ونشر الفساد الاداري والمالي وأنيهار البيئة التعلمية في المدرسة والجامعة، وأنهيار المؤسسة الصحية وعدم الاهتمام بصحة المواطن، وتدمير الاسرة والمجتمع من خلال انتشار المخدرات، والاعتماد على الخارج . المؤلف لم ينسى ما يجري حول العراق من تامر صهيوني أمبريالي رجعي على العراق وعلى الامة العربية، فقد ركز على القضية العربية وعلى صفقة العصر وأطلق عليها " سايكس -بيكو "جديدة تستهدف القضية الفلسطينية وهذا المخطط يشمل بعض الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني تمهيدا للاعتراف بدولة الكيان الصهيوني وزجها في علاقات مع دول الشرق الاوسط بما يسمى " بالشرق الاوسط الكبير " وأن يقبل العراق توطين اللاجئين الفلسطينين وكي ينسوا قضيتهم في العودة الى بلدهم فلسطين العربية .

وفي موضوعة فكر وتخلف رؤية مثابرة كتب يقول (أن رؤية التخلف في أي نوع من هذه الانواع جدير أن يساوي،بل وبعض تخلف الانواع الاخرى، فالتخلف في الاطروحات السياسية أو القيادية لابد أن يساوي، وبعض التخلف في العلوم الانسانية والتكنولوجيا، كما ان التخلف في هذا لابد أن يعني ويساوي التخلف في ذاك، أي الجماعات والمجتمعات المصابة بمرض هذا الذاتي التكويني الوراثي، وما قالوا عن تقدم وتفوق آباء هذه الجمعات والمخيمات بتلك المدح والثناء ة الثناء المبالغ فيه، والمؤسف والمضحك لم يوجد ولن يوجد اطلاقا إلا مزاعم كاذبة وهمية قد تكون من الجواهز عليها وإرادة التعويض والتنظير عما هو حاصل ) انتهى الاقتباس . ويريد القول ان المتخلفين متفوقين بامتياز في الكذب والادعاء والمزاعم المفبركة، وهم الذين يشعرون بالدونية يريدون التعويض عنها بتلك المزاعم . ويشير الكاتب حول قضية مهمة الا وهي قضية التبرعات والنذر التي تأتي الى العتبات المقدسة في العراق من العراقيين ومن السياحة الدينية لهذه المراقد يكتب: أن ادارة وقضايا العتبات تدخل مع كثير من القضايا التي تتعلق بالدولة كا السياحة الدينية الخارجية، ومنظومة النقل والطرقات والمطارات وحركة الاقتصاد في المدن المقدسة وغيرها، فكيق يجوز أن نربط وتعين الامناء والإشراف على الاموال بيد مرجعية دينية مستقلة عن الدولة ؟ وقد يقال أننا في الفقه نقول ان الامام العادل هو الولي على الاموال العامة والصدقات فلا ظير في اشراف المرجعية العليا على شؤون العتبات .نقول أن هذا يتعلق بحدود الولاية الحسبية الخاصة التي لا تسمح بالتدخل في الشأن العام الا في الحالات التي لابد فيها من دفع الاضرار المحتملة، وادارة العتبات يمكن ان تنهض بها دائرة الاوقاف التي هي من الهيئات المستقلة التي ترتبط بالدولة . وبما يتناسق مع تنظيم السياحة والنقل والاقتصاد، فلماذا توكل الى المرجعية ؟ . انتهى الاقتباس وهذا تسأل مشروع يقدم عليه المؤلف عن اهمية اشراف دائرة الاوقاف التي تعود للدولة بدلا من المرجعية، كما كانت سابقا ايام أنظمة الحكم المتعاقبة .

المؤلف آية الله العظمى السيد أجمد الحسني البغدادي كان شجاعا وجريئا ولايزال كما نعرفه في طروحاته في هذا الكتاب وسعى لإزاحة القداسة عن الكثير من المدعين من منطلق فقهي مستند على التعاليم المتبعة،و يفضح الذين كذبوا على الشعب مسطرين أمجاد كاذبة لا تمت لهم بصلة، وانما كانو يبتغون السيطرة على عقول البسطاء من الناس الذين يتخذون من منابرهم قدوة حسنة وهي ليست كذلك . كتاب العقل الديني ..أديان الأأرض ... ودين السماء

للسيد اية الله العظمى أحمد الحسني البغدادي

كتاب ضم الكثير من المعلومات القيمة والغزيرة، جدير بالقرأة للمهتمين من الاكاديميين والمثقفين العراقيين والعرب لما تضمنه من معلومات كثيرة وغزيرة لم اغطيها كاملة، تركتها للقارئ الكريم للاطلاع عليها، وسوف يجد الكثير من اتسؤلات التي تدور في خلدة على أجوبة لها من وجه نظر أحمد الحسني البغدادي القيمة .

***

محمد جواد فارس

طبيب وكاتب

أنا من عشاق كانط ـ ذلك الفيلسوف الألماني الرائع الذي اتبـع في مناقشـته للمشـكلة الأخلاقيـة بمـا يـتلائم مـع نزعتـه العقليـة وفلسـفته النقديـة، فهو من الذين لم يوافـقوا على ما جاءت به الأخلاق اليونانية ولا الأخلاق المسيحية، ولهذا فقد قام بالبحث في طبيعة الأخلاق بعد نقاش ونقد الأخلاق عند الآخرين، وقد أظهر لنا نظرية أخلاقية عقلية.

وفكرة كانط الرئيسة في الأخلاق ظهرت فــي كتابــه النقــدي الثــاني " نقــد العقــل العملــي " الــذي يشــبه " نقــد العقــل المحــض "، بــل أنــه مــن حيــث المضمون تتمة مباشرة للكتاب النقدي الأول.

اختلف كانط مع النظريات الأخلاقية، التي ترى أن فكرة الخير هي دعامة الأخلاق، في حـين أنه اعتبر الأخلاق هي " فكـرة الواجـب " . وهكـذا أحـدث كـانط ثـورة فـي مجـال الأخـلاق . إن التحـدث عـن الأخلاق عنده تعني " نظرية الواجب "، إذ يرى أن الواجب هو ما أملاه العقل.

وفــي البدايــة كــان متــأثرا بالنظريــات الأخلاقيــة والاجتماعية لــدى جان جاك روســو الــذي نــادى بــالعودة إلــى الطبيعــة أو الفطــرة، لتخلــيص الإنســان مـــن التــأثيرات الســلبية للحضــارة وخــداعها وشــروطها؛ إلا أن كــانط لــم يأخــذ بهــذا الــرأي أو غيــره بــل تنــاول النظريــات الأخلاقيــة بالنقــد.

ونظريتــه الأخلاقية ظهرت بعد ظهور كتابه " نقد العقل المحض بعـدة أعـوام ؛ ومـا أن اسـتقر علـى منهجـه الجديـد المـنهج النقـدي حتـى رفـض تلـك النظريـات الأخلاقيـة التـي كـان يميـل إليهـا، فقد أخـذ ينـادي بنظريـة جديـدة تفصـل الـدين عـن الأخـلاق وتوفـق بـين الأخـلاق والعلـم . فهـو يريـد إيجـاد أخـلاق لا تسـتند علـى دعامـة خارجية، وقد أوضح ذلك في كتابه " تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق.

ولم يكن كانط بكل تأكيد ليَبني على الأرضية غير المتماسكة للنظرية الأخلاقية البريطانية، رغم أنه تأثَّر كثيرًا بفكرة شافتسبري القائلة إن المبادئ الأخلاقية الأساسية لا يُمكن أن تكون مسألةً تَعتمِد على التفضيلات الذاتية، بل يجب أن تكون ملزمة على نحو عامٍّ؛ إذ يؤمن كانط، شأنه شأن شافتسبري، بأن الأخلاق تتضمَّن المشاعر، والتي هي في رأيه الاحترام والغضب والحصافة والتضجُّر والتقدير والندم وما شابه، فنحن لدينا القدرة على الشعور بالسرور لتحقيق واجبنا الأخلاقي. في واقع الأمر، إن هذا الإحساس بالرضا مشروع ومرغوب معًا لكن هذه العواطف لا يمكن أن تُمثِّل دافعًا لأفعالنا. وقد اعتقد هيجل نفس الشيء؛ فالرغبة لا يمكن أن تكون عاملًا في فعل الصواب، بل إن ما نشعر به في هذه الظروف هو الألم قبل كل شئ؛ فالقانون الأخلاقي يعترض بصرامة على ميولنا الطبيعية، وهذه طريقة أدركنا بها وجوده الجليل.

كما يفسح كانط بعض المساحة في فكره الأخلاقي للسعادة؛ لكن رغم أن السعادة هي جزاء الفضيلة في الحياة الآخرة - إن لم يكن في الحياة الدنيا في أغلب الأحيان - فلا يُمكنها أن تكون الدافع المحرِّك نحوها. فالسعادة ما هي إلا فكرة تجريبية وليست قيمة مثالية عند العقل، وهي لا تقوم على مبادئ؛ فعلى الفرد أن يُكافح من أجل الرضا العام؛ لكن الرضا الذي يرتبط ويتسق مع أطهر المبادئ الأخلاقية، فهو لا يؤمن بأن المبادئ الأخلاقية يمكن أن تنبني على الإحساس أو العاطفة أو السعي نحو الرفاهة؛ فالحواس لا تتيح لنا الوصول إلى حقيقة أنفسنا ولا إلى جوهر الأشياء برغم ما قد يزعمه أنصار مذهب الخير عن الاتحاد البديهي بين رُوحين من أصل واحد. فالإحساس ليس أساسًا للمعرفة الذاتية، فالكائن الأخلاقي ينتمي لعالم المعقول لا عالم المحسوس؛ إذ يجب علينا ألا نضع مبدأ السعادة في الاعتبار عندما يتعلق الأمر بالواجب؛ فحسُّ الفضيلة يجب حتمًا أن يكون أكثر من التشوق للرضا. فعلى الإنسان أن يتصرف تبعًا لمبدأ وليس ما يُسميه كانط باحتقار «التعاطف المؤثر». وهو في هذا يختلف مع "تيودور أدورنو" الذي يكتب أن "الأساس الحقيقي للأخلاق موجود في الشعور الجسدي، في التماهي مع الألم الذي لا يُحتمل."

بل إن كانط بلغ به الأمر أن رفض هذا الجهد البريطاني في الفكر الأخلاقي باعتباره محاولة فاشلة لاستخلاص مفهوم الفضيلة من التجربة؛ فالتجرِبة عنده كما هي عند اسبينوزا أساس أكثر تغيرًا واحتمالية من أن يُبنى عليها الحكم الأخلاقي، تمامًا مثلما أنها أساس هش في ذاته لمعرفة الحقيقة بموضوعية، فهي كما يقول كانط "شئ بشع ملتبس» تعارض كل صيغة منتظمة. فالإحساس مُرشِد لا يُعتمد عليه إطلاقًا، والأخلاق أسمى من الطبيعة ولا يمكن أن يكون مصدرها الجسم أو أحواله التجريبية، فالمشاعر والنزعات والميول لا يمكن أن تُوصلنا إلى أي مبادئ موضوعية. يشير كانط باستخفاف — ويقصد هتشسون — في عمله «أسس ميتافيزيقا الأخلاق» إلى «حس مزروع» أو «حاسة خاصة مُفترضة» ساخرًا من أن هؤلاء الذين لا يُمكنهم «التفكير» يظنون أنهم يمكنهم مساعدة أنفسهم بالشعور.» ويصرُّ، وهو يقصد نفس المذهب الأخلاقي، على أن المحاكاة لا مكان لها إطلاقًا في قضايا الأخلاق.

وفي الأيام الماضية صدر كتاب لأخي وصديقي الأستاذ الدكتور علي وطفه بعنوان: «التربية الأخلاقية في الفلسفة الكانطية: مكاشفات نقدية معاصرة»، عن المجلس العلمي - لجنة التأليف والتعريب والنشر بجامعة الكويتـ ويقع الكتاب في 500 صفحة من القطع الكبير ويتناول التربية الأخلاقية عند «كانط» بالدراسة والوصــف والتحليــــل، ويخضعها في الوقت نفسه للنقد المنهجي في ضوء النظريات التربوية الحديثة والمعاصرة، وبأسلوب شائق ولغة فلسفية مفهومة ومبسطـــة وعــرض تربوي واقعي.

وقد اعتمد المؤلف منهج التفكيك العلمي والتنقيب "الأركيولوجــــي" فـــي استكشاف العلاقات الراسخة بين فلسفة كانط الكلية وبين التربية الأخلاقية، ويشكل الكتاب محاولة علمية جادة كرست للوقوف على أسرار التربية الأخلاقية الكانطية والكشف عن أبعادها الفلسفية في سياق تفاعلها مع الواقع من جهة والفكر من جهة أخرى.

ويتناول الكتاب التربية الأخلاقية عند كانط بالدراسة والوصف والتحليل، ويخضعها في الوقت نفسه للنقد المنهجي في ضوء النظريات التربوية الحديثة والمعاصرة. وقد اعتمد المؤلف منهج التفكيك العلميّ والتّنقيب الأركيولوجيّ في استكشاف العلاقات الراسخة بين فلسفة كانط الكليّة وبين التربية الأخلاقية. ويشكل الكتاب محاولة علمية جادة كُرّست للوقوف على أسرار التربية الأخلاقية الكانطية والكشف عن أبعادها الفلسفية في سياق تفاعلها مع الواقع من جهة والفكر من جهة أخرى

يتضمن الكتاب سبعة عشر فصلاً، إضافة إلى مقدمة وخاتمة. وتغطي هذه الفصول مختلف مكوّنات التربية الأخلاقية الكانطية ومظاهرها ضمن سياقاتها التاريخية والفكرية. ويستعرض المؤلّف في البداية مختلف العوامل المؤثّرة في سيرة كانط وتلك المؤثرة في تشكيل فلسفته الأخلاقية. ثم يتناول بالفحص المنهجي مقوّمات المشروع التربوي الكانطيّ، ويبحث في المنهجيّة التي اعتمدها كانط في عملية تجاوز الطبيعة الإنسانية بالتربية الأخلاقية، ثمّ يحلّل طبيعة الممارسة النقدية الكانطية للتربية كما سادت في القرن الثّامن عشر. ويستعرض المؤلف نظرية كانط في التربية الأخلاقية من منظوري الدين والجنس، ثمّ يستعرض الفضائل الأخلاقية التي جعلها كانط في مرتبة الغايات العليا للتربية.

وكرست الفصول الأخيرة من الكتاب للبحث في القضايا الفكرية التي طرحها كانط فيما يتعلق بالتنوير والتربية على التنوير، وفيما يتعلق بالتربية الأخلاقية على مفهوم "السلام الدائم"، وفيما يتعلق أيضاً بتأثير كانط في الفكر الفلسفي والتربوي الحديث. وفي نهاية المطاف يخصص الكاتب الفصل الأخير لنقد التربية الكانطية في ضوء التحولات الفكرية المعاصرة. وباختصار شديد كرّس هذا الكتاب ليستكشف معطيات التربية الأخلاقية في فلسفة كانط في سياق تفاعلاتها الحضارية والإنسانية على نحو نقدي.

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور علي أسعد واطفه (أستاذ  علم الاجتماع التربوي بجامعة الكويت) صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

وهنا وجدنا أن البحث في علم الاجتماع التربوي في نظر الدكتور علي أسعد وطفة، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة.

علاوة علي ذلك فإن جدية الدكتور علي أسعد وطفة وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

هذا بالإضافة أيضاً إلى أنه مكافح مناضل، وتلك ظاهرة ملحوظة في حياته كلها، كافح في صباه وشبابه، كما كافح في كهولته وشيخوخته . كافح وناضل في ميدان العلم والتعليم، في ميدان التربية والاجتماع، في ميدان الوطنية والسياسة، وكلفه كفاحه ما كلفه من عنت ومشقة، وقد حاول جاهداً أن يجمع أنواعا مختلفة من العلوم وضروباً من المعارف؛ وهو عالم يشار إليه بالبنان ضمن علماء الاجتماع التربويين .

وقد شهد له كل من عرفه بأنه نعم الرجل الذي في نظرته تأمل بعيد، وفي قلبه تواضع، وهو ذو شخصية إنسانية طاغية، حانية، حاضنة، وذو بصيرة ناقدة، وشخصية بناءة إيجابية متفائلة، وقلب مفعم بحب البشر، كرس حياته للدفاع عن الإنسان، وإبراز كرامته وقدسيته روحياً ودينياً، حضارياً وثقافياً، اجتماعياً ومادياً.

علاوة علي أن علي وطفه (مع حفظ الألقاب) يعد قامة، وقيمة علمية، وأخلاقية كبيرة، على المستوى العلمي، والمستوى الشخصي أيضاً، لأنه دائماً كان يمد يد العون، لمن يعرف، ولمن لا يعرف صغيراً وكبيراً؛ كما يتميز بدماثة الخلق، وحسن المعاملة مع أصدقائه وزملائه فى العمل، وأنه كان يسعى دائماً إلى تحقيق هدف سامى ونبيل، وهو جبر الخواطر، وأن يجمع بين الصدقة الجارية، والعلم الذى ينتفع به.

لقد كان قارئا لكل الأحداث، ولم تقف قراءته هنا الحديث والمعاصر، بل أبى إلا أن يجمع بين الماضي والحاضر . ودون أن أعرض إلمامه الواسع بعلم الاجتماع التربوي، أحب أن أشير إلي تمكنه من هذا العلم ؛ حيث عرف أصوله وأحاط بشتي جوانبه، إذ درسها في عمق وسعة، وكون فيه رأيه الخاص، ولا أظن أن من بين أقرانه من أهتم بقراءة التربية العربية في معترك الحداثة، أو حضور المقدس في الثقافة العربية، أو جان جاك روسو: فيلسوف الحرية والأب الروحي للتربية الحديثة، أو موت المدرسة في زمن كورنا … وهم جرا.

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به علي وطفه من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلى ما هو أوسع وأرحب . ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية . وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها علي وطفه لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر. ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الاجتماعية والتربوية في لغاتها الحية.

صديقي العزيز الأستاذ الدكتور على وطفه تحيتي  وتقديري دوما  لما  تكتبه   بقلمك الواعي وحسك الفلسفي العميق، وحتي لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي، تحية طيبة لشخصكم الكريم، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

***

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

م4086 الاجتماع الدينينهج الكتاب

لقد حدد المؤلف الدكتور علي المؤمن في بداية الكتاب موضوع الدراسة التي قام بها، وهو المجتمع الإنساني الذي أفرزه التشيع في عصر الغيبة، وهوية هذا المجتمع وأنساقه ومكوناته، وهو ما عبر عنه بـ (النظام الاجتماعي الديني الشيعي). وبما أن المؤلف أشار في المقدمة الى كون منهجه في الكتاب هو الوصفي التحليلي، لذلك؛ نرى أن من الضروري هنا التعريف بالمنهج الوصفي التحليلي.

إن المنهج الوصفي التحليلي أحد فروع المنهج الوصفي المتخصصة التي كانت بمثابة أحد التطورات التي قام بها الباحثون العلميون بإضافتها على صورة المنهج الوصفي الأصلية البدائية، ليقوم فيها المنهج الوصفي التحليلي بوظيفة إضافية أكثر مرونة وفائدة، بجانب وصف الظواهر عن طريق الملاحظة وطرقها المختلفة، حيث يقوم بعمل ما يطلق عليه تحليل الظواهر ومقارنتها بشكل أكثر تفصيلاً. ومن هنا كان تعريف المنهج الوصفي التحليلي أنه ذلك المنهج الوصفي المتعمق الذي يقوم فيه الباحث العلمي بوصف الظواهر والمشاكل العلمية المختلفة، وحل المشكلات والتساؤلات التي تقع في دائرة البحث العلمي، ثم يتم تحليل البيانات التي تم جمعها عن طريق المنهج الوصفي، حتى يمكن إعطاء التفسير والنتائج المناسبة عن تلك الظاهرة، كما يستطيع الباحث العلمي كذلك، أن يضع الظواهر المختلفة في المقارنات بين الظواهر المشابهة، عن طريق المنهج الوصفي التحليلي، حتى يمكن تجميع البيانات المختلفة عن الفروق والمتشابهات بين تلك الظواهر، وهي أهم المميزات التي تميز المنهج الوصفي التحليلي عن غيره من المناهج العلمية، وتعزز استخداماته في البحث العلمي بشكل كبير.

منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي

بعد أن قدّم الدكتور المؤمن تقويماً مختصراً لمناهج علم الاجتماع الديني الوضعي؛ خرج بنتيجة مهمة، وهي أن هذه المناهج ليس لها القدرة على دراسة النظام الديني الاجتماعي الشيعي أو الظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية؛ دراسة موضوعية تكشف بالفعل عن حقائق الظاهرة وبناها المركبة، وبيَّن المؤلف السبب بقوله: (إن المباحث التقليدية لعلم الاجتماع الديني تقتصر على دراسة الظواهر الدينية الاجتماعية، وتأثير الدين في إيجاد الظواهر الاجتماعية المنسوبة اليه، ولا يتمدد الى دراسة الظواهر الاجتماعية السياسية والظواهر الاجتماعية الثقافية والظواهر الاجتماعية المعرفية، لأنها ظواهر مستقلة ــ عادة ــ عن الأديان والمذاهب الأخرى). وإذ تفرز الأديان ومؤسساتها ظواهر دينية اجتماعية غالباً، بينما يضم النظام الديني الاجتماعي الشيعي جميع هذه الظواهر، وتنتمي اليه كل المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمعرفية الشيعية.

والذي دعى المؤلف لقيامه بهذه الدراسة التوصيفية التحليلية للظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية، حسب قوله، هو أن اغلب الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة، لم تأخذ بنظر الاعتبار فرادة هذه الظاهرة، ولم تراع خصوصياتها المركبة، حتى التي كتبها باحثون مسلمون وعرب، وبينهم شيعة، لأنهم أخضعوا هذه الظاهرة لمناهج علم الاجتماع التقليدي ومفاهيمه ومعادلاته ومصطلحاته، كأية ظاهرة اجتماعية دينية أخرى، مما أدى الى وقوع هذه الدراسات في فخ التشويه وعدم الموضوعية. وبيَّن المؤلف مسألة مهمة وهي أن علم الاجتماع الديني الشيعي لا يعنى بدراسة التشيع كمذهب ديني عقدي فقهي، بل بدراسة الشيعة كظاهرة اجتماعية سياسية وثقافية مركبة. كما بيَّن المؤلف أن علم الاجتماع الديني الشيعي الذي يعمل على تثبيت أسسه وقواعده المعرفية، يختص بالشيعة الإمامية الإثنا عشرية فقط، وبصرف النظر عن حجم التزامهم الشعائري والطقسي بل والعقدي أحياناً.

وحدد المؤلف عناصر التشيع ومجتمعه بستة عناصر أساسية، هي: العنصر العقدي، العنصر السلوكي، العنصر التاريخي، العنصر الطقوسي والعنصر الاجتماعي، وأراد من هذا البيان أن يحدد ماهية العنصر الذي سيكون موضوعاً لعلم الاجتماع الديني الشيعي، ألا وهو العنصر الاجتماعي.

وسلّط المؤلف الضوء على بعض المميزات الأساسية للاجتماع الديني الشيعي، باستناده الى قاعدة غيبية، تتمثل في نيابة سلطة النظام الديني الاجتماعي الشيعي عن القائد الحقيقي الغائب، وهو الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، وبيَّن أن المسلمين، وإن كانوا عموماً  يعتقدون بعقيدة المهدي، وأن قائداً إسلامياً مصلحاً سيظهر في آخر الزمان، لينشر العدل الإسلامي في كل الارض، لكن الفرق الأساس بين الشيعة والسنة في هذا المضمار، هو أن المعتقد المهدوي ليس له مدخلية تشريعية عند السنة، ولا يؤثر غيابه في وجودهم وسلوكهم المذهبي الاجتماعي. أما عند الشيعة؛ فان وجوده ليس مجرد عقيدة نظرية عامة لا تؤثر في الواقع الاجتماعي، بل هي عقيدة اساسية، تستند اليها السلطة الدينية الاجتماعية المركزية في شرعية وجودها.

ومن المميزات الأُخر للاجتماع الديني الشيعي ــ حسب الدكتور المؤمن ــ إنه اجتماع عالمي متماسك، وليس اجتماعاً محلياً أو إقليمياً، وان الأواصر المذهبية الاجتماعية المشتركة التي تشد وحداته المحلية ببعضها أو الى المركز، هي أقوى بكثير من التباين اللغوي والقومي والوطني.

وحتى يتوصل المؤلف الى معالم علم الاجتماع الديني الشيعي؛ فإنه توقف عند الظواهر المتفرعة عن الظاهرة الكلية التي اصطلح عليها النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وحددها بست ظواهر أساسية وهي كالتالي:

1- ظاهرة السلطة الدينية الاجتماعية، وهي باختصار تمثل قمة هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وتتمثل في المرجعية الدينية أو ولاية الفقيه.

2- ظاهرة المؤسسة الدينية العلمية، وتتمثل في الحوزة العلمية والمؤسسات العلمية الدينية التابعة لها.

3- الظاهرة الشعائرية والوجدانية والطقسية، وتتمثل في المساجد ومراقد آل البيت والحسينيات وأمثالها.

4- ظاهرة المال الشرعي، وتتمثل في المؤسسات المالية والاقتصادية الداخلية ومصادرها.

5- ظاهرة المؤسسات الداعمة، وهي المؤسسات والجماعات والشخصيات السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية.

6- ظاهرة القاعدة الاجتماعية، وتتمثل في عموم الشيعة سواء الملتزمين دينياً أو غير الملتزمين.

وأوضح الدكتور علي المؤمن رؤيته التأسيسية في مفهوم "النظام الاجتماعي الديني الشيعي"، وذلك من خلال توضيحه للمصطلحات والمفاهيم المكونة لهذا المصطلح المركب الجامع، ويعتقد المؤلف أن هذا المصطلح قديم وله جذوره، إلا أن الحداثة هي في المداخل العلمية المتعددة لدراسته، لذلك هو بحاجة الى تفكيك وتوضيح المراد منه بدقة. وبيَّن المؤلف الى أنه توصّل الى صياغة هذا المصطلح خلال بحثه عن مصطلح جامع يستوعب كل جوانب الكيانية الشيعية في بعديها النظري والعملي. ونرى من خلال دراسة الدكتور المؤمن لهذا المصطلح الجامع أن أهم مفهومين مكونين له هما المذهب الشيعي والطائفة الشيعية، وهما مفهومان مختلفان في مداليلهما، فالمذهب الشيعي مرادف لمفهوم  (التشيع)، والطائفة الشيعية مرادف لمعنى (الشيعة)، وهناك فرق أساس بينهما؛ فالتشيع يدل على العقيدة الاسلامية الشيعية والفقه الاسلامي الشيعي، أو الإسلام من وجهة نظر مدرسة آل البيت، وهو تعبير عن نظرية دينية، أما الشيعة فهم الكتلة البشرية المنتمية بالوراثة - غالباً - الى هذه النظرية، أي أنهم مجتمع المذهب وليس المذهب نفسه.

وبيَّن المؤلف أن أهم ما يميز الشيعة كمجتمع عن غيرهم، هو تحولهم الى جماعة مستقلة - غالباً - عن الدولة في مساراتها الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية والحسبية، بفعل عوامل ثلاثة لا تزال قائمة وبقوة، وهي:

1- طبيعة تعاليم آل البيت وسنتهم.

2- فقدان الشيعة للسلطة السياسية والدول الراعية الحامية.

3- الحفاظ على وجود المذهب ومجتمعه من الاستهداف الطائفي والاجتثاث والإبادة.

وبعد أن بيَّن المؤلف مفهوم النظام الاجتماعي الديني الشيعي، انتقل الى نقطة مهمة جداً في الدراسة، هو بيان هيكلية هذا النظام، وقال: بعد مرور مئات السنيين من الكفاح من أجل البقاء ومن أجل النماء والتقدم؛ باتت هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي، الذي استقر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تضم المكونات والاجزاء العشرة التالية:

1- المرجعية الدينية العليا أو ولاية الفقيه.

2- الحوزة العلمية.

3- وكلاء المرجعية ومعتمدوها وامتداداتها الجغرافية.

4- مراقد أهل البيت والمزارات الشيعية.

5- المساجد والحسينيات والمواكب والمؤسسات الثقافية والتعليمية.

6- الحكومات والجماعات السياسية.

7- المؤسسات والجماعات الأمنية والعسكرية.

8- المؤسسات والوقفيات الاقتصادية والمالية.

9- مقلدوا المرجعية الدينية.

10- عموم الشيعة.

ونرى أن الدكتور علي المؤمن قد أجاد هنا في بيان هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ورسم معالمه، إذ تبيّن من مجموع هذه الأجزاء العشرة المترابطة المتكاملة، أن هذا النظام هو أشمل من مفهوم المرجعية، وأوسع من مفهوم مجتمع المذهب، أي أنه ليس نظاماً دينياً محضاً، ولا نظاماً اجتماعياً محضاً، ولا نظاماً ثقافياً، ولا نظاماً سياسياً، بل يجمع بين ظواهر النظم الأربعة، ويصهرها، ليحوّلها الى نظام واحد متفرد تاريخياً وجغرافياً. وقد ختم المؤلف الفصل الأول بمخطط لهيكلة النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر غيبة الإمام المعصوم. ونرى ضرورة الوقوف على المخطط، والتأمل فيه، قبل الخوض في قراءة الفصل؛ لأنه يعطي فكرة عامة وواضحة عن محتويات الفصل الأول.

المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي

استعرض المؤلف في الفصل الثاني نشوء النظام الاجتماعي الديني الشيعي بصورة مختصرة، وبيّن أنه نشأ في العام الحادي عشر الهجري، أي بعد وفاة الرسول الأعظم (ص)، وحاول المؤلف حصر هذه الحقبة التاريخية الطويلة في ستة عصور مهمة، هي كالتالي:

1- العصر الأول: عصر الإمام علي بن أبي طالب في المدينة والكوفة

2- العصر الثاني: عصر الإمام جعفر الصادق في المدينة والكوفة

3- العصر الثالث: عصر الشيخ عثمان بن سعيد العمري في بغداد

4- العصر الرابع: عصر الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في النجف

5- العصر الخامس: عصر السيد اسماعيل الصفوي الموسوي في تبريز واصفهان

6- العصر السادس: عصر السيد روح لله الموسوي الخميني في قم وطهران

ونرى إن المؤلف اعتمد هذا التقييم في العصور باعتبارها عصور شاملة لصمود النظام الاجتماعي الديني الشيعي واستحكام دعائمه وقوته الميدانية، لا باعتبارها عصوراً علمية أو فقهية أو سياسية، وذكر إن لهذه العصور مدخلية مهمة في دراسة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي

ناقش الدكتور علي المؤمن في الفصل الثالث البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي، وبيَّن في أنه مر بثلاث مراحل رئيسية:

الأولى: مرحلة النيابة الخاصة: السفراء الأربعة

الثانية: مرحلة النيابة العامة: المحدثون والفقهاء

الثالثة: مرحلة النيابة العامة في ظل حكم الفقيه.

وكان من لوازم تمسك المجتمع الشيعي بزعامة نائب الإمام وجود قواعد تشريعية تشد القاعدة بالقمة، وكان في مقدمة هذه القواعد رجوع عامة الشيعة الى المحدث أو الفقيه في مسائلهم الشرعية، بوصفه المتخصص في الشأن الديني والمتولي للفتوى الشرعية. وهنا برز اصطلاح (التقليد)، وهكذا برز وجود مرجعية الفقهاء مجسداً للزعامة الشيعية ثم لحركة الاجتهاد والتقليد، وبات موقع الفقيه المرجع يمثل الولاية العلمية والزعامة الدينية الاجتماعية في عصر غيبة الإمام المهدي والامتداد الشرعي لخطي النبوة والإمامة، وله الحجية في الفتوى والقضاء والحسبة وتداول المال الشرعي والحكم، وبيَّن المؤلف أن هذه الأمور والمفاهيم ليست معقّدة ولا غيبية، بل لها تاريخ مدوّن واضح، سواء في الكتب الحديثة والرجالية أو في المدونات التاريخية.

وقد بيَّن المؤلف نقطة مهمة جداً تتعلق بالتقليد، بقوله: (لقد ظلت بعض الاتجاهات العلمية الشيعية ترفض قاعدة التقليد، لانها ترفض أساساً مبدأ الاجتهاد في الشريعة، ومنها المدرسة الإخبارية، مقابل المدرسة الأصولية، ولكن المفارقة أن الآراء التخصصية التي ترفض الاجتهاد والتقليد هي نفسها تطبِّق منظومة الاجتهاد والتقليد عملياً وحرفياً، وإن رفضتها نظرياً، بل حوّلت منظومتها المرجعية الى نظام مؤسسي أبوي رعوي، محكم وقوي فتوائياً وإدارياً ومالياً، بما يفوق منظومة المدرسة الأصولية الاجتهادية، التي باتت تمثل الخط العام للمرجعية الدينية منذ عهد المرجع الاعلى الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهائي (1206 ه - 1791 م). ومن ثم استعرض أهم مباني ولاية الفقيه وتطور موضوعاتها وتطبيقاتها، بمنهجية وصيغة تحليلية، وبيّن أن مبدأ ولاية الفقيه ليست أطروحة أو نظرية أو فكرة جاء بها شخص محدد أو عالم معين أو فقيه بعينه، بل هي القاعدة الحصرية التي يقف عليها كيان المرجعية الدينية الشيعية والحوزة العلمية والنظام الديني الشيعي برمته، منذ نشوئه في عصر غيبة الإمام المهدي قبل 1200 عام تقريباً وحتى الآن، وبدون ولاية الفقيه لا يبقى أي أصل شرعي لمرجع وفتوى وفقيه وحوزة وتقليد واجتهاد، وقد تأسست المرجعية الدينية على مبدأ ولاية الفقيه حصراً، وبذلك فإن مبدأ ولاية الفقيه هو محل إجماع فقهاء الشيعة، الماضين منهم والأحياء دون استثناء.

وقد أجاد الدكتور المؤمن في دراسته، حينما بيَّن أن الدلالات الجوهرية للأحاديث التي تدل على صلاحية الولاية الدينية والقيادة الاجتماعية الشاملة للفقيه؛ تحدد خمسة وظائف أو صلاحيات حصرية للفقيه، وكل واحدة منها تمثّل ولاية فرعية من ولاية الفقيه، وهي:

1- وظيفة فقهية تتمثل في الإفتاء.

2- وظيفة تحكيمية تتمثل في القضاء.

3- وظيفة مالية تتعلق بشوؤن الحقوق الشرعية.

4- وظيفة حسبية تتعلق بإدارة المجتمع الشيعي.

5- وظيفة سياسية تتعلق بإقامة الدولة الإسلامية وقيادتها.

ويجمع الفقهاء على الوظائف الأربعة الأولى، ولكنهم يختلفون على الوظيفة الخامسة في دلالة أو عدم دلالة الأحاديث عليها، أي أن الخلاف بين الفقهاء ينحصر في مساحات ولاية الفقيه توسعةً وتضييقاً، أما الولاية نفسها؛ فيعدّون مبدأها جزءاً من عقائد الإمامية البديهية المجمع عليها، والتي لا تحتاج الى عناء في الاستدلال عليها كما يقولون. وبعد أن يعرض المؤلف لدلالات أحاديث نيابة الفقيه في هذا الفصل، يخرج بنتيجة مفادها: (إن هذه المخرجات كانت كافية لفقهاء الشيعة ومحدثيهم وزعمائهم ليؤسسوا للنظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي يترأسه الفقيه، ويحافظوا على وحدة النسيج الاجتماعي والسياسي لأتباع أهل البيت، ووحدة كيان مدرسة الإمامة ووحدة قيادتها، وما يترتّب على ذلك من ترابط وثيق بين القاعدة والقيادة المتجسدة في ولاية الفقيه أو المرجعية الدينية. وقد كان هذا النظام نوعاً من الحكومة أو الدولة ناقصة السيادة، وبه كان يتلخّص الفقه السياسي لمدرسة الإمامة حينها. واستمر هذا الحال قروناً طويلة، كان فيها الفقهاء يقفون على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، بما يشكل مزيجاً من القيادة الدينية والإدارة الاجتماعية). ولكن؛ أعتقد أن المؤلف قد أسهب في هذا الفصل في الاستدلال العلمي على مبدأ نيابة الفقيه أو ولاية الفقيه، وكان الأجدى به أن يختصر الموضوع.

المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي

ركّز الدكتور علي المؤمن في الفصل الرابع على بيان قضية مهمة، وهي أن المرجعية الدينية الشيعية ظلت ما يقرب من 1200 عاماً، أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وهي التي أنشأت هيكلية هذا النظام، وبلورته بالتدريج، ومن خلاله حفظت الشيعة من الضربات المتوالية والانهيار. وتشكِّل الحوزة العلمية الشيعية - منذ تأسست - مركز هذا النظام؛ فهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب، بل هي مركز النظام الاجتماعي الديني الشيعي، ولذلك؛ يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية والنظام الاجتاعي الديني الشيعي، ويقودهما على كل الصُعد.

وحدد المؤلف في هذا الفصل أهم قواعد الواقع ومتطلباته؛ إذ يقول بأن النظرة الى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتتمثل هذه القواعد فيما يلي:

1- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب، بل هي منظومة دينية اجتماعية تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني للطائفة الشيعية الإمامية في العالم، ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد، أهمها: الموضوع العلمي الديني المرتبط بالفتوى، والموضوع الاجتماعي الديني المرتبط بادارة الشأن العام الشيعي وحفظ النظام العام، ويترشح عن هذه القاعدة ثلاث قواعد فرعية:

أ‌- إن المرجعية وحوزتها العلمية هما الوجود الأصيل والثابت والجوهري الوحيد في النظام الاجتماعي الديني الشيعي، منذ بداية عصر الغيبة وحتى الآن.

ب‌- إن الوجودات والكيانات الشيعية الأخر، سواء كانت سياسية أو علمية أو اجتماعية أو علاقاتية، مهما بلغ شأنها، هي وجودات عارضة متغيرة، ولا يمكن أن تتساوى مع المرجعية الدينية في مساحة القيادة والصلاحيات الدينية والاجتماعية والمعنوية.

ت‌- إن الإطار الذي ينبغي أن يضم جميع الكيانات الشيعية الفرعية العرضية هو إطار النظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي تقوده المرجعية العليا، وفي داخل هذا الإطار تكون علاقة الكيانات الشيعية بالمرجعية الدينية هي علاقة المتغير بالثابت والفرع بالأصل والتابع بالمتبوع.

2- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها، هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها، أما المحاولات الإصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامستها، بل تلامس التفاصيل والمتغيرات.

3- إن المرجعية تمثل دائماً الأبوة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية، وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة، وبالتالي؛ فإن المرجعية العليا هي (أم الولد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر، وتعمل على الحؤول دون إنكفائهم خارج النظام الاجتماعي الديني، حتى وأن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

وتحت عنوان تطور المفاهيم التدبيرية العقلائية؛ بيَّن المؤلف أن أغلب المصطلحات والمفاهيم المتداولة في وصف ظواهر الاجتماع الديني الشيعي تستند الى قواعد عقلية، وليس لأغلبها أصول تشريعية نقلية، وهي مصطلحات عرفية تدبيرية تنظيمية عقلائية. واعتبر المؤلف مبدأ ولاية الفقيه من المفاهيم القليلة التي تمتلك أصلاً تشريعياً؛ بوصفه الأساس لكل تفاصيل النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ ما يعني أن ولاية الفقيه هي الأصل التشريعي لكل المصطلحات والمفاهيم التنظيمية العقلية المذكورة، وفي مقدمتها الاجتهاد والتقليد والمرجعية الدينية والأعلمية.

المرجع المتصدي وتعدد مرجعيات التقليد

حاول الدكتور علي المؤمن في مقاربة هذا الموضوع؛ إيجاد حل بإزاء إشكالية لا تزال مدار بحث ونقاش، وهي تعدد المرجعيات، للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ فقال المؤلف: (حيال إشكالية تعدد مراجع التقليد؛ يرى المعنيون بالنظام الاجتماعي الديني الشيعي ضرورة حصول إجماع نسبي لدى أهل الخبرة في الحوزتين الشيعيتين المركزيين (النجف وقم)، لطرح أحد المراجع وفق شرائط معينة، ليكون هو المرجع المتصدي او المرجع الأعلى؛ للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ لأنّ ممارسة جميع الفقهاء لولاية الحسبة في الشأن العام في وقت واحد ومكان واحد يؤدي إلى الفوضى وانهيار النظام العام ). ويرى المؤلف أن بالإمكان (إضافة شرطي الكفاءة والمقبولية العامة إلى شرطي الاجتهاد والعدالة؛ ليكونا شرطين مرجِّحين في هذا المجال. أمّا إذا تحقق شرط الأعلمية النسبية؛ فستكون الشروط متكاملة في المرجع المتصدّي أو الأعلى الذي تكون له ولاية على النظام العام).

وهو ما يدعم ــ كما يقول ــ العرف الموروث بحصر  المرجعية العليا والمرجعيات عامة، سواء في النجف أو قم؛  فإنّ دليل حصر المرجعية العليا المتصدّية للشأن العام وولاية الفقيه، هو الدليل العقلي التدبيري المقبول شرعاً؛ بل الواجب بالعنوان الثانوي، والذي يفرض وجـود مرجعية عليا تتولى حصراً شؤون حفظ النظام؛ لدرء المفاسد عن النظام الاجتماعي الشيعي، والحيلولة دون تمزق قراره وتشظيه، ودون تمرد الجماعات الدينية الخاصة على زعامة النظام المتمثلة بالمرجع الأعلى المتصدّي.

وقد أكد المؤلف بأن هناك دائماً خط عام للمرجعية الدينية وخطوط خاصة داخل الحوزة، وأن الخلاف داخل الحوزات العلمية لم يكن يوماً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً؛ إلّا في مخططات الخصوم والأنظمة ووسائل الإعلام الطائفية، أو لدى المنفعلين وأصحاب المصالح، وان كل الحوزات المنتشرة في بقاع العالم لا تزال تستخدم المناهج الدراسية والسياقات العامة والافكار نفسها الى حد التطابق غالبا، وتعتمد سبل التعاون والتبادل والتكامل نفسها منذ 1200 عام وحتى الآن، حتى يمكن القول انها حوزة علمية واحدة فيها فروع مناطقية منتشرة في بلدان الكثافة السكانية الشيعية. واذا كان هناك خلاف داخل الحوزات العلمية فهو يتصل بالخلاف حول تطبيقات الالتزام بمنهجية عمل الحوزة وسيقاتها المتعارفة، وأهمها طريقة طرح بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خارج السياقات والمعايير المتعارفة، وطرح الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة سلوكيات ترتبط بالشأن العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعية العليا المتصدية، الأمر الذي يساهم في تمزيق الواقع الشيعي. وقد يتفاقم هذا التعارض في الأفكار والسياقات والسلوكيات لدى بعض علماء الدين الى المستوى الذي يحوِّلهم الى خط عرضي خاص مقابل الخط العام في النجف أو قم، وقد ضرب المؤلف لذلك أمثلة معاصرة توضح هذا المعنى.

وقد حدد المؤلف معايير خمسة إذا التزم بها عالم الدين الشيعي؛ يُعتبر أنه يسير وفق الخط العام، أما إذا لم يلتزم بها؛ فأنه يمثل خطاً خاصاً عرضياً، ومن خلال تطبيق هذه المعايير؛ يمكن معرفة مصاديق الخطوط العامة والعرضية الخاصة، وهي كما يلي:

1- التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

2- حصول عالم الدين على درجة الاجتهاد من أستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً، أو شهادة أهل الخبرة (المجتهدون العدول) باجتهاده.

3- عدم خروج عالم الدين على الاجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

4- عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام، حتى بعد أن يحصل على الاجتهاد ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد وتتوسع مساحات نفوذه الديني.

5- التزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رسالته الفقهية العملية وإعلان مرجعيته ونشر وكلائه.

ثم بيَّن المؤلف أن واقع الاجتماع الديني النجفي؛ أصبح ينقسم في عقد الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي الى ثلاث منهجيات رئيسة:

1- المنهجية الوسطية الاصلاحية، المتمثلة في مرجعية السيد محسن الحكيم، وقاعدتها: ولاية فقهية واسعة في الأمور الحسبية ورعاية النظام العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وإصلاح محدود في الدولة.

2- المنهجية التقليدية المحافظة، المتمثلة في مرجعية السيد ابو القاسم الخوئي، وقاعدتها: ولاية فقهيه محدودة في الـمور الحسبية، وسمتها التطبيقية: إصلاح تقليدي في الأمة وانكفاء في موضوع الدولة.

3- المنهجية التغييرية الثورية، المتمثلة في الفقيه الشاب محمد باقر الصدر، وقاعدتها: ولاية فقيه عامة ورعاية مطلقة للشأن العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وتحول جذري في الدولة، وانخراط في العمل التغييري الثوري. وهذه المنهجية، أسسها في قم الإمام الخميني.

ثم تطرق المؤلف لدور جماعات الضغط والمصالح في خلق مرجعية رمزية دينية شيعية تنسجم مع إرادتها، وتحقق مصالحها، وأيضا تطرق الى بيان مفهوم الحواشي في مؤسسة المرجعية؛ ليصل الى نتيجة مهمة يلخصها بقوله: (ينبغي عدم الخلط بين الحواشي وجماعات الضغط التابعة للمرجعيات من جهة، وجماعات الضغط والمصالح المرتبطة بأجندات معادية للحوزة وللواقع الشيعي من جهة أخرى. ولعل الخطاب الأخطر، في الوقت الحاضر، الذي تروج له جماعات المصالح والضغط المرتبطة بمخططات خارجية معادية، هو عمل فجوة بين المرجعية العامة والحوزة في النجف من جهة، والجمهورية الإسلامية في ايران وحوزة قم والحركات الاسلامية الشيعية في العراق ولبنان والبحرين وغيرها من جهة أخرى، من خلال اختلاق الخلافات وتضخيم الوقائع وانتقاء التفاصيل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة مع البلدان المتخاصمة مع الشيعةـ وتحديداً أمريكا وبريطانيا وإسرائيل والسعودية، وفي مقدمة هذه الأهداف: الاستفراد بالمرجعية النجفية والواقع الشيعي العراقي، وتمزيق النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومكوناته من داخله).

ثم بيّن المؤلف حقيقة مهمة جداً، تحت عنوان قدسية الدين ومهنية الفقيه، بيّن فيها أن الطاعة والقدسية في النظام الاجتماعي الديني الشيعي هما عمليتان معقدتان وصعبتا المنال، ولا يستطيع أي عالم دين أن يتمتع بهما، سوى فقيه واحد أو اثنين في زمان واحد، هما المرجع الأعلى المتصدي للشأن العام والولي الفقيه الحاكم.

.......... الى هنا

الحوزة العلمية: المؤسسة الدينية للنظام

تناول الدكتور علي المؤمن في الفصل الخامس؛ المؤسسة الدينية المتمثلة في الحوزة العلمية، سواء في النجف الأشرف أو في قم؛ بإعتبارهما يمثلان الثقل الأكبر في الواقع الشيعي. وتكمن أهمية هذه الدراسة للحوزة العلمية؛ في أن المرجعية الدينية تمثل حالة القيادة والرعاية لهذا النظام الاجتماعي الديني الشيعي، لذلك؛ كان هذا الفصل هو عملية شرح وبيان نشأة الحوزات العلمية الشيعية، فبدأ المؤلف بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، ثم انتقل الى الحوزة العلمية في قم؛ لما لهما من التأثير الكبير على قوة أو ضعف النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وختم الفصل بمقارنة بين الحوزتين، بيَّن فيها أوجه التشابه بينهما وأوجه الاختلاف، ونذكرهما هنا باختصار:

1- أوجه التشابه: إنهما تتشابهان الى حد التطابق في المضامين والمحتوى، ولا سيما في مراحل الدراسة الثلاثة: المقدمات والسطوح والبحث الخارج، وكذا المناهج الدراسية في المراحل الثلاث، ومصادر البحث والرواية والاستدلال، وشروط الاجتهاد وأساليب الوصول اليه، وشروط المرجعية، ولا سيما الأعلمية والعدالة، وأساليب إدارة المدارس الدينية التقليدية وغيرها.

2- أوجه الاختلاف: ذكر المؤلف أن هناك أربعة اختلافات:

أ‌-  تختلف حوزة النجف عن غيرها من الحوزات العلمية الكبرى في الكوفة وقم وبغداد وجبل عامل والحلة وكربلاء؛ في أنها لم تأفل ولم تضمحل خلال 1000 عام، بعكس باقي الحوزات، فيمكن القول ـن جميع الحوزات كانت موسمية غالباً، عدا حوزة النجف.

ب‌- إن النجف خلال 1000 عام متواصلة، لم تخل يوماً من مراجع الصفين الأول والثاني، وذلك عندما كان مركز المرجعية العليا ينتقل الى حوزات أخرى في فترات زمنية محدودة، لذلك؛ فإنّ 80% من المرجعيات العليا في التأريخ الشيعي كان مركزها النجف الأشرف.

ت‌- إن أغلب الإنتاج العلمي الديني الشيعي: التفسيري والحديثي والكلامي والفقهي والأصولي والرجالي؛ كتبه علماء النجف، دون بخس حوزات بغداد وقم وكربلاء والحلة وجبل عامل نتاجاتهم.

ث‌-  في مجال تعاطي الحوزتين النجفية والقمية مع الشأن السياسي؛ فإن حوزة النجف ضلت مئات السنين تعاني من سياسات العزل والتهديد والاضطهاد التي تمارسها الحكومات الطائفية في بغداد، أما الحوزة العلمية في قم والحوزات العلمية في ايران؛ فقد ضلت منذ قيام الدولة الشيعية البويهية في العام 322 ه ( 933م ) تعيش أوضاعاً طبيعية غالباً بعيداً عن القمع والتهميش.

إعادة مأسسة منظومة المرجعية الشيعية

في الفصل السادس سلط الدكتور المؤمن الضوء على الدعوات الداخلية الإصلاحية لمنظومة المرجعية الدينية، التي تستند الى الأسس والثوابث والمبادئ، وتستهدف المتغيرات والهياكل، ورأى بأن مبادئ الإسلام ومذهب آل البيت، تضع في عنق المسلم واجب الدعوة الى إصلاح المتغيرات وتجديد القراءات، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبما يعزز قوة النظام الاجتماعي الديني الشيعي وقيادته ومؤسسته الدينية وفاعليتها.

وطرح المؤلف في هذا الفصل قضية مهمة جداً، ألا وهي افتقاد النظام الاجتماعي الديني الشيعي الى مجلس شورى مركزي لإهل الخبرة، والذي هو بمثابة مؤسسة للحكماء والخبراء والاختصاصيين، يقوم برسم الستراتيجيات الموحدة، ويضبط حركة النظام، ويقدم المشورة لكل مكونات النظام وتفرعاته الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية، عبر قواعد نظرية وأدوات إشراف عملية. هذا النقص المؤسسي ظل في بعض ساحات العمل أحد أهم أسباب عدم وضوح المشروع الشيعي العام، وانعدام الستراتيجية الموحدة والقرار القيادي الواحد، بل ويؤدي أحياناً الى انهيار الواقع الشيعي، ومصادرة كفاحه وانجازاته من قبل الآخر الطائفي والآخر الآيديولوجي.

ولتفادي هذا الأمر؛ طرح السيد المؤمن بعض الآليات التي يمكن استحداثها، والمتمثلة بمؤسسة مرجعية استشارية عليا، تحت اسم "مجلس الحكاء" أو "مجلس أهل الخبرة" أو "مجلس أهل الحل والعقد" أو "مجلس كبار العلماء"، والذي يتألف من المجتهدين العدول المقبولين شعبياً، والمتفق على اجتهادهم وعدالتهم، وفق معايير مؤسسية يتم تثبيتها من لجان تخصصية، ويقرّها المرجع الأعلى والمراجع الآخرون؛ لتكون حجة على الجميع. وتناط بهذا المجلس خمس مهام؛ هي بأختصار:

1-  اختيار المراجع الحائزين على شروط التقليد، وطرحهم للأمة؛ لكي يكون تقليدهم مبرئا للذمة.

2- اختيار المرجع الأعلى الجديد من بين المراجع الحائزين على شروط التقليد بعد رحيل المرجع الأعلى السابق.

3- مراقبة استمرار إحراز المراجع لشروط المرجعية.

4-  تقديم المشورة للمرجع الأعلى في مختلف شؤون المرجعية.

5-  التخطيط ورسم الستراتيجيات للنظام الاجتماعي الديني الشيعي ومختلف فروعه ومكوناته، بالتعاون مع لجان من الاختصاصيين والخبراء والأكاديميين من غير علماء الدين.

شرطا الأعلمية والكفاءة في المرجع الأعلى

وضمن المباحث المهمة في الفصل السادس؛ ناقش المؤلف قضية شرط الأعلمية في المرجع الأعلى، ومعايير الأعلمية ومواصفاتها، وكيفية إحرازها من قبل المرجع؛ ليصل المؤلف من خلال البحث الى قضية مهمة جداً ألا وهي: إن مفهوم الأعلمية المتجدد الذي يتطلبه الواقع، وينسجم مع وظائف المرجع، ينطوي على أربعة مفاهيم متفرعة، هي: "الأعلمية التقليدية" و"الأعلمية المتجددة" و"الأصلحية الموضوعية" و"الأقدرية القيادية".

وذكر المؤلف أن مفهوم الأعلمية المتجددة، يجمع في داخله المفاهيم الثلاثة الأخرى: "الأعلمية التقليدية" و"الأصلحية الموضوعية" و"الأقدرية القيادية"، ويترشح عنه خمسة معايير متداخلة، تكمل بعضها:

1- أعلمية في مسائل الحلال والحرام.

2-  أعلمية في الموضوعات، ولا سيما الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

3-  أعلمية في فهم مقاصد الاسلام ونظامه العام.

4-  أصلحية في وعي مصالح الأمة ومتطلبات نهوضها.

5-  الأقدرية على قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

ثم يضيف المؤلف شرطاً مهما آخر للمرجع الأعلى، ألا وهو شرط الكفاءة، وهو يدخل في إطار المعايير الثاني الى الخامس المذكورة، ويعتقد المؤلف أن هذا الشرط الترجيحي ربما هو الأهم إطلاقاً في ترجيح فقيه على آخر، بالنظر لحاجة منصب القيادة المرجعية اليه، بل مرجحاً على الأعلمية النسبية؛ فلو كان هناك فقيهان، أحدهما مشتهر بأعلميته، والآخر مشتهر بكفاءته؛ فمن الأولى هنا ترجيح الأكفأ للتصدي للمرجعية العليا، مع لحاظ شرط المقبولة العامة.

وعرّف الدكتور علي المؤمن "الكفاءة"؛ بأنها تعني الصفات والمهارات والسمات الشخصية الذاتية، ويمكن إجمالها فيما يأتي اختصاراً:

1-  الحكمة ورجاحة العقل والاتزان المقترنة بالشجاعة.

2-  الوعي الدقيق بالمحيط الاجتماعي والوطني والدولي، الى مستوى القدرة العميقة على تشخيص المصالح والمفاسد على المستويين المحلي والعام.

3-  القدرة على الإدارة والقيادة والتدبير، بدءاً بإدارة الحاشية والمكتب الخاص ومؤسسة المرجعية والحوزة العلمية، وانتهاء بإدارة المجتمع والشأن العام.

4-  الثقافة العامة، ولا سيما في العلوم والمعارف المرتبطة بفتاوى الشأن العام وإدارته، كعلوم الاجتماع والنفس والانثرولوجيا والسياسة والقانون والاقتصاد.

5-  التمتع بنزعة استشارة أهل الاختصاص الحقيقيين، في موضوعات الفتاوى والأحكام والشأن العام، سواء من علماء الحوزة أو غيرهم.

ثم ختم المؤلف الفصل السادس ببيان شرط المقبولية العامة في المرجع الأعلى، ومعنى هذا الشرط هو تحويل ولاية المرجع المتصدي، في الحسبة العامة أو الحكم، من ولاية بالقوة الى ولاية بالفعل، أي من ولاية كامنة الى ولاية ظاهرة فاعلة، وذلك من خلال قبول الجمهور الشيعي لهذا المرجع أو ذاك بأن يكون هو الراعي والمرشد والزعيم في قضاياه العامة؛ إذ أن دور الجمهور هنا يقتصر هنا على تفعيل ولاية المرجع وزعامته ليكون هو المرجع الأعلى المتصدي.

عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي

بيَّن السيد علي المؤمن في الفصل السابع عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي، وقال: إن هذا النظام يحظى بعناصر قوة وثبات واستمرار، لا يحظى بها أي نظام اجتماعي ديني آخر في العالم، إسلامي وغير إسلامي، وهذه العناصر الواقعية تشكِّل ضمان بقاء المذهب الشيعي، وتماسك النظام الاجتماعي العالمي الذى أفرزه المذهب. وأوضح المؤلف بأن منهجه في المقاربة هنا يتناول العناصر الواقعية، وليست العقدية والنظرية، وأن عناصر القوة الواقعية الأساسية التي تشكل الحماية لمدرسة آل البيت وأبنائها وللنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ هي اثنى عشر عنصراً أساسياً:

1- القضية المهدوية.

2-  المرجعية الدينية.

3-  ولاية الفقيه.

4-  التماسك المجتمعي الديني.

5-  عالمية النظام الشيعي.

6-  الاستقلال المالي الديني.

7-  المراقد والمزارات.

8-  شعائر الإمام الحسين.

9-  دولة ايران.

10-  المشاركة في الحكومات.

11- الجماعات السياسية.

12-  جماعات المقاومة.

وقد تناول المؤلف شرح كل واحد من هذه العناصر، وبيانها وتوضيحها، بصورة مختصرة غير مخلة بالمعنى المراد. ثم ختم الفصل بعنوان مهم، ألا وهو رهانات ضرب عناصر قوة الشيعة، وبيّن فيه أن المؤسسين الثمانية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة، وغيرهم من الفقهاء والزعماء الدينيين والسياسيين والعسكريين الشيعة عبر مئات السنين؛ تنبّهوا الى أهمية عناصر القوة الشيعية الواقعية المذكورة، وانشغلوا بتفاصيلها وتطويرها وتنميتها؛ لتكون معادلاً موضوعياً لمشكلة فقدان الشيعة للسلطة السياسية، الى جانب تقوية البعد النظر العملي والفقهي والفكري لمدرسة آل البيت.

وقال المؤلف: تزداد أهمية تقويم عناصر القوة الإثنى عشر المذكورة، وإصلاحها، وممارسة واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معها، الى جانب واجب دعمها وإسنادها وعدم تضعيفها؛ كلما ازداد تأثيرها وحضورها في الواقع الشيعي، وكلما ازداد الخلل في أدائها، دون أن تتحول تمظهرات الواجبين الى ولاء عاطفي أعمى غير واع أو خصومة تهريجية مخربه.

اشكاليات الهوية الشيعية

ذكر الدكتور علي المؤمن في بداية الفصل الثامن المهم جداً، مجموعة من الأسئلة، كان الهدف منها ــ كما يذكر ـــ الاسهام في إيجاد حلول علمية لإشكالية الهوية الشيعية من جهه، والمشكلتان الطائفية والعنصرية المستعصيتان لدى أغلب نظم الاجتماع الديني والسياسي في المنطقة العربية والإسلامية من جهة اخرى، وهما المشكلتان اللتان تهددان الأمن المجتمعي، وتفرضان على الشيعه حجراً مركباً في حريه الاعتقاد وممارسة الشعائر والطقوس، وأعتقد أنها أسئلة مهمة، وضرورة الإجابه عنها بكل علمية وموضوعية وواقعية، لأنها تصب في بلورة الهوية الشيعية.

وأكد المؤلف على حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، ألا وهي عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وأن هذا النظام ليس وليد اليوم، بل أنه متجذر في  الواقع الشيعي، وهو سر حفاظ المذهب الشيعي والمجتمع الشيعي على بقائهما واستمرارهما في ظل مساعي الاقصاء والاجتثاث، وأن المرجعية الدينية الشيعية معنية بكل شيعه العالم، ولا تخص بلدن دون آخر. وسلط المؤلف الضوء على قضية مهمة أخرى، ألا وهي الخطاب العنصري والمناطقي المتعلق باختيار المرجع، وبيّن أنه لا يشكِّل ظاهرة عامة، وليس له عمق نوعي أو عددي، بل هو عبارة عن موجة انحرافية، كانت جزءاً من أجنده نظام البعث، خصوصاً بعد العام 1991.

وأوضح المؤلف معايير عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ووحدته الاجتماعية وتماسك مكوناته البشرية، والمتمثلة في وحدة الشيعية سوسيولوجيّاً دينيّاً، وليست سوسيولوجيّاً محظاً وليست وحدة انثروبولوجية؛ إذ أن لكل مجتمع شيعي، هويته الانثروبولوجية والاجتماعية المستقلة، التي تتشكل من خلال تميزه، في لغته وقوميته وثقافته المحلية وجغرافياه الوطنية وخصوصياته العقليه والنفسية والاجتماعية والانسانية، عن غيره من المجتمعات الشيعية. وهي خصوصيات لا تعيق تماسك مكونات النظام الاجتماعي الديني الشيعي، بل تضفي عليه هذه الهويات المتعددة؛ قوة التنوع الثقافي والعقلي، خاصة وأن طبيعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وتراكم خبراته؛ تجعله يمتلك القدره الذاتية على تقارب هذه الهويات وشدها، وتكاملها في إطار هوية اجتماعية دينية واحدة، وبالتالي؛ فإن تنوع الهويات الانثروبولوجية والاجتماعية للشيعة، هو عنصر شد وليس فُرقة.

ولا يتوقف تعدد الهويات الاجتماعية والانسانية للشيعة على تعدد بلدان الحضور الشيعي، وبالتالي؛ فإن الجامع المشترك لكل هذه العرقيات والثقافات الوطنية والمحلية، هو الاجتماع الديني الشيعي، وهو جامع مشترك قوي وعميق، ويتفوق غالباً على العنصر القومى واللغوي والمناطقي. ثم قام المؤلف باستعراض ستة نماذج منتقاة من المجتمعات الشيعية بغية التعرف على طبيعة التنوع النفسي والاجتماعي والعقلي للمجتمعات الشيعية المتعددة قومياً ووطنياً، وهي: المجتمع الشيعي الجزيري والخليجي، المجتمع الشيعي العراقي، المجتمع الشيعي الإيراني، المجتمع الشيعي اللبناني، المجتمع الشيعي الآذربيجاني والمجتمع الشيعي الهندي.

وتحت عنوان خيار الاندماج بمجتمع الدولة؛ أكد المؤلف في دراسته أن هناك اشتباكاً بين الهويات والانتماءات، يستدعي فضه، من خلال تعديل شامل في القرارات والسياقات ذات العلاقة بالحريات والحقوق المذهبية والسياسية في بلدان الحضور الشيعي، وإلغاء القوانين والأعراف والمفاهيم الطائفية التي تعيق ممارسة المجتمعات الشيعية حقوقها الانسانية وحريتها المذهبية، أما الابقاء عليها وإرغام الشيعة على القبول بها كأمر واقع؛ فإن ذلك يؤدي تلقائياً الى نفور الشيعة من النظام السياسي الذي يحكمهم، وإنكفائهم ضده، والى مزيد الخصام بين الاجتماع الديني الشيعي والاجتماع السياسي للدول التي تضطهد الشيعة.

المرجعية الشيعية بعد السيستاني والخامنئي

أعتقد أن السيد المؤمن حينما استعرض في الفصل التاسع نماذج من المرجعيات الشيعية المطلقة في القرن العشرين، ثم درس واقع مرجعيتي السيدين العليين الحسينيين السيستاني والخامنئي، ومن هو المرشح بعدهما، سواء كان من حوزة النجف أو من حوزة قم؛ فإنه يكشف عن الأهمية الكبيرة لمنصب المرجعية، وكونه يحدد مصير الشيعة وتوجهاتهم على كل الصعد، وكونه  يمثل موقع زعامة النظام الاجتماعي الديني الشيعي والحوزة العلمية. ثم ختم المؤلف كتابه بالنتائج والخاتمة.

وقد أجاد المؤلف في بيان مراده، وما يصبو اليه من، هذه الدراسة الوصفية التحليلية، كما أكد على أن هذه الدراسة هي محاولة لتقديم وعي علمي بحقائق الاجتماع الديني الشيعي ودراسة النظام الاجتماعي الذي يترشح عنه، وتحليل هيكله ومكوناته وأنساقه الداخلية، وعلاقاته بالآخر، المختلف مذهبياً وفكرياً وسياسياً، وتأثير الأسس العقدية والفقهية للتشيع في صياغة هذا النظام وأعرافه وتقاليده وطقوسه.

***

بقلم: د. محمد علي السعدي

 

عبده حقيقراءة في كتاب: انحدار من هنا: انعدام الأمن في التقاعد في عصر عدم المساواة للكاتبة الأمريكية كاثرين إس.

منذ سنوات عديدة، كان التفرقة العمرية واحدة من "المذاهب"، إلى جانب العنصرية والتمييز على أساس الجنس والقدرات، وهي أمور مرفوضة في الخطاب التقدمي وغير قانونية بموجب قانون مكافحة التمييز - على الأقل من الناحية النظرية. ومع ذلك، لا يزال التمييز ضد كبار السن هو الأكثر شيوعًا وغير المدروس والمقبول بشكل عام من بين جميع تحيزاتنا.

على سبيل المثال هناك وسائل الإعلام، من الإعلانات إلى الأخبار، التي تصور الشيخوخة بشكل حصري تقريبًا من حيث الخسارات - القدرات الجسدية والعقلية، ومكافأة العمل، والمال، والرومانسية، والكرامة. تقودنا تلك الصور المحزنة والمقلقة في كثير من الأحيان إلى الخوف من قدر الشيخوخة. ولكي ننأى بأنفسنا عن هذا القلق، نعتبر كبار السن غالبا هم "الآخر" ونهمشهم، ربما بشكل أكثر وضوحًا في الملاحظات العرضية المتعصبة للغرباء.

لقد أصبحنا أكثر عرضة للخطر على مر السنين في أنظمة رأسمالية تعامل الناس بالفعل على أنهم مستهلكون لا غير. الكاتبة أبيلوايت، على الرغم من نبرتها المتفائلة، في كتابها الأخير تصف هذا النظام بالرأسمالية العالمية، كما هو الحال عندما تنتقد حكاية صراع الأجيال. الصورة التي يتم استحضارها هي أن كبار السن مجرد ناس جشعون يبتلعون الوظائف والمنازل والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ولا يتركون شيئًا للجيل القادم.

إنه لمن السهل الانجرار إلى لعبة إلقاء اللوم على الأجيال، وتحريضها على التفرقة العمرية الكامنة، ونسيان أن النظم الاقتصادية ليست ظواهر لا هوادة فيها مثل الجاذبية أو الزمن؛ بل هي نتيجة اختيارات إنسانية . في الواقع، بدلاً من اعتبار كبار السن كائنات مثل العلقات، يجب أن نتذكر أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يتحقق بين جميع الأجيال. إن كبار السن جزء لا يتجزأ من المجتمع. لقد دعم معظمهم الشباب وكبار السن بعضهم البعض بأي طريقة كانت متاحة. وسواء كانوا نشطون ويعملون أو متقاعدين، فإنهم يقتنون المنتوجات والخدمات ويدفعون الضرائب ويساهمون بالعمل والدعم والتمويل لأسرهم ومجتمعاتهم.

الكاتبة أبلوايت تختتم بيانها بتوصيات صادمة على أنها أجزاء مما يمكن أن يكون صفقة جديدة وعظيمة للعمر. يمكن أن تبدأ بمزيد من المرونة في التوظيف حتى يتمكن الأشخاص من الحصول على وظائف لمدد أطول، مع مزيد من الوقت للتدريب والاستكشاف ومتانة العلاقات العائلية فضلا عن وضع الموارد في تصميم يسهل الوصول إليه للأماكن العامة، بالإضافة إلى برامج لدعم التنقل للأشخاص من خلال الأعمار والقدرات. فمن شأن هذا تسهيل اندماجهم في المجتمع، وسيكونون في وضع جيد للمشاركة بسبب التحسينات في قطاع السياسة الصحية والممارسة السريرية والتمويل والبحث. وإذا كانت هناك حاجة، في نهاية العمر، إلى مزيد من العناية المركزة، فسيتم تعويض العمال وأفراد الأسرة الذين يقومون بأعمال رعاية مدفوعة الأجر.

الحقيقة هي أن تحسين الأنظمة لتشمل كبار السن من شأنه تحسين الازدهار ونوعية الحياة للجميع.

كل ذلك يدعونا اليوم إلى حركة جديدة ضد التمييز على أساس السن وتعيين ممثلين وصانعي سياسات مسؤولين اجتماعيًا في مناصبهم. كما يتطلب ذلك نوعًا من زيادة الوعي والتحريض الذي يدور الآن حول قضايا العرق والعدالة والمناخ والجنس. الخطوة الأولى هي الاستيقاظ على الأضرار الحقيقية للتفرقة العمرية ورفض إطعام الوحش الاقتصادي بكلماتنا وأفعالنا.

***

عبده حقي

 

طارق بوحالةأصدر الباحث والأديب الجزائري الدكتور علاوة كوسة منذ أيام قليلة كتابا جديدا وسمه بـ: الأنساق المقنعة في الشعر الشاهدي العربي عن دار النشر الفتيّة "فكرة كوم للنشر والتوزيع" الجزائر "2022" ، ويندرج موضوع هذا العمل في إعادة قراءة الأشعار المكتوبة كشواهد ونقوش على القبور والأضرحة المترامية في كثير من الأقطار العربية، وذلك من منظور الإجراء النقدي الذي يتيحه نشاط النقد الثقافي، حيث حاول الباحث الغوص في هذه الشواهد الشعرية، ثم الكشف عن المضمرات النسقية المختزنة، وتأويلها في ضوء جملة من المعطيات والسياقات المنتجة لها.

ومما يحسب للباحث أيضا أنه قد بذل جهدا كبيرا في جمع هذه الأشعار من أمكنة عديدة، إذقام بزيارة بعض الأماكن في الجزائر وخارجها للحصول على هذا الأشعار، كما اتصل ببعض الأصدقاء لتزويده بما يملكون، وأيضا العودة إلى الكتب والمؤلفات المتضمنة لبعض الشواهد قديما وحديثا، وهو ما سمح له بعد ذلك بإخراج معجم يتضمن كل الأشعار المجموعة وتضمينه (المعجم) في كتابه.

لقد وظف الدكتور علاوة كوسة خبرته في مجال النقد الأدبي، و-هو صاحب الدراسات العديدة في مجال نقد الشعر والقصة والرواية والقصة القصيرة جدا وغيرها- ليطعّم هذه الخبرة بعد ذلك بالاشتغال على مقولات النقد الثقافي، وتوظيفها في قراءة الشعر الشاهدي، كما لم يغفل عن إبداء جملة من الآراء حول واقع النقد الثقافي في الخطاب العربي المعاصر، خاصة بعد الدعوة الرائدة للناقد السعودي عبد الله الغذامي،  ليسعى بعد ذلك إلى تبني المقولة المركزية في هذا النشاط، وهي مقولة "الأنساق الثقافية" باحثا عنها وهي متوارية خلف البناء الشعري للنماذج الشاهدية المختارة.  وقد استعان الباحث أيضا بقدراته التأويلية في سبر أغوار المدونة الشعرية المختارة، جامعا بين الخبرة النقدية والمهارة الشعرية، فأخرج لنا كتابا رائدا وسبّاقا وطريفا، حُق له أن يكون مدونة خصبة للقراءة والتحليل.

***

د. طارق بوحالة

 

اسعد شريف الامارة2. العائلة والتنشئة الاجتماعية

يعرض "صفوان" رأي رادكليف برون تعريف العائلة بانها وحدة البنية التي من خلالها تنبني منظومة قرابة، والتي سماها العائلة الأولية، وانتقد ذلك " كلود ليفي – ستروس" بقسوة معتقدًا بفكرة تُكون العائلة البيولوجية نقطة انطلاق أي مجتمع لتحضير منظومته في القرابة. وأتفق معظم المحللين النفسيين واسموه بـ "المرحلة التناسلية" التي لم يحتج على وجودها أول مرة إلا "جاك لاكان"؟  هذا الاعتقاد بغريزة طبيعية تدفعنا إلى الانجاب اعتقادًا أصلب أيضا من الاعتقاد بالغيب، لأنه يمتلك حقيقة أننا مُجهزون بيولوجيًا لتنفيذ هذا الهدف، وهو يضمن لنا إذا جاز القول خلودًا علمانيًا ولا يدهشني أن المحلل الذي أحتج على هذا الاعتقاد كان هو نفسه الذي بين رسوخ نرجسيتنا عبر وقوعنا في أسر شيء مُتلاشٍ إلى أبعد حد، أسر مظهر خداع، وصورة مرآوية " الإنسان ظل الظل" وإذا أخذنا في الحسبان هذا الاحتجاج فالسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمعرفة إن كانت المجتمعات البشرية قد شرعت في بناء نُظم قرابتها ليس انطلاقًا من العائلة البيولوجية، أيا كان المعنى الذي نخلعه على تعبير"انطلاقًا من" بل شرعت في بنائه لكي تقطع الطريق على التخريب الناجم عن لغة الأسس الغريزية الممنوحه لتلك الأسرة، والملمح الأوحد الذي يبقى مما ندعوه"العائلة الطبيعية" هو ولادة الطفل من رحم الأم، ولما كان تعيين العامل الثاني لهذه الولادة غير مُتناسب مع اليقين نفسه، فقد ارتبطت معرفته باعترافه: أب الطفل هو الذي يعترف بأن هذا الطفل ابنه، وينقل له اسمه، ففي استبدال المعرفة بالاعتراف تكمن روح الثقافة، وكل نظام قرابة يُفضي إلى نظام إعتراف بين أعضاء المجتمع، ولا نبالغ إذا قُلنا إن اسم الأب يُجسد مثال هذا الاعتراف الأصلي إن لم يكن حجر الزاوية فيه، ومع ذلك تعالوا نتمعن أكثر من مختلف أشكال العائلة.

يدخلنا "مصطفى صفوان" في هذه الصفحات بموسوعة شاملة من أنظمة تكوين الأسرة واتساع العائلة في ترامياتها المتنوعه من الأبوة والانجاب والنسب ومحورها يدور على أساس الوجود وهي المرأة ، الزوجة بصورها المتعددة، صورة المرأة المنجبة، والاب الغائب، وبديله في الانجاب أو في الأرث باستعراض كتاب "ليفي- ستروس" الموسوم "النظرة البعيدة" ومقال "العائلة" الذي يعده كلاسيكيًا، لأنه قائم على تأثير مذهب التطور البيولوجي الذي قاد علماء الاعراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين إلى افتراض أن العائلة الحديثة القائمة اساسا على الزواج من امرأة واحدة تُمثل شكلًا من تطور على خط واحد أشد تعقيدًا، خط تُميزه في طفولة البشرية ملامح متعارضة تماما كمثل "الاختلاط البدائي" و " الزواج الجماعي". أما ما يُثبت طابع هذا الموقف غير المسموع فهو تضاؤله بالاطراد مع اغتناء علم الاعراق بالمعطيات الجديدة.

وما زال يناقش "صفوان" أراء"ليفي- ستروس" وبرأي "ليفي- ستروس" قوله: تُظهر هذه المعطيات أن نوع العائلة التي تتميز في المجتمعات المُعاصرة بالزواج الأُحادي وسكن الزوجين الشابين المستقل والروابط العاطفية بين الأبوين والاطفال ..الخ كانت موجودة أيضا بوضوح في مجتمعات بقيت في مستوى ثقافي نِصفُه بالأولي، أو عادت إليه. أتاحت هذه الحقيقة نزوعًا عاما إلى القبول غالبًا بان حياة العائلة موجودة في المجتمعات البشرية كلها" كما يذكرها كلود ليفي- ستروس في كتابه النظرة البعيدة في العام 1983 في الفصل الثالث، طبعة باريس. ويذكر"ستروس" أيضًا    قوله: أما العائلة على القران الدائم إلى حد يزيد أو ينقص لكنه مقبول اجتماعيصا، بين فردين من جنسين مُختلفين يؤسسان زواجًا، يُنجبان ويُربيان أطفالًا فتبدو كمثل ظاهرة كلية عمليًا حاضرة في نماذج المجتمعات كافة، ص67" ويناقش "ليفي- ستروس" فكرة العائلة الاحادية بانها مؤسسة حديثة ولكنه يخطئ ويطرح حالات نادرة مختلفة عن الحياة العائلية أي ما نسميه بالاسرة بالمعنى الدارج للمصطلح لا وجود لها على ما يبدو حيث يستشهد بمثال "النايار"  الذي يعدهم علماء الاعراق مثالا ممتازًا على المجتمع الأمومي. ويذكر "صفوان" سوف اعود إلى هذا المثال نفسه لتفحصه عن قرب أفضل أن استشهد نصيا بالوصف الذي يقدمه "ليفي- ستروس" لهذا المجتمع.

عند "النايار" وهم شعب هندي كبير على ساحل مالابار، لا يستطيع الرجال الذين تستغرقهم الحرب أن يؤسسوا عائلة، ولكون الزواج احتفالا رمزيًا خالصًا فهو لا يخلق روابط دائمة بين الزوجين: يمكن للمراة المتُزوجة ما تشاء من العشاق، وكان الاولاد ينتمون إلى السُلالة الأمومية، أما السلطة العائلية وحقوق ملكية الأرض فلم يكن الزوج الممحو أساسًا هو الذي يُمارسها، بل يُمارسها إخوة الزوجة. ويناقش "صفوان" فكرة ليفي -ستروس عند"النايار" بنقلها إلى مجتمعات أفريقيه حيث تسمح للبالغين من القتيان ممن تم تحضيرهم لممارسة مهنة السلاح والتفرغ لها بإقامة علاقات جنسية وعاطفية مُباحة مع فتيات من صفهم ولا يستطيعون الزواج وتأسيس اسرة إلا في نهاية هذه الفترة القتالية. لدينا هنا امثلة تتأسس فيها العائلة الزوجية مع اختلاط تكويني يُجسد النايار مثاله الأكثر تناسقًا، ومن ثم يكمن النزوع العام الذي تراعيه هذه العائلة مراعاة واضحة تقريبًا في الاختلاط الطبيعي للرغبة الذكورية التي يرى ليفي- ستروس ظهورها من جديد على شكل أولي حتى في مجتمعاتنا الحديثة. يستنتج "ليفي- ستروس" بعد أن وجد في العائلات التي يغلب فيها تعدد الزوجات حينًا، وتعدد الازواج حينًا آخر، أن العائلة الزوجية أكثر تواترًا وأنها في كل مكان يبدو أنها تغيب عنه، يتعلق الأمر عموما بمجتمعات مُتطورة جدًا ولا يتعلق كما كان يمكن أن نتوقع بعائلات أكثر بدائية وبساطة وهذا لا يمنع وجود عائلات غير زوجيه – علينا ان نضيف إلى النايار تعدد الأزواج عند التودا في القرن التاسسع عشر وهذه الحقيقة وحدها كافية للبرهان على أن العائلة الزوجية ليست ناجمه عن ضرورة كُلية، ويتسائل كلود ليفي – ستروس إذا لم تكن كُلية العائلة نتيجة قانون طبيعي، فكيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبًا" ليفي- ستروس، ص71".

يناقش مصطفى صفوان" اراء بعض العلماء ومنهم ليفي -ستروس، ورادكليف- برون و تود وموردوك و غولييه وأخيرا يستعرض اراء جاك لاكان.

يدل مصطلح "العائلة المُوسعة " على تشكيلات تشمل عدة عشرات من الاشخاص الذين يعيشون ويعملون بأمرة سُلطة مُشتركة. ويضيف "ليفي- ستروس" ويطمئن بعض القارئات الحذرات من كونهن مختزلات إلى الدور الذي تلعبه سلع التبادل بين شركاء ذكور، مؤكدًا أن العائلة "المنحسرة" كما يصفها بالتعارض مع العائلة "الموسعه" ليست هي العنصر الأساس في المجتمع، ولا تنتج عنه أبدًا" بحسب رأيه. وبعبارة اخرى إذا كان المجتمع ثقافة، فالعائلة نفسها "هي" في صميم الحياة الاجتماعية انبثاق هذه الضرورات الطبيعية التي ينبغي التحالف معها. والكلام ما زال لــ "ليفي- ستروس" ويرى " صفوان" أن العائلة الثلاثية أو "المنحسرة" لا تصدر عن قانون كٌلي، لكن ثمة استثناءات، ومن ثم كيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبا؟ الجواب هو انها دون أن تكون نتيجة قانون طبيعي تُمثل مع ذلك قيدًا طبيعيا وهو قيد لا تستطيع المجتمعات الموجودة في اسفل سلم الثقافات أن تنفصل عنه، بينما تعرف تلك التي توجد في أعلى هذا السلم، وهذا أقل ما نتمناه لها، كما يضيف "ليفي- ستروس". لقد تجنب "رادكليف- برون" المغالطة المعنية حيث يرى في المقام الاول أن فكرة الطبيعة هي فكرة ثقافية، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة، فضلا عن أن " لويس ماران" في ترجمته البنية الوظيفية، ميز بنيوية "رادكليف- برون" الواقعية عن بنيوية"ليفي- ستروس" المتعلقة بعملية تعقيد، وتكون النتيجة الملموسة أكثر لهذا الاختلاف في أن المُعَلم الانكليزي يميل إلى تفصيل التناقضات والتشديد على تكاملها بينما يدفعها تلميذه الفرنسي إلى الحد الأقصى، ولا ننسى وصفه لشعب "النايار" الذي كما يرى العائلة فيه أحادية الزوجة، وتكون عمليًا غير موجودة عنده، حيث يتضمن هذا الوصف تمييزًا حاسمصا ايضا بين أشكال انتقال النسل الأبوي والأمومي، إلا ان التمييز بين مجتمعات النسل الأبوي والنسل الأمومي كما يعتقد "رادكليف- برون" ليس مطلقًا، بل هو نسبي، رغم أن حتى المجتمعات الأبوية الأكثر صرامة، توجد أهمية اجتماعية مؤكدة للجانب الأمومي من القرابة، كذلك يحفظ الأب وقراباته في المجتمعات الأمومية الأقوى دومًا الأهمية في حياة الأفراد. يؤكد "رادكليف- برون" أن اقتران المرأة النايار بعشيقها اقترانا عاطفيًا متينا يدوم طيلة الحياة، واظهار العاشق شغفه القوي بالاطفال. ويرى "إيمانويل تود" الذي يضع وجود العائلات الثلاثية بحسب رأيه حدًا "للتفكير بالبنية" سواء أكانت هذه العائلات في اوروبا الغربية أم على الطرف الآخر للعالم القديم، أم عند الآغاتا" وهم بقية شعب من الصيادين جامعي الثمار في جزيرة لوزون في ارخبيل الفلبين.

يرى "صفوان" ان المسلمة الأساسية في البنيوية هي ضرورة العلاقات بين مختلف عناصر البنية الاجتماعية: على العائلة، والقرابة، والدين، والاقتصاد، والتربية، والسياسة أن تتوافق لتشكيل كُل منسجم، أما "دوركهايم" فيرى وجوب ربط تصور ديني معين من التشابك الاجتماعي. أما "تود" فيتبنى شكلا منطقيا ىخر: شكل تقليدية المناطق الهامشية أو المعزولة التي أقامها علماء اللغة منذ الفترة الواقعة بين عامي 1915 و 1920 لشرح الخرائط التي تمثل اختلاف اللهجات.

تقود القطيعة مع المُسلَمة البنيوية "تود" إلى الموافقة الأكثر حسمًا من موافقة "ليفي- ستروس" على التصور الذي يُوصي به "روبير لوي" في كتابه مقال في علم الاجتماع البدائي. وفيه نجد ثبات الطابع الكوني والأولي تقريبا في العائلة الثلاثية المتكونة فقط من زوجين واطفالهما التي تظهر في هذا العمل بأسم العائلة الثنائية. يتطرق "تود" على نحو خاص إلى تناول هذا الاستنتاج من جديد في كتاب "موردوك" في البنية الاجتماعية إذ يرى هذا المؤلف أن العائلة الثلاثية تراكم اجتماعي شامل، ولأنها نموذج وحيد للعائلة المعمول بها، أو لأنها وحدة اساسية في الاشكال العائلية المُعقدة فهي تكون في المجتمعات المعروفة كلها مجموعة متميزة ذات وظيفة عالية، ويؤكد عدم وجود أي استثناء في عينة 250 ثقافة تفَحصها، وهو ما يؤكد استنتاج "لوي". وعليه ما ندعوه "1اسرة" بالمعنى الدقيق للكلمة الذي يتضمن زوجين وأطفالهما، إنما هو ظاهرة موجودة، وطالما وجدت في المجتمعات كافة. يعد "تود" أن كل كا بامكانه تأكيده على المستوى الذي  بلغه في بحثه هو توافق الوقائع التي تفحصها مع مجموع من الافتراضات وأولها الافتراض الآتي: كانت العائلة الأصلية من نمط ثلاثي، نواته الأولية القِران الزوجي. ويتابع "تود" شارحًا رأيه حيث يقول: على العكس سوف تظهر الأشكال التي سبق أن عَدها علماء الأعراق الأوربيون قديمه"العائلات الكبيرة، وأصل العائلة" كانها من بناءات التاريخ، ولن تظهر في أية حالة بأنها من بقايا البدائية. ويناقش "تود" ايضا في المحل الأول آخذًا في حسبانه الواقع التاريخي، وهي الحركة العامة في اوراسيا التي تنطلق من الثلاثية إلى الذرية الأبوية حيث يرى أن تعاقب ثلاثة مستويات من النسب الأبوي "بروز البكورة الذكرية، والعائلة الأهلية الأبوية، والانحطاط الجذري لوضع المرأة" وهو تسلسل ملحوظ في الشرق الأوسط والصين والهند الشمالية.

يرفض "غودولييه" رفضًا شاملا تصور العائلة بأنها أساس المجتمع، كما يرفض الرأي المتضمن في هذا التصور والذي بمقتضاه يتكون المجتمع من مجموعة وحدات عائلية، حيث يقول: في رأيي لا يُمكن لأي مجتمع بما هو مجموعة إجتماعية من شأنها أن تتمثل لأعضائها بوصفها كلا وبأنهم يولدونها كما هي، أن يتأسس على القرابة. إنما القرابة ضرورية وإن لم تكن أساسية: فلا تخلو أية لغة حية من لفظة تتعلق بالقرابة. ويضيف "غودولييه" ليست علاقات القرابة قليلة الشان في العلاقات الاجتماعية. ويطرح مثال على ذلك شعب البارويا الشعب الذي درسه عن قرب حيث قضى بينه عدة سنوات قوله: سيكون من العبث تحديد الاقارب من جهة الأم بلفظة قرابات الدم التي قد توحي بأنهم يتقاسمون دمهم مع الطفل على حين أن دم الطفل وعظامه يأتيان من مَني أبيه، بينما يأتي روحه وعقله من أحد أجداده الذكور، أو الاناث بحسب جنس الطفل المنتمين أيضا وحصرًا إلى ذرية الأب. ويرى "غودولييه" لم يستطع الرجال في أي مكان أن يعترفوا ولم يريدوا الاعتراف أصلا بأنهم منبع المحظورات والتعليمات التي فرضوها على أنفسهم، ولم تستطع البشرية في أي مكان وخلال آلاف السنين أن تكتشف نفسها في أعمالها. تكثر التساؤلات والاعتراضات عند أولئك الذين يُثبتون كون القرابة علاقة اجتماعية خالصة، ولا شيء في مضمونها يرتبط بالجنس وبعملية توليد الحياة البيولوجية، وأي عالِم إناسة يعرف هذه الاعتراضات وعليه يجيب عليها: نلامس هذا السؤال الوجودي الذي ارادت الاعتبارات السابقة أن تُجيب عليه: هل توالد المجتمعات البشرية مُجرد ظاهرة ثقافية، أم أنه ثقافي بكلية بحسب عبارة مارشال سلنس؟ وتطرح الاجابة بالاستشهاد القرابة والعائلة عند "البارويا" الذي يقدمه "غودولييه"، فالكلمة التي تدل على العائلة في لغة البارويا هي كومينيداكا التي تعني الكل المتكون من الأب وزوجته وأولاده، ولفظة "كومي" تعني الحميع. العائلة إذا هي هؤلاء الناس في كليتهم. وظهور التضامن الواضح في هذه العائلة، ومن الصفات الواضحة لديهم ايضا منها لا توجد هيمنة الذكورية ولا سيطرة رجل على امرأة، ولا وجود مختلف، أو أنواع القيود على الاجساد، ومن المظاهر المعلنة في حالات الحزن الشديد أن يشنق الرجل نفسه حزنًا على موت زوجته، أو تشنق الزوجة نفسها حُزنًا على موت زوجها، وليس نادرًا أن يحمل أرمل حول العنق شعر زوجته الراحله وبعض عظامها، أو أن تحمل أرملة شعر زوجها وبعض عظامه المأخوذة خلال المأتم الثاني حينما تٌجمع عظام الميت لكي توضع في اشجار غابة الاجداد.

يناقش"صفوان" وضع العائلة الثلاثية التي يدافع عن جانبها الثقافي بحزم دفاع "ليفس -ستروس" لكن ليس دون أن نشاركه داعمين رأيه القائل بأن هذه العائلة تدين للطبيعة" باختراع البشر العاديين" كما يستنتج في نهاية تحليله بعض المعتقدات الاجتماعية التي تتعلق بحمل الطفل، يفترض إذًا بصورة عادية العلاقات الجنسية في كل مكان. وحين العودة الى ما يمكن تسميته بنقاش"مالينوفسكي -فرويد" يُعطي فرويد الحق لأن "عقدة أوديب" كما يقول مستشهدًا بأندريه غرين ليست مبنية حول علاقات سلطة، بل حول علاقات الطفل مع ذاك الذي يُضاجع أمه. ولكن فاتته ملاحظة العكس: اذا كان الأب الحقيقي يُضاجع الأم، فإن من يضاجع الأم ليس الأب بالضرورة، ونحن نعرف الآثار المُزمنة التي يتحملها طفل يُشارك في تجربة لا يعرف أن يستشعر خلالها الدلالات التي يعنيها عدم الاخلاص والخيانة، وبعبارة أخرى ما يتركه "غودولييه" جانبًا في تحليلاته الضيقه، هو ببساطة المعنى الذي يستمده اسم الأب ليس من معرفتنا البيولوجيه، بل من نظام الاعتراف الرمزي الذي تقوم عليه الثقافة.

ويطرح التساؤل فكرة التقارب بين الجنسية عند البشر وكذلك الجنسية عند الكائنات الحية الاخرى، إنما هو ضرورة الاتحاد الجنسي بما هو شرط تجديد الحياة، وهو بحد ذاته تتكفل به الطبيعة، ومستمرة حتى تهيئة فصل للشبق بين الجنسين، والحال أن ليس للشيق فصل عند البشر، هذه الحقيقة لم تمنع " كارل ابراهام" من صياغة نظرية عن تطور الشهوة- الرغبة  الجنسية "اللبيدو" ، التي تبلغ ذروتها في المرحلة التناسلية، وأثبتت التحليلات هذه النظرية بوصفها التعبير حتى عن الواقع، أي ما كان يعرف أو يعتقد أنه كان يعرفه أصلا. لم يرَ أي محلل نفسي باستثناء "لاكان" أن الأكثر ثورية مما حمله التحليل النفسي لم يكن اكتشاف الجنسية عند الطفل، بل اكتشاف طابع الجنسية البشرية غير التناسلي، لا بل الرمزي.

وجد "لاكان" زيف كل زعم بدراسة الإنسان لا يُراعي انغماس "انصهار" إندماج" الإنسان في اللغة، ووجد أيضًا زيف اقتصار آثار هذه المراعاة في اللغة على توليد عقلانية منطقية.

اللغة وسيلة اتصال بين البشر وجميع الناس يقرون بذلك، فضلا عن أن اللغة تنقل قضايا إيجابية وسلبية، وهي تنقل طلبات وحاجات مقابلة، حيث يميز "لاكان" ما تحت الطلب" يقصد هنا ما تحت الطلب هو الطلب غير المٌعبر عنه، الخاص بالرغبة في الجسد"، يقصد هنا هو طلب مختلف عن الحاجة وما فوقها من حيث هو طلب حب، من غير شروط، لا يستجيب له أي موضوع مع انه قد يجعلها رمزًا، لكن اي شريك جنسي لا يكتفي بأن يختزل إلى موضوع حاجة ولا بأن يعاد وضعه ببساطة على قاعدة تمثال الحب.

تقتضي الاجابة على هذا السؤال إعادة النظر في مسألة اللغة من زاوية أخرى غير زاوية علاقتها بالطلب، أعني انها تفتح الباب على سؤال الكينونة فتدخله بطريقتين: أولا من جانب الاختلاف بين الاثبات والنفي، إذ يرجع كل من هذين المصطلحين إلى ثنائية أخرى، ثنائية الصح والخطأ، وتعرف كلتاهما بالرجوع إلى ما تكون الحالة وما لاتكون، إنه المعنى المسمى"وجوديًا" وهو مصطلح غير ملائم، لأن الشيء الذي لا يوجد يجب أن يمر عبر اللغة مع احتمال تأثره فيها بالنفي، أما الجانب الآخر فيتعلق بما يدعى بالمعنى الإسنادي لفعل الكون، ويمكن في ارجاع الدلالة إرجاعا لا نهائيا إلى دلالات اخرى، فليس ثمة من دلالة لا نهائية حتى إن على نظام بديهي أن يترك هامشا لبعض الدلالات غير الموصوفة، وينطبق الأمر نفسه على الذات الناطقة: فالبحث عن معنى أو هوية تمنح كينونتها معنى، إنما ينتهي دوما بتعيين، والجزء الاكثر مادية من الكينونة يفلت من المعرفة وهذا لا يعني انه يفلت من الوجود، وإذا كانت الحالة كذلك ينقلب النقص إلى نقص لاشيء، والحال أن فرويد بدون فلسفة اللغة لكن بصدق نفسي مدهش، اكتشف في نقص الكينونة الموضوع المفقود في حد ذاته الذي  هو سبب الرغبة. يجيب "لاكان" مبينا أن القضيب الرمزي لكونه دلالة على الاستعارة الأبوية، هو في الواقع موضوع مفقود في حد ذاته، بمعنى عدم ظهوره في الصورة المرآوية إلا بصفة نقص ويشار له برمز خاص عند لاكان. وأزاء ذلك تصبح الذات من دون هذا النقص معلقة بهذه الصورة الهاربة، لكنها لا تخدمه بأقل مما يُفكر الآخر، انه الخصاء الرمزي من خلال هذا الحرف الأول من الكلمة الذي يُحيي في المتكلم "الماهوي" أيا كان جنسه، رغبة غيرية. وخلاصة القول أن الرغبة إذ تطبع على الجنسية البشرية توجها إلى ما بعد صورة الجسد الخاص، أو الموضوع المنشود "يذكر اسفل الصفحة مثال الذات ، فالفرق بين الأنا الواقعي والأنا في المرأة، أن "الانا" في المرآة هو المكان الذي تتخيل فيه الذات أمثلة من العظماء والزعماء ترغب التوحد في الزعيم من حيث هو الموضوع المرغوب.

ويؤكد "صفوان" مثلما قلبت اللغة نظام الحاجات بتمريرها عبر عُروض الطلبات، شكل الأوديب المُواربة التي يفضلها يُقاد المتكلم الماهوي" أعتقد يقصد المترجم بترجمته المتكلم الصامت" إلى توظيف شخص آخر من الجنس نفسه، أو من الجنس الآخر بوصفه موضوعًا سببًا لرغبته، الموضوع الذي يجد فيه كينونته. ويقول"صفوان، ص 54" لم تنجح عملية تخطي الأوديب النجاح المرغوب ولم نتعامل في التحليل سواء أكان مَرضيًا أم تربويًا، إلا مع حالات أوديبييه غير ناجحه، يقول "فرويد" إن التوتر بين الأبن والأب لم ينته أبدًا نهاية تامة، وما لم ينته أبدًا فيما أحسب هو الخلط بين الرغبة والطلب، لأن الرغبة ليست سوى إخفاء الطلب، وما الطلب سوى نقص تملؤه موضوعاته الموصوفة بأنها جيدة. يقودنا الرأي هنا إلى أن الشخص المنتمي إلى الجنس القوي، المتمكن ، والمعتقد انه تخطى بانتمائه نقص الكينونة، هو عضوه الجنسي إلى حد تحويل نرجسيته إلى نرجسية قضيبية، ذلك أن هوى السلطة والقوة الذي يمنحه امتلاك الهبة، والهبة المقابلة الذي يملأ مجال رؤيتنا وكذلك امتداد دال "الهبة" الاستعاري إلى أجزاء الجسد الخاص، يثبت كما هو لغات الأرض قاطبة أقول هذا الهوى هو توأم النرجسية، حيث تمتد قوة هذه الاستعارة حتى الجسد الخاص الذي نتحدث عنه كما لو أنه ملكيتنا ، "تملك" جسدًا وفي الحقيقة نحن لا شيء من دون هذا الجسد، وبقدر ما تستلم البنت أيضا لهذا الخلط بين الكينونة والتملك، بين الرغبة والطلب، حيث تثير الرغبة في القضيب الذي يظهر أن جماعة الذكور مُزودة به، أو على الأقل تُعوض عن غيابه بما تمنح صورتها أمام المرآة من عناية خاصة، فالنرجسية النسائية المشهورة نظير النرجسية القضيبية الذكورية الأقل وهمًا. يسأل "موريس غودولييه" مشيرا في خاتمة كتابه إلى ما يحدث في أيامنا " ثقافة الطلاق، ومراقبة الولادات، والزواج المثلي، والانجاب بالمساعدة..الخ عما يُمكن أن يكون رأي "فرويد" و "لاكان" في ذلك، أتخيل أن فرويد كان سيجيب بأن عقدة أوديب تصدر عن كلية الأسرة، أو العائلة الثلاثية حيث تربي الطفل أم، حتى لو ميزها عن الامهات الصغيرات، أب حتى لو ميزه عن الاباء الصغار، انه إذا أب يعني له حتى الاسم عالم القانون حيث يتماشى المحظور والمسموح ولا يتعارضان، اما الباقي فسوف يدعنا فرويد نأخذ على عاتقنا أمر مواجهة نتائج اندثار هذه العائلة. أما "لاكان" بالتأكيد سيرى فيه إثباتًا لما قاله دومًا، أي عدم وجود علاقة جنسية.

***

د. أسعد شريف الامارة

 

مفيد خنسةالفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(تقول:

أنا لست رقْماً

وما كنت رَقمْاً،

فلا تنسَ هذا

وسجّله فوق الزمنْ

فقلت:

وما رقم حظي إذنْ؟

**

تقول:

أتعلم أني أتيتُ

بفصل الربيعِ،

أتذكر هذا؟

فقلتُ:

وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟

عادةً في الربيعِ

تجيء الزهورْ

**

تحاول أن تتأكد

أني أرى جيّدا

فتسأل:

ما لون شوقي إليكَ

غدا؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة الواثقة والعاشق الذي يتظاهر باللامبالاة في حوار طبيعي وعقدته (أنا لست رقماً) وشعابه الرئيسة هي: (تقول:/ أنا لست رقْماً/ وما كنت رَقمْاً،) و(فلا تنسَ هذا/ وسجّله فوق الزمنْ) و(تقول:/ أتعلم أني أتيتُ/ بفصل الربيعِ،/ أتذكر هذا؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (فقلت:/ وما رقم حظي إذنْ؟) و(فقلتُ:/ وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟/ عادةً في الربيعِ/ تجيء الزهورْ) و(تحاول أن تتأكد/ أني أرى جيّدا) و(فتسأل: / ما لون شوقي إليكَ/ غدا؟).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوب الإنشائي والخبري، وفيه يبين الشاعر موقفين متباينين وربما متعاكسين، موقف العاشقة الواثقة وموقف الشاعر الذي يعني ما يقول ببرودة أعصاب ومكر، فقوله: (تقول: أنا لست رقْماً/ وما كنت رَقمْاً،/ فلا تنسَ هذا/ وسجّله فوق الزمنْ/ فقلت/: وما رقم حظي إذنْ؟) أي هي لا ترضى أن تكون واحدة من اللواتي مررن في حياته، وتذكره أن يحفظ ذلك جيداً على مرور الأزمنة عليه، أما هو فيرد من حيث لا تتوقع، ومن حيث لو يتوقع القارئ، أي إذا كانت هي لا ترضى أن تكون رقماً عابراً في حياتها، فهل هو يرضى أن يكون رقماً

في حياتها، وإذا كان الأمر كذلك، يسأل عن رقم حظه بين الأرقام التي مرت في حياتها، وهذه تورية واضحة، فهو لا يريد المعنى القريب من السؤال، إنما يريد أن يؤكد المعنى البعيد، وهو أنه لا يمكن أن يقبل أن يكون هو الآخر رقماً عابراً في حياتها، وإن كان السؤال يحتمل معنى: وهو أن لديها أرقام كثيرة قد مرت في حياته، ويريد أن يعرف ما رقمه هو في حياتها. وقوله: (تقول: أتعلم أني أتيتُ/ بفصل الربيعِ،/ أتذكر هذا؟/ فقلتُ: وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟/ عادةً في الربيعِ / تجيء الزهورْ) أي تحاول أن تذكره بشيءٍ كان توقيته استثنائياً في حياته، وهو أنها كانت قد جاءته في فصل الربيع، بينما هو يؤكد اعتيادية مثل هذا الحدث، لأنها كالزهرة، ومن الطبيعي أن تجيء الزهور في فصل الربيع، وقوله: (تحاول أن تتأكد / أني أرى جيّدا/ فتسأل: ما لون شوقي إليكَ/ غدا؟) أي تريد أن تتأكد من أنه قد أصبح واثقاً من حبها وشدة شوقه لها، وهذا المعنى مجازي، ويريد الشاعر أن يبين الصورة الحسية بإظهار اللون الحسي لإحداث مفارقة بين المعنيين الحسي والمجازي، فكان سؤالها عن لون شوقها إليه غدا.

الفرع الخامس:

يقول الشاعر:

(تحاول أن تطمئن لمعرفتي

بخفايا الجسدْ

فتسأل:

ما عمق قلب المحبّ

إذا ما الحبيب ابتعدْ

**

أقول:

ومن هو هذا الذي

سوف يفهم دمعكِ مثلي

ويشرحه للسماءْ

ومن سوف يحفظ،

عن ظهر قلبٍ،

يديك، ورجليكِ، والمنحنى

وتلالَ الضياءْ

ومن هو هذا الذي

سوف يكتب فيك

كهذا الغناءْ؟

تقولُ وقد شردت لحظةً:

بعدُ ما ولدته النساءْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة البوح بالحب بين العاشقين وعقدته (تحاول أن تطمئن) وشعابه الرئيسة هي: (تحاول أن تطمئن لمعرفتي/ بخفايا الجسدْ) و(فتسأل: ما عمق قلب المحبّ/ إذا ما الحبيب ابتعدْ) و(أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي) و(تقولُ وقد شردت لحظةً: / بعدُ ما ولدته النساءْ)، وأما شعابه الثانوية فهي: (أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي) و(ويشرحه للسماءْ/ ومن سوف يحفظ،/ عن ظهر قلبٍ،/ يديك، ورجليكِ، والمنحنى / وتلالَ الضياءْ) و(ومن هو هذا الذي/ سوف يكتب فيك/ كهذا الغناءْ؟).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يرسم الشاعر صورة الغرام في أقوال متبادلة بين العاشقين، فقوله: (تحاول أن تطمئن لمعرفتي / بخفايا الجسدْ / فتسأل: ما عمق قلب المحبّ/ إذا ما الحبيب ابتعدْ) يشير إلى أن الشاعر يريد أن يظهر المفارقة بين الدلالة الحسية للمفردة والدلالة المجازية، فخفايا الجسد، تحمل معنيين حسي إذا كان المقصود مكونات الجسد المادية، ومجازي إذا كان المقصود المكونات المعنوية، النفس أو الروح أو القلب وما يملك من عاطفة وأحاسيس ومشاعر وجدانية، والعمق: يمكن أن يكون المعنى حسي إذا كان مقصود الارتفاع، ومجازي إذا كان المقصود شدة الشوق وعمق الأحاسيس، ويصبح المعنى، أي تريد أن تطمئن على أنه يعرف خفايا الجسد الحسية والمعنوية، فتسأله كم يصبح عمق قلب المحب إذا ابتعد عنه الحبيب، وهذه كناية على أن القلب يصبح أكثر عمقاً وبعداً، لأنه يختزن ألماً كبيراً، وحزناً عميقاً، وشوقاً لا يقاس عمقه بالمسافات، وهذه تورية واضحة لأن الهدف من السؤال واضح، فهي تريد أن تعرف مدى شوقه وحزنه وألمه إذا ما ابتعدت عنه ورحلت، وغابت عن ناظريه، وقوله: (أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي/ ويشرحه للسماءْ) يمثل الإجابة عما تحاول أن تطمئن عليه، أي هل يوجد من يفهم حقيقة مشاعرها، ورقة أحاسيسها حين تعبر عنها بالدمع المنهمر على وجنتيها مثلما يفهمه هو ويوضح أبعاده داعياً لملائكة السماء أن تكون لها عوناً، لتفرج همها وتكشف ضرّها، وقوله: (ومن سوف يحفظ،/ عن ظهر قلبٍ،/ يديك، ورجليكِ، والمنحنى/ وتلالَ الضياءْ/ ومن هو هذا الذي/ سوف يكتب فيك/ كهذا الغناءْ؟) أي ويضيف ليطمئنها إلى أنه يحفظ عن ظهر قلب ظواهر وخفايا جسدها، بأسلوب استفهامي، عما إذا أحد غيره يعرف تفاصيل جسدها، يديها الجميلتين، والتفاف ساقيها المثيرتين، وانحناء خصرها الرقيق، واستدارة نهديها البراقين، ومن مثله سيكتب القصائد التي تزدان بالموسيقا، وتتهيّأ للغناء، وقوله: (تقولُ وقد شردت لحظةً: / بعدُ ما ولدته النساءْ) يشير شرودها فيه إلى دهشتها لتحققها من أنه الوحيد الذي يمكن له أن يعرف خفايا جسدها كما يعرفه هو، لأن معرفته تتعدى المظاهر الخارجية الحسية، إلى معرفة خفاياه الوجدانية والعاطفيّة.

الفرع السادس:

يقول الشاعر:

(تسائلني:

ما شعورِ الكلامِ المحلّق

وهو يطيرْ

ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ

قصيدةُ حبٍّ

وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ

من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟

ما اتجاه الرياحِ

إذا عصفَ العشقُ؟

ماذا تقول الينابيعُ

حين يمرُّ غزالٌ بها ؟

وتسألُ....... تسألُ.....

حين ترى لا جوابَ لديَّ

تجيءُ إليَّ

وتتركُ راحتها فوق وجهي

كلاماً أخيرْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة التي تتوالى أسئلتها للعاشق الصامت وعقدته (تسائلني) وشعابه الرئيسة هي: (ما شعورِ الكلامِ المحلّق/ وهو يطيرْ) و(ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ/ قصيدةُ حبٍّ) و(وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ/ من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟) و(ما اتجاه الرياحِ/ إذا عصفَ العشقُ؟) و(ماذا تقول الينابيعُ/ حين يمرُّ غزالٌ بها ؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (وتسألُ....... تسألُ...../ حين ترى لا جوابَ لديَّ/ تجيءُ إليَّ) و(وتتركُ راحتها فوق وجهي/ كلاماً أخيرْ).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يظهر صورة العاشقة التي تتساءل عن حالات الحب السامية، وكيف يتجلى شعور الأشياء الحية والجامدة بها، فقوله: (تسائلني:/ ما شعورِ الكلامِ المحلّق/ وهو يطيرْ/ ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ/ قصيدةُ حبٍّ/ وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ/ من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟) أي هما في حديث مستمر، لذلك يستخدم الشاعر الفعل (تسائلني) بدلاً عن تسألني، وتريد أن تعرف ما حقيقة شعور الكلام في الغزل والحب وهو يطير ويتلاشى مع النسيم؟، وتريد أن تعرف شعور الكتاب الذي تطبع على أوراقه قصائد في الحب والغزل؟، وتريد أن تعرف أي إحساسٍ يشعر به العشب بعد يوم انهمرت فيه الأمطار الغزيرة وسقت الأرض العطشى فانبعثت الحياة فيه من جديد؟!، وقوله: (ما اتجاه الرياحِ/ إذا عصفَ العشقُ؟/ ماذا تقول الينابيعُ/ حين يمرُّ غزالٌ بها ؟) أي تريد أن تعرف اتجاه الريح حين يعصف العشق في محيط القلب؟ وتريد أن تعرف ماذا تقول الينابيع في الأودية البعيدة حين يمر بها أنهكه العطش فشرب منها حتى ارتوى؟، وقوله: (وتسألُ....... تسألُ..... حين ترى لا جوابَ لديَّ/ تجيءُ إليَّ / وتتركُ راحتها فوق وجهي/ كلاماً أخيرْ) أي حين تُكثِر من الأسئلة التي ليس لديه الإجابة عنها، تقترب منه وتضع راحة كفها على وجهه، وكأنها تجيب: إن شعور الكلام المحلق وهو يطير، كشعوره، وإحساس العشب كإحساسه حين تضم راحتاها وجهه المستجيب.

 الفرع السابع:

يقول الشاعر:

(تقول:

مضى زمنٌ يا صديقي

ولم أرَ في الكلمِ العذبِ

حالي

مضى زمن لم أشاهد بهِ

بهو نفسي

ولم أرَ بالي

أليس له من طريق إليَّ مجازك

ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟

سأزعلُ

خلِّ ببالكَ هذا..

فقلت: أُخلّي ببالي

أمامكِ

لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ

للخيالِ

**

أقولُ:

خذينا بحلمكِ

لم يبقَ عند صديقك

متسعٌ

كي يحطَّ بهِ وجدهُ

تقول: وكيف ؟!

وتفاحنا لم يقل بعدُ

آخر ما عندهُ؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة وهي تذكر صديقها الشاعر بالكتابة عنها، وعقدته (مضى زمن يا صديقي) وشعابه الرئيسة هي: (تقول: / مضى زمنٌ يا صديقي/ ولم أرَ في الكلمِ العذبِ/ حالي) و(مضى زمن لم أشاهد بهِ/ بهو نفسي/ ولم أرَ بالي) و(أليس له من طريق إليَّ مجازك) و(ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟)، أما الشعاب الثانوية فهي: (سأزعلُ/ خلِّ ببالكَ هذا..) و(فقلت: أُخلّي ببالي/ أمامكِ / لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ/ للخيالِ) و(أقولُ: / خذينا بحلمكِ/ لم يبقَ عند صديقك/ متسعٌ / كي يحطَّ بهِ وجدهُ) و(تقول: وكيف ؟ / وتفاحنا لم يقل بعدُ/ آخر ما عندهُ؟).

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع خبري وإنشائي، وفيه يرسم الشاعر صورة عتب العاشقة على عاشقها الشاعر بعد أن مضى زمن طويل لم يكتب فيها شعراً، فقوله: (تقول: / مضى زمنٌ يا صديقي/ ولم أرَ في الكلمِ العذبِ/ حالي/ مضى زمن لم أشاهد بهِ/ بهو نفسي/ ولم أرَ بالي) أي إنها لم تجد ما يعنيها من الكلام الجميل الذي اعتادت على رؤيته في كتاباته الشعرية، وقد مضى زمن طويل ولم يتغزل بها ولم تشاهد الصور البهية التي يعبر من خلالها اتساع حضورها لديه، ولم تشاهد تعابيره المجازية التي تتحدث المعاني التي يمكن أن تخطر على بالها، وقوله: (أليس له من طريق إليَّ مجازك/ ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟/ سأزعلُ/ خلِّ ببالكَ هذا..فقلت: أُخلّي ببالي / أمامكِ/ لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ/ للخيالِ) أي لقد رابها هذا الزمن الذي مضى من غير أن تكون موضوعاً لأيّ من قصائده، وهي تتساءل باندهاش: هل المعاني المجازية التي لم تجد سبيلاً إليها؟!، وهي الوحي الذي يلهم الشاعر على إبداع القصيدة لم يستطع أن يخترق مجال حضورها؟ فيثير الخيال ويحرك المشاعر، وتضيف: إنها ستزعلُ منه إذا ما استمر بهذا الانقطاع عن الكتابة عنها، وعليه أن يتذكر ذلك جيّداً وباستمرار، وهو يطمئنها بأنه سيفعل، لأنه لا بد من وقفة متأنية للخيال من أجل أن يحسن الوصف ويبدع في الكتابة، وقوله: (أقولُ: خذينا بحلمكِ/ لم يبقَ عند صديقك متسعٌ/ كي يحطَّ بهِ وجدهُ/ تقول: وكيف ؟/ وتفاحنا لم يقل بعدُ/ آخر ما عندهُ؟) أي يطلب منها أن تعذره لأنه لم يعد لديه متسعٌ كي يقول فيها، لأنه لم يترك فيها شيئاً لم يقل فيه، أما هي فتذكره أنها ما زالت تملك فضاءات جديدة للوجد وفي المقدمة تفاحها الشهي الذي لم تظهر له كل ما يكتنزه من الجمال والجاذبيّة.

الفرع الثامن:

يقول الشاعر:

(أقول:

إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟

علوتُ... علوتُ...

ولست أرى من فضاءٍ

أخيرْ

تقول:

تدبّرْ أموركَ،

إن لم تكن عالياً

ما يناسبُ،

خفّضْ سماءَكْ

أنا ما ركضتُ وراءكْ!

**

وقالت:

أأعجبك النهد. قل لي

أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟

فقلت:

امنحيني القليلَ من الوقت ...

إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً

عليهْ!

**

أقول:

مضيتُ بعيداً بعينيكِ

يظهرُ أن رجوعي صعبٌ...

ومهما أحاولْ

فقالت:

لتبقَ هناك حبيبي....

لطيفٌ هناك المكانُ.

ولا تنسني بالرسائلْ

**

تقول:

يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ

قل لي إذا كنت تكذبُ ؟

لا أثرٌ في عيونِكَ

لا لونَ ينظر نحوي...

سأخنقُ شِعركَ هذا

بكلتا يديَّهْ

فقلت:

رويداً... رويداً عليّهْ

أخبئُ حبكِ في القلبِ

في الجيبةِ الداخليّهْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة الشك المتبادل في الحوار بين العاشقين وعقدته (إلى أين يمكنني أن أطير؟) وشعابه الرئيسة هي: (أقول: / إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟) و(علوتُ... علوتُ... / ولست أرى من فضاءٍ/ أخيرْ) (أقول: / مضيتُ بعيداً بعينيكِ/ يظهرُ أن رجوعي صعبٌ... / ومهما أحاولْ) و(فقلت: رويداً... رويداً عليّهْ / أخبئُ حبكِ في القلبِ/ في الجيبةِ الداخليّهْ)، أما شعابه الثانوية فهي: (تقول: / تدبّرْ أموركَ،/ إن لم تكن عالياً/ ما يناسبُ،/ خفّضْ سماءَكْ/ أنا ما ركضتُ وراءكْ!) و(وقالت /: أأعجبك النهد. قل لي/ أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟) و(فقلت: / امنحيني القليلَ من الوقت ... / إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً عليهْ!) و(فقالت:/ لتبقَ هناك حبيبي.... / لطيفٌ هناك المكانُ. / ولا تنسني بالرسائلْ) و(تقول: / يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ) و(قل لي إذا كنت تكذبُ ؟ ) و(لا أثرٌ في عيونِكَ/ لا لونَ ينظر نحوي... سأخنقُ شِعركَ هذا/ بكلتا يديَّهْ).

في المعنى:

يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه تتجلى صورة الشك لديها، فقوله: (أقول: / إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟ / علوتُ... علوتُ... / ولست أرى من فضاءٍ/ أخيرْ) أي إنه يعلو بالانجذاب والحب إليها، ثم يعلو باطراد من دون أن يرى نهاية لذلك العلوّ، وقوله: (تقول: / تدبّرْ أموركَ،/ إن لم تكن عالياً/ ما يناسبُ،/ خفّضْ سماءَكْ/ أنا ما ركضتُ وراءكْ!) أي مادام اختارها في طلب السمو بالحب فعليه أن يكون عالياً بما يناسب ويكفي، وإلا كان من المفترض أن يختار ما يناسب قدراته وإمكاناته ويخفض سقف أحلامه وأمنياته في العلو، لأنها باختصار شديد لم تجبره على اختياره لها، ولا بد له أن يتدبر الأمر ويكون على قدر تحمل المسؤولية في الاختيار، وقوله: (وقالت: / أأعجبك النهد. قل لي/ أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟ / فقلت: / امنحيني القليلَ من الوقت ... / إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً/ عليهْ!) أي إنه سؤال افتراضي ليجعل الأمر عادياً، وكأنها تريه نهدها كما تريه أي شيء آخر لتعرف ما إذا كان قد أعجبه أم لا، فيجيء رده طبيعياً، في أنه يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يمتلئ تماماً من التمتع فيه، وبهذه الصورة، يستطيع الشاعر أن يكشف عن أكثر الأحاسيس والمشاعر عمقاً في حالات الحب بين عاشقين والتي تبقى عصية على البوح، ليجعلها موضوعاً عادياً، كأي موضوع اعتيادي يحصل بين شخصين، وقوله: (مضيتُ بعيداً بعينيكِ/ يظهرُ أن رجوعي صعبٌ/... ومهما أحاولْ/ فقالت:/ لتبقَ هناك حبيبي.... / لطيفٌ هناك المكانُ. / ولا تنسني بالرسائل) يشير إلى حرص الشاعر على إحداث تقابل بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، بين الحسي والعقلي، بين الواقعي والمتخيل، فالجملة الأولى: (مضيتُ بعيداً بعينيكِ) تحمل معنى مجازي، أي أنه أطال النظر فيهما حتى أخذه الغرام بهما بعيداً، حتى توقع أنه من الصعب عليه الرجوع بعد هذا الابتعاد الكبير على الرغم من محاولاته المتعددة من شدة الدهشة والإعجاب، والمعنى مجازي، أي يتوقع أنه من الصعب عليه أن يخرج من حالة الإعجاب والانجذاب إلى عينيها الجميلتين، فيجيء ردها بما يشبه الدعابة على اعتبار المعنى المجازي معنى حقيقياً، فتطلب منه أن يبقى حيث مضى بعينيها لأن مكان لطيف، ولكنها تذكره ألاّ ينساها من الرسائل، لأن الحبيب إذا فرض عليه الابعاد عن حبيبته، تكون الوصية للحبيب أن يواصل حبيبته بالرسائل على الأقل. وهذا التقابل أو الدمج بين المعاني الحسية والمجازية يحدث خلخلة في بنية التركيب الشعري حتى يبدو الأسلوب ينطوي على دعابة لطيفة أو سخرية مبتكرة تكشف عن البساطة التي تصل أحياناً إلى درجة السذاجة، وقوله: (يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ/ قل لي إذا كنت تكذبُ ؟/ لا أثرٌ في عيونِكَ/ لا لونَ ينظر نحوي/... سأخنقُ شِعركَ هذا/ بكلتا يديَّهْ/ فقلت: / رويداً... رويداً عليّهْ/ أخبئُ حبكِ في القلبِ/ في الجيبةِ الداخليّهْ)، يبين حالة مشابهة لما جاء في التركيب السابق، إذ أنّ العاشقة يراودها الشك في أنه يكذب عليها في ما يكتب من الشعر، لأنها لا ترى في عينيه آثار الحب الذي يعبر عنه، كما أنها تشعر بنظرات العشق منه نحوها، ثمّ تضيف بأنها سوف تمزق أشعاره إذا تأكدت أنه لا يكتبه لها، فيجيء تبريره بارداً بسيطاً ساذجاً كما كان ردها في التركيب السابق، بأن سبب عدم ظهور علامات الحب في عينيه هو بسبب أنه يخبّه في المكان الأغلى وهو قلبه، لا بل ويخبئه في المكان الأكثر استتاراً فيه، كما يخبئ المرء الشيء الأغلى عليه في الجيبة الداخلية من سترته، ولا أثر يدل على وجود هذا الشيء فيها.

الشاعر السوري صقر عليشي.

***

مفيد خنسه

 

عادل مردانفي ثريا الغلاف الأبيض عنوان ثلاثي الكلمات، يكتنز بالإيحاء الرومانسي، فكان الإستهلال في البدء: (للكتابة مواسم الزرع والمطر، إذ تصبح حسّاسية الروح هي الهواء المضاء لكامل المشهد بحثاً عن الأبدي الآتي من النّبع، هذي القراءات، محاولة لإيقاظ الحساسية الجماليّة، فاللغة التشكيلية، مهمتها الكشف والإنارة). هناك تحت الثريا الكبرى، صاحبة المثول، تنمو في المتن التشكيلي عتبات الفصول من (الصمت مليء بالأجوبة) إلى الذات التي أوجعها المنفى، في مفتتح الصمت إستغراق في مفهوم الطبيعة الصامتة، وأشهر رسّاميها الأوربيّين، العروج الى المنجز العراقي للرواد.....

من سرديّات الكتاب، مقطع قصير لحياة فنان وقاص، في ذكرى يحيى جواد (الشّارع أيام الخمسينات، كان مليئاً بالأضواء والعطور، أشجاره لا تحزن ولا تشيخ، تتوسط جانبه الأيسر سينما ريجينتّ، يوم بغداد مثل طفل بريء، لم يدنسها الغزاة بعد، كان يحيى جواد الساكن في مكتبه، إذ عرفته لأول مرّة من خطوطه في مجلتي الثقافة الجديدة، والمثقف حين شدّ إنتباهي تصميم له)، بعدها يأتي المشهد الساخر، حول دعوة حسين مردان الموجهة لسارتر وزوجته، في البحث عن أشياء ضائعة، وسطور عن شاكر حسن آل سعيد (رسام يجمع بين الفكر والفلسفة، كان يعبّرعن إستقلاليته ونمطه الخاص، في ظلّ تأثيرات صوفيّة، بدأ آل سعيد يرتاد ميادين جديدة، فذهب بعيداً في تفكيك الحرف، بنظريته – البعد الواحد، حين عمد إلى الكشف عن الجوهر، في أعماق الأشياء)، تتواتر الفصول القصيرة، والعتبات الصغرى تصرخ، من فرط حزنها، على جداريّة – ناظم رمزي التي تصدرت المشفى، حين شيّد عبد الوهاب فيضي جداريّة بالموزائيك، صورة للطبيب إبن سينا، لكنّ المعاول إستيقظت على جسد المشفى، فلم تبقَ إلا ذكرى المكان...

في محطة ممشى المشاهير محاولة للتشبث بالمخيّلة، حتى لو كانت بسعة الظلّ ( تلك المخيلة، لم تعد قابلة للحضور، كي يستعيد شارع الرشيد، وجوده الماضي الجميل، الواقع خلاف الحلم، الشّارع يرثي مجده المضاع، لم تعد الأماني وحدها قادرة أن تحيل الشّارع الى ممشى للمشاهير في بغداد للأسف، إن مدننا تجهر عن نفسها، فهي مدن بلا ماضٍ).

تقفز العين الى صفحة، يبحث فيها سعد علي، عن مغيث في السماء ( كأنّك تحلم أن ترتقي الى السّماء، مع وجهك الإيقونة، وتوزع أيامك الغابرات مع تلك الخصلة الطائرة، من الديوانية إلى فالنسيا، وجه مثل حبّة قمح، يقاوم الأيام الصاخبة بالموت) ...

في الغربة يلتحف نعمان هادي، مشروعه الفنيّ ( يتذكر نعمان جيداً، أن معلمه فائق حسن نَبّهَ تلميذه إلى أسلوبه المشابه للفرنسي فرانكونارد، في بورتريت – ولد أسود بقميص أحمر، لم يعرف ذلك الرسام إلّا بعد سنوات أثناء زيارته إلى متحف اللوفر، أعماله تحمل إمكانيات البحث والجدل، ولا يمكن للنظرة العابرة أنْ تستقصي كلّ مدلولاتها ومضامينها، إذ ركز همّه على موضوعة الإنسان، والحيز الذي يشغله على خامات العمل، خضعت بمرور الزّمن، إلى التفاوت في الأهمية والدرجة، وكيفية التنفيذ)...

عن صفاء التوجه، في البحث والكتابة، تبدو تجربة جعفر طاعون، متأثرة بالتجارب الفنية الجديدة، وإستلهام معطياتها، في أغلب موضوعاته خلاصة، لعوالم الأحلام والخيالات والأساطير، الحياة والموت، الحبّ والجمال، حضور الإنسان وإختفاؤه، هكذا بات ينظر للكون كبيضة ( عنوان إحدى معارضه)، بمشاركة أكثر من مئة طفل، إنّه يتأمل حياة الإنسان في جزء صغير منه بشكل مغاير، في أعماله نبرة صوفيّة مضيئة، تتصاعد من الداخل، يحاول أن يستعيد فيها، حرّيته في التأمل ...

على هيكل سرير عباس الكاظم بقايا وطن: (نال الفنّان العراقي المقيم في الدنمارك، الجائزة الأولى – بينالي القاهرة 1998، عن عمله (وطن)، وأصبح من ممتلكات متحف الفنّ الوطنيّ المصريّ، إعتمد عباس أسلوب ما يعرف بفنّ التجهيز أو التركيب the art of installation، وهو الفن الذي يعتمد الفكرة كعنصر أساس، إذ قدّم سريراً للنوم من مادة الحديد، يرتكز على كثيب رملي، جلب مادته من الإهرامات المصريّة، وإذا تسنى لأيّ منا أن يتأمل التركيب الفني لهذا العمل، سيجعلنا أقدر على فهمه، إذ ترتقي المهارة الفنيّة، مع البعد الفلسفي، فسيجد أنه مصمم وفق أسس تمتدّ في عمق المعانيّ، التي يحملها التراب، في معنى الوجود (الولادة والموت)....

وقوف ثم إنحناء، هكذا يستمر المثول للجميل، أمّا الجليل فيأخذنا للسجود إليه، تستمر السياحة الى مرفق آخر، في إكتشاف قدرات مكي حسن النحتية التي تزاول الخفاء: كان فناننا قد إنتهل من الروافد والينابيع الرافدينية، إنها اللحظة الفارقة التي شهدت بداية التحولات الثقافية، ترافقها محاولات النفاذ بالتجربة الشخصية إلى أعماق الحياة العراقية، منذ أول تمثال برونزي نفذه حسين – الرجل صاحب الجناح- قبل أن يختار المربع كثيمة تعبيرية في أعماله اللاحقة، كان مكي يبحث بقلق واضح، عن الشكل الرامز لطموحه، في تحقيق شخصية تنسجم وروح العصر، إذ إعتمد خامة البرونز، في أغلب أعماله النحتية وكرّس جهده لتطويع هذه الخامة، وتفجير الطاقات الحبيسة، التي تريد أنْ تعلن عن ذاتها....

تجربة أخرى يتأملها الكاتب بأسلوبه الكافي: عبد الرحمن الجابري، محاولة لوضعها في مسارها الحقيقيّ بسبب من صلته الوثيقة بالحياة، لا يختفي الموضوع في أغلب أعمال الجابري ولا يتلاشى في نسيج اللوحة، إلا أن إشارات لونية تمنح سطح العمل قسطاً كبيراً من الوضوح، مع جماليات تشكيلية لا بد منها لايجاد نوع من التوازن، في مواجهة القلق والمعاناة التي رافقت حياة الفنان، والمصير المحزن الذي إنتهت إليه، شاء أن يبني بيتاً لصغيرته عشتار، لكن خطفوها، كل أمسك بمعوله يهدم الحلم....4060 جمال العتابي

تتوقف العين عند ورقة (تلمس العمق وإبتكار الجوهر)، حول منجزات موفق مكي مكتشفاً المنابع الخفيّة لإمكانات العمارة والتشكيل، إخلاصه للحاضر تمثل في الإستجابة الى الإشتراك بمعرض- فوق الرماد -، ذكرى إستهداف شارع المتنبي، عام 2007، وأتبعه بمعرضه الخاص – إحتضار الكتابة، إستخدم الفنّان مواد مختلفة خشب، قماش على ورق، بطريقة الكولاج، فالخشب على الورق، يوحي لفعل التهشيم، باللون الاسود، كمعادل للإحتراق...

حوارالعتّابي مستمر، مع تكوينات لضياء حسن التعبيريّة: ( إنّ إستلهام الحرف، ولا سيما الآيات القرآنيّة في أعمال ضياء، هو أول الطريق الى التصوّف الفنيّ، إذا جاز لنا التعبير، لأنّ الفكر الصوفيّ بدوره، ينزع الى الحقيقة، في المنحنى الثاني، من إسلوبه نتوقف عند توظيف الحرف معماريّاً أو هندسيّاً، أيّ إستخدام الخطوط المستقيمة، والأقواس والمنحنيات، إنَّ حقيقة الأشياء تكمن في تصميمها، وأنَّ أكثر الذين فهموا التصميم، هم الفنانون ومهندسو العمارة.)....

ما حكاية زياد جسام بعمله المجسم - الكتاب حياة-.. إستثمر فنّاننا بذكاء، ما يعرف بــــ (فن الانستليشن)، فنّ تركيب العمليات الفنية التشكيلية، الذي يقوم أساساً على التداخل المكانيّ، مع موجودات المحيط الواقعي للعمل، وتستخدم عادة مواد مختلفة، وخامات عمل متباينة المصدر، فكرة العمل بسيطة، لكنّها ذات مغزى ثقافيّ.. وهذا النوع من أنواع الفنّ المفاهيميّ –ثلاثة كتب من مواد مختلفة، بلون أخضر مورقة، وممتدة الجذور تمثل عالماً جميلاً، عالم المعرفة والعقل)....

... ذلك الضاحك يصوغ، حياة عراقية متخيّلة: (بشوق لقيس يعقوب، يعود لأربعين عاماً مضت، يوم كنا نقف، في أحدى شرفات (مجلتي)، في الطابق الثامن من عمارة الرواف في أبي نؤاس، نتطلّع إلى دجلة الراحل جنوباً، إنشغل قيس في غربته، بمشروعه الفنيّ المعماريّ، يعتقد أن دائرة الآثار – وزارة الثقافة، منظمة اليونسكو، أو معهد العالم العربيّ في باريس، سيتسابقون من أجل الفوز بأحد مشاريعه، رغم كل ذلك قيس لا يتوقف، ما زال يحلم ويتخيّل .

سيرة الماء والنّار، كتاب الشاعرة مي مظفر، عن الفنان الراحل زوجها، أمير الكرافيك - رافع الناصري- أشهد إن كاتبة هذه السّيرة، تجاوزتْ الصمت الثقيل، وسأم الغياب، سيرة كتبت فصولها ميّ مظفر، بدقات القلب كانت في أغلب الصور حزينة، في قسمات وجهها رموز مجهولة، البورتريت الذي رسمه رافع للوجه الجميل يقول هكذا ...

على سور جامع الخلفاء، يزهو تطويع الحديد، بإيقاع حروفيّ، لهاشم الخطاط: ( شعور بالنشوة السّحرّية يمتلك الحواس، كلما أسعفنا الوقت، بزيارة المكان،،الذي يطلّ عليه جامع الخلفاء، في طرازه المعماري المدهش، لـــ (محمد مكيّة)، وهو يعيد في توازٍ وتواصل حميم مع الروح البغداديّة في العمارة، المشهد يدعو إلى التأمل في كل محاولة، لإكتشاف المعاني الجماليّة للسّور الحديدي، إذ يتصدر واجهة المسجد، بخط الديوانيّ الجلي، لساحر الخط العربي – هاشم محمد البغدادي - وقد علاها الصدأ

بين العمارة والتشكيل، مجاورة مثيرة، وهي صداقة إمتدّتْ لقرون، يوجه بوصلته جمال، الى فضاءات المعمار خالد السلطاني: (ما زال السلطاني منحازاً، الى كشوفاته المعمارية، بحرص متناهٍ ثمة حوار خفيّ بين الصورة والمثال لديه، بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمغمور، لكنه حوار محكوم، بإمتحانات الإنسان، مجاهداته وأقيسته، ذلك لأنهّ حينما أقام وحدته مع العمارة، أصبح منحاه الوجوديّ، التاريخ مقروءاً بالصورة، والمعاودة الحرّة للأصوات الداخلية، التي تبعتها العمارة)...

الى غابة الحروف، عند محطة الحرف العربيّ، بنضج خط (الثلّث) وإرتكازه بصورته المثاليّة، على يد هاشم البغداديّ، يعدّ حرف الحاء المفرد الملفوف، لما يمتاز به من صعوبة في الرسم، وجمال البناء والشكل، مقياساً لمهارات الخطّاط، وجودته في الكتابة، بإمكان الفنان، أن يعيد ترتيب الحروف سايكولوجياً، من خلال التأثير الناتج، عن الإيماء والحركة، حرف الحاء بناء معماريّ وموسيقيّ، تتجسد فيه مفردات البناء الهندسيّ، إنها عملية ولادة، ترقّب وطلق، معاناة وعاطفة، الحرف مولود يتحرك ويومض، يولد الحاء حاملاً صناديق أسراره، بإكتماله يتدفّق بهدوء...

يستمر المجرى الى صفحة التراث الحيّ، عند المثول أمام الجورنيكا، حقاً فالحرب ذئابٌ تترصد الأقمار: (الجورنيكا أقرب إلى موسيقى كونية هادرة، ترفض قوانين السكون، أفلاك ترتعش بألوان الأبيض والأسود والأزرق الداكن، لإقتناص لحظات الصراع، مع جنون الحرب، بين الظلمة والنّور، لوحة تفكر ذاتيّاً، بما تختزن من طاقة، في مساحة مسطّحة، ذات إشعاع داخليّ). للأجساد حصة في الجورنيكا، وعن عمارة الجسد يقول البيركامي: - الجسد حامل المعرفة ....

جاذبية الرجوع والحنين، إلى قصر هاملت: (تلوح من بعيد – قلعة الينسور- شامخة، في الفضاء المطلق، يقبل عليها الآف الزوار، تحيل الفضاءات، ومياه البحر المحيطة بها إلى إيقاعات تتجه صعداً الى السماء، وكأنها تدخل في مدارات من الأنوار الساطعة، نظام خارق الجمال من البناء والفن المعماري، ينتابني ذهول في رواميز التاريخ، وحروب القراصنة، أشبة بالذهول الذي أصاب (فرتنبراس) النرويجي، الذي تقلّد عرش الدانمارك، بعد مقتل الأمير الشاب...)، عبارة خالدة لشكسبير، تتلألأ على لسان هاملت:- أن المرء يستطيع التبسم، ما شاء، وهو مجرم أثيم .....

فاعلية الخطاب في سردية – جمال العتّابي، التي تشاغل الزمن، توزعت على أدراج مبدعي الداخل والخارج دون تميز، كذلك تنوّع في التناول شاملاً حقول: الرسم، النحت، العمارة، الخطّ العربيّ، والآثار أيضاً إسترسل بسرديّته المتنوعة، وكأنّها تأثيل لمسيرة التشكيل العراقيّ الحديث، فكان الرثاء حاضراً.

***

عادل مردان

علي حسين"كلّ من تحب، وكلّ من تعرف، وكلّ من سمعت به يوماً، كلّ إنسان كان يوماً موجوداً، كلّهم، عاشوا حياتهم هناك.. على ذرّة الغبار المعلّقة في شعاع الشمس"

كارل ساغان

تخيل المشهد التالي.. انها الساعة الواحدة بعد منصف الليل.. انت لا تزال مستيقظا، جالسا امام شاشة الكومبيوتر تُحدق بصور الكون التي نشرتها وكالة ناسا.. وتسأل نفسك: أين نحن من كل هذا؟.. تنظر إلى المكتبة التي تحيط بك جدرانها، وهي تضم الآف النفوس التي عاشت على هذا الكوكب.. تتخيل ان " المرحوم " نيتشه " ينظر اليك بعينين زائغتين وهو يقول: " ألم اخبركم يوما ان " الإله مات ".. تذهب باتجاه الرف الذي يضم كتب الفيلسوف الالماني الذي مات مجنونا، تتطلع في العناوين تسحب كتاب " هذا هو الانسان ".. تعود الى شاشة الكومبيوتر وهي تعرض امامك صور عجيبة..تتذكر ذلك الرجل الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره وهو يتجول في الغابات ينظر الى السماء ثم يصرخ: " ايها الجرم السماوي العظيم ! أية سعادات هذه التي ستنالها ان لم تحظ بهؤلاء الذين على عالمهم تشرق ".. تتخيله جالسا قرب صخرة، يردد مع نفسه بصوت خافت: " تتساءل.. أين الله؟ ساخبرك بالإجابة. لقد قتلناه.. انت وأنا جميعا قد قتلنا الله.. ألا تسمعون ضجيج حفاري القبور الذين يدفنون الله " - العلم المرح ترجمة علي مصباح -. يتذكر نيتشه في كتابه " هذا هو الانسان "، ذلك اليوم المصيري عندما خطرت في باله فكرة الانسان الخارق (السوبرمان). ولكن هل كان نيتشه صاحب هذا المصطلح؟.

 في عام 1806 وقبل ثمانية وثلاثون عاما من ولادة نيتشه، وفي منطقة شرق المانيا وبالتحديد في مقاطعة فايمار، كان هناك شاب لم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره اسمه يوهان فولفغانغ غوته قد انتهى من كتابه الجزء الاول من مسرحية بعنوان " فاوست "، وهي التراجيديا التي اراد من خلالها فهم وادراك المعنى الحقيقي للكون. يقلق فاوست غوته من ايمان عصره الذي لا يتزعزع، يقلق من حب شعبه لتلقي الاوامر من الإله، ويرغب بالوصول إلى حقيقة لا تُعيقها الخرافات. ويحشر فاوست نفسه بكل اشكال المعرفة –الفلسفة، الطب، اللاهوت – من اجل ان يفهم ويعرف الطبيعة اللامتناهية للعالم، ولكن من دون جدوى، وتسمع روح السماء مناشدات فاوست اليائسة للحصول على لمحة من الابدية، وتسأله: ما الذي يزعجك ايها الانسان الخارق؟.. كان فاوست عالما طبيعيا مصابا بمرارة خيبة الامل، فقد احاط نفسه بالاجهزة في غرفة بحثه ودرسه وهو يخاطبها بقوله: " لا ريب انك تهزئين مني، ايتها الآلات، وقفت بلا حول امام البوابة، وكان عليك ان تكوني المفتاح " – فاوست ترجمة عبد الرحمن بدوي -. هذه الرغبة الملحة في التعمق الدائم نحو المعارف، سوف تنتهي الى احضان الشيطان " مفستوفيليس ".. يكتب توماس مان ان غوته وهو يحذر من الخطر الذي يجابه العالم، كان يؤمن ان العلم وحده القادر على انقاذ الانسانية. في واحدة من رسائله يكتب غوته: " ليس هناك من بين كل المكتشفات والادلة ما هو ابلغ الاثر على النفس البشرية من تعاليم كوبرنيكوس ".

عام 1540 أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب، يمكن تعليلها بأن الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر

ولد نيقولا كوبرنيكوس يوم التاسع عشر من شهر شباط عام 1473 في مدينة بولونية تدعى تورون، ومات عام 1543 في مدينة تدعى فرومبورك. وكانت ولادته في عائلة من التجار والموظفين الكبار، فقد كان والده قاضياً، لكنه توفي مبكراً عندما كان عمره ابنه عشرة أعوام، فتبناه خاله القس واخذه ليعيش معه في مدينة كراكوفيا حيث حرص على إدخاله إلى أفضل المدارس. وفي عام 1491م دخل إلى جامعة كراكوفيا، حيث درس الصناعات والحِرف، ولكن من دون أن ينال أي شهادة. وقبل أن يترك مدينة تورون عينه خاله كاهناً قانونياً في مدينة فرومبورك، حيث أشرف على الشؤون المالية للكنيسة،. ثم سافر بعد ذالك إلى إيطاليا، حيث درس القانون الشرعي المسيحي والطب في جامعة بولونيا الإيطالية. كما درس بعد ذلك علم الفلك. بعدها اقنع خاله أن دراسة الطب أمر له أهميته لخدمة الكنيسة، كانت دراسة الطب في تلك السنوات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدراسة علم النجوم، فقد كانت الفكرة السائدة أن هنالك روابط غامضة بين أعضاء الجسم وحركة النجوم، أتمّ كوبرنيكوس دراسة الطب بعدها عاد الى بلدته لرعاية خاله المسن وأثناء عمله مستشاراً قانونياً للكنيسة أخذ يقرأ كل ما يتعلق بعلم الكواكب، وقد استقر في أحد أبراج سور الكاتدرائية منشغلاً بدراسة مقاسات الأفلاك من خلال استخدام أجهزة بسيطة صنعها بنفسه ليصدر في يوم 24 آيار من عام 1543 كتابه "دورات الأجرام السماوية"

كان قد بلغ السبعين من عمره ويقال إن نسخة من الكتاب وضعت بين يديه اثناء احتضاره حيث كان في غيبوبة المرض يعاني من نزيف في المخ، ليتوفى بعدها بساعات، أهدى كتابه الى البابا بولص الثالث، حيث كان يحاول أن يتجنب الصعاب والملاحقة وجاء في الاهداء: "نصحني أصدقاء بانه يجب عليّ أن أنشر كتابي القابع في حوزتي مختفياً، وأخبروني بأنه ينبغي لي أن لا أهتم بقلقي، ولا أمنع مؤلفي عن الظهور أكثر من ذلك".

يكتب غوته: "لم يُحدث أي اكتشاف أو رأي، أو كتاب -من جميع الاكتشافات والكتب - أثراً على الروح البشرية أعظم مما أحدثه كتاب كوبرنيكوس"دورات الاجرام السماوية". لأنه بهذا الكتاب إختفت أمور كثيرة في الضباب والدخان، ولا عجب إن معاصريه لم يرغبوا في أن يتركوا كل هذا يمر بسهولة، وقاموا بكل مقاومة ممكنة لكتاب حوّل كل المهتدين به حرية الرأي وعظمة التفكير اللتين لم تعرفا حتى ذلك الوقت، والحقيقة إنه لم يحلم بها أحد قط".4059 كارل ساغان

اذهب ثانية باتجاه رفوف المكتبة التي صففت عليها ما جمعته خلال اكثر من 40 عاما من كتب تتعلق بالعلم والعلماء، اطيل النظر الى كتاب " دورات الاجرام السماوية " فاجده يبدو مطمئنا الى جوار مجلدات غاليلو غاليلي الاربعة، والمح المسرحية التي كتبها برتولد بريشت بعنوان " حياة غاليليه " بعد صعود هتلر الى كرسي الحكم..في زاوية سأجد كتب الفيزيائي الأمريكي كارل ساغان الذي توفي عام 1996. وكان مشهورا بأنه يرسم معادلاته الرياضية على المناديل الخاصة بالمطاعم..كان ساغان قارئا للفلسفة،وقال ذات يوم ان والده ظل مولعا بكتابات نيتشه، وان هذا الاب كان يتباهى من ان عائلته لأمه ترتبط بقرابة مع عائلة الفيلسوف الروسي الشهير نيكولاي برديائيف. كان صموئيل ساغان، عامل في متجر للملابس هاجر من اوكرانيا التي كانت ضمن الامبراطورية الروسية، ليستقر في احدى احياء بروكلين الفقيرة، عاشت الأسرة في شقة متواضعة وفي التاسع من تشرين الثاني عام 1934 رحب بولادة ابنه البكر " كارل " الذي سيصبح بعد نصف قرن واحدا من اشهر علماء امريكا، وصاحب برنامج تلفزيوني يتابعه اكثر من 500 مليون انسان.. يقول في رد على سؤال حول توجهاته العلمية ان والده اشار اليه وهو صغير وقال لوالدته " هذا الصبي سيكون متمردا ".

يقول كارل ساغان ان والده لم يكن متدينا، ولم يذهب للصلاة يوما على عكس والدته " راشيل " التي كانت تؤمن بالله، وتتردد دائما الى المعبد، وتمنع وجود اللحوم في البيت ايام السبت .. يعترف ان والديه كانا مثل الاجرام المختلفة، والدته من عائلة فقيرة، في شبابها كانت طموحة وتمنت ان تدخل الجامعة إلا ان الفقر والقيود الاجتماعية اصابتها بالاحباط، بعد ذلك ستجد في ابنها " كارل " معبودها الوحيد الذي سيحقق احلامها. يقول كارل ساغان ان احساسه الدائم بالدهشة ومتابعة الاشياء جاءه من والده، وفي كتابه " ظلال الأجداد المنسيين " ترجمت فصول منه في مجلة عالم الفكر – يرى ان الفضول نشأ عنده من مراقبة والده الذي كان مغرما بالمسرح حتى ان عمل في ادارة احد المسارح: " لم يكن والداي عالما. لم يعرف شيئا تقريبًا عن العلم. لكنه استطاع ان يزرع في نفسي الشك والتساؤل ".

يتذكر ساغان أن إحدى اللحظات الأكثر اهمية في حياته عندما اصطحبه والده إلى معرض نيويورك العالمي عام 1939 كان في الخامسة من عمره. أصبحت المعرض نقطة تحول في حياته. يتذكر فيما بعد الخريطة المتحركة لمعرض أمريكا الغد: "لقد أظهرت طرقًا سريعة جميلة وأوراق البرسيم وسيارات جنرال موتورز الصغيرة جميعها تحمل الناس إلى ناطحات السحاب والمباني ذات الأبراج الجميلة والدعامات الطائرة "، تذكر كيف أن المصباح الكهربائي الذي أضاء على خلية كهروضوئية أحدث صوته طقطقة، كتب ساغان: " من الواضح أن العالم يحمل عجائب من النوع الذي لم أكن أتخيله من قبل".

بعد وقت قصير من دخوله المدرسة الابتدائية، بدأ في التعبير عن فضول قوي بشأن الطبيعة. يتذكر أنه قام برحلاته الأولى إلى المكتبة العامة بمفرده حصلت له والدته على بطاقة مكتبة. أراد أن يعرف ما هي النجوم، حيث لم يتمكن أي من أصدقائه أو والديهم من إعطائه إجابة واضحة: " ذهبت إلى أمين المكتبة وطلبت كتابًا عن النجوم، والإجابة كانت مذهلة. أن الشمس كانت نجمًا ولكنها قريبة جدا. كانت النجوم شموسا، لكنها كانت بعيدة جدا فقط نقاط ضوئية صغيرة... فجأة انفتح الكون لي "، ظل الفضاء يشغل اهتمامه الرئيسي، خاصة بعد قراءة قصص الخيال العلمي لكتاب مثل ه.ج ويلز وجول فيرن، والتي حركت خياله حول الحياة على كواكب أخرى.

 التحق ساعات بجامعة شيكاغو، خلال الفترة التي قضاها كطالب جامعي، عمل في مختبر الوراثة وكتب أطروحة حول أصول الحياة. انضم إلى جمعية رايرسون الفلكية، حصل على البكالوريوس في الفيزياء عام 1955. ثم حصل على الماجستير. عام 1960 حصل على الدكتوراه بأطروحة بعنوان " الدراسات الفيزيائية للكواكب "، عمل استاذا مساعد في هارفارد، بعدها انتقل للتدريس في جامعة كورنيل وبقي ما يقرب من 30 عامًا حتى وفاته في عام 1996.

ارتبط كارل ساغان ببرنامج الفضاء الأمريكي منذ بدايته. عمل مستشارا لوكالة ناسا. ساهم في العديد من مهام المركبات الفضائية التي استكشفت النظام الشمسي، وقام بترتيب التجارب في العديد من الرحلات الاستكشافية. قام بكتابة أول رسالة تم إرسالها إلى الفضاء وكانت على لوحة مطلية بالذهب متصلة بمسبار الفضاء بايونير 10، الذي تم إطلاقه عام 1972. عام 1988 كتب مقدمة للطبعة الاولى لكتاب ستيفن هوكينغ الشهير " تاريخ موجز للزمان ".حصل عام 1994 على ميدالية الرفاهية العامة، وهي أعلى جائزة تمنحها الأكاديمية الوطنية للعلوم "للمساهمات المتميزة في تطبيق العلم على الصالح العام..فاز كتبه بجائزة بوليتزر. حصل برنامجه الشهير عن الفضاء على جائزة إيمي، وتحول ساغان من عالم فلك غامض إلى رمز للثقافة الشعبية.

كان ساغرم من دعاة البحث عن حياة خارج كوكب الأرض. وحث المجتمع العلمي على استخدام التلسكوبات الراديوية للحصول على إشارات من أشكال الحياة الذكية المحتملة خارج كوكب الأرض. في ذروة الحرب الباردة، انخرط في جهود نزع السلاح النووي من خلال الترويج لفرضيات حول آثار الحرب النووية على البشرية .

تزوج ثلاث مرات. وانجب خمسة ابناء، اصبيب بالتهاب في الرئة وتوفي في 20 كانون الثاني عام 1996، بعد شهر من احتفاله بعيد ميلادهه الـ " 62 ".

من بين جميع القيم العلمية، عرف كل عن ساغان تقديره لحرية الشك: " على النقطة الزرقاء الباهتة (الارض) التي هي الموطن الوحيد الذي عرفته البشرية على الإطلاق، هناك الكثير من المعضلات التي لم يتم حلها، والعديد من الأسئلة ذات الإجابات غير المؤكدة فقط. أولئك الذين يطالبون بمراقبة الأفكار غير التقليدية - أو الرقابة الذاتية - يلعبون بالنار. لأنه عندما لا يكون المشككون آمنين، فإننا جميعًا في خطر."

في كتابه " عالم تسكنه الشياطين " – ترجمة ابراهيم محمد ابراهيم - يبيّن ساغان كيف أن العلم هو طريقة للتحرر الإنساني، وخصوصاً التحرر من الأساطير والمعتقدات القديمة والخرافات والتنجيم، التي لا تزال تسيطر على العقل الإنساني حتى في أكثر الدول المتقدمة علمياً، مثل الولايات المتحدة الأميركية. ويتساءل عن التباعد بين التقدم التقني في العلوم والتكنولوجيا، وبين بقاء عقل الإنسان خاضعاً للمفاهيم التي لا تخضع للعلم أو تنتمي الى عالم الغيب والأساطير والمؤامرات.

في كتابه "اصل الاخلاق " – ترجمة حسن قبيسي يشجب نيتشه، الدعوة التقليل من شأن الإنسان" الذي أحدثته الثورة العلمية. يبدو نيتشه حزينا على فقدان "إيمان الإنسان بكرامته، وتفرده، وعدم الاستغناء عنه في مخطط الوجود". يكتب كارل ساغان بالنسبة لي، من الأفضل بكثير أن أفهم الكون كما هو في الحقيقة بدلاً من الاستمرار في الوهم، مهما كان ذلك مُرضيًا ومطمئنًا. ما هو الموقف الأفضل للبقاء على المدى الطويل؟ ما الذي يعطينا المزيد من النفوذ على مستقبلنا؟ وإذا تم تقويض ثقتنا الساذجة بأنفسنا قليلاً في هذه العملية، فهل هذه تمامًا مثل هذه الخسارة؟ ألا يوجد سبب للترحيب بها كتجربة ناضجة وبناء شخصية؟

رغم ان نيتشه مات مريضا، مهملا قبل اكثر من مئة عام، الا ان تاثيره لايزال اثيراً لدى الكتاب والقراء في ان واحد، ولا يزال الناس منقسمين على الحكم عليه انقساماً لا يشبه أنقسامهم في الحكم على احد، ونجد الجميع يستشهد بعبارات هذا الفيلسوف العبقري الذي عاش وحيدا ومات وحيدا. لم يكن احد قبله بمقدوره ان يقلب التفكير الغربي رأساً على عقب، ولم يات أحد بتاريخ متناقض وخطير النتائج كما فعل نيتشه : " كم من الناس سيستند يوما من الايام الى سلطتي من غير وجه حق "، وكانت مخاوفه معقولة، الم يقل يوما وهو منبهر: " اضع يدي على الألف القادمة "، واليوم في عصر الانترنيت والالكترونيات لايزال الحديث عن نيتشه يشغلنا، ففي كل يوم يولد قارئ جديد سيقرأ فيما بعد سطراً من " العالم المرح " فيدهشه، أو كلمات من هكذا تكلم زرادشت فتسحره.. ويظل هذا الفيلسوف الذي مات مجنونا لغز عالمي، فنيتشه كما كتب يوما الفيلسوف الألماني الوجودوي كارل ياسبرز: " لايمكن استنفاذه، وقد غرف كل جيل من نبع رؤاه، وسعى الى استنفاذه، وقد بليت كل الانية وتكسرت، غير انه في العمق، ما يزال النبع نضاحاً لاينضب ".

قبل اكثر من عامين صدر كتاب يطرح فيه مؤلفه الكاتب الانكليزي باتريك ويست فكرة تخيل عودة نيتشه الى حياتنا هذه الايام، ويناقش تاثير نيتشه على عصرنا الحاضر، فهذا لفيلسوف الذي اخترع كلمة السوبرمان، لاتزال افكاره حول طبيعة الخير والشر، وارادة القوى، تردد صداها في جميع أنحاء العالم، وفي وسائل الاعلام، ونجده يظهر في سلسلة هاري بوتر كانسان خارق، يطرح الكاتب سؤالا: هل نحن مدينون لنيتشه، الذي اكد ان " ما هو عظيم في الإنسان، أنه جسر وليس هدفًا ".

يقول الكاتب أن نيتشه يحب أن يطرح أسئلة. وقد كان يعتقد أنه كلما زادت عدد الأسئلة التي نطرحها كلما زادت الحكمة التي نكتسبها ونطورها في حيانتا بشكل أفضل، وان الانسان عندما يعاني للوصول الى هدفه فان ذلك افضل له، فالشجاعة هي في مواجهة الصعوبة، والسماح لنفسك بالعيش بشكل تجريبي، واستكشاف خبرات الحياة بجرأة: " كن ممتنًا لأنك لم تأخذ الطريق السهل وتستمر في ذلك مثل "متعرج ممل".

يؤيد كارل ساغان افكار نيتشه حول الدعوة الى قيم تؤدي الى ثقافة قوية وجديدة، وقوة الحياة هذه سيطلق عليها نيتشه اسم " ارادة القوة".

انظر وقد اخذني النعاس الى كتاب " هذا هو الانسان "، والى صورة نيتشه يبدو غاضبا، واتصفح ماكتبه كارل ساغان عن عالمنا الذي تسكنه الشياطين، واتخيل نيتشه على متن مركبة فضاء يجلس الى جواره كارل ساغان وصديقه ريتشارد فاينمن عالم الفيزياء الذي حصل على نوبل عام 1965، ينظرون جميعا الى الكون الذي وصفه كارل ساغان بانه " كل ما موجود، وما وجد، وما سيوجد ". يبدو نيتشه متعبا لكنه لا يزال يؤمن بفكرة العود الأبدي، فكل ما يحدث الآن سوف يحدث مرّةً أخرى أيضًا، بالطريقة نفسها في كل مرةٍ وإلى الأبد، أي يوجد دورات من الحياة حيث الكون والإنسان يُعاد خلقهم من جديد ليحدث مثلما حدث تمامًا، وهذه الدورات تستمر في التكرار إلى الأبد. ينتبه كارل ساغان الى ان ستيفن هوكينغ كان مغرما بهذه الفكرة وهو يشرح نظرية الانحسار العظيم للكون والتي تقول أن الكون سيفنى ثم ينبثق مرة أخرى بنفس الشكل وسوف يحدث ذلك مراتٍ لا متناهية. يقول نيتشه: " إن كل اتجاه على خط مستقيم إنما هو اتجاه مكذوب، فالحقيقة منحرفة، لأن الزمان نفسه خط مستدير أوله وآخره”.

ولكن ماذا عن الله؟، ينظر ساغان باتجاه نيتشه ويقول: " مثل هذه الموضوعات تتطلب الشك والخيال معا، فالخيال يحملنا الى عوالم لم تكن موجودة من قط. اما الشك فيمكننا من التمييز بين الزائف والحقيقي ومن اختبار افكارنا.. والكون غني دون حدود بالحقائق الرائعة والوسائل الذكية لاكتشاف الاشياء التي تمتنفها الاسرار ".. يبتسم فاينما وهو يقول: " على الرغم من حقيقة أنني قلت أكثر من نصف العلماء لا يؤمنون بالله، فإن العديد منهم يؤمنون بكل من العلم والله بطريقة متناغمة تماما، لكن رغم أن هذا التناغم ممكن ليس من السهل تحقيقه. "

هنا ينظر ريتشارد فاينمن وكارل ساغان بمحبة وشفقة الى العجوز نيتشه وهما يرددان: " حيثما لا توجد أدلة، لا يمكن الحصول على دليل ملموس، لا يمكننا أن نستنتج أن الله موجود، ولا نستطيع أن نستنتج أنه غير موجود".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

الصفحة 1 من 6

العدد: 5827 المصادف: الجمعة 19 - 08 - 2022م