قراءة في كتاب

كلُّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة. وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه.

نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يُعادُ فيه بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق وتطبيقات العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية في الواقع المتجدد، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن. كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في: تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي، وهندسة جينات، وأمثالها. إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الحضور الجديد للإنسان في الوجود يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.

يجدُ القارئ في موضوعات كتاب "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى، التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف وتراكم الخبرات البشرية، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًّا للحاجة الروحية والأخلاقية إلى مشكلة تهدِّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. يرى القارئُ أن أكثرَ مشكلاتنا يكمن في تمدّدِ وتضخّمِ هذه الحاجة وإهدارِها لغيرها من الحاجات الأخرى، وابتلاعها لكلِّ شيء في حياة الناس في مجتمعاتنا.كثيرٌ من مشكلات عالَم الإسلام تعود إلى الإخفاق في التعرُّف على الحقلِ الحقيقي للدين وحدودِ مهمته في حياة الإنسان، وما نتج عن ذلك من هيمنةِ الدين على حقول الحياة الأخرى، والإخلالِ بوظيفة العقل والعلم والمعرفة، وإهمالِ قيمة تراكم الخبرة البشرية وأثرها في البناء والتنمية.

في ضوء هذا الفهم حاولنا أن نكتشفَ في كتاب "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" حدودَ المجال الحقيقي الذي يحتلّه الدين، وحدودَ المجال الدنيوي الموازي له، وقد شرحنا ذلك من خلال نماذج تطبيقية متنوعة لما يختص به كلٌّ من: الدين والعلم، والدين والدولة، والمقدّس والدنيوي. يصدرُ هذا الكتاب في مسعًى لإرساءِ لَبَناتِ فهمٍ للدين، وبوصلةٍ ترشد لمنطق فهمِ آيات القرآن الكريم، من أجل بناء رؤية "إنسانية إيمانية"، عساها تطلُّ بنا على أفق مضيء، نرى فيه الدينَ بمنظار مختلف، يصير فيه الدينُ دواءً لا داءً، والإيمانُ محرِّرًا لا مستعبِدًا، والتديّنُ حالةً روحانيةً أخلاقية جماليةً، تتجلّى فيها أعذبُ صورةٍ لله والإنسان والعالَم.

يأتي هذا الكتابُ رديفًا لغيره من كتاباتي، وهو يتوخَّى الغايةَ ذاتها، وما تنشده موضوعاتُما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الكتب هي "لاهوتُ الرحمة"، من أجل تخفيفِ وطأة "لاهوت السيف" الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم. إذ كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية، لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع الفكرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب "لاهوتُ السيف" على "لاهوت الرحمة"، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًّا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسِّري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في الفصل الأول، الذي جاء بعنوان: "الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن"، والفصلِ الثاني الذي جاء بعنوان: "التصوّف المعرفي وعلم الكلام: رؤيتان للتوحيد"، وتناول بالشرح والتحليل كيف يغتربُ الإنسانُ وجوديًّا عن الله في لاهوتِ المتكلّمين، لأنّ ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكِي علاقةَ السيِّد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في علم الكلام القديم تَسَلُّطِيّ كالملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، يمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وُلدت عقيدةُ الجبر في أُفُقِ هذه الرؤية مبكِّرًا، وأصبحتْ منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. كما تناولت بالشرح والتحليل ما يمكن أن يقدمه التصوُّفُ المعرفي في تراثنا من تأمين الحاجة للمعنى الديني اليوم، بوصفه مَنْجَمًا ثمينًا للمعنى الروحيّ والأخلاقيّ والجماليّ، وإن كان اكتشاف ما تزخر به طبقاتُ هذا المنجم يتطلّب وجود مُكْتَشِفٍ بارع يغوص في تلك الطبقات، فيصطاد الجواهرَ الغاطسة في ركام مَنْجَم فحم، مدون بلغة ضبابية أحيانًا، ولا يخلو من فائض أقوال وعبارات وشروح مملَّة في بعض المؤلفات، مشوبة أحيانًا بالحثِّ للانصراف والتفرغ لتطبيق توصيات شيخ الطريقة، التي تروّض الإنسان على تصوُّف الاستعباد.

في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة، كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة. أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًّا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.

صدرت الطبعةُ الأولى لهذا الكتاب منتصف عام 2018، وقبلَ نهاية ذلك العام نُشِرَ في طبعة ثانية، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ ثالثة مزيدة ومنقحة. ككلِّ أعمالي، عندما أعود إليها بعد سنوات من صدورها، كأني أقوم بتأليفها مجددًا، مرة أشطب، وأخرى أختزل وأكثّف، وثالثة أشرح وأوضّح، ورابعة أعيد بناء العبارات وانتقاء ما هو أجمل من الكلمات.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

............................

* مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، صدر عن دار الرافدين ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

 

كان ذلك الصباح مشرقاً سعيداً حين جلس محمد الهجابي على مقربة مني.. ودار ثمة حديث بيني وبينه عن التصوير الشعبي ومدي تعبيره عن فلسفة الفنان وسلوك الناس، وبعد ذلك مدى قدرة المنهجيات الحديثة من بنيوية وسيميولوجيا وألسنية وتحليل نفسي وتمكنها من سبر أغوار تلك الفلسفة وذلك السلوك. وغاب عني الهجابي باحثاً وغبت عنه في حومة الصراع مع متطلبات الدرس وسطوة العلل.

التقينا صبيحة يوم آخر مشرق وسعيد. كان وجهه يبتهل فرحاً، وهو يتأبط مخطوط هذا الكتاب الذي بين يديك. إنه حصيلة جهد لا يقوى عليه إلا من نذر نفسه مخلصاً للبحث والتقصي. وقد يكون لزاماً علي أن أعرفك به.. وأن يكون هذا التعريف مستعيراً مصطلح جونيت، على شكل "عتبات" متدرجة تتصاعد بك وبي لاستشراف ما يمكن استشرافه.

(1)

بادئ ذي بدء، قد يروق لك، كما راق لي، أن تتعرف على سر الاهتمام بالخطاب البصري، أو في صياغة أخرى: لماذا هذا السعي لمحو الأمية البصرية؟ ربما نجد جواباً مباشراً عن هذا التساؤل في ما ذهب إليه كرتس من أن 75 إلى 80 بالمائة من التلقي الحسي للإنسان إنما هو بصري، و بالرؤية يرتبط الإدراك والذاكرة والانفعال، وكذلك التلقي. وفي العين 10 بالمائة من الرؤية، وفي الدماغ 90 بالمائة منها، وأنها تشكل 60 بالمائة من فعالية مقدمة الدماغ. ولن نبتعد عن الحقيقة حين نزعم بأن الثقافة البصرية هي المكون الحاسم لكل قنوات التواصل الممتدة عبر الحاضر والمستقبل. كما أننا لا نبتعد عن الحقيقة حين نقول بأن القراءة والكتابة لا تخلقان حضارة، ولكنهما تنقلان الموروث. إن حضارة الإغريق العظيمة بشعرها ونحتها وفنونها البصرية، وما نهضت عليه من بناء سياسي أخذت مكانها في زمن لم يكن فيه منشؤها العظام يحسنون القراءة والكتابة.

وإذا صحت المقولة بأنّ حضارة الإنسان إنما هي خلق التواصل الإنساني، فإن هذا الاتصال لم يكن بالكلمة مكتوبة أو منطوقة فحسب، وإنما بالصورة أيضاً. وفي ضوء ذلك، أصبح القول بأن تأريخ العقل الإنساني ينشطر إلى شطرين: ما قبل الألفبائية وما بعدها.

وبعد ذلك، فالمجتمعات تختلف في تحديد ضروب الفوائد والوظائف التي يوفرها تعلم القراءة والكتابة، وكذا الأمر مع قراءة الصورة. ولكن ذلك الاختلاف لا ينفي أن ذلك التعلم هو نظام من الخبرات والقيم يأخذ مكانه في إطار وضعية خاصة؛ ولعل أهم ما يميز الرسائل الإيقونية في هذا النظام هو إمكانية فهمها من قبل أناس لا يحسنون "كلام" صانعيها. وربما يدفع بنا هذا إلى القول بضعف الاعتماد على الكلام المنطوق أو المكتوب اعتماداً كلياً في التواصل الإنساني. وفي كل ذلك ما يستدعي تكوين ثقافة بصرية توازي الثقافة اللفظية.. ثقافة تمكن من قراءة ما يرى وفهمه، وتساعد على توليد نصوص تفهم لدى الرؤية، وتسهم في تكوين ثقافة كونية ذات قدرات متميزة في التفسير والتجاوب، وذات مشاركة شمولية في إدراك المعاني.

إن محاولة الهجابي في كتابه الذي بين يديك مساهمة في تكوين تلك الثقافة البصرية. وهي في طموحها الأبعد تتجاوب مع المواصفات التي وضعتها "لندا شابر" للمثقف بصرياً. إنه في رأيها ذلك الذي يتمكن من:

- قراءة وتصوير الفعل البصري وموضوعاته ورموزه، وفهم قواعد البصرية ونحوها.

- تقييم الاتصال البصري وتذوقه من وجهة نظر معرفية، نقدية.

- كتابة أو خلق رسائل بصرية تلائم رسائل الاتصال، وتغذي عملية الإبداع.

- القدرة على إنجاز ضروب التكامل بين المحتويين البصري والسمعي عبر مراحل تنفيذ الرسالة.

- إدراك المسؤوليات القانونية والأدبية والأخلاقية التي ينبغي تحملها عند تقديم الصورة.

- فهم الجانب التقني ذي الصلة بوسائل الاتصال بحكم التأثير العام الذي يحققه انتشار الرسائل البصرية من خلال تلك الرسائل.4583 محمد الهجابي

(2)

... ولكن لمَ هذا التركيز على التصوير الشعبي؟

إن القول بأنه "شعبي" ينفي عن هذا التصوير كونه أكاديمياً أو نخبوياً.. بل ينفي عنه، كذلك، أنه يكشف عن طراز متكامل.. ولكنه ينم عن كونه مصفاة للتقاليد والمعتقدات في تفاعل مع فلسفة جمالية يعتنقها الفنان وجمهوره. إنها فلسفة الإنسان في حياته اليومية. وبذلك، تنفلت من أسار التعبير الذاتي لتفصح عن الوجدان الجمعي، وتغدو قادرة على كشف الاتجاهات الشعبية بما لها من عناصر تمثل بنيات معرفية محددة عن العالم. إن التصوير الشعبي بطبيعته "المحافظة" يأخذ مكانه مباشرة في وحدات اجتماعية صغرى، ولا يأتي عبر وسائل الإعلام التي تنشر ما يعرف بالثقافة "الجماهيرية" بما فيها من آنيةٍ وسرعةٍ وتوجهٍ إلى أناس غير محددي الهوية.

إن التصوير الشعبي يقع ضمن إطار الثقافة الشعبية؛ والشعبية وصف تتباين مدلولاته من محيط إلى آخر. وفي مجال الفنون لن يوصف الفن ب"الشعبي" إذا ما اتسم بالعذوبة والرقة، فتلكما من صفات ما يعرف بالفن "العالي". ولن يحمل هذا الوصف، كذلك، ذلك الفن الذي تطبعه الراديكالية ويهلل للآلة وإمكانياتها اليوطوبية العظيمة. إن ذلك من صفات ما يعرف بالفن "الطليعي". والفن الشعبي لا ينضوي تحت شعار الفن للفن والدعوة الفردانية، فذلك من خصائص ما يعرف بالفن "الحديث". وقد يقترب موضوع الفن الشعبي من "الفولكلور" كنقيض للفن "العالي". وإنه، في معظم نتاجه، وليد المجتمع الزراعي أو ما قبل الصناعي. ولكنه، بالتأكيد، في منأى عن مفهوم الفن الشعبي Popular Art كما تحدد معالمه بعض وجهات النظر الأميركية والأوربية والتي تراه في الرياضة وألعاب السيرك والملاهي والعنف والجنس، وكل ما يطلق عليه فن "النفايات" بطابعه الاستهلاكي. وهو يقترب من هذا المفهوم إذا ما تحدد بالنزعة الخفية في بعض نتاجاته لمقاومة النظام المسيطر، وبالتحدي الساخر للكلام المتدثر بالرسمية.

وأخيراً، وهو، بالتأكيد، أيضاً ليس ذاك الذي يعرف بالفن "الجماهيري" Mass Art الذي هو حصيلة أميركية نشرت امتداداتها في فترة تقع قبل الحرب العالمية الثانية وتصاعدت مع تصاعد نمو نتاجات هوليود وشبكات الراديو ومجلات هنري لوس.  وبها تحولت الثقافة إلى صناعة تعتمد التسلية لا الفن.

ولم يبق الفن "الشعبي"، بمعناه الذي يقترب من "الفولكلور"، وبشكله الإيقوني، رهين الأفق الفلاحي، بل امتد إلى أحياء العمال ودكاكين الباعة البسطاء وزوايا قراء الطالع وواجهات سيارة الأجرة وبيوت الكادحين... مع ملاحظة استفادته من تقنيات الاتصال الجماهيري وخاصة في مجال الطباعة وفرز الألوان.

(3)

وماذا بشأن مناهج ودراسة الثقافة الشعبية التي يدخل في إطارها الفن الشعبي.. وبالتالي التصوير الشعبي؟

لقد بذل الهجابي كثيراً من الجهد في تطبيق ما جاءت به الألسنية وعلم الدلالة والبنيوية والاستبطان. وكأنه بهذا التوليف ينشد الهروب من تحليل المضمون في مفهومه الكمي ويحاول أن يوظف تقنيات التأمل والتجلي بل الاستغراق فيها إلى درجة تقربه من تأملات الصوفيين وتجلياتهم. وأكثر من ذلك واجد شذرات هنا وهناك مما أنتجه العقل الصوفي. ولعل مرد هذا التوجه كامن في أن دراسة الثقافة الشعبية ما زالت تخلو من تعاريف إجرائية واضحة من جهة، كما أنها لم تصل من جهة أخرى إلى وضع تصنيف يتسم بالشمولية. وهذان هما المحوران الأساسيان اللذان ارتكز عليهما دوركهايم في مقاربته للسوسيولوجيا.

وقد يكون من المناسب أن نسجل هنا بعض الملحوظات ذات المساس بمحاولة الهجابي التوليفية:

- إن محاولة التوليف هذه لم تقترب من المنهج التأريخي الذي يعتمد الأنثروبولوجيا الاجتماعية والتصوير والأركيولوجيا والمقارنات..

- إن توظيفه البنيوية أبعده عن استكشاف الغرض الأيديولوجي الذي لا تخلو منه أية ثقافة.

- وفي تطبيق الألسنية ثمة توسع في مفهوم "اللغة". لقد انضوت تحت عباءتها الأشكال غير اللفظية سيراً على خطى ليفي شتراوس. ولكن هذا التوسع، بالرغم مما فيه من مزايا، لا يمكّن من نظرة أعمق إلى ما هو غير لفظي في الثقافة الشعبية. وربما وقع توليف الهجابي في مآزق لو طبق قواعد التوليدية كما أفرزتها كتابات نعوم شومسكي، أو مذهب روف في أن المدرك اللغوي هو ما يحدد معالم العالم.

- وقد يكون في تطبيق التحليل النفسي طرافة الاجتهاد، ولكن أية مدرسة من مدارسه أجدر أن يتبع. ولأن موضوع الاستبطان من التعقيد مصطلحاً ومنهجاً يجعل من الصعب اختيار مدرسة من مدارسه أقرب من غيرها للتطبيق على الخطاب البصري. وربما يكون هذا الإدراك هو الذي دفع الهجابي إلى توظيف نظرة "كلية" في عمليته التحليلية, ولعل أروع ما في نظرته الكلية هذه هو الرجوع إلى تفاسير علماء المسلمين في مجال الأحلام، وعدم الوقوف عند المدرسة الفرويدية.

إن التردد الذي رافق النقاد عند تطبيقاتهم مبادئ التحليل النفسي في حقول الدراسات الأدبية يظل قائماً في مجالات دراسات الخطاب البصري باعتباره مكوناً من مكونات الثقافة الشعبية. وما مرد هذا التردد إلا التخوف من الوقوع في التبسيط الذي ينتهي بالناقد إلى السذاجة في التحليل. ومن هنا، فإن انطلاقة مؤلف هذا الكتاب إلى الاستعانة بمناهج أخرى تبدو على حظ من النجاح بحيث أبعدت التحليل إلى حد كبير عن "الفهامة".

- ولعل أبرز الملحوظات تتجلى في ابتعاد التوليف عن توظيف مبادئ المادية الجدلية في محاولة التحليل. ربما يكون الاتساع في التوليف مانعاً، ولكن أهمية علاقة الإنتاج ونمط الإنتاج والتفاعل المادي بين الناس في تشكيل الوعي الإنساني تدفع إلى الاستعانة بها في تبصر الإستيتيقا الجدلية الرافضة لفصل الشكل عن المضمون. وليس في ذلك ما يحمل الخطاب البصري على البوح عنوة بما ليس فيه على نحو ما تفعله البنيوية والألسنية في أمثلة كثيرة.

(4)

إذا ما سايرنا لويس ألتوسر في رؤيته بأن المعرفة إنتاج، فإن نتاج التصوير الشعبي ممثلاً بعينة الدراسة يشكل مادة أولية تنظيرية للمعرفة في حقول الثقافة الشعبية. ولقد كانت أدواته المستخدمة في تحويل تلك المعرفة توليفاً يقع تحت مظلة "النزعة الإنسانية". ولقد انتهى إلى حصيلة هي هذا الكتاب الذي أريد لك أن تتدارسه بروية القارئ الناقد، وتشوق من ينشد اللذة الفنية.

لن أقول لك إن الهجابي قد نجح في محاولته، ولكني لن أتردد في الزعم بأنك ستجد عبر صفحاته الكتاب متعة روحية مردها إبداع الفنان الشعبي العربي المسلم، كما ستجد فيه الغذاء العقلي الذي يخصب بستان المعرفة بما فيه من تنوع. ولعلك ستشد على يد المؤلف معجباً مثلما فعلت.. ولكني كنت معجباً إعجاب المعلم بنجاح تلميذه، والأب بما أصاب ابنه من فلاح.

***

د. زكي الجابر (أستاذ سوسيولوجيا الإعلام والتلفزة في المعهد العالي للصحافة بالرباط/ المغرب)  

في 10 أبريل 1993

...............................

* هذا الكتاب هو في الأصل أطروحة جامعية، تحت إشراف الأستاذ المقتدر الفقيد زكي الجابر،  تقدم بها محمد الهجابي لنيل ديبلوم الدراسات العليا في الصحافة بالمعهد العالي للصحافة بالرباط سنة 1992.

أفرد الكاتب والأكاديميّ، الخُبريّ المولد والنَّشأة والبحرينيّ المواطنة، كتاباً للنساء ضمن موسعته «النُّخب في الخليج العربيّ». أتى بتراجم لستٍّ وخمسين امرأة، مِن المواطنات والأُسر الحاكمة، سجل دورهنَّ ببلدانهنَّ. وسماه «رائدات ومبدعات مِن نساء الخليج»(المنامة 2022)،. كتاب لم يكتمل بعد، فالستِّ والخمسون ليسنَّ كل الرَّائدات.

كسر المدني، في كتابه «رائدات...» النَّظرة التّقليدية، بأنَّ المنطقة خالية إلا مِن البداوة، مع أنَّ الأخيرة ليست خالية نابذة للتحضر كليةً، والقول للمعريَّ (تـ: 449هج): «تذكَّرْتُ البِداوَةَ في أُناسٍ/ تَخالُ رَبيعَهُمْ سَنَةً جَمادا/يَصيدونَ الفَوَارِسَ كلَّ يومٍ/ كما تَتَصَيّدُ الأُسْدُ النِّقادا»(لزوم ما لا يلزم/أرى العنقاء). كذلك للجواهريّ(تـ: 1997): «فقلتُ وفي البَداوةِ ما يُزين/ البُداةَ وفي الحضارةِ ما يشيدُ»(أفُتيان الخليج/1979).

تبقى الكتابة في تراجم النِّساء نزيرة قياساً بتراجم الرِّجال. فهذا ابن سعد(تـ: 230هج) يفرد المجلد الأخير مِن طبقاته الكبرى للنساء، وأفرد الخطيب البغداديّ(تـ: 463هج) جزء مِن مجلده الأخير لتراجم البغداديات، وكان أول عمل يؤرخ لمدينة عبر طبقات النَّاس، سار على هديه ابن عساكر(تـ: 571هج)، وصنف «تاريخ دمشق»، وأدخل النِّساء ضمن الثَّمانين جزءاً.

غير أنَّ هناك مَن بَكر بالاعتراف بإبداع النِّساء، والاعتراف بعقولهنَّ المسلوبة ظلماً آنذاك، فكان كتاب «بلاغات النِّساء» لابن طيفور الكاتب(تـ: 280هج)، و«أخبار النِّساء» لأُسامة بن منقذ(تـ: 584هج)- قيد النّشر مِن مركز الملك فيصل للبحوث والدِّراسات- و«أخبار النّساء» لابن الجَوزيّ(تـ: 597هج). كانت أول امرأة تناولت سِير بنات جنسها زينت فواز(تـ: 1914) في «الدُّر المنثور في طبقات ربات الخدور»(صدر 1897).

أعدُّ ما صنفه المدني عملاً غير مسبوق، فما يجري مِن تحول في أحوال النِّساء، بما يُخالف النَّظرة الدِّينية والقبليَّة السَّائدة، ارتكز على تاريخهنَّ، ومعلوم أنَّ منح المرأة المساواة، في الوظيفة والحقوق، تتطلب نهج انفتاح الاجتماعيّ، وهذا الانفتاح سيكون عامل قوة لأي نظام، ويكون عامل انهيار للدَّولة التي يقودها رجل الدِّين، خصوصاً فيما يتعلق بمعاملة النِّساء.

نفهم، مِن قراءة أحوال المُترجم لهنَّ، في كتاب المدنيّ، كم كان على الرَّائدة، في العقود الخوالي، أنْ تبلغ مِن الجدارة كي تُسجل تفوقها بين الرِّجال، كأديبة، وطَّبيبة، وفنانة، ومذيعة، وشَاعرة، ومعلمة، وسَفيرة، ومَن كانت مستشارة لأخيها الملك في أصعب القرارات، ومَن بذلت جهدها الجهيد في تفوق نساء مجتمعها، حتَّى اُعتبرت أماً لبلادها.

لكنني توقفت عند سيرة البحرينيَّة فاطمة الزَّياني، لما يتعلق بماضي العِراق الزَّاهر وحاضره الذَّابل، فوجدت المناسة في كلمة رئيس الوزراء محمد السُّودانيّ، وهو يرد على طبيب قال له عند بوابة المستشفى الذي تفقده: «الله يوفقك»، وقد وجده لا يصلح إطلاق اسم مستشفى عليه، فرد السُّوداني: «حتَّى السَّليم إليجي هنا يتمرض، الله لا يوفقني على هذه الخدمة»! بينما الزَّياني، في الأمس القريب، شدت الرِّحال إلى بغداد(1937)، لتنال شهادة التَّمريض والقبالة مِن مدرسة التَّمريض(1941)، وعادت إلى البحرين، وقد نالت أعلى الدَّرجات، واختيرت للعمل مع كبير أطباء البحرين (سنو) البريطاني.

إنَّ تسجيل ذاكرة المبدعات والمبدعين الأوائل، في أيّ مكان، يشد مِن أزر الماضين في تغيير مجتمعاتهم، مِن دون أهواء الغزوات والثَّورات، وإسهام النِّساء يأتي في المقدمة، لذا يستحق ما يقوم به الأكاديمي المدني التَّقدير، بتسجيل تجارب النِّساء والرِّجال الأوائل، فما يحصل في هذه المجتمعات اليوم لم يات مِن فراغ، بل له أساس، وهو هؤلاء الرُّواد والرَّائدات، الذين تحملوا وتحملنَ مصاعب المواجهة في الزَّمن الغابر.

***

د. رشيد الخيون - كاتب عراقي

 

 

قراءة في كتاب د. طلال الطاهر قطبي بشير تحت عنوان "دراسات في أدب الدكتور علي القاسمي"

هذا الكتاب الشيق صدر بطبعته الأولى سنة 2022 عن دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع بالخرطوم (السودان). الأديب قطبي هو اليوم أستاذ جامعي بجامعة الطائف بالمملكة العربية السعودية. خصص هذا الكتاب للحديث عن الحضور الوازن للنصوص الأدبية للدكتور علي القاسمي محليا وعربيا ودوليا. إبداعاته ترجمت لعدة لغات وأثرت الخزانة ومعارض الكتب العربية وعقول القراء بالفوائد الجمة.

لقد اغتبط د. قطبي بمعرفة القاسمي في أول سطور مقدمة كتابه. فعلا، وكما جاء على لسانه، كل من تعرف على هذا العلامة لا يمكن أن يعتبر نفسه إلا محظوظا. إنه الحظ القدري المستحق الذي يتمخض عنه دائما مسار صداقة حب إنسانية ومعرفية قل نظيرها. فأينما لامس القاسمي إرهاصات الإرادة الأدبية والفكرية تجده لا يدخر أي جهد تواصلي لتوثيق علاقة الصداقة الأخوية. إنه حريص على خلق وتوطيد قنوات تواصله مع القراء والمبتدئين والمبدعين مغاربيا وعربيا ودوليا لتسريع انتشار المعارف البناءة وامتدادها جغرافيا ما بين الأجيال. فكلمات قطبي في كتابه الراقي والمفيد تدفع كل من قرأه إلى إقرار حقيقة وثقي تتجلى في العبارة التالية : "كل من يتعرف على القاسمي يعتبره قدوة إنسانية وعلمية ومعدنا ثمينا بأفكاره النيرة وثقافته الواسعة ومشاريعه المجتمعية القابلة للتنفيذ".

الكتابة عن القاسمي يقول د. طلال هي مناسبة لا تتاح إلا للمحظوظين بحيث تفرض على المعنيين بها إجبارية الرفع من درجات حماسهم مشرئبين بأعينهم إلى أفق فرض النفس في العطاء في سلم الأدباء المنشغلين بزهو وارتقاء المعرفة عربيا ومغاربيا. إنه معدن معارف تراكمت لما يزيد عن ثمانية عقود. هو اليوم مفكر وأديب واسع التجربة وغزير العلم.

أثار طلال حب القاسمي للمغرب وافتخاره بدفء وكرم ناسه. دخل إليه حاملا شهادة الدكتوراه في المعجمية من جامعة تكساس بأوستن في الولايات المتحدة الأمريكية. تفوقه الفكري جعله ينخرط في المنظومة الأكاديمية المغربية مبكرا، بحيث درس في جامعة الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1972. إنه ينبوع معارف وصاحب فضاء علمي واسع شيده بحكمة وتبصر. هو مبدع في مختلف المجالات. نجح في تكسير الحدود التقليدية ما بين شعب المعارف والعلوم الإنسانية. في كتاباته يستشف القارئ المعاني والدروس من الفلسفة وعلم النفس والأدب والنقد ومقاربات التنمية البشرية وحقوق الإنسان. وبشكل أدق، يمكن تصنيفه كصاحب أودية فسيحة مغمورة بالمعارف. إنه الاعتبار الذي جعل قطبي يخشى التقصير في حقه. فإضافة إلى موسوعية تراكماته المعرفية يمتاز بصدقه ومحبته وإخلاصه لوطنه وللأمة العربية وبجمعه بين العلم والمتعة والفائدة.

انتقل قطبي بعد ذلك إلى الخاصيات المبهرة لكتابات القاسمي بدء من حضور الضوء وتجلياته في روايته الشيقة "مرافئ الحب السبعة". فإضافة إلى ربط تباعد أزمنة الكتابة بصدق الكاتب، تطرق قطبي إلى مسألة اعتماد القاسمي المبهر على الطبيعة الزاخرة بشتى الألوان والصنوف وخفاياها وأسرارها وأنوارها، وعلى السماء بكواكبها ومعجزاتها، وعلى الأرض وباطنها ونباتاتها وحيواناتها بما في ذلك الإنسان. في اهتمامه هذا يقدم القاسمي لجمهور القراء عربونا صادقا لحبه للحياة وزهوه بجمالها واخضرارها. جعل من الضوء عنوانا للسعادة، وجعل من خفوته أو المرور إلى الظلام فضاء للحزن والألم. فسليم، بطل روايته، متشبث بديمومة النور الساطع كتعبير عن الانفتاح والأمل في المستقبل، الشيء الذي يجعله ممتعضا من انطفائه أو خفوته وهو يعبر الحدود ويتحمل مشاق السفر المضني.

الضوء، يقول قطبي، يحمل إشارات هامة. فهو المزين للطبيعة بحيث يضفي التكامل والجمالية الجذابة على مكوناتها: سهول، هضاب، جبال، صحراء، واحات،..... كما أن جمالها مرتبط بخيراتها الباطنية من ماء ومعادن نفيسة وطاقة حيوية..... وبذلك، القاسمي يستغرب في تعبيراته من آفة التدهور التي أصابت الأرض العالية وتغييب التمثلات في شأنها في وجدان أفراد الأمة وروحها الجماعية. أمام هذه المعضلة، يقول طلال أن الكاتب يؤمن بالفرج والانفراج وبأمل التحرر والانعتاق من خلال بلورة مشروع نهضوي قابل للتنفيذ. باستثماره في الضوء، يدعو القاسمي أبناء الأمة إلى التأمل والبحث عن كنوز محيطهم الترابي. الأرض العالية، فضاء الديانات المقدسة التي ربطت بعقلانية الأرض والسماء، لها مكانة تاريخية تزخر بالحب والود والبهجة والمتعة العارمة. لذا يعتبر القاسمي الخفوت المصطنع آفة لا تحمل سمات الخلود. الشعوب العربية وارتباطاتها بالأرض لن تستحمل طويلا الحزن والتشاؤم والألم والمعاناة والخوف وآلام اغتراب أبنائها الأفذاذ. لقد جعل من الضوء وخفوته آلية للتعبير بصدق عن حرصه لتقريب الحدث والموضوع من القارئ وعن حسه المرهف وتشبثه بالارتباط الوثيق بين الضوء والفن والجمال. الضوء بدرجات التجريد، كخيوط نور روحانية، مرتبط بالعالم العلوي الموسوم بالسمو والقداسة. استحضر الماضي والحاضر لإبراز الحق في انبثاق مستقبل عقلاني بجذور نافعة. إنها الدوافع الرصينة التي جعلت القاسمي في روايته يقدم لنا لوحات طبيعية زاهية بصور داخلية وخارجية. قصة المرافئ السبع تعبر عن مسار نفساني تخلله اغتصاب غير طبيعي يسر ظهور آفات الاغتراب وجفاف المشاعر وأجج الحنين للعودة للأوطان في نفوس المغتربين طوعا وقسرا. التعبيرات النفسية المستاءة من الأوضاع ما هي إلا تجليات وصفية لأوضاع نفسية عامة شملت حياة الأفراد والجماعات في العالم العربي. عمق تفاقم الأزمات لا يمكن تفسيره إلا بتعمد مناوأة الفكر والفلسفة والعلم في الفضاء العام وفي منطق تنفيذ وظائف مؤسسات التنشئة. عودته إلى الوطن العربي واستقراره بالمغرب له رمزية كبرى عنوانها البارز المشاركة في نماء الأوطان القطرية في المنطقة.

أما بخصوص دلالات الحرية في الرواية، كما وقف عليها د. قطبي، فجسدها القاسمي في وضعية سالم الذي اغترب على إثر انقلاب عسكري قلب أوضاع بغداد. غادر مجروح القلب، كسيح الروح، وهو يبتعد عن مسقط رأسه متوغلا في فضاء الاغتراب القسري. اتخذ قرار الكدح المتعب. حصل على درجات العلم العالية، واستمر في تجسيد القولة "لا فائدة من أوقات الراحة إلا بعد تعب طويل ومنتج". في حقيقة الأمر، النفي في حالة القاسمي، يقول د. طلال، ما هو إلا هروب من حياة والعودة إلى أخرى أكثر حيوية كلاجئ يبرز باستحثاث داخل فضاء اختاره طواعية. لقد ضمن النصر للأمل على اليأس، وتحول إلى مُرَب للأجيال عربيا وإلى سفير للحرية والدعوة إلى التعلق بها. وهذا الأمر ليس بالغريب. سومر تعد أول من كتب عن الحرية عامة، والحرية الطبيعية كأبسط أنواعها في الكون. فاستلهام العبرة في دقة الكون وما يتيحه من حرية فطرية يعد دافعا أساسيا يجعل النضال من أجل حرية الفكر والثقافة زاد دسم للتنمية الترابية والرفع من تنافسية شعوب المنطقة إلى أعلى المستويات. سمات الحرية الطبيعية بخصوصيتها قادرة لوحدها على إضعاف أضدادها كالأسر والسجن والعدوان والكذب والظلم والاستبداد ..... القاسمي في هذا الشأن يمقت الوجه الاجتماعي والثقافي للقمع الذي يمتزج بتعودات الرعاية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية. إنه استبداد من نوع خاص يتمخض عنه أنماط التواكل والتقوقع على هامش الأحداث قطريا وجهويا وكونيا. فمحاربة الخوف عند القاسمي، يقول د. طلال، هو السبيل الوحيد لاعتبار النضال والتراكمات الفكرية الثورية كوازع ومحفز قوي للتطلع إلى تحسين ظروف العيش الكريم.

بذلك، تعد كتابات القاسمي بمثابة تراكمات رحيق تجربة طويلة لكاتب تفاعل بقوة مع حضارات العالم غربا وشرقا وجنوبا. تناول مفهوم الحرية عربيا انطلاقا من واقع العراق أكثر من واقع العالم العربي. تم كبس أنفاس شعب بلاد الرافدين إلى أن اشتدت الآلام عليه. تكالبت على هذا البلد الحضاري قوى الغزو المباشر وغير المباشر وعانى من ديكتاتورية وتسلط داما لأمد طويل. أصيبت المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالكساد المولد للتخلف والرجعية.

ورد في هذا الكتاب كذلك أن القاسمي قدم في كتاباته البراهين الدامغة للعلاقة الجدلية بين وأد الحرية وتكميم الأفواه من جهة وتفشي الفقر والجهل في قُطْر مسقط رأسه من جهة ثانية. فالتخلف السياسي ما هو إلا نتيجة لجهل ولَّد الصمت والحياد السلبي وسيطرة فئة حاكمة هجينة على الخيرات والسياسة.

لقد تميزت نصوصه بالاحترافية في اللغة والسرد. رواية مرافئ الحب السبعة جسدت مبدأ "الفن إنما يكون في إخفاء الفن". استعمل فيها تراكيب لغوية مشحونة بالعواطف، واستثمر في أسلوبية تسريب الأثر الآسر إلى القارئ بسهولة ويسر رافعا مستوى انفعاله إلى أعلى المستويات. تقنيات سرده اعتمدت ضمير المتكلم وكثافة الشعر وتركيز وتكثيف المشاعر والأحداث. لغة السرد تجمع بين التلقائية والصقل واستخدام المنطق والاستعارات والتشبيهات الباذخة. ربط الأمكنة بالتعبير عن واقعية الأحداث.

كما عبر القاسمي في كتاب طرائف الذكريات على إبداع من نوع جديد يستمد مقوماته من الواقع بدروسه النافعة. لقد برهن أنه كاتب غير عادي المواهب، وشاعر في إحساسه بالحياة، وناقد في عرضه للمجتمع، وعالم نفس في تحليله للطبيعة البشرية. قصصه واقعية فيها الكثير من الحقيقة. إنه من القلائل الذين يدركون بعمق العلاقة الوثيقة بين القصة والتاريخ. عباراته توثيق للوقائع. حرصه الدائم على التحلي بالصدق في السرد يرتكز على اقتناعه كون استمرار الوقائع النافعة بين الناس مشروط بتحويلها إلى قصة. طرائف الذكريات بالنسبة له آلية ناجعة للرفع من مستوى العناية بالصقل والتهذيب وضمان التوازن في العبارات وتنسيق الجمل والابتعاد من الرتابة والإملال. القاسمي نجح في خلخلة الأجناس الأدبية وتكسير الحدود بين الشعب المعرفية في مجال علم الإنسان، معللا الحاجة إلى التمرد على بعض القواعد القديمة ودفع الأجيال طواعية للاستفادة من تجارب النخب بتراكماتهم الفكرية والعلمية في الماضي والحاضر.

خاصية القاسمي تتجلى في جمعه لحصيلة ثرية في مجالات اللغة والأساليب والتراكيب والمناهج. وظفها توظيفا فنيا أضفى على اللقطات القصصية رونقا وبهاء من خلال التصوير. بالنسبة له الأدب الجيد هو الذي يدور حول مواضيع ثلاث رئيسية هي الميلاد والحب والموت. نصوصه مغمورة بمشاعر الحب التي تتحول عربيا إلى حسرة جراء تجبر الأحزان بسبب الفقدان. الحب يحتل لديه مكانة عليا في فردوس الفن والآداب. وبذلك، فهو من عشاق قوة ارتباط الحياة بالأحلام والعواطف النبيلة. قلبه ينبض بالإنسانية ويسمو بها فنيا إلى عالم المثل. لقد صنع لنفسه أسلوبا مميزا ومُغْر ببساطته وخصائصه اللغوية وأسلوبه المتنوع. لقد طعم كتاباته بأحاديث في فنون التأليف. عبر من خلالها كونه كاتبا أصيلا صاحب فكر ورؤية ومنهج.

كما سبق أن أشرت إلى ذلك أعلاه، لقد احتل المغرب في حياة القاسمي مكانة كبيرة. لقد شكل وجهة له آمنة مكنته من انتقاء فضاءات رحبة بثوابت حقوقية وثقافية متميزة. بداخل فضاءاته الشاسعة كون فكرة متكاملة عن عمق السعادة عربيا. قدم أجمل ما عنده في اللقاءات والتظاهرات المتنوعة. تلذذ حفاوة أهل المغرب وكرمهم وحسن استقبالهم. لقد أحب الأمكنة وتحولاتها حبا جما، وتعلق بمحبة الناس وهو يعيش بينهم. آمن أن بالحب ينفعل الوجود، وهذا ما وجده القاسمي بالمغرب الأقصى. لقد تحدث عن النوابغ بإسهاب وبمشاعر جياشة. تحدث عن الرفاعي وعلي الكتاني وعبد الهادي التازي ومحمد أبو طالب ومحمد عابد الجابري والخطيبي .... تحدث عن الأزمنة والأمكنة واعتز بمدينة فكيك بواحاتها وقصورها.

لقد تفوق كذلك في الكتابة الانطباعية التفاعلية. أقنع القراء أن الانطباعات لا تأتي من فراغ، بل هي انعكاس للعمل الإبداعي في نفوس النقاد والكتاب. بالنسبة له الانطباعيون يرون العمل الأدبي نابع عن ذاتية الأديب ومن مشاعره تجاه الأشياء والأحداث ومدى انفعاله بها. الناقد يهتم بالأحاسيس والمشاعر التي يعكسها بفنية في ملامح نصوصه الإبداعية. إنه من المدافعين عن فكرة خلق عالم يمكن فيه تمييز الخير والشر بوضوح. إعطاء الحقوق لأصحابها أساس السعادة. ميوله للنقد المبني على الشخصية نابع من تأثره بالغربيين في تخليدهم لشخصياتهم بالكتابة عنهم.

القاسمي تعلق بالترجمة واللغة العربية. اهتم بترجمة أشهر الأجناس الأدبية إلى اللغة الأم. كتاباته مَدْرَسَة تُعلم القراء فنون التشويق الكامن الزاخرة بالملامح الإنسانية والمحبة والرضا عن النفس. أسلوبه وبلاغته تساعد النقاد على التحرر من النمطية والتقليدانية.

وأخير يمكن القول أن د. قطبي قد قدم للقراء كتابا جميلا ومفيدا. أهداه للقراء في هذه السنة مجسدا وزن حصيلة الدكتور علي القاسمي ومقاصد مجمل نصوصه ودلالاتها على المستويات العربية والدولية. ولكي لا أطيل عليك أخي القارئ أترك لك المجال لاكتشاف ثراء هذا المولود. أكتفي بهذا القدر كاشفا لك بدون تردد أن هذا الكتاب يستحق القراءة والتأمل وأن يتصدر واجهة مكتبتك المنزلية.

***

الحسين بوخرطة

نعود ونكمل حديثنا الشيق عن قراءتنا الشيقة لكتاب الفلسفة الأخيرة، وفي هذا نقول: ولقد جاء الكتاب في مقدمة وثلاثة أقسام، فكانت المقدمة عرضاً منهجياً لرؤية المؤلف في الفهم الصحيح الواعي المنضبط للفلسفة الأخيرة وذلك من خلال إثارة كثير من الإشكاليات مثل: كيف تتحول الفلسفة من مجرد نحلة أو نحل سرية أو تعاليم خاصة بجماعة معينة يطلقون على أنفسهم اسم " الفلاسفة " ويتناقلون تعاليمها بمنهج نقلي مدرسي صارم وتنطوي مؤلفاتهم على تقديس عال للنصوص الأصلية لأسلافهم والتي يعملون عليها وتشكل جسد أبحاثكم التي يتكسبون من وراء تلقينها للطلاب أو للحصول على الدرجات العلمية – طيف يتحول هذا الشئ المسمى فلسفة إلى طريقة لفهم الأشياء والعلاقات والشئون الإنسانية بشكل فعال، منخرطة في العالم، ومشاكرة في تنشيط الحس الإنساني والملكات الإبداعية؟؟ كيف تتحول تتكامل أفعال العقل الإنساني في وحدة واحدة مشتركة في صور فنية وعلمية وسلوكية ينتج عنها توحيد نظرتنا للأشياء، وللمشكلات التي تواجهنا مع التركيز على خصوصيتها وأصالتها؟ مع النظر إلى هذا التوحيد بوصفه بديلا مما يدل مما قيل إنه "الموضوعية في العلوم الإنسانية " من جهة، كما يساهم في تكريس تراكم معرفي ا في المعرفة النظرية بدلا من تكريس النظريات أفقيا والبدء من الصفر في كل مرة، من جهة أخرى (8) .

ويستطرد المؤلف فيقول: وبالاختصار: كيف تعود الفلسفة إلى أصلها الذي جاءت منه، أي الطموح إلى فهم مشترك، والتعاون والتآزر لمواجهة التحديات، في صورة ما أطلق عليه القدماء " اللوجوس" الذي استحال في العصور المتأخرة وخاصة هذه الأيام إلى مجرد " لغو مقدس"، أي خطابات تُحكم الانغلاق على نفسها لغة ومضمونا، ويتوهم أنه بذلك يحمي نفسه من الانقراض والتفسخ ! وهو بالقطع رد فعل إفلاسي عام على تقهقر الفكر الإبداعي والنقدي أمام طوفان المقدسات الأخرى، وخاصة الدينية والعليمة ! .. ولقد رضيت الفلسفة تاريخيا بالخدمة في بلاط غيرها حسب مقتضيات عصرها فانتقلت من خدمة الأساطير في الفلسفة القديمة إلى خدمة الأديان في العصور الوسطي، وانتهت بالتشبه بالعلم والتوحد مع الأدب، وخاصة " السرد" على يد دريدا وأتباعه من نقاد الأدب المتطفلين على الفلسفة، وبذلك كانت وما تزال مجرد كائن طفيلي يتعيش على غيره ويموت بموته ! أنها لا تملك كيانا خاصا بها من حيث مجرد طريقة للنظر إلأي الأشياء، ومع ذلك فإنها وبوصفها طريقة لتناول الأشياء تتمتع بقوة تعقل وشمولية تسمحان بعمليات تبرير وتفسير – ولو – مؤقتة- أفعالنا، وأننا لو نجحنا في إيجاد صيغ توافقية وتفاهمات تتعلق بكيفية معالجات المشكلات واستراتيجيات متشابهة على الأقل، لانتهينا إلى حلول عملية لأكثر مشكلات البشر في الوقت الحالي، وسيظل من شأن اكتشاف هذه الصيغ المتشابهة أن تعطي القوة للجهود الإصلاحية والتوجهات الأخلاقية نحو الإيثار بدلا من الأنانية المدمرة  للجميع، مع الاحتفاظ بخصوصية الأفراد والعقائد والثقافات، أي مع الإبقاء على الوزن النسبي الطبيعي للثقافات وللتنوع الثقافي المطلق بين البشر، ويبقي لأعظم دروس الفلسفة (9) .

وكان القسم الأول من الكتاب خاصا بمرض الفلسفة المزمن العضال، ويقسمه المؤلف إلى عدة محاور فجاء المحور الأول ليناقش قضية الوضع الصحي للفلسفة وفيه يؤكد المؤلف أن:" دراسة الوضع الصحي للفلسفة تعد بمثابة كشف حساب للمحصول الفكري لتاريخها، أي إنها بحث علمي صارم في اقتصاديات الفكر التأملي، وبيان واقعها في الغرب والبلاد العربية، تمهيدا لإعادة تأهيلها، لا بإحلال فلسفة محل أخرى بل بتغيير مفهومها ووظيفتها وتحويلها من مجرد نصوص تحمل رؤي متضاربة عن الأشياء إلى أداة للتنمية وحماية للأمن الاجتماعي والقومي (10)، أما المحور الثاني فيختص بمتلازمة الفلسفة، وتعني في نظر المؤلف مجموعة الظواهر والأعراض المصاحبة للعمل بالفلسفة والاستغراق في قراءة نصوص الفلاسفة (11)، ثم بعد ذلك يناقش المؤلف محاور أخري عديدة نذكرمنها: الفلسفة: بدراسة حالة (12)، والوضع في الفلسفة العربية (13)، والوضع الحالي للفلسفة الغربية (14)، والواقع الفكري وأزمة العقلانية في العالم العربي (15)، وخصائص العقل العربي الإسلامي (16)، والإجراءات التنفيذية للتأهيل (17)، والفلسفة الجديدة (18).

أما القسم الثاني فيتناول بعض النماذج التطبيقية لرؤيته الفلسفية التي طرحها في القسم السابق، وتمتاز المشكلات المعالجة بشدة " المحلية" لكونها الشغل الشاغل للثقافتين العربية والإسلامية وموضع فتنتها ومقتلها في الوقت نفسه، كما تمتاز بـ " الإلحاجية" لأنها تشكل أقوي جوافع التطرف والتخلف وأهم منطلقات الانقسام والتشرذم والتعصب، ولذلك فقد عالجها المؤلف ببساطة وواقعية وإقناع ومن داخل روح العلم والدين مهما كانت طبيعته . فضلا عن إيجابية الطرح التزاما من المؤلف بقيم الوطنية الجامعة والتدين الحر المستنير، وتعزيزا للتماسك الاجتماعي والتضامن وتوحيدا للروح العامة للشعوب بهدف توحيد توجهاتهم وبالتالي مسالكهم تدريجيا (19).

ثم يأتي القسم الثالث والأخير ليضم باقة من المقالات التي تمثل نماذج للكتابة الفلسفية الحرة وتتناول ببساطة وتعمق أهم المشكلات التي تشغل بال الإنسان العربي الليبرالي والتقليدي على السواء، فلم لألتزم فيها بلغة كلاسيكية مقعرة، بغية الوصول بالأفكار إلي أكبر قاعدة من القراء وليس أهل التخصص كما الحال الان، وكما لو كانت الفلسفة وكما سري المؤلف خليطا من العقائد الخاصة وطقوسا غارقة في الهوي والذاتية (20).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف:” الفلسفة الأخيرة ليست أخيرة في الزمان، بل لكونها تمثل حصادا نهائيا لخبرة واسعة في مجال العمل الفلسفي، وهي مشروع أورؤية لتطوير مفهوم الفلسفة ووظيفتها بناء على طريقة مسحية استقصائية قمت بها لاستكشاف المحاور التي عملت عليها الفلسفة طوال تاريخها وكانت فيها منتجة باستخدام مناهج مناسبة لها وببعض طرائق الاستدلال من داخلها . ويستهدف هذا المشروع تطوير أدوات تحقيق الرؤية، وأولها تغيير نظام التعليم الفلسفي في العالم العربي إعادة دمج منهج التفكير الفلسفي في النسق الفكري الشامل للعلوم الإنسانية، أي الثقافة بصفة عامة ؛ لكي تصبح الفلسفة منتجة وآلة من آلات تنمية المجتمعات التي تعاني الانحطاط الحضاري (21).

لقد استطاع المؤلف الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي:

أولا: الجانب المعرفي: لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب المعرفي من حيث أن المؤلف وقف في الوصول إلي المعارف الضرورية لإنجاز هذا الكتاب، فقد تتبع المسار التطوري للفهم الصحيح للفلسفة الأخيرة وهو أن كل التفاسير التي تحاول الاستناد إلى أسبقية الفكرة على الفعل في كل ممارسة إنما تصدر عن سوء نية، وتدل على إساءة استعمال القياس التمثيلي والنظر إليه على أنه قياس دقيق، ورغم أن جميع المذاهب المؤلهة تؤمن بأن الله يريد أولا ثم يفعل، لكنها تنسي مثلا أن فعله وإرادته إنما يكونان بلا تدبير سابق، لأن التدبير السابق يدل على مراجعة المواقف خشية الوقوع في الخطأ (22).

ثانياً: التتبع الدقيق للقضايا الفلسفية المعاصرة، وذلك من أجل إثبات مفهوم الإقناع، وهو المفهوم في نظر المؤلف يعول على أن إيصال أفكارنا ومعتقداتنا للآخرين مرهون بلغة واحدة، وخلفية واحدة، والالتزام بقيم مشتركة للتحاور، والإيمان المسبق بأن التحاور هو الطريقة الواحدة للتسوية والاتفاق (23).

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان المؤلف عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، حتي استطاع أن يوجهها لخدمة الغرض الديني الذي وُضع من أجله الكتاب، كما أستطاع أن يبرز لنا خلال ثنايا الكتاب بأن كل الاتجاهات الثورية التي شهدتها الفلسفة المعاصرة أو زعمت قدرتها على تخليص الناس دفعة واحدة وبمخلص واحد هي اتجاهات دينية حتى لو قادها ملاحدة بالمعني التقليدي، فالنتيجة كانت واحدة مثلما فعلت النازية والفاشية والماركسية، وكلها تستند إلي أمنية الخلاص دفعة واحدة، وبلا بذل أي تضحيات وبصورة سلبية، بأن تفني هي نفسها رجاء بقائها تحت ظلال مخلص مثل الطبقة، أو النقابة، أو الحزب،، أو الأمة، أو حتى عقيدة واحدة (24).

وفي ظني أن القيمة الكبرى لهذا الكتاب تنبع من المنهجية المحكمة التي قام عليها وفحواها: ضرورة ربط المنتج الإبداعي بالأرضية الفكرية والمنطلقات الفلسفية التي انطلق منها ؛ لأن خيوط هذه المرجعية سوف تظل – مهما كثرت المدارة والتقية – تتحكم في رؤية النص الفلسفي ومستوياته المضمونية والشكلية علي حد سواء.

والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في ظني أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن المؤلف ظل يطرح الأسئلة الكبرى، ثم يقدم الإجابة عنها بطريقة المحاججة العقلية البعيدة عن التعسف والاتهام، كما ظل يتكئ علي أكثر من شاهد وأكثر من دليل حتي يجلو الفكرة ويؤكدها، دون الاعتماد علي الشوارد من الشواهد أو المفرد من الأدلة، كما أن معظم المصادر والمراجع التي اتكأ المؤلف عليها هي من الكتب والدراسات الحديثة لأولئك الذين يحاورهم المؤلف، إذ يثبت بطلان مقولاتهم من مصادرهم هم، ومما حطت أيديهم، مما يجعل عبارة ” إن الفكر الفلسفي المعاصر  لا يضيق بالأفكار طالما أنها في جانب البناء، ويرحب دوما بالاختلاف الذي يثري ويضيف، ومن ثم فلا مانع من تعدد وجهات النظر المختلفة ؛ وهنا يقول المؤلف:ط ومن واقع خمسة وثلاثون عاما قضيتها مع الفلسفة أحاول الآن إنعاشها، وهي في حاجة إلى نبي من غير عالمها لإنقاذها، فأرجو أن أكون هو، وعلى ضوء تجربتي فإن الحصيلة الحضارية لتاريخ الفلسفة تتلخص في ثلاثة أمور: التعددية والسلم، ومنطق وأساليب حجاج (25) .

وفي خاتمة الكتاب نجد المؤلف يجمل آراءه باختصار شديد وهدوء لافت، مدافعاً عن منهجه، مبرزاً حقه في الجدل والنقاش ليس بغرض التجريح الشخصي، بل بحثاً عن الحقيقة العلمية، وفي إشارة من إشاراته الدالة النادرة يكبر المؤلف في صاحب المشروع اعتداده برأيه والجهر فيه بلا مواراة أو تمويه، مؤشراً إلي ضرورة أنه لا بد وأن نقول بأن ما يشهد به الواقع وما يضمن أكبر مصلحة عامة وأشملها ولغة القرآن " ما ينفع الناس "، فالمصلحة العامة هي أيضا كل الشرائع والمشكلة هي في التزييف والتضليل بالتوحيد بين مصلحة المجموع ومصلحة قطاع من المجتمع، أو جماعة، أو وظيفة، أو طبقة ن أو فئة.. أو بين حقبة، أو فترة تاريخية (26).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور ظريف حسين تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد واحداً من البحاثة الذين تميزوا بنزعة فلسفية نابعة من تبنيه الاتجاه العقلي في تمحيص القضايا الفلسفية المعاصرة وغربلتها في ضوء الرؤية المعرفية السلوكية للفكر العربي، إلي جانب البحث الدقيق العميق، والذي تجلي في نفسه الراضية المطمئنة،  ولا شك في أن الدكتور “ظريف حسين”، كان عالماً مبدعاً، وكان له أثر فعال في مجال عرض الفقه وأصوله، في ثوب جديد أعاد بمراجعاته للفكر الفلسفي المعاصر رونقه وبريقه.

وحتى لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحيَّة طيبة لأخي الدكتور ” ظريف حسين ”، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر والفيلسوف الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج، هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهيَّة الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور” ظريف حسين”، بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

تحيةً لظريف حسين، الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في ظريف حسين قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه “أشباه المفكرين” (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

***

أ. د. محمود محمد علي

..........................

الهوامش

7- د. ظريف حسين: الفلسفة الأخيرة –رؤية سلوكية للفكر العربي،، مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر،، القاهرة، ط1، 2021، ص 10.

8- المصدر نفسه، ص 17.

9- المصدر نفسه، ص 18.

10- المصدر نفسه، ص 21.

11- المصدر نفسه، ص 26.

12- المصدر نفسه، ص 32.

13- المصدر نفسه، ص 33.

14- المصدر نفسه، ص 35.

15- المصدر نفسه، ص 39.

16- المصدر نفسه، ص 42.

17- المصدر نفسه، ص 43.

18- المصدر نفسه، ص 44.

19- المصدر نفسه، ص 9.

20- المصدر نفسه، ص 9-10.

21- المصدر نفسه، ص 9.

22- المصدر نفسه، ص 23.

23- المصدر نفسه، ص 44.

24- المصدر نفسه، ص 24.

25- المصدر نفسه، من ص 21 -26.

26- المصدر نفسه، ص 26.

ما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه يصعب على المرء دراسة التفكير الفلسفي دون المرور بقضية ماهية الفلسفة وحدّها الجامع المانع ولكن عدد قليل من الفلاسفة حاول تقديم جواب شاف عن السؤال الشائك: ما الفلسفة؟، وهذا الأمر في الحقيقة مثير للاستغراب والدهشة بالنظر لانتماء معظمهم إلى المشروع الفلسفي ومساهمتهم في تركيز دعائمه (1).

فلم يتفق الفلاسفة حول تعريف دقيق ونهائي للفلسفة ولا يوجد أمر معين اختلفوا حوله وتخاصموا أكثر من تعريفها إلى درجة أن بعض المؤرخين نفى إمكانية حصول اتفاق في العمق حول الأساس الذي يقوم عليه المشروع الفلسفي والمضمون الحي الذي تقوم الخبرة الفلسفية بتحليله والمقصد الذي يسعى الفيلسوف من خلال ممارسته وأفعاله وسيرته تحقيقه وبلوغه والمنهج الذي يجدر بكل تفلسف فعلي أن يتبعه ويسلكه، ولم يسبق أن تعرضت الفلسفة إلى التجاهل والاستخفاف من قبل العامة والخاصة لمثل ما تتعرض له زمن العولمة المتوحشة والثقافة الاستهلاكية ومجتمع الفرجة وبعد سيطرة الصورة وظهور أنماط الاستنساخ (2).

ويحوز غالبية الفلاسفة على فن الصياغة الفريدة للمفاهيم ويحاولون من خلال آثارهم فتح العالم وتحرير الإنسان. لكن أي مكان للفلسفة اليوم؟ ولماذا يبحث الإنسان دائما عن طرق للتفلسف؟ وهل ثمة تلازم بين ازدياد المعرفة الفلسفية والتقدم المادي في الحياة؟ وماذا تبقى للفلسفة من دور تقوم به زمن الاضطراب؟ وما الفائدة المرجوة من تدريس الفلسفة ؟ ولم تصلح الفلسفة في الوجود البشري؟، هل يجب رد الاعتبار إليها ؟ ما هو الثمن الذي يجب تقديمه في سبيل ذلك؟ وهل من شروط يلزم توفيها لتحقيق رقيها؟ (3).

وفي اعتقادي أن هناك ثلاثة وظائف اساسيه للفلسفة لا غنى عنها، هذه الوظائف هي:

أ- المعرفة الموضوعية.

ب- والتفكير المنهجي.

ج- والافكار او النظريات الشمولية الكبرى بالمعنى المعرفي علاوة على الروح النقدية.

 فالفلسفة ليست تهويمات غير واقعيه، بل هي مرتبطة بالواقع والتفكير المنهجي المستقل (4).

الفلسفة اذن، هي البحث المتواصل، الذي لا ينتهي، ولا يكل عن التساؤل عن أسرار الوجود الذي حركه وعي الإنسان النقدي، الذي نَوَّر العقل، وشَحَذَ الفكر، ودفعه لمزيد من التساؤل والنقد للوصول إلى الحقيقة، وحل ألغاز الوجود واسرار الحياة".

بالطبع كان الصراع الفكري محتدماً بين الفلسفة الرأسمالية والفلسفة الاشتراكية طوال أكثر من مائتي عام، إنه الصراع بين الاستغلال وبين العدالة الاجتماعية، بين الظلام والنور، وسيظل هذا الصراع قائما طالما كان الانسان بحاجه الى الخلاص من الظلم والتبعية والاستبداد والاستغلال لتحقيق مبادئ الحرية والنهوض الديمقراطي التقدمي للشعوب.

وهنا بالضبط يتجلى إدراك القوى التقدمية الديمقراطية في بلداننا للمضمون الجوهري لمعنى وغايات الفلسفة عموماً والفلسفة الحديثة على وجه الخصوص، وتطبيقها على مجتمعاتنا العربية، هو إدراك منحاز لمفاهيم العقل الحداثي، والتطور والنهوض وفق قواعد وأسس المجتمع التقدمي الديمقراطي في كل قطر عربي (5).

قصدت أن أقدم هذه المقدمة لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " الفلسفة الأخيرة - رؤية معرفية سلوكية للفكر العربي " ظريف مصطفى أحمد حسين- أستاذ الفلسفة المعاصرة بجامعة الزقازيق- (ويقع في "359" صفحة من القطع الكبير)، وفي رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور "طريف حسين" من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا فلسفية " حديثة ومعاصرة" بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل أو لم تعبث به يدي الباحثين.

علاوة علي أن " طريف حسين" (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من أساتذة الفلسفة الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ لخدمة تخصصهم الدقيق، وقد قال عنه الدكتور حمدي الشريف:" منذ فترة- ليست قليلة- بدأت أتابع عن كثب ما يكتبه الشاعر والأكاديمي الدكتور ظريف حسين (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب- جامعة الزقازيق)- بدأت أتابع عن كثب ما يكتبه من منشورات ومقالات على صفحات الجرائد والفيس بوك، وفي كل مرة كان يثير انتباهي أسلوبه النقدي الحاد وتعبيراته الصادمة التي يمكن أن يلاحظها أي قارئ لكتبه ومقالاته (6).

ومن ناحية أخري وجدت في شخصية الدكتور ظريف حسين وفاء العملاق وقلب الطفل، ومثاقفة الفارس وأريحية المفكر، والنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل وغير ذلك من الخصال، الأمر الذي كان وراء حيرتي وقلمي في اختيار أحد الجوانب لأتحدث عنه، فراق لي أن أتحدث عنه كعملاق في الفلسفة المعاصرة.

ولم يكن الدكتور ظريف حسين مجرد مفكر مبدع نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى . إنساناً في تفلسفه، ومفكراً في إنسانيته، وبين الإنسان والفكر تتجلى شخصية الدكتور ظريف حسين متعددة الأوجه، كمترجم وكناقد وكأديب.

والدكتور ظريف حسين هو واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة المعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلى أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ومن هذا المنطلق يعد الدكتور ظريف حسين بلا شك واحدا من أساتذة الفلسفة الكبار في مصر والعالم العربي المشهورين الذين اهتموا في مشروعهم الفكري بالأخلاق والقيم والعقل، ولديه ما يزيد عن ثلاثين كتابُا منشورًا في الفلسفة ما بين ترجمات ومؤلفات؛ تذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: مفهوم العقل عند هوسرل، ميتافيزيقا الاخلاق عند شوبنهور دراسة نقدية، ومفهوم الروح عند ماكس شيلر، و"الفلسفة الأخيرة"، ومفهوم الإضافة عند مارتن بوبر، ومشكلة الكليات في المنطق المعاصر، وفلسفة اللغة عند ميرلوبنتي، نحو نظرية للأخلاق الكونية .. الخ.

إن كتابات ظريف حسين تنتمي – فيما يرى البعض – إلى نمط الكتابة ما بعد الحداثية: أي الكتابة غير النسقية، وهي كتابة لا تتقيد ببناء محدد أو خط سير معين، وإنما تمضي في كل اّتجاه بحسب الحاجة والضرورة التي تفرضها المناسبات البحثية والقضايا الآنية. فكتابات ظريف حسين – في معظمها – كانت أبحاث ودراسات قصيرة أتت بهدف المشاركة في الفعاليات البحثية والدوريات المتخصصة، ولعل هذا كان هو السبب في أن ظريف حسين لم يصرح بكونه يسعى باتجاه إنجاز مشروع فكري ما، ولكنه صاحب رسالة.

ولقد شهد له زملاؤه ومعاصروه له بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة .. إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع، وتمسك بتعاليم الدين الحنيف . ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثا ومنقبا، محققا ومدققا، مخلفا وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

نعم لقد كنا نري في ظريف حسين نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجا هاديا، عاليا كالمنار، وارفا كالظل، زاخرا كالنهر، عميقا كالبحر، رحبا كالأفق، خصيبا كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مددا يرفدها من سر الخلود.

علاوة على كونه واحدا من عمالقة الفلسفة المعاصرين الذين تراهم كشعلة نشاط، إنه لا يكل ولا يمل، وهو يمثل علامة وضاءة ومشرقة ولا يمكن لأي دارس للفلسفة المعاصرة أن يتغافل عن الدور الرائد لهذا العالم الشامخ، ومن واجبنا أن نهتم كل الاهتمام بدراسة أفكاره وآرائه، تحية خالصة من القلب لأستاذي الدكتور ظريف حسين الذي أدعو الله أن يمتعه بالصحة والعافية.

2- أهمية الكتاب:

إن البحث الفلسفي في نظر " طريف حسين" تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة . وعلاوة علي ذلك فإن جدية " طريف حسين" " وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد " طريف حسين" واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من زملائنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفلسفة المعاصرة، وقد اخترت كتابه الذي بين يدي وهو بعنوان "الفلسفة الأخيرة"، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات التي عني بها مؤلفها " طريف حسين" بالدفاع عن "الرؤية المعرفية السلوكية للفكر العربي"، وقد قال عنه الدكتور حمدي الشريف:" عندما أصدر الدكتور ظريف حسين كتابه "الفلسفة الأخيرة" (عام 2021 عن مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر بالإسكندرية)، أثار انتباهي أيضًا عنوان الكتاب- كعادة المؤلف في عناوينه المثيرة ذات الدلالة لكتبه ومقالاته الفكرية- وعندما انتهيت بالأمس من قراءة معظم فصول هذا العمل، وجدت نفسي مدفوعًا إلى إلقاء إطلالة سريعة- قد تكون غير وافية- على موضوعه والجوانب الإيجابية وكذلك الجوانب السلبية التي لاحظتها أثناء تصفحي وقراءتي لفصول الكتاب. أول ما يلفت انتباهنا هو عنوان الكتاب (الفلسفة الأخيرة: رؤية معرفية سلوكية للفكر العربي)، ويصارحنا المؤلّف بداية أن هذه التسمية لا تعني تجاهلا تاما لـ"الفلسفة الأولى" أو ذلك الاسم الذي أطلقه الكندي على مبحث الإلهيات أو الميتافيزيقا كما وصفها أرسطو، ولكن الفلسفة الأخيرة- والحديث للمؤلّف- "سوف تمتص الفلسفة الأولى في داخلها لتجعلها مفهومة في سياق عقلاني وعلمي جديد، وتعيد اللحمة إلى نسيج النشاط الإنساني الواعي الذي تصوره ديكارت باسم الأنا، بعكس قوى العقل الذي مزقه كانط؛ فانطوى على تناقضات وتشوهات داخل الطبيعة الإنسانية الواحدة"، ومن هنا تبدو غاية المؤلّف تقديم رؤيته الخاصة لبعض القضايا الفلسفية النظرية سعيًا إلى المساهمة في حل المشكلات التي تؤرقنا جميعًا في العالم العربي. "فالفلسفة الأخيرة تمثل حصادًا نهائيًا لخبرة واسعة في العمل الفلسفي. وهي مشروع أو رؤية لتطوير مفهوم الفلسفة ووظيفتها، بناء على دراسة مسحية استقصائية لاستكشاف المحاور التي عملت عليها الفلسفة طوال تاريخها وكانت فيها منتجة باستخدام مناهج مناسبة لها وببعض طرائق الاستدلال من داخلها" , ومن هذا المنطلق يتجه المؤلّف إلى تعميق نظراته واستخدام معارفه وأدواته الفلسفية لإصلاح منظومة التعليم والثقافة في المجتمعات العربية التي عانت ولا تزال تعاني من التدهور والانحطاط الحضاري، مركزًا على تطوير المناهج الدراسية وطرق التدريس والمحتوى الدراسي والخطط المسئولة رسميًا عن التعليم. وبالتالي فإن معظم الأهداف التي يصبو إليها المؤلّف هي أهداف تربوية وتنويرية في المقام الأول.، ثم يستطرد فيقول ” عندما قال بأن: كتاب “الفلسفة الأخيرة”، لا يعني تجاهلا تاما للفلسفة الأولي، ذلك الاسم الذي أطلقه الكندي على مبحث الإلهيات أو الميتافيزيقا كما وصفها أرسطو ولكن الفلسفة الأخيرة سوف تمتص الفلسفة في داخلها لتجهلها مفهومة في سياق عقلاني وعلمي، وتعيد اللحمة إلى نسيج النشاط الإنساني الواعي الواحد الذي تصوره ديكارت باسم " الأنا"، بعكس قوي العقل الذي مزقه كانط أي ممزق ؛ فأنطوي على تناقضات وتشوهات داخل الطبيعة الإنسانية الواحدة. (7).. وللحديث بقية .

***

أ.د محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – كلية الآداب – جامعة أسيوط.

........................

الهوامش

1- د. زهير الخويلدي: ركائز المشروع الفلسفي، أنظر الرابط ttps://annabaa.org/arabic/authorsarticles/8248

2- نفس المرجع.

3- نفس المرجع.

4- غازي الصوراني: حول أهمية الفلسفة ودورها في تطور واستنهاض شعوب بلدان مغرب ومشرق الوطن العربي، الهدف، الثلاثاء 04 أكتوبر 2022 | 08:05 ص

5- نفس المرجع..

6- حمدي الشريف: د. ظريف حسين والفلسفة الأخيرة: ملاحظات نقدية، الحوار المتمدن-العدد: 7385 - 2022 / 9 / 28 - 23:51.

تميز الشيخ عبد الكريم الماشطة (1888- 1959) بسمات منحته موقعه المبرز في الشؤون الثقافية والفكرية والسياسية في مرحلة تاريخية مربكة في العراق، وفي فترات وظروف لها ابعادها وتداعياتها. فهو عالم دين معمم وابن عائلة دينية معروفة في المدينة والمنطقة والبلاد، وهو دارس وكاتب وناشر لمقالات وصحف، شخصيا او مشاركة وتعاونا، وهو متاثر بمفكرين اثاروا بارائهم زوابع ثقافية واطاريح نقدية ورؤى مختلفة عن السائد العام، وهو منفتح على افكار ورؤى ثقافية يسارية الهوية او الهوى، وهو شجاع في الراي والموقف والقناعة بما يؤمن ان يحصل للانسانية ويريد ان يكون له ولعائلته الصغيرة والكبيرة في وطنه والعالم، نصيب من التطور والتقدم والتغيير. او من التنوير واضاءة فترته وعصره. حسم امره في الانتصار للمصالح الوطنية وارادة الشعب وانحاز لبناء السلم والامن في وطنه والعالم، فانتمى لابرز حركة عالمية، نصيرا للسلم مشجعا لافكارها وشعاراتها وبياناتها، وهي حركة السلام العالمية ومنع الحروب وتحريم استخدام الاسلحة النووية وغيرها من اسلحة الدمار  الشامل. فاصبح من رواد التنوير ومن انصار السلام ومن الشخصيات البارزة في المشهد الثقافي والسياسي في زمنه وما تلاه، يشهد له ويستسهد به.

انجز الكاتب والباحث السياسي احمد الناجي كتابا عنه، اهداني طبعته الثانية الصادرة بدعم من وزارة الثقافة العراقية عام 2019، ويقع الكتاب في 230 صفحة من القطع الكبير، ضم في صفحاته تسعة فصول وملاحقا، تناولت سيرة الشيخ الماشطة ودوره ومكانته في التنوير والتقدم في العراق. حمل الكتاب عنوانا يعرف به ويوصفه، (الشيخ عبد الكريم الماشطة احد رواد التنوير في العراق). وكل فصل منه له عنوانه الذي ناقش المؤلف فيه موضوعه وطرح فيه اراء واجتهادات كاجتهدات شخصية الكتاب وبحث فيه ما يليق بسيرة الشيخ الماشطة وتجربته التي عاشها في مرحلته وزمنه. وحاول تقديم قراءة جادة، اقرب الى البحث الاكاديمي،  لمسيرة ونضال الشيخ الماشطة، حافلة بتحليل ومناقشة ما كتب عنه او ما عاشه في الواقع وفي الظروف التي خاض تموجاتها وتداعياتها.

جاء في الفصل الاول، وعنوانه، سيرة ذاتية، هو عبد الكريم بن الحاج عبد الرضا بن الحاج حسين الماشطة، وينسب ايضا الى مدينته الحلة، التي شعت بالعلم والفكر والشعر، واستوعبت كل التنوعات: القومية والدينية والمذهبية والسياسية والثقافية، وسط محيط عائلي مترف ومكانة اجتماعية مرموقة (ص19). وفي الفصل الثاني، الذي حمل عنوان: في الفكر والسياسة، ارهاصات التاثير والتاثر الفكري وتبلور ملامح التكون الفكري والسياسي للشيخ. وكانت البدايات تاثره بموقف والده الداعم لفكرة الدستور/ المشروطية التي كانت موضع جدل وسجال، ومن ثم انضمامه للحوزة الدينية المدافعة عن الدستور، واندفاعه للانضواء في تيار (المشروطية) مع مناصري المجتهد الكبير الملا كاظم الخراساني، الذي لقب ب(ابي الاحرار) لدوره في النضال من اجل ( المشروطية). (ص 25). وتبلورت ملامح التكوين الفكري والسياسي للشيخ الماشطة مع تطورات واجواء الجدل حول الدستور والتي استنطقها الشيخ محمد حسين النائيني (1860- 1936) وهو من كبار تلامذة الملا كاظم الخراساني، وصاغها ىرؤى وافكار في اول كتاب اسلامي في الفقه السياسي، اصدره عام 1909  بعنوان (تنبيه الامة وتنزيه الملة) في وجوب المشروطية  و"عالج فيه بنظرة اسلامية عصرية جديدة مسألة الحكم المعتمد على القانون والدستور والنظام البرلماني وحرية الراي واصدار الصحف وتعليم المرأة" (ص27).

واصل الشيخ الماشطة في تعميق اتجاهاته الثقافية والبحث عن اجابات لتساؤلات العقل المقلقة واجتراح متبنيات فكرية وسياسية ترضي الله وسعادة الانسان، خليفته في الارض، متجاوزا ما هو سائد من مفاهيم، ساعيا تحقيقها بالافادة من الجوانب المضيئة في التراث الاسلامي ومن منجزات الفكر الانساني، مجسدا في الواقع كونه رائدا تنويريا تمكن من فهم جدلية العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، (ص 29).

عمليا تشابك الشيخ الماشطة مع التطورات السياسية والفكرية وهو ما تناوله الباحث في الفصل الثالث، وعنوانه: النشاط السياسي والاجتماعي. مظهرا فيه نشاط الشيخ في دعم حركة الجهاد ومقاومة الاحتلال البريطاني، متصدرا  المجالس والمراسلات، التي ادت الى اعتقاله. وقدمت له هذه الوقائع تركيزا في وعي مهمات المرحلة ومتطلباتها التي ادركها من مواصلة مواقف مراجعه، الخرساني والنائيني، وتطويرها بالكتابة والنشر والتعليم، وخاصة مطالبته بتعليم المراة، والمشاركة في دعم حركة الجهاد من اجل الاستقلال والسيادة الوطنية، ومساندة موقف العلامة الشيخ مهدي الخالصي، الذي قاد المقاطعة الشعبية للانتخابات سنة 1922، خلال فترة العشرينات، وفي الثلاثينات كرس مواقفه في النشر بالضد من ابرام المعاهدة الاستعمارية (ص40) والمساهمة العملية في النشاط السياسي الحزبي والتحضير  له. لا سيما بعد انتصار ثورة تموز/ يوليو 1958  حيث نشر مقالات في الصحف البغدادية داعيا الى صيانة الجمهورية الفتية. و" سعى بالتعاون مع بعض علماء الدين الى تشكيل جماعة علماء الدين الاحرار " (ص68)، كعنوان واضح وصريح لاختياره السياسي وخياره الوطني والديني والثقافي العام، وشاهد على نضج وعيه وجماعته في تلك الظروف ومجابهة تحدياتها.

ناقش الباحث في الفصلين الرابع والخامس ما كتبه الشيخ ونشره واصدره في الصحف والمجلات، وموقفه من الصوفية، وكيفية التعامل مع فلسفتها . وانتقل في الفصول الاخيرة الى اهم ما ميز الشيخ في عصره، الى سمو وعيه والتزاماته، في الفهم والموقف من التقدم والتطور، من حركة انصار السلم ومن العلمانية، وهو الاهم في حياة الشيخ ودوره في المشهد الوطني في العراق. حيث سرد وصول الشيخ الماشطة الى قناعات الانحياز الواسع للانتصار الى السلم والامن وحقوق الانسان والكفاح الشعبي من اجل العدالة والحرية وبناء الانسان. وظهر واضحا من خلال التوقيع على (نداء استكهولم)  الذي عد بمثابة بيان تاسبس لحركة انصار السلام في العراق، والذي نشر في الصحف العراقية اواخر حزيران/ يونيو عام 1950. "وجاءت استجابة الشيخ الماشطة سريعة لذلك النداء لانه وجد فيه انعكاسا  لافكاره وتطابقا مع مفاهيمه وانسانيته في نبذ الحروب، وخفض التسلح، وتحويل ثروات الشعوب نحو البناء، ومعالجة الفقر والجهل والامية، وتوفير الخدمات للمواطن العراقي بصورة خاصة وللانسانية بصورة عامة" (ص 111). وتبناه عمليا وحشد له قاعدة شعبية، ترددت اصداؤها في التظاهرات والانتفاضات، وبناء عليه انتخب الشيخ الماشطة عضوا في رئاسة مجلس السلم العالمي، كما منح الوسام الذهبي لمجلس السلم العالمي في الذكرى العاشرة لتاسيسه، تقديرا لجهود الشيخ المتميزة وخدماته الجليلة في سبيل السلم العالمي (ص148).

برز الشيخ الماشطة في مواقف متواصلة، وعرض المؤلف ذلك في متابعات له كما ناقش الاراء التي قدمت الشيخ سياسيا، والاهم فيها هو استمرار تطور مواقف الشيخ الوطنية التقدمية سياسيا وفكريا، منطلقا من قناعاته في الربط بين التراث الاسلامي والانساني عموما، ولعل ارتباطه بقضية السلام العالمي اكبر تعبير عنها، يشهد له ايضا صموده امام تداعياتها وثباته في مسرحها وفي تلك الظروف، "ان مجرد كون الشيخ عبد الكريم الماشطة من علماء الدين الذين تبنوا التنوير وسلكوا طريق الاستنارة وسعوا للافادة من الجوانب المضيئة لموروثنا العربي والاسلامي، وممن دعوا الى الانفتاح على معطيات الحضارة الانسانية، للتوفيق مع الحداثة، وتجديد الفكر الديني، قد وضع نفسه بين المطرقة والسندان". (ص 156). وهو ما وضع مكانته الشخصية وسط اهتمام رسمي وشعبي، محلي وعالمي، وجعل حياته مغامرة، "في رحلة مضنية سار فيها على جمر التحديات، لا احد ينكر دوره في تعزيز دائرة العقلانية والتنوير في محيطه الاجتماعي، وقد كان  مدركا لاهوال المعاناة، ومستعدا للتضحية في سبيل موقفه التقدمي، ولكنه في الاخير مضى وبقي اسمه رائدا، مثلما بقي عداء الرجعيين له مستعرا، وربما حتى الان"، (ص186).

كتاب الباحث احمد الناجي عن الشيخ عبد الكريم الماشطة كاحد رواد التنوير في العراق، ورجل السلام ونصيره في العراق والعالم، ورجل الدين المتنور والمنفتح على الفكر الانساني من كل النوافذ التقدمية والكاتب والمناضل السياسي والثقافي، اضافة ثقافية مهمة للفكر السياسي التقدمي في العراق. وقد يكون محفزا لاستمرار البحث والكتابة عنه وعن اثاره الثقافية التي لم تطبع في كتب، او مجلدات، او مازالت موزعة في الصحف والمجلات التي كاتبها في حينه. بالتاكيد ستكون ثروة ثقافية وقيمة مادية ومعنوية، تجدد دوره وتعطي دروسا للاجيال التي تلته والتي ما زالت تحيي ذكراه.

***

كاظم الموسوي

شخصيا، لا اؤمن بثقافة النيابة، ففكري، غير فكرك، واستيعابي للأشياء، غير استيعابك، لذلك، توقفت متأملا امام كتاب الصديق والزميل علي حسين، وهو كتاب جميل في طباعته وتصميمة، حمل عنوانا مثيرا هو (المُتمرّدون) بـ 230 صفحة، اهداني اياه كاتبه موشحا بسطور اخوية، سعدتُ بها.. كان سبب تأملي ان الكاتب، سعى الى اخذ قارئه، الى كُتاب مهمين، هم على شهرة شاسعة في عالم الفكر والثقافة والمعرفة على الصعيد العالمي، سابرا غوار كتبهم وافكارهم، في قراءات منهجية، عميقة، استمرت منذ يفاعته حتى الان.. وكأنه يقول في كتابه.. ها كم زبدة قراءاتي، وهي تغنيكم معرفة وتجذرا بأسماء شغلت العالم في عطائها الفكري..  

وربما ما ذكره الكاتب، في صدر كتابه، يؤكد منهجه الذي اتبعه في اصدار كتابه، فهو يقول (أن يكون الواحد منا مستعدا لمشاركة الآخرين بعض قراءاته، عليه ان يتحلى بالشجاعة، فأن تعطي رأيا بكاتب مثل " صمويل بكيت " او "جيمس جويس" او تولستوي" عليك أولا ان تكون قد وقعت في غرام هذا الكاتب، وان تمارس معه متعة القراءة، لا واجب القراءة)

اذاَ نحن امام كتاب، ضم اسماء لكُتاب عشقهم الكاتب، فاراد ان يشركنا في عشقه، من خلال تسليط الاضواء على اسمائهم، وتقديم انطباعات ثرية عنهم، بأسلوب السهل الممتنع، وقد وصل الى مبتغاه..

وقبل ان نسافر، ونتجول بين محطات الكتاب، اشير الى المقدمة الضافية التي كتبها الصديق علي حسين بتسع صفحات، حيث شرح فيها بداياته الثقافية، وولعه المعروف لدينا في قراءاته، معترفا بتأثير الكاتب المصري الكبير كامل زهيري، عليه، منذ ان تعرف على كتبه ومقالاته، وكيف توسع هذا التأثير ليشكل سجادة معرفية مهمة، وقد افرد له صفحات تعريفية ليست قليلة في مقدمة الكتاب التي حملت اسم (لماذا نقرأ الكتب المتمردة).. وبصدد اختيار عنوان الكتاب يقول علي حسن (الغواية الممتعة في صحبة الادباء والشعراء والفلاسفة من خلال كتبهم هي التي جعلتني اقرر ان اكتب كتابا أخصصه للشخصيات التي تمردت على عصرها)..

يبدأ الكتاب بالحديث عن " ديوجين الكلبي " باعتباره اول المتمردين.. وهذا الرجل الذي كل ما نعرف عنه، انه كان يمسك في يده فانوسا، ويخرج به في ضوء النهار، وعندما يسأله المارة، وهم يضحكون:عن اي شيء تبحث؟ كان جوابه: انني ابحث عن انسان !

 ان ديوجين، كما نفهم من الكتاب، من الفلاسفة الذين استطاعوا انتزاع احترام الخصوم قبل الاصدقاء، لأنه طابق بين فلسفته ومعيشته وحياته، بل سخّر هذه الاخيرة من اجل تحرير موقفه من الحضارة الانسانية والطبيعة والدين والاخلاق والمجتمع ومؤسساته، كالدولة والمدرسة والاسرة..

وفي سطور اخرى، نقرأ عن المتمردة، الكاتبة المثيرة للجدل " آريس مردوخ " التي اصدرت 25 رواية وعددا من المسرحيات والكتب الفلسفية وتوفيت عام 1999، بعد حياة امتدت 80 عاما، وبعد معاناة من مرض الزهايمر.. هذه الكاتبة ظلت طوال حياتها تدافع عن " حرية عقلها " والى حرية العيش على طريقتها الخاصة، ولاسيما بعد ان قرأت رواية " الغثيان" لسارتر، حيث قالت لزملائها في الجامعة: اريد ان اكتب رواية طويلة، غامضة، موضوعية عن الصراعات الغريبة التي تتولد داخلي، وعن ما ألاحظه عن الشخصيات الاخرى، واحد تلك الصراعات التي كانت تدور في داخلها الحاجة الى الحب الملائكي والشيطاني في ذات الوقت !

ثم يتوجه الى " يوجين يونسكو" فالتمرد عند هذا الكاتب الكبير، يكمن كما جاء في مسرحية (الدرس) هو اكتشاف ان اثنين زائد اثنين، لن يكونا اربعة، وهو يرى أن الخيال قادر وحده على ضبط إيقاع العالم المضطرب فـ (كل ما هو تخيلي، حقيقي وصادق، ولا شيء صادق مالم يكن تخيلا) ويحاول يونسكو ان يناقش مصير الانسان الذي خرج من حروب مدمرة، لا بد من مواجهة هذا العالم بالتمرد احيانا، وبالعبث أحيانا اخرى.

(إننا منذ وقت نعيش حالة انتكاس.. حالة من التدهور.. مستمر) هذا القول للكتابة المتمردة ايضا " ناتالي ساروت".. ويفرد لها الكتاب صفحات عديدة، ومنها نعرف ان " نتالي " كانت تستيقظ في الرابعة فجرا كل يوم لتقرأ روايات " دستوفيسكي " الذي عشقته حد الجنون، كانت تريد ان تصبح كاتبة مثل عبقري روسيا الذي بدأت شهرته حين كان في الرابعة والعشرين من عمره، بعد ان قدم روايته " الفقراء".

في كتابها " انفعالات " حاولت " نتالي " السير على طريقة الفيلسوف " فيتغنشتاين".. فاللغة وظيفة جديدة تجعلها تتمرد على الواقع، ولهذا نجدها تضع لنصوصها ارقاما بدلا من العناوين، وتمنح الشخصيات ضمائر بدلا من الاسماء، فهناك (هو، هي، وهم، وهن) !

ويعرج الكتاب، الى الكاتب الشهير " فرنسيس فيتزجيرالد " فيقول ان " فرنسيس" ظل يؤكد لنفسه وللمقربين له، انه كاتب فاشل، ويرجح النقاد اعتقاده هذا إلى انه كان متخصصا في الكتابة عن حياة الاغنياء، في الوقت الذي كان فيه الادباء والمفكرون يكتبون عن البؤس والفقر، لكنه كان يقول دائما إنه أراد ان يعري مجتمع الاغنياء هذا، رغم انه كان مبهورا بعوالمه وخفاياه..

لقد عاش " فرنسيس " حياته بحب المتع، وكان مسرفا، وبسبب اسرافه الشديد، ظل يعاني من مصاعب مالية، جعلته يتوجع في سنواته الاخيرة، فلم يستطع إكمال آخر رواياته " آخر ملوك المال " التي حّولت الى قلم من بطولة " روبرت دي نيرو".. كتب عنه " كولن ولسون " قائلا ان حياة " فيتز جيرالد" هي مأساة "اللامنتمي في حضارة ميكانيكية.

ويتوسع الكتاب، فيسلط الضوء على " سلفادور دالي، فريدريك نيتشه،، أنريه بروتون، برنادشو، صموئيل بكيت، غونتر غراس، جان بول سارتر، فرانسوارساغان، وآرنر رامبو وغيرهم.. سأمر عليهم في مقال آخر..

بسطور قصيرة اقول ان الكتاب يعرض آراء مهمة لشخوص أثروا حياتنا الثقافية، وهي آراء تشير الى نظرتهم المرتكزة على التأمل والتفكير والتواصل في ميادين المعرفة الشاملة حيث يبحرون  في بحار الحكمة والفلسفة،

وقد تلمستُ الميزة الأساسية التي وجدتها في كتاب الصديق علي حسن هي استيعابه وتمثّله لما قرأ لكتاب وفلاسفة كبار، وادراكه للعقل العلمي للمثقف، وهي تلخص رؤاهم على الادراك الفلسفي العميق، حول الحياة والمجتمع، من وجهة نظر عميقة الاثر، وحسنا فعل في اصداره لهذا الكتاب، الذي وفر بيئة ثقافية لقراءة مكثفة لأبداع عالمي، وفهم في استيعاب المعرفة، انطلاقا، من حقيقة ثابتة تؤكد ان المثقف هو أداة الوعي، العارف، المطّلع، والمتعلم، الخبير، الوصي على مجتمعه، والممثّل المعارض له والمتمرد عليه!.

***

زيد الحلي 

من نافلة القول أن نعرف أن عنوان الكتاب أو البحث وحتى المقال يعبر عن مضمون ما يسطره المؤلف فيما يكتبه وبعضه يعبر عن موقفه من الموضوع المطروح سواء كان سياسيا أو اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا . وأن تؤلف كشاب من شباب العراق وبوضعه السياسي والاجتماعي والارتباطات المعروفة للعملية السياسية كتابا بهذا العنوان (تحرر من القيود) وعند سؤالي للمؤلف لماذا اخترت هذا العنوان ألم تخطر ببالك خطورة العنوان، فأجابني إجابة عفوية لكنها تنم عن شجاعة أولا وعن قراءة للواقع الاجتماعي المقيد بقوالب كثيرة تحولت إلى سجن كبير وبشتى أو كل مناحي الحياة، وربما أو هو الواقع حسب قرائتي للواقع ولكتاب تحرر من القيود أن كاتبه وإن ولد في عقد الحصار إلا أنه لم يع مضاره ولا أهواله ولا ما عاناه الشعب من ظلم واستبداد وحروب وغزوات بل هو وجيله وجيل ما بعد 2003 تفتحوا على فضاءات مفتوحة ومواقع تواصل اجتماعي تقرب البعيد، فالشاب القاطن في أقصى قرى العراق يستطيع أن يتحدث مع شخص يبعد عنه آلاف الكيلومترات ولذلك يسعى إلى كسر العديد من الأطواق حوله ويطالب بطلبات مفتوحة لها أول وليس لها آخر، جوبه الشاب العراقي بعدة مصدات، الأول حكومي – حزبي يصدر نفسه على أنه حام للطقوس الدينية وجعل من أعداد الممارسين لها جمهورا له، وكذلك فإن هؤلاء الحكام الجدد أفرطوا في إظهار تحولهم من فقر مدقع إلى غنى فاحش فلا يشيدون منازلهم إلا ويستقدمون شركات من خارج العراق وقد حاكى أكثرهم صدام حسين بتشييد الدور الفخمة ولا يقيمون بها فيما كان أكثرهم في سالف الأيام لا يتعدى أحدهم في تحصيل رزقه إلا من بيع السكائر، يتصرفون هكذا والعراق فيه حسب وزارة التخطيط أكثر من (7) مليون فقير، يملأون العشوائيات ففي العراق 3687تجمعا عشوائيا، يسكنها ثلاثة ملايين ومئتان واثنان وتسعون ألف من العراقيين ووزعت على النحو الآتي بغداد فيها 1022تجمعا عشوائيا وفي البصرة 677تجمعا وفي ذي قار 333تجمعا عشوائيا وفي النجف وكربلاء 89تجمعا لكل منهما في حين تحتل ديالى مرتبة متقدمة في العشوائيات كما تحوي الكوت مركز محافظة واسط فقط على (9) تجمعات عشوائية ضخمة ولو أخذنا قضاء علي الغربي المجاور لمحافظة واسط والتابع لميسان فإنه يضم أربعة أحياء عشوائية تضم ما يقرب (1100) منزلا وعلي الغربي تعد مدينة صغيرة، هذا وقد بين نوري المالكي عندما كان رئيسا للوزراء بضياع (6) مليار دينار كانت مخصصة لغرض الاسكان وتشير التقارير إن العراق بحاجة إلى (7) ملايين وحدة سكنية .والحقيقة بمرور الأيام انسلخ المتظاهر أيضا عن ضابطته الاجتماعية الأهم ألا وهي العشائرية .واتسم الشباب بالاندفاع وعدم المبالاة بالمخاطر لكن كاتبنا محمد كريم الكلابي يختلف جذريا عن هؤلاء الشباب وكذلك عما ينادي به الحكام إذ يدعو إلى التمسك بالشرع القرآني الخالص وبالقوانين الاجتماعية التي كانت ضابطة ولا تزال للمجتمع العراقي كي يرتقي بنفسه ومن هنا تكمن شجاعة هذا الكاتب .قد يسأل أحدهم إذن مالجديد الذي يرمي إليه الكلابي إذا كان يسعة الى التمسك بهكذا مفاهيم والإجابة على ذلك، أقول مرة أخرى إنه لا يسعى إلى تبني فكرة الانفلات قبال الضوابط الحقيقية، مثل القانون المشرع، الشرع القرآني، الضوابط العشائرية التي تحفظ للمجتمع تماسكه وليس التي تسعى لاضطرابه هذا هو جوهر الكتاب .وللحديث بقية.

***

رائد عبد الحسين السوداني

 

معارج وأنساق موئل التشيؤ بين الدكتورة نعيمة بطاهر والمحللة النفسية العالمية الكاتبة: جوليا كرستيفا Julia Kristeva .. مقاربة تداولية.

إذا كانت الروائية البلغارية / الفرنسية Julia Kristeva جوليا كرستيفا صاحبة النظرية التحليلية النفسية تنطلق وترتكز على مقومات الروح والماء كمطهّر للروح قبل الجسد موئلا لها من وجهة كنسية لحل كل النكسات النفسية للفرح وللروح إزاء الروح ذاتها على سبيل التسويق الديني الكنسي في كتبيها Pouvoirs de l'horreur سلطة الرعب La Haine et le pardon الحقد والصفح على سبيل المثال مع استدعاء نظرية فرويد النفسية قبل أن توطد فًهومها في مجال نزوح الماء إلى الماء كمقوم مفصلي في ارتداديات الفرد على سطح البسيطة كمتحرك ومتغير محوري أيضا لا يخرج عن عناد وتعنت و" محدودية "صلابة ما تدعي انه معراج البقاء..مستندة على استثمارها للماء كضفة استراتيجية لا مناص منها لضبط صيرورة الفرد في كينونته وحركيته الدءوبة كمنعرج ومنعطف دلالي في جميع مجالات الحياة. كما أنها ذهبت في محاكاة الدلالة والمنحى الاديولوجي اليساري إلى ما ذهب اليه زوجها الشاعر الفرنسي الشهير  Philippe Sollers علما أن جوليا كريستيفا تشبعت بالفكر الماركسي اليساري، قبل أن تتحول رأسا على عقب إلى الفكر الكاثوليكي منهجا ومرجعية بعد أن منحتها السلطات الفرنسية منحة دراسات عليا بفرنسا - ليس هذا مقامنا يطول الحديث بهذا الشأن، أردت فقط هذه الإشارة لتوطيد المقاربة بين الدكتورة الباحثة: نعيمة بطاهر وفصول كتابها الجامع لتضاريس الكون الروحي العقدي" الممنطق " مع رؤى جوليا الأمر الذي يقودنا بحتمية التطابق إلى النقد الثقافي المقارن في جملة معطياته الاصطلاحية أسوق مثالا في محكم وأحكام ركائزه الإسلامية السمحة كمرجعية إستبيانية لعجلة المثاقفة ومناخها الترابطي الموزع على الإنسانية قاطبة دون استثناء في مناحيها المتعددة. وها أيضا ليس سياقات حديثنا في هذا المقام أيضا. ويطول الحديث بشأنه أيضا .

أسوق مثالا على سبيل العبور عند ادوار سعيد على وجه التحديد كتابه - ادوار سعيد (الإمبريالية والثقافة، 1992 ومنه نستشف عدة أطاريح وطروحات هي الأخرى يطول الحديث بشأنها وعز الدين المناصرة في مداراته - (كعينة أخرى وقبلهما المنهج النقدي في المعمار الدلالي الاسلامى كرسالة بعثت للناس جميعا وكمفصلية لابد منها تناصا مبدئيا و" محك " توطيد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان في مجمل القضايا ذات دلالية محورية لعجلة المثاقفة في مناحيها المتعددة. وهنا أيضا ليس سياقات حديثنا طبعا في هذا المقام أيضا. ويطول الحديث بشأنه لنعرج في ومضة على النقد الثقافي حسب آرثر أيزابرغر، حيث يذهب أنه .... "نشاط وليس مجالاً معرفياً خاصا بذاته.. وأن نقاد الثقافة يطبقون المفاهيم والنظريات على الفنون الراقية والثقافة الشعبية والحياة اليومية وعلى حشد من الموضوعات المرتبطة. إن النقد الثقافي مهمة متداخلة مترابطة متجاوزة متعددة، كما أن نقاد الثقافة يأتون من مجالات مختلفة ويستخدمون أفكاراً ومفاهيم متنوعة، وبمفهوم النقد الثقافي الشعبي، وبمقدوره أيضاً أن يفسر نظريات ومجالات علم العلامات، ونظرية التحليل النفسي، والنظرية، الماركسية والنظرية الاجتماعية، والانتروبولوجية،.. ودراسات الاتصال وبحث في وسائل الإعلام والوسائل الأخرى المتنوعة التي تميز المجتمع والثقافة المعاصرة (وحتى غير المعاصرة)"(2)، فإن الدكتورة نعيمة بطاهر في كتابها الإنسان اللغز تمنطق بوعي كينونة الكون كمعطى فوقي يعرج إلى الذات من ذاتها عكس ما ذهبت اليه الروائية البلغارية الفرنسية جوليا كريستوفا على سبيل المثال..وليس الحصر.

هذه الأخيرة استحوذت على المعطى الديني الكاثوليكي لتمويل رؤاها. فأضحى لديها كل سلوك يجب وجوبا أن يتغذى من المعطى الديني حصريا وإلا بات سلوكا ثانويا حسب تحليلاتها كروائية ومحللة نفسانية تعتمد المنهج النفسي مع " جعل " مغرافها رافدا لتغذية رواياتها وإعمالها التي تربو عن 30 عملا.

مع هذا التفكيك البيني لديها ومحاولة الاستباق لديها أيضا استثمار للإصطبار ربما كمنفذ لتغذية أعمالها الروائية تحت سطوة الخيال والمخيال والمشار اليها..بل استغلال هذه المرتكزات. مع هذا لم تفلح في رص صفوف التباين الحاصل في المعطى الديني الكاثوليكي، الشوفيني مع الرؤى الإنسانية الجامحة منها والهادئة.

لعل بقلقها هذا لم تسعفها بوارجها إلى الانتهاء إلى الضفة الشمولية في سبك " مسبوكاتها " الإيحائية لتلمع العالم بنظرة إنسانية شمولية .

وهذا ما أعابه عليها منظر الابسيمولوجيا واللسانيات رولان بارت وهو يكتب أول دراسة في أعقاب صدور كتابها الأول في ها المضمار

مع كل ما أنجزته في هذا المجال دحضته رؤى الدكتورة نعيمة بطاهر على طول مدارات وانساق سياقات تعاطيها مع الإنسان. هذا اللغز المحير. ها القطب الدلالي في منظومة الكون وكينونته عبر كل متغيراته البينية كمسلك لدوام ودورة مدارات الحياة.

الروحية والمادية منها كمخرجات واليات وضروب حركية مجازية تتوسط مناحيها الدلالية المعرفية والسلوكية وغيرها في حنكة الباحثة الدارسة ومديرة التدريب الدكتورة نعيمة بطاهر..من مرجعية.

اختزلت كل هذه الأنساق والسياقات والأسانيد في استثمار عقلاني استنباطي كمنهل للتناص والتوثيق ألدلالي كمغراف ومعين وبٌنى إدراكية لماهية الكون الاستطيقيا كمقوم دلالي في "الإنسان اللغز" بين الدلالة والموئل الاستنباطي وليس حصان طروادة كما تدعي بعض النظم الوضعية ..

هذا ما يتوطد في هذا المبحث الأخير للدكتورة نعيمة بطاهر المعنون ب: " ومن حقيقة وأسرار الكون.. حقيقة الذات" .

ها هنا ما محقت الباحثة بطاهر ملكوت الله رفسا ولا اعتباطا، فهي تنطلق في هذا المبحث من شمولية الذات وعلاقتها بالمادة والروح وحتمية دوران الذات حول نفسها كما الأرض ليس بالشكل الفيزيائي ولا الفلكي ولكن بوازع العقل، وهنا تورد الباحثة ما يلي للذات الناطقة سواء في أغوار البحر أو على اليابسة لكل الكائنات، الجامدة والمتحركة: قولها في هذا المبحث:

"حتى الكلمات لها روح وجسد، جسدها مكون من حروف تعطي شكلا ما، ومضمونها ومعناها هو روحها، مثلا كلمة " بحر " فإذا تأملنا قليلا في هذه الكلمة فنجد هذا البحر يحمل في عمقه أكوانا تدب فيها الحياة ولعل أوجه التلاقي هاهنا بينها وبين جوليا كريستيفا يتقاطعان ويتطابقان في " صيرورة الماء " كمعطى حياتي لكن برؤى مختلفة متباينة _ تضيف الباحثة الدكتورة نعيمة بطاهر في هذه المفصلية قولها الفلسفي الشمولي على غرار جوليا كريستيفا: هذا البحر يحمل في عمقه أكوانا وهنا يكمن عمق الطرح لدى الباحثة نعيمة بطاهر " أكوانا " في صيغة الجمع " لتحديد الدلالة منها، كان إمكانها أن تقول " كونا بصيغة المفرد لكنها ارتأت " عنوة أن توطد " أكوانا " عوض كون وبوعي إدراكي منها لماهية " هذا الملفوظ " لتضيف " وعوالم أخرى تدب فيها الحياة وعوالم حقيقية لا نعرفها فكل كلمة لها مدلولها. وعن الذات تقول:

ماذا عن الذات؟ هي ليست كلمة وفقط وإنما جسد وروح وجزء من الكون لا يحتاج إلى البحث عنها في الكون لأنها الكون المصغر هذه الذات وجدت لإتمام رسالة الخلافة والعبور والمضي نحو تحقيق العبادات المجسدة في الحب والتآخي، والعطاء والتعاون والتواصل مع الكونيات الأخرى "

هنا الدورة الكونية تأخذ مجراها ووظائفها على جميع الأصعدة، تضيف الباحثة الدكتور بطاهر. ولها إسهامات عديدة في حقل التدريب بمختلف الجامعات والمعاهد العربية ولها باع في ها الشأن. د.نعيمة بطاهر. أديبة وباحثة جزاىرية،استاذة ومدربة في فنون التواصل الانساني. ومحاضرة دولية اثرت بمشاركتها عدة مؤتمرات. دولية ومنابر محلية وتكتب بأكثر من لغة.. ساهمت في كثير من دوراتها في الإنماء التدريبي للذات كمقوم بقاء.

أقف هنا على أن أعود للكتاب في ورقة لاحقة .

أشير أن وجه المفارقة بينها وبين البسكولوجية المحللة الروائية جوليا كريستيفا تتقاطع في ماهية الماء،الذي تراه وتصنفه الباحثة نعيمة بطاهر مصدر صفاء الكينونة والأستاذ -.أي الماء -.

الذي يعلمنا سلوكيات التعاطي مع الحياة كمسلك وفجاج راحة وائتمان للذات وللجسد كل بمنظوره، غير أن منظور الباحثة نعيمة بطاهر أخذ وجهة الشمولية، فيما انحصر منظور جوليا في رواق، " الطرح الكاثوليكي، الكنسي كمنفذ للطهارة ومجرى وروافد الحياة ..

شكرا دكتورة نعيمة بطاهر أن أهديتني كتابك ها المتزن ممهورا بتوقيعك، ألف شكر، ولي أوبة إلى فصوله وفصوصه في ورقة لاحقة، هذا عبور في أعقاب قراءة أولى له، وشكرا مجددا مع تمنياتي لك بموفور السؤدد في مبحثياتك هذه وغيرها.

***

كتب: أحمد ختاوي / الجزائر

......................

هامش

2. أرثر أيزابرجر: النقد الثقافي: تمهيد مبدئي للمفاهيم الأساسية، تر، وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط، 2002، ص 4، 1991.

مقدمة كتاب: النقد المبني على الشخصية للمجموعة القصصية "أوان الرحيل" لعلي القاسمي.

يعتبر الأدب من أسمى قنوات التعبير. أما النقد الأدبي فهو ذاك الفضاء الموسوعي المتخصص في سبر أغوار العبارات السردية. طابعه العلمي يتجلى في ارتباطه بكافة الحقول المعرفية والثقافية والتقنية التي تقلص الانطباعية الذاتية إلى مستويات تخضعها إلى محاكمة موضوعية نافعة للروح الإنسانية الصرفة. يرتقي علم الناقد في شخصيته بجودة منتوجاته التأويلية المحبوكة لغويا ومنهجيا وتحليليا. به تتراكم مصادر إنتاج المعرفة بالأدب. حداثته وعلميته ساهمتا في انفتاحه على كافة العلوم الإنسانية. إضافة إلى نجاحه في التحول إلى آلية للسعي الحثيث لإقناع المتلقي بالجدوى العلمية لقراءة النص الأدبي، أبرز في نفس الوقت خصوصية الموضوع الأدبي بوصفه نشاطا إنسانيا تتداخل فيه الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والنفسية والتاريخية. بالظاهرة الأدبية يكتسب النقد الأدبي مدلوله ومكانته في رصد قيمة النصوص الأدبية بلغة ثانية.

بذلك أردت أن يكون هذا الكتاب إذن فضاء أدبيا جديدا لفهم الظاهرة الأدبية عند الدكتور علي القاسمي بكل موضوعية بعيدا عن الذاتية والانطباعية والتأثرية في التعاطي مع نصوصه. انتقيت المجموعة القصصية أوان الرحيل نظرا لأهميتها. هيمن عليها فضاء الموت بكل تجلياته. استعمل فيها الكاتب لغة قصصية بسيطة راقية استثمرها بلاغيا ومنهجيا لإبراز تفوقه التصويري واستعماله للتعابير المجازية للغوص في أعماق الماضي والحاضر بأبعاده الواقعية. ارتقى في هذه المجموعة التأمل والوصف في مقاربة الواقع بتعقيداته وتشابك تفاصيله محدثا توهجا قويا لدى القارئ. نصوصه لا تتطلب قراءة واحدة. فمباشرة بعد الانتهاء من كل قراءة، تتزاحم أسئلة إضافية على الوجدان خالقة قوة تحفيز لدى القارئ والناقد للبحث مجددا فيما تخفيه أعماق عباراته. إنها حقيقة ليست بالغريبة ما دام الكاتب يعتبر من كبار القراء والمترجمين لكتابات أكبر الأدباء عالميا وعلى رأسهم إرنست همنغواي.

أحداث قصص هذه المجموعة متسلسلة بجمالية فاتنة. تتصاعد متعة القراءة من أول عبارة في كل قصة إلى نهايتها. شخصيته كعراقي طاف أقطارا بارزة في العالم عبر مرافئ سبع حاضرة بقوة. أحاط بالموت من كل أوجهه ومستوياته برؤية الخبير المتمرس. انتصب في قصصه كسارد متمكن من سحر الحياة أسرار النهايات وأوجاعها وأسئلتها الوجودية. تابع سكرات الموت والاحتضار بتجلياتهما الحزينة وأجواء حدادهما إلى أن عاش نفس الحدث في قصة "النهاية" ملتحما مع جسد صديقه سيدي محمد بوطالب. كشف عن أسرار الموت بكرامة واستحقاق بعد حياة زاخرة بالعطاء. تفوق في تسليط الضوء عن حافات وسراديب الموت الغادر المخيفة. جُلْنا معه متأملين وجع النهايات في فضاءات داخلية كالمنزل والمستشفى والغرفة .... و في فضاءات خارجية كالحديقة والشاطئ والطريق والصحراء ..... تحدث عن حق المرء في أن يتوارى جثمانه الثرى في وطنه بمراسيم دفن تليق به. تحدث كذلك عن حق الأهل في مواساة المحتضر وهو يجترع ألم سكرات الموت، وحقهم في مواساة بعضهم البعض بعد الموت. ربط الاعتقاد الديني بالنهايات بأبعادها النفسية والاجتماعية والرمزية والفلسفية.

أكثر من ذلك، نصوص هذه المجموعة تندرج كمكون هام في مشروع فكري نهضوي كبير ومتكامل للكاتب. إنتاجاته القصصية منذ إصداره الأول تتناسق وتتكامل مجسدة امتدادا ثريا لغزارة عطائه الفكري واللغوي. لقد حطم الحدود المصطنعة بين شعب المعارف الإنسانية بتصنيفاتها المعاصرة. عالج الموت ببراعة النوابغ. أبدع في تشكيل طموح استقبال ومخاطبة ملك النهاية بكرامة واستحقاق. تم تصنيف وترتيب نصوص المجموعة بعناية معرفية قصوى. لقد نجح بخبرته في توطيد بناء جسور العبور السلس بين أسلاك المعارف المختلفة ومشاربها المتنوعة. استثمر بكلل الجهد المطلوب لجعل القارئ العربي يلتفت لكنوز حضارته وإمكانياتها الكامنة.

قاد القارئ بأفكار ورؤى جديدة وبسلاسة بيداغوجية والتقائية مرصوصة لمعانقة المشاريع المجتمعية الرائدة التي تناولت نهضة العالم العربي الإسلامي منذ بداية القرن العشرين. استثمر في التأمل المستفيض جاذبا بقوة المثقفين والهواة والمبتدئين. يتقدم من نص لّآخر بدراية وخبرة العارفين بأسرار الوجود وبتاريخ تفاعل الحضارات. ركز على تحقيق هدف إيصال المعلومة للنخبة القارئة، وبالتالي تمكينهم من الآليات الناجعة لسبر أغوار العلاقات الداخلية للعناصر الأساسية الرابطة بين اللغة والأدب والبلاغة. أثار من خلال موضوع الموت القضايا الحساسة الحقيقية القطرية والكونية. عبر عن اقتناعه بارتباط المستقبل العربي بالحاجة إلى توسيع مخيال تفكير الأجيال وقدرتهم على التعبير عن انشغالاتهم بحرية، وتعويدهم على الكدح المعرفي المتواصل والعطاء الدائم.

استحضر في مشاريعه الأدبية هاجس تقوية الصلة بين الأدب والنقد وحاجة القراء إلى تنمية ملكة التفكير في مجال علم الإنسان. وبذلك، يكون الكشف عن الروابط المتينة بين نصوصه الثرية لا يتطلب الاستعجال في عمليات فك رموزها. من يتسابق مع الزمن للوصول إلى النقطة النهائية لفضاء حصيلة إسهاماته يصاب بالخيبة. استخراج مقومات ورموز مشروعه بكليته يستدعي التريث والتأمل في مكنون أعماق محاوره.

لقد جسد في قصصه أحداث وإمكانيات تطور الواقع العربي الإسلامي في الأزمنة الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل بهاجس تقوية الروابط بين وقائعها وتفاعلاتها. استثمر بقوة في مجالات التشخيص والتحليل المعرفي والاستشراف الموضوعي. التقابل مع الغرب يشكل له مرجعا هاما يستحضر من خلاله محطات صراعات الماضي المتكررة. يستحسن مزايا التفاعل التاريخي البناء بين الحضارات. يثني على الشق التعاوني والتطوري. يطمح في تحقيق انتصار قيم جديدة في العلاقات الدولية تنسي الشعوب ويلات الاستعمار والاستغلال. ينبه كذلك إلى ارتباط توسيع الهوة التنموية والتكنولوجية والعلمية بارتخاء أو اختلال في الحكامة السياسية في أقطار الانتماء العربية. يتأسف لحدوث الإنزلاقات الإيديولوجية بإكراهاتها الداخلية والخارجية. امتعض من استسلام أغلب الأنظمة السياسية للفوضى الهدامة وتعسر عملية إعادة البناء من جديد. لقد تم تغييب قدسية ونبل الموت بكرامة في حياة الفرد العربي، معتبرا ذلك سببا أساسيا في تفشي الظواهر المشينة التي نالت من مقومات الروح الثقافية الإبتكارية للشعوب منذ قرون. يرى في الترهل الثقافي وضعف الإيمان بمقومات الذات، منذ تجرع مرارة آفة الانحطاط في القرن الحادي عشر الهجري، عوائق حقيقية للنماء. الواقع المر أفقد الأفراد والجماعات القدرة على استيعاب قيمة الوقت وتدبيره. استسلم الأفراد والجماعات لفخاخ التقليد المنصوبة في كل مكان. استحضر تسلط الفقهاء على نبل الأخلاق وأدوار العقل الريادية في تاريخ الأمة العربية.

أحب القاسمي المغرب، وأعجب بخصوصيته التاريخية. اعتز بكرم شعبه وصداقاته القوية مع نخبه وفعالياته في مختلف المجالات (أخوته مع سيدي محمد بوطالب كنموذج). إقامته الطويلة بالمغرب عوضته نسبيا حنينه لبلاد الرافدين. بعده عن وطنه فجر بداخله في الآن مزيج من أثر الفقدان ومتعة سعادة عيشه بالمغرب. مساره الزاخر بالأحداث حوله إلى طاقة علمية لا يمكن للعربي إلا أن يفتخر بها. لقد راكم مقوماتها الأولية بتنقله كطالب علم ما بين الدول العربية والأوروبية وأمريكا. تحول بجهد مضني وتراكمات سريعة إلى عالم موسوعي.

القاسمي من أكبر المناهضين للتشاؤم بتعبيراته المختلفة. هو كذلك لا يكل ولا يمل في التعبير الصريح عن الرسائل والعبر مستنكرا استفحال الآفات والظواهر الفتاكة لحاضر ومستقبل الأمة كالتحرش والعنف والنفاق والتفاهة والتقليدانية وتباهي الجمهور على مستوى الخطاب بالعقلانية والعلم في الدين والتخلي عن ذلك في واقعه المعاش .... يربط إمكانية حدوث الانفراج البناء في حياة شعوب المنطقة بتسخير الأدب والنقد والفكر لترسيخ التربية النفسية العلمية في الأسرة ومؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية.

أسلوب القاسمي وتقنيات سرده، المعتمدة في غالب الأحيان على ضمير المتكلم، يعطي الانطباع وكأنه يقدم أهم شذرات سيرته الذاتية. لكن، بالتأمل في عباراته البلاغية ومنهجيته وعمق مقاصده وثراء حصيلة رصيده الفكري تنجلي كل أشكال الغموض التي آثرتها بعض القراءات النقدية لمشروعه الأدبي. فهذا الأخير مرتبط أشد الارتباط ببناء نسق جديد لسبر أغوار الحضارة العربية والمغاربية بنفس التجديد والتحديث. هو ابن حضارة عريقة، ابن بلاد الرافدين وحضارتي بابل وسومر. عايش مسار تاريخي عربي من المحيط إلى الخليج بأزماته وتقلباته المعاصرة (استقلال، واستعمار، ثم استقلال وانقلابات وعواصف الربيع العربي وما بعده).

تدخل القاسمي مرارا عبر المنابر الإعلامية المغربية موضحا أن من ينطلق في قراءة نصوصه من دوافع استخلاص جوانب سيرته القصصية، سيصاب بخيبة أمل، ومن يقرأها بوصفها نسج خيال، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة. وأضاف في مناسبات أخرى، الفن عموما، والأدب على وجه الخصوص، ينطلق من أرض الواقع ليحلق في سماوات الخيال.

اعتمد القاسمي الواقع، واستثمر بقوة في الخيال، واستطاع بالتدريج توسيع وإثراء عمليات تواصله مع جمهور القراء من المحيط إلى الخليج. بكلله المتواصل استطاع أن يُسمع نبضات كلماته الراقية إلى فئات عريضة من أبناء أمته. صيته الفكري والأدبي قد ضمن مستويات عالية مستحقة. لغته الفاتنة عبرت فعلا عن موقعه الرائد في محافل الاحتفاء باللغويين واللغات الحية. عضويته في مجمعات صناعة المعجم العربي التاريخي وتطويره أسدت لكل الفئات الاجتماعية خدمات جليلة.

إنها الاعتبارات التي جعلتني ألتحم بقوة مع نصوص مجموعته القصصية "أوان الرحيل" كأديب ناقد ومهندس مغربي وباحث في مجال التراث الحضاري العربي الإسلامي ورهانات تحديثه. تخصصي في التهيئة والتعمير والإحصاء والاقتصاد التطبيقي جعلني أرتبط بقوة بالدراسات السوسيولوجية وما تتطلبه من  تمعن وتأمل عميقين. إنها التراكمات التي ساعدتني في السير قدما وبإصرار في فضاء البحث عن الشفرات التأويلية الممكنة لكتابات القاسمي، طامحا امتلاك الخبرة الموسوعية في النقد الأدبي، والاصطفاف إلى قلائل النقاد المهتمين بالنقد المبني على الشخصية.

المجموعة تتضمن ستة عشرة قصة فرعية مؤطرة بثيمة "الموت": موت إنسان، موت حيوان، موت مدينة، موت حضارة،.... أثارت من قبل انتباه أديبين ناقدين عراقيين وازنين هما الكاتب محمد صابر عبيد والدكتور حسين سرمك حسن اللذين خصصا لها كتابين نقديين هامين. الأول اعتمد النقد المبني على التجربة. نصوص القاسمي بالنسبة لهذا الأخير لم تتناول قضايا معزولة ومشتتة، بل تم التخطيط لإعدادها بإخضاعها لنسق معرفي له ارتباط بتجربته. التجربة، بوصفها أهم وأثرى ممول ورافد مركزي للنص الإبداعي، حولها صابر إلى عمود فقري بنى عليه كتابه النقدي تحت عنوان "التجربة والعلامة القصصية : رؤية جمالية في قصص "أوان الرحيل". لقد ركز على التجربة في تفاعلها مع الواقع مقتنعا أن الفن شيء مستحيل بدون الإلمام بالواقع كمنتوج جزئي للأنا المعرفية. أما الثاني، بفعل تخصصه كطبيب نفساني، فقد قاده تحليله في كتابه "الظمأ العظيم : تحليل نفسي ونقد أدبي لقصص الموت" إلى سبر أغوار نفسية الشخصيات والساردين وكذا نفسية المؤلف. لقد اتخذ قرار تحويل كتابه إلى خلاصات تشريح نفسي أبرز من خلاله العلاقة التي تربطه بالكاتب ذو الصولات المشهورة في الإبداع الأدبي والحنكة الفكرية مستحضرا انتماءهما معا إلى بغداد بإرث سومر وبابل ومحن العراق وآفاق وجوده.

تقنية النقد الأدبي المبني على الشخصية تقنية ثالثة حرصت على إضافتها إلى التقنيتين السابقتين. الغاية منها كشف خبايا جديدة لقصص القاسمي وقراءة ما بين سطور عباراتها. طموحي من وراء استثماري في هذه التقنية هو تحقيق النجاح المرغوب في تجاوز البعد النفسي وتأثير التجربة بدون الاستغناء عنهما باعتماد مقومات الشخصية كذات معرفية بأبعاد قطرية وجهوية وكونية تنتمي إلى مجال أخلاقي وجمالي وثقافي وحضاري عريق. فاسترجاع وقائع شخصية القاسمي كنموذج بمنطق الأنا المعرفية وتراكماتها عبر سنوات عمر تجاوز ثمانية عقود أعطت لمعاني الأحداث القصصية وصورها الفنية جاذبية عالية وتأثير نافع للروح الجماعية العربية. القاسمي من طينة الكتاب الذين تمكنوا من تخليد وجود شخصياتهم دنيويا بنصوص أمزجت ببراعة وفنية قصوى بين الواقع والخيال.

عَرِفْت القاسمي في البداية كمواطن عراقي مقيم بالمغرب منذ 1972، ثم من خلال نصوصه الأدبية والفكرية. نشرت أول الأمر وبالصدفة قراءة نقدية لقصته "الكومة" بعدد من المنابر الإعلامية المغربية الورقية والإلكترونية. اتصل بي شاكرا، ليفتح المجال بيننا لتسارع الأحداث. وجدنا أنفسنا في أيام قليلة مغمورين بسيول من الأخوة والمودة المتدفقة بدون انقطاع. لقد فتح لي المجال مرحبا للاحتكاك به بمشاعر أخوية عارمة، فازداد مع مرور الأيام عمق مداركي بفلسفته ومحاور مشروعه الفكري وتفاصيله. توخيت من كتابي النقدي هذا الاعتماد على مقوماته الذاتية الثرية ورصيد تراكماته المعرفية ورصانة مواهبه وطبيعتها الإنسانية وتطورات أوضاع مسار حياته لإبراز مقاصده ورسائله النبيلة.

كدحت بجهد مضني للرفع من مستوى الإلمام بمشمول المعلومات التي تخص الكاتب من أجل تيسير قراءة نصوصه بالموضوعية التامة. غايتي في ذلك هي الإسهام في دعم أهدافه العلمية خدمة للبيئة الثقافية والفكرية في الزمان والمكان الحضاريين. انتصرت لهذا المنهج ووظائفه في نقد الأدب والفكر معا. استوعبت قبل ذلك بتمعن كيف تعاطى المؤلف في ثيمات إنتاجاته مع أكبر الشخصيات المغربية والعربية، ومروره بمرحلة ترجمة أعمال إرنست همنغواي، ووصوله إلى الإسهاب في الحديث عن الدكتور المصري جابر عصفور.

بحثت في كتاباته عن الشاردة الأدبية، والأقوال الحكيمة، والبراهين المستعملة، والاشكاليات المطروحة، والخيط الناظم لنسج عباراتها. هي شخصية ألمت بجوهر المعارف الأكثر تأثيرا ونفعية. في قصصه الأدبية نجده يتقاسم هذا الهم مع كبار المفكرين العرب أمثال الدكاترة المفكرين محمد عابد الجابري ومحمد أركون وبرهان غليون وماجد الغرباوي وعبد الله العروي وطه عبد الرحمان......إلخ. بالنسبة لهؤلاء النوابغ، مبتغى لململة أوضاع الأمة العربية الإسلامية لا يمكن أن يتحقق إلا بتراكم المنتوجات الفكرية العقلانية وقيادة الأجيال بحكمة لإدمان البحث العلمي والفكري ومضاهاة وتيرة تقدم الشعوب الأخرى في اكتشاف أسرار الكون وتسخيرها لتجويد الحياة الفردية والجماعية.

حاولت بتراكمات سيرتي الإعلامية والفكرية والعلمية والمهنية المتواضعة أن ألقي الأضواء الكاشفة على مكنون نصوصه. ثابرت بالرغم من انشغالاتي المتعددة مستجيبا لإيماني القوي كون هذا الرجل النبيل كرس حياته للتفكير بعمق في ماضي وحاضر ومستقبل الوطن العربي وحضارته. كتاباته تجسد الحب الصادق للأمة العربية بأمجادها وقيمها التنويرية الأصيلة وقيمة مواردها البشرية الطموحة.

بهذا المنظور، أشاركك عزيزي القارئ نصوص قراءاتي النقدية لهذه المجموعة قصة قصة راجيا أن تنال إعجابك وتجد فيها متعة وإفادة، وأن تعثر في نصوصها على سبل جديدة للتفاعل الفعال مع مضامينها وعناوينها بطعمها التشويقي والتواصلي.

أخي القارئ، أضع أمامك هذا الكتاب مقدما لك تحليلات وتأويلات غوصي العميق في قصص علامة عربي كبير. كما سبق أن أشرت إلى ذلك أعلاه، القاسمي بعبوره مرافئ الحب السبعة، ومكوثه حقبا زمنية متفاوتة بالعالمين العربي والغربي، وتفضيله الاستقرار النهائي بالمغرب الأقصى لمدة تفوق خمسين سنة، ومجالات تخصصاته الفكرية والأدبية واللغوية، تحول اليوم إلى خزان للتجارب الإنسانية والمعارف النيرة البناءة. بهذا المسار الشخصي المتميز، أصبح من أكبر الملتزمين بهموم الإنسان العربي ومن أبرز التواقين لتحقيق غد أفضل.

أطمح بكتابي هذا تحقيق نزوع تجديدي واضح في الفكر والأدب يبرز رمزية ارتباط الحياة الجماعية للشعوب العربية بالحب والسعادة والموت. برر القاسمي معرفيا حاجة الشعوب إلى تقوية الروابط بين تطورات أحداث مراحل عمر الفرد الواحد وترسيخ قواعد مشتركة للانشغال الجماعي بأفق تنموي تجديدي واعد. التغيير يتطلب تشييد الجسور بين هذه المراحل المتتالية من حياة الفرد، وتيسير العبور من واحدة إلى أخرى بالمردودية المطلوبة، وبالتالي استقبال المنية بذات عارفة لا تهاب النهاية بعدما تكون قد أبلت البلاء الحسن دنيويا. إنها فرصة العالم العربي لتحقيق نهضته المفقودة. العالم يعيش في مفترق الطرق بأقطاب حضارية متصارعة بمقومات ووسائل جديدة (الحضارات الغربية والصينية والأوراسية والهندية ....).

بالقراءة المتأنية لنصوص هذا الكتاب يُكَوِّن القارئ بلا ريب فكرة ثورية في شأن مستلزمات ردم الهوة بين من يمارس السياسة ومن تمارس عليه. يتبادر إلى الذهن فورا، بعد استخلاص العبر، أن على السياسيين أن يطلعوا على ما ينتجه الأدباء والإعلاميون والمفكرون، وأن يستعينوا بهم ويستشيروهم. إنه السبيل عند القاسمي لتوجيه اهتمام الشعوب إلى الحاضر والمستقبل بدلا من التخلي عنهم غارقين في يم تقليدانية الماضي الفتاكة.

لقد أكدت ثيمة "الموت" في القصص والقراءات موضوع هذا الكتاب أن القاسمي قد نجح في إهدائنا خطاطة دروس وقواعد إنسانية في موضوع حياة الأفراد والجماعات عربيا. يثير انتباهنا لوجودها كحقيقة ثابتة في تراث حضارتنا، ويحذر مصادر القرار السياسي من خطورة طمسها. تربية الفرد على العمل لدنياه كأنه سيعيش أبدا، ولآخرته كأنه سيموت غدا، مسؤولية سياسية وثقافية تتحملها المجتمعات المدنية والمؤسسات الرسمية على السواء. لقد تناول الكاتب هذه الموضوعة بمنظور فلسفي ورؤية عقلانية بأبعادها الوجدانية التي تجعل القارئ في منأى عن القلق من المجهول بما في ذلك المنية. انشغال الانسان في أيام حياته يجب أن ينصب على الدفاع عن المدينة والحضارة والقيم والسعادة من المهد إلى اللحد، أي إلى النهاية المعبرة عن الكدح المتواصل والفضول المعرفي الدائم. عبارات كتابات القاسمي منتقاة بدقة شديدة وكأنه يخضعها لفحص مجهري قبلي.

وعليه، يكتشف القارئ مباشرة بعد التهامه لها أنها مغمورة بدعوات قابلة للتفعيل لركوب قاطرة الحياة المناسبة بحضور كثيف لرواد التنشئة التفاعلية منذ زرع الروح والإحساس في بدن الإنسان إلى أن يتجاوز الخط الرباني الفاصل بين الحياة والموت بكرامة وشرعية واستحقاق، وبذلك يضمن الخلود لوجود سابق ولاحق. بهذه المقومات تصبح الموت، كمصير حتمي بالنسبة للإنسانية، ظاهرة عادية يتم استقبالها بدون مفاجآت ولا آلام ضمير. التمييز بين ضحايا الموت الغادر ومُسْتَقْبِلي الموت الطبيعي بكرامة شكل جوهر مواضيع قصص المجموعة بكاملها. تربص الموت المباغت بالبعض وقذف بهم إلى عالم مجهول، واستقبلها الرواد بشجاعة بعد مسار حياة طبيعية طويلة ضمن لهم خلودا دنيويا وغمرهم اطمئنانا وهم يغادرون إلى فضاء الأبدية.

الأهم في القصة القصيرة هي المقاصد والوقوف على الأدوات الأدبية والفنية لتقديمها في حلة جذابة ومؤثرة نفسيا وتربويا وثقافيا وفكريا. دائما أبدأ بالتأمل الأولي بتحديد محاور المقاصد المؤقتة، قبل أن أغوص في تأملات أعمق من أجل ابتكار رسائل جديدة محاولا تفسير ما خالج الكاتب وإغنائه أو تأويله في اتجاه تنويري بآفاق واسعة وواعدة. كما أن التمييز بين الذاتي والموضوعي، من خلال القالب الإبداعي الفكري والأدبي، يبقى ذا أهمية بالغة.

***

الحسين بوخرطة

لقد قرأتُ بتمعُّن وشغف كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي: «الدين والظمأ الأنطولوجي»[1]، وقد بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبتُ إلى قراءةِ الكتاب كاملاً. إنه سفرٌ مشوّق يحمل بين طياتِه قلبًا وجدانيًّا مفعمًا بالحب والإيمان، وفكرًا ناضجًا عميقًا، نيِّرًا صادقًا، وكلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وإيمان بكلِّ معنىً الكلمة، وليست اجترارًا للسلف، ولا ترديدًا لطقوسٍ جامدة، ولا تديُّنًا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كلّ رجل دين مسلم ومسيحي، وكل إنسان مؤمن؛ لأنه في النهاية، باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله «بالروح والحق»، كما يقول السيد المسيح «إنجيل يوحنا 4/13». لأن من يقرؤه يزداد معرفة وتنويرًا وحقًّا وحبًّا لله، فأقول، ومن دون مجاملة، وجدتُ الكتاب سفرًا غير معتاد من مسلم، يتحدَّى الجمود «الإكليروساني - الإسلامي» عن معرفة وخبر، فجاء مبدعًا ومحرِّكًا.

إنّ عبد الجبار الرفاعي «ابن الحوزة العلمية»، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الإيمان وليس بأسلوب فلسفي - ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، «عود أبدي»، كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصَّص عن سيرته والمعنون «نسيان الإنسان». استمتعتُ بسيرته الذاتية جدًّا، والتي أتمنى أن تتحوَّل إلى فيلم أو مسلسل؛ يُعَلِّم الجيلَ الجديدَ كيف يكون عصاميًّا بجهد شخصي "بعرق الجبين"، وليس بطريقة أخرى سهلة!

الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عمومًا، بل يريد الإبحار إلى العمق، وإلى الجوهر؛ ليكشف ما فيه من جديدِ اللهِ في جديدِ الإنسانِ، وجديدِ الزمن، كما يروي في الفصل المخصَّص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة إيمانية، وعن إنسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله، فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح يقظة، وليس ممارسات جوفاء. ويتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. ويتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الإنسانُ بكلِّ جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة، الحياة مشوار إلى القيامة، ومَنْ ليس قائمًا منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت، والإيمان «وليس التدين»، هو الفكر، والحب، وخدمة الإنسان هي الخلود.

إنه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل «الأصالة والمعاصرة»، وألا تتخشب المعطيات فلا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم، كما فعل المسيح مع الفريسيين، أي علماء الشريعة، والذين سماهم: "القبور المكلسة" «متى، 23/27».

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق، فيكتب: «الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعاتُ الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلا بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافلة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الأديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانة أو مذهب لمقولات أتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية إقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان أنها تنشد تكريس وإثراء الجوهر الروحاني للإنسان».

استفهم بشأن: «احتكار الأيديولوجيا لنظام إنتاج المعنى الديني»، وأوضح الرفاعي أن الأسئلة العُظمى للدين تتلخص في: «معنى الوجود والخلود والأخلاق والطقوس...».  ويسعى بشجاعة لتجديد الفكر الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

إنّ الدين خلق وإبداع وليس جموداً وتحنيطاً، فهو سفر دائم إلى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرّك وتغير. والدين يدعو إلى تخطِّي عالَم الكلمات إلى عالَم المعاني.

كتاب عبد الجبار الرفاعي يتكلَّم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله، كي نولد في قلب الله، أو ليس هذا هو الإيمان؟

لا يدعو الرفاعي للحب بأسلوب مبسط، وإنما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقّق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: «الإنسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الإنسان؛ ذلك أن الكائن البشري كثيرًا ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وإنما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلا بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الإنسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكِّنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضًا لو صدر منه. الإنسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمنًا عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإنّ ما يصبح مألوفًا في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحًا. الإنسان ليس كائنًا آليًّا، بل هو بطبيعته أسيرُ ضعفه البشريّ، لذلك لا تجفّ منابعُ الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعاتُ الشر في أعماقه، ولا يكفّ عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الإنسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته».

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كلُّ رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الإيمان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، إنه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضًا: أن يجد صدىً ما في حياتنا.

أتمنى ألا يستمر صوت الدكتور الرفاعي وحده حتّى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسةً من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد إلى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

***

الكاردينال الدكتور لويس ساكو

بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقًا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربون سنة 1986. ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالًا، و20 كتابًا في مجالات اللاهوت والدين.

.............................

[1]  صدر الكتاب بطبعة أولى 2016، وثانية 2017، وثالثة 2018، عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار التنوير في بيروت، وهذه الأيام 2022 يصدر بطبعة رابعة عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد.

اعتُبركتاب عزاء الفلسفة للفيلسوف الروماني بوثيوس آخر عمل فلسفي عظيم للعصر الكلاسيكي وأحد النصوص التأسيسية للفكر المسيحي في القرون الوسطى. كان بوثيوس (477-524م) رجل دولة وفيلسوف في عصور روما الأخيرة، وعمل كمستشار للملك كوثك . وفي حوالي 523 اتُهم بالتآمر وعوقب بالموت. وبينما كان في السجن وقبل تنفيذ العقوبة به، كتب عزاء الفلسفة الذي يأخذ شكل حوار بينه وبين الفلسفة التي اشير اليها كأمرأة. في عمله استعمل الشعر الى جانب النثر ونُظم في خمسة كتب تفرعت الى فصول. المحادثة بين بوثيوس والفلسفة جرت بلغة النثر، بينما القصائد القصيرة توضح او تعلق على موضوع الحوار بطريقة تشبه كثيرا اسلوب الكورال او الجوقة اليونانية القديمة .

حوار بوثيوس مع الفلسفة يجلب له الراحة في مأزقه، ويقوده رجوعا الى المسار الفلسفي الذي ضل عنه. هو ذكّر بان الحظ والمجد الانساني عابر وسريع الزوال، وان جميع طاعة الله تنظم كل شؤون الانسان. السعادة الحقيقية تأتي ليس من الاشياء الخارجية كالنقود والسلطة والشهرة والشرف والمتعة وانما من حب الله وعيش الحياة الفاضلة. ورغم انه بدا له في حياته ان الخيّر يعاني من المصائب بينما الشرير يعيش الرفاه، لكن هذا مجرد وهم. من منظور الله، كل شيء يحدث لسبب، اما كعقاب للعاصي او مكافأة للعادل.

بوثيوس والفلسفة ايضا ينشغلان بهذه الاسئلة كالقدر والمصير والرغبة الحرة. هل يستطيع الانسان ان يختار أفعاله بحرية، او هل الله يأمر بكل ما سيحدث من أشياء؟ الفلسفة تقنع بوثيوس انه حتى الاشياء التي تبدو ناتجة عن الحظ، انما تجري تحت اشراف الخطة العقلانية لله، لكن،الانسان لايزال لديه حرية الارادة.

رغم ان بوثيوس كان مسيحيا، لكن عزاء الفلسفة لا تحتوي على أي  ذكر ليسوع او المذهب المسيحي. بدلا من ذلك، يطور بوثيوس جداله على اساس فلسفي صارم مستعملا مبادئ فكرية مشتقة من افلاطون وارسطو والفلاسفة الرواقيين. الاقسام الشعرية تحتوي ايضا على اشارات لهوميروس وفرجل والميثولوجيا اليونانية، بما يجعل من ربط بوثيوس مع الماضي الكلاسيكي اكثر وضوحا.

وبسبب الفترة الانتقالية لبوثيوس في تاريخ الفكر، فان الباحثين الحديثين وصفوا بوثيوس كـ "آخر روماني وأول المدرسيين". وبسبب جاذبيته العالية كاسلوب لاتيني، اصبح عزاء الفلسفة الكتاب الاكثر انتشارا في العصور الوسطى بعد الانجيل ، محدثاً تأثيرا كبيرا على مفكرين مثل توما الاكويني. الكتاب استمر يستقطب الاعجاب الواسع اثناء مرحلة النهضة وبعدها بوقت طويل، مع المؤرخ الانجليزي ادوارد جيبون واصفا اياه كـ "نسخة ذهبية". عزاء الفلسفة تُرجم عدة مرات الى الانجليزية من جانب الشاعر تشوسر والملكة اليزابيث عام 1593.

***

حاتم حميد محسن

ماذا بقى من أطروحات الكتاب وأسئلته في ضوء المتغيرات المتسارعة..

"قد يتيه عن الصواب من يبالغ في التدقيق.." (الإيديولوجيا العربية.. ص 256)

توطئة: رودنسون يقدم الإيديولوجية العربية..

أنجز الأستاذ عبد الله العروي مادة كتابه الإيديولوجيا العربية (بين 1960/1965) وصدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1967 عن دار مسبيرو المصنفة في خانة اليسار الفرنسي..، تصدرت الطبعة الأولى مقدمة للمستشرق الشهير مكسيم رودنسون (1915-2004) ذكر فيها أن الكتاب مرموق بصفاء نظرته وإخلاصه، وقد نبدي دهشتنا لتأخر صدوره نظراً لشدة الحاجة إليه..، ورأى بأنه من المدهش أن الكتاب لقى استجابة لمزايا متضافرة.. جعلت مؤلفه يستفيد مما وفره التطور التاريخي للأفكار..

كان العروي ضليعاً على حد سواء في التاريخ الإيديولوجي للعالم العربي وكذلك لأوروبا.. ومطلع على طرائق التحليل الحديثة..

وقد أخضع أهم قضايا العالم الذي ينتسب إليه للتحليل الأكثر أنصافا وعقلانية.. وهو تحليل مشبع بعاطفة جياشة.. إلا أنه أعرف من غيره، بما يكابده العالم العربي من صعوبات جمة تحول دون أن يفكر في ذاته تفكيرا صحيحا..

وتضمن مقال رودنسون إشادة بالعروي وفكره متطلعا أن يشيع في العالم العربي تفكير مثل تفكيره..

ختم رودنسون مقدمته الضافية ببعض الملاحظات والمآخذ على بعض النقط  والتحليلات الواردة في الكتاب،  والتي قد تثير أعترا ضات وسوء فهم، مما يستدعي مناقشتها..، من ضمن هذه النقط مفهوم الماركسية الموضوعية     (La notion de marxisme objectif) الذي سيبدو صادما للماركسيين لانهم يعتبرون الماركسية بمثابة  نظام فكري متسق ومتلاحم  ونظرة الى العالم وحزمة  من القيم والحلول الفلسفية والأخلاقية  وعلم اجتماع وسياسة ونظرية اقتصادية..، ومن ثم فان أي تصور لا يأخذ بهذه النظرة الكلية فهو قاصر وناقص الفهم..

وكذلك تفسيره لإخفاق المعتزلة المفرط في طابعه المثالي،  وأيضا النقد الذي وجهه للمستشرقين بصدد التأليف التاريخي العربي..،  الذي أعتبره سلبيا نظرا لاعتماد  المستشرقين  في احكامهم على التدوين التاريخي العربي على الطرائق المسنحدمة في التاريخ الغربي مما نجم عنه قراءة أيديولوجية لتاريخ الإسلام غير منصفة ولا تتسم بالموضوعية..، اعتبر رودنسون بان هذا الموقف من المستشرقين موقف سهل ومتسرع..، ويضيف بأن هناك نقط أخرى يمكن إثارتها من ضمنها الأجناس الأدبية التي تتطلب عرضا موسعا مدعم بحجج مقدرة ومحفزة..، إلا أن كتاب العروي وهو بحث مطعم بمادة غنية ومدعم بمجموعة نادرة من المعارف أفضل مما هو متداول هذه الأيام.. وأكثر ذكاء من الأشياء السطحية التي يسوقها أولئك الذين يعتقدون أن تمسكهم بالوقائع يعبر عن ازدرائهم كل طريقة للتفكير ..

إن هذا الكتاب هو صرخة من الأعماق أطلقها المؤلف ضد تواطؤ الجهل والعجز عن التفكير العقلي المنظم..

كان بحاجة ماسة ليطلق هذه الصرخة ويعلن ما يعرفه ويستطيع أن يقوله..، فقد رسم برنامجا وعمق استنتاجاته وأغنى تفكيره وصاغ تصورات مع القدرة على نقدها..، وهذا يكفي ليملأ حياة العديد من الناس، بالدراسة والتأمل..

فله الشكر لأنه دلنا على الطريق..(1)

وخير ما يشكر به كاتب وأهم مكافأة تقدم له، أن يقرأ كتابه ويفهم..

1

الطبعة الأولى من الكتاب صدرت سنة 1967 وسنة 1977 صدرت طبعة منقحة، مع مقدمة للمؤلف، بجانب المقدمة التي كتبها رودنسون وخاتمة بعنوان "الحلم والتراب".

(Le sable et le rêve) يحيل فيها المؤلف إلى كلمة للجنرال ديجول وجهها لسفير سوريا في فرنسا "إنني أعرف، رمالكم وأحلامكم.." وقد نسج العروي حول المقولة مقالة تحليلية حول الأوضاع السياسية في العالم العربي..

قبل ظهور الطبعة المنقحة المشار إليها سابقا، ظهرت سنة 1970 عن دار الحقيقة ببيروت ترجمة لكتاب الإيديولوجية العربية أنجزها محمد العيتاني.. كتب العروي مقدمة خاصة بالطبعة العربية كما ألحقت بالكتاب مقالة كتبها العروي سنة 1967 رد فيها على بعض الانتقادات التي وجهت إلى كتابه في جريدة العلم المغربية، لقد تمت الترجمة العربية الأولى نقلا عن الطبعة الفرنسية الأولى سنة 1967، ورغم ظهور طبعة منقحة بالفرنسية سنة 1977 فإن الترجمة العربية لم تنقح ولم تصحح وصدرت عنها طبعة ثانية سنة 1977 وطبعة ثالثة سنة 1979 وكانت المرجع الذي يحيل إليه الباحثون والدارسون.. بما فيهم المؤلف نفسه (انظر كتابه مفهوم الإيديولوجية (1980).

في سنة 1995 أصدر المؤلف ترجمة لكتابه نسخت الترجمة الأولى..، وتضمنت مقدمة الترجمة الجديدة. مقطعان مهمان الأول حول الترجمة والتعريب أشار فيه إلى ما أعتور الترجمة الأولى من قصور وهنات وعدم الدقة في نقل المفاهيم الواردة في الكتاب مما أدى إلى سوء فهم المتلقي نتيجة لتغيير المعاني والصيغ، وتشويه لمضامين ومقاصد المؤلف..، وكل هذا يعود إلى قصور في الترجمة ونقصان في أهلية المترجم.

ورغم ما اتسمت به الترجمة من ركاكة في الأسلوب وقصور في نقل المفاهيم الجديدة بصورة سليمة، إلا أن الإنصاف يقضي بالتنويه بالجهد الذي بذله المترجم في نقل مضمون الكتاب إلى القارئ العربي، وكان من واجب المؤلف أن يصحح الطبعات العربية كما فعل مع الطبعة الفرنسية المنقحة..

2

نبه العروي في المقدمة التي كتبها للترجمة الأولى للإيديولوجية العربية.. إلى أهمية كلمة "إيديولوجيا" لأن على فهمها يقوم فهم الكتاب كله..، ليست الإيديولوجية الفكرة المجردة أو العقيدة إنما هي الفكر غير المطابق للواقع..، رغم أن الفرد أو المفكر يظن غير ذلك.. تختلف الإيديولوجية عن محض الكذب والتبليس، كما أنها غير الخطأ المنطقي في وسائل الوعي الانعكاسي (Conscience refflet) والتخيل..، إذا لم تفهم هذه النقطة بكل وضوح، فإن أي نقاش حول ما يقوله أو يقترحه المؤلف سيكون هامشا..

إن مفهوم الإيديولوجيا استوحاه ماركس من هيجل، وطبقه لتحليل التاريخ والمجتمع والسياسة.. ثم تبناه فرويد وطور به علم النفس والأخلاق.. وأصبح أساسا لاجتماعيات الثقافية..

لفهم المفهوم كان لابد من الاطلاع على أبحاث ماركس حول الإيديولوجية المانية ولوكاش حول الوعي الطبقي وكارل مانهايم حول النزعة الطوباوية..، كان القارئ الفرنسي قريبا من هذه المراجع التي ترجمت ونوقشت بغزارة منذ الحرب العالمية الثانية..، فعلى القارئ العربي الغير المطلع على المؤلفات المذكورة..،  أن لا يسرع ويحكم بالغموض وعدم الاتساق على بعض الاستنتاجات التي تدخل في باب الاختصار أو التلويح أو التضمين، يرى المؤلف أنه لو أتيحت له الفرصة، لأعد صياغة الكتاب باللغة العربية وبأسلوب آخر أقل تجريدا وأكثر بيانا.. (ص 12).

إن مفهوم الإيديولوجية يتطلب وضعاً اجتماعيا وتاريخيا خاصاً،  يعيش أثناءه الفرد المنتمي إلى جماعة أو طبقة أو قومية أو ثقافة، حالات تجعله عاجزاً عن إدراك حقيقة واقعه الاجتماعي، ومن التطلع إلى المستقبل..، وفي حالة تغير عملية الوعي – الأنعكاسي الجماعية أو الفردية تتغير صورة الواقع المعاش في ذهن الأفراد،  وبما أن العمل الجماعي والفردي،  يخطط على ضوء هذا الوعي الخاطئ تكون النتيجة مناغضة للأهداف المخططة..،  وتنتج بدورها نتائج بعيدة عن الأهداف المسطرة..، ويتحتم على الباحث في الاجتماع والسياسة والأخلاق.. أن يتوصل إلى أصل ثابت،  يعود إليه الملاحظ ليستدرك الاعوجاج الطارئ على صورة الواقع في ذهن الأفراد ويستخلص من هذا أن التأخر العربي وتبعيته ما هو إلا نتيجة من نتائج الوعي الانعكاسي أو الوعي الزائف..، فلا وجود لواقع مستقر يمكن أن توضع له سياسة لإصلاحه وتطويره.. (ص 13).

3

هذه بعض المسائل والإشكالات المجردة التي تضمنها الكتاب.. جاءت في قالب تساؤلي..، تدعو المثقفين والمفكرين العرب إلى اجترح الوعي النقدي لكسر قيود الوعي الزائف..

ومن هذا المنطلق يرى المؤلف أنه لو حرر الكتاب بعد الهزيمة العربية سنة 1967 لغير الصيغ وأبقى على المضمون، ولطرح جملة من الأسئلة تتعلق بتحديد مفهوم الاستعمار وهل ينحصر في التحكم السياسي والاقتصادي أم هو أعمق وأبعد من ذلك..

ثانيا ما هي الثورة؟ هل هي مجرد تغيير في النظام السياسي وبناء اقتصاد قومي ونهج تعليم عملي، وتقني؟ أم هي تحرير الفرد والجماعة من كل قيد في الماضي أو الحاضر.. وإعادة تنظيم الجماعة.. وانبعاث وجدان الفرد.. بحيث تجعل المجتمع قادرا على إبطال مفعول قرارات المستعمر..

ثالثا ما هي عوامل التخلف؟ أهو آلة ناقصة أم ماض نافذ أم مستقبل مستحضر؟

كيف يوزن القول والعمل في المجتمع؟

هل التخلف في نهاية المطاف هو التشبث بالمطلقات..، عادة الفرد المتخلف لجوؤه إلى الحقائق المطلقة التي سرعان ما تصبح غير مطابقة لواقع متغير؟ وهل لب التخلف أن تفضل الجماعة إنقاذ المطلقات بانتحار الأفراد عوض إنقاذ الأفراد بضياع المطلقات؟ (ص 15)  هذه جملة الأسئلة التي أثارها المؤلف وهو يعد لإنجاز كتابه حول الإيديولوجية العربية، وقام بصياغتها ونقدها في الكتاب وهي تعبر عن إخفاق النخبة المفكرة في العالم العربي..

إن أبرز علامات تأخر العالم العربي تتمثل في تخلف الوعي عن الواقع..، ومن ثم فإن انبعاث الإنسان العربي يكمن في التحرر من المطلقات جميعها.. والكف عن الأعتقاد بأن العمل الإنساني يعيد ما كان، ولا يبدع ما لم يكن..، وفي هذا يتمثل معنى السياسة كتوافق مستمر بين ذهنيات تمليها ممارسة الجماعة التي تتوحد عن طريق النقاش الموضوعي والتجارب المستمرة..، لا أحد يملك الحقيقة المطلقة في المجتمع أي ما يصلح وما لا يصلح لخير وسعادة المجتمع..

إن نسبية الحقيقة وإبداع التاريخ وجدلية السياسة قواعد المجتمع العصري..، لكن المجتمع العربي يتردد في تبنيها..، بل ينكرها..

تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على المفكرين العرب الذين انساقوا لاجترار الأفكار والتلفيق بدون معيار ولا مقياس..، لن يصلح المجتمع إلا بإصلاح الفكر..، وجعل التأليف أداة نقد، لا أداة أغراء وتنويم.. وبدون ثورة على التخلف الفكري لن تظهر قيادة قادرة على القيام بثورة شاملة.. (ص 17).

4

لقد شكلت الأسئلة التي سقناها لحمة وسدى الكتاب وحولها صيغت فصوله ونسجت أطروحاته ومفاهيمه ورسمت اختياراته وتصوراته.. وتبلورت أجوبته على أهم قضايا الفكر والسياسة والاجتماع..

تطرق المؤلف إلى مفهوم الفكر الكوني وإلى مفهوم الدولة الحديثة.. وإلى الماركسية الموضوعية، والليبرالية.. وإلى ما يعنيه بالوعي النقدي..

تناول كل هذه القضايا بنفس فكري تساؤلي ومقاربة لإشكاليات البناء الفكري الذي تتولد عنه الخطابات الإيديولوجية. وقد رفض تحويل فعل التفكير من فعل معرفي إلى فعل إيديولوجي..

والتزم الصرامة في استخدام المفاهيم وصون حرمتها الدلالية المعرفية.. لأن في حمايتها حماية للفكر من الابتذال وسوء الاستخدام والتغليط..

ونظر بوعي تاريخي مقارن للأفكار والمفاهيم والظواهر..

وتمسك بالنظرة الموضوعية وما يعنيه ذلك من الابتعاد عن الأحكام المعيارية أو القيمية وتبنى التاريخانية باعتبارها منطق السياسة ونظامها الحاكم الذي يسعى إليه كل وعي وفعل يروم التغيير..

واعتبر أن الماركسية الموضوعية ترسم أفقا لكل دعوة إلى التغيير والإصلاح وبناء الدولة الحديثة..

وقد تميز بقدرة هائلة على العبور السلس بين الحقول المعرفية (التاريخ والفلسفة وعلم السياسة، وعلم الاجتماع..) وهي قدرة تولدت عن موسوعية معرفية، وبالاستثمار العلمي والمنهجي الخلاق لمعارف العصر التي حصلها.. (3).

هذه إشارة مختصرة لعصارة والتوجهات والمقاربات الناظمة للبناء المنهجي والتحليلي لكتاب الإيديولوجية العربية المعاصرة بتعدد موضوعاته وغنى مادته ومصادره.. والغاية من التذكير بها أن تكون حافزا لقراءة معمقة لأسئلة الكتاب وطروحاته ومساءلة الاستنتاجات والخلاصات التي انتهى إليها المؤلف وتتلخص في البحث عن الذات والبحث في التاريخ والبحث في مسألة الانخراط في الوعي الكوني..

تضمنت هذه المسائل أفكاراً وتصورات يمكن على ضوئها قراءة الكتاب من زوايا نظر معرفية تسعى إلى مقاربة علاقة المعرفة بالواقع أو علاقة المعرفة بالوجود أو علاقة المعرفة بالمجتمع..، مع اعتبار أن المجالات المعرفية تتكامل وتتساوى في النظر إلى الأشياء..

يقول المؤلف بأن محور كتابه هو البحث عن الذات.. وأن الدافع وراء إنجازه لدراسته هو ما لاحظه من تعثر المستويين السياسي والثقافي في مسيرة المغرب بعد عشر سنوات من الاستقلال..، ولفهم هذه الظاهرة كان من المفروض القيام بوصف وتحليل الأوضاع السياسية والاجتماعية.. ولا شيء يمنع من التمهيد لذلك بدراسة الوضع الثقافي.. (4).

وظف المؤلف تجربة الشرق كمثال توضيحي.. لتحليل تطور في غاية الخصوصية.. (5)..

إن معرفة الذات يبدأ بدراسة الجهاز الذهني أي آلية القياس الحاكمة لبنية الخطاب المحددة للهوية..، فسؤال الهوية يطرح بأشكال متباينة، مسألة استيعاب الحداثة الغربية..

ومن ثم يستحيل أن نصف مسيرة العرب نحو تعريف ذاتهم، من دون أن نعرف في الوقت نفسه تاريخ تعرفهم على الغرب.. (6).

لقد ركز المؤلف في كتابه على نقد النظريات الإيديولوجية التي نهجها المفكرون العرب للإجابة على سؤال الهوية..، وذلك بالكشف عن ما تضمره من مسبقات منهجية..

إن المجتمعات العربية تعيش اجتماعيا وثقافيا تحت تأثير خارجي تفكر بمفاهيمه وتعبر بأساليبه وأمثلة كلها من واقع غير واقعه.. فلابد من أن نبدأ بتحليل دقيق وصارم لكل الأدوات الذهنية التي نستعملها..(7).

5

التحليل العلمي يستلزم أدوات مفاهيمية وقد تكون أصلية أو مستعارة من ثقافة أخرى..

لقد وجدت النخبة العربية نفسها أمام أزمة مفاهيم..، والمفاهيم تحتل مركزا هاما لدى الباحثين في الحقول المعرفية المختلفة لما لها من دور في الضبط وبناء المناهج والنماذج.. وأهم ما يركز عليه في مختلف المجالات، هو التفرقة بين الكلمة والمفهوم المجرد والمفهوم المصطلح وتنوع استعمالات المفاهيم في الفلسفة العامة وفي الابتسمولوجيا العامة والخاصة وفي علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي.. ولكون المفاهيم هي لب اللغة وجوهرها والأداة التي عبرها يتم نقل الأفكار والمشاعر..، ومن ثم لابد من تحديد أوجه التشابه والتباين بينها وتحديد الخصائص الجوهرية التي تشكل المفهوم.. وذلك بالبحث في المسألة المصطلحية أي حقل المعرفة الذي يعالج تكوين المفاهيم وتسميتها..، إن المفاهيم ليست مصطلحات منعزلة وانما على  أساسها يقام التصنيف والترتيب والتشريح، والمصطلح هو عنوان المفهوم وأساس الرؤية التي تريك الأشياء كما هي بأحجامها وأشكالها وألوانها الطبيعية أو على غير ما هي مشوهة محدبة أو مقعرة.. (8)

المفهوم يعبر عن فكر عصر من العصور، وقد شاع، استعماله في التحليلات عند المفكرين الغربيين... ويشكل عدم وضوح المفاهيم خطراً على استقامة الفكر.. وضمن هذا السياق وضع المؤلف قاعدة لاستعمال مفهوم الأدولوجة يربط المنظومات الفكرية في العالم العربي بالأوضاع الاجتماعية وبالظرف التاريخي.. ويستعمل في بحث الإيديولوجية العربية المعاني التي بلورتها اجتماعيات الثقافة.. وأعمال ما نهايم ولو كاش..

وخلص إلى تصنيف مفهوم الإدلوجة إلى أنموذج ذهني يشرح حالة انفصام الفكر عن الواقع وذلك طبقا للنماذج التالية:

1- صورة ذهنية مفارقة لأصلها الواقعي تنعكس في الذهن انعكاساً محرفا بتأثير من المفاهيم المستعملة..

2- نظام فكري يحجب الواقع لصعوبة أو استحالة تحليل ذلك الواقع..

3- بنية نظرية مأخوذة من مجتمع آخر توظف كنموذج يقود الممارسة، ويتحقق أثناءها.. وهذا النموذج الأخير هو الأكثر استعمالاً في الكتاب..

تندرج سلفية محمد عبده تحت المعنى الأول لأن وسائله الذهنية، مفاهيم متفرعة عن الكلام والفقه الإسلامي.. جعلته يرى مجتمعه في قالب المجتمع التقليدي..، وتندرج الدعوة إلى الأصالة الإسلامية تحت المعنى الثاني لأنها بمثابة أسطورة لا تمت بأي صلة للواقع الاجتماعي ورغم ذلك تهيمن على الذهن العربي الذي يرفض الواقع رفضا باتا مع عجزه عن تغييره، وتندرج الليبرالية والاشتراكية الماركسية تحت المعنى الثالث كلتاهما تمثل حقبة من التاريخ الغربي في برنامج يهدف إلى بناء مجتمع يجسد القيم الليبرالية (ملكية خاصة، حرية شخصية فردانية)، والقيم الاشتراكية (ملكية عمومية حقوق اجتماعية، اقتصاد موجه..) (9)

لقد صيغت هذه النماذج لكي تكون مرآة عاكسة للوعي الزائف ووصفت بالادلوجة بالنظر إلى مضمونها وما تستوحيه من التجربة الغربية..

لم يفت المؤلف التأكيد على جملة من التدقيقات بخصوص استعمال مفهوم الأدلوجة كأداة تحليلية.. فذكر أولا بأن المفهوم مشكل يجب استعماله بحذر شديد..

ثانيا المفهوم غير بريء يحمل في طياته اختيارات فكرية يجب الوعي بها لكي لا يتناقض صريح الكلام مع مدلوله الضمني.

ثالثا: المفهوم قد يصلح أداة للتحليل السياسي والاجتماعي والتاريخي، لكن بعد عملية فرز وتجريد لكي يبقى كل باحث وفيا لمنهج المادة التي يبحث فيها.. (10).

من  فائدة التحليل المفهومي، انه يوضح لنا مضامين كل مفهوم..، ويحدد استدلالات استعمالها..، الا ان  وضوح المفاهيم المستعملة قد لا يوصل بالضرورة إلى إدراك الواقع ولكنها على الأقل قد تخلص الباحث من الوقوع  في براثين التساؤلات الزائفة..

وما أكثر التساؤلات الزائفة في ميدان الذهنيات.. (11).

6

استخلص المؤلف من منظومة المفاهيم الحديثة النماذج الثلاثة الأساسية التي على ضوئها ألف أطروحته في النقد الإيديولوجي للفكر العربي المتمثل في التيارات الأساسية التالية السلفية والليبرالية والتقنوقراطية..

وبحث في أهمية العامل الإيديولوجي في إحداث الوعي وإخراج المجتمع من حالة التخلف إلى أوضاع حديثة.. فالظاهرة الأساسية في النماذج الثلاثة تتعلق بتخلف الذهنيات وانعدام الوعي التاريخي مما ينتج عنه إخفاق السياسات الرامية إلى تحديث المجتمعات العربية.

اعتمد المؤلف في نقد النماذج أو التيارات الفكرية العربية على ربط المنظومة بجدلية الواقع والتاريخ..

ولفهم أسباب الإخفاقات في السياسة يجب اكتشاف موضوعية السياسة وموضوعية المجتمع وموضوعية التاريخ..

وهنا لابد أن نميز بين التاريخ كدراسة لوقائع وبين النظرة الشاملة التي يلقيها مجتمع ما على مجموع حوادث الماضي..، وبعبارة أخرى بين التاريخ كفن، والتاريخ كوسيلة تقييم الحاضر وتحديد المستقبل عن طريق اختيارات سياسية ..، فالنظرة الجماعية غير واعية  لأنها تعبر عن استمرار الماضي في الحاضر.. (13)

وإذا كان الحاضر يفسر علل الماضي، فإن الماضي لا ينفك بحكم الحاضر..

إن معرفة أحداث الماضي تحدد حتما اختيارات الحاضر، وأعمال الحاضر تعيد بنية أعمال الماضي، مما يعني أن التاريخ عملية متطورة مستمرة منذ القدم..

و بتداخل التاريخ والسياسة ينصهر الوعي التاريخي بالوعي المدني (السياسي) في وعي موحد بموضوعية الأعمال الإنسانية، فالتاريخ ليس مجرد دراسة للأحداث فقط بل نظر إلى الأحداث أيضا.. (14).

نحتاج إلى المنهج أولا لاكتساب الوعي التاريخي وثانيا نحتاج إلى المنهج للفهم، والتفسير والتأويل..، والقدرة على التوقع..، وعلى إعادة توليد الأفكار التي تلقيناها عبر التاريخ..

المناهج الصالحة تقوم بدراسة استقرائية تصنيفية مبنية على المقارنة..، وتحاول أن تكشف عن الواقع الذي نصل إليه بواسطة كل منهج.. (15).

يذهب المؤلف إلى أن المنهج المفيد المطابق هو الذي يضع الدارس على مستوى الوعي النقدي المتحرر من ثقل الأعمال الموروثة، وذلك لتأسيس لثقافة جديدة في قلب المجتمع..، فكل حكم على الوضع القائم إنما يكون باعتماد مؤشرات المستقبل الفاعل في الحاضر..، ومن ثم فإن المنهج التجريبي لا يركز شهادته على هذا الأساس، كما أن المنهج الاثنوغرافي أو السوسيولوجي ينظر إلى الثقافة لا باعتبار المستقبل المرتسم في أفق المجتمع المدروس، بل بالنظر إلى حاضر مجتمع الدارس فيحكم عليها في ضوء عقائده ومسلماته.

ومن هذا المنطلق، يرى المؤلف أن الطريقتين غير ملائمتين لدراسة المجتمع العربي..، ويبرر استبعاده للمنهجين بأنه أراد أن يرتفع بمستوى النظر التجريدي إلى وضع يسمح له بتناول أعمال المفكرين في نسق وفي نفس الوقت التشبع بروح كل مؤلف والدخول في منطقه الخاص.. (16).

إن الغاية من اختيار المؤلف لهذه الطريقة التأويلية التي أطلق عليها نعت الادلوجة هو التحكم في العمليات الإجرائية للبحث بقدر يفوق ما استبعده من مناهج البحث..

تأسيسا على أن المناهج مفتاح التحكم في كل بحث..، باعتبارها منظومة من الوسائط والأدوات التي يتوسل بها لتحقيق  هدف من الأهداف ..، او مجموعة من الكيفيات المنظمة المبينة للوجه الذي ينبغي عليه فعل الاستدلال..، او باعتبارها كيفيات يتوسط بها للوصول الى نتيجة من النتائج، وإنجاز امرا من الأمور..، او باعتبارها متوالية مرتبة من الأفعال المنتهية الى التمكين من التنقيب على المطالب وتعقبها من جهة،  وسبرها وتدقيق النظر فيها، للوقوف على ما تدل عليه، وتنبئ به ..، او باعتبارها  الطريق المسلوك، بقصد اظهار حقيقة من الحقائق وبيانها..(17).

فما هو اذن الفارق بين المنهج والأيديولوجيا ..؟

المنهج هو نوع من التفكير تبلور من الصراع بين الطبقة التجارية والاقطاعية في أوروبا..، وقد بدأ كطريقة لدراسة الظواهر الطبيعية ثم طبق في السياسة والاقتصاد والتاريخ والاداب..، وعلى المنهج تكونت  فكرة "أيديولوجيا" أي مجموعة قيم ومبادئ تعبر عما وصل اليه النشاط الإنساني..، في التربية والفن، وعن فكرة الحرية  تبلورت أيديولوجية الليبرالية..، اما كلمة أيديولوجيا فعند ماركس تحمل معاني عديدة،معنى النظرة العامة للكون والانسان ومعنى العقيدة ومجموع القيم ومعنى التأويل الخاطئ غير العلمي للظواهر الطبيعية والاجتماعية..

ضمن هذا المنطق العام صاغ المؤلف تحليلاته للوضع الثقافي العربي بقصد البرهنة على نتائج المتغيرات التاريخية والاجتماعية المشكلة لبنية الخطاب العربي السائد..، كخلاصة استقصاء واستقراء، ورؤية نقدية لايديولوجيات الدعوات الإصلاحية، في تيارات الفكر العربي المعاصر..

يستند المؤلف في مقاربته على قواعد المنهج النقدي الاجتماعي الذي يستلهم اجتماعيات الثقافة لكي يصنف الادلوجات المنتشرة في العالم العربي مع التركيز على اشكالياتها وذلك بابراز مظاهرها الأساسية (اللغة والسلوك والخيال والنظرة الى الكون والانسان وتصور المجتمع الأمثل..) هذه هي العوامل التي تمثل ملامح الادلوجة الشائعة بين تيارات الفكر العربي بمختلف مشاربها (سلفية او ليبرالية او تقنوية..). على ضوئها يتبلور منطق الخطاب  باعتباره منظومة وسائل ذهنية للفصل في التوجهات وإصدار الاحكام والاختيار بين سلوكين او رايين..،مما يعني ان هناك علاقة وثيقة بين منطق الثقافة السائدة والجماعة القيمة عليها..، ومن ثم فان منطق الثقافة العربية يتجلى في وسائل التعبير للبنية المشتركة لكل منظومة تعبيرية ( لغة،خيال، مجتمع) وبما ان المنطق تعبير فانه بالضرورة تأويل وبالتالي اختيار..

المنطق يشير الى التحول والتطور، في حين ان التراث يشير الى الثابت الجامد..، هذه النظرة الى التراث والثقافة والتقليد،  تستعمل منظور التاريخ كعنصر معرفي أساسي  لتكوين الموضوعية العلمية..، والوعي بها شرط لتحقيق الانبعاث الذي لا يتحقق الا بكسب مفهوم تاريخي نقدي للثقافة..(18).

ان الوضع الأيديولوجي العربي هو وليد العلاقات الاجتماعية واستخدام الافكار التي تحقق مصالحها ..، وكل وضع فكري مطابق للحالة الاجتماعية التي نجم عنها..

والقوى المتصارعة تستخدم الأفكار التي في متناولها والتي تتغير مع الممارسة..

كل الأفكار والايديولوجيات مهما اختلفت أصولها ونشأتها (اصيلة ام دخيلة، عصرية ام عتيقة)، عندما تستخدمها الفئات المتصارعة تصبح قسما من الواقع الاجتماعي..

وهذا ما يوضح دور المثقفين في التأثير باستعمال الأفكار والرموز والشعارات لا قناع الفئات الاجتماعية، وحضها على  الدفاع عن مصالحها..، وهكذا يصبح بمقدورهم ان يقربوا السياسة من الواقع باعتماد المنهج الوضعي الحديث..

فاذا رجح المنطق الموضوعي على المنطق التقليدي، تغير فهم الأوضاع بحدوث ثورة ثقافية،  تمهد لا مكانية التطور الدؤوب في المستقبل..(19).

ان الثورة الثقافية او الفكرية تمس المنهج ..، وترتكز على تضارب المصالح الاجتماعية ثم تنعكس في الذهن فاذا انحلت العقدة الذهنية يبقى التناقض الموضوعي قائما يتطلب عملا سياسيا ثوريا ..(20).

لقد خاضت المجتمعات العربية صراعا ضد الهيمنة الغربية..وتمخض عن هذا الصراع الطويل تقاليد سياسية وفكرية تتلخص في تلازم الموقف السياسي والمنهج المستعمل لتبريره.. وتركزت في الذهنية العربية ثنائية تربط بين الأهداف والمنهج اوالمنطق الذي يحدد اختيار الأهداف الأساسية.. وزاد من رسوخ هذا الارتباط في الاذهان ما اولته البحوث الاجتماعية في الغرب من اهتمام بتحديث النخب وتقيدها بقيم الموضوعية العلمية والليبرالية السياسية باعتبارها أقرب وسيلة لانخراط المجتمع في النظام الراسمالي..(21).

ظهر التيار الليبرالي الذي يدعو الى التحديث وذلك بالاخذ بطريق التطور البورجوازي الراسمالي.. في السياسة والاقتصاد.. ومعه ظهر فريق إصلاحي  من رجال الفكر يدعون الى اصلاح شامل يرفضون الهيمنة الغربية ويعللون اهداف التحرر بمبادئ  المنطق التقليدي..

يميز المؤلف بين التيار المحافظ الذي يتشبث بالمحافظة على التراث والقيم التقليدية ولا يريد الصدام مع الغرب الا اذا فرض عليه ذلك.. اما التيار الثاني فيمثله المثقفون ثوريون في أهدافهم وتقليديون في تفكيرهم ومنطقهم ..، انهم يهدفون الى تحرير الاقتصاد والإصلاح الزراعي والتامين والتصنيع ويظنون ان مضمون هذه الإصلاحات هو الاشتراكية..، ويعتقدون انهم نهجوا نهجا ثالثا يختلف عن المنهج التقليدي السائد في العالم العربي وعن المنهج البورجوازي الراسمالي..

وقد اختلط في اذهانهم الاشتراكية التي هي مجموعة اهداف سياسية واجتماعية، والماركسية  التي هي طريقة تحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية ..(22).

ان الوضع الأيديولوجي العربي بكل مظاهره واشكالياته هو وليد الصراع المرير مع الغرب..

كما ان اخفاق تياراته الفكرية يعود بالأساس الى تناقضاته الأيديولوجية. فالاخفاقات كلها ترجع الى الظروف السابقة لها  كما ان الهزائم تعود الى النظام الذي تسبب فيها.

ليس المنهج الحديث وحده طريق التعاون مع الغرب كما ان المنهج التقليدي وحده ليس الضامن لتحقيق التحرر من السطوة الغربية..لا بد  اذن من تقويم أيديولوجي للخروج من حالة الجمود..

ومن نافل القول ان تحديث الفكر او لايديولوجيا يتطلب جيلا او جيلين وربما حقبة تاريحية كاملة.. (23).

7

الخلاصة:

حاولنا ان نعرض بعض الملابسات والاسئلة المحورية التي انضجت فكرة الكتاب في ذهن المؤلف.. وذلك بغية فهم مضامينه ومراد المؤلف من تاليفه..

لا مراء أن .البحث في هذا المستوى من القراءة سيضئ لنا جوانب من اطروحات المؤلف ويسمح لنا بسبر اغوار أفكاره والنفاذ الى منهجه في البحث..

وعود على بدء سنتطرق الى بعض المسائل التي تبرز ملامح الكتاب الأساسية وابعاده ودوافع تاليفه..

كيف نضجت فكرة الكتاب في ذهن المؤلف ؟ يقول الأستاذ العروي بصدد ظروف تاليف كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة بانه بعد ان أعاد قراءة مقالات حول السياسة والثقافة ومنهجية البحث التاريخي..بدأ يحس ان المشكل الأساسي الذي يحوم حوله منذ سنين هو كيف يمكن للفكر العربي ان يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل (وبدون) ان يعيش مرحلة الليبرالية..(24). ويضيف بانه في سنة 1961 قام بترجمة كتاب "شفاء السائل" لابن خلدون ولاحظ انه ينطلق من نقطة رئيسية نجدها بعينها في المقدمة وهي التمييز بين ماهو معقول في الطبيعة يمكن التاثير فيه بعد معرفة نواميسه المطردة ..، وما هو غير معقول وغير جار على نسق واحد فيترك للقدرة الإلهية لانه لا يعرف الا عن طريق الكشف..، والكشف له قوانينه وله منطقه ولا يمكن ان يقحم في التاريخ، والا انعدم  الفارق بين الحلم واليقظة..

وعندما نقارن بين كلام الشفاء وكلام المقدمة يتضح لنا ان  التمييز بين مجال النواميس الثابتة ومجال القدرة الإلهية.. يقود حتما الى السؤال حول الممكن والمستحيل في السياسة؟

وطرح السؤال الأخير هو الذي يحتم التمييز  المذكور والا اصبح عالم السياسة وعالم التاريخ ميدانا للصدفة والموافقات..

كيف توصل ابن خلدون الى طرح اشكاليته الخاصة التي فتحت له باب فلسفة جديدة وباب منهجية تاريخية لم يسبق اليها في التاليف الإسلامي.. الظاهر ان السبب يعود الى تجربته الشخصية المليئة بالاخفاقات..

ويستنتج من هذا ان الإخفاق في السياسة يأتي في الغالب من التجربة الذاتية..ولفهم أسباب الإخفاق يجب ان نكشف عن موضوعية السياسة والتاريخ..

ابن خلدون اذن هو الذي سيلهم العروي النظرة الموضوعية العلمية الى المجتمع والسياسة والتاريخ..  وذلك اثناء انشاغله في التفكير بتجربة المهدي بن بركة(1920/1965) احد رواد الحركة الوطنية المغربية وابرز وجوه التيار التقدمي.. يرى العروي ان المهدي اخفق في جميع محاولاته في إعطاء مضمون للاستقلال السياسي وتغيير مجرى انزلاق المغرب في طريق التبعية والركود..وانه كان يستعمل نظريات وموضوعات ماركسية لتفسير وتبرير مواقفه السياسية.. فكان لجوؤه الى الماركسية من نوع خاص يقدم النتيجة جاهزة كانها من بديهيات "العلم" العصري التي يجب ان تقبل بدون مناقشة وعندما كان يلاحظ عليه هذا الأسلوب الناقص غير المكون في الواقع كان يتجنب الموضوع او يقول بان الوقت لم يحن بعد..(25).

يقول العروي بان هذا ما دفعه الى بحث الوعي الثوري  ودور التكوين الأيديولوجي في رفع مستوى القيادة الثورية وجعله يركز على الظاهرة الأيديولوجية، وأهمية العامل الأيديولوجي..، لان الإخفاق في السياسة  يعود أساسا الى عدم التسلح بالايديولوجية الملائمة..(26). وقد تم انجاز الأيديولوجية العربية.. باسلوب فلسفي تجريدي، طغى على الأهداف السياسية..، وكان المنطلق الأول للكتاب فتح مواجهة  مع التيار المحافظ السائد.. وتوجيه النقد الى الفكر التقليدي المسيطر على جميع الصعد وحتى داخل الأحزاب التقدمية..(27).

ان الهدف الأول من وضع الكتاب هو دفع السياسي الثوري الغارق في الممارسة الى ضرورة استيعاب أيديولوجية معينة تكون نواة للمجتمع المرتقب .. ولا بد في هذا  الحال من منطق ومن منهجية ومن نظرية تجعل الجماعة  ملتحمة، حية متكافئة، قادرة على الاستمرار والتجديد والابداع الخلاق.. ولا بد كذلك من اللجوء الى نظام فكري متكامل والماركسية هي النظام المنشود الذي سيزودنا بمنطق العالم الحديث لأننا لم نعش اطواره ولم نستوعب بنيته الكامنة في (المنطق الديمقراطي والليبرالي..) الماركسية الموضوعية هي احسن طريق لاستيعاب ذلك المنطق نظرا  لطابعها  الشمولي المبسط الذي جعل مهنا أيديولوجية جاهزة  تطابق وتلائم ذهنيتنا ووضعيتنا ..باعتماد  منطلق المنفعة.. وهو الأقرب الى ذهن السلفي ورجل السياسة..(28).

اختار المؤلف الماركسية التاريخانية كمنهج للتحليل، وبيداغوجية توضيحية، تقرب الافهام من تطور العالم الحديث منذ عصر النهضة الأوروبي وبداية النظام الراسمالي..

وربط الحقيقة الفردية والحقيقة الاجتماعية بالتطور التاريخي..

فجميع تحليلات كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة هي من الأفكار المكونة للنزعة التاريخانية.. تعبر عن هم منهاجي يتلخص في الإجابة على الأسئلة التالية:

1-هل القاعدة المادية هي المحدد الوحيد لثقافة مجتمع ما..؟

2-هل المحدد الوحيد لادلوجة ما هو المجتمع الذي يوظفها والطبقة التي تستعملها..؟

3-ما هو شكل الاتصال بين ثقافتين مختلفتين..؟

ان هدف الرسالة ان تثيرقضايا عامة دون التعمق فيها ودون الزعم الاتيان باجوبة قاطعة..لان دقة المشكلات المطروحة لا تسمح لاي مفكر جدي ان  يتعرض لها في صفحات محدودة.. كان القصد هو الإشارة في نقط محدودة الى أي مدى يمكن ان يذهب الاستدلال.. تاركا للقارئ حرية الفهم والاستنتاج..(29).

ان الإشارات السابقة علامة دالة على ان التفكير النقدي الذي تبلور في الجمع بين التاريخ والفلسفة من خلال تناول جملة من المسائل والوقائع والأفكار التي تتلخص في التأخر التاريخي وسطوة التقليد.. وما تولد عن علاقة الثقافة بالمجتمع والسياسة من وعي خاطئ نتيجة ارتباط أسلوب التفكير بالوضع السائد في المجتمع..

ان النقد الأيديولوجي هو الذي يخضع الواقع الاجتماعي والموروث الثقافي لمنطق الفكر التاريخي والنزعة التاريخانية بهدف تحرير الوعي من التقليد والتفكير الانتقائي..

فمقومات الفكر التاريخاني تتحدد في اعتبار التاريخ  خاضع لقوانين احتمالية وليس جزافيا ولا يخضع للصدف والايحاءات والالهامات..، والاعتقاد بوجود قوانين تفسر الاحداث الإنسانية بارجاعها الى نشأتها في التاريخ ..ومن ثم فان التاريخانية كمنهج بحثي يؤدي الى الإقرار ان التاريخ وحده العامل المؤثر في أحوال البشر وفيه تنبثق الحقائق التي تمثل اطوار  التجربة الإنسانية ووعي الانسان بذاته.. وعن الوعي نشأت النزعة التاريخانية كمنهج بحث ورؤية فلسفية..تدافع عن النسبي والعقلانية من اجل تمكين العرب من الانخراط في العصر وتملك ما هو متاح للبشرية جمعاء..ولن يتاتى ذلك الا باستيعاب مكاسب التاريخانية على جميع الأصعدة والمستويات.. باعتبارها النزعة التي ترفض أي تدخل خاريجي في الاحداث التاريخية..انها بمثابة ثورة"كوبرنيكية" ستجعل العرب يتجاوزون وضعية التاخر التاريخي.. والتوجه نحو الكوني..

اما السياسة فهي  جهد انساني وتوافق بين ارادات وذهنيات ومصالح.. وتعبير عن صراع مواقع  في اطار الملابسات الاجتماعية  المتصارعة ..لا تقف عند حدود المظاهر الاجتماعية  المهيمنة بل تغوص في  مستوياتها واشكالها ومضامنها المحتلفة..

بهذا نستطيع ان نفهم الأيديولوجيا  باعتبارها رؤية فكرية للعالم قائمة على منظومة  من المقولات المجردة تشير الى فاعلية منهجية وابستيمولوجية لادراك المعرفي للاشياء ببديهيات العقل ومسلماته وفرضياته..(30).

الخلاصة ان الكتاب يندرج ضمن الشهادات الفكرية ذات الطابع التجريدي الإصلاحي حول الهوية الذاتية العربية..ومحاولة لتقديم إجابات اقرب الى  العملية والعلمية لاشكاليات الحياة العربية في العصر الحديث..

وهذا الاتجاه في الفكر العربي هو محصلة التغيير الهيكلي في المجتمعات العربية  بتاثير العوامل العالمية  ..

لقد افضى هذا التغيير الى التسلح بمنهج العقلانية النقدية وبالوعي الموضوعي والقدرة على تجديد الواقع استجابة لمطالب العقل الكوني.. والانخراط في مجمل الثورات الفكرية والسياسية التي تبلورت في الأزمنة الحديثة..

كانت دعوة العروي تندرج في  الصراع السياسي والثقافي..  لمجابهة أسئلة الواقع ومعضلاته السياسة والتاريخ..، وتروم الدعوة الى تجاوز المشروع الإصلاحي السلفي والانتقائي..،بالاخد بتوجه اكثر جذرية  في معالجة إشكالات الواقع بالانطلاق في  عمل يسمح بتجاوزه وهو الخطوة التي يترتب عنها الوعي المطابق الذي يضمن قدرة الذات الجماعية على تخطى عوامل التاخر التاريخي بإنجاز التصالح مع الغرب..باعتبار تجربته التاريخية نمودج في الفكر وفي الاجتماع ينبغي استلهامها واستيعاب منجزاتها..(31).

فاذا اصبح العقل العربي نقديا بالفعل وتوصل الى عندئذ الى نظرة إنسانية شمولية.. فيمكن ان يتعرف  العقلان الواحد على الاخر ويدشنان عهدا لحوار حقيقي..(انه حلم المؤلف بوضعية احسن يلتقي فيها  الخصمان على أرضية واحدة..؟).

ويختم الأيديولوجية العربية بالقول: خلاصة متفائلة ؟  نعم وخلاصة غامضة في نفس الوقت..(32).

خاتمة.." لان يقول المرء ما يعتقد فيخطئ خير ألف مرة من أن يسكت راضيا بزاوية النسيان."( م./ع . الجابري).

نستهل هذه الخاتمة باقتباس من خواطر الصباح(1982/1999) للأستاذ العروي كمقدمة لابداء بعض الملاحظات وطرح أسئلة حول مأزق المشروع الذي صاغه العروي في كتابه المرجعي"الاديولوجيا العربية المعاصرة" الذي يدعو فيه الى ثورة ثقافية تخرج العرب من التأخر التاريخي وذلك بتطبيق منهج النقد الأيديولوجي على تيارات الفكر العربي بقصد  اظهار عوارها وقصورها لا ستنادها الى الانتقائية والتوفيقية دون ادنى اعتبار لمقتضيات الشروط التاريخية..

نبدأ بمسالة القطيعة مع التراث التي تعتبر ركيزة أساسية في التفكير النقدي التي نسج حولها العروي  أطروحة الأيديولوجية العربية .. انطلق منها لاصدار احكامه الصارمة والقادحة على التراث جملة.. فما مدى نجاعة  هذه الدعوة..؟ وماهي مواطن ضعفها  واستحالة إنجازها..؟ نبدا بما ذكره العروي بهذا الصدد في خواطره..

يقول عندما كتبت الأيديولوجية العربية المعاصرة تصورت انه بعد نقد الفكر الأيديولوجي سندخل ميدان الموضوعية فيعنى كل مفكر وكاتب بادواته المعرفية  ويستعملها بامانة وصدق  وتواضع  ليصف ما يواجه  من الطبيعة والمجتمع والانسان  في حدود ما بجيزه له المكان والزمان والوضع الاجتماعي  والنفسي ..بحيث يمكن الانعتاق من بداهة التراث وهذا ما سماه بالقطيعة ..ويضيف بان القطيعة  التي كان يدعو الى الاعتراف بها والانطلاق منها ظلت على مستوى  الفكر والوجدان ولم تكرس كخطة لتجديد المجتمع  واستئناف التاريخ  فعمت الازدواجية وتعمقت  وعلى اثرها تقرر التردد والعجز تمهيدا  لقيطة  مضادة ..

اما الجديد الذي وعدنا به مرارا  فاننا  لا نزال ننتظره ..كل ما حصل  هو البحث عن اصل اعمق  أي ابعد عنا  واعرق في الماضي  وهذا هو مشروع طه عبد الرحمن اذ معه  نصل الى احياء  آليات تكريس ذلك التراث..(ص224).

كيف يتصور احد ان تنتج الاليات  المذكورة اليوم ما لم تنتجه  امس؟ قد يقال الانفتاح والابداع  والابتكار  غير ممتنع  اذ يهتم بالشكل فقط لا بالموضون..ولكن طه عبد الرحمن  نفسه يشير الى علاقة المضمون باللآلية المنتجة عندما ينتقد علمية النقل..نراه يتحشا الكلام عن أي مشكل معاصر..(ص225).

يقول المستشرقون  انه لا اصلاح في الإسلام الا بتجديد السنة بكل مكوناتها الفكرية والسلوكية والأخلاقية.. وبماان التجديد ممتنع فالاصلاح بمعناه الشمولي ممتنع..(ص226).

يتضح من كلام داعية التاريخنية ان مشروعه النظري يعاني صعوبات جمة بل واخفاقا حقيقيا حسب مذهبه  في قراءة جدلية التاريخ والسياسة.. التي توحي بسلطة التاريخانية(منهجا وفلسفة) في الفصل والحكم على ما يجري من احداث وظواهر ونظم في التاريخ.. حيث  يتبنى الباحث الإشكالات المعرفية والفرضيات التي تتبلور في مجال النظرية والتنظير الى سلطة معرفية قادرة ان تتحكم في توجيه احداث التاريخ والاجتماع ورسم خطاطة ذهنية تلقي  المطلقات والعقائد وتطمس التراث وتفصل بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل وتفتي بإمكانية الطفرة والانتقال الى المرحلة الليبرالية وذلك باستيعاب منجزاتها التي تعتبر المتاح للإنسانية جمعاء..، كطريق للخلاص..

اليست الليبرالية في تطورها درجة من انتقال الراسمالية الى نظام اقتصادي اجتماعي..والاسعمار اليس اعلى درجات الراسمالية.. فكيف نتصور ان ربط ثفاتنا بالتبعة للغرب تبعية اقتصادية وسياسية سمكننا من اجثاث الفكر السلفي من مجتمعاتنا..

ان محاولة تبرئة الليبرالية بابعاد المذهب الليبرالي  عند نشأته في القرنين السابع عشر والثامن عشر عن عما الت اليه الراسمالية  لا يستقيم لان الواقع يشهد بان المذهب تطور الى راسمالية والراسمالية الى استعمار..

ورغم ان الماركسية بنيت على نقد الليبرالية للتحرر من  سطوتها وتكبيلها للارادات.. الا ان العروي يدعو  النخب العربية الى  استيعاب منجزات الليبرالية عن طريق الماركسية التاريخية فالتاريخانية نزعة فكرية فلسفية تعطي التاريخ الدور الأول في تفسير احداث التاريخ البشري.. التاريخانية الماركسية فهي أساسا منهج في التفكير والتحليل تعتبر الأفكار انتاجا للشروط التاريخية.. وتربط بين الفرد والجماعة.. وهكذا يصبح التاريخ علة نفسه له قوانين يمكن استنباطها من سلسلة الاحداث والروايات .. هذا المنطق يجعل من المؤرخ هو الذي يملك الوعي بالتغيير..ويظهر التاريخ كانه من عمل عقل المؤرخ اعتمادا على المنظور المثالي..كوسيلة لتقييم الحاضر والمستقبل.. فنصبح سجناء لتصورات العقل التاريخي المجرد التي يستمد منها المؤرخ سلطته التي تحددلنا اختياراتنا في السياسة والاجتماع..

وهكذا يتضح ان  الماركسية التي يدعو اليها العروي هي ماركسية تحليل وتفسير وتاويل..

ينعت الجابري ماركسية العروي بانها ماركسية المثقف الذي الذي يتامل من اعلى حركة التاريخ يستوحي منه جدلية الزمان المعاد لا الزمان الحاضر ولا الزمان المقبل الذي تصنعه الشعوب.. ان تحليلات العروي وجميع أجزاء مشروعه الأيديولوجي مبنية على تصور غير سليم لواقع العالم العربي لانه بسقط من حسابه عنصران اساسيان من العناصر المتحكمة في الواقع :" عنصرالاستعمار والامبريالية وعنصر الهيمنة الاقتصادية والثقافية.."

اشتكى العروي في كتابه العرب والفكر التاريخي ان بعض النقاد اتهموه بميول مثالية ونخبوية وانتقائية..والواقع ان جميع النزعات التاريخية تبقى ذات مضمون مثالي.. وان في فكر العروي ما يبرر اتهامه بالانتقائية والنخبوية..(33).

ويرى محمود امين العالم بأن دراسة الأيديولوجية العربية ينبغي ان تجمع دراسة القسمات المشتركة والنوعية الخاصة على المستوى القومي العام..من حيث انها تعبر عن جدلية الصراع الاجتماعي والتاريخي..وليست مجرد تأثيرات خارجية وان تكشف مفاهيمها وتصوراتها الخاصة في ضوء خبرتها العينية..وان لا تقف عند حدود الظواهر والتعبيرات المهيمنة..

بهذا نستطيع ان نفهم حقيقة الأيديولوجيا العربية  وذلك بالتسلح بالوعي الموضوعي لتغيير الواقع وتجديده..(34).

ومن ثم  فان الاجابات الأيديولوجية ذات الطابع التجريدي الإصلاحي حول الهوية الذاتية.. لم تعد كافية فهناك إجابات أخرى تركز على قضايا الامبريالية والاقتصاد الليبرالي والاقصاد الموجه وحول مسألة الاصالة والمعاصرة..

ولا يمكن ان نفهم الأيديولوجية العربية بمعزل عن تفاعل وتداخل العوامل الحضارية والكونية..

السؤال المحوري الذي يفرض نفسه بعد نصف قرن على صدور الكتاب هو ماذا تبقى من أسئلة المؤلف الكبرى ومفاهيمه الرئيسية..( الأيديولوجيا/التاخر التاريخي/ الماركسية التاريخية/ استيعاب المنجزات الليبرالية/الاندماج في العقل الكوني الغربي..الخ).

يرى الأستاذ العروي ان التشبه والتماهي والمحاكاة غريزة حاكمة في تطور الانسان وارتقائه عبر  حقب التاريخ المتطاولة..وما يترتب عنه على جميع الصعد والمستويات.. فالتاريخ كله اخذ ورد وبعد الاخذ والرد يأتي العطاء..و يضيف انتظر مني البعض ان اذيل كتابي بمؤلف اخر يعرض حالة الراهن ابين فيه اين اخطات وأين اصبت..لوفعلت لوقعت في خطاين خطا الغرور والاعتزاز بالنفس وخطا الندم والتنكر للذات..

السؤال الوجيه ليس مافعل الزمان بالكتاب بل مافعل بمؤلف الكتاب وهذا السؤال اجبت عنه في كتابين ( السنة والإصلاح وبين التاريخ والفلسفة.) ولم يعد بالإمكان قراءة  الأيديولوجية العربية المعاصرة بمعزل عن الكتابين..

كل شيء تغير في الافاق والنفوس ..ما لم يتغير هو واجب الفصل والحسم والاختيار بين الفصل والحسم، الاختيار بين الانبعاث والاندثار، الانحصار والانفتاح،الترحيب بالجديد والاحتماء بالعتيق، تحقيق الموعود والتمسك بالموجود..(35).

مجمل القول أنه: "في  مراحل التحولات الكبرى يجب تربية التفكير الشامل الذي يعانق كل الموضوعات التي تتوقف عليها نهضة الامة..

واذا كنا  نعتقد اننا على أبواب مرحلة جديدة يجب ان نتناولها بالدرس والتفكير والنظر ونفتح للنخبة طريق الفكر فيها والتداول.." علال الفاسي (النقد الذاتي/ص11/12).

***

أحمد بابانا العلوي

..........................

الهوامش:

1) Abdellah Laroui L ideologie arabe contemporaine ed 1977

2) المرجع السابق ص215 يمكن أيضا الرجوع الى الترجمة العربية الصادرة عن دار الحقيقة سنة 1970.

3) عبد الاله بلقزيز اثر الأيديولوجية لعربية في الفكر العربي مقال في كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة مكانة الكتاب واثره في الفكر العربي /منتدى المعارف ط1/2022/ص146

4) عبد الله العروي الأيديولوجية العربية المعاصرة المركز الثقافي العربي ط1/1995ص23

5) عبد الله العروي خواطر الصباح(1967/1973). المركز الثقافي العربي ط1/1995ص141

6) الأيديولوجية العربية ص24

7)  نفس المصدر ص26

8) احمد بابانا العلوي فصول في الفكر والسياسة والاجتماع دار ابي رقراق ط1/2008 ص96/97

9) عبد الله العروي مفهوم الأيديولوجية –الادلوجة المركز الثقافي ط1/1980ص123

10) نفس المصدر ص127

11) نفس المصدر ص129

12) عبد الله العروي العرب والفكر التاريخي المركز الثقافي العربي ط/2/ص54

13) المصدر السابق ص73/79

14) نفس المصدرص91/93

15) عبد الله العروي المنهجية بين الابداع والاتباع في كتاب المنهجية في الادب والعلوم الإنسانية دار توبقال ط/1/1986 ص9

16) الأيديولوجية العربية المعاصرة ص27

17)  حمو النقاري روح المنهج المؤسسة العربية للفكر والابداع ط/1/2018ص15/17

18) مقابلة مع عبد الله العروي مجلة الفكر العربي عدد12/1981ص19/20

19) العرب والفكر التاريخي ص14

20) المصدر السابقص17

21) نفس المصدر ص7

22) نفس المصدرص8

23) نفس المصدرص15

24) نفس المصدرص45

25) نفس المصدرص54/55 الملاحظ ان النص الفرنسي لشفاء السائل صدر عن عن المركز الثقافي للكتاب سنة 2020 بالعنوان التالي( Raison et déraison ou une réponse satisfaisante a des questions embarrassantes).

26) العرب والفكر العربي ص56/57

27) نفس المصدرص62

28) نفس المصدرص63

29) الأيديولوجية العربية المعاصرة ص32

30) عبد الاله بلقزيز من الإصلاح الى النهضة مركز دراسات الوحدة العربية ط/2/2014 ص96

31) كمال عبد اللطيف درس العروي في الدفاع عن الحداثة والتاريخ منشورات كلية الاداب/الرباط /ط1/2014ص40

32) الأيديولوجية العربية المعاصرة ص256

33) محمد عابد الجابر نقد كتاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة( مساهمة في النقد الأيديولوجي.) في كتاب محاورة فكر عبد الله العروي المركز الثقافي العربي ط/1/2000ص93/133

34) محمود امين العالم الوعي والوعي الزائف نشر عيون1988ص48

35) الأيديولوجية العربية المعاصرة مكانة الكتاب واثره في الفكر العربي منتدى المعارف (انظر كلمة الأستاذ العروي في الكتاب ص19/20.

 

 

يُمثّــل هذا الكتاب مُساهمة ثمينة من أجل إبراز قضايا متنوعة تتصل بتحدّيات التحوّل نحو المعرفة والابتكار في العالم العربي، وقد صدر عن منشورات مؤسسة الفكر العربي ببيروت، عام:2020م، ونهض بتأليفه الأستاذ الدكتور معين حمزة؛ وهو خبير ومستشار في السياسات العلميّة والتنمويّة، والأستاذ الدكتور عمر البزري؛ مستشار سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار والتنمية المستدامة، وقد قام بتقديمه إلى القراء الأستاذ الدكتور هنري العويط؛ مدير عامّ مؤسسة الفكر العربيّ، حيث يرى أن هذا الكتاب يعدّ مرجعاً موثّقاً يُمكن لمروحة واسعة من المعنيّين بشؤون البحث العلميّ وأنشطة التكنولوجيا والابتكار في العالم العربيّ الإفادة من محتوياته واستثمارها لتلبية احتياجاتهم المختلفة.4461 العرب وتحديات التحول نحو المعرفة

إن هذا الكتاب يُناقش جملة من الإشكاليات والقضايا المهمة المتصلة بملامح التنمية البشريّة والاقتصاديّة، والتكنولوجيا والابتكار من أجل التنمية المُستدامة، والبحوث العربية ومسيرتها نحو الابتكار، والتحوّلات المعرفيّة في البلدان العربيّة، وتمكين المجتمع من اكتساب المعارف العلميّة واستثمارها، وغيرها من شتى القضايا المهمة؛ ففي الباب الأول منه يُقدم الكتاب مُقاربة علميّة لتحدّيات التنمية العربية؛ فقد خُصص الفصل الأول من هذا الباب للحديث عن ملامح التنمية البشريّة والاقتصاديّة، حيث تمت الإشارة إلى أن البطالة تُمثل مُشكلة حادّة في جميع البلدان العربيّة، ولاسيما بين الشباب والخريجين، وفي محاولاتها لتقليص البطالة فتحت الحكومات في عدة بلدان عربيّة الأبواب لتوظيف أعداد أكبر من الشباب من ضمن مؤسّسات القطاع العامّ؛ حيث تضخَّم أعداد موظفي القطاع العام، في العراق مثلاً من1.1مليون عام:2004م ،إلى نحو3.5مليون عام:2014م، فيما أفادت دائرة الإحصاءات الأردنيّة بأنّ معدّل البطالة في الأردن ارتفع إلى نحو:15.8في المائة في الربع الثالث من العام:2016م، وبالنسبة إلى التحدّيات والتحوّلات؛ أشار الكتاب إلى أن العديد من الدراسات التفصيليّة حول أوضاع التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة في البلدان العربيّة تُشير إلى غلبة الريعيّة في نظم الإدارة؛ بوصفها سبباً رئيساً للكثير من العلل التي تُعاني منها التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة العربيّة، ويقترح الكتاب في هذا الصدد تبنّي سياسات وإطلاق مُبادرات تتيح التوصّل إلى ما التزمت به البلدان العربيّة من أهداف للتنمية الشاملة والمُستدامة؛ منها ما يتصل بالأمن الغذائي والمائي والبيئي، والرعاية الصحيّة بوجه الخصوص، وهي جميعاً أهداف لابدّ أن يؤدّي بناء القدرات العلميّة والتكنولوجيّة الوطنية والتنسيق الإقليميّ إلى تجسيدها بيُسر أكبر ممّا تسمح به المُمارسات الحاليّة، وبالنسبة إلى التعليم العالي تعرض الكتاب إلى إشكاليات عديدة تتعلق بالتحدّيات المُستقبليّة؛ وقد تمّ تقديم مجموعة من الاستنتاجات والتطلّعات ، حيث لوحظ أن التعليم العالي يُعاني في البلدان العربيّة من نقاط ضعف عديدة، من أهمها غياب رؤى وخطط شاملة، وتدهور النوعيّة ،وتغليب الكمّ على النَّوع ، إضافة إلى مركزيّة إدارية مُعيقة، ونُظم تُشتّتُ الطاقات والموارد،  ومن بين الاقتراحات التي تضمّنها الكتاب؛ تعزيز التعليم العالي التّقني والتدريب المهنيّ واستجابته لأهداف اقتصاديّة واجتماعيّة ملموسة، وتوفير التمويل الكافي للنهوض بنوعيّته، وإطلاق ونشر مُبادرات تنشد التعلّم من خلال العمل في شتّى المجالات ذات الأولوية بالنسبة إلى أنشطة البلاد الاقتصاديّة، واستثمار تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات في التعليم العالي التّقني والتدريب المهني، وتبنّي أنماط جديدة تكفل الحُكم الجيّد لمؤسّسات التعليم العالي التقني والتدريب المهني ومُبادراتهما، بناءً على مُشاركة الشرائح المعنيّة، وعلى استهداف التطوير المُستمر، وينتقل الكتاب في الباب الثالث  لعرض جملة من الأفكار المُتعلقة بمآل اللُّغة العربيّة؛ ويُسجل بأنه من المؤسف لأبعد الحدود أن تُعاني اللُّغة العربيّة من التهميش وسوء الاستثمار؛ وهي التي تملك من ثراء المبنى والمعنى، والإمكانات التصريفيّة والتركيبيّة ما يؤهلها إلى ولوج أيّ من مجالات المعرفة باقتدار لا يُضاهى، ومن بين الأمور التي يرى الكتاب أنها تُعرقل إسهاماتها في إحراز التنمية الشاملة والمُستدامة والنهوض باقتصادات ومُجتمعات البلدان العربيّة؛ تراجع التعريب، والإنقاص من قيمة كلّ ما يرد باللّغة العربيّة، وضعف تعليم العلوم الأساسيّة باللّغة العربيّة في مرحلة التعليم المتقدِّم المُتخصّص، واستفحال الألفاظ الأجنبيّة في الخطاب العربي؛ ما أدّى إلى بروز استعمال لغوي ملوَّث، وتقلُّص فُرص العمل في أسواق العمل العربيّة لمن حصّلوا مؤهّلاتهم باللُّغة العربيّة ، ومن بين الأفكار العميقة التي وردت في الكتاب أنّ يتمّ تطوير المُحتوى العربي بدءاً من توليده وانتهاءً باستثماره، مع العناية بإنجاز عدد من المبادرات في مضمار الصناعة اللّغويّة الرقميّة، ومن أبرزها؛ إنتاج أو توليد المحتوى الجديد بالبحث والتطوير؛ وهي مرحلة إبداعيّة تعكس مدى نشاط المجتمع وإنتاجه التكنولوجي والعلمي والفكري والثقافي، كما أنها تتصل بأجواء ديمقراطية تضمن حرية الفكر والتعبير وتحفّز على الإبداع والتجديد، إضافة إلى التحويل الرقمي للمحتوى المتوافر حالياً، وكذلك المحتوى المعرفي القديم والتراثي بأشكاله كافّة من كتب ووثائق وفنون وآثار، وتخزين المحتوى الجديد والقديم وتبويبه ومعالجته وعرضه ضمن أشكال تُسهِّل البحث فيها، واستخراج وطباعة المعلومات اللاّزمة منها؛ من خلال اعتماد البرمجيّات والمعايير العالميّة، واستخدام المحتوى وتسويقه، وزيادة معدّل النّفاذ إلى الإنترنت باللّغة العربيّة والارتقاء بنوعيّة ما هو متاح من هذا النفاذ، بما في ذلك نفاذ الصناعيّين والتجّار والمثقّفين والطلاّب وعامّة المواطنين، وينجم عن تحقيق إنجازات مُلحّة من خلال هذه المُبادرات، وما يتّصل بها من أنشطة في مجالات التعليم والبحث والتطوير بعامّة؛ إلى تطوير اللّغة العربيّة ذاتها من أجل إنقاذها من التراجع الذي تُعانيه.

وقد ناقش الكتاب عدة مواضيع تتعلق بالإعلام المرئيّ والمسموع؛  وأشار إلى أن الإعلام المرئيّ والمسموع يُعاني من مُشكلات وعوائق تظهر في الصحافة العلميّة، وكذا في مواقع الإنترنت؛ حيث كشفت دراسة تحليليّة للفضائيّات التلفزيونيّة والإذاعات العربيّة، تناولت 66 برنامجاً إذاعيّاً علميّاً و162برنامجاً تلفزيونيّاً علميّاً نتائج عدّة أبرزها ضُعف ميزانيّات إنتاج البرامج، وقصر المدد الزمنيّة للبرامج، واتّساع دوريّة بثّها، وعدم ثبات توقيت بثّ البرامج التي تُقدِّم المحتوى العلميّ، وهو ما يعني تقليص فُرص مُتابعتها جماهيريّاً، كما يغلب الاهتمام بالمضمون الصحّي والطبّي على المُعالجات الإذاعيّة العربيّة بنسبة:45.5 في المائة، وبالنسبة ذاتها لتقنية المعلومات، وقد أرجعت الدراسة غلبة المحتوى الصحّي الطبّي إلى الشكل البرامجي الحواري المٌباشر الذي يتميز به التلفزيون، ويقع الإجماع على ضرورة إيلاء الإعلام العلمي أهميّته التي يستحقّها في تنمية الثقافة العلميّة العربيّة ونشرها، ومن بين المٌبادرات التمكينيّة للإعلام العربي، التي أشار إليها الكتاب؛ إصدار المجلاّت العلميّة وتوفيرها لتكون في متناول الجميع، والعمل على إطلاق قنوات فضائيّة تهتمّ بالعلم والبحث، والعلم ونواتجه التكنولوجيّة، ومُشاركة أساتذة الجامعات والباحثين ومؤسّساتهم الأكاديميّة والعلميّة في تحرير الصفحات العلميّة، والمُشاركة في البرامج العلميّة على القنوات الفضائيّة، وتعزيز التواصل مع الجمهور بأسلوب شائق مُستقطب للاهتمام، وإعداد الإعلامي العلمي المُحترف في كليّات الإعلام، والتأهيل لمهنة المُحرِّر العلمي في كل وسائل الإعلام؛ فالإعلامي المُتميّز هو صحافي مقتدر، يتمتَّع بالخلفيّة العلميّة المُلائمة التي تُمكّنه من تقديم الحقائق العلميّة للقرّاء أو المُشاهدين وتبسيطها مهما اختلفت مستوياتهم الفكريّة، ويستطيع في الوقت نفسه الربط بين العلوم والتكنولوجيا وجميع المجالات الحياتيّة في المجتمع.

عنوان الكتاب:العرب وتحدّيات التحوّل نحو المعرفة والابتكار.

تأليف: معين حمزة وعمر بزري.

مكان النشر وتاريخه: منشورات مؤسسة الفكر العربي، بيروت، لبنان،2020 م.

عدد الصفحات: 423 صفحة.

***

د.محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

ينطلق كتابُ: "مقدمة في علم الكلام الجديد" من رؤيةٍ تبتني على أنه مادام هناك إنسانٌ فهناك أسئلةٌ ميتافيزيقية كبرى، وهذا النوعُ من الأسئلة لا جوابَ نهائي له، وهو ما يقوله لنا تعدّدُ وتنوّعُ إجابات الفلاسفة واللاهوتيين والمتكلمين المتواصلة لهذه الأسئلة في مختلف الأديان والثقافات، وتجدّدُها في مختلف مراحل تطور الوعي البشري، وفي منعطفات الفكر الفلسفي واللاهوتي والكلامي.

علمُ الكلام الجديد يدرك أن الحقيقةَ واحدةٌ في ذاتها، إلا أنَّها نسبيَّةٌ في معرفتها. نسبيةٌ بمعنى تنوّعِ وجوهها، وتعدّدِ الطرق إليها، واختلافِ تصوّرِها باختلاف الطرق الموصِلة إليها، وكثرةِ وجوهها بتنوّعِ زوايا النظر إليها. المقولاتُ الاعتقادية في علم الكلام القديم لا ترى للحقيقة الدينية إلا وجهًا واحدًا، وتختزل كلَّ الطرق إلى معرفة الله بطريقٍ واحد، ولا تقبل إلا زاويةَ نظر الفرقة الكلامية القائلةِ بها، وترى لغةَ تعبيرها عن مقولاتها هي اللغة المشروعة، ولا تتقبل بالضرورة اسلوبَ تعبير وكلمات فرقةٍ غيرها. هذا النوعُ من احتكارِ الحقيقة الدينية واحتكارِ معنى الخلاص كان ومازال حاكمًا على الضمير الديني، وهو الذي تسببَ في خصوماتِ وصدامات عنيفة للفرق والمذاهب في التاريخ. عبرّت هذه المقولاتُ عن الواقع المرير الذي عاشه المسلمون في ماضيهم، وذلك يؤكد على أنها ليست صالحةً للواقعِ الذي يعيشه المسلمُ اليوم.

يحتاجُ المسلمُ اليومَ لعلم الكلام الجديد كي يُشبعَ حاجته للمعنى الذي يمنحه الدين للحياة، ويتحرّرَ من الشعور بالتفوق على المختلِف، ويقبلَ المساواةَ في المجتمع الواحد على أساس إنسانية الإنسان، ويحترمَ التكافؤَ في الحقوق والحريات في وطنٍ واحد على أساس المواطنة. في علم الكلام الجديد يُعاد تعريفُ الإنسان بالشكل الذي يذهب إلى أن إنسانيتَه لا تتحقّق إلا عند تحقّق كرامته. الكائنُ البشـري يستمدّ قيمتَه من إنسانيته، ويستمدّ إنسانيتَه من كرامته، أية محاولة لإهدار كرامة الإنسان تنتهي إلى إهدار إنسانيته. الكرامةُ الإنسانية قيمةٌ إنسانيّةٌ عُليا، هي مقصدُ مقاصدِ كلّ دين وجوهرُ إنسانيته، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. تكريمُ الانسانِ بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضُّلًا من أيِّ أحد. حمايةُ كرامة النَّاس معناه حمايةُ كرامتنا من الانتهاك، لأنَّ الكرامةَ واحدةٌ لا تتجزَّأ، كرامتُنا لا تتحقّق من دون تكريم كلِّ الناس.

علمُ الكلام الجديد يخلّصُ المعنى الديني من التكفير واحتكار الخلاص. التكفيرُ يحتكر الخلاص، ويهدرُ كرامةَ الإنسان عندما يستبيح مالَه ودمَه ويحكم بخلوده في النار. التكفيرَ ضربٌ من العنف، وعلى رأي الغزالي "التكفير حكم شـرعي يرجع إلى: إباحة المال، وسفك الدم، والخلود في النار"[1]، التكفير عنفٌ لفظيّ يتضمن قذفًا وتشهيرًا وترهيبًا، وهو حكمٌ إقصائي يغترب المكفَّرُ بسببه عن مجتمعه، عندما يحاصره التكفيرُ ويجتثّه من عالَمه. مَن لا يحترم كرامةَ الإنسان لا يحترمه اللهُ ولا يكرّمه، الكرامةُ أسمى قيمة وجودية وهبها الله لبني آدم، الله يثأر من أولئك الذين يمارسون ضربًا من الاغتيال المعنوي لإنسان آخر، ممن يكفّرونه فيهدرون كرامتَه ويجرّدونه من إنسانيته.

علمُ الكلام الجديد يحرّرُ المسلمَ من أحكام الولاء والبراء المتفشية في مجتمعاتنا أمس واليوم. إذ كيف يعيش المسلمُ في مجتمع متعدد الأديان ومتنوع الفرق والمذاهب، وهو يتمسك بأمثال هذا الرأي: "سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز"[2]. و"سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا؟"، فكان جوابه: "إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته... فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي"[3]. وأمثال هذه الآراء نعثر عليها في التراث الكلامي والفقهي لمختلف الفرق الإسلامية.

مؤلفاتُ الفرق الكلامية ومقولاتُها تفتقرُ لتلبية أكثرِ ما يبحثُ عنه الإنسانُ من معنىً في الدين. مقولاتُ الكلام القديم الاعتقادية لا تورثُ الروحَ سكينتَها، ولا القلبَ طمأنينَته، ولا تكرّسُ التراحمَ والمحبّة، ولا ترى الإنسانَ المختلِف في معتقده مساويًا لغيره. لا ينظرُ الكلامُ القديم إلى الإنسانِ بما هو إنسان، بل ينظرُ إليه بما هو معتنقٌ لمقولات الفرقة الكلامية، ومَنْ لا يعتنقُها لا تصحُّ محبتُه، ولا يجوز الولاءُ له، بل تجبُ البراءةُ منه.

الطبعةُ الأولى لكتاب "مقدمة في علم الكلام الجديد" صدرت بداية سنة 2021 عن دار التنوير ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وفي منتصف ذلك العام صدرت طبعتُه الثانية عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد. تميزت الطبعةُ الثانية بإضافات لا تقلّ عن خمسين صفحة. وفي هذه الطبعة الثالثة تحدثتُ بشكل تفصيلي عن الوحي، وناقشت رأي الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية. وأضفتُ الفصلَ الثاني بعنوان: "تجديد علم الكلام"، فأصبح الكتابُ خمسةَ فصول. اعتمدَ الفصلُ الثاني في مادته على شروح وتوضيحات إضافية رأيتُها ضروريةً للكشف عن التباس مفهوم التجديد وتداخله بمفهومَي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، والخلطِ بين هذه المصطلحات الثلاثة، وكيف تتعدّد معانيها بتعدّد أساليبِ توظيفِها وسياقاتِها في الاستعمال. عدمُ التحديد الدقيق للمعنى، والفوضى في استعمال الكلمات والمصطلحات، يتسببان بجدلٍ مضجِر ونزاعات قد تنتهي بمعارك. التعريفُ الواضح يكشفُ عن المضمون بدقة ويرسمُ خارطةً لحدود المعنى المقصود، ويخلِّص الكلماتِ والمصطلحات من الاضطراب والتشويش والغموض والإبهام. لغةُ علم الكلام القديم ليست محايدة، هذه اللغةُ تعكس الأفقَ التاريخي للعصر الذي توالدت فيه مقولاتُ مؤسّسي ومجتهدي الفرق، ومختلف الأحوال والظروف والوقائع السائدة في عصرهم. اللغةُ مرآةُ الواقع مثلما أن الواقعَ مرآةُ اللغة، تصوّرُ اللغةُ ما يسودُ حياةَ المجتمع من عقيدة ورؤية للعالَم واقتصاد وسياسية وثقافة، كما ينعكسُ أثرُ اللغة على الواقع المجتمعي فيعيدُ تكوينَه.

يبتني هذا الكتابُ وغيرُه من مؤلفاتي على محاولةِ فهم الإنسان في ضوء مكاسب الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. أحاول في ضوءِ هذا الفهمِ التعرّفَ على احتياجات الإنسان غير المادية، ومنها حاجتُه الأساسية للدينِ، وفهمَ نوعِ الدين ونمطِ التدّين الذي يؤمِّن له هذه الحاجة. ما يؤمِّن هذه الحاجةَ هو الدينُ بوصفة حياةً في أفق المعنى تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية، وفقًا للتعريف الذي اقترحته. إعادةُ تعريف الدين والوحي والنبوة هو ما يفرضُ بناءَ علم كلامٍ جديد يرفدُ المسلمَ بالمعنى المطلوب لحياته اليوم.

علمُ الكلام الجديد معناه تجديدَ علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين. وجهةُ التجديد ومنطلقاتُه وأسسُه وأركانُه تختلفُ عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه. التجديدُ يعني إعادةَ فهمِ الدين وتحديدِ وظيفته المحورية في الحياة، وبناءَ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علومِ الدين ومعارفِه، في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه "متكلم جديد"، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ "الكلام الإلهي" وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. إن كلَّ من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنًا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يُصنَّف تفسيرُه على أنه علم كلام جديد. أما من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بمصدر إلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلمًا جديدًا، يمكن أن يكون فيلسوفَ دينٍ لأن المتكلمَ غيرُ فيلسوف الدين، فيلسوفُ الدين يُفكِّر خارجَ إطار الدين، أما المتكلمُ فيُفكِّر في إطار الإسلام،كاللاهوتي في كلِّ دين الذي يُفكِّر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهجَ بحثه مما أنجزته العلومُ والمعارفُ البشرية.

بعد صدور هذا الكتاب بادر أساتذةٌ كرام في عدة جامعات لتبنِّي الكتاب، وقرّرتْ بعضُ أقسام الدراسات الفلسفيّة والدينية اعتماده في مقرّر "علم الكلام الجديد" في الدراسات العليا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

* مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: "مقدمة في علم الكلام الجديد"، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

([1]) الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، بيروت، دار الكتب العلمية، رسائل الغزالي، ج3: ص 136.

[2] الولاء والبراء 1، 18.

[3] مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274.

‏ الكتاباتُ الدينية في كثيرٍ منها تنشغلُ بالحديث عن الغيب وعوالمه، وكلِّ ما يشير ويرمز إليه، ‏من شخصيات وكتب وأماكن وأزمنة وأشياء مقدسة، وتستغرقُ في الحديث عن ذلك العالَم المحجوب عنا، إلى الحدّ الذي تنسى فيه الإنسانَ نسيانًا كليًّا، ‏وأحيانًا تُعطِّل عقلَ الإنسان إلى الحدّ الذي يتيه في اللامعقول. الكتاباتُ التي لا تؤمن بالغيب تنشغلُ بالإنسان، وتتمحور حول احتياجاته المادية. وأحيانًا تنسى ‏احتياجاتِ الروح والقلب والعاطفة، كما تنسى الغيبَ نسيانًا كليًا، وتجهل ‏ما يرمزُ إليه في عالمنا.

أكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدينُ يبدأ باكتشاف الإنسان وإعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان. يحاولُ اكتشافَ الإنسان أولًا، في ‏ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف البشرية المتنوعة والمتجدّدة، ليحدّد ما هو مادي من ‏احتياجاته، وما هو عقلي، وما هو عاطفي، وما هو روحي. لا يتجاهلُ الكتابُ أن أحدَ احتياجات الإنسان الأساسية هي الحاجةُ للاتصال بالله والإطلالةُ على آفاق الغيب، ‏ليرتوي ظمأ الروح، ويطمئن القلبُ بالإيمان، وتشبع احتياجاته للمعنى الذي يوقظ الروح والقلب والعقل.

هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَدُ ويموتُ مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض.

يرى هذا الكتابُ أن تجديدَ فهم الدين يتطلب: إعادةَ تعريف الإنسان، وإعادةَ تعريف الدين، وإعادةَ قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادةَ تحديد وظيفته في الحياة، والكشفَ عما يمكن أن يقدّمَه الدينُ للإنسان من احتياجاتٍ روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسانُ من عواطفٍ ورفقٍ وشفقة ورحمة يمنحها الدينُ للحياة، وما يُلهِمَه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة.

كتابُ الدين والكرامة الإنسانية وغيرُه من كتاباتي تتبنى تعريفَها الخاص للدين، بوصفه: "حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية". حيثما يرد الدينُ في كتاباتي فإنه يبتني على هذا التعريف، ويؤسّس عليه كلَّ شيء أقوله وأكتبه في الدين. من هذا التعريف يبدأ الدينُ وإليه ينتهي، هو المعيارُ الذي يجري اختبارُ وفاء الدين بوعوده في ضوئه، وعلى أساسه يتم اختبارُ تعبيره عن معناه في حياة الفرد والمجتمع. هذا الفهم للدين مفتاحُ فهم النصوص الدينية لدي، وقبول أو رفض ما تشكّل من تراث متنوع وواسع لشرحها وتفسيرها وتأويلها.

لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان.

الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه،كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها.

كما أوضحتُ في هذا الكتاب أن الكرامةَ ضرورةٌ للفرد وكذلك للأمة، تبدأ الكرامةُ بكرامةِ الفرد لتنتهي بكرامة الأمة، لا كرامةَ لأمةٍ بلا كرامةٍ لأفرادها. عندما تُنتهَك كرامةُ الأفراد، تحت أيّة ذريعة، فلا كرامةَ للأمة.كلُّ مجتمع تكون كرامةُ الأفراد الشخصية فيه مستلبةً هو مجتمعٌ مُستلَب الكرامة. مادام الفردُ مُهانًا فلا كرامةَ لمجتمعه أو وطنه أو دولته.

الإنسانُ بوصفه إنسانًا لا غير يستحقُّ الكرامةَ والحرياتِ والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الإطارُ الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمةُ الإنسان ومكانتُه، وتقديرُه لذاته وتقديرُ الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيةَ الإنسان، وتحميها من كلِّ تمييزٍ وتعصب واحتقار ينشأ على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو الدين أو غير ذلك.

المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانيّة، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمة، وتتسع لكلِّ الحقوق الأساسية، وتضع الحريةَ غايةً تتطلّع لاستردادها على الدوام كاملةً غيرَ منقوصة. والخلاصُ في شريعته من أيّة محاولةٍ لتسويغ العبودية المُعلَنة أو المقنَّعة، والإكراهية أو الطوعية. تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. إن انتهاكَ كرامةِ أيّ كائنٍ بشري هو انتهاكٌ يطالُ كرامةَ غيره من البشر أيضًا. الكرامةُ قيمةٌ كونيةٌ، لكلِّ انسان نصابُه فيها، لذلك يفرضُ الضميرُ الأخلاقي على الكلِّ حمايتَها، كلٌّ حسب موقعه، ووفقًا لإمكاناته وقدراته.

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسيرُ كلِّ نصٍّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها.كلُّ نصٍ يتعارضُ مع هذا المقصد الكلي، ويقوم على التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله، يُطرح وينتهي العملُ بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكسُ ظروفَ مجتمع عصر البعثة الشريفة.كلُّ كتابٍ مقدّس يتضمنُ ما هو عابرٌ للزمان والمكان والواقع الذي ظهرَ فيه،كما يتضمنُ ما هو زماني ومكاني وتاريخي. في الفصل الرابع من هذا الكتاب شرحنا المفتاحَ المنهجي الذي نعتمدُه في تفسيرِنا للقرآن الكريم وفهمِ الأحاديث والروايات، وكيفيةِ التمييز بين ما هو ثابتٌ من القيم الروحية والأخلاقية الأبدية، وما هو متغيّرٌ من أحكام تنتمي إلى ظروف وأحوال مجتمع عصر النزول.

بعد أشهر من صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب وازدياد طلب القراء عليه يصدرُ بطبعة جديدة. كلُّ طبعةٍ تخضع لمبضع الجراحة مجدّدًا، أعود للمراجعة والتدقيق والتنقيح والتمحيص. أعرف أن كلَّ كتابة لن تبلغ كمالَها ولن تصل إلى نهاياتها، لأن كاتبَها ليس كاملًا. تحمّلُ الكاتب لمسؤولية الكتابة يفرضُ عليه أخلاقيًّا أن ينشغلَ بما يكتب، ويعطي كلَّ ما يمتلكه من قدرة وخبرة متراكمة حين يكتب، وأن يكون صادقًا مع ضميره، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله.

ليست هناك كتابةٌ مكتفية بذاتها، أعترف أن كتابتي جهدٌ لا يختصّ بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دورٌ مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهدٌ يشتركُ فيه كلُّ مَنْ يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها، وينبهني إلى الوهن في شيء من كلماتها وعباراتها وأفكارها، ويقترح استبعادَها، أو معالجتَها، أو توضيحها، أو إثراءَها، أو التدليل عليها، أو اختزالها.

ما يسعدني هو تواصل قراء أذكياء أتعلّمُ من إشاراتهم وتنبهاتهم ومقترحاتهم، ذلك هو ما يحفزّني لإعادة النظر في كلِّ كلمة أو جملة كتبتها في أحد نصوصي لأعود لتمحيصها مجدّدًا. ما يشعرني بالرضا لحظةَ قراءتي الأفكار في كتاباتي هو إدراكي بأنها نضجت في الذهن، بعد أن أثمرتها عمليةُ تفكير حرة، وغربلتها واختبرت واقعيتها تجاربُ عملية، وتفاعلت بآفاق مطالعات متواصلة في شتى ألوان المعرفة، قبل التعبير عنها ورسمها على الورق.

‏   ما أكتبُه يظلُ مفتوحًا ينضجُ ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة. لا تكون الفكرةُ ناجزةً مكتملة قبل أن أشرعَ بالكتابة، أدقُّ الأفكار تتبلورُ وتتجلى حالةَ الكتابة، وحالةَ العودةِ ثانية إلى الكتابة. انشغالُ لغتي بصياغة العبارات وانتقاءِ الكلمات، ليس أقلَّ من انشغال ذهني بالتفكير والتأمل والسياحة في تكوّن وصيرورة الأفكار، خاصة إن كانت هذه الأفكارُ تتضمن فكرةً أو نقدًا أو مصطلحًا صغتُه، ولم يصادفني قبل ذلك في مطالعاتي.

يظلُّ النصُّ مفتوحًا ينمو باستمرار تبعًا لاستنارة آفاق الكاتب واتساع رؤيته، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيدُ من القراءة والمراجعة والتأمل. يتطور النصُّ بالتدريج ويتكامل، وإن كان لن يبلغ نهاياتِه ويكتفي بذاته مهما امتدّ عمرُ الكاتب. الكتابةُ لا تولد مكتملةً عند الكاتب الجاد، الولادةُ الأولى لحظةَ الفراغ من الكتابة تليها سلسلةُ ولادات متوالية. النصُّ كائنٌ حيٌّ يظلُّ مفتوحًا يتكثفُ ويتوالد، تثريه من جهة مثابرةُ الكاتب، ويقظةُ ضميره الأخلاقي تجاه القراء من جهة أخرى، ويصفّيه من الشوائب نقدُ القراء الخبراء، ويضيء إبهامَه ما يعزّز رصيدَ لغة الكاتب من قراءات نوعية. وتثريه من جهة أخرى النصوصُ المشتقة منه. النصُ الرصين يظلُّ ينمو ويتكامل، ولن يبلغ مدياته القصوى.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

....................

* مقدمة الطبعة الثانية لكتاب: الدين والكرامة الإنسانية، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة، كانت الطبعة الأولى في 288 صفحة.

 

من خلال كتاب "التخيل التاريخي السرد والامبراطورية، والتجربة الاستعمارية" لعبد الله ابراهيم

استهل الباحث عبدالله ابراهيم كتابه "التخيل التاريخي" بمقدمة موسومة ب "من الرواية التاريخية إلى التخيل التاريخي" واعتبر في المقدمة على أنه آن الأوان لكي يحل مصطلح "التخيل التاريخي محل مصطلح الرواية التاريخية، لأن هذا الإحلال بمنظور الباحث سوف يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية، ويعرف التخيل التاريخي بالقول "ويمكن القول بأن التخيل التاريخي هو المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفية، وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية، فالتخيل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي، ولايقررها، ولايروج لها، إنما يستوحيها بوصفهاركائز مفسرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال، والتاريخ المدعم بالوقائع، لكنه تركيب ثالث مختلف عنهما"1. ويرى الباحث على أن التخيل التاريخي يقع في منطقة التخوم الفاصلة الواصلة بين التاريخي، والخيالي حيث ينشأ في منطقة حرة انصهرت مكوناتها بعضها في بعض، وكونت تشكيلا جديدا متنوع العناصر، ففهم الذات هوعملية تأويل، وتأويل الذات بدوره يجد في السرد واسطة  امتياز، والسرد بنظر الباحث يقتبس من التاريخ بقدرما يقتبس من القصص الخيالية، حيث يجعل من تاريخ حياة ما قصة خيالية، أو قصة تاريخية فالتاريخي يتقاطع مع السرد في إعادة تصويرالزمان، فيتحد تمثيل الماضي في التاريخ بالتنويعات الخيالية للسرد، وتتشكل منطقة التداخل فيما بينهما من "العمليات المتقاطعة لاضفاء الخيال على التاريخ، والتاريخ على القصص. ويفسر لنا الباحث الفرق بين تخييل المؤرخ وتخييل الروائي بالقول "فالمؤرخ  وإن خيل يظل متحركا في مجال المرجع، أما الروائي،  فإنه وإن رجع إلى الواقع ماضيا أو حاضرا يظل خطابه مندرجا في حقل التخييل . فالتاريخ يقدم نفسه على أنه انعكاس وصياغة لفظية لأحداث واقعة، أما الرواية فتقدم نفسهاعلى أنها إبداع وإنشاء لعالم محتمل"2. ويستشهد الباحث بتحديد الروائي واسيني الأعرج لكل من مجال التخيل ومجال التاريخ، حيث اعتبر التاريخ هو المادة المنجزة التي مر عليها زمن، يضمن حدود المسافة التأملية بينه وبين تلك المادة، أما المتخيل فهو المادة السردية المنجزة التي تنشأ من خلال العلاقة الخلاقة مع حدث ما، وتعطيه امتدادات كبيرة في الزمان والمكان وتخرجه من الوثوقية إلى النسبية زيدان،  كما استشهد بفهم جورجي زيدان لوظيفة الرواية التاريخية بالقول "لا يراد بالرواية التاريخية أداء وظيفة التاريخ الدقيق، كما يقول جورجي زيدان، إنما حمل المادة التاريخية على سياق يجتذب اهتمام القراء، فقد اعتبر نشر التاريخ بأسلوب الرواية أفضل وسيلة لترغيب الناس في مطالعته، والاستزادة منه "3.

 قسم الباحث  عبدالله ابراهيم كتابه "التخيل التاريخي" إلى ثمانية فصول. ونقف في الفصل الأول الذي وسمه بالامبراطورية والسرد والتاريخ عند العلاقة التي تجمع السرد بمفهوم الامبراطورية والتخيل التاريخي .حيث اعتبر على أن سائر الشخصيات الكبرى تحمل في أعماقها توترا بين قيم مجيدة مندثرة، وأخرى نفعية طارئة، ويرى الباحث بأن الروائيين يختارون شخصياتهم من بين الأعلام المشهورين، ليكونوا شهوداعلى تمثيل هذا التنازع المرير بين نسقين ثقافيين.وتبعه الفصل الثاني بعنوان "التهجين السردي وتمثيل الأحداث" وجاء الفصل الثالث بعنوان السرد والتاريخ واللاهوت" أما عنوان الفصل الرابع فهو" كتابة مقدسة وكتابة مدنسة وانشقاقات دينية "والفصل الخامس بعنوان "التخيل التاريخي وتفكيك الهوة الطبيعية" والفصل السادس بعنوان "التوثيق والتخيل التاريخي "والفصل السابع بعنوان "التخيل السردي والتمثيل الاستعماري للعالم" والفصل الثامن والأخير بعنوان "التجربة الاستعمارية والهوية المرتكبة "وضمن هذه الفصول تناول الباحث بالدراسة عددا من الروايات العربية التي يحتل فيها السرد التاريخي مكانة بارزة، ومنها روايات لأمين معلوف، وربيع جابر، وبنسالم حميش، ويوسف زيدان، وأهداف سويف، وبهاء طاهر، ورضوى عاشور، وطارق علي، وجرجي زيدان .وفي رواية" ليون الإفريقي" يرى الباحث بأن الأحداث انتظمت بما يمكن الاصطلاح عليه ب "البنية السردية الحولية "لأنها اعتمدت  الأحداث السنوية الدورية، وبها سمي كل فصل من فصولها التي جاءت في كتب أربعة غرناطة، وفاس، والقاهرة، وروما، وكشفت هذه البنية الحولية التطور الفكري العام للشخصية خلال أربعين عاما في رحلة حول البحر الابيض المتوسط، فانطلقت من غرناطة، وأكملت دورتهاحول البحر برحلة طويلة شبه متعرجة، انتهت بهافي روما، ثم تونس"4 ذلك أن المدونة السردية لأمين معلوف برأي الباحث قد شكل التخيل لبها، ومحورها بجعل سير تاريخية لمشاهير يطوفون العالم بحثاعن قضية أو دفاعاعن فكرة، وظهرلنا كيف كانت تنعقد أحداث التاريخ حول حبكة متخيلة، تضفي على تلك الأحداث معنى جديدا قد لا نعثر عليه في التواريخ المعتمدة، فمعلوف يمر بجوار تلك المادة ويستعيرمنها لكنه لا يجعل من مدونته السردية مصدرا موثوقا لها، وهذه المحاذاة الفاعلة تفتح أفقا لمزيد من المعاني الجديدة، والايحاءات الطريفة، والمقاصد الرمزية .وفي رواية أخرى وهي رواية "هذا الأندلسي "يرصد الباحث مرة أخرى مهارة التخيل التاريخي حيث جعلت الرواية من سيرة ارتحالية للمتصوف "ابن السبعين "موضوعا لهاعلى خلفية قضم الأندلس من طرف النصارى في القرن السابع الهجري، وفي رواية "ساق الغراب "للكاتب السعودي يحيى امقاسم وهي الرواية أقر الباحث بان هذه الرواية تسلط الضوء على فساد الأزمنة، في بحث عن الذات وعن عالم ملحمي. وفي رواية "خارطة الحب"لأهداف سويف نكتشف الجرح الاستعماري من تحيزات وقتل عنيف حيث خاضت الرواية في معمعة الواقع الاجتماعي والسياسي المصري في نهاية القرن العشرين، فعرضت لكثير من جوانبه وكشفت السمة العبثية في طرح الآراء، والعشوائية في صياغة الأفكار وفضحت الرؤية المبهمة للعالم، فكان أن اقترحت واقعا موازيا يعود لقرن مضى من أجل أن تجعله موضوعا لها .وفي رواية "واحة الغروب لبهاء طاهر يرى الباحث بأن الرواية بدأت برحلة نفي اتخذت شكل أبعاد مقصودة من القاهرة إلى واحة سيوة طفي غرب مصر، قررته الإدارة البريطانية الاستعمارية بحق الضابط المصري محمود عبدالظاهر، وهو اسم منتحل لشخصية حقيقية عاشت تجربة الأبعاد تدعى محمود عزمي، كما وردت الاشارة إلى ذلك في تنويه خاص خارج متن الرواية لأن الإدارة لم تر فيه شخصا مناسبا، يوافق سياستها، بعد أن أبدى تعاطفا مع حركة عرابي باشا ومقاومة الاحتلال الانجليزي، فاتخذت قرارها تخلصا منه ويرى الباحث على أن التخيل التاريخي في واحة الغروب بني برؤية لها صلة بالاستعمار، فارتسمت صورة سيئة للبدو فهم مصدر خطر داهم، على أن تلك الرؤية، رسمت أيضا صورة انتقاصية لأهالي الواحة الذين ظهروا غاطسين في أساطيرهم البدائية، مؤمنين بها، فكانوا يتعالجون بالطب الشعبي القديم . ويرى الباحث بأنه "غابت عن عالم السرد في هذه الرواية الرؤية الموضوعية التي تمنح الأهالي أية ميزة لشرعية السلوك والعلاقات والتقاليد واللغة وبدا وكأن حملات التأديب التي كانت ترسلها الحكومات المصرية مشروعة بحقهم ،فقد منح طبعهم المتمرد الدولة الحق بممارسة القوة في تأديبهم "5 . ويرى الباحث في نهاية دراسته لهذه الرواية بان المادة السردية اتكأت على المادة التاريخية، في إطارها الوصفي، العام وبعض وقائعها، لكن التخيل السردي صاغ حبكتها وأطلق العنان للشخصيات في الخروج على التاريخ ووقع الابتكار في الأفعال السردية التي لازمت الشخصيات داخل الواحة.ويخلص الكاتب في نهاية دراسته إلى أن الارشيف الاستعماري ظل محفوظا في صندوق عشرة عقود فيما وراء البحار، قبل أن تمتد إليه يد لتعيد بعثه، أو أنه استقر في مدونات جغرافية وأثرية عن واحة نائية، بعيدا عن الأنظار، فبقي خامل الذكر لا يعرفه أحد، فينبغي إعادة انتاجه على خلفية مغامرة شخصية، ينتظر الأرشيف حافزا ينقله من التاريخ إلى الحياة، وبذلك تتغير هويته النوعية، فينتقل من كونه تقريرا وصفياليصبح تخيلا تاريخيايشيح بوجهه عن مهمة توثيق الأحداث ولكنه يحوم حولها، ذلك مايمكن ملاحظته في روايتي "خارطة الحب وواحة الغروب".

***

عبد الرزاق اسطيطو

.........................

الهوامش:

1- د.عبدالله ابراهيم التخيل التاريخي السرد، والأمبراطورية، والتجربة الاستعمارية ط-1 –سنة 2011  المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت – لبنان-  ص5.

2 - نفس المصدر ص 9.

3-  نفس المصدر ص12

4 -  نفس المصدر ص 31

5- نفس المصدر ص 308 

 

صدر بالرباط كتاب جديد للمفكِّر المغربي الدكتور محمد مصطفى القبّاج أواخر السنة الماضية بعنوان " المسرح والفلسفة: بعضٌ من تجلياتِ صلاتٍ وثيقة". ولقد سعدتُ بقراءة الكتاب وتعلّمتُ منه كثيراً، ورأيتُ أن أُعرّف به بإيجاز لفائدة القارئ المثقَّف الذي يهمّه الموضوع.

المؤلِّف:

لا يستطيع أن يكتب هذا الكتاب إلا باحث له مثل اهتمامات الدكتور القباج وخبراته وثقافته. فهو درس الفلسفة على الفيلسوف المغربي المرحوم الدكتور محمد عزيز الحبابي، رئيس شعبة الفلسفة في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس وعميدها، ومارس تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية والجامعة والمدرسة المولوية بالرباط (وهي مدرسة خاصة بقادة البلاد في المستقبل). وهو عضو المكتب التنفيذي لمنظمة شمال/ جنوب لحقوق الإنسان وحوار الحضارات في جنيف، وعضو المكتب التنفيذي لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، وعضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت.

وفي الوقت نفسه كان الدكتور القباج عضوا في عددٍ من الفرق المسرحية المغربية الطليعية منذ استقلال المغرب أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وشارك في مقارباتها التجريبية في الكتابة، والإخراج، والتشخيص، والسينوغرافيا، والتقنيات المشهدية. وأَولى اهتماماً خاصاً للتفاعلات بين المسرح والفلسفة، وكتب دراساتٍ عديدةً في الموضوع. له أكثر من عشرين كتاباً، منها مسرحيته " دعاء للقدس" (1980) بالاشتراك مع المسرحي المغربي الشهير المرحوم أحمد الطيب العلج، وكتابه القيم " قضايا الإبداع المسرحي" (2000)، و "مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة" (2006)، و" مبحث الحرية في الفكر المغربي المعاصر" (2019). وقد لفتَ انتباهي أنه على الرغم من أنه يربو على الثمانين من عمره المبارك، فقد أصدر في الأعوام الأربعة الأخيرة أربعة كُتب، بعضها في أكثر من جزء واحد.

وللدكتور القباج أسلوب متميز. فبالإضافة إلى فصاحة لغته ووضوحها وسلاستها سلاسة مياه نهر أبي رقراق في الرباط، فإن كل جملة في نصوصه، تحمل فكرةً جديدة ًأو معلومةً فريدة. وبعبارة أخرى، إن كتاباته تخلو من الحشو والتكرار، على الرغم من فائدتهما، من الناحية اللسانية، في تأكيد المعنى وتيسير الفهم. ولهذا ينبغي أن يكون قارؤه متيقّظ الذهن، لأن النصَّ كلَّه منظوم مثل عقدٍ من لآلئ على جيد حسناء، جميع حبّاته أصيلة غالية الثمن.

الكتاب:

يقع كتاب "المسرح والفلسفة" في 282 صفحة من القطع الكبير، وطباعته أنيقة تندر فيها الأخطاء المطبعية. ويشتمل على صور الفلاسفة الذين يتناولهم الكتاب. ويتألف الكتاب من أربعة أقسام رُتِّبت بطريقة دقيقة، وهي:

1ـ التوطئة،

2ـ المُنطلق،

3ـ التجليات، وهي أربعة:

ـ التجلي الأول: عن أرسطو وابن رشد

ـ التجلي الثاني: عن أرسطو وبريخت.

ـ التجلي الثالث: مسرح المواقف، جون بول سارتر،

ـ التجلي الرابع: مسرح العبث أو اللامعقول، البير كامي وصامؤيل بيكت وأوجين أيونسكو.

4 ـ الملاحق: وهي ثلاثة:

ـ الملحق الأول: كتاب أرسطو " صنعة الشعر"، ترجمة حديثة للدكتور محمد شكري عيّاد.

ـ الملحق الثاني: كتاب أرسطوطاليس في الشعر، نقل أبي بشر متى بن يونس.

ـ الملحق الثالث: كتاب الشعر لأرسطوطاليس، تلخيص ابن رشد.

وسنعرض فيما يأتي هذه الأقسام بإيجاز:

1ـ التوطئة:

ما تزال المصطلحات: (توطئة) و (تمهيد) و(مقدمة) تُستعمل في الكتب العربية بوصفها مترادفات. وأتوقَّع أن تتحدَّد مدلولات هذه المفردات في المستقبل عندما تزداد قيمة الكتاب ويرتفع إقبال العرب على القراءة والتأليف وتنمو الثقافة العربية [1]. ففي تلك الحال يميل الناطقون باللغة إلى تخصيص تلك المترادفات، ليدلَّ كلُّ واحدٍ منها على مفهوم من مفاهيم النسق المفهومي.

يستعمِل المؤلِّف الفاضل لفظ (توطئة) ليدل على مقدّمة موجزة. ويلتزم بالتقاليد المعرفية العربية فيما ينبغي أن تتضمن مقدمة الكتاب. فهو يتناول في توطئته المسائل الآتية:

ـ أهلية المؤلف للكتابة في هذا الموضوع: فيذكر أنه درس الفلسفة في كلية الآداب بالرباط، وفي الوقت نفسه، لم تنقطع صلته بالمسرح، نصوصاً وعروضا. وسبق له أن كتب دراسة عنوانها " الفلسفة والمسرح" ضمّنها كتاب " من قضايا الإبداع المسرحي" (2000)

ـ مصادر المؤلّف ومراجعه: يذكر المؤلِّف أن قراءاته للكتب التي تطرقت لصلب الموضوع قد تنوّعت وتعددت حتى أنها فاقت مئة كتاب. واختار منها أربعة كتب لتكون مصادره الرئيسة، وهي:

1ـ كتاب " مسرح الفلاسفة"(1995) لجاك تامينيو:

يتضمن تحليلاتِ نصوص فلسفية مختارة من مختلف العصور حول الشعرية في القراءات الإفلاطونية والأرسطية للتراجيدا.

2ـ كتاب " فلسفة المسرح" (2000):

يضم دراسات لفلاسفة ومسرحيين تتناول العلاقة بين المسرح والفلسفة، اختارها وترجمها ماثيو هومسر.

3ـ كتاب " المسرح والوجود" (2004):

وهو بحث لهنري كويي الذي يرى فيه أن الفلسفة هي تأمُّل في المبادئ الأولى لطبيعة الكائنات والأشياء قبل أن تتحوَّل إلى موجودات، فيقوم المسرح بتيسير قراءة تلك الموجودات ومشاهدتها.

4ـ كتاب " جيل دولوز. المسرح والفلسفة: منهج الدراماتية" (2013) لمؤلفه إسماعيل جود.[2].

وجميع هذه المصادر حديثة وصدرت في فرنسا، والرابع منها صدر في بلجيكا وفرنسا. وكلّها تؤكّد ما بين المسرح والفلسفة من وشائج متينة، بحيث أقتنع المسرحيّون بأنه لا مسرح دون مرجعية فلسفية، ورأى الفلاسفة في المسرح وسيلة لتبسيط أفكارهم الفلسفية وتعميمها.

الباحثون المغاربة في الموضوع:

يقرُّ المؤلِّف بأنَّه ليس أوَّل باحث تصدَّى لهذا الموضوع، فقد سبقه مجموعة من الباحثين الجامعيين والمسرحيين مثل المرحوم حسن المنيعي وعبد الكريم برشيد وعبد الرحمن بن زيدان وعبد الواحد بن ياسر وخالد أمين وغيرهم.

2ـ المنطلق:

في الأساطير الدينية اليونانية هناك آلهة متعددة، كلُّ واحد منها مختصٌّ بعنصر من عناصر الطبيعة. وبعض تلك الآلهة ذو طبيعة خيرة، وبعضها الآخر ذو طبيعة شريرة. ولهذا تقع بين الآلهة خصومات ومعارك وحروب.[3]

وانشغلت الفلسفة اليونانية في قضايا الوجود والعدم: لماذا هنالك وجود وليس هنالك عدم؟ وكيف نثبت الوجود ونتقبَّله؟ وعندما تطرح الأعمالُ المسرحية قضية المعنى المأساوي للحياة، فإنها تتناول الوجود بوصفه إشكالية فلسفية. فمن خلال تفاعل الأحداث والشخوص، يكشف المسرح عن مأساة الوجود المستمرة.

وفي الفلسفة نجد كذلك مبحث الأخلاق، أي قضايا الخير والشر. ويرى الفلاسفة اليونان أن جميع الفنون، بما فيها المسرح، هي في خدمة الأخلاق.

والمسرح اليوناني هو وليد تلك الأساطير الدينية، فقد نشأ في أثينا في القرن السادس ق.م. خلال الاحتفالات التي كان يقيمها اليونانيون أثناء فصل الربيع احتفالاً بإلاه الخمر ديونيسوس ( باكوس أو باخوس) الذي علَّمَ البشرَ زراعة الكروم. ويتخَّلل تلك الاحتفالات الموسيقى والرقص والشِّعر والتضحية بالماعز ولبس الأقنعة.[4]

المسرح منتوج معقّد، فهو نقطة التقاء بين عدد من المعارف والعلوم والفنون والتقنيات (الأفكارـ القضايا ـ اللغة ـ الشعر ـ الرسم ـ النحت ـ اللباس ـ المشاهد ـ الإضاءة ـ الموسيقى ـ الرقص ـ التشخيص ـ التلقي). ويصوِّر المسرحُ الأشخاصَ والأفعالَ والمواقفَ، كما هي أو كما ينبغي أن تكون. فليس هنالك مسرحيَّة لا تتضمَّن تقييما أخلاقياً للشخوص أو الاحداث أو المواقف.

ولهذا فإن العلاقة بين المسرح والفلسفة هي علاقة تداخل وتبادل. فهي علاقة ذات مستويات متعدِّدة. فالفلسفة تُغني المسرح بعمق معالجاتها، والمسرح يُضفي على الفلسفة مسحةً جمالية ومتعة. والمتعة التي يثيرها المسرحُ في نفس المشاهد، تنطوي على حُكمٍ أخلاقيٍّ بناءً على معاييرَ موضوعيةٍ أو ذاتية، تتناول الشجاعة والقيم، والكرم والبخل، والصدق والكذب، والصراحة النفاق، إلخ.

وأدى نجاح المسرح في تبسيط القضايا الفلسفية ومضامينها، إلى اضطلاع فلاسفةٍ معروفين مثل جان بول سارتر والبير كامي بكتابة مسرحيات لتبسيط أفكارهم وترويجها مع مسحة من جمال وإمتاع.

ويستخلص المؤلِّف الفاضل من عرضه في هذا المنطلق " أن هناك ارتباطاً جدلياً بين الفلسفة والمسرح. فالفلسفة نفذت إلى المسرح بكلِّ قضاياها، والمسرح وجد في التفلسف متنفساً لتأثيث نصوصه بأمتن الافكار، إلى الحد الذي جعل بعض النقاد يتحدثون عن المسرح الفلسفي (جراردو ـ كوكتو...) أو المسرح السيكولوجي أو الفلسفة الممسرحة (كامو ـ سارتر...) أو المسرح الإيدولوجي، خاصة إبان عهد الاتحاد السوفياتي وانتشار الإيديولوجيا الماركسية (بريشت...). (ص 24).

ونظراً لهذه العلاقة الوطيدة بين الفلسفة والمسرح، اضطلع عددٌ من الفلاسفة بالتنظير الفلسفي للمسرح. وأوَّل هؤلاء الفلاسفة الفيلسوف اليوناني أرسطو (322ـ385ـق.م.) في كتابه " صنعة الشعر" الذي يشتمل على منهجٍ استقرائيٍّ اختباري، يبدأ بقراءة النصوص المسرحية وينتهي باستنتاجٍ نظريٍّ برؤى فلسفية معيارية. ويرى أرسطو أن جميع الفنون، بما فيها المسرح، تقوم أساساً على (محاكاة) ما هو جوهري في الطبيعة المتحرِّكة نحو كمالها، ألا وهو الفعل الإنساني.

فالمادَّة الخام في الدراسة هي الصراع وله قوَّتان: قوَّةُ الخوف وقوَّة الشفقة، وحين يجري الصراع بينهما، يحقِّق للإنسان تطهيراً فكرياً يقوده إلى الاستمتاع والالتذاذ والسعادة.

3ـ التجليات:

التجلي الأول، أرسطو ابن رشد:

يبدأ المؤلِّف الفاضل هذا الفصل بالإشارة إلى ما يردِّده مؤرِّخو الفلسفة اليونانية من أنَّ أرسطو (385ـ 322 ق.م.) تتلمذ على إفلاطون (427ـ347 ق.م) في أكاديميته بأثينا، ولكن أرسطو اختلف مع معلِّمه "مسجلاً قطيعة معه"[5]، وغادر أكاديمية إفلاطون، وأسس مدرسته التي سمّاها (الليسي)، حيث ألقى دروسه الفلسفية ومنها نصَّ كتاب " البوتيقا" وكتاب " الخطابة " بوصفهما ضمن مبحث المنطق، الذي يُعَدُّ أرسطو مبتكر قوانينه الأول[6].

يتناول هذا الفصل كتاب " البوتطيقا" (صنعة الشعر) الذي ألّفه أرسطو بعد أن أنفصل عن استاذه إفلاطون، واسس مدرسته الخاصة به " الليسية" وأملى هذا الكتاب على طلابه وجعله، بوصفه كتاباً في مبحث المنطق، لأن غايته التوصل إلى القوانين التي تحكم جودة الأقوال الشعرية.

ويذكر فيه أرسطو أن الشعر صنعة تُصاغ بها الملحمة (قصيدة طويلة جداً تروي المغامرات البطولية مثل الأوديسة والإلياذة)، والتراجيديا (مأساة: مسرحية جادة محزنة)، والكوميديا (ملهاة: مسرحية ذات مواقف مضحكة ومفارقات)، والديثرمب (نشيد تتغنى به جوقة تعزف وترقص في شكل دائري) . وكانت هذه العروض المسرحية تقدَّم بمناسبة أعياد إلاه الخمر " ديونيزوس". وأضيف إليها بعد مدة مباريات بين الشعراء بأشعار غنائية يلقونها مُلحّنة مصحوبة بالعزف على آلتي الناي والسيتار.

أضطلع ارسطو في كتابه " صنعة الشعر" بتحليل تلك الأعمال الشعرية وتقييمها ونقدها واستقراء آلياتها، واستخراج أنساق الأقوال الشعرية فيها، وأغراضها، للتوصل إلى القوانين الضابطة لها.

وفي هذا الكتاب، يقسَّم ارسطو علوم عصره على ثلاثة أنواع:

ـ العلوم  النظرية: تقوم على التأمل في الوجود ومكوّناته وعلله وأصوله.

ـ العلوم العملية : وتتمثل في نشاط الإنسان ومشاغله الأخلاقية والسياسية.

ـ العلوم الجمالية: التي تمنح المتعة واللذة، كالفنون الجميلة ومنها المسرح.

ونظراً لأهمية كتاب أرسطو، يقوم المؤلِّف الفاضل بتلخيص أقسام الكتاب السبعة والعشرين. جعل أرسطو الأقسام الخمسة الأولى من الكتاب للتمهيدات، وتحديد طبيعة الكتاب بأنه في صنعة الشعر، وأنواعها وأهمية الحبكة في تحقق الجودة.

ويتطرق القسم الثاني إلى جوهر صنعة الشعر، أي المحاكاة. ويقسِّم المحاكون على نوعين: الأخيار والأشرار؛ ويقرر أن الأخلاق، بما فيها من فضيلة ورذيلة، هي التي تميز السلوك الإنساني. ويعتمد نوع الأخلاق التي يتناولها الشعر على المحاكين.

ثم يتناول الكتاب طرق المحاكاة، والأسباب الداعية إلى قرض الشعر، والفروق بين الكوميديا والملاحم والتراجيديا. والتراجيديا هي محاكاة فعل جليل عظيم كامل بكلام ممتع جميل له وزن وإيقاع يتم بالعروض أو بالغناء. فالتراجيديا وليدة الاحتفالات الدينية في الربيع. ولكل تراجيديا ستة أمكوّنات هي : القصة والأخلاق والعبارة والفكر والمنظر والغناء.

ويتطرَّق الكتابُ إلى كيفية ترتيب الأفعال في التراجيديا. فيقرر أن جمال التراجيديا يكمن في محاكاتها لفعل تام عظيم كامل. والفعل التام هو الذي له بداية ووسط ونهاية. وجمال الفعل يكمن في ترتيبه وفي عِظمه. فالحيوان الشديد الصغر ليس جميلا، كما أن الحيوان الشديد الكبر ليس جميلاً. وأن التراجيديا ينبغي أن تكون قصتها متوسطةً يمكن حفظها.

وينبغي أن تدور قصة التراجيديا حول شخصٍ واحد، فالشخص الواحد قد تحصل له أمور عديدة متنوعة ويقوم بأفعال كثيرة مختلفة. ويضرب أرسطو أمثلة لذلك من تراجيديات شاهدها خلال أعياد الربيع.

ثم ينتقل أرسطو إلى تحليل عمل الشاعر، الذي يكتب التراجيديا. فيقول إنَّ الشاعر لا يروي ما وقع فقط، بل يروي كذلك ما يمكن أن يقع. وبذلك فإن الفرق بين الشاعر والمؤرِّخ لا ينحصر في نظم القصة شعراً أو كتابتها نثراً فحسب بل يتعدّى ذلك إلى أنَّ المؤرِّخ يروي ما وقع فقط، في حين أن الشاعر قد يروي ما يجوز وقوعه، وبهذا يكون الشعر أقرب إلى الفلسفة. فالتاريخ يعبّر عن الجزيئيات والشعر يعبّر عن الكليات.

ويتطرق أرسطو إلى أنواع قصص التراجيديا، فيقسّمها إلى بسيطة ومقعدة. والقصة البسيطة تلك التي يكون الفعل فيها واحداً ومتصلاً. أما المعقَّدة فهي التي يقع فيها التغيُّر إما بانقلاب أو بالتعرف بالعلامات وما يفتعله الشاعر، وما يكون بالتذكُّر. ومن أنواع التراجيديا التي فصّلها أرسطو في كتابه " صنعة الشعر"، التراجيديا الإنفعالية، والتراجيديا الأخلاقية، والتراجيديا التي تجري مشاهدها في الجحيم.

ويستعرض أرسطو أجزاء التراجيديا الأربعة: المقدّمة، والقطعة، والخروج، وغناء الجوقة. وأجمل التراجيديات هي ما كان نظمها معقداً لا بسيطاً، وما كانت تثير في المشاهدين الخوف والشفقة على مَن لا يستحق الشقاء. ومما يعمّق مشاعر الخوف والشفقة لدى المشاهدين، المناظر والمؤثرات المرافقة التي تستخدمها التراجيديا. أمّا الأخلاق التي تدور حولها التراجيديا، فينبغي أن تكون مناسبة وشبيهة بالواقع، وأن تكون السلوكات سوية.

ويخصِّص أرسطو قسما في كتابه للقدرات التي ينبغي أن يمتلكها الممثِّلون الذين يؤدون الأدوار في التراجيديا لإحداث التأثير في المشاهدين. وأفضل الممثلين أولئك الموهوبون الذين يعبِّرون بصدق عن المشاعر والانفعالات المختلفة، من رضا، وغضب، وجنون.

ويستطرد أرسطو في الكلام عن (العبارة والفكر) في أقسام عديدة من آخر الكتاب. فالعبارة متعلِّقة بمهارة الإلقاء، أما الفكر فيتعلِّق بالإثبات والمناقضة وإثارة الانفعالات والخوف والغضب والتعظيم والتحقير. ومنتوج الفكر هذا يُعبَّر عنه بالكلام. ولهذا فإنّه يفصل الكلام عن العبارة وتركيبها. فالعبارة تتكون من الحرف والمقطع والرابط والاسم والفعل وتصريفه والنطق. ويفصل القول في كل مكوّنٍ من مكونات العبارة. فالاسم مثلاً إما أن يكون أسماً أصيلاً أو استعارة أو زينة أو موضوعا أو ممدوداً أو متصوَّراً أو مغيَّرا. ويعرّف كل مصطلح من هذه المصطلحات ويضرب عليها أمثلة من تراجيديات قرأ نصوصها أو شاهدها في أعياد الربيع.

ويخصِّص أرسطو قسماً من الكتاب للتمييز بين التراجيديا والملحمة. وعلى الرغم من أن كلا النوعين شعراً يقوم على المحاكاة، فإن أرسطو يميل إلى تفضيل المحاكاة التراجيدية على المحاكاة الملحمية، لأن التراجيديا تتوجَّه إلى متفرِّجين مثقَّفين، ولهذا فإن مؤلّفها يتوخّى الإتقان والجودة في صنعته، وقدرتها على إيصال غايات مبدعها إلى الجمهور. ويمكن التأكُّد من جودتها بمجرد قراءة نصها المكتوب قبل تشخيصها فوق خشبة المسرح بالحوار والمشاهد والموسيقى.

ونظرا لكثرة أقسام كتاب ارسطو عن اللغة والفكر،  فإن معظم السريان والعرب نظروا إليه بوصفه كتاباً في النحو والبلاغة والعروض، لأنهم لم يعرفوا، في ثقافتهم في ذلك الوقت، المسرح ولا الأجناس المسرحية التي تناولها الكتاب،.. ولهذا فإن الفيلسوف النابغة ابن رشد  اكتفى بتلخيص أقسام الكتاب التي يألفها القارئ العربي وتنفعه، وضرب لها أمثلة من الأدب العربي نفسه، كما سنوضح ذلك عندما نتناول ملاحق الكتاب.

في كتاب " صنعة الشعر " الذي وصلنا، ليس ثمة قسم للكوميديا، إمّا لأنه من النصوص الضائعة، أو لأن أرسطو صرف النظر عنه لسبب أو لآخر.

التجلي الثاني: أرسطو وبريخت

أكتشف الفيلسوف المسرحي برتولد بريخت[7] (1898ـ1956) أن المسرح الذي نظَّر له أرسطو في كتابه " صنعة الشعر" قد انتهت صلاحيته الزمانية. وقرر القطيعة معه وإنشاء مسرح معاصر، فكتب عدّة دراسات عن ذلك بين سنتي 1927و 1931 جمعها في كتاب عنوانه " المسيرة نحو مسرح معاصر". وبعد مدة نشر كتاباً آخر بعنوان " الأورغانون الصغير للمسرح". وتناول بالمسرحيات التي يؤلفها والتي يخرجها هموم الإنسان المعاصر ومشكلاته وقضاياه، متأثراً بالصراعات والحروب التي كانت سائدة في زمانه وبالفلسفة الماركسية. فالمسرح الأرسطي كان ينطلق من فكرة كون الإنسان خاضعاً للغيبيات والصراعات بين الآلهة حول تدبير الكون والإنسان.

كان بريخت يرى " أن ممارسة الفن الحقيقي تتجاوز موهبة التسلية ليكون مقصدها تغيير أوضاع المجتمع والنضال ضدَّ أي نظام حاكم مستبد يستعمل وسائل القمع للحطّ من قيمة الإنسان واستغلال مقدّرات المجتمع وثرواته." (ص77).

وفي كتابه الأول، يلخّص بريخت الفروق بين مسرح أرسطو (الدرامي)، وبين مسرحه (الملحمي). ولهذا المسرح الملحمي تسميات أخرى، مثل المسرح التعليمي (الديداكتيكي)، والمسرح الجدلي (الديالكتيكي)، والمسرح الشعبي. وجدول الفروق كما يأتي:

4409 جدول

التجلي الثالث: مسرح المواقف،

رائد (مسرح المواقف) أو (المسرح الملتزم) هو الفيلسوف الفرنسي جان بول  سارتر(1905-1980)[9]. من سيرته الذاتية Let Mots  (الكلمات)، نعرف أنه جاء إلى الفلسفة عن طريق الأدب. وانه يرى أن الأجناس الأديبة، ومنها المسرح، يتيح للمتلقي مخزوناً معرفيا وجمالياً ولغوياً. وبعد دراسة الفلسفات المختلفة، أدرك أن محاولات الفلاسفة لفكِّ معميّات الوجود والزمان وظواهرهما، ووجود الأشياء، ووجود الإنسان، فأصدر كتابه " الوجود والعدم" سنة 1943، مبشراً بفلسفة جديدة هي الوجودية الملحدة. وقد تأثر بما درسه للفلاسفة السابقين، خاصة كانط (1724ـ 1804) في نزعته النقدية وفلسفته في الجماليات، وجورج فريدريك هيجل (1770ـ1831)،  في مثاليته الجدلية، وفريدريك نيتشه (1844ـ1900) في العلاقة بين حكماء اليونان قبل سقراط وكتّاب المسرح الإغريقي ، وأخيراً وليس آخراً، بالفيلسوف سورين كيير كغارد (1813ـ1855) صاحب الوجودية المؤمنة.

وخلاصة وجودية سارتر الملحدة " الإنسان مقذوف به في الوجود دون إرادته أو موافقته، لذلك فهو محكوم عليه بالحرية، وبهذه الحرية يصنع ماهيته وأوضاعه واختياراته  ومسؤولياته." (ص 98).

التجلي الرابع: مسرح العبث أو دراما اللامعقول:

يُنسب "مسرح العبث" إلى الفيلسوف الفرنسي البير كامو[10]، الذي كان من أصدقاء جان بول سارتر ومؤيدي فلسفته الوجودية، ثم اختلف معه، وأعلن أنه لا ينتسب إلى الوجودية، مؤمنة كانت أو ملحدة، معتبراً وجودية سارتر علم لاهوت بدون إلاه. ورفض أن يُوصف بفيلسوف، لإضفاء صبغة جمالية على مؤلَّفاته لتكون أقرب إلى الإبداع الأدبي منها إلى التجريد الفلسفي. ونظراً لما عاناه في حياته من حسرة وألم بسبب وفاة أمه ثم وفاة أخته وما عاناه من مرض السلِّ، تغلبت لديه النظرة التشاؤمية إلى العالم الزاخر بالشرور الدالة على عبثية الحياة، التي هي في حقيقتها حكم بالموت موقوف التنفيذ[11]. كما يرى كامي أن كثيراً من سلوكات الإنسان لامعقولة مثل قتل العربي في روايته الممسرحة " الغريب".

من مظاهر تمرد مسرح العبث عن المألوف في المسرح، القطع مع العقل والعقلانية، وتبنّي النفَس الأسطوري لارتباط الأسطورة باللامعقول، والثورة على صورة الكون لما في أحداثه من صور اللامعقول واللامنطقي.

وينتمي إلى مسرح العبث واللامعقول كذلك صموئيل بكيت[12] الذي  يعبّر عن عبثية الحياة أحيانا باللعثمة والبعبعة والهذر. وإذا ارادت شخوصه المسرحية الإفصاح عن نفسها، تلجأ إلى الصياح والصراخ والهمس غير المسموع، وتبقى غير مفهومة. فهو يستخدم اللغة لا كغاية في حدِّ ذاتها بل لقوة إيحاءاتها. فيستعمل كلمات قليلة لتعبّر عن معانٍ كثيرة.

ولكن أيوجين أيونسكو[13]  الذي ينتمي إلى مسرح العبث كذلك، يستخدم الفاظاً كثيرة لا تعبّر عن معانٍ ولو قليلة. فالعبث واحد والإسلوب مختلف. وقد أصدر أوجين إيونسكو كتاباً بعنوان " ملاحظات وملاحظات مغايرة" يضمُّ محاوراته ولقاءاته الصحفية التي تشرح الخلفيات النفسية والاجتماعية والتاريخية لتياره الرافض للتقاليد المسرحية. ويذكر في هذا الكتاب إنه في البداية كان يميل إلى مصطلحي " الاستهزاء" أو " الهراء"، ولكن تبين له أن مصطلح " العبث" هو الأدق في التعبير عن المفهوم المطلوب. فهو يدل على ما لا يُفهم، وعلى الإنسان الذي يسير دون أن يكون له مقصد للوصول إليه، وعلى كلِّ ما تعنيه تجربة العبث الميتافزيقي كلغز مطلق. ففي العالم لا منطق ولا عقل، وفي التاريخ يوجد من اللامعقولات أكثر من المعقولات.

ملاحق الكتاب:

يضع الدكتور القباج، ثلاثة ملاحق في آخر الكتاب. وهذه الملاحق تشكِّل أكثر من نصف حجم الكتاب (من الصفحة 137 إلى الصفحة 282). فلماذا فعل المؤلّف الفاضل ذلك؟ يكمن الجواب في كون هذه الملاحق تدور حول كتاب واحد، إما ترجمة حديثة له أو ترجمة قديمة له أو تلخيص له. ذلكم الكتاب هو كتاب "صنعة الشعر" لأرسطو الذي يعدّه الدكتور القباج أساس التنظير للعلاقة بين المسرح والفلسفة. ومما يؤيد ما ذهب إليه الدكتور القباج، أن كتاب " صنعة الشعر" ما يزال مؤثراً في الفكر النقدي العالمي.

الملحق الأول: ترجمة الدكتور شكري محمد عيّاد[14] الحديثة لكتاب " صنعة الشعر" لأرسطو.[15]

حصل شكري محمد عياد على الدكتوراه من جامعة القاهر، وكانت أطروحته تحقيق نقل أبي بشر متى بن يونس القنائي كتاب أرسطوطاليس " صنعة الشعر" من الإغريقي إلى السرياني ثم الى العربية، مع ترجمة حديثة للكتاب ودراسة عن تأثيره في البلاغة العربية. وترجمة الدكتور عيّاد الحديثة للكتاب تشكّل الملحق الأول من كتاب أرسطو. وفي هذه الترجمة نجد أن الدكتور عيّاد استعمل مصطلحي " التراجيديا" و " الكوميديا" اللذين لم يكونا معروفين في العصر العباسي حين أنجز متى بن يونس القنائي ترجمته وتوهَّم أنهما " المديح" و " الهجاء".

الملحق الثاني: نقل متى بن يونس القنائي[16] لكتاب أرسطوطاليس في الشعر من السرياني إلى العربي.

ونسوق الفقرة الأولى من هذه الترجمة، لأخذ فكرة عن الأسلوب واللغة:

" قال ارسطوطاليس: إنا متكلمون الآن في صناعة الشعر وأنواعها، ومخبرون أيّ قوَّة لكلِّ واحد منها، وعلى أيّ سبيل ينبغي أن تتقوَّم الأسمارُ والأشعارُ إن كانت الفواسس[17]  مزمعةً بأن يجرى أمرها مجرى الجودة. وأيضا من كم جزء هي، وأيَّما هي أجزاؤها. وكذلك نتكلم في أُخَر، كم التي هو موجودة [ التي هي] لها بعينها. [ونتكلم] ونحنُ متكلمون في هذا كلِّه من حيث نبتدئُ، أولاً، من الأشياء الأوائل."

الملحق الثالث: ابن رشد[18]. "تلخيص كتاب الشعر"، تحقيق تشارلس تبرورت واحمد عبد المجيد هريدي.

يقول ابن رشد في الغرض من كتابه:

" الغرض في هذا القول تلخيص ما في كتاب أرسطوطاليس في الشعر من القوانين الكلية المشتركة لجميع الأمم أو للأكثر، إذ كثير مما فيه هي إما أن تكون قوانين خاصّة بأشعارهم وعادتهم فيها، وإما أن تكون ليست موجودة في كلام العرب وموجودة في غيره من الألسنة.".

ولهذا لم يرَ هذا الفيلسوف العبقري فائدة في الكلام عمّا ليس معروفاً في آداب العرب. وأكثر من هذا وزيادة في استيعاب القارئ العربي لهذا الكتاب الإغريقي، ضرب ابن رشد أمثلة من القرآن الكريم ومشهور الشعر العربي. ففي (الإبدال) في البلاغة، يضرب ابن رشد مثلاً من القرآن ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾، ومثلاً من الشعر: "هو البحر من أي النواحي أتيته".

وهكذا فهذه الملاحق الثلاثة تزيد فهمنا لكتاب " صناعة الشعر " لأرسطو. فهو كتاب رائد جامع ينبغي على كل أديب وناقد ومسرحي، دراسته دراسة عميقه وفهمه فهماً كاملاً.

الخاتمة:

يُلخص الدكتور القباج، فحوى كتابه القيم  بفقرة وضعها على الغلاف الخلفي من الكتاب:

" إن ما بين المسرح والفلسفة من الصلات الوثيقة، والمراوحات ـ أخذا وعطاء ـ بَثَّت في العطاءات المسرحية أنفاساً فلسفية، وأصبح لأهل المسرح اقتناعٌ بأنه لا مسرح دون مرجعية فلسفية؛ وفي المقابل أسهم المسرحُ في توسيع قاعدة المستوعبين للفلسفات وأنساقها، وقد بُسِّطت لهم أفكارها ومفاهيمها وبراهينها، وفُكَّت ألغازها ومعميّاتها."

***

الدكتور علي القاسمي

......................

[1]  ثمة تمييز حالياً بين (تقديم) و(مقدّمة)، هو أن التقديم أقل كمياً من المقدمة، طبقاً للقاعدة اللسانية: "زيادة الحروف زيادة المعاني"

أما بقية الألفاظ التي ذكرناها في أعلاه فهي مترادفة كما تذكر معاجمنا الحديثة. ف"معجم اللغة العربية المعاصر" يقول: " توطئة: تمهيد، مقدمة" ويضرب مثلاً بقوله: " كتب المؤلف توطئة طويلة حتى يعدّها القارئ فصلاً " . (القاسمي)

[2]  في هامش الكتاب نجد التوثيق الكامل لهذه المصادر الأربعة.

[3]  ذُكرت كثير من الأساطير الدينية اليونانية في ملحمتي  " الألياذة" و " الإوديسة " لهوميروس ( القرن التاسع أو الثامن ق.م.)، وهذه الأساطير تأثرت في الأصل  بالأساطير السومرية والبابلية التي ورد بعضها في "ملحمة جلجامش" الشعرية (حوالي القرن العشرين ق.م.)..  وقد لخص الباحث أبوش، دراسات اضطلع بها كثيرا من كبار الباحثين الغربيين الذين أكدوا تأثُّر ملحمتي هوميروس بالملحمة السومرية، بدراسته المعنونة :

Tzvi Abuhttps:/ “The Epic of Gilgamesh and the Homeric Epics”

في الرابط:

www.degruyter.com/document/doi/10.1515/9781575067186-008/pdf#:~:text=This%20is%20not%20an%20unreasonable,by%20the%20Epic%20of%20Gilgamesh.sch. (شوهد بتاريخ 5/2/2022)

(القاسمي).

[4] يُلاحظ أن السومريين والبابليين كانوا يحتفلون بالربيع مدة أسبوع كامل من 1-7 نيسان/ أبريل من كل عام بمناسبة الزواج المقدس بين اثنين من آلهتهم: ديموزي، إلإه الخصب والنماء، والإلاهة أنانا/ عشتار، إلاهة الحب والجمال. وتجري احتفالاتهم في المعابد والشوارع والساحات، وتتخللها التراتيل الدينية والأناشيد والأغاني والرقص، وتمثيل أسطورة الخلق، ومسيرات المواكب المهرجانية. وفي مدينة بابل القديمة يسمى الشارع الرئيس بـ (شارع الموكب) لأن مواكب تلك الاحتفالات تمر فيه. وعندما كنتُ طفلاً، كانت المرحومة أمي الشمرية (ويعتقد بعض الباحثين أن قبيلة شُمر أصلها من سومر، كما ذكر لي الدكتور بهاء الدين الوردي مؤلِّف كتاب " قوم نوح" أي السومريين، ومصنِّف "المعجم السومري العربي") ـ كانت المرحومة أمي تحتفل بحلول فصل الربيع بزراعة بعض النباتات في أوانٍ والاحتفاظ بها في منزلنا. وكانت تعرف حلول الربيع من وصول عصافير السنونو الصغيرة المهاجرة إلى بيتنا وبناء أعشاشها في سقوفِ غرفنا المبنية من جذوع النخيل. (القاسمي)

[5] اود ان أشير إلى أن " القطيعة" التي تحدّث عنها مؤرخو الفلسفة اليونانية بين أرسطو وأستاذه أفلاطون لم تكن قطيعة تامة. فليس هناك قطيعة تامة في المعرفة، بل يستمر التراكم المعرفي بشكل أو بآخر. وقد انصبَّ اهتمام إفلاطون على نحو اللغة اليونانية واشتغل على نحوها، فقد كان يروم من جراء معرفة كيفية اشتغال اللغة، أن يقف على معرفة كيفية اشتغال الفكر أو العقل الإنساني، لأن اللغة تعبّر عن الأفكار. وافترض أن نحو اللغة اليونانية ينطبق على جميع اللغات الأخرى (وهو افتراض خاطئ). وفي الفصول الأخيرة من كتاب أرسطو " صنعة الشعر" المتعلقة بالعبارة، نجد فكر إفلاطون واضحاً. (القاسمي)

[6] تحوّل اهتمام أرسطو إلى المنطق، ولكنه لم يقطع مع ما تعلمه من أستاذه أفلاطون في النحو واللغة. فاسم " المَنطق" مشتق من " النُّطق". سواء كان ذلك في الاسم اليوناني أم العربي. وتعريف " المنطق" يحيل على تعريف النحو: "إن المنطق آلة  تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، كما أن النحو آلة تعصم مراعاتها اللسان عن الخطأ في القول.". وتقسيم أرسطو للأفَكار على غرار تقسيم إفلاطون للكلمات. فكما أن الكلمات تأتي تارة مفردة كالأسماء والأفعال، وتأتي تارة مترابطة كالجمل، فإن أرسطو قسم الأفكار إلى أفكار مفردة وهي التصورات، وإلى أفكار مترابطة هي القضايا أو التصديقات. أما تقسيم ارسطو للمقولات إلى عشرة أقسام (الجوهر و الكم والكيف ومن والإضافة، والأين، والمتى، والفاعل، والمفعول، وأن يكون له، والوضع)، فهو تقسيم  مأخوذ من تقسيم  أجزاء الكلام لإفلاطون. فالجوهر يقابل االاسم، والكم يقابل العدد، والكيف يقابل الصفة، وإلإضافة تقابل التفضيل، إلخ. ( تُنظر دراستي: ـ علي القاسمي, " النحو العربي وعلاقته بالمنطق: قراءة في كتاب الدكتور محمود محمد علي" المنشورة في صحيفة المثقف، بالرابط:

https://www.almothaqaf.com/a/b8/955775 

(شوهد بتاريخ 28/1/2022 ) (القاسمي)

[7]   برتولد بريخت ( أو بريشت، كما ينطق بالألمانية) طبيب ألماني يهودي أحب الشعر والمسرح والفلسفة، فاحترف الكتابة وعمل مخرجاً مسرحيا في برلين. وخوفاً من الاضطهاد النازي، فرَّ سنة 1933 إلى الدنمارك. ولكن النازيين أخذوا باحتلال البلدان الأوربية، فهرب بريشت إلى أمريكا. وهناك أخذ ينتقد الأوضاع الأخلاقية والاجتماعية، فخضع لمحاكمة سنة 1946. وعاد إلى بلاده ألمانيا الغربية سنة 1947. بيد أنهم لم يسمحوا له للعيش هناك، فاستقر في المانيا الشرقية.

يُلاحظ أن معظم الأوضاع الأخلاقية والاجتماعية الأمريكية التي انتقدها بريشت، انتقدها معاصره الأمريكي إرنست همنغواي. غير أن نقد الأخير غير مباشر بل من خلال السرد، أما نقد الأول كان مباشراً، ما أثار حفيظة السلطات الامريكية.

[8] في مفهوم هذا الحقل تكرارٌ لحاصل جمع الحقلين الثالث والرابع. (القاسمي)

[9] جان بول سارتر، فيلسوف روائي كاتب مسرحي ناقد، فرنسي ألماني الأصل (جده من مدينة ستراسبورغ). درس الفلسفة في ألمانيا أثناء الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. انضم إلى المقاومة الفرنسية ضد النازية. وهو ناشط سياسي ماركسي، ثم انتقد الماركسية الحزبية وليس الفلسفة الماركسية. كانت رفيقته الدائمة الكاتبة سيمون دي بوفوار، وقد تأثر كل واحد منهما بفكر الآخر. روّج لفلسفته الوجودية برواياته، ومسرحياته مثل الذباب (1943)  والغرفة المغلقة (1944) والعاهرة الفاضلة (1946). رفض جائزة نوبل للآداب سنة 1964.

وتأثر به الأديب اللبناني المرحوم سهيل إدريس أثناء دراسته الأدب العربي في السوربون بباريس، وعرّف بالفلسفة الوجودية في العالم العربي بمجلة "الآداب " التي كان يرأس تحريرها. (القاسمي)

[10] البير كامي (1913ـ1960) ، أديب متفلسف فرنسي، ولد في قرية الذرعان في شرقي الجزائر، من أب فرنسي، قتل في الحرب العالمية الأولى، وأم إسبانية. وكانوا في غاية الفقر. درس في المدارس الجزائرية للفرنسيين، ودخل شعبة الفلسفة في جامعة الجزائر.

تقوم فلسفته على فكرتي (العبث) و(التمرد)، عبث الحياة والكون، وضرورة التمرد عليها بالموت الإرادي أو الانتحار. وله كتابان معبران عن فلسفة العبث هما :الأول، " أسطورة سيزيف" (1942) الذي كُتب عليه أن يحمل صخرة كبيرة إلى أعلى الجبل، وعندما يصل إلى القمة تسقط الصخرة منه وتتدحرج إلى الأسفل فيعود لحملها مرة ثانية، ولكنها تسقط منه في الأعلى، وهكذا. والثاني، "المتمرِّد" (1951). التحق بالمقاومة اليسارية في باريس ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. من أشهر رواياته " الغريب" و "الطاعون"، ومن مسرحياته : "كاليجولا" و "سوء تفاهم".  وكانت كتبه تعكس فلسفته في الحب والثورة والمقاومة والحرية. ونال جائزة نوبل للآداب سنة 1957.

[11] أثّر كامي، بفلسفته وأدبه، في عدد من الأدباء العرب. ونجد صدى أقواله، مثلاً، في شعر المرحوم عبد الوهاب البياتي:

محكوم بالإعدام أنا،      مع وقف التنفيذ، عقوبتي الحياة.

[12] صموئيل بكيت (ولد في دبلن 1906 وتوفي في باريس 1989): إيرلندي من أصل فرنسي، كاتب مسرحي وشاعر وناقد ومترجم،  درس اللغات الفرنسية والإيطالية والإنكليزية بكلية ترنتي في دبلن. ويكتب مؤلفاته باللغتين الإنكليزية والفرنسية. التحق بالمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية. اشهر مسرحياته التي تعيّر عن فلسفته، مسرحية " في انتظار غودو". وقد شاهدتُها في مسرح صغير في الحي اللاتيني في باريس، وكان المسرح لا يتسع لأكثر من عشرين مشاهدا.

[13] يوجين أيونسكو (ولد بسلاتينيا في رومانيا 1909ـ 1994): كاتب مسرحي وشاعر وناقد روماني فرنسي ( ابوه روماني وأمه فرنسية) ومؤلفاته باللغتين الرومانية والفرنسية، درس الأدب الفرنسي في جامعة بوخارست، ومارس تعليم الفرنسية في المدارس، ثم انتقل أثناء الحرب العالمية الثانية إلى باريس لتحضير الدكتوراه، انتُخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية سنة 1970. أشهر مسرحياته " المطربة الصلعاء".

[14] الدكتور محمد شكري عياد (1921ـ1999) أستاذ جامعي مصري، قاص، وناقد مرموق.

[15]  وقع خطأ مطبعي في الصفحة 135 التي تحمل إطارا فيه عنوان الملحق، ولكن هذا الإطار هو تكرار لإطار الملحق الثاني. ومن المؤمَّل أن يُصحَّح هذا الخطأ المطبعي في الطبعة الثانية للكتاب.

[16]  أبو بشر يونس بن متى القنائي ( ت 939م) : فيلسوف منطقي مترجم، نصراني نسطوري من بلدة دير قنا ، القريبة من بغداد. له مناظرة مشهورة مع النحوي أبي سعيد السيرافي عن أفضلية المنطق أو النحو، نقلها أبو حيان التوحيدي في كتابه " الإمتاع والمؤانسة".

[17]  نُقِلت هذا الكلمة كما هي، وأحسب أنها تحريف في المخطوط أو خطأ مطبعي في المطبوع، وأنها في الأصل إما النواميس أو القوانين.

[18] أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (ولد في قرطبة 520 هـ/1126م وتوفي في مراكش 595هـ/ 1128م) فيلسوف اندلسي من أسرة علمية، فقد كان لأبيه مجلس بجامع قرطبة يدرّس فيه ، وكان جدّه الإمام في جامع قرطبة. اشتهر باسم ابن رشد الحفيد، أفادت أوربا من علمه، وعرفته بالاسم اللاتيني Averros . تولّى ابن رشد الحفيد القضاء في إشبيلية ثم في قرطبة. أصبح الطبيب الخاص للخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف بمراكش.، فقد كانت الأندلس تابعة لدولة الموحدين في المغرب. توفي ودفن في مراكش، ثم نُقل جثمانه إلى مسقط رأسه قرطبة. برع في الفقه والطب والفلك والفيزياء وغيرها من العلوم. كان يرى أنه لا تعارض بين الدين الإسلامي والفلسفة، كما أوضح في كتابه " بداية المجتهد ونهاية المقتصد". له مؤلَّفا ت كثيرة من أشهرها: "كتاب مناهج الأدلة" في الفقه وعلم الكلام، وكتاب " فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" الذي يرى فيه أهمية التفكير التحليلي كشرط أساسي لتفسير القرآن الكريم. وكتاب " تهافت التهافت" في الرد على الغزالي. وغيرها. (القاسمي)

 

في كتابه الجديد، (عبد الفتاح ابراهيم ودوره الريادي في الحركة الديمقراطية في العراق)، عاد الكاتب والباحث السياسي فياض موزان الى جذور الحركة الديمقراطية في العراق والاضاءة على ابرز روادها ورموزها، من الرعيل الاول، كما سماه. وقد تكون المحاولة هذه محفزا لفتح الباب امام البحث والباحثين الاكاديميين خصوصا للتفكير والبحث في تاريخ الحركة الديمقراطية والاشتراكية واعادة الاعتبار لرموزها الثوريين الذين زرعوا بذورها وارسوا جذورها، في زمن البدايات الاولى، مع التذكير بعدد قليل من المحاولات التي سبقت دراسة المرحلة والرموز، والتي تؤكد بمجموعها الاهمية التي يتوجب النظر اليها اليوم. وتلك مسؤولية تاريخية واخلاقية ووطنية في قراءة صفحات التاريخ وصانعيها، ولعلها انتباهة من بين غيرها او معها للبحث والدرس والاعتبار. وهذا ينطلق من عنوان الكتاب، ويتطلب التفكير به وتقدير او تقييم موضوعه وما يدور حوله وفيه، ولكن قراءة الكتاب تتوسع لما يتطرق المؤلف الى ما يصبو اليه من ثمرات تاليفه لشخصية متميزة في الحركة الديمقراطية في زمانها، وليتواصل مع التطورات والتحولات في التاريخ السياسي العراقي ويطرح اراء وافكارا له فيها، رافدا كتابه بما يغني من قراءات للماضي والحاضر.

الكتاب من295 صفحة، وتركب من عناوين فرعية عديدة بدل الابواب والفصول. وكل عنوان اخذ مساحته ومضمونه الذي قد يتوافق مع غيره فيكرر بعض التفاصيل ويعيد نشرها وتختلف احيانا في بعض مصادرها وتواريخها او اسنادها التاريخي والواقعي، (تاريخ جريدة الاهالي وجماعتها مثلا)! مما يتطلب الانتباه لها. ويمكن اعتبار ان180  صفحة الاولى منه بحثت واختصت في العنوان ومضمونه، وما تبقى من الكتاب طرح اراء المؤلف في التحول الديمقراطي واشكالياته في العراق، او امتدادا فكريا للباحث والبحث قد يحتاج قراءة مستقلة عن الكتاب، كما قد توضع اعادة بعض النصوص الكاملة المنشورة، كالمقابلة المنشورة مع حسين جميل، مثلا، ملحقا للكتاب.

في تقديمه كتب المؤلف عن عبد الفتاح ابراهيم (1904-2003) بانه.." يأتي في طليعة رواد الفكر الديمقراطي في تأريخ العراق المعاصر منذ مطلع عشرينات القرن الماضي حتى يوم رحيله. لم يحد عبد الفتاح ابراهيم عن القيم التي آمن بها سوى باتجاه التطوير والتعميق والبحث العلمي في المتابعة والتحليل، جامعا بين التنظير والتطبيق في معالجة أهم مشكلات المجتمع العراقي الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية". وبهذه المفردات بحث واجتهد في تاليفه، تقديرا واجلالا لشخصية تاريخية لعبت دورا بارزا في البناء الفكري والسياسي في تاريخ العراق الحديث. وحاول ان يقدم من خلال مؤلفه صورة عن رمز ودور وتاريخ له اسبابه ودوافعه ومبرراته الثقافية والتاريخية، منطلقة من اعجاب وتقدير واضحين. واضاف في المقدمة "من الاسباب التي دفعتني للكتابة عن المفكر الاستاذ عبد الفتاح ابراهيم: جحود المثقفين والمتخصصين العراقيين وبخلهم في الكتابة عنه بإعتباره أحد المفكرين العراقيين الاوائل. وندرة ماكتب عنه والتي لا تتعدى أن تكون غير شذرات معدودات، والكتابات التي تناولته كانت في معظمها مقتضبة تحدثت عن دوره في معترك الحياة السياسية العراقية، وتناولت سيرته ومسيرته النضالية من دون الخوض بتفاصيل أوسع وأشمل وأغزر تدعو الى مناقشة فكره وتميزه المبكر، وتستطلع وتستشرف رؤيته المتقدمة في تلك المرحلة، وثباته على المباديء التي يحملها، وسيره الحثيث على المحددات الوطنية التقدمية وتثبيت وترسيخ الثوابت في النهج الديمقراطي الذي آمن به." وفي هذا التقديم واحكام المؤلف بعد جهده وبحثه ينتظر ان يقدم اجوبة كافية عن موضوعه، ومثل هكذا اسئلة وظروف البحث تتحول الكتابة الى مسائل اوسع من مفرداتها وقراءات تطور من المطلوب منها. ويثبت المؤلف فياض موزان ان موضوعه واسع وان عبد الفتاح ابراهيم  "وما طرحه من أفكار متجددة في هذا الشأن في مرحلة العشرينات من القرن المنصرم، تلك المرحلة التي سادها التخلف وشحة المصادر الثقافية، وقد وجدت أن ما كتب عن الاستاذ عبد الفتاح ابراهيم، ليس سوى هامش على تأريخ هذا المفكر الديمقراطي، وقد نحى الذين كتبوا عنه منحى استعراضيا أقرب الى اسلوب سرد السيرة، والابتعاد عن منهج الدراسة والتحليل، الامر الذي أفقده ميزة العطاء الثر، ووجدته غير كاف، أو لم يكن قد غاص في عمق فكره، أو أعطى أثرا بالغا يرتجى منه".

واصل المؤلف سرد الاسباب والبواعث مع ملاحظات النقد المعرفي والاشارات الاستفهامية، داعيا الى القراءة وثقل المسؤولية في البحث والتحليل واعطاء الموضوع حقه في الجواب عن الاسئلة التي قدمها في عرض اسباب ودوافع تاليفه. وهو ما ينتظر من جدية المؤلف وشعوره بمسؤولية الضوء الذي يسلطه على شخصية متميزة وفترات زمنية عاشها وترك بصماته فيها، وقد عاش كما سجل المؤلف فترات العهد الاستعماري واحتلال البريطانيين لبلده والفترة الملكية والفترة الجمهورية ومن ثم الغزو والاحتلال الاخير، الصهيو غربي.

وعبد الفتاح ابراهيم من عائلة دينية معروفة أصلها من منطقة عانة، (غرب العراق)، ولد في مدينة الناصرية (جنوب العراق) سنة 1904 (ويقال سنة 1907) حيث كان والده يشغل وظيفة واعظ ديني هناك في جامع فالح باشا السعدون، وانتقلت العائلة إلى البصرة قبيل الحرب العالمية الاولى سنة 1914 وفيها نشأ عبدالفتاح وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة أما دراسته الاعدادية فأكملها في بغداد، سافر بعدها إلى بيروت للدراسة في الجامعة الامريكية وبعد إكمال دراسته فيها سنة 1928 عاد إلى بغداد ثم التحق بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الامريكية لاكمال دراسته العليا لكنه وبعد ستة أشهر اضطر للعودة إلى العراق لاسباب عائلية قبل أن يكمل دراسته وفي سنة 1932 عمل في ميناء البصرة، حسب وجود عائلته ووظيفة والده ومكانها، فكان عبدالفتاح كلما يذكر الناصرية يزداد به الحنين والشوق لهذه المدينة حتى قال عنها «أن الناصرية تبقى ما حييت نابضة في ذاكرتي».

ذكر المؤلف مؤلفات عبد الفتاح ابراهيم، والتي كما اشار اليها تعطي من عناوينها ما يعرّف باهتمامات ابراهيم ودوره. ويعتبره رائد الفكر الاجتماعي، وصاحب اول مؤلف عن علم الاجتماع في العراق. فكتب من مؤلفاته: 1(مقدمة في الاجتماع، مطبعة الهلال يبغداد 1939. 2(دراسات في علم الاجتماع). 3(الاجتماع والماركسية). 4(على طريق الهند). 5(الشعبية). 6(حقيقةالفاشية). 7(قصة النفط العراقي). 8(معنى الثورة). ومقالات عديدة متنوعة. وترجم إلى العربية كتاب عن (التربية والتعليم في الاتحاد السوفياتي) وآخر عن الزعيم الوطني الهندي (المهاتما غاندي ) لاعجابه به.

 واستمر المؤلف في توصيف وتقدير  موضوعه، فكتب في ص 118: "أن أهمية عبد الفتاح إبراهيم تكمن في كونه من أوائل الذين أهتموا بالبحث عن أهمية الديمقراطية ليس فقط على المستويين الاجتماعي أو السياسي بل على المستوى الثقافي أيضا وهنا تكمن أهمية طروحات عبد الفتاح إبراهيم في الديمقراطية الشعبية وقد وصف الديمقراطية بأنها «نظام للحياة ولتعني بذلك نظام سياسي فقط أو أنها نظام إقتصادي فحسب أو انها نظام للتربية والتعليم أو طريقة في التفكير أو أسلوب في العمل او هي سلوك في الخلق، أو سجايا نفسية أو ميولأ ونزعات فنية.» «إن الديمقراطية تشمل كل هذه الامور لانها تجمع بين عناصر الحياة الاجتماعية ومظاهرها. « أنها ثقافة على كل المستويات يتكامل فيها المجتمع حينما يتحصن بهذه الثقافة كونها تفسح المجال للفرد والمجتمع معا للتكامل وتحقيق النمو والتقدم الثقافي والفني والاجتماعي ولا يتحقق ذلك إلا من خلال الديمقراطية التي يؤمن بها عبد الفتاح إبراهيم وهي الديمقراطية الشعبية"..

اضافة الى التاليف والاسهام الفكري كان عبد الفتاح رجل تنظيم وتاطير، حيث اسهم في تاسيس العديد من الجمعيات والمنظمات والاحزاب،  من ابرزها: جمعية النشيء الجديد، جماعة الاهالي، جمعية الاصلاح الشعبي، جمعية السعي لمكافحة الامية، الرابطة الديمقراطية، نادي بغداد، حزب الاتحاد الوطني والحزب الجمهوري. وشارك في ادارة غيرها ايضا. ولكنه توقف عن هذه النشاطات لفترة طويلة، لما يقارب اربعة عقود من الزمان، وله اسبابه طبعا، حتى وفاته في تموز/ يوليو عام 2003  عن عمر ناهز 99 عاما.

في عناوين مؤلفات عبد الفتاح ابراهيم ونشاطاته السياسية والفكرية والعملية ودوره في الحركة الوطنية عموما مواضيع لها اهميتها وضرورة اعادة قراءتها، والجواب على اسئلة المؤلف عنها ولها. فعبد الفتاح ابراهيم مثقف عضوي يستحق الكثير من القراءات واعادة الاعتبار. وقد قدم الباحث في كتابه قراءة واسعة لمفههوم الديمقراطية الشعبية عند عبد الفتاح ابراهيم ودوره في التنظيم السياسي للحركة الوطنية، وعرّج على تحديد هويته الفكرية وكذلك اشار الى الخلافات والاختلافات التي عمت قيادات الحركة وانقساماتها التي لعبت دورها منذ تلك الفترة المتقدمة في مسارها ومصيرها. وتبقى الخلاصة منها في الدروس والعبر وهو ما توسع المؤلف فيه في الصفحات الاخيرة من الكتاب.

 الكتاب جهد ثقافي، و"دفعة من دفعات رد الدين والعرفان بالجميل، كما قدمه أ. د عامر حسن فياض، انتجه الصديق (فياض موزان) تقديرا للعطاء الفكري السياسي لرمز من رموز مدرسة العراق الوطنية الفكرية السياسية العاقلة وهو عرفان لصاحب مشروع إنقاذ دائم للعراق كان وسيبقى"...

***

كاظم الموسوي

(مفهوم "الإسْتِحْقَاقْرَاطِيَّة"عند الدكتور بلقاسم عبد القادر نصر الدين)

يرى مالك بن نبي أن عملية التغيير الفعلية إنما تبدأ بتخلص الإنسان من عقدة النقص والإنبهار بإنجازات الغربيين، كذلك بإعادة اللحمة بينه وبين قناعاته الصحيحة وبين عقيدته وسلوكه وعمله، يقول مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة، "حتى يومنا هذا لم يفكر غالبية المفكرين والمثقفين والوعاظ والخطباء جديًّا في حل مشكلات العالم الإسلامي، فعقدة النقص جعلت الدول المتخلفة تتفرج على منجزات غيرها ولم يحدث أن تحركت إلا إذا حضر الآخر، يمعنى تدخل الغرب في شؤوننا، ويضيف بالقول أن التخلف في العالم الإسلامي سببه التفرقة والخصومة فيما بين المسلمين والعداوة والبغضاء بين الطوائف والمذاهب الإسلامية فيما بينها والتجريح والتسفيه فيما بين أطراف الطائفة الواحدة والمذهب الواحد رغم أن الإسلام جاء ليوحد ويجمع لا ليشتت ويفرق

لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟..، سؤال طرحه الدكتور بلقاسم عبد القادر نصر الدين أستاذ مساعد بجامعة "أوساكا" اليابان في كتاب من تأليف جماعي أعدته وأصدرته دار الأصالة للنشر الجزائر، شارك فيه باحثون ومفكرون من مختلف الجنسيات طرحوا إشكالية تتعلق بسؤال النهضة عند المفكر الجزائري مالك بن نبي، ومن هؤلاء الباحثين الدكتور بلقاسم عبد القادر نصر الدين الذي قال: إن طرح هذا السؤال بهذه الصيغة خاطئ ومفخّخٌ بالمقدس، فحبذا لو طرح السؤال بالصيغة التالية: لماذا تقدم المسيحيون في أمريكا والملحدون في اليابان وتأخر غيرهم في أفريقيا؟ لأن ربط الدين بتقدم وتأخر البشر هو من المغالطات المنطقية، فلو تأملنا تحليل صاحب هذه الدراسة لوجدنا أن السؤال الأول كان في محله حتى لو كان مفخخا كما قال هو أو أنه يخفي قنبلة قد تنفجر في أيّ لحظة، لأن المتحكم في جهاز الضغط على الزرّ لتفجير هذه القنبلة من وراء البحار ولا نعرف متى يضغط بأصبعه على زرّ هذا الجهاز، ولذا، فإنّ طرح هذا السؤال يخدم الفكرة التي يراد توضيحها لأن المشكلة لا علاقة لها بالدين (الإسلام) وإنما تفكير وسلوكات المسلمين وبخاصة العلماء والفقهاء لأنهم أغلقوا باب الإجتهاد وحرموا حرية التفكير والتأويل وعلم الكلام، ثم أن السؤال قد يُطرحُ بصيغ مختلف مثل لماذا تأخر الشرق وتقدم الغرب؟ ولماذا تقدم الغرب وتأخر العربُ؟، فهذه الأسئلة تخفي وراءها حقائق مدفونة تريد التيارات الدينية دفنها لأنها كانت السبب في تراجع الأمة، وبالتالي يمكن إعادة إخراجها من جديد وعرضها للتشريح كما تعرض الجثث في المشرحة.

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هي أن الغرب تقدم على العرب بالعلم والتقنية رغم أن القرآن الذي أنزله الله على الناس كافة لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا وعالجها وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، لكن تعصب المسلمين وغلقهم باب الحوار والإجتهاد وكفرهم بالعقل في حل المشكلات كان سببا في تخلفهم، فكم من غير المسلمين من المفكرين والمثقفين لما درسوا القرآن وحللوه وفككوا آياته وكلماته أمنوا بالإسلام واعتنقوه، والأسماء كثيرة لمن أسلموا بعدما كانوا كفارا ومن كفروا بعدما كانوا مسلمين، ولعل واجب الإجابة على سؤال: لماذا يلحد المسلمُ؟ أي لماذا يغير دينه ويعتنق دينا غير دينه ؟، الرد على هذا السؤال ربما يتطابق مع ما قاله الدكتور بلقاسم عبد القادر نصر الدين وهو أن بعض المقولات المقتبسة من كلام الخلفاء الراشدين كعمر بن الخطاب اقْتُبِسَتْ بشكلٍ خاطئٍ، وهو سبب الخلط العشوائي بين ما وصل إليه الإنسان العربي بفضل الدين من قيم إسلامية (أي التغيير الإنساني الحضاري الذي حصل بين عصر الجاهلية وعصر الإسلام) وبين ما توصل إليه الإنسان الغربي بفضل العلم في شتى المجالات، فلا توجد إذن علاقة مباشرة للدين بالإبتكارات الحديثة (الطائرة، الصواريخ العابرة للقارات، السفن والتقنيات وتطوير الأدوية والتكنولوجيا الحديثة كالحاسوب والفضاء الأزرق) فلا يعقل أن يكون الدين سببا في التخلف، وإنما سبب تخلف المسلمين بشكل خاص هو ما نجم من تفكيرٍ خاطئٍ وتأويلات غير دقيقة غلفت بطابع ديني، يلاحظ هنا أن التأويلات مقبولة في عملية التفكيك للنصوص حتى لو كانت هذه النصوص مقدسة (القرآن) لكي يصل المُؤَوِّلُ إلى الحقيقة، طالما الحقيقة ضالة المؤمن، بشرط ألا يكون فيها غلوٌّ أو تَعَنُّتٍ، وهو ما لم تقبل به بعض التيارات الدينية التي لا تؤمن بالتأويل وخلقت العداء بينها وبين العلماء والمفكرين.

اعتمد الباحث في دراسته على كتاب المفكر الإسلامي شكيب أرسلان بعنوان: " لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟" ذكّر فيه بآيات العلم والعمل في القرآن، ولذا يرى شكيب أرسلان أن سبب تأخر المسلمين هو الجهل والعلم الناقص وفساد الأخلاق ولاسيما فساد الأمراء (الحكام) والعلماء كما أن تأخر المسلمين سببه التفاسير والفتاوى الهَدَّامَة ففقدوا عِزَّهُمْ ومجدهم أمام الإنجازات التي ابتكرها الغرب، لقد أشار مالك بن نبي إلى التجربة اليابانية كمثال، وما أحرزته من تقدم علمي وحضاري في كل المجالات حيث جعلت من المواطن الياباني صانعا لجميع الوقائع الإجتماعية أي صانعا لنفسه بوصفه كائنا اجتماعيا، دفعه الأمر إلى مناقشة الفعالية في حياة الإنسان المسلم، موضحا بالقول أن أيّ عملٍ لا يتحقق إلا إذا اتصل بجهدٍ فكريٍّ ويطلق مالك بن نبي على هذا الجهد الفكري بالمنطق العملي practicallogie، فمالك بن نبي إذن كما يقول الدكتور بلقاسم يرى أن من أهم مشكلات المسلمين غيلب المنطق العملي على الرغم ممّا توصلوا إليه من العلم، إلا أنهم أعملوا جانبا مهما وهو العقل التطبيقي، وهذا العقل حسبه هو شبه معدومًا، تذكرنا ملاحظة مالك بن نبي بالملاحظة التي قدمها باحث جزائري وهو الدكتور عبد الله حمادي عندما قال أن "التيارات الدينية أعدمت الإسلام بتحريمها علم الكلام" .

المسألة طبعا تتعلق ببناء مهارات التفكير الإيجابي ومهارات الإنجاز الدقيق والمزاوجة بينهما، وهو ما نراه اليوم في المنظومتين التربوية والجامعية في الجزائر (كعينة) اللتان لم تدرب الطلبة على التفكير الإيجابي، كما أن الجامعة الجزائرية لم تربط الجانب النظري بالعملي (التطبيقي) إلا في السنوات الأخيرة من خلال إبرام اتفاقيات عمل مع المؤسسات الإقتصادية ولذا يواجه خريجي الجامعة عقبات في مواجهة الواقع ومتطلباته، فليس كل نظري قابل للتطبيق في الميدان، فالأفكار إذا لم تجد وسائل لتحويلها إلى أفعال وتجسيدها في الواقع تبقى جامدة من جانب أو آخر فيفقد الطلبة من خريجي الجامعة أو كما يسمونهم بالإطارات أو الكوادر الثقة في أنفسهم وبنظرة واقعية نتساءل كم من خريجي الجامعة الجزائرية يعملون في مؤسسات لا تتناسب مع تخصصاتهم واقتحموا مجالات لم يتخصصوا فيها، لسبب من الأسباب هل يعقل ان نجد جامعي يعمل سائق سيارة أجرة؟ وكم من حاملي الشهادات العليا يُدَرِّسُونَ تلاميذ الطور الإبتدائي؟، هذه الأمثلة هي عينة فقط وهي تعتبر قطرة في بحر، دون ذكر عينات أخرى تتعلق بالممارسات اليومية للدين والسلوكات غير الحضاربة الموسومة بالعشوائية والتسيب والمؤذية غالبا للآخر (الفرد المخالف والفرد المختلف).

يرى باحثون أن المشكل ليس في السعي الجاد لإحياء الماضي بما فيه من أصالة وتراث عربي أصيل ولكن المشكلة في الطريقة، فالتعصب قد يولد الإنفجار والكراهية، فالقرآن الكريم على سبيل المثال لم يقل للمسلم اشتري "باش" واصنع منه لباسا للمرأة المسلمة، يقول الدكتور بلقاسم عبد القادر نصر الدين على لسان مالك بن نبي: "حتى يومنا هذا لم يفكر غالبية المفكرين والمثقفين والوعاظ والخطباء جديًّا في حل مشكلات العالم الإسلامي، فعقدة النقص جعلت الدول المتخلفة تتفرج على منجزات الدول الكبرى بدون تحريك ساكن ولم يحدث أن تحركت إلا إذا حضر الآخر يمعنى تدخل الغرب في شؤوننا، غير أن عملية التغيير الفعلية إنما تبدأ بتخلص الإنسان من عقدة النقص والإنبهار بإنجازات الغربيين، كذلك بإعادة اللحمة بينه وبين قناعاته الصحيحة وبين عقيدته وسلوكه وعمله، يقدم مالك بن نبي دولة "ماليزيا" كمثال على الدولة المدنية المتعددة الدجيانات والأعراق واللغات، استطاعت أن تصنع نهضتها بالتعاون وافشتراك في إنجاز البرنامج النهضوي باستغلال الإمكانيات المتوفرة بطريقة مثلى، فماليزيا ما يقول مالك بن نبي نجحت لأنها احترمت الإختلاف والتنوع وتَقَبُّلِ الآخر زتجنبت الخلاف والتشاحن فاسست مجتمعا مبني على القيم النبيلة، ويقدم مالك بن نبي مثالا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم " اثنين إذا صلحا صلح المجتمع كله وإذا فسدا فسد المجتمع كله، هما العلماء والحكام"، ما اتفق عليه أنه من علامات النهضة حق الإختلاف الثقافي والعقائدي وحركة الفكر والتغيير واستقطاب الأدمغة والمفكرين وردع الفتن مع تطبيق ما يمكن تسميته بـ: "الإستحقاقراطية" ويراد بها حكم الجدارة على أساس الإستحقاق القائم على الذكاء ودرجة التعليم والتجارب والنشاط وليس على الولاء للمنظومة الحاكمة سياسية كانت أو دينية.

***

علجية عيش

...................

ملاحظة/ "الباش" bash كلمة عامّيّة (جزائرية) ويراد بها قماش سميك جدا يستعمل في تغطية الشاحنات الصغيرة.

أنجزت سابقاً قراءة وعرضاً لكتاب "لا يمكن الدفاع عنهم.. القتلة السياسيون" الذي صدر عن جامعة آرهوس في الدنمارك.  أستعرض تالياً معكم بعجالة واحد من فصول الكتاب الذي يتناول الزعيم البلشفي "جوزيف ستالين"

إيمان ستالين بالنظام جعله قاتلاً جماعياً

بعد أن فرض جوزيف ستالين نفسه زعيماً للاتحاد السوفيتي، بدأ في البحث عن أعداء داخليين. شعر "نيكولاي بوخارين" Nikolai Bukharin بذلك عندما انتقل من كونه حليفاً وثيقاً مقرباً من ستالين إلى ميدان الإعدام بتهمة الخيانة والإرهاب.

كثيراً ما تم تقديم تفسير للجرائم التي ارتكبها ستالين من خلال التركيز على طفولته وتربيته القاسية. حيث كان والده صانع أحذية، وفي حالة سكر دائم، وكان عنيفاً بشكل منتظم تجاه زوجته وابنه. عندما أصبح ستالين بالغاً، لم يكن لديه ثقة في زملائه الرجال وأراد الانتقام من العالم للألم الذي خلفته طفولته.

تمت مواجهة التفسير النفسي المربع لشر ستالين المزعوم بالحجة القائلة بأنه - إذا كان هذا صحيحاً - فلا بد أنه كان هناك مئات الآلاف من نفس النوع، نظراً لأن تربيته كانت نموذجية لأطفال الطبقات الدنيا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في مدينة "غوري" التي تقع شرق جورجيا التابعة للإمبراطورية الروسية آنذاك.

إذا كنت تبحث عن تفسير للتميز، فليس هناك الكثير مما يمكن العثور عليه هنا. يمكن القول أيضاً إن ستالين ربما كان نموذجاً لعصره، وكان هناك عدة آلاف من النسخ الكربونية عن ستالين، أي الأفراد الذين لديهم ميول نفسية مماثلة.

لا يمكن الدفاع عن ستالين

لم يضف ستالين الكثير مما قاله وكتبه المنظر الثوري والماركسي "فلاديمير إيليتش لينين" Vladimir Ilyich Lenin (1870-1924) أو مما كان قد ابتكره واختبره بالفعل، ولا حتى على نطاق صغير. يتعلق الأمر بالنضال ضد "الشعب السابق" ، وهو مصطلح يطلق على النخبة القيصرية والبرجوازية القديمة، الذين كانوا يعتبرون بحكم انتمائهم الطبقي أعداء طبيعيين أو موضوعيين للسلطة السوفيتية. أخيراً، حتى الفلاحون الذين أصبحوا برجوازيين صغاراً كانوا أعداء محتملين للثورة.

في عشرينيات القرن الماضي ، بنى ستالين جهازاً ضخماً للسيطرة على المجتمع، وكان له اليد العليا في الجهاز. قام الجهاز بتقسيم المزارعين الروس إلى مجموعات، تمت إدارتها بصورة منفصلة، بحيث تسيطر الدولة عليهم وعلى الإنتاج.

تم نقل أكثر الأشخاص تمرداً في سيارات الشحن إلى المناطق الباردة وغير المأهولة، حيث تفشى معدل الوفيات المفرط، أو إلى معسكرات العمل القسري في معسكرات "غولاغ" المتنامية باستمرار، التي سُجن أو نُفي فيها ما يقارب ثمانية وعشرون مليون إنسان بين عامي 1918 و1987.  وصل جوزيف ستالين إلى السلطة في الاتحاد السوفيتي في عام 1922. وفي وقت قصير، بنى جهازاً أمنياً وحزبياً وإدارياً ضخماً للدولة، يمكنه من السيطرة على الاتحاد السوفيتي وإمساك سكانه بقبضة حديدية.

كان العمل الجماعي القسري، الذي بدأ في عام 1929، هو السبب الرئيسي للمجاعة الرهيبة التي أثرت بشكل خاص على روسيا وأوكرانيا في أوائل الثلاثينيات، والتي كلفت الكثير من الناس حياتهم.

عندما أثبت ستالين نفسه في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي كطاغية شبه مطلق في الكرملين القديم للقيصر في موسكو، بدأ حرباً ضد أعدائه، وبشكل خاص في المناطق النائية.

وقد أدى ذلك إلى محاكمات صورية سيئة السمعة في موسكو لأعضاء النخبة الشيوعية، الذين تم إعدامهم لاحقاً، لضباط وجنرالات في الجيش الأحمر، وأدت إلى زيادة الإرهاب ضد السكان بشكل عام. كان ستالين العقل المدبر وراء إعدام مليون شخص صغير في السجون السوفيتية، وقد رتب لترحيل مئات الآلاف من الأشخاص العشوائيين إلى معسكرات أخرى. بلغت ذروتها في عام 1937 ومنذ ذلك الحين أطلق عليها اسم "الإرهاب العظيم".

فيما يلي يُظهر الكتاب تفكير ستالين وأفعاله تجاه أقرب الأصدقاء والحلفاء.

نيكولاي بوخارين

ولد نيكولاي بوخارين Nikolaj Bukharin عام 1888 في موسكو لأبوين يعملان في التعليم. شارك في الأنشطة الطلابية السياسية في جامعة موسكو عام 1905. انضم إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في عام 1906. عندما بلغ العشرين من العمر كان عضوا في لجنة موسكو للحزب. تعرض للاعتقال مرات عديدة من قبل الشرطة السرية القيصرية. في عام 1911 بعد السجن بمدة وجيزة، تم نفيه إلى أونيغا في أرخانجيلسك، ولكن سرعان ما هرب إلى هانوفر ، حيث مكث هناك لمدة عام قبل ذهابه إلى كراكوف في عام 1912 وهناك اجتمع مع لينين لأول مرة. كتب سلسلة من المقالات هاجم فيها معارضي الماركسية نشرت فيما بعد عام 1924.  ثم كتب آنذاك مؤلفه "النظرية الاقتصادية عن الطبقة المرفهة التي لا تعمل" الذي ينظر إليه في الأوساط الماركسية على أنه خير تفنيد ودحض لنظريات زعيم المدرسة النمساوية.

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى اعتقلت الشرطة النمساوية بوخارين بتهمة التجسس، وطرد فيما بعد إلى سويسرا، حيث انضم إلى البلاشفة في معركتهم مع ماركسية الماركسيين الذين أيدوا الحرب تحت ذريعة "الدفاع عن الوطن الأم" وكتب في الوقت ذاته كتاباً جديداً "الامبريالية والاقتصاد العالمي" عام 1915. ثم انتقل بوخارين من سويسرا إلى السويد، فالنروج، ثم وصل عام 1916 بطريقة غير قانونية إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث التقى تروتسكي الذي كان قد طرد من فرنسا. وهناك قام بوخارين بتحرير واصدار صحيفة نوفي مير "العالم الجديد" مع ليون تروتسكي .

عندما اندلعت الثورة البلشفية عاد تروتسكي وبوخارين إلى روسيا عام 1917. أصبح عضواً المكتب الإقليمي للحزب وكان أحد الزعماء البلاشفة البارزيين في موسكو جنبا إلى جنب مع تروتسكي، ولينين، ودزيرجينسكي، وياكوف، سفيردلوف، وستالين.

 في أعقاب الثورة أصبح بوخارين رئيس تحرير صحيفة الحزب "برافدا". أيد بوخارين فكرة تروتسكي في قيام الثورة العالمية، كان دائما يختلف مع لينين في اتخاذ القرارات، ولم يلبث أن استقال من منصبة عام 1918 بعد أن اختلف مع لينين حول معاهدة "بريست - ليتوفسك". نادى بوخارين بالحرب الثورية، وعارض فكرة تقديم تنازلات لرأس المال الأجنبي من أجل تطوير الصناعة في الاتحاد السوفيتي.

بعد وفاة لينين في عام 1924، أصبح بوخارين عضوا كامل العضوية في المكتب السياسي. ظهر الصراع على السلطة بين ليون تروتسكي، وغريغوري زينوفييف، وكامينيف، وستالين. اظهر بوخارين نفسه بأنه وسطي في الحزب، لكن في الحقيقة كان قد وقف بجانب ستالين وأيد السياسة الاقتصادية الجديدة ضد المعارضة اليسارية. كان بوخارين أبو نظرية الاشتراكية في بلد واحد التي طرحها ستالين في عام 1924، الذي جادل بأن الاشتراكية ( في النظرية الماركسية، والمرحلة الانتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية) يمكن تطويرها في بلد واحد، حتى ولو كانت متخلفة كما روسيا .

بوخارين - من صديق إلى عدو مخيف

كان نيكولاي بوخارين حليفاً وثيقًا لستالين في القتال ضد ما يسمى بالمعارضة اليسارية، التي قادها ليف تروتسكي Lev Trotskij (1879-1940) مؤسس الجيش الأحمر، وأقرب معاوني لينين خلال الثورة البلشفية، وما تلاها أثناء بناء النظام السوفيتي. في وقت لاحق دخل تروتسكي في صراع مع ستالين لأنه كان متشككاً في موضوع نقابات العمال التي بدأ الخلاف حولها بين الرجلين قبل موت لينين، حيث أراد تروتسكي جعلها تحت سلطة الدولة، وطالب بعسكرتها، بينما رفض ستالين ذلك. تمكن ستالين بالتحالف مع زينوفييف، وكامنييف، وبوخارين، وغيرهم، من عزل أنصار تروتسكى في الحزب، وفى عام 1926 تم اعفاء تروتسكي من عضويته في المكتب السياسي بالحزب البلشفي بتهمة النشاط المعادي للحزب.

عقب حادثة اغتيال سيرغي كيروف يوم 1 كانون الأول/ديسمبر 1934، عاش الاتحاد السوفيتي على وقع بداية أحداث محاكمات موسكو والتطهير الكبير الستاليني، الذي أسفر ما بين عامي 1936 و1938 عن مقتل ما لا يقل عن 700 ألف شخص. وفي خضم هذه الفترة الدامية من التاريخ السوفيتي، اتجه جوزيف ستالين للتخلص من رفاقه القدامى الذين شارك عدد منهم بالثورة البلشفية عام 1917 وقاتلوا بجانب الجيش الأحمر في خضم الحرب الأهلية الروسية.

لذلك، في عام 1937 كان بوخارين أحد الشخصيات الرئيسية في القضية ضد ما يسمى بالمنشقين اليمينيين. انتهت القضية بإعدامه في مارس 1938. وكان رئيس الشرطة السرية ، نيكولاي ييجوف (1895-1940) يجمع الأدلة ضده وضد المتآمرين معه لفترة طويلة.

متهم بالخيانة والتخريب والارهاب

تم التعامل مع قضية بوخارين في جلسة عامة للجنة المركزية في 23 فبراير 1937. وقبل أيام قليلة أرسل بوخارين خطاباً إلى أعضاء اللجنة جاء فيه:

"لا يمكنني العيش على هذا النحو بعد الآن. لقد دحضت كل الثرثرة ضدي. أنا لست قادراً جسدياً ولا روحانياً على الحضور إلى الجلسة الكاملة، ولا أستطيع تحريك ساقي، ولا أستطيع تحمل الأجواء ولا أستطيع التحدث. في هذا الوضع غير المعتاد، قررت الإضراب عن الطعام حتى رفع الاتهامات بالخيانة والتخريب والإرهاب عن الطاولة"

إلى جانب الرسالة، أرسل ما يزيد عن مئة صفحة دحض فيها جميع الاتهامات نقطة تلو الأخرى. ووثّق أن الشهادة ضده كانت متناقضة وأنه لا يمكن أن يكون في الأماكن في الأوقات المذكورة.

كما أعرب عن عدم ثقته في الشرطة السرية، التي - كما كتب - كانت قادرة على الحصول على الشهادات "التي يحتاجونها". وأكد أخيراً أنه منذ عام 1930 كان على خلاف مع المسار السياسي لستالين والحزب الشيوعي.

لو أن بوخارين تعلّم من التاريخ شيئاً، لكان عرف أن فرصته الوحيدة للخروج من القضية بحياته ستكون الاعتراف وطلب تساهل الحزب. حتى أنه طلب ذلك من تروتسكي نفسه الذي كان في وضع مماثل في نهاية العشرينيات.

قوبلت مطالبه بالمحاكمة والدفاع بازدراء من قبل رفاقه، واعتبر إعلان الإضراب عن الطعام بمثابة استفزاز. كان الانضباط الحزبي منذ أيام لينين، يتطلب الانصياع للقرارات واللوائح التي تتخذ على مستوى أعلى، إذا لم يكن الأمر كذلك، كان يُعتبر المرء عدواً.

أيها الوغد يجب أن تصمت

افتتح جلسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي "نيكولاي يجوف" Nikolai Yezhov مفوض الشعب للشؤون الداخلية\ن ورئيس الشرطة السرية آنذاك، لذي استشهد بعدد من الشهود الذين أكدوا أن بوخارين كان أحد قادة العصابة وراء خطط لاغتيال ستالين وأعضاء آخرين من النخبة السوفيتية. لذلك اعتقد يزوف أنه يجب طرد بوخارين من اللجنة المركزية ومن الحزب. تعالى الصراخ في القاعة بأنها عقوبة متساهلة للغاية وأنه يجب إطلاق النار عليه على الفور.

في وقت لاحق، تم إعطاء المتهم بوخارين الكلمة، وتبعه أليكسيج ريكوف (1881-1938) ـ الذي كان يشتبه في أنه متحالف معه ـ على المنصة. في الأسبوع السابق للجلسة، كان قد تم إعدام الصحفي كارل راديك (1885-1939) و14 آخرين بتهمة التخريب والتجسس لصالح ليون تروتسكي وألمانيا.

كان بوخارين قد بدأ حديثه عندما بدت أولى المقاطعات التي لا تعد ولا تحصى من القاعة: "لماذا كتبت أنك لن تلغي الإضراب عن الطعام حتى يتم رفع التهم الموجهة إليك؟"

أجاب بوخارين: "لا أريد أن أطلق النار على نفسي، لأن الناس حينها سيقولون إنني فعلت ذلك لإيذاء الحزب".

شهدت القاعة الضحك، وصرخ أحدهم: "أنت تحاول ابتزازنا!"

صرخ الضابط والسياسي كليمنت فوروشيلوف (1881-1969) مفوض الشعب للشؤون العسكرية: "أيها الوغد. يجب أن تصمت. كيف تجرؤ على الكلام هكذا!"

أجاب بوخارين: يجب أن تفهم أني لا أستطيع العيش مع هذا الأمر.

أخذ ستالين الكلمة وأجاب: "هل تعتقد أنه من السهل علينا؟"

يضحى بنفسه من أجل السلطة السوفيتية

يُظهر الحوار جوانب عديدة من الثقافة الحاكمة: أولاً وقبل كل شيء، الغضب من أن بوخارين قد كسر الانضباط الحزبي بعدم الخضوع لقرار الحزب بالإقرار بالذنب هو أمر ملموس. من الواضح أن القرار كان نهائياً، ولم تكن الحجج أو الشهود أو الحقائق مهمة بعد ذلك، ولن تُغير القرار.

عندما وجد بوخارين نفسه لاحقاً في طابور الإعدام، كتب رسالة استقالته الشهيرة إلى ستالين، ما زال ينكر بعناد جميع الاتهامات، لكنه في الوقت نفسه أظهر أنه كان على دراية كاملة بكيفية عمل النظام. واختتم بالقول إنه إذا كان موته قد يفيد القوة السوفيتية، فهو مستعد لتقديم هذه التضحية.

في اجتماع اللجنة المركزية، كان لا يزال هناك أمل في الإنقاذ، حتى لو كان ضعيفاً، وبالتالي أظهر بوخارين الانضباط الحزبي الكبير. في طابور الإعدام ذهب كل أمل، وربما عليه أن يتصرف مثل شيوعي جيد. قد تعتقد أن ستالين والرفاق الآخرين كانوا يسخرون منه، لكنهم ربما تحدثوا وذكروا ما ذكروه عن قناعة حقيقية. اقتنع ستالين بذنب بوخارين، ولم يكن من السهل عليه مواجهة الخيانة وإعدام رفيق قديم.

كان ستالين ورفاقه الآخرون يدركون أن اتخاذ القرارات الصعبة والقاسية يقع على عاتقهم. كان الأمر صعباً، لكن الضرورة الثورية طلبت منهم القيام بذلك. وستالين كان يؤمن بتحقيقات الشرطة. وكان مدركاً تماماً لما كان يحدث في أقبية الشرطة السرية. هذا واضح من مدخل آخر في الجلسة المؤلمة مع بوخارين.

ذكر ستالين أن المتهمين كانوا في كثير من الأحيان سعداء للغاية بمواجهة مع قيادة الحزب لأنها أعطتهم الفرصة لقول كل شيء. وتابع: "هذه هي الحالة النفسية التي يتعرض لها المعتقل أثناء المواجهات". ثم قيل: "أنا أعلم أن رجال الشرطة السرية يبالغون هنا وهناك، لكني لا أشك للحظة في أنهم جادون. ومع ذلك، يحدث أنهم وقعوا في الأحداث. لكن المواجهة النهائية، حيث الشهادة التي قُدمت بحضورنا تتفق تماماً مع ما قيل خلال الاستجوابات السابقة، يُقنعني أنهم يعملون بشكل صحيح وأمين".

إن كون ما قاله ستالين يشكل وجهة نظر مشتركة بين نخبة الحزب، وربما في دوائر أوسع أيضاً،  يتضح ذلك مما قاله عضو آخر في المكتب السياسي: "بوخارين يشوه التحقيق ضده، وبالتالي يسيء لهيئات التحقيق لدينا. سيعطي بوخارين الانطباع بأن اللجنة المركزية تسعى وراء دمه البريء، وأنه مستعد للتبرع به. إنه عدو فقط من يمكنه التحدث بهذه الطريقة - عدو تم القبض عليه متلبساً أيضاً، ويرفض الاعتراف بجرائمه".

عدم الإيمان بالنظام يُعتبر خطراً على النظام

دافع الماريشال "كليمنت فوروشيلوف" Kliment Voroshilov رئيس هيئة رئاسة مجلس السوفيات الأعلى، عن مفوضية الشعب للشؤون الداخلية NKVD التي تأسست في عام 1917 بجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية، وكانت الوكالة مكلفة في الأصل بإجراء أعمال الشرطة العادية والإشراف على السجون ومعسكرات العمل في البلاد، قبل أن يتم تقسيمها إلى وزارة الشؤون الداخلية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية (MVD) المسؤولة عن الميليشيات الإجرامية والمرافق الإصلاحية. ولجنة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية لأمن الدولة (KGB) المسؤولة عن الشرطة السياسية، والاستخبارات المضادة، والحماية الشخصية (للقيادة) والاتصالات السرية.

قال فوروشيلوف: "لقد زرع بوخارين عدم الثقة في عمل مفوضية الشعب للشؤون الداخلية، وفي اللجنة المركزية، لأن أقسام المفوضية تعمل تحت القيادة المباشرة للجنة المركزية للحزب وسكرتيرها". وأضاف: "أنا مقتنع تماماً بأن أولئك الذين تم اعتقالهم الآن، والذين تم استجوابهم يقولون الحقيقة." وذكر مباشرة أن عدم الثقة في المفوضية يساوي عدم الثقة في ستالين.

ربما يحتوي البيان على مفتاح لفهم سلوك النخبة الحزبية آنذاك. وراء البيان يكمن مفهوم الإيمان. إما أن يكون لديك إيمان غير مشروط بهذا الديكتاتور أو لا يكون. بالطبع، فإن القيادة السياسية ومؤسسات النظام، التي تجسدت بشخص ستالين، فأصبحت أية معارضة لأي منهما، وأي’ بادرة تشير إلى عدم الإيمان بالنظام، تُعتبر خطراً أمنياً على الثورة، وعلى الحزب، والدولة.

إذا تم اتهام المرء، أصبح مذنباً

أثار رفض بوخارين اتباع الطقوس الحزبية التي كانت تتطور منذ عام 1918 غضب ستالين والشيوعيين البارزين الآخرين. باختصار، كان هذا يعني أنه بمجرد أن ينتهي بك الأمر في قفص الاتهام ، لن يكون هناك أملاً في العودة. في عهد لينين، تم اتخاذ قرارات الاجتماعات المهمة، والأحكام في قضايا المحاكم قبل الاجتماعات وإجراءات المحكمة، وتمت الموافقة عليها من قبل القيادة السياسية العليا. كان التفكير في أن المحاكم هي مؤسسات سياسية تحكم وفق المبادئ الطبقية، وبالتالي لا يوجد شيء بغيض في ترك أهم القرارات للسلطة السياسية. القيادة الحزبية هي الحاكم الفعلي والأوحد، وكل شيء آخر تصنعاً وحذلقة.

نهاية حزينة

من بين الشفعاء الذين حاولوا إنقاذ بوخارين، الأديب الفرنسي الحائز على جائزة نوبل "رومان رولاند" الذي كتب إلى ستالين طالباً الرأفة، مجادلاً أن "عقلًا مثل عقل بوخارين هو كنز لبلاده". قارن موقف بوخارين بحالة الكيميائي العظيم "أنطوان لافوازييه" الذي قُتل بالمقصلة خلال الثورة الفرنسية: "نحن في فرنسا أكثر الثوار حماسة ما زلنا نحزن بشدة ونأسف لما فعلناه. أتوسل إليكم أن تبدي الرأفة .

تم إعدام بوخارين في 15 مارس 1938 في ساحة إطلاق النار في كوموناركا. على الرغم من الوعد بتجنب عائلته المحاسبة، تم إرسال زوجة بوخارين "آنا لارينا" إلى معسكر عمل، لكنها نجت لترى زوجها قد أعيد له الاعتبار رسميًا من قبل الدولة السوفيتية في عهد ميخائيل جورباتشوف في عام 1988.

قدم بوخارين العديد من المساهمات البارزة في الفكر الماركسي اللينيني، وأبرزها اقتصاديات الفترة الانتقالية (1920) وكتاباته في السجن، أرابيسك الفلسفي. بالإضافة إلى كونه عضواً مؤسسًا للأكاديمية السوفيتية للفنون والعلوم. كانت مساهماته الأساسية في الاقتصاد هي نقده لنظرية المنفعة الهامشية، وتحليله للإمبريالية، وكتاباته حول الانتقال إلى الشيوعية في الاتحاد السوفيتي. أصبحت أفكاره ، خاصة في الاقتصاد ومسألة اشتراكية السوق، ذات تأثير كبير فيما بعد في اقتصاد السوق الاشتراكي الصيني وإصلاحات دنغ شياو بينغ.

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

يعدّ كتاب ( الشخصية المحمدية او حل اللغز المقدس) أجرأ ماكتب باللغة العربية عن النبي محمد. وقد اثارت هذه الجرأة مواقف متضادة، اذ يرى فريق من العلماء ان الرصافي في كتابه هذا يرفض الدين والنبوة وأنه يعلن عن ألحاده.. فكفروه، فيما رأى فريق آخر ان الرجل استخدم المنهج الشكّي في مناقشة المعتقدات، والأسلوب النقدي في المقاربات ليمنح العقل الأنساني حق مناقشة ما هو محرّم اومقدس، والتعامل مع ما حصل لمحمد بوصفه حدثا او تجربة بشرية ينبغي تفكيكها ومعرفة أسرارها، وأرجع فريق ثالث سبب كتابة هذا الكتاب الى ايمان الرصافي بعقيدة وحدة الوجود الصوفية، واعجب آخرون بأن الرصافي صدم الأيمان التقليدي ويقينهم بأن القرآن هو كتاب الله المنزل، فيما اقترح فريق خامس ان يقرأ كتاب (الشخصية المحمدية) قراءة علمية نقدية وليس قراءة دينية تضع القاريء بين خيارين: الألحاد او الأيمان.

في هذه الحلقة نتناول الآتي:

الصفات الأيجابية في شخصية محمد

جبل العرب زمن الدعوة النبوية على القسوة في التعامل والسلوك، حتى انه كان يعاب على الرجل أن يقبّل ابنه. وكانت اسماء الرجال انعكاسا لتلك القسوة من قبيل (حرب، صخر، سيف.. ).. فضلا عن تاثير البيئة الصحراوية التي عاشوا فيها والعصبية حتى بين افراد القبيلة الواحدة.

وكان يفترض ان يكون محمدا بهذه الصفات، لأنه من ذلك المجتمع وواحدا منهم، لكنه كان النقيض الايجابي النوعي، اذ تؤكد كتب السير أن محمدا كان مسالما ودائم التفكير في حال قومه، ما يعني انه كان منشغلا في الكيفية التي ينقل بها مجتمعه من حال وجده متخلفا الى حال أفضل.

وفي كتابه (الشخصية المحمدية).. يبدأ الرصافي تشخيص الصفات الأيجابية في شخصية النبي محمد بالقول بأنه يريد ان يتكلم عن عقلية ممتازة فاقت العقلية العربية في ذلك الزمان (ص 76). ويستشهد بكتب السير بانه كان (دائم الفكر متواصل الأحزان)، وانه كان يحب الخلوة ويقضي الايام والليالي في غاره بجبل حراء. وانه كان حر التفكير بعقلية مطلقة جعلته يشعر بالنقائص الكائنة في محيطه الحاصلة من القيود التي تقيدت بها عقول مجتمعه، وانه كلما زاد تفكيرا زاد شعورا بتلك القيود واحساسا فدفعه عزمه الماضي وارادته القوية الى كسر تلك القيود وتحطيمها لكي يصل الى الغاية التي عزم الوصول اليها.

ولدى الرصافي تفسير سيكولوجي لطيف بان العقل البشري يكون بصنفين: ظاهر يكون فعالا عند انتباه الحواس الظاهرة ويتعطل متى ما تعطلت، وباطن يكون فعّالا عند تعطّل الحواس لا سيما في حالة النوم. ويعتقد الرصافي اعتقادا جازما بأن اقوى باطن ظهرت آثاره في البشر هو العقل الباطن الذي كان لمحمد، الذي استمد منه الكثير من اقواله وأفعاله.. وتحديدا في حالات الوحي وما كان يعتريه فيها من الأغماء ( ص 77). ويضيف بان العقلية المحمدية مهما كانت ممتازة فان امتيازها انما كان بالتفكير بسبب تغلبها على العقلية المكتسبة وان محمدا كان ذا عقل كبير الا ان ذكاءه كان اكبر من عقله.

عبقرية محمد

يشيد الرصافي بعبقرية محمد بعد ان اعلن النبوة، ويرى أن اعظم عبقرياته انه قرن اسمه باسم الله (ولم يجعل الايمان شهادة واحدة بل شهادتين "لا اله الا الله محمد رسول الله".. فجعل اسمه رديفا لاسم الله ليكون مقدسا مطاعا – ص 28).

ولتعميق هذه القدسية وجعلها أبدية فان عبقريته دفعته الى ان يأمر المسلمين والمؤذنين ان يذكروه مع الله عند كل تشهد في صلاتهم اليومية، مع ان القرآن خص الصلاة بالله (وأقم الصلاة لذكري- سورة طه، آية 14).

ويرى الرصافي ان النبي محمد لم يرد لنفسه ملكا ولا سلطانا، بل كل ما اراده هو الذكر المقدس الخالد لنفسه، فيما الملك والسلطان أرادهما لقومه قريش الذين يفضلهم وخصوصا لذوي قرابته الأدنين منه.ولم يجعل الملك عاما في قريش مطلقا بل مقيدا بالشورى واجتماع الرأي على واحد منهم بطريق البيعة.

ومن جانبنا نرى ان الدعوة التي جاء بها النبي محمد لم تكن اسلامية خالصة ولا محلية تخص العرب مع ان هدفه كان توحيد العرب واعلاء شأنهم، بل كانت دعوة سياسية وعالمية.

عزم محمد

يرى الرصافي ان عزم محمد كان من اكبر عوامل نجاحه في الدعوى الى الاسلام (كان لعمري امضى من السيف واقوى من الفولاذ لا يرده راد ولا يثنيه ثان – ص 85).

يؤكد ما قاله الرصافي، ان النبي محمد استمر ثلاث سنين يدعو الى الاسلام خفية ولم تضعضع عزيمته مقاومة شرسة، ولم يضعف يوم قال له عمه ابو طالب (يا ابن اخي ان قومك جاءوني وقالوا لي كذا كذا، فابق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا اطيق)، وجوابه (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله او اهلك فيه). فضلا عن انه تحمّل اهانات سادات قريش وردودهم المنكرة وقول احدهم له (أما وجد الله أحدا يرسله غيرك)، بل انهم طردوه وقالوا له اخرج من بلدنا، وأغروا سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة حتى ادموا قدميه.. ومع كل هذه التهديدات والأهانات والأعتداءات والأغراءات فان عزم محمدا كان اٌقوى وامضى.. ولولا عزمه هذا وحزمه لما كان هناك نبي اسمه محمد ولا دين اسمه الأسلام.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

 

بإمكان الأمة الإسلامية استعادة حضارتها المفقودة لو مارست الحوار وحاربت التطبيع

يشهد الإسلام انتشارا واسعا رغم الصراعات بين الفرق الإسلامية (السُنّة والشيعة) ورغم الحروب الأهلية بين المسلمين، وهذا لأسباب عديدة تعود خلفياتها إلى الضغط الإستعماري الذي فرض هيمنته وترك المسلمون يتخبطون كالدجاج المذبوح في مشكلات داخلية، فالعالم الغربي متخوف  بالنبعاث الصحوة الإسلامية التي يسميها بالأصولية الخطيرة أو الإسلاموفوبيا ولذا فهو يتهم المسلمين بالتطرف والعنف واللاتسامح، ولو طبق المسلمون شعار التَّسَامُحِ وتعايشوا  مع بعضهم البعض وحاربوا التطبيع لأمكنهم النهوض بحضارتهم الإسلامية وبعث الهوية الجماعية، نشير هنا أن التطبيع مع إسرائيل وخيانة الأنظمة العربية للإسلام  يجعل الأمة الإسلامية مهددة بالسقوط والحضارة الإسلامية مهددة بالإندثار وبالتالي تظل الحضارة الغربية هي الأقوى

قبل الحديث عن التسامح وجب التذكير بالظرفية التاريخية التي نشأ فيها هذا المفهوم ليتضح كيف انه استمد مدلولته الأصلية منها وحتى يتضح أنه خارج هذه الظرفية يصبح هذا المفهوم غير إجرائي، لقد ترجمت إلأى اللغة العربية كلمة "توليرانس" وعرفها البعض بأنها تعبر عن التسامح، ولو أن التسامح لا يعني هذه العبارة التي في الحقيقة تعني تحمّل الآخر مهما كانت درجة الخلاف أو العداوة فمثلا لما نخاطب شخصا استقزنا وأغضبنا نقول له باللاتينية: vous etes intolerable بمعنى أنت لا تُحُتَمَل، وهي تختلف عن قولنا لشخص ما pardonne moi بمعنى سامحني، إذن لاتوليرانيس لا تعني التسامح ولهذا يقع البعض في أخطاء اثناء ترجمة كلمات من وإلى، تقول الدراسات أن عبارة "توليرانس" tolerance وليدة حركة الإصلاح الديني الأوروبي وقد نشأ هذا المفهوم  لحدوث تغير في الذهنية لإنتاج علاقة جديدة وهي علاقة الإعتراف المتبادل بين القوى التي استمرت تتصارع طوال القرن السادس عشر، اي إبّان الحروب الدينية الأوروبية، حينما حدث انشقاق داخل الدين الواحد، ثم تجاوزه بالإعتراف بالحق في الإختلاف في الإعتقاد ثم في حرية التفكيرو الرأي بوجه عام، وقد اهتم الفكر الإصلاحي الحديث لقضية التسامح، ولكن من منطلق مختلف تماما.

 وللمقارنة نجد أن الإصلاحيين يعودان إلى كتاب مقدس للإسترشاد به وحده وهو الإنجيل الذي يعبر عن الإصلاح ( reforme) الديني الأوروبي والإصلاح الديني السلفي الذي هو القرآن،  فكلاهمها استهدفا محاربة عدوٍّ واحدٍ  هو الشعوذة، من وجهة نظر هؤلاء الإصلاحيين (الإسلامي والمسيحي) فإن محاربة الشعوذة يعني تطهير العقيدة، بيد أن شن الحرب عليها  كان يهدف إلى تفويض السلطة الروحية التقليدية وفك قبضتها على الجمهور، وقد اشار باحثون إلى الإختلاف بين حركة الإصلاح الديني في اوروبا وحركة الإصلاح السلفية، الأولى ارتبطت بصراعات داخلية بين قوى اجتماعية معينة وحركة الإصلاح الديني السلفية كانت تحت هيمنة الغرب، أي تحت ضغط أحنبي، وكان لابد من مقاومته (اي الغرب) للحفاظ على الهوية الجماعية، ويكون المطلوب من الدين أن  يلعب دورا أساسيا في المقاومة وحفظ الهوية وهو دور مزدوج لضمان الهوية الجماعية، لقد وقعت صراعات داخلية أيضا بين المسلمين بسبب التعددية المذهبية وتعدد الحركات الإسلامية واختلاف مناهجها وخطابها الديني، حيث استعمل بعض الإسلاميين المتعصبين مفهوم التسامح استعمالا خاطئا في عملية التطبيق،  وأحدث هذا الإستعمال رد فعل عكسي، حيث روجت له قوى خارجية (انجلترا، فرنسا وروسيا) تسعى باسمه إلى تحقيق أهدافها وأجنداتها، وقد فهمت المجتمعات المهددة بأن التلويح بشعار التسامح يستهدف تفكيكها وتسهيل التدخل الأجنبي، كما استعملت هذه القوى شعار التسامح، استعملت كذلك شعار الحرية الدينية لتمكين تغلغلها.

فالتسامح يعني قبول الإختلاف ماعدا في مجتمع مهدد من الخارج، حسب المحللين فإن المأزق الذي وقع فيه دعاة الإصلاح المسلمين هو أنهم وجدوا أنفسهم موزعين بين خلافة عثمانية ضالعة في الإستبداد وبين تهديد أوروبي فعجزوا عن إنقاذ وجود الأمة الإسلامية كون الإسلام الذي كان ينبغي ان يكون هو المُقَوِّمُ الأصلح للأمّة وجد نفسه يناقش المسألة الدينية نفسها، لأن من المفكرين العرب من يقول أنه لا ينبغي الإعتماد على الدين في بناء الأمة، ومن هؤلاء الطهطاوي وموقفه من الحرية الدينية التي أصبحت عنده تعني حرية الإجتهاد، وهنا وقع الإختلاف لأن مبدأ الحرية الدينية مبدأ ليبراليٌّ والإجتهاد مصطلح أصولي، ويُسَلِّمُ الطهطاوي بأن الحرية الدينية هي حرية العقيدة والرأي والمذاهب ولكن بشرط أن لا تخرج من أصل الدين، تشير الدراسات أن التسامح صادر عن الحرية الدينية، لكن وقع تغير في المفهوم فقط، في المقابل يقف جمال الدين الأفغاني ضد التسامح ويدافع عن نقيضه الذي هو "التعصب" وهذين المفهومين عنده أو في رأيه خاصة التسامح دعوة تخفي قصدا معينا وهو النيل من وحدة الأمّة التي هي مصدر قوة المسلمين، والتعصّب عند جمال الدين الأفغاني يأخذ مبدأ التضامن الديني، حيث اعتبره ضروريٌّ جدا حين تكون الأمة مهددة.

 ودفاع الأفغاني عن هذا التعصب يواجه تعصبا آخر وهو التعصب الجنسي، ويُعَبِّرُ عنه بمحبة الوطن، أي ان الأفغاني يقف ضد مبدأ الجنسية، هذه الإشكالية تحتاج إلى تأويل أو تصدر عن تأويل لما  يتداول من أفكار عربية إسلامية كانت أو غربية، والتأويل هنا قائم بحكم إشكالية حددتها ظرفية تاريخية منذ وقوع العالم الإسلامي تحت الضغط الإستعماري وهو ما جعل إصلاح المحدثين من السلفيين كالأفغاني نفسه يختلف ضرورة مع إصلاح قدمائهم أمثال الغزالي وابن تيمية، هذا هو التأويل الذي خلق صراعا بين الأصوليين والحداثيين ولذا يرى باحثون ومنهم الدكتور علي أومليل في كتابه الإصلاحية العربية والدولة الوطنية أنه وجب إعطاء ظرفية الضغط الإستعماري بعدا أساسيا في التحليل وهنا يقع الدور على الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث أن يقوم بتأويل الأفكار الغربية التي وصلته ومقارنتها مع تأويلات بعض الفرق والمذاهب كالمعتزلة التي ترى أنه يكفي الإعلان بالإسلام عن طريق النطق بالشهادة، اي الإقرار باللسان دون العمل، فمن خاصية التسامح كما يرى البعض هو أن المجتمع لا يجد حرجا في وجود غير المسلمين معه يعيشون في جوٍّ  يسوده التعايش كمواطنين ( ذميين) .

ولنا في سيرة الرسول صلعم مثالا نقتدي به في تعامله مع ذلك اليهودي إلى درجة أن زاره لما علم بمرضه على الرغم من مخالفته له في الدين والعقيدة، فالرسول لم يكره أحدا في دخوله الإسلام واعتناقه بل ترك الحرية التامة لغير المسلمين في الإختيار بل في ممارسة شعائرهم،  ولم يكفر أحدا قبل نزول الآية (قل يا ايها الكافرون الخ) ولم يخاطب الآخر بقوله أنت كافرٌ، ويستخلص من هذا كله أن التسامح مع غير المسلمين  هو من صميم فطرة الإسلام، السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا هو إن كان التسامح مع غير المسلمين من فطرة الإسلام  فكيف لا يكون التسامح بين المسلم وأخيه المسلم؟ فالإسلام دين تسامح ودبن حضارة ودين وسطية وهذه الوسطية تعني استقامة المنهج والعدل والإعتدال بلا ميل إلى الغلو والتعنت والتطرف وتكفير الآخر، مكنه ذلك بالإنتشار الواسع رغم الصراعات بين الفرق الإسلامية (السُنّة والشيعة) ورغم الحروب الداخلية (الأهلية) بين المسلمين، وهذا لأسباب عديدة تعود خلفياتها إلى الضغط الإستعماري الذي فرض هيمنته في كل الجوانب السياسية، الإقتصادية، الثقافية وترك المسلمون يتخبطون كالدجاج المذبوح في مشكلات لا حصر لها، فلو طبق المسلمون  شعار التَّسَامُحِ  فيما بينهم  وتعايشوا مع بعضهم البعض وحاربوا التطبيع وواجهوا العولمة، لأمكنهم النهوض بحضارتهم العربية الإسلامية وبعث الهوية الجماعية.

  لقد ذهب في هذا الإتجاه كثير من الباحثين ومنهم الدكتور محمد  مجدان حيث أشار أن الدراسات المستقبلية  الغربية تشير إلى أنه في حدود سنة 2025 سيكون الإسلام الديانة الأولى في العالم، وفي تقرير لمركز "بيو"  للأبحاث تحت عنوان:  مستقبل التعداد السكاني لمسلمي العالم توقعات 2030 بأن يكون عدد المسلمين بعد 20 سنة بنسبة 35 بالمائة، حسب التقرير نفسه أعلن مركز بيو أن 08 بالمائة من سكان أوروبا سيعتنقون الإسلام خلال سنة 2042  المقبلة، حيث يعيش حاليا أزيد من 44 مليون مسلم  في اوروبا (هذا الرقم ذكره المؤلف ابتداءً من 2015 السنة التي طبع فيها كتابه) وقد يرتفع العدد إلى أزيد من 58 مليون مسلم في سنة 2030 في العالم، وبالتالي قد تتحول أوروبا كلها إلى قارة إسلامية، ولذا أصبح تزايد عدد المسلمين في العالم يشكل خطرا على غير المسلمين وتخوفا كبيرا لدرجة أن بعض الدول تسعى حاليا إلى تشجيع زيادة النسل بمختلف الوسائل وهي التي ابتكرت فكرة تحديد النسل.

 هذه الإستراتيجية  المستقبلية بالنظر إلى ما تحتله الأمة الإسلامية من قوة في العدد خاصة وهي تملك موقعا جغرافيا له قيمة وأهمية كبرى واستراتيجية عسكرية اقتصادية حضارية (جيواستراتيجية)  تمتد أطرافها من أندونيسيا والملايو شرقا إلى المغرب ونيجيريا غربا وهي ملتقى القارات ومنبع الحضارات ومهبط ومهد الديانات السماوية وبالتالي فهي قلب العالم ومركزه the heart land،  ومن شدة تخوفهم سموا الإسلام بالخطر الأخضر بعد أن تخلصةا من الخطلا الأحمر وهو الشيوعية، ويزداد تخوفهم بالنبعاث الصحوة الإسلامية التي يسمونها بالأصولية الخطيرة أو الإسلاموفوبيا ولذا فأوروبا تتهم الإسلام والمسلمين بالتطرف والعنف واللاتسامح والتخويف أوكما يسمونه بالإٍهاب الإسلامي،  نشير هنا أنه في ظل التطبيع مع إسرائيل والكيان الصهيوني وخيانة الأنظمة العربية للإسلام  يجعل الأمة الإسلامية مهددة بالسقوط والحضارة الإسلامية مهددة بالإندثار وتظل الحضارة الغربية هي الأقوى بل تزداد قوة، والدليل واقع المسلمين اليون وانتشار الفساد في البلاد الإسلامية ( الرشوة والسرقة والكذب والنفاق والتملق وشيوع الظلم، فضلا عن ضعف في العقل أو الفكر الإسلامي فلم يعد المسلم يفكر ويبتكر وساد التقليد الأعمى وهذا كله بسبب توقف ملتقيات الفكر الإسلامي وغياب الحوار وغياب الشورى والعدل وغلق باب الإجتهاد.

***

علجية عيش بتصرف

الادب الروسي بعيون الشباب المعاصر - هو عنوان كتاب روسي صادر عام 2015 ويقع في(199) صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن خلاصات لاربعين (نكرر – لاربعين!) بحثا علميا حول تاريخ الادب الروسي ودور أعلامه والظواهر الكبرى في مسيرة هذا الادب، بحوث قام بها طلبة (نعم، طلبة!) قسم الادب الروسي اثناء مؤتمر علمي تم عقده في جامعة نوسوف الحكومية الروسية في مدينة مغنيتاغورسك الروسية، ويوجد هناك مشرف علمي من التدريسيين في ذلك القسم (مثبّت اسمه) امام كل بحث من تلك البحوث الاربعين للطلبة، وكذلك توجد في نهاية كل بحث قائمة بالمصادر، التي اعتمدها الطالب في بحثه .

 مضمون هذا الكتاب أثار انتباهي رأسا، اذ اني تذكرت – اولا - وأنا أطّلع عليه، اننا في العراق لم نستطع ان نصدر كتابا واحدا يضم خلاصات البحوث العلمية، التي قام بها الاساتذة انفسهم في عدة مؤتمرات دورية عقدناها ولعدة سنوات في كليّة اللغات بجامعة بغداد في تسعينيات القرن الماضي، رغم اننا حاولنا – وباخلاص – ان نصدرها فعلا في كتاب يؤرخ تلك المؤتمرات العلمية وننشر خلاصات بحوث المشاركين فيها، وهم تدريسيون بدرجات علمية رفيعة بكليتنا وفي أقسام علمية متنوعة . وتذكرت – ثانيا -، ان أحد وزراء التعليم العالي في العراق كان يؤكد دائما، ان تسمية وزارتنا تتألف من كلمتين – (التعليم العالي) و (البحث العلمي)، وان مهمة الاستاذ الجامعي لا تنحصر بالتدريس فقط، بل يجب اكمالها بالبحث العلمي، والا، فان مهمة الاستاذ الجامعي ستبقى ناقصة . وتذكرت – ثالثا – ان طلبة الدراسات العليا عندنا، كانوا يأتون الينا (بعد قبولهم في الدراسات العليا، وهي قضية معقدة وبيروقراطية بحد ذاتها) ويطلبون منّا ان (نعطيهم !) مواضيع لكتابة اطاريحهم العلمية، اذ لا توجد لديهم حتى ولا اي فكرة عن تلك الاطاريح،التي يجب ان يعرفها طالب الدراسات العليا قبل تقديمه الوثائق المطلوبة للالتحاق في تلك الدراسات، وهي قاعدة معروفة في الجامعات الاجنبية (الحقيقية !)، والا، ما قيمة طالب الدراسات العليا اذا كان لا يعرف (بل وحتى لا يتصوّر) ما هي طبيعة مهمته في دراسات عليا تقدّم اليها للحصول على درجة علمية أعلى؟ وتذكرت – رابعا – انني (وزملاء  لي) لازلنا لحد الان نستلم في بريدنا الالكتروني طلبات من مختلف الاشخاص الذين لا نعرفهم اصلا، يريدون فيها (مواضيع لاطاريحهم او لمشاريعهم العلمية)، وحتى يطلبون بعض الاحيان ان نضع لهم الخطة العلمية لتلك الاطاريح او المشاريع  وان نحدد لهم مصادرها العلمية الاساسية...

لا يمكن بالطبع عرض البحوث الاربعين في ذلك الكتاب، ولكني اود ان اتوقف قليلا عند بحث واحد من تلك البحوث ليس الا، واظن، انه  يمكن لهذا البحث – النموذج ان يرسم للقارئ صورة عامة لهذا الكتاب الفريد من نوعه. يتناول هذا البحث علم الادب المقارن، ويتحدث عن دستويفسكي والبير كامو ويقارن بينهما، وهو(اي البحث)  لطالب في الصف الثالث (تصوروا – طالب في الصف الثالث !) . يقارن الباحث بين رواية (الغريب) لكامو مع رواية دستويفسكي القصيرة (مذكرات من تحت الارض)(ان صح التعبير)، ولم يستقر عنوان هذا النتاج الادبي بالعربية لحد الان، فقد ورد بشكل متنوع عند المترجمين العرب، مثل – (في قبوي // في سردابي // مذكرات قبو // رسائل من باطن الارض // مذكرات من العالم السفلي // الانسان الصرصار... ولا مجال هنا للتوسع في هذا الموضوع) . يرى الباحث (وهو على حق)، ان دستويفسكي هو احد اركان الفلسفة الوجودية في العالم، وان هذه الرواية القصيرة بالذات تعكس الافكار الوجودية عنده  بشكل واضح، و بالتالي، فان الباحث يجد، ان هناك بعض الافكار الفلسفية المشتركة بين الكاتب الروسي دستويفسكي (في القرن التاسع عشر) وبين الكاتب الفرنسي كامو (في القرن العشرين)، ويحاول هذا الباحث ان يحدد تلك الافكار الفلسفية المشتركة عند المقارنة بين العملين الابداعيين لديهما . بحث طالب الصف الثالث هذا - هو خطوة شجاعة جدا وجريئة جدا للخوض في موضوع فلسفي كبير بدنيا علم الادب المقارن . تتوزع بقية بحوث هذا الكتاب بين بوشكين (الذي يكتبون عن فلسفته وعن انعكاس شخصيته عند الفنانين التشكيليين الروس) وغوغول (الذي يكتبون عن تأثيره على ادباء روس آخرين) وتشيخوف (الذي يكتبون عن خصائص الشعب الروسي في قصصه)، وهناك بحوث عن الادب الروسي الحديث، وتتوقف تلك البحوث عند ابداع ايرنبورغ وايتماتوف وبقية ادباء القرن العشرين ...

  الادب الروسي بعيون الشباب الروسي المعاصر – كتاب مبتكر واصيل ومهمّ وجميل، وفي نفس الوقت، فانه كتاب يثير (الشجون!) العلمية في نفوس كل العاملين بالمجال الجامعي العراقي خصوصا، والعربي عموما ......

***

أ.د. ضياء نافع

شكلت وحدانية خيار التطور، بعد انهيار تجربة بناء الاشتراكية،، معضلة فكرية للباحثين والمفكرين المهتمين بدراسة تطور العلاقات الدولية، نتجت عنها كثرة من الإشكالات.. منها: هل وحدانية خيار طريق التطور الرأسمالي الأخذ بالنموذج الأميركي للديمقراطية مثالا وحيدا للتطبيق في الدول غير المتطورة (المعروفة في الفكر السياسي سابقا بالدول النامية) التي كانت تعيش على هامش خياري التطور الاشتراكي والرأسمالي؟ ومنها: ما هو تأثير الانتقال لوحدانية التطور الاجتماعي على الصعيد العالمي على بناء الدولة الوطنية في المجتمعات التي تتخلص من الاستبداد؟ ومنها: ما هي العلاقة بين العاملين الدولي/ الخارجي والوطني/ الداخلي في حسم الصراعات الاجتماعية الوطنية، وما هو الحاسم فيهما؟ وأخيرا من يعطي الشرعية للسلطات الحاكمة في الدول الوطنية، هل الشرعية الانتخابية، أم الشرعية الديمقراطية وما هو الفرق بين الشرعيتين؟

تشير التجربة التاريخية بعد انتهاء الحرب الباردة واعلان وحدانية سبل التطور االرأسمالي في ظل العولمة، إلى أن ضعف اليسار الإشتراكي سواء على الصعيد العالمي أو الوطني، أدى إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في العالم، وكان عدم الاستقرار اكثر وضوحا في المنطقة العربية. فعلى الصعيد العالمي نلاحظ ان نظام القطبية الواحدة أدى إلى:

* هيمنة الدول الرأسمالية الكبرى على المنظمات الدولية وتوجيهها لخدمة مصالحها الخاصة، أدى إلى فشل الأمم المتحدة في حل المنازعات الدولية وصيانة السلم والأمن في العالم؛

* هيمنة الدول الكبرى على القرار السياسي للدول الوطنية وتراجع مفهوم السيادة الوطنية؛

* فرض النموذج الامريكي للديمقراطية على الدول الوطنية، أدى إلى تخريب هذه الدول وانتشار العنف والفساد المالي والإداري في كثير من هذه البلدان؛

* فرض شروط قاسية على البلدان النامية من قبل المنظمات المالية الدولية، صندوق النقد والبنك الدوليان، التي تسيطر عليها الدول الرأسمالية الكبرى، من خلال الوصفات الاقتصادية التي تدعو إلى خصصة المؤسسات العامة وتقليل  الدور الاجتماعي للدول في البلدان النامية، الأمر الذي أدى إلى زيادة الفقروتدني مستوى المعيشة لاعداد كبيرة من المواطنين؛

* تنامي ظاهرة الإرهاب وظهور المنظمات الإرهابية الدولية التي ينتشر نشاطها في كثرة من الدول.

* وتزامن مع الظاهرة السابقة، توسع اللجوء إلى إرهاب الدولة من قبل الدول الرأسمالية الكبرى من خلال استخدام القوة المسلحة والعقوبات الاقتصادية والضغط السياسي، لفرض الهيمنة على الدول الوطنية التي تتخذ سياسة مستقلة في التنمية الوطنية؛

* ومن أجل حل التناقض بين وصفات الليبرالية الجديدة  لتطور البلدان الوطنية  ومبدأ السيادة الوطنية  جرى تعويم هذا المبدأ  لصالح حرية التدخل بالشؤون الداخلية للبلدان الاخرى من خلال الترويج لمفهوم التدخل الإنساني، فجرى استبدال مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية بمبدأ التدخلات العسكرية لحسم النزاعات والحروب الداخلية، واستخدام القوة بهدف استبدال انظمة سياسية استبدادية بأخرى " ديمقراطية"؛

* عملت الليبرالية الجديدة على توظيف جهود العلماء والباحثين في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان، للترويج لوصفات الليبرالية الجديدة، السياسية والفكرية، على الصعدين الداخلي والخارجي، فقامت بتأسيس معاهد الابحاث لتنظيم النشاط الفكري للباحثين، بهدف اعطاء مسحة علمية لأفكار اليبرالية الجديدة.  وقد بدأت هذه المعاهد منذ بداية التسعينيات الترويج للمفاهيم الاساسية لليبرالية  الجديدة المتمثلة في حرية التجارة والأسواق والمعلومات باعتبارها النهج الوحيدة للتطور الاجتماعي والاقتصادي على الصعيد العالمي.

* تراجع  دور القطبية الواحدة في  حل الأزمات وتقليل التوترات في العالم الذي تشهد انتشار الحروب الأهلية في معظم القارات والتي بلغ عددها 62 حرباً منها 54 نزاعا مستمرة لحد الآن وضحاياها تزيد على ضحايا الحرب العالمية الثانية؛

*  تزايد المخاطر على السلم والأمن الدوليين، بسبب امتناع الدول الرأسمالية الكبرى عن وضع حلول للخلافات بين الدول  وجاء الموقف من الخلاف الروسي الأوكراني، ليؤكد فشل نظام القطبية الواحدة في خلق السلم والاستقرار الدوليين وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية والمفاوضات؛

* إنكشاف زيف وازداوجية المعايير في قضايا حقوق الإنسان ومعالجة أزمة النازحين واللاجئين، التي ركز عليها إعلام الليبرالية الجديدة خلال فترة الصراع بين المعسكرين. (يبلغ عددهم اللاجئين 95 مليون، حسب احصاءات مفوضية الأمم المتحدة اللاجئين)؛

*  فشل نظام القطبية الواحدة في قيادة النظام الدولي الجديد الذي نشأ بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ومن أبرز مظاهر الفشل، انسحابها من افغانستان الذي اذهل العالم، بتسليم افغانستان إلى طالبان التي ازاحتها الولايات المتحدة من السلطة بالغزو العسكري، بحجة مسؤوليتها عن أحداث 11 سبتمبر. لقد أدى هذا الإنساحب وقبله الانسحاب من العراق إلى فقدان مصداقية الشعارات الأمريكية بمحاربة الإرهاب، وقدرتها على الدفاع عن اصدقائها.

* أشارت التجربة إلى أن الهدف الحقيقي للعولمة الرأسمالية، هو عولمة رأس المال ليتحكم بمصادر الثروة في العالم  وليس عولمة المصالح المشتركة لدول العالم كما تروج له الدول الرأسمالية الكبرى؛

* اثبتت السنوات التي مرت على تطبيق العولمة الرأسمالية، أنها غير قادرة على مواجهة الأزمات التي تتعرض لها البشرية، حيث لاحظنا نزوع دول العولمة نحو الوطنية في التعامل مع جائحة كرونا متخلية عن الركائز الرئيسية للعولمة المتمثلة بحرية تنقل الأفراد والبضائع والخدمات ورأس المال وفتح الأسواق؛.

* انتجت القطبية الواحدة الإعلام المعولم الذي سيطر على حرية المعلومات وتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح الدول الرأسمالية الكبرى، وكان الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية تجسيدا حقيقياً لطبيعة الإعلام المعولم حيث تميز بالحس العنصري والتمييز والإنحياز والرأي الواحد في نقل الأحداث وتحليلها، وقلب الحقائق والتدليس والتحريض على الكراهية والعنف ضد الروس، وهذا تكرار للهنج الذي سارعليه الإعلام المعولم ضد المسلمين بعد أحداث 11 سبتمر.

* نمو الأحزاب اليمينية المتطرفة في كل الدول الرأسمالية وبلدان أخرى في العالم، مقابل تراجع شعبية أحزاب الاشتراكية الديمقراطية وضعف دور الأحزاب الشيوعية واليسارية؛

* تحول موضوع صراع الحضارات التي بشرت بها الليبرالية الجديدة، كغطاء أيديولوجي للاندفاعة العسكرية والروح العدوانية الأمريكية إلى سياسة عنصرية استعلائية ونظرة دونية ضد الشعوب في العالم غير الرأسمالي، بسبب تنبني النخب الحاكمة فيها لأفكار الليبرالية الجديدة، باعتبارها الاداة الأيديولوجية التي ترتكز عليها في سياستها الخارجية.

* فشل محولات مفكري الليبرالية الجديدة في التغطية على النتائج الاجتماعية السلبية عند تطبيق وصفات الليبرالية الجديدة في العديد من الدول الوطنية خارج العالم الرأسمالي، حيث تشهد هذه البلدان تخلخل نسيجها الاجتماعي وعدم استقرار بنيتها السياسية.

أما على صعيد الدول الوطنية فإن الأساليب الجديدة التي اتخذتها الدول الرأسمالية الكبرى في ظروف الرأسمالية المعولمة لتهميش الدولة الوطنية والهيمنة عليها، يمكن اجمال تأثيرها بالنقاط التالية:

1. أدت العقوبات الاقتصادية التي فرضها دول الرأسمالية المعولمة على الدول الوطنية بهدف جرها إلى حركة الرأسمال واضعاف قدرتها على النمو والتطور الاقتصادي المستقل وبالتالي تفتيت تشكيلتها الاجتماعية وافقار طبقاتها الاجتماعية المكافحة من اجل الاستقلال والسيادة الوطنية.

2. تشجيع الطائفية السياسية كأداة لتفتيت الدولة الوطنية.

3. التدخلات العسكرية في النزاعات الداخلية في الدول الوطنية وتوجيهها لخدمة أهدافها المتمثلة بالاطاحة بالحكومات الوطنية وفرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية بقوة السلاح خلافاً للشرعية الدولية.

4. مساندة اليمين المتطرف وتقديم الدعم المادي والمعنوي والعسكري، لحسم الصراعات الاجتماعية الداخلية لصالح اليمين المتطرف، ساعد على نمو تيار الإسلام السياسي، وتصاعد  نهجه إلى تخريب الدولة الوطنية وتفتت وحدتها السياسية لصالح كيانات طائفية وإقليمية وقومية.

5. مساندة الحكومات الدكتاتورية، باعتبارها حليفاً للرأسمال الدولي وكابحاً للتطور الوطني المستقل.

أن أسباب خفوت دور أحزاب اليسار الاشتراكي في البلدان العربية، ترجع إلى تخلف بنيتها الفكرية والتنظيمية وبالتالي عدم قدرتها على مواكبة الأحداث، بعد انهيار تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية، ولم تكن مهيئة للتغييرات السياسة الدولية التي أنتجها الطور المعولم من التوسع الرأسمالي التي تعمل باتجاه تحول تبعية الدول الوطنية التي ميزت حقبة المعسكرين إلى اندماجها بصيغة الإلحاق .

لقد طرحت خيارات عديدة لتكون أحزاب اليسار الاشتراكي فاعلة في مجتمعاتها، منها، أن تتحول أ إلى أحزاب يسارية ديمقراطية  تشكل وريثا تاريخيا للحركة الوطنية الديمقراطية العربية وفاعلا نشطا في صيانة الدولة الوطنية من الإلحاق والتهميش، ومنها، إن التغييرات التي فرضتها الرأسمالية المعولمة، أجبرت قوى اليسار والديمقراطية في العالم على إحداث تغيرات على طبيعة ومضمون كفاحها من أجل الاجابة على كثرة من الأسئلة  الفكرية والسياسية الناتجة عن إنهيار النموذج الذي بشرت به لشعوبها. ومن أجل أن تكون قادرة على النشاط بفعالية في الظروف الجديدة، قامت كثرة منها بمراجعة تجربتها السابقة، في كافة المجالات، ففي الجانب الإيديولوجي،على سبيل المثال، اخذت بتعدد مصادر الفكر الاشتراكي بدلا من الاعتماد على الماركسية فقط، وفي الجانب التظيمي، تجاوزت الطبقية من خلال توسيع قاعدتها الاجتماعية، كما قامت باعادة النظر بتركيبتها التنظيمية باعتماد الديمقراطية في حياتها الداخلية بدلا من المركزية الديمقراطية. كما تخلت أغلبية هذه الأحزاب عن الثورة ودكتاتورية البروليتاريا في كفاحها للوصول إلى الاشتراكية.

إن المراجعة السابقة، شهدت تجارب ناجحة، مكنت بعض الأحزاب أن تتكيف مع الاوضاع الجديدة. فعلى الصعيد الأوربي شهدت محاولات ناجحة، كان من أبرزها في المانيا حيث استطاع اليسار الألماني توحيد صفوف التيارات الاشتراكية بتكتل سياسي وانتخابي تمثل بحزب اليسار الذي اصبح رابع حزب في البرلمان الالماني، حسب نتائج الانتخابات الأخيرة. أما الأحزاب التي بقيت بمواقفها السابقة، ايديولوجيا وسياسياً فقد بقيت تراوح في مكانها تعيش على ماضيها التليد.

أما في المنطقة العربية، التي شهدت صعود تيار الإسلام السياسي، اجتماعياً وسياسيا، فلم تختلف ردود أفعال الحركة الإشتراكية بكل تلاوينها، وبهذا المجال، يمكن رصد ثلاث تجارب،

-الاولى، تجربة الحزب الشيوعي اللبناني الذي يعتبر من أول الاحزاب الماركسية العربية الذي حاول نقد التجربة الماركسية العربية، خاصة موقفها من القضية القومية والوحدة العربية والديمقراطية الداخلية، ورغم كل الجهد الذي بذله الحزب في الجانب الفكري، إلا ان تأثيره العملي في الحياة السياسية والمجتمع اللبناني بقى محدوداً لحد الآن.

- الثانية، تجربة حزب التقدم والإشتراكية البراغماتية في المغرب، هي من اكثر التجارب الناجحة في تعزيز دور الحزب الوطني والاجتماعي، وانعكس على حصول الحزب على نتائج جيدة في الانتخابات( 12 مقعدا في الانتخابات الاخيرة، وكان له سابقاً 18 مقعدا) وشارك بحكومة ائتلافية برئاسة حزب العدالة والتمنية الإسلامي.

-الثالثة، تجربة الحزب الشيوعي السوداني وهي من التجارب الأخرى التي تحتاج إلى بحث معمق، حيث  بقى لصيقاً ببيئته الاجتماعية، وبذلك حافظ على دوره في المجتمع السوداني حتى في ظل حكم البشير، الأمر الذي جعله يلعب دورا فاعلا في  الثورة الشعبية الذي اسقطت حكم الإسلام السياسي. واعتقد أن بقاء الحزب قريبا من هموم الفئات الشعبية وابتعاده عن كثرة التظير والتركيز على سياسة وشعارت ملموسة مفهومة من المواطنين، هي التي عززت دور الحركة الاشتراكية الديمقراطية في المجتمع وعلى صعيد الحركة السياسية التقليدية في السودان التي تمتلك تجربة عريقة في العمل السياسي بالمقارنة مع البلدان العربية الأخرى.

تكثيفاُ، نشير إلى أن ضعف فعالية اليسار الإشتراكي، إدى إلى تنامي النزاعات الوطنية وتحولها إلى صراعات حادة، ونمو الميول الطائفية والعنصرية والقومية، وتحول كثرة من الدول الوطنية إلى دول فاشلة غير قادرة على توفير الأمن الاجتماعي، اضافة أزمات سياسية وصراعات بين النخب السياسية التي نهبت الثروات الوطنية وبالاشتراك مع الدول الرأسمالية الكبرى

يحاول الكتاب الجديد للصديق أ.د. لطفي حاتم، تحليل التناقضات التي تحول دون نجاح مساعي الهيمنة الأمريكية لفرض نموذج العولمة الامريكي على البلدان النامية وبقية دول العالم، مكثفاً هذه التناقضات بالنقاط التالية:ـ

أولاً، التعارضات بين الدول الرأسمالية الكبرى حول السيادة الفعلية على موارد وأسواق الدول الوطنية.

ثانياً، تعارضات بين أطراف الهيمنة الرأسمالية الكبرى على تصدير رأس المال واستغلال العمل الرخيص  خارج حدودها.

ثالثاً، تعارضات بين قوى اليمين المتطرف المتسم بالنزعة الوطنية في الدول الرأسمالية الكبرى وبين العولمة الامريكية الكسموبوليتية الهادفة إلى التبعية والالحاق.

رابعاً، تعارضات بين أطراف التشكيلة الرأسمالية العالمية حول النزعة الديمقراطية ومحاولة تحجيم نزعاتها حول الديمقراطية.

خامساً، تعارضات مع نزعة الولايات المتحدة الإنفرادية بفرض هيمنتها على الدول الاخرى عن طريق العقوبات الاقتصادية التي تتعارض مع مصالح الدول الرأسمالية الكبرى.

كما تحاول أبحاث الكتاب، القاء الضوء على الأسباب التي أدت إلى تضاءل دور الدولة الوطنية في السياسة الدولية والتي يرجعها إلى تخلي النخب الحاكمة عن مبادئ الاستقلال والسيادة الوطنية بسبب تشابك مصالحها الخاصة مع قوى الهيمنة الدولية، وتبلور ملامح مرحلة انتقالية يطلق عليها بازدواجية السلطة بين المركز الرأسمالي والحليف الحاكم في الدولة الوطنية، حيث ينعكس هذا التغيير على المنظومة السياسية للدولة الوطنية وسلطتها السياسية تمهيدا لبناء المستلزمات الضرورية لتشكيل التكتلات الاقليمية التابعة.

ومن أجل حل التناقض بين وصفات الليبرالية الجديدة لتطور البلدان الوطنية ومبدأ السيادة الوطنية،  يشير الباحث إلى تعويم هذا المبدأ لصالح حرية التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى من خلال الترويج لمفهوم التدخل الإنساني،

يشير الكتاب في هذا الصدد إلى استبدال مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية بمبدأ التدخلات العسكرية لحسم النزاعات والحروب الداخلية، استخدام القوة بهدف استبدال أنظمة سياسية استبدادية بأخرى (ديمقراطية) إضافة إلى استخدام الضغط الاقتصادي من خلال الوصفات الاقتصادية للمؤسسات المالية الدولية.

لقد حاولت أفكار الكتاب تحليل مخاطر الطائفية السياسية على الدولة الوطنية، مركزة على التجربة العراقية كمثال ملموس لاعادة بناء الدولة بعد الغزو الأمريكي عام 2003 على أساس نظام المحاصصة الطائفية ـ العرقية الامر الذي نتج عنه تشكيل دولة فاشلة خاضعة للإرادات الاجنبية، غير قادرة على تلبية الحاجات الضرورية للمجتمع. ويحذر الباحث، من تطبيق نظام المحاصصة في البلدان العربية التي شهدت احتجاجات شعبية بعد عام 2011.

- من أجل تعزيز دور اليسار الإشتراكي، يطرح الكتاب عدة أسئلة تواجه الباحث المهتم بالفكر السياسي الاشتراكي، منها، هل باتت الاشتراكية ضربا من الخيال الغابر؟ هل تتمكن القوى الديمقراطية من بناء أنظمة سياسية تعني بمصالح الطبقات الفقيرة؟ ماهي الأساليب الكفاحية القادرة على تلبية مصالح القوى الوطنية والديمقراطية؟ ماهو النموذج الواقعي الذي تسعى القوى اليسارية لتحقيقه في المرحة الراهنة بعد أن أصبح تحقيق الاشتراكية بعيد المنال؟ كيف يمكن التوفيق بين مفهوم الحزب الجماهيري والحزب الإنتخابي؟

يعترف الباحث ان هذه الاسئلة تحتمل اجابات متعددة لا يستطيع العقل الفردي الاجابة عليها، لذلك حاول تركيز اهتمامه على النموذج الاجتماعي الذي مازالت له شعبيته قائمة إلا وهو نموذج " دولة الرعاية الاجتماعية " الذي يعطي ملموسية لكفاح الاحزاب اليسارية والديمقراطية في تحشيد كافة الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة، الذين يشكون أغلبية اجتماعية،  معللا إختياره بالمعطيات التالية:

* مفهوم دولة العدالة الاجتماعية يرتكز على موازنة المصالح الاجتماعية بين طبقات التشكيلة الاجتماعية في الدولة الوطنية.

* استناد دولة العدالة الاجتماعية على الشرعية الديمقراطية للحكم والذي تتنافس فيها القوى الاشتراكية واليمينية الرأسمالية.

* تعتمد دولة الرعاية الاجتماعية على الطبقات الاجتماعية العاملة وصيانة مصالحها الطبقية.

* يمكن اعتبار دولة العدالة الاجتماعية شكلاً متطوراً من أشكال الديمقراطية الاجتماعية تحقق في بلدان في عدة بلدان في شمال أوربا.

لا يخلو الكتاب من العديد من الاستنتاجات التي تدعوا الباحثين والمفكريين إلى مواصلة التعمق بدراستها في المستقبل نشير إلى بعضها:ـ

1) إن الاستناد إلى الشرعية الانتخابية للسلطات التي تقوم على آليات الديمقراطية، الانتخابات فقط، يضعف الشرعية الوطنية للدولة، لأن بناء الدولة الديمقراطية يشترط توفير الضمانات الاجتماعية، التي تقوم على قاعدة التوازنات الطبقية للتشكيلة الاجتماعية الوطنية.

2) إن حل مشكلة الدول متعددة القوميات يتطلب بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، على أساس فيدرالي لضمان حقوق كل القوميات، بهدف تعزيز وحدتها الوطنية.

3) تطوير المفهوم الديمقراطي للوحدة القومية على قاعدة التقارب الاقتصادي العربي المتمثل في بناء أسواق عربية مشتركة، تشكل في نهاية المطاف القاعدة السياسية لاتحاد كونفيدرالي عربي واحد.

4) إن مقاومة نهج التهميش والإقصاء الذي تعتمده سياسة الدول الرأسمالية، تتطلب البحث عن أشكال جديدة للنضال الوطني، تقوم على إشراك جميع الطبقات والفئات الاجتماعية التي لها مصلحة في الحفاظ على السيادة والاستقلال الوطني، وإقامة دول تحترم حقوق الإنسان، السياسية والاجتماعية.

أخيرا، إن الأفكار الواردة في الكتاب تستحق القراءة بتمعن باعتبارها خلاصة لجهد نظري متميز ناقد ومتابعة مباشرة من قبل الباحث  المبدع، لتطور العلاقات الدولية وتأثيراتها على الدول الوطنية، خلال العقود الخمسة الأخيرة، مركزا بشكل خاص على نقد أفكار الباحثين في البلدان الغربية الذين يروجون لأفكار الليبرالية الجديدة، باعتبارها الوصفة النموذجية لإعادة بناء الدولة الوطنية في المنطقة العربية خلال حقبة نظام القطبية الواحدة.

***

الدكتور فاخر جاسم

 

نظرية الرواية والرواية العربية لفيصل دراج

يعمل الباحث الفلسطيني فيصل دراج من خلال مؤلفه "الرواية وتأويل التاريخ"على التنظير للرواية بصفة عامة وللرواية العربية بصفة خاصة منطلقا من العوامل التي ساهمت في ظهور الرواية العربية وتطورها  فبنظره"جاءت بداية الرواية العربية مع بداية القرن العشرين، دون أن يزامنها صعود في علم التاريخ أو في غيره من العلوم، انطوت البداية الروائية العربية على مفارقة ظاهرة، ذلك أنها ولدت في شرط غير روائي "لم تنجز فيه البرجوازية العربية ثورتها ولم يعرف الواقع العربي فيه ثورات جذرية، كأن هذه الرواية ولدت معوقة وافدة، شديدة التلعثم لحظة ومليئة بالوهم ترهن المقامة لحظة أخرى وهي في الحالين بعيدة البعد كله عن الشرط الأروبي الذي سوى روايته "1. ويرى الباحث فيصل دراج على أن سبب هيمنة وسيطرة التاريخ في الرواية العربية المتنامية راجع إلى الفرق بين زمن أروبي ينتج رواية مسيطرة وزمن عربي لا يسائل الأصول، فقد استدعى الروائي العربي المؤرخ إلى روايته وطرده لأكثر من سبب وهذا راجع إلى كون المؤرخ لا يتقصى الصحيح ويعمل على تهميش المستضعفين بل أكثر من ذلك يرى الباحث بأن المؤرخ  يعمل على اعدام الحقيقة ولهذا يقوم الروائي العربي بتصحيح ما جاء به المؤرخ وبذكر ما امتنع قوله مؤكدا بأن الرواية علم التاريخ الوحيد أو كتابة موضوعية تسائل ما جرى، دون حذف أوإضافة" 2. فالكتابة الروائية العربية أعادت كتابة التاريخ المعاصر الذي لم يكتبه المؤرخون متطلعة إلى تاريخ سوي محتمل دون أن يعلل الباحث سبب هذا الإهمال تاركا للمتلقي فرصة البحث عن الإجابة بين ثنايا مؤلفه. وقد قام فيصل دراج  بتقسيم مؤلفه إلى ثلاثة أقسام: الفصل الأول وسمه بالرواية في التاريخ موضوعه التاريخ وصعود الرواية، وقد قسمه إلى عدة محاور رئيسة منها رواية التقدم وتقدم الرواية، الرواية وتداعي الأصول.الرواية والمتخيل الحديث، الرواية واليوتوبيا المضمرة، الرواية ومجتمعية القراءة، الرواية واللغة القومية، الرواية العربية في زمن اجتماعي متغير. حيث يرى الباحث على أن الرواية تسائل الحاضر والتاريخ يسائل الماضي لكنهما معا ينتهيان إلى عبرة وحكاية.كماأن الباحث لم ينكر العلاقة بين التاريخ والرواية والإبداع الأدبي، واستشهد بموقف المؤرخ الانجليزي الشهير ج-كولنجود "حين وزع في ثلاثينيات القرن الماضي الخيال الجبار على الروائيين والمؤرخين معا "3 كما استشهد بتعريف جورج لوكاتش 1885- 1971 وهويعرف الرواية بالقول "يعبر جوهر العمل الروائي الأكثر عمقا عن ذاته في السؤال التالي ماهو الإنسان يقول الروائي نظريا ما يقول به المؤرخ "4. وفي محور رواية التقدم وتقدم الرواية يتابع الباحث عبر التاريخ تطورالرواية انطلاقا من التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية حيث اتفقت الرواية مع التاريخ التقدمي واختلفت عنه في آن "اتفقت معه وهي تقاسمه وحدة الواقعي والمتخيل والذهاب من الحاضر إلى المستقبل، واعتبار القرن التاسع عشر زمنا مرجعيا والقطع مع التصور اللاهوتي للعالم واختلفت عنه مبتعدة عن الكليات المجردة، ومحتفية بالتفاصيل وذلك في نص معتم متعدد المستويات "يتأمل التاريخ في طبيعة انسانية مثقلة بالتناقض"5.

 بحيث يرى الباحث بأن الرواية وقعت على إنسان أرضي مزود بأسئلة جديدة حيث نقض الإنسان الدنيوي الإنسان اللاهوتي وفي محور الرواية وتداعي الأصول يرى الباحث بأن الانسان النهضوي بعد أن عثر على أصله في ذاته واستغنى عن الأصول جعل من الأصل سؤالا مفتوحا متعدد الاتجاهات، حيث صدر عن علاقات الزمن والإنتاج والآلة زمن إنساني مغاير للزمن الديني، الذي يعالج الأرواح المجردة بأدوات لا تقبل التحديد والقياس، وفي محور الرواية والمتخيل الحديث يرى الباحث بأن المتخيل رافق الإنسان منذ أن أدرك أن وراء الواقع المعيش واقعا آخر أكثر جمالا أوأقل قبحا. حيث أخذت الرواية بالمعطيات المختلفة للمجتمع البرجوازي ودفعتها إلى حدودها الأخيرة، مبرهنة أن الفضاء الروائي مزيج من المعرفة والبصيرة، أو لقاء محسوب بين الواقعي والمتخيل"6.

ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى القول بأن "الرواية العربية تنتمي إلى مستوى الكتابة إلى زمن حداثي كوني، وتنتسب على مستوى القراءة إلى زمن تقليدي أو هجين الحداثة كأنها رغم بطولة المتخيل والكتابة تنتظر جمهورا محتملا لم يأت بعد"7 وفي القسم الثاني المعنون بالرواية العربية الولادة المعوقة في التاريخ المقيد يسلط الباحث الضوء على ستة من الرواد وهم عبدالرحمن الكواكبي، محمد عبده، فرح انطوان طه حسين، عبدالسلام العجيلي، عادل كامل باعتبار رواياتهم تساهم في الوقوف على علاقة الرواية بالمجتمع، والتاريخ حيث يرى الباحث بأن الرواية لها صلة بالمجتمع والتاريخ، ذلك أن للرواية صلة وعلاقات اجتماعية أنتجتها برجوازية منتصرة، وهي تنتج ذاتها طبقة قائدة مسيطرة مهيمنة .ويرى الباحث على أن زمن العربي بخلاف الزمن الأروبي أضاع فرصة الانتصار وبقي مكانه يبحث عن أفق أضاعه أو عن أفق لم يلتق به بعد، لذلك لم تظفر الرواية العربية في زمن ولادتها الأولى بمرجع خارجي يصيرها رواية ولم تتمتع بمرجع داخلي يعلج باتساق داخلي وهكذا"ولدت الرواية مزودة باعاقة مزدوجة فهي اثر متأخر للأدب العالمي(...) وهي كتابة وافدة إلى حقل  اجتماعي لم يعرف "نثر المجتمع البرجوازي ".ويخلص الباحث من خلال هذا الفصل إلى القول بأن الروايات الست السابقة تضيء بأشكال مختلفة لا متكافئة، علاقة الجمالي بالاجتماعي والتقني بالكتابي، سواء كانت الكتابة الروائية متقدمة على شروطها الاجتماعية كما هو الحال يحيى حقي على سبيل المثال أم امتدادامقنعا للاجتماعي واستطالة له"8.

وبنظر الباحث فإن إخفاق الرواية العربية راجع إلى المواضيع الراكدة التي عالجتها بأساليب متعددة وفي القارئ الذي لم تظفر به، بعد مائة عام إلا بشكل مجزوء، " يحدد هذان العنصران، على الأقل الرواية جنسا إبداعيا حداثيا يسائل مجتمعا أخطأ حداثثه التاريخية، بل يمكن القول إن تاريخ الرواية العربية هو تاريخ تحققها الذاتي واخفاقها الاجتماعي "9. وفي القسم الثاني  الموسوم بالكتابة الروائية وتاريخ المقموعين نرصد عدة محاور بعناوين مختلفة منها تكامل المعنى في النصر الروائي، تنافي المعنى في النص بين التاريخي السلطة ومجاز المقموعين - الروائي والمؤرخ . ويستهل هذا القسم بتعريف للتاريخ ومقارنته بالأسطوري حيث يرى بأن المؤرخ يتعامل مع إنسان متبدل الأحوال وسيتولد النقد التاريخي مع تمييز الأزمنة المتغيرة، فلا معرفة إلا بالمتغير(..) وما المعرفة التاريخية إلا مقارنة عارفة تفصل الأسطوري والتاريخي، وبين الماضي والحاضر المختلف عنه ولهذا يصبح نفس الماضي في الوعي التاريخي وعيا بالحاضر على خلاف الوعي الاسطوري إن التاريخ غالبا علم سلطوي، وعن السلطة يدور حول مقولتين سلطويتين، هما الانتصار والهزيمة، ينتج ويعاد انتاجه في مؤسسات سلطوية، لا تقتصر في الرقابة حاذفة ما لا تريد ومبرزة ما تشاء وترغب، وبداهة فإن ثنائية النصر والهزيمة هي سلطوية المنظور والغايات، تقضي لزوما إلى تاريخين متعالقين متنافيين، يحدث أحدهما عن منتصر جدير بنصره ويسرد ثانيهما سيرة مهزوم لا يليق النصر به، يساوي المؤرخ السلطوي الانتصار بالحقيقة، والحقيقة بالمنفعة، والسلطة بالحقيقة والمنفعة، فالعلم الصائب ما يسهم في توطيد السلطة يتناول الباحث بالدراسة رواية السفينة لجبرا ابراهيم جبرا التي يخلص من خلال دراستها إلى القول بأن الرواية التي جاء بها فلسطين من جامعة بريطانيا إلى بغداد، جاءت من زمن أروبي تزامن فيه نهوض العلم والرواية، وعلم التاريخ والفردية المستقلة هذا التزامن الذي يوحد بين المعارف ويفصل بينها وضع في الرواية تصورات من العلم والتاريخ وشروط الفردية الحرة ". 10وفي محور" تنافي المعنى في النص التاريخي يعرف الباحث الرواية بالقول بأنها تمثل "قولا مختلفا، يحتضن عناصر من العلم والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس، ينقد المعيش بنسق من القيم مضمرة ويوحي بيوتوبيا عصية على الكتابة لن يراها أحد، والرواية في ما تقول دنيوية تماما، أنتجتها التاريخ ذات مرة، وتركها تقتات بمنتجات زمانها من مفهوم الانسان جاءت، وبشروط الانسان المتبدلة تتطور وتتغير"11.

يتقمص الروائي دور المؤرخ، يسجل ما يرى في الحاضر ويرى إلى المستقبل الذي يفضي الحاضر الفاسد إليه، مذكر بالمقريزي والجبرتي وابن إياس وذلك في تناص مضمر، تحتشد فيه الوقائع والرؤية والمعرفة، والفنتازيا، كأن الروائي سيتقدم المؤرخ ويستعبده .ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى القول بأن كتابات نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف، وبهاء طاهر وإلياس خوري تهتم بالتاريخ الآخر، الذي تكتبه الرواية ويرغب عنه الآخرون.وفي المحور المعنون "بالتاريخ في الرواية نجيب محفوظ الرواية التاريخية خفة التاريخ وسطوة المصادفة" يرى الباحث بأن نجيب محفوظ يلتقي بالتاريخ ويلتقي الأخير به غيرة مرة، يلتقي الأول بالثاني وهو يعطي الرواية العربية ولادة واضحة، ويؤكدها مشروعا متوالدا، فما سبق روايته كان كتابة مضطربة متعثرة الخطأ، ويوطد اللقاء به وهويبرهن عن مبدع جلود يضع روايته المتجددة في أشكال متعددة فغيره أسرف في الكتابة الروائية وقيدها إلى شكل ساكن"12 فالجنس الروائي يحيل على التاريخ، والتاريخ كثيف الحضور في الوقائع التي زامنها الروائي، فقد مال محفوظ وهو في شبابه إلى التاريخ وكرس له وقتا طويلا، وحين سأل رجاء النقاش نجيب محفوظ عن العلاقة بين الرواية والتاريخ أجاب الثاني "في رأيي أن العلاقة وطيدة فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها وأشخاصها هذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون، ثم أن التاريخ عبارة عن أحداث وأشخاص وتفسير ورؤية والرواية كذلك . يستدرك الروائي قصور المؤرخ مرتين مرة أولى حين يكتب عن المخلوقات المسكينة التي زهد بها المؤرخ، ومرة ثانية يتكئ على معرفة تاريخية واسعة ويذيبها في رؤية روائية"13. تبدأ الرواية بالتاريخ وتستبقي شظاياه، ذلك أن وهو شظية عابرة لا يذكرماكان إلا بعد فوات الأوان، يقول  نجيب محفوظ "بطلي هو الزمن " مكثفا معنى التاريخ والإنسان، يمحو الزمن الإنسان الذي يمحو ذاكرته التاريخ، وتتأمل الرواية محوا مزدوجا، مستبقية الزمن ومأساة مخادعة، تخلق ذاكرة الإنسان وتزيلها في آن حين يتذكر محفوظ، زمنا مضى شده إلى المرحلة الفرعونية يقول كنت يقول كنت قد قرأت في تاريخ مصر، قررت أن أكرس حياتي لكتابة تاريخ مصر بشكل روائي"14. وفي محور التاريخ البعيد وعبث الأصول أراد محفوظ في مطلع حياته الأدبية أن يضع تاريخ مصر في رواية متعددة الأجزاء تبدأ من زمن الفراعنة وتنتهي إلى ثورة 1919م ذلك أن محفوظ كان يكتشف في روايته التاريخية، منظوره للعالم ومعنى الرواية، التي ترحل إلى أزمنة مختلفة وتتمسك ب "مأساة الإنسان " ولعل الاكتشاف المزدوج وقد بلغ مداه في كفاح طيبة وهي رواية وطنية تحريضية وهو ما جعل "التاريخ يموت الحكاية، والتاريخ في مدن الملح مدخل أول حين تركنا الجسر في البدء جاءت الهزيمة .مدخل ثان النهايات في البدء كانت السلطة .كل الطرق تؤدي الى مدن الملح الحكاية والراوي. يتأمل منيف مدن الملح اكتشاف النفط، الواقعة الأكثر خطرا في التاريخ العربي الحديث، يعطي وجهة نظر في التاريخ ولا يكتب التاريخ، ويكتب مارأى بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد . شاء منيف أن يكتب أن يواجه رواية السلطة برواية أخرى تسرد أحوال المغلوبين وتخفف من أوهامهم"15. ثم يتحدث في مناقشته الثالثة عن الكتابة الروائية وتاريخ المقموعين عبر عدة محاور منها تكامل المعنى في النص الروائي، تنافي المعنى في النص التاريخي، السلطة ومجاز المقموعين، تنافي المعنى في النص التاريخي، السلطة ومجاز المقموعين، عسف المعرفة ومنطق الحرية. وأما في القسم الثاني الذي يحمل عنوان التاريخ في الرواية فيقدم دراسته عن علمين من أعلام الرواية العربية، نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف، ويتناول في دراسته عن محفوظ موضوعات اهتم بها نجيب محفوظ،  واشتغل عليها من قبيل الرواية التاريخية .خفة التاريخ وسطوة المصادفة، التاريخ البعيد وعبث الأصول.. ثم يتطرق إلى الثلاثية التي يبحث فيها محفوظ عبر إشارات خمسة موضوعات وهي علاقة التاريخ وسيطرة الكابوس، الحياة النكتة الشر والولوج، الزمن والوجود، المتعدد واللايقين وينتقل بعد ذلك إلى مقاربة المختلف والمؤتلف بين أولاد حارتنا، يتطرق دراج في مقاربته لعوالم عبدالرحمن منيف إلى الحكاية والتاريخ في مدن الملح ثم حين تركنا الجسر، النهايات. وفي القسم الأخير يعالج المؤلف، موضوعة الرواية والتاريخ في مرايا ثلاث، عبر دراسة ومقاربة أعمال ثلاثة روائيين وهم هدى بركات، ربيع جابر وممدوح عزام وذلك ليخلص في النهاية إلى الحديث عن موضوع أثير لديه وهودورالرواية في إعادة كتابة التاريخ على اعتبار أن هناك ملامح وخصائص تحب لبها الرواية وتصلح كعناصر أساسية لكتابة التاريخ العربي زاوية جديدة غير رسمية.

***

عبد الرزاق اسطيطو

..........................

هوامش:

1- فيصل دراج "الرواية وتاويل التاريخ   نظرية الرواية والرواية العربية "،  ط1، سنة 2004 المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ص5.

 2- نفس المصدر ص6.

 3- نفس المصدر ص 6.

 4- نفس المصدر ص 4

 5- نفس المصدر ص 18

 6- نفس المصدر ص18.

 7-  نفس المصدر ص36

 8- نفس المصدر ص 40.

 9- نفس المصدر صص78.

 10-  نفس المصدر 80.

 11- نفس المصدر ص 83.

 12 - نفس المصدر ص91.

 13- نفس المصدر ص 131.

 14- نفس المصدر 132.

 15 - نفس المصدر ص 133.

 

في نظرية الفوضى.. من هم الفوضويون الحقيقيون؟

 يقدم علماء الإجتماع أمثلة عديدة في نظرية الفوضى منها طريقة عيش طيور الزرزور، وطير الزرزور لا يجد فيه قائد عام لكي يخير كل طائر متى يتحرك وإلى اين؟ كانت طيور الظرزرور تستجيب لإشارات سهلة القراءة، تكون مهيئة داخل علاقاتها مع أقرانها والزحام الشديد هو تلك الإشارة، فالطيور تريد أن تبقى معا ممّا يؤمن بقاءها على هيئة السّرب ولكن إن اقتربوا من بعضهم البعض كثيرا فإن قدرتهم على الإستمرار في الطيران تضعف على الرغم من التشابه التام في الديناميات بين طيور الزرزور، نفس الشيئ ينطبق على البشر، أي قاعدة التقاء في المربع الذي أنت فيه إلى أن يصبح غير مريح لك فتتركه إلى أحد المربعات الأخرى، إلا أن آليات التنقل ليست متماثلة، حسب علماء الإجتماع وحتى الفلاسفة فإن القرار كقاعدة عالية في حياة الفرد من البشر لا يرتبط البتة بالإزدحام الشديد، إنه يرتبط بالأحرى بفهم المرء لطبيعة مأزقه، أي بمدى التكيّف مع الغير على أساس مجموعة  من القيم والمعتقدات التي سوف توحد وتبرر الأفعال التي سيقوم بدورها.

إن طيور الزرزور تقترب من بعضها البعض اثناء الحركة باستمرار حتى تظهر قوة مضادة، هكذا البشر يجتمعون في تكتلات من أجل الوصول إلى مركز قيادي في الأمّة كما حدث اثناء الثورة الثقافية في الصين، من الصعوبة بمكان النظر في كل الإتجاهات في نفس اللحظة، لأن هناك انحيازات منافسة لابد أن تُفَوِّتَ الفرص على النمط المسيطر، فيقطع وعودا لا يقدر على تحقيقها فيتعثر نمط حياة ما، يصبح الطريق مفتوحا أمام الأنماط الأخرى المستبعدة حتى الآن لكي تقول: "لقد أخبرتك بذلك لكنك لم تكن مهتما"، فهذه الأنمطا الأحرى  تنبأت  بالنهاية المميتة، فاستطاعت تجنب الأخطاء والإستثمار في الفرص الضائعة، يقود هذا الكلام للحديث عن "الفردية" هذه الفردية حذر منها كثير من الفلاسفة وعلماء الإجتماع والسياسة، لأنها تنحدر بسرعة إلى نوع من العنف الهمجي، كانت هناك تجارب عديدة نتيجة ثورات وحروب أهلية وقعت في العالم العربي الإسلامي انتهت بأصحابها بالفشل لأنهم عملوا بنظرية الفوضى والهمجية، يقدم علماء الإجتماع مثالا عن أحداث " كانساس" الدّامية حيث أدى غياب سلطة مخولة لفض النزاعات حول الأرض  كذلك غياب هيئة ذات تسلسل هرمي من أجل وضع القواعد وتنفيذ العقود، هكذا يقود التنظيم الذاتي من دون ضوابط إلى الضعف وبالتالي يكون نظاما محكوما عليه بالفشل.

ومن أجل النهوض من جديد كان منى الضروري أن تكون هناك تحالفات، تقول الدراسات أن التحالف قد يفيد في تعويض نقائص نمط حياة ما، فالحلفاء يظلون منافسين لبعضهم البعض ويجمعهم حُبٌّ غير حقيقي وغيرمطلوب أي حُبٍّ مزيفٍ، يتسم بخطاب ملون بالكذب والنفاق والغدر والخيانة، لأن المصلحة الذاتية هي الأهم وهي القاعدة الأساسية في نمط الحياة، ومثل هذه التحالفات تخلق بيئة مضطربة سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وحتى في الجانب الديني (التعددية المذهبية)  يكون ذلك بتعدد الفتاوى التي احيانا تفرق وتشتت أكثر من أن تجمع وتوحد، تهدم ولا تبني، يكون ذلك عن طريق تكفير الآخر ووصفه بالمتطرف، لقد توصل أرسطو إلى أن التوازن بين الثقافات السياسية هو مفتاح لتحقيق الحكومة الجيدة ما جعل بعض الفلاسفة والمفكرين إلى العمل بالقابلية الإجتماعية الثقافية للنماء، فالأمّة التي تتوازن فيها انماط الحياة تكون أقل تعرض للمفاجآت وتكون أكثر استجابة للمواقف المستجدة وهذا طبعا يتوقف على رؤية الناس للأشياء.

 فرؤى الناس وأفكارهم مختلفة فهناك من يدقق فعل الغير وكلامه وهناك من يدقق الغير فعلهم، إذن العملية مرتبطة بعملية "التأويل"  للأقوال والآفعال خاصة إذا تحول الشفهي إلى مكتوب،  والتأويل إما أن يكون إيجابيا  وإمّا يكون سلبيا  وهذا الأخير لا يحقق النماء، المشكلة طيعا ليست في نقل الأفكار بشكل فعال للغير بل تنميتها، كما أن الأمر متعلق بطريقة التعايش مع الآخر، فمثلا عندما يجد إنسان نفسه في موقف حرج من أن يكشف لك رفضه لمسالة أنت راغب في تحقيقها قد تكون في إطار التعامل معه في مشروع ما، وللتعبر عن رفضه تجده يبحث عن طريقة يستفزك بها خلال نقاش دار بينكما حول مسألة ما، تشعر أنتَ بالإحباط  وخيبة الأمل والفشل، هذه الفئة كما يقول بعض المحللين تعمل بنظام الكبار big men فهي ترى المحيطين بها صغار.

و نحن نقف على هذا النوع من الممارسات وكأننا نقف مع إميل الصغير الصَّبِيُّ المبدع ودوركايم الأستاذ المصارع الذي اراد كل شيئ، الأفكار طبعا تتغير بتغير الظروف والأزمنة وبتغير الأمكنة، وقد تتقارب أحيانا بين طرف وآخر، لكن الإختيار يكون بقبول الفكرة الأكثر قوة، ليس قوة الفكرة بل قوة المادة (كثرة المال)  يحدث هذا في مختلف المجالات، في السياسة في الوظائف وحتى في العمل الإبداعي، السبب هو أن هناك أنماط حياة متنافسة داخل الأمّة الواحدة حولت السلوكات والأفكار والممارسات إلى شعار، فالتسوق مثلا جعله البعض أمر سياسي، بمعنى أنك لما تشتري منتوج ما  يعني أ،: "تُصَوِّتُ" اقتصاديا لمصلحة الشركة المتتجة، نفس الشيئ في عملية الإبداع، فأن تشتري كتابا مثلا يعني هذا أنك تُصَوِّتُ  لصالح المؤلف وللشركة التي طبعت ذلك الكتاب والتصويت هنا عمل سياسي.

نلاحظ هنا أنه حتى العملية الإبداعية صبغت بصبغة سياسية، طالما ذلك المؤلف له مكانة اجتماعية، والتصويت لكتابه يرفعه إلى مكانة أكبر من المكانة التي كان يحتلها في المجتمع، بينما المؤلف المبتدئ (لا نقول المؤلف الصغير) لأن الأول كان صغيرا ثم كبر، فالمؤلف المبتدئء مهما كان مستواه ومهما كانت تجربته الميدانية وما يملكه من معارف فهو يظل بعيدا عن الأنظار وفي زاوية التهميش والنسيان، لأن أطرافا تعمل على تقزيمه وتجعل منه كائنا مجهولا، وقد تُقَوِّلْهُ ما لم يَقُلْهُ وتنقل لأسياده عنه معلومات خاطئة وتقارير مزيفة، فياخذون عنه نظرة سلبية وقد يوجهون إليه تهما باطلة، ما يمكن قوله هو أن الإنحياز الثقافي يعيق العمل الجماعي الضروري وللقضاء على هذا النوع من الممارسات، ظهرت جماعة  أطلق عليها اسم "المساواتيون"  لقد طالبت هذه الجماعة بإشراك المواطنين بمختلف مستوياتهم في الحياة العامة، يستخلص من هذا كله أن "النخبة" في بعض الأحيان هي من يصنع الفوضى، فوضى في الأفكار وفوضى في الممارسات وفوضى في القرارات، هذه النخبة التي تريد أن تفرض منطقها على الآخر، تريد أن تكون هي المسيطر، تنظر إليه نظروة متعالية وكأنها تريده أن يختفي من الساحة، والدليل ما نراه في الندوات والجلسات الفكرية والأدبية، يطلقون تصريحات نارية أمام الصحافة من أجل إعطاء لذلك اللقاء صبغة ما وليكون له صدى واسعا، في محاولة منهم أن تنشر في الغد  تصريحاتهم بعناوين حمراء وبالبنط العريض، ولما يجد أحدهم نفسه في موضع انتقاد وأن ذلك العنوان لا يخدمه  نجده يقول، تلك العبارات جاءت في سياق الحديث، هكذا يبررون اقوالهم وأفعالهم ويمسحونها في السياقات، هذا هو المجتمع  وهذه هي النخبة الغير قادرة على النهوض بالأمة فكيف لها أن يبني حضارة؟.

من الواجب هنا أن نطرح السؤال التالي: من هي النخبة؟ وممّا تتشكل؟ هل تتشكل من مجموعة من المثقفين؟ والسؤال يفرض نفسه لمعرفة من هو المثقف؟ هل هو المفكر؟ هل هو العالم؟ هل النخبة يشكلها مجموعة من الفنانين (الموسيقي، المغتن، المسرحي، السينمائي، هل يشكلها الكتاب والشعراء والروائيون والناشرون؟ أم يشكلها رجال السياسة (المهرجون) أم رجال المال والأعمال؟ أم رجال الدين؟ يا الهي تحن أمام الهاوية وقد يحدث لنا ما كاد أن يحدث لدونكيشوت لولا رفيقه الذي كان يحرسه لكان قد وقع في الهاوية، نحن إذن أمام تعددية نخبوية اجتمعت لتحقيق مصالحها، يمكن تسميتها بالـ:  clan في كل الأحوال نقول أن هذه النخبة خلقت الطبقية في المجتمع، الكلام ليس موجه للنخبة الحاكمة فقط، بل للتي ترى نفسها أنهامن النخبة، التي جعلت افراد المجتمع يتصارعون ويتقاتلون فظهر التطرف وظهرت الآفات الإجتماعية كالإنتحار، والهجرة الغير شرعية وهجرة الأدمغة وكل اشكال الفساد، لأنها لم تغير نفسها  ففشلت في عملية التغيير والبناء، يبقى السؤال يبحث له عن إجابة لمعرفة من هم الفوضويون الحقيقيون الغرب أم العرب؟ ولماذا تقدم الغرب وتأخر العرب؟

***

علجية عيش بتصرف

........................

من كتاب "نظرية الثقافة" نأليف مجموعة من الكُتّاب عن عالم المعرفة عدد 223  طبعة جانفي 1978 الكويت

عن دار الفكر المعاصر، صدر للباحث التونسي الدكتور ناجي بن الحاج الطاهر، كتاب بعنوان: "الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة" في طبعته الأولى سنة 2021م، تأتي أهمية هذا الكتاب، بكونه ينتمي إلى حقل الدراسات القرآنية، وبكونه يشكل إضافة معرفية ومنهجية، يتجلى من خلالها أن التعاطي مع النص القرآني بشكل معرفي وفكري مباشر، بمعزل عن وساطة المدونات الفقهية والتفسيرية، تترتب عنه بسط الكثير من المفاهيم والتصورات والمقاربات... التي تنسجم مع السياق والمحيط الحضاري الذي نحن فيه اليوم.

التقابل بين الإنسان والقرآن، من خلال عنوان الكتاب يوحي بأكثر من معنى وبأكثر من سؤال، فالإنسان يقع في دائرة الفعل والمسؤولية وبشكل عام هو فاعل محوري في صناعة التاريخ، بينما القرآن رسالة موجهة إلى الإنسان، وهذا الأخير يتعاطى مع هذه الرسالة ويتفاعل معها بشتى الطرق، فالسؤال هنا كيف للإنسان أن يتعامل مع رسالة الوجود بما فيه رسالة القرآن، بشكل يعود بالنفع على الفعل الإنساني؟ الهدى بالتعبير القرآني.

وعندما نتحدث عن الفعل الإنساني هنا فهو فعل يقترن بالحرية والمسؤولية على الفعل وما يترتب عنه، فما يكسبه الانسان اليوم هو العلم/ التقنية، فبتعبير مارتن هايدجر(1889 – 1976) “العلم لا يفكر” "فعلى رغم وهم التحكم في الطبيعة وفي الإنسان، الذي ما تنفك التقنية تنشره، وعلى رغم وهم الضبط والعقلنة والتنظيم الذي ما يفتأ العلم يرسّخها، فإنهما (التقنية والعلم)، سرعان ما يدفعان الإنسان نحو تشكيل مدخرات هائلة من الطاقة تنفلت من كل عقلنة، ونحو نهَم الاستهلاك الذي لا تحدّه حدود، فيجران العقل إلى أن يعمل ضد كل تعقل، بل إنهما قد يعملان في النهاية ضد الإنسان ذاته."[12] فكل ما يصبح ممكنًا تقنيًّا لا يجب السماح به بالضرورة،[2] وإلا فسد حال الانسان وكوكب الأرض الذي هو عليه، وهذا ما تنادي به الكثير من المنظمات والهيئات الدولية اليوم، بهدف إنقاذ المصير المشترك للإنسانية،[3] فمن هنا تأتي الأهمية الكبرى لعلم "علم الوجهة" وهو علم في حاجة إلى كثير من الاهتمام والعناية، بكونه علم لا يحصر وجود الإنسان في دائرة الفعل، بقدر ما يبحث في وجهة الفعل، فوجهة الفعل الإنساني في مختلف المجالات ينبغي ألا تتصادم وألا تتعارض مع غائية ومقصديه الوجود. فإذا كان الانسان في دائرة الفعل فالقرآن تكمن فيه وجهة الفعل التي ينبغي أن يكون عليها. ففي هذا السياق يكون القرآن متجاوز للحظته التاريخية قال تعالى: " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)"(الأعراف) قال تعالى: " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)" (الروم)

الكتاب يغطي 500 صفحة، من ثلاث أبواب: الباب الأول بعنوان: الحركة داخل القرآن الكريم وخضوع الأمم والرسالات لها. والباب الثاني: ملامح رؤية القرآن الكونية في أول ما نزل من القرآن الكريم وكيف أوصلها القرآن إلى العالمين الباب الثالث: تطبيق المنهج لحل إشكاليات عالقة، هذه المحاور التي تضمها هذه الأبواب الثلاثة، وما تفرع عنها من موضوعات متعددة، كلها لا تخرج عن طبيعة العلاقة الجدلية والمعرفية بين ثلاث مكونات، الإنسان والكون والقرآن.

فالكاتب يدعو بأن يكون الفعل الحضاري عند الإنسان في حوار مستمر بين الكون من جهة والقرآن من جهة ثانية، بهدف فعل يتجه نحو وجهة القيم العليا المرتبطة بأسماء الله الحسنى، ودعوة الكاتب هنا جاءت مقيدة بكثير من الرؤى ووجهات النظر من خلال تحليله لكثير من آيات وسور القرآن الكريم، تحليلا  يستحضر فيه بشكل منهجي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون عليها المكونات الثلاث في علاقة بعضها ببعض (الإنسان والكون والقرآن)، ومن خلال التحليل تظهر جليا الإشكالات الحضارية والثقافية التي تنتج عن أي خلل منهجي بين هذه المكونات، وبالأخص عندما يتطرق لإشكالات الحضارة الحديثة، أو لإشكالات الحضارة الإسلامية، فالقارئ للكتاب سيقف عند قراءة وفهم للقرآن يحق لنا أن نصفه بالفهم الحضاري للقرآن، لأن صاحبه تمكن من استحضار رؤية كلية غنية بمداخل معرفية وفكرية تستحضر بسط أهمية ما هو قيمي وأخلاقي في الفعل الحضاري.

لا شك بأن هذا الكتاب ذو أهمية بالغة في مجال الدراسات القرآنية، خاصة تلك التي تدخل في حوار عميق مع القرآن، وتراهن بشكل كبير، على كشف مكنوناته، كما أنه يعد مدخلا لموضوع علم الوجهة.

***

د. صابر مولاي احمد

كاتب وباحث مغربي مختص في قضايا الفكر والدراسات القرآنية

......................

[1]  عبد السلام بن عبد العالي، موقع مجلة الفيصل، العلم، هل يفكّر؟ بتاريخ: 1/1/2021م،

https://www.alfaisalmag.com/?p=19874

[2]  نفسه

[4]  من بينها مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لعام 2018 هو المؤتمر الرابع والعشرون للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي (COP24)، والمعروف أيضًا باسم مؤتمر كاتوفيتسه لتغير المناخ. عُقد بين 2 و15 ديسمبر 2018 في كاتوفيتسه، بولندا

في البدء، أودُّ أن أُشير بأنني لا أدّعي أن أكتب هنا مراجعة، أوعرضا نقديا للكتاب القيم "الظاهراتية والمسرح" للكاتب المسرحي، والمفكّر الأستاذ الدكتور سامح مهران، وإنما "قراءة حرة" لهذا الكتاب الهام الذي إستحثني ان اكتب عنه - وإن سريعاً – هذا التعقيب، وان أُضيف ما يمكن ان يدعّم موضوعتي الكتاب الهامتين "الظاهراتية" وتأثيرها في  "المسرح". ومن البدء أيضاً، أودُّ ان أشدّد على القيمة الفكرية والفنية الهامّة لهذا الكتاب الريادي في تناوله لهذا الموضوع الشائك. وهو ريادي، بلا شك، وبشكل خاص، نظراً الى قلة او ندرة البحوث التي تربط الظاهراتية في المسرح، ليس فقط في المنطقة العربية، وإنما في مجمل البحوث التي تناولت الظاهراتية في الدول الغربية عموماً. حيث اعتاد الباحثون الغربيون ربط الظاهراتية، بصورة خاصة، بالكوريوجراف، والأوبرا، والرقص خاصةً في دراساتهم للفراغ او الفضاء العام كحالة ظاهراتية.

أستعرض الدكتور مهران في الجزء الأول من الكتاب وبلمحات سريعة، ولكن فاعلة، ومؤثرة، وممتعة، تطور الفكر الإنساني في الفلسفة، تاريخيا وصولاً الى الفلاسفة اللذين لهم تأثير مباشر بعلم المعرفة الراهن والفكر الفلسفي المعاصر. وفي إستعراضه لتطور المنهج الظاهراتي يركز، الدكتور مهران، بشكل خاص، على فلاسفة الظاهراتية، سيما جورج فيلهلم فريدريش هيجل وأدموند هوسرل، من بين مجموعة كبيرة من الفلاسفة المحدّثين. أما في الجزء الثاني فهو يستعرض مختلف التطبيقات الغربية للظاهراتية في مجال الفنون عامة وفي المسرح خاصة، ولكن من خلال النص الدرامي والتأليف المسرحي، ومن خلال  التيارات الفنية والفكرية في الإخراج المسرحي والدلالات الظاهراتية لهم، الى أن ينتهي الكتاب بأربع توصيات هامة (وسأضيف توصية خامسة بنهاية هذه المقالة) الى المسرحيين العرب للاختيار من بينها، وتبنّي مايناسبهم، في أعمالهم القادمة. وهنا أودّ أن أؤكّد، على عجالة، الي أن الكتاب ليس سهل التناول للقارئ الذي لم يعتد علي النصوص الفلسفية، وبهذا أعتقد، مع شديد التواضع، أن قلة قليلة من المعنيين يمكنهم فعليا إدراك الدلالات الفكرية الأساسية، وربما أقل من ذلك، في البحث في ربطها بتطبيقات مسرحية من خلال أعمالهم القادمة.

الظاهراتية وتأثيرها في المسرح

لنبدأ من حيث الإشكالية الفكرية الأولى، ماذا تعني الظاهراتية  "الفينومينولوجيا" ؟ هي  تيّار فلسفي يسعى لاكتشاف الجوهر المطلق للكائنات، والبنى الفوقية للوعي. وهي ايضا نظرية في المعرفة لدراسة وفهم الانسان، أي لجوهره، وهي بهذا، بحث في الشيئ، لذاته، أي لجوهر الشيئ، من خلال اللغة، والترميز، والعلامات الدلالية، وبإستخدام المخيلة والوهم والفنتازيا. والظاهراتية فلسفة مُكتَشفها الأساسي هو "قصدية الوعي". لذلك فإن "الفينومينولوجيا" بالنسبة لهيجل، مثلاً، هي التي تحدّد العقل ومراحله المتعاقبة، التي يرتفع بها العقل من الأحاسيس الفردية الى العقل الشامل او العالمي. غير أن الفلسفة الحديثة تُدين الى هوسرل وتراثه في الفينومينولوجيا حيث أن منهجه يتألف من تحليل "تجارب الوعي" بقصدية تحديد جوهر مايختبره المرء. أدّى إرث هوسرل (ضمن الإرث الفلسفي التاريخي الإنساني) الى فتح مجالات جديدة في الفلسفة، وتوجيه أفضل فلاسفة الفينومينولوجيا المعروفين، لمفاهيم فكرية ودلالية متشعبة، على سبيل المثال، مفاهيم مثل "الوقت" أو الزمن كما تبلور عند هايدجر، ومفهوم "الحرية" عند سارتر، و "الغيرية" عند ليفيناس، و "الجسد" عند ميرلوبونتي، و "السلطة" عند أرندت، و "الإرادة" عند ريكور، و"العلامة والدلالات" عند دريدا. كل هذه المفاهيم تشكّل الاطار الفكري والدلالي للفينومينولوجيا اليوم، هذا الإطار الذي ينشغل بدراسة المكونات النهائية لأي تجربة ممكنة.

في أبحاث هوسرل الأولية حول "التشيؤ" المبنية على مضامين "الخوف والتخوّف" ، يلاحظ هوسرل بإن "الإدراك" لايُعارض "الخيال"، لعدم وجود أشياء في الخيال يُمكن للإدراك معارضتها. كما أن الوعي بإستكشاف "الزمن" للخبرات الإنسانية المتراكمة، عمّق من الوعي "بالوقت" أي "بالزمن"، وبهذا تمكّن الإدراك من أن يُثري مفهوم "الخبرة" كتركيب مستمر للتصورات، والخبرة سواء كانت متفردة أم مجتمعة ومتراكمة تشكّل "التجربة الإنسانية".  يعتبر هوسرل أن استيفاء معيار "التجربة" المجردة، مضافاً اليها التجربة الإدراكية البحتة أو الأصيله، يشي بوجود "شبه تجربة" في "الخيال" أو "المخيال"و.   ومن تأثيرات هذه النتائج، إمكانية وصف تجربة المتفرج في المسرح على أنها تخوف مزدوج، "إدراكي وخيالي". فالمشاهد المفتون باللعبة المسرحية يعيش في الوهم الإدراكي،  "يَختبر- أي يمرّ بالتجربة - دون أن يكون في موقف التجربة". ولكن على الجانب الآخر من التجربة المسرحية، تطرح تجربة الممثل مشاكل محددة للظاهراتية، من وجهة نظر استخدام الخيال وأنماط الوعي المرتبطه به. فمثلاً، يعتاد الممثل، خلال التمرينات لأداء الدور المسرحي، على وجود "وعي مزدوج". وأعني بذلك وعي الانسان، الذي يقوم بتمثيل الدور المسرحي، ووعي الشخصية التي يقوم بتشخيصها، ويتعمّق هذا الوعي مع تكرار التمرينات المسرحية التي تسبق العرض النهائي للجمهور، مما يقوي هذه الازدواجية، على الرغم من أن تجربة الممثل هنا ثنائية وإدراكية وخيالية، إلا أنها في ذات الوقت مندمجة وموحدة في محتوى التجربة "المسرحية" الكلية. حيث يكون الممثل جزءاً أساسياً من هذه التجربة المتكاملة، والمتماسكة، والمستمرة.

أما في البحوث المتأخرة لهوسرل، نجد أن هناك تعارض واضح بين الوهم والإدراك. فليس من البديهي أن يتعاونا في تكوين "موضوعية" واضحة ومتماسكة من نفس النوع ومن نفس النظم. ولكن هذا التعارض يمكنه التعايش في مكان واحد هو "المسرح". حيث أن الوهم والإدراك يمكن ان يتواجدا معاً، في آن واحد، على خشبة المسرح، بل إن الحالة الإدراكية والوهمية التي يمرّ بها الجمهور، خلال عرض مسرحي مصاغ بهذه المواصفات، يدلّ على هذا التعاون. إضافة الي أن التسلسل الذي يسود بين التصورات ومدركاتها يؤدي الى نشوء وحدة موضوعية، يحدث ذلك على أساس الأحاسيس المدمجة مع بعضها البعض. الاّ إن نشوء وحدة من التسلسل الإدراكي، ثم الإستمرارية في المظهر الإدراكي للشخصية لا يتوافق وظهور الوهم أو الفنتازيا، لأن الصفات الجوهرية " للوهم الخيالي" غير ثابتة، ومتقطعة، وسريعة الزوال، وبلا تسلسل واضح أوتماسك فيما بين عناصره. إن بين التسلسل الإدراكي وأفعال الفانتازيا أوالوهم الخيالي هناك فجوة عنيفة، فالإدراك "يتبدد" بفعل الفنتازيا، ولذلك فهناك تعارض بين الحقل الكامل للفنتازيا والمجال الإدراكي، فالخيال غامض، ومتقلّب ومختلف من حيث الجوهرعن الكائنات المدركة. ولذلك فإن إستظهار ماهو خيالي وإدراكي  في ذات الوقت، على المسرح، يستدعي وجود "قصدية تخيلية وإدراكية" في آن واحد.

لعل من أهم ما تتميز به "الفينومينولوجيا"، والتي لها تأثير مباشر على المسرح و"اللعبة المسرحية" بما في ذلك "الجمهور"، هو مفهوم "الفنتازيا الإدراكية" ، التي يشار إليها أيضاً باسم "التخيلات الإدراكية البحتة" ، والتي تتضمن وفرة لا نهاية لها من المخيلة والوهم "أي الفنتازيا". هذه، في الحقيقة، هي تعبير غير متعارض بين الحقل الإدراكي والحقل التخيلي. هذه الطريقة بالذات، يمكن بسهولة تطبيقها في المسرح، لبلورة عمل "الممثل"، وخاصة لتعميق إزدواجية الوعي والإدراك بين الممثل والشخصية التي يُجسدها. أي بتعبير آخر لإدراك تام لوعي الممثل الآني، وكذلك لإدراك تام للوعي الذي تتمتع به الشخصية التي يُجسدها.   كما يمكن تطبيقها في "الرؤيا الاخراجية" خاصة للاعمال الكلاسيكية التي تحتمل تغيير الرؤى، أو لعرض رؤيا موازية لما هو مكتوب في النص، أو ربما، متعارضة. يذكر جان بول سارتر بأن "الوعي حرّ دائماً، وهناك إمكانية ملموسة، في كل لحظة، لإنتاج ماهو غير واقعي أي خيالي". هذه الطريقة تتبنّى المفهوم الفينومينولوجي لهوسرل في فهم المتفرج في المسرح الذي سيكون عائماً بين المجال الإدراكي والمجال التخيلي لما يدور على خشبة المسرح. فالإدراك والفنتازيا يختلفان باختلاف طريقة ظهور "الكائن" على المسرح.  وهنا يتم وصف الإدراك بأنه فعل يظهر فيه الكائن في شخصه ، على أنه حاضر بنفسه. أي أن الهدف المتصور، على المسرح، هو هدف حقيقي وفعّال. أما في الفانتازيا ، فيتم تقديم الكائن فقط ، كما لو كان موجودًا ، يظهر في الصورة أو ما يُشكّل الوهم على المسرح. إنما حين ينتبه الجمهور ويعي  "بعدمية" وجود الكائن أو الشيئ، فهذا يعني إنه من غير الممكن أن يظهرعلى خشبة المسرح، فهو إذن غير موجود بشكل مادي على المسرح، أي أن غياب وجوده لا ينتمي الى الخيال، ولا يمكن أن يُوصف بالوهم إو بالفنتازيا، لأنه غير موجود بالفعل وبالواقع.   

الفينومينولوجيا هنا توّظف الوهم وما هو "خيالي" من جهة ، والوعي "بالصورة" كما هي، من جهة أخرى، بطريقة تبتعد عن الهذيان الصوري أو الوهمي. ولإنّ الخيال (الفانتازيا ووعي الصورة) لا يتوافق بشكل دائم مع الإدراك بحكم طبيعته "غير الحسيّة". أما الإدراك فإنه  يجعل من "الواقع المفتعل" - على خشبة المسرح- يبدو حاضرًا ومقنعاً ، بل إن الإندماج أو التماهي الذي يحصل بين الجمهور وخشبة المسرح  يجعل هذا "الواقع" حقيقي ولا جدال فيه. مع أن الخيال يخلو، بطبيعته، من أثر الواقع ، فالعنصر الرئيسي للخيال هو التخيّل، والتخيّل يتعلق بالإغراء بالوهم الخيالي والفنتازيا ولا يحتوي على عناصر من وعي الواقع الفعلي. لذلك يشدّد شوبنهاور بأن "الحياة والأحلام هما عبارة عن أوراق من نفس الكتاب. غير أن قراءة أوراق هذا الكتاب بشكل متسلسل ومنتظم سيفضي الى الحياة، أي الى العيش ، إنما حين يتم تصفح أوراق هذا الكتاب بشكل عشوائي فسيفضي ذلك الى الحلم". أي الى الفنتازيا.

وختاماً، فإن نقطة الإلتقاء بين الأرض والسماء هي الخط الذي يخلقه "السراب" عن بعد. ومع ذلك فإن السراب بذاته لا يمت بصلة الي السماء ولا الى الارض. فالسراب هنا هو حالة من الواقع، وفي ذات الوقت إنه حالة شديدة الوضوح من الوهم. هذه الإشكالية بين المُدرك والوهم هي المسرح. وهي كذلك العلاقة المتبنّاة بين الفينومينولوجيا كمنهج فكري وفلسفي  وبين المسرح بأبعاد واقعه المختلفة والمتنوعة بين السحر والسحر الآخر.

***

علي ماجد شبو

صدر عن مطبعة جامعة آرهوس Aarhus Universitet في غرب الدنمارك كتاب "لا يمكن الدفاع عنه: القتلة السياسيون" De uforsvarlige: politiske massemordere باللغة الدنماركية، ويقع الكتاب في مئتين وثمانون صفحة. ساهم في تأليف الكتاب عشرون باحثاً دنماركياً، وقام بتحريره وكتابة المقدمة المؤرخ والأستاذ الجامعي الدنماركي "ميكيل ثورب" Mikkel Thorup.

يتناول الكتاب ستة عشر من أسوأ القتلة الذين ارتكبوا جرائم القتل الجماعي السياسي في تاريخ العالم، والذين لا يمكن ولا يجب الدفاع عن أفعالهم، أمثال "بول بوت" Pol Pot السكرتير السابق للحزب الشيوعي في كمبوتشيا. و"ماو تسي تونغ" Mao Zedong الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الصيني، ومؤسس جمهورية الصين الشعبية. و"أدولف هتلر" Adolf Hitler المستشار الألماني السابق، ورئيس الحزب النازي. و"جوزيف ستالين" Joseph Stalin الأمين العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي السابق. و"بينيتو موسوليني" Benito Mussolini مؤسس الفاشية، والرئيس الإيطالي السابق. "أسامة بن لادن" Osama bin Laden مؤسس منظمة الوحدة الإسلامية المسلحة ـ القاعدة.

جاء في مقدمة الكتاب أن هؤلاء "الرجال الذين قتلوا وشوهوا وعذبوا وأبادوا الملايين من الناس. الأسماء وحدها تُشعرنا بالغثيان الحاد والصور التي تؤذي العين"

لقد وضعهم شرهم خارج المجتمع البشري. لكن يمكننا الدخول إلى رؤوسهم وإلقاء نظرة فاحصة على تفكيرهم السياسي والأخلاقي، وعلى ودوافعهم. لأنه، حتى لو كانت أفعالهم تجعلهم وحوشاً، فإن تصرفاتهم كانت بدوافع فكرية، سياسية، ودينية، وأخلاقية. وأفكارهم جزء من تفكير كثير من الناس. فقد كانوا أناساً عاديين. لا عباقرة ولا أغبياء. يمكن فهمهم على أنهم فاعلون سياسيون يستخدمون القسوة لجعل المثل والقيم السياسية حقيقة واقعة.

حتى لو لم يكن من الممكن الدفاع عنهم، فلا يزال يتعين علينا محاولة فهمهم. لأنه من خلال القيام بذلك، ربما يمكننا حماية أنفسنا بشكل أفضل من الاعتداءات، والقتل الجماعي السياسي في المستقبل.

إن الستة عشر من القتلة السياسيين الذين لا يمكن الدفاع عنهم، ولا شيء يجعلهم بشراً. هذا لا يجعلهم بالضرورة أشخاصاً جيدين أو أذكياء. لكن كانت لديهم علاقة بأفكار معاصريهم - وبعضهم اخترع وطور الأيديولوجيات بأنفسهم - وفهموا أنفسهم كجزء من أنظمة وتيارات فكرية مختلفة.

الكتاب لا يدعي بأي حال من الأحوال أنهم مفكرون عظماء أو مهمون. تكمن الفائدة في كيفية وضع أنفسهم كجزء من منظومة أكبر، سواء كانوا متساوين أم لا، أو يتمتعون بحجج موضوعية وحقيقية أم لا.

إنها مهمة ثقيلة وصعبة لفهم أفكارهم كجزء من تفكير أكبر، وخاصة التفكير الذي يتشارك به العديد من الأشخاص المعاصرين. من الواضح أن القتلة السياسيون غالباً ما شوهوا الأفكار التي أخذوا منها ما يمكنهم استخدامه فقط لخدمة أيديولوجيتهم وتركوا الباقي.4358 كتاب مترجم

من الواضح أيضاً، أن المنظومات الفكرية التي كان هؤلاء جزءًا منها، لم تتأثر لا ارتفاعاً ولا انخفاضاً مع الاستخدام وإساءة الاستخدام غير المسؤول.

من المهم مناقشة كيف يمكن استخدام وإساءة استخدام الأنظمة الفكرية والأيديولوجيات المختلفة، وكيف يمكن أن يصبح الاختلاف الفكري أساساً شرعياً للوحشية.

في الدنمارك، بعد الهجوم على مقهى Krudttønden في كوبنهاغن يناير/كانون الثاني عام 2015، شهدنا سياسيين دنماركيين بارزين يقولون إن الأمر لا يتعلق بفهم أولئك الذين يهددوننا، ولكن الأمر يتعلق فقط بمقاتلتهم.

هناك قول مأثور في الدنمارك، يُستخدم غالبًا في المواقف الساخنة عندما تريد إسكات خصومك في مناظرة حيث تقول "لفهم كل شيء يعني مسامحة كل شيء".

يمكن للمرء أن يسأل عن شروط مناهضة الإرهاب إذا اختار المرء صراحة الجهل كأساس للمعرفة، ولكن الأهم من ذلك إثبات أن الفهم والتسامح هما شيئان مختلفان للغاية.

كتاب "لا يمكن الدفاع عنه" يدور حول فهم ما يبدو غير مفهوم. لا يوجد شيء في هذا عن المغفرة. لفهم كل شيء يعني فهم كل شيء. لا شيء آخر، وأعتقد أن هذه حكمة قوية أيضاً.

من خلال استعراض الكتاب لستة عشر من أسوأ القتلة الجماعيين في تاريخ العالم من خلال ستة عشر فصلاً. فإنه يركز على الأفكار والأيديولوجيات والسياقات التي دفعتهم لأفعالهم، من خلال عدم اعتبارهم رجال خارقين ولا أناس عاديين. بل من خلال فهم المعقد في تعقيده.

الكتاب ليس له هدف تكوين نظرية ولا يخطط لاشتقاق أنماط عامة عبر استحضار ستة عشر شخصاً، لكنه بشكل عام يعرض بصورة ضمنية بعض الأفكار القيمة والرائعة.

واحدة من أكثر التجارب إثارة للإعجاب عند قراءة الكتاب هي أن جميع "الأشرار" كانوا أشخاصاً عقلانيين، ولديهم نيات طيبة لخلق مجتمعات سعيدة. كلهم يريدون الأفضل. جميعهم مارسوا نوع الشر الذي أشار له الفيلسوف النرويجي "لارس الأب سفندسن" Lars Fr. H. Svendsen في كتاباته، ودعاه الشر المثالي، وهو الشر الذي يتم تنفيذه لخدمة قضية أعظم.

فائدة أخرى يقدمها الكتاب ككل، هي الإحساس بمدى صلابة وصمود تصور الناس عن الخير. يكاد يكون الخير في اللغة مجرد مفردة محددة. وأمام "الخير يقف "الشر".

غالباً ما تكون اللغة وتفكيرنا ثنائي التفرع، على الرغم من أن الحد الفاصل بين ما نسميه جيداً وما نسميه سيئاً، غالباً ما يكون شديد التفرع.

في الممارسة العملية، تعتبر القيم الإنسانية مزيجاً شديد التعقيد، وما هو منتشر من التفسيرات والقيم يعتمد على السياق الذي جاءت ضمنه. على سبيل المثال، نحن نعتبر "القومية" قيمة مشروعة وغير واضحة، ولكن إذا أشدت بها ودعوت إلى القومية، فيجب حينها أن تكون على استعداد على الفور لمشاركة القيم مع كل من هتلر، وماو، وستالين، وبول بوت، وأسامة بن لادن، فيدل كاسترو، موغابي، موسوليني وآخرون

لكن التعقيد الفعلي والسياق والخصوصية، هو بالتحديد الهدف من الكتاب. إذا غصنا في عالم القاتل الجماعي الفردي، يمكننا أن نرى مدى تعقيده وخصوصيته، ومدى كونه عادياً ـ جزئياً ـ في نفس الوقت. تخدعنا تصنيفاتنا اليومية ولغتنا، وتبسيطاتها تمنع فهم المركب البشري.

ميزة أخرى قيّمة للكتاب هي الإدراك الدقيق لطموحه في نقل الفهم. القتلة الجماعيون البالغ عددهم ستة عشر شخصاً هم جميعًا شخصيات كتبوا وطوروا مبررات لرؤيتهم للمجتمع، وأنت تفهمهم وقواهم الدافعة، كشيء آخر غير الجنون اللاعقلاني السيكوباتي عندما ترى عالمهم وما يفكرون به وما قالوه.

اغتراب الروح

كان سفاح الثورة الفرنسية "ماكسميليان روبسبير" Maximilien Robespierre يحلم بمجتمع يتمتع بالحرية والمساواة، وحق متساوٍ للجميع في المشاركة، وبالتالي أراد تمكين جميع المواطنين من خلال إعادة التوزيع الاقتصادي، وجعل الرعاية الصحية والتعليم حق للجميع. وكانت القوة الدافعة الشائعة جداً والمعروفة لدى هتلر هي التوق إلى الوطن، والتوق إلى الحياة العصرية

لذلك، مثّل الكمبودي "بول بوت" Pol Pot الكره الصارخ لمادية المدينة الكبيرة وتحويلها لكل شيء - حتى الحب - إلى سلع في السوق تُباع وتُشترى.

 المؤرخ الدنماركي "فرانك بيش لاسين" Frank Bech Lassen الذي كتب الفصل عن هتلر، يصفه على نحو ملائم بأنه "الوجودي السياسي". وهكذا يمكن فهم روبسبير وهتلر وغيرهما من القتلة الجماعيين جيداً عندما تتكشف أسبابهم المنطقية وظروف حياتهم.

في بعض الأحيان، فيما يتعلق بالقوة الدافعة - وليس من حيث العنف والاستبداد - يمكن للمرء أن يتعاطف إلى حد ما مع "الشرير". عندما تقرأ في الفصل الخاص بأسامة بن لادن عن استخفاف الولايات المتحدة وغطرستها. القوة في الشرق الأوسط، يمكنك المشاركة بشيء من الغضب الموجه ضد الولايات المتحدة.

استخدام نموذجي

الفكرة الأساسية في كتاب "لا يمكن الدفاع عنه" هي أن الإدانة الجيدة والمثمرة، هي الإدانة التي تفهم عقلانية موضوع الإدانة. وهذا هو المكان الذي تكمن فيه ميزة الكتاب العظيمة. في الكتاب يصبح الشر غير المفهوم أكثر قابلية للفهم. لا يتم التقليل من شأن الشر، ولكن يتم ثقب ما هو خارق للبشر وغامض ومبدع في سردنا للشر.

يمكن للكتاب أن ينجح في إثبات ادعائه العام بأن الشر يمكن فهمه لأنه يكرر نفس المناورة في الفصول الستة عشر: إزالة الغموض عن الشر.

ومع ذلك، فإن الجانب السلبي لبعض الباحثين الذين يعالجون الشخصيات، هو ضعف الفهم الشامل للفرد. معالجة الكتاب في بعض الفصول يجعل من الصعب تحقيق طموح محرره "ميكيل ثورب" الذي كتبه في مقدمة الكتاب: فهم "أفكارهم كجزء من تفكير أكبر".

بعض الأمثلة: في الفصل الخاص بلينين Lenin، لا يوجد أي شيء تقريباً حول سبب وجهة نظره الحاسمة القائلة بأن الثورة لا يمكن أن تنتظر: دراساته المكثفة عن هيجل.

في الفصل الخاص بـروبسبير Robespierre لم يُذكر الإلهام الفكري لروسو في كلمة واحدة. في الفصل الخاص بموسوليني Mussolini، لم يتضح سبب انتقاله من الاشتراكية الثورية إلى القومية الاستبدادية ومن نقد هتلر Hitler إلى احتضان هتلر.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يحجب هذا حقيقة أن الكتاب رائع. ما لا يمكن تبريره، هو مثال نموذجي على كيف يمكن للأبحاث أن تتحدث حديثاً ذو قيمة في أهم الموضوعات العامة، وبشكل مباشر في الأسئلة الأخلاقية والسياسية العظيمة في عصرنا، حول كيفية ارتباطنا بالإرهابيين والشر السياسي.

لا يمكن مسامحتهم

إن قدرة الكتاب على التواصل الجيد والمعلومات القائمة على الأبحاث، أمر يستحق الثناء. الكتاب سهل القراءة ويستحق قراءته – على الأقل من قبل هؤلاء السياسيين الذين يحبون الوقوف على المنصة الخطابية عقب أي هجوم إرهابي، ويعتقدون أنهم يعرفون كيف يجب أن نتعامل مع الشر لنمضي بحياتنا في خدمة قضية أهم وأسمى.

ستة عشر من أسوأ القتلة السياسيين في تاريخ العالم. لا يمكننا الدفاع عنهم. لا يمكننا مسامحتهم على الإطلاق. لكن يمكننا أن نحاول أن نفهم. افهم أفكارهم ووقتهم والعالم الذي عاشوا فيه. في الكتاب، يركز الكتاب بشدة على ما لا يمكن الدفاع عنه. الاستماع إلى ما كتبوه وقالوه وفعلوه. لأننا إذا فهمنا أفكارهم، يمكننا حماية أنفسنا من الاعتداءات والقتل الجماعي السياسي في المستقبل.

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

‏تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم. النبوة ذاتُ طابعٍ وحياني، الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي للوجود وليس بالمعنى المادي للموجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل الكينونةُ الوجوديةُ للإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًّا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والمبدع والمخترع، ويفسِّر مقامَ النبوة كالشعر والإبداع والاختراع لا يرى النبوةَ مقامًا وجوديًّا استثنائيًا للإنسان. الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على الإبداع، مرتبةُ الشاعر الوجودية وهكذا مرتبة الرسّام والمخترع هي مرتبةُ غيرهم من الناس. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت فاصطفاه اللهُ للنبوة.

الوحيُ صلةٌ وجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة تصيّر ‏النبيَّ شاهدًا للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلّى على مرآة البشري، وإن كان النبيُّ بوصفه بشرًا يلبث على انتمائِه لعالمنا، ولا يفتقد بصلتِه بالغيب كونَه إنسانًا يعيش في الأرض. النبيُّ من جهة الوحي يشهدُ عالمَ الغيب، وبوصفه بشرًا يحتفظُ بحضورِه في عالم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشتركُ فيها مع الكلِّ وتنعكس فيها بشريتُه. ما هو مرآة عالَم الغيب الوحيُ الإلهي، ‏وما يعكسُ عالم الشهادة الطبيعةُ البشرية، ‏وهذا ما ينكشفُ بوضوحٍ في القرآن: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ".

‏ لا يمتلك كلُّ إنسان إمكاناتِ وجودٍ تمكّنه من شهود الغيب، ‏الإنسانُ الذي ينكشفُ له الغيبُ يحدثُ تكاملٌ في ‏كينونته الوجودية، بنحوٍ يسافر صعودًا ليبلغ مرتبةً يتجلى له الإلهي. يحدثُ لدى النبي تحولٌ أنطولوجي في كيفيةِ وجوده، بالشكل الذي يتّسعُ وجودُه فيتجلى له الحقّ. ‏الإنسانُ الذي يتحقّقُ ‏له هذا الطورُ ‏يصل مقامًا وجوديًّا لا يناله غيرُه من الناس، يكتسبُ وجودُه في هذا المقام غناه بإمكانات إضافية تجعله قادرًا على شهود الغيب. عندما يتحقّقُ الإنسانُ بهذا الطور الوجودي يكون مؤهَّلًا لمقام النبوة، وكلّما اتسع وجودُ الإنسان وكانت مرتبتُه أكملَ اتسعت تبعًا لذلك نبوتُه وصارت رسالتُه بسعة إمكانات وجودِه. يواصل النبي سفرهَ الوجودي ما دام حيًّا، فوقَ كلِّ مرتبةِ كمالٍ ‏للإنسانِ مراتبُ أكملُ منها، ‏وهو ما تشير إليه الآية: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا". ومهما بلغت مرتبتُه يظلُ ‏النبيُّ إنسانًا لا يفارقُ طبيعتَه البشرية.

لا طريقَ للتعرّف على الوحي بوصفه ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، في القرآن الوحيُ يتحدثُ عن الوحي، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. عندما نقرأه نرى عدةَ آياتٍ تضيء مضمونَ الوحي، مثل الآية: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا". القولُ الثقيلُ توصيفٌ يرمز لحقيقةٍ تنتمي إلى عالم الغيب، كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه وكيفيتُه على شاكلته، "القولُ" هنا ليس ألفاظًا منطوقةً تشبه الألفاظَ المستعملة في اللغات، "الثقيلُ" ليس كميةً يمكنُ أن توزنَ بالمقاييس المادية، ونكتشفَ كيفيتَها بأدوات مادية. ‏تشيرُ الآيةُ إلى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل "القول الثقيل" الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصفُ الوحي بـ "القول الثقيل" يتطلبُ سعةً وجودية استثنائية لا يمتلكُها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فيصل تلك السعة الوجودية.

آيةٌ قرآنية أخرى تشيرُ إلى أن النبيَّ اختصّه اللهُ بقربٍ لم يختصّ به أحدًا سواه: "ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى"، القربُ أو البُعد في عالَم الغيب ليس إلغاءَ المسافة المكانية. القربُ أو البُعد في الغيب يشاكلُ الغيب. القربُ هنا مقامٌ وجودي يبلغُه الإنسان، إنه تعبيرٌ عن قدراتِ وجودٍ إضافية تمكّن النبيَّ من الاتصال بوجود الله المستغني عن كلِّ وجودٍ سواه.

أما قولُه تعالى: "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ"، فيصوّر القرآنُ مشهدًا تهتزّ أمامه المشاعرُ. في الآية كنايةٌ عن التجلّي الوجودي للحقّ، وكيف تهشّم الجبلُ وانهار فجأة، تجلّي الله للجبل مشهدٌ أصاب موسى بالذهول وسقط مغشيًّا عليه.

نحتاجُ إلى إعادةِ تعريف الوحي وبيانِ صلته بالغيب بوضوح، وهكذا إعادة تعريف النبوة وبيان الطبيعة البشرية للنبي، ليتضحَ ما ينتمي لعالَم الغيب في النبوة، وما ينتمي للطبيعة البشرية. التعريفُ يدلنا على حدودِ المعرَّف ومجاله، وحقلِ اشتغال أدوات العلوم والمعارف البشرية في المجال الذي ينتمي للطبيعة البشرية، ويدلنا على ما هو خارج حقل اشتغال تلك الأدوات في المجال الذي ينتمي لعالَم الغيب.

الطبيعةُ تخضعُ لقوانين تتحكمُ بأسباب ونتائج الظواهر فيها، سيادةُ الإنسان على الطبيعة تتسعُ باتساع اكتشافاتِه لقوانينها وظفره بوسائل استثمارها. ما وراء الطبيعة لا يخضعُ لقوانين الطبيعة، ولا سبيلَ إلى فهمِه بأدواتها واكتشافِ آفاقه في ضوئها. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه.

كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها. تنطقُ لغاتُ الأرض بدلالات يرسمُ خارطتَها ويحددُ مجالَها المحيط الذي يعيشُ فيه الإنسانُ، وليس بوسع اللغة أن تطلَّ على ما هو خارج مديات محيطه إلا بتمثيل ومجاز وتشبيه وكناية واستعارة تشير إلى ما وراء المادة. الكلمةُ تبوحُ بالمعنى الذي تتسعُ له، الكلمةُ لا تتسعُ إلا للمعاني المتداولة في موطن ولادتها وفضاء تشكّل دلالتها، يقول فتغنشتاين: "إن حدودَ لغتي تعني حدودَ عالمي".

للغيب مفاتيحُه الخاصةُ وللطبيعة مفاتيحُها الأخرى، مَنْ يؤمنُ بالغيب يعرفُ أن مفاتيحَ الغيب وما وراء الطبيعة مستودعةٌ في القرآن. من مفارقاتِ كتاب "الرؤى الرسولية" لعبد الكريم سروش ما يظهرُ من تضادٍ بين ما يدللُ بشكلٍ لافت على ايمانه بالله والغيب والوحي والنبوة في مختلف محاضراته وكتاباته، وبينَ تفسيرِه للوحي والنبوة ومشاهد القيامة والقصص في القرآن الكريم في كتابه هذا. مفارقةٌ أخرى في "الرؤى الرسولية" وأشباهها من كتاباته ومحاضراته تتمثلُ في ضيق مرجعية القرآن، وتسيّدِ مثنوي جلال الدين الرومي وحضورِه الطاغي في تفكيره وتعبيره، واتخاذِه أساسًا في تفسير القرآن وتأويل عالم الغيب فيه. جلال الدين الرومي يبتكرُ لغتَه المكتنزة بالمعنى، وهي تتميزُ بالجمال والسهولة في التعبير عن المعاني بحكايات واستعارات وكنايات وأمثال متنوعة، غير أن لغتَه لا تؤسس قواعدَ عامة أو ترسمَ خرائط يمكنُ اعتمادها لفهم الوحي والغيب في القرآن. عندما يتخذُ سروش أبياتَ شعر المثنوي أساسًا لفهم الغيب ويعتمدها في استنطاق آياتِ القرآن فليس بالضرورة أن يهتديَ للطريق الذي تنكشفُ له فيه آفاقُ الغيب. مفتاحُ فهم الغيب في القرآن ما تقوله آياتُه، والمرجعيةُ في تفسير الغيب ما تشي به دلالاتُها. جلال الدين الرومي والعرفاء يفسّرون القرآنَ في ضوء بصيرتهم أحيانًا، حتى لو كانت بصيرتُهم حاذقة إلا أنها قد تشطح. الطريقُ لتفسير القرآن أن نستنطقَ آياتِه بآياتِه لاكتشاف ما ورد فيها من ملامح للغيب. بوسعنا أن نستضيء باستبصارات العرفاء وبما يقوله المفسّرون غير أنها تظل اجتهاداتٍ بشرية، وكلُّ اجتهاد عرضةً للخطأ.

في الوحي بُعدان، بُعدٌ إلهيٌّ وآخرُ بشري، لا يمكنُ دراسةُ البُعد الإلهي الغيبي في الوحي في ضوءِ المناهج العلمية المعروفة لدراسةِ الطبيعة ومَنْ يعيشُ فيها. النبيُّ لا يفقدُ بشريتَه عندما يتلقى الوحيَّ، يمكنُ دراسة البُعدِ البشري في شخصية النبي وحياته الخاصة والاجتماعية والواقع الذي كان يعيشُ فيه في ضوء المعطيات العلمية. إنكارُ البُعد الغيبي في النبوة هو ما يفعله المُنكِر للوحي الإلهي، وإنكار البُعد البشري في شخصية النبي هو ما يفعله الغلاةُ وبعضُ المتكلمين القدماء. محمدٌ نبيٌّ مبعوثٌ برسالة إلهية يُوحى إليه، إنه إنسانٌ يعيشُ حياتَه البشرية كما يعيشُ الناسُ. ‏محمدٌ رسولُ الله "يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ"، ويفرح ويحزن، ويبكي ويضحك، ويتألم وينشرح. محمدٌ إنسانٌ يمتلكُ بصيرةً نورانية، وعبقريةً فذة، ومشاعرَ نبيلة، وخُلُق عظيم: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ". محمدٌ إنسانٌ تجذّرت في ذاته الرحمةُ الإلهية بوصفها ضميرَ النبوة.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

سؤال قديم ومتجدد لا يكاد يمر يوم على المسلمين الا ويزداد حضورا لدى المهتمين بواقع ومستقبل المسلمين إنه سؤال: لماذا يتأخر المسلمون ويتقدم غيرهم؟

هذا السؤال جدا ملح وضاغط على الواقع الإسلامي، وتكرر عدة مرات على طول الزمن الإسلامي ما بعد الموحدين وإلى يومنا الراهن، والإجابات عليه لم تكن بالصيغة المناسبة المكتملة والدقيقة، وإنما ظلت تندرج ضمن آليات الاستصحاب لكل معاملات النظام المعرفي المتحكم في العقليات الإسلامية وتحديدا مبحث فهم الدين من خلال تسييج رؤيته للعالم عبر نافذة واحدة تغذي كل قنوات المعارف الدينية الا وهي علم الكلام، هذا العلم الذي تشكل خلال القرون الأولى للإسلام وعرف تمثلات عديدة أساسية وأخرى إنعكاسية لمنطق فهم الوحي ومباحثه، فهناك علم الكلام القديم وعلم أصول الدين  وعلم العقائد وغيرها من تسميات لا تكاد تختلف ضمنيا عن بعضها البعض الا في خطوط بسيطة بينما البنية العامة والأهداف والنتائج في معظمها واحدة، هذا العلم القديم الحديث لا يزال يسيطر على العقل الإسلامي ودوائر تفكيره وبقي خارج مجال النقد واكتسب قداسات بالتقادم وأخرى بالتلازم، وفي تطور إشكاليات التجديد ومشكلات الواقع تشكل تيار علمي جديد، ركز في فهم الدين على الروح العلمية في معرفة رؤية الدين للعالم والهدف منه، مما انتج حقلا إستراتيجيا في الأبحاث الخاصة بالأسئلة الميتافيزيقية الكبرى، إنه مشروع علم الكلام الجديد، الذي احدثت تسميته هلعا كبيرا لدى حراس المنطق القديم في وعي الدين وصياغة الإجابات النهائية حول أسئلة لانهائية!!

علم الكلام الجديد مبحث علمي تطور منذ عقود من الزمن الإسلامي المعاصر على يد متخصصين في الفلسفة والعلوم الاسلامية والفكر الاسلامي، ولايزال في طور التشكل والتطور، لأن الحالة الإسلامية الثقافية السائدة منذ قرون فرضت ذلك، كونه يرتبط بالنسق النقدي المطلوب في مشروع التجديد الحضاري إسلاميا، أي أن مخاض ميلاد علم الكلام الجديد طبيعي جدا وسط محاولات تحديث علم الكلام القديم وتحسين الانساق الأشعرية في تجميد فهم الإسلام أو تضخيم موازانات علم أصول الدين على حساب وعي ضرورة تجديد مناهج الإجابة على الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى في زمن النانو والذكاء الاصطناعي وترقيم الفتن المهاجرة!!3329 علم الكلام الجديد

هذا العلم الجديد في الكلام الديني بسطه أستاذ الفلسفة والمعارف الإسلامية الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه الصادر مؤخرا (٢٠٢١م) عن دار التنوير ومركز دراسات فلسفة الدين-بغداد، تحت مقدمة في علم الكلام الجديد والذي يقع في ١٧٦ صفحة ، وهذا العمل الفريد والتمهيدي لرؤية ثقافية إستراتيجية تجديدية لافتة من المفكر الإسلامي الدكتور الرفاعي تندرج ضمن مشروع ضخم إلى جانب ثلة من المفكرين والمثقفين عبر الجغرافية العربية والإسلامية، كما أنه تشكل في سياق الدراسات الإسلامية المعاصرة الخلاقة للأجوبة الواقعية والمعاصرة حول الأسئلة الجوهرية لمشروع النهضة الحقيقية والمستدامة، والتي انفردت بنشرها مجلة قضايا إسلامية معاصرة في أعدادها طيلة العقدين الماضيبن، وفي هذا الكتاب سلط  الدكتور الرفاعي أضواء على عدة دوائر الخوف من التجديد في عمق الجهاز المعرفي للمسلمين عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، كما استطاع سحب البساط من تحت الديماغوجية الثقافية للإسلاميين عبر إقحام نظم الروح العلمية ومناهج البحث والحفر المعرفي وتفكيك برادايم التراث، ناهيك عن فضح التمويه الأكاديمي للأنظمة البالية والمستحكمة في نظام التفكير الكلي للمسلمين وهو ما عبر عنه: أشاعرة أكثر من الأشعري!!

هذا الكتاب يمكن أن تقرأه في أمسية لكنك ستعيش في رحاب أفكاره عقودا من الزمن بل لا أبالغ إن قلت عمرا من أعمار الدول، لأنه اختزل هما وشوقا وأسئلة ضخمة وانتكاسات خطيرة وفتح آفاقا رحبة على التحرر الفكري والإبداع التجديدي والوعي الديني المنفتح على الله عنوان العلم والكمال والقوة والقدرة والرحمة والكرامة والعدل والجمال والسلام...إنه فعلا مدخل منهجي في مشوار بناء تدين جديد متناغم مع عقلانية معاصرة منطلقة من نزعة التفكير الحر والثورة على النرجسيات التحريمية التي سجنت كل الجمال الإسلامي في سرداب طغيانها وفهمها المستبد..!؟!

علم الكلام الجديد خرج من رحم  جدليات متعددة ذات علاقة برؤية الدين للحياة وهدفه فيها ولها، هذه المقدمة خاصيتها كما وثق لها الدكتور الرفاعي جاءت لترتفع بالوعي الفلسفي الديني في إعادة بنائه المنطقي من المعلم الأول إلى أساس منطقي كوني شامل وعميق، يجيب عن الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى بلا شروط مسبقة؟!!

و يعتبر هذا الكتاب أهم مرجع عربي في حقل علم الكلام الجديد، حيث يظهر من الفصلين الثاني والثالث (وهو عبارة عن حوار مع الدكتور الرفاعي) أن فكرة علم الكلام الجديد لم تدخل أروقة النقاش العربي الا في الربع الثالث من القرن الماضي من خلال بعض كتابات احمد الخولي والدكتور محمد الدراز ولاحقا عبر بوابة التفاعل مع الثقافتين الهندية والإيرانية، فمثلا كتاب شبلي النعماني لم يترجم للعربية حتى سنة ٢٠١٢م، بينما إرهاصات الحقل العلمي الكلامي الجديد بدأت في بيئة التفكير الإسلامي  الهندي (الدهلوي، سيد أحمد خان، محمد إقبال، فضل الرحمن، وحيد الدين خان) وانتقلت الى البيئة الثقافية التجديدية الإيرانية (مطهري، شريعتي، سروش، شبستري)، هذا الفهم الجديد للوحي عكس نقاشات وجدالات وصراعات فلسفية وصدمات ثقافية صاخبة حول رفض تيار الحديث أو التفكير الديني الأحادي للفهم الديناميكي للوحي، وهنا لابد من الإشارة إلى فكرة جدا مهمة في استيعاب علم الكلام الجديد وذات علاقة بالحاجة الوجودية للدين وفهمها فلسفيا -كما عبر الدكتور الرفاعي في حواره، ص٨١ -و ليس فهما سيكولوجيا أو سوسيولوجيا أو انثروبولوجيا أو اقتصاديا.. كما أن الأركان الخمسة المميزة لعلم الكلام الجديد عن غيره سواءا القديم أو مشتقاته الكلامية والفقهية المستحدثة، هذه الأركان تكتشف عبر التفكيك المعرفي لانتقالات علم الكلام عبر التاريخ الاسلامي منذ النشأة والاستنزاف ثم الركود فالقصور، والتي تثير دفائن العقل الإسلامي في وعي ضرورة الانفتاح على حقل معرفي يرفض التكفير ويفضح اللاهوت الصراطي ويعمم الكرامة ويفعل النزعة الإنسانية ويحيي المضمون العملي للدين في الواقع عبر البعدين الروحي والأخلاقي متجها نحو بوابة التوحيد المتحرر والتدين على أساس نشر الحب والرحمة والعدل والكرامة والسلام..

هذا الكتاب الثري بإشكالياته ونقاشاته ومقارباته وتحدياته وآفاقه شكل انقلابا رائعا على الجمود والتقليد والتطويع والتخويف والتشكيك والترويض للعقول عبر تقديس غير المقدس وتقييد التوحيد وتفريغ التدين من مضامينه الروحية والأخلاقية وتكبيله بأغلال التدين الاعمى أو التصوف المقنع أو الاستصحاب الاغترابي عن الواقع..!!

لقد استطاع المؤلف أن يفتح مساحة نقاش ومعرفة وتداول لقضية إسلامية رفيعة الشأن وبعقلانية معاصرة، ويبعث روح علمية جديدة في العالم العربي حول تحليل حقيقة الإيمان وقراءة التجارب الدينية وتحرير العقل الإسلامي من الفهم الديني الأحادي ودفعه نحو وعي حقائق التنوع والتعدد والاختلاف والحوار والعيش المشترك من خلال السعي نحو تقديم إجابات مسؤولة وواقعية حول الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى..

عندما نركز في مباحث وفصول وسياقات الطرح في الكتاب، تنفتح أمامنا عدة نوافذ على نتاج الدكتور عبد الجبار الرفاعي، حيث نلمس تناسق وتكامل كبير بين المواضيع، مما يزيد في وضوح ماهية قضية علم الكلام الجديد..

أختم بإقتراح وتصور:

. لعل الكتاب في هدفه التجديدي يحتاج إلى فصل يناقش جدلية التدين بين التحرر والتبعية، التجديد والتحديث، الخوف والحب، المصلحة والحق، التنظير والعمل، لأن تقريب موضوع علم الكلام الجديد للأذهان على أنه تطور علمي وتربية روحية وتهذيب أخلاقي وتنمية إجتماعية وتقدم حضاري وليس جدال بيزنطي وحوار الطرشان واحتكار للحقيقة وتهديد المختلف أو اذلاله وتهميشه وتسقيطه، من شأنه تفعيل الاهتمام النقدي والبناء الثقافي حول مقتضيات التدين المتحرر وتحرير الظاهرة الدينية وإعادتها لنقائها وصفائها..

.   أتصور أن العالم العربي عرف عدة محاولات صامتة ترتبط بتجديد علم الكلام، وذلك ما نلمسه في محاولات مالك بن نبي  رحمه الله في كتابه الظاهرة القرآنية وعلاقته بالدكتور محمد الدراز وقبله أحمد الخولي وشكيب أرسلان ولعل المفكر الدكتور فهمي جدعان كان سباقا في تكثيف الحديث عن تحرير الإسلام وأهمية ذلك في بعث الحداثة في المجال العربي والإسلامي، كما حاول الدكتور طه عبد الرحمن ذلك لكن داخل البوتقة الأشعرية المستحدثة مما ابقى المشروع تجريديا ولم يرق لمستوى الفعالية التجديدية في تحليل الظاهرة الدينية الإسلامية فلسفيا وبنهج مستقل عن التجاذبات التاريخية الضاغطة على التفلسف الصراطي، كما شكلت العالمية الإسلامية الثانية عند الدكتور أبو القاسم الحاج حمد شيئا من قبيل هدف التجديد لكنها بقيت ضمن سياقات الرشدية في التحليل أو لعلها لم تكتمل وإلا استغرقت فيما يعرف بأسلمة المعرفة..؟؟!!

الكتاب يختزن جواهر ثمينة في حقل صناعة القلب السليم إسلاميا، لذلك قراءة واحدة له لا تكفي بل لابد من تحليل فصوله ومناقشتها للظفر بالوعي اللازم في مشوار إحياء النزعة الانسانية واستحضار الكرامة في فهم الاسلام فهما يعكس رؤيته للحياة والكون والوجود ككل..

***

.....................

بقلم: أ.مراد غريبي

كاتب وباحث في الفكر

يلتزم الكاتب الامريكي الفريد كازان، في تأليفه كتابه عن" تطور الفكر الادبي الامريكي في القرن العشرين"، منهجًا خاصًا يسير على هديه طوال صفحات كتابه، هو تفسير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرت بها بلاده أمريكا، ويركز على مدى أثر هذه الظروف على الادب والمجتمع الامريكيين، خلال مراحله المختلفة المتباينة، بيد أن هذا لا يعني- كما يتضح من قراءتنا للكتاب، وكما يقول مترجمه إلى العربية وملخّصه الكاتب العربي المصري ماهر نسيم أيضًا- أن المؤلف أخذ نفسه بهذا المنهج أخذًا مشددًا متزمتًا جعله لا يفطن إلى الخيط الرفيع الذي يفصل الشعب ككل والكاتب كفرد مستقل أو بين المعتقدات والقيم والتقاليد العامة وبين المعتقدات والقيم والتقاليد التي يضعها الفرد لنفسه أحيانًا.

يقول مؤلف الكتاب في تقديمه له، إن جذور الادب الامريكي ترسّخت بين عامي 1880 و1890، منوهًا إلى أن الادب الامريكي ابتدأ في السنوات العصيبة العظيمة التي سبقت انتهاء القرن العشرين، ذلك القرن الذي شهد بزوغ أمريكا الحديثة وعاصر كفاحها. ويقسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة اجزاء، الاول من 1890 حتى انتهاء الحرب العالمية الاولى، الثاني وعنوانه "التحرير الأعظم"، من عام 1918 حتى 1929، فيما يخصّص الجزء الثالث لعام 1930.

في الجزء الاول من كتابه يسلط الاضواء على الكاتب الرائد في الادب الامريكي وليم دين هازلي، ويستعرض في هذا الجزء نتاجات وأفكار العديد من الاسماء التي برزت إبانها، ويوحي في هذا الجزء أن الادب الامريكي تأثر أيما تأثر بالأدب الاوروبي، ومعروف ان جُلّ الادباء الامريكيين الاوائل ومن تلاهم أيضًا كانوا يقيمون فترة قصيرة أو طويلة من حيواتهم في إحدى الدول الاوروبية، لا سيما في فرنسا التي أقام فيها الكاتب الامريكي البارز ارنست همنجواي، ردحًا من عمره، وكتب عن فترة وجوده فيها في كتابه السيري " عيد متنقل"، وقد برز تأثير الادباء الامريكيين واضحًا جليًا فيما أنتجه ونشره هؤلاء الكتاب في مختلف فترات تاريخهم ابتداء من هازلي انتهاء بوليم فوكنر وارنست همنجواي صاحب رواية "الشيخ والبحر"، ترجمها إلى العربية منير بعلبكي، مرورًا بهرمان ملفل صاحب الرواية الرائدة في الادب الامريكي والادب في العالم عامة ونقصد بها " موبي دك"، ترجمها إلى العربية إحسان عباس. في هذا الجزء يتعرّف القارئ على العديد من الاسماء ذات التأثير الكبير في حياة الادب الامريكي منها الكاتبة البارزة اديث هوارتن التي كانت ترى أن" الحياة أكثر الاشياء مدعاة للحزن بعد الموت". المؤلف يؤكد في هذا الجزء من كتابه الدور النقدي الخطير الذي لعبه الرئيس الامريكي ثيودور روزفلت، في تطور الادب الامريكي نحو الكمال، ويقول إنه مما يؤثر عن روزفلت قوله:" لسنا نعمل من أجل الرجل الغني بوصفه غنيًا.. ولسنا نعمل من أجل الفقير بوصفه فقيرًا، وإنما نريد الرجل المستقيم سواء كان غنيًا أو فقيرًا". وقد كان الرئيس روزفلت يتوق بإخلاص إلى أن يدواي جروح المجتمع الامريكي، لهذا شنّ حملة على الظلم وطالب الناس باحترام الحق والسعي وراءه وبهذا شجع الحركة الاصلاحية. هكذا وجد الادباء الذين هاجموا الفساد نصيرًا لهم، وقد شجّع الرئيس روزفلت هؤلاء على كتابة قصص تهاجم الفساد وتفضح مساوئه. ويتوقّف المؤلف هنا عند عدد من الاسماء مثل فرانك نورس الذي قال قبل موته عام 1902، بقليل:" أستطيع أن أقول إنني لم أخضع مطلقًا لأحد، ولم أطلب الاحسان من رجال الطبقة الارستقراطية، لقد قلت لهم الحقيقة، وسواء أحبوها أو لم يحبوها .. حسبي أنني قلتها لهم". وقد ظهر في هذه الفترة الكاتب الاشتراكي جاك لندن، وتُعتبر قصة "نداء البرية" لهذا الكاتب، كما يقول المؤلف، أروع قصصه، كونه أودعها جُلّ تجاربه المريرة التعسة وكل انتقامه من المجتمع الذي أذلّ كبرياءه، وكل تحامله على الصراع من أجل البقاء، حتى أن الكلب "ديك" يقتفي أثر الطغمة المنافسة ويزيحها من طريقه واحدًا تلو الآخر كي يتغذّى وحده في البرية. ويتطرّق المؤلف في هذا الفصل إلى عدد من الكتّاب النازعين إلى نقد الفساد وتوجيه سهامهم إليه في مقدمتهم الكاتب إبتن سنكلر صاحب رواية" الصرّاف"، التي وصف فيها الازمة الاقتصادية الطاحنة التي انتشرت عام 1907. في فصل آخر من هذا الجزء- الاول من كتابه يتطرّق الفريد كازان، إلى العديد من الاسماء الهامّة ، في فترة يضع لها عنوان" عصر الابتهاج"، لعلّ أبرزها برتن رسكو وفان ويك، والكاتب روكس الذي كان يؤمن أن الكاتب المثالي هو ذلك الذي لا يهرب من التمدّن المعاصر ولا يسلّم به على علاته أيضًا، وقد كان هذا الكاتب ينشد أول ما ينشد التحرر من النزعة المادية التي خُيّل إليه أنها سيطرت على حياة بلاده- أمريكا، وقد آمن بروكس أن مستقبل الادب الامريكي يتوقّف على مستقبل الحياة الاجتماعية، لا سيما عندما قال:" إن مستقبل أدبنا وفنّنا يتوقّف على مدى نجاحنا في بناء حياة اجتماعية جديدة"، مضيفًا" إن الحياة ستصبح بغير شك مؤامرة ضد الروح وحريتها، إذ لم نجدّدها لنجعل منها مغامرة خالية من الغرض". لقد علّم بروكس الادباء الذين جاؤوا بعده كيف يؤمنون بالثقافة إيمانًا لا يتزعّزع، وكيف يصنعون دنياهم ولا يكون لطموحهم سمة وغاية.4301 تطور الفكر الادبي الامريكي

في الفصل الاول من الجزء الثاني تحت عنوان" عهد ما بعد الحرب" يسلّط المؤلف الضوء على عدد من الكتّاب منهم هنري جيمس، صاحب الرواية الشهيرة "صورة سيدة"، الذي كان عام 1919 واحدًا من الكتّاب المحدثين، كما يتوقّف عند هرمان ملفل الذي بلغ آنذاك المائة من عمره، إضافة إلى هنري آدمز وإميلي ديكنسون، ويتوقّف مطوّلًا عند الكاتب منكن، الذي اتصفت كتاباته بنزعة ساخرة لاذعة، ويقول إن صناعة منكن الادبية كانت بسيطة كل البساطة.. فهو يبحث دائمًا عن غرض جديد لثقافة الطبقة الوسطى يشبعه تأنيبًا أو عادة جديدة من عادات المواطن الامريكي يحمل عليها حملة شعواء او شذوذًا واضحًا يسخر منه ويهزأ به. وقد قال عنه لويس كرونجر إن سر قوته تكمن في هجومه ككاتب اجتماعي. في فصل تال تحت عنوان" الواقعية الجديدة"، يتحدّث المؤلف عن علمين بارزين في الادب الامريكي إبان تلك الفترة هما شيرود اندرسن وسنكلر لويس، وقد كانت الحرّية الشخصية والحنين إلى الحرّية والاستمتاع بالحرية هي الموضوعات المفضّلة لدى شيرود اندرسون، في حين كان سنكلر لويس مولعًا كلَّ الولع بالسخرية والتهكم. وقد أعمل سنكلر لويس مبضعه في كل قطاعات المجتمع الامريكي حتى أتى على كل ركن من أركانه.. كما اتضح في روايته الرائدة" الشارع الرئيسي"، ترجمتها إلى العربية أمينة السعيد. في فصل تحت عنوان " الاجيال الضائعة"، يتطرّق المؤلف إلى ثلاثة من كبار الادباء الامريكيين هم: جون دوس باسوس، ارنست همنجواي وسكوت فيتزجرالد، يقول المؤلف عن هذا الجيل إن أبناءه وجدوا أنفسهم بعد الحرب في عصر لا عنف فيه ولا رعب ولا موت. ويتطرّق إلى رواية سكوت عن " جاتسبي العظيم" فيرى أنها رفعت بطلها جاتسبي إلى درجة الالوهية وأماتته مع موت دنياه. أما سكوت فقد كانت الحرب بالنسبة إليه، لعبة يعبث بها الساسة كما يعبث الاطفال بمكعّباتهم الخشبية، أما همنجواي فقد تحكّمت به جبرية قوية، جعلت الحياة في نظره كفاحًا مستمرًا، وقد كان المنهج المفضل لديه هو المقابلة بين الحرب والحياة والحط من شأن واحدة بالنسبة للأخرى. ويؤكّد المؤلف أن كتابات جون دوس باسوس لا سيّما قصة " شقة في مانهاتن"، هي أوّل ما كُتب من قصص عظيمة عن واقع الحياة الامريكية في ذلك العصر.. ففيها كل مميّزات القصة الناجحة.. وفي الجملة كانت هذه القصة خاتمة طيبة ناجحة لعصر الجيل الضائع وهي لا تخلد ذكرى عصر اجتماعي انتهى فحسب وإنّما تخلّد عصرًا جاء بعده.

في الجزء الثالث والاخير من هذا الكتاب، يتحدّث المؤلف عن " أدب الازمة"، ويقول في التفصيل إن أزمة 1930 كانت أخطر الازمات التي شهدتها الحياة الأمريكية حتى ذلك الوقت، لأنها كانت أكثر من مجرّد توقف اقتصادي أثّر تأثيرًا كبيرًا في اخلاق وتقاليد وعادات الشعب الامريكي الذي هزّته الصدمة هزًا شديدًا. ويتوقّف عند واحد من أهم الكتاب الامريكيين إبان تلك الفترة جون شتاينبك، يقول إنّه حتى بعد أن كتب أكثر من عشرة كتب كان لا يزال يظهر بمظهر التلميذ الذي لم تحنكه التجربة بعد، وعلى الرغم من هذا كله، فقد تمكّن من أن يجعل من نفسه كاتبًا مرموقًا بفضل البساطة غير العادية التي اتصف بها أسلوبه، وبفضل الرقة والسهولة والليونة التي عرض بها مشاكل عصره وبفضل اهتمامه بحياة الانسان والحيوان أيضًا. ويسلّط المؤلف الضوء على رواية شتاينبك " أفول القمر"، تلك الرواية العظيمة التي لم يتوسّل فيها صاحبها بعاطفة الكراهية وهو يكتب عن النازيين.. لسبب بسيط هو إنه لم يلجأ إلى عاطفة الكراهية في كتاباته قط. في فصل حول " النقد بين اليسار المتطرّف واليمين المتطرّف"، يقول المؤلف إن اليسار المتطرف تعصّب لآرائه الايديولوجية، واعتبر كل كتابة لا تندرج تحت الفكر الشيوعي كتابة لا قيمة لها، في حين وقف المتطرّفون اليمينيّون متشدّدين في فهمهم للأدب تشددًا لا يقلّ كيفيّة عن تشدّد المتطرّفين اليساريين، ما حوّل النزاع بين طرفيه إلى نزاع عقائدي، ويشير المؤلف إلى بروز اسماء عدد من النقاد في تك الفترة منها: جون كراو رانسوم، وهكسلي وكلفرتون وإدموند ولسون ونرد سميث وإليوت وتيت وبلاكمور ونترز وولسن. في فصل تحت عنوان" عصر البلاغة والالم"، يتحدّث المؤلّف عن الفترة التي تلت أزمة 1930، منوّهًا إلى أن ما سيطر على أدباء تلك الفترة، بصورة عامة، هو الفزع الفردي الناتج عن شدة الحساسية، ويَعتبر المؤلف وليم فوكنر، صاحب رواية "الصخب والعنف"، ترجمها إلى العربية جبرا ابراهيم جبرا، نموذجًا لكتّاب تلك الفترة لا سيّما في روايته الاولى" نصيب الجندي" التي نُشرت عام 1926، منوّهًا إلى أن هذه الرواية جاءت حافلة بالبلاغة والالم ممثلًا في العبارات الفخمة والكلمات الرنانة والمعاناة ممثلة في المرارة التي كانت تفضح نفسه في كل كلمة وكل سطر. لقد اشترك فوكنر في الحرب وذاق مرارتها لهذا عرف فظاعتها وعرف معناها الحقيقي، لهذا أودع روايته هذه كل ما اعتمل في نفسه من ألم مكظوم ورثاء لكل أولئك الذين فرضت عليهم الحياة ظروفًا مؤلمة، كان لا مفرّ أمامهم سوى الرضوخ إليها. يتحدّث المؤلف في هذا الفصل من كتابه عن كاتب امريكي هو توماس وولف، يقول عنه إنه كان ثائرًا ساخرًا حتى النهاية، كما كنت له حب استطلاعه وبساطة تفاخره.. إضافة إلى سلامة الطوّية. لم يعش هذا الكاتب - توماس وولف- سوى ثمانيةٍ وثلاثين عامًا، وممّا يؤثر عنه قوله:" إنني أشعر أننا ضائعون هنا في أمريكا، لكنّني أدرك أن ساعة الخلاص قريبة.. إنني أعتقد أن فهمنا الحقيقي لأنفسنا وأرضنا العظيمة الخالدة سيتحقّق فيما بعد".

***

ناجي ظاهر

تشيخوف والادب العالمي - هو عنوان كتاب روسي كبير بثلاثة اجزاء، صدر الجزء الاول منه عام 1997 والجزء الثاني والثالث عام 2005، والاجزاء الثلاثة للكتاب تقع في حوالي (1900) صفحة من القطع الكبير، ومن الواضح تماما، ان هذا الاصدار يعتبر جهدا علميا موسوعيا مدهشا ولا نظير له في المكتبة الروسية عن تشيخوف، وليست المكتبة الروسية فقط، وانما في مجال الدراسات العالمية عن تشيخوف بشكل عام، وقد ساهم في اعداد هذا المصدر والمرجع المهم عن تشيخوف مئات (نؤكّد على كلمة مئات!) المتخصصين من روسيا وبعض الدول الاجنبية الاخرى (بالاساس الدول الاوربية)، هؤلاء الذين يتابعون ويدرسون نتاجات تشيخوف الادبية ومكانة هذا الابداع المتميّز وانعكاساته وتفاعلاته في الاداب العالمية .

 منهج الكتاب ينطلق من مفهوم محدد لمصطلح (الادب العالمي)، وجوهر هذا المفهوم يكمن في ان الادب يعدّ ظاهرة قومية من ظواهر الفنون،لأنه يرتبط باللغة القومية (اي انه يبقى في اطار تلك الامّة فقط مهما يكن عظيما)، ولكن هذه الظاهرة القومية تتحول الى ظاهرة عالمية عندما يستطيع القراء خارج تلك الامّة من متابعة ذلك الادب بلغاتهم القومية (اي يقوم المترجمون بترجمته الى اللغات الاخرى وايصاله الى شعوبهم)، وغالبا ما يتحدث الباحثون في هذا المجال ونقاد الادب بشكل عام عن شكسبير، ويعتبرونه نموذجا مثاليا واضح المعالم لمصطلح الادب العالمي، لان القراء في العالم يستطيعون – ومنذ زمن بعيد - قراءة نتاجات شكسبير بلغاتهم المتنوعة والمختلفة، وتتفاعل تلك النتاجات مع الاداب القومية في تلك البلدان (تذكّرت سامي عبد الحميد وهاملت عربيا، وهو غيض من فيض كما يقول تعبيرنا الطريف) . ومن هذا المفهوم المحدد والدقيق ينطلق كتاب (تشيخوف والادب العالمي) بأجزائه الثلاثة، اذ انه يتناول كيفية تعامل الشعوب الاخرى مع نتاجات تشيخوف من قصص قصيرة وطويلة ومسرحيات، وكيف اصبح هذا الكاتب الروسي أحد أعلام الادب العالمي نتيجة لترجمة نتاجاته الى لغات عديدة متنوعة، مع التأكيد، ان مختلف الشعوب هذه قد تقبّلت نتاجات تشيخوف، لأن تلك النتاجات ذات (وجه انساني ناصع !)، وبالتالي، اصبحت هذه النتاجات جزءا لا يتجزأ من آداب تلك الشعوب (تذكّرت بدري حسون فريد وتحويره لقصة تشيخوف (الحرباء)، حيث اصبحت مسرحية، وتذكّرت عادل كاظم، الذي حوّل قصة (المنتقم) لتشيخوف الى مسرحية ايضا، وكل ذلك حدث قبل اكثر من خمسين سنة في عراقنا الحبيب).

لنتوقف الان قليلا عند هذا الكتاب الكبير . يجب القول بدءا، باستحالة عرض هذا المرجع المهم عن تشيخوف بكلمات وسطور محددة، مهما تكن هذه الكلمات والسطور، وأظن، انه من الكتب النادرة في تاريخ الادب الروسي، الذي يمكن ان يتحول الى موضوع لمؤتمر علمي متكامل عن تشيخوف، مؤتمر يتناقش فيه المشاركون حول كل فصل من فصول هذه الاجزاء الثلاثة، فمثلا، تناول الجزء الاول (الذي يقع في 614 صفحة من القطع الكبير) كيف تعاملت كل من فرنسا والمانيا والنمسا وانكلترا وايرلندا وبلجيكا مع ابداع تشيخوف، ويكفى الاشارة هنا، الى ان الجزء الخاص بفرنسا يشغل حوالي 111 صفحة، ويوجد فيه فصل خاص بعنوان – تشيخوف في النقد الادبي الفرنسي يشغل حوالي 50 صفحة، وقد استخدم الباحث المصادر الفرنسية الصادرة حول تشيخوف من عام 1960 الى عام 1983 ليس الا لكتابة هذا الجزء، (تذكرت، اننا انجزنا اطروحة ماجستير في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد باشرافي العلمي بعنوان – تشيخوف في النقد الادبي العربي قبل اكثر من عشرين سنة، ولكن الفرق بيننا وبينهم يكمن، في انهم نشروا بحثهم هذا في مصدر عالمي، حيث يمكن للمهتمين كافة الاطلاع عليه، أما بحثنا فقد طواه النسيان، ولم يعد يتذكره أحد لا في العراق ولا في جامعة بغداد) .

الجزء الثاني من هذا الكتاب تناول ابداع تشيخوف في بولندا وبلغاريا وتشيخيا وسلوفاكيا وصربيا وكرواتيا وهنغاريا ورومانيا واليونان واسبانيا والبرتغال والدنمارك والنرويج وفنلندا، وتم تكريس الجزء الثالث للدول الشرقية مثل الصين والهند واليابان وكوريا وفيتنام ..الخ، ويوجد في هذا الجزء فصلان عننا، نحن العرب، الاول بعنوان – تشيخوف في البلدان العربية، كتبته المستشرقة المعروفة المرحومة الميرا علي زادة، وهو بحث يعتمد مصادر عربية قديمة نسبيا عن تشيخوف (رغم اني فرحت عندما رأيت هناك صورة فوتوغرافية لكتاب دار اليقظة العربية في دمشق لمؤلفات تشيخوف المختارة بترجمة الاخوين فؤاد وسهيل ايوب، الصادر في الخمسينيات)، اما الفصل الآخر، فكان بعنوان – تشيخوف في العراق، وهو البحث الذي كتبه الباحث السوفيتي جوكوف، والمنشور قبل اكثر من أربعين سنة، وهو بحث يتكلم عن تاثير تشيخوف في ادب شاكر خصباك وادمون صبري، والآراء المنشورة عند جوكوف حول هذا التأثير لا تعدّ وقائع دقيقة، ويمكن ان تخضع للمناقشة حتما، الا ان هذا موضوع خارج اطار مقالتنا . وفي ختام الجزء الثالث توجد مراسلات تشيخوف مع مترجميه الاجانب (من 11 دولة اوربية)، وهذه المادة جديدة في المصادر الروسية عن تشيخوف، ويمكن ان تساهم – بلا شك - في الدراسات المستقبلية عن عالمية تشيخوف .

كتاب تشيخوف والادب العالمي – وثيقة في غاية الاهمية تثبت، بشكل علمي واضح، مكانة تشيخوف في مسيرة الادب العالمي ....

***

أ.د. ضياء نافع

لا يجد محسن الشيخ راضي بأساً في كتابة سيرته الذاتية التي يستجلي فيها الأحداث وقد تخطى التسعين من عمره، يستحضر فيها دوره منذ ترديده القَسَم الحزبي في مدينته النجف أمام تحسين معلّة عضو القيادة القطرية لحزب البعث آنذاك عام 1953.

صدرت السيرة في جزئها الثاني عن دار المكتبة العلمية في بغداد 2022، قدّم لها وحررها الدكتور المتخصص في التاريخ الحديث طارق العقيلي، ومن الإنصاف القول أن العقيلي شكّل إضافة جديدة ومتميزة في تقديمه للجزئين الأول والثاني، ومن حسن الصدف أن تجد هذه السيرة من يعيد صياغتها ويحررها بمنهج علمي رصين بتجرد وحيادية غير منحازة لكاتب السيرة، بل تبدو مستفزة لتاريخ الكاتب، تتعارض مع بعض توجهاته، وأحسب أن ما جاء من آراء وأفكار في مقدمته الثانية يعدّ دعوة لقياديي الأحزاب والشخصيات السياسية المؤثرة في تاريخ العراق المعاصر كافة، أن لا تلوذ بالصمت وتحجم عن تدوين مذكراتها، وتجنب كتابة التاريخ (الوردي)، بمنطق التبرير وتبسيط الإخفاقات، والهروب من المسؤولية خوفاً من المكاشفة، على الرغم من كل الظروف المتاحة لهؤلاء في الاعتراف وإماطة اللثام عن الجرائم التي جرى التستر عليها، والخوف من كشف مدبّريها.

قلت في ثلاث حلقات عن (كنت بعثياً) نُشرت في جريدة المدى والمثقف في وقت سابق، ما ملخصه: ان الشيخ راضي أدان نفسه بقسوة، وقدّم اعتذاره للشعب العراقي، ما لم يفعله سياسي عراقي آخر، وفي هذا السياق أشارك الدكتور العقيلي خيبته المريرة كباحث إذ يقف متسائلاً عن معنى صمت الصف الأول من قادة البعثيين العراقيين رفاق الشيخ راضي، الأحياء منهم، أو القيادات البعثية الأدنى التي عاصرت وشاركت على مستوى الأحداث الواردة في المذكرات، على وصف أنها تسجّل تاريخهم السياسي وتاريخهم الحزبي، وهم الذين صنعوا مواقفه ووقائعه، لكي يسهموا في إضافة المزيد من المعلومات التي ما زالت ذاكرتهم تختزن أسرار الأحداث، ولا سيما أحداث انقلاب 8 شباط 1963، لكنهم التزموا الصمت وآثروا السكوت لحد الآن، وأغلب الظن أن هذه الشخصيات ما تزال تعيش كابوس الرعب، وعُقد الخوف من الممارسات التسلطية التي طبعت حياتهم الحزبية الداخلية، كما يشكل الحاضر مصدراً آخر للخوف والقلق من التصفيات الجسدية التي طالت العديد من العناصر الحزبية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، وحالة الانفلات الأمني وغياب القانون في ظل الأوضاع الشاذة التي يمر بها البلد.

كي لا يذهب القارئ الى أنني أخصّ بعقدة الخوف اتجاهاً واحداً، إنما هذه العقدة ما تزال مهيمنة في عقول العديد من الشخصيات السياسية التي تخشى المكاشفة والمراجعة النقدية، كي تبقى الرؤية مضببة غير واضحة، لذلك فان ما أقدم عليه الشيخ راضي نال انتقادات واسعة من رفاق ومعارضي الأمس على حدٍ سواء، واتهامات شتى من جهات سياسية لا تتقبل ثقافة الاعتذار والاعتراف بالخطأ، إلى حد جلد الذات، وكشف انحراف حزبه بجرأة ووضوح.

تضمن الجزء الثاني والأخير من مذكرات محسن الشيخ راضي قدراً من الصراحة المطلقة الشفافة التي تجعل من المذكرات كتاباً مقروءاً من قبل السياسيين، وقادة الأحزاب على حدٍ سواء، إذ يقدّم الشيخ راضي درساً بليغاً في المكاشفة الجريئة والشجاعة، وهو يسعى بلغة واضحة أن يكشف المخبوء لتجربته الشخصية، وارتباطها بحزب سلطة لعهدين، كان في الأول منهما قائداً وفي الثاني معارضاً، وبات أمامنا التطلع إلى قراءة التجربة وسواها من الأفكار والأحداث وما رافقها من عُقد وصراعات، قراءةً هادئةً لصوت عالٍ له مدياته الواسعة في المشهد السياسي العراقي.

فمثل هذه (اليقظة) تدعنا في موقع الانتباه إلى هذا الصوت، وهذا البوح الجريء في أعلى مدياته، لقد تعلّم الشيخ راضي الدرس الأول وقاسَ الأشياء عليه، عرف كيف يقيس مساره واتجاهاته صوب هدف محدد، لقد وضع أمامه الأخطار المرتقبة، ربما بقدر الأخطاء التي كشفها، وأدانها فيما بعد، بإحساس منه بالبراءة والنقاء ومن ثم بالخلاص من (صنمية عفلق ومغادرة حزبه، وصنمية أفكار التيار القومي العربي التقديسية وقوالبها الجامدة) كما يصفها الشيخ راضي ص 16.

يشكل الجزء الثاني من السيرة صفحة جديدة في تاريخ الشيخ راضي السياسي، بعد فصله من حزب البعث عام 1964، مع مجموعة من رفاقه (علي صالح السعدي، ياسين الحافظ، حمدي عبد المجيد)، كانوا النواة الأولى لتأسيس حزب البعث (اليساري) عام 1965، وكان محسن من الداعين الأوائل إلى تغيير اسم الحزب إلى حزب العمال الثوري الاشتراكي العربي، ويشير كاتب السيرة إلى مبررات التحول نحو تأسيس هذا الحزب، بعد تجربة البعث الفاشلة في العراق، وجمود الفكر البعثي (العفلقي)، كما يسميه الشيخ راضي، الذي صار فكراً تقليدياً يمينياً يهتم بالمصالح الشخصية والسلطوية أكثر من اهتمامه بهموم الأمة العربية، كنا نتطلع إلى فكر قومي ثوري وأيديولوجيا اشتراكية عربية، متأثرين بأفكار ياسين الحافظ الأكثر وعياً منا ومعرفة بالفكر الماركسي ص 17 وأفكارصديقه الماركسي الياس مرقص. تكللت تلك الجهود إلى عقد المؤتمر القطري التأسيسي لحزب العمال نهاية عام 1967، وانتخب سعدي محمد صالح (الدكتور المتخصص في الجغرافيا فيما بعد) رئيساً للمؤتمر، كان الحزب قد تبنى فلسفة ماركسية معرّبة ليست شيوعية، وقد أثار هذا النهج جدلاً عميقاً أفضى إلى خلاف بين تيارين، يتبنى الأول منه سعدي محمد صالح الذي اتهم بطروحاته الستالينية، والآخر يمثله الشيخ راضي، الذي حذّر بشدّة من التوجه الخطير كما أسماه في الانسياق نحو الشيوعية مع سبق الاصرار.

تكمن أهمية السيرة في إجابتها عن الكثير من الأسئلة التي ظلت ترافقنا طيلة عقود من الزمن، وما زلنا أسرى لتداعياتها، هذا ما أراد الشيخ راضي الخوض فيه وهو يسجل تجربته السياسية والمهنية كأستاذ في كلية الزراعة، الغنية بالمفاجآت والأسرار، حتى استطاع أن يعيد تأليف المخفي والمستور في تجربته الحزبية، كاشفاً أسرار انقلاب تموز 1968، ومحاولات المخابرات الأمريكية والبريطانية في استدراجه، كما سلّط الضوء على محاولات صدام حسين في ترصده والإيقاع به، فضلاً عن كشفه لإرتباطات العديد من قادة الحزب ببعض السفارات، وتناول القسم الثاني من المذكرات الفترة ما بعد الاحتلال، وهو ما سنتناوله في حلقات قادمة.

***

جمال العتّابي

 

 

 

الخير والشر اللذان تعرفهما في مجال هذا العالم ينموان معاً من دون انفصام تقريباً.

 جون ملتون من "الفردوس المفقود"

في العام 1644 وجد جون ميلتون في احدى المكتبات كتاب ديكارت " التاملات " واكتشف باعجاب الفكر الديكارتي، يكتب في يومياته:" كانت لدي رغبة شديدة في تعلم كيفية التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف، وقد جعلني هذا الكتاب اضع قدمي في هذه الحياة بثقة وطمأنينة ". كان ديكارت يحاول ان يرسي اسس الفكر الحديث، واطلق دعوته الشهيرة بعدم جدوى الدخول مع الكنيسة حول ما جاء في الانجيل حرفيا حقيقي ام لا، فبدلا من ذلك ينبغي وضع المعرفة العلمية وفي متناول الناس. كتب ديكارت:" الفلسفة هي التي ترشدك بصورة اضحة إلى طريق الحقيقة بالنسبة لكل شيء، وهي ايضا التي يمكن ان تؤثر حتى في الاغبياء من الناس ". وكان رأي ديكارت أن المفكر الحر هو ما يعتقد بامكان معرفة كل شيء، ولا يتخلى عن الشك قط إلا في حالة وجود البرهان. كان ميلتون في السادسة والثلاثين من عمره عندما ارسل خطابا شديد اللهجة الى البرلمان الانكليزي حول حرية الفكر.. وحرية نشر الكتب، وانتقد بشدة اجراءات الحكومة التي كانت قد اتخذتها بخصوص الرقابة على المطبوعات منبها ان العالم يدخل عصرا جديدا يجب ان تضاء به انوار المعرفة، ويكتب جون راندال في " تكوين العقل الحديث " ان خطاب ميلتون يعد اهم وثيقة قدمت مساعدة كبيرة في الحملة التي شنت ضد افكار القرون الوسطى، في خطاب ميلتون الذي طبع فيما بعد في كتيب صغير نجد للمرة الأولى حديثاً صريحاً عن قضية حرية التعبير، وكان ميلتون في الكتاب يسعى لفضح الأساقفة ومعهم القائمون على إدارة الكنيسة باعتبارهم نموذجاً سلبياً يريد قمع حرية الفكر.. كان ميلتون قد سافر عام 1638 الى إيطاليا لياتقي غاليلو العجوز، سجين محكمة التفتيش.. وطالب آنذاك بالغاء محاكم التفتيش واتهم الرهبان" الشرهين والجهلة " بأنهم يقفون في وجه تقدم أوروبا.. ويذهب ميلتون في محاججته، بعيداً حين يقول إنه ليس من المناسب، حتى، منع طباعة ونشر الكتب التي قد تبدو احياناً، مضادة لمصلحة الدولة أو الكنيسة، لأن الرقابة قد ترتكب الخطأ، إذ تجازف مثلاً، بأن تجد نفسها في مواجهة أفكار تكون من القوة والجدة والرفعة، بحيث قد تبدو في نظر الرقابة مناهضة للمبادئ الأخلاقية أو الدينية، ثم يتبيّن العكس. ويعطي ميلتون مثالاً عن محاكمة غاليليو،" هذه المحاكمة ندّدت بالعالِم وأجبرته على التراجع عن أفكاره، لكن ها هو اليوم بعد سنوات قليلة يعتبر أحد كبار العلماء الذين أنجبتهم البشرية، وها هي أفكاره تعتبر صحيحة وثابتة علمياً "، ويذكر ميلتون كيف أن محاكم التفتيش لم تحاكم فكر غاليليو بقدر ما حاكمت جرأته وتطلّعه الى المستقبل، وقوته الثورية.ورغم أن ميلتون خسر معركته في ذلك الوقت وصدر قرار بمنع الكتيب الخاص بحرية الطباعة، إلا أن الأفكار التي طرحها وجدت صداها في باريس حيث ترجم ميرابو خطيب الثورة الفرنسية كتاب ميلتون ونشره عشية الثورة الفرنسية، واستخدمته كتائب المقاومة الايطالية ضد الفاشية في فضح نظام موسوليني، بعد ان ترجم الكتاب الى الايطالية ووزعت منه عشرات آلاف النسخ.4216 الفردوس المفقود

طوال حياته التي استمرت ستة وستين عاماً - ولد في التاسع من كانون الثاني 1608 وتوفي في الثامن من تشرين الثاني عام 1674 - ظل جون ميلتون مقاتلاً شرساً في الخطوط الأمامية من معركة التنوير، فقد كرس، حياته لنشر الافكار الحديثة، وجرب أن يجعل من الشعر وسيلة من أجل الدعوة للحق.. كان الالن الثالث لأحد رجال القانون، عاش طفولة مرفهة، أُرسِل الى مدرسة دينية، لكنه اكتشف منذ الصغر ميلاً الى الأدب وقراءة النصوص الكلاسيكية، يكتب في يومياته:" كنت منذ سنواتي الأولى بفضل عناية أبي، دائم الاطلاع على اللغات وبعض العلوم التي تسمح بها، لقد وجهني ابي منذ حداثة صباي الباكرة لدراسة الآداب الإنسانية التي كنت أستوعبها بلهفة عظيمة”.. في سن السادسة عشرة من عمره التحق بجامعة كيمبردج ومن هناك يعلن لأساتذته انه يرفض" المعلومات التافهة الحمقاء " التي يحاول الأساتذة حشرها في عقول الطلبة والتي تسبب "جوعاً في الروح"، في تلك السنوات بدأت تجاربه الأولى في الشعر، ورغم أن أبوه أراد له أن يصبح قساً، إلا أن ميلتون رفض الامر لانه يريد " التحليق في سماء الاحلام، وإشباع رغبته في أن يسمع نفسه وهو يفكر ويتأمل”، وكان يطمح أن يكتب ملحمة شبيهة بملحمة دانتي"الكوميديا الإلهية "، فسافر الى إيطاليا وهناك يُغرق نفسه في شعر دانتي وبترارك،، لكنه ما أن يسمع أنباء التوتر السياسي في بلده حتى يسرع بالعودة الى لندن، وكان النزاع بين الملك ارثر والبرلمان قد اشتد، حيث طالب معظم النواب بإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية، ووجد ميلتون نفسه ينضم الى معسكر الاصلاحيين الذي تغلب وقضى على الملكية باعدام الملك شارل الأول عام 1649، وخلال فترة حكم كروميل راح ميلتون يكتب مقالات تدعو الى الإصلاح الديني والسياسي وتطالب بحرية الفكر، وفي تلك المقالات أكد ميلتون إن القوة تكمن دائماً في الشعب.ويضيف إن الشعب يودع ثقته إلى حاكم يختاره وفي حالة انحراف الحاكم فان الشعب مخول أن يسحب ثقته من ذلك الحاكم، وفي عام 1651 كان ميلتون يشرف على أهم جريدة حكومية وأصدر كتاباً بعنوان " دفاع عن الشعب الانكليزي ". وفيه يوجه هجومه ضد" الصرافيين الذين يدنسون معبد الدين، رجال فرض عليهم أن يكونوا رعاة القطيع، فأباحوا لأنفسهم أن يصبحوا ذئابه، وبدلاً من أن يطعموا شعبهم، غدوا يعيشون على دماء هذا الشعب"، وقد حظيّ الكتاب باهتمام من القراء حيث طبع خمس عشرة طبعة خلال عام واحد.. في تلك السنوات بدا بصره يضعف بسبب انهماكه في القراءة والكتابة.. وبعد وفاة كروميل تم القضاء على الحكم الجمهوري وسرعان ما تولى شارل الثاني العرش، وألقي القبض على ميلتون حيث أودع السجن وحكم عليه بالاعدام ثم خفف الحكم، بعدها استطاع أحد الشعراء من انصار الملكية أن يتوسط ليطلق سراحه، يذهب الى بيته يعيش في عزلة مطلقة، فقد رأى وطنه ينهار من جديد.. وفي هذه السنوات تفرغ لإكمال ملحمته الفردوس المفقود وهو في الخمسين من عمره، ففي هذه السنوات فقد بصره وبعدها زوجته وابنه الوحيد. وبسبب هذه المآسي توقف ليسأل نفسه لماذا أصيب بكل هذه الكوارث وهو الإنسان الملتزم المؤمن بقضية شعبه، ولهذا يذهب العديد من الباحثين إلى القول أن ميلتون كتب"الفردوس المفقود" في محاولة للرد على شكوكه لحظة في إنسانيته، والتعبير عن قدرة الإنسان الكبيرة على صنع الخير.

والفردوس المفقود اذا نحن عدنا ليوميات جون ميلتون نفسه، سنجده يقول عنه انه محاولة في الملاحم " لاجل تبرير وسائل الله امام الانسان " لكنه خرج بنتيجة اخرى لأن هذا الهدف لا يمكن ان يصمد امام شاعر كافح في سبيل قضية الانسان، فما فعله في " الفردوس المفقود " هو تبرير اعمال الانسان امام الله، نسمع الى آدم وهو يقول:" اقف الآن والشك يملأ جوانحي، حائرا عما اذا كان ينبغي لي الندم على خطيئتي التي اجترحتها، وعما اذا كان لي من السرور، لان كثيرا من الخير انبثق من هذه الخطيئة "، فخير الانسان أن يفقد الفردوس ويستعيده، من عدم الشعور بحزن الفقدان، ثم ما يعقب ذلك من لذة الاستعادة، فبغير الألم يجد الانسان معنى للشفقة الانسانية:" نظرا الى الخلف، الى الجانب الشرقي، فشاهدا الفردوس، الذي كان مأواهم السعيد، فرأيا شعلة متلظية وقد تماوجت، ثم كانت عيون مرعبة محتشدة قرب البوابة، سالت بعض الدموع من مآقيها، فمسحتها سراعا. ان العالم باجمعه امامهم، فلهما الخيار في انتقاء مكان راحتهم، ذلك بأن العناية الربانية تقودهما، ثم تشابكت اكفهما، وسارا بخطى متخذين طريقهما المنعزل المنفرد ".

كان مليتون يرثي في " الفردوس المفقود " فردوسه الارضي بريطانيا التي اجهضت الثورة فيها، استغرق سنوات في كتابة " الفردوس المفقود " ولم يحصل مقابل طبعته الاولى سوى على عشر باونات، كان المرض قد سيطر على جسده، وتركته بناته فعاش وحيدا يتعرض الى سخرية رجال السلطة، في تلك السنوات كتب مأساة " شمشون " التي يعدها النقاد من ابرز قصائده، وفي هذه المأساة يحاول ان يقدم صورة للشعب البريطاني الذي كان محطم النفس، فاقدا القدرة على مواجهة السلطة، عاش ميلتون سنواته الاخيرة رجلا اعمى يسخر منه الناس، فشل في تحقيق مثله العليا، ولم يبق له سوى روحه وعزيمته التي لم يستطع احد قهرهما.

يكتب هارولد بلوم ان ميلتون الذي كان اعظم شاعر في اللغة الانكليزية بعد شكسبير، قد حاول في " الفردوس المفقود" ان يقدم لنا تراجيديا شبيهة بتراجيديات شكسبير:" في ظني ان ميلتون قد واجه الظلال الغريبة لابطال الشر لدى شكسبير، ملتون يحتاج الى التامل،، فهو عالم لماح اصيل وقد ساعده العمة شانه شان جيميس جويس وبورخيس على اثارة كل من الثراء اللفظي ووضوح الرؤية ".

كان لكتابات ميلتون مكانة عظيمة في السنوات المئة بعد وفاته، فقد انتشرت على نطاق واسع بين المفكرين الاحرار، وقد كتب الفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم عام 1742 من ان الفردوس المفقود كان اشبه بالدليل في الليالي الحالكة التي مر بها الفكر البشري، وامتلأت مراسلات توماس جيفرسون وهو يضع اعلان الاستقلال الاميركي باقتباسات من مؤلفات ميلتون، وفي فرنسا حاز صاحب " الفردوس المفقود " على اعجاب فولتير وميرابو، فيما يكتب مونتسكيو ان كتب ميلتون الهمته لوضع كتابه " روح الشرائع "، كما عزا توماس بين الذي لعب دورا في الثورتين الاميركية والفرنسية، نزعته المناهضة للكنيسة الى قراءته لكتابات ميلتون ان الشاعر الكفيف الذي خاطب في عام 1667 نور العقل قائلا: " ولسوف يقوم العقل بكل ما أوتي من قوة

بالسطوع، وتظهر البصيرة وينقشع الضباب

ويتبدد، فلعلي ارى وأُفصح

عن اشياء محجوبة عن ابصار الناس ".

يكتب ديدرو في موسوعته:" كان ميلتون نقطة البدء الفريدة التي يؤول اليها كل عصر الانوار "

كتب الناقد الانكليزي الشهير ريتشاردز في مديح جون ميلتون:"لكي تكون شاعراً عظيماً، ينبغي أن تكون رجلاً عظيماً".. وطوال حياته التي استمرت ستة وستين عاماً ظل جون ميلتون مقاتلاً شرساً في الخطوط الأمامية من معركة الحرية الانسانية.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

 

الحقل العلمي الجديد الذي يحاول الباحث العراقي التجديدي الدكتور علي المؤمن من خلاله نقل قضايا الاجتماع الديني الشيعي وظواهره، من خندق الطائفية الى رحاب البحث العلمي المنهجي، هو موضوع كتاب مهم ونوعي وفريد، حمل عنوان "الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع"، وقد صدر في العام 2021 عن مركز دراسات المشرق العربي في لبنان، ويقع في (366) صفحة.

ويثير الكتاب قضيةً محورية متشعبة وممتدة في الفكر والتاريخ الإسلامي، وفي عمق حركية الاجتماع الشيعي بالذات، وهي قضية لم تتم معالجتها بتوسعٍ تحليلي واستطراد وصفي تاريخي أكاديمي، مع أهميتها الفكرية والمعرفية الاجتماعية والتاريخية، ورغم تناولها الجزئي المحدود من قبل بعض الكتّاب والفقهاء والمجددين ضمن مؤلفاتهم الفقهية أو الاجتماعية أو السياسية حول المذهب الإسلامي الشيعي عموماً. ومايلفت النظر هو سعة المساحة المرجعية التي تحرك فيها الدكتور المؤمن وهو يدون الكتاب، إذ استعان الباحث لإنجاز بأكثر من (200) مصدر ومرجع فكري وسياسي وفلسفي واجتماعي.

يتألف الكتاب من تسعة فصول، حملت عناوين: منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي، المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي، البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي، المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، الحوزة العلمية: المؤسسة الدينية للنظام، إعادة مأسسة منظومة المرجعية الشيعية، عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي، إشكاليات الهوية الشيعية، المرجعية الشيعية بعد السيستاني والخامنئي. وختم الكتاب بالنتائج.

طروحات الكتاب وأفكاره

سنحاول -ابتداءً- تسليط الضوء على محتويات الكتاب (الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع)، وطبيعة مضامينه الأساسية؛ لنتعرف على طروحاته وأفكاره، وماهية الجدة الممكن ملامستها فكرياً وعملياً في معالجته لقضية محورية انشغل بها عموم التفكير والسلوك الاجتماعي الديني عند الشيعة بالذات، وعند غيرهم بطبيعة الحال؛ حيث التفكير بالآخر قد يتفوق أحياناً على التفكير بالأنا، دونما تأسيسٍ منهجي تنظيمي عملي لها، بل بقيتْ متناثرة ومبعثَرة نظرياً بين طيات النصوص ومظان الكتب والمفاهيم والفتاوى الدينية، حتى اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، التي تحوّل بموجبها الاجتماع الديني والسياسي الشيعي، عبر إحدى قنواته الاجتهادية وهي ولاية الفقيه، إلى واقع دستوري قانوني دولتي، إذا صح التعبير، ارتدى جسمَ الدولة في مبانيها وهياكلها المؤسسية الحديثة، لأول مرة في التاريخ الإسلامي الحديث.

نؤكد بدايةً؛ إنّ مصطلح "الاجتماع الديني الشيعي" كخلفيةٍ نظرية تحاول تأطير الشيعة في بُعد اجتماعي وسياسي ديني واحد، متمايز عن اجتماع ديني آخر؛ لم يتم تداوله ـــ كما قلنا ـــ في الفضاء الثقافي والديني الإسلامي، إلّا خلال الفترات الزمنية اللاحقة لظهور المعالم التأسيسية الأولى لمجمل المنظومة التفكيرية الشيعية، خاصة بعد انتصار ثورة إيران الإسلامية عام 1979م، حيث أعيد التركيز مجدداً على كامل تلك المنظومة، بما فيها من رؤى واعتقادات الشيعة الإمامية في العالم، والذين كانوا ـــ بطبيعة الحال ـــ معروفين كجماعة دينية أو كتيار ومذهب إسلامي له أصوله العقدية والطقوسية وانتماؤه الولائي لخط وفكر ونهج أهل البيت (ع)، ولكن وصولهم الى لحكم والسلطة السياسية مجدداً في العصر الحديث، أعاد التركيز مجدداً على أهم مفردة من مفردات هذا الاجتماع الديني الشيعي، وهي مفردة "ولاية الفقيه"، التي استندت إليها الثورة لبناء هيكل الدولة بطابعها الإسلامي الجديد، وفقاً للمنظور والبنية الفكرية الدينية الشيعية، بكل أبعادها السياسية والإدارية والحقوقية.

وعندما نتحدث هنا عن "اجتماعٍ ديني شيعي"، لا بدّ أنْ تكون السياسة فيه حاضرة بقوة على مستوى بيان الغاية منها، ومعرفة العلاقة بين المراجع والناس، والمراجع والدولة، وعلاقات الناس بمنظومتها الاعتقادية الدينية في سياق تفاعلها مع مؤسسات الدولة، ومفردات بناء الدولة، في بنيتها وطبيعة مكوناتها الجماعاتية الأهلية والمدنية المتنوعة والمتعددة؛ فهي قضية تتشعب منها قضايا كثيرة في مستويات متعددة ومتشابكة، وقد تكون متعارضة أحياناً.

في الفصل الأول من هذا الكتاب، والذي حمل عنوان "منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي"، يقول الدكتور علي المؤمن أنه اعتمد المنهج الوصفي التحليلي والدراسة التاريخية، حيث يستحضر المشهد ويفكك محتوياته، ومن ثمّ يحاول إعادة مأسسته وبناء عمرانه المعرفي بصورة زاهية جديدة من باب الإصلاح والتجديد والتأصيل للواقع. ويعتقد الباحث أنه تمكن من القبض على مفاصل النظام الاجتماعي الديني الشيعي في كل ما يتعلق بهيكليته ومكوناته وأجزائه و أنساقه الداخلية، وطبيعة علاقاته مع الآخر المختلف مذهبياً ودينياً وفكرياً وسياسياً. وهنا يبدأ المؤلف بتعريف "النظام الديني الاجتماعي الشيعي" من حيث أنه ظاهرة مركبة، اجتماعية تاريخية إنسانية، تستند إلى قواعد تأسيسية نظرية، عقدية وفقهية وتاريخية، وتقف على بنى اجتماعية دينية، واجتماعية سياسية، واجتماعية ثقافية، واجتماعية معرفية.

ويعرِّف المؤلف علم الاجتماع الديني بأنه منهج معرفي نشأ في الغرب كرد فعل على احتكار الكنيسة للدراسات المعنية بالأديان وتطورها التاريخي وفلسفتها وعقائدها، لكنه منهج اصطبغ بالعلمانية، وبرزت فيه منهجياتها السوسيولوجية والأنثروبولوجية والأثنولوجية الدينية، التي قدمت تفسيرات وشروحات علمانية لنشوء الأديان وتطورها ولتعريف المقدس والمدنّس. وبيّن المؤلف أنّ علم الاجتماع الديني التقليدي يمثل الفهم السوسيولوجي العلماني للدين، وهو أمر مختلف عن علم الاجتماع الديني الجديد، الذي ينظّرُ له الدكتور المؤمن، والقائم على دراسة الدين من داخل نصوصه ومعطياته ومفاهيمه، من خلال علم العقيدة وعلم الفقه وعلوم النص المقدّس، وتاريخ الأنبياء والأديان.

ويعتبر المؤلف أنّ علمَ الاجتماع الديني المعاصر قاصرٌ جداً عن دراسة النظام الديني الاجتماعي الشيعي أو الظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية، حيث أنها ظاهرةٌ اجتماعية دينية سياسية ثقافية معرفية مركّبة، تضمّ تحت جناحيها كل المنتمين إلى المذهب الشيعي الاثني عشري، سواء المنتمي بالوراثة أو المنتمين بالاكتساب العميق، وسواء كان هؤلاء المنتمون متدينين ملتزمين بالجوانب الإيمانية والشعائرية أو غير متدينين، وهذا التركيب الموضوعي للظاهرة يجعلها مختلفة عن كل الأديان والمذاهب في العالم، بما فيها المذاهب الإسلامية، وإذا كان منهج علماء الاجتماع الديني التقليدي قادراً على دراسة اجتماع الأديان والمذاهب برمتها؛ كونها ظواهر اجتماعية دينية بسيطة وليست مركبة، ويحيل ظواهر الاجتماع السياسي والثقافي والمعرفي الى فروع علمية أخرى في علم الاجتماع؛ فإن علم الاجتماع الديني التقليدي يقف عاجزاً عن دراسة الظاهرة الاجتماعية الدينية الشيعية؛ كونها ظاهرة مركبة، يندمج فيها الديني بالسياسي بالثقافي بالمعرفي، كما يقول الدكتور المؤمن.

ويؤطِّر المؤلف الشخصيةَ الشيعية المتكاملة المنتمية لفضاء المذهب الشيعي بعدة عناصر، تشكِّل بمجموعها القوام العقدي النظري، والاجتماعي والسلوكي التطبيقي لهذه الشخصية، وهي: العنصر العقدي، العنصر الفقهي، العنصر السلوكي، العنصر التاريخي والعنصر الاجتماعي. والى جانب هذه العناصر الست، يذكر المؤلف ست ظواهر أساسية تشكل النظام الاجتماعي الشيعي، هي: السلطة السياسية، المؤسسة الدينية العلمية، الشعائر الوجدانية والطقسية، المال الشرعي، المؤسسات الداعمة والقاعدة الاجتماعية. وهنا يعيد المؤلف التأكيدَ على أنّ مصطلحَ النظام الاجتماعي الديني السياسي، لا يعني فقط مفهوم المرجعية الدينية الشيعية، بل هو نظام اجتماعي ديني مكونٌ من المذهب الشيعي والطائفة الشيعية، حيث تقفُ المرجعية الشيعية على رأس الاجتماع الديني الشيعي لتكون مرجعية قيادة ورعاية لهذا النظام.

ويوكد الدكتور المؤمن أنه توصل إلى صياغة هذ مصطلح "النظام الاجتماعي الديني الشيعي" من خلال بحثه عن مصطلح جامع يستوعب كل جوانب الكيانية الشيعية في بعديها النظري والعملي، زعماً منه بأن هذا المصطلح يقارب حقيقة هذه الكيانية الاجتماعية الدينية الثقافية السياسية التي تعبر عن واقع الشيعة الإمامية الإثني عشرية ومسارهم التاريخي والجغرافي، بوصفهم أكبر جماعة بشرية منظمة في العالم، يصل عددها إلى 400 مليون نسمة تقريباً، ويرى أن الشيعة (كمجتمع) يتميزون عن غيرهم، بتحولهم إلى جماعة مستقلة ـــ غالباً ـــ عن الدولة في مساراتها الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية والحسبية. وأما هيكلية هذا النظام الاجتماعي الديني الشيعي، فيذكر المؤلف أجزاءها العشرة، والتي تقف على رأسها المرجعية الدينية العليا أو ولاية الفقيه.

وفي الفصل الثاني الذي حمل عنوان: "المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي"، يستعرض الكاتب بدايات تأسيس النظام الديني الشيعي الذي وُضع على يد الإمام علي بن أبي طالب (ع) بعد وفاة الرسول (ص)، وواقعة السقيفة في المدينة المنورة عام 11 ه (623م)، بما يعني أنّ الحدَث التأسيسي لهذا النظام الديني الشيعي هو مخرجات واقعة السقيفة، وهو حدثٌ مركّب ينطوي على بعد عقدي أساس، عنوانه "الحق الشرعي"، المستند إلى وصية الرسول (ص) للإمام علي(ع) في خلافته، أي أنّه حقّ ديني وليس حقّاً سياسياً. وهذا الوعي الديني ـــ السياسي، بات ركيزة الأطروحة الفكرية والسياسية لمدرسة أهل البيت (ع) في امتداد الأيام والعصور، وهي أطروحة تُعطي للحاكم الشرعي بعداً تأصيلياً دينياً وليس سياسياً وحسب.

ويتابع الكاتب عرضه التاريخي لمآلات تكريس مدرسة الخلافة في العصور اللاحقة، خاصة بعد استئثار آل أمية بالحكم.. دولةً ومقدرات وثروات، وتحويلهم النظام لملكية وراثية حصرية، ومركب ثيوقراطي (ديني علماني سلطاني)، متشبّه بالنظام "القسطنطيني الروماني المسيحي"، دون نسيان وضع لافتات وشعارات ومسوح دينية ظاهرية شعاراتية، لكي تضفي على سلطتها شرعية خلافة رسول الله (ص)، وهو ما نجحت فيه هذه السلطة، التي بنت لنفسها هوية معيارية تاريخية ارتزاقية خاصة، قبضتْ بموجبها على رأسمال الأمة المادي لعدة عقود، ووحدتها الأمة، ضمن اجتماع عقدي سياسي جديد في مواجهة نظام اجتماعي ديني آخر للشيعة، وهو نظام بقي مستقلاً عن آلة الحكم والرئاسة والدولة التي كانت في نظره غير شرعية.4218 الاجتماع

وبعد الانتهاء من عصر الإمامة لتبدأ مرحلة الغيبة (غيبة المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر عند الشيعية الإمامية) في العام 260هــــ (874م)، استمرّ النظام الاجتماعي الديني الشيعي تحت قيادة زعماء الشيعة الدينيين في بغداد ابتداءً، ثم النجف لاحقاً، حيث بات الفقيه المتصدي هو الزعيم الديني والمرجع الاجتماعي والسياسي والقضائي للشيعة في امتداد الزمن كله، حتى يخرج الإمام المنتظر. وقد تمكنت هذه المرجعية ــ وفق المؤلف ـــ من خلال استقلاليتها عن الخط الرسمي الحاكم، من المحافظة على:

1- تراث الأئمة وآل بيت رسول الله (عليهم السلام)، ومواريثهم الفكرية والقيمية والعملية.

2- حفظت الشيعةَ كأفراد وكجماعة على طول التاريخ.

3- خلقت للشيعة كياناً اجتماعياً دفاعياً منظّماً، بالرغم من كل محاولات الهيمنة والتمزيق والقمع والاجتثاث والتصفية التي ارتكبتها الخطوط والزعامات السياسية الزمنية الحاكمة على مر الأيام والدهور الإسلامية.

ويقسم الكاتب التاريخ الاجتماعي الديني السياسي الشيعي الى ستة عصور:

1- عصر الإمام علي (ع)، في المدينة والكوفة، استمر (112) سنة (632 - 750م).

2- عصر الإمام الصادق (ع)، في المدينة والكوفة، استمر (128) عاماً (750 ـــ 874م).

3- عصر الشيخ عثمان بن سعيد العمري، في بغداد، استمر حوالي (188) عاماً (874 ـــ 1056م).

4- عصر الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، في النجف، استمر حوالي (459) عاماً (1056ـــ 1501م).

5- عصر السيد اسماعيل الصفوي الموسوي، في تبريز وأصفهان، استمر حوالي (262) عاماً (1501 ـــ 1763م).

6- عصر السيد روح الله الموسوي الخميني، في قم وطهران، بدأ في العام 1979م وما زال مستمراً حتى تاريخه.

وضمن هذا الفصل، يثير الدكتور علي المؤمن قضية انهيارات العصور الشيعية الخمسة الأولى المذكورة، معترِفاً بوجود أسباب وعوامل مَرَضِية داخلية، قبل الحديث عن مؤامرات خارجية، ومركِّزاً على عدم وضوح المشروع، وافتقاره لستراتيجيا السياسة والحكم، وتناحر أطرافه، وتشتت قراراهم، والاقتناع بالمكاسب الخاصة من قبل بعض الشيعة.

في الفصل الثالث من الكتاب، وهو تحت عنوان: "البِنيةُ العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي"، يتحدث المؤلف عن قاعدة نيابة الإمام المعصوم، كمبدأ عقدي شيعي، ومبدأ التقليد، وهو من المبادئ الفقهية الأساسية في منظومة الفقه الشيعية، والتي يركز فيها على ولاية الفقيه كإحدى أهم آليات وبنى التقليد العملية في الفكر الإمامي بعد غيبة المعصوم، مستعرضاً آراء العلماء فيها. ويبيِّن الكاتب أن منظومة التقليد عند الشيعة الإمامية قائمة وموجودة تاريخياً منذ غيبة الإمام المهدي المنتظر، حيث دخلت مدرسة الإمامة عصراً وعهداً ومرحلة جديدة، كانت تتطلب تحديد شكل النظام الشيعي ومضمونه، وصاحب الحق الشرعي في قيادته؛ فقد لجأ المحدِّثون الشيعة ـــ كما يؤكد الكاتب ـــ إلى أحاديث الأئمة التي أناطت هذا المنصب بالفقهاء أو العلماء أو رواة الأحاديث، وهي كلها تسميات لمعنى واحد، ويشير الكاتب إلى أهم تلك الأحاديث، ومنها: (العلماء ورثة الأنبياء) و(العلماء حكام على الناس)، و(أما من كان من الفقهاء صائناً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)، و(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)9، فضلاً عن أحاديث أخرى كثيرة داعمة، تؤكد على وجوب التقليد، وتدل ـــ كما يرى الكاتب ـــ على صلاحية الولاية الدينية والقيادة الاجتماعية الشاملة للفقيه كحد أدنى.

وهنا يبيِّن المؤلف أن الفقهاء يذهبون إلى أن الدلالات الجوهرية لهذه الأحاديث، تحدد خمس وظائف أو صلاحيات حصرية للفقيه، وكل واحدة منها تمثِّل ولاية فرعية من ولاية الفقيه:

1- وظيفةٌ فقهية، تتمثل في الإفتاء.

2- وظيفةٌ تحكيمية، تتمثل في القضاء.

3- وظيفةٌ مالية، تتعلق بشؤون الحقوق الشرعية.

4- وظيفةٌ حسبية، تتعلق بإدارة شؤون المجتمع الشيعي.

5- وظيفةٌ سياسية، تتعلق بإقامة الدولة الإسلامية وقيادتها.

وفي سياقٍ آخر من هذا الفصل، وتأكيداً على مبدأ ولاية الفقيه، يتحدث الدكتور المؤمن عن تأصيل هذه الولاية الشاملة منذ أيام الشيخ المفيد، أي قبل 1050 عاماً، ويتابع قراءته التاريخية لهذا السلسلة من التوثيقات الفكرية التاريخية للعلماء والفقهاء الشيعية الذين أكدوا على هذا المبدأ، وصولاً إلى واقع هذا المبدأ الفقهي ـــ السياسي في كل من مدرستي النجف وقم؛ فيؤكد الكاتب أن وجود خلاف بينهما حول مبدأ ولاية الفقيه كمبدأ مركزي وأساسي في منظومة التفكير الاجتماعية الدينية الشيعية، هو محض هراء وحديث دعائي انفعالي بعيد عن لغة العلم والواقع القائم، وحتى لو كان يوجد خلاف بين المراجع سواء في النجف أو قم، فهو خلاف علمي بحث، وليس خلافاً في أصل وبينة مبدأ ولاية الفقيه؛ بل في مساحاته، وهو قائم بين علماء قم أنفسهم، أو بين علماء النجف، دون أن يكون للجغرافيا أو السياسة أي دور في هذا المجال.

ويلقي المؤلف الضوء على مبدأ ولاية الفقيه في جانبه التطبيقي خلال حكم الإمام الخميني في ايران بعد العام 1979م، معتبراً أن البداية الحقيقية للنهضة المنهجية في بحوث ولاية الفقيه جاءت مع الإمام الخميني؛ فكانت المرة الأولى في تاريخ النظام الاجتماعي الديني الشيعي التي يؤسس فيها أحد فقهاء لأطروحة فقهية متكاملة في شمول ولاية الفقيه على وظيفة الحكم، ويدعو صراحة إلى تطبيقها. ويشير الكاتب إلى أن ثورة الإمام الخميني ودولته، ترافقت معها نهضة بحثية علمية واسعة متفردة، في موضوعات ولاية الفقيه خاصة، والفقه السياسي الإسلامي الشيعي عامة، ومن تلك البحوث الرائدة: "الإسلام يقود الحياة" للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (ت 1980م)، "دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإٍسلامية"، للشيخ حسين علي المنتظري (ت 2009م)، "الفقه السياسي" للشيخ عباس علي عميد الزنجاني (ت 2011م).

في الفصل الرابع المعنون: "المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي" يقدم لنا المؤلف رؤيةً تاريخية فكرية تحليلية عن ثوابت المرجعية الشيعية وتطور المفاهيم التدبيرية العقلائية، ومواصفات المرجع المتصدي للفتيا والشأن العام. ويعتقد الكاتب أن المرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت (ع) تمثل امتداداً موضوعياً للإمامة في عصر الغيبة، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وحقوق وواجبات علمية ودينية واجتماعية ومالية، تقع على عاتق المرجع الديني، بما يعني أن المرجعية ليست فقط ذات طابع أو شأن اختصاصي ديني، بل هي مسؤوليات اجتماعية وحياتية وتدبيرية إجرائية، أي هي ـــ بحسب الدكتور المؤمن ـــ منظومة دينية اجتماعية وحتى سياسية.

وعن الاختلاف بين المراجع الذي قد يظهرُ في سياق ممارستهم لمسؤولياتهم بين مقلديهم؛ يبينُ لنا الكاتب أنّ الخلاف ليس حالة شقاق هنا، وأمر طبيعي أن يحدث الخلاف والتنوع في الآراء، وهو متعارفٌ عليه، شأنه شأن أي خلاف إنساني، شرط ألا يتسبب بحدوث انشقاقاتٍ وانقسامات وحالات فتنٍ واضطرابات اجتماعية وغير اجتماعية؛ فالمرجعية تبقى دائماً، تمثل الأبوة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية، رغم كل ما قد يحدث من خلاف في وجهات النظر والآراء بين الفقهاء. والخلاف حول المرجعية وفيها، أفكاراً وشخوصاً ومفاهيم وغيرها، لم يكن يوماً خلافاً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً؛ إلا في مخططات الخصوم ومخيلات وسائل الإعلام الطائفية، بحسب ما يرى المؤلف، والذي يتابع قائلاً: (إن الخلاف الحقيقي داخل الحوزات العلمية يتصل بالخلاف حول تطبيقات الالتزام بمنهجية عمل الحوزة وسياقاته المتعارفة، وأهمها طريقة طرح بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خراج السياقات المتعارفة، وطرح بعض الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة ترتبط بالشأن العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعيات العليا المتصدية؛ الأمر الذي يساهم في تمزيق الواقع الشيعي). وهنا يقدم لنا الكاتب عدة نماذج أو أمثلة تاريخية معروفة وموثقة عن الخلافات في مواضيعها وشخوصها التي وقعت ضمن الحوزات العلمية أو خارجها.

وضمن الإطار ذاته؛ نجد الكاتب يضع مجموعة شروط أو عناصر معروفة ضمن أجواء الحوزات العلمية، تمثل معايير التزام عالم الدين الشيعي بالسياقات الحوزوية المتعارفة والخط المرجعي العام، وهي:

1- التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

2- حصول عالم الدين على درجة الاجتهاد من أستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً، أو شهادة أهل الخبرة (المجتهدون العدول) باجتهاده.

3- عدم خروج عالم الدين على الإجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

4- عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام، حتى بعد أن يحصل على الاجتهاد ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد وتتوسع مساحات نفوذه الديني.

5- التزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رساله الفقهية العملية وإعلان مرجعيته ونشر وكلائه.

ويتابع الكاتب حديثه في هذا الفصل المهم من الكتاب، عن الخلاف في منهجيات العمل بين ثلاثة خطوط مرجعية ظهرت في تاريخ الحوزات العلمية، وتنوعت إلى ما بين خط إصلاحي وآخر ثوري وثالث محافظ. كما تحدث عن دور جماعات الضغط والمصالح، ومفهوم الحواشي في مؤسسة المرجعية، ومن ثم قام الكاتب بتحليل وتحديد الفرق بين قدسية الدين ومهنية الفقيه.

وفي الفصل الخامس من الكتاب (الحوزة العلمية: المؤسسة الدينية للنظام)، يتحدث الدكتور علي المؤمن عن عدة نقاط تختص بالحوزات العلمية وتطورها التاريخي، وخاصة النجف الأشرف وقم، ابتداءً من تأسيسهما ولغاية اليوم؛ حيث يعتبر الكاتب أن الحوزة العلمية النجفية هي العاصمة العلمية الدينية التاريخية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي منذ 1000 عام، مستعرضاً تاريخ هذه المدينة العلمية التي شكلت قاعدة علمية فقهية وتراثية وكلامية واعتقادية، وحاضنة اجتماعية ـــ سياسية للمذهب الشيعي أو للطائفة الشيعية، منذ بدايات نشأة الحوزة في زمن الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المعروف بشيخ الطائفة)، ولغاية مرجعية السيد علي السيستاني في عصرنا هذا.

ولعدم التقليل من أهمية حوزة قم، وما تمثله هي الأخرى من وجود نوعي مميز في تاريخ الاجتماع الديني الشيعي؛ يتحدث الكاتب عن هذه الحوزة العلمية الرصينة، وعن أصالتها وعمقها التاريخي، إلى أن تحولت بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، وإقامة نظام إسلامي وفقاً للمذهب الجعفري، إلى مؤسسة علمية منظمة كبرى، حيث أرسيت فيها نهضة علمية نوعية وكمية مميزة، وباتت تضم مئات الجامعات والمدارس والمعاهد الدينية، ومراكز البحوث والتبليغ والمكتبات العامة وقاعات المؤتمرات والمؤسسات الخدمية، وباتت قريبة من الهيكليات والأنساق والجامعات الأكاديمية، مع احتفاظها بنكهة الدرس المسجدي التقليدي، وهي في مضمونها تشبه أُطروحة السيد محمد باقر الصدر في "المرجعية الرشيدة".

وفي الفصولِ اللاحقة يغوص الكاتب أكثر فأكثر في محاولاته الجدّية المميزة لإعادة بناء قواعد مُحكمة ورصينة لمنظومة المرجعية الشيعية، وهو ما أسماه بـ "إعادة مأسسة منظومة المرجعية الشيعية"، وهو عنوان الفصل السادس، الذي تحدث فيه عن قضايا المرجعية التي تلامس واقع التفكير والممارسة الاجتماعية الشيعية فردياً وجماعياً، حيث أن تغيرات الحياة وتطورات الواقع العام تقتضي ـــ كما يرى الدكتور المؤمن ـــ تغيرات في المفاهيم وتحولات في المصطلحات والبنى التقليدية القائمة، ولهذا بدأت تظهر مع مرور الأيام مفاهيم وكلمات ومصطلحات جديدة تهدف إلى توضيح مدلول المرجعيات المعاصرة؛ فظهرت مصطلحات المرجعية القائدة والمرجعية الرشيدة والمرجعية المؤسسة وغيرها. وحاول الكاتب في هذا الفصل التركيز على اقتراحه بتأسيس مجلس أهل الخبرة، والمؤلف من الحكماء والخبراء وأهل الاختصاص، الذي يتمحور اختصاصه على اختيار المرجع الأعلى، وتقديم المشورة له؛ مؤكداً على ضرورته وأهميته النوعية، وشارحاً كيفية عمله التي تقوم على تقديم المشورة لكل مكونات النظام وتفرعاته الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية، على أن يتم الأمر عبر قواعد نظرية وأدوات إشراف عملية.

ولا ينسى الكاتب أنْ يمر على شروط اختيار المرجع الأعلى، وبالأخص منها شرط الأعلمية، مطالباً بضرورة ترشيد هذا الشرط في ظل سرعة التحولات الزمانية والمكانية ومتطلباتها، وتراكم الموضوعات والحاجات المجتمعية والتنظيمية، وانحصار خيار الأمة بتفعيل وظائف المرجعية الأخر، وأيضاً في ظل ما قد يظهر من إشكاليات وأسئلة موضوعية حول مفهوم المرجعية ذاته. ولعل من القضايا المهمة الجديدة التي نظّر لها الدكتور المؤمن في هذا المجال هو شرط الكفاءة وشرط المقبولية العامة، وقارب في إطارهما علاقة الكفاءة الشخصية والنفسية بواجبات المرجع وصلاحية، وهو ما أطلق عليه تسمية سايكولوجيا الفقيه.

وفي الفصل السابع من الكتاب، وتحت عنوان: "عناصر قوة الاجتماع الشيعي"؛ أكد المؤلف أنّ الاجتماع الديني الشيعي يحظى بعناصر قوة وثبات واستمرار، لا يحظى بها أي نظام اجتماعي ديني آخر، إسلامي وغير إسلامي، وعناصر القوة هذه ليست وليدة العصر الحاضر، بل إن بداياتها وقواعدها قديمةٌ قِدم النظام الاجتماعي الديني الشيعي العالمي، الذي وضع أُسسه في عصر غيبة الإمام المهدي، سفيره الأول الشيخ عثمان العمري، بعد العام 874م، ثم رسّخ دعائمه السفراء الثلاثة الذين أعقبوه، إضافة إلى جهود الفقهاء المؤسسين الأربعة: الشيخ الصدوق، الشيخ المفيد، الشيخ المرتضى والشيخ الطوسي؛ إلا أنّ تطور هذه العناصر ونمو تفرعاتها وتبلور مضامينها الفكرية والشعائرية والطقسية؛ احتاج إلى قرون كثيرة، لتخرج بالصيغ التي عليها الآن. ويرى الدكتور المؤمن إن أهم عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي في وقتنا الحالي، هي: القضية المهدوية، المرجعية الدينية، ولاية الفقيه، التماسك المجتمعي الديني، عالمية النظام الشيعي ووحدة مساراته، الاستقلال المالي الديني، المراقد والمزارات، شعائر الإمام الحسين، إيران، السلطة السياسية، التنظيمات السياسية وجماعات المقاومة. وبعد أن يفصِّل في كل واحد من هذه العناصر الإثني عشر؛ يؤكد بأن خصوم الشيعة يعملون على ضرب هذه العناصر، بهدف القضاء عليها أو إضعافها، تميداً لزعزعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي برمته.

وفي الفصل الثامن، يبحث المؤلف "إشكاليات الهوية الشيعية"، وأهم الأسئلة والرهانات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تُثار في وجه الاجتماع الديني الشيعي المعاصر، بوصف الهوية الشيعية قوة جامعة بين مختلف مكونات الشيعة ومرجعياتها؛ فيتناول موضوع هوية الشيعي بين المذهب والقومية والوطن، وغيرها من القضايا المتصلة بالتعدد والتنوع الوطني والمناطقي والقومي وقواعد التمايز والتكامل وموقف الفكر الشيعي منها. ولعل هذا الفصل هو أحد أكثر الفصول تنظيراً وأهمية.

أما الفصل التاسع، وهو آخر فصول الكتاب، فيخصصه لاستشراف مستقبل النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وشكل المرجعية الشيعية بعد غياب السيستاني والخامنئي، ويبدأ الفصل بالحديث عن مفهوم المرجعية المطلقة، ويذكر نمادجها الأربعة في القرن العشرين، وهي مرجعيات السيد أبي الحسن الإصفهاني والسيد حسين البروجردي والسيد محسن الحكيم والسيد أبي القاسم الخوئي. ثم يتركز البحث على واقع مرجعيتي كل من السيستاني والخامنئي، ونفودهما الديني وجغرافيا مقلديهما، ويستشرف المشهد بعد غيابهما، ويذكر أسماء الفقهاء المحتملين الذين سيحلون محل السيستاني والخامنئي بعد رحيلهما. وهنا؛ يرى الدكتور المؤمن ان المشهد المرجعي النجفي سيكون صعباً بعد رحيل السيد السيستاني.

وفي نهاية الكتاب يصل المؤلف إلى جملة استنتاجات وخواتيم على صعيد محاولته تقديم وعي علمي وفكري بحقائق الاجتماع الديني الشيعي، تتعلق بمحاولته تأسيس علم اجتماع ديني شيعي، والأصول التشريعية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي وعناصره القوّامة، ومستقبل المرجعية الدينية والحوزة العلمية، إضافة الى حلول لإشكالية تزاحم الهويات لدى المجتمعات الشيعية، كمقدمة للاندماج المتبادل بينها وبين الدول التي ينتمون إليها. ويشير الدكتور المؤمن في الاستنتاجات أيضاً، الى أهمية إعادة النظر في محددات وشروط المرجعية، وتحديداً المرجعية العليا، والتي هي أهم نقطة قوة في الاجتماع الدين الشيعي، بالنظر للتطور النوعي والكبير الذي شهده ولايزال يعيشه الواقع الشيعي، والذي يصفه الدكتور المؤمن بــ "العصر الذهبي"، وما يرافقه من تحديات كبيرة ونوعية أيضاً؛ إذ يرى أن طريقة اختيار المرجع الأعلى في كل من حاضرتي النجف وقم؛ لا تزال تقليدية متوارثة منذ مئات السنين، وترتكز الى شرط الأعلمية في الفقه والأصول فقط، وهو شرط لايرقى الى حقائق الواقع وتحدياته، ويرى أهمية طرح مفهوم الأصلح والأكفأ.

إشكاليات بحاجة الى تفكيك وحلول

بعد مراجعتي لفصولِ هذا لكتاب "الاجتماع الديني الشيعي" للباحث د. علي المؤمن، وهو كتابٌ نوعي وفريد، في تناوله لقضيةٍ غاية في الأهمية وشديدة الصلة بالواقع، وهي قضية "النظام الاجتماعي الديني الشيعي"، كما أسماه، والذي أجادَ فيه الكاتب –حقيقةً- في ضبط مسارات الاجتماع الديني الشيعي، وتبيان معالمه ومعاييره ضمن انتظامات تاريخية ومحددات فكرية ممنهجة، بحيث بدتْ لنا آلياتُه ومحدّداته التي مَنهجَها الكاتب، كالسدّ الذي ينظّم (وينسّق) تدفق مياه النهر الجارف، خالقاً حوله بساتين وظلال وارفة من الخضرة والجمال؛ أقول: بعد مراجعتي للكتاب يمكن أن أؤكد أنّ الكاتب، وهو الخبيرُ المتمرِّس في كل ما يتعلق بثقافة أهل البيت وتراثهم وتاريخهم وامتداد حركتهم؛ نجَحَ بمهارة في بناء أسس أولية لمذهب اجتماعي ديني شيعي جديد، هو قائم وموجود بالقوة في صلب التاريخ الشيعي الطويل والممتد في حركة التاريخ العربي والإسلامي، بل وتمكن الكاتبُ من القبض على أسس منهجية لدراسته وتوثيقه، ليس في ذاكرة ووجدان التاريخ والناس، وإنما في عقول الباحثين والمفكرين ومختلف مواقع المؤسسة المرجعية، بما يفرض ضرورة إعادة التركيز على ما سلّط عليه الضوء من مفاهيم واصلاحات وتحليلات نوعية، والتوسع في إبرازه وتظهيره والعناية المنهجية والعملية به.

ولكن؛ كل ما تقدم لا يمنعُ أن نضعَ بعض الملاحظات والرؤى الفكرية السياسية، وهي بطبيعة الحالة قد لا تكون ملاحظات على الكتاب ذاته، بقدر ما هي إضاءات وإشعاعات فكرية متنوعة وهواجس معرفية أطلقها الكتاب من حوله، فيما أثارته وأشعلته مضامين هذا الكتاب من أفكار ورؤى وتأملات وتحليلات، وبما يمكن أن يفتحه في الذهنية الفكرية للمنظومة الاجتماعية الشيعية من منافذ وإمكانات وتصورات فكرية وتاريخية، يجب مناقشتها بجدّية.

1- حولَ ولايةِ الفقيه:

شكّلت ولايةُ الفقيه مبدأً جوهرياً في منظومة الاجتماع الديني الشيعي، خاصّة بعد النهضةِ الإسلامية الشيعية الخمينية في إيران، والتي استقرأتُ أنّ الكاتب يعتبرها "أسّ" منظومة الاجتماع الديني الشيعي المعاصر؛ فمن المعروف أنّ ولايةَ الفقيه مبدأ "ديني-سياسي" موغل في الموروث الثقافي والديني الشيعي، وليست مبدأً طارئاً أو مستجداً، وسبقَ لها أن فتحت مجالات لأسئلةٍ كبرى، وأثارت هواجس معرفية وغير معرفية، وحازت وما تزال تحوز، على نقاشات فكرية واسعة في الدائرة الفقهية الشيعية وحتى غير الشيعية، خاصة بعد تحولها لواقع قانوني-سياسي ملموس ومطبّق في نظام سياسي معاصر، مشهود له بالرصانة النظرية والنجاح العملي.

وكان من الطبيعي أنْ لا تحظى التفاصيل النظرية والتطبيقية لمبدأ ولاية الفقيه -رغم التأكيد على كونه أصلاً أساسياً في منظومة التفكير الديني والسياسي الشيعي- بإجماع كل العلماء وإمضاء كل الفقهاء، لتبقى مثار جدلٍ ونقاش وسجالات فكرية-سياسية بين علماء ومفكرين ونخب مثقفة، ممن توزعوا بين مؤيد لها ومعارض، ولكن النقاش والاعتراض المرجعي والنخبوي الثقافي والسياسي على تفاصيل مبدأ "ولاية الفقيه"، بقي قائماً في تطبيقاتها الفقهية السياسية؛ الأمر دفع بعض العلماء والمراجع الكبار لبناء رؤى واجتهادات فقهية-سياسية"، مقابلة لولاية الفقيه، كولاية الأمة على نفسها، وليس ولاية الفقيه على الأمة، رغم ما قد يتصف به المرجع من شرائط الفقاهة والعلم والمعرفة والعدالة.

وكنت أتمنى على المؤلف لو أنه توسَّع فكرياً ومنهجياً في حديثه عن مبدأ "ولاية الأمة على نفسها"، وأعطاه حقه من النقاش والتحليل، مثلما تحدث بتوسع واستدلال تحليلي عن مبدأ ولاية الفقيه؛ فالفكرةُ باتت لها جماهيرها وحضورها القوي بين صفوف الناس والنخب المثقفة. وأنا أتصور هنا أنه إذا كان مبدأ ولاية الفقيه قد شكّل النظرية الناضجة الأهم، على المستوى العملي، لإعادة بناء قدرات المجتمع الإيراني، والصيغة الأكثر توافقاً وانسجاماً لتماسك الوطنية الإيرانية-الدينية؛ فإنّ ذلك لا يعفي أصحابها والمنظّرين لها من الوقوف النقدي أمام الإشكاليات المثارة حولها اليوم، ومحاولة التجديد فيها، والإجابة الجادة عن هذه الإشكاليات.

2- الهويةُ المذهبية والاندماجُ الوطني:

عندما نتحدث عن اجتماعٍ ديني شيعي؛ لا بد أن تكون السياسة حاضرةً فيه بقوة على مستوى العلاقة بين المراجع والناس بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم وخلفياتهم واتجاهاتهم، والعلاقة مع مؤسسات الدولة، وآليات التعاطي معها على كل المستويات والأصعدة. وهنا تبرز إشكالية كبرى حول مضامين القيم والأفكار والاعتقادات والقناعات الفقهية للناس، والتي قد تتعارض مع الاجتماع المدني السياسي الذي له أفكاره ومؤسساته وقوانينه المتعارضة مع قناعات الناس المنتمين الى لاجتماع الديني الشيعي؛ إذ كيف يتصرفون ويعيشون ويمارسون حياتهم الطبيعية في بلدان لا تدينُ بمبادئهم الولايتية الشيعية التي تربط بين السياسة والدين ولا ترى أدنى الفوارق بينهما؟!.. هل يلتزمون بقناعاتهم واعتقاداتهم الخاصة، أم بأفكار وقيم وعادات وقوانين البلد التي قد تتناقض وتختلف معهم؟!.. هل يقلدون مَرْجعاً يعيش في بلد آخر وله سلطة (ولايتية) على بلده، حتى لو أفتى بما يعاكسُ عيشهم وانتماءهم لبلدهم ومسقط رأسهم؟!.

طبعاً؛ لا تزال هذه الإشكالية قائمة في الاجتماع السياسي العربي والإسلامي، ولم ينجح الفقه السياسي الشيعي الحديث ،المرتكز في التطبيق الفقهي-السياسي الإيراني المعاصر على عقيدة أو مبدأ ولاية الفقيه، في حلها وحسم الجدل واللغط السياسي والعملي حولها، لأننا شهدنا حدوث صراعات وتضارب مصالح فيما يتصل بمفاعيلها في كثير من البلدان. وقد رأينا وعشنا كثيراً من تداعيات هذه الإشكالية، ولاحظنا كيف كان للشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، في دعوته الشيعة للاندماج في مجتمعاتهم ومشاريع بلدانهم الوطنية، بعيداً عن أية أفكار ورؤى ومشاريع مذهبية أو طائفية خاصة، قصب السبق في معالجة بعض الآثار السلبية لتلك القضية، لناحية منع حدوث اضطرابات دينية مذهبية وسياسية في بعض دول الخليج والمنطقة التي تتواجد فيها الطائفة الشيعية كأقلية دينية. مع التأكيد على أنّ مفهوم الأقلية هنا يثير الكثير من الشجون السياسية والاجتماعية، ولهذا جاءت الدعوة ليتم التعامل معهم كمواطنين، لهم حقوق وعليهم واجبات، وليس كأتباع منهج ديني يتم تسييسه بين وقتٍ وآخر، طلباً للمصالح والأغراض الخاصة لهذه الدولة أو تلك أو هذا المحور أو ذاك.

وهذا ما أجاد الباحث الدكتور علي المؤمن في تسليط الضوء عليه، عندما تحدّث ليس فقط عن مسؤوليات مرجعيات الشيعة ونخبها، بل أيضاً عن ضرورة (أن يؤمنَ السنّة وأنظمتهم بأنّ الشيعة مواطنون مثلهم، ولهم حق المشاركة السياسية والقانونية الكاملة في دولة المواطنة والقانون، وأنّ من حقّ الشيعي أن يكون في أي موقع في الدولة والمجتمع دون تمييز طائفي). وما نأمله أن يبقى تظهير وتأطير هذا الاجتماع الديني الشيعي في تأسيسه ومؤسساته ومرجعياته بعيداً كونه حالة عصبية اجتماعية ومذهبية جديدة، في مواجهة عصبيات أخرى، تتصارع وتتقاتل على الرأسمال الرمزي والقيمي للأمة، وعلى الإنتاج المعنوي الروحي، إذا صح التعبير، وهو ما أكد الدكتور علي المؤمن في كتابه.

3- الدورُ العملي للمرجعياتِ الشّيعيّة:

التعدديةُ في المرجعيات الشيعية أمرٌ راسخٌ وثابت منذ زمن بعيد، وهذه النقطة هي من أهم عناصر قوة وحيوية ومستقبلية المؤسسة المرجعية الشيعية، في سياق تفاعلها مع الآخر المختلف، وانسجامها البنيوي مع متطلبات التشارك المجتمعي الإنساني الحضاري معه، حيث أنه في ظل هيمنة أجواء التطرف والتعصب والتناحر في كثير من مواقع ومفردات هذه الأمة؛ يجب أن تتحرك المرجعيات بوعي ومسؤولية لإرساء دائم وأسس خط الاعتدال والتفاهم والحوار الدائـم، وتركيز ثوابت ينعقد عليها الوفاق الوطني في داخل البلدان خاصة المتنوعة منها بعيداً عن قناعات وسلوكيات التميز والمحورية وادعاء امتلاك الحقيقة. وأتصور أن من أهم عناصر قوة المرجعية الدينية الشيعية، على مستوى الداخل المجتمعي، هو أن تجد لنفسها امتدادات حقيقية عملية في حركة العمران الروحي والعملي، خصوصاً وأنها مرجعية اجتماعية وسياسية وعملية، تتدخل في كل شيء، توجيهاً وإشرافاً، وحتى أوامرياً (في كثير من الحالات)، وإذا لم يكن الأمر على هذا النحو الحيوي؛ فعن أية عناصر قوة نتحدث، خاصة في ظل وجود مجتمعات شيعية تعيش حالات من الفوضى وعدم الاستقرار المجتمعي والسياسي والقانوني.

إنّ قيمة الفكر والمبادئ والنصوص، تكمن في أن تتحول عند المجتمعات إلى واقع حي معاش وملوس، وعلى نحو مسؤول، في سلوكها وعلاقاتها وتعاملاتها، وفي تطبيقات العدالة بينها، وإحساسها الحقيقي بالانتماء الفاعل والحقيقي لمرجعياتها، ليس نظرياً وكلاميا فقط، بل عملياً ونهضوياً وعمرانياً. وأعتقد أن بعض تطبيقات هذه المفردات والعناصر، التي يعتدّ بها الكاتب، ويعتبرها عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي، لا تزال مثار جدل وإشكال فكري وتاريخي وحتى معرفي، بالنسبة لكثير من المراجع والمثقفين الشيعة وغير الشيعة، وما قد يعتبره الكاتب عنصر قوة، قد يعتبره غيره نقطة ضعف بطبيعة الحال، وليس موضع إجماع حتى بين صفوف كثير من علماء ومراجع ومفكري ونخب الشيعة، قبل غيرهم من نخب وعلماء آخرين ينتمون لمدارس فكرية وسياسية ودينية أخرى.

من هنا؛ أتصور أن أهم نقطة قوة في منظومة الاعتقاد الشيعي الاجتماعي التاريخي أن الشيعة كلهم متفقون كلياً على الأساسيات، المتمثل بتراث آل البيت وعقائدهم وقيمهم وشخوصهم، وتحوّلهم لقيم كمالية راقية للأخلاق والفضائل والرسالة الإنسانية، وهي ما يسمية السيد محمد باقر الصدر (المُثُل العليا المرتفعة).

4- نواةٌ لمذهبٍ اجتماعي شيعي إسلامي:

هل يمكنُ لنظرية الدكتور علي المؤمن في كتابه هذا ودراساته الأُخر عن الاجتماع الديني الشيعي، أن تشكل نواةً لمذهب اجتماعي شيعي إسلامي؟!، مع الإشارة الى أن ما نعنيه هنا بمفهوم أو مصطلح "مذهب اجتماعي شيعي" هي مجموعة الأفكار والمفاهيم الدينية الإسلامية الشيعية، التي يمكن الوصول إليها من خلال تحليل نصوص القرآن والأحاديث الشريفة الوارد على لسان النبي والأئمة، ومجمل "كلاميات" ونصوص العلماء والفقهاء، فيما يتعلق بالمسألة الاجتماعية، وضرورة العمل على تطويرها وتجديدها، بحيث يمكن أن تُقدّم كإطار فكري مفاهيمي لمنظومة إسلامية على الصعيد الاجتماعي، لتكون معبّرة عن "المذهب الاجتماعي الشيعي الإسلامي" في غاياته المتمثلة بإقامة العدل بين الناس، ورد المظالم وفصل الخصومات، وإحقاق الحقوق، وتوجيه الاهتمام بالعلوم ووسائل التقدم والرقي الحضاري، والسعي الحثيث لإقامة التكافل الاجتماعي داخل المجتمع.

ما تقدّم يحتاج إلى بيئة نظرية أو مرجعية نظرية وتشريعية معيارية ضابطة، يمكن من خلالها صياغة المفاهيم والتنظير للمذهب الاجتماعي الإٍسلامي، وهذا ما لاحظناه لدى أحد كبار المراجع الإسلاميين المتنورين، وهو السيد محمد باقر الصدر، الذي أكد على أن معالجة موضوعة "المذهب الاجتماعي في الإسلام"، يجب أن تستند على مؤشرات عامة تعبّر عن روح "الشريعة" ومقاصدها، يطلق عليها الصدر مصطلحات عدة، هي: اتجاه التشريع، والهدف المنصوص لحكم ثابت، والقيم الاجتماعية التي أكد الإسلام على ضرورة الاهتمام بها.

وفي نهاية هذه المراجعة السريعة لكتاب "الاجتماع الديني الشيعي"؛ أرى أن الباحث التجديدي الدكتور علي المؤمن؛ قدّم نتاجاً فكرياً أكاديمياً غنياً ورائداً، فضلاً عن مقاربات حافلة بالوقائع والتفاصيل والحيثيات التاريخية والوصفية التحليلية؛ ما يدل على امتلاكه عقلاً موسوعياً مسلّحاً بأدوات معرفية فعالة وشديدة التأثير، وعلى أنه قابض على عدّة معرفية فعّالة مكّنته من التجوال العقلي واصفاً وشارحاً ومحللاً في محطات وامتدادات تاريخ المسلمين الشيعة وواقعهم، منذ بدايات تأسيس اجتماعهم الديني قبل نحو أربعة عشر قرناً وحتى يومنا هذا. على أمل أن تشكِّل النقاط التاريخية والإضاءات الفكرية التي أثرناها؛ إضافة نوعية لبعض مفاصل كتابه الفريد، ومدخلاً لنقاشات جدّية في هذا المجال، خدمةً للفكر والمعرفة الحقيقية.

***

نبيل علي صالح - باحث سوري

هل تعلمين ماذا يحدث عندما تجرحين الناس؟.. عندما تجرحين الناس، يبدأ حبهم لك بالتناقص.هذا ما تفعله الكلمات الطائشة غير المكترثة. إنها تجعل الناس يحبونك أقل بعض الشيء.

أروندهاتي روي من رائعتها "رب الاشياء الصغيرة"

هبطت عليها الثروة والشهرة من دون أن تسعى اليها. كانت في السادسة والثلاثين من عمرها عندما قررت نشر روايتها "إله الاشياء الصغيرة " لتنال عليها عام 1997 اكثر من نصف مليون دولار، وجائزة البوكر، اهم جوائز الرواية العالمية. اصابها الذهول والدهشة ولم تخرج من البيت لثلاثة ايام كانت تعتقد أن في الامر مزحة، رفضت الحديث لمراسلي الصحف الذين جاءوا لمحاورة المرأة الهندية التي خطفت واحدة من اهم الجوائز الادبية.. ولدت سوزانا أرونداتي روي في الرابع والعشرين من تشرين الثاني عام 1961 في مدينة شيلونغ الواقعة شرق الهند، لأب بنغالي من طائفة الهندوس يعمل في مزارع الشاي، وام مسيحية، وجدت نفسها ضائعة بين ثقافتين، قالت فيما بعد انها لم تجد نفسها في واحدة منهن. الاب مدمن على الخمر مما ادى الى افلاس الاسرة، وطلاق الام التي عادت بعائلتها المكونة من الصغيرة سوزانا التي كانت في الثانية من عمرها مع شقيقتها الاكبر منها بعام، الى منزل العائلة جنوب الهند، لكن العائلة لم تسمح لابنتها المطلقة أن تعيش معها، فقررت الام ان تاخذ ابنتيها للسكن مع جدها في كوخ بولاية تاميل. تتذكر المآسي التي حصلت لعائلتها، اصيبت امها بمرض الربو، لكن الأم ماري قررت ان تتحدى قوانين الميراث التي لا تمنح للمراة حقوق، فقدمت شكوى في المحكمة العليا، لتحصل على نصيبها في ميراث ابيها، تكتب روي:" ان معظم ارائي نشأت من اصرار امي على العيش بكرامة متحدية المجتمع ".4216 رب الأشياء الصغيرة

بعد ان انهت دراستها الابتدائية ارسلتها امها الى مدرسة داخلية اسمها " لورنس " كان قد اسسها الضابط البريطاني الشهير توماس إدوارد لورنس، صاحب كتاب " اعمدة الحكمة السبعة "، تقول انها تتذكر كيف أخذت تبحث عن اسم صاحب المدرسة، وقررت ان تصبح مغامرة مثله، في المدرسة الداخلية تتفرغ لقراءة الروايات، تسحرها كتابات جورج اليوت، الاسم المستعار الذي كتبت فيه ماري آن إيفانس معظم رواياتها، حيث وجدت فيها طبيعة الاغتراب الروحي والقلق الذي تعيشه النساء، وهو ما كانت روي تعاني منه.

في السادسة عشر من عمرها تترك اسرتها لتسافر إلى دلهي، تختار دراسة الهندسة المعمارية لأنها ستمكنها من الحصول على المال، لكنها سرعان ما أدركت أن الجامعة لا تُعلم الهندسة، وانما المقاولات، ظلت تطرح على الاساتذة اسئلة من نوعية: لمن ندرس الهندسة، هل نصمم بيوت للفقراء، ما علاقة الانسان بالمنزل؟ هذه الاسئلة قادتها لأن تضع اطروحة بعنوان "التنمية الحضرية في دلهي اثناء الاستعمار ". اثناء الدراسة عاشت في كوخ احد زملائها حيث كانت في اوقات الفراغ تجمع القناني الفارغة لتبيعها، قضت سنوات الجامعة تعيش في حي فقير، اقامت علاقة صداقة مع الشحاذين والمهمشين. تقول أن والدتها اورثتها نظرة غاضبة ازاء هذا العالم غير العادل: "قررت في سن مبكرة ألا أكون ضحية وأن أسيطر على حياتي فور استطاعتي ذلك". ظلت لخمس سنوات تبحث عن عمل بعد تخرجها من الجامعة، كتبت مقالات نُشر القليل منها والكثير كان مصيره سلة المهملات، جربت العمل بائعة متجولة تدور بين القرى على درجة هوائية، وسيشاهدها المخرج براديب كريشين ليعرض عليها أن تمثل في فيلمه دور فتاة قروية، فيما بعد سترتبط بهذا المخرج بعلاقة حياة وعمل، تكتب له سيناريو أفلامه، بعد سنوات تشعر انها لا تستطيع الاستمرار في هذا العمل. عام 1990 قالت لشقيقتها انها قررت ان تكتب سيرة عائلتها، صدمت الام واعتبرت الامر فضيحة، لكن الابنة طمأنتها ان الخيال يمكن ان يساعدها في مهمتها، بدأت بكتابة روايتها " إله الاشياء الصغيرة " عام 1992، وانتهت منها عام 1996، واجهت صعوبة في نشرها، فمن يتورط بنشر رواية لكاتبة مجهولة.. ولم تكن تدري أن هذه الرواية ستظل لاشهر تحتل قائمة الكتب الاكثر مبيعا في الهند قبل ان تنال جائزة البوكر، كان الامر بالنسبة لها اشبة بهزة ارضية ضربتها، استغربت ترجمة الرواية الى اكثر من 40 لغة:" لماذا يريد الناس في مختلف بلدان العالم معرفة ما يدور في قرية صغيرة جنوب الهند ". قالت انها اختارت عنوان روايتها " إله الاشياء الصغيرة " تعبيرا عن المنبوذين، فإله الاشياء الصغيرة هو الذي:

لم يترك أية تموجات في الماء

ولا اثار اقدام على الشاطئ

رب الضياع

 إله الأشياء الصغيرة الذي لا يترك اثراً على الرمال، ولا صورة في المرايا. انه موجود وغير موجود، لا اثر له، ولا انعكاس لصورته، انه لا شيء، كائن بلا كيان، انه المنبوذ الذي يجسد الضياع.

بعد الشهرة والمال قررت ان تبتعد عن عالم الخيال، قالت ان النجاح حررها من أشباح الماضي:" لم أكن أهتم يوماً بأن أكون مجرد كاتبة محترفة تكتب كتاباً ناجحاً ثم تنتقل لتأليف كتاب آخر وهكذا دواليك. ينتابني خوف من أن يرغب الجميع في أن أتابع القيام بالأمر نفسه وأن أكون الشخص نفسه وأن أتجمّد في الزمن لمجرد أنني مشهورة أو قمت بعمل ناجح "، وزعت اموال الجوائز التي حصلت عليها على الفقراء، وكان آخرها جائزة بقيمة 350 الف دولار حولتها الى حساب منظمات اجتماعية صغيرة في الهند، عام 2006 تؤسس صندوقا تضع فيه جميع ايرادات كتبها وخصصته لدعم قضايا الحرية والدفاع عن المنبوذين في الهند. هجرت الرواية لتنشط في مجال السياسة وحقوق الانسان.قالت انها واجهت مشاكل بسبب روايتها، استغربت معاملة مواطنيها لها كأنها نجمة سينما: "أعتقد انهم فرحوا لأن شخصاً ما روى قصتهم ".كرست 20 عاما من حياتها للتصدّي لصعود اليمين المتطرّف إلى السّلطة في الهند. كتبت مقالات وشاركت في مؤتمرات وتظاهرات لنصرة المهمشين، اصدرت عام 1999 كتابها " كلفة الحياة" عن حياة المهمشين ثم اصدرت كتاب عام 2004 كتابها " دليل الإنسان العاديّ إلى الأمبراطوريّة " وفي العام 2010 نشرت كتاب " مسيرة مع الرّفاق" تتحدث فيه عن حركة مسلّحة يخوضها من سمتهم أفقر فقراء الهند، من فلاحين بلا أرض وقبائل مهملة يعيشون على أراض غنيّة من الغابات والمعادن. وكان آخر كتبها السياسية كتاب " الرأسمالية، حكاية أشباح" الذي صدر عام 2014. اتهمتها المحكمة العليا في دلهي بالعصيان وممارسة انشطة لا وطنية، وشن الحرب على الدولة الهندية لدفاعها عن حق أهالي كشمير في الاستقلال وفضحها الممارسات العنصرية ضد المسلمين في الهند. لم يقتصر نضالها السياسي والثقافي على الهند فقد عارضت الغزو الأميركيّ لأفغانستان والعراق، وكانت عضواً في المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب الأميركية في العراق. اعلنت تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وقعت مع نعوم تشوميسكي وهوارد زين وهارولد پنتر عريضة تتهم إسرائيل بارتكاب " جرائم حرب". تصف العولمة بانها:" قوي، لا يرحم، مدجج بالسلاح. إنه طراز من الملوك لم يعرفه العالم من قبل. مملكته رأس المال الخام، فتوحاته الأسواق الصاعدة، صلواته الأرباح، حدوده بلا حدود، وأسلحته نوويّة ".

عام 2017 تعود روي الى عالم الرواية حيث اصدرت روايتها الثانية " وزارة السعادة القصوى " تقول عن عودتها الى الادب ثانية:" طالما كنت أغضب من الأشخاص الذين يقولون لي: لم تكتبي شيئاً مجدداً، وكأنّ الأعمال غير السردية التي أصدرتها لا تدخل في خانة الكتابة ".

في " وزارة السعادة القصوى " تقوم بنقد لبنية المجتمع الهندي، وتحاول النبش في تاريخه الحافل بالأزمات والصراعات، وهي تؤكد ان هذه الصراعات والازمات، تعمل كلّها على وضع هذا المجتمع تحت وطأة ما ينتج عنها في النهاية.

تعترف روي بأن أكثر ما يثير حفيظتها، ويصيبها احيانا بالجنون:" سماع أحدهم يصنفها بأنها صوت الذين لا صوت لهم " فهي تؤمن بأنه لا يوجد شيء اسمه " صوت الذين لا صوت لهم" بل هي ترى نفسها صوتا لمكممي الأفواه، الذين لا يريد احد سماع شكواهم.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

مقدمة الكاتب: ان تشظي التحليل النفسي بأفكاره ونظرياته إلى اتجاهات جديدة فيه، هو بحد ذاته يبين عمق النفس البشرية، وكل من يتناولها يتناول التحليل النفسي عن ما بداخله فيشطح ويخرج عن النص الفرويدي، هو يشطح لما بنفسه من؟، إلا جاك لاكان، لم يشطح بالظواهر الفرويدية أو يتشظى بقدر ما تعمق بها وَسبر سِبر أغوارها بالعمق، فلم يلوذ بها وإنما دخل في عُمق العمق، فولج فيها وأضاف، إضافة نوعية غيرت التصور الكلاسيكي إلى تصورات معاصرة، وكان مصطفى صفوان من الرواد الاوائل ممن سار في هذا الخط الفرويدي – اللاكاني.

تعد الكتابة عن عالمٍ من علماء التحليل النفسي المعاصرين هي بحد ذاتها مدخل صعب الولوج له لكثرة مطبات الأفكار التي يعرض لها وثنائيات التداول بين التحليل النفسي الكلاسيكي وتحولاته المعاصرة لا سيما أنه عاصر عدة أزمان منذ أختياره لعالم البحث في التحليل النفسي، لأنها مدخل غائص في عمق النفس البشرية، فكيف نبحث في فكر عالم مثل "صفوان" تربى على الفرويدية الكلاسيكية بكل عمقها مذ وصوله إلى باريس في العقد الرابع من القرن العشرين واستمراره فيها متداولا مع أستاذه العلامة "مصطفى زيور" فِكر عالمٍ غير وجه عميق في النفس البشرية بإكتشافاته وفتوحاته ومعرفته الحقة بخبايا النفس البشرية، وهو "سيجموند فرويد" الذي يدين له كل من قرأ فكره وتعمق فيه وبحث بما طرحه ليجد نفسه يغرق في معرفة نفسه وإكتشاف ما يمكن أكتشافه على وفق ما قرره فرويد. اننا أزاء معضلة العرض الأكاديمي لفكر متعدد ومترامي الأطراف في ثلاثة أبعاد، ولا يستطيع الفكر الأكاديمي أن يغوص في هذه المعرفة المتنوعة للتحليل النفسي، فهو فكر أكاديمي الأساس، علمي تقليدي التكوين، عميق في البحث الذي لا يتمكن التجريب أو الرصد المحدود لدراسة الظواهر في أن تضعه على طاولة الدراسات التقليدية المتعارف عليها بتقنين الظواهر التي تناولها التحليل النفسي، فكيف إذا كان الطرح وعرض أفكار التحليل النفسي هي بحد ذاتها غير قابلة لِلمها" لَم شملها" "جمعها" في إناء تقليدي من مناهج البحث المعاصرة، إنها محاولة إجتهادية نرى فيها من الصعوبة ما لا يمكن وصفها، أو تحديدها، أو الإكتفاء بعرضها، ولنا في هذا ما نستطيع إيصاله للقارئ الكريم ليكتشف ان عالم "مصطفى صفوان" فلسفة عميقه ذات أبعاد نفسية مترامية في الفكر والفلسفة والعلوم الإجتماعية والنفسية، فما نود عرضه هو قاصر بالتحديد لما نريد عرضه، وأردد دائمًا أن من يريد معرفة التحليل النفسي ودراسته لا يمكن حصر نظرياته وأفكاره في موضوع أو مقالة، أو كتاب، بل أن يقرأ نفسه من خلال التحليل النفسي ليجد المنهج النفسي الملائم لمعرفة النفس، فكتاب "مصطفى صفوان" يحتوي في أبوابه الثلاثة على موضوعات من الدقة لا يمكن إدراكها بيسر،

فالباب الأول ضم موضوعات هي:

 البارحة..

1. عن القرابة 2. العائلة والتنشئة الاجتماعية 3. البيت والمعبد.

أما الباب الثاني فضم:

اليوم..

4. من المعبد إلى المخبر، أو الأب بوصفه شيئًا جزئيًا.

5. الآباء المُقيمون في المنازل والاسئلة حول الأصول.

6. السوق.

7. فلسفة السوق.

الباب الثالث فضم:

الفردية والفرد..

8. الفردية والفرد.

9. الفرد والمجتمع.

10. الجنسانية "الجنسية" في المجتمع الليبرالي الجديد والتحليل النفسي بين الحاضر والمستقبل.4206 مصطفى صفوان

ونحن بأزاء استعراض هذه المحاور الغنية هي في الحقيقة اكتشاف معرفي بحد ذاته وليس عرض تقليدي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تَعرف أولي لاستدعاء ما يمكن استدعائه من ما خزن في الدماغ من معلومات وإن كانت بسيطة ولكنها قد "ربما" من المحتمل ان تضيف للقارئ المتعلم مثلنا شيء من المعرفة إيمانًا منا بأن المعرفة تراكمية وبالأخص في التحليل النفسي، لنقل مجازًا في اللاشعور" اللاوعي".. تحية إكبار وإجلال لهذا العملاق المفكر الذي ترك فينا ومن قرأ له أو تتلمذ بين يديه أشياء غير محسوسة ولكنها شكلت سلوكه وتعامله وأسلوب حياته.. له الرحمة والمغفرة ولنا أن نترحم له ما حيينا في كل عمل نقوم به.

من الباب الأول.. البارحة وموضوعاته:

1. عن القرابة..

يتحدث "صفوان" عن أسس البناء للأسرة ويعدها الخلية الأولى في المجتمع، وهذا الرأي من الصعب قبوله، او الاعتراف بأن المجتمع البعيد عن أن يكون مؤلفًا من عائلات، وعلى هذا الأساس يرسم قوانين الزواج وهو المشرف على تكوين العائلة، وبأن هذه القوانين جزء لا يتجزأ من قواعد القرابة. ويطرح "صفوان" فكرة طرفان يتقاسمان الآراء حول القرابة الأول يرى فيها الظاهرة الأساسية للنسيج الاجتماعي، والثاني يرى ان الاحتلافات الناتجه عن القرابة تعكس اختلافات إجتماعية وسياسية، ودينية، وقد احتفظت هذه الاختلافات في مفهوم القرابة ببعض المعالم ضمن ما يُدعى بالعائلة الملكية، أو عائلة الموُثقين، أو الأطباء. ويعرض أيضًا أهمية هذه الطرائق المختلفة في تصور مكانة القرابة في المجتمع، لكن اهتمامنا ينصب بالدرجة الأولى على تعرييف القرابة نفسها. ويعرض "صفوان" عدة دراسات بهذا المضمار منها دراسة "مارشال سلنس" في كتابٍ بعنوان: ما تعنية القرابة وما لا تعنيه. نشر في العام 2013 يركز فيه على فكرة تبدد الشك في أن الأمر يسري في الكينونة بقدر ما يُعبر عنه الأسم. وفي الوقت نفسه وفي الجامعه نفسها وهي جامعة شيكاغو نشر استاذ آخر وهو "دافيد.م. شنايدر" في العام 1968 كتابًا عن القرابة الامريكية وأعيد نشره في العام 1980 يلح فيه على أهمية القرابة وعدها بأنها تولد مشاعر التضامن والواجب، وتشكل الأبواب التي يستطيع علم الاعراق من خلالها أن يُحيط بالواقع سائلًا السكان عن طريقة عيشهم هذه المشاعر وتقييمها. أما "رادكليف- براون" هو الذي شرح بأوضح العبارات العلاقة بيين أشكال اللغة التي يستحيل من دونها أيُ اتصصال بين الأفراد الناطقين من جهة، وبينها من جهة اخرى: اللغة يجب أن تُطبق أن تزودنا بأداة اتصال منُاسبة إلى حد يقل أو يزيد، ولهذه الغاية، تخضع لبعض الشروط الضرورية والعامة. إذ تُظهر مقارنة بين اللغات كيف تحقق هذه الشروط باستخدام مختلف المبادئ الصرفية كالإمالة والإلصاق، ونسق الكلمات، والتغيير الداخلي، أو استخدام النبرات من عدمه كما ذكره "راد كليف – برون".

يرى"مصطفى صفوان" قوله لا يهتم أي مجتمع بشري اهتماما خاصًا بضمان استمرار نوعنا، ولو كانت الحال كذلك لامتنعت مجتمعاتنا عن الحرب وعلى عكس ذلك ينزع كل مجتمع إلى استمرار وجوده الخاص ووجود مناقبه وأعرافه، لكن لا يكفي مجيئ الفرد إلى العالم كي يُصبح جزءًا من المجتمع، إذ يجب أن يكون ثمرة زواج مُعرَف بأنه "ترتيب اجتماعي يتلقى الطفل بموجبه وضعية شرعية في المجتمع، تُتحددها القرابة، بالمعنى الاجتماعي للمصطلح " ويضيف "صفوان" قوله أما الطفل المولود دون زواج يعترف به المجتمع، فلن يجد مكانًا في هذا المجتمع، سوف يوصف بأنه غير شرعي، وعليه لم تنتظر المجتمعات البدائية علماء الإناسة المعاصرين كي تُفرق بين الطبيعي والثقافي، وهنا يؤكد صفوان قوله: لا يوجد مجتمع بشري لا يمنح نفسه أصلًا رمزيًا يضمن وحدته، بينما تُخفق البنية الثنائية إخفاقًا ذريعًا نتيجة غياب مبدأ أول يضمن الإيمان به إجتماع الناس عليه وبحكم صراعاتهم.

يتسائل "صفوان" هل بإمكاننا أن نميز تمييزًا أفضل بين مساهمة القرابة البيولوجية بقدر ما يدين لها الطفل بدمه وعظامه، وبين مُساهمتها الروحية، أو الثقافية، بقدر ما يجب عليه الاعتراف له بانه يُدخله في النسب الأبوي، أو يمنحه الأسم الذي يجد فيه "سلنس" تبادل الكينونة الذي يخلق الرابط بين الأب والأبن؟ إنما التمييز بين الطبيعة والقافة ثابتٌ، في الأساس وملحوظ في المجتمعات البشرية كلها، ولم يغب عن أي مجتمع أن يطرح مسألة الاختلاف بين الطابع البيولوجي الذي لا خلاف عليه للعلاقة بين الأم والطفل، ونظام القرابة الذي يرسمه، ومن خلاله يمنح المولود الجديد مكانه، وهكذا نعود إلى نقطة انطلاقنا، أي إلى الزواج من حيث هو ترتيب إجتماعي. ويناقش "صفوان" في كتابه هذا موضوع الترتيب من وجهة "ليفي – ستروس" القائلة بأن الأمر أمرُ تبادل بفرض نفسه خيارًا للمفردة الأولى من هذا التخيير: ثمة حاجتان تُمارسان خارج القرابة هما الزواج والقتل، أي بوصفه شرط تعايش المجموعات البشرية، ويطرح "صفوان" رأي "ستروس" قوله أصل تحريم نكاح الُقربى ومع ذلك نرى في البُنى الأولية للقرابة مقاطع تدفعنا إلى التفكير بالاختلاف بين المُباح والممنوع الذي يُملي على مَن يشعر به اختيار الزواج. وباختصار إن قيام تعاقب الأجيال الذي يُديم المجتمع وجوده الخاص على اقتران الجنسين البيولوجي، أمر واقع ولكن تظل الحقيقة أيضًا أن ولادة الطفل حدث ثقافي، أو ثقافي كُليًة كما يقول "سلنس" ليس فقط لأن مجيئه إلى العالم يُمثل مجيء نتيجة مضاجعه دون مشاركة طرف ثالث يُشدد "لاكان" على طابعه الرمزي كالقضيب الأولي عند شعب البوشمان، او مشاركة روح الجد الذكوري، أو الأنثوري لذرية الأب عند شعب البارويا دون الحديث عن مشاركة الآلهة العليمة. لقد جُردت هذه الاطراف الرمزية من وظيفتها البارزة بوصفها قاعدة الوجود الاجتماعي، لكن فرويد عثر عليها في حالات العُصاب العائلية على شكل أب ميت، يخصي ويستمر دومًا في الصراع بين الابن والأب الذي لا يُحسم أبدًا في رأيه. واشار "كروبير" إلى مبدأ الطوطم والتابو، المبدأ الذي يعده الاسطورة الوحيدة التي تمخضت عنها الأزمنة الحديثة، أما "لاكان" الذي أعاد نقد "كروبير" عادًا بحق أن قصة قتل الابناء أباهم في القبيلة البدائية حلم من احلام فرويد، بالمعنى الحصري للمصطلح، فقد نسي هذه القصة دون أن يترك منها إلا ما يتركه الموت، أي الأسم. ومع أن هذا الأسم يًكون في الواقع النقطة التي تنبثق منها الثقافة في انفصالها عن الطبيعة، فهو يُكثف قي ذاته وحدها ثقل هذه الثقافة الكامل بإعلانه أن عبور عالم يرتبط فيه قبول الحياة نفسه عند الطفل بالحب الأمومي، إلى عالم آخر حيث العلاقات بين البشر وعلاقاتهم أيضًا بالأملاك التي يتعلقون بها، تتجسد في الحقوق والواجبات التي يتألف منها القانون، وعندئذ ما الدور الذي يأخذه"أو كان يأخذه" هذا الأسم في تنظيم الجنسانية البشرية.

يرى "مصطفى صفوان" إن ظهور الجنسية "الجنسانية" المبُكرة عند الطفل لظاهرة يصعب شرحها، ولكنها ما أن تظهر حتى يكاد يكون من الطبيعي تقريبا أن تتوجه على نحو أفضل صوب أمه التي تُمثل في نظره، لكونها موضوع حُبه الأول، الخير الأسمى، أننا إذا سلمنا مع فرويد بأن "الانتماء إلى الأب جزء من الجوهر الأمومي" يتمخض عن ذلك أن ظهور الجنسية "الجنسانية" التافه عند الطفل غير المُستبِعد كما ينبغي يُعادل دخوله في عالم القانون ويسبق اندماجه في نظام القرابة الخاص بمجتمعه. ويضيف"صفوان" توضيحًا بناءً على هذه الفكرة استنادًا لقاعدة الرغبة بنتيجتين:

النتيجة الأولى: بعدم وجود إشباع الرغبة دون الاعتراف برغبة الآخر.

النتيجة الثانية: بأن أية رغبة هي رغبة في نزع الأعتراف بها إلى حد أن إنكارها ييًفاقم شدتها.

وقوله.. في النهاية.. ليس التحليل النفسي شيئًا آخر غير دراسة العمليات التي بفضلها تُعبر الرغبة عن نفسها، وهنا نبلغ الاكتشاف الأكثر إدهاشًا الذي أتحفتنا به تجربة المعالجة بالكلام: فمع نقل الصيغة الهيغلية إلى الصعيد الرمزي بدل ربطها بصعيد الوعي بالذات. تتجلى الرغبة وظيفًة اكثر تأسيسًا، وفي مجموعها أكثر ما يخلع الطابع الإنساني على المتكلم "الما هو"، ومن ثم نرى تفاهة تشبيه التحليل النفسي بتقنية الاعتراف.

أما "لاكان" وهو يشدد على الفعالية الرمزية التي من دونها لا يتضح أي شيء على مستويي الأوديب الواقعي والتخيلي، فَحَول اتجاه هذه العقدة التي انتقلت من النظرية الجنسية الطفلية إلى نظرية الرغبة، وتتضمن هذه النظرية ضرورة موائمة الرغبة مع المبدا القائل بعدم إشباع رغبة الفرد بمعزل عن إشباع رغبة الآخر. المبدا الذي من دونه يفقد القانون أي معنى، ويرى "لاكان" قوله: تُكَون هذه الموائمة ضمن إطار العائلة الحديثة "المعيارية الأوديبية" التي يُعين فيها وظيفة الأب الحقيقي، وهنا يَحضر وضعان لا يُمكن إبعاد أحدهما عن الآخر:

الوضع الأول: وضع الأب الذي لا يتخرط في ذرية تعود إلى قضيب أول. (راجع حال البوشمان، وكذلك حالة شريبر بالتفصيل- قصة شريبر معروفة جدًا عند المحللين، فهو كان قاضيًا كبيرًا ثم اصيب بالجنون، كان ذهاني، وهو الوحيد الذي حلله فرويد)

الوضع الثاني: الذي ميزه "لاكان" عن الوضع الاول بوضوح عدة مرات وتحديدًا في مقالته بعنوان" تخريب الذات وجدلية الرغبة في اللاوعي الفرويدي" فهو الذي لا يقوم فقط على إملاء القانون، بل على تفويض نفسه به، بكل ما يتضمن من اعتراف.

2. العائلة والتنشئة الاجتماعية

يعرض "صفوان" رأي رادكليف برون تعريف العائلة بانها وحدة البنية التي من خلالها تنبني منظومة قرابة، والتي سماها العائلة الأولية، وانتقد ذلك " كلود ليفي – ستروس" بقسوة معتقدًا بفكرة تُكون العائلة البيولوجية نقطة انطلاق أي مجتمع لتحضير منظومته في القرابة. وأتفق معظم المحللين النفسيين واسموه بـ "المرحلة التناسلية" التي لم يحتج على وجودها أول مرة إلا "جاك لاكان"؟ هذا الاعتقاد بغريزة طبيعية تدفعنا إلى الانجاب اعتقادًا أصلب أيضا من الاعتقاد بالغيب، لأنه يمتلك حقيقة أننا مُجهزون بيولوجيًا لتنفيذ هذا الهدف، وهو يضمن لنا إذا جاز القول خلودًا علمانيًا ولا يدهشني أن المحلل الذي أحتج على هذا الاعتقاد كان هو نفسه الذي بين رسوخ نرجسيتنا عبر وقوعنا في أسر شيء مُتلاشٍ إلى أبعد حد، أسر مظهر خداع، وصورة مرآوية " الإنسان ظل الظل" وإذا أخذنا في الحسبان هذا الاحتجاج فالسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمعرفة إن كانت المجتمعات البشرية قد شرعت في بناء نُظم قرابتها ليس انطلاقًا من العائلة البيولوجية، أيا كان المعنى الذي نخلعه على تعبير"انطلاقًا من" بل شرعت في بنائه لكي تقطع الطريق على التخريب الناجم عن لغة الأسس الغريزية الممنوحه لتلك الأسرة، والملمح الأوحد الذي يبقى مما ندعوه"العائلة الطبيعية" هو ولادة الطفل من رحم الأم، ولما كان تعيين العامل الثاني لهذه الولادة غير مُتناسب مع اليقين نفسه، فقد ارتبطت معرفته باعترافه: أب الطفل هو الذي يعترف بأن هذا الطفل ابنه، وينقل له اسمه، ففي استبدال المعرفة بالاعتراف تكمن روح الثقافة، وكل نظام قرابة يُفضي إلى نظام إعتراف بين أعضاء المجتمع، ولا نبالغ إذا قُلنا إن اسم الأب يُجسد مثال هذا الاعتراف الأصلي إن لم يكن حجر الزاوية فيه، ومع ذلك تعالوا نتمعن أكثر من مختلف أشكال العائلة.

يدخلنا "مصطفى صفوان" في هذه الصفحات بموسوعة شاملة من أنظمة تكوين الأسرة واتساع العائلة في ترامياتها المتنوعه من الأبوة والانجاب والنسب ومحورها يدور على أساس الوجود وهي المرأة، الزوجة بصورها المتعددة، صورة المرأة المنجبة، والاب الغائب، وبديله في الانجاب أو في الأرث باستعراض كتاب "ليفي- ستروس" الموسوم "النظرة البعيدة" ومقال "العائلة" الذي يعده كلاسيكيًا، لأنه قائم على تأثير مذهب التطور البيولوجي الذي قاد علماء الاعراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين إلى افتراض أن العائلة الحديثة القائمة اساسا على الزواج من امرأة واحدة تُمثل شكلًا من تطور على خط واحد أشد تعقيدًا، خط تُميزه في طفولة البشرية ملامح متعارضة تماما كمثل "الاختلاط البدائي" و " الزواج الجماعي". أما ما يُثبت طابع هذا الموقف غير المسموع فهو تضاؤله بالاطراد مع اغتناء علم الاعراق بالمعطيات الجديدة.

وما زال يناقش "صفوان" أراء"ليفي- ستروس" وبرأي "ليفي- ستروس" قوله: تُظهر هذه المعطيات أن نوع العائلة التي تتميز في المجتمعات المُعاصرة بالزواج الأُحادي وسكن الزوجين الشابين المستقل والروابط العاطفية بين الأبوين والاطفال..الخ كانت موجودة أيضا بوضوح في مجتمعات بقيت في مستوى ثقافي نِصفُه بالأولي، أو عادت إليه. أتاحت هذه الحقيقة نزوعًا عاما إلى القبول غالبًا بان حياة العائلة موجودة في المجتمعات البشرية كلها" كما يذكرها كلود ليفي- ستروس في كتابه النظرة البعيدة في العام 1983 في الفصل الثالث، طبعة باريس. ويذكر"ستروس" أيضًا  قوله: أما العائلة على القران الدائم إلى حد يزيد أو ينقص لكنه مقبول اجتماعيصا، بين فردين من جنسين مُختلفين يؤسسان زواجًا، يُنجبان ويُربيان أطفالًا فتبدو كمثل ظاهرة كلية عمليًا حاضرة في نماذج المجتمعات كافة، ص67" ويناقش "ليفي- ستروس" فكرة العائلة الاحادية بانها مؤسسة حديثة ولكنه يخطئ ويطرح حالات نادرة مختلفة عن الحياة العائلية أي ما نسميه بالاسرة بالمعنى الدارج للمصطلح لا وجود لها على ما يبدو حيث يستشهد بمثال "النايار" الذي يعدهم علماء الاعراق مثالا ممتازًا على المجتمع الأمومي. ويذكر "صفوان" سوف اعود إلى هذا المثال نفسه لتفحصه عن قرب أفضل أن استشهد نصيا بالوصف الذي يقدمه "ليفي- ستروس" لهذا المجتمع.

عند "النايار" وهم شعب هندي كبير على ساحل مالابار، لا يستطيع الرجال الذين تستغرقهم الحرب أن يؤسسوا عائلة، ولكون الزواج احتفالا رمزيًا خالصًا فهو لا يخلق روابط دائمة بين الزوجين: يمكن للمراة المتُزوجة ما تشاء من العشاق، وكان الاولاد ينتمون إلى السُلالة الأمومية، أما السلطة العائلية وحقوق ملكية الأرض فلم يكن الزوج الممحو أساسًا هو الذي يُمارسها، بل يُمارسها إخوة الزوجة. ويناقش "صفوان" فكرة ليفي -ستروس عند"النايار" بنقلها إلى مجتمعات أفريقيه حيث تسمح للبالغين من القتيان ممن تم تحضيرهم لممارسة مهنة السلاح والتفرغ لها بإقامة علاقات جنسية وعاطفية مُباحة مع فتيات من صفهم ولا يستطيعون الزواج وتأسيس اسرة إلا في نهاية هذه الفترة القتالية. لدينا هنا امثلة تتأسس فيها العائلة الزوجية مع اختلاط تكويني يُجسد النايار مثاله الأكثر تناسقًا، ومن ثم يكمن النزوع العام الذي تراعيه هذه العائلة مراعاة واضحة تقريبًا في الاختلاط الطبيعي للرغبة الذكورية التي يرى ليفي- ستروس ظهورها من جديد على شكل أولي حتى في مجتمعاتنا الحديثة. يستنتج "ليفي- ستروس" بعد أن وجد في العائلات التي يغلب فيها تعدد الزوجات حينًا، وتعدد الازواج حينًا آخر، أن العائلة الزوجية أكثر تواترًا وأنها في كل مكان يبدو أنها تغيب عنه، يتعلق الأمر عموما بمجتمعات مُتطورة جدًا ولا يتعلق كما كان يمكن أن نتوقع بعائلات أكثر بدائية وبساطة وهذا لا يمنع وجود عائلات غير زوجيه – علينا ان نضيف إلى النايار تعدد الأزواج عند التودا في القرن التاسسع عشر وهذه الحقيقة وحدها كافية للبرهان على أن العائلة الزوجية ليست ناجمه عن ضرورة كُلية، ويتسائل كلود ليفي – ستروس إذا لم تكن كُلية العائلة نتيجة قانون طبيعي، فكيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبًا" ليفي- ستروس، ص71".

يناقش مصطفى صفوان" اراء بعض العلماء ومنهم ليفي -ستروس، ورادكليف- برون و تود وموردوك و غولييه وأخيرا يستعرض اراء جاك لاكان.

يدل مصطلح "العائلة المُوسعة " على تشكيلات تشمل عدة عشرات من الاشخاص الذين يعيشون ويعملون بأمرة سُلطة مُشتركة. ويضيف "ليفي- ستروس" ويطمئن بعض القارئات الحذرات من كونهن مختزلات إلى الدور الذي تلعبه سلع التبادل بين شركاء ذكور، مؤكدًا أن العائلة "المنحسرة" كما يصفها بالتعارض مع العائلة "الموسعه" ليست هي العنصر الأساس في المجتمع، ولا تنتج عنه أبدًا" بحسب رأيه. وبعبارة اخرى إذا كان المجتمع ثقافة، فالعائلة نفسها "هي" في صميم الحياة الاجتماعية انبثاق هذه الضرورات الطبيعية التي ينبغي التحالف معها. والكلام ما زال لــ "ليفي- ستروس" ويرى " صفوان" أن العائلة الثلاثية أو "المنحسرة" لا تصدر عن قانون كٌلي، لكن ثمة استثناءات، ومن ثم كيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبا؟ الجواب هو انها دون أن تكون نتيجة قانون طبيعي تُمثل مع ذلك قيدًا طبيعيا وهو قيد لا تستطيع المجتمعات الموجودة في اسفل سلم الثقافات أن تنفصل عنه، بينما تعرف تلك التي توجد في أعلى هذا السلم، وهذا أقل ما نتمناه لها، كما يضيف "ليفي- ستروس". لقد تجنب "رادكليف- برون" المغالطة المعنية حيث يرى في المقام الاول أن فكرة الطبيعة هي فكرة ثقافية، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة، فضلا عن أن " لويس ماران" في ترجمته البنية الوظيفية، ميز بنيوية "رادكليف- برون" الواقعية عن بنيوية"ليفي- ستروس" المتعلقة بعملية تعقيد، وتكون النتيجة الملموسة أكثر لهذا الاختلاف في أن المُعَلم الانكليزي يميل إلى تفصيل التناقضات والتشديد على تكاملها بينما يدفعها تلميذه الفرنسي إلى الحد الأقصى، ولا ننسى وصفه لشعب "النايار" الذي كما يرى العائلة فيه أحادية الزوجة، وتكون عمليًا غير موجودة عنده، حيث يتضمن هذا الوصف تمييزًا حاسمصا ايضا بين أشكال انتقال النسل الأبوي والأمومي، إلا ان التمييز بين مجتمعات النسل الأبوي والنسل الأمومي كما يعتقد "رادكليف- برون" ليس مطلقًا، بل هو نسبي، رغم أن حتى المجتمعات الأبوية الأكثر صرامة، توجد أهمية اجتماعية مؤكدة للجانب الأمومي من القرابة، كذلك يحفظ الأب وقراباته في المجتمعات الأمومية الأقوى دومًا الأهمية في حياة الأفراد. يؤكد "رادكليف- برون" أن اقتران المرأة النايار بعشيقها اقترانا عاطفيًا متينا يدوم طيلة الحياة، واظهار العاشق شغفه القوي بالاطفال. ويرى "إيمانويل تود" الذي يضع وجود العائلات الثلاثية بحسب رأيه حدًا "للتفكير بالبنية" سواء أكانت هذه العائلات في اوروبا الغربية أم على الطرف الآخر للعالم القديم، أم عند الآغاتا" وهم بقية شعب من الصيادين جامعي الثمار في جزيرة لوزون في ارخبيل الفلبين.

يرى "صفوان" ان المسلمة الأساسية في البنيوية هي ضرورة العلاقات بين مختلف عناصر البنية الاجتماعية: على العائلة، والقرابة، والدين، والاقتصاد، والتربية، والسياسة أن تتوافق لتشكيل كُل منسجم، أما "دوركهايم" فيرى وجوب ربط تصور ديني معين من التشابك الاجتماعي. أما "تود" فيتبنى شكلا منطقيا ىخر: شكل تقليدية المناطق الهامشية أو المعزولة التي أقامها علماء اللغة منذ الفترة الواقعة بين عامي 1915 و 1920 لشرح الخرائط التي تمثل اختلاف اللهجات.

تقود القطيعة مع المُسلَمة البنيوية "تود" إلى الموافقة الأكثر حسمًا من موافقة "ليفي- ستروس" على التصور الذي يُوصي به "روبير لوي" في كتابه مقال في علم الاجتماع البدائي. وفيه نجد ثبات الطابع الكوني والأولي تقريبا في العائلة الثلاثية المتكونة فقط من زوجين واطفالهما التي تظهر في هذا العمل بأسم العائلة الثنائية. يتطرق "تود" على نحو خاص إلى تناول هذا الاستنتاج من جديد في كتاب "موردوك" في البنية الاجتماعية إذ يرى هذا المؤلف أن العائلة الثلاثية تراكم اجتماعي شامل، ولأنها نموذج وحيد للعائلة المعمول بها، أو لأنها وحدة اساسية في الاشكال العائلية المُعقدة فهي تكون في المجتمعات المعروفة كلها مجموعة متميزة ذات وظيفة عالية، ويؤكد عدم وجود أي استثناء في عينة 250 ثقافة تفَحصها، وهو ما يؤكد استنتاج "لوي". وعليه ما ندعوه "1اسرة" بالمعنى الدقيق للكلمة الذي يتضمن زوجين وأطفالهما، إنما هو ظاهرة موجودة، وطالما وجدت في المجتمعات كافة. يعد "تود" أن كل كا بامكانه تأكيده على المستوى الذي بلغه في بحثه هو توافق الوقائع التي تفحصها مع مجموع من الافتراضات وأولها الافتراض الآتي: كانت العائلة الأصلية من نمط ثلاثي، نواته الأولية القِران الزوجي. ويتابع "تود" شارحًا رأيه حيث يقول: على العكس سوف تظهر الأشكال التي سبق أن عَدها علماء الأعراق الأوربيون قديمه"العائلات الكبيرة، وأصل العائلة" كانها من بناءات التاريخ، ولن تظهر في أية حالة بأنها من بقايا البدائية. ويناقش "تود" ايضا في المحل الأول آخذًا في حسبانه الواقع التاريخي، وهي الحركة العامة في اوراسيا التي تنطلق من الثلاثية إلى الذرية الأبوية حيث يرى أن تعاقب ثلاثة مستويات من النسب الأبوي "بروز البكورة الذكرية، والعائلة الأهلية الأبوية، والانحطاط الجذري لوضع المرأة" وهو تسلسل ملحوظ في الشرق الأوسط والصين والهند الشمالية.

يرفض "غودولييه" رفضًا شاملا تصور العائلة بأنها أساس المجتمع، كما يرفض الرأي المتضمن في هذا التصور والذي بمقتضاه يتكون المجتمع من مجموعة وحدات عائلية، حيث يقول: في رأيي لا يُمكن لأي مجتمع بما هو مجموعة إجتماعية من شأنها أن تتمثل لأعضائها بوصفها كلا وبأنهم يولدونها كما هي، أن يتأسس على القرابة. إنما القرابة ضرورية وإن لم تكن أساسية: فلا تخلو أية لغة حية من لفظة تتعلق بالقرابة. ويضيف "غودولييه" ليست علاقات القرابة قليلة الشان في العلاقات الاجتماعية. ويطرح مثال على ذلك شعب البارويا الشعب الذي درسه عن قرب حيث قضى بينه عدة سنوات قوله: سيكون من العبث تحديد الاقارب من جهة الأم بلفظة قرابات الدم التي قد توحي بأنهم يتقاسمون دمهم مع الطفل على حين أن دم الطفل وعظامه يأتيان من مَني أبيه، بينما يأتي روحه وعقله من أحد أجداده الذكور، أو الاناث بحسب جنس الطفل المنتمين أيضا وحصرًا إلى ذرية الأب. ويرى "غودولييه" لم يستطع الرجال في أي مكان أن يعترفوا ولم يريدوا الاعتراف أصلا بأنهم منبع المحظورات والتعليمات التي فرضوها على أنفسهم، ولم تستطع البشرية في أي مكان وخلال آلاف السنين أن تكتشف نفسها في أعمالها. تكثر التساؤلات والاعتراضات عند أولئك الذين يُثبتون كون القرابة علاقة اجتماعية خالصة، ولا شيء في مضمونها يرتبط بالجنس وبعملية توليد الحياة البيولوجية، وأي عالِم إناسة يعرف هذه الاعتراضات وعليه يجيب عليها: نلامس هذا السؤال الوجودي الذي ارادت الاعتبارات السابقة أن تُجيب عليه: هل توالد المجتمعات البشرية مُجرد ظاهرة ثقافية، أم أنه ثقافي بكلية بحسب عبارة مارشال سلنس؟ وتطرح الاجابة بالاستشهاد القرابة والعائلة عند "البارويا" الذي يقدمه "غودولييه"، فالكلمة التي تدل على العائلة في لغة البارويا هي كومينيداكا التي تعني الكل المتكون من الأب وزوجته وأولاده، ولفظة "كومي" تعني الحميع. العائلة إذا هي هؤلاء الناس في كليتهم. وظهور التضامن الواضح في هذه العائلة، ومن الصفات الواضحة لديهم ايضا منها لا توجد هيمنة الذكورية ولا سيطرة رجل على امرأة، ولا وجود مختلف، أو أنواع القيود على الاجساد، ومن المظاهر المعلنة في حالات الحزن الشديد أن يشنق الرجل نفسه حزنًا على موت زوجته، أو تشنق الزوجة نفسها حُزنًا على موت زوجها، وليس نادرًا أن يحمل أرمل حول العنق شعر زوجته الراحله وبعض عظامها، أو أن تحمل أرملة شعر زوجها وبعض عظامه المأخوذة خلال المأتم الثاني حينما تٌجمع عظام الميت لكي توضع في اشجار غابة الاجداد.

يناقش"صفوان" وضع العائلة الثلاثية التي يدافع عن جانبها الثقافي بحزم دفاع "ليفس -ستروس" لكن ليس دون أن نشاركه داعمين رأيه القائل بأن هذه العائلة تدين للطبيعة" باختراع البشر العاديين" كما يستنتج في نهاية تحليله بعض المعتقدات الاجتماعية التي تتعلق بحمل الطفل، يفترض إذًا بصورة عادية العلاقات الجنسية في كل مكان. وحين العودة الى ما يمكن تسميته بنقاش"مالينوفسكي -فرويد" يُعطي فرويد الحق لأن "عقدة أوديب" كما يقول مستشهدًا بأندريه غرين ليست مبنية حول علاقات سلطة، بل حول علاقات الطفل مع ذاك الذي يُضاجع أمه. ولكن فاتته ملاحظة العكس: اذا كان الأب الحقيقي يُضاجع الأم، فإن من يضاجع الأم ليس الأب بالضرورة، ونحن نعرف الآثار المُزمنة التي يتحملها طفل يُشارك في تجربة لا يعرف أن يستشعر خلالها الدلالات التي يعنيها عدم الاخلاص والخيانة، وبعبارة أخرى ما يتركه "غودولييه" جانبًا في تحليلاته الضيقه، هو ببساطة المعنى الذي يستمده اسم الأب ليس من معرفتنا البيولوجيه، بل من نظام الاعتراف الرمزي الذي تقوم عليه الثقافة.

ويطرح التساؤل فكرة التقارب بين الجنسية عند البشر وكذلك الجنسية عند الكائنات الحية الاخرى، إنما هو ضرورة الاتحاد الجنسي بما هو شرط تجديد الحياة، وهو بحد ذاته تتكفل به الطبيعة، ومستمرة حتى تهيئة فصل للشبق بين الجنسين، والحال أن ليس للشيق فصل عند البشر، هذه الحقيقة لم تمنع " كارل ابراهام" من صياغة نظرية عن تطور الشهوة- الرغبة الجنسية "اللبيدو"، التي تبلغ ذروتها في المرحلة التناسلية، وأثبتت التحليلات هذه النظرية بوصفها التعبير حتى عن الواقع، أي ما كان يعرف أو يعتقد أنه كان يعرفه أصلا. لم يرَ أي محلل نفسي باستثناء "لاكان" أن الأكثر ثورية مما حمله التحليل النفسي لم يكن اكتشاف الجنسية عند الطفل، بل اكتشاف طابع الجنسية البشرية غير التناسلي، لا بل الرمزي.

وجد "لاكان" زيف كل زعم بدراسة الإنسان لا يُراعي انغماس "انصهار" إندماج" الإنسان في اللغة، ووجد أيضًا زيف اقتصار آثار هذه المراعاة في اللغة على توليد عقلانية منطقية.

اللغة وسيلة اتصال بين البشر وجميع الناس يقرون بذلك، فضلا عن أن اللغة تنقل قضايا إيجابية وسلبية، وهي تنقل طلبات وحاجات مقابلة، حيث يميز "لاكان" ما تحت الطلب" يقصد هنا ما تحت الطلب هو الطلب غير المٌعبر عنه، الخاص بالرغبة في الجسد"، يقصد هنا هو طلب مختلف عن الحاجة وما فوقها من حيث هو طلب حب، من غير شروط، لا يستجيب له أي موضوع مع انه قد يجعلها رمزًا، لكن اي شريك جنسي لا يكتفي بأن يختزل إلى موضوع حاجة ولا بأن يعاد وضعه ببساطة على قاعدة تمثال الحب.

تقتضي الاجابة على هذا السؤال إعادة النظر في مسألة اللغة من زاوية أخرى غير زاوية علاقتها بالطلب، أعني انها تفتح الباب على سؤال الكينونة فتدخله بطريقتين: أولا من جانب الاختلاف بين الاثبات والنفي، إذ يرجع كل من هذين المصطلحين إلى ثنائية أخرى، ثنائية الصح والخطأ، وتعرف كلتاهما بالرجوع إلى ما تكون الحالة وما لاتكون، إنه المعنى المسمى"وجوديًا" وهو مصطلح غير ملائم، لأن الشيء الذي لا يوجد يجب أن يمر عبر اللغة مع احتمال تأثره فيها بالنفي، أما الجانب الآخر فيتعلق بما يدعى بالمعنى الإسنادي لفعل الكون، ويمكن في ارجاع الدلالة إرجاعا لا نهائيا إلى دلالات اخرى، فليس ثمة من دلالة لا نهائية حتى إن على نظام بديهي أن يترك هامشا لبعض الدلالات غير الموصوفة، وينطبق الأمر نفسه على الذات الناطقة: فالبحث عن معنى أو هوية تمنح كينونتها معنى، إنما ينتهي دوما بتعيين، والجزء الاكثر مادية من الكينونة يفلت من المعرفة وهذا لا يعني انه يفلت من الوجود، وإذا كانت الحالة كذلك ينقلب النقص إلى نقص لاشيء، والحال أن فرويد بدون فلسفة اللغة لكن بصدق نفسي مدهش، اكتشف في نقص الكينونة الموضوع المفقود في حد ذاته الذي هو سبب الرغبة. يجيب "لاكان" مبينا أن القضيب الرمزي لكونه دلالة على الاستعارة الأبوية، هو في الواقع موضوع مفقود في حد ذاته، بمعنى عدم ظهوره في الصورة المرآوية إلا بصفة نقص ويشار له برمز خاص عند لاكان. وأزاء ذلك تصبح الذات من دون هذا النقص معلقة بهذه الصورة الهاربة، لكنها لا تخدمه بأقل مما يُفكر الآخر، انه الخصاء الرمزي من خلال هذا الحرف الأول من الكلمة الذي يُحيي في المتكلم "الماهوي" أيا كان جنسه، رغبة غيرية. وخلاصة القول أن الرغبة إذ تطبع على الجنسية البشرية توجها إلى ما بعد صورة الجسد الخاص، أو الموضوع المنشود "يذكر اسفل الصفحة مثال الذات، فالفرق بين الأنا الواقعي والأنا في المرأة، أن "الانا" في المرآة هو المكان الذي تتخيل فيه الذات أمثلة من العظماء والزعماء ترغب التوحد في الزعيم من حيث هو الموضوع المرغوب.

ويؤكد "صفوان" مثلما قلبت اللغة نظام الحاجات بتمريرها عبر عُروض الطلبات، شكل الأوديب المُواربة التي يفضلها يُقاد المتكلم الماهوي" أعتقد يقصد المترجم بترجمته المتكلم الصامت" إلى توظيف شخص آخر من الجنس نفسه، أو من الجنس الآخر بوصفه موضوعًا سببًا لرغبته، الموضوع الذي يجد فيه كينونته. ويقول"صفوان، ص 54" لم تنجح عملية تخطي الأوديب النجاح المرغوب ولم نتعامل في التحليل سواء أكان مَرضيًا أم تربويًا، إلا مع حالات أوديبييه غير ناجحه، يقول "فرويد" إن التوتر بين الأبن والأب لم ينته أبدًا نهاية تامة، وما لم ينته أبدًا فيما أحسب هو الخلط بين الرغبة والطلب، لأن الرغبة ليست سوى إخفاء الطلب، وما الطلب سوى نقص تملؤه موضوعاته الموصوفة بأنها جيدة. يقودنا الرأي هنا إلى أن الشخص المنتمي إلى الجنس القوي، المتمكن، والمعتقد انه تخطى بانتمائه نقص الكينونة، هو عضوه الجنسي إلى حد تحويل نرجسيته إلى نرجسية قضيبية، ذلك أن هوى السلطة والقوة الذي يمنحه امتلاك الهبة، والهبة المقابلة الذي يملأ مجال رؤيتنا وكذلك امتداد دال "الهبة" الاستعاري إلى أجزاء الجسد الخاص، يثبت كما هو لغات الأرض قاطبة أقول هذا الهوى هو توأم النرجسية، حيث تمتد قوة هذه الاستعارة حتى الجسد الخاص الذي نتحدث عنه كما لو أنه ملكيتنا، "تملك" جسدًا وفي الحقيقة نحن لا شيء من دون هذا الجسد، وبقدر ما تستلم البنت أيضا لهذا الخلط بين الكينونة والتملك، بين الرغبة والطلب، حيث تثير الرغبة في القضيب الذي يظهر أن جماعة الذكور مُزودة به، أو على الأقل تُعوض عن غيابه بما تمنح صورتها أمام المرآة من عناية خاصة، فالنرجسية النسائية المشهورة نظير النرجسية القضيبية الذكورية الأقل وهمًا. يسأل "موريس غودولييه" مشيرا في خاتمة كتابه إلى ما يحدث في أيامنا " ثقافة الطلاق، ومراقبة الولادات، والزواج المثلي، والانجاب بالمساعدة..الخ عما يُمكن أن يكون رأي "فرويد" و "لاكان" في ذلك، أتخيل أن فرويد كان سيجيب بأن عقدة أوديب تصدر عن كلية الأسرة، أو العائلة الثلاثية حيث تربي الطفل أم، حتى لو ميزها عن الامهات الصغيرات، أب حتى لو ميزه عن الاباء الصغار، انه إذا أب يعني له حتى الاسم عالم القانون حيث يتماشى المحظور والمسموح ولا يتعارضان، اما الباقي فسوف يدعنا فرويد نأخذ على عاتقنا أمر مواجهة نتائج اندثار هذه العائلة. أما "لاكان" بالتأكيد سيرى فيه إثباتًا لما قاله دومًا، أي عدم وجود علاقة جنسية.

3. البيت والمعبد:

يمكن ان نستخلص من الفصل السابق فكرة مؤداها. بدل أن تعد العائلة الثلاثية قمة تقدم مستمر نحو الحضارة، يعرف الآن بفضل أبحاث بيتر لاسليت ومدرسته في كمبردج بانها ظاهرة شاملة، فضلا عن أن الجنسية الطفلية المبكرة تسبق فهم الطفل لطابع العلاقة الجنسية بين والديه، وسوف نسلم بأن الاوديب الكائن في مضمون هذا الاقتران بين الجنسية الطفلية وجنسية الوالدين يسهم في كلية العائلة الثلاثية. وهذه الكلية لم تمنع الثورة الصناعية من أن ترسخ هوة في الزظيفة العائلية، حيث نقلت من تنشئة الفرد بوساطة العائلة، إلى فردنة" تفرد" المؤسسات الاجتماعية كلها بما فيه العائلة. والسؤال ما هي نتائج هذا التحول الكبير؟

تعد التربية هي المناهج التي بموجبها ينقل المجتمع آدابه وأعرافه، ومعتقداته فضلا عن أشكال نشاطاته الاقتصادية والعسكرية والحرف، ولضمان هذا النقل، أُسس المجتمع الذي تقوم عليه العائلة "الثنائية" كما سماها "لوي" العائلة التي تشكل استنادًا لتعبير "غودولييه" وهو أول مكان ينشأ فيه الطفل اجتماعيًا.

يطرح "صفوان" فكرة هي ما حقيقة امتلاك عدد كبير من الاجنة المجمدة حاليًا إلى درجة الحيرة في كيفية التصرف بالبرادات التي تخزن فيها، فيبدو انه يتفق مع رأي سابق أطلقه "جاك لاكان" ولم يرضى البعض عنه، مفاده ان الجنين المحصور في مشيمته ليس جزءًا من جسد الأم، بل يحتويه غلاف خاص. ومهما يكن الأمر فالطفل في الواقع يُحيط باكرًا جدًا وجه امه ويحتفظ له باستقبالٍ لا يحظى به وجه آخر إلا بصعوبة، كما انه لا يناديها لاحقًا بالاسم نفسه الذي يستخدمه لمداء امراة أخرى، يمكن أن يكون للطفل عدة "امهات صغيرات" كما في القرابات التصنيفية، لكن أسم الام وحده لا يُعين إلا أمه مثلما أن ضمير الشخص الأول لا يعين إلا المتكلم، وباستثناء هذا التعيين تتعلق استخدامات هذا الاسم كلها بالاستعارة، واشهرها استعارة "أمومة" الأرض برمتها، الأرض التي تغذينا، وإليها نعود. وكأن هذه الولادة لم تحدث دون أن تترك تخييلًا تُحققه استعارة العودة خيايًا وتدل عليه في الوقت نفسه، كأية استعارة. أما إذا لاحظ احدٌ وجعل من نفسه محامي الشيطان، فإننا لا نعود إليها نظرًا لعدم خروجنا من أحشائها على طريقة العمالقة، ونحن ننفصل فقط عن المشيمة التي نرميها عمومًا دون كثير من الضجيج. أما في اميركا يستخدم تسمية الجامعة استعارة الام المرضع Alma Mater

"الما ماتير" أنهم بارعون على الصعيد الاقتصادي، من الواضح تماما أن ارضاع حليب الام في الحرم الجامعي أقل كلفة من إرضاعه تحت الارض.

تعد علاقة الأم – الطفل أحيانا علاقة بيولوجية، غريزية، او تتصل بحب غريزي، ويكون طابعها نرجسي، أما وجهة النظر البيولوجية فيكفي أن نأخذ في الحسبان الويلات التي تتولد حينما تشعر امرأة حامل بان وجود الجنين في بطنها مجرد وزن، وواقع خالص لا تصل إلى ترميزه كي نعترف بأن البيولوجيا ليست حاسمة في حمل الكائنات البشرية، ومن جانب آخر هذا الكائن البشري يعد مخلوق صعب يميزه هذا الملمح البيولوجي المُضاد، مخلوق لا يتسامح مع الحياة إلا بشرط أن يكون محبوبًا، وأن يحيا في ذاته. وحين يحرم من أي حب وأية رمزية في بداية حياته فانتم تحرمونه من "زخم الحياة"، أما أن يتسم هذا الحب الامومي بطابع نرجسي فهذا يعد مكافأة على فترة حمله، ومن جانب آخر هذه النرجسية لا تعني أن حب الأم الذي تمنحه طفلها يُختزل بحبها صورة اخرى تجد فيها أناها المثالي: مارلين مونرو إنموذجًا، أو مدام كوري إن كان الأمر كذلك، ولئن وجدت نفسها من جديد في طفولتها وهي لا تفتقد ذلك، فالسبب أن هذا الطفل شيء يأتيها مما وراء صورتها في المرآة من نقص الكينونة الذي سماه "لاكان" " الخصاء الرمزي" المتعين بعلامة ()، وإذا لم يندفع اللبيدو كله في الموضوع المنشود () ، فيسبب ذلك أن الموضوع المنشود()، ليس كل شيء.

يتسائل "مصطفى صفوان" هل يعرف هؤلاء الأطفال عقدة أوديب؟

نعم.. لأن الجنسية الطفلية ليست ظاهرة مقصورة على مجتمعاتنا التي تشعر بالرفاهية، طالما أن المجتمعات البشرية يتعرفون على لعبة الاكتشاف الجنسي والاغراء والاستعراض فإنهم سيتعرفون عليها، حتى وإن كان عليها حظر قاسي، اما مجتمعات الرفاهية فتستعين بالانكار، ويضيف"صفوان" أن الألعاب الجنسية بوصفها خيالات على مزاج الرغبات والاذواق مهما كان تاثيرها وشدتها وجاذبيتها -شيء من الرغبة- إذ تعرف الرغبة بأنها اختيار موضوع، اختيار تظهر فيه الذات مبدئيًا، وعليه إذا وجد الموضوع الذي يمثل لهذه الذات الخير الاسمى، وهذه هي تماما حالة الأم في الطفل، فلن ينفي هذا الموضوع، أن يوظف نفسه كي يكون موضوع هذه الرغبة. هنا ينبغي أن نلاحظ بدقة أن الرغبات المعنية ليست رغبة تبحث عن تحقيقها، بل على العكس، تبدو آليات الدفاع كلها دفاعات ضد هذه الرغبة التي لا تتعلق في نهاية المطاف إلا بما يدعوه فرويد " أمنية" أو كلمة التمني "يا ليتَ" كالقول ليتها أُمي. أما المصاعب مع القانون فلا تأتي كما نتخيل مع أن القانون الذي يمثله الأب يفصل الذات عن موضوعها الأولي، بل تكمن في الثبات على الموقف الذي يحجز الذات" حيث يعلو الصوت قائلًا: " إنما الكون عيب في نقاء العدم" عيب في نقاء المتعة" جاك لاكان" وهذا يعني أنه مثلما يقصر الموضوع المنشود () عن امتصاص الوجود، يقصر الكون عن امتصاص المتعة التي ترى عيبًا في نقاء العدم، ويبدو أن "لاكان" يجري هنا تمييزًا آخر يكاد يكون افلاطونيًا بين المتعة الخاصة الناتجة عن الخبرة، والمتعة في ذاتها، أو فكرة المتعة.

علينا التمييز بين الموضوع والدال، لنتخيل ساعة عجائبية لا تقتصر على تحديد الزمن، لكنها تحدد ايضا تواريخ أحداث مستقبلية، إلا أن عدم امتلاك هذه الساعة غير الموجودة لا يمنع الذات من التطابق مع الدال الذي يرفضها حيث يقيم كونه الرمزي، ولا يمنع التنبؤ انطلاقًا من هذا التطابق الذي هو كأي تطابق آخر، تطابق مع الدال.

أما فكرة القضيب الرمزي فظهرت خلال العصور القديمة حيث انتشرت في كل مكان وظيفة تمثيلاته بوصفها رموز حق التمتع بمُمتلك معين بصفته ملكية خاصة مثل البيت والمزرعة والسفينة. أما "جاك لاكان" فجعل من هذا القضيب الرمزي بالاستعارة الأبوية، الدال على القانون السيادي في التمتع من حيث إنه يعادل أسم الأب، وبالفعل يعود ظهور الأب بمظهر ذاك الذي تنتمي إليه الأم، بحسب قول فرويد، إلى ظهوره ظهور الذي يُباح له أي موضوع. وإذ تتطابق الذات مع هذا الدال الرمزي، لن تكون إلا مفرطة الحساسية للعملية المتكونة من الانخراط في الكلي الذي يشمل المشترك بين البشر الفانين تحت شعار الخصاء الرمزي.

 أما الخصيصة العظيمة في المجتمعات البدائية فتقوم على أنها لا تترك الذات وحدها في مواجهة القانون الذي يقلص حقوقها في التمتع ومواجهة عواقب رفض القانون، أولا هذه المجتمعات منظمة على نحو يجعل من الصبي "الذكر" رب عائلة جديدًا، ومن البنت زوجة وأمًا مستقبلية، فضلا عن أن استقلالل الرمزي معروف تمامًا من حيث هو كوَنٌ يمتاز بوجود مقدس، وإن لم يكن مُمميزًا من الناحية النظرية، كما أن البشر الفانين يتساوون في أخوة نقص الوجود، أو الخصاء الرمزي من وجهة نظر هذا المجال الذي يتناسق فيه الرمزي مع المقدس، زخلاصة القول يقوم تنظيم المجتمعات البدائية على الفصل الواضح، والوجودي بين الخاصيتين الرياضيتين اللتين تُعرفان اللذة الجنسية بحسب "لاكان": الفصل بين من يضع وجود المجهول( ×) الذي يستثنى من الخصاء ومن يضع كُليته انطلاقًا من هذا الاستثناء نفسه كما يراه "مصطفى صفوان" في كتابه اللغة العادية والاختلاف الجنسي المنشور في العام 2009 في باريس"، وقلما توجد طريقة لتجنب تشابه التطابق مع مجهول ( ×) الاستثناء حيث يكمن الوهم "هوام" الاساس، الوهم الذي تنطوي السوداوية "الحداد" على مأساوية قوة صرخة النحيب المُعلنة في المعبد، أن الإله "بان" قد مات، قمة هنا دعوة إلى بعض الحذر من الاستبسال في دفع كل تحليل إلى نهايته حتى لو سُميَ ترربويًا، فلا شيء يضمن في نهاية المطاف أن يفضل أوديب الموت على خلعه عن العرش، ولم يؤلف فرويد كتاب ما فوق مبدأ اللذة عبثًا.

يستعرض "صفوان" باختصار مأساة هاملت في التيه على غرار والده الذي تاه في المطهر بين الجحيم والجنة، في مطهر سؤاله المُلح عن المتعه القابعة في قعر جنسية هذه المرأة.. أمه، التي تواطات مع عمه في جريمة قتل والده الملك. هاملت مسرحية تراجيدية تجري أحداثها في المجال اليهودي- المسيحي، بينما تتوجه مسرحية أوديب الملك إلى مواطنين يمجدون آلهة مدينتهم محتفلين بهم في الأعياد، لكن شكل العائلة البطريركي مُهيمن في المجتمعين. وفي الحقيقة أن ظهور هذا الشكل العائلي الذي بلغت ذريته مبلغًا جعلها تنتشر في اغلب المجتمعات البشرية، لا ينفصل عن أول ثورة كبرى في تاريخ البشرية، أصبح البشر هم أنفسهم مُنتجين، بدل أن يعيشوا حياة تعتمد على ما تنتجه الطبيعة، والقصد هنا الثورة الزراعية. وعليه يقول "ايمانويل تود" أن كل عنصر من عناصر الحضارة الأربعة الأساسية "الزراعة، والمدينة، وصناعة المعادن، والكتابة" يكشف قوة متأصلة من التوسع، وفي واقع التاريخ أصبح بوسع الشعوب التي كثفتها الزراعة، ونظمتها المدينة، وزادها تصنيع المعادن تقنية وقوة عسكرية، أن تؤثر في المجموعات البشرية المُجاورة، أو أن تحل محلها. ويرى "صفوان" إذا عُد شكل السلالة الأبوية للعائلة يُميز إلى حدٌ ما الحضارة القائمة على هذه الثورة الزراعية، يبدو أن العامل الأبرز هو تدجين" تَكيُف" الإنسان نفسه، أعني ابتكار المنزل. واظهرت بالفعل التنقيبات في قرية غور الأردن الأعلى في العام 1955 التي قام بها "ج.كوفان" حيث أظهررت فكرة جديدة عن التمدن ما قبل الزراعة في الشرق الأدنى، وحفزت هذه الكشوفات كششوفات أخرى في المشرق الجنوبي وعلى نهر الفرات، أظهرت أول الفلاحين المستقرين في المشرق بأنهم"قاطفو الحبوب" الذين هم المتخصصين بجعلهم هذه النباتات ثروة أساسية. فضلا عن بناء البيت الاصلي، وهو مجرد خندق، رغم إن الإنسان كان بعيدًا عن إمتلاك فن البناء الذي يتصدر العمارة المستطيلة. يقول "صفوان" ما يهمنا هو تأسيس شكل سلالة العائلة الأبوية، فاصبح الأب رب العائلة، وصارت سلطته مثلما استطاع بيترج ويلسون أن يعبر عنها "بلاط النظام القديم" سليل مختلف جدا عن شكل القيادة البطريركي الذي يجب البحث عن "شكله الأولي" في سلطة سيد وسط جماعة أهلية. ويمكن اختصار ذلك بالقول أن رب العائلة ورئيس الدولة أبناء عمومة، غير ان ماكس فيبر هو الذي يُعبر بالطريقة التي سوف تعيننا على أن نخلص بأفضل ما يمكن أهمية هذا المقطع عن شكل العائلة البطريركي: يوجد أصل كل إدارة في السلطة المنزلية، ولما لم يكن لهذه السلطة المنزلية من حدود في الأصل، لم يتمتع أولئك الخاضعون لرب الأسرة بأي حق شخصي، وهكذا كانت العدالة الرومانية القديمة تتوقف بوضوح وبساطة على عتبة البيت". بدأت المشكلة خلافا لتأكيد فيبر رغم توقف العدالة الرومانية القديمة على عتبة البيت واستسلام العائلة الحتمي لسلطة الأب المنفلتة، بل على الضد من ذلك تُجسد قانونا أبعد ما يكون عن أن يطبقه مجتمع خاص، سواء أكان رومانيًا أم غير روماني، لكنه يُرسي دائم المجتمع البشري كما هو ويسعنا القول إنه المجتمع الذي اكتشف فيه ليفي – ستروس نشوء الثقافة: قانون تحريم نكاح القُربى. والسؤال أي نكاح قُربى بالضبط؟

رأينا الحرية التي تطلب المجتمعات معها، في هذا المجال قوانين لا تختلف بين مجتمع وآخر وحسب، بل تختلف اختلافات الطبقة، أو المستوى وسط المجتمع ذاته، وفعلا مثلما تتوقف العدالة الرومانية على عتبة البيت، يتوقف اختلاف نُكاح القربى أمام تحريم نكاح الأبن / الأم اذي يشير ثباته الكلي إلى المكان المركزي والأساسِ، حيث تتخذ قوانين التحريم ونكاح القربى الأخرى، في نظره طابعًا عابرًا على الارجح إن لم يكن عشوائيًا. وفي الحقيقة قانون يتوجه إلى الأم لا إلى الأبن. فالمرأة التي تجامع أبنها، تُعيده إلى رحمها، مع ما يمكن أن تعينه هذه الإعادة بوصفها عودة إلى المَهد، إلى البيت الأول، مما يُمثل "الغربة" أو الموحش الذي لا حدود له، لكنه الموضوع في مركز العائلة، ولنبقى مع ذلك مع الفتى الذي هو ضحية جنسية محرومة من أية قيمة حيوية، لكنها ليست محرومة من قيمة الموضوع، لأنها تتوجه في المقام الاول إلى تلك التي تُجسد الحب في نظره: أي أمه.. فثمة مواقف تُهيمن فيها الأم وحدها على أبنها، ويقول "صفوان" هذا ما يحصل مثلا عندما يفكر زوجها أنه برأ نفسه من مهمته بمنحها ابنًا صغيرًا يتركه لها دون اهتمام كشيء بات ملكيتها الشخصية،ويرى "صفوان" هذا الموقف يدفع الفتى أحبانًا إلى أن يصبح مُتحولًا جنسيًا.

كل شيء يحدث إذًا كما لو أن الفتى المحروم من نقص الكينونة، بمعنى المخصي رمزيًا، كان مجبرًا على أن يُخص "خصاء" نفسه بنقص لابد منه ليضمن فيه بقاء رغبته، ومرة أخرى أيضا يعود ممنوع الرمزي إلى الواقع، إذ تكون الجنسية المبكرة ظهور الذات الناطقة المُبكَر كما هي، وهنا ربما تلامس سبب وجود هذه الظاهرة الغريبة، ففي مواجهة أم لا يكبح رغبتها أي قانون، سيختزل وجود الفتى وإن كان مزودًا بقضيب ينتصب بدون داعٍ مفهوم، إلى وجود موضوع خاضع لغيريةٍ سيادية، حيث يتوثق الرابط بين الجنسية والحنان. رغم أن الخلط بين الرغبة والطلب خطأً جنوني كخطأ الخلط بين الأبوة والسيادة من خلال إيلاء سلطة القانون إلى الأب الحقيقي الذي هو وكيله كما شدد "لاكان" باستمرار. وقوله ايضا "صفوان" أن إيلاء سلطة غير مسؤولة إلى أب متخيل علامة عى إخفاق الأوديب. وهي أيضا تحكم ايديولوجية الزعيم، الايديولوجية القائمة على هيبة الملك الشمس. وخلافا لهذه الايديولوجية تبدو الحقيقة الآتية: مثلما تتوقف العدالة الرومانية القديمة على عتبة باب البيت، تتةقف سلطة الأب على عتبة قانون تحريم نِكاح القربى. أضف إلى ذلك مثلما تنبع وظيفة عُقدة أوديب من الدخول في العلاقات الإنسانية ومن إدخالها للمرة الأولى مفهوم القانون المكتوب في اسم الأب، ينبع تخطي الأوديب الذي يُخلص الولد من حب أمه- أو بعبارة أخرى وظيفة الأب الحقيقي – من ادخال الشخص في مجال علاقة بالقانون لا تنبني على إملاء القانون، بل على أخذه في الاعتبار، وهذا ما أدى إلى تقسيم العائلة البطريركية لم ينته بجنون عام، إذ أنشأت الثورة الزراعية بفضل العمارة المستطيلة، المعبد إلى جانب البيت.

المعبد هو الشاهد البصري، لذا لا وجود لمعيار الشرعية النهائي، فالاعتقاد أن المصطلحات الدينية هي نقل مفاهيم إنسانية، كمفهوم الأب مثلًا إلى الصعيد اللاهوتي ببيان انعطافه من الرمزية الخاصة إلى اللغة، وضمن هذا التوجه تتكون دراسة لاكان التي تناولت عُقدة أوديب من اعادة علمنة اللاهوتي، فقد صار من حق الناس أن يبنوا معهدًا بدل المعبد، وليس مصادفة أن ينتمي كل من فرويد ولاكان إلى الحضارة ذاتها، حضارة تُفرغ العائلة التي خلقتها الثورة الزراعية من معناها، أي الثورة الصناعية فبين الرجلين اختلاف في التأثير يعود إلى ما عاشاه في فترات مختلفة من هذه الحضارة.

يتلخص إيمان "فرويد" بسلطة إله اللوغوس الوحيدة في أنه لم يشك في قيمة آلية العقل فحسب، بل يشك خصوصًا بالقيمة الديكارتية في أن قيمة العقل منبع المبادئ الببديهية التي تضمن اتفاق الناس جميعا، وتمنح الحياة معنى، وبأسم هذا العقل اقتنع ببان إيمان البشر بالله لا يقوم إلا على حاجتهم الدائمة إلى أب تحميهم قدرته الكلية من الطبيعة. أما "لاكان" منُظر عالم "محبط" فأراهن على أنه كان يستسلم بفكرة أن ضروب الخطاب القائمة على العلاقات بين المفاهيم اللاهوتية والدنيوية لا تصدر أي حكم مسبق على قضية وجود، أو لا وجود موضوعاتها اللاهوتية والدنيوية، وإنها ما أن تتخطى مجال الواقع المحسوس حتى تتوقف المعرفة النظرية على عتبة هذه القضية باستثناء بعض علوم الرياضيات التي يرتبط فيها الوجود مع ما يسميه كيركجارد " قفزةُ الإيمان"، ومهما يكن الأمر سواء تصورنا الطرف الثالث مع فرويد، قدرة إلهية، أم منبع الشرعية النهائي مع "لاكان"، سنتفق على الآتي: إذا قكر مجتمع من خلال مغامرة مزعجة في أن يضع فلانا في هذا المكان الثالث فهو لا محالة مستسلم لما يقترب من أزمة ذهانية.

الباب الثاني: اليوم

4 – من المعبد إلى المخبر، أو الأب بوصفه شيئًا جزئيًا

بعد سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في العقد السادس من القرن العشرين تعاظمت مشاركة المرأة في العمل ومع تحول الاقتصاد شيئًا فشيئًا إلى اقتصاد خدمات حيث يتقاضى الموظفون رواتب متنية مما يجعل فكرة الرجل الذي يتحمل وحدة نفقات العائلة فكرة غير ملائمة، وأثتاء ذلك نشر بيتي فريدمان في العام 1963 كتابه التصوف الأنثوي حيث عبر "كارلا.ب. هاكستاف" عن سخط نساء الطبقة الوسطى من البيض، حيق تلوم بيتي فريدمان المجتمع الذي يشمل وسائل الاعلام والمربين وعلماء النفس الذين روجوا لكتاب التصوف الانثوي، وخنقوا تطور النساء، ومنعوا مشاركتهن في الحياة العامة. أما المحظورات المتعلقة بحبوب منع الحمل، والاجهاض، والطلاق، فقد انهارت خلال السبعينات، وأول ولاية امريكية أضفت الشرعية على الطلاق كانت كاليفورنيا في العام 1970، أذ لم يعد التركيز منصبًا على عقد الزواج، بل على المعايير الفردية في الاتفاق الشخصي، وهكذا حل التعايش محل الزواج المنفصل، وفي العام 1972 اعترفت المحكمة العليا بدستورية حقوق الأباء غير المتزوجين، ومن ثم أعلنت أن العائلة مجموعة من الافراد الاحرار المستقلين، وهكذا جردت العائلة قانونيًا من المسؤوليات التي كان معترفًا بها وإن كان أسميًا.

ظهر أسلوب لغة فردية مع ثقافة جديدة كما تقول"كارلا هاكستاف" تنتشر معززة بالكتب والنصائح والعلاجات، ومجموعات دعم حول موضوع الزواج والطلاق وتكون هذه الظاهرة ذات معنى، فبين عامي 1975- 1985 زاد عدد أطباء النفس بنسبة 40% وعلماء النفس بنسبة 80% والعاملون الاجتماعيون بنسبة 140% والمستشارون في قضايا الزواج والعائلة بنسبة 376%، وفي عقد واحد فقط زاد عدد الممارسين الذين يقدمون خدمات الصحة العقلية أكثر من 100%. يحاول "صفوان" في عرضه هذا تقلبات العائلة المبنية على الزواج، أم ما يستطيع استخلاصه هو انعدام الحاجة إلى الزواج لإنجاب الأطفال، وسوف يبين الزمن القادم أن الزواج لا يتطلب اقتران فردين من جنسين مختلفين، وبعبارة أدق العائلة المسماة "أحادية الوالد" وهي فكرة تأسيس عائلة لا تحتاج إلى الزواج، بل يكفي الحصول على طفل، وفي إمكانالعلم أن يقدم هذا الطفل لأي أحد يُطالب بحق أن يكون له طفل، وبامتلاكه وسائل الحصول عليه، ويضيف"صفوان" أما ما يستحق أن يؤخذ في الحسبان فهو تسويق الطفل، والمفارقة التي يكونها عُد هذا الطفل هِبه الحب السامية.

واستمرت الأمور تسير بشكل طبيعي في ما يخص الولادة، والاجهاض فأبيح في العام 1976، وكذلك تغيير الجنس، والعقم، والتعقيم المانع للحمل في العام 2003، وهذه الممارسات الاجتماعية كلها موجودة وسط العالم الطبي قبل تأسيس بنك المني في العام 1978، وبدأ تكوين أطفال الأنابيب قبل عشر سنوات من قانون عام 1974، وأجري التعقيم قبل قانون عام 2001، هذا ما عرضه "دومنيك ميمي" ويقول: دكتور صفوان" ثمة ملاحظة أخرى أكثر أهمية ندين بها للكاتب نفسه تتعلق بما يدعوه " الادارة العامة للسلوكيات" التي تمثلها منذذ أوائل الثمانينات اللجنة الاستشارية الوطنية للأخلاق، القائمة على "تحول في هذا الوسط بين سلطة "الـ " أخلاق التي تفرض الحظر في هذه القضايا لأنها مثل السلطة السياسية، شديدة الحزم، والإلزام و" السلطة الأخلاقية" التي ستكون مرغوبة جدًا لأنها تقترن بالاستجواب. ومن أعمال هذه اللجنة المتميزة في مجال اللغة هائلةوينتج عنها عدم نزوعها إلى السلطة، وغنما تقديم المشورة، هذا النشاط الذي من شأنه أن يكون حوارًا تنويريًا يجريه مع رجال الفن، ويتمتعون بالقدرة على المراقبة الذاتية. "قد تشير هذه الظاهرة وتلك كما يكتب "ميمي" إلى الشيء نفسه: استبطان العقل المتعاظم في الممارسة الاجتماعية، عقل برهاني هنا، وعقل برهاني وعالم هناك. ويقول" صفوان" إذا تساءلنا عن آثار هذه "الحكومة من خلال الكلام" سيكون الجواب أن الدولة هي الكفيلة اليوم بتنظيم القدسية الجسدية النسبية، وهي التي تفوض الأطباء بهذا المكتب يوميًا.. واعتادت الدولة في فرض المحظورات على التعليم القديم، واستبدال الابتكار بمبدأ يتمتع بحد أدنى من التعالي: الطبيعة، ويكون دور الطبيب العامل الآخر في وضع مراقبة استبطانه دون أن يجسد حقًا مبدأً نهائيًا ينبغي احترامه، وبقدر ما تتكون مهمة هذا الكاهن العلماني، الطبيب أو عالم النفس من ضمان انسجام مجتمع يُعرفه أفراده الأحرار والمستقلون، تنتهي بالإخفاق لأنها تقوم على خداع "العقل المؤله" الذي يصفه نوبير الياس أفضل وصف بهذه المفردات: "أما تمثيل "عقل" أو "عقلانية" التقليدي الذي يُمكن أن يعطي لكل إنسان بالطبيعة، ويكون خاصة عفوية للجنس البشري مضيئًا باستخدام كامل محيطه كنور منارةٍ فلا يلائم ما نلاحظه عند الإنسان في الواقع، وهذا رأي نوريبر الياس في العام 1987. ومع ذلك ما حدث بفضل ازدهار البيولوجيا الوراثية، هو تحويل الطبيب من " كاهن بلا إله" إلى كاهن السوق. سهلت تقنيات المساعدة في الانجاب التي توالت منذ نهاية السبعينات، حيث ولد في العام 1978 أول طفل خررج من التخصيب الأنبوبي. ويتكون التخصيب الانبوبي أولا من استئصال البيوض مع سائلها بعملية تداخل جراحي، صعبة على المراة إن لم تكن خطرة كما عبر عنها "هنري كريلي في العام 2016"، تستمر هذه العملية بين عشر دقائق وعشرين دقيقة ثم تنقل البيوض إلى المختبر حيث تُعين وتفصل عن السائل المنوي، يتم الزرع باستبعاد السائل والخلايا المنوية التالفة مما يعطي منيًا "مغسولا"، بعد ذلك تترك البيوض والمني بعد تحضيرهما بهذه الطريقة حوالي ثماني عشرة ساعة، وهكذا تنتقى كل بيضة مُلقحة وتوضع في وسط مُهيأ لتطورها. في اوروبا تترك الاجنة يومين كي تتطور في الانابيب، أما في الولايات المتحدة وكندا واستراليا فتترك على الأقل ثلاثة أيام، لا بل خمسة أيام أو ستة أيام، وعلى أية حال ينتهي الإجراء عند اختيار الأجنة وغالبا ما تزيد الأجنة عن الحاجة الراهنة. خلال (37) عاما ومنذ ولادة لويز برون ولدت العملية التي اتاحت لها الوجود ملايين الأطفال في شتى أنحاء العالم واصبحت صناعة بعدة مليارات. أدت هذه الطرائق إلى جعل "سوق المني" مزدهرًا ازدهار سوق الحبوب، فبنوك تجميد المني منتشرة في سائر انحاء العالم وأهمها بنك تجميد المني الاسكندنافي إذ جعل من مانحي المني رجال متوقون جسديًا وذهنيًا إلى حد أنهم نجحوا في الاستجابة للاختبارات الوراثية. تُرجع كلمة صناعة هنا إلى الصناعات الصيلانية التي تبلغ مبيعاتها من المنتجات والشعارات الطبية المرتبطة بتقنية الإنجاب بالمساعدة حوالي ثلاثة ملايين ونصف مليون دولار، يضاف إلى ذلك الشركات التي تخترع المنتجات الضرورية لزراعة الجنين، كالاجهزة الخاصة بانتقاء البيوض ونقلها إلى داخل الرحم، أو مجمدات الأجنة. وانتقلت هذه الصناعات من الولايات المتحدة إلى دول أخرى وظهرت شركات دولية توظف مانحات البيوض في رومانيا، وتنقل المني المجمد المأخوذ من الأب إلى مختبر في بوخارست، واستخدمت النساء في الدول الفقيرة لأنها أرخص فالمانحات الرومانيات أقل بكثير مما يدفع للمانحات الامريكيات، ولنأخذ في الحسبان أن نقل الأجنة لا يحتاج إلى جوازات سفر. يرى "صفوان" أن هذه الصناعة تقود إلى خلق أشكال عائلية جديدة لا يحتاج الوالدان معها إلى المرور بما لا أدري من الخصاء الرمزي لأنهم مجرد مستهلكين.

عُرف اجتماعيًا حتى الان ثلاثة أنواع من أشكال العائلة:

- العائلات المتكونة من زوجين ذكرين،

- والعائلات المتكونة من امرأتين،

- والعائلات موحدة القرابة، المتكونة من أم وولدها. فلنبدأ بالنوع الثالث.

 تؤكد "روزانا هيرتز" أن طفلا من أصل ثلاثة أطفال مولود من أم غير متزوجة، هنا تكمن القوة التي تحرك الحاجة إلى إنجاب طفل في متانة هيمنة عقدة الأمومة عند النساء، هذه الحاجة لا تتلائم تمام التلاؤم مع حقيقة حياتهن المستقلة، لذلك تضطر النساء بغية حل هذا الصراع، إلى ابتداع شكل عائلي جديد يرتكز على الأم والطفل، ويمثل عبرة لانحلال العائلة الثلاثية. بحثت هؤلاء النسوة المحميات باستقلالهن الاقتصادي عن الزواج المثالي القائم على الحب النقي من الاعتبارات الذرائعية التي تميز مؤسسة الزواج القديم. وبعبارة اخرى رفعن سقف الزواج عاليا وإذ احتفظن بالزواج من أجل الحب، توقفن عن الاحتفاظ بالامومة من أجل الزواج، ولكن عندما يواجهن التهديد بعدم إنجاب الأطفال، إما بسبب تخطيهن حدود السن، وإما نتيجة إصابتهن بامراض تناسلية كألتهاب بطانة الرحم، يسارعن إلى تقديم دليل قدرتهن على أن يكن أمهات. ويضيف"صفوان" ليست النساء ثوريات كما تحدد المؤلفة، فهن يعملن ما بوسعهن لرأب صدع العائلة الطبيعية المفترضة في الطبقة الوسطى. أما المشكلات فتبدا عندما يسأل الطفل عمن يكون أبوه. والحقيقة أن هؤلاء النسوة يتصورن مانح المني شخصًا أسدى إليهن ومن ثم إلى الطفل خدمة بيتة، يحاولن أن يرسمن لهذا المانح صورة مرئية ومثالية يجعلها البُعد من جانب آخر خارج الحالات المزعجة التي يمثلها أحيانًا الآباء الحقيقيون، فهي صورة ذات قيمة حماية حتى سن المراهقة، لكن هذا الطفل قبل أن يبلغ هذا العمر يثير السؤال:" ما كلمة المتبرع هذه؟ ويضيف إليه: هل سنراه ذات يوم؟. أما سسياسيًا فإن هؤلاء النسوة تظن أن من حق الأطفال أن يلتقوا "آباءهم الوراثيين" ولكنهن لم يصلن إلى هذه القناعة إلا بعد إدراكهن أن المني ليس إلا منتوجًا، ولكنه أيضًا "مظهر شخصٍ يشكل جزءًا من هويات أطفالهن"، أحيانًا يكون المتبرع صديق العائلة، نظير عمً يزورها من وقت إلى آخر، ومع ذلك العلاقة "بين أب وابنه لا تترجم آليصا بمفردات بابا- الابن أو بابا البنت (أبو البنت، وأبو الأبن). والسؤال فما الذي يجعل من مانح معروف أبًا؟ تحاول البروفيسسورة روزانا هيرتز" التي لم تجد جوابًا على هذا السؤال أن تقدم لنا فكرة عن هذا "الحضور الشبحي" واصفة إياه بهذه المفردات: "تشبه صورة المتبرع المعروف صورة شمسية غير محمضة، فهذه الصور تجعلنا نلمح شخصا حاضرا هناك، ولكنه ليس حاضرا حقًا، إذ يعرف الطفل هويته الوراثية، بينما يبقى الرجل اجتماعيًا في الظل"

تعرض المؤلفة حالة "لوري- آن" الملقحة بمني صديقها القديم "بوب" الذي بقي حبيس الفئة الخاصة بالاب – الموضوع

الجزئي. وتعني العباررة بالانكليزية.The special category of pert object father

تنبأت بتحدي أبنها آندريو الذي طلب منها أن تشرح له لماذا بقي أبوه الوراثي" اعتقد الأصح البيولوجي" "د. اسعد شريف الامارة" صديقًا فقط لا بابا، والحقيقة أن "بوب" قبل دَور المتبرع المعروف ووقع مع "لوري-آن" عقدًا خاصًا باعفائه من أي التزام وأي حق أبوي، ومع ذلك لو طلب الأبن علاقة أكثر حميمية مع أبيه الوراثي"البيولوجي" إلى درجة استعداد هذا الأب للإحساس بها، لَاكتشف حالا أنه مخدوع واستشاط غضبًا. توصلت المؤلفة إلى أن هؤلاء النساء وأطفالهن بصدد معاناة تجربة سلطة ايديولوجية ثنائية الأبوة والأمومة، تستدعي هذه العئلات تحويل مصطلح القرابة، لذلك اقترحت بعض النساء جمع المتبرعين تحت شعار "الأباء البيولوجيون" إلا أن "روزانا هيرتز" تشك في فاعلية هذه الفكرة ما دامت القرابة راسخة في الزواج التقليدي، لذلك تفضل أن تطرح سؤال ما الأب؟

بعض النساء من اللواتي استفدن من المتبرعين المجهولين، أم اللواتي استدعين المتبرعين المعروفين، كانت اجباباتهن دون أي غموض على سؤال معرفة كن ينتظرنه من هؤلاء الرجال، لم نكن ننتظر شيئًا.

تؤكد"روزانا هيرتز" قولها: حلت المعرفة والصداقة المثبتة محل الزواج بما هو قاعدة الإدراج في الدورة الأبوية، لذلك يتعاظم التباين بين الاباء البيولوجيين والاباء الاجتماعيين في الولايات المتحدة واصبح Dads "أي الأباء الاجتماعيون" ترفًا لا تكاد غايته تزيد عن أن يكونوا رفاق أطفالهم في اللعب. لكن الاب يظهر دومًا في مركز الصيغة الجارية كسيد بطريركي يحرك خيوط الدمى العائلية، ولم تقطع الامهات المستقلات هذه الخيوط وهن في طريقهن إلى الأمومة. تؤكد المؤلفة في اجابتها على السؤال الذي يثيره عنوان الفصل أن الذكوررة تتغلغل في الثقافة السائدة، ولا يستطيع أي طفل ان يتخلص من السؤال المتعلق بالاختلافات المفترضة بين الرجال والنساء، الرجال بوصفهم مجموعة، فهن يكافحن لإدراك معنى الجنس بما يتناسب مع تربية أطفالهن، يبقى أن الرجال هم أفراد يمثلون ترفًا اساسيًا يقدمونه لأطفالهم، مثل المتحكم بالبيانو، واستاذ اللغات. تقول خاتمة الكتاب إن هذه العائلات الجديدة تكشف في آن معصا تمزق النسيج الاجتماعي، لأن هذه النساء متعطشات للأمومة، وما إن يكتسبنها حتى يتوجب عليهن أن يمنحن عائلتهن المكونة ضمن شروط استثنائية معنى وذلك بدمجها في الحياة العادية، ويضطررن لدفع أطفالهن إلى النجاح التقليدي.

يقول"صفوان" لا تقلل النغمة النسوية الجذرية التي تسمع في هذه الخاتمة من غنى المادة التي جمعتها روزانا هيرتز ولا من أهتمامها بدراستها، ولا تنتقص بوجه خاص من وضوح المبادئ التي يقوم عليها موقفها، فهي تظنُ أولا.. إلى أن ضراوة طلب إنجاب طفل تشهد على شدة التعطش إلى الأمومة عند هؤلاء النساء، هذا الشرح هو مجرد حشو، خطأ واضح أيضا لأسباب ليس أهونها أن طلب الإنجاب لا يقل ضراوة عند الرجال، وهو ما سوف أعود لهذا الموضوع.

ثانيًا.. لا شك في أن روزانا هيرتز وهي تختزل الأب إلى "موضوع جزئي" ترجع إلى مصطلح سبق أن استخدمه المحللون كي يصفوا علاقات الطفل الجنسية بامه من حيث إنه يدركها إذا أمكنني القول قطعةً قِطعة، الثدي، فالوجه أو اليدين قبل أن يدركها في الطور المسمى جنسيًا بوصفها موضوعًا كليًا، لكن الحقيقة هي أن الطفل يعرف أباه حتى قبل أنيتسائل عن لغز ولادته، مما يخلع على مصطلح "الأب- الموضوع- الجزئي" هزلًا غير مقصود. أما حَرج المؤلفة من موضوع سؤال"ما الأب" ولجوؤها إلى فكرة الصورة الشمسية غير المحمضة دون أن تترك أدنى شك بان فكرة التعرف "تلك التي يطالب بها الصغير آندريو ببداهة واضحة، والتي أؤكد أنها الأساس الذي يقوم عليه عالم الثقافة" فلقد تحمل سقوط الحق الذي سرعان ما أدى إلى سقوط حق مفهوم الرغبة، غير المذكور في أي مكان من هذا الكتاب. وأخيرًا لا تذكر روزانا هيرتز أب العائلة الثلاثية الزوجية إلا على شكل "بطريرك سيد" سيرك العائلة. يتضمن هذا التعبير إسناد سلطة القانون إلى الأب وهو إسناد مشكوك فيه ومثار جدل، لكنه يتعارض بالضبط مع مذهب فرويد، فبحسب أسطورة الطوطم والتابو التي هي وحدها في رأي "كروشير" الأسطورة التي استطاع عصرنا أن ينتجها، كان الأب وسيط علاقته بالقانون، وإذ انطلق "لاكان" في تشديده على فعل الدال في توليد المدلول، لم يجد صعوبات في إعادة أسطورية فعل إنسان ميت، إلى فعل أسم، وقد أوضحت أكثر من مرة تمييزه الاساس بين الاحتيال في ادعاء المرء أنه يسن القانون، وشرعية استباحته القانون. صحيح أن بطريرك العائلة الزراعية كان يتمتع بسلطة كبيرة، لكنه كان يمارس هذه السلطة وسط عائلة منصهرة في المجتمع، وكان باستطاعته أن ينقل باسمها كل ما يجعل الفرد يختزل من دونه إلى فراغ تعريفه بأنه " هو من هو؟": محاكاة ساخرة بائسة للقول" أنا من أنا؟" لم يكن عليه فقط أن ينقل الاسم، بل كل معالم الهوية الأخرى ايضا: الدين، والاساطير، وتاريخ الأجداد، دون أن ننسى التراث والنشاط العلمي، والمكانة، والمستوى الاجتماعي. أما تشبيه الأب بشكل من أشكال السلطة فدليل إخفاق العائلة الثلاثية في المجتمع ما بعد الصناعي في تنشئة الطفل بما يتلاءم مع اختزال المجتمع إلى مجموعة أفراد، هذا الاخفاق هو الذي ترك المجال مفتوحًا أمام ظهور العائلات القائمة على العلاقة بين الأم / الطفل، غير ان الرجال لم يسمحوا للنساء باحتكار هذا المجال من تجديد أششكال العائلة.

 5 – الأباء المقيمون في المنازل والأسئلة حول الأصول:

هناك رأي يتفق عليه عدد كبير من علماء الاجتماع الأمريكان أن المرأة قادرة حتى على أن تقوم بكل ما يقوم به الرجل من أجل أبنه، كأن ترافقه إلى مباراة كرة قدم مثلا، أو تعلمه ركوب الدراجه الهوائية مثلما الأب يمكن أن يعطي ولده الرضيع زجاجة الحليب، أما الاعتراض على هذا الرأي بالقول إن هذه النشاطات الأخيرة ذات طابع نسائي "انثوي" خاص، وإن الرجل غير قادر بيولوجيًا على القيام بها، فيترجم حكمًا إيديولوجيًا مسبقًا يكذبه علم البيولوجيا نفسه. أما "بارك" و" بروت" فيشددان في كتابهما أباء مهملون

Throwaway dads

على هذا بالقول "إن ذكور حوالي أثنى عشر نوعًا من الأسماك والضفادع والطيور والقرود، إما أن تتقاسم العناية بصغارها وإما أن تضطلع بدور التغذية المهيمن حتى مع صغارها هي. ويضيفان أن مستوى مشاركة الذكور في هذه التدابير تختلف بحسب ما يسمح به امتداد التزام الإناث بها، ولحضور الذكر مثلما هي الحال عند البشر. توحي البديهة الحديثة المتعلقة بالكائنات البشرية أن النساء لسن وحدهن من يشهدن تغيرات هرمونية متلازمة مع ولادة الطفل، فالرجال يعانون أيضًا من انخفاض هرمون التسوترون عند ولادة أطفالهم، ويعتقد بعض الباحثين أن لهذا الانخفاض علاقة بمشاعر غذائية، ومع أن النساء هن من يتحملن دون شك أعباء الحمل والولادة، فلا عجب من أن هذه العملية تؤثر نفسيًا في الرجال بقوة تعادل تأثيرها في النساء إن لم تكن أكثر. وباختصار إذا اعتقدنا بما يقول"بارك" و" بروت" لا تقتصر مطالبة الرجال الذين ما يزالون يفضلون زواج الجنس المغاير على حق الاحتفاظ بالطفل وحسب، بل تشمل حق الأمومة أيضا، وهكذا لا نستغرب ونحن نراهم يحددون موقفهم ضمن إطار مجتمع يفترض أنه يخوض صراعا من أجل الاعتراف بتشابهات الجنس، لكنه نسي على ما يبدو أن الأبوين رتبا خلال قرون بطريقة أو بأخرى رؤية أحادية الجنس، وبهذا الصدد ينقلون قصة أن" ساندرا بيم" مؤلفة كتاب عنوانه عدسات الجنس، وبينت أن ابنها جيريمي كان يذهب إلى الروضة الأطفال واضعًا مشابك شعر، وفي ذلك اليوم ردد صبي صغير قائلا: جيريمي بنت بالتأكيد لأن البنات وحدهن يضعن مشابك شعر، فما كان من جيريمي كي يبرهن بما لا يدع مجالا للشك أنه صبيي إلا أن ينزل سرواله ويكشف عن عضوه، لكن الصبي الآخر لم يتأثر فقال ببساطة: كل الناس عندهم قضيب، والبنات وحدهن يضعن مشابك شعر. أما مؤلفوا كتاب الأباء المهملون، وهم يضعون ما يسمونه" نسخة الجنس الواحد" على حساب التربية الابوية، فلا يشرحون طابع هذه الرؤية العائد إلى الاف السنين، فضلا عن عدم رؤيتهم الوظيفية التي يستقيها القضيب من حقيقة غيابه عند نصف الجنس البشري بوصفها دالًا على الاختلاف الجنسي، ويرى "صفوان" قوله: يقودنا الإمعان المتعاظم في الجنس إلى التساؤل عما إذا كان المعني في أذهان مؤلفي القصتين تفنيد إحدى أطروحات فرويد أم تفنيد أطروحة رفيق جيريمي الصغير.

في العام 2013 نشر "بارك" كتابًا بين فيه اختلافات الأشكال العائلية التي هي قيد التكون حاليًا، وتحديدا تلك التي تدين بوجودها لسوق التلقيح بالمساعدة وحجته الاساسية هي أننا في حاجة إما إلى أن نعيد دراسة شكل العائلة المثالية، وإما إلى أن نوسع تعريفه بما يتوافق مع أشكال العائلة، السائدة أو الجديدة وإخضاع هذه الأشكال لتفحص نقدي بوصفها بدائل تصورنا عن العائلة المثالية الثلاثية أو متممات له. ويرى "صفوان" قعلا لا تكاد قراءة هذا الكتاب تدع مجالا للشك في انها لا تقصد بـ "العائلة المثالية الثلاثية" مختلفة الجنسين، القائمة على الزواج، التي أكتشف أغلب علماء الإناسة كليتها إثر أعمال "لاسليت" ومدرسته في كمبردج، بل تقصد تلك العائلة كما أصبحت في العصر الصناعي، أي العائلة المنقطعة عن المجتمع، حيث لا تقف سلطة الدولة على عتبة البيت، وحيث أصبح الأب بيدقًا في خدمة سياسة سلطة الدولة، فضلا عن ذلك وبعيدًا عن أن يلاحظ "بارك" أن القانون الذي تنبني عليه مؤسسة العائلة الزوجية الاجتماعية هي نفسها التي تصنع نظام الثقافة، فهو يعدها عائلة بيولوجية حصرًا، وعلى العكس لا شيء يتطلب بوجه خاص وبالقياس إلى أشكال العائلة الأخرى التي تستحق هي بالتحديد صفة "المثالية" أن يجعلها العلم موضع اختيارنا ويحررنا بذلك من قيود ناجمة عن إيديولوجية خاطئة.

خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين تمثل الزوجات اللواتي يأخذن على عاتقهن تأمين لقمة عيش العائلة 7% اجمالا من البيوت الأمريكية، ودخل ثلث الزوجات يفوق دخل أزواجهن، كما أن معدل الدفع الأسبوعي للنساء قفز 26% منذ العام 1980، وخلال الفترة ذاتها ازداد معدل الدفع الأسبوعي للرجال بالضبط 1% واليوم يفوق دخل النساء الشابات في سن العشرين دخل أقرانهن من الرجال، في كثير من المدن الأمريكية، تثبت هذه الظواهر كلها أن عدد النساء اللواتي يؤمن لقمة العيش مستمر في الازدياد، وهذا رأي سميث في العام 2009. واستنتج "بارك" من ذلك أن المساواة لا ينبغي أن تقتصر على العناية بالأطفال، بل تمتد إلى الوقت الذي يجب تخصيصه لهم، مما يتيح وجود شكل اسمه "الأباء المقيمون في المنزل"

Stay at home Dads

وهكذا تتلخص القرابة التب ابتدعها "جيريمي آدم سميث" إذا أمكن القول من خلال "أبوة" تُعرف بأنها تقاسم الأمومة. هذه النتيجة نبهت بعض المراقبين الأمريكيين ومنهم الأكثر استنارة وهو "دافيد بلانكنهورن" الذي كتب: المجتمع الامريكي منقسم انقسامًا جذريًا ومزدوج في موضوع الأبوة، حتى إن بعضهم لايتذكرونها، والبعض الآخر يهملون الأبوة، أو يزدرونها، وآخرون كثيرون لا يعارضونها لكنهم ليسوا متعلقين بها تعلقًا خاصًا.

يفترض تاريخ الأبوة اليوم كما يرويه الخبراء افتراضا واسعًا أن الأبوة غير ضرورية، وسبب هذا الافتراض الأدق أن نخبنا الثقافية الآن قد دمجت في سردها الخاص بموضوع العائلة، فكرة أن الأبوة بوصفها وظيفة اجتماعية تميز الرجال، وإما على الاغلب غير مرغوبة" كما ذكره دافيد بلانكينهورن- في كتابه الامريكان فاقدو الأبوة"، وينهي كتابه بتقديم سلسلة من الاقتراحات الهادفة إلى إعادة خلق الأبوة بوصفها وظيفة اجتماعية، تأول إلى الرجال. تشير الحقائق إلى أن المقصود ليس مجرد تلاشي الأبوة، بل الرفض الحقيقي القائم جوهريًا على مفهوم "الأب العجوز" أي المرحوم بوصفه تجسيد ما أسماه عالم نفس عائلي أسمه"فرانك بيتمان" "المرضية الذكورية أو ما سماه بعضهم أيضا" الصوفية الذكورية".

تبدو فكرة إعادة خلق الأبوة قابلة للتطبيق إلى درجة أن رفضها مصادق عليه رسميًا في الوثائق القانونية، أو الإدارية. ففي المملكة المتحدة أدرجت ضمن نص مخصص لتحديد المبادئ التي يجب أن تدير علوم التخصيب، عنوانه التخصيب البشري وعلم الأجنة، مادة تحدد أن على الطبيب مراعاة الشروط التي تضمن سعادة الطفل بما في ذلك "حاجته إلى أب". لكن رئيسة إعادة التخصيب وعلم الأجنة في بريطانيا"سوزي ليثر"،أعلنت أن المادة التي تنص على الحاجة إلى أب، مادة سخيفة مثيرة بذلك حركة غايتها استبدالها بمادة أخرى تحدد "الحاجة إلى عائلة".يترجم رفض هذه الوظيفة تغير مفهوم الزواج تغيرًا جذريًا في المجتمع الذي يتحول من علاقة لها واقعها الخاص، تضع بين قوسيها أولئك الذين يلتزمون بها إلى مشروع يؤسس على وفق مصطلحات عقد يحدد مصطلحاته الطرفان اللذات يوقعانه، أما صعوبة توسع الأشكال العائلية حيث لا مكان بعد للأب العجوز، فلا تأتي من المجتمع، بل تأتي كما يقول "بارك في كتابه مستقبل الأسر، ص 214"، مما لا يكف عن زيادتها عددٌ من الشباب الراغبين في معرفة أصلهم، وبالفعل هذا التسائل عن الأصل هو حجر العثرة التي يتحطم عليها الوهم الفردي عن الحب بوصفه وحدة أساس الوجود الإنساني.

نشرت لجنة مستقبل القرابة في العام 2010 تقرير بعنوان "أسم أبي المتبرع" هذه اللجنة لم تختار هذا العنوان، بل كان مكتوبًا على قمصان يشتريها أهالي التخصيب الأصطناعي، قام هذا التقرير على دراسة عينة من 485 فردًا تتراوح أعمارهم بين 18- 45 عامًا، فضلا عن وجود مجموعتان للمقارنة تتكون احداهما من 562 شابًا سبق تبنيهم منذ كانوا رضعًا، وتتكون المجموعة الثانية من 563 شابًا راشدًا رباهم " أهلهم البيولوجيون". أما نتيجة هذا التقرير فنعرض بعض منها ثمة ملمح هو أن النسبة المئوية الأكبر في اوساط أطفال التخصيب الاصطناعي من الأوساط تستسلم لأعراض مثل الأكتئاب، والجنحة، والادمان، وكذلك توجد ملاحظة مهمة اخرى تفيد أن أغلب أطفال المتبرعين من المسيحيين وينتمي عدد كبير منهم إلى الكنيسة الكاثوليكية، على الرغم من معارضة العقيدة الكاثوليكية لاستعمال التخصيب عن طريق المتبرعين. إن لملاحظات اللجنة هذه أهميتها لكنها لا تعفينا من الأصغاء إلى ما يقوله المعنيون أنفسهم عن شرطهم، لأن وجودهم حقيقة، فماذا لديهم ليعبروا عنه أولا من زاوية علاقتهم بحقيقة أصلهم، حيث يتصل الأمر بسؤال لا أحد يستطيع الاجابة عليه إلا الأم، ونحن نلامس هنا السبب الأكثر حسمًا لتمثيل الأم من حيث كونها الأولى التي تحتل مكان الآخر بوصفه محل الحقيقة والكلام. وماذا لديهم بعد ذلك ليعبروا عن هذا الوجود المتصور من زاوية علاقتهم بالوجود الذي يحل بشكل عام عبر سلسلة من التعيينات، فليس ثمة في الواقع من وجود بشري لا يندرج في شبكة قرابة مُكونًا مايسميه" سلنس" "تبادل الكينونة" وبقدر ما يتصرف المجتمع كما لو انه يُعد الكائن البشري "كائنًا ماهويًا" قبل كل شيء يمكننا القول إنه "لاكاني".

واخيرا وجدنا أن التبرع بالمني المرتبط بفكرة التخصيب يكون دزءًا من صناعة تخصيب تجهل الحدود، مما يعني أن الطفل يمكن أن يولد في بلد على حين أنه يأتي من بلدٍ آخر.

تذكر اللجنة عدة شهادات متعلقة بشعور الضيق والحرج وعدم الأرتياح التي يؤرثها عند اطفال مانحي المني، انهم كانوا موضوع عملية شراء، وكذلك الخشية من أن يؤدي تعبيرهم عنه إلى اتهامهم بالعقوق، فعن أي طريق كانوا يتمنون المجيء إلى العالم؟ تجيب بنت أحد المتبرعين التي يعني اسمها كما بمحض المصادفة "كرباج" كريستين ويب" : عمليا لا يدين وجودي بشيء للمصادفة الطبيعية في التخصيب الطبيعي، بل كان يمثل بالاحرى عقدًا شفهيًا، وصفقة مالية، واستغلالا باردًا، إنه عيادة التكنولوجيا الطبية.

تذكر هذه السطور بالقاعدة التي يستند عليها صرح تعليم "جاك لاكان" أي تمييزه بين الطلب والرغبة، كان يعود أحيانًا في بداية تعليمه في العام 1951 إلى هذه العبارة التي قالها بيكاسو:" أنا لا أبحث، أنا أجد" وبالفعل إن كون موضوع الرغبة جزءًا من مجال الموضوعات المشتركة يسوغ نية البحث عنه مع احتمال العثور أو عدم العثور عليه، أو مع احتمال اكتشاف أنه ليس "هذا". وعلى الضد من ذلك يوجد موضوع الرغبة كما هو عن طريق الصدفة، أي بطريقة غير متوقعة، وخارج أي بحث، يعبر "فرويد" عن ذلك بطريقته عندما ينصح لمعرفة رغبة شخص بسؤاله عن آخر فكرة كان يفكر فيها، الفكرة الأبعد من ذهنه، وهذا بالتحديد ما يعني في شهادة" ويب" رجوعها إلى المصادفة، وباختصار كان أطفال التلقيح الاصطناعي يتمنون أن يكونوا ثمرة رغبة لا موضوعات تبرع، حتى لو كان التبرع الذي يرمز فيه الحب. أما ما توصلت له اللجنة الأكثر غرابة فهو تأكيد أن أطفال المتبرع بالمني كانوا على الرغم من هذه الانتقادات يناصرون التلقيح الاصطناعي دون قيد أو شرط، حتى إن بعضهم سبق أن لعب دور المتبرع، سبب هذه المقارنة هو قناعتهم الراسخة بأن لكل إنسان الحق في أن يكون عنده طفل. يذكرنا "جاك لاكان" أن تصور طلب الحب غير المشروط بانه تكوين يفوق الطلب بقدر ما يتكون هذا الطلب في الارتباط بالتعبير عن الحاجة، وهكذا فإن عزل هذا التكوين في بعد مستقل يمتلك موضوعه الخاص، أي الطفل المختزل، هو نفسهُ إلى خفض الطلب المذكور إلى مستوى الحاجة التي تتركز فيها طفولة الإنسان، فضلا عن ذلك أن إنهاء الرابط ليس بين الطفل وعلاقة أبويه الجنسية التي خرج منها، بل بينه وبين هذه العلاقة الأوديبية يترك للأفراد أمر الاهتمام بمعرفة ما يفعلونه مع جنسية أصبحوا سادتها.

6. السوق:

يناقش "مصطفى صفوان" موضوع مهم وأسساس قاد تاريخ العائلة إلى تعريفها عبر انقلاب غريب من خلال الأفراد الذين يكونوها، فأولئك على اختلاف درجة استقلالهم طالبوا بحق الحب غير المشروط، حب الطفل، وكان العلم حاضرًا لكي يستجيب لهذا الطلب، والواقع أن الجزء الأكبر من أطوار أطفال الأنابيب يستجيب لطلبات النساء الراغبات بطفل، سبب ذلك أن الاحتياطات المتراكمة في بنوك المني بسعر "200" دولار لقنينة تكفي لعشر محاولات ليست عُرضة لخطر النضوب القريب، حتى إن رجلًا لُقب في مشيغان بـ "إله المني" بسبب إنتاجه على مر السنين ذرية من أربعمائة "ولد"، بينما "إلهة البيوض" لم تولد بعد، واصبحت البيضة التي يكمن فيها مفتاح الحياة، الخلية الأغلى على وجه الأرض، وذلك بفضل الآفاق التي تُفتح أمام استخدامها في المستقبل لغايات طبية. فالوكالات التي توظف المتبرعين وتنشر لهذا الغرض دعايات ضخمة محملة بعبارات معسولة مثل " امنحوا الحياة" أو " النساء يساعدن النساء" في إشارة إلى المرأة العاقر- النساء العاقرات" وتطلب هذه الوكالات أسعارًا باهظة وبالاخص "للمتبرعات اللواتي يحضرن الدكتوراه" ويتابعن دراسات عليا في الطب، أو في اختصاصات أكاديمية أخرى، كما يعرض لهذه الفكرة جوشوا كامسون