قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

اسعد شريف الامارةمقدمة الكاتب: ان تشظي التحليل النفسي بأفكاره ونظرياته إلى اتجاهات جديدة فيه،  هو بحد ذاته يبين عمق النفس البشرية، وكل من يتناولها يتناول التحليل النفسي عن ما بداخله فيشطح ويخرج عن النص الفرويدي،  هو يشطح لما بنفسه من؟، إلا جاك لاكان، لم يشطح بالظواهر الفرويدية أو يتشظى بقدر ما تعمق بها وَسبر سِبر أغوارها بالعمق، فلم يلوذ بها وإنما دخل في عُمق العمق، فولج فيها وأضاف، إضافة نوعية غيرت التصور الكلاسيكي إلى تصورات معاصرة، وكان مصطفى صفوان من الرواد الاوائل ممن سار في هذا الخط الفرويدي – اللاكاني.

تعد الكتابة عن عالمٍ من علماء التحليل النفسي المعاصرين هي بحد ذاتها مدخل صعب الولوج له لكثرة مطبات الأفكار التي يعرض لها وثنائيات التداول بين التحليل النفسي الكلاسيكي وتحولاته المعاصرة لا سيما أنه عاصر عدة أزمان منذ أختياره لعالم البحث في التحليل النفسي، لأنها مدخل غائص في عمق النفس البشرية، فكيف نبحث في فكر عالم مثل "صفوان" تربى على الفرويدية الكلاسيكية بكل عمقها مذ وصوله إلى باريس في العقد الرابع من القرن العشرين واستمراره فيها متداولا مع أستاذه العلامة "مصطفى زيور" فِكر عالمٍ غير وجه عميق في النفس البشرية بإكتشافاته وفتوحاته ومعرفته الحقة بخبايا النفس البشرية، وهو "سيجموند فرويد" الذي يدين له كل من قرأ فكره وتعمق فيه وبحث بما طرحه ليجد نفسه يغرق في معرفة نفسه وإكتشاف ما يمكن أكتشافه على وفق ما قرره فرويد. اننا أزاء معضلة العرض الأكاديمي لفكر متعدد ومترامي الأطراف في ثلاثة أبعاد، ولا يستطيع الفكر الأكاديمي أن يغوص في هذه المعرفة المتنوعة للتحليل النفسي، فهو فكر أكاديمي الأساس، علمي تقليدي التكوين، عميق في البحث الذي لا يتمكن التجريب أو الرصد المحدود لدراسة الظواهر في  أن تضعه على طاولة الدراسات التقليدية المتعارف عليها بتقنين الظواهر التي تناولها التحليل النفسي، فكيف إذا كان الطرح وعرض أفكار التحليل النفسي هي بحد ذاتها غير قابلة لِلمها" لَم شملها" "جمعها" في إناء تقليدي من مناهج البحث المعاصرة، إنها محاولة إجتهادية نرى فيها من الصعوبة ما لا يمكن وصفها،  أو تحديدها، أو الإكتفاء بعرضها، ولنا في هذا ما نستطيع إيصاله للقارئ الكريم ليكتشف ان عالم "مصطفى صفوان" فلسفة عميقه ذات أبعاد نفسية مترامية في الفكر والفلسفة والعلوم الإجتماعية والنفسية،  فما نود عرضه هو قاصر بالتحديد لما نريد عرضه، وأردد دائمًا أن من يريد معرفة التحليل النفسي ودراسته لا يمكن حصر نظرياته وأفكاره في موضوع أو مقالة، أو كتاب، بل أن يقرأ نفسه من خلال التحليل النفسي ليجد المنهج النفسي الملائم لمعرفة النفس، فكتاب "مصطفى صفوان" يحتوي في أبوابه الثلاثة على موضوعات من الدقة لا يمكن إدراكها بيسر، فالباب الأول ضم موضوعات هي:

البارحة..

1. عن القرابة  2. العائلة والتنشئة الاجتماعية 3. البيت والمعبد.

أما الباب الثاني فضم:

اليوم..

4. من المعبد إلى المخبر، أو الأب بوصفه شيئًا جزئيًا.

5. الآباء المُقيمون في المنازل والاسئلة حول الأصول.

6. السوق.

7. فلسفة السوق.

الباب الثالث فضم:

الفردية والفرد..

8. الفردية والفرد.

9. الفرد والمجتمع.

10. الجنسانية "الجنسية" في المجتمع الليبرالي الجديد والتحليل النفسي بين الحاضر والمستقبل.

ونحن بأزاء استعراض هذه المحاور الغنية هي في الحقيقة اكتشاف معرفي بحد ذاته وليس عرض تقليدي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تَعرف أولي لاستدعاء ما يمكن استدعائه من ما خزن في الدماغ من معلومات وإن كانت بسيطة ولكنها قد "ربما" من المحتمل ان تضيف للقارئ المتعلم مثلنا شيء من المعرفة إيمانًا منا بأن المعرفة تراكمية وبالأخص في التحليل النفسي، لنقل مجازًا في اللاشعور" اللاوعي".. تحية إكبار وإجلال لهذا العملاق المفكر الذي ترك فينا ومن قرأ له أو تتلمذ بين يديه أشياء غير محسوسة ولكنها شكلت سلوكه وتعامله وأسلوب حياته.. له الرحمة والمغفرة ولنا أن نترحم له ما حيينا في كل عمل نقوم به.

من الباب الأول.. البارحة وموضوعاته:

1. عن القرابة..

يتحدث "صفوان" عن أسس البناء للأسرة ويعدها الخلية الأولى في المجتمع، وهذا الرأي من الصعب قبوله، او الاعتراف بأن المجتمع البعيد عن أن يكون مؤلفًا من عائلات، وعلى هذا الأساس يرسم قوانين الزواج وهو المشرف على تكوين العائلة، وبأن هذه القوانين جزء لا يتجزأ من قواعد القرابة. ويطرح "صفوان" فكرة طرفان يتقاسمان الآراء حول القرابة الأول يرى فيها الظاهرة الأساسية للنسيج الاجتماعي، والثاني يرى ان الاحتلافات الناتجه عن القرابة تعكس اختلافات إجتماعية وسياسية، ودينية، وقد احتفظت هذه الاختلافات في مفهوم القرابة ببعض المعالم ضمن ما يُدعى بالعائلة الملكية، أو عائلة الموُثقين، أو الأطباء. ويعرض أيضًا أهمية هذه الطرائق المختلفة في تصور مكانة القرابة في المجتمع، لكن اهتمامنا ينصب بالدرجة الأولى على تعرييف القرابة نفسها. ويعرض "صفوان" عدة دراسات بهذا المضمار منها دراسة "مارشال سلنس" في كتابٍ بعنوان: ما تعنية القرابة وما لا تعنيه. نشر في العام 2013 يركز فيه على فكرة تبدد الشك في أن الأمر يسري في الكينونة بقدر ما يُعبر عنه الأسم. وفي الوقت نفسه وفي الجامعه نفسها وهي جامعة شيكاغو نشر استاذ آخر وهو "دافيد.م. شنايدر" في العام 1968 كتابًا عن القرابة الامريكية وأعيد نشره في العام 1980 يلح فيه على أهمية القرابة وعدها بأنها تولد مشاعر التضامن والواجب، وتشكل  الأبواب التي يستطيع علم الاعراق من خلالها أن يُحيط بالواقع سائلًا السكان عن طريقة عيشهم هذه المشاعر وتقييمها. أما "رادكليف- براون" هو الذي شرح بأوضح العبارات العلاقة بيين أشكال اللغة التي يستحيل من دونها أيُ اتصصال بين الأفراد الناطقين من جهة، وبينها من جهة اخرى: اللغة يجب أن تُطبق أن تزودنا بأداة اتصال منُاسبة إلى حد يقل أو يزيد، ولهذه الغاية، تخضع لبعض الشروط الضرورية والعامة. إذ تُظهر مقارنة بين اللغات كيف تحقق هذه الشروط باستخدام مختلف المبادئ الصرفية كالإمالة والإلصاق، ونسق الكلمات، والتغيير الداخلي، أو استخدام النبرات من عدمه كما ذكره "راد كليف – برون".

يرى"مصطفى صفوان" قوله لا يهتم أي مجتمع بشري اهتماما خاصًا بضمان استمرار نوعنا، ولو كانت الحال كذلك لامتنعت مجتمعاتنا عن الحرب وعلى عكس ذلك ينزع كل مجتمع إلى استمرار وجوده الخاص ووجود مناقبه وأعرافه، لكن لا يكفي مجيئ الفرد إلى العالم كي يُصبح جزءًا من المجتمع، إذ يجب أن يكون ثمرة زواج مُعرَف بأنه "ترتيب اجتماعي يتلقى الطفل بموجبه وضعية شرعية في المجتمع، تُتحددها القرابة، بالمعنى الاجتماعي للمصطلح " ويضيف "صفوان" قوله أما الطفل المولود دون زواج يعترف به المجتمع، فلن يجد مكانًا في هذا المجتمع، سوف يوصف بأنه غير شرعي، وعليه لم تنتظر المجتمعات البدائية علماء الإناسة المعاصرين كي تُفرق بين الطبيعي والثقافي، وهنا يؤكد صفوان قوله: لا يوجد مجتمع بشري لا يمنح نفسه أصلًا رمزيًا يضمن وحدته، بينما تُخفق البنية الثنائية إخفاقًا ذريعًا نتيجة غياب مبدأ أول يضمن الإيمان به إجتماع الناس عليه وبحكم صراعاتهم.

يتسائل "صفوان" هل بإمكاننا أن نميز تمييزًا أفضل بين مساهمة القرابة البيولوجية بقدر ما يدين لها الطفل بدمه وعظامه، وبين مُساهمتها الروحية، أو الثقافية، بقدر ما يجب عليه الاعتراف له بانه يُدخله في النسب الأبوي، أو يمنحه الأسم الذي يجد فيه "سلنس" تبادل الكينونة الذي يخلق الرابط بين الأب والأبن؟ إنما التمييز بين الطبيعة والقافة ثابتٌ، في الأساس وملحوظ في المجتمعات البشرية كلها، ولم يغب عن أي مجتمع أن يطرح مسألة الاختلاف بين الطابع البيولوجي الذي لا خلاف عليه للعلاقة بين الأم والطفل، ونظام القرابة الذي يرسمه، ومن خلاله يمنح المولود الجديد مكانه، وهكذا نعود إلى نقطة انطلاقنا، أي إلى الزواج من حيث هو ترتيب إجتماعي. ويناقش "صفوان" في كتابه هذا موضوع الترتيب من وجهة "ليفي – ستروس" القائلة بأن الأمر أمرُ تبادل بفرض نفسه خيارًا للمفردة الأولى من هذا التخيير: ثمة حاجتان تُمارسان خارج القرابة هما الزواج والقتل، أي بوصفه شرط تعايش المجموعات البشرية، ويطرح "صفوان" رأي "ستروس" قوله أصل تحريم نكاح الُقربى ومع ذلك نرى في البُنى الأولية للقرابة مقاطع تدفعنا إلى التفكير بالاختلاف بين المُباح والممنوع الذي يُملي على مَن يشعر به اختيار الزواج. وباختصار إن قيام تعاقب الأجيال الذي يُديم المجتمع وجوده الخاص على اقتران الجنسين البيولوجي، أمر واقع ولكن تظل الحقيقة أيضًا أن ولادة الطفل حدث ثقافي، أو ثقافي كُليًة كما يقول "سلنس" ليس فقط لأن مجيئه إلى العالم يُمثل مجيء نتيجة مضاجعه دون مشاركة طرف ثالث يُشدد "لاكان" على طابعه الرمزي كالقضيب الأولي عند شعب البوشمان، او مشاركة روح الجد الذكوري، أو الأنثوري لذرية الأب عند شعب البارويا دون الحديث عن مشاركة الآلهة العليمة. لقد جُردت هذه الاطراف الرمزية من وظيفتها البارزة بوصفها قاعدة الوجود الاجتماعي، لكن فرويد عثر عليها في حالات العُصاب العائلية على شكل أب ميت، يخصي ويستمر دومًا في الصراع بين الابن والأب الذي لا يُحسم أبدًا في رأيه. واشار "كروبير" إلى مبدأ الطوطم والتابو، المبدأ الذي يعده الاسطورة الوحيدة التي تمخضت عنها الأزمنة الحديثة، أما "لاكان" الذي أعاد نقد "كروبير" عادًا بحق أن قصة قتل الابناء أباهم في القبيلة البدائية حلم من احلام فرويد، بالمعنى الحصري للمصطلح، فقد نسي هذه القصة دون أن يترك منها إلا ما يتركه الموت، أي الأسم. ومع أن هذا الأسم يًكون في الواقع النقطة التي تنبثق منها الثقافة في انفصالها عن الطبيعة، فهو يُكثف قي ذاته وحدها ثقل هذه الثقافة الكامل بإعلانه أن عبور عالم يرتبط فيه قبول الحياة نفسه عند الطفل بالحب الأمومي، إلى عالم آخر حيث العلاقات بين البشر وعلاقاتهم أيضًا بالأملاك التي يتعلقون بها، تتجسد في الحقوق والواجبات التي يتألف منها القانون، وعندئذ ما الدور الذي يأخذه"أو كان يأخذه" هذا الأسم في تنظيم الجنسانية البشرية.

يرى "مصطفى صفوان" إن ظهور الجنسية "الجنسانية" المبُكرة عند الطفل لظاهرة يصعب شرحها، ولكنها ما أن تظهر حتى يكاد يكون من الطبيعي تقريبا أن تتوجه على نحو أفضل صوب أمه التي تُمثل في نظره، لكونها موضوع حُبه الأول، الخير الأسمى، أننا إذا سلمنا مع فرويد بأن "الانتماء إلى الأب جزء من الجوهر الأمومي" يتمخض عن ذلك أن ظهور الجنسية "الجنسانية" التافه عند الطفل غير المُستبِعد كما ينبغي يُعادل دخوله في عالم القانون ويسبق اندماجه في نظام القرابة الخاص بمجتمعه. ويضيف"صفوان" توضيحًا بناءً على هذه الفكرة استنادًا لقاعدة الرغبة بنتيجتين:

النتيجة الأولى:  بعدم وجود إشباع الرغبة دون الاعتراف برغبة الآخر.

النتيجة الثانية: بأن أية رغبة هي رغبة في نزع الأعتراف بها إلى حد أن إنكارها ييًفاقم شدتها.

وقوله.. في النهاية.. ليس التحليل النفسي شيئًا آخر غير دراسة العمليات التي بفضلها تُعبر الرغبة عن نفسها، وهنا نبلغ الاكتشاف الأكثر إدهاشًا الذي أتحفتنا به تجربة المعالجة بالكلام: فمع نقل الصيغة الهيغلية إلى الصعيد الرمزي بدل ربطها بصعيد الوعي بالذات. تتجلى الرغبة وظيفًة اكثر تأسيسًا، وفي مجموعها أكثر ما يخلع الطابع الإنساني على المتكلم "الما هو"، ومن ثم نرى تفاهة تشبيه التحليل النفسي بتقنية الاعتراف.

أما "لاكان" وهو يشدد على الفعالية الرمزية التي من دونها لا يتضح أي شيء على مستويي الأوديب الواقعي  والتخيلي، فَحَول اتجاه هذه العقدة التي انتقلت من النظرية الجنسية الطفلية إلى نظرية الرغبة، وتتضمن هذه النظرية ضرورة موائمة الرغبة مع المبدا القائل بعدم إشباع رغبة الفرد بمعزل عن إشباع رغبة الآخر. المبدا الذي من دونه يفقد القانون أي معنى، ويرى "لاكان" قوله: تُكَون هذه الموائمة ضمن إطار العائلة الحديثة "المعيارية الأوديبية" التي يُعين فيها وظيفة الأب الحقيقي، وهنا يَحضر وضعان لا يُمكن إبعاد أحدهما عن الآخر:

الوضع الأول: وضع الأب الذي لا يتخرط في ذرية تعود إلى قضيب أول. (راجع  حال البوشمان، وكذلك حالة شريبر بالتفصيل- قصة شريبر معروفة جدًا عند المحللين، فهو كان قاضيًا كبيرًا ثم اصيب بالجنون، كان ذهاني، وهو الوحيد الذي حلله فرويد)

الوضع الثاني: الذي ميزه "لاكان" عن الوضع الاول بوضوح عدة مرات وتحديدًا في مقالته بعنوان" تخريب الذات وجدلية الرغبة في اللاوعي الفرويدي" فهو الذي لا يقوم فقط على إملاء القانون، بل على تفويض نفسه به، بكل ما يتضمن من اعتراف.

***

د. أسعد شريف الامارة

 

 

علي حسينهو الأن في الخمسين من عمره، عاش حياة مليئة بالعمل زاخرة بالكتب والموسيقى تخللتها اوقات كان يفقد الامل فيها.. حياة مثيرة، انشأ صداقات واثار ضده عداوات كثيرة.. في ذلك العام 1762 كان يعيش في سويسرا مطاردا من قبل السلطات الفرنسية بتهمة نشر الرذيلة والسعي إلى تهديم قيم المجتمع.. اثار الاهتمام بعد صدور عددا من كتبه التي تناولت الاداب والموسيقى والاقتصاد،وتربعت روايته الوحيدة "جولي أو هلويز الجديدة " التي نشرها عام 1761 على قائمة الكتب الاكثر مبيعا، حكاية حب بطلتها شابة مثالية، تقع في حب معلمها الخاص وحين تختلي بنفسها تكتب: " لقد جعلت السماء أحدنا للآخر، لم يكن هناك اتحاد اكثر مثالية من هذا، روحانا متداخلتان أيضا بشكل وثيق، ولم يعد بوسعهما الانفصال أبداً ".وقد اتهم رئيس اساقفة باريس الرواية بانها " تنفث سم الرغبةفي الوقت الذي تبدو فيه وكأنها تُحرمه ".

اثار صدور كتابه " اميل او التربية "، ضجة كبيرة في فرنسا وصدر مرسوم ملكي بمنعه من التداول واتهام كاتبه بتخريب عقول الفرنسيين.. واقترح مجلس الدولة ان يلقى القبض على جان جاك روسو، ثم امر البرلمان ان يمزق الكتاب ويحرق في فناء قصر العدالة وجاء في بيان المجلس النيابي: " لما لم يتورع صاحب الكتاب عن الاعلان عن اسمه، فمن الواجب ملاحقته مباشرة، ومن الاهمية ان تتخذ العدالة موقفا لتجعل منه ومن الذين يتبين لهم انهم ساهموا اما في طبع واما في نشر هذا النوع من الكتب الجديرة واياهم باقصى الشدة، عبرة لمن اعتبر ".إلا ان الهجوم الأعنف جاء من واحد من اشهر فلاسفة ذلك العصر" فولتير" الذي كتب مقالا باسم مستعار يسخر فيه من كتاب " إميل أو التربية " متهما مؤلفه جان جاك روسو بالنذالة بعد ان عَّرض أطفاله لخطر الموت على باب أحد المستشفيات، وطالب فولتير بانزال اشد العقوبات على كاتب يمارس الخديعة، وفي المقال الذي لم يصدق روسو ان فولتير كاتبه نقرأ هذه العبارات: " اننا نرثي للاحمق، ولكن حين تستحيل حماقته جنونا فاننا نوثق رباطه، ذلك ان التسامح وهو فضيلة، يصبح عندها رذيلة ".

الذين كتبوا سيرة جان جاك روسو ياخذون عليه، التناقض في السلوك الذي كان يعيش فيه، فنجده، مثلا، يترك خادمة الفندق التي تزوجها بعد ان أنجبت له خمسة أولاد، يسلمهم إلى ملجأ الايتام غير عابئ بالمسؤولية، ثم يُفاجىء الناس بكتاب مهم عن التربية وكأنه يريد ان يكفّر عن ذنوبه وخطاياه، والبعض كان يرى ان روسو تخلى عن ابنائه لأنه اراد أن ينهج منهج أفلاطون الذي اكد في كتابه الجمهورية من أن الطفل مُلكٌ للدولة. إلا ان ستيفان تسفايج في مقدمته التي كتبها لكتاب إميل أو التربية ينفي هذه التهمة عنه مؤكدا أنه لم يكن له أطفال على الإطلاق لعجزه عن الأبوة، وتسفايج يعتقد أن روسو لفّق على نفسه هذه التهمة، لأنه كان يعاني من مرض جنسي ائر على رجولته، فمنعه من الإنجاب، وانه كان يريد بهذه القصة أن يثبت للعالم ان باستطاعته ان ينجب أبناء بهذه الوفرة، ثم يلتمس للتصرف فيهم هذا التصرف عذراً من أعذار الفلاسفة والحكماء.

ينظر الى جان جاك روسو باعتباره واحدا من ابرز رجالات التنوير ساهم في وضع نظرية سياسية مهدت لقيام الثورة الفرنسية، إلا ان العالم لم يغفر له جريمة رمي اطفاله في ملجأ للايتام.. يكتب فرانسو نودلمان: " ان بحث التربية الذي كتبه روسو يحمل عددا من الندوب، بل واكثر من ذلك، إن هذا المؤلف نفسه هو الاثر الذي يحاول الكاتب من خلاله طمس جرح يندمل " –عبقرية الكذب ترجمة اياد عيسى –

قد يندهش القارئ عندما اخبره ان اول كتاب قرأته لجان جاك روسو كان " الاعترافات "، وقد حصلت على نسخة صدرت عن مطبوعات كتابي، واتذكر ذات يوم وانا مندمج في قراءة اعترافات هذا الفيلسوف الغريب الاطوار، انتبهت لصاحب المكتبة يقف على راسي وهو يوبخني لانني اقرأ كتابا لا يليق بعمري آنذاك. لم اكن افهم لماذا ثار وغضب رغم انني لم اكن انتهيت من الفصل الاول ؟.. بعد ذلك قررت ان اصبح شجاعا وابحث عن هذا الكاتب الممنوع، فكنت اذهب الى كشك الراحل هاشم عذافة والذي يجاور مكتبة المثنى في شارع السعدون، فوجدت عنده طبعة اخرى من الاعترافات، ومجلد كبير الحجم بعنوان " إميل أو التربية " وكتاب بعنوان " جان جاك روسو " تاليف نجيب المستكاوي، وقد استمتعت بقراءته اكثر من استمتاعي بقراءة كتب روسو.. وعرفت فيما بعد ان المؤلف يعد واحدا من ابرز الصحفيين الرياضيين. سألت نفس ما علاقة كرة القدم بروسو ؟.. لم اكن اريد ان اصبح الصبي المتخلف الذي يخشى تجربة قراءة كل ما هو مثير للاهتمام. وكان المستكاوي مفتاح لي لفهم شخصية جان جاك روسو، وكان كتابه هو ما احتاجه آنذاك. ولهذا اعتقد ان القارئ اذا كان يحب القراءة مثلما احبها انا.قد يجد متعة في اكتشاف الكتب واسرارها. هل اصبحت قراءة روسو بسبب كتاب نجيب المستكاوي سهلة ؟. بالتاكيد نعم. لان من خلاله عرفت لماذا منعني صاحب المكتبة من الاستمرار في قراءة كتاب " الاعترافات "4051 جان جاك كروسو

ولد جان جاك روسو في الثامن والعشرين من حزيران عام 1713 في جنيف من أبوين فقيرين، فَقد أمّه بعد ولادته. يكتب في اعترافاته: "ولدت سقيماً عليلاً، وقد كلفت أمي حياتها، فكانت ولادتي فاتحة مصائبي وشقائي"- الاعترافات ترجمة خليل رامز سركيس - كان والده يعمل في النهار مُصلحاً للساعات وفي الليل معلماً للرقص، تخلى عن ابنه روسو عندما كان في الثامنة من عمره وتركه في بيت خاله الذي حاول أن يُدخِله ديراً ليصبح كاهناً، لم تمضِ أيامه في الدير هادئة، فقد اتهم بسرقة إحدى السيدات، ليطرد من الدير، ويعود الى خاله الذي سيرسله، هذه المرة، للعمل عند أحد الكتَبة العموميين، فيطرده بعد يومين، فيذهب به خاله إلى صاحب ورشة شديد القسوة غليظ القلب، ما دفع روسو إلى تعلم الغش والكذب والسرقة، إلى درجة إنه بدأ يتمرد، ويخرج مع أصدقائه إلى خارج المدينة للبحث عن الحرية، ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل، فيشبعه صاحب الورشة ضرباً.كان التشرد والحرمان واليُتم طابع حياة روسو، ما عمق أحاسيسه، وجعله يشعر بالظلم: "لقد علمتني ذكرى التبدل الذي أصابني في حياتي، الفرق بين تبعية الابن للأسرة وبين الخضوع الذليل للآخرين".إلا أن لحظات من السعادة كان يشعر بها، وهو يتفرغ لقراءة الكتب التي كانت تحتفظ بها أمه، ففي السابعة من عمره حاول والده أن يمرنه على المطالعة، فكان يطلب منه أن يقرأ بصوت عالٍ قصصاً كانت والدته قد قرأتها، يكتب في الاعترافات: "والدي يقول لي بخجل، وقد سمع أصوات السنونو تحيي الصباح: لنذهب الآن الى النوم، إني طفل أكثر منك"، وحينما انتهيا من قراءة جميع القصص الموجودة في البيت، أخذ يقرأ ما بمكتبة جده حيث عثر على كتاب مسخ الكائنات لأوفيد، وبعض مسرحيات مولير، إلا أن الكتب التي سحرته كانت مؤلفات المؤرخ بلوتارك: "عندما كنت في السادسة من عمري وقع في يدي بلوتارك، فحفظته عن ظهر قلبي، وكنت قد قرأت كل رواية فيه فكبدني ذلك ذرف سيل من دموعي قبل أن أبلغ السن التي يُقبل فيها القلب على مثل هذه الكتب، ونشأ فيّ تذوق لظواهر البطولة ونزوات العاطفة وأخذ ينمو ويشتد منذ ذلك الحين، حتى أدى بي في النهاية الى النفور من كل شيء لا يلائم تخيلاتي"، إن الطفل روسو الذي فقد أمّه، وهجره أبوه، وجد لنفسه ملاذاً من الحياة في الكتب: "وجدت نفسي أقدر على التعامل مع الكائنات الخيالية التي أحاطتني بها الكتب، من التعامل مع أولئك الذين أراهم في العالم"..عاش جان جاك روسو 65 عاماً، وصفها رومان رولان في كتابه"اراء روسو الحية"بالشعور بالغربة عن العالم: "كان يرى نفسه غريباً بين الناس وإنه لم يكن يشعر بأنه على ما يرام في قلب الأسرة الانسانية، ولم يكن يرى أقرانه مخلوقين على شاكلته، لذلك كان في وسعه أن يفهم معنى الشعور بالغربة والضياع الذي يحس به إنسان غريب آخر في المجتمع هو الطفل"- - ترجمة بدر الدين خليل -. والغريب إن الحياة تصالحه بعد سنوات من العداء والقطيعة، فيبتسم له الحظ خلال الشهور الأخيرة من حياته، حيث استقر به المقام عام 1778 في الريف الفرنسي، فالرجل التعس الذي ظن أن الحياة ستنتصر عليه، لم يعلم إنه قد قهر الحاضر والمستقبل، ففي السنوات الأخيرة من حياته ظهرت ست طبعات من مجموعة مؤلفاته وعشر طبعات من روايته"هيلويز الجديدة"، وفي سنة 1771 نشر الجزء الأول من"الاعترافات"- نشر الكتب كاملا بعد اربعة سنوات من وفاة روسو عام 1782 - إلا ان هذه السعادة لم تدم طويلا ففي صباح الخميس، الثاني من تموز عام 1778، خرج كعادته لجمع النباتات، لكنه شعر بضيق في صدره فسقط على الأرض، فأصيب بجرح في رأسه وليموت بعدها بساعات، وقد شخص الأطباء حالته بأنها انفجار في شرايين المخ. وبعد وفاته زار قبره الملايين من الفرنسيين بينهم الملكة وجميع الأمراء، ووجد قادة الثورة الفرنسية في كتبه دليلا للحكم وفي إحدى الخطب الثورية يعلن روبسبير: "هذه الثورة كان رائدها شخص واحد اسمه جان جاك روسو، وستظل مدينة له مدى الحياة".

صدر كتاب إميل او التربية في شهر آيار من ام 1762، قبل كتاب العقد الاجتماعي بشهر واحد. وقد نشر في باريس بعد ان حصل صاحب احدى المطابع على اذن من الرقابة. كانت رواية " هيلويز الجديدة " قد منحت روسو الشهرة والمال، واخذت المطابع تبحث عن كتبه حيث دفع صاحب المطبعة مبلغا ستة الاف فرنك نظير مخطوطة "إميل ". الكتاب في البداية كان عبارة عن مناقشة اجراها روسو مع احدى سيدات المجتمع الارستقراطي اسمها " مدام دبينيه " عن افضل الطرق لتربية ابنها. وقد قصد به روسو في البداية أن يكون تكملة لروايته " هيلويز الجديدة ". وكان قد تاثر بمقالات مونتاني واطلع على كتاب جون لوك " خواطر في التربية ". كان روسو يفكر بكتابة دراسة عن التربية عندما كان في الثلاثين من عمره وقد بدأ المشروع لكنه توقف بسبب ظروف الحياة، وسيعود له بعد اكثر من خمسة عشر عاما ليتفرغ له ما يقارب الثلاثة اعوام. كان خلالها يعمل مربيا لاولاد احدى العوائل.آنذاك اراد ان تكون له فلسفة خاصة في مجال التربية.. كانت بوادر كتاب إميل قد ظهرت في روايته " هيلويز الجديدة " حيث يكتب: " يخطئ الاباء باعتبار اولادهم انهم مفكرون منذ ولادتهم وكذلك يعتبرونهم كالرجال ويخاطبونهم بالمنطق والتفكير الصحيح. حتى قبل ان يكون باستطاعة هؤلاء التكلم السليم، فالطبيعة تريد الاولاد اطفالا قبل ان يصبجوا رجالا. وان ينمو الجسد ويقوى قبل ان يتمرن العقل على التفكير السليم ".

هذه العبارة التي جاءت على لسان جولي في " هيلويز الجديدة " تشكل قسما كبيرا من مفهومه للنظام التربوي الذي يجب ان يسود في المجتمع.

قسم روسو كتاب " إميل أو التربية " الى خمسة اقسام يتناول في كل قسم مرحلة من مراحل حياة الانسان متتبعا بذلك حياة الطفل " إميل " منذ الولادة وحتى الزواج. وفي الكتاب ينبهنا روسو ان إميل يتعلم من تلقاء نفسه مبادئ الدين الاولى، فلا يفرض عليه أي مذهب او ديانه، إنما يترك له الخيار من اجل ان يُصبح انسانا واعيا بذاته سعيدا بالحياة التي اختارها: " ألفق ببصرك إلى كل أمة في الارض، واقرأ كل سفر من أسفار تاريخها، ففي جميع انواع العبادات العجيبة القاسية هذه، وفي هذا التنوع المذهل من العادات والتقاليد، ستجد في كل مكان نفيس الافكار الاساسية، افكار الخير والشر..ففي اعماق قلوبنا مبدأ فطري للعدل والفضيلة تحكم بمقتضاه على افعالنا، أو افعال غيرنا، أخير هي ام شر، وهذه المبدأ الذي نسميه الضمير " – إميل أو التربية ترجمة عادل زعيتر -.

صاغ روسو كتابه هذا على شكل رواية بطلها الطفل " إميل "، ومن خلال احداث الرواية، يقدم روسو رؤيته التربوية القائمة على فكرة صلاح الفرد وفساد المجتمع، فالفرد يولد بفطرة طيبة نقية وطاهرة، لكن بيد المجتمع إفسادها أو حمايتها، فالشر الذي يحدثه الإنسان ليس أصيلا فيه. وقد قال في عبارة مشهورة استهلَّ بها كتابه: " كل شيء يخرج من يـد الخالق صالحاً، وما إن تلمسه يـد الإنسان، يصيبه الاضمحلال " – إميل ترجمة عادل زعيتر -.والكتاب ينتمي الى مرحلة اصبح فيها روسو مفكراً يُبشر بفلسفة خلاصتها أن الإنسان يولد طيباً في طبيعته، لكن ظروف المجتمع هي التي، تمارس أثرها السيء عليه، ما يفقده بالتدريج طيبته.، كان روسو يريد ان يترك وصيته في التربية، مثلما ترك لنا وصيته في الحكم والعلاقة بين الحاكم والشعب في كتابه الشهير " في العقد الاجتماعي " الذي اعتبره المؤرخون المحرك الاساسي للثورة الفرنسية سنة 1789.ويقال إن الثوار حملوا كتابه هذا بعد أحد عشر عاما من وفاته، وكانوا يلوحون به وهم يحاصرون قصر فرساي، قبل ان يقتحموه.

يبدو جان روسو ثوريا في كتابه " أميل"، فالانسان الذي لا يكون شيئا عند ولادته، سيصبح ذات يوم كل شيء.ان هذا التكوين للعقل، هو الذي يدرسه روسو، وهو يريد ان يؤكد ان لا معنى لتاريخ فساد الانسانية، إذا لم يكن تاريخ الانسان نفسه، ان تطور الفرد يعكس إذاً تاريخ نسله، ومع هذا الفرق نجد أمام كل طفل امكانية مستقلة، فليس الطفل بالنسبة لروسو أولا، إلا احاسيس، ثم عقلا حسياً، ومن ثم يغدو " عقلا عقلانياً " واخيراً ضميراً اخلاقياً، فكيف نساعد الطفل لئلا يبعثر حظه في تطوير ملكاته العقلية، ولهذا فهو يوصي بالقيام: " بدراسة صارمة ودقيقة لطبيعة الطفل قبل الإقدام على تربيته ". وتقوم المسألة بعد ذلك على: " جعل الطفل يسلك درب الحقيقة ما أن يبدو قادراً على التعرف عليها، ومن ثم يسلك درب الخير ما أن يصبح قادراً على ذلك مدركاً المعنى الحقيقي للخير ". ولهذا فالتربية فرحة، وطريق الطبيعة البكر الذي يجب ان يقود الى ثقافة متناغمة مع جوهر الطفل الذي يريد ان يكون سعيداً.

كان روسو يعلق اهمية كبيرة على كتابه اميل، لأنه يتضمن حجر الزاوية في نظريته، فبعد ان كشف في مقالاته ورسائله عن رذائل المجتمع الحديث، كان يتعين عليه ان يُحدد في مؤلفاته القادمة نواحي الاصلاح التي يجب ادخالها على المجتمع، وقد كان يعرف جيدا ان احداً لا يستطيع ان يشرع في اصلاح الدنيا من دون ان يسعى او الى اصلاح التربية وقد حرّص روسو ان يوضح لقرائه، كيف ان الافكار الواردة في اميل مكملة لمبادئه ومتماشية مع فلسفته.

بعد مايقارب الـ " 250 " عاما على رحيل جان جاك روسو، هل لاتزال كتبه تقرأ بنفس الحماس التي كانت تقرأ ايام كان هذا الفيلسوف مطاردا.يكتب اميل برهيه ان كنب روسو لاتشيخ، فهي موجودة الان اكثر من اي وقت مضى.

في كل مرة وانا ابحث عن كتاب في رفوف مكتبتي، يلوح لي جان جاك روسووهو يتساءل: ما هو مصير البشرية، وهل لا يزال ايماننا قويا بالحياة،واتذكر صرخته في آخر كتبه " أحلام يقظة جوال منفرد": " ايها المجانين الذين تتذمرون من الحياة. اعلموا ان كل مصائبكم تاتي منكم ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علجية عيش(قراءة في كتاب الإقتصاد الثقافي والإبداعي في الجزائر للأستاذ بومدين بلكبير)

الصراع الآن هو صراع بين الحداثيين والمحافظين، صراع بين الأصالة والمعاصرة وقد أحدث هذا الصراع الإنفصال بين جيل وجيل، فماهو موجود هو استهلاك منتوج صنعه غيرنا أعطاه البعض قراءات مختلفة دون مراعاة المناخ الثقافي الذي كان سائدا في زمن ما ، فقد فيه المجتمع ةكل تلاحم اجتماعي، السباب عديدة ومتعددة منها ما تعلق بحرية التفكير وإبداء الراي، الإعتراف بحقوق ثقافية مناسبة للأقليات ومتوافقة مع حقوق الإنسان (حرية الدين والتمذهب) عدم وجود رقابة تعسفية وغيرها من المؤشرات التي تنهض بالفعل الثقافي ، لاسيما في الجزائر التي تعانيةمن خطر التقليد والقرصنة، وجب الآن التفكير في إنشاء مدنا ثقافية كما أنشات مدنا جامعية

هو كتاب من الحجم المتوسط يقع في 122 ضفحة ، صدر عن منشورات بهاء الدين طبعة 2022 قسمه صاحبه إلى عدة محاور سلط فيه الضوء على إشكالية لطالما شغلت بال المثقفين والمفكرين العرب والمفكرين الغربيين وأدرجوها ضمن صراع الثقافات والحضارات، في ظل التغيرات التي تشهدها الساحة الثقافية في الوطن العربي عامة وفي الجزائر خاصة، أول ما يشد القارئ هو عنوان الكتاب قبل أن يتصفح مضمونه، إذ يلفته الإنتباه إلى مفهوم الإقتصاد لما تحمله هذه الكلمة من معاني ومفاهيم كفكرة "الرأسمال" وهو المفهوم المادي للقيمة المالية لإنجاز أي مشروع من خلاله نجني الثروة ، لكن في هذا الكتاب يراد به الرأسمال الفكري الذي بدونه لا يمكن بناء الإنسان، وهو مشروع خاض فيه الكثير من الفلاسفة والمفكرين من بينهم مالك بن نبي الذي اشار في كثير ابحاثه إلى الإنسان كفاعل يؤثر ولا يتأثر.

و الأستاذ بومذدين بلكبير استاذ جامعي وباحث وروائي من الجزائر متحصل على سهادة دكتوراه في إدارة الأعمال وافستراتيجية، عضو الجمعية العمومية لمؤسسة المورد الثقافي ببيروت ، له عدة غصادرات تدول معظمها حول الثقافة والمعرفة، في هذا الكتاب زواج المرلف بين الجانب الإقتصادي والهاجس الشقافي، فق عرّف الأستاذ بومدين بلكبير الإقتصاد الثقافي على أنه إنشاء أعمال فنية وتوزيعها واستهلاكها، حيث اقتصرت هذه الأعمال منذ فترة طويلة على الفنون الجميلة والنثر والفنون الزخرفية والموسيقى والعروض الحية في التقاليد الإنجلوساكسونية، ثم اتسع نطاقها منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لدراسة خصوصيات الصناعات الثقافية كالسينما والموسيقى والتأليف، بالإضافة إلى اقتصاد المسسات الثقافية (المتاحف، المكتبات، والمعالم التاريخية) وقد استعمل الكاتب السلوب النقدي، عندما نبه إلى كيف نهب المال العام باسم الثقافة الذي أدى إلى القطيعة والعزوف عن متابعة الأعمال الثقافية ودعم النشط الثقافي، كما يرجع الباحث السبب إلى غياب البراغماتية في معالجة هذا العزوف وهذه القطيعة.

قد يفهم من كلام صاحب الكتاب أنه يدعوا إلى خصخصة قطاع الثقافة، اي تسليم إدارته وتسييره إلى مستثمرين في الثقافة ، وهذا يعني أن النشاط الثقافي سوف قتصر على الغناء والرقص فقط، الذي غالبا ما يحقق أرياحا، وهذه يعني خدمة جمهور معين، ونلاحظ أن الستاذ بلكبير لم يوضح بشكل مبسط مسألة الشراكة، وفتح الباب لإنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة لأصحاب المهنة (الكار) كما يقال، لإبتكار منتجات ثقافية يمكن تسويقها، وهذا مرهون بالدور المنوط بوزارة الثقافة في دعم هذه المؤسسات ومرافقتها، يكون ذلك من خلال إنشاء هيئة وطنية لرعاية الأعمال الثقافية ، السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو كيف يمكن إحداث الشراكة بين قطاعين كل قطاع له خصوصيته ونمط حياته الثقافية ، مثلما رأينا في اتفاقيات 'التوأمة' التي تبرمها بلديات الجزائر مع بلديات فرنسية، وهي تجربة لم تناقش نتائجها إلى اليوم، لأن الزيارات المتبادلة بين الطرفين كانت سياحية شارك فيها ابن فلان وعلان ولم يكن هناك فعل ثقافي يذكر.4044 الاقصتاد الثقافي

 ونحن نتابع ما جاء في الكتاب وجدنا الجواب على هذا السؤال عندما قال الكاتب أن عمليات الشراكة ليست بالعملية السهلة (ص 20) لما قد يسببه ذلك من إرباك وتوتر وزيادة قلق أولئك ألأطراف وشعورهم بالخوف من فقدان ماهو مألوف ومعتاد، المسالة حسبه تتعلق بالذهنيات، هي إشكالية استعصت حتى على الفلاسفة تغييرها، لإختلاف المجتمعات ونمط حياتها ونمط تفكيرها، فتغيير الذهنيات مشروع يتحقق بذهاب جيل ومجيئ جيل جديد، وللوصول إلى هذا الهدف على أهل الثقافة (و لا نقول المستثمرون في الفعل الثقافي، لأن هذه العبارة عملية ربحية وليست خدماتية تبني الإنسان وتجعل منه كائنا مفكرا مبدعا) أن يضعوا خارطة طريق واستراتيجية جديدة للثقافة -كما يقول هو- ومناقشة أولويات القطاع ذلك بالإنخراط في حقول المعرفة ، وقد خص الكاتب لهذا العنصر (المعرفة) حيزا هاما من الصفحة 41 الى الصفحة 52 ، وهدا لما للمعرفة من أهمية في بناء الإنسان ورغم ما تحمله هذه الكلمة من معاني ودلالات ، فهي تمنح فرصا لخلق الإبتكارات.

 وقد قدم الكاتب تجربة بنغلاداش (ص 43) والشراكة من أجل الرخاء الإلكتروني للفقراء في أندونيسيا، عندما تحدث عن تقرير الأمم المتحدة حول اقتصاد المعلومات، وحبذا لو أضاف الكاتب نماذج من تجربة الجزائر في هذا المجال، من باب المقارنة وتحديد حجم معاناة شعبها من تأخر في المجال المعلوماتي، نحن متأخرون عن ذلك الركب فعلى سبيل المثال عادة ما يقع خلل تقني أثناء انعقاد الملتقيات، ويعجز منظمو الملتقى عن معالجة الخلل ولنتصور كم من الوقت نهدره ونحن ننتتظر التقنيون ليصلوحوا الخلل، السبب لأن الجزائر لا تزال غير متحكمة في التكنولوجيا الحديثة، ثم ألا نلاحظ معاناة المواطن الجزائري وهو محروم من شبكة الهاتف والإنترنت في المدن الجديدة، كما أن مشاريع تزويد السكان بالألياف البصرية تسير بخطى حلزونية، كانت هذه عينة فقط عن بعد المجتمع الجزائري عن الركب الحضاري.

و كما قال الأستاذ بلكبير في الصفحة 44 هناك فجوة كبيرة بين من يمتلكون المعرفة ومن يفتقدونها أو يتأخرون في استخدامها وأرجع الكاتب سبب هذه الفجوة إلى وجود مجموعة من المؤشرات منها استخدام الإنترنت مع إجراء مقارنة مع المجتمع الإفريقي والمجتمع الأمريكي هذا الأخير الذي أحرز تفوق علميا ومعرفيا في مختلف المجالات، أما عن حديثه عن التجارة الإلكترونية، فهذا يستدعي الوقوف على جملة من الحقائق حول التجارة، فإن كنا نسمع عن وجود تجاوزات في التجارة بين شخصية طبيعية أو معنوية (بشر بشر) فكيف الوضع بالتجارة الإلكترونية في ظل ظهور الجرائم الإلكترونية التي شوهت كل الفضاءات المعرفية؟ ثم ماذا نفهم من المشروع الإفتراضي؟ ، ويمكن القول ان الجزائر لا تزال بعيد كل البعد عن الحكومة الإلكترونية، رغم أن هذا المشروع تم التفكير فيه في 2013 ، وبالتالي فالتجارة الإلكترونية والتمويل الإلكتروني والإدارة الإلكترونية في الجزائر لا تزال بعيدة المنال، كل التقارير التي تم ذكرها في الكتاب هي تقارير دول أخرى غير الجزائر.

في كل هذا وذاك يمكن القول أن هذه التقارير قد تكون نموذجا حيا يحتذى به في الجزائر ويكون قاعدة انطلاق أساسية ومتينة، الحقيقة التي لا يختلف فيها إثنان أنه تتحقق نظرية هذا الكاتب حول المعرفة الإلكترونية إذا كان لنا مجتمع قارئ وكانت هناك مقروئية، مجتمع يعمل على تغذية عقله وملئه بالأفكار الحية الفعالة والمعارف التي تبني ولا تهدم كما يسعى لملء بطه بالأكل، فكل ما جاء ذكره ينحصر في مجال ضيق لا يخرج عن حدود إنشاء الهياكل وتجهيزها أو طبع كتب في الإطار الذي يحدده النظام أو السلطة، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، كثير من الكتب تصادرها السلطة وتمنع من تسويقها في سوق الكتاب، فالمسالة إذن تتعلق ببناء الإنسان فكرا ومنهجا، ثم أن القارئ يتساءل عن الدافع لإدماج الثقافة والفنون في الفعل الإقتصادي، لأن العملية تكون "بزنسة" ، والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يكون الإستثمار في الثقافة؟ فتنظيم معرضا للكتاب أو ملتقى يعالج إشكالية ما أو تنظيم ندوات دون استخلاص النتائج يعني اننا لم نفعل شيئا، واضعنا جهدا كبيرا واضعنا وقتا كثيرا ، فكثيرا من الملتقيات التي يخرج أصحابها بتوصيات تظل حبرا على ورق دون العمل بها وتجسيدها في الميدان أو تحويلها إلى مشروع يخدم المجتمع، المشكلة ربما تتعلق بتحديدنا نوع الجمهور الذي نريد الوصول إليه، هذا الدجمهور الذي يبحث عن شيئ يسليه (مسرحية فكاهية، أو فنان يُهَيِّجُهُمْ بأغانيه (....).

ثم أن الكاتب تطرق إلى الوضع الذي عاشه العالم كله جراء انتشار الجائحة ، حتى ولو أن هذه الجائحة اثرت سلبا على كل القطاعات وأجهضت مشاريعها بما فيهم قطاع الثقافة، إلا أن هذا الأخير (اي قطاع الثقافة) مريض وقد أدخل قسم الإنعاش قبل ظهور الوباء، ونظن أن الوباء كان حجة لبعض المسؤولين على قطاع الثقافة لتبرير سبب انهيار هذا القطاع وانحداره على كل المستويات خاصة في الجزائر، فإذا تحدثنا مثلا عن الكتاب في الجزائر، نجد أن بعض دور النشر أصبحت تهتم بالكتاب التجاري وأخرى تركز على ماذا يثير الشباب الذي يبحث عن وسيلة ينفس بها عن نفسه كالروايات البوليسية والروايات العاطفيه، وكتب الطبخ والأزياء بالنسبة للفتيات ولذا تلجأ بعض دور النشر إلى إعادة طبع مثل هذه الكتب وتسويقها من جديد لأنها مربحة ومدرة للدخل.

خلاصة القول أن قطاع الثقافة قد حظي باهتمام الأنتروبولوجيين الذين درسوا المجتمعات البدائية ومع التطورأ الثقافة من اهتمام علماء الإجتماع لإرتباط الثقافة بالمجتمع، إذ تلعب الثقافة دورا مهما في حياة الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع، أما بعد ظهور التعددية الثقافية وجد الإنسان نفسه يتخبط في خيوط عنكبوتية، وحدث له ما حدث للغراب الدي حاول تقليد مشية الحمامة ففقد مشيته ومشية الحمانة ، هكذا هو الإنسان في نظام تعددي يختلط عليه الأمر بين ماهو ثابت وما هو متغير ، بين ماهو أصيل وما هو حداثي، وقد حمّل الكاتب الوزارات المسؤولية في تراجع الفعل الثقافي، إلا أنه أهمل نقطة مهمة جدا هي ان الذين تداولوا على وزارة الثقافة كانوا ينفذون إيديولوجيا معينة وأجندات وبرامج سياسية تحت غطاء ثقافي يمكن تسميتها بـ: "التفرنج والتغريب"مهمتهم ضرب الثقافة العربية والإسلامية ومقوماتها، فالثقافة في الجزائر تسيّست وكل مبادرة ثقافية إلا وخلفها أطماع سياسية، وظفت لها كل الوسائل وعلى رأسها الإعلام، الصراع الآن هو صراع بين الحداثيين والمحافظين فوقع الإنفصال بين جيل وجيل، فماهو موجود هو استهلاك منتوج صنعه غيرنا أعطاه البعض قراءات مختلفة دون مراعاة المناخ الثقافي الذي كان سائدا في زمن ما .

***

علجية عيش بتصرف

علي حسينذات مرة كتب الروائي الاميركي أرسكين كالدويل: " دائما ما تصبح الكتب التي اقرأها جزءاً من تجاربي الشخصية، وأتخيل انني عشتها". ولعله يقصد إنه يحاول أن يعيش تلك التجارب التي استمدها من الكتب، ويتبناها يوما بعد آخر بحيث تصير جزءاً من عالمه الواقعي ومع هذا يظل السؤال ماذا نقرأ؟.

ربما تكون مثلي قد قرأت نصيحة غوستاف فلوبير التي يقول فيها: " لا تقرأ مثل الأطفال، من أجل المتعة، ولا مثل الطموحين، بغرض التعلم. لا، أقرأ كي تعيش ". ولعل معظمنا يبدأ أولى خطواته في القراءة منطلقين من الفضول لمعرفة ماذا تخبيء هذه الصفحات، وكثير من القراء يؤمنون بمقولة: اقرأ من أجل المعرفة. ينصحنا الفيلسوف ديكارت بإعداد قوائم لتحديد الكتب التي يجب أن نقراها، كتمرين من تمارين العقل واستكشاف العالم ويكتب هذه النصيحة: " إن قراءة الكتب هي بمثابة محادثة مع أفضل الشخصيات من القرون الماضية "، كان ديكارت مصاباً بأمراض في الصدر، وكان الأطباء ينصحونه بإراحة جسمه، فاجازوا له البقاء في الفراش طويلا، ما ساعده على الاهتمام بقراءة الأدب الكلاسيكي او كما يخبرنا هو: "لأقوم بجولات فكرية في الماضي السحيق فآخذ بطرف الحوار مع النبلاء الطاعنين في السن".

تمثل القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي اشيه برحلة، ذات يوم وانا ابن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي.. عندما استرجع كيف قضيت سنوات طويلة من عمري في رفقة الكتب، أتساءل أحيانا إن كانت هذه الكتب غيرت حياتي، أم انها سجنتني في عوالم مثالية وخيالية.

كنت وأنا أدخل المكتبة، التفت باتجاه الرفوف التي تحوي مئات العناوين، وأشعر ان هذه الكتب تنظر ألي وإنها تعرف عني أكثر مما أعرف عنها، وأحيانا أتخيل ان كل كتاب يخفي داخله عالماً سحرياً لانهاية له.

يخبرنا صاحب مقبرة الكتب الاسباني كارلوس زافون أن أحد زبائن المكتبة قال له يوما: " لاشيء قادر على التأثير في القارئ أكثر من الكتاب الأول الذي يلمس قلبه حقاً.إذ إن صدى الكلمات التي نظن إننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيد في ذاكرتنا منزلاً سنعود إليه عاجلاً ام آجلاً. "

في ذلك الوقت اعتقدت انني أستطيع الحصول على أي كتاب لأن المكتبة لاتبعد عن بيتنا سوى عشرات الأمتار، ثم إنني وجدت في شخصية صاحب المكتبة محفزاً لي على اختيار ما أريد قراءته، ولهذا كنت سعيدا حين عثرت ذات يوم، على سلسلة من الروايات المصورة: وقد جذبني كتاب كان يمتلئ بالرسوم الملونة عنوانه " الكونت دي مونت كريستو " أما مؤلفه فمكتوب اسمه على الغلاف وبالألوان " الروائي المشهور الكسندر دوماس ".

كان هذا أول عهدي بالروايات، لم اسمع بأسماء الذين يروي الكاتب حكاياتهم، ولا أعرف معنى " مونت كريستو،، وما الذي يمكن أن تنفعني مغامراته ؟ لكن الحكاية استولت على عقلي، وأتذكر إنني قرأته خلال يومين، أتمدد على فراشي وأعيد قراءة الصفحة الواحدة أربع أو خمس مرات لأفهم مغزي القصة.

بعد سنوات تعرفت جيدا على صاحب الرواية " الكسندر دوماس الأب " تميزا له عن ابنه حامل الاسم نفسه " الكسندر دوماس الابن " مؤلف الرواية الشهيرة " غادة الكاميليا ". واكتشفت إن هذا المؤلف الذي عاش ثمانية وستين عاماً - ولد في الرابع والعشرين من تموز عام 1802 - كانت له عادات غريبة، يتباهى بان له أكثر من مئة ابن غير شرعي، ويؤكد في كل مناسبة انه لن يتزوج، ويقال انه كان لايرى إلا وهو يتأبط كتاباً، صاحب مزاج خاص في الكتابة، ويذكر كاتب سيرته انه كان يكتب قصصه على ورق ازرق، أما اشعاره فيستخدم لها الورق الاصفر، ويخصص الورق الوردي لكتابة مقالاته السياسية اللاذعة، يعاني من مرض الدوار، لايستطيع القراءة والكتابة وهو جالس على منضدة،وإنما وهو متمدد على بطنه،ويضع تحته وسائد عديدة، وبرغم هذه النزوات، فقد أصدر اكثر من اربعمائة مجلد، وكتب للمسرح مئة مسرحية، مُثلت جميعها في زمنه، وقامت بإداء ادوارها ممثلات معظمهن وقعن في أسر شخصيته المرحة، ربح من وراء كتبه اكثر من مليون جنيه استرليني، انفقها جميعها على ملذاته، وحين حاصرته الديون قررت إحدى المعجبات به ان تشتري ديونه كي لايدخل السجن، ثم ساومته بين قفص الزواج أو قضبان السجن، فقرر في النهاية ان يرضخ لطلبها ويتزوجها.4027 الاكسندر

الكونت دي مونت كريستو التي قرأتها، سحرتني منذ اللحظة الاولى، ولم ينفع فيما بعد انني اكتشفت انها عمل يتسم بالبساطة وإن احداثها لاتختلف عن اي فيلم عربي بالابيض والاسود مليئة بالمشاهد الميلودرامية والدموع والآهات، فهي برغم ذلك شغلت النقاد بسبب انها لاقت اقبالا كبيرا في مختلف العصور، ولاتزال على قائمة الكتب الاكثر مبيعا.

تدور أحداث رواية "الكونت دي مونت كريستو" حول البحار إدمون دانتيس، الذي نراه في الصفحات الاولى، وهو يستعد للزواج، إلا أن حادث القاء القبض عليه بتهمة مناصرة نابليون، وايداعه في حصن إيفان الرهيب، يدمر مخططاته، وخلال الاثني عشر عاما التي قضاها في الحبس كان يؤمن انه بريء مما نسب إليه من تهم، وأن سبب سجنه إنما هي مؤامرة حاكها ثلاثة أشخاص، كان لكل منهم سبب للتخلص منه. الأول فرنان الذي كان ينافسه على خطيبته مرسيدس، والثاني انغلار منافسا له في أعماله، أما الثالث فكان القاضي فيلفور الذي أيقن منذ اللحظة الاولى ان القضية ستعود عليه بقوائد كثيرة إن هو حكم على إدمون. وخلال سنوات حبسه الطويلة لا تشغله قضية سوى وضع الخطط للهرب من جحيم السجن واثبات براءته والانتقام من الذين ظلموه.

وبفضل مساعدة يقدمها صديقه الأب فاريا الذي يخبره قبل موته بمكان وجود كنز يمثل ثروة هائلة، في جزيرة مونت - كريستو. يتمكن إدمون من الهرب؟، وبعد مغامرات وأهوال يحصل على الكنز، فيقرر العودة الى الحياة العامة بهيئة جديدة واسم جديد " الكونت دي مونت كريستو " الثري الذي لا يعرف أحد شيئاً عن حياته الماضية، ويبدأ بوضع خطه للانتقام مستخدما ثروته الهائلة لتحقيق أهدافه في مطاردة الذين ظلموه. لقد تحول الى قدر يلاحق ضحاياه، وتمضي الرواية لتخبرنا أن خطة السجين السابق تنجح، وإنه أخيراً استطاع تحقيق العدالة الغائبة..ويعود في النهاية ليكشف عن نفسه بعد رحلة عاشها مع اسماء وهمية ومؤامرات كان يخطط لها بالخفاء، ليلتقي أخيرا بخطيبته مرسيدس ليعلن لها انه لايزال يحبها ويتمنى الارتباط بها.

نشر الكسندر دوماس الأب روايته " الكونت دي مونت كريستو " عام 1844، في ذلك العام توفت الفتاة ماري دوبليسيس عن عمر 23 عاما نتيجة الآم شديدة في المعدة لم تمهلها طويلا، كانت قد أخبرت إحدى صديقاتها انها تشعر دائما بان حياتها ستعود من جديد، ولم تكن تدري أن هناك مؤلفاً شاباً أراد ان يقلد والده الأديب المشهور فقرر أن يكتب قصة هذه الفتاة التي شغلت البلاط الفرنسي بجمالها، لينشر عام 1848 روايته " غادة الكاميليا "، وأصرّ الشاب أن يطلق على نفسه اسم " الكسندر دوماس الابن ". كان الابن أحد الاطفال غير الشرعيين للكاتب الشهير، الجميع يعامله كفتى منبوذ، إلا انه كان شديد الاعجاب بشخصية والده، فاختار أن يسير على نفس الدرب.

اذن هذه هي الرواية، وفي ذلك الوقت لو طلب مني أن أكتب تعريفاً عن هذه الرواية لاختصرته بعبارة " ممتعة ". في رسالة يبعثها الكاتب الانكليزي مالكولم لاوري الى ناشره يشرح له فيها المغزى من كتابة روايته الشهيرة (ما تحت البركان): " يمكن ببساطة قراءتها على انها قصة ستستفيد منها إن لم تتجاوزها، ويمكن اعتبارها موسيقى ساخنة، قصيدة، أغنية، مأساة، كوميديا، مهزلة، وهكذا إنها سطحية، عميقة، ممتعة ومملة، على حسب الذوق".

ممتعة حسب الذوق، كانت هذه العبارة التي يمكن أن أطلقها على رواية الكسندر دوماس التي أخذني فيها أنا الصبي الذي لايعرف من العالم سوى الشارع المؤدي من البيت الى المدرسة، الى بلد غريب وبعيد، وأدخلني عالماً مسحوراً، وكنت وأنا التهم صفحات الرواية وأتخيل نفسي أدخل الى شوارع باريس التي تدور فيها حكاية السجين إدمون وانني التقي بأناس أشعر بانني قريب منهم، هكذا قرأت أول رواية مثل طفل يمتلئ دهشةً من عجائب العالم.لم أكن أعرف أن سياسياً مثل لينين كان يصرح لمعارفه بأن روايته المفضلة تظل " الكونت دي مونت كريستو " وإن هذا الكاتب الذي حصد الشهرة والمجد باع ذات يوم كل ما يملك ليشتري بنادق ساهمت في تحرير وتوحيد أيطاليا، وإنه كان يطلق عليه لقب ملك المسلسلات الروائية التي علمت الشعب الفرنسي قراءة التاريخ من خلال الأدب حتى أن دار النشر التي تولت إصدار أعماله في القرن التاسع عشر، كتبت على غلاف الطبعة الكاملة " التاريخ " كما يرويه دوماس ".

في الثلاثين من تشرين الأول عام2002، وفي باريس، امتد بساط الى البانثيون "مقبرة العظماء". وعلى أنغام النشيد القومي الفرنسي، كان الحرس الرئاسي يسير ببطء، كانت الآلاف التي وقفت تشارك في المشهد المثير تنثر الزهور عند مرور الموكب الذي يتكون من أعضاء الاكاديمية الفرنسية. وعند اقتراب الموكب من البانثيون انتشر الطلاب وتطلعوا الى المنصة المقامة تحت القبة الكبرى التي جلس عليها اعضاء الحكومة وعلى رأسهم الرئيس جاك شيراك، الذي كان قد وقع مرسوما جمهوريا لنقل رفات دوماس الأب من قريته في الجنوب الفرنسي الى مقبرة العظماء، ليدفن الى جوار فولتير وروسو وفكتور هيغو.

وفي رحلته الأخيرة يمر جثمان الاكسندر دوماس بقصر مونت كريستو الذي تحوّل الى متحف، حيث يمضي ليلة واحدة فيه، يستعيد مع جدران القصر الأحداث التي صاغها كاتب عاش ومات من أجل الكتابة ومغامرة الحياة.

***

علي حسين – كاتب

رئيسة تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علي حسينمن مجرد صبي يجلس في زاوية من زوايا البيت يقرأ ويطيل النظر في مجلات وكتب مصورة، لشاب يجلس إلى جوار فؤاد التكرلي ويتحاور مع غالب هلسا، ويستمع بانتباه شديد إلى ما يقوله عبد الرحمن منيف، ويستشير علي جواد الطاهر في كتب التراث، هكذا عملت في مكتبة، وبقيت فيها لاكثر من عشرين عاما.. لأكون دقيقا كنت اعمل في الساعات التي يسمح بها الوقت، بعد ان انتهي من اليوم الدراسي. في كل يوم أجوب أرفف المكتبة، افتش عن الكتب التي وصلت حديثا، أو أبحث عن كتاب سمعت عنه من احد الزبائن، أو البي طلب زبون متشوق لقراءة كتاب، واثناء هذا التجوال اليومي كنت اسمع بأسماء العديد من الكُتاب الذين لم اعرف عنهم شيئا من قبل. واصبحت أيضاً أكثر دراية بنوعيات الكتب، وبخفايا حياة الكُتاب..لم تعد الروايات بالنسبة لي هي الكتب الوحيدة المفضلة، بل أيضا كتب الفن والسياسة واضيف لها كتب الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد. وكنت احاول أن اتعلم كل ما احتاجه لأبدو للزبون على دراية بالكتاب الذي يسألني عنه. تعلمت الاسماء والعناوين الغريبة. كانت المكتبة بالنسبة لي مدرسة للتعليم والتثقيف.. واثناء اسئلة الزبائن كنت انظر بعطف إلى اولئك الكتاب الذين لاتباع اعمالهم.. فهناك كتب لا أحد يريد شرائها رغم اهميتها، ومنها سلسلة بعنوان " مجموعة الروائع الانسانية "، كانت تصدر في بيروت عن اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، كان الزبائن يهتمون باعترافات جان جاك روسو التي صدرت ضمن السلسلة بترجمة خليل رامز سركيس، لكنهم يهملون كتابه " هواجس المتنزه المنفرد بنفسه "، و لا يلتفتون إلى كتابه الآخر " اصل التفاوت بين الناس"، والقليل منهم يستهويهم كتابه العقد الاجتماعي.. بالنسبة لي كان منظر هذه الكتب يشعرني بالسعادة وكنت افكر إذا كانت هذه الكتب قابلة للقراءة ام لا، فقررت ان اضحي ذات يوم بالمبلغ الذي اتقاضاه كل اسبوع مقابل ان احمل معي هذه السلسلة الى البيت. لمدة شهرين تفرغت لقراءة اعترافات روسو، وخواطر باسكال، وقدر فولتير، وتقسيم العمل الاجتماعي لدوركهايم، وفي الحكم المدني لجون لوك، وتأملات ديكارت.. كنت اقرأ بشراهة، احاول ان افهم. انتهيت من الكتب لكنني لم اتشربها جيدا. ايقنت انني فشلت في التعرف على خباياها. وجدت اعترافات روسو مؤثرة جدا، لكن خواطر باسكال كانت نوعا غريبا من الكتب لم يكن مألوفا لديَّ من قبل .

عندما كان هرمان هسه يعمل في مكتبة كان يقول للزبائن ان الكتب مثل الاصدقاء، علينا ان نحكم عليها بعد ان نعاشرها بصورة حقيقية، اما الحديث عنها دون معرفة فهي اشبه بنميمة بغيضة. فيما بعد ستُعلمني الصداقة الحقيقية لروسو وباسكال وفولتير وديكارت، كيف يكون الانسان انسانا ويظفر بإنسانيته، ويؤدي ادواره ويتحمل مسؤوليته. ما الشيء الذي يهم القارئ في الفلسفة ؟ يجيب بليز باسكال :" إن الشيء الهام ليس تلبية فضول تأملي عقيم، بل معرفة اخلاق موثوقة تسمح لنا بتنظيم حياتنا في أمان ". كنت قد قرأت منذ سنوات عبارة للفيلسوف الالماني " بيتر سلوتراديك " يقول فيها :" بينما يحاول ديكارت مخاطبة قرائة بمزاج صباحي وانطلاقات مبرمجة، فان باسكال هو كاتب القراءة الليلية والمتواطئ مع اجترارنا للافكار المحطمة بشكل جوهري ".

عندما توفي في التاسع عشر من آب عام 1662، تم العثور في داخل معطفه على اوراق حرص ان يخيطها داخل بطانة المعطف، وكانت هذه الصفحات تشكل الجزء الاكبر من كتابه " خواطر " الذي نشر بعد وفاته بسبعة اعوام. قبل وفاته بايام قال لأحد معارفه ان فلسفة ديكارت مدهشة ومؤثرة، لكن صاحبها متكبر صغير مضحك. يستهل باسكال كتابه " خواطر" بالقول :"من هزأ بالفلسفة فقد تفلسف حقا".

قال عنه والده :" منذ أن اصبح قادراً على الكلام بدت عليه بوادر الذكاء النادر ". ولد بليز بسكال في التاسع عشر من حزيران عام 1623 لعائلة يعمل معظم ابنائها في سلك القضاء اوالعمل في التجارة، توفيت والدته وهو في الثالثة من عمره، فتفرغ الاب الذي كان شغوفا بالرياضيات ويعمل قاضيا في مدينة روان لرعاية ابنه الذي قال عنه كانت الكلمات تأتيه من تلقاء نفسه، عام 1631 قدم الاب استقالته من وظيفته لينتقل بعائلته الى باريس، حيث تبدا مرحلة جديدة في حياة الصبي البالغ من العمر ثماني سنوات تفرغ خلالها تنفيذا لاوامر والده بتعلم اللغتين اليونانية واللاتينية، من اجل ان يقرا كتب ارسطو. وستكتب شقيقته جاكلين :" لم يلتحق اخي بأي مدرسة، لقد علمه ابي ولقنه منهجا استعان به في حياته ". يشير باسكال الى ذلك في كتابه خواطر:" تلقيت تربية تميزت باتباع طريقة الوسط العدل، ومزايا كثيرة ومتفردة، وعناية اكثر من ابوية "، في العاشرة من عمره استطاع بليز بسكال ان يتوصل الى معرفة 32 مسالة من كتاب اقليدس في الهندسة، وفي الثانية عشر من عمره سيخبر والده انه قرأ في الخفاء الكتب الستة الاولى لاقليدس، ولما بلغ السادسة عشر من عمره وضع كتابا في الهندسة اثار اعجاب رينيه ديكارت الذي كان يكبره بسبعة وعشرين عاما، فاعتقد ان والد بسكال هو من كتبه. فيما بعد سيقر ديكارت بعبقرية باسكال ليكتب الى بيير مرسين :" نادرا ما وجدت الرياضيات قوة في البحث مماثلة لما فعله طفل لم يتجاوز السادسة عشر من عمره ".4021 باسكال

في تلك الفترة توجه الى دراسة الفيزياء والمنطق والفسلفة، وكان والده يعمل محاسبا ويجد في بعض الاوقات مشقة في جمع الارقام وتنظيمها، فقام الفتى بليز باختراع آلة حاسبة تجري ايه عملية حسابية. في الثامنة عشرة من عمره بدت عليه اولى مظاهر الضعف الجسدي وسيتعرض باسكال الى تجربة مثيرة في العشرين من عمره حيث اصيب بكسر في الساق، فتولى علاجه طبيب كان يعتنق مذهب جانسيينيوس، وهو مذهب يقترب من الصوفية المسيحية، في شبابه سعى باسكال الى وضع الاسلوب الاختباري من اجل اصلاح طريقة ديكارت النظرية، فديكارت يعتقد ان التفكير المنظم يقود الى المعرفة المثلى وان العلم الرياضي هو مفتاح العالم. اما باسكال فيرى ان الحقيقة تتعدى شتى جوانب عقلنا القاصر وانه يتحتم علينا ان نتوجه دوما الى الطبيعة ونستنطقها، فنعيش تجربة الاختبار. وهكذا فان باسكال بعد ان يرفض اخضاع التفكير الى السلطة الدينية، وبعد ان يسخر من نفوذ القدماء وسلطتهم، نراه يقف امام حوادث الكون المختلفة يناقشها استنادا الى اسرار الطبيعة وقوانينها. وبهذا يعارض ارسطو وتلامذته ويخالف ديكارت الذي يريد ان يقيم فلسفته على مجرد التفكير، وبرغم ان باسكال كان متدينا إلا انه اثار الكثير من المناقشات التي ازعجت الكنيسة حيث طالب بان يشارك عامة الناس بمناقشة المسائل الدينية حتى الصعبة منها مؤمنا ان العقل الانساني يستطيع بحث معظم المشاكل الدينية، وبهذا كانت افكاره تمهد لظهور فلسفة فولتير...توفي باسكال وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، وقد اصيب بمرض سرطان المعدة،

في مقدمة الترجمة الانكليزية لكتاب " خواطر" يكتب الشاعر ت.س.اليوت :" معظم البشر كسالى ولا مبالون وعبثيون ولديهم عواطف فاترة. وهم بالتالي عاجزون عن الشك والايمان ". يكتب بسكال :" يجب ان نعرف انفسنا، وإذا لم يفدنا ذلك في معرفة الحقيقية، فهو على الاقل يساعدنا على تنظيم حياتنا، وليس ما هو اكثر صوابا من هذا. ما السبب في ان الاعرج لا يزعجنا، فيما العقل الاعرج يثير حفيظتنا. السبب هو ان الاعرج يعترف باننا نسير في استقامة، اما العقل الاعرج فإنه يقول بأننا نحن الذين نعرج "..

بدأ بليز باسكال بكتابه " خواطر " عام 1656، بعد ان تعرضت ابنة شقيقه الى مرض خطير في معدتها، لكنها ستشفى واخبرت عمها انها ذهبت الى الكنيسة ومسحت مكان الالم بـ " الاكليل المقدس " فتم شفائها، وأيا كان السبب في الشفاء، إلا ان الحكاية زادت من اصرار باسكال على تاليف كتاب يتحدث فيه عن قيمة الايمان، وبدت صفحات الكتاب اشبه بالخواطر الفلسفية والافكار سطرها على اوراق متناثرة، وفيها يدافع عن الدين في مواجهة موجة التشكيك فيه التي طبعت عصره. نُشر الكتاب عام 1669، وسنجد فيه ردودا على منهج ديكارت في الشك، وسخرية من " مونتاني " الذي يقول عنه إنه " يغري باللامبالاة في مواجهة الخلاص " . كان باسكال قد التقى ديكارت للمرة الاولى عام 1647، الفيلسوف الكبير قد تجاوز الخمسين من عمره، فيما لم يكن باسكال قد تجاوز الخامسة والعشرين منشغلا بتجاربه في الضغط الجوي واستخدام الباروميتر، لم يكن اللقاء وديا، فقد ادعى ديكارت لنفسه اكتشاف ظاهرة الضغط الجوي، وهو الأمر الذي باعد بينهما وخلق حالة من العداء.يُحسب لباسكال ريادته في ابتكار المنهج التجريبي. كان ديكارت يرى ان الاستدلال السليم يقود بنفسه الى المعرفة الكاملة دون الحاجة الى اية معرفة اخرى وان العلم الرياضي هو مفتاح الكون، اما باسكال فكان يرى ان الحقيقية الواقعة تطغي على عقلنا الضعيف. ولهذا يجب علينا ان لانكف عن استجواب الطبيعة، وان التجريب هو الذي يستطيع تفسير لالظواهر اكثر من العقل.

يحتوي كتاب " خواطر " على مناقشة لكثير من قناعات باسكال بالعلم والحياة والدين، لكنه يسلط الضوء اكثر على مشكلة الانسان التي يرى انها المشكلة الكبرى، فالإنسان يقف في كل مكان بين العظمة والحقارة، فهو قادر على اكتشاف عظمة الحياة، لكنه لا يعرف الطريق اليها. يرسم باسكال الانسان على انه لاعب لا يكف عن الحركة، إنه مدفوع بتصور المكاسب، لكن لا يرضيه أي مكسب، فخلف غريزة اللعب المضطربة يقف الخوف من العبثية إن حياته ليست إلا حركة هروب دائمة ويرى باسكال ان الانسان كائن ضعيف يحيا في صراع بين ما يشعر به من قوة وعظمة، وما يجد عليه ذاته من ضعف وضآلة امام الكون اللامتناهي. وسنجده في الخواطر يسخر من نفسه اولا لانه امضى وقتا طويلا في دراسة العلوم المجردة، ليتاكد له فيما بعد انها لا تصلح للانسان وان " الجهل بها انفع بكثير من التعمق فيها " – خواطر ترجمة ادوار البستاني.

داخل صفحات كتاب " خواطر " يتصارع باسكال المؤمن، مع باسكال العقلاني، فهو الآن يريد ان ينفصل عن باسكال المتشكك، ولهذا يقدم للقارئ افكاراً فلسفية ذات وجهين، الأول عقلاني يناقش الحجج والبراهين والثاني متأمل وروحاني . الامر الذي يصفه الشاعر اليوت بانه محاولة لمزج أفكاره نحو الدين، بمعرفته الدنيوية. ولهذا فهو يخاطب القراء ذوي التوجهات العقلية العلمية بنفس الطريقة التي يخاطب القراء ذوي التوجهات الدينية.

ان ما يريد بيانه هو شقاء الانسان بدون الله، وفي نفس الوقت هناك عظمة هذا الانسان التي يمكن ان نستدل عليها حتى من شقائه :" فمن الذي يشعر بانه شقي لأنه ليس ملكا إلا ذلك الذي كان ملكا من قبل " – خواطر –. إن الانسان يعرف انه شقي، وبالتالي فهو عظيم لأنه يعرف ذلك.وفضلا عن ذلك فان باسكال يقر ان الفكر يُكّون عظمة الانسان:" ما الانسان إلا قصبة، والقصبة اضعف شيء في الطبيعة، لكنه قصبة مفكرة، ولا ينبغي ان يتسلح الكون كله لسحقه. فنسمة رياح،او قطرة ماء تكفي لتدميرة. لكن الكون لو سحقه سيظل اعظم نبلا ممن يقتله، لأنه يعرف انه يموت، ويعرف ما يمتاز به الكون عليه، أما الكون فلا يعرف شيئاً عن ذلك " – خواطر – ". ان الكون يحيط الانسان من ناحية المكان، ويبتلعه كأنه نقطة، لكن بالفكر فأن الانسان يحيط بالكون.

هل كتاب " خواطر " دعوة للايمان ؟.. يؤكد باسكال ان الانسان عاجز عن ان يمنح لنفسه الايمان، لكن هناك وسيلة عن طريق اعداد نفسه، وان فعل ذلك فان الله سيمنحه الايمان الذي يبحث عنه. إلا هذا الايمان يحتاج الى التدعيم العقلي:" إذ لم يفعل المرء شيئا سوى ما هو مؤكد ويقيني، فانه ينبغي أن لايفعل شيئا للدين " – خواطر -.

ان العقل عند باسكال قابلا لأن يميل إلى كل جانب، ولهذا نحن نرى الناس كثيرا ما لا يؤمنون إلا بما يحبون، فالقلب والعقل متباينان: " عبثا يحاول العقل زعزعة المبادئ بالاستدلال، فإنها خارجة عن دائرته ولا شأن له فيها، من المضحك أن يطلب العقل إلى القلب الأدلة على مبادئه، كما أن من المضحك أن يطلب القلب إلى العقل الشعور بالقضايا التي يستنبطها" – خواطر-

ذلك هو المذهب الذي ينادي به، فيه شيء الوجودية الدينية التي ظهرت فيما بعد بكتابات كيركغارد الذي اخذ من باسكال اختبارات الذات القلقة والوجدان المضطرب، وفي كتاب " خواطر " اشارات الى مجموعة من المفاهيم الوجودية كالخوف، والحيرة، والتشاؤم، والقلق.فالانسان يعيش حالة من التاقض بين واقع مؤلم، محير مقلق، وبين مثالية عالية يتمناها فهو يامل في الوصول الى الحقيقة، لكنه لا يدرك غير الخطأ. ويرغب في الحصول على السعادة، ولا يجني غير الشقاء والملل وينشد العدالة الحقيقية، ولا يجد سوى عدالة مزيفة. ولهذا يعيش في حيرة متناهية :" ها هو الغموض الذي احسه، ويجعلني اضطرب، انه يكنفني من كل جهة، ان وجه الطبيعة امامي ما هو إلا مادة للشك والقلق، ويبدو انني لم ار علامة على الألوهية ولو انني وجدتها لكان قد هذأ إيماني.. ولكم تمنيت مائة مرة ان تشير هذه العلامات على الالوهية لانها تدل عليها..ومتى تهدأ حيرتي وانا اجهل من انا، وما الذي افعله وما هو مصيري، وواجبي ؟ يحاول قلبي تلمس طريق الخير الخقيقي. لكن ليس ثمة طريق عسير في بلوغ الابدية " – خواطر -.

يؤكد باسكال اننا لا نستطيع ان نحظى بالسلام والسعادة والحقيقة إلا بتسليم انفسنا الى قوة اعلى، وان لم نفعل ذلك فسوف نجني الاحباط والظلمة والتشسويش والاخطاء، وباجابته على من يسألون : إن كان الله حقيقيا لماذا لايكون واضحا بشكل اكبر ؟ يرد : بدلا من الشكوى من ان الله اخفى نفسه، عليك ان تشكره لانه كشف الكثير من ذاته. بالنسبة لباسكال، الافتقار الى الايمان نوع من الكسل، انها النظرة التي اختصرها اليوت في مقدمته لـ" خواطر وهو يصف البشر بالكسالى لانهم :" عاجزون عن الشك والايمان، وعندما يطلق الانسان العادي على نفسه صفة الشك او عدم الايمان، يكون موقفه في العادة موقفا بسيطا يحجب فيه نفوره الكبير من التفكير بأي شيء يمكن ان يعود عليه بنتيجة ".

في واحدة من اشهر خواطره يقول باسكال :" العدل أن يتبع ما هو عادل . العدل بلا قوة عجز، القوة بلا عدل استبداد ".هكذا ينتقد باسكال فصل العدل عن القوة، وان العدل والقوة هوية واحدة. لكن القوة هي التي تنشيء العدل ليصبح العدل مثلاُ اعلى لا يستطيع الاستغناء عن خدمات القوة.

اراد باسكال من خلال " خواطر " معرفة كل ما يمكن معرفته عن العالم، لكنه يقر في النهاية انه ليس بالامكان معرفة كل شيء. وهو يشير إلى ان الله يريد منا الاستخدام الأعلى للعقل كي نتصرف ونبدع في هذا العالم. وقبول ما نحن عليه ككائنات روحانية لديها تجربة بشرية.

هل يمكن ان نصف باسكال بانه فيلسوف وجودي ؟. نعم بالتاكيد، فقد اهتم بالموجود الانساني وبإمكاناته، بالاضافة الى انه اهتم بإمكان ان يختار نفسه او لايختار نفسه في حضرة الله. كما ان كتاباته تجسد الصراع الاساسي للنفس البشرية. يكتب بيتر سلوتردايك ان باسكال :" يقف على عتبة العالم الحديث كشخصية مفتاحية مظلمة يصدعها الشك وإذا كان التاريخ الفكري للقرون الماضية بمثابة عرض للظروف العبث، فإن مكان باسكال فيه سيكون مضمونا الى الابد. إنه يحتل المرتبة الاولى بين الامناء الفلسفيين لليأس الحديث " – امزجة فلسفية ترجمة جميلة حنيفي - :

قال باسكال ذات مرة :" لقد بحثت عن كاتب فوجدت انساناُ " ولعل هذه العبارة توضح حقيقة هذا الفيلسوف الذي اراد ان يقول لنا ان عظمة البشر تكمن في مقدرتهم على إدراك بؤسهم الخاص.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

من أرض الإغتراب التي ولد فيها وتعايش في ثقافة مختلفة جذريا ً، وهو من أصول لبنانية متمسكة بعاداتها ودينها الإسلامي، ليتربى في بيت عربي ويكون همه الأول الفلسفة الإسلامية ويصدر سبعة كتب عن الإسلام، وهو لا يخالف شريعة الإسلام والمسلمين، بل استمد مادته من القران الكريم والسنة النبوية، وهو يؤكد قول الإمام الشافعي " من تعلًم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته ُ، ومن نظر في الفقه نبل قدره " والقران بحسب لسان العرب لأبن منظور هو كلام الله المنزل على محمد "ص" المكتوب في المصاحف،مؤكدا في معظم كتبه الصادرة" الإسلام فهو النسخة الشاملة والكاملة للعقيدة التي كشف عنها الأنبياء الأوائل بمن فيهم آدم، وإبراهيم وموسى وعيسى، الإسلام هو آخر الأديان السماوية وهو الثاني من حيث عدد معتنقيه في العالم بعد المسيحية " ص7

 إنطلق الباحث البروفسور في جامعة مشغن "طلال علي طرفة" ليؤكد لنا وعبر قراءة مستفضية وهو العارف الجيد بإسرار اللغة الانكلزية ليقول كلمته كونه أستاذ محاضر في الإدارة وفي الدراسات الدينية في عدة جامعات، وخطيب دائم على منابر الأمم المتحدة، وجاء ليقول عبر كتبه السبعة وهو في انتظار مطبوعه الثامن ان الفرق بين الإسلام وباقي الديانات السماوية أن الإسلام هو دين الله ودين الأنبياء جميعهم من آدم إلى نوح فابراهيم وموسى وداود وسليمان وإسحق ويعقوب وعيسى، إنه دين أزلي أي أنه عند الله منذ الأزل أي منذ البدايات.ص8، ويخوض البروفسور "طرفة" عبر قراءت تاريخية وفلسفية للكثير من المنظرين العرب وغير العرب ليقول كلمة صدق في معظم كتبه الصادرة " إذا نظرنا اليوم إلى الأمة الإسلامية في كل أنحاء العالم نرى أنها أمة بالأسم فقط، أما بالفعل فهي أمم مشرذمة ومفككة وللأسف متعادية في ما بينها، ولهذا يعطي النصيحة لكل العاملين في هذه الأمة من خطباء ومعميين واستاذة جامعات ومدارس فقهية ليقول "وحدة الملسمين تجذب اتباع الديانات الأخرى إلى الإسلام، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد سمح بها حيث قال "ولَو شاءَ رَبُك لجعلَ الناس َ أمة واحدةً ولا يزالونَ مخُتلفين َ" ص9

وتجده هو الناصح لهذه الأجيال بطريقة مختلفة عما يفعله البعض سواءأً من المعمين أو غيرهم لعدم تماشي سلوكهم اليومي والحياتي من آجل ترسيخ القيم والعادات التي تحمل في طياتها أستمراراية هذه الحياة، والحياة أسمى هدية قدمها الله تعالى لمخلوقاته، أعطاها الله سبحانه كل الأسباب والمقومات سواء للإنسان أم للحيوان أم للنبات، وكل هذه تدور حول عنصر أساسي ألا وهو الطاقة، معرفاً لنا الطاقة أنها القدرة على إنجاز عمل ما، إنها السبب في حدوث الأشياء، فالصلاة طاقة مركزة تربطنا بالخالق، والطاقة نوعان إيجابية وسلبية فالصلاة تعزز الطاقة الإيجابية، لأنها شكل من أشكال التأمل بها نبني جسرا ً بين العقل والروح.أما إذا دخلت الطاقة السلبية حياتنا فإنها تؤثر فينا بشكل ردي ء، سيما وأنها قوية جدا ما يسبب الإحباط والكرب، والخوف والقلق، ما نحتاج إليه هو أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا ونحررها من آجل بناء آلية دفاعية فعالة،وحتى يؤكد نصائحه لكل من يتتلمذ على يديه يعود إلى التاريخ مستعينا ً بطروحات الأمام " علي " عليه السلام، وخير تعريف للإسلام هو تعريف للإمام " علي بن أبي طالب " حيث قال " الإسلام خضوع، والخضوع يقين، واليقين إيمان، والإيمان قبول، والقبول انتماء، والانتماء عمل " ص 11 موكدا على هذه الأقوال ومركزا على واقعنا الحالي باعتباره باحثا ً اسلاميا ً وقارئاً نهما ً بعد ان ترجمت كتبه من اللغة الانكليزية الى عدة لغات ومنها العربية، الفرنسية، الفارسية وغيرها، وهنا أراد عبر مقدمة قصيرة هو اختصار ما سبق أن كتبته في مؤلفاتي السبعة التي تحمل العناوين التي سترد في متن هذا الكتاب المعنون " دليل مؤلفات " ليكون هذا الكتاب هو الثامن جامعاً لأهم ما ورد في مؤلفاتي السبعة الأولى.ص13

وقد أصبحت كتبه تباع بين أكبر جامعات الولايات المتحدة الأمريكية ومنها جامعة "مشيغين" لأن هذه الجامعات تجمع الدارسين من كل الديانات، محاولأ إيصال رسالة النقاط المشتركة بين الديانات الإبراهيمية الثلاث،اليهودية والمسيحية والإسلام، بهدف تحقيق الوحدة في التنوع وإحلال التسامح والتضامن والأخوة والأمان بين أتباع هذه الأديان الثلاثة، جميع كتبه التي إنطلق منها جاءت لتعطي مقاربة للمرحلة التي يمر بها العالم، وخاصة نحن نعيش عصر الإرهاب والحروب والموت والدم، ويدخلك عبر لغة سلسلة وفيها من التشويق وكأنك تلامس سر المخلوقات التي أبدع بها الخالق العظيم، فهو عالم نفساني مجرب دخل في عصرنا الحالي ليوقف هذه المجازر داعيا ً الى تحقيق الوحدة في التنوع وإحلال التسامح والتضامن والأخوة والأمان بين اتباع هذه الأديان الثلاثة، مطالبا ً الجميع إلى الألفة والاحترام والمحبة والأمان من خلال لقاءات واجتماعات يسودها التآلف والمصالحة وصفاء القلوب والنوايا لأن ما يجمع بين هذه الديانات يفوق بكثير ما يفوق بينها، بهذه الطريقة يحل الوئام ويسود السلام، ليس هذا فقط فهو منظر من طراز خاص بعد ان تمعن في جميع الفلسفات التي شكلت لديه مادة دسمة ويتفحصها بعمق ودراية ليقول عبر كتبه المعنونة وهي " الوحدة في الإسلام " و" الصبر في الإسلام " و" الطاقة في الإسلام " و" إمامة علي والصراط المستقيم " و" القلب السليم " و" ابناء ابراهيم " و" فاذكروني اذكركم " وهو في انتظار مطبوعه الثامن الذي سوف يصدر قريبا ان شاء الله، وهنا يختار شخصيات معروفة ومرموقة تنتمي إلى كل من هذه الأديان، وعملت بكل صدق ومحبة على ردم الهوة بين هذه الأديان وعلى الترويج للسلام والوئام والتفاهم والوحدة وحرية المعتقد والاحترام المتبادل على سبيل الذكر لا الحصر أورد الشخصيات التالية " النائب هوارد ا.برمان " رئيس الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي الذي قدم تعديلاً قانونيا

إلى الكونغرس الأميركي حصل على دعم مجلس الشيوخ ومرر القرار من قبل مجلس النواب الذي تدعم بموجبه الولايات المتحدة روح السلام والرغبة في الوحدة وتشجع على الأنضمام إلى تلك الأصوات حول العالم التي تندد بالإرهاب والتعصب والقتل الجماعي والكراهية الإثنية والدينية.وكذلك عمدة نيويورك " مايكل ر.بلومبرغ " الذي دافع عن التسامح الديني والعيش باحترام،وحتى هب معهم " الحاخام إيمي إيلبزع " المؤسس الشريك في مركز الشفاء اليهودي في سان فرنسيسكو –كاليفورنيا " وغيرهم من الأسماء التي وردت في كتاب " أبناء إبراهيم ". الجدير بالذكر أن الباحث د. طرفه شأنه شأن الكثير من المهاجرين اللبنانيين والعرب الذين التحقت اسؤته بركب الاغتراب متأبطين معهم أحلامهم التي سعوا لتحقيقها عب العمل والعلم والمعرفة، ولعل الرحلة المعرفية تعد الاهم في حياة د. طرفه حيث تجلت مخرجاتها بعدد من البحوث العلمية التاريخية والدينية التي اعتمدت مناهج بحثية متنوعة لدراسة الظواهر الدينية والتاريخية والرسالات السماوية لمناطق الشرق الاوسط وغيرها وتعد تلك البحوث مراجع أكاديمية للباحثين في مجال الاديان والعقائد والتاريخ حيث يصف ويقارن ويشرح الظاهرة الدينية وفق المنظورات المنهجية والتاريخية الشاملة للثقافات في محاولة لفهم السلوك الثقافي بجوانبه المتعددة بما فيه الجانب الديني والاجتماعي.

***

قاسم ماضي – ديترويت

علي حسينترسخت في اذهاننا صورة "نيقولا مكيافيللي" وفي يده تاج السلطة، حتى اننا عندما نريد ان نتهم احدا ما بالمراوغة نقول عنه "مكيافيللي". في واحدة من عباراته الشهيرة يكتب " ان: " القوة عادلة عندما تكون ضرورية "، وهذه الجملة تعد احدى المفاتيح الرئيسية لكتاب " الامير ".

رحل مكيافيللي قبل حوالي " 500 " عام، لكن لا يزال اسمه يتردد كلما تحدثنا عن حيل الساسة والالاعيب الحكام. ما سبب السمعة السيئة التي لاتزال تلاحقه؟ هل يستحقها؟ ولماذا تلاحق اللعنة كتابه " الامير ".

يبدو كتاب الامير حين نأتي الى قراءته من دون معرفة مسبقة بصاحبه والاحوال التي عاشها، كتيب يدعوا الى القسوة، وربما يمجد ايضا بإراقة الدماء حتى ان فيلسوفا بحجم برتراند رسل يصف الكتاب بانه " دليل لقطاع الطرق وأعضاء العصابات "..قبل فترة ليست بالقصيرة قررت اعادة قراءة كتاب مكيافيللي.. بحثت في مكتبتي فوجدت اكثر من نسخة اقدمها التسخة التي ترجمها محمد لطفي جمعة، احدثها النسخة التي ترجمها عبد الكريم ناصف وبينهما ترجمة فاروق سعد التي تضمنت دراسة مطولة عن الفكر السياسي قبل الامير وبعده، وترجمة حديثة عن نسخة دار بنغوين الشهيرة.. يجب ان اعترف انني قرأت الكتاب عندما كنت في المدرسة الاعدادية، وكانت قراءتي له من باب الفضول وليس المعرفة، فقد كنت اسمع عن الكتاب كثيرا.. ولهذا لم يثير اهتمامي موضوعه بقدر ما كنت ابحث عن السبب الذي يجعل القراء يبحثون عنه.. بعد ذلك بسنوات خاطرت من جديد بقراءة كتاب الامير، بعد ان عثرت على اسم مكيافيللي يتردد على لسان احدى شخصيات مسرحية شكسبير الكوميدية "زوجات وندسور المرحات": ماذا هل أنا مخادع.. هل أنا ميكافيللي " – ترجمة مصطفى طه حبيب -.بدى المؤلف في المقدمة التي كتبها للكتاب يستعطف الامير لورنتسوا: " ليس في طاقتي ان اقدم لكم هدية أعظم من أن اتيح لكم أن تفهموا في وقت قصير ما درست في سنين طويلة ".. وبرغم ان ميكافيللي يقدم نصائح للامير، إلا انه قرر ان ياخذ حيطته ويغلف هذه النصائح بالدعوة الى وجود حاكم قوي وفعال يخدم مصالح الدولة.. كان قد تعرض قبل تفرغه لكتابة " الامير " الى السجن والتعذيب، ثم أُرسل الى المنفى لاتهامه بالمشاركة في مؤامرة ضد عائلة مديتشي..كانت معرفة خفايا حياة مكيافيللي دافعا لان اواصل القراءة وابحث عن كل ما يتعلق بهذا الفيلسوف الغريب الاطوار.. عليَّ ان اعرف من هو وبماذا يفكر وكيف استطاع ان يضع قواعد للسيطرة على الحكم؟، في الوقت نفسه كان هو طريداً لهذه السلطة التي جعلته يقضي سنوات من حياته في عزلة وضيق حتى إنه يكتب في إحدى رسائله: " ويحي، ما أتعس حظي، لقد ولدت للشقاء والعناء، فلن أحصل على ما أريده قط".

ولِدَ نيقولا مكيافيللي في أيار عام 1469 وهو الابن الأكبر لبرنارد ميكافيللي وسيكتب فيما بعد: "ولدتُ فقيراً وتعلمتُ في عمر مبكر ألا أنفق سوى أقل القليل بدلاً من أن أعيش في ترفٍ"، ويشير كتاب سيرة ميكافيللي أن هذا الزعم ينطوي على نوع من المبالغة، صحيح إن والده لم يكن ثرياً، لكنه عاش في منزل كبير، كما إنه اقتنى مزرعة خارج فلورنسا، وكان والده يعمل موثقاً قانونياً، وتربطه علاقات بعدد من رجال البلاط، وعُرف بشغفه باقتناء الكتب، كان يهوى الأعمال الأدبية الكلاسيكية، ويردد أمام ابنه الصغير مقولات لأفلاطون وأرسطو وشيشرون، ويبدو أن الأب المحب للقراءة كان قد قرر أن ينعم ابنه بفوائد الثقافة الإنسانية التي كانت مزدهرة في فلورنسا آنذاك، على الرغم من التكاليف المالية التي قد يتكبدها، بدأ الإبن وهو في سن الرابعة يتعلم اللاتينية، وبعدها بعام كان يدرس علم الحساب، وبعد عيد ميلاده الثامن انتظم في دروس خاصة بالأدب على يد كريستوفر لاندينو، الذي اشتهر بتفسيرات لكتاب دانتي الكوميديا الالهية، بعدها التحق في ستوديو فيورنتينو، وهي جامعة صغيرة، كان مكيافيللي يتمتع بصفات جسدية غير جذابة إذ كان نحيل القوام ذا شفتين رفعتين وذقن صغير ووجنتين غائرتين وشعر أسود قصير، وكان ذكاؤه الحاد وميله الى حياة الصخب يتناقض مع مظهره المتقشف، وقد عُرف عنه نهمه للقراءة وولعه بلعب القمار وفي الجامعة اشتهر باسم"ميكا"وهي تورية لكلمة إيطالية، تعني لطخة أو بقعة إشارة الى الضرر الذي يحدثه لسانه اللاذع.

في الجامعة درس البلاغة وقواعد اللغة والشعر والتاريخ والفلسفة، وكانت قصيدة الفيلسوف الروماني لوكريشيوس التي تحمل عنوان"طبيعة الأشياء"أحد النصوص التي درسها وأثّرت به كثيراً، وقد أعجب بالحجة الرئيسية للوكريشيوس القائلة بأنه ينبغي التخلص من الخوف والخرافات الدينية باستخدام العقل والتعمق في دراسة الآليات الخفية للطبيعة البشرية في الجامعة انهمك مكيافيللي في دراسة الشعر والفلسفة، وقد جمع ثلاثة من اعماله التي كتبها آنذاك في ديوان شعر مزوّد بلوحات للرسام بوتيشيللي، وفي تلك السنوات يتتلمذ على يد مارسسيلو أدرياني الذي كان شديد الإعجاب بمواهب تلميذه، وتشاء الصدف أن يتولى أدرياني منصب المستشار الأول للبلاد، ويتذكّر الأستاذ تلميذه الموهوب، فيقرر أن يُعيّنه في الهيئة الاستشارية الدبلوماسية، ليجد نفسه في صيف عام 1498 موظفاً حكومياً، وقد أثبت مهارة في وظيفته مما دفع البلاط لتعيينه رئيساً للجنة الاستشارية، وبهذه الصفة جرى تكليفه بمهام تتعلق بالعلاقات الخارجية لفلورنسا، فذهب بمهمة الى بلاط لويس الثاني عشر، وكانت هذه المرة الأولى التي يجري فيها حواراً مع أحد الملوك، وقد ظل في البلاط الفرنسي ستة أشهر، وعاد الى فلورنسا بعد أن أرسل له مساعده برقية يُخبره بأنه: "إذا لم تعد أدراجك فسوف تفقد مكانك في البعثة الدبلوماسية"، وفي عام 1501 يتزوج ماريتا كورسيني التي أنجبت له ستة ابناء، ويبدو إنها احتملت خياناته المتعددة. بعدها يُرسل في مهمة الى روما لمتابعة اختيار بابا جديد بعد وفاة البابا الكسندر السادس، وهناك أعجب بشخصية البابا الجديد يوليوس الثاني، لكنه سرعان ما بدا ينفر منه بسبب قراراته الخاصة بالحرب، فكتب لأحد مساعديه ملاحظة تقول إن البابا الجديد على ما يبدو قد كلفه القدر ليدمِّر العالم، كانت هذه الملاحظات تؤكد اهتمام مكيافيللي بما يجري في غرف السياسة، حيث بدأ يسجل أحكامه في رسائل الى أستاذه مارسسيلو ادرياني، وبحلول عام 1510 وبعد عدة جولات في الخارج كان مكيافيللي قد توصل الى رأي نهائي بشأن معظم رجال الدولة الذين إلتقاهم، لكن رأيه في البابا يوليوس الثاني ظل محيّراً، فمن ناحية كان إعلان البابا الحرب على فرنسا يبدو استهتاراً جنونياً بالنسبة لمكيافيللي، لكنه في الوقت نفسه كان يأمل أن يثبت البابا إنه المنقذ لإيطاليا وليس نكبتها المنتظرة، ويبدو إن مخاوفه قد تحققت فبعد أربع سنوات حتى زحف الجيش الاسباني باتجاه إيطاليا، لتجد فلورنسا نفسها محتلة، والنظام الجمهوري يُحل، وفي السابع من تشرين الأول عام 1511 طُرد مكيافيللي من الوظيفة وحُكم عليه بالسجن لمدة عام، ثم في شباط عام 1513 تلقى أسوأ ضربات القدر على الإطلاق، إذ اتهم بطريق الخطأ إنه شارك بمؤامرة ضد البلاط، وبعد أن تعرّض للتعذيب، حُكم عليه بالسجن ودفع غرامة مالية كبيرة، وقد عبّر عن ذلك فيما بعد حين أهدى كتابه الأمير الى عائلة مديتشي الحاكمة قائلاً: "إن خبث القدر الهائل والمعهود أطاح بي بلا رحمة"، ولم تمضِ فترة سجنه طويلاً حيث أعلنت الحكومة العفو، فخرج مكيافيللي من السجن، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته هدفها الأول تبرئة نفسه من التهم الموجهة إليه، ومع الانتهاء من كتابه الأمير تجددت آماله في العودة الى موقع حكومي مؤثر، وكتب الى صديقه فيتوري إن منتهى تطلعاته أن يجعل من نفسه: "نافعاً لحكامنا حتى إذا بدأوا بتكليفي بدحرجة حجر".إلا أن محاولاته خابت، ونجده يتخلى عن كل أمل في العودة الى العمل الحكومي: "انني سأضطر لأن أظل أحيا هذه الحياة البائسة، دون أن أعثر على رجل واحد يتذكر خدمة قدمتها أو يعتقد إنني قادر على فعل أي خير"، في هذه السنوات عاش في منزل ريفي متواضع في ضواحي فلورنسا، وعانى من العوز، ويصف ايامه الكئيبه حين يخرج كل صباح للصيد وقطع اشجار الغابة، ثم يجلس في زاوية يقرأ دانتي، وفي المساء يتغير المشهد فنجده ينسحب الى غرفة مكتبته، ليغرق بين الكتب بعد ان يخلع ملابسه اليومية، ويرتدي بدلة، كأنه يريد مقابلة احد الامراء: " عندما ارتدي اللباس المناسب، ادخل الى مجالس البلاط القديمة، مجالس رجال الايام الخالية، فيستقبلونني بمودة، ومعهم اتغذى بالغذء الوحيد الذي هو غذائي، والذي من اجله ولدت. واتجاسر على محادثتهم من دون خجل، وأسالهم عن اسباب اعمالهم، وما اعظم انسانيتهم وهم يجيبونني بدافع عطفهم الانساني ولا اشعر بأي نوع من الضجر طيلة اربع ساعات، هي المدة المنقضية في كل مرة اجلس فيها مع نفسي، وأنسى كل معاناتي، ولا أتوجس خيفة من الفقر ولا أهاب الموت، فأنا أطمس تماماً هويتي فيهم ". لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد كما يخبر صديقه فيتوري، فهو بعد ان ينتهي من الحديث مع الأباطرة والملوك يمسك قلمه ثم يدوِّن: " ما انتفع به من حديثهم "، وقد حوّل ميكافيللي هذه الاحاديث فيما بعد الى كتاب صغير عن مبادىء الحكم: " أقلب فيه بكل ما وسعني من عمق الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع، متناولاً ماهية الإمارة، وما انواعها؟ وما طرق الحصول عليها؟ وكيف يمكن الحفاظ عليها؟ ولما يفقد الأمراء إماراتهم؟ " –حياة نيكولو مكيافيللي جورج بريتنزوليني ترجمة طه فوزي -.

ونجد مكيافيللي في هذه السنوات يتجه بحماس الى الكتابة، فأنجز كتابه الشهير المطارحات، بعدها بدأ بكتابة تاريخ فلورنسا، وتفرغ لكتابة"فن الحرب"، وبدا أن فرصته في العودة الى الوظيفة الحكومية قد لاحت بسبب تغيير نظام الحكم، لكن اسمه لم يذكر ضمن الأسماء التي رُشّحت للعمل في الجمهورية الجديدة، وكان في ذلك ضربة كبيرة لطموحاته، ما أدى الى إصابته بالمرض، وقد شكا لزوجته من آلام في قلبه التي لم تمهله طويلاً، حيث توفي في الثاني والعشرين من عام 1527 وقد كُتب على شاهدة قبره "لا يبلغ المدح شأو ذلك الاسم نيقولا مكيافيللي"..

عام 1513 ينتهي مكيافيللي من الصفحة الاخيرة من كتابه " الامير " والتي يختتمها بهذا السطر: " ان رائحة السيطرة الاجنبية تلسع كل انف، فهل لبيتك الرفيع اذن، أن يؤدي الواجب، وبتلك الشجاعة والآمال التي توحي بها قضية عادلة، حتى ينهض وطن اآباء والاجداد نحت رايتها " – الامير ترجمةمحمد مختار الزقزوقي -4007 ميكافيلي

يتألف كتاب الأمير من ستة وعشرين فصلاً، ويبدو الكتاب محاولة من مكيافيللي لاستعراض مهاراته بوصفه محللاً سياسياً، ونراه يصرّ منذ الصفحات الأولى على أن كتابه هذا جديد في منهجه، أراد من خلاله حسب قوله أن يقدم قوائم من الفضائل والوصايا التي على الأمير ينفذها ونراه يؤكد أن نهجه في السياسة يختلف عن نهج من سبقوه، فالآخرون وفق ما قاله في"الأمير"تناولوا الجمهوريات التي لم يكن لها وجود في أي مكان على وجه الأرض، لكنه على خلاف من ذلك يناقش الواقع الفعلي للأشياء، ولهذا نراه يؤكد أن الأمير الذي يسعى وراء حب رعاياه بدلاً من أن يجعلهم يخافونه، لابد أن يفقد موقعه، وهو يرى أن على الحاكم أن يتصرّف كأسد قوي وحاسم وكثعلب ماكر ومراوغ في أحيان أخرى، وهو يصر على أن الأمير لا يسعه أن يتقيّد بدواعي المُثل الأخلاقية المعتادة، إن أراد أن يؤدي دوره أداءً سليماً. وباختصار نرى مكيافيللي يواجه قرّاءه منذ الصفحات الأولى بنظرية تقول بأن الجهود المخلصة لامتلاك ناصية المعتقدات الأخلاقية التقليدية وتطبيقها، لن تؤدي الى ظهور حاكم مُطاع. فالأمور السياسية حسب وجهة نظر مكيافيللي تحتاج الى أحكام خاصة بها.

ولعل أبرز فصل من فصول الكتاب، هو الذي يحاول فيه مكيافيللي أن يحدد نطاق حرية البشر في القيام بعمل. حيث يرى إن الثروة كانت لها سلطات قوية على الإنسان، فهي من حين لآخر تكتسح مثل النهر كل شيء أمامها وتدمّر المؤسسات كافة التي استطاع الناس اختراعها لحماية انفسهم وحفظ النظام، وهو يرى إن الثروة مثل فاتنة متقلبة المزاج تبدّل أوضاع الملعب تماماً فتعمل على الإبطاء في التكنيك السليم، وهو يرى أن النجاح والفشل في الحكم لا يتمُّ اكتسابهما بحسن السلوك، بل شيئان يتم انتزاعهما بالقوة من بين يدي عالم لا يتسم بالعاطفة، وفي مكان آخر يرى مكيافيللي أن الناس لهم سمات ثابتة على الدوام شجاع أو جبان، فالأوضاع قد يصلح لعلاجها أسلوبُ معيّنٌ من العمل أحياناً، وقد يصلح أسلوب آخر في أحيان أخرى، لكن لا أحد يستطيع دائما أن يتزيّا بزي واحد لأزمنة تتغير وتتبدل.

لعل الفكرة التي يطرحها مكيافيللي القائلة أن على القادة أن لا يكونوا طيبين كي يكونوا حكاماً أقوياء تعود إلى الرؤية المتشائمة للطبيعة البشرية. كان مكيافيللي بسبب ما عاناه في حياته يعتقد أن البشر " جاحدون ومخادعون, وجشعون للربح"، ولهذا هو يرى إن الحاكم إذا أقام سلطته بالكامل على ما يظهره له الناس من الحب، فسيلاقي منهم الخذلان في أقرب فرصة عندما تسوء الأمور.

يتهم مكيافيللي أنه يؤسس أفكاره في الحكم على نوع معين من اللاأخلاقية، وخصوصا لو تأملنا السؤال الذي يطرحه عما إذا كان الأفضل للحاكم أن يحكم بالرحمة أم بالقسوة، فهو يؤكد أن الحاكم مفرط الرحمة سيتسبب بالمزيد من الأذى للمجتمع مقارنة مع الحاكم القاسي الذي يخلق التناغم من خلال الخوف. وأن كَرَم الحاكم وتسامحه مع الاخطاء سيقود في النهاية إلى تمرد الرعية: "إن ارتكاب الحاكم للفظائع يكون حسناً فقط إذا جرى دفعةً واحدةً وللضرورة وحماية الحاكم لنفسه، وإذا لم يستمر بها بل انصرف عنها لرعاية محكوميه وتحسين معيشتهم. لكن الخطأ أن يبدأ الحاكم بجرائم قليلة، ثم يزيد من ارتكاب المزيد منها مع الزمن بدلاً من أن يتوقف عنها"

لا يظهر مكيافيللي احتراما لما ندعوه اليوم حقوق الانسان، بالنسبة له يمكن التضحية بالافراد ان تطلب الأمر ذلك خدمة لمصالح الدولة، وهو يرى ان الحاكم المتردد في استعمال القوة حينما تفرضها عليه الظروق هو امير سيء، لأن لينه سوف يؤدي الى مزيد من اراقة الدماء لاحقا..كان مكيافيللي مشغول تؤرقه فكرة واحدة دائما: هل يمكن ان يكون المرء سياسيا جيدا، وشخصا جيدا في وقت واحد. وقد كانت اجابته في النهاية بالنفي.

لقد مثلت افكار مكيافيللي خروجا كبيرا عن الافكار السائدة في زمانه حتى ارتبط اسمه مع بدايات عصر النهضة الاوربي الذي عرفته بدايات القرن الخامس عشر. اي الفترة التي كانت فيها اوربا على ابواب التقدم العلمي. كما مثلت كتاباته في جوهرها صرخة احتجاج كبيرة على الوضع السائد في ايطاليا آنذاك، والتي كانت تعيش وضعا متفسخا وحالة من التشرذم الذي لم تشهده من قبل، ولم ير مكيافيللي الخطا في الناس وانما في القائمين على امورهم وفي مقدمة هؤلاء بابوات الكنيسة المسيحية. ولهذا حظرت الكنيسة كتاباته لاكثر من مئتي عام نتيجة اصراره على ان كون المرء مسيحيا صالحا، غير منسجم مع كونه حاكما جيدا.

كان هدف مكيافيللي الرئيسي والذي يشكل الخلفية الاساسية لكل اعماله هو في بحثه كمواطن ايطالي الى توحيد بلاده، وربط مسألة وحدة ايطاليا هذه مع مسالة حريتها. لقد اعاد مكيافيللي للفعل السياسي بشريته وللقانون وضعيته، فالبشر هم صانعوا السياسة وموضوعها في آن واحد. وقد اعتبر مكيافيللي ان كل عمل سياسي يقوم على مفهوم السيادة. سيادة البشر وليس سيادة قوى " فوق البشر " وبالتالي لا يرى مكيافيللي اي تبرير ممكن لادعاء الكنيسة بان لها الحق في تسيير امور العالم حسب " الارادة الالهية "

كتب الفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون: " ينبغي ان نشكر مكيافيللي وامثاله من الكتاب الذين يقولون صراحة وبدون تمويه ما اعتاد الناس ان يفعلوا. لا ما يجب عليهم ان يعملوا "

ظن مكيافيللي ان كتاب الامير سوف يمهد له السبيل الى اسرة ميديتشي لينال لديها الحظ وة، وتنعم عليه بوظيفة جديدة، لكن خاب ظنه،

واخفق في الحصول على ما يريد. وهنا اعتزل الحياة مختارا، ثم رأى نفسه انه رجل فكر وادب وان السياسة تدير له ظهرها فوجه طاقته الفكرية في اتجاه جديد، وقرر ان يكتب مسرحية واثمرت جهوده اذ الف مسرحية بعنوان " الماندراغولا " – ترجمة نبيل رضا المهايني –وهي كوميديا تحكي عن الغواية وانهيار القيم.

من المفارقات في حياة مكيافيللي انه عاش حياته في ظل امراء اقوياء دون أن يصبح قويا مثلهم. وكان مجرد منفذ للاوامر دون ان يكون له صلاحية اصدارها وتشريعها كما كان يطمح.. لكنه في المقابل رسم لنا صورة شديدة الوضوح للحاكم، ما تزال تحتفظ بقدرتها على اثارة الدهشة واشاعة الخوف واعطاء الدروس.. يكتب موسوليني في تقديمه لكتاب الأمير: " حدث ان انتصر جميع الانبياء غير العزل، وهلك الانبياء العزل ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علي حسينكتب فولتير في الخامس من كانون الأول عام 1726 رسالة إلى المركيزة دو بومبادور يقول فيها: "في هذه البلاد – يقصد انكلترا- هناك نور قوي من المعرفة "، كان فولتير في الثانية والثلاثين من عمره، خارج قبل أشهر من سجن الباستيل وينفذ عقوبة الأمر الملكي الذي صدر في الأول من أيار والذي ينص: "على فولتير أن يتعهد بمغادرة فرنسا من دون استمهال، وأن يبحر في اليوم نفسه من مرفأكاليهالى لندن " .

في تلك السنوات يعثر على كتب فرنسيس بيكون.. كان الفيلسوف الإنكليزي قد توفي قبل مئة عام من وصول فولتير الى انكلترا، فقد سقط فريسة المرض بعد أن حاول في يوم شديد البرودة أن يتأكد من فعالية الثلج في حماية اللحوم من التفسخ، فأصيب بالتهاب حاد أدى الى وفاته، وتسحر فولتير كتب بيكون فيقرر أن يكرس سنوات المنفى لدراسته ونراه يصف شعوره في رساله يبعثها الى شقيقه الأكبر: "وضعت كتبه الى جانب السرير، لأنني أشعر إنها تبوح لي بالكثير من الأعاجيب".

وجد نفسه وجهاً لوجه أمام فيلسوف التجريبية،، حيث أصبح بيكون يمثل حداً فاصلاً في حياة فولتير، لقد وصف لنا شعوره وهو ينتهي من مؤلفات بيكون: " لقد كان بيكون بالنسبة لي أشبه بمرآة أتطلع من خلالها الى خفايا الفكر، بعد ذلك سيكتب في يومياته: "لم يكن قاضي القضاة بيكون يعرف الطبيعة، بيد إه عرف وحدّد جميع الدروب التي تقود إليها. لقد احتقر في سن مبكرة ما كان المجانين المعتمرون القبعات المربعة ما يعلمونه باسم الفلسفة في البيوت الصغيرة المسماة معاهد، وقد بذل كل ما في وسعه كيلا تستمر تلك الجماعات، التي نصبت نفسها مدافعة عن كمال العقل البشري، في إفساد هذا العقل بماهياتها وبهلعها من الفراغ واسقباحها له، وبصورها الجوهرية، أي بكل تلك الكلمات التي اكتسبت هالة من الوقار بفعل الجهل، والتي أصبحت شبه مقدسة من جراء مزجها على نحو مثير للسخرية بالدين".

أحس فولتير أن كتابات بيكون تنبئ بولادة عصر جديد فجعل من نفسه مبشراً لها وبعد سبع سنوات ومن منفاه سيكتب أطروحته في الدفاع عن مذهب إرادة الحرية عند الإنسان وإثباته في وجه جميع الصعوبات: "إن شعور الحرية الحي في كل واحد منا حاضر على نحو مباشر، ولايمكن أن يكون محض خداع، لأن وجود ظاهرة الإرادة في ذاته كاف كي بيرهن على حريتها"ثم يطلق فولتير مقولته العظيمة: "أن تريد وأن تفعل هذا هو تماماً ما يعني أن تكون حراً".

بعد وفاة فولتير بمئتي عام، ساجد نفسي في مواجهة بيكون، مستلقيا على اريكة خشبية ومعي نسخة من كتاب سلامة موسى " هؤلاء علموني "، كنت استكشف من خلاله عددا من الاسماء ساهمت في تغيير الدنيا كما يقول سلامة موسى في مقدمته ..

في الفصل الخاص بفولتير يشير سلامة موسى ان الفيلسوف الفرنسي كان يشيد بدور" بيكون داعية التجربة " . من هو بيكون الذي اغرم به فولتير ؟ نجحت بصعوبة في الحصول على كتاب بعنوان " فرنسيس باكون .. مجرب العلم والحياة " كتبه عباس محمود العقاد، تلقفته بفرح على امل اكتشاف السر وراء اعجاب فولتير بصاحب القبعة الكبيرة الذي وضع العقاد صورته في الصفحة الاولى من الكتاب ..نجحت في قراءة المقدمة رغم انها تتحدث عن اوضاع انكلترا في زمن بيكون ويتطرف فيها العقاد الى شكسبير وكريستوف مارلو، ويتحدث عن فاوست الانكليزي، دون ان يكشف لي سر هذا الفيلسوف الفرنسي ؟ .. بعد اكثر من عشرين صفحة وجدت نفسي في مواجهة شخص يصفه العقاد بانه لم يكن " من اصحاب الخلق الوثيق والبنيان الركين " .. في تلك الايام كنت معجبا بقدرة العقاد على الكتابة في كل الفنون، الادب، الفلسفة، الدين، علم النفس، واسأل نفسي كيف له القدرة على جمع كل هذه المعلومات وصياغتها في كتب كانت تنفذ ما ان تصل الى المكتبة ؟ .. وفي مثل سني آنذاك كان العقاد مرشدا عقليا لي، وبرغم ان بعض صفحات كتبه تبدو غامضة لصبي في عمري، إلا انه كان اشبه بضوء ساطع يكشف امامي طرقا جديدة للمعرفة .كنت قد قرأت ان العقاد كان يمتلك مكتبة صخمة جدا، بل يقال ان شقة العقاد كانت عبارة عن مكتبة، الكتب في كل مكان، في حجرة الاستقبال، وفي المطبخ، وعلى السرير وفي الممرات، كانت مكتبته تبهر كل من يراها حيث تتزاحم الكتب على رفوفها، وبسبب كثرة الكتب سيضطر العقاد الى استئجار الشقة المقابلة لشقته ليملأها هي الاخرى بالكتب . وتمنيت ان تكون لي مكتبة مثل مكتبة العقاد، الكتب فيها تتكدس على الارفف، وتتراكم قرب السرير، وتكاد تختنق بها الجدران .. كتب تؤثث غرفتي وامتلك من خلالها كل شيء، الم يقل شوبنهاور: " اختلطت فكرة شراء الكتب بامتلاك محتواها " .

كانت الرحلة مع كتاب العقاد عن فرنسيس بيكون رحلة ممتعة وغنية، ملهمة، وباعثة على الحياة، وعندما انتهيت منها، قررت أن اجرب رحلة اخرى مع هذا المواطن الانكليزي، وهذه المرة مع كتاب بعنوان " فلسفة فرنسيس بيكون " تاليف حبيب الشاروني . بعد ان انتهيت منه شعرت بانني قد قمت بانجاز يستحق التقدير . فاذا كان كتاب العقاد اشبه بجولة في حياة وفلسفة بيكون، فقد كان كتاب حبيب الشاروني يشبه الذهاب في رحلة فكرية في عالم العقل والمعرفة .

منذ لحظة ولادته في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1561 حدد له والده السير نيكولاس بيكون حامل أختام الملكة اليزابيث الأولى مستقبله: العمل في السياسة، يكتب فرنسيس بيكون: "إن مولدي ونشأتي وثقافتي كانت كلها تشير الى الطريق الذي ينبغي أن أسلكه، السياسة، فكنت وكأنني رضعت السياسة في طفولتي" إلا أن هذا الشاب المغرم بحياة البلاط والمحب للمغامرات وحياة الترف كانت تنتزعه رغبة أخرى هي الاشتغال بالفلسفة..وكان في كثير من الأحيان يبدو متردداً أيهما يؤثر السياسة بكل منافعها أم الفلسفة بكل متاعبها: "كنت أعتقد إنني ولِدت للقيام بخدمة البشرية..ولذلك أخذت أسأل نفسي: كيف يمكنني أن أُفيد البشرية أكثر مما يمكن، فوجدت أن لدي استعدادا خاصاً بطبيعتي لتأمل الحقيقة" ..لكنه وبسبب الظروف التي مرّ بها بعد وفاة والده عام 1579 يقرر العمل في السياسة فيضطر الى ترك كليته للقبول بمنصب دبلوماسي في السفارة الانكليزية في باريس، ولم تجلب له السياسة سوى الخصوم والمتاعب والتي أدت واحدة منها الى اعدام أقرب اصدقائه " الايرل اسكس " الذي اتهم بالخيانة العظمى، وقد اختارت الملكة اليزابيث، فرنسيس بيكون بمنصب المدعي العام الذي قدم الادلة على خيانة صديقه، الأمر الذي جعل بيكون يشعر بتانيب الضمير والخزي فيكتب: "إن طموحي أشبه ما يكون بالشمس التي تنفذ من خلالها النجاسة والدنس، وبالرغم من ذلك تظل نقية كما كانت من قبل"..وبسبب مواقفه السياسية وعمله في القضاء حيث أكمل دراسة القانون في كمبريدج أصبح بيكون شخصية شهيرة وغنية وحصد المناصب الكبيرة، مدعي عام المملكة، النائب العام، وأخيراً جلس على كرسي رئيس القضاة. إلا أن الأمور لم تجرِ بما يشتهي، فالخصوم كانوا يتحينون الفرص للايقاع به، وفي احتفال أقامه بمناسبة بلوغه الستين عاماً وهو يشرب نخب"شرف رعايا الملك وأسعدهم حظاً"وصلت الى قصره كتيبة من الجنود ومعها أمر بإلقاء القبض عليه بتهمة تقاضيه الرشوة.. حيث أودع في سجن برج لندن ولم تنفع رسائل الشكوى التي قدمها للملك جيميس بالعفو عنه، حيث أصدر القضاة قراراً بأن يدفع غرامة قدرها أربعون ألف جنيه لتنتهي مرحلة سجنه، ويقرر أن يعتزل الناس ليعيش في الريف آخر سني حياته متفرغاً لمعشوقته الفلسفة التي سرقتها منه السياسة وألاعيبها..كان بيكون قد نشر عام 1605 أول مؤلفاته وهو كتاب"المقالات" متاثرا بكتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال دو مونتاني. بعدها بعام نشر كتاب عن حكمة القدماء إلا أن عمله في السياسة لم يمنحه الفرصة لإكمال مشروعه الفلسفي فجاءت مرحلة العزلة ليكتب خلالها مؤلفاته الرئيسة كتاب"الاصلاح العظيم"الذي صدر الجزء الأول منه عام 1615، أما الجزء الثاني فقد ظهر بعنوان مختلف"الارغانون الجديد" .بعدها نشر أجزاء من مؤلفه التاريخ الطبيعي والتجريبي لتأسيس الفلسفة"وكتاب غاية الغابات"وأخيراً كتابه"أطلانطا الجديدة " وهو محاكاة ليوتيبيا توماس مور.3995 بيكون

في معظم مؤلفاته حاول بيكون أن يعيد تقويم الفلسفة اليونانية، حيث وجد إن العيب الاساس في طريقة تفكير فلاسفة اليونان والعصور الوسطى هو الاعتقاد بان العقل النظري وحده كفيل بالوصول الى العلم، وأصرّ على الوقوف بوجه الفكرة التي تحتقر التجربة، ويشبه مؤرخو الفلسفة الدور الذي لعبه فرنسيس بيكون في الفلسفة بالدور الفعال الذي قدمه مارتن لوثر في حركة الاصلاح الديني فمثلما كان لوثر ومعه أصحاب الدعوة الإصلاحية يؤمنون أن غاية الدين أن يكون الفرد إنساناً صالح النوايا، وهو ليس بحاجة إلى سلطة يأخذ بتفسيراتها للدين، فإن بيكون كان يرى أن تحقيق غاية العلم هو أن يبدً الإنسان وكانه طفل بريء ن وأن يتحرر من كل سلطة مفروضة على ذهنه، وأن يستخدم عقله ويضع لنفسه منهجاً صحيحاً، وبذلك يصل الى الحقيقة دون معونة من آراء القدماء. وكما نادى لوثر بأن لاجدوى منها في الوصول الى الخلاص، فكذلك حاول بيكون أن يثبت في فلسفته التنويرية، أن حكمة القدماء وفلسفتهم اللفظية لا جدوى منها في الوصول الى الحقيقة وإنما هي عقبات تجعلنا نكتفي بمواجهة الالفاظ بدلاً من أن نواجه الطبيعة والأشياء بشكل مباشر.فمزيداً من نور المعرفة يهدينا إلى عقيدة فلسفية.. ولهذا يعلن بيكون من مكان عزلته: "فلتعقل حتى يمكنك أن تعتقد"ونجده يستهدف في فلسفته تضييق مجال الظن ليتسع مجال اليقين: "إن المعرفة وحدها هي التي تطهّر العقل من كل الشوائب"، ويكرس سنواته الأخيرة لفكرة واحدة وهي إن المعرفة ينبغي أن تثمر، وإن العلم ينبغي أن يكون قابلاً للتطبيق في كل مجالات الحياة، وإن على الإنسان أن يضع أمامه هدفاً واحداً وهو أن يجعل من تغيير ظروف الحياة وتحسينها وتغييرها واجباً مقدساً..ولهذا نجد صرخته العظيمة من أن العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الناس ليس علماً، والعلم الذي هو مجرد تكديس أفكار ونظريات مجردة دون أن ينعكس تاثيرها على أحوال الإنسان ليس علماً.. فقد وجد إن العلم الذي يدرس في الجامعات ليس علماً، ولا بد من ثورة شاملة تحدد وظيفة هذا العلم وعلاقته بما حوله.ووجد بيكون إن الطريق الى العلم الصحيح يكمن في التجربة العلمية ولهذا أخذ بنفسه يقوم ببعض التجارب كالتبريد الصناعي وتلقيح النباتات لإنتاج أنواع مختلفة جديدة، ورسم خرائط لاختراع سفن تسير تحت الماء، وأخرى لمركبة تطير في الهواء.

وقد كانت خاتمة حياته مرتبطة بشغفه بالتجارب العلمية، ففي أحد أيام شهر آذار من عام 1626 وبينما كان مسافراً في الريف الانكليزي أخذ يفكر في طريقة جديدة يمكن بها حفظ اللحوم من التعفن، فنزل من عربته واشترى دجاجة ذبحها ثم ملأها بحشوة من الثلج، وما إن فرغ من التجربة حتى أصيب بنزلة برد حادة تطوّرت الى التهاب بالرئتين لم يمهله طويلاً..وكانت وصيته أن يدفن في نوع من الكتمان: "إنني مودع روحي بين يدي الله، أما اسمي فإنني باعث به الى سائر الأمم والعصور"ويقول فولتير إن بيكون كان بإمكانه أن يكتب على شاهدة قبره"لتكن أفكاري حجر الزاوية في بناء عالم جديد مليء بالنور" .

صدر كتاب " الارغانون الجديد " عام ١٦٢٠، وهو الجزء الثاني من كتابه " الإحياء العظيم"، وكان قد كتب من قبل كتاب " النهوض بالعلم" فجعله الجزء الاول من كتابه . كان بيكون ينوي ان يتألف كتاب " الاحياء العظيم من ستة اجزاء، لكن ظروفه لم تتح له سوى نشر الجزء المعنون " الارغانون الجديد " .وهو يكتب في مقدمته للكتاب: " السبب وراء قيامنا بنشر كتابنا على عدة اجزاء يعود الى أن بعضه يمكن ان يوضع خارج دائرة الخطر، ونفس السبب يجعلنا نلحق قسما صغيرا من هذا العمل في هذه المرحلة ..هذا هو مخطط لتاريخ طبيعي وتجريبي مناسب للتاسيس لأرضية فلسفة من نوع جديد " – الاورغانون الجديد ترجمة منذر محمود وهناك ترجمة قام بها عادل مصطفى - . والكتاب يعد تمردا على منهج ارسطو . فكتب ارسطو في المنطق جمعها تلامذته واطلقوا عليها " الأورغانون " والتي تعني " الآلة"، وسميت بهذا الاسم لأن المنطق عند أرسطو هو " آلة العلم" او وسيلة الفيلسوف للوصول إلى الصواب . وقد اراد بيكون بتسمية " الاورغانون الجديد " معارضة منطق ارسطو ولم يفعل ذلك لصالح الافلاطونية او النزعة الصوفية المسيحية، وانما من اجل التقدم العلمي الذي يسعى لخدمة الانسان .إن قيمة المعرفة وتبريرها، كما يرى بيكون، تكمن في تطبيقها العملي وفائدتها، فوظيفتها الحقيفية ان توسع سيادة الجنس البشري وسيطرة الانسان على الطبيعة، فنجده في الكتاب يلفت الانتباه الى الاثار العملية لاختراع الطباعة والبارود التي غيرت مظهر الاشياء . وكان بيكون يرى ان العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الإنسان في شيء ليس علما، فهو مجرد تكديس للأفكار والآراء دون أن ينعكس تأثيره على أحوال الناس، فالعلم كما يوضحه في " الاورغانون الجديد "، هو ذلك يؤدي إلى تغيير حقيقي في حياة البشرية . وقد اتجهت دعوة بيكون إلى القيام بأنواع جديدة من الدراسات العلمية التي ترتبط بحياة الإنسان ارتباطا وثيقا، بحيث يكون هذا العلم أساسا متينا تُبْنى عليه الفلسفة الجديدة، بدلا من ذلك الأساس الارسطي الواهي الذي يصفه بانه مجرد تجريدات لفظية .

كان هدف فرنسيس ييكون الذي يطرحه في " الاورغانون الجديد " هو ان يكون العلم، القوة التي يملكها الإنسان في مواجهة ظروفه، ولكي يصل الانسان إلى رأي صحيح في طبيعة الأشياء عليه ان يتحرر اولا من كل الاحكام المسبقة، التي تقف عائقا دون تقدمه. ان المعرفة هي بالحقيقة صورة عن الطبيعة دون تصورات تحمل على الخطأ، الاحكام المسبقة هي ما يسميه بيكون بالأوهام. وربما كان أشهر أجزاء كتاب " الأورغانون الجديد وهو لجزء الذي يتحدث فيه بيكون عن الأوهام الأربعة التي تحيط بحياة الانسان وهي:

1- أوهام القبيلة: وهي ناشئة عن طبيعة الجنس البشري، ذلك أن العقل ومعنى الطبيعة عندنا لايمكن أن ينشا إلا تبعا لمقاييسنا الانسانية، والعقل بمثابة مرآة غير مستوية إذ هو يجنح إلى مزج ذاته بالاشياء وهو بذلك يقوم بمسخ الاشياء.

2- اوهام الكهف: وهي اوهام قائمة في الفرد وهي تنشأ عن استعداداته، عن تربيته، عن عاداته وميوله.

3- اوهام السوق: وفيها يعتقد بيكون ان اللغة تقود أيضا إلى الخطأ من خلال تقديم دلالات خاطئة، عدا ان العبارات تقدم نفسها على الاشياء.من هنا تنشأ الخلافات حول الكلمات والاسماء والالفاظ.

4- اوهام المسرح: وهي اوهام متوارثة مع تعاليم المدارس الفلسفية. وقوامها استخدام اساليب برهانية معكوسة واختراع النظريات المبسطة. وهو يرى ان معظم الاراء الفلسفية السابقة، اشبه بمسرحيات غرضها التلاعب بعقولنا التي كثيرا ما تتقبل تلك الاراء دون مناقشة او نقد .

وبعد ان ينتهي بيكون من عرض الاوهام الاربعة، يؤكد على ضرورة التخلص منها جميعا حتى يكون دخولنا مملكة الانسانية بلا أفكار أو اوهام مسبقة ..لكن ما هو الطريق لدخول مملكة العقل والعلم .. يؤكد بيكون ان بداية الطريق هي الشك الذي هو طريق التجربة والخطأ.فالشك يدفعنا الى التجربة التي على ضوئها يتضح الطريق .

حظيت افكار فرنسيس بيكون باهتمام الفلاسفة، وكتب عنه الفيلسوف الالماني ليبنتز: "إنه حتى عبقرية عظيمة مثل ديكارت لتخر زاحفة على الأرض إذا قورنت ببيكون من حيث اتساع النطاق الفلسفي والرؤية الرفيعة "، وقد اعتبره فلاسفة التنوير مؤسسا للعهد الفلسفي الحديث واهدوا اليه موسوعتهم الفلسفية وقال ديدرو: " إننا إذا انتهينا من وضعها بنجاح نكون مدينين بالكثير لبيكون الذي وضع خطة معجم عالمي عن العلوم والفنون في وقتٍ خلا من الفنون والعلوم " .فيما اهدى ايمانويل كانط كتابه " نقد العقل المحض ": إلى بيكون معتبرا اياه المؤسس الاول للحداثة .

يكتب فريدريك كوبلستون في موسوعته الفلسفية: " ان مؤلف الاورغانون الجديد يحتل مكانة من اكثر الأماكن أهمية في تاريخ فلسفة العلم " .

***

علي حسين - كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

الحديث عن نتاجات المفكر الإسلامي الدكتور علي المؤمن، في مجال إعادة كتابة تاريخ العراق السياسي المعاصر، هو تخليد لمنجز شعبي ونخبوي عراقي، أشعر أنني جزء صغير منه، بل أشعر أنه جزء من كياني ووجودي، ورؤاي الفكرية وخياراتي الثقافية، وإذ أكتب هنا، أشعر وكأن فرصة ذهبية أتيحت لي للمساهمة في هامش عمل كبير، انفرد به الكاتب الفذ، في توريخ حقبة مظلمة، قلّما مرّ بها شعب من الشعوب على طول التاريخ، آملاً أن تكون سطوري هذه، دعوة لكل عراقي، أو متعاطف مع شعب العراق، أن يساهم حسياً أو أدبياً أو ثقافياً، في تخليد سفري الدكتور المؤمن: "سنوات الجمر" و"عروس الفرات".

كما هي دعوة لكل الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، العراقية، وغير العراقية، للمساهمة في تخليد الأحداث التي حاول السيد المؤمن استقصاءها وتدوينها، أو إبرازها، فهي اليوم أضحت ركناً مهماً من أركان تاريخ الإنسانية العام، وشاهد ماثل، على صراع الخير والشر، والعلم والجهل، والحق والباطل .

إنّ الرسالة التي يحملها الأخ السيد المؤمن في قلبه وروحه وعقله، هي رسالة المبادئ والقيم الإلهية، فكانت أعماله البديعة، هذه، مرآة تحكي صورة هذه القيم والمبادئ، في شريط الأحداث، عبر الشخوص الإنسانية، فالكاتب ينشد تشييد حضارة إلهية إنسانية، جعل مركزها، المنجز الإنساني نفسه. حيث أن الحضارة، هي ما يبنيه الإنسان على أرض الواقع، وما يصنعه من أحداث. وتتنوع الحضارات بتنوع القيم الراسخة في دواخل الإنسان، كمحرك لعقله وقلبه وجوارحه. ومن هنا كان اهتمام الكاتب علي المؤمن في التركيز على الإنسان، في مشاعره وأحاسيسه، ومنجزه الفكري والاجتماعي .

وهنا؛ ينبغي، ولزاماً، على كل دارس لمؤلفات الدكتور علي المؤمن، أن يضع نفسه في موضع الباحث والمستكشف، في تفاصيل كل أعماله، وبين ثنايا سطوره التي خطها قلمه؛ ليكتشف العوالم التي ينطلق منها، والعوالم التي يصبو إليها، والأهم، العوالم التي رآها جديرةً بالتسجيل والتوثيق، والتكبير، والتركيز، فهذا ضروري لكي يضع الباحث المستكشف، يده، على الصورة التقريبية للغد الذي يطمح إليه الدكتور المؤمن، والأنموذج الذي يشيده .

لقد اخترت، في معرض الحديث عن أعمال الدكتور المؤمن، عملين من أعماله، هما "سنوات الجمر" و"عروس الفرات"؛ لشعوري العميق بأنني أنتمي إليهما ولأجوائهما مباشرة، شأني في ذلك، شأن ملايين العراقيين، فهناك تلازم شديد، بين هذين الكتابين. فعندما كنت أجيل عيني بين سطور "سنوات الجمر"، وأتلمس الأحداث الدقيقة التي يوثقها، يخامرني شعور، بأن ثمة أنين دفين يكاد يند بينها، وعبرات وآهات تكاد تنسكب على صفحات الأوراق.. ثمة صرير سلاسل حديد، وعبرات ساخنة، ودم عبيط، يريد أن يظهر نفسه للقارئ، لكي يحس بما يقرأ .

وعندما صدرت روايته "عروس الفرات"، كنت أسلب نفسي، أحياناً كثيرة، من السياق الأدبي للرواية، لأتمثل لوعتها في شريط أحداث "سنوات الجمر"!، حتى ليخامرني شعور آخر، بأن "عروس الفرات" لاتفهم، إلا في إطار نص توثيقي، أو تحليلي، لكي يتفهم  القارئ كل سطر وكل حوار وكل زمن وكل موقف دار فيها .

وأزعم هنا، أنني أكتب للمستقبل، للأجيال التي تعيش الآن، والتي ستعيش غداً، ممن لم يعايش أحداث "سنوات الجمر" و"عروس الفرات"، ليكون هذان المنجزان، عبرة للمستقبل القريب!! كما هما للبعيد، فلا يمكن، لهذا الجيل، أن يقتنع، بأن قادة تنظيم (داعش)، الذين يبقرون بطون الحوامل، ويفجرون الجثث على المثكولين بها، وينسفون المساجد والكنائس ورياض الأطفال؛ هم أنفسهم ضباط التعذيب البعثيين الذين كانوا يغتصبون الفتيات البواكر أمام آبائهن وإخوانهن، ويذبحون صبياً في جادة تراثية وادعة، أمام أمه وجيرانه، ويرسلون عجائز هلكى، إلى طرق جبلية وعرة، بليل شتاء قارس، عشرات الكيلومترات، حفاة عراة، وسط حقول ألغام حربية، لمجرد اختلاف العرق والمذهب .إذن؛ الحاجة ماسة، لوجود شاخص أدبي حسي، يحكي للأجيال القادمة، والرأي العام العالمي، ما كان يجري في العراق منذ ١٩٢٠ إلى ٢٠٠٣ .

وهنا تكمن القيمة الأدبية لـــ"عروس الفرات"، فهي بأسلوبها الأخاذ، تحفر، في المتلقّي، جرحاً غائراً، في الضمير الشعبي، يصبح، مع الزمن، جزءاً من المخيلة الشعبية، وهذا ذروة الانجاز الأدبي ـــ بحسب "نعوم تشومسكي"ـــ، لتستعاد مع كل حدث مستقبلي، وطني، ديني، طائفي، أو حتى مناطقي .

وأيضا، هنا تكمن قيمة التسجيل التوثيقي لـــ"سنوات الجمر"، على أنها شاهد على العصر، ولاسبيل لتزويره أو تأويله، فقد قطع المؤلف الحصيف الطريق على التزوير والتأويل، الذي قد يطال أحداث هذه الحقبة، عبر (الأروقة السياسية) و(التشريعية والتنفيذية !)، أو الأروقة التاريخية والاجتماعية .

الاستاذ علي المؤمن أرخ ووثّق، لفترة، عمل المجتمع الدولي والإقليمي،كثيراً لمحو أحداثها، والتعتيم عليها، وهنا تبرز قيمة الجهد المعرفي والنفسي والجسدي، الذي بذله المؤلف، في ترميم لوحة الأحداث الممزقة، ناهيك عن العامل الأمني والسرية الحزبية التي تكتنف الكثير، مما وثقه، مما يتطلب جهوداً شاقة وحسابات كثيرة، قبل تدوين أية واقعة، لاسيما وأن الكتاب ألّف في زمن بلغت سطوة النظام الصدامي المجرم، أوجها، والتأييد الدولي والإقليمي، مداه الأبعد .

يحق لي هنا، أن أصف رواية "عروس الفرات"بأنها (جورنيكا الدعوة الإسلامية) أو (جورنيكا الشيعة) أو (جورنيكا العراق)، فالعالم قد خلّد واقعة قرية "الجورنيكا" الإسبانية، بلوحة رسمتها ريشة "بابلو بيكاسو" أشهر فنان عالمي، ويالكثرة أوجه الشبه بين مأساة العراق، ومأساة قرية "الجورنيكا"، فبيكاسو رسم لوحته الأشهر تخليداً لضحايا القصف النازي (قوة دولة)، أبان الحرب الأهلية الإسبانية، بعدما مالت موازين القوى لصالح فئة عدوة للنازي، لتهجم عليها طائراته بقسوة منقطعة النظير، لتترك المدينة حطاماً، من أشلاء النساء والأطفال والأبنية. والحالة في العراق أقسى بكثير من "الجورنيكا"، فالتمييز الطائفي والعرقي، كان يبتلع العراق من أقصاه إلى أقصاه، ولو أن الأمور سارت على وتيرة التغالب السياسي، أو التخندق الحزبي، تمهيداً لإعادة التوازن لقوى الدولة، سلمياً؛ لهان الأمر. ولكن قوى (الدولة) السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية، أفرغت كل مافيها من قهر وغلبة وبطش، وبقسوة بالغة، فوق رؤوس المغاير الطائفي والقومي، بغية إيقاف كل نشاط سياسي أو ثقافي، أو حتى اجتماعي، لكسر المعادلة الطائفية.

وفي تقديري المتواضع، إن ثنائية "سنوات الجمر" + "عروس الفرات"، هو أبرز عمل علمي وأدبي، أنتجه العراق، لفهم ما يجري في تلك الحقبة الطويلة، وهذا هو الذي حداني، لإقتراح أن تطبع رواية "عروس الفرات" على حواف "سنوات الجمر"، كما كان سارياً من قبل في طباعة كتابين أو ثلاثة، في متن واحد، يكون شرحاً، أو مشروحاً، أو نقضاً، أو إبراماً .

ولو أردنا استعارة التعابير السينمائية، فإن "عروس الفرات" هي الموسيقى التصويرية للفلم التسجيلي "سنوات الجمر"، وإذا نظرنا إلى "سنوات الجمر" على أنه نص تاريخي بارد؛ فإن "عروس الفرات" تأويله، لابعد أغواره، بل هي روحه وعمقه، وهي لحمته وسداه، هي عصفه وبرقه ورعده .

قد يكون كتاب "سنوات الجمر" أهراماً فنياً شاهقاً، يبهر السياح، لكن "عروس الفرات" هي حبّات عرق ودماء، تشخب على أكتاف المسخرين لبنائها. وبالتالي؛ فإن الواقع العراقي (المثالي) في الحقبة التي يؤرخها "سنوات الجمر"، تندمج فيه وقائع الكتابين، بل أن أحدهما يحرك الآخر، ويستولده .

نعم؛ هناك آلاف القصص الطويلة والقصيرة، التي يرويها شخوصها أو شهودها، قد حدثت في أمكنة أحداث "عروس الفرات" نفسها، ولكن؛ أن يرويها مؤرخ متمرس، ومفكر اجتماعي، وناقد بصير؛ فإن ذلك يضفي عليها، مصداقية أكبر، وشمولاً أوسع، وفاعلية أقوى، ليحولها من تفصيل يومي مكرور، إلى فاعل اجتماعي ونفسي ثابت .

وحسناً فعل الأُستاذ المؤمن، عندما أنتحى نحو (الأسطورة الملحمية ) كقالب أدبي يفرغ فيه حمولة ذاكرته وعذاباته وآلامه ومعاناته (والناس معه)، ليس لقلة الوقائع الفعلية، بل العكس، لكثرتها وتشابهها، حتى أصبحت لازماً حياتياً يومياً، فحوّلها، من مادة أولية وثائقية، تعني أفراداً معيّنين، إلى إطار رمزي يعبر عن كل القصص المتشابهة، فلك أن تقول أن شخوص "عروس الفرات"، رمزية، ولك أن تقول أنها واقعية، وما بين رمزيتها المفرطة في التعالي عن الواقع، وواقعيتها الشديدة التي تكاد تجاري دقات عقارب الساعة؛ يفتح الكاتب الأبواب أمامك مشرعة، بأقصى ما تنفتح، إلى كل ألوان التعبير الإنساني الفني، السينمائي والمسرحي والغنائي والأبي، فضلاً عن الرسم والتجريد والنحت والغرافيك، وليفتح أمام كل لون من ألوان التعبير هذه، العديد من الخيارات التقنية، المدمجة والمفككة .

فعندما يقشعر بدنك للصمود الأسطوري للمرأة العراقية في محنتها؛ فذلك يحيلك إلى تأثير أدب (بنت الهدى) الذي خطف قلبها، وعندما يتملكك العجب من الشجاعة الفائقة التي إمتاز بها أبناء الحركة الإسلامية؛ فذلك يحيلك إلى أثر (الحرارة الدينية) التي سعّرها السيد الشهيد محمد باقر الصدر في مريديه، وفلسفها في كتبه، والتي سرت في مفاصل الأمة، من (غار حراء) إلى أقبية (الشعبة الخامسة)، ومن (معركة بدر)، إلى (خان النص)، حتى ليتراءى أمام مستكشف الوقائع التاريخية أن "عروس الفرات" مدمجة مع "سنوات الجمر"، وهو حال جميع آثار وأفكار الدكتور علي المؤمن؛ فأحدها يفسر الآخر ويشرحه ويعلله، لأنه ظل منذ أربعة عقود يشتغل على مساحة موضوعية واحدة، ويسير في مضمار فكري وبحثي واحد، يربط عبره الماضي بالحاضر بالمستقبل، ويستخدم أغلب فنون الكتابة ومناهج البحث والمداخل العلمية، لتحقيق هدف واحد.

وللقاري الحق في أن يقرأ "عروس الفرات" كنص أدبي ملحمي، رمزي أو واقعي، لكن لي أيضاً أن أفترع حقاً جديداً، هو قراءتها بالتزامن مع "سنوات الجمر"، ولاغرابة في ذلك؛ فإن كثيرا من الوقائع التي تقرأها في "سنوات الجمر"، لن تفهم حقيقتها التاريخية، إلا وأنت تتصور شخوصها، أنهم الذين تجري عليهم أحداث "عروس الفرات". ولن تعيش عوالم "عروس الفرات"، إلا وأنت مطل عليها من نافذة أبطال أحداث "سنوات الجمر"، بل لايمكنك أن تعيش (سنوات العروس) إلا وأنت تكتوي بلظى (جمر الفرات) .

ولن تشم رائحة شواء لحوم المعتقلين بأعقاب سجائر السجانين، إلّا حين تُدخل نفسك في صندوق حياةٍ، إمتدت منذ إعدام الشهيد محمد باقر الصدر، إلى "مخيم جهرم" للمهجرين العراقيين، ولن تدرك سر الروح التي كانت تضغط على الزناد في "معسكر الشهيد الصدر" للمجاهدين العراقيين، إلّا حين تدخل في  تلافيف الحوار الداخلي لــ "السيد عبد الرزاق الموسوي" وهو يرى ابنته "شيماء" عارية تغتصب أمامه .

كنت أقول سابقاً، عندما نترادف مع بعضنا في معلومات ووثائق كتاب "سنوات الجمر"، حين صدوره، إننا نعيش حرباً أهلية مكتملة الأركان .فـــ"سنوات الجمر" لايؤرخ لحياة حزبية، ولا لعملية سياسية، بل يؤرخ لحرب أهلية، قاعدتها العريضة التمييز الطائفي، في ظل نظام علماني طائفي إقصائي، يقهر المكون الإنساني الأكبر والأعزل، بأدوات الدولة الطائفية، العسكرية والأمنية والاعلامية والثقافية .

لاشك أن ما كتبه علي المؤمن في تاريخ الحركة الإسلامية والأدب الملحمي والدراسات الاجتماعية والأعمال الفكرية، هو مادة ثرة لكل سياسي، ففي ضوئها يستطيع فهم الواقع السياسي العراقي أو بنيته التحتية على الأقل، وفي ضوئها يستطيع استشراف المستقبل، ويستطيع في ضوئها ضبط فعله السياسي، فالأستاذ المؤمن كاتب متعدد المزايا، فهو لا يكتب، كمراقب تسجيلي، بل كتب، ويكتب، كفاعل سياسي واجتماعي وثقافي .

وبالرغم من أن بعض المراقبين والمتخصصين يرى في (التحيز) الايديولوجي للدكتور المؤمن، مثلبة في المؤرخ والمفكر، إلا أن (التحيز) المزعوم عند السيد المؤمن، عنصر ثقة مراكم، يضيف مصداقية أكبر، للدقة في تحري المعلومة، والحرص على وثاقة مصدرها. بمعنى أن انتماءه الفكري وإيمانه بعدالة قضيته، يضفي، علمية أدق على مايدونه.

***

محمد الموسوي - باحث عراقي

 

نجيب طلالالمشهَد الخاص: مبدئيا لم أفاجأ بالإصدار الأخير “خمسة أيام في فلسطين المحتلة” (1) للشاعر المكافح والجسور - محمد بلمو - لماذا؟

فيوم تعرفت عليه كطالب بجامعة فاس، وفي إطار تنظيم تقدمي (؟) وقتئذ؛ وهاجس القضية الفلسطينية وطروحاتها، وأطروحاتها وتطوراتها، تنمو في دواخله وتسكن حدسه وروحه وجسده وجوارحه؛ كبقية الرفاق، ولكنه كان ظاهرة استثنائية؛ هو والطالب (الصادقي وباديش)(2) لسبب بسيط أن ينم عن مدى حبه وتعلقه بفلسطين؛ وذلك ارتباطا بالمجال والفضاء الذي عاش فيه وتربى فيه منطقة بني عمار- الفيحاء بشجر الزيتون؛ وهذا الأخير له دلالة عميقة بفلسطين وتاريخها . والمسألة التي ضاعفت وساهمت في تأثيره وتأثره؛ بُعَيْد التحاقه بعوالم الإعلام والصحافة وحياة العاصمة التي كانت تعيش بين الفينة والأخرى على إيقاع المسيرات الحاشدة إنزال الفصائل السياسية؛ دفاعا عن القضية الفلسطينية وشجب الاحتلال الصهيوني ناهينا عن أنشطة وإنزال الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني؛ واللقاءات الحماسية التي كانت تتم في المركز الثقافي السوفياتي (وقتئذ) كل هذا كان مؤثرا في تركيبة الصديق الفاضل – بلمو- وفي غيره ... وبالتالي فطبيعي أننا نجد هذه العوامل قد تضافرت معاً، لتطيل وتشدّد من وطأة استحواذ الوعي لديه بالقضية الفلسطينية كقضية إنسانية؛ تاريخية؛ وجودية؛ عروبية؛ قومية. وبالتالي فزيارته للأراضي الفلسطينية؛ وإن كانت  ذات طابع جماعي ومهني؛ على إثر إتمام وافتتاح مطار غزة الدولي وبتنسيق بين السلطة الفلسطينية ومكتب مطارات المغرب سنة[1999]

استغلها لسرد ما رأته العين وما أحس به؛ كشاهد موقع/ مكان؛ ناقلا إلينا صورا ومشاهد لكي نتماهى مع الوضع الشاذ والاستثنائي الذي يعيشوه إخواننا الفلسطينيين، فهاته اليوميات التي جاءت على أنقاض زيارته؛ والتي تعد فرصة . ولكنها تأكيد بأن  القضية الفلسطينية تجري مجرى الدم في عروق وكيان الشاعر/ الإعلامي – محمد بلمو- وهي الدافع لتدوين مشاهداته؛ التي لاتندرج ضمن زاوية نظر؛ ولكنها نتيجة فعل النظر والملامسة والمعايشة عن قرب. وإن كان ذلك الفعل – مراقب- بشكل دقيق وأمني:... وفق إجراءات تتحكم فيها أطراف تيسيرية وأخرى تعسيرية، تتمثل في الطرف الفلسطيني الذي بذل وسعه في تذليل العقبات والصعوبات التي يختلقها المحتل لإزعاج الوفد الصحافي المغربي، وفي الطرف الإسرائيلي بعديد مكوناته الذي لم يذخر جهدا ولا طريقة تضييقية لعرقلة المسار.. تضييقات ومضايقات هي حصيلة ما يجترحه الاحتلال الصهيوني من أساليب قمعية وقهرية للشعب الفلسطيني (3) هاته حقيقة يعاني منها أي وافد عربي للأراضي المحتلة؛ ناهينا عن تكريس البطش والهيمنة والاستبداد ضد الأهالي، لكن من باب المزايدات التي أصابت الجسد الثقافي المغربي؛ ربما أحدهم يؤكد بأن الوضع الذي أشار إليه الكاتب  في الكتاب يعود لعقدين من الزمن؛ أي أن الأوضاع اختلفت وستختلف لما هوأحسن؟ ربما ! ولكن هنالك تقرير لهاته السنة لاتعرفه إلا القلة يقول: وكان من شأن الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والتوترات التي تصاعدت في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أثناء زيارة البعثة وخلال كتابة هذا التقرير، أن ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام. ومن كلا الجانبين، قُتل ُجرح مدنيون - عمالا وأصحاب عمل ونساء ورجالا - حيث علقوا في دوامة الصراع الذي تغلغل في جميع جوانب حياتهم (4) طبعا ممن ستتيح له فرصة قراءة المنجز سيطرح أسئلة وتساؤلات منها المشروعة ومنها المزايدات الجوفاء:

تساؤلات طارئة:

- هل خمسة أيام كافية لتدوين ما يعانيه الشعب الفلسطيني؟  - ما جدوى من هذا الإصدار؟  - لماذا لم ينشر فيما قبل أو ما بعد زيارة 1999 بسنوات؟ -  فصدوره الآن هل له علاقة بالتطبيع أو اللاتطبيع؟ - من أي زاوية سيساهم هذا المنجز في القضية الفلسطينية؟ هل بادرته ومبادرته ستكون نموذجا للمثقفين، في تدوين مارأه في أسفارهم  لمدن ودول خارج الدولة – الأم -  إسوة بالسلف الذي كان يدون رحلاته؟

المشهد العام:

هنا فصاحب الكتاب ليس من حقه أن يجيب عن مثل هاته الأسئلة لأنه قدم ما يمكن أن يقدمه، مسجلا بذلك مشاهداته المؤلمة، وتقييدا ته التي تتنفس وجعا وتعاني مغصا عارما.، كل هذا طبقا لما شاهده هناك، وما كان مسموحا له ولرفقائه الصحفيين التحرك فيه بحيث: هذه بعض ملامح المجال الذي كان على الصحفيين التحرك والقيام بمهامهم. مجال ملغوم، ومتوتر، قابل للانفجار في كل لحظة، باعتبار ما تمارسه  إسرائيل من سلطات تعسفية في حق الفلسطينيين والهوية الفلسطينية. مجال موجوع، متألم، مقهور، مقموع، مراقب، مضطهد.. في مختلف حالاته وأوضاعه، اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا (5) في أجواء هذا المجال تحرك - محمد بلمو- ورفقاؤه، وعبر احتكاكاته بالأمكنة (بخطوطها الأفقية والعمودية)، وأهل فلسطين..بحيث توقف عند الأمكنة متحسرا، تلك التي تم طمس معالمها الأصلية؛ إثر تدخلات تدليسيه إسرائيلية . وهذا هو الواقع والإيقاع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني؛ وارتباطا بالمعالم والعمل؛ نعود للتقرير الذي يشير: وكان من شأن الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والتوترات التي تصاعدت في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أثناء زيارة البعثة وخلال كتابة هذا التقرير، أن ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام. ومن كلا الجانبين، قُتل ُجرح مدنيون - عمالا وأصحاب عمل ونساء ورجالا - حيث علقوا في دوامة الصراع الذي تغلغل في جميع جوانب حياتهم (6) وهذا الأمر يمكن مشاهدة في يوم واحد؛ فبالأحرى في خمسة أيام؛ وإن كانت غير كافية لتدوين خبايا وأسرار ما يقع في الأراضي. مثلما تحدث عن الألم: وعن الإحساس بالاحتلال الذي وجده “واقعا ملموسا” في معبر رفح، حيث عاين معاناة الفلسطينيين لساعات طوال من أجل السماح لهم بالمرور (7) وفي خمسة أيام؛ قدم لنا ما كنا لا نعلمه؛ وخاصة مسألة [المطار] في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على المطار الذي يشكل عنوانا بارزا لدولة فلسطين المأمولة، لكن الاحتلال لا يريد لمطار[غزة] الدولي أن يشتغل، فهو مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية؛ لذلك تواجِه نشاطه بالعراقيل وتستقبل زبناءه في معبر رفح بامتعاض يجعلهم يقررون عدم العودة إليه مرة أخرى(8) وبحدسه الصحفي ورؤيته الشعرية لما وراء الصور؛ يسرد علينا عن يهوديين مغربيين وجدهما صدفة بالأرض المحتلة، رافقه أولهما في الطائرة، قبل أن يجده مستنطَقا في خروج ودخول مع موظفين متعددين، لأنه “اختار المجيء عبر مطار غزة وليس عبر مطار [بن غوريون] لذلك لم يغفر له إخوته في الدين هذه الزلة، حتى وإن كانت غير مقصودة. أما ثانيهما فوجده ب”معبر إيريز” الذي يسميه أصحاب الأرض “معبر [بيت حانون]: ما إن وقفنا قبالة الجنود الثلاثة حتى بادر أحدهم بتحيتنا بلهجة مغربية خالصة قائلا: تبارك الله عليكم ! كان ذلك مفاجئا لنا، لكننا فهمنا بسرعة أنه يهودي مغربي، فأجبناه في نفس الوقت: الله يبارك فيك، ثم سأله تافنوت: الأخ مغربي؟ من أي منطقة؟ نظر إلينا ثم إلى الجندي الأشقر الذي كان يتابع الموقف، دون أن يعرف فحوى الحديث الذي انطلق بدون مقدمات.. صمت قليلا كمن أحس بأنه تسرع في حديثه معنا، ثم قال بلهجة تنم عن رغبته في التخلص من هذه الورطة ورفع الحرج عنه أمام زميله الذي كان يتابع المشهد بارتياب: أنا مغربي.. من الشلوح”. من الأطلس المتوسط؟ سألتُه، لكنه لم يرد، كما لو أنه لم يسمع السؤال، والحقيقة أنه كبت تلقائيته الأولى كمن أدرك أن موقعه الجديد كإسرائيلي وجندي في جيش العدو لا يسمحان له بالتمادي في الحديث مع إخوانه المغاربة، أو مع أشباح ماضيه على الأصح (9) وبالتالي فالصورة واضحة؛ لكن المبهم؛ أن اليهودي الخارج عن المنظومة الصهيونية المتحكمة في الأراضي الفلسطينية؛ بدوره تمارس عليه الإكراهات والعنصرية والجملة هاهنا كاشفة لذلك؛ ولكنها لن تستطع الوصول  إلى (لماذا؟): لذلك لم يغفر له إخوته في الدين هذه الزلة، حتى وإن كانت غير مقصودة. لكن الذي توصل إليه وبعد مروره من [بيت حانون] تلك العنصرية الصارخة بين عيش المستوطنات الباذخ، والقرى الفلسطينية المعزولة المهملة، التي لا يتوفر بعضها حتى على طريق صغير مُعَبد يصلها بالعالم: كأننا انتقلنا من دولة فقيرة إلى دولة غنية” حيث “لا شيء هنا يشبه ما تركناه في قطاع غزة، الحافلة من النوع الممتاز، أفضل بكثير من الحافلة الغزاوية. الطريق سيار واسع من الطراز الأمريكي، وعلى الجانبين حقول خضراء شاسعة (10) هنا نستشف بأن شاعرنا اقتحم الحدود الفلسطينية بكل تلقائية؛ وذلك من زاوية الحضور العيني والعياني للمدن الفلسطينية ك[عسقلان] التي “يسميها المحتلون (اشكلون) و[بيت حنون] و[غزة] و[القدس] و[بيت لحم] و[يافا]: التي تعتبر من أقدم مدن العالم، فقد عالج الاحتلال موضوعها بطريقة خطيرة جدا؛ إذ أحاطها بمدينتين استيطانيتين، هما (تل أبيب) من الشمال و(باتيام) من الجنوب (..) تتوسعان في اتجاه يافا، وتضغطان عليها (..) والنتيجة أن الكثير من سكانها اضطروا إلى النزوح سنة 1948(11) فهاته حقائق من الضرورة التعريف بها ومحاولة مناقشتها؛ لأن ما يقدمه الإعلام "السمعبصري" في كثير من الأحيان يكون مضللا؛ لاعتبارات دبلوماسية وتوجيهات دولية: لم أتخيل وأنا أسمع بهذه المستوطنات من قبل، بأن الأمر يتعلق بمدن كاملة، تتوسع باستمرار وبوتيرة عالية. تشق لها الطرق الضخمة وسط الأراضي الزراعية الفلسطينية، لتربطها بباقي المستوطنات ومدن الاحتلال، يسميها الفلسطينيون الطرق الالتفافية، في طريقنا إلى بيت لحم، شاهدنا عن بعد ثماني مستوطنات مبنية على الطراز الأوروبي(12) فهاته المفارق  كما أشرت لا يقدمها لنا  الإعلام "السمعبصري" كاشفا عيش أصحاب الأرض حياة تعيسة ومأساوية في مخيم احتضن ثلاثة أجيال، وبين الحياة الباذخة/ المخملية/ العصرية للمستوطنين في مستوطنات لا تبعد عن المخيمات إلا بكيلومترات قليلة. وبدوري لم أنتبه لهذا أمام زخم الصور الواردة من هناك؛ والتي غالبا ما تركز على هدم المباني وتهجير الفلسطينيين وما شابه ذلك؛وبالتالي فالحكمة الواردة ليس من رأى كما سمع؛ لأن السمع يرتبط بالدعاية والإشاعة؛ لكن المشاهدة والمعايشة تبطل ذلك؛ بمعنى أن شاعرنا يسلط الضوء على جانب مهمل في طروحاتنا، يتجلى في  مسألة اللغة: “قضينا الليلة الثانية من زيارتنا في فندق حياة بمدينة القدس.. لا شيء في هذا الفندق يحيل إلى هوية الأرض التي بني عليها. اللغة العربية لا أثر لها في مطبوعاته ولوحاته (..) تحاول أن تعطي للزائر الأجنبي انطباعا مشوها عن الواقع والتاريخ أيضا.... وفي إحدى المطبوعات السياحية لدولة الاحتلال، كُتِب تحت صورة المسجد الأقصى: من بقايا العهد العربي. كأنما عروبة القدس أصبحت في عداد الماضي(13) وفي نفس تدوينة الشاعر محمد بلمو- يثير “باب المغاربة” تلك الساحة التي نراها عبر شاشة التلفزة مزدحمة باليهود، يمارسون طقوسهم أمام حائط المبكى؛ وهو في الأصل والتاريخ حائط البراق بقوله: هذه الساحة جزء من حي المغاربة الذي دمره الاحتلال ليحوله إلى مكان لممارسة هذه الطقوس اليهودية، هنا كان يسكن العديد من المغاربة. كانوا يأتون إلى الحج، وحين يستشعرون الخطر المحدق بالمدينة، يقررون الإقامة هنا بجانب المسجد الأقصى للدفاع عن المدينة المقدسة (14) لكن ما أحسست به،متسربلا بين السطور أن صاحب المنجز لم يذق طعم النوم؛ لسبب طبيعي يتمثل في الخوف والأرق والصدمة، باعتباره منوجد في قلب فلسطين الجريحة؛ والتي أعادت له كل حمولاته النفسية / الفكرية/ الثقافية/ بحيث من المنطلق وفي وسط التدوينة نجد مفردة (النافذة / الشرفة) كإشارة للترقب والمراقبة والتأمل؛ مما شكلت له "النافذة / الشرفة" وعيا شقيا؛ في إطار الحسرة، والقلق، ومرارة الواقع الفلسطيني:  ناظرا من نافذة الطائرة إلى صحراء سيناء وأراضي قطاع غزة، وذاكرته “تستعيد أخبار الحروب وعمليات التهجير والمجازر والاستيطان، قبل أن تهدأ عاصفتها على إيقاع صور الانتفاضة المغتالة (...) كنت وحدي في الغرفة، أحسست بالاختناق، رغم أن المكان فسيح ومغر.. نهضت نحو الشرفة، أزحت ستائرها وانسللت إليها لأستنشق هواء القدس العربية.. تمعنت في المشهد، لا وجود لقبة الصخرة ولا للكنائس القديمة، ولا لسور مدينة الصلاة. فالشرفة تطل على منطقة استوطنها الإسرائيليون، وشيدوا فيها أحياء عصرية تخترقها شوارع واسعة مضاءة.. كنت وحدي في غربة الشرفة” (15)

وعموما؛ فهذا المنجز الحامل بين دفتيه ملاحظات تأملية تاركة أسئلة مفتوحة؟ ومشاهدات بَوْحيَّة  تشعل حرائق الأسئلة؟ يمكن أن يعتبر رسالة واضحة، تعيد النقاش مرة أخرى حول القضية الفلسطينية بمنظور جديد؛ منظور بعيد عن الإجتراروالتكرار؛ ولكن بمنظور متقارب مع القضية، وإشكالية التطبيع في العالم العربي؟ وفي نفس الوقت؛ أرضية لإعادة النظر في مهمة الشاعر ووظيفته، كما يمكن أن تعيد بنا لسؤال شرعية الكتابة الممتدة في الزمان التاريخي والوجداني، وطبيعة الكتابة البديلة، التي تناضل من أجل تحقيق العدالة والعدالة الاجتماعية والعدالة الإنسانية.

الإستئناس:

(1) 5 أيام في فلسطين المحتلة” لمحمد بلمو؛ ولوحة الغلاف للفنان الفلسطيني الكبير - محمد الركوعي- عدد صفحاته 150 - عن منشورات مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية /2022

2) محمد الصادقي (نموذج فقط) منذ بلوغه وهو يناضل بالشعر والكلمة، والحضور في الساحة. حتى أنه قاد مسيرة من إحدى إعدادية أزرو. دعما للقضية الفلسطينية وضد زيارة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لمدينة افران فاعتقل على إثرها بسجن اخنيفرة رفقة رفيقين وبعد التحاقه بكلية فاس، بعدما نال شهادة البكالوريا في السجن، ازداد نضالا وحماسا تجاه القضية الفلسطينية لكن اثر الضغوطات والصراع النفسي، فقد عقله وظل تائها في أزقة مدينة أزرو. لكن الإشكالية الكبرى فالتنظيم التقدمي لم يفكر فيه أو يساعده أو يتذكره (تلك) (أزمة اليسار) وربما توفي لأنني زرته  قبل ظهور فيروس) كوفيد (بسنة. فلم أجده أمام  فندق والحانة القريبة من الصخرة. أما (محمد باديش) نموذج قل نظيره  في كتابة الشعر العروبي والقومي؛ حتى سكنته فلسطين، في جوارحه، فكان رفقة – محمد بلمو- يحضران الحلقات لتقديم جديد  القصائد الشعرية تجاه القضية الفلسطينية، فكانت أشعاره متميزة وحماسية، لكن لطبيعته وتربيته الصحراوية كان يتقاتل من أجل البحث عن موارد إضافية، فاهتدى لبيع الكتب رفقة – الصادقي- في ساحة جامعة ظهر المهراز آنذاك، وبعض المداخل كان يساهم بها في صندوق القضية الفلسطينية، لكن صعوبة الحياة وتقلب الأيام، لم يكمل سلكه الجامعي، فآخر عمل اشتغله قبل أن يتوفي رحمه الله (حارس عمارة) وبدوره فالتنظيم التقدمي لم يفكر فيه أو ساعده !

***

طلال نجيب

.........................

3) مقدمه للكتاب من طرف محمد إدارغة – ص 3

4) وضع عمال الأراضي العربیة المحتلة : ص- 10 -   تقرير المدير العام – ملحق عن مؤتمر العمل الدولي- الدورة 110/ 2022

5) مقدمه الكتاب – ص - 4

6) وضع عمال الأراضي العربیة المحتلة : ص - 12

7) متن الكتاب  لمحمد بلمو/2022

(8) نفسه

(9) نفسه

(10) نفسه

(11) نفسه

(12) نفسه

(13) نفسه

(14) نفسه

(15) نفسه

 

علي حسينقد يبدو الحديث عن كيركغارد او كانط او حتى شوبنهاور في هذا الوقت غريبا الى حد ما.. فما بالك وانت تريد ان تتحدث عن فيلسوف لا يزال البعض يعتبره لغزا من الغاز الفلسفة واعني به هيغل.

في مقدمة كتابي "في صحبة الكتب" وضعت قائمة لكتب اصابتني بالحيرة في بداية قراءاتي الفلسفية، ومن بين هذه الكتب، النسبية لاينشتاين "، الكينونة والعدم لسارت، والوجود والزمان لهايدغر، راس المال ماركس، نظرية المعرفة لينين، ثلاثية كانط عن العقل، وكتاب ظاهريات الروح لهيغل.. وكان عليّ لكي اتجاوز هذه الحيرة ان ابدأ بقراءة الكثير من الكتب عن السادة " المحيرون " هؤلاء. قبل ان اقترب من هيغل كنت اتصور نفسي القارئ " الخطير " الذي لايشق له غبار، وان باستطاعتي ان اهتك اسرار أي كتاب يقع بيدي، وان بامكاني ان اقرأ نصوص الكتب قراءة جيدة، إلا ان قررت يوما ان اجرب حظي مع كتاب " مبادئ فلسفة الحق " للفيلسوف الالماني هيغل، وكان الكتاب من اصدارات وزارة الثقافة السورية لعام 1973 ترجمة تيسير شيخ الارض.- صدرت بعد ذلك ترجمة اخرى للكتاب بعنوان اصول فلسفة الحق قام بها امام عبد الفتاح امام اشهر من قدم هيغل الى العربية -. ما الذي استهواني بالكتاب حتى دفعت مبلغ وقدرة " ثلثمائة فلس عراقي " عدا ونقدا للمرحوم بناي جار الله لشراءه. كان الفضول الدافع الاول، والدافع الثاني حديث بعض الاصدقاء من ان ماركس كان متأثرا بهيغل، والدافع الاهم انني اردت ان اعرف ماذا يريد ان يقول هذا الفيلسوف الذي شاهدته صورته الملونة في مجلة المعرفة ويبدو متضايقا من العالم. بعد ذلك كانت العبارة المكتوبة على الغلاف الأخير للكتاب حافزا لكي اخرج النقود من جيبي واسلمها لصاحب مكتبة التحرير، فقد كتب المترجم ان هذا الكتاب من اوآخر كتب هيغل، وانه يحوي على مجمل فكره، وان الموضوعات التي يطرحها تتعلق بالانسان.. في البيت هيأت نفسي لقراءة ممتعة، لكن ما ان وقعت عيني على السطور الاولى من التقديم والتي تقول: " ما من احد ينكر الصعوبة الناجمة عن تفسير الفلسفة الهيغيلية "، حتى تيقنت انني وضعت نفسي في ورطة، وان الكتاب سيأخذ بخناقي ويضعني في قائمة القراء " الغشمة "، اذ لم اكن قد تحولت بملء ارادتي الى قارئ غشيم.. وتخيلت نفسي وانا اصارع كتاب " مبادئ فلسفة الحق " مثل سيزيف الذي قرأت عنه في كتابات البير كامو، ادفع بكتاب هيغل الذي تحول الى صخرة الى قمة جبل من الغموض، ثم اتابع هذه الصخرة وهي تسقط في حضني من جديد. وضعت صخرة سيزيف – مبادئ فلسفة الحق – في مكان داخل مكتبتي البيتية التي بدأت تنمو، على امل ان اجد يوما من يساعدني على حمل مثل هذه الصخور.

لماذا تذكرت هيغل هذا اليوم بالذات، والناس مشغولة البال بما يجري في بلاد النهرين، ومتى تغلق باب الازمات ؟. كنت اليوم كعادتي في كل جمعة اجلس في بيت المدى في شارع المتنبي عندما اقترب مني شاب، يحمل نسخة من كتابي " غواية القراءة " وطلب مني ان اوقعه له. كان يحمل معه مجموعة من الكتب دفعني الفضول ان اسأله عن عناوينها، نظرت الى الاغلفة وكانت اكثرها كتب فلسفية. واحد بعنوان نصوص من الفلسفة الحديثة، وكتاب يبدو غلافه قديما بعنوان في الفلسفة المعاصرة. وكتاب مفكرون عظماء.. قال لي الشاب انه يهوى قراءة الكتب الفلسفية لكنه يجد صعوبة في فهم البعض منها، ثم طلب مني مشورة حول كتب هيغل، واي العناوين يمكن ان يبدأ به.. تحدث الشاب كثيرا عن الفلسفة، وكنت انظر اليه واتذكر حماسي ايام الشباب، وكيف كنت اريد ان اقرأ كل شيء.. اخبرته بمحنتي القديمة مع هيغل وقدمت له النصيحة التي قدمها لي ذات يوم الراحل يوسف عبد المسيح ثروت، وتتلخص في البحث عن الكتب التي كتبت عن هيغل، لكي تكون جواز مرور للدخول الى فلسفة هذا العقل المثير للجدل.

في كتابه " تاريخ الفلسفة الغربية " يصف برتراند راسل، هيغل بأنه " الفيلسوف الأصعب "، فيما اعترف هو بأنه: " من السهل أن تكون غير مفهوم بدرجة عالية، من أن تكون مفهوماً بطريقة بسيطة ". ويصف بعض كتاب سيرته بان كتاباته بالنسبة للفلسفة مثل قمة إيفرست لمتسلق الجبال.. ورغم مكانة هذا الفيلسوف الكبيرة في الفكر العالمي، إلا ان الوجودي كيركغارد كان يرى في هيغل وفلسفته بانهما " يشكلان مقالا في الكوميديا ". وعندما قرأت مقال كيركغارد الذي ترجمه مجاهد عبد المنعم مجاهد ونشر في كتابه " رحلة في اعماق العقل الجدلي، قلت مع نفسي ان هذه الكوميديا التي يسخر منها كيركغارد، لا تزال تشكل بالنسبة لي احدى قمم الجبال التي لا يمكن الصعود اليها بدون ان نتسلح بكل ادوات التسلق.

عندما اكتب في صفحتي على موقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك " عن هيغل او كانط او سبينوزا تكون خشيتي من ان بعض الموضوعات ربما تكون جافة وصعبة ولا تتحملها اجواء الفيسبوك التي تتطلب مقالات سريعة وقصيرة، وايضا خوفي من ان يقول البعض يارجل مالنا ومال فلاسفة أكل الدهر عليهم وشرب. فيما يتساءل البعض لماذا نولي اهتمام لفلاسفة مثل هيغل ونحن نعيش عصر السرعة والتغريدة القصيرة وهيمنة ال" التك توك ".ويكون جوابي دائما ان هؤلاء الفلاسفة استطاعوا ان يناقشوا معظم المسائل التي تحيرنا في الوقت الحاضر ووجدوا اجابات مهمة لا نريد للاسف ان نتعمق فيها.

دائما ما يطرح سؤال: ما مصدر تلك المكانة التي يتمتع بها هيغل، يقول البعض ان ذلك نابع من اهتمامات هيجل نفسه وخصوصا بمسائل الدولة ومناقشة معضلات المجتمع، ان عبارته الشهيرة " الدولة هي ارفع اشكال الروح الموضوعية " لا تزال تمثل التراث السياسي لمعظم الامم في العصر الحديث.. وكان من حسن الحظ ان فلسفة هيغل لم تكن فلسفة مغلقة تبحث فقط في المعاني الفلسفية التي تهم المختصين بالفلسفة، وانما كانت فلسفة مفتوحة تبحث ايضا في القضايا التي تهم الناس، فإلى جانب كتبه " ظاهريات الروح " و" المنطق "، كتب هيجل في فلسفة التاريخ وعلم الجمال وفلسفة القانون.. وقد كان هيغل تجسيدا حياً للفلسفة من حيث هي عمل يشتغل به الانسان، ولم يكن يخجل من أن يوصف بانه فيلسوف محترف، اذ ان الفلسفة عنده حرفة، لها قواعدها ولغاتها واحوالها، وتقتضي مرانا وتدريبا عقليا خالصا، ومن العجيب ان الآراء لا تزال تختلف الآراء حول فلسفته، فالبعض ينظر اليه كما ينظر الى ارسطو على انه هو الفيلسوف الذي اتى بمذهب رحب يضم في داخله كل الفلسفات السابقة، والبعض الآخر يعده الخطأ الأكبر في الفكر البشري، وليس في هيغل الانسان اي جانب طريف، اذ يبدو ان الهدف الوحيد لحياته كان القيام بدور كاتم سر "الفكر"، لقد وصف هيغل فلسفته بانها: "محاولة لجعل الفلسفة تنطق بالالمانية"،

هل نحتاج ان نتحدث عن حياة هيغل. يصفه احد تلامذته بهذا الوصف المثير " " القامة خمسة اقدام وبوصتان (اي حوالي 167 سنتيمترا) الشعر والحواجب غامقة والعيون رمادية والانف والفم متوسطتان والذقن مستديرة والجبهة عادية والوجه بيضاوي باستطالة ". وشهد غالبية طلبته بانه لم يكن ذا جاذبية. وكان وجهه على حد قولهم شاحبا كما كان مترهلا. اعتاد ان يهمل ملابسه وهو جالس على كرسي الفلاسفة لألقاء محاضراته، بدأ دائما كانه متعب. وكان يطرق براسه وهو يتكلم في تردد متصل، فضلا عن انه كثيرا ما كان يسعل وسط الكلام.

ولد جورج فيلهلم هيغل في مدينة ستيغارت الألمانية عام 1770، لعائلة فقيرة، فقد أمه التي كان يحبها كثيرا في الحادية عشرة. وقتل أخوه في الحرب، وجنّت أخته التي كان متعلقاً بها كثيرا، كان الوالد موظف بسيط، والأم ربة بيت لا تعرف القراءة والكتابة، ولم يبلغ عامه التاسع عشر حتى اندلعت الثورة الفرنسية التي اطلق هو عليها فيما بعد "الفجر الجديد". عاش هيغل في العصر الذهبي للأدب الألماني، وبالرغم من كونه اصغر من غوته بعشرين عاما، ومن شيلر بعشرة اعوام، فقد استطاع ان يتقرب من حلقتهم الضيقة ويصبح احد مريدي غوته، وهناك يرتبط بعلاقة صداقة مع شاعر المانيا الكبير هولدرلين.

كان هيغل اكبر إخوانه حظوة عند أبيه وذلك لأنه كان يرى فيه الذكاء المفرط، وقد ارد الوالد ان يجعل من ابنه كاهناً، فسجله في الفصل الأكاديمي بجامعة "توينجن" لدراسة اللاهوت، وهناك تعرف على شيلينغ الذي سيصبح اقرب اصدقائه وكان يصغره بخمسة أعوام، إلا أن دراسة اللاهوت لم تستهوه فقرر الانصراف لقراءة مؤلفات افلاطون وسنيكا ومونتسكيو، ثم وجه اهتمامه الى جان جاك روسو وكان كتاب "العقد الاجتماعي" بمثابة كلمة السر التي تراءت لهيغل الشاب من اجل قيام فلسفة ثقافية حديثة الأسلوب، وقد دفعته آراء روسو الى ان يشكل نادياً للسياسة كانت تناقش فيه الثورة الفرنسية، الأمر الذي دفع السلطات الألمانية الى مطاردة اعضاء النادي، فقرر هيغل الهرب الى مدينة برن، وهناك استطاع ان يجد وظيفة في احد بيوت الأثرياء، بعد ان توسط هولدرلين في تعيينه، وفي تلك الفترة عكف على دراسة مؤلفات هيوم وميكافيللي و لايبنتز وسبينوزا، كما قام بدراسة مؤلفات كانط. في تلك الفترة نلاحظ اتجاه هيغل نحو فصل الدين عن الدولة، وفي رسالة الى هولدرلين عام 1795 يكتب: " لاسيبل الى هز صرح الكنيسة الارثوذكسية، طالما ان مهامها ترتبط بمصالح دنيوية، وتتداخل في بناء الدولة، وطالما ان الكنيسة مصرّة على ان تجعلنا نضع ايدينا في جحورنا ونتكاسل في انتظار ان تاتي مملكة الله، العقل والحرية سيظلان كلمة السر التي بيننا ونقطة اتحادنا، هي الكنيسة غير المرئية."3991 مبادئ فلسفة الحق

شعر هيغل بسعادة غامرة في عمله الجديد، وقد عدّه خطوة نحو الأمام: "سوف اعود، كي اصبح مساويا للعالم اكثر بعض الشيء مما كنت". كانت هذه رسالة بعث بها الى شقيقته، وفي تلك الفترة يكتب مقالات يُعلق فيها على خطب البرلمانيين التي كانت تناقش الضرائب على الفقراء واصلاح قانون الأراضي. بعد وفاة والده عام 1799 يتخلى هيغل عن وظيفة المعلم الخاص، ليلتحق بصديقه شيلينغ في جامعة ينا، وكان شيلر وفيخته هناك ايضا، الآن شيلنغ حقق شهرة ومكانة سمحتا له بالتوسط لتعيين صديقه هيغل مدرساً في الجامعة براتب متواضع، وفي تلك الفترة يؤسس مع شيلنغ مجلة للفلسفة ينشر فيها الفصول الاولى من كتابه "علم ظهور العقل "، في تلك الفترة احتل الفرنسيون مدينة ينا فأغلقت الجامعة ما اضطر هيغل، لأن يعمل صحفياً بالقطعة، ثم قبل وظيفة مدير مدرسة ثانوية.

في عام 1801 يقدم رسالته للدكتوراه وفيها يخالف آراء نيوتن، ويعود للجامعة ليصبح عام 1805 استاذاً فوق العادة، إلا أن الحرب التي لم تنته بددت آماله بحياة مستقرة، فسُرق منزله، ولم ينجح سوى في انقاذ واحد من ممتلكاته وهو الأكثر قيمة لديه: مخطوط فينو مينو لوجيا الروح "ظاهريات الروح" الذي كان يحتفظ به في جيب معطفه اثناء حريق المدينة واضطر لطلب مساعدة غوته. عام 1806 استطاع ان يقنع احد الناشرين بطبع كتابه الذي لم يجد اقبالاً من القراء حيث وجدوا صعوبه في حل ألغازة،، لكن رغم المصاعب إلا أن هيغل كان يرى ان العالم يتحضر لمعركة كبيرة سينتصر فيها الانسان، انسان الأزمنة الحديثة الذي شاهده يسير فوق حصانه، لقد حمل نابليون او روح العالم الى المانيا بعض المكتسبات السياسية والاجتماعية للثورة الفرنسية: "شاهدت القيصر، تلك النفس العالية، ممتطيا جواده، انه لفي الواقع احساس رائع ذلك الذي يغمر المرء حين يرى هذا الفرد مركزاً في نقطة جالساً على جواد."

بلغ هيغل الأربعين من عمره ولم يتزوج، ونراه عام 1811 يكتب الى احد اصدقاءه يزف اليه نبأ خطوبته: "اعلم انك تود لي السعادة من كل قلبك.. اسمها ماري فون توخر "، كانت ماري اصغر منه باثنين وعشرين عاما، وقد أراحه الزواج وساعده على زياده انتاجه الفلسفي، فقدم بعد عام كتابه الأشهر "علم المنطق"، وقد تميز هذا الكتاب عن سائر انتاج هيغل حتى ان مؤلفه دعاه "افكار الله قبل الخلق"، كان هيغل آنذاك قد صار علماً في سماء الفلسفة عندما طلبت اليه جامعة هايدلبرغ ان يقبل فيها منصب الأستاذية، حيث امضى في هذه الجامعة عامين قبل ان يقدم له وزير التربية البروسي منصب استاذ الفلسفة في برلين، كان يتمنى منذ زمن طويل الاستقرار في مركز الحياة الثقافية والسياسية في المانيا، وقد وفرت له جامعة برلين حقلاً واسعاً للكشف والدراسة، واستطاع امام جمهور مختار من الطلبة ان يقدم محاضراته الشهيرة حول فلسفة الدين والجماليات وفلسفة التاريخ ونشر عام 1821 كتابه "مبادئ فلسفة الحق."

غير انه أثار منذ وصوله برلين، حفيظة الأوساط المحافظة التي اتهمته بانه يغلف أفكاره السياسية الإصلاحية بتعابير فلسفية غامضة، وقد اغضب السلطات بمحاضراته واعماله، مما ادى الى ان تتم مراقبته من قبل الشرطة، ولم يقتصر خصومه على اتهامه بوحدة الوجود وانكار خلود النفس، وانما كانوا يهزأون من كل تفكيره الديني، وقد كانت شهرته سبباً في تكاثر أعدائه وتزايد الحملات عليه، وكان شوبنهاور في مقدمة الذين سخروا من فلسفة هيغل واعتبرها مضيعة للوقت، لكنه لم يهتم وواصل عمله، إلا ان أصابته بمرض الكوليرا لم تمهله طويلا، فمات في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1831 ولم يكن احد ينتظر لم مثل هذه الميته.

كتاب " مبادئ فلسفة الحق " هو اخر كتاب كتبه هيغل، وكان ولا يزال من اكثر الكتب التي اثارة الجدل والهجوم في نفس الوقت حيث اتهم هيغل بانه الف كتابه لخدمة سيده فريدريك فيلهام ملك بروسيا. في مبادئ فلسفة الحق " يبرر هيغل قيام الدولة انطلاقا من الوجهة التشريعية والاخلاقية. فالقانون عنده هو التعبير عن الارادة العقلانية التي تحقق ذاتها كحرية بشكل يسير قدما ومن ثم كان لتطوره طابع منطقي وتاريخي في نفس الوقت. لقد رفض هيغل النظرة العقلانية للقانون كشيء مطلق خارج التاريخ مستمد من المبادئ الخالدة والصادقة بشكل مطلق والتي تنطبق على جميع المجتمعات وتحكم التطور التاريخي جميعه، وانتقد هيغل العقلانية على عنايتها بالفرد في الانسان لا عنايتها بالعنصر الاجتماعي، وعلى جعل القانون ثانويا بالنسبة لاشباع رغبات الافراد واحتياجاتهم بدون العناية بالضرورات الاعلى للمجتمع والدولة.

وقد وجه هيغل نقدا الى الرومانسية الاجتماعية، واكد على ان القانون يجب ان يرتبط مع الواقع الاجتماعي والتطور التاريخي وان الفرد يجب ان يتلائم مع النزعة الجمعية ويخضع لهذه النزعة.ويعد الخضوع الكامل للفرد للسلطة المطلقة للدولة المبدأ الرئيسي في كتابه " مبادئ فلسفة الحق "

عند هيغل يحدث اندماج المجتمع في الجماعة في دولة مثالية تكون مرآة واداة للمجتمع. لم يتصور هيغل الحرية نفسها من جانبها الذاتي باعتبارها تعبيرا عن الارادة الحرة، بل نظر اليها على انها الخضوع للقانع بحرية من جانب الفرد للمبادئ العامة للاخلاقيات الموضوعية التي تكون الدولة خير تعبير عنها: " “إذا خلطنا بين الدولة والمجتمع المدني، وجعلنا الغاية الخاصة من الدولة الأمن وحماية الملكية الخاصة والحرية الشخصية- لكانت مصلحة الأفراد بما هم كذلك الغاية النهائية التي اجتمعوا من أجلها، وينتج عن ذلك أن تكون عضوية الدولة مسألة اختيارية. غير أن علاقة الدولة بالفرد شيء مختلف عن ذلك أتم الاختلاف.. إن الفرد لن تكون له موضوعية ولا فردية أصيلة ولا حياة أخلاقية إلا بوصفه عضوا من أعضائها. إن الاتحاد الخالص والبسيط هو المضمون الحقيقي والهدف الصحيح للفرد، ومصير الفرد هو أن يعيش حياة كلية جماعية" – مبادئ فلسفة الحق -

يصر هيجل على أن تكون الدولة غاية لا مجرد وسيلة ويرفض التفكير فيها باعتبارها وسيلة لتحقيق أي مصلحة شخصية.

ذهب هيغل إلى أن التعامل مع الدولة باعتبارها آلية للحصول على غايات خارجية ومادية، تعمل على إشباع حاجات الناس، يخرجها عن طابعها الأخلاقي ويؤدي في النهاية إلى الفساد السياسي والانهيار الاجتماعي، ويؤدي كذلك إلى انهيار الدولة ذاتها.

ويرى هيغل أن بذور الانهيار هي في اعلاء النـزعة الفردية والتعامل مع الدولة باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات اقتصادية جزئية،. لكن ما الحل الذي يقدمه هيجل لهذه الأزمة، تلك التي يسميها تناقضات المجتمع المدني؟ يتمثل الحل في مفهومه عن الدولة، فهي في نظره القادرة على علاج هذه التناقضات.

إن تكوين نظام سياسي وعقلاني ومرض عند هيغل يتطلب إرادة جماعية كلية لا إرادة فردية جزئية.

يبين الكسندر كوجيف في كتابه " مدخل لقراءه هيغل " – ترجمة عبد العزيز بومسهولي - ان نظرية الدولة عند هيغل كلها ترتكز على مفهومي الرضى والاعتراف. فالدولة توجد عندما يجد كل مواطن، في قلب الجماعة، تلبية للمصالح التي يقر بأنها معقولة، وكل واحد يعترف بالدولة عندما يتعرف على ارادته الشخصية المعقولة في الارادة العامة التب تعبر عنها اجهزة الدولة.

في عام 1843 كتب شاب الماني اسمه كارل ماركس كتابا عنوانه " نقد فلسفة الحق عند هيغل "، في محاولة لتحديد طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمع المدني اي بمجموع المصالح الاقتصادة والاجتماعية. وانتهى ماركس الى ان نظام هيغل بقضي الى التوفيق مع العالم كما هو وتكريس عقلاني للوضع البرجوازي. ففي كتاب هيغل رفعت الدولة الى نظام عقلي، هو تجسيد وارتقاء للمنطق وتيرير للملكية ونظمها. فالدولة عنده هي منظمة وخالقة للمجتمع. هي دولة معقولة. بكل انظمتها ووسائلها.

ورغم النقد الذي يوجهه ماركس في بداياته الى هيغل إلا انه سيعترف فيما بعد بافضال هيغل عليه وسيكتب: " حين كنت اكتب الجزء الاول من راس المال، كان ابناء الجيل الجديد، اولئك الادعياء المتهورون، يباهون بانهم ينظرون الى هيغل نظرتهم الى (كلب ميت).. لذا بادرت واعلنت صراحة انني لست إلا تلميذ لهذا المفكر العملاق ". وفي الدفاتر الفلسفية يكتب لينين " يستحيل استحالة قاطعة ان نفهم راس المال لكارل ماركس، ما لم ندرس منطق هيغل ونفهمه باكمله ".

قبل عامين وبمناسبة الاحتفال بمرور 250 على ولادة هيغل كتبت الفيلسوفة الامريكية جوديث بتلر مقالا بعنوان "اهمية هيغل لزماننا " قالت فيه ان التفكير في هيغل هذه الايام سيدو امرا غريبا، فما ذا بامكان فيلسوف ولد قبل 250 عاما ان يفعل في حياتنا، وما الذي سيقوله عن ثورة الاتصالات والكواكب.. وتضيف بتلريرينا هيغل في كتابه " ظاهريات الروح " أننا لسنا مخلوقات متوحدة ببساطة، منفصلين عن بعضنا البعض، ففي منظوره، الأفراد الواعين لذاتهم ليسوا متوحدين تماما البتة لأنه وفي جزء يعتمدون على بعضهم ولا يمكنهم الاستغناء عن الآخرين. وهو يقدم لنا حسب تعبير بتلر تأمل ذاتي يتلخص في ان فرصتنا كافراد تكمن وعينا بذاتنا: " متى ما وصلنا إلى معرفة ذاتنا، قبضنا على السبيل الذي نغدو به مرتبطين جوهريا بالآخرين.

تقول بتلر في مقالها: " في قراءتي لهيغل، هذا الاكتشاف بأني مربوط بالآخر وأن الآخر مربوط بي وأن كلانا مربوط بعالم حي، ينير وضعنا كمخلوقات حية وعلاقتنا التبادلية المتجسدة وحسا من الالتزام الأخلاقي المتبادل والذي هو التزام أيضا للمحافظة على عالم يجعل حياتنا ممكنة وجديرة بالعيش" – اهمية هيغل لزماننا ترجمة فاطمة الشملان.

في زماننا هذا نقول اننا بحاجة الى قراءة كتب هيغل، فهو يقدم لنا افكارا اكثر دقة، وهي بذلك اكثر قابلية للاستهمال، عن انفسنا، وعن صعوباتنا، وعن مكاننا في التاريخ.

في كتاب بعنوان " بعنوان " هيغل في دماغ لاسلكي " للفيلسوف السلوفيني " سلافوي جيجيك " يقول أنه من الضروري ألا نعود إلى هيغل فحسب، بل نكرر انتصاراته ونتجاوزها، ونتغلب على حدوده بأن نكون أكثر هيغلية من السيد هيغل نفسه،ويتساءل جيجيك: لماذا لا يكون القرن الحادي والعشرين، قرن هيغل بامتياز ؟

***

علي حسين – العراق

رئيس تحرير صحيفة المدى

 

عامر هشام الصفارصدر في بغداد مؤخرا عن المكتبة العصرية الكتاب الجديد لمؤلفه أستاذ جراحة الجملة العصبية الدكتور عبد الهادي الخليلي. وقد جاء كتابه بعنوان "مكافحة السرطان في العراق-توثيق لجهود متواصلة-. وقد أهدى المؤلف كتابه التوثيقي هذا الى أستاذه الجرّاح العراقي المعروف الراحل الدكتور خالد القصاب، وذلك عرفانا بما قدّمه من خدمات في سبيل تطوير المجتمع الطبي وتوعية المجتمع عامة للوقاية من مخاطر السرطان- هذا المرض الوبيل.

يشير المؤلف الخليلي الى أن الأستاذ القصاب كان قد قاد مسيرة مكافحة السرطان في العراق منذ خمسينات القرن الماضي..حيث شاركه فيها أساتذة من رواد الطب العراقي ومنهم د قيس كبه والدكتور حسين طالب والدكتور فائق السامرائي والدكتور خليل الآلوسي والدكتور علي الهنداوي والدكتور الجرّاح زهير البحراني والدكتور محمد أبو طبيخ والدكتور عبد الرحمن الجوربجي وآخرون... حيث بذل الجميع جهودا كبيرة مضنية لوضع خطط تنظيم العمل وتطوير أساليب التشخيص والعلاج..فضلا عن العمل على تثقيف المواطن للوقاية من المرض وأكتشافه مبكرا.

وقد فصّل المؤلف في موضوعه فخصّص جزءا من كتابه للتعريف بالمرض-السرطان – وماهيته ومسبباته وكيفية الكشف المبكر عنه، وفي موضوعة الأسباب المؤدية للأصابة للأصابة بالسرطان كان لابد من البحث في موضوعة تلوث البيئة العراقية..وهو تلوث الهواء والماء والغذاء مما له علاقة في التسبب بمرض السرطان كالتدخين والأفراط في تناول الكحول والسمنة وزيادة التعرض للشمس.

وحول علاقة السرطان بالوراثة والمورثات (الجينات) يشير المؤلف الى أن هناك علاقة لبعض تلك الجينات بعدد من الأمراض وبضمنها بعض أنواع السرطانات، بحيث يمكن التعرّف عليها حتى قبل الأصابة بها..فأشار الى أن "المكتوب على الجين يجب أن تراه العين" أحيانا..

كما فصّل المؤلف في سبل علاج مرض السرطان مع أعطائه نبذة تاريخية بهذا الصدد.. حيث بدأت بواكير العلاج الهرموني للسرطان حينما أكتشف العالم توماس بيتسون في عام 1878 أن ثدي أنثى الأرنب المختبري لا تنتج الحليب حينما يتم أستئصال مبايضها.. وعندها حاول بيتسون علاج أحدى حالات سرطان الثدي بأستئصال مبايض المريضة، فتبين أن هناك تحسنا في حجم الورم في الثدي... وبذلك تم أستخدام هرمونات التاموكسفين مثلا اليوم في علاج سرطان الثدي..أما بخصوص العلاجات المتوفرة الأخرى لأمراض السرطان فقد فصّل الكتاب في سبل العلاج الجراحي، والعلاج بالمواد المشعة والعلاج الأشعاعي والكيمياوي ثم العلاج بالمواد المناعية.

وعودة لخدمات التشخيص والعلاج لمرض السرطان في العراق، أشار المؤلف الخليلي الى ما أفاد به الأستاذ د علي الهنداوي حول معهد النظائر المشعة في العراق، والذي تأسس في أواخر الخمسينات ببغداد.. حيث وصلت أول وجبة من النظائر المشعة في تموز عام 1958 وهي وجبة مكونة من اليود المشع وغرين الذهب حيث تم العمل في المعهد مع الخبير البريطاني نورمان فييل.

وفي أشارة الى مستشفى الأشعاع والطب النووي يذكر المؤلف أن أفتتاحها كان في عام 1969 في منطقة العلوية ببغداد.. حيث أختص عمل الأطباء فيها على التشخيص للأمراض السرطانية والمعالجة الأشعاعية.. حيث جهزت المستشفى بأجهزة الكوبلت المشع والمعجلات الخطية والعقاقير الخاصة بعلاج السرطان.. كما تم أنشاء معهد الأشعاع والطب النووي في الموصل عام 1975.. وكان أن أفتتحت مراكز أخرى للطب النووي في محافظات عراقية عديدة بعد ذلك..

وحول جمعية مكافحة السرطان العراقية خصص المؤلف د عبد الهادي الخليلي فصلا خاصا تطرق فيه الى بدايات عمل الجمعية حيث حصلت موافقة وزارة الداخلية عام 1961 على تأسيسها لتكون جمعية غير حكومية وغير ربحية هدفها النفع العام..فكانت بأسم "المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان" حيث أسسّها وقام عليها د خالد القصاب وقيس كبه وخليل الآلوسي وعبد الرحمن الجوربجي ومحمد علي خليل المدامغة وأحسان القيمقجي وآمنة صبري مراد وداود سلمان علي وسالم الدملوجي وحسين طالب... وفي عام 1962 عقدت الجمعية أول مؤتمر لها خاص بالسرطان حيث تبعتها بعد ذلك مؤتمرات سنوية عديدة شارك فيها أستشاريون أطباء من مصر وفرنسا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا.. حيث قدّم فيها الأطباء العراقيون خيرة بحوثهم الأصيلة بخصوص مرض السرطان..3989 الخليلي

وقد سعت الجمعية منذ تأسيسها لأصدار المنشور الصحي التثقيفي، فكانت نشرة أقرأ عن ..والتي كان الغرض منها تزويد المواطنين بمعلومات أساسية حول أنواع السرطان الأكثر أنتشارا وهي سرطان الجلد والفم والمجاري البولية والمعدة والأمعاء والثدي وسرطان الرحم... وكل هذه النشرات كانت موجهة لتوعية الجمهور بأعراض السرطان الأولى بغية التشخيص المبكر، فالعلاج مع التركيز على الهدف الوقائي أيمانا بأن "الوقاية خير من العلاج".. وفي عام 1967 أصدرت الجمعية مجلتها العلمية الأخبارية بعنوان مجلة السرطان العراقية حيث كان الدكتور الخليلي سكرتير تحريرها لمدة 3 سنوات.

وتعد ندوة "الخلية السرطانية" والتي عقدت بمبادرة من الدكتور الخليلي وجمعية مكافحة السرطان بالتعاون مع كلية الطب بجامعة بغداد واحدة من أهم الندوات التي شهدها العرق عام 1985 حيث شارك فيها عدد كبير من أساتذة الطب والعلوم. هذا اضافة الى الندوة المهمة الأخرى والتي عقدت عام 1995 في مدينة الطب ببغداد والتي أختصت بجهود أطباء الأشعة بالتعاون مع الجراحين العراقيين في مكافحة مرض السرطان فكان ان تطرقت الندوة الى موضوعات مهمة منها: أورام الثدي وأورام الجهاز الهضمي والكبد وأورام الجملة العصبية.

وقد خصّص المؤلف فصلا كاملا لموضوعة تأسيس مجلس السرطان في العراق والذي تشكل عام 1982 بقانون نص على تشكيل المجلس الأعلى لبحوث ومعالجة الأورام السرطانية في العراق حيث يدير المجلس هيئة أدارية تعنى بتنظيم جهود مكافحة السرطان ويرأسه وزير الصحة شخصيا وله أن يختار أعضاء المجلس.

وفي تقريره لوزارة الصحة أشار د خالد القصّاب حينذاك -أي عام 1982- الى أن السرطان يعتبر مشكلة صحية في العراق، فقد أظهرت الدراسات الوبائية أن 47% من أصابات الرجال بالسرطان و 30% من أصابات النساء بالمرض أنما ترتبط بعوامل بيئية مما يتعلق بالصحة والسلامة الشخصية للأفراد.  ومن هذه العوامل: التدخين.. الأصابة بمرض البلهارزيا (المتوطن في العراق)..وجود المواد الحافظة في الأغذية .. التعرض لضوء الشمس الساطع.. وغيرها..

وحول تأثير الحروب والحصار في التسعينات على أمراض السرطان في العراق يشير المؤلف الخليلي الى ان التدمير الهائل الذي حصل أثناء الهجوم العسكري..والحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على جميع مرافق الحياة تقريبا في العراق قد سبّب تدميرا بعيد المدى في البنى التحتية للوطن.. حيث تأثرت سبل تشخيص وعلاج الأمراض السرطانية كثيرا.. وكمثل على ذلك أشار الخليلي الى عدم توفر النظائر المشعة لأغراض التشخيص والعلاج الطبي، مما أدى الى عدم أمكانية تشخيص الأورام السرطانية وغيرها من الأمراض التي تستخدم فيها النظائر المشعة.

وقد فصّل المؤلف في هيكيلية مجلس السرطان في العراق ومن ذلك تأسيس مركز التسجيل السرطاني عام 1974 والذي بدأ فيه العمل الفعلي عام 1975 حيث كان مقره في مستشفى الأشعاع والطب النووي وبأدارة كفؤة من قبل د منى الحسني وبدعم من د تحسين السليم. وقد أقتصر المركز في بداية سنوات أستحداثه على جمع المعلومات عن الحالات السرطانية لدى المرضى الذين يعالجون في مستشفيات بغداد.. حيث كانت هذه المعلومات تغطي مساحة كبيرة من مرضى المحافظات العراقية الأخرى، والذين كانوا يطلبون العلاج في بغداد. وفي عام 1999 تم أدخال التقنيات الحديثة في عمل مركز التسجيل السرطاني وتطبيق أسلوب الأدخال الحاسوبي والأبتعاد عن الأسلوب الورقي.

وفي عام 2000 أصدر مركز التسجيل السرطاني تقريره عن واقع السرطان حينذاك في العراق حيث أشار الى أن عدد المصابين بالسرطان قد أزداد وبصورة كبيرة في السنوات الأخيرة فقد تم تسجيل حوالي 150 ألف حالة سرطانية خلال السنوات 1991-1999 أي ما بعد سنوات الحرب والحصار على العراق. كما تم تسجيل ما يقرب من 4500 حالة لسرطانات الأطفال (بعمر اقل من 15 عاما) خلال السنوات 1991-1999 مقارنة ب 1500 حالة فقط خلال الثمانينات اي بمعدل 3 اضعاف زيادة في عدد الحالات السرطانية بين الأطفال في تسعينات القرن الماضي عنها في الثمانينات. كما لوحظ التغير في النمو الوبائي لبعض أنواع السرطانات في سنوات ما بعد عام 1991.. مما فصلّه الكتاب بخصوص سرطان الثدي والدماغ والرئة والقصبات الهوائية والقولون والمستقيم (الأمعاء الغليظة) وسرطان الدم وسرطان الغدد اللمفاوية.

وفي عام 2000 عقد في بغداد وبمبادرة من الدكتور الخليلي وزملائه من أعضاء مجلس السرطان المؤتمر العلمي حول السرطان حيث تحدث فيه الخليلي قائلا: لقد تعرض العراق في التسعينات نتيجة العدوان العسكري عليه الى التلوث بمختلف أنواع المسرطنات وخصوصا اليورانيوم مما سبب كارثة صحية على المدى الطويل.

وفي كلمة الأستاذ الجرّاح د زهير البحراني في المؤتمر أشار أيضا الى العدوان على العراق عام 1991 وما أستخدم فيه من أسلحة محرمة أدت الى تلوث بيئي واسع شملت أضراره جميع الأحياء.

وقد أشار الكتاب في جزئه العربي والأنكليزي الى مشروع بحث علمي عراقي مقدم الى المنظمة الدولية حول علاقة السرطان باليورانيوم المنضب..حيث تمت الموافقة عليه من قبل المنظمة الدولية لبحوث السرطان في فرنسا في شهر شباط 2003 ولكن ظروف الأحتلال وما بعده لم تسمح بتنفيذه وبدء العمل عليه. وتشمل الدراسة المقترحة ثلاثة جوانب:

* الكشف عن اليورانيوم في عينات التحليل النسيجي، وفي دم وأدرار مرضى السرطان.

* الكشف عن اليورانيوم في دم وأدرار عائلات مرضى السرطان.

* الكشف عن اليورانيوم في دم وأدرار الأشخاص غير المصابين بالسرطان في المناطق التي تعرضت للقصف باليورانيوم ومقارنتها بالأشخاص الذين يسكنون في المناطق التي لم تتعرض لليورانيوم.

وأستمرارا مع نهج المؤلف في التركيز على التعريف بالبحوث العلمية التي أجريت في العراق بخصوص الوقاية من السرطان تم نشر خلاصة بحث د آسيا الفؤادي بخصوص علاقة الغذاء بالسرطان، كما تم نشر البحث الخاص بدرجة الماجستير للباحثة هديل الكتبي والذي يدور حول تأثير الحصار على السرطان في العراق.

وفي الفترة التي تلت أحتلال العراق عام 2003 تسلم الدكتور سعيد اسماعيل حقي مع فريق من المستشارين الأميركان مسؤولية أدارة الصحة حيث أرسل د الخليلي مذكرة للمسؤولين حول السرطان في العراق بغية أعطاء صورة عن واقع المرض الخبيث في البلاد، والتعريف بدور مجلس السرطان بأعتباره الجهة المركزية المعنية بشأن السرطان من ناحية التسجيل والدراسة والتخطيط والتنفيذ للخطط الخاصة بالبرنامج الوطني للسيطرة على المرض الخبيث. وفي خطة عمل مجلس السرطان تم التركيز على حقل التسجيل السرطاني وتنشيط هذا التسجيل ليعتمد الأسلوب الفعال في جمع المعلومات وملأ الأستمارات وبيانات وفيات المرضى بالسرطان وذلك في بغداد وبقية المحافظات. كما تم التطرق تفصيلا لموضوعة التشخيص المبكر للسرطان والوقاية منه مع التركيز على أستمرار وتعزيز التعاون بين مجلس السرطان واللجنة المركزية لآثر التلوث نتيجة الحرب في مناطق معينة من العراق.. أضافة لأعداد دراسة دقيقة للبحث في أسباب أرتفاع معدلات الأصابة بسرطان الغدد اللمفاوية

(Non-Hodgkins Lymphoma) وتطوير قاعدة المعلومات في المجلس وذلك برفدها بأحدث المستجدات والبحوث والمراجع العلمية.

وقد فصّل الكتاب في قانون مجلس السرطان في العراق والصادر عام 1985 وتعديله الأول الصادر عام 1990 والتعديل الثاني الصادر عام 1997 والثالث الصادر عام 2001.

كما نشر المؤلف دليل ملأ أستمارة التسجيل السرطاني الصادرة عن وزارة الصحة ومجلس السرطان في العراق وذلك عام 2002،أضافة الى نشر خطة الطواريء لتأهيل المعالجة الشعاعية للأورام السرطانية والصادرة عن وزارة الصحة العراقية عام 2004.

***

د. عامر هشام الصفّار

 

هي سلسلة من الدراسات اعتادت شركة "الأصالة" للنشر الجزائر ـ، إنجازها في شكل (كتاب جماعي)، سلطت فيه الضوء على مواقف شخصيات ونظرياتهم في مختلف القضايا، وكان لها أن اختارت في عددها السادس (6) شخصية فكرية تناولت من خلالها سؤال النهضة، إنه المفكر والفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، وهو عمل جماعي جبّار شارك فيه نخبة من الباحثين العرب سلطوا الضوء على جملة من الإشكاليات المتعلقة بالفكر النهضوي عند مالك بن نبي وشروط الإقلاح الحضاري، الكتاب صدر في 2019 أشرف عليه الدكتور عمر نقيب، الملاحظ أن الكتاب لا توجد فيه مقدمة ولا خاتمة ولا تعقيبات كما نراه في بعض الأعمال الجماعية، وكان على المشاركين في هذا العمل الجماعي الجبّار أن يتفقوا على وضع مقدمة أو يختاروا من يتوبهم، وحبذا لو كتب الناشر تصديرا يعلم فيه القارئ بمبادرتهم في إنجاز هذا العمل الجماعي ونشره في كتاب، ليكون مرجعا للطلبة والباحثين

الهدف من إصدار هذا العمل الجماعي الكشف عن أسباب التعتيم الإعلامي، الثقافي والسياسي التي مارسته بعض الأطراف بعد الإستقلال ولعل السبب الرئيسي يعود إلى نوعية خطب مالك بن نبي الموجهة إلى النخبة، كما كشفوا فيه مدى تأثر مالك بن نبي بزعماء الإصلاح كالأفغاني، الكواكبي، محمد عبده وابن باديس، إلا أنه كان أكثر التزاما بحياده العلمي وفكره الموضوعي في نقده أعمال الإصلاحيين ووضعها في إطار سمّاه مشكلات الحضارة، فقد عالج مالك بن نبي قضايا الأمة ومشكلات المجتمع والثقافة ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي والظاهرة القرآنية، كما عالج يعض الأمراض الإجتماعبة كالتخلف الحضاري والظاهرة الإستعمارية وهذا لمدة تزيد عن 20 سنة، والمتأمل في أفكار مالك بن نبي أن الرجل كانت له نظرة تفاؤلية في عملية التغيير الإجتماعي والسياسي والإقتصادي، من الصعب طبعا تلخبص كتاب يحتوي على 430 صفحة، فما وقفنا عليه هو أن الأفكار كانت متقاربة ومتكررة من باحث لأخر، رغم أن كل واحد منهم اختار الزاوية التي يعالج بها مسيرة هذا الرجل الفكرية، آرائه ومواقفه من مختلف القضايا ومن هم الذين يقاسمونه هذا الفكر النيّر، كأرنولد توينبي ومحمد إقبال وغيرهم، خاصة وأن مالك بن نبي يعدّ من أعلام الفكر العربي هو ومحمد أركون إلى جانب طه حسين وعادل حسين وعبد الله العروي وعبد الرحمان بدوي وغيرهم (انظر كتاب اعلام الفكر العربي للد/ السيد ولد اباه صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر)

فعلى سبيل المثال وقفنا على أن بعض المشاركين في هذا العمل الجبار تحدثوا عن فكرة تطرق إليها آخرون ليس هذا من باب المقارنة بل لغياب اتفاق مسبق حول الأفكار التي ستطرح للنقاش وهذا قد يقودنا إلى الإجترار كما يقال، كما لاحظنا أن بعض الباحثين المشاركين طرحوا فكرة حساسة حدا لكنهم لم يعطوها حقها من الشرح والتبسيط، وآخرون اكتفوا بنقل مشاركات مللك بن نبي في الملتقيات وهي عبارة عن تغطيات إعلامية وحوارات أجراها إعلاميون معه وشهادات من عايشوه، باستثناء البعض الذين ابحروا في فكر مالك بن نبي وموقفه من المذاهب والفرق الإسلامية وهو البحث الذي أجرته الباحثة استاذة ا آمنة بن شيكو أستاذة التعليم العالي بالمدرسة العليا ببوزريعة خاصة ما تعلق بنظرة مالك بن نبي للوهابية في قضية التوحيد، ولكنها لم تعطه حقه من الشرح بحكم أن الوهابية تعتبر من أكبر الفرق الإسلامية تشددا، في ظل ما يتميز به الفكر افسلامي من جمود وانعدام الفعالية في مرحلة النهضة، ما وقفنا عليه أن مالك بن نبي كان متأثرا بالنهضة اليابانية ما جعله يولي أهمية كبيرة للثقافة والتربية في جوانبها العملبة، من أجحل محاربة التخلف الذي ارجعه مالك بن نبي إلى الجهل بالإسلام وروحه، عكس الأمم الأخرى الي جعلت من عقيدتها مرجعا في بناء نهضتها ولم تتأثر بالثقافات الغربية كاليابان والصين.

هل كان مالك بن نبي إخوانيا؟

سؤال قد يخضع إلى التأويل بل التمييع، وقد يقول قائل أنها محاولة لزرع فتنة أو إحياء فتنة نائمة، الهدف ه تسليط الضوء على بعض المصطلحات التي قليلة التداول في النقاشات الفكرية، كمصطلح "الإسلامائية المعاصرة" التي أسسها الإخواني حسن البنّا في الثلاثينات قبل أن تتغير في الستينات بعد سيد قطب وتنوع تياراتها حيث بات من الضروري الإعتقاد أن حل مشكلة المسلمين ينحصر في بناء دولة إسلامية وهة ما عبروا عنهى في مصر بشعار " الإسلام هو الحل"، وقد تطرق إليها الدكتور محمد شاويش عندما تحدث عن العلاقة بين مالك بن نبي والإخواني حسن البنّا ولا يقصد بالعلاقة تواجد شخصين في مكان وزمان واحد باستمرار، وإنما هي علاقة تقارب فكري بين مفكر وآخر او منظر وآخر مهما باعدت بينهما المسافات، فهذا الموضوع بالذات حساس جدا، ومن باب الشغف اخذت من مكتبتي المنزلية مذكرات الدعوة والداعية للإمام الشهيد حسن البنا، وقد وقفت على تقارب أفكارهما في قضية "النهوض في سبيل النهضة، فمالك بن نبي تحدث في بحوثه أن التربية تعتبر واحدة من دعامات النهضة، وكان هذا موقف حسن البنّا، يقول حسن البنا في اصفحة 130-131 من مذكراته: " يجب أن تكون التربية دعامة النهضة فترى ألأمة أولا وفهم حقوقها تماما وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربى على الإيمان بها، ويقول لا نهوض لأمة بغير خُلُقٍ، إن نهضتنا لا تزال مبهمة لا وسائل ولا غايات ولا مناهج ولا برامج، كل ما في الأمر تطاحن على الحكم وتهاتر بالألفاظ ودس وتقرب من الهدو وانتظار لما يلقى إليههم من فضلات مائدته.

هكذا ربط مالك بن نبي بين التربية والحضارة

في حين يرى مالك بن نبي أن التجديد هو عملية تربوية لها آلياتها، فقد اعتبر مالك بن نبي مشكلة الإنسان التربوية هي ألصل في ازمة الحضارة الإسلامية، وقد اشار عمر نقيب في لصفحة 258 من الكتاب إلى مفهوم التربية عند مالك بن نبي، يقول مالك بن نبي: " ليس الهدف من التربية أن تعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا اشياء جميلة لكن الهدف ان يتعلم كل فرد فنّ الحياة مع زملائه، يعني ان نعلمه كيف يتحضر (وردت هذه العبارة في كتابه ميلاد مجتمع) وعي وسيلة فعالة لتغيير الإنسان وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه، ونستنتج أن مالك بن نبي ربط بين التربية والحضارة إذ يرى أن التربية أفرغت من محتواها الحضاري، الفرق أن حسن البنا يربط الترببة بالزعامة من أجل النهوض فيقول: أمنا الزعامة فيجب ان تختار وتنتقد حتى إذا وصلت إلى درجة الثقة، ويجب ان يكون الزعيم زعيما تربى ليكون كذلك، لا زعيما خلقته الضرورة وزعمته الحوادث فحسب أو زعيما حيث لا زعيم، في حين لا يتحدث مالك بن نبي عن "الزعامة" ولا ترد هذه الكلمة في بحوثه، وها نقف على الفرق بين مالك بن نبي وحسن البنا، الأول تبنى المنهج السياسي لأن مطالبهم كانت الوصول إلى الحكم وبناء دولة إسلامية، والثاني (أي مالك بن نبي) اتخذ من المنهج العلمي والفكري الحضاري مسلكا لبناء الإنسان، كما نلاحظ الإختلاف بين مالك بن نبي وحسن البنا هو أن مالك بن نبي لم يضع نصورا واضحا لهذه المدرسة (مدرسة الإخوان) سواء في كتابه شروط النهضة أو كتابه وجهة العالم الإسلامي، رغم أنه كان ملما بأفكار عصر النهضة كالأفغاني ومحمد عبده مثلما أشار إلى ذلك الدكتور محمد شاويش .

500 فتوى أباح أصحابها الجهاد لبناء الدولة الإسلامية

قد يتساءل سال مالفرق بين النهضة والحضارة؟ ومن التي تسبق الأخرى؟هل الحضارة تأتي قبل النهضة، ثم تأتي هذه الأخيرة في حالة سقوط الحضارة، وماذا عن الحضارات الأخرى التي سقطت؟ هل أعيد بناؤها؟ بمعنى هل نهضت من جديد؟ نحن أمام إشكالية معقدة وهي الهزيمة التي لحقت بالحضارات وبخاصة الحضارة الإسلامية والسؤال يفرض نفسه: هل الإسلام هو السبب أم المسلمين الذين لم يفهموا الإسلام فَهْمًا صحيحا فراحوا يمارسون التطرف باسم الجهاد؟ حسب الأرقام، فقد أفتى 500 عالما ينتمون إلى 70 هيئة ومنظمة ورابطة على أن الجهاد واجب بالمال واسلاح، دون مراعاة خطر التطرف الذي غالبا ما يفضي إلى صراع مسلح بمختلف أوجهه ومساحاته، فهو لا يغدو أن يكون صراع أفكار فقط، إنما صراع أفراد، صراع هيئات وصراع مصالح ومؤسسات ز صراع نظم عسكرية مدنية، بل صراع أجيال وفي النهاية يكرس الصراع التخلف فكرا وسلوكا ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر..) إلى آخر الآية 159 من سورة آل عمران، ولهذه الأسباب تأخر المسلمون، ولا ننسى أن المدّ السلفي لا ينادي بقيام ثورة ثقافية أو فكرية، فهو يراها (أي الثورة الثقافية والفكرية) خطر يهدده، ولذا فهو يبذل جهده لإبعاد هذا الخطر.

كيف يحدث الإصلاح الحضاري؟

لقد تحدث كثير من المفكرين والفلاسفة عبر مختلف العصول عن هذه المسألة ومنبينهم المفكر افسلامي محمد إقبال، فهذه الإصلاحات تقوم على أسس روحية يفرزها القرآن، وأخرى علمية ومنطقية وتاريخية، لأن الإنسان بتركيبته البشرية واختياراته الضالة كثيرا ما يوقع نفسه في الهلاك، فهو جوزء من العالم خلقه الله ووهب له العقل وقوة الإرادة والعزيمة، كانت هذه نظرة محمد إقبال الذي قال : إن الإنسان بدن ونفس (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) بينهما انسجام وتكامل، كل منهما يتحرك وينشط ويؤثر في الآخر وهما معا يشكلان الشخص الذي تجتمع فيه الوحدة مع الكثرة،، من وجهة نظر محمد إقبال فإن التغيير يعني الإصلاح والتجديد وقد ذهب في ذلك باحثين آخرين منهم الدكتور جيلالي بوبكر بأن الإصلاح والتجديد يقتضي بأن أي إصلاح مرتقب وأي تجديد منتظر في حياة الإنسان الفكرية والإجتناعية لا يحصل إلا إذا بدأ التغيير فعلا وحقيقة في النفس÷ بحيث يسترجع قوتها وإلهامها وجمالها وتجدد حياتها الروحية بتجديد صلتها بمبادئها وتمسكها بها، ويؤكد الدكتور جيلالي بوبكر أن الحضارة لا تبنى خارج التغيير الذي لابد أن بما في نفس الإنسان ثم يتحول إلى خارج الذات، فالمسلم عند محمد إقبال هو منبع التغيير والتجديد وافصلاح في التاريخ ومصدر السعادة في العالم، لا يسع المجال هنا الإشارة إلى رؤية الدكتور جيلالي بوبكر لـ: "مفهوم الإصلاح ونظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال " وهو عنوان حمل كتابه وجاء باسلوب مشوق جدا يجعل القارئ اسيرا له لما يحمله من معاني سامية للإنسان المسلم الذي على عاتقه رسالة ربانية في النهوض بالأمة، يقول محمد إقبال أن هناك فهم خاطئ من المسلمين للإسلام نفذ إليهم بمخالطتهم لغيرهم وتمكن منهم بسبب ركودهم وموقفهم في تدبر معنى الإسلام أمام خطورة المرحلة.

أما التجديد عند مالك بن نبي فهو مبادرة تغير الإنسان والأفكار والشياء بما ينسجم مع القوانين والسنن في الطبيعة،كما لا يؤمن مالك بن نبي بالتكديس، أما افصلاح عنده يعني إزالة المفاسد والعودة إلأى حقل الحارة كما يعني البعث والإحياء وهو في جميع الحالات شرط لقيام الحضارة وبناء المجتمع، وكما سبق ذكره فإن مالك بن نبي عندما اصدر كتاباته الأولى التي صاغ فيها نظريته حول شروط النهضة في نهاية الأربعينات كان الخطاب الإسلامي قد بلوره الجيل ألأول من مدرسة ألإخوان المسلمين (عبد القادر عودة)، فمالك بن نبي رأى أن الصراع اليوم هو صراع إيديولوجي وفكري ما دعله ينطلق من فكرة جوهربة هي ان العالم اليوم يتجه إلى المفهومية (افيديولوجية) وهو ما خلص غليع الدكتور عبد القادر بوعرفة من جامعة وهران ليوضح أهمية إعداد الإنسان، ونستخلص مما جاء في أعمال هؤلاء الكتاب والباحثين ان المشروع النهضوب عند مالك بن نبي قائما على التحليل العلمي والعقلاني لظاهرة التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة وعدم فهم المسلمين للإسلام مقدما ىفي ذلك التجربة الصينية واليابانية، وخلاصة القول أننا اليوم في حاجة ماسة إلأى تجديد خطابنا الإسلامي والسياسي لتحقيق المشروع النهضوي والحضارية وبناء مجتمع سليم .

***

علجية عيش بتصرف

 

محمد بوفلاقةصـفحات خالدة من تاريخ البحـرية الإسـلامية

لعل أحداً لا يحتاج إلى كبير عناء لكي يدرك تلك العلاقة الوشيجة التي نشأت بين العرب والبحر، منذ العصور التليدة، فقد تأقلم العرب مع البحر بسرعة عجيبة، فشقوا عُبابه، وذللوا أمواجه، واستغلوا كنوزه، وذلك منذ العصر الجاهلي، وبعد ظهور الإسلام ازداد الحماس بغرض نشر الإسلام في مختلف الكور والأصقاع، وفتح مناطق جديدة، فازداد النشاط البحري الإسلامي لمختلف الجهات.

وعلى الرغم من المنزلة الكبيرة التي يحتلها البحر عند العرب، إلا أن هذا الموضوع لم ينل حظاً وافياً من الدرس والتحليل، والعناية به لم تكن بالقدر الذي يكشف عن تلك المنزلة الكبيرة التي اتسمت بها علاقة العرب بالبحر، فهناك الكثير من الجوانب المهمة لم تُسلط عليها الأضواء، ولم تحظ باهتمام كبير من قبل الدارسين، وقد ظل هذا الموضوع مُغيباً، وبعيداً عن التناول لفترة طويلة.

ويجيء كتاب المؤرخ الجزائري الراحل الدكتور مولاي بلحميسي الموسوم ب:«البحر والعرب في التاريخ والأدب»، ليقدم لنا دراسة جادة، ينفض من خلالها الغبار عن علاقة العرب بالبحر عبر التاريخ، ويبرز لنا تجسيده في مآثرهم الأدبية.فالهدف الرئيس الذي يهدف إليه الكتاب –كما جاء في مقدمته- هو الرد على مزاعم البعض الذين رأوا أن العرب مشارقة ومغاربة يشمئزون من هذا المتسع حتى نفروا التعامل معه وهابوه، ولا يركبونه إلا مُكرهين، وقد عبر الكاتب عن هذه القضية بقوله:«قال بعض الغربيين الجاهلين لتاريخ الإسلام فهم(أيّ العرب) بدوٌ، أصحاب خيل وماشية وإبل يبحثون عن الزرع والضرع والكلأ، ويجتازون من أجل ذلك الفيافي، والصحاري، ويتخذون الكثبان المحرقة، والزوابع الخانقة، وسموم الحرّ، ولكنهم لا يرتاحون للبحر العجّاج المتلاطم الأمواج، وسواءً أكانوا رُحلاً أو حضراً، فهم لا يميلون لركوب السفن، وليست لهم مواهب أو مؤهلات للملاحة، ثم ذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك وقالوا إن المؤرِّخين العرب وشعراءهم وقصاصيهم وصفوا المعارك بين القبائل، وتغنوا بجمال البيد، وخلّدوا ذكرى الفرسان والأبطال والأيام، ولكنهم تجاهلوا الأزرق، وما حوى من أساطيل، وما خاضه رجالهم من غزوات، وما جلبوه من غنائم وخيرات.وبقيت هذه الأفكار المسبقة سائرة راسخة رغم غرابتها وعدم صحتها»(1).

ويرى المؤلف أن هؤلاء الكتاب قد جانبوا الصواب عن قصد، أو عن غير قصد في إدراك السرعة العجيبة التي تأقلم بها العرب مع البحر، فالقرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والرحلات العربية القديمة شرقاً وغرباً، تفند هذه المزاعم الخاطئة، فلا بد من اكتشاف دور الأجداد في صنع الأمجاد، ومعرفة ما عرفته البحرية الإسلامية من نشاطات وبطولات عبر العصور.

وقد أرخ المؤلف للأحداث الهامة التي عرفتها البحرية العربية منذ الفتح الإسلامي إلى غاية سقوط الأندلس سنة:1492م، وما يتميز به المؤلف هو أنه يؤرخ، ويضع بعض التحاليل الثاقبة ، وذلك بطريقة سردية حكائية، وكأنه يكتب لنا قصة تاريخية، وهذا ما أضفى على الكتاب ميزة خاصة.

قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة، جاءت متسلسلة تسلسلاً منطقياً، ومرتبطة مع بعضها البعض، من حيث التكامل المعرفي، والتدرج المنهجي، فالمحور الأول خصصه للحديث عن مكانة البحر في الثقافة العربية والإسلامية، كما عرض بإسهاب للكثير من الشهادات والكتابات التي دونها المؤرخون والرحالة، والتجار، بالإضافة إلى ما جادت به قرائح الشعراء.

ومن خلال المحور الثاني ألقى المؤلف الضوء على الفتوحات البحرية الإسلامية، وتعرض لصناعة وبناء السفن المقاتلة، وتدريب البحارة، وتكوينهم بغرض توسعة الانتشار الإسلامي، وقد دعم الباحث هذا القسم بالكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على ركوب البحر.

وعُنون المحور الأخير من الكتاب ب:«بداية النهاية»، ومن خلال هذا الجزء، تعرض المؤلف للحملات الصليبية التي سعت بشكل رئيس للاستيلاء على الممالك الإسلامية، وتشتيتها، وألقى الضوء على الهجمات الشرسة التي تعرضت لها البحرية الإسلامية، ولم يكتف المؤلف بالتأريخ للوقائع، بل إنه يقدم للقارئ جملة من التحاليل، والرؤى، والأفكار المعمقة عن الأسباب التي أدت إلى تراجع البحرية الإسلامية، وانطفاء شعلتها، وسيطرة الصليبيين وتأخر المسلمين، على الرغم من الكثير من المحاولات التي سعت إلى استرجاع الأيام المشرقة للبحرية الإسلامية.3972 مولاي بالحميسي

من القفار إلى البحار

من خلال القسم الأول من الكتاب عرض المؤلف بطريقة مكثفة الكثير من القضايا الهامة التي تنضوي في مجملها تحت لواء إبراز مكانة البحر في الثقافة العربية و الإسلامية، إذ يرى الباحث أن القدماء قد خصصوا في أسفارهم ودواوينهم مكانة مرموقة للبحر، ولصفاته، وأرزاقه، ومخاطره، فتعرض لمجموعة من التعريفات، والمفاهيم التي تناولت البحر، كما قدم فذلكة تاريخية عن النشاط البحري العربي، فالعرب المستقرون باليمن، وحضرموت والبحرين عُرفوا ببراعتهم في الملاحة بحكم الموقع الجغرافي لبلادهم على البحر الأحمر، والمحيط الهندي، والخليج العربي، وهذا ما سنح لهم بالاحتكاك بمختلف الشعوب، والأخذ منها، وهذا النشاط كانت له أصداء في شعرهم، ونثرهم، وعاداتهم، ولعل من أشهر الأبيات التي جسدت هذا النشاط، بيت عمرو بن كلثوم الشهير:

مَلأنا البَرَّ حتّى ضاقَ عَنّا وظَهْر البحرِ نملؤُه سَفينا

ويشير المؤلف إلى أن السفن العربية إبان العصر الجاهلي لم تكن مقتصرة على السفر لأماكن محدودة وحسب، بل عُرف الرحالة العرب بمغامراتهم، فقد وصلوا إلى السواحل الشرقية بالقارة السمراء، مثل:زنجبار، والمحيط الهندي، وسرنديب، كما خرجت قطائع من عمان والبحرين إلى أن وصلت للهند وكشمير، وفي العصر الإسلامي، وبعد التحولات الجذرية التي شهدتها الحياة العربية تعددت الأسفار، نظراً للوحدة التي تحققت، والرغبة في الازدهار، فزادت المبادلات، وسلكوا الطرق البحرية منطلقين من البصرة، وصيراف، فعبادان، فالخشبات، كما عرض المؤلف للكثير من الأهوال المرعبة التي تعرض لها البحارة العرب، فقد تحدى ركاب البحر الأخطار المحدقة بهم، وتجاهلوا الأهوال العظام، وقد استشهد الكاتب بمجموعة من النصوص التي تجلي هذا الموضوع، وتُبرز معاناة ركاب البحر، للحريري، وابن زاكور الفاسي، والوزير التمقروتي، وابن خلدون، وابن بطوطة، وألقى الضوء على المحاولات العربية لاكتشاف أسرار البحار، ويقصد بذلك رحلات المخاطرة التي قام بها الرحالة العرب، ومن أشهرها رحلة خشخاش بن الأسود، الذي أشاد به كل من البكري والحميري، والذي غامر إلى غاية الوصول إلى أرض واسعة مجهولة عاد منها بكنوز كثيرة، بالإضافة إلى الرحلة الشهيرة التي عُرفت برحلة المغررين، أي المخاطرين.

الصراع البحري

في القسم الثاني، والموسوم ب:«الصراع البحري»، يُقدم لنا الدكتور مولاي بلحميسي متابعة تاريخية لتطورات البحرية الإسلامية، وذلك منذ البدايات الأولى لتشكلها، وقد عدد جُملة من الأسباب التي أسهمت في تأخر ميلاد البحرية الإسلامية، ومن أهمها: معارضة الخلفاء في المراحل الأولى، وندرة المواد الضرورية لبناء المراكب، وفقدان اليد المتخصصة. وقد تحرك المسلمون بحذر في عهد الخلفاء الراشدين، فصمموا على اختراق البحر كغيرهم، غير أن تحفظ الخلفاء أحجمهم، وعطل المغامرات البحرية نسبياً، فقد تميز عهد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- بالمعارضة لأية محاولة بحرية إسلامية، «وبعد أن انهارت قوى بيزنطة، وانفصل الشام عن جسم الروم ركز معاوية همه على فتح الساحل الفينيقي قبل الشام ومصر، وسمح عمر-بصفة استثنائية- سنة:691م، بالغارة على الحبش رداً على هجومهم على سواحل شبه الجزيرة، وكتب معاوية إلى عمر يسأله الإذن في الغزو البحري، فكتب له:«إني لا أحمل المسلمين على أعواد(مراكب)نجرّها النجار، وجلفطها الجلفاط يحملهم عدوهم إلى عدوهم».

وسمح عثمان بن عفان-رضي الله عنه- لقطائع بحرية بركوب البحر، وعندما عُيّن الحجاج بن يوسف والياً على العراق من قبل عبد الملك بن مروان ثم الوليد الأول، كان أول من أنزل في الماء سفناً مدهونة بالقار، وقد شجع معاوية على ركوب البحر والجهاد ركوباً على السفن، وذلك بغرض كسب مهارة الروم، وخبراتهم، ودرايتهم، ولذلك فإن الكثير من الدارسين يذهبون إلى أن معاوية هو أول من أسس البحرية الإسلامية، وأنشأ السفن، وأرسل الحملات المظفرة ضد الروم ، وفي المرحلة اللاحقة تطورت البحرية العربية أيما تطور، فأضحت السفن تشق البحار، وترسو بسواحل الجزر والأقطار العربية، ولاسيما بعد أن ظهرت صناعة القطع البحرية بمصر، والشام، وفلسطين، فتطورت البحرية الإسلامية تطوراً سريعاً، وهذا ما أشار إليه العديد من المؤرخين، ممن تتبعوا شؤون البحرية الإسلامية، إذ عبر المستشرق ولهوسان عن هذا الأمر قائلاً:«إن العرب رغم نفورهم من الماء اجتازوا عهد الجمال والقفار إلى عهد السفن والبحار».

وشهدت المرحلة الأموية اهتماماً كبيراً ببلاد المغرب، إذ أوعز عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز عندما كان والياً على مصر توجيه ألف قبطي بأهلهم، وأولادهم إلى تونس، مؤكداً على أن يحسن معاملتهم وعونهم، كما كتب إلى حسان بن النعمان يأمره بأن يبني لهم داراً للصناعة تكون قوة واعدة للمسلمين، وأن يجلب الخشب لإنشاء المراكب«ولم يختر المسلمون قرطاج المعرّضة دوماً لهجمات الروم، وفضلوا تونس لأنها أكثر أمناً فبادروا بتنفيذ أوامر الخليفة، ثم استعدوا لضرب السواحل النصرانية، وأن يجاهد ابن النعمان الروم في البر والبحر ليشغلهم عن القيروان، وقد شهدت هذه المرحلة نشاطاً بحرياً كبيراً، فتتالت الغزوات، وكان افتتاح طرابلس على يد عمرو بن العاص سنة:642م، ومن أبرز الحملات التي أشار إليها المؤلف، الحملة التي بعثها عبد العزيز بن مروان بقيادة عطاء بن رافع الهذلي إلى سردينية سنة:703م.كما نظم موسى بن نصير حملة«النبلاء»، سنة:704م بقيادة ابنه عبد الله الذي أرسى بالساحل الغربي بصقلية، كما أرسل موسى بن نصير أسطول إفريقية سنة:705م، بقيادة عياش بن أخيال وذلك لضرب جزر العدو، ومهاجمة سيراكوزا، وتكررت الحملة على صقلية الكثير من المرات، ففي سنة:720م، كانت بقيادة موسى بن أوس الأنصاري، وفي سنة:727م بقيادة بشر بن صفوان الكلبي، وفي:728م بقيادة عثمان بن أبي عبيدة بن قبة، وفي السنة التي تلتها بقيادة المستنير بن الحبحب، وفي سنة:730م بقيادة ثابت بن الهيثم، وبعدها بسنتين بقيادة عبد الملك بن قطان، وتكررت الحملة على سردينية سنة:710م، وسنة:732 م بقيادة عبد الله بن زياد، وما يلفت الانتباه هو أن أغلب الأنشطة البحرية، كان الهدف منها كل من جزيرتي صقلية وسردينية بالدرجة الأولى، نظراً لما لهاتين الجزيرتين من أهمية بالنسبة للمسلمين، وفي نفس الوقت فقد تواصلت سياسة الإنشاء والتجهيز في عهد بني أمية من خليفة لآخر، وخاصة عبد الملك بن مروان(685-705م)، وقد وجد عبد الملك في حسان بن النعمان القائد الذي يعول عليه، وفي أيام عبد الله بن الحبحب(731-741م)أحدثت دار الصناعة بتونس، كما عُرف عن موسى بن نصير قبل ذلك الخبرة العالية بشؤون البحر الأبيض المتوسط، وفطن المسلمون منذ البداية لما تشكله جزر الحوض الغربي، وخاصة الجزر الشرقية من خطر على استقرار دعائم الحكم الإسلامي في المغرب، ومن ثمة تم فتح الأندلس(2).

الصراع البحري ببلاد المغرب والأندلس

وكصنوتها بالمشرق العربي، بادرت دول المغرب العربي آنذاك بالتصدي لأطماع الروم بالاستيلاء على البلاد الإسلامية، من خلال البحر، وقد كان الوقوف في وجههم بوساطة بني الأغلب، أو الدولة الأغلبية(800-909م). والتي أسست بالمغرب الأدنى إبان حكم بني العباس، وقد كانت عاصمتها في البدء بالقيروان، ثم انتقلوا إلى رقادة، ومن أهم الإنجازات البحرية التي حُققت في هذه المرحلة دخول المسلمين لبلرمو سنة:827م، وعندما فُتحت هذه القاعدة الهامة مهدت الطريق للسيطرة على الجزيرة ككُل، ومن ثمة كان فتح قوصرة، ولم يتوقف الزحف الإسلامي عند هذا الحد، ففي سنة:842م، وقعت في أيديهم مدينة ميسين، وفي عهد إبراهيم الثاني كانت السيطرة على سرقوسة، ومما يُذكر لبني الأغلب أسبقيتهم في إنشاء أسطول حول المغرب الأدنى(تونس) ، وقد كان هذا الأسطول بمثابة دولة بحرية، لعبت دوراً بارزاً في البحر المتوسط، وبعد المرحلة الأغلبية جاءت المرحلة الفاطمية(909-1171م)، فبدأ نشاط الفاطميين بالمغرب الأدنى، فقدموا خدمات جليلة، وكان لهم دور كبير في تطور البحرية الإسلامية، فما إن أسست الدولة حتى تم الانتقال من رقادة إلى المهدية ، بعد أن قرر أبو محمد عبيد الله الإقامة على الساحل، ابتداءً من سنة:921م، نظراً لموقعها المتميز الذي يحيط به البحر من ثلاث جهات، «وقد كان لإنشاء المهدية أعظم الأثر في تدعيم الأسطول الفاطمي في إفريقية (المغرب الأدنى). ولتأمين المرسى من الأخطار قام المهدي بضم هذا المكان بسلسلة من حديد يرفع أحد طرفيها عند دخول السفن، ثم تُعاد كما كانت تحصيناً للمرسى من دخول مراكب الروم.أما دار الصناعة فكانت بشرقي قصر عبيد الله، وتسع أكثر من مأتي مركب، وفيها قبوان كبيران طويلان لآلات المراكب، وعُددها لئلا ينالها شمس أو مطر، وسرعان ما أصبح المرسى، زيادة عن دوره التجاري، قاعدة عسكرية تخوض المعارك البحرية، فتعددت الفتوحات، وغزا الفاطميون جنوب فرنسا، ومدينة جنوة ثم مدينة بيزا(1011-1014م)، وفاقوا الأغالبة في الجهاد البحري، كما نافسوا بني أمية في الأندلس. وقد بلغت بحريتهم المستوى العالي قبل أن يلتحقوا بمصر(316هـ/936م).وكانوا يسمون من ركب البحر للجهاد"غازي البحر".وقد أعجب الشعراء أيما إعجاب بهذا المكسب الجليل المرعب للأعداء، فقال الشاعر علي بن محمد الأيادي التونسي يصف هذه الوحدات في عهد الخليفة محمد القائم(322هـ/934م) قائلاً:

أَعجِب بأسّطول الإمام محمد وبحُسنِهِ وزمانِهِ المستغرب

لبِست بِهِ الأمواجُ أحسن منظر يبدو لعين الناظر المتعجب

وعلى جوانبها أسودُ خلافة تختال في عدد السلاح المُذهب

وقد لعب الصقالبة أيام الفاطميين دوراً في البحرية انطلاقاً من المغرب، وكان صابر قائد الأسطول الذي أقلع من الشاطئ التونسي سنة:928م، وأغار على سواحل إيطاليا، واستولى على مدينة طارنة، قبل أن يغير على نابلي. وفي سنة:929م حاصر الأسطول اليوناني، ولم يكن الصقلبي الوحيد في خدمة الفاطميين، فجعفر بن عبيد الله قاد الأسطول الفاطمي، وذهب سنة:924م لمهاجمة صقلية وكلابرا»(3).

ويرى المؤلف أن من بين الأسباب التي أدت إلى ضعف القوة الفاطمية :التنافس الشديد بين دولة بني أمية في الأندلس، ودولة الفاطميين، فكثرت الصدامات بينهما، والتي سرعان ما قضت على هذه القوة، وسرعان ما انتفع منها أعداء المسلمين، وفي أواخر القرن السادس تراجعت البحرية الإسلامية، وضعف أمرها عندما انتقل العبديون إلى مصر.وما فتئت أن عادت قوتها وسطوتها في أواخر هذا القرن، وقد ظلت المهدية في زمن الموحدين هي الهدف الرئيس للنصارى يريدون غزوها، والاستيلاء عليها.

وتحت عنوان:«الأندلس مهد البحرية الإسلامية»، يتوقف الدكتور مولاي بلحميسي مع تلك الصفحات المشرقة من تاريخ البحرية بالبلاد الأندلسية، فبعد أن قدم توطئة عن أهم المراحل السياسية التي مرت بها الأندلس منذ الفتح الإسلامي(711م)، أشار الكاتب إلى أن الأحقاب السياسية التي مرت بها الأندلس، انعكست انعكاساً مباشراً على البحرية، ففي زمن القوة، والاستقرار، والتماسك تميزت بالنظام، والهيبة، والإشعاع، وبعد مرحلة القوة، جاء زمن الفتور والضعف والتفريط بما شيده الأوائل، فانعكس الوضع السياسي على البحرية.

كانت انطلاقة البحرية الإسلامية بالأندلس مبنية على رؤية حضارية، فقد شعروا منذ البداية بضرورة تشييد أسطول بحري للربط بين العدوتين، فقد كانوا يرون أن البحر هو همزة وصل لا حاجز فصل، ولا يمكن أن يستطيع أهل البلاد العيش بدون اتصال بأرض الإسلام إلا عن طريق الماء، فأدركوا أهمية امتلاك السفن، ونظراً للحاجة إلى المراكب لحراسة الشواطئ ، والاتصال الدائم بالجزر الشرقية(الباليار)، وقد كانت المهام في تزايد مستمر لعبور المضيق، والصيد البحري، والمبادلات التجارية وغيرها.

وأغلب الأحداث والوقائع التي شهدتها البحرية الأندلسية دارت على الواجهة المتوسطية، مثل:المشاركة في فتح صقلية، واقريطش، وتطور بجانة، بالإضافة إلى الهجومات على الجزر الشرقية، وقد قام الكاتب بتفصيل أهم الأحداث التي عرفتها البحرية الأندلسية، ابتداءً من هجومات المجوس التي استمرت لسنوات طويلة، ومرت بمراحل ، فقد كان الهجوم الأول للمجوس سنة:844م، وامتدت المرحلة الثانية ما بين سنوات:858 إلى غاية861م، والمرحلة الأخيرة ما بين سنوات:966إلى971م.

وقد كان لغارات المجوس على الأندلس أيام عبد الرحمن الثاني عدة انعكاسات، فقد استخلص عبد الرحمن الدرس، وبادر ببناء الحصون، وإنشاء دور الصناعة بإشبيلية، ووضع مراكز للمراقبة وذلك على طول الساحل الأطلسي، كما سارع إلى إنشاء عدد كبير من السفن الحربية، بالإضافة إلى الاهتمام بتطوير العتاد، والآليات، وتقديم أجور مشجعة لرجال البحر.

وفي فترة حكم عبد الرحمن الثالث(912-961م) أصبح مقر القوات البحرية ابتداءً من سنة:933م بالمرية، وقد استخدم الخليفة جماعات من الملاحين الموجودين ببجانة، وقد أضحت الاهتمامات مركزة على البحرية، فانتظمت في هذه الفترة، وعُززت إلى جانب وحدات المراقبة التي تهدف إلى دحر العدو بمراكب تجارية ضخمة طفقت تشق البحار في مختلف الاتجاهات، وأحدثت الكثير من الورش، ودور الصناعة بغرض تغطية المبادلات التجارية في البحر الأبيض المتوسط، وفي السواحل الشرقية كان الملاحون ذوو الخبرة يقطنون الشواطئ منذ عهد محمد الأول، وقد تجلت فعالية هذه التدابير، وظهرت فوائدها الجمة أثناء القرن الرابع عشر الميلادي، ففي سنة:966م انتشر خبر قدوم المجوس في ثمانية وعشرين مركباً فأمر الحكم الثاني محمد بن روماحس بضرورة التصدي للعدو، فغادرت الأساطيل إشبيلية، ولاحقت العدو، وهزمتهم في مياه شلب، وفكّت من أيديهم الأسرى المسلمين.

وقد ألقى المؤلف الضوء على الصراع الفاطمي الأموي، والذي كان متعلقاً بشكل كبير بالبحرية، فالمنافسة الميدانية كانت على المضيق، وهذا ما دفع عبد الرحمن الثالث لاتخاذ مجموعة من التدابير، إذ أرسل مجموعة من القطع البحرية السريعة إلى المضيق، وذلك لمراقبة تدخلات الفاطميين، وقطع الإمدادات عن الثائر ابن حفصون، الذي اعترف بخلافة الفاطميين ببلاد المغرب، ورغم الاحتياطات الكبيرة التي اتخذها الخليفة، بيد أنه لم يهنأ له بال، وقد ظل حذِراً يخشى قوة الفاطميين، نظراً لما عُرفوا به من روح قتالية عالية، وظل يعزز البحرية دون هوادة، وقد أخذ الأمويون المبادرة، واستولوا على مليلة وسبتة في سنة:927م، وقد توترت العلاقات، وكثرت الصدامات، ومن أبرز النتائج التي نجمت عن هذا الصراع تراجع شأن البحريتين، وانتفاع الأعداء بهذا التراجع، فازدادت التحرشات بالبحرية الإسلامية في القرن السادس الهجري، ولاسيما بعد انتقال العبديين إلى مصر.

وبعد أن استولى المنصور بن أبي عامر على السلطة(976-1009م)، اعتنى بالمسائل العسكرية، وقدم خدمات جليلة يشهد بها جميع من أرخوا للبحرية الإسلامية، فقد أحدث أسطولاً رفيع المستوى عدداً وعُدة، كما عُرف بشجاعته، وقدرته العالية في الحرب والتنظيم، وقد وصفه عبد الواحد المراكشي قائلاً:«ولم يزل محمد بن أبي عامر طوال أيام مملكته مواصلاً لغزو الروم مفرطاً في ذلك، لا يشغله عنه شيء، وبلغ في إفراطه حب الغزو أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد فتتبعه عساكره.غزا في أيام مملكته نيفاً وخمسين غزوةً(981-1002م)ذكرها أبو مروان بن حيان في كتابه"المآثر العامرية". وفتح فتوحاً كثيرة، ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على من كان قبله وملأ الأندلس مغانم وسبياً».

وبعد المنصور بن أبي عامر ظهر مجاهد العامري(1044م)، والذي لا تقل شخصيته شجاعة، وقوة، وسلطة ، ونفوذاً عن ابن أبي عامر، نظراً لاحتكاكه بالمنصور، فقد تربى في أحضانه، ودخل في خدمة العامريين، وما يُذكر لمجاهد مشروعه الضخم الذي سعى من خلاله إلى احتلال جزيرة سردينية، « ومن أجل هذا الهدف أقدم مجاهد على تجديد دار الصناعة القديمة التي كانت بالمرية، فتضاعفت طاقتها، وأمدته بالسفن المقاتلة والنقالة من مختلف الأحجام، وكانت مراكبه ترابط في مياه دانية في زمانه، وزمان ابنه علي أعظم مركز لأساطيل الأندلس، وتضاعفت طاقتها يومئذ، وزودته بالمعدات الحربية من كل حجم واختصاص، وقد أقلع أسطوله من دانية والجزر الشرقية في ربيع:406هـ، أغسطس1015م، وقد بلغ عدد السفن120سفينة، ولم يتمكن مجاهد من تحقيق مشروعاته، إلا أنه خلق نشاطاً بحرياً إسلامياً في زمن الانقسامات، وقد كانت طموحاته أكبر من مقدرة أمير من أمراء الطوائف، وقد عبر ابن خلدون عن هذه الصحوة، وهذا المجهود قائلاً:«إن أساطيل إفريقية والأندلس في القرن الرابع بلغت منزلة كبيرة»(4).

واحتلت البحرية مكانة خاصة عند المرابطين، فاستعانوا في البدء بسفن اشبيلية، ووجدوا بني ميمون يتولون قيادة البحرية، وذلك قبل إنشاء دار خاصة للصناعة بالقصر الصغير، كما اهتموا أيما اهتمام بالتسليح، وقد تبدى اهتمامهم من خلال تشييدهم للكثير من الورشات، ومن بينها:ورشة وهران، والريف، وورشة سبتة وطنجة، كما تم إنشاء العديد من المراسي، وسعوا إلى تحصينها تحصيناً دقيقاً، وبعد أن نزل يوسف بن تاشفين بالجزيرة الخضراء، وقام بتحويلها إلى قاعدة منيعة، انطلق إلى مواجهة العدو ألفونسو السادس وهزمه، فحميت الثغور ودانت له مختلف الممالك، وقد أدرك يوسف بن تاشفين ضرورة تغطية العجز في السفن، فاهتم بصناعة الوحدات، وبعد الاستيلاء على طنجة سنة:470هـ، أخذ ما تبقى من أسطول الحموديين.

ويرى المؤلف أن الموحدين يختلفون عمّن سبقهم، من خلال تطبيقهم لاستراتيجية فريدة من نوعها على العدو، فقد كانت لديهم آراء جديدة، وهذا ما أحدث تطورات كبيرة في البحرية الإسلامية، وقد قاموا بتسليحها، وتزويدها بعدد كبير من الرجال، إضافة إلى بناء الحصون الدفاعية، وإنشاء أجهزة المراقبة، وقد عمل عبد المؤمن بن علي على النهوض بالبحرية فطهر الساحل التونسي(548هـ/1153م) ثم المهدية، ثم سوسة، وسفاقس، وبونة(عنابة)سنة:548هـ/1153م.

وشن عبد المؤمن بن علي«الحملات الكبرى على نصارى الأندلس بعد أن ضايقوا المسلمين في عقر دارهم، وقد تكررت ضغوطات ألفونسو الثامن، مما دفع المسلمين للاستنجاد بالخليفة فلبى الدعوة، وعبر المضيق، ودخل الأندلس سنة:539هـ/1444م، واستولى على قادس سنة:1161م، وعلى إشبيلية سنة:541هـ، وعلى المرية سنة:547هـ/1152م.وقد اهتم ببناء السفن، وفي سنة:1162م، تم إنشاء أسطول يحتوي على مائة مركب بأرزيو، مما جعل هذا النشاط يحول المدينة الساحلية إلى أكبر دار للصناعة في الناحية»(5).

وتحت عنوان:«فترة القوة والشموخ» ختم الكاتب حديثه عن مرحلة الازدهار، فقد توقف من خلال هذا العنصر مُقدماً رؤية تحليلية منهجية عن العصر الذهبي للبحرية الإسلامية، والذي امتد من فجر الإسلام إلى غاية انطفاء شمعة الأندلس، وسقوط غرناطة سنة:1492م.وقد أرجع المؤلف أسباب ازدهار البحرية الإسلامية وتطورها السريع إلى روح الجهاد في فجر الإسلام، وتحمس الحكام في بداية الملحمة، فلم يُقصروا، وانفقوا بدون حساب، واتخذوا الإجراءات اللازمة التي أوصلتهم إلى بعيد، بالإضافة إلى التضامن و روح المسؤولية الجماعية التي طبعت شخصياتهم، وضرب مثالاً بعهد دولة المرابطين والموحدين، فقد كانوا عندما ينادي حاكم للنجدة نتيجة لمضايقة النصارى يأتي الجميع، ومثال ذلك نداء صلاح الدين واستنجاده ببحرية المغرب.

ضمور التوهج وبداية النهاية

بعد العصر الذهبي للبحرية الإسلامية، وعهد الفتوحات في البحر الأبيض المتوسط، وبعد أن«صال المسلمون، وجالوا عبر البحار المعروفة آنذاك، والمحيطات وحققوا ما كانوا يصبون إليه، مالت شمسهم إلى المغيب، وأفل نجمهم فتقلص نفوذهم، وتضعضع بنيانهم، فاستصغرهم من كان يهابهم، وافترس ممالكهم، وانتهك أعراضهم، وهدد أمنهم فطويت صفحات مشرقة، وأقبلت أيام الأرق والتحسر والعجز على رد أي فعل»(6).

وقد بدأت المأساة، وانطلقت رحلة الضنى والشجن التي مرت بها البحرية العربية من المشرق، عندما اغتنم الروم تردي الأوضاع الداخلية، فاستولوا على شواطئ الشام، ثم مصر دون أن يجدوا مقاومة فاعلة، وهذا ما عبر عنه ابن حوقل بعد أن شاهد مصير هذين البلدين قائلاً:«فمصير قنسرين يغني عن بقية المدن، كانت فيما مضى عامرة وغاصة بأهلها، فاكتسحها العدو، وكأنها لم تكن، رغم سورها الحجري فخربوا جامعها، وسبوا ذراريتها، وقتلوا أهلها ثم أحرقوا المدينة».

وكان مصير الثغور لا يختلف عن مصير المدن، فكل ما وُجد على السواحل أو قريباً منها سيطر عليه الغزاة، وأقدم الروم على احتلال أنطاكية سنة:359هـ، كما أهلكوا الكثير من الحصون كحصن الاسكندرية(اسكندرون) الذي كان بمثابة روضة غناء عُرفت ببساتينها العامرة، وكذلك الشأن بالنسبة لحصن التيبات على شاطئ البحر، كان فيه مقلع خشب الصنوبر، الذي ينقل إلى الشام ومصر.

وفي المغرب الأدنى اغتنم الروم فرصة انتقال الفاطميين إلى مصر سنة:966م، فاعتدوا عليها، واستعد الزيريون للمقاومة، وعندما جاء تميم بن المعز إلى الحكم(453-501هـ)، وبعد أن اتخذ المهدية مقراً له، لم يكن تحت سلطته إلا ساحل البحر الممتد من سوسة إلى قابس، وعندما وقعت هجمات الغزاة تمكنوا لكثرة عددهم، وقوة عتادهم من النزول إلى البر، واستقروا بجانب المهدية، وعاثوا فيها فساداً، وأحرقوا الغلال، وسبوا السكان، ولم يجد تميم من حل سوى مصالحتهم على المال الذي أخذوه، وفي عصر يحيى بن تميم(501-509هـ)أنشأ أسطولاً بحرياً غزا به بلاد النصارى ووصل إلى جنوة وسردينية، وفي عهد الحسن بن علي(515-543هـ) هاجم النورمان الشواطئ التونسية سنة:517هـ، وذلك بقيادة الأميرال جرجي الأنطاكي، ونزلوا بجزيرة الديماس، فقاتلهم جيش الحسن، وأعاد روجر الكرة فهجم على المهدية، ولم يجد مقاومة كبيرة نظراً لانشغال الأمير بمحاربة الأعراب، فاستولوا عليها، وسكنوا قصورها، وغنموا ما فيها، وقد مكثوا بالساحل إلى غاية سنة:1159م، عندما قرر عبد المؤمن بن علي تحرير سواحل المغرب الأدنى.

وأما سواحل الأندلس التي كانت عامرة، وآهلة بالسكان، فقد اشتد تكالب الصليبيين عليها، وراحوا يقتلعون تلك الأمصار من أيادي المسلمين، وقد شجعهم على ذلك الأوضاع السياسية المتردية«إذ كانت شمس دولة عبد المؤمن في طريقها إلى الغروب، فُضربت السواحل الشرقية، والمحيطية، والمضيق، وانتهت بسواحل المغرب الأقصى والأدنى، وعانت المدن الساحلية ما عانت من الغارات والحصارات، وكل أنواع المضايقات منذ القرن الخامس عشر، وانهزم المسلمون بعد وقعة بطرنة قرب بلنسية سنة:455هـ/1063م، وتلتها وقعة بارباسترو سنة:456هـ/1067م، ثم تكرر الضغط على بلنسية حتى افتكها العدو، وامتلكها سنة:636هـ/1238م، فكانت الفاجعة الكبرى»(7).

وقد قدم المؤلف متابعة تاريخية شاملة لسقوط السواحل الأندلسية، فحدد استيلاء النصارى عليها على النحو الآتي:

كان احتلال جبل طارق-ويسمونه جبل الفتح، أو البحر الزقاق-سنة:660هـ، 1262م.

واستولى جاك الأول على الجزيرة الخضراء سنة:641هـ/1244م.

بلنسية استولى عليها ملك أرقون سنة:636هـ/1238م.

مرسية استولى القشتاليون عليها سنة:640هـ/1243م.

وقد استولى المجوس على الجزيرة الخضراء سنة:245هـ/859م.

وبعد أن صفا الجو للصليبيين خططوا للسيطرة على السواحل المغربية، وذلك بعد زوال دولة المرابطين، والموحدين، فسيطر البرتغاليون على المدن الساحلية الجنوبية، مثل:أصيلة، وأغادير، وطنجة سنة:1471م دون أن يجدوا أية مقاومة تذكر فواصلوا رحلتهم، وسيطروا على سبتة، والقصر الصغير، وكان للقشتاليين جنوب ساحل المغرب المقابل لجزر الخالدات، كما استولوا على مليلية سنة:1497م، وصخرة باديس سنة:1508م، وبعد ذلك انتقل الصراع إلى الجزر المتوسطية، وقد استولى الروم مسبقاً على قبرص، وذلك بعد حرب ضارية امتدت ما بين سنوات:(1061-1086م)، وتمت السيطرة على صقلية بعد الخلاف الذي حدث بين طوائف الجزيرة، وسقطت في أيديهم سنة:484هـ.وكانت الفاجعة الكبرى بسقوط طليطلة سنة:1085م، بعد حصارها مدة ما يزيد عن تسعة أشهر من قبل القشتاليين.

فذلكة

إن هذا الكتاب يمكن أن ندرجه ضمن واحد من الدراسات الهامة التي أرخت لعلاقة العرب بالبحر، وتتبعت تحولات البحرية الإسلامية، منذ توطد هذه العلاقة، إلى غاية سقوط الأندلس وتراجع مكانة البحرية الإسلامية، وقد أرخ المؤلف لهذه الحقبة الواسعة بطريقة سردية حكائية، مما أضفى على الكتاب ميزة خاصة، بالإضافة إلى أن الباحث يُقدم تحاليل ثاقبة، وقد استشهد في تحاليله بالكثير من النصوص التي تثبت هذا الأمر، والتي تنقسم إلى نصوص لقدامى المؤرخين العرب، ونصوص شعرية كثيرة صورت البحر، وكشفت عن تلك العلاقة الوشيجة التي نشأت بين البحر والعرب.

وتجدر الإشارة إلى الميزة المهمة التي نلفيها في هذا السفر القيم، وهي أن الباحث يذكر الإحالات والهوامش بكل دقة، عقب كل بحث من الأبحاث، إذ يجد القارئ في الفصل الواحد من الكتاب عدداً كبيراً من القوائم التي تشير إلى المصادر والمراجع التي استقى منها المؤلف معلوماته، وهذا ما يمكن القارئ من الاستزادة والتعمق أكثر في الموضوع، ويكشف عن الجهود الكبيرة التي بذلها المؤلف في سبيل تأليف هذا السفر، و يدل على حرصه الكبير الذي يرمي من ورائه إلى خلق وعي ثقافي وفكري لدى المتلقي، وما يمكن قوله إن هذا الكتاب صالح سواء لعامة القراء، أو للباحثين المتخصصين.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

..................

الهـوامـش:

(1) د.مولاي بلحميسي:البحر والعرب في التاريخ والأدب، منشوراتANEP، 2005م، ص:5.

(2) د.مولاي بلحميسي:البحر والعرب في التاريخ والأدب، ص:69وما بعدها.

(3) د. مولاي بلحميسي:المصدر نفسه، ص:73 وما بعدها.

(4) المصدر نفسه، ص:84، و87.

(5) المصدر نفسه، ص:95.

(6) المصدر نفسه، ص:127.

(7) المصدر نفسه، ص:127، و129.

3921 طلال عتريسييتناول الدكتور علي المؤمن في كتاب "الاجتماع الديني الشيعي" موضوعاً من أهم المواضيع التي شغلت الكثير من الباحثين منذ عقود، خاصة بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران، وما أدت إليه من إهتمام عالمي بالإسلام، وبالتشيع بشكل خاص، نظراً لهوية هذه الثورة وطبيعة قيادتها. إلا أن ما يميّز المؤلف في هذا الكتاب، وما يجعل عمله أكثر صعوبة لجهة القراءة الموضوعية والعلمية، أنه ينتمي إلى هذا الاجتماع الشيعي اجتماعياً وفكرياً وعقائدياً، وهو بالتالي؛ أعرف بما يجري في هذا الاجتماع وتفاصيله واتجاهاته من كثير ممن كتبوا عن هذا الاجتماع، عن بعد، مسلمين وغير مسلمين، ما يجعل قراءة هذا الكتاب ومناقشته فرصة معرفية للتعرف من الداخل على طبيعة هذا الاجتماع ومكوناته، والتحديات التي يواجهها والمستقبل الذي يتطلع إليه.

يستعرض المؤلف في الفصل الثاني، بعد عرض منهجه البحثي في الفصل الأول، المراحل التاريخية لتشكل النظام الاجتماعي الشيعي، منذ الإمام علي إلى يومنا هذا. وقد تكون هذه المعلومات التاريخية معروفة وموجودة في الكتب والمؤلفات الشيعية بشكل خاص، إلا أن ما يستحق التوقف عنده هو اعتبار المؤلف أن العصر الذي يعيشه هذا النظام اليوم هو عصر الإمام الخميني. وبرأينا هو محق في هذا الاعتبار، نظراً للتحولات الكبرى التي أحدثتها هذه الثورة وهذه القيادة في واقع الشيعة في مختلف بلدانهم، بعد عقود طويلة من التهميش ومن الانكفاء الذي عاشه الشيعة أو فرض عليهم. ولا شك أن المؤلف يتمتع بالجرأة العلمية عندما يعتبر أن هذا العصر هو عصر الإمام الخميني، لأنه يعرف ما قد يثيره هذا الرأي من ردود أو من اعتراض في أوساط شيعية حوزوية وغير حوزوية، وهو يؤكد: (إن هذا العصر هو العصر الذهبي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي) (ص35)، لكنه لا يشرح للقارئ لماذا يعتبر أن هذا العصر هو العصر الذهبي.

يعتبر المؤلف إن المجتمع الشيعي يتشكل من ستة عناصر هي: العقدي- الفقهي- السلوكي- التاريخي- الطقوسي- الاجتماعي (ص 22)، ولا ندري لماذ أهمل البعد الثقافي في هذا التشكل، ولماذا لم يلحظ الترابط بين السلوكي والطقوسي والاجتماعي على سبيل المثال. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يمكن أن نطرح السؤال الذي يستند إلى منهج المؤلف نفسه في ترابط المسارات المعرفية، وهو كيف تفاعلت العناصر الأربعة الأخيرة (السلوكي، والتاريخي، والطقوسي، والاجتماعي) في إنتاج الإجتماع الشيعي، وهل تبدلت هذه العناصر في هذا العصر الذهبي الذي يعيشه هذا الاجتماع اليوم؟. وعلى سبيل المثال؛ يمكن أن نذكر طقوس إحياء عاشوراء، كيف تبدلت من السريّة والهامشية إلى العلنية والتنظيم والفاعلية السياسية والثقافية.

يطرح المؤلف فرضية أساسية يعتبر فيها أن (الاجتماع الديني الشيعي هو اجتماع عالمي متماسك، وليس محلي أو إقليمي، وأن الأواصر المذهبية الاجتماعية المشتركة التي تشد وحداته المحلية الى بعضها، أو إلى المركز، هي أقوى بكثير من التباين اللغوي والقومي والوطني)(ص25). وكان من المفيد لو قام المؤلف بتحليل دينامية الارتباط بهذه الأواصر مع اندماج الشيعة في بلدانهم وأوطانهم، خاصة وأن المؤلف يذهب في نهاية البحث إلى تحليل قد يكون مغايراً لهذه الفرضية عندما يستنتج: (إن الشيعي كلما تعرض الى الضغوطات والتهميش والارهاب؛ فإنه سيندك أكثر في نظامه الاجتماعي المذهبي، ويلجأ الى مؤسسته الدينية، وقيادته المرجعية في الشأن العام، وبأشكال ومضامين ربما تتعارض أحياناً مع حَرفية القوانين والقرارات السياسية للدولة)(ص250)، علماً بأن المؤلف، كما سبقت الإشارة، يفترض أن هذا الأمر هو أمر طبيعي، نظراً لعالمية الاجتماع الديني الشيعي، وهو ما يحتاج إلى المزيد من التوضيح والتحليل.

عرض المؤلف في الفصل الرابع ما يعتبره جوهر وقلب النظام الاجتماعي الشيعي وهو (المرجعية الدينية وقيادة النظام)(ص89)، وقد تحدث عن ثوابت هذه المرجعية وقواعدها التشريعية، وقام بتحليل جوانب مهمة في واقع هذه المرجعية، وصولاً إلى مسألة نعتبرها من وجهة نظرنا في غاية الأهمية في عصرنا الحالي، وهو ما يسميه المؤلف (خلاف المنهجيات الاصلاحية والمحافظة والثورية في الحوزة العلمية)، وتحتاج هذه القضية برأينا إلى التوسع والشرح وعقد المقارنات حول القضايا التي يبرز فيها الخلاف بين محافظ وإصلاحي وثوري؛ هل هي في القضايا الفقهية، أم في القضايا السياسية، أم في قضايا أخرى تحتاج إلى الشرح والتوضيح، خاصة وأن مثل هذا الخلاف قد يكون له علاقة بما يعتبره المؤلف العصر الذهبي الذي يعيشه الاجتماع الشيعي اليوم.

يرى المؤلف أن العصر الشيعي السادس، الذي أسسه الإمام الخميني (تعرض للغزو الطائفي بأشد ما يمكن من هجوم لإسقاطه)(ص54). وهذه وجهة نظر تحتاج الى النقاش، فما هو مؤكد وصحيح أن هذه الجمهورية الإسلامية تعرضت لأقسى أنواع الهجوم والحصار والعقوبات والتهديدات لإسقاطها، لكن السؤال هو هل تم ذلك كله بخلفية طائفية أو مذهبية، أم بخلفية سياسية واستراتيجية لها علاقة بدور الجمهورية الإسلامية في المنطقة وبمواقفها من قضايا أساسية تتعارض مع سياسات دول الهيمنة والإستكبار في العالم، مثل الموقف من الكيان الصهيوني، والموقف من المقاومة ومن دعم حركات التحرر، ومن الإستقلال على المستويات كافة. وأبرز مثال على ذلك برأينا هي الحرب التي شنها النظام العراقي السابق ووقف العالم كله إلى جانبه، ولم تكن في جوهرها حرباً مذهبية.

وحول اسئلة الهوية الشيعية يشير المؤلف إلى (أن ضربات الخصوم استهدفت منذ 1979 (انتصار الثورة الاسلامية) النظام الاجتماعي الديني الشيعي وتدميره من الداخل، وتفكيك بنيته العالمية، أكثر من استهداف التشيع كعقيدة وفقه (ص 165). ربما كان هذا الرأي يحتاج إلى أمثلة وبراهين عن هذا الإستهداف للنظام الاجتماعي الشيعي، خاصة بعد 1979 وفي أي بلدان حصل ذلك، كما فعل المؤلف حين أعطى الأمثلة عن النجاح النسبي للشيعة في التوفيق بين الانتماء للمذهب والإنتماء للوطن، خاصة وأن هناك اختلاف واضح وتفاوت في القدرات بين المجتمعات الشيعية في بلدانهم المختلفة، فما يجري في لبنان على مستوى المذهب ليس كما يجري في البحرين، على سبيل المثال.

يخوض المؤلف في (فرادة المجتمع الديني النجفي)، وهو بحث مهم ومفيد، وربما غير معلوم للكثيرين، خاصة وأن النجف هي حاضرة مهمة وأساسية من حواضر التشكل الشيعي الفقهي والثقافي والاجتماعي التاريخي والراهن، لكن الملاحظة التي نسوقها في هذا البحث المهم، أن التحديات التي يعرضها المؤلف والتي يواجهها هذا المجتمع هي تحديات "قديمة" تعود إلى السبعينيات (البعث والشيوعية)، وكان من المتوقع أن تطرح الأسئلة التي تتناول التحديات الراهنة التي تواجه هذا المجتمع (الثقافية والاجتماعية والسياسية) وتحولاتها، خاصة بعد سقوط النظام السابق.

يعرض المؤلف لـ (ترشيد الطقوس الدينية)، خاصة في مناسبة إحياء عاشوراء (ص 225)، ويدعو إلى تجنب أي سلوك أو اي خطاب يمكن أن يشوه هذا الإحياء (ونقاء المذهب)، ويفترض المؤلف أن مثل هذه الممارسات ستؤدي إلى (دعم المذهب الوهابي التكفيري دعماً نوعياً، وتضطر السنة إلى الارتماء في احضان الإيديولوجية الوهابية)(ص227) . أما الخطر الثاني فهو تشويه عقيدة أهل البيت. وإذا كان الخطر الثاني صحيحاً، فإن الخطر الأول يحتاج إلى المزيد من النقاش والشرح والتحليل، حتى لا يعتقد البعض أن تكفيرية العقيدة الوهابية هي رد فعل على المبالغات الشيعية، خاصة وان ما جرى في السنوات الماضية، يؤكد ارتباط الوهابية بمشاريع غربية في أفغانستان وسوريا والعراق وفي بلدان أخرى.

في خاتمة الكتاب، يعتبر المؤلف (إن ما جاء في هذه الدراسة يجعل منها قاعد لاسستشراف مستقبل النظام الاجتماعي الديني الشيعي برمته، ومدخلاً للاجابة على سؤال: كيف سيكون المشهد في النجف وقم وعموم شيعة العالم بعد عشر سنوات، أي في العام 2030م، بكل تفاصيله الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية؟) (ص247). ويتابع بالقول: (لعل بالإمكان، من خلال الإجابة على هذا السؤال، رسم خارطة طريقة واقعية ودقيقة لإعادة بناء منطقة الشرق الأوسط، عبر إعادة تكوين الواقع السياسي والقانوني والديني والمذهبي لبلدان الحضور الاجتماعي الشيعي، بما ينسجم وقواعد القانون الدستوري وأحكام القانون الدولي، والنظم السياسية العادلة، بمضامينها الإسلامية وأدواتها الديمقراطية اللصيقة بالواقع الاجتماعي والسياسي والعقدي، وهو ما ينبغي أن يكون هدف جميع شعوب العربية والإسلامية) (ص248). وفي الحقيقة لم تتوضح طبيعة العلاقة المتوقعة بين (مستقبل المشهد في النجف وقم وعموم شيعة العالم" وبين قواعد القانون الدستوري وأحكام القانون الدولي، بمضامينها الإسلامية وأدواتها الديمقراطية).

لا بد من التأكيد في النهاية، أن هذا الجهد العلمي المتميّز في الكتاب يقدم فائدة مطلوبة ومناسبة في هذه الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية التي تمر بها بلادنا العربية والاسلامية، ويمر بها الشيعة بشكل خاص، ولا شك أن التعرف على هذا الاجتماع، سيساهم في إزالة الغموض والابهام الذي يتعمده البعض حول الشيعة، ما يؤسس لعلاقات انسانية واجتماعية ومواطنية سليمة تحتاجها مجتمعاتنا.

***

د. طلال عتريسي - أكاديمي لبناني

 

ثامر الحاج امين(العفيف الأخضر 1934 ــ 2013) واحد من المفكرين التونسيين الذين أثارت كتاباتهم جدلا واسعا في العالم العربي لما فيها من نقد وتخطي الثوابت التي لا يسمح الحديث حولها والخوض فيها، فمنهجه في التعاطي مع نصوص الموروث اتسم بالشجاعة والجرأة في تناول الحوادث المسكوت عنها في كتب التراث وكذلك آراءه الجريئة في التحولات السياسية التي شهدتها الساحة العربية.

بعد رحيل العفيف الأخضر بسنتين أي في عام 2015 صدر له عن منشورات دار الجمل كتاب مهم هو (رسائل الى القادة والرؤساء) وقد ضم الكتاب عددا من الرسائل الموجهة الى بعض الرؤساء والشخصيات الفاعلة في الساحة السياسية العربية والعالمية وهذه الرسائل سبق له ان نشرها في الصحف والمواقع الالكترونية وتناول فيها بلغة لا تنقصها الجرأة والشجاعة حال العالم العربي محذرا فيها من السياسة الرعناء التي ينتهجها الحكام بحق شعوبهم والمنطقة، ولكثرة الرسائل التي ضمها الكتاب والتي قاربت من الثلاثين رسالة فقد تناولنا عددا منها تلك التي تكشف عن قدرة الأخضر على التحليل النفسي لسلوك المقصودين فيها وجلهم من الرؤساء الذين أذاقوا شعوبهم الويل بسبب استبدادهم واخطاءهم الكارثية علاوة على ما تضمنتها من اسرار لم يسبق للقارئ ان تعرّف عليها.

استهل العفيف الأخضر كتابه المذكور بـ (رسالة مفتوحه الى صدام حسين) والمثير للدهشة في هذه الرسالة انها منشورة وصدام حسين ما يزال في الحكم وتخيل الجرأة التي يخاطب فيها الأخير قائلاً له (كذاتي منفصل عن مبدأ الواقع أنت غير مؤهل للعمل السياسي على رأس دولة بمكانة العراقي لأن السياسة فن الممكن لا فن التخييل وقد برهنت الوقائع منذ 18 عاما انك أمي في فن السياسة مما جعلك سيد الرهانات الخاسرة ص 5)، وكواحدة من الرهانات يتوقف عند حرب الكويت التي أسفرت وحسب تقديرات احد قادة اركان الجيش الفرنسي عن سقوط 400 الف جندي عراقي قتلى علاوة على الاعداد الكبيرة من العراقيين الذين يموتون نتيجة نقص الغذاء والدواء وتفاقم البطالة، ويظهر من خلال رسالته الطويلة ان الأخضر قد قرأ بشكل مفصل تاريخ العراق وكذلك التاريخ الشخصي لصدام وخفاياه الكثيرة فعن عناد صدام وقصور نظرته يقول له (كمصاب بالمركزية الذاتية جعلت من نفسك مركز العالم فانك تعتبر ان مجرد بقائك في الحكم انتصار على رعاياك الذين حرمتهم من الكثير بفضل الحظر الذي جرّته عليهم انتصاراتك في ام المعارك ص 8) وتذهب الرسالة الى التحليل النفسي لشخصية صدام حسين فتصفها مصابة بالبارانوية الخطيرة التي من أهم اعراضها الحذر المفرط، تضخم الأنا، خطأ الحكم والعجز من التكيف مع الواقع الاقليمي والدولي، وتحصيل حاصل يؤكد له في رسالته (ربما انك عاجز عن ممارسة النقد الذاتي الذي يتطلب مرونة ذهنية وذكاء تاريخيا لا يمتلكها البارانوي فأنت عاجز عن مراجعة احكامك، لأن كل نقد لها او تراجع عنها يجعلك تتهاوى من الداخل كأسد من ورق، فما قررته قد قررته مرة والى الأبد ص 15)، أما رسالته الى الرئيس جلال الطالباني فلم تكن بتلك الأهمية فقد اقتصرت على الطلب منه بعدم التوقيع على عقوبة الاعدام بحق خصومه السياسيين بما فيهم رجال النظام السابق فقد كان يرى في عقوبة الاعدام عقاب همجي انتقامي تمارسه دولة يفترض فيها ان تكون مؤسسة عقلانية.

رسالة أخرى مهمة الى الرئيس الليبي معمر القذافي كتبها أبان الثورة في ليبيا يطلب فيها من القذافي الاستفادة من نهاية صدام حسين والاسراع الى ترك الساحة من أجل وقف نزيف الدم والاقتتال بين ابناء البلد الواحد والاستفادة من نصيحة الرئيس التركي اردوغان الذي ضمن له الأمان من الملاحقة الجنائية الدولية وان يكون (القرار هو الفرار) لكن القذافي لم يأخذ بتلك النصيحة واختار نهايته الدموية، ويبدو ان هذه الرسالة المحرضة على الفرار وراءها دوافع انتقامية سببها قيام القذافي بحرق كتب العفيف الأخضر في ليبيا ومنع تداولها، ويرى الأخضر في تحليله لشخصية القذافي ان جنون العظمة وحب السلطة جعله غير مؤهل للاعتزال ولم يتركها الاّ بعد ان حول ليبيا الى مقبرة وغابة تسرح فيها قطعان الذئاب المتعطشة للقتل والدم.

ولم يغفل الفلسطينيين في سلسلة رسائله فقد تناول الأخضر اسباب محنتهم ويرجعها الى أخطاء سلطتهم الدينية والسياسية، فالدينية منها كانت بسبب الخلط بين احكام الفقه ومبادئ السياسة مشيرا الى موقف مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني الذي رفض تقسيم فلسطين من قبل لجنة بيل البريطانية سنة 1937 التي أعطت منها للفلسطينيين 80 % و 20 % لليهود متشبثا بمبدأ (فلسطين كلها وقف اسلامي ولا يجوز التفريط في شير واحد منها لليهود ص 21) في حين كان رد زعيم اليهود دافيد بن غوريون المدروس هو (بالتأكيد هذا القرار لا يرضيني، ولكنني أرفض ان أرفض) فيعقد الاخضر مقارنة واضحة بين استعانة الحسيني بأحكام جامدة فأضاع وطن وشعبه واستشارة بن غوريون بالسياسة التي هي فن الممكن فكسب وطنا لشعبه ويعلق على هذا ان رفض عرض الخصم يجب ان تسبقه دراسة علمية للبدائل الممكنة للعرض المرفوض وكذلك هي اخطاء السياسيون الذين تقمصوا شخصية مفتي فلسطين ومنهم ياسر عرفات عندما رفض عام 2000 مقترحات كلينتون التي يعتبرها الأخضرهي افضل ما قد يحصل عليه الفلسطينيون في المستقبل.ويصف شعار (كل شيء أو لا شيء) بأنه عناد عصابي وهو مرض موروث من اطوار الطفولة والشفاء منه هو النقد الذاتي.

ومن بين ثلاث رسائل بعثها العفيف الأخضر الى الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا يخاطبه فيها بالصديق العزيز يسلط الضوء في رسالته الاولي على واقع العالم العربي الجديد وتحديدا في البلدان التي شهدت تحولات في انظمتها السياسية (السودان، مصر، تونس، ليبيا، العراق) وقيادة الاسلام السياسي للأنظمة فيها ويصور له وما آلت اليه هذه البلدان من أوضاع سيئة ممثلة بانهيار الأمن والاقتصاد وحملات الانتقام والتردي في الخدمات وغياب الأمن وانتشار العنف، ويبدو ان دوافع رسالة الأخضر جاءت تعقيبا على رسالة مانديلا التي سبق ان وجهها للإسلاميين وحث فيها نخب تونس ومصر على المصالحة الشاملة للتفرغ لبناء المستقبل بدلا من التسمر في مرارات الماضي وكذلك دعوتهم الى اتخاذ تجربة جنوب افريقيا في المصالحة الوطنية نموذجا وحذرهم في رسالته بين المصالحة وطوفان الفوضى، ويتخذ الأخضر من المواقف الغريبة والآراء المتناقضة للسيد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية نموذجا للعقلية التي تسود حكم هذه البلدان وفي الرسائل الثلاث يكشف الاخضر عن معلومات مانديلا الضئيلة والمغلوطة عن القادة الاسلاميين لهذه البلدان عندما يخاطبهم بـ (إخوتي في بلاد العرب) ويستغرب من شخصية بحجم مانديلا التاريخي واشعاعه الكوني ان ينخدع بسهوله بالأعلام المضلل والتهويل الكاذب الذي يثار حول هذه الشخصيات والاستشهاد بها كمرجعيات سياسية من امثال الغنوشي والترابي وغيرهم.

وفي ختام رسالته الى مانديلا يدعوه الاخضر الى مواصلة مهمته الجليلة بالاتصال بجميع اصدقائه من الشخصيات العالمية ليوقعوا معه رسالة الى قادة هذه البلدان المضطربة بضرورة ايجاد حكومة مصالحة تضم الجميع وتوسيع قاعدة النظام الاجتماعية بإضافة نخب جديدة اقتصادية وسياسية وثقافية والتخلي عن الوجوه المشبوهة التي أثرتْ من خلال سرقاتها قوت الشعب وخيراته ويجد في المصالحة والمراجعة الجدية لسياسة الحكم هي البديل من الانقلاب العسكري والفوضى الزاحفة التي تعيشها الان هذه البلدان.

رسالته للرئيس التركي الطيب رجب أوردوغان يشيد فيها بدعوة الأخير زعماء الاسلام السياسي في مصر وتونس الذي ينتمي ارودوغان الى فكرهما السياسي بترك التعصب الديني وانغلاقهم على روح العالم مذكرا اياهم أن (الحرية والديمقراطية والعلمانية لا تتناقض مع الاسلام) والغريب ان أول من رفض هذه الدعوة هم الاخوان المسلمون في مصر وجاء بعدها رفض رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مدعيا بأن (النهضة لا تستنسخ تجارب الاخرين) لكنه كان في أدائه السياسي يحاول استنساخ التجربة الايرانية، وقد وصف الاخضر الرئيس اردوغان بانه شخصية تتمتع بالشجاعة السياسية الغائبة في أرض الاسلام والقادرة على تجسيد مشروع المصالحة بين الاسلام والعلمانية.

في رسالته الى الرئيس الجزائري بوتفليقة يدعوه فيها الى تجفيف ينابيع الارهاب من المدارس الجزائرية التي كان يجري فيها اخضاع التلاميذ من المدرسة الابتدائية الى برامج تعلم كيفية غسل الموتى ورجم المرأة الزانية ويطلب منه ان أراد ان يدخل التاريخ كأول رئيس جزائري ان يقدّم لأبناء الجزائر المسلمين تعليما دينيا تنويريا، وان يعلمهم التفكير في النص الديني بالعقل ونبذ العنف والتكيف مع قيم عصرهم الانسانية.

الرسالة التي بعثها الى الرئيس السوري حافظ الأسد فانه يصف فيها توجهاته بالعمى السياسي فانطلاقا من معطيات موضوعية لا من تخييلات وهلاوس يسطّر له اخطائه الممثلة يسياسته الداخلية الاستبدادبة العمياء وسياسته الاقليمية التي تفتقر الى الواقعية بتدخلاته في شؤون دول الجوار والتحالفات الخاطئة وجعل سوريا ساحة لتدخلات الدول الخارجية من حيث تخلف صناعة القرار السوري مخاطبا اياه (بصفتك، نظريا على الأقل، صاحب القرار، كان عليك ان تحيط نفسك بصناع قرار ذوي اختصاص وكفاءة، بفضلهم ــ وبفضلهم فقط تتعود على سماع الأسئلة المحرجة، وأفضل من ذلك على الاصغاء الى الأحداث لفهم مداليلها العميقة، هذا الفهم هو الذي سيقيك من المزالق والأخطاء القاتلة، لأن صدام لم يفعل، فقد فقدَ كل شيء الذرية والحكم ص 66). ويتهمه صراحة (بتشجيع تسلل الارهابيين الى العراق لمنع اعماره واغراق لبنان في المشاكل والدم وعرقلة الوحدة الوطنية الفلسطينية بين حماس وفتح ص 100).

ولمناسبة اعلان الملك محمد السادس ملك المغرب " سحب المغرب لجميع تحفظاته عن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة " يقف الاخضر مناصرا لهذا القرار ويعتبره يوما تاريخيا في تاريخ تحرر المرأة المغربية من رواسب التقاليد المعادية لها، ولكي لا يبقى هذا الاعلان حبرا على ورق يبعث الاخضر رسالة الى ملك المغرب يدعوه فيها الى استكمال خطواته لا نجاح هذا المشروع الحداثوي التنويري ومنها تحديث قوانين الأحوال الشخصية وكذلك تحديث الخطابين التعليمي والاعلامي لخلق ثقافة مضادة للثقافة السائدة المعادية لحقوق المرأة.

أما رسالته الى عمرو موسى ايام وجوده في منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية فأنها جاءت متضامنة معه ضد التطاول الذي حصل عليه من بعض الأبواق وكان يدعوه في الرسالة الاضطلاع بمهمة تاريخية هي مصالحة عقلاء حماس مع ادارة أوباما وحكومات الاتحاد الأوربي وحذر من حصار المجتمع الدولي لحماس مشيرا الى ان الحصار يوقظ جنون الشك وعقدة الاضطهاد الكامنة خاصة في الشخصيات الدينية العنيفة التي ترى نفسها ضحية.

يكشف كتاب (رسائل الى القادة والرؤساء) عن قدرة مؤلفه العفيف الأخضر على التحليل السياسي الواقعي والعقلاني المرتكز على اسس تاريخية ودينية وسياسية وكذلك على التحليل النفسي للشخصية المبني على قراءة واعية لنظريات علم النفس فجاء كتابا ممتعا غنيا بمادته التاريخية ودقيقا في توصيفاته وتنبؤاته التي تحقق منها الكثير.

***

ثامر الحاج امين

 

منى زيتونمقدمة كتاب: الإلحاد والتطور.. أدلة كثيرة زائفة

بسم الله، والحمد لله، نحمده ونستعينه. أما بعد،

يقول تعالى: ﴿‏وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً‏﴾‏ ‏[النساء: 89]. وهذا الكتاب، وكما يظهر جليًا ‏من الإهداء موجه إلى المؤمنين بالله؛ ليظهر لهم كثيرًا مما خفي عنهم من علم حقيقي، عن زيف ما يدعيه ‏التطوريون الغربيون وأذنابهم من العرب، ويسهم أحيانًا في زعزعة إيمانهم، وقناعتي التامة أن من شاء فليؤمن ‏ومن شاء فليكفر، فليس الهدف من الكتاب حث الملاحدة المعاندين على الإيمان.‏

وقد كنت منذ سنوات بعيدة ألاحظ أن جدل التطوريين حول القيمة العلمية لنظرية التطور يبالغ ويشيع عنها أنها حقيقة راسخة ثابتة لا مجال لدحضها، وهذه ‏المبالغة تبدو صفة أساسية في الكثير من الدعاوى حول ‏النظرية؛ دعاوى متضخمة لتعويض أدلتهم ‏الهزيلة العاجزة.‏ ولم أجهل أن هناك من يسعون جاهدين لإقناع شباب العرب زورًا بصحة نظرية ‏التطور لإظهار أنفسهم على درجة زائفة من العلم ليست لهم ولا تعبر عن حقيقتهم، ولكن لم يعنني هذا ‏ولم يخلق لدي عزيمة أن أجتهد في الرد عليه حتى ظهرت ثم شاعت نظرة جديدة للتطور وجدت من يروج لها بين العرب، ‏وهو ما أصبح يُعرف بالتطور الموجه؛ وهي محاولة إسلامية لمجاراة ما طرحه فرانسيز كولينز رئيس مشروع ‏الجينوم البشري في كتابه الشهير "لغة الإله".‏

وقد سألت نفسي لِم لا أترك المؤمنين بالله من غير المدققين يؤمنون بأن التطور هو أسلوب ‏الله في ‏الخلق، حتى وإن كنت أعلم يقينًا أن كل أدلته زائفة، طالما أنهم لم يدرسوا أدلة النظرية ‏من جهة، ولا علم لهم ‏بالعقائد من جهة أخرى، ولا يبدو أن الاقتناع بالتطور من عدمه يمكن ‏أن يؤثر في إيمانهم؟ أليس المهم أن يبقوا ‏مؤمنين بوجود الله؟!‏ خاصة وأنا أعلم يقينًا أن أغلب شباب العرب من مدعي مناصرة التطور يفعلون ذلك من باب المسايرة للمجتمع المتحضر ‏‏الذي يحسبون أن جله مقتنع بصحة النظرية، بينما في أحدث استطلاع في الولايات المتحدة الأمريكية عن النظرية ظهر أن ‏‏‏40% من الأمريكان ليسوا مؤمنين بالتطور، هذا على الرغم من كل أساليب الترويج الإعلامي له، ورغم منع ‏تدريس أي وجهة نظر أخرى تعارض التطور في المدارس الأمريكية.‏

ولكني رأيت الأمر أخطر مما يبدو ظاهريًا؛ كان مشركو قريش يعترفون به سبحانه وتعالى خالقًا، ولكن مع ‏الاعتقاد بوجود أصنام تنفع وتضر وتشرك ‏الله بشكل ما في تسيير أمور الكون، ولو كان ‏الإيمان بالله فقط كافيًا ما بُعث سيدنا محمد إلى قريش وغيرهم من ‏المشركين لتصحيح عقيدتهم الفاسدة. ‏إذًا فالأمر لا ‏يتعلق بالإيمان بالله وحسب، بل لا بد أن يكون ذلك الإيمان ‏على عقيدة صحيحة.‏

ثم إن شياطين الإنس يريدون أن يبرهنوا لأنفسهم أنهم على حق، ولأجل ذلك فهدفهم جر مزيد من البشر ‏معهم إلى الهاوية، فهم لا يكتفون ممن يقر بحدوث تطور الأنواع من بعضها باقتناع ساذج بسيط قد لا يؤثر على ‏إيمانه؛ كونه لا يفهم ‏عمق ما يعتقد التطوريون من دور محوري للطبيعة في الخلق، بل ‏يُصرّون على تقديم ما يدّعونه أدلة ‏على حدوث التطور للعامة، وهنا يبدأ الطعن في ‏قيومية وعلم الله وقدرته المعجزة على خلق كل شيء بمقدار. ‏وما يفعله هؤلاء ليس اجتهادًا ‏فكريًا، بل تنطعًا علميًا، ونشرًا لأفكار تقتضي الشرك والإلحاد بدعوى التجديد في ‏الدين، ‏والعقيدة لا تُجدد لتتوافق مع أهواء الملاحدة، وهذا ليس جمودًا فكريًا ولكنه محاربة للعبث ‏بعقيدتنا.‏

والمنظور التطوري الذي يحاول أن يعطي التطور صبغة دينية يدّعي أن الطبيعة تعبث ‏بعيدًا عن الله، ‏ويطعن في علم وحكمة الله وإحاطته بخلقه، يطعن في غائية الخلق حتى مع ‏ادعاءات المدعيين بأنه أريد ‏للخلق أن يكون هكذا.‏ إنها حيلة الشيطان القديمة تتجدد مع مصدر شرك وكفر عصري؛ فعبادة الأصنام بدأت عندما أقنع ‏الشيطان أتباعه بتكريم عظمائهم وصنع أصنام لهم، ثم عبدوها واتخذوها آلهة مع الله، ثم كان من بعضهم أن ‏عبدوها دون الله.

‏ومما يروج له التطوريون أن نظرية الخلق تغذي في الإنسان نرجسيته، ولذا فهناك من يتمسك بها ويرفض ‏التطور لأجل ذلك، والحقيقة على عكس ما يدعي مروجو نظرية الأسلاف القردة، بل نظرية الخلق تفهم الإنسان ‏قيمته وتفرده ودوره على الأرض كخليفة لله فيها، على عكس نظرية التطور التي لا تجعله يميز نفسه عن ‏الحيوانات، ويركز فقط على احتياجاته الفسيولوجية ولا يرى في ذلك بأسًا.‏

وهذا كان السبب الرئيسي لإنعاش نظرية التطور في القرن العشرين بإدخال آلية الطفرة؛ لأن الداروينية صارت أيديولوجية تسهم في صياغة العصر المادي الذي أرادوا أن يتم تكريس الإنسان ‏فيه بأن يقنعوه أن ‏أصله حيوان، إذًا فلتبقِ أسير غرائزك ورغباتك أيها الإنسان. ونحمد الله أن العقد الأخير من القرن العشرين كان بداية طرق معاول الهدم في تلك النظرية ‏‏البهيمية، ولا زالت تتصدع بأيدي التطوريين بما تسفر عنه نتائج دراساتهم عن الجينوم -على عكس ما يظن العامة-، وبالمستجدات العلمية في بقية العلوم، وهو ما سنفصل فيه في الباب الرابع، كما تصدعت كثيرًا بضربات قوية من أصحاب نظرية التصميم الذكي.‏

وهدفي من الكتاب أن أثبت أن التطور ليس أسلوب الخلق، وأن التطور مرفوض علميًا مثلما هو مرفوض عقديًا؛ فالتطور وانبثاق الأنواع من بعضها ليست نظرية علمية، وإنما هي تفسير معيب ألبس ثوب العلم زورًا ودون أدلة، ويقيني ‏أن التفسير المعيب قد يعيق العلم لأنه يوقف مسيرته ويهبط عزيمة العلماء عن السعي لمعرفة التفسير الصحيح، ‏كما أنه قد تنبني عليه أكوام من الاستنتاجات الخاطئة. ولو كان العلماء الحقيقيون يصدقون كل دعاوى ‏التطوريين ما اكتشفوا وظائفًا لكل ما ادعى التطوريون أنه عديم ‏الوظيفة من أجزاء الجينوم أو أعضاء جسم ‏الإنسان وباقي الأنواع، ‏ولكن التطوريين لم يستطيعوا إعاقة حركة العلم لخدمة نظريتهم، وإن كانوا قد خدموها ‏بالتضخيم ونشر الزيف وترديد الأكاذيب عنها حتى صدقوها وصدقها معهم كثير من الناس.‏

وهناك فكرة شائعة عن نظرية التطور بأن جذورها تعود إلى فلاسفة اليونان، ونسبة النظرية إلى الفيلسوف ‏اليوناني أناكسيمندر ‏Anaximander‏ ‏ ‏(610 ق.م– 546 ق.م)، وهو من ‏ أعلام المدرسة الميليسية (تابعة للأيونية)،‏ وهذه النسبة غير صحيحة، ‏فهو قد استثنى الإنسان من بقية الحيوانات التي –وفقًا له- خرجت من المياه إلى اليابسة، وقال إن الإنسان ‏الأول بقي محفوظًا في جوف الأسماك جنينًا حتى كبر واستطاع القيام بأمر نفسه فخرج إلى اليابسة عندها، ولم ‏يقل إن السمك هو أصل الإنسان أو أن الإنسان تولد عنه، ومن يدّعِ أن  أناكسيمندر‏ قال إن نوعًا يمكن أن ينتج ‏من آخر لم يفهم حقيقة ما قال، وما أكثرهم!‏

في هذا الكتاب تعرضت بالنقد لنظرية نشأة وارتقاء الحياة على الأرض عن طريق آلية الانتخاب الطبيعي، ‏والتي تُنسب إلى دارون، فتُعرف به ويُعرف بها، وإن كان الباحثون في المجال لا يخفى عليهم أن ألفريد والاس ‏هو من صرح بها أولًا  عام 1858م، فادعى دارون أنه توصل إليها قبل عشرين سنة، وهناك تشكك في أن ‏كليهما سرقاها من الاسكتلندي باتريك ماثيو، ولست مهتمة بتتبع أول من فكر في دور الانتخاب الطبيعي ‏المزعوم في التنوع الحيوي، فعلى كل حال لم نر هذا الانتخاب الطبيعي يخلق أنواعًا، وقد وفرت جهدي في ‏تقديم شروح عن النظرية والرد على ادعاءاتها، وليس البحث عمن بلانا بها، فحسابه على الله. ‏

وإن كان هذا لا يمنع أن أصرح باقتناعي التام أن أيًا من والاس أو ماثيو ما كان بإمكانه نشر مثل هذه ‏النظرية الحدسية غير المنطقية؛ فدارون كان شخصاً يمتلك قدرًا كبيرًا من الذكاء الاجتماعي، في حين كان يفتقد ‏إلى كل ما له ‏علاقة بمتطلبات النجاح الأكاديمي؛ إذ كانت كتابته رديئة وكثير الأخطاء ‏الإملائية وبطيء الفهم، ما ‏يدل على ذكاء لغوي منحدر، ولم يعرف عنه خلال دراسته التميز في ‏الرياضيات أو الفلسفة أو المنطق، ما يدل ‏على ضعف ذكائه المنطقي/الرياضي؛ الذي لو كان يتحلى ‏بدرجة معقولة منه لما وضع نظرية قائمة بتمامها على ‏الحدس، رغم ما حاول ادعائه لها من أدلة، وعليه فدارون إنما نجح في تمرير نظريته إلى الوسط العلمي في ‏عصره من خلال علاقاته الاجتماعية ‏وتحزبات وثلل تدافع عنه وليس لقيمتها. ‏ ‏

كما لم أهتم بعرض الفروق بين أفكار دارون في الطبعات الثلاث من كتابه "أصل الأنواع" الذي ‏عرض فيه نظريته، فنظرية التطور الحديثة تختلف اختلافًا بائنًا عما عرضه دارون بسبب ما استجد من علوم. وإن ‏كنت قد رددت على نوعيات الأدلة التي استدل بها دارون في كتابه ضمن مقالات الباب الرابع.‏

فالكتاب الذي بين أيديكم هو مجموعة من المقالات الفكرية والعلمية، كُتبت ونُشرت على مدونتي لنقد ‏التطور وبعض مواقع الكترونية عبر ‏سنوات، وفي البداية كانت في صورة مختصرة لأنها كانت ردودًا ‏توليت صياغتها سريعًا ردًا على أحد دعاة التطور العرب، ثم حسّنتها وزدتها، وسبق جمعها ونشرها ‏ككتاب الكتروني دون طباعة. وكان سبب جمعها سوية هو مراوغة التطوريين المعروفة عنهم والتهرب من نقاش ‏دليل لآخر. وهذه هي الطبعة الأولى للكتاب.‏

https://critiqueofevolution.blogspot.com/

يحتوي الكتاب أربعة أبواب، أولها يتضمن مقالات للرد على بعض ما يستند إليه الملاحدة ويعرضونه من ‏أفكار، مثل: عرض ونقد لفلسفة العلم عند كارل بوبر، وحديث عن الإلحاد ودور الاستقراء التام‏ فيه، والأفكار ‏الإلحادية المضمنة في نظرية التطور‏، وعرض لمعنى لا محدود‏ية الله، ومعنى الإلحاد في أسمائه، وبعض من الخواطر حول الإلحاد‏، وأخيرًا: ‏هل ينبغي علينا أن نكترث لأمر الملحدين؟‏!‏

ويتضمن الباب الثاني مقالات توضح موقع نظرية التطور من العلم والدين، فبدأت بعرض الاتجاهات المختلفة في تفسير التنوع الحيوي، ‏وعرض لنظرية خلق الأنواع وفنائها كما أراها لأنني لم أقرأ لأحد حاول تنظيرها ووضع مبادئ لها، وتضمن مقالًا إجابة عن ‏السؤال الهام: هل التطور علم؟ وأوضحت في آخر بعض المغالطات المنطقية المرتبطة بالتطور، كما خصصت مقالًا عن فلسفة ‏الصراع من أجل البقاء، والتي برر بها دارون لحتمية التطور وحدوث الانتخاب الطبيعي، والنزعة العنصرية ‏للنظرية وما نشأ ‏عنها؛ إذ يدعي بعض المتحذلقين أن دارون لم يقصد بتاتًا الصراع العنيف الدامي وإنما فقط ‏صلوحية الصفات للتكيف مع البيئة أو الصلوحية العمرانية على حد تعبير الشيخ رشيد رضا، ولكن هذه ليست ‏الحقيقة وما عهد النازية منا ببعيد، ومعلوم كيف أثرت أفكار دارون في هتلر وقادته لكل الحماقات التي اقترفها.‏

ومقالات الباب الثالث تتضمن شروحًا عن النظرية، مثل: رحلة البيغل الثانية التي شارك فيها دارون ‏وبعض المغالطات التفسيرية التي يلصقونها بيوميات دارون عنها، ومقالًا عن فساد التمثيل والقياس بين ‏الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي، والذي أسرف دارون في الحديث عنه في "أصل الأنواع"، ‏ويتضمن هذا المقال عرضًا للإشكاليات المرتبطة بتعريف النوع الحيوي، وشرحًا للاعتراضات والانتقادات التي وُجهت ‏إلى نظرية التطور في عصر دارون، وشروحًا عن فرضيات أصل الحياة على الأرض، وتقديرات عمر الأرض وعلاقتها ‏بنظرية التطور،‏ وما يرتبط به من مفاهيم كالحد الكوني والألفة الكيميائية‏، وشروحًا عن الطفرة؛ تلك الآلية ‏الجديدة التي أحيا بها التطوريون النظرية في القرن العشرين، والتضاعف الجيني وكيف يتصورون قدرته على ‏تخليق المعلومات الجديدة اللازمة للانتواع. وشرحًا لأكذوبة نشأة الأنظمة الحيوية تدريجيًا وعن طريق سقالات، والذي يقيسه التطوريون على نمو الأجنة.‏

وأما الباب الرابع فيتضمن ردودًا على كل ما استخدمه التطوريون من أدلة على ‏صحة النظرية، وبيان زيفها؛ ستجدون ردودًا على استدلالاتهم بالتوزيع الحيوي وعلم المورفولوجي وعلم ‏الأجنة، وعلى خرافة الأعضاء الأثرية‏، وما أسموه بعيوب التصميم في جسم الإنسان، والتأسل ‏الرجعي. إضافة إلى الرد على مزاعم امتلاء السجل الأحفوري الذي كان يأمل دارون أن يمتلئ بما يخدم نظريته، ‏وادعى بعضهم أنه صار دليلًا دامغًا على حدوث التطور، وعرض ونقد لأشهر الحفريات والأدلة التي يقدمونها على تطور ‏البرمائيات والطيور والحيتان والإنسان. وما استجد من استدلالاتهم بعد اكتشاف ‏DNA، والتعديلات المتكررة ‏التي أدخلوها على شجرة التطور التي كانت مجرد فكرة أولية وضعها دارون وأنماها التطوريون من بعده. وكيف ‏أثرت المكتشفات في علم فوق الوراثة (فوق الجينات)‏ في إعادة النظر في ادعاءات التطوريين عن الطفرة والتطور ‏الصغروي، والرد على أدلة التطور الصغروي.‏

ولم يعتنِ الكتاب بعرض بعض روائع تصميم الخالق، وهي بحاجة إلى كتاب كامل يمكن أن يكون جزءًا ‏ثانيًا لما بين أيديكم، إن يسر الله، وسيسرني إن فكر غيري في إعداده، فالتطوريون تصيبهم كلمة تصميم في مقتل، ‏‏ودومًا يسعون ‏إلى تشويه روعة أي تصميم حيوي،‏ بل إن التصميم الدقيق للكون ‏يفترضونه لأن كوننا نشأ من بين أكوان متعددة!‏

لقد خاضت نظرية التطور حروباً ومعارك كثيرة، وتم نفخ الروح فيها من جديد، وعن نفسي أتمنى أن لا ‏‏يقبضني الله قبل أن يقبضها.‏ وقد كان مما فت في عضدي منذ كتابة المقالات الأولية للكتاب أن كثيرين ‏من المؤمنين لم يروا أن الموضوع يستحق ما أبذله من جهد فيه، وأن الحياة على الأرض قاربت أن تنتهي ‏ونفنى، فما أهمية الرد على المعاندين المشغولين بكيف بدأت ليبرروا لأنفسهم بعض قناعاتهم العقدية؟ ورغم ‏أنني لا أحب المناظرات عمومًا، فإنني لم أوافق هؤلاء المؤمنين في الرأي، لأن التطوريين خلطوا العلم الزائف ‏بالعقيدة ليفسدوا على الناس عقيدتهم ويدخلوا الشك في نفوسهم، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ‏فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق‏﴾‏ ‏[العنكبوت: 20]؛ فالبحث في أصل الحياة على الأرض أمر إلهي، وفي مقال "أصل ‏الحياة" سنرى أن التطوريين بعد جهد عادوا مرة أخرى إلى فرضية الأديان، وصارت نظرية الطين الصلصال ‏Clay Theory‏ مما يروج له بعضهم لتفسير نشأة الحياة الأولى، وإن ادعوا أنها ليست هي أساطير الأديان! لذا ‏فإن على من يعلم واجب أن يعلم غيره. ولمن لا يعرف فأنا حاصلة على عدة درجات جامعية، منها درجة ‏جامعية في التاريخ الطبيعي.‏ ولأجل هذا كله كان هذا الكتاب.‏

وسيجد القارئ أسلوب تنسيق الكتاب وتوثيق مراجعه بخلاف المعتاد باعتباره معدًا ليكون كتابًا الكترونيًا ‏بالأساس، وبالنسبة لكثرة النقول باللغة الإنجليزية في الباب الرابع، والتي أوردتها مصحوبة برابطها الالكتروني، ‏ولم أكتف بترجمة محتواها أو صياغته بأسلوبي،  فذلك كان مقصودًا لتحقيق الفائدة المرجوة، فمن خلال ‏تجاربي مع التطوريين العرب أعرف أنهم دائمو التشكيك بالباطل في صحة كل ما نكتب ونشرح من نتائج ‏الدراسات الأجنبية، وإيراد النص باللغة الإنجليزية كما هو مصحوبًا بترجمته أفضل سبيل لسك أفواههم، فهو ‏شيء اضطررت إليه رغم تفضيلي للكتابة الإبداعية وعدم اللجوء إلى النقول بكثرة. ولا أنسى ما أصر عليه أحدهم ‏عند نقاشه مع أحد المراهقين المؤمنين عن سحالي جزر بودماركارو، وهي مما يستدل به التطوريون ‏على حدوث التطور الصغروي؛ إذ أصر التطوري على أن هذه السحالي قد تطورت وصارت نوعًا آخر، وبقي ‏يجادل المؤمن حتى أعطيت الأخير النص الإنجليزي الذي يثبت أن جينوم السحالي لا زال على ما كان عليه، ‏ومن ثم فلا زالت النوع نفسه.‏

ولعل القارئ يجد في هذه المقالات والبحوث فائدة، وأن يعم النفع بها.‏

***

د. منى زيتون

مصر- الإسماعيلية

29 نوفمبر 2021

نبيل عودةكان علينا طرد جميع الفلسطينيين في عام48

* قال بمقابلة صحفية: (موضوع الضمير لا يشغلني، هذا ليس ما يتوقع ان يقوم به مؤرخ * الصهيونية دفعت رشاوى لمندوبي دول أعضاء في الأمم المتحدة للتصويت إلى جانب قرار التقسيم).

يحاول المؤرخ اليهودي بيني موريس فيما كتبه عن "حرب 1948- تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى" وكتاب "من دير ياسين الى كامب ديفيد" الى إعادة كتابة تاريخ هذه الحرب من منظور جديد، وذلك من خلال بحث أجراه، وصفه بأنه واسع النطاق، وانه عثر على وثائق هامة، نشرها في كتابيه المذكورين. ويسمي تلك الحرب بانها "حرب بلا خيار".

 تؤكد الوثائق التي يتحدث عنها بيني موريس أن مندوبين في الأمم المتحدة حصلوا على رشاوي من الحركة الصهيونية، من أجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1947. ويشرح انه كان خوفا من فشل الحصول على ثلثي الأصوات في الأمم المتحدة مما يعني فشل مشروع اقامة دولة اسرائيل. وقد خصصت الحركة الصهيونية مليون دولار لتقديم الرشاوي، عدا الابتزاز السياسي. وذلك في مواجهة ضغط الدول العربية وتهديدها "بفرض حظر" على تصدير النفط !!

ويدعي موريس "أن الحرب في عام النكبة (1948) لم تكن صراعا على الأرض، وإنما تدخل في إطار الجهاد الأول، وهي حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأنه من غير المؤكد أن إسرائيل ستنتصر فيها". بحسب موريس.

بالعودة إلى الأجواء التي سبقت التصويت على قرار تقسيم فلسطين، فإن توترا انتاب قادة الحركة الصهيونية، من جهة أن التصويت إلى جانب القرار يعني قيام دولة إسرائيل، وأن عدم التصويت سيشكل ضربة قاصمة للصهيونية، الأمر الذي دفع قادة الحركة الصهيونية إلى عدّ الرؤوس، وتبين أن نتائج التصويت لن تكون جيدة.

في هذه النقطة قرر أحدهم أن الدبلوماسية النظيفة لا تكفي، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، يجب الانتقال إلى وسائل ظلامية، بما في ذلك الرشوة وممارسة الضغوط. ويكتب موريس في هذا السياق أن الاعتبارات المالية كان لها تأثير على تصويت مندوبي دول أمريكا الجنوبية. بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرار التصويت. كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها. مندوب غواتيمالا أبدى حماسا زائدا في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية تؤكد أنه تلقى أموالا من منظمات يهودية أمريكية، كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين أنه "كان على علاقة بفتاة يهودية"، ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك.

ورغم أن موريس لا يعتبر الوثيقة جيدة، إلا أن رسائل ومذكرات موظفين ومسؤولين بريطانيين تشير إلى وجود هذه القضايا بشأن عدد من الدول في أمريكا الجنوبية، والتي تم إقناع مندوبيها بواسطة الأموال بالتصويت إلى جانب قرار التقسيم.

كما يشير إلى حالات ابتزاز، حيث قامت جهات صهيونية بممارسة الضغوط وتهديد مندوب ليبيريا بعدم شراء المطاط. وتمت أيضا ممارسة ضغوط اقتصادية شديدة، وخاصة الدول التي رفضت تلقي الرشاوى مثل كوستاريكا، وصوتت في نهاية المطاف مع التقسيم. ويشير ان الضغوط كانت من رجال الأعمال اليهود، مثل صامويل زموراي رئيس شركة الفواكه الموحدة وهي نقابة أمريكية كبيرة ذات نفوذ واسع وخاصة في دول الكاريبي.

وتلفت الصحيفة إلى أن هذه الحقائق لم تكن مفاجئة نظرا لوجود ما يشير إلى ذلك. كما سبق وأن أتى المؤرخ ميخائيل كوهين على ذكر ذلك، وذكر توم سيغيف ذلك بما كتبه عن تخصيص ميزانية مليون دولار لـ "عمليات خاصة".

وموريس بتصريحاته يعتبر هذه الوسائل مشروعة، انطلاقا من أن قيام دولة إسرائيل كان على جدول الأعمال والغاية تبرر الوسيلة، إضافة إلى ادعائه بأن الرشوة أفضل من الحرب العالمية الثالثة التي "هدد" بها العرب في حال قيام الدولة.

ينحو موريس إلى تصوير الصراع العربي – الإسرائيلي كصراع ديني. اذ يدعي أن ما اعتبر حتى الآن أنه صراع جغرافي وسياسي وعسكري بين مجموعتين قوميتين هو صراع يجب أن ينظر إليه على أنه حرب جهاد.

ويجيب موريس في مقابلة صحفية أن حرب 1948 كانت ذات طابع ديني، بالنسبة للعرب على الأقل، وأن العنصر المركزي فيها هو دافع الجهاد، إلى جانب دوافع أخرى سياسية وغيرها.

ويستند موريس في ادعائه هذا إلى وثيقة بريطانية بشأن فتوى لعلماء الأزهر، والتي تتضمن كما يقول دعوة إلى الجهاد العالمي موجهة لكل مسلم، بالتجنيد إلى الحرب المقدسة، وإعادة فلسطين إلى حضن الإسلام وإبادة الصهيونية.

ويقول موريس أيضا، إنه يجد صعوبة في عدم انتباه المؤرخين لذلك. وفي الوقت نفسه يفترض أنه ربما يكون قد أولى هذه الوثيقة أهمية أكبر مما تستحق، خاصة وأننا نعيش في عصر يوجد فيه الجهاد على الطاولة. هذا صراع بين عالم ظلامي إٍسلامي وعالم متنور، وفي العام 48 كانت جولة الجهاد الأولى في العصر الحديث.

واستنادا إلى نظريته تلك، يصل موريس إلى نتيجة مفادها أن الحديث هو عن أمور مطلقة، بمعنى أنها لا تحتمل الصلح. ويضيف على سبيل المثال، أنه لن يكون هناك صلح بين حماس وإسرائيل. قد تحصل تسويات تكتيكية، ولكنها ليست أساسية. فهم لن يتقبلوننا، لأن الأرض بالنسبة لهم إٍسلامية، وأن الله أمرهم بتدميرنا، وهذا ما يتوجب عليهم فعله.

ويتابع أنه في العام 48 كان الفهم الإسرائيلي التلقائي بأن جميع العرب قرويون سذج لا يفقهون شيئا، وهذا غباء. مثلما حصل في العام 2006 عندما صوتوا لحركة حماس. عندها قال الإسرائيليون إن السبب يعود إلى قيام حماس بتوزيع الهدايا والحليب مجانا، ولكن هذا خطأ أيضا، فهم يعرفون لمن هم يصوتون، مثلما كان يعرف العرب في العام 48. الدين بالنسبة لهم مهم جدا، وإبادة الصهيونية مهمة جدا.

ولا يغفل موريس التأكيد على أن ما يسميه بـ حرب الاستقلال هي حرب وجود ودفاع عادلة.

إلى ذلك، يتضمن الكتاب تطرقا إلى ممارسات الجنود الإسرائيليين خلال الحرب، فيشير إلى 12 حالة اغتصاب قام بها جنود إسرائيليون. من بينها قيام 3 جنود باغتصاب فتاة فلسطينية من مدينة عكا، بعد قتل والدها أمام ناظريها، ثم قاموا بقتلها، وحكم عليهم بالسجن لمدة 3 سنوات فقط. كما تتضمن حالة اغتصاب فتاة من مدينة يافا لم يتجاوز عمرها 12 عاما. في المقابل يشير إلى حالة واحدة جرت فيها محاولة لاغتصاب مجندة إسرائيلية من قبل جنود في الجيش العربي إلا أن الضابط المسؤول أطلق عليهما النار، وأنقذ المجندة.

وبحسبه فإن الجرائم التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون عام 48 تفوق تلك التي ارتكبت في حروب أخرى. ويقول كان هناك كثيرون ممن تركوا غرائزهم تتحكم بهم، بعضهم جاء من معسكرات الإبادة في أوروبا مصابين بعدواها، وسعوا للانتقام من "الأغيار"(أي غير اليهود: الفلسطينيين في حالتنا) بعضهم حارب سنة كاملة لأن العرب أجبروهم على القتال. بعضهم أراد الانتقام لمقتل أصدقاء لهم. لكل شعب هناك نقاط سوداء في تاريخه، والأعمال الظلامية التي وقعت في هذه الحرب هي نقطة سوداء في تاريخنا يجب استخلاص العبر منها.

مجزرة دير ياسين كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد

وردا على سؤال بشأن تخصيص جزء واسع من الكتاب لمجزرة دير ياسين، يكشف موريس إنه بالنسبة لليهود فإن أهم نتائج ما حصل في دير ياسين، أنها كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد. ويضيف أن العرب تحدثوا عن دير ياسين في البث الإذاعي وضخموا تفاصيل المجزرة، ما دفع سكان حيفا ويافا إلى الاعتقاد بأن الإيتسيل قادمون لارتكاب مجزرة مماثلة. طبعا يتجاهل بيني موريس وغيره ان المواطنين العرب في حيفا واجهوا مجزرة باطلاق النار الكثيف على منطقة السوق وهي مكتظة بالمواطنين مما دفعهم للهرب نحو الميناء، حيث كان الجنود الانكليز الذين لم يوفرا أي حماية للمواطنين، من الميناء صعدوا للقوارب التي هجرتهم الى لبنان وآخرين هربوا لمناطق أخرى. ومن 70.000 فلسطيني حيفاوي بقي 3566 مواطنا فقط!!

مجازر أخرى لا تقل بشاعة ونشوء قضية اللاجئين

يعترف موريس أن مجزرة دير ياسين لم تكن المجزرة الوحيدة، فقد وقعت أعمال قتل كثيرة، مثل مجزرة اللد التي قتل فيها 250 شخصا غالبيتهم لم يكونوا مقاتلين، وقتل أسرى في داخل المسجد. ويكشف موريس في كتابه وقوع مجزرة أخرى في يافا. فبعد سيطرة الهاغانا على يافا تم العثور على 12 جثة، عثر في ثياب أصحابها على بطاقات هوية شخصية إسرائيلية، الأمر الذي يؤكد أن المجزرة وقعت بعد سيطرة الهاغانا على المدينة وتوزيع البطاقات الزرقاء على من تبقى من السكان.

وبحسب موريس فإن هروب العرب هو الشكل العام، متجاهلا ان المجازر في عدد غير قليل من البلدات العربية ارتكبت لإثارة الرعب الذي دفع الفلسطينيين للهرب، وبعد ذلك جرى تدمير قراهم ولم يسمحوا لهم بالعودة، ويقول: أما عمليات الطرد الحقيقية فقد حصلت في مواقع معدودة فقط، متجاهلا تدميرحوالي 500 بلدة عربية وعشرات المجازر واعمال العنف والاغتصاب كما حدث مثلا في قرية الصفصاف التي تقع على خاصرة جبل الجرمق !!

يقول موريس إن الحرب سببت نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين متجاهلا ان المجازر هي السبب المباشر لهرب الفلسطينيين من بلداتهم، واغلاق طرق العودة امامهم بالعنف الدموي أيضا. ويدعي انه بنفس الدرجة أدت الحرب إلى دفع اليهود إلى الهرب من الدول العربية، بعد أن تم نهب ممتلكاتهم. لكنه لا يقدم أي دليل عملي، بل من المعروف ان الحركة الصهيونية نظمت حالات صدام مع المواطنين في العالم العربي (العرق مثلا) لدفع اليهود للقدوم الى اسرائيل.  ويدعي في هذا السياق أيضا أن الأرقام كانت مماثلة ("!!!") ويذكر موريس في هذا السياق قول موشي شاريت عام 49 (وزير خارجية في بداية اقامة اسرائيل) بأن ما حصل هو "تبادل سكان"!!. ويعقب موريس بأنه يوجد منطق في ذلك، وأن الاختلاف هو أن اللاجئين اليهود تم استيعابهم في إسرائيل، في حين أن العرب لم يقوموا باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين وظلت قضيتهم قائمة.

تشكيك بوجود شعب فلسطيني

وإضافة إلى ذلك، يشكك موريس بمدى صحة حقيقة وجود شعب فلسطيني في العام 1948، بادعاء أن الوعي السياسي القومي كان ضعيفا في وسط الفلسطينيين، وعدم قدرتهم على إقامة جيش قطري بدلا من مجرد عدد من المقاتلين في كل مدينة وقرية.

ويختتم الكتاب بقوله: هناك انتصار في العام 48، ولكن ذلك لا يضمن بقاء دولة إسرائيل. ان قيام الدولة في العام 48 أثار ردود فعل رافضة في وسط العرب وغريزة شديدة للانتقام. العالم العربي يرفض قبول وجودنا. وحتى لو وقعت "اتفاقيات سلام"، فإن رجل الشارع والمثقف والجندي يرفضون الاعتراف بإسرائيل. وإذا لم يكن هناك حل سلمي بين الشعبين، فإن النهاية ستكون مأساوية لواحد منهما.

ويخلص في احدى المقابلات الصحفية إلى القول بأنه من الصعب أن يكون لديه أسباب للتفاؤل بشأن احتمالات إسرائيل، حيث أن العالم العربي، وبمساندة العالم الإسلامي، يزداد قوة ومن الممكن أن يكون لديهم سلاح نووي. كما أنه لا يوجد في الأفق ما يشير إلى احتمال التوصل إلى تسوية في السنوات الخمسين القادمة، وحتى يحصل ذلك يجب إضعاف العالم العربي، الأمر الذي لن يحصل إلا بعد نضوب النفط، والذي لن يكون قبل 50 -100 عام.

بيني موريس في كتابه "من دير ياسين إلى كامب ديفيد" يكشف عن عنصريته: كان علينا طرد جميع الفلسطينيين في عام48

 عبر موريس عن رأيه بعد صدور كتابه " من دير ياسين الى كامب ديفيد" بان إسرائيل أخطأت في العام 1948، لأنّها لم تطرد جميع العرب من إسرائيل إلى الأردن خلال حرب 48، وقال: "لو أنّه تمّ تطبيق الخطّة، لكانت قامت دولة فلسطينيّة في الأردن، وفي إسرائيل دولة يهوديّة، وهذا الحلّ كان سيحّل المشاكل للجميع ويُخفّف العنف".

ووصف موريس إسرائيل هي "فيللا داخل الغابة العربيّة". وهاجم موريس العقليّة العربيّة، قائلاً إنّها تؤمن بالعنف والدماء، وبالتالي فإنّ مبدأ "الفيللا بالغابة" الاعتماد على السلاح للمُحافظة على وجودها، وزعمً أنّ العقليّة العربيّة لن تتغيّر، كما حدث في دولٍ أخرى، مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالميّة الثانيّة.

وعن المجتمع الإسرائيليّ قال: ان إسرائيل كانت وما زالت ديمقراطيًة، على الرغم من أنّ الحكومة التي يقودها نتنياهو تعمل على المسّ بمبادئ الديمقراطيّة.

***

نبيل عودة

ريما الكلزليعتبة أولى: بعنوان لافت، يتضمّن كلمة الشجاعة، لإثبات أن الفرد مخلوق اجتماعي، بيولوجي، نوضح أن العنوان صدمة أولى وضّحت فكر إدلر الذي اعتبر أن الأهداف والاحتياجات من جملة محركات الانسان ودوافعه، وعلى الانسان أن يحددّ لنفسه مسارًا من أجل الوصول إليها، ويطلق على هذا أسلوب (نمط) الحياة، وأهم دافع عند الانسان هو التغلب على عقدة النقص، والوصول إلى الكمال معتمدًا على الإرادة الحرّة، وقد تضافرت في الكتابة جهود المؤلفان:

 إيشيرو كيشيمي، ولد في اليابان، في كيوتو/1956الباحث الذي كان يرجو أن يكون فيلسوفاً، من خلال تخصصه في الفلسفة الكلاسيكية الغربية، ولكن اقتصرت أبحاثه حول علم النّفس الادلري الفردي، عمل مستشارًا في عيادات نفسيّة كمرشد معتمد، ألّف كتاب (مدخل إلى علم النفس عند إدلر).

 فوميتاكي كوجا، وهو كاتب محترف، نال العديد من الجوائز، ولد1973/ تأثر بحكمة إدلر القادرة على رفع التحدي في وجه الأفكار، زار كيشمي في كيوتو، وحرر ملاحظاته على شكل محاورات تحاكي النمط الأفلاطوني و سقراط، وهي الطريقة التقليدية المستعملة في الفلسفة اليونانية.

ولو تطرقنا إلى سيرة (ألفرد إدلر) سنذكر باختصار:

 عالم نفساني، صاحب مدرسة (السكولوجية الفرديّة) في علم النفس، من مواليد (فيينا، النمسا) ولد عام/ 1870/ كان مصابًا بالكساح كما كان التلميذ الأضعف في صفّه، لكنه ما لبث أن انتقل في العام نفسه، إلى المقدمة بسبب تلقيه تهديد بتحوله إلى اسكافي، تعافى بسرعة من الالتهاب الرئوي الذي كاد يفتك به بعد أن قال الطبيب أنه سيموت، بعد أن فقد أخاه الذي مات على فراش يجاوره، ثم درس الطب، وانتُخب رئيس التجمع النمساوي للتحليل النفسي، ألف كتاب(معرفة الانسان)، (معنى الحياة)، (تقنية علم النفس بالمقارنة الفردية)، (سيكولوجيا الولد صعب المراس).

أعطى أهمية خاصة إلى العلاقات الداخلية في الانسان والمنافسة في الإرادة. والجدير بالذكر أن إدلر كان يسعى باستمرار إلى إشعار الآخرين بأهميته وقيمته على الرغم مما هو عليه من إعاقة شكلا وجسدًا.

مقدّمة

3837 شجاعة ان تكون غير محبوبالانسان فرد يحكمه الشعور، ومهما كانت نزعاته الفردية توحي بالتشاؤم، أو تتخذ أساليب محدّدة للتعبير عن الغضب والرفض، فهي أشياء تُعزى لفهمه الخاطئ للحياة، حيث للإنسان قدرة على تغيير كل ما يريد، حتى الماضي ذاته، وهو حرّ لأن يختار أن يعيش بسعادة عندما يقرر ذلك، عليه أن لا يفقد إنسانيته في التعبير عن غاياته، مهما كانت.

حاول المؤلفان اتخاذ الإطار الحواري الفلسفي قالبًا يحمل جوهر الفكر الإدلري، ونظريته في هذا الكتاب الذي اتخذ شكل الرواية، عبر حوار بين شاب وفيلسوف، طرح فيه الشاب أسئلة كثيرة ليجيب عنها الفيلسوف ضمن نسق تسلسلي مرتب من الداخل (الجوانية) إلى (البرانية)، ظهر لبّ الاشكال في أهم سؤالين، هل يمكن للمرء أن يكون سعيدًا؟ وهل حقّا العالم بسيط؟

من خلال تفكيك تشابك التناقضات، كان الطلب الأول من الفيلسوف، أن ينظر الشاب للحياة من وجهة نظر طفل، ليبدو العالم بسيطا، لأن العالم ليس موضوعيًا بقدر ما هو ذاتيًا، و (الطفل) أو الشاب بالعموم هو من يضيف إليه معنى، أي يجعل العالم معقّدا، ثم بالشجاعة والمواجهة، (يستطيع الناس أن يتغيروا)

سأل الشاب كيف ذلك بكونه يبحث عن الحقيقة، جاءت إجابة الفيلسوف متضمنة شرح نظرية إدلر التي بين من خلالها أن نمط الحياة يحدد اتجاه الانسان، من خلال خمسة مراحل جاءت مقسّمة بفقرات كثيرة، عناوينها:

1 عليك أن تنكر الصدمة النفسية.

2 جميع المشاكل هي مشاكل علاقات شخصيّة.

3 أهمل مهام الآخرين.

4 حيث يوجد مركز العالم.

5 العيش عن قصد هنا والآن.

سنمر على المراحل بالتسلسل، حسب شرحها في الكتاب:

1 فيما لو تتبعنا الإجابات، نجد أن الفيلسوف أرجأ الحديث عن السعادة، مقابل الاهتمام بالتغيير أولًا، (يود الجميع لو يستطيع أن يتغير) ص 23. السبب في عدم تتبع ثقافة التغيير، هو أن جميعنا لدينا انطباع أننا نود أن نتغير لكن (لا نستطيع أن نتغير مهما كانت شدة رغبتنا في ذلك)، وضرب الشاب مثلا صديقه الذي حبس نفسه في غرفته، خوفا من مواجهة المجتمع، فكان رد الفيلسوف، قد يكون تعرض لحوادث أو صدمة نفسية، أو معاملة سيئة من والديه، وبذلك فقد ثقته بنفسه، وهذا هو السبب الذي يجعله يخاف مواجهة الناس، لذلك اختلق وضعية الخوف، والقلق باعتبارها وسيلة إلى غايته وهي عدم الخروج، فتصنّع المرض، وهذا هو الفرق بين علم المسببات لدى فرويد، وعلم الغايات، وبذلك في علم النفس الإدلري لا يفكر بواسطة (أسباب الماضي) وإنما بواسطة (غائية الحاضر)متجاهلا بذلك أهمية الماضي.

وعليه فإن المعالجين الذين يحددون منظورا سببيّا (سيشرحون لك ما تعاني منه، حدث لك في الماضي سيكتفون بالمواساة بقولهم، أنت لست المخطئ) ص 28، وحجّة الصدمات النفسية المزعومة هي أهم ما يميز علم المسببات، دون وصف للعلاج المطلوب، لذك علينا أن ننكر الصدمات النفسية، ونصنع تحديدًا ما يخدم غايتنا.

وعن فقرة نحن نصنع الغضب، كان الشاب يقرأ في المقهى، قلب النادل القهوة على سترته، فغضب الشاب وانخرط في الصّياح، كيف فسر الفيلسوف هذا الموقف؟

رد الفيلسوف، إذا كان الناس لا يمكنهم التحكم في عواطفهم، فالغضب إذن وسيلة إلى غاية ما. أخذتك عاطفتك المتمثلة بالغضب إلى غاية الصياح، فكنت ترغب بإرضاخ النادل لذلك اصطنعت الغضب، لتذله، (باختصار، إنما هو أداة  يقصد الغضب  يمكننا أن نتوسّل بها وفق حاجاتنا).

جادله الشاب بأن الفيلسوف ينكر العواطف الإنسانية، لكن الرد كان:

أن علم النفس الادلري كطريقة في التفكير هو فلسفة معارضة تماما للعدمية، أي نحن لسنا عبيد لعواطفنا، وهنا علم المسببات الفرويدي ينكر إرادتنا الحرّة، ويعامل البشر كأنهم آلات.

(الشاب: شجاعة أن تكون سعيدًا) ص57، (الشاب: أتخذ باستمرار قرار أن لا أتغيّر، لا أملك الشجاعة على أن أختار أسلوب حياة جديد، ولذلك السبب لستُ سعيدًا). ص58

وبهذا فإن كلّ الناس يستطيعون أن يتغيروا وفق مبدأ الغائية عند إدلر، ولكن المرحلة الأولى التي تسبق القدرة على التغيير، هي الفهم. ولكي تفهم عليك أن تنطلق من ذاتك، لترضى بأن تكون كما أنت، وتحب نفسك، لا لتكون مثل أحد، وهذا يتحدد منذ الولادة، لأن كل مولود لديه أدواته الخاصة منذ الولادة. هو لا يستطيع من خلالها أن يغير طبعه أو شخصيته، لكنه حتما يستطيع أن يغير أسلوبه (طريقته) في الحياة، والأسلوب هو الكيفية التي نميل إلى التفكير بها والعمل بها.

أنت لن تستطيع اختيار بلد ولادتك، العرق، الهوية، الثقافة، ومع ذلك أنت الذي تختار شخصيتك وهي (الأنا) من خلال أسلوبك في الحياة. حيث الناس يستطيعون أن يتغيروا من خلال الأسلوب ومتى شاءوا.

2 إن الغائية أن نمنح ظاهرة ما غايةً بدل سبب، وذلك يبدأ بأن تحب نفسك أولا، والبحث عن الأسباب التي تجعلك تفعل ذلك، كأن تمنح نفسك مزايا وتركز عليها، بعيدا عن تعداد النقائص، هكذا تكتسب ثقتك بنفسك، ضرب مثل الفيلسوف طالبة كانت قلقة جدا من احمرار وجهها أمام الآخرين، وحدد السبب، بأنها كان لديها مشاعر لشاب ترغب بالإفصاح عنها، ولكنها لم تكن مستعدة، لذلك كانت في كل مرة تتعرض لهذا الشعور، والحقيقة كانت تخشى أن يرفضها ذلك الشاب، لذلك تتعرض لاحمرار وجهها وبذلك تتخلص من الاعتراف، خوف أن يرفضها. هي أيضا لم تكن تثق بنفسها، ولو حدث ورفضها فإن عدم ثقتها ستزداد، كانت بحاجة للتشجيع. تتوضح الغاية هنا في أن لا تُجرَح في علاقاتك مع الآخرين.

ثم إن جميع المشاكل هي مشاكل علاقات بينشخصية، بمعنى لو أن العالم كله لا يوجد فيه سوى شخص واحد، واختفى جميع الناس، فهل ستختفي المشاكل؟ لنفهم هذه المسألة علينا أن نعترف بأن الشعور بالنقص هو المسبب الأول لها، وهو عبارة مرتبطة بحكم القيمة التي يصدرها المرء على ذاته.

القيمة، هي أمر يتأسس على سياق اجتماعي، مثلا قيراط الألماس يساوي كذه لأننا من يمنحه تلك القيمة، ولكن من زاوية أخرى الألماس ليس سوى حجر صغير لامع، فلو أنك الشخص الوحيد في العالم ولا وجود لشخص آخر، هل سيكون للقيمة مشكلة، علينا الاعتراف بأن جميع المشاكل هي مشاكل علاقات بينشخصية.

ولأن النقص هو حقيقة مشكلة علاقات بينشخصية، فهو يصيب الجميع، ولا تُعتبر مشاعر النقص سلبية، وإذا تم السؤال (لماذا الناس لديهم تلك المشاعر أصلًا؟) فإن إجابة الفيلسوف هي (يولد الناس في هذا العالم ككائنات دون حماية، والناس لديهم رغبة كونية في تفادي تلك الحالة، يطلق إدلر على ذلك عبارة "السعي إلى التفوق"، بمعنى إرادة التحسن، إلى وضع مثالي، لدينا مُثُل وغايات نسعى إليها، غير أننا ما دمنا لا نصل إلى تحقيق تلك المثل فإننا نميل إلى الاحساس بالدونيّة)، ص 84،85

فيقول الفيلسوف إن ملاحقة التفوق والشعور بالنقص ليسَا مرَضين، ولكنّهما محفزان لمواصلة النمو والتحسن بطريقة سليمة، كأن يقول أحدهم (لم أتابع دراستي، إذن ينبغي لي أن أبذل جهدًا أكثر من الآخرين، فإن هذا يصدر عن حالة نفسية طيبة)، أما إذا تحول إلى استخدام هذا الشعور بالنقص كعذر فإنه عندها يكون عقدة نفسية، أي أنا لم أتابع دراستي، إذا لا أستطيع أن أنجح، أنا لستُ جميلة، إذا لن أتمكن من الزواج هذا أيضًا عقدة نقص وليس مجرد شعور به.

لذلك نجد المتباهون يعانون من مشاعر النقص، من خلال إبهار الآخرين، كذلك بعض الذين لديهم تجارب مع التعاسة، يحاولون أن يتخذوا تلك التعاسة سلما للارتقاء فوق الآخرين، كأن يكونوا مرضى، ثم يكشفون عن شعورهم بالنقص ويستخدمونه لصالحهم.

ويعود بعدها الفيلسوف ليؤكد أن الحياة ليست منافسة، لأن السعي إلى التفوق، لا يجب أن يكون برغبة المرء في التفوق على الآخرين، بينما هو الحالة العقلية لذلك الذي يتقدم وحيدًا خطوة خطوة إلى الأمام، فالشعور بالنقص السليم، ليس أمرا ينتج عن مقارنة الذات بالآخرين، ولكن عن مقارنة الذات بالمثال الذي نتصوره عن ذاتنا. في النهاية (نحن جميعا مختلفون، الجنس، والسن، والمعارف، والتجارب، فلا وجود لاثنين متماثلين كل التماثل،.. وأننا لسنا متطابقين، لكننا متساوون).ص 99

سؤال مهم طرحه الشاب، هل تعني بذلك أن الطفل ينبغي أن يعامل معاملة الراشد تماما؟ الفيلسوف: كلا، ولكن ينبغي أن يعامل باعتباره إنسان.

نرى أن النظرية الانثربولوجية لدى إدلر لها أثر عميق في تبلور مفهوم نمط الحياة للتغلّب على عقد النقص والوصول إلى الكمال في الحياة. فهو أول من أدخل مصطلح (أسلوب الحياة) في علم النفس.

نوضح هنا أن أسلوب الحياة هو لازمة الكلام في نظرية إدلر، فإن أسلوب الحياة الذي يتبلور منذ مرحلة الطفولة، هو الذي يحدد ردة فعل الأشخاص في مواجهة المشاكل، وهو الشاخص الذي تصاغ ردود أفعالنا بموجبه، يتشكل نمط الحياة من مجموع قيَمنا وأفهامنا، في علاقتنا مع أنفسنا والآخرين والعالم، ليتأقلم الشخص من عقبات الحياة.

ويقول الفيلسوف أن نمط الحياة يتبلور على أساس تفوق الفرد على سلسلة من العقد النفسية. كما ويصعب تغيير نمط الحياة بعد بلوغ الطفل الرابعة أو الخامسة من عمره، ويمكن إدراك أسلوب حياتنا من خلال طريقة مواجهتنا لتكاليف الحياة الخمسة، وهي: النمو الذاتي، الأمور المعنوية، العمل والمهنة، التعامل مع المجتمع، الحب.

ويعتقد إدلر أن ماهية الانسان الاجتماعية تستند إلى الحاجة العميقة للتعلق والانتماء إلى المجتمع الإنساني، وذلك لأن السنوات الأولى تكون السلوك الهادف والغائي، والاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، ليتغلب على المهام التي تفرضها الحياة، فعقدة النقص تدفع الانسان إلى السّعي من أجل تحقيق النجاح والسّلطة، والاستعلاء، ويرى كذلك أن سلوك الفرد لا يحددّ عبر الوراثة وتأثير البيئة فقط، إنّما بالتعامل مع الحياة والقيود المفروضة فيها، لرؤية الانسان متفائلًا، فالإنسان يملك إرادة حرّة تمكّنه من العمل على صياغة العناصر و العوامل الاجتماعية المؤثرة عليه، وعلى الرغم من أن بعض جوانب ماهيّة الانسان، تعد في رؤية إدلر أمورًا ذاتيّة، إلا أن التجارب هي التي تحدد كيفية تحققّ هذه العناصر، فنحن لسنا ضحايا طفولتنا، إنما يستفاد من تجارب الطّفولة في صياغة نمط الحياة. واعتقاد (الأهداف الخيالية) التي تكمن في المستقبل، هي التي تعمل على بلورة السّلوك.

3 في المرحلة الثالثة، طلب الشاب من الفيلسوف التحدّث عن الحريّة، (ليس فكرتي أنا، لكنّه أمرٌ عثرت عليه في المكتبة، سطر مقتطف من رواية لدوستويفسكي،" المال هو الحريّة المسكوكة"، ما رأيك في هذا؟) رد الفيلسوف لنفترض أنك أدركت الحرية المالية، و لم تعثر على السعادة، ماهي المشاكل والحاجات التي ستستمر بالنسبة إليك في تلك اللّحظة؟

تلقّى الشّاب تربية قاسية على يد والديه، فتعرّض للقهر والمقارنة بشقيقه الأكبر، ولم يكن يعتدّ ابدً بأي رأي من آرائه، وكان يتحمّل ادعاءات عنيفة تصفه بالتّافه، عاجزًا أن ينسج صداقات في المدرسة، فكان يقضي جميع فسحه وحيدًا في المكتبة، التي صارت ملجأه الوحيد، ثم قرر أن يعمل في مكتبة رافضًا رغبة والديه في إدارة مطبعة تخصّ العائلة، ليتحمّل ثقل الحريّة التي حددّت ميوله بعيدًا عن رغبة والديه.

(الشاب: أنت تتحدث عن الشجاعة؟ ...قلت أن علم النفس الإدلري هو "علم نفس الشجاعة"، الفيلسوف: أضف إلى ذلك حقيقة أن علم النفس الإدلري، ليس علم نفس التملك، بل علم نفس الاستعمال، .... ثم إن السببية الفرويدية هي علم نفس التملك، الذي يقود على مذهب الحتمية، بينما الإدلري هو علم نفس الاستعمال، فأنت الذي تتخذ القرارت)ص135

بيّن الفيلسوف هنا أن علم النفس الأدلري يرفض الإقرار بالحاجة للسعي إلى الحصول على اعتراف الآخرين. وفق منطق الفصل بين المهام، (فالدراسة هي مهمة الطفل، ...الشاب: وكيف نفصل بين المهام؟ الفيلسوف: ألا نقحم أنفسنا في مهام الآخرين، هذا كل ما في الأمر.) مبينا أن جميع المشاكل في العلاقات البين شخصية، هي نتيجة كون الناس يتدخل بعضهم في مهام بعض. وعبارة هذا لأجل مصلحتك التي يرددها الآباء، إنما هي لأجل مصالحهم. و(عندما يتعلق الأمر بالأسرة فإن المسافة تكون أقل، ومن ثم من الضروري الفصل بين المهام بشكل دقيق). ص160

ومهما تكن الصعوبة، يجب حل عقدة غوردياس، حسب أسطورة الملك المقدوني الذي أحكم العقدة، وقال أن من يحلّها سيصبح سيد آسيا، بعد عجز الشجعان عن التفكير في حلّها جاء اسكندر الأكبر، وقطعها بضربة سيف واحدة.

ليخبره أخيرًا، أن الحريّة هي مقاومة المرء لغرائزه، ودوافعه التلقائية. (الحريّة هي أن تكون غير محبوب من الاخرين) أحيانا. ص179

4 علم النفس الفرداني والكليانية

نشرح الفقرة بأن سعي الانسان نحو الكمال يقوم على الإطار الذّهني للأشخاص، ورؤية الفيلسوف فكر إدلر من هذه الناحية هي رؤية ظاهراتية تنظر إلى أسلوب خاص يدرك به الأفراد عالمهم، وتشمل هذه الواقعيّة الذّهنية مدركات الفرد وأفكاره، وقيمه، ومعتقداته، واستنتاجاته، فالسّلوك إنما يدرك في إطار الرؤية الذهنية، والظاهراتية، والواقعية العينية  من وجهة نظر إدلر  أهمية أقل من الطريقة التي نعبر بها عن الواقعية، والمفاهيم التي نصل إليها من خلال تجاربنا، ويرى الفيلسوف أن سلوكنا هو حصيلة وثمرة تفسيرنا لبيئتنا ومحيطنا، وعلى هذا الأساس فإننا لا نرى ولا ندرك الواقعيات كما هي في الحقيقة، وإنما الذي ندركه هو التصور الذّهني للظروف. فالظاهراتية هي الاهتمام بالعالم الداخلي لكل فرد من أجل كشف واقعيّة أحد المفاهيم الأصليّة للرؤية.

5 الوعي الذاتي المفرط يخنق الأنا: لأن مفهوم الشعور الجماعي فكرة جذابة، لكن الشاب ينكمش في الاجتماعات لصعوبة المواجهة، يطلب منه الفيلسوف مرة أخرى التحلّي بالشجاعة، (الفيلسوف: من المحتمل أن تصل إلى سؤال ماهي السعادة، الشاب: لأن السعادة توجد ما بعد الشعور الجماعي، بقبول الذات وليس إثباتها) ص 247، يؤكد الفيلسوف مرة أخرى(ليس المهم ما زوّدنا به عند الولادة، إنما المهم كيفية استعمالنا لهذا الزاد)، ...، نغير نظرتنا إلى الأنا، وهذا يعني نغير استعمالنا لها) ص 250

لتقبل ذاتك كما هي عليه، فهذه حقًا مسألة مرتبطة بالشجاعة، شجاعة أن تكون سعيدًا. سعادتنا تكمن في علاقاتنا البينشخصية أيضًا، كانت استدلالات الفيلسوف تتلخص في (لا يستطيع الناس أن يكونوا واعين بقيمهم، إلا إذا كانوا قادرين على الشّعور بأنهم" مفيدون لشخصٍ ما".ص283

(شجاعة أن تكون عاديّا) ص290

لأن الحاضر وحده هنا والآن، (الفيلسوف: بما أن لا الماضي ولا المستقبل، هما موجودان، لنتحدّث عن الآن) ص308 فالحياة من وجهة نظر إدلر لا معنى لها، لكن (لا فائدة أن نصوغ تعميمات حول الحياة) يكفي أن نمنح معنى لحياة تبدو بلا معنى، لتكتشف (أن العالم بسيط، والحياة بسيطة كذلك)ص 316.

من الغلاف: "يشرح هذا الكتاب كيف نحرر القوّة الموجودة فينا، لنصير الشخص الذي نتمنّى أن نكونه".

عرض الكاتبان مفاهيمهما استنادًا إلى نظرية ألفرد إدلر وفلسفته حول الشجاعة، أن كل واحد منّا قادرًا على تقرير حياته، دون أن تعوقه تجارب الماضي، وتطلّعات الآخرين.

في النهاية نقول إن نظريات علم النّفس لا تنشأ في الفراغ، بل إن تبلورها يتوقف على الركائز الاجتماعية والفلسفيّة والشخصيّة، وهي من نتائج العصر الذي تتبلور فيه، وجميع النظريّات تقريبًا تعمل على فهمها للإنسان والوجود، بهدف الحفاظ على السلامة النفسيّة، والمعيارية لحياة أفضل، وفي التأكيد على البعد الاجتماعي للإنسان، فإن الانسان يولد في مجتمع صغير باسم الأسرة، ثم يندمج مع المجتمع الأكبر.

وبما أن نظرية إدلر تتأثر بالمباني الانطولوجية والأنثروبولوجية، والقيمية والابستمولوجية لعصر الحداثة، ونحن نملك رؤية خاصة بالفكر الإسلامي، فليس من الضرورة أن أفكاره تقبل الانطباق التام مع الثقافة الإسلامية، إذ أن المسلم يقيم ارتباطًا مع ذاته، ومع خالقه، ومع الآخرين، والطبيعة، وقد غفل إدلر عن الخالق والطبيعة في نظريته، ولم يتطرق الفيلسوف لأي شيء حول هذا.

وكذلك لإدلر رؤيته المحدودة تجاه ماهيّة الانسان، لكن الإنسان من وجهة نظر الدين كائن ذو بعدَين (مادي، روحي)، بُعد جسماني يتعلق بالاحتياجات الغريزية والحياتية، والبعد الآخر هو الرّوحاني، يمارس من خلال الكثير من العبادات في سياق إشباع حاجاته الفطريّة والروحانيّة. وإن إرادة الله قد تعلّقت بأن تصدر أعمالنا عنّا بإرادتنا، ولو أنه سبحانه لم يُرد ذلك، لما كان هناك أي تأثير لإرادتنا، حيث لا يمكن غضّ الطّرف عن أن الذي يشكل الانسان وإرادته يقوم على إرادة الله ومشيئته، فكون الانسان مختارًا بحيث يقوم بأفعاله واختياراته لا يعني استقلاله عن إرادة الله سبحانه، والإرادة الحرّة هي تقبل المسؤولية، لذا يتوجب التعامل مع نظريات علم النفس في ضوء المباني الإسلامية، لتكون أكثر جدوى ونفع.

***

ريما الكلزلي

 

حاتم حميد محسنمع مأزق الديمقراطية الليبرالية، والتشويه المتزايد في الخطاب العام، وانهيار حياة العائلة، واتساع استعمال المخدرات وانتشار الكآبة، اصبح العديد من الناس يخشون مما يخبئه المستقبل. في كتاب (الأخلاق: استعادة الصالح العام في أوقات الانقسام) يتعقب الكاتب أسباب أزمات اليوم الى خسارتنا لدليل أخلاقي قوي وعام والى إهتمامنا المفرط في المصلحة الذاتية بدلا من الصالح العام. لقد مارسنا الأخلاق في السوق وفي الدولة، لكن لا أحد منهما كان قادرا على ان يبيّن لنا كيف نعيش. الكاتب يقود القارئ من اليونان القديمة الى التنوير وحتى وقتنا الحالي ليبيّن ان لا وجود لحرية بدون أخلاق ولا حرية بدون مسؤولية، مؤكدا اننا جميعا يجب نشارك في إعادة بناء الأساس الأخلاقي العام.

الكاتب أهدى كتابه هذا الى أحفاده التسعة، لكن مرضه المأساوي جعل هذا الكتاب آخر رسالة لجميع المواطنين القلقين على مستقبل الديمقراطية الليبرالية. كتاب "الاخلاق" نُشر في بريطانيا في شهر ابريل 2020. وفي 7 نوفمبر من نفس السنة توفي الكاتب في لندن عن عمر 72 عاما.

طرح الكاتب فكرته المركزية في مقدمة الكتاب " الحرية المجتمعية لايمكن المحافظة عليها عبر اقتصاد السوق والديمقراطية الليبرالية وحدهما. انها تحتاج الى عنصر ثالث وهو: الأخلاق، الإهتمام برفاهية الآخرين، والتزام فعّال بالعدالة وبالتعاطف والرغبة في السؤال ليس فقط عما هو جيد لي وانما عن ما هو جيد لجميع الناس. انها حول "نحن" وليس "انا".

ان قسوة السوق شديدة جدا، وسياسة الديمقراطية الليبرالية تهتم كثيرا بالتطبيق الضيق للسلطة بما يجعل أي منهما غير قادر على معالجة الأنانية والوحدة والكآبة التي أصابت الدول الغربية. هذا كان له تأثير عميق على المجتمع وعلى الطريقة التي يتفاعل بها الافراد مع بعضهم. القيم التقليدية لم تعد تعمل. في هذه البيئة نحن نرى الأشياء تنهار امامنا بطريقة غير متوقعة. الخطاب العام السام جعل من المستحيل تحقيق التقدم المجتمعي الحقيقي، كما ان المجتمع المنقسم وما رافقه من  سياسات الهوية والتطرف، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي المتغلغلة في كل مكان وانهيار العائلة كل ذلك هو نتيجة واحدة لخسارة رأس المال الاجتماعي. هو يحذر من اننا "نواجه تغييرا ثقافيا مساويا للتغيرات المناخية" ونخشى اننا في مرحلة ما، سيكون الضرر لنظامنا الاجتماعي أشبه بتدمير كوكبنا – بحيث يصعب وقفه.

وبينما هو يعترف بأن مختلف المجتمعات لها مختلف القواعد الأخلاقية، لكن الكاتب يضع ايمانه في الأخلاق الانجيلية في الحب – حب الله والجيران والغرباء ويطلب من القارئ بناء روابط الثقة من خلال التعاطف والتضحية.

"لكي نبدأ بعمل الاختلاف، كل ما نحتاج له هو ان نغيّر أنفسنا ونتصرف أخلاقيا ونهتم برفاهية الآخرين. ان نكون محل ثقة الآخرين، نعطي، نتبرع، نستمع، نبتسم، نكون ذوي إحساس وكرماء".

3834 الاخلاقرسالة المؤلف الصارمة لاولئك الذين يمارسون "فردية الليبرالية المتطرفة" انها سوف لن تكون ملائمة: "نحن ليس لنا الحق في الحرية اذا كانت ممارسة ذلك الحق يؤذي حرية الآخرين. حرية الديمقراطية الليبرالية هي جماعية وتعتمد على إعتدال وضبط الذات. المجتمع الذي يتمتع به كل فرد بالحرية في عمل ما يريد هو ليس مجتمعا حرا. انه ليس مجتمع ابدا. انه الفوضى".

في ص 11 من الكتاب يذكر المؤلف ان جميع الدول والثقافات لها ثلاث مؤسسات رئيسية: "الاقتصاد"،الذي هو حول خلق وتوزيع الثروات، وهناك "الدولة" وهي الجهة الخاصة بتشريع وتوزيع السلطة، وهناك "النظام الاخلاقي" الذي هو صوت المجتمع ضمن الذات، او الـ "نحن" ضمن الـ "الانا".

الحاخام جوناثان ساكس حذر من زيادة الأنانية . اهتمامه الطويل في الفلسفة والاقتصاد ونظرية السياسة قاد الى كتاب كان صدى لمؤلفين آخرين مثل كتاب (الدعامة الثالثة) لـ Raghuram Rajan وكتاب (الجمهورية الممزقة) لـ Yuval Levin. يكتب المؤلف:

"ما حدث في نصف القرن الماضي كان بالضبط ما خشي منه دي توكفيل. انه اخذ وقتا طويلا ليظهر، ذلك بسبب قوة المؤسسات التي قامت على اساسها الديمقراطية الامريكية وهي: الدين، الجالية، العائلة، والاحساس بالدولة كجماعة أخلاقية. ومع تأكل هذه المؤسسات منذ الستينات فصاعدا، تُركت الفردية كنظام لوقتنا الحالي .. الـ "انا" طغت على "نحن". نحن لدينا السوق والدولة ، ميدانان للمنافسة، واحد للثروة، الاخر للسلطة، ولكن لا شيء اخر،لا ميدان للتعاون يمكنه ردم الهوة بين الاثرياء والاقوياء من جهة والفقراء وعديمي القوة من جهة اخرى (ص262). الكاتب يرى ان زيادة الحرية الفردية جلبت معها تكاليف وليس فقط الفوائد. 

"نحن أحرار اكثر من أي وقت مضى في ان نرغب ونعيش كما نختار .. نحن نستطيع عمل أي شيء لم يحلم به أسلافنا، ولكن ما وجده اسلافنا بسيطا نحن نجده صعبا جدا. الحصول على الزواج، البقاء متزوجا، ان تكون جزءاً من الجماعة، الاحساس القوي بالهوية، الشعور بالاستمرارية في الماضي قبل ان نولد وبالمستقبل بعد ان لم نعد موجودين. الكثير منا يعيشون لوحدهم، الوحدة تعني زيادة مخاطر الأمراض المزمنة، الخرف،وارتفاع نسبة الوفيات (ص32-33)."

الكاتب يربط زيادة الوحدة هذه بزيادة الاعتماد على كل من السوق والدولة. هو يبدو تقدميا عندما ينتقد الشركات لتركيزها الوحيد على الربح ويهاجم السوق لإنتاجه الكثير من اللامساواة في الثروة. ومن جهة اخرى،هو يبدو يشبه الليبراليين الكلاسيك عندما يتحدث عن حرية الكلام.

"ولكن قاوم أي محاولة لإستبدال السلطة بالحقيقة، وإبق بعيدا عن الناس والحركات والأحزاب التي تشيطن خصومها (ص194)". هو يرى ان الانسان لديه حاجات أعلى من مجرد حاجات مادية. مقارنا التفكير باسلوب تجريبي مع التفكير باسلوب القصة.

"الاول هو جدال منطقي، اما الثاني هو سرد قصصي. كلمة "عندئذ" تعني شيئا ما مختلفا في الحالتين. "اذا X عندئذ Y" هي ليست نفس الارتباط الحاصل مثل "الملك مات عندئذ الملكة ماتت" الاول هو افتراض بلا زمن بينما الثاني هو تحدّد ضمنيا في الوقت ..."

"السرد هو كيف نبني معنى من تدفّق الأحداث،ونضع الحقيقة التي لا تمتلك معيارا بسيطا للاثبات او الدحض،السرد القصصي هو جوهرنا كحيوانات باحثة عن المعنى (ص246)".

ومع اننا لدينا معيار لتقييم البيانات العلمية الجيدة، لكن الكاتب لا يعالج بشكل مباشر قضية كيفية قول قصة جيدة بدلا من اخرى سيئة. اليوم،القليل من الناس في الغرب منجذبون لقصص الاديان التقليدية. لكن بعض هذه القصص هي سيئة جدا. في فصل بعنوان "أي أخلاق؟" يطرح الكاتب السؤال لكنه يتجنب الإجابة عليه.

"لكي نصبح أخلاقيين، علينا ان نلتزم ببعض أخلاق الجماعة وقواعد السلوك. علينا ان نتخلى عن بعض الخيارات، نختار القيود الصحيحة. وكوننا سقطنا في حب مع بعض المبادئ الأخلاقية، علينا ان نبني هيكلا من السلوك حولها حين يأتي وقت يتعثر فيه ذلك الحب(ص274)".

استنتاج

من بين العديد من الأخلاقيات المتوفرة، هناك اخلاق واحدة لنا،ونحن غير مجبرين للتقليل من قيمة الأخلاقيات الاخريات كي نجعل تلك الأخلاق مُلك لنا (ص275).

الكاتب يحثنا للرجوع من "انا" الى "نحن". هو يقول ان هذا يعني الذهاب الى ماوراء العقود الى العهود. نحن نوقع عقودا انطلاقا من المصلحة الذاتية. العقد صفقة اما العهد هو علاقة مبنية على التعاون.

العهود تخلق نوعا مختلفا من العلاقات كليا. يجب ان نتذكر ان ما يجعل العهود مختلفة هي انه في العهود، هناك فردان او اكثر كل واحد منهما يحترم كرامة الآخرـ يدخلان مع بعضهما في رباط من الحب والثقة، لتقاسم المصلحة، احيانا يتقاسمان حتى حياتهما،عبر التعهد بالولاء للآخر، والعمل مجتمعين وبما لا يمكن لأحدهما القيام به لوحده (ص313).

البعض يرى، ان طروحات الكاتب تعاني من عدم القدرة على التمييز بين عالم الجماعة الصغيرة و عالم المجتمع الكبير، الكاتب احيانا يبدو انه يريد من المجتمع الكبير ان تكون له خصائص الجماعة الصغيرة. ان وحدات المجتمع الصغيرة بما فيها العوائل وجماعات العمل الصغيرة ربما تعمل بشكل افضل اذا كانت لارسمية. انت لاتحتاج لإستخدام اسعار السوق لتدير شؤون عائلتك. لا تحتاج لكتابة قوانين رسمية لتدير جماعة عمل صغيرة. العلاقات الشخصية و الفهم الضمني تشكل اساسا جيدا للشركات الصغيرة الحجم . وعندما يزداد حجم الشركات، خاصة لتصبح اكثر من 150 فردا،هنا يجب ان تسمح اللارسمية بقواعد مكتوبة،وأدوار معرّفة جيدا ومسؤوليات ومنافسة في السوق.

ما يركز عليه الكاتب بـ "نحن" ربما يبدو أكثر ملائمة للوحدات الاجتماعية الصغيرة الحجم. ومن جهة اخرى، نحن يجب ان نكون حذرين من تشجيع "نحن" على نطاق واسع. في أغلب الأحيان، اولئك الذين يتحدثون عن "نحن" في سياق المجتمعات الكبيرة ينتهون بتضخم سلطة الحكومة بينما نادرا ما يحققون الغايات التي أعلنوا عنها. اذا كانت هناك عدة قواعد أخلاقية ،كما يرى الكاتب، عندئذ فان الدولة تحتاج للوقوف جانبا وترك الجماعات الصغيرة تختار لنفسها. ان مشاكل الوحدة وفقدان المعنى التي يشخصها الكاتب هي ربما بسبب انهيار العهود على المستوى الصغير. حبذا لو كانت العوائل اكبر واقوى. والجيران لهم استمرارية اكثر. حبذا لو كانت بيئة مدارس الاطفال لارسمية بدلا من  ان تكون بيروقراطية،  والصداقات طويلة الأمد. ولكن على المستوى الكلي macro level، سنكون أفضل في مجتمع العقود بدلا مما في مجتمع العهود.

كتاب الأخلاق: إستعادة الصالح العام في أوقات الانقسام، للكاتب جوناثان ساكس، صدر عن دار باسك بوكس في ابريل 2020 في 366 صفحة.

***

حاتم حميد محسن

 

 

‏  إيقاعُ التقدم المتسارع للذكاء الصناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الصناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدمُ المتسارع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله. كلّما تضخم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

‏‏لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ ومشاكلَ وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشاكلُ والأزمات فرديةً أو مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه. كانت الفلسفةُ وستبقى تستجيبُ لما يستجدُّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 - 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 - 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 - 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 - 1955).

علاقةُ الفلسفة باللاهوت عضوية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح، كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف. كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةً للامعقول. لا يضعُ اللاهوت في حدوده ويمنع تغوّله إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوت إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعين فلسفية.

لم تشهد المكتبةُ الفلسفية العربية غزارةً في الإصدارات كما يحدثُ في السنوات الأخيرة نتيجةَ تعدّدِ المؤسسات الراعية للترجمة، والمبادراتِ الفردية والجماعية في التأليف، واتساعِ التعليم العالي وكثافةِ أعداد رسائل الماجستير والدكتوراه في الدراسات العليا للفلسفة، والنشرِ الورقي والالكتروني. غزارةُ المطبوعات الفلسفية وتنوّعُها بقدر ما تثري المكتبةَ الفلسفية كميًا، قلّما تكشفُ عن عمق التفكير الفلسفي والخروجِ من تكرار الشروح وشروح الشروح والتعليقات الانطباعية وأحيانًا العبثية على أقوال الفلاسفة. هذه الغزارةُ في الكتابة توقع القارئَ المتخصّص في حيرة انتقاء ما هو جادّ من هذه الكتابات، إذ لا يتسع وقتُ الإنسان وطاقتُه لأن يقرأ كلَّ كتاب أو مقال يقع في إطار اهتماماته، كي يكتشف مدى تميّزه وفرادة تفكير كاتبه. كان الفشلُ أكثرَ من النجاح في انتخابي للكتاب أو المقال الذي لا أعرف كاتبَه، قلّما أعثر في الاختيار العشوائي، اعتمادًا على جاذبية العنوان، على عملٍ يثير اهتمامي ويشدّني إلى مطالعته بشغف. أكثرُ الكتب أتورط بشرائها، وبعد جولة سريعة في ثنايا صفحاتها من المقدمة حتى الخاتمة تخيّب ظني، وأحيانًا أنزعج لإنهاك عيني المتعبة بقراءة عبثية، ولضياع الوقت والجهد والمال، وكأني كنت ضحيةَ خدعةٍ دعائية أوقعني فيها عنوانٌ برّاق وطباعةٌ مغرية.

لا يفرض الفكرُ حضورَه بقوته وتعبيرِه عن الواقع فقط. بعضُ الكتّاب اتخذتهم أحزابٌ ماركسية وقومية وأصولية مرجعياتٍ فكرية مُلهِمة لها، ففرضت كتاباتُهم حضورَها بقوة، وإن كانت قيمةُ هذه الكتاباتُ متواضعة. الفكرُ الذي يفرضُ نفسَه يسوّقه حزبٌ سياسي فاعل ومؤثر، أو تفرضه سلطةٌ تخضعُ لها الأرواحُ طوعًا، أو ترضخُ لها العقولُ قهرًا.

لا يدلّنا رواجُ سوق كتابٍ على فرادته وقوة مضمونه، ولا تعني غزارةُ الكتابة وكثافةُ الإصدارات القدرةَ على التأملِ والتفكيرِ الصبور وامتلاكِ البصيرة الثاقبة. أعرفُ مَنْ يكتبُ بغزارة عنوانات فلسفية من دون أن يدرسَ أو يقرأ أيَّ نصٍّ فلسفي، وكأن الكتابةَ الفلسفية أمست مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له.

صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

يتعذّر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية، كلُّ محاولةٍ للفهمِ تُفَكِّر في إطارٍ معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الحديثة تفضي إلى نتائجَ تفرضها مقدماتٌ تصورية وبراهينُ وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي. وهو ما سقطتْ فيه محاولاتُ جماعة من المهتمين بهذه الفلسفة في الحوزات وغيرها من مؤسّساتنا التعليمية، ممن أتقنوا المنطقَ الأرسطي وتشبّع ذهنُهم بمقدّماته التصوريّة وبراهينِه وأشكالِ قياساته، وتمرّسوا في استعمالِ أدواتِه في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. هناك خبراءُ ممن يمتلكون تكوينًا أكاديميًّا جادًا في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفةٌ جيّدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، يتسيّدون المشهدَ الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيُّون متديِّنُون، غير أنهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءاتٍ موهمةً ومضلّلةً للفلسفة الحديثة، تلوّنها بألوان مشوّهة، وتقوّلها ما لا تقول. القارئُ الخبير يدرك أنهم يتفلسفون ضدَّ الفلسفة.

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كونيُّ، عابرٌ للجغرافية الإثنيّة والأيديولوجيَّة والدينية. قراءةُ الفلسفة بعيون أيديولوجية تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بعيون لاهوتية تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بعيون كلاميّة تنتجُ علمَ كلام. لا ينتج الفلسفةَ إلّا التفكيرُ الفلسفي، والقراءةُ الفلسفيّةُ للفلسفة.

إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. عندما يصادفني كتابٌ أو مقالٌ فلسفي يتحدثُ لغةَ الفلسفة أشعر كأني عثرتُ على كنز مفقود. فوجئت قبل سنوات بالعقل الفلسفي الخلّاق للدكتور منذر جلوب منذ قراءتي لمقاله الأول، عندما تكرّم فبادر بالكتابة لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. أدمنتُ بعد ذلك مطالعةَ أعماله، في كّلِ مرة يفاجئني هذا العقلُ اليقظ بمحاكمته لآراء فلاسفة كبار وتقويضه لها، مثلما تعجبني براعتُه ببناء رؤىً فلسفية ينفرد بها. لا أتفق مع كلِّ نقاشاته وأدلته ورؤاه وآرائه ونتائجه، ليس المهم أن نتفق أو نختلف مع طريقة تفكير مَنْ يتفلسفُ ومحاججاته وتقويضاته ونتائجه، المهم أن نقرأ عقلًا يفكِّر فلسفيًا بطريقته الخاصة، ويكتب الفلسفةَ بلغته الفلسفية. منذر جلوب يفرض على قارئ الفلسفة المتمرّس الاعترافَ بذكائه الفلسفي. ذكاؤه يدهش القارئَ في الخروج على طريقة التفكير الفلسفي لأساتذته ولغيرهم، ولأكثر مَنْ يقرأ لهم من كتّاب الفلسفة العرب اليوم. منذرُ يمتلكُ موهبةَ التفلسف، مَنْ يريد تعلُّمَ التفلسف يلتقي في كتاب "الوعي والعدم" أحدَ المعلّمين الماهرين اليوم للتفلسف. تعلّمُ الفلسفةِ تعلّمُ التساؤلِ والتفلسف، التساؤل والتفلسفُ إيقاظٌ متواصل للعقل، لا تولد الفلسفةُ إلا بعدَ انبعاثِ واتساعِ التساؤلِ والتفلسف، لا حياةَ للفلسفة إلا بالتساؤل والتفلسف. لا تعكس الفلسفةُ مرحلةً من مراحل تطور الوعي البشري، الفلسفةُ تواكبُ الوعيَ ولا تتخلّفُ عنه حتى لو سادَ العلمُ الحياة العقلية للإنسان، العلمُ يطرح على الفلسفة أسئلتَه ومشكلاتِه العويصة التي يعجزُ عن اكتشافِ طرق الخلاص منها في فضاء المادة والمحسوس والتجربة، وهي لا سواها مَنْ يرشدُه لدروب الخلاص، لن تموتَ الفلسفةُ مادامَ الإنسانُ يتساءل ويتفلسف.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

علاء اللاميقراءة في كتاب "وصفي طاهر.. رجل من العراق": ممهدات ثورة 14 تموز 1958 تفاصيل الساعات الأخيرة لثوارها!

إنه كتاب توثيقي مصوَّر ألَّفته السيدة نضال وصفي طاهر كريمة الشهيد وصفي، رفقة الصديق الكاتب رواء الجصاني، الذي أشكره جزيل الشكر على إهدائي نسخة من هذا الكتاب وكتابين آخرين من تأليفه. هذه قراءة سريعة في الكتاب:

يتوزع الكتاب - الموَّثق بشكل جيد - على عشرة فصول مرفوقة بعدد من صور الوثائق والصور الشخصية النادرة للشهيد ورفاقه وأفراد عائلته وزملائه في السلاح في فلسطين خلال حرب 1948 والعراق قبل وبعد ثورة 14 تموز 1958. ولكني سأركز في قراءتي هذه على ما اعتقد أنه جديد ومهم ولم يتطرق إليه أحد من قبل بهذا التوثيق، أو أنه ورد في مؤلفات أخرى لم تنل حظها من الانتشار.

1- محاولات الانقلابات العسكرية التي سبقت محاولة 14 تموز: تكتب السيدة بلقيس عبد الرحمن عقيلة الشهيد وصفي في مخطوطة مذكراتها، كما يقتبس المؤلفان، أن محاولة للقيام بانقلاب عسكري كانت قد حدد لها موعد قبل شهرين من 14 تموز، وأن زوجها ودَّعها وأوصها بأن تكون شجاعة، وطمأنها بأنه ورفاقه سينجحون في محاولتهم بكل تأكيد، غير أنه عاد في مساء اليوم ذاته وأبلغها أن الموعد قد تأجل إلى إشعار آخر.

2- ينقل لنا المؤلفان عن مذكرات ثابت حبيب العاني، القيادي في الحزب الشيوعي، أن محاولة أخرى جرت في شهر آيار من السنة ذاتها "كرد على من يسعى إلى تجاهل دور الحزب الشيوعي في القوات المسلحة"، وكان يقود المحاولة عبد الوهاب الشواف، وأداة تنفيذها اللواء الخامس عشر بقيادة ناجي طالب وعبد الغني الراوي في البصرة. ولا يمكن فهم هذا الربط المباشر والقوي بين الحزب الشيوعي وهذه المحاولة التي يقودها الشواف في ضوء الصورة السلبية والعدائية التي رسخها إعلام الحزب عن الشواف ودوره في تاريخ ثورة تموز الذي انتهى نهاية مأساوية حيث أعدم بعد فشل المحاولة الانقلابية التي اتهم بقيادتها في آذار سنة 1959 بالموصل، إلا بالخروج النقدي على الروايات الحزبية المتعادية والمنحازة كلّ لحزبها، والتي هيمنت على أحداث وحيثيات الثورة والتاريخ العراقي الحديث ككل، وإعادة قراءتها نقديا، فهل كان هناك تنسيق بين الحزب وقيادة هذه المحاولة كما يوحي كلام العاني؟ ثم يتحدث العاني - كما ينقل لنا المؤلفان - عن محاولة أخرى كان تخطط لها مجموعة أخرى تعرف باسم "مجموعة القسم"، يقودها طه الدوري وأحمد محسن العلي وخليل إبراهيم العلي والشهيد خزعل علي السعدي، وكان للبعثيين دور فيها مثَّله الضابط حسن النقيب وآخرون. وأن حوالي مائة ضابط أغلبهم من الشيوعيين يشاركون في هذه المحاولة التي حُدد للقيام بها تاريخ الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 1957. ونعلم أن الشواف طلب من وصفي طاهر أن يبلغ عبد الكريم قاسم بأن يلتحق بوحدته في قاعدة منصورية الجبل؛ ولكن وصفي عاد إليهم في الصباح ليخبرهم أن المحاولة قد فشلت، دون مزيد من التفاصيل. وكنتُ قد قلت في كتابات سابقة عن ثورة تموز، بأنها من الناحية التنفيذية والتقنية أقرب الى انقلاب عسكري قاسمي عارفي "تنظيم المنصورية" داخل الانقلاب الأكبر الذي كان يخطط له تنظيم الضباط الأحرار بل ومن وراء ظهر التنظيم، وهذه الشهادات تؤكد ما ذهبنا إليه بقوة.3818 وصفي طاهر رجل من العراق

3- تفاقمت الخلافات بين أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار نتيجة تأخر الحسم والقيام بالانقلاب، ولذلك بادر بعض الضباط فيها الى تشكيل هيئة جديدة تدعى "هيئة الظل" وعقدوا اجتماعا في أوائل كانون الثاني 1958 وبدأوا الاعداد للثورة في مايس 1958. ولا يمكن الجزم إن كانت "لجنة الظل" هي نفسها التي ضمت ضباط تنظيم المنصورية الصغير أم غيرها.

4- نتيجة الخلافات بين أعضاء اللجنة العليا، تنقل لنا زوجة الشهيد وصفي طاهر أنه قرر أن ينسحب من تنظيم الضباط الأحرار، ولكن رفاقه أقنعوه بالعدول عن رأيه لكونه "داينمو التنظيم".

5- حين وصل وصفي طاهر صبيحة الثورة مع القوة التي يقودها الى قصر الرحاب الذي كان يعيش حالة خطيرة كما يقول في شهادته أمام المحكمة العسكرية الخاصة "محكمة الشعب" فيذكر أنه حين وصل قابلته الجماهير وهي تسحل جثة عبد الإله "الوصي على العرش". وحين تأكد من مقتل فيصل وعبد الإله وفيصل الثاني عاد إلى دار الإذاعة وأخبر عبد السلام عارف بذلك، فأذاع عارف بيان الثورة الأول. ثم توجه وصفي الى السفارة البريطانية التي كانت الجماهير تحاصرها وتهدد باقتحامها بعد أن أطلق النار عليهم أحد البريطانيين فهاجموه وأصيب بجراح ولكن وصفي طاهر أنقذه منه، ونجح في تهدئة الجموع وضبط الحالة وإنقاذ السفير ورجال سفارته. هذه النقطة تحتاج إلى وقفة تحليلية أعمق وأكثر تفصيلا بهدف توضيح دور السفارة البريطانية يوم الثورة والمسؤولية عما حدث في قصر الرحاب وجواره وكيفية حدوث ما حدث بوضوح أكثر، فكل ما قيل حتى الآن لا يخلو من الغموض والالتباس والتداخل.

6- تكتب السيدة بلقيس أيضا، نقلا عن زوجها، أن الضباط الأحرار كانوا قد اتفقوا قبل الثورة على أن ينسحب الجيش الى الثكنات "ويسلم زمام الحكم إلى مدنيين معروفين بالنزاهة والوطنية ويفهمون بالسياسية ... ولكن أكثر الضباط تفاجئوا بتقاسم المراكز الحساسة بين الزعيم قاسم والعقيد عبد السلام عارف. وأن وصفي طاهر حين تداول مع الزعيم حول الأمر أجابه قاسم بأنه يريد أن يكبح جماح عبد السلام ومن معه". اعتقد أن مأساة الثورة والمصير الدموي الذي انتهت إليه وما تلا ذلك المصير من مآسٍ وكوارث إنما يكمن هنا في هذه الفقرة بالضبط والتي لا تصلح أبدا لتعليل ما حدث أو لتبرير انفراد قاسم وعارف بالحكم ثم بالانقلاب الدامي الذي قاده القوميون والبعثيون في 8 شباط 1963 ومقتل الزعيم ورفاقه ولكنها قد تفسر تلك الأحداث بشكل أقرب إلى الواقع بعيدا عن تعميم التخوين والاتهام بالعمالة لأعداء الثورة الاستعماريين وتعيده إلى جذره الداخلي وسببه المباشرة المتمثل بالانفراد بالثورة وما نشأ عنها من نظام حكم فردي استئثاري لم يترك له حليفا أو صديقا لا في الميدان العسكري ولا المدني.

7- يكتفي المؤلفان غالبا بسرد الروايات المختلفة والعديدة حول بعض الأحداث دون أن يؤكدا أو يحللا إحداها ربما بسبب الطبيعية التوثيقية للكتاب وهو ما أشار إليه الجصاني في المقدمة بقوله "لا نهدف إلى استباق القارئ فنوحي إليه، بل جد همنا أن يكون بمستطاعه وحده التمعن والتقييم والاستنتاج/ ص 6"؛ ومن ذلك مثلا قضية هروب ومقتل نوري السعيد. فهناك أربع روايات تذهب الأولى إلى أن السعيد انتحر برصاصة من مسدسه الشخصي حين اكتشف أمره وكان قد تنكر بملابس نساء، وثانية تذهب إلى أن وصفي طاهر قتله بصلية من بندقيته الرشاشة، وثالثة تقول إن السعيد قُتل برصاصة من الشرطي الذي اكتشف أمره، ولكن الرواية الرابعة هي التي سيتم تأكيدها بشكل شبه رسمي لاحقا ومفادها أن أحد المارة من المدنيين يدعى خضير صالح مهدي السامرائي اكتشف أمر نوري السعيد المتنكر بالزي النسوي فأطلق عليه النار من مسدسه وتوجه إلى وزارة الدفاع وسلم السلاح الذي استعمله في قتل السعيد لضمان حقه في المكافأة/ ص88.

8- يستعرض المؤلفان عدة روايات مختلفة حول علاقة الشهيد وصفي طاهر بالحزب الشيوعي تقول واحده منها إنه كان عضوا فعالا في الحزب، في حين تنفي الأخرى ذلك وتؤيدها زوجته وتؤكد أنه رفض دائما الانتماء الحزبي وفضل أن يبقى عسكريا ديموقراطيا ويساريا غير حزبي، وعلى علاقة ودية بالحزب المذكور عن طريق ابن عمه زكي خيري القيادي في الحزب وآخرين. كما نعلم أن لوصفي طاهر تحفظات وملاحظات وآراء على سياسات الحزب وأعضائه وشخصياته - كما تؤكد زوجته في مذكراتها - وأنه كان يغضب من "مهادنة الشيوعيين في الرد على الاعتداءات التي كانت تقوم بها القوى المعادية لهم"، كما غضب وانتقد قيام صحافة الحزب بنشر نقد علني للحكم لأنه كما قال "يسمح للمتربصين أن يقوموا بإساءات وتحريض أكبر ويزيدوا الحطب في النار".

9- عن الساعات الأخيرة للشهيد وصفي طاهر ورفاقه بعد الانقلاب العسكري الذي قاده ضدهم القوميون والبعثيون نعلم الآتي: تخبرنا السيدة بلقيس عبد الرحمن في مخطوطة مذكراتها أن وصفي طاهر لم يكن مع عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع حين وقع انقلاب 8 شباط 1963 وحين سمعوا الخبر من مئذنة جامع المأمون ارتدى وصفي ملابسه العسكرية والتحق بالقيادة. ومن هناك اتصل بعائلته وطلب منها مغادرة الدار لأن أنصار الانقلابيين هاجموا دار العقيد المهداوي "رئيس محكمة الشعب".

وتخبرنا السيدة بلقيس نقلا عن أحد العسكريين المرافقين لزوجها هو نعيم سعد أن وصفي حين وصل الى وزارة الدفاع عاتب قاسم بشدة وكان يقول له "هذا ما حذرتك منه"! وظل وصفي طاهر يقاوم الانقلابيين بسلاحه هو ومن معه. ويدلي أحد العسكريين الاثنين اللذين كانا معه وبقي أحدهما حيا بمعلومات لبرنامج تلفزيوني عرض سنة 2007، وقال فيه إن وصفي طلب منه ومن زميل له بعد أن نفدت ذخيرتهما أن يسلما نفسيهما الى الانقلابيين، لأنه هو المطلوب الأول من الانقلابيين، وبقي هو يقاوم حتى بقيت معه رصاصة واحدة فأطلقها على نفسه وأنهى حياته، وكان قد تعهد بأن تكون نهايته بهذه الصورة أمام قاسم وزوجته قبل الانقلاب بفترة. وقد نقل الانقلابيون جثته إلى مقرهم في دار الإذاعة العراقية وعرضوها على الجمهور عبر التلفزيون لكسر معنويات المقاومين. أما المؤرخ أوريل دان كما ينقل لنا المؤلفان عن كتابه "العراق في عهد قاسم" فقد كتب أن قاسم غادر وزارة الدفاع وانتقل الى قاعة الشعب بجوارها ومعه المهداوي وطه الشيخ أحمد وكنعان خليل حداد تاركين عبد الكريم الجدة ووصفي طاهر جثتين هامدتين مدفونتين تحت أنقاض الوزارة" التي كانت قد تعرضت لقصف عنيف من القوات الانقلابية.

ويدلي الكاتب القومي أحمد فوزي برواية أخرى فيقول إن وصفي طاهر بقي يقاتل في البناية - بناية وزارة الدفاع - حتى أصيب بشظية خلال قصف الطائرات لها وجرحته جرحا بسيطا". وهذه الرواية لم يؤكدها أحد بل تحاول تسويق الرواية الانقلابية التي تزعم إنهم أسروا وصفي طاهر حيا وأعدموه، وهو ما لم يؤكده جميع الشهادات التي كررت أن الانقلابيين أحضروا وصفي طاهر الى مقرهم في إذاعة الصالحية جثة هامدة كما سبق وذكرنا من شهادات. وفي هذا السياق يؤكد القيادي البعثي السابق هاني الفكيكي في كتابه "أوكار الهزيمة" إن الانقلابيين أصدروا الأمر الى فرق خاصة من الحرس القومي الناشئ باغتيال قاسم ووصفي طاهر ورفاقهما الأوقاتي والمهداوي والجدة والشيخ أحمد والمئات - وربما الآلاف - من اليساريين والديموقراطيين المدنيين العراقيين خلال وبعد ذلك الانقلاب الدموي.

وأخيرا، فهذا الكتاب يعتبر مساهمة جيدة وإضاءة مهمة تضاف إلى مساهمات أخرى في باب التوثيق لأهم أحداث التاريخ العراقي المعاصر وحيثيات وتفاصيل ثورته الأهم في الرابع عشر من تموز 1958، ولعل ميزته الأهم هي أن مؤلفَيْه لم يغلقا الباب على الروايات الأخرى حتى إذا كان مختلفة أو مخالفة لما هو سائد في الروايات المشهورة، فشكرا للمؤلفَين؛ السيدة نضال وصفي طاهر والصديق الكاتب رواء الجصاني على جهودهما القيمة والمفيدة ونأمل أن تجد مذكرات السيدة بلقيس عبد الرحمن، عقيلة الشهيد وصفي طاهر، طريقها إلى النشر أيضا فقد تضيف شيئاً جديدا لهذا الملف المأساوي والمحزن من ملفات تاريخنا الحديث.

***

علاء اللامي

3740 الامير عبد القادرتأليف الحَاج مُصْطَفى بن التُّهامي - تحقيق وتقديم وتعليق الدكتور يحي بوعزيز. والكتاب صدر عن دار البصائر للنّشرِ والتّوزيع بالجزائر 2009.

مؤلف (المخطوط) الكتاب هو الحاج مُصْطَفى بن أحمد التُّهامي وهو ابن عمة الأمير عبد القادر ورفيقه في الجهاد. وكان الأمير قد عينه كاتباً ورئيساً لديوان الإنشاء، لما بلغه من مكانة وعلم وثقافة. ثم عينه خليفةً في ولاية معسكر. وخلال هجوم الفرنسيين على مدينة قسنطينة سنة 1836م كلّفه الأمير بالهجوم على وهران وأحوازها، فشنّ عدداً من الغارات والهجومات على الفرنسيين وأعوانهم في المنطقة، وتولى قيادة جيش الأمير في عدة جهات من الوطن بالمدية، والجلفة، وبوسعادة، والحضنة، والمسيلة، وبرج بوعريريج، وسطيف، وعين تاغروت، وبسكرة، وكلّفه الأمير بمهمات عسكرية وإدارية كثيرة.

بقي الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي مع الأمير عبد القادر ملازماً له في كُلِّ أعماله، وخاض معه كُلّ معاركه الأخيرة في بلاد الرِّيف ضد قوات السُّلطان المغربي عبد الرّحمن بن هشام، وضد قوات الفرنسيين إلى أن استسلموا إلى الفرنسيين في أواخر ديسمبر 1847م، فاقتادوهم جميعاً إلى قلعة لامالق بمدينة طولون، ثُم إلى مدينة بُو، وأخيراً إلى سجن قصر أمبواز أين قضوا أربع سنوات ونصف، وهناك كلّفه الأمير عبد القادر بكتابة تاريخه الذي هو بين أيدينا ومحلّ قرأتنا، وتأخر إطلاق سراحهم إلى المشرق كما اشترطوا من قبل عند استسلامهم.

وعندما اُطلق سراحهم من فرنسا أوائل عام 1853م، رحل الحاج مصطفى مع الأمير عبد القادر وعائلته ورفاقه إلى مدينة بورسة في تركيا التي استقروا بها حتى أواخر عام 1855م، ثُم رحلوا إلى دمشق الشام عبر بيروت، واستقروا هناك بصفة نهائية إلى أن الحقوا بربهم جميعاً واحداً بعد الآخر.

يتكون الكتاب من مدخل ومقدمة وسبعة فصول وخاتمة، موزعة على 400 صفحة من الحجم الكبير. يتحدث عن حياة الأمير عبد القادر بن مُحيي الدِّين بن المُصْطَفى الحسني الجزائري. عن ميلاد الأمير عبد القادر، ونشأته، ورحلته مع والده إلى المشرق، وعودته، ومبايعته أميراً، وجهاده ضد المحتلين الفرنسيين، ورأيه فيهم، وفي سلطان المغرب الأقصى، وموقفه ممن رضوا أن يكونوا تحت سلطة النّصارى.

الفصل الأول والفصل الرّابع هما صميم الموضوع المتعلق بسيرة الأمير عبد القادر وجهاده. فالفصل الأول يتحدث عن نسب الأمير عبد القادر وشجرته التي توصله إلى الرّسول مُحَمّد صلى الله عليه وآله وسلم، والفصل الرّابع يتحدث عن رحلته إلى المشرق العربي مع والده والعودة إلى الجزائر، وعن مبايعته أميراً للجهاد ومقاومته ومعاركه إلى أن نُفِيَ إلى فرنسا في نهاية 1847م. والحقيقة أن هذا الفصل الرَّابع يُقدم قراءة جديدة ومُفصّلة لرحلة الأمير عبد القادر إلى المشرق، وعودته، مرحلة بمرحلة، ولمعاركه وحروبه ضد الاحتلال الفرنسي في الجزائر.

* مُلخص محتوى كتاب (سيرة الأمير عبد القادر وجهاده) تأليف الحَاج مُصْطَفى بن التُّهامي - تحقيق وتقديم وتعليق الدكتور يحي بوعزيز

ولكي يتمكن القارئ من محتوى هذا الكتاب نورد - بتصرف - فيما يلي مُلخصاً لمحتواه كما قدمه الدكتور يحي بوعزيز:

* المدخل:

أورد فيه المؤلف رسالة الأسقف، والقبطان والبطريق، إلى الأمير عبد القادر التي طلب منه فيها أن يُسجل له حوادثه بدءاً بسيرة والده الشّيخ محيي الدِّين، ثُم سيرته هو، وحياته في صباه، ورحلته مع والده إلى الحجاز ودمشق، وعودته، ومبايعته أميراً للجهاد، وتنظيمه لجيشه، وبنائه للقلاع والحصون العسكرية، ومعاركه الحربية مع الفرنسيين، وما يمدح ويشكر، وما يذم من الفرنسيين، ومعاركه ضد قوات سلطان المغرب الأقصى. ولقائه بالدوق دومال ابن الملك الفرنسي في الغزوات. ومما تجدر الإشارة إليه أن الحاج مصطفى بن التُّهامي لم يورد اسم صاحب هذه الرِّسالة، فقد يكون أليكساندر دوما القنصل الفرنسي في مدينة معسكر من 1837 إلى 1839. أو قد يكون بواسوني مرافق الأمير في أمبواز. وقد يكون الأسقف دوبوش أسقف مدينة الجزائر.

* المقدمة:

ذكر فيها الحاج مُصطفى عدة أمثلة تاريخية للتدليل على أن إجابة القس، والقبطان، والبطريق، لِما طلبه، إذا لم يكن فيها نفع ديني أو دنيوي، فلن يكون فيها أي ضررٍ، وختمها في الأخير بذكر أسماء فصول الكتاب السَّبعة، والخاتمة، وموضوع كُلٍّ منها.

* الفصل الأول:

تحدث فيه عن نسب الأمير عبد القادر، وشجرته التي تنتهي إلى الرَّسول مُحَمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأورد ثلاثة سلاسل له واحدة محورية، والأخريتان جانبيتان، وتحدث عن ميلاده، ومسقط رأسه بقرية القيطنة، وعن زاوية جده التي تم تأسيسها في بداية القرن الثَّالث عشر الهجري وأواخر القرن الثَّامن عشر الميلادي. ودورها في التَّعليم والتَّدريس، وتكوين الطَّلبة، والشّيوخ والعُلماء الذين كانوا يفدون إليها من كُلِّ من برقة، وتونس، ومراكش، والسُّوس الأقصى، وشنقيط، وكُلّ أصقاع الصَّحراء الكبرى.. وإطعام الفقراء والمساكين، والمسافرين، كما تحدث عن قبر جد الأمير في عين غزالة بطرابلس الليبية، وعن ميلاد الأمير وتعلمه، وإتقانه للعلوم العربية اللّغوية والدِّينية. وعن شيوخه الذين تعلم عنهم وأسانيدهم العلمية وشيوخهم.. وأشار في آخر هذا الفصل الأول إلى المذاهب الأربعة، وجواز الانتقال من مذهبٍ إلى آخر بالنسبة لبعضٍ من النَّاس وليس لِكُلِّهم.

* الفصل الثَّاني:

تحدث فيه عن نسب الرَّسول مُحَمّد عليه الصَّلاة والسَّلام وأجداده، وأقسام العرب، العاربة، والمستعربة، والقحطانية، والحميرية، وغيرها. وحاول أن يوصلها إلى سيدنا آدم عليه السَّلام..

* الفصل الثَّالث:

شرح فيه معنى النُّبوة، والرِّسالة، والنَّبي، والرَّسول، والفرق بينهما، وأفضلية البعض منهم على الآخر، وأعداد الأنبياء، والرُّسُل، وسير بعضهم، وحياتهم العامة، وسلوكهم مع أممهم..

* الفصل الرَّابع:

وهو أطول الفصول، به ثمانون صفحة، وأهمها من حيث المادة التَّاريخية التي تتصل بالأمير عبد القادر، ورحلته مع والده إلى المشرق، وعودته، ومبايعته أميراً للجهاد..

فقد تحدث الحاج مُصطفى بن التُّهامي على نشأة الأمير، وسفره مع والده إلى المشرق عبر تونس برّاً. بتاريخ 02 شعبان 1240هـ الموافق لـ 22 مارس 1825م، مُحدداً الأماكن التي مرُّوا بها، والتقائهم العلماء والوُّجهاء فيها. ثُم سفرهم بحراً إلى الإسكندرية، ووصولهم إليها في اليوم الأخير من شهر رمضان حيث احتفلوا فيها بعيد الفطر المبارك. ومن الإسكندرية انتقلوا إلى القاهرة حيث أقاموا عند السَّيّد مُحَمّد سعيد الفاندي بن مُحيي الدِّين، وزاروا جامع الأزهر الشَّريف، ومسجد سيّدنا الحسين رضي الله عنه، وباقي المآثر الحضارية والعمرانية وتعرفوا على بعض العُلماء والشّيوخ. ومن القاهرة انتقلوا إلى مدينة السُّويس، واستقلوا مركباً أقلهم إلى جدّة. ومنها اتجهوا إلى رابغ أين أحرموا، ثم قصدوا مكة، وأدوا مناسك الحجّ. ومنها قصدوا المدينة المنورة وزاروا قبر الرَّسول سيّدنا مُحَمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وباقي المزارات الأخرى. ثُم شدُّوا الرِّحال إلى بغداد عبر بلاد الشَّام.

وهنا يقطع الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي الحديث عن الرِّحلة ويأخذ في الحديث عن أحداث حصلت في الجزائر في غيابهم، وأخرى من المفروض أن تكون ق حدثت بعد عودتهم إلى الجزائر، فتحدث عرضاً عمّا أسماه فتنة أحمد بن أحمد التّيجاني ضد باي وهران طالباً الاستيلاء على الحُكم. ويستدرك فيتحدث عن قيام الأمير عبد القادر بمُحاصرة التِّيجاني في عين ماضي، عام 1838م وهو لا يزال في المشرق أي بعد سبع سنوات من مبايعته، قبل أن يتحدث عن بيعته. وشرح الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي كيفية الحصار، وتغوير آبار مياه القصر، وإرغام التِّيجاني على مغادرة الحصن. ومكاتبة زعماء الأعراش والقبائل لتبرير سبب محاربة الأمير التِّيجاني. وقارن ذلك بقضية سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مع معاوية بن أبي سفيان. لأن التِّيجاني رفض مبايعة الأمير، كما رفض معاوية مبايعة سيدنا علي عليه السَّلام.

ثُم تحدث عن إبرام معاهدة التَّافنة في 30 ماي 1837م، وعن تمرد قبائل الدَّوائر والزّمالة ضده، وقيام القوات الفرنسية بعبور مضايق جبال البيبان شرق الجزائر دون موافقته.

ثُم عاد إلى الوراء ليتحدث عرضاً عن إبرام معاهدة دي ميشيل عام 1834م، وهجوم كلوزيل على مدينة معسكر في العام الموالي، وإشعال النيران فيها وحرقها، وزحف الأمير عبد القادر على تلمسان وحصارها، وفتحها وفقاً لما نصّتْ عليه معاهدة التّافنة عام 1837م.

ثُم يعود للحديث عن نقض تلك المعاهدة وعن المتسبب فيها وهم الفرنسيون طبعاً مع إيجاد بعض الأعذار لبعضهم في ذلك، وحتى لا يُثير غضبهم، وهو في قبضتهم.

وهنا يتوقف الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي عن مواصلة الحديث عن هذه الأحداث، ويعود إلى الوراء بعيداً، فأتمَّ الحديث عمَّا أسماه فتنة التِّيجاني بمعسكر، والحرب التي نشبت بين التِّيجانيين وباي وهران في معسكر، والمجزرة الكبيرة التي ارتكبها ضِدّ التِّيجانيين وقتلهم جميعاً. وأشاد الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي بشجاعة التِّيجانيين وصُمودهم رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.

وبعد هذا عاد الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي للحديث عن رِحلة الشّيخ مُحيي الدِّين وابنه عبد القادر في المشرق، فذكر أنهم من المدينة المنورة انتقلوا إلى دمشق في طريقهم إلى بغداد. وتحدث عن بناء مدينة دمشق ومؤسسها الأول، واستطرد فتحدث عن سفارة أحمد الغزال إلى حاكم قشتالة الإسباني من طرف ملك المغرب الأقصى، وأورد بعض الطّرائف والنّوادر حول هذه السّفارة.

ثُم تحدث عن عن الوصول إلى بغداد وزيارة ضريح الشّيخ عبد القادر الجيلاني، وأورد أشعاراً في مدح الضّريح وصاحبه.

وبعد شهرين من الإقامة في بغداد قفلوا راجعين إلى بلاد الشام ومن هناك إلى الحجاز مرة أخرى حيث أدوا مناسك الحجّ للمرّة الثّانية. ثم قفلوا راجعين إلى الجزائر عبر مصر، وتحركوا في اتجاه ليبيا برّاً، ومروا على برقة وزاروا قبر جدهم الشّيخ المختار بعين غزالة في برقة، وزاروا ضريح الشّيخ أحمد زروق البرنوسي بمصراتة في طرابلس، ومنها اِلّتحقوا بتونس، ومروا على مدينة الكاف نقطة سفرهم في البداية، ثُم اِلّتحقوا بالقيطنة مسقط الرَّأس بعد غياب دام عامين كاملين.

وبعد هذا عاد إلى الحديث عن أحداث الجزائر من البداية وبدأ بالاحتلال الفرنسي لمدينة الجزائر، ومراسلة الفقيه العنّابي لزعماء وهران طالباً منهم الاستسلام، وفرض الحماية التُّونسية على وهران لمدة ستة أشهر بقيادة الأمير خير الدِّين، وموافقة الحاكم الفرنسي كلوزيل على ذلك. ومبايعة زعماء الغرب لِسُلطان المغرب الأقصى الذي أرسل ابنه إلى تلمسان ليتمركز فيها. فأهان رجال المخزن وأذلّهم، واقترح زعماء الغرب مبايعة الشّيخ مُحيي الدِّين أميراً، واعتذر بكبر سنِّه، وعدم قدرته على ذلك، وبعد الإلحاح عليه اقترح هو عليهم مبايعة ابنه عبد القادر، فقبلوا وبايعوه أميراً عليهم للجهاد في تاريخ 5 رجب 1248 هـ الموافق 27 نوفمبر 1832م في سهل غريس ضمن منطقة معسكر في الجزائر. وشرع في الحال في تنظيم دولته، واعتقل قاضي أرزيو الشّيخ أحمد بن الطّاهر، وحاكمه وأعدمه بعد أن تورط في التّعامل مع الأعداء الفرنسيين. وذكر وفاة والد الأمير عبد القادر الشيخ مُحيي الدِّين عام 1833م، وتنظيم الأمير لجيشه النِّظامي بفضل المُخطط الذي وضعه له الخبير قدور بن رويلة، أو غويلة، بحيث قسّمه إلى ثلاث أقسام: خيالة، ومُشاة، ورُماة. ووضع له رُتباً وألّقاباً وعين له رُؤساء. وتحدث عن تمرد قبائل المخزن وخضوع الأغا بن عودة المزاري إليه. وتمرد الحاج موسى الأغواطي الدّرقاوي في المدية ونواحيها. وتحدث عن أحداثٍ كثيرة ومعارك في مواطن متعددة. كما تحدث عن الحصون والقلاع التي أنشأها الأمير عبد القادر في الهضاب العُليا كقواعد كبرى لقواته العسكرية. وعن تخريب تاكدمت وإحراقها قرب تيارت الحالية، ومعركة الزّمالة عام 1843م التي فقد فيها الأمير معظم ذخائره وقواته العسكرية. ورحيله بما بقي من دائرته إلى إقليم الرِّيف المغربي طلباً للحماية والاستعداد لمواصلة الجهاد ضد العدو الفرنسي، ومراسلته لسلطان فاس، وإرساله هدية له، وهجوم الفرنسيين على وجدة واحتلالها عام 1844م، وفرضهم على سلطان المغرب الأقصى إبرام معاهدة مُذلّة له نصّت على اعتبار الأمير عبد القادر عاصياً وخارجاً عن القانون يجب إيقافه أو طرده من المغرب الأقصى، أو اعتقاله، وقيام سلطان المغرب بتحريض زعماء قبائل الرِّيف ضدّه. ثم إعلان الحرب عليه وإرساله جيشاً ضخماً لمحاربته، ونكبته ببني عامر في ضواحي فاس، وقتل السلطان المغربي للبوحميدي رسول الأمير عبد القادر إليه غدراً مسموماً داخل السِّجن بفاس عندما ذهب إليه سفيراً باقتراحٍ من أحد الشّيوخ الذي وثق فيهم الأمير، وحزن الأمير عليه حزناً شديداً.

وتحدث الحاج مُصْطَفى كذلك عن محاولة ليون روش تدبير مركب بحري لنقل الأمير ورفاقه إلى المشرق ولكن الأمور تزاحمت واصطدم الأمير بقوات السُّلطان المغربي المتفوقة عليه عدةً وعدداً، وهزمها وفقد الكثير من الرِّفاق واضطر في النِّهاية أن يستسلم للفرنسيين في مرسى الغزوات على أن يُرحلوه إلى الإسكندرية في مصر، أو عكا في فلسطين، ولكنهم خدعوه فحملوه إلى طولون ثُم إلى مدينة بو، وأخيراً إلى قصر امبواز في مقاطعة أورليان جنوب فرنسا. وقد تأخر إطلاق سراحه إلى المشرق بسبب سقوط النِّظام الملكي، وقيام النِّظام الجمهوري، وتعرض الأمير ورفاقه إلى مضايقات كثيرة.

وختم الحاج مُصْطَفى هذا الفصل بشرح معنى كلمة الجمهور والجمهورية وقاده ذلك إلى الحديث عن حلف المصيبين وحلف الفضول بمكة، وعن أول من غير حنيفية إبراهيم الخليل عليه السَّلام من العرب، وأورد في آخر هذا الفصل قصيدتين اثنتين أولاهما في مدح مدينة طولون، ومآثرها، والثَّانية في كيفية نقلهم منها إلى مدينة بو، عبر البحر والنّهر.

* الفصل الخامس:

تحدث فيه الحاج مُصْطَفى عن أخلاق العرب وخصالهم، وسجاياهم، وخلال ذلك تحدث عن الكعبة وما أحاط بها من القصص والطَّرائف، وعن قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السَّلام، وبئر زمزم وتفجر مائه. وزواج إسماعيل الأول، والعماليق، وعاد وفروعه، وزيارة إبراهيم لزوج ابنه إسماعيل بمكة ووصايته لها بأن تُبلِّغَ زوجها أن يُبدل عتبة داره، وزواج إسماعيل الثَّاني، وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، وقصة الحجر الأسود، وأذان إبراهيم الخليل فيها، والقبائل العربية التي حكمت وأدارت البيت الحرام، وأسماء القبائل العربية وفروعها في شبه الجزيرة العربية، وقصة ربيعة وتأويل رؤيته، ومعنى ألقاب: كسرى، وقيصر، والنَّجاشي، وقصة الرَّجُل الصَّالح، وذي النّون، وأصحاب الأخدود، وحادثة أصحاب الفيل وأبرهة، وإرم ذات العماد، وسفارة سيف بن ذي يزن إلى قيصر الرُّوم وكسرى فارس، وسفارة عبد المطلب إلى سيف بن ذي يزن باليمن، الذي تنبأ له بميلاد مُحَمّد بن عبد الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمنيته في أن يعيش حتى يحضر بعثته ورسالته، وخلال هذا أورد قصيدة طويلة في رثاء عبد المطلب بعد وفاته وأرّخ لعددٍ من مشاهير العرب في الجاهلية أمثال العماليق وعاد، وثمود وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبلعام، وزعماء قبيلة شيبان، وحكى قصة ربيعة مع أبي بكر الصّديق. وختم هذا الفصل بذكر هل الجِنّ من أبناء إبليس أم لا.

* الفصل السَّادس:

تحدث فيه عن نسب الرُّوم القياصرة، وخصال أوائلهم وما كانوا عليه من الإيفاء بالعهود، وغيرها. وخلال ذلك تحدث عن قصة حواري عيسى عليه السَّلام، وعددهم، ومهام كُلّ واحد منهم، ونصرتهم لعيسى عليه السَّلام. وعن غَلبة الرُّوم للفرس بعد أن غُلِبوا قبل ذلك، ورهان أبي بكرٍ في ذلك. وقصة مهاجري مسلمي مكة إلى الحبشة. وخطبة جعفر بن أبي طالب أمام نجاشي الحبشة الذي رفض إعادتهم إلى مشركي قريش بمكة فخيب آمالهم وآمال رسولهم إلى الحبشة عمرو بن العاص. وهنا أعطى الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي رأيه في النّصارى، وأشاد بهم وحكى قصة رفع عيسى بن مريم عليهما السَّلام إلى السَّماء وكيفية عودته إلى الأرض آخر الزمان، والأعمال التي سيقوم بها، وأورد رسالة رسول الله مُحَمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى هرقل قيصر الرُّوم، وحكى كيف استقبلها بالحُسنى، عكس كسرى الفرس الذي مزّقها، فدعا على الأول بتثبيت ملكه، وعلى الثَّاني بتمزيقه، وأورد كذلك قصة المقوقس مع عمرو بن العاص فاتح مصر، والحوار الذي جرى بينهما، وموقف هذا من الإسلام والرَّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأشار إلى هزيمة الرُّوم في الإسكندرية. وهذا الفصل هو الذي يُمكن اعتباره بمثابة التّقرب من الفرنسيين حتّى يُعجِّلوا بإطّلاق سراحهم، ولم لا؟.

* الفصل السَّابع:

في بيان من اجتمع نسبه من الأجناس واختلط في أصل الآباء، والأمهات، أو بالمصاهرة، وخلال هذا تحدث الحاج مُصْطفَى بن التُّهامي عن أصل قبائل البربر، وهجرتهم من مصر إلى المغرب، وقصة موسى مع النَّبي شُعيب وبنتيه، ثُم عاد إلى الحديث على عيسى عليه السَّلام، وياجوج وماجوج، وذي القرنين والسّدّ الذي أقامه بين القريتين في وجه ياجوج وماجوج، وقصة النّمرود مع سيدنا إبراهيم الخليل عليه السَّلام، وحكاية رميه في النَّار ونجاته، وقصة موت عزير وحماره، وإحيائهما بعد مائة عام. ثم رجع مرةً أخرى للحديث عن الأنساب وانسياب الأجناس واختلاطها، وعن الأخلاق والآداب العامة، وأقسامها الثَّلاثة عشرة، وطرائف أخرى عديدة وكثيرة.

* الخاتمة:

تحدث فيها عن أسماء الشُّهور العربية، ومعانيها، وأسماء الشُّهور الإفرنجية، والقبطية، والفرق بينها وبين الشُّهور الشّمسيّة، وكيفية السّنوات الكبيسة، واستدرك فتحدث عن النُّقباء الإثني عشر، وأسمائهم من بني إسرائيل، وأصحاب الكهف وقصتهم، وأولي العزم من الرُّسُل وهُم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومُحَمّد عليهم الصَّلاة والسّلام. وضيوف إبراهيم واسم زوجته وزوجة فرعون وتسعة رهطٍ، وأشراط قيام السَّاعة وغير ذلك.

- تحدث الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي بكثيرٍ من الألم والمرارة على المواقف المخزية والمحزنة، التي اتخذها ضدهم سلطان المغرب الأقصى عبد الرحمن بن هشام، وأبناؤه ورجال دولته، وتتضح المرارة في التعبيرات القاسية التي استعملها والتي في بعض الأحيان يُطلقها عامة، ولا يُقيدها، وبالتّأكيد أنه كان يقصد السلطان ورجال دولته وليس عموم الشّعب الذي أشاد بمواقفه الحسنة، ودعمه ومساعدته لهم.

- وأخيراً، فإن هذا (المخطوط) الكتاب رغم ما فيه من الحشو، والتِّكرار، وخروج عن الموضوع، والاستطرادات الكثيرة إلاّ أن المادة التّاريخية فيه كثيرة، خاصة الفصل الرَّابع الذي يزخر بمعلومات كثيرة، عن حياة الأمير عبد القادر وجهاده.

***

السعيد بوشلالق

 

اختلفت آراء الباحثين في تحديد تاريخ نشأة وموقع مدينة الديوانية، فبعضهم أعاد تأريخ نشوئها إلى عام 1671م وحدد موقعها في بلدة لملوم وهي عاصمة إمارة الخزاعل من جنوب الحلة وحتى العرجة في المنتفك، مدللاً على ذلك بأن أمارة الخزاعل كانت هذه حدودها، حيث كانت تختلف في مظهرها العام وتركيبتها السكانية عما هي عليه في الوقت الحاضر قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من التطور النوعي والحياتي. وبعضهم يُرجع نشأتها إلى عام 1688م وهو تاريخ تدفق نهر ذياب (نهر الديوانية حالياً) مستنداً بما موجود من آثار وشواهد تاريخية حية ما تزال شاخصة إلى يومنا هذا، وهناك رأي يؤكد أن تاريخ تأسيس مدينة الديوانية يعود إلى عام 1747م، بدلالة بناء الشيخ حمد آل حمود شيخ الخزاعل ديوانه على الجانب الغربي من نهر الديوانية، وهذا رأي الشيخ والمؤرخ وداي العطية.

وتبدو هذه الروايات الثلاث أكثر وضوحاً، إذ أشارت إلى تاريخ مباشرته في بناء المدينة، ثم بدأ توسع المدينة، إذ تم بناء المساكن والدور وقد قصدها التجَّار فصارت من أفخر بلاد العراق واحسنها في مجال الزراعة والمنتجات الزراعية.

لكن في الوقت الراهن اختلفت الآراء حول تاريخ مدينة الديوانية، فقد ظهرت بعد الاجتماع الذي عقد في مقر أو ديوان الحكومة المحلية في مدينة الحسكة في بداية عهد حاكمها الضابط علي آغا خلال توليه الإدارة فيها للمرة الأولى سنة 1738م أن ديوانية الحسكة كما يؤكد ذلك د. سامي المنصوري في كتابه (21 كانون الأول 1701، من هنا بدأت حكاية مدينة ديوانية الحسكة) في ص64 وما بعدها قائلاً: (وعدَّت مدينة الحسكة من أهم مدن أيالة بغداد، فأزدهرت خلال عهد حاكمها علي آغا الذي كان يمثل أعلى سلطة رسمية، فكان ديواناً حكومياً يساعده في إدارة شؤون تلك المقاطعة الكبيرة التي يحكمها، وكانت حدودها الإدارية تمتد أحياناً حتى مدينة البصرة، فذاع صيت ذلك الديوانية وصار يعرف بديوان الحسكة حتى طغت تسمية الديوان على تسمية الحسكة وصارت تعرف بديوانية الحسكة، أو الديوانية، وكان أول ذكر لتسمية الديوانية وردت في الوثائق العثمانية فكانت في سنة 1760م، وبصيغة (حسكة ديواني سي).

فإن أصل تسمية مدينة الديوانية هو الديوان: أي مقر ضابط البلدة وحاكمها ومكان الموظفين الحكوميين، والمجلس الحكومي. والحسكة والديوانية تسميتان لمدينة واحدة، فالمدينة التي نشأت سنة 1701م في مقاطعة الحسكة سميت باسم المقاطعة أي (الحسكة)، وبمرور الزمن كثر إطلاق اسم الديوانية مجردة عن الإضافة حتى نسي اسم الحسكة وصارت المدينة تعرف باسمها الجديد (الديوانية).

والحسكة: هي عُشبة تضرب إلى الصفرة لها شوك مدحرج، وقد وصفها ابن منظور وصفاً دقيقاً، وجاء في لسان العرب: قوم الحسكة قوم اشداء، ذو مراس وعزة. ويؤكد د. سامي المنصوري في كتابه اعلاه أن (نشأت مدينة الحسكة بدافع عسكري خلال الحملة العسكرية الكبرى بقيادة والي بغداد (دالطبان مصطفى باشا) سنة 1701م، فكانت النواة الأولى للبلدة هي السوق العسكري الذي أقيم على أرضها في 21 كانون الأول سنة 1701م، ثم بناء قلعة عسكرية فيها. والسوق هو النواة الأولى لنشأة مدينة الديوانية، وكان السوق يقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وقد ضم عدداً من الحمامات، والمقاهي، والدكاكين التي كان يعمل فيها عدد من البقالين، والخبازين، والقصابين، والقزازين، والعطارين، وكانت السفن تأتي من بغداد والحلة إلى مقاطعة الحسكة محملة بأنواع مختلفة من المواد الغذائية لقوات الجيش ورجال العشائر المشاركين في هذا العمل، وكان الهدف من انشاء السوق هو تلبية احتياجات أفراد الجيش ضمن تلك الحملة.

أما بناء السور كما يؤكد د. سامي المنصوري في كتابه يرجح بناء سور بلدة الديوانية مع نشأتها في أواخر سنة 1701م، وكانت أول إشارة واضحة لذلك السور خلال عهد والي بغداد حسن باشا الذي قاد حملة عسكرية ضد الخزاعل في سنة 1705م. وقد وصف الرحالة إيفرز سنة 1779م سور الديوانية قائلاً: (بها سور طيني ليس متيناً ولا قوياً جداً، لكنه يكفي لتأدية المهام التي صُمم من أجلها، لمنع أي هجوم مباغت قد يقوم بع العرب "العشائر"، ولصد الفرسان القوة العسكرية المهمة الوحيدة في تلك الأنحاء).

وما ذكره الدكتور سامي المنصوري في كتابه هو بحث جديد في غاية الأهمية لتوثيق تاريخ المدينة، غير ما ذكره الباحث وداي العطية في كتابه (الديوانية قديماً وحديثاً) الذي أكد فيه تاريخ تأسيس المدينة سنة 1747م لنشوء الجانب الغربي من الديوانية، والدكتور المنصوري اعتمد في كتابه على الوثائق العثمانية في التوثيق، بينما العطية اعتمد على كتب الرحالة الأجانب في تاريخ نشأة المدينة.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

انعام كمونةقراءات تنعش الذاكرة المدائنية من كتاب: مدن في غياهب الذاكرة،  للباحث المؤرخ نبيل حسين آل زايد

- وفق جدلية الحداثة يُعد التاريخ من العلوم الإنسانية، بمنطق تماسه حياة البشر وبيئة وجودهم منذ بداية الخلق، وارتباطه بحيثيات أُخرى تنازعه الوجود، فالتاريخ مزيج أواصر أركيولوجيا وانثروبولوجيا مقترنة بعلوم أخرى معياريا لفهم حضارة أمة، ومن أهم هذه العلوم هو علم الآثار للربط بين مراحل التاريخ والتطور الحضاري لأي بقعة أثرية، بخطوات شاقة مستندة الحفر والتنقيب والبحث عن أصغر التفاصيل، لتوثق المعلومات العلمية بدراية دقيقة واحترافية جهد بتقييم انساني لعقود خلت...

- ومن أحد تعاريف التاريخ، (هو تحليل وفهم للأحداث التاريخية عن طريق منهج يصف ويسجل ما مضى من وقائع وأحداث ويحللها ويفسرها على أسس علمية صارمة بقصد الوصول إلى حقائق تساعد على فهم الماضي والحاضر والتنبؤ بالمستقبل)، فمن أسس تقنيات علم الآثار دراسة تاريخ المجتمع وكلاهما دلائل علوم إنسانية واجتماعية متشابكة البحوث، وهذا ليس مسؤولية عالم الآثار فقط وأنما أي انجاز يتم فيه التنقيب والبحث عن تاريخ ما، يؤرخ بمسؤولية علمية وإنسانية أن كان نظريا أو عمليا ...

- الاطلاع على تاريخ الأمم مفهوم حضاري، منه نقتفي أثار السلف ونتنسم أرواحهم من جوهر بحوث علمية، بمنهج رؤى أسيرة لزمن ماضي بحدثه المعاصر مرهون بجغرافية المكان، فمهما تباعدت العصور واختلفت الأجيال وتباينت الآراء، فأن سيرة تاريخ أمة تتجلى وجه من وجوه الماضي نراه في مرآة الحاضر سلسلة حياة بصور ذهنية تختلف بطيف التوقع من شخص لآخر، فما يندرج من أفق الخيال أسلوب تحري عن الجذور بتسلل اثيري الى بقايا آثار المدن، معتمدة أسلوب المؤرخ وفنية بحثه على عاتق أمانة فكرية بمصداقية محايدة مدعمة بدلائل آثارية محصنة الحقائق مستندة للتنقيب الفعلي، ومن مراجع منهجية الرؤى وسجلات التدوين الأكاديمية، وأحيانا يصح مقاربتها باستمرار أحداث مؤاتية ...

- نستقرأ عنونة الكتاب للباحث نبيل آل زايد (مدن في غياهب الذاكرة)، جملة أسمية باستعارة رمز مدن والتي تدل على التعدد لأسم مدينة، فعمد لتكثيف البنية بفنية التعبير، فكيف أن تكون المدن في غياهب الذاكرة وقد سافر لتفاصيل تاريخها، ألم يطالها النسيان ..؟، نعرف أن رمز الذاكرة رمز حيوي للدلالة على تراكم معلومات الماضي والحاضر، ومن الممكن استرجاعها من حين لآخر، وأن تعرض الأنسان لصدمات تصدع الزمن، إلا أنها تتشافي من شرخ النسيان كلما تنهل من معين العلم والمعرفة، بدلالة تشي لعدم نسيان جذور حضارة ممتدة في أعماق ذاكرة التاريخ ...

- ونستخلص من تعمد توظيف مفردة غياهب ومعناها حلكة الظلام أو أعماق الظلام، ليدعنا نستنتج ضدية القصد من تركيبة العنوان، ونستشعر روح الإضاءة تنهمر على طرق الماضي لنسترجع حياة الأجداد وأجيال اندثرت، فعلى المستقرئ تمهل التفسير والتأني في التحليل لأدراك المضمون مما يحفز رسم الصور في ذهن المطلع لاستكشاف ما وراء المعنى وما استبطن بُعد المغزى، فأوحى بالدلالة عن التنقيب والبحث في تلافيف الزمن سياحة فكر حضاري، فما الذاكرة الا بؤرة معلومات نقشت على مدى ابعاد الزمن، لذا نلاحظ تضاد مخفي يستكنه القارئ الفطن بين فاعلية التذكر والنسيان، فيبدو العنوان بصيغة أدبية رائعة الإستعارة، إحالة تأويلية بدلالة شحن عالم الوعي في ذات المؤرخ بضمير المسؤولية تجاه معالم وطنه، وخلجات الشعور الوجداني بالانتماء نبع عرفاني بضمير انساني ...

- يبدو من معمارية الإهداء والتي على ورقة سمراء بلون التراب يفوح منها عبق الماضي، فنقش عليها بنية تشكيلية من سطرين في الأعلى وسطرين في الأسفل ومابينهما توهج القصد بانتقاء المفردة العميقة الأثر والمعنى بأسلوب أدبي رائع، "الى الأنقياء" فمنح تكثيف تعبيري للهوية، بما تشمل من معاني إنسانية عميقة، منها مستتر البوح والإيحاء ماديا ومعنويا، إجتماعيا وثقافيا، دينيا وعقائديا، فلولا الوجدان الحي وضمير الشعور ما رسخت مدن الماضي في ذاكرة الحاضر، معبرا عن روح التاريخ في نفسية المؤرخ، لذا يقف القارئ مذهولا وكأنه على أرض الواقع وقد غض الزمن هيمنته واستعاد التاريخ ذاكرته، فنهضت المدن بأركانها من بقايا الآثار، فنرى الإهداء لوحة مبتكرة التصميم ...

- ولنقرأ للمؤرخ الأستاذ نبيل آل زايد من بعض تفاصيل كتابه (مدن في غياهب الذاكرة) وهو يضيء لنا دهاليز الماضي، نرحل معه على صفحات تاريخ المدائن (سلمان باك)، نتعرف على حضارة مدينة أثرية مهمة، تقع ضمن خارطة مدينة المؤرخ على أرض (المدائن) بما يشير جمع اسمها عدة مدن، وهي ابتداءٌ (سلوقية دجلة اليونانية 311 قبل الميلاد، والبرثية طيسفون 126 ق.م، وفولجسياس (ساباط) 69 بعد الميلاد، وفي العهد الساساني 227 ميلادية بهرسير، واسفانبر (طاق كسرى)، و(الرومية)، وهكذا يبحر بنا لأجواء معالم وبقايا رموز اثرية تقع على ضفاف نهر دجلة، فنرى تشكيلة مجتمع مختلف الأطياف متعدد العقائد بتماسك لحمته، وأن اندثر بعضها بإهمال ونسيان متعمد وغير متعمد، فلنتذوق عبق العصور...

- صنف كتاب (مدن في غياهب الذاكرة) الى عدة فصول بعناوين موضوع البحث، فتميز كموسوعة (اجتماعية وثقافية وسياسية) بشمول المعالم الأثرية والعلاقات الإنسانية، وأثرا الكتاب بمعلومات غزيرة لعمومية أحوال المدن حينذاك، فذكر تعاقب حكم المحتلين من مستعمرين يونانيين وفارسيين (برثيين وساسانيين)، وتطرق لكثير من الاجتياحات المعادية، لأهمية موقع المدينة جغرافيا بمحاذاة نهر دجلة وأن تغير مجراه في العهود الغابرة وتغييرهُ من مواقع نشأة هذه المدن شرق دجلة وغربه أحيانا، ولكثرة خيراتها يتخذوها عاصمة لإدارة البلاد حينذاك، وقد وثق مدى تأثير سياساتهم المتعاقبة باختلاف دياناتهم على مدار الزمن ...

- كما وثق ما عانت المدن بأطرافها المترامية من النزاع السياسي الذي سبق عصر الإسلام، وخلال حقبة الإسلام مما أدى الى تغيرات اجتماعية وثقافية ودينية اثارت إشكال الاختلاف، وذكر ما تعرضت اليه ثروات البلاد الأثرية للسرقة والعبث بدون رقيب نتيجة كثرة الحروب المعادية والهجرات الكثيرة، فشرع أبواب الماضي للقارئ للتعرف على تاريخ الأثار بتفاصيل دقيقة موثقة، ووقف على الكثير من تفاصيل المواقع والتلول الاثرية التي تصل الى 118 موقعا اثريا ودينيا حيث صور الكثير من البقايا الأثرية والنماذج المنحوتة والمجسمات المتناثرة هنا وهناك...

 - فمن مؤرخه يستدل القارئ على أسماء الأماكن الأثرية القديمة والحديثة، وبصمة انثروبولوجيا المجتمعات، فنستدل على قدرته في اختراق طيف الزمن بمروره على المعالم التراثية منها عدة مراقد من ولاة المسلمين وقادة الحروب وأماكن أضرحة لأصحاب الرسول (ص) منهم الولاة والقادة والمحاربين في حملات تحرير إسلامية، كذلك أرخ مواقع الحروب وتواريخ حدوثها بجملة وقائع، وسرد لنا في العصر الحديث عن الحركات الاستكشافية والنهرية، وأسماء علماء الأثار والبعثات وسنوات تنقيبها من طالبي العلم والزوار والمؤرخين والرحالة، وذكر عن التشكيلات الإدارية الحديثة في ثلاثينيات القرن الماضي بتأسيس سلمان باك عام 1932م كناحية تابعة الى قضاء بغداد التابع الى لواء بغداد ...

 - وروى القصص الرائعة عن أهل المنطقة وأصولهم، ونسب العشائر والمشايخ وأعمال مديري الناحية في فترات مختلفة، وكشف وثائق مهمة عن حدث غرق سلمان باك، وعن أحوال مختاريها ودائرة الضرائب والصحة والشرطة والمحكمة، كما استذكر عدد من رواد العلم والمعرفة من التربويين وأعمار المكتبة العامة في المدن، وعرج بنا الى متحف المدائن الآثاري، حتى وصل بنا الى المبحث المجتمعي اذ تطرق لأصحاب المهن الحرة باختلاف دياناتهم ومحترفين المهن الشعبية والتراثية، وترك لنا عناوين وأسماء المقاهي والرياضة وأبرز  أبطالها آنذاك، فلم يترك صغيرة أو كبيرة الا أحيى تراثها ...

- اِعتمد المؤرخ نبيل زايد التوثيق الأكاديمي بالتحقيق المنظم، والبحث الشخصي المنظر في مواقع شتى، وتقصى حقائق كثيرة بأمانة علمية وأسلوب سرد روائي بتقنية مهندس وخبرة صحفي، حيث سافر لأبعد النقاط في دهاليز تاريخ المدائن، ونفض الغبار عن حكايات شعبية فزال صدأ الزمن عما أندثر من تراث وتقاليد، فتحمل صعوبة التنقل ومشقة الوصول وقلق التحري للعثور على أصدق معلومة، بزيارة بقايا الآثار والمكوث فيها تحت أصعب الظروف، فاستجلى خلاصة الحقائق من مصادر موثقة كتبها مؤرخين عراقيين وعرب، وعلماء آثار أجانب سبق أن نقبوا عن آثار الأماكن، وأستشهد بمصادر إجتماعية شتى، وسعى بجهد تنقل لمقابلة شخصيات معتمدة لعدة أجيال تلقفت أصول التراث، وممن لديهم معلومات عن أسلافهم في نفس المدن، فمن يقلب صفحات كتبه يندهش مما سطر من شواهد أركيولوجية بجهود قيمة بمنهج رؤى واقعي، أرّخَت أنثروبولوجيا الصور بندرتها التاريخية، منها صور بيانية، ومخططات بنائية بالخرائط القديمة والحديثة، فرغم تغيرات جيولوجيا الأماكن التي تحكمت بمواقع بقايا الآثار ورموز حدودها الا أنه دعمها بكثرة الدلائل الموثقة بسجلات التاريخ عبر تقويم الزمن ...

- ويبقى مصير سرد الحدث بما يتركه من أثر ثقافي ملزم بفنية دراسة الأسباب بالتحليل المبرهن بتحصيل النتائج، من تفاصيل التنقيب الموقعي والتقصي غير الموقعي لتلقف المعلومات مستشهدا بثوابت الأدلة والتي تقنع الرؤى، يقول ابن خلدون في: ("المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه" إن التاريخ فن من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال) وأن اختلف علماء الآثار عليه بحداثة الرؤى، ألا أن أسلوب السرد بحسية وأدراك المؤرخ للكشف عن تاريخ أُمة هو انجاز فني لاحق عن كينونة زمكانية سبق لها أثر ترك بصمة وجود إنساني، فالحنين للماضي سمة بشرية لا تخلو من وعي معرفي شيق المتعة يفترضه فطرة الوجود، فما اجمله من فن يعيد لنا الزمن برؤى إنسانية ...

- لم تسمح لي القراءة السريعة وما توقفت عنده بنقل ما تضمنته صفحات المؤرخ من ثراء معلومات اثرية لمنجز بحثه في الذاكرة المدائنية، كموسوعة تاريخية تعدت ال 430 صفحة زاخرة بآثار مدن عريقة يستعان بها الباحثين عن التاريخ والآثار والعلوم الإنسانية والأجتماعية ومرافيء معرفة متعددة بفنية توضيب وأسلوب تدوين ممنهج...

- تركتُ الكثير من المعلومات المهمة من سرد المؤرخ، فمن الأجدى لمن يحب الاطلاع على انثروبولوجيا حضارات من وادي الرافدين أن لا يفوته متعة التجول والسفربما وثق من جهود بحثية شيقة من واقع المعالم، وقيد من استنتاج رؤى بصيرة المدى لباحث بارع مجتهد الجد الأستاذ المؤرخ والصحفي نبيل زايد بالتوفيق لإنجازكم .

****

قراءة إنعام كمونة

جواد بشارةفصل من كتاب التاريخ السري للموساد الإسرائيلي جورج توماس

بعد صدام

بحلول كانون الثاني (يناير) 2003، بعد خمسة أشهر من انتقاله من مقصف مقر الموساد قوبل تصفيق مدو عند دخوله المقر الجديد للمخابرات الإسرائيلية، وأصبح مئير دغان، الرئيس الجديد، بطلاً في طاقم عمله ورجل يخشاه الإسرائيليون.

فالأعداء. حتى أكثرهم مرارة اعترفوا بأن الموساد غدت مرة أخرى أكثر أجهزة التجسس فاعلية وقسوة في الشرق الأوسط وما وراءه. دغان يعرف عن أسرار الأجهزة الأمنية العربية أكثر مما يعرفه الحكام السياسيون العرب. وبالفعل، فقد عيّن وكلاء جدد دسهم في المكاتب الخاصة لكبار المسؤولين الحكوميين في سوريا ومصر ولبنان والإمارات العربية المتحدة. وجعلهم تحت عينه الساهرة، تسلل الموساد بقوة جديدة إلى جميع قطاعات الحياة السياسية العربية، ومجتمعات الأعمال التجارية، ومجالات أخرى من المجتمع الإسلامي.

في الأشهر الأربعة الماضية منذ توليه القيادة، درس الخطايا والأخطاء التي أدت إلى انهيار الروح المعنوية في الموساد. وقد صحح ذلك من خلال التأكد من أن المسؤولين عن الهجوم قد تم إعدامهم من بين صفوف الموساد. تم إحضار بدائل من الجيش؛ كما تم تجنيد البعض من الشاباك وأجهزة المخابرات الإسرائيلية الأخرى. أوضح داغان أنه قد اختارهم لأنهم سيتبعون قواعده وتعليماته هو- وليس كتاب القواعد الرسمي الذي اتبعته الموساد سابقاً. من جانبهم، أظهروا أنهم سوف يخدمونه لمجرد اقتناعهم بأنه الرجل الذي يرغبون في اتباعه.

كان يعمل ثمانية عشر ساعة في اليوم، وأكثر في مكتبه. كان ينام أحيانًا على أريكته. كانت الحياة صعبة. يأتي ويذهب خلسة مثل اللص في الليل. ذهب إلى مومباسا وأماكن أخرى ليتبع أثر أسامة بن لادن والقاعدة. وما كان رؤساء المخابرات الآخرين ليغادروا مكاتبهم. لكن هذا لم يكن أسلوبه. كان يقود دائما من الأمام.

كان دغان قد وضع خطة شعر أنها ستقلل من خطر المفجرين الانتحاريين. على إسرائيل أن تخفف من قبضتها الخانقة على ياسر عرفات وأن تخفف الحصار عن الضفة الغربية وقطاع غزة - بعد ضمانات قوية من السلطات الفلسطينية بأنها ستتعامل مع المفجرين بنفسها. وقد ذهبت الخطة إلى حكومة شارون التي رفضتها ما لم يتم عزل عرفات.

كان داغان قد انتظر وقته. لقد فهم جيدًا أن العلاقة بين أرييل شارون وعرفات تتسم بكراهية شخصية متبادلة: لن يكون هناك حل حتى يتم عزل عرفات. توحي فطنة دغان الاستخباراتية بأن هذا قد يأتي من داخل فلسطين. كانت إحدى مهامه منذ توليه منصبه إثارة استياء الجماعات الأكثر عرضة للإصابة، والترويج لفكرة أن عرفات كان العقبة الوحيدة المتبقية على طريق السلام. كانت الدعاية بكل أشكالها سلاحًا استخدمه داغان في أيامه كقائد عسكري.

أنشأ قسم الحرب النفسية في الموساد، "لاب"، "أكاديمية الإرهاب" الأسطورية في مدينة غزة، حيث يتم تدريب المفجرين الانتحاريين. حظيت القصة بتغطية واسعة.

تبعت العديد من القصص الأخرى هذا الجزء من الدعاية، وغالبًا ما تم تضمين نتائجها في ملخص الاستخبارات بين عشية وضحاها الذي تم تسليمه إلى أرييل شارون عندما استيقظ. كما أملاه دغان، شكل الملخص طريقة تفكير شارون ليومه القادم.

لا يزال كلا الرجلين يشتركان في علاقة وثيقة ونفس المثل الأعلى لإسرائيل: لضمان أنه، على حد تعبير شارون، "هذه البقعة الصغيرة من التربة، القاحلة وغير المضيافة، حتى حولها نحن اليهود إلى مركز قوة في المنطقة، لن يتم أخذها منا أبدًا.."

خلال العشاء في منزله بعد فترة وجيزة من تعيين دغان، أراه رئيس الوزراء رأس سهم مطلي باللون الأسود في واجهة عرض. إنه يمثل الاسم الرمزي - هيتز شابور - الذي اختاره شارون لهجومه على الجيش المصري في غزة في حرب الأيام الستة. لقد كانت بداية حياته المهنية باعتباره أكثر القادة العسكريين قسوة منذ موشيه ديان. ثم جاءت المذبحة في مخيمين للاجئين صبرا وشاتيلا في لبنان والتي قيل إن ما يصل إلى ألف رجل وامرأة وطفل ذبحوا في 17 سبتمبر 1982 بينما لم تتدخل قوات شارون. يبدو أن مسيرة شارون المهنية قد توقفت. لكنه دخل إلى الساحة السياسية وتفوق على بنيامين نتنياهو بذكاء - ليس بالأمر الفذ - لتولي رئاسة حزب الليكود. لقد كانت نقطة انطلاق لرئاسة الوزراء التي شغلها الآن.

خلال ذلك العشاء، أخبر شارون داغان أنه اختاره لرئاسة الموساد لأنهما كانا قائدين جريئين وحازمين بقوة.

لكن كان هناك اختلاف واحد: شارون كان مقامرًا ومستعدًا للمجازفة، مثل زيارته إلى جبل الهيكل في القدس، الذي أشعل الانتفاضة الثانية ومهد الطريق أمام المفجرين الانتحاريين لاكتساب القوة. بينما لم يكن دغان مقامرًا. فهو يحسب كل حركة يقوم بها.

بعد أسابيع من توليه المنصب، كان داغان قد استقل طائرة تابعة لشركة إل عال إلى لندن للقاء اثنين من رؤساء المخابرات البريطانية، ريتشارد بيلينغ ديرلوف، رئيس MI6، جهاز المخابرات السرية، وإليزا مانينغهام بولر، مديرة MI5.

لقد درس خلفياتهما بدقة كما هو الحال عند التعامل مع عدو. في حين أن كلا رئيسي المخابرات لم يكن كذلك بالتأكيد، فقد تسببوا في قلقه. كانت بريطانيا لسنوات مرتعا للإرهاب الإسلامي. كلاهما تم تجنيده في في العاصمة البريطاني ريتشارد ريد، أو ما يسمى بمفجر الأحذية الذي حاول تدمير طائرة ركاب أمريكية بالمتفجرات المعبأة في حذائه، وزكريا موسوي، الذي تم تحديده باعتباره الخاطف العشرين لهجمات 11 سبتمبر، للقيام بمهماتهم منطلقين من مساجد لندن.

أصبحت العاصمة المقر الرئيسي للدعاة الإسلاميين المتطرفين الذين كرّسوا، من خلال شبكة من المنظمات، جهودهم لنشر الكراهية الخالصة: وخاصة كراهية إسرائيل، وكراهية أمريكا، وكراهية الغرب - وكراهية جميع الديمقراطيات التي تقدر التسامح والحرية، المثل الأعلى الذي أعطى المتطرفين حرية العمل في بريطانيا.

على الرغم من الاحتجاجات، استمرت بريطانيا في توفير الملاذ للأصوليين الإسلاميين المطلوبين بتهم الإرهاب في دول أخرى. وقد طعنت حكومات فرنسا والجزائر ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية، وكذلك الولايات المتحدة، في رفض بريطانيا تسليم الإرهابيين. لكن البريطانيين زعموا بنجاح أن إزالتهم من الحماية البريطانية سيؤدي إلى "اضطهادهم السياسي".

وكان الدعاة الإسلاميون الذين أدخلوا هؤلاء الأفراد في الإرهاب قد استأجروا محامين ماهرين بمبالغ باهظة لمحاربة قرارات تسليمهم لدولهم الأصلية. كانت المناورات القانونية قد قيدت القضايا لسنوات. خالد الفواز، المطلوب في الولايات المتحدة لدوره في تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي، نجح في استخدام المحاكم الإنجليزية لضمان بقائه في البلاد. وقد تمت تغطية تكاليفه القانونية البالغة ستين ألف دولار من الأموال العامة.

مرتديًا إحدى بدلاته المخططة بالدبابيس السوداء المصممة حسب الطلب، وقميصًا أبيض مخيط يدويًا، وربطة عنق مخططة، كان ديرلوف جالسًا في مكتبه المطل على نهر التايمز بينما عرض مئير داغان قضيته لسبب وجوب وقف وجود الإرهابيين في بريطانيا.

كان رئيس الموساد يعرف تمامًا النغمة الصحيحة للهجوم مع أحد كبار رجال المخابرات، حيث كان يقود 2000 موظفًا - منهم 175 من ضباط المخابرات الميدانية والجواسيس. كان ديرلوف يتقاضى راتباً قدره 150 ألف جنيه إسترليني في السنة، أي أكثر بعدة مرات مما يكسبه داغان. كان لرئيس MI6 أيضًا امتيازات يحسد عليها: سيارة بسائق وحماية مسلحة ، وعضوية في العديد من أندية لندن الحصرية.

لم يحسد عليه دغان أيًا من هذا. كان يعلم أن ديرلوف قد حصل على امتيازاته.

بعد تخرجه من كامبريدج، انضم ديرلوف إلى MI6 في عام 1964. وبعد أربع سنوات كان يعمل متخفيًا في نيروبي. غالبًا ما سافر من العاصمة الكينية إلى جنوب إفريقيا، وأجرى اتصالات مع BOSS، ثم جهاز الأمن في جنوب إفريقيا. في عام 1973 تم تعيينه في براغ كنائب لرئيس محطة MI6. في هذا المنصب، أجرى عملية لاختراق حلف وارسو. وتحت قيادته، انشق العديد من كبار جواسيس الروس والأوربيين الشرقيين وعبورهم إلى الغرب.

بعد فترة قضاها في باريس، تم تعيينه في جنيف، وكان تغطيته بأنه دبلوماسي مرتبط بالأمم المتحدة. هناك أجرى اتصالاته الجادة الأولى مع ضباط استخبارات عرب من العراق وسوريا وإيران.

بعد ذلك بعام ظهر في واشنطن كضابط اتصال كبير لـ MI6 مع أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة.. في ربيع عام 1992 عاد إلى لندن، مكلفًا بمهمة الإشراف على انتقال MI6 من مقرها المتهالك في Century House في ضاحية Lambeth المتهدمة إلى هيكلها ما بعد الحداثي الذي تبلغ قيمته 236 مليون جنيه إسترليني في Vauxhall Cross. يقال إنه بحلول الوقت الذي تم فيه افتتاح المبنى، كان ديرلوف قد قام شخصيًا بفحص كل غرفة، واختبر قوائم الطعام في المقصف، ونام في الأسرة في مهجع الطابق السفلي الذي يستخدمه الموظفون أثناء الأزمات.

كانت رحلاته إلى واشنطن متكررة. لقد أدهش نظيره في وكالة المخابرات المركزية، جورج تينيت، من خلال توضيح أنه لم يعد يرى مطاردة أسامة بن لادن أولوية قصوى لـ MI6.

سُمِع ديرلوف بشكل خاص ليقول إن "القبض على بن لادن، حياً أو ميتاً، هو إلى حد كبير ما يسعى بوش للحصول على من أجل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام".

استعد داغان لديرلوف عندما قال الأخير إنه لم يكن مناصرًا للإيمان الأمريكي بـ "Sigint" - ذكاء إشارات الأقمار الصناعية. كان يعتقد أن الجواسيس على الأرض كانوا أكثر قيمة وجدارة بالثقة، وأنه مع الذكاء البشري "تحصل على ما يرونه عن قرب، وليس من الفضاء الخارجي". في عالم من رسائل البريد الإلكتروني المشفرة وصور الأقمار الصناعية المحسنة، وجد داغان شيئًا محببًا في هذا الحكم. إنها تعكس وجهات نظره الخاصة.

كان داغان يتطلع إلى لقائه مع إليزا مانينغهام بولر أكثر من أي رئيس تجسس آخر. كانت مديرة MI5 هي المرأة الثانية فقط التي ترأس الخدمة. بفضل ذقنها المزدوج وضحكتها المزدهرة، والتي يبدو أنها تأتي من مكان ما في حضنها الواسع، كانت شخصية رائعة.

في سن الثالثة والخمسين، أي أصغر من دغان بأربع سنوات، وحصلت أيضًا على راتب أكبر بكثير مما كان يأمل في الحصول عليه هو؛ في الواقع، لقد كسبت أكثر من سيدها السياسي النهائي، رئيس الوزراء توني بلير.

دوى صوتها الذي يحطم الكريستال مع نسبها من الطبقة العليا. كانت ابنة اللورد المستشار السابق لإنجلترا. كانت إحدى شقيقاتها متزوجة من نائب سابق لحارس الحقيبة الخاصة للملكة.

كانت قد التحقت بجامعة أكسفورد، حيث عُرفت باسم "طرق""أسلوب البلطجة" لتخويفها زملائها. في عام 1968، أدرج برنامج التمثيل الإيمائي في المجتمع الدرامي التابع للجامعة مسرحية سندريلا وأعطى لــ"The Honorable Eliza Manningham-Buller" الدور الأهم على أنها Fairy Godmother. مرتدية غطاء رأس من الزهور وحاجبيها كثيفين، صعدت إلى خشبة المسرح في نفخة من الدخان. كانت تدور، وفي خضم ذهول الجمهور وسندريلا -  التي- صُدمت: "اعتقدنا أنك ستفاجأ. لكن لا تخف. أنا أمك الخيالية، يا عزيزتي. "

في تلك الليلة، اقترح أحد المجندين في MI5 - أحد موظفي أكسفورد - أن تتخلى إليزا عن أي خطط لممارسة واحتراف التمثيل والانضمام إلى MI5. لقد استمعت باهتمام ثم استشارت والدها. الذي قال لها إن التجسس ليس مهنة لسيدة.

انضمت إليزا على الفور إلى MI5 ككاتبة نسخ للمحادثات الهاتفية التي تم التنصت عليها، ومعظمها من دبلوماسيين في الكتلة السوفيتية في لندن. لكنها سرعان ما أظهرت موهبة في فهم حديثهم الحذر. أصبحت ضابطة استخبارات مضادة صائدة أو- ملتقطة جواسيس.

"أسلوب التنمر" أصبح "أسلوبًا هائلاً". اتبعته وصعدت بسرعة من خلال التسلسل الهرمي المنظم MI5.

أطول من معظم زملائها، كان لديها طريقة مستبدة في النظر إلى أنفها الإمبراطورة الرومانية عندما أزعجها شخص ما. قال أحد الزملاء، بعد أن سلمت Rebuke، خطت في أحد ممرات MI5 البائسة "مثل رجل حارب في شراع كامل". لقد عملت في واشنطن، وفي تلك الوظائف الأخرى حيث الشوارع ليس لها أسماء. ترأست فريق MI5 الذي حقق في كارثة لوكربي وقادت حرب MI5 السرية ضد الجيش الجمهوري الإيرلندي.

في عام 1997 أصبحت نائبة المدير العام للخدمة. بعد ثلاث سنوات، أدارت MI5.

بالنسبة لمضيفيه، كانت لدى مئير داغان نفس الرسالة التي لا هوادة فيها: لقد أصبحت لندن جنة للإرهابيين، وهي مدينة سمحت للإرهابي بالعيش في ظل ديمقراطية والقدرة على التدمير بكل ما تعنيه الكلمة. ولأن هدفهم الرئيسي كان ولا يزال هو إسرائيل، كان يجب أن يتوقف هذا. قالها دغان بأدب. لكنه قالها بحزم.

وأضاف أنه يتفهم الصعوبة التي واجهتها بريطانيا. كانت موطنًا لـ 1.8 مليون مسلم، غالبيتهم العظمى من المواطنين المسالمين الملتزمين بالقانون. كان يعلم أن بريطانيا لديها علاقات تجارية قوية مع الدول العربية. لكنه أدرك أيضًا أن الجماعات الإسلامية المتطرفة كانت قادرة على العمل بعمق داخل الجالية المسلمة المغلقة في بريطانيا. كان على استعداد لوضع الموساد تحت تصرف MI5 وMI6. لكي ينجح ذلك، سيحتاج إلى إذن لزيادة عدد عملائه العاملين في بريطانيا. حيث تم تقليص العدد منذ عام 1987، بعد أن اشتكت حكومة تاتشر من أساليب الموساد.

وافق كل من ديرلوف ومانينغهام بولر بسرعة. في غضون أيام، وصل عملاء الموساد إلى لندن. أحضروا معهم قائمة بالمسلمين المتطرفين الذين خشوا أنهم كانوا يستعدون لضرب أهداف إسرائيلية. أوضح فريق الموساد أنهم سيعملون بمفردهم. وكانوا سيتعاملون مع أي تهديد لإسرائيل بقوة كما فعلوا دائمًا. يمكنهم جعل الاغتيال يبدو وكأنه حادث - أو جعله بمثابة تحذير للآخرين من خلال عدم إزعاجهم لإخفاء ما فعلوه.

والآن، في كانون الثاني (يناير) 2003، علم مئير دغان أن مسألة اغتيال صدام حسين كان يشغل بالهم أيضًا، أي الرئيس جورج دبليو بوش ومعاونيه. وكانت الموساد تمتلك أفضل طريقة لقتل صدام حسين.

مع دقات طبول الحرب الوشيكة مع العراق بصوت أعلى في واشنطن، أعلن الرئيس جورج دبليو بوش لأقرب مستشاريه أنه مستعد لرفع الحظر عن اغتيال وكالة المخابرات المركزية لصدام حسين. كان ضبط النفس على قيام الوكالة بقتل أي زعيم ساري المفعول منذ قيام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بإحباط محاولاتها لاغتيال الزعيم الكوبي، فيدل كاسترو، في السبعينيات. لم يتم التنازل عن هذا الأمر التنفيذي رسميًا، ولكن في الأيام الأولى من العام الجديد، في الطقس البارد الموسمي للعاصمة الأمريكية، كان المحافظون الجدد الذين أحاطوا بالرئيس - رجالًا ونساءً كانوا مستشارين لبوش الأب عندما كان رئيسا للولايات المتحدة- مجتمعين ويتناولون الخبز المحمص فجأة قال أحدهم أن صدام يمكن أن يموت قريبا. أردف وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قائلاً: «إن للولايات المتحدة الحق القانوني في اغتيال أي شخص متورط أو يخطط" "إما بشكل مباشر أو غير مباشر لهجمات 11 سبتمبر".

وزعم رامسفيلد أن صدام وجه "ضربة أخرى" إليهم لأنه كان يخزن أسلحة دمار شامل. على الرغم من أن وزير الخارجية كولن باول ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت ومحلليه أصروا على عدم وجود دليل قاطع على أن صدام كان على صلة بهجمات سبتمبر أو أن لديه أسلحة دمار شامل، أصر رامسفيلد على أن مصادره الخاصة تروي قصة مختلفة.

كان عناصر الموساد ألــ " كاتسا" المقيمين في السفارة الإسرائيلية في واشنطن قد اكتشفوا أن المصدر الرئيسي لرامسفيلد كان المعارض العراقي أحمد الجلبي، الذي ساهم في تأسيس المؤتمر الوطني العراقي، الذي نصب نفسه بمثابة "الحكومة العراقية المنتظرة" لتحل محل صدام المخلوع.

وكان الجلبي يعمل مخبرا للموساد فيما يتعلق بالعراق بعد أن استولى صدام على السلطة عام 1979. وكان الجلبي قد انتقل إلى الأردن المجاور، حيث أسس بنك البتراء. لفترة من الوقت كان بمثابة قناة للموساد لتمويل العمليات السوداء في الشرق الأوسط. لكن في عام 1979 انهار البنك بسبب اختفاء مئات الملايين من الدولارات للمودعين.

تمكن الموساد من سحب ودائعه المتواضعة قبل الانهيار. بعد ذلك بوقت قصير، اتهم رئيس البنك المركزي الأردني، محمد سعيد النابلسي، الجلبي بتحويل 70 مليون دولار من أموال البنك إلى حساباته المصرفية الشخصية في البنوك السويسرية.

وصل الجلبي إلى واشنطن في الوقت الذي انتُخب فيه جورج بوش الأب رئيساً.

حتى الحرب العراقية الأولى، بعد غزو صدام للكويت، كان الجلبي يبدو وكأنه ليس أكثر من مجموعة ضغط أخرى " لوبي " في الشرق الأوسط، في مدينة مليئة بهم، تحاول الترويج لمصالحهم الخاصة. لكن الحرب غيرت كل ذلك. باستخدام المؤتمر الوطني العراقي الذي يبدو وكأنه مهيب، وجد الجلبي نفسه مرحبًا به على الفور من قبل المحافظين الجدد لبوش. وكان من بينهم نائب الرئيس المستقبلي ديك تشيني ونائب وزير الدفاع المستقبلي بول وولفوفيتز. ومن خلالهم تعرّف على دونالد رامسفيلد. تم تأسيس أرضية مشتركة في اعتقادهم أن صدام كان خطرًا على السلام ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن ربما في العالم بأسره.

بشكل لا يصدق، بدأ الجلبي يطلع تقارير استخباراتية قدمها البنتاغون عن صدام أعدتها وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي. في البداية اقتصر على التعبير عن أن بعض المعلومات الاستخبارية لا تتناسب مع ما تعرفه منظمته الصغيرة من داخل العراق.

تدريجياً، أصبحت هذه التعبيرات، التي غالباً ما تُوجه مباشرة إلى رامسفيلد، أكثر انتقاداً. شعر الجلبي أن وكالة المخابرات المركزية، على وجه الخصوص، كانت بعيدة عن الاتصال لأنه ليس لديها عملاء على الأرض في العراق.

في أواخر صيف 2002، في الفترة التي تسبق الذكرى السنوية الأولى للهجمات على البرجين التوأمين والبنتاغون، أمر رامسفيلد بتشكيل وحدة سرية خاصة في البنتاغون لـ "إعادة فحص" المعلومات التي قدمها الجلبي و " إعادة تقييم "العلاقات بين صدام والقاعدة وتطوير العراق لأسلحة الدمار الشامل.

أحمد الجلبي، مصرفي فاقد المصداقية متهم بنهب خزائنه، وأصبح المصدر الرئيسي للمعلومات لدى رامسفيلد. في حين كان رئيس وكالة المخابرات المركزية، الرجل الذي كان يحرس أرضه بغيرة، غاضبًا لدرجة أنه في أغسطس 2002 كان قد هدد بالاستقالة. كان تشيني قد سكب البلسم على مياه مضطربة للغاية، وبقي تينيت في منصبه. لكن باستخدام اتصالاته الخلفية الخاصة بمدير MI6 ريتشارد ديرلوف، أطلع تينيت رئيس MI6 على مشاركة الجلبي المستمرة في القيادة العليا لإدارة بوش.

عندما تولى قيادة الموساد، كان داغان قد التقط بسرعة دور الجلبي الغريب كمصدر لرامسفيلد. من ملف الموساد الخاص بالمصرفي العراقي، كان من الواضح أن الجلبي لم يقدم سوى معلومات استخباراتية منخفضة الدرجة عندما تجسس لصالحهم، لصالح الموساد، في العراق. الآن، بعد أكثر من عقد على مغادرته بغداد، كان من غير المرجح أن يكون للمصرفي أي صلات حقيقية داخل نظام صدام.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتساءل فيها محللو الموساد عن كيفية إدارة الأمور ذات الأهمية داخل إدارة بوش.

رحلات دغان الخاصة إلى واشنطن، الإلزامية لأي مدير جديد للموساد، قد ملأت الثغرات في التقارير الواردة من الــ" كاتسا" عناصر الموساد في السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأمريكية. في اجتماعات مع أعضاء الإدارة - رجال مثل لويس ليبي، رئيس أركان تشيني، وإليوت أبرامز، المسؤول عن سياسة الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي - التقى دغان بمدافعين عما أسموه "الديمقراطية العضلية". لقد نطقوا في محادثاتهم بكلمات عربية مثل الجهاد وعبارات مثل الله أكبر ول لله الحمد. عرفوا ما قصدوه: "الجهاد" ". أخبروا داغان أن ما حيرهم هو أنهم لم يتمكنوا من فهم كيف يمكن أن يصادق الله على مثل هذه المذبحة الرهيبة التي حدثت في 11 سبتمبر.

كان داغان غير مرتاح للنقاش الديني. كان إيمانه، مثله مثل أي شيء آخر في حياته، مسألة خاصة أو شخصية. لقد تجنب السؤال بلباقة. ومع ذلك، قال لاحقًا لزملائه في تل أبيب، إنه كان مفتونًا بالطريقة التي يكتسب بها الدين مثل هذه الأهمية في إدارة بوش.

عندما عاد الرئيس بوش إلى البيت الأبيض بعد أربعة أيام من هجمات 11 سبتمبر، استقبل زائرًا مرحبًا به. كان الإنجيلي بيلي غراهام، وهو صديق قديم لعائلة بوش، قد جلس مع الرئيس المهزوز بشكل مفهوم وتحدث لفترة طويلة عن شر الإرهاب و "الغضب الصالح" كما ورد في الكتاب المقدس، والواجب تدميره.

ضرب مقطع من الكتاب المقدس على وتر حساس لدى الرئيس بوش الإبن: "هكذا قال الرب. لان الفلسطينيين انتقموا وانتقموا بقلب محتقر. لذلك هكذا قال السيد الرب ها أنذا امد يدي على الفلسطينيين. فيعلمون أني أنا الرب عندما أضع نقتي عليهم ".

أصبحت كلمات النبي حزقيال فكرة مهيمنة لجورج دبليو بوش، نداء حاشد لكل ما سيقوله ويفعله في الأشهر القادمة من أجل "الحرب على الإرهاب": تبرير هجومه على أفغانستان، ولحربه القادمة ضد العراق. كان الدكتاتور العراقي هو فلسطيني التوراة بالنسبة له. والذي قصده حزقيال، ذلك الرجل الحديدي في الكتاب المقدس، كان قد منح بوش قوة مماثلة.

في نهاية الاجتماع، أعطى غراهام بوش كتابًا مقدسًا بحجم الجيب. الواعظ الإنجيلي Evangelist الوقت الكافي للتعليق عليه، باستخدام علامات وخطوط لتسليط الضوء على جميع مقاطع الكتاب المقدس التي عززت الحق في استخدام "الغضب الصالح".

بوش، مثل بيل كلينتون والرؤساء السابقين الآخرين، لم يكن يفتقر إلى الأناجيل. لقد نشأ فيما كان يحب أن يسميه "بلد يتقي الله" - تلك الرقعة الكبيرة من الولايات الجنوبية المعروفة باسم حزام الكتاب المقدس. لا يوجد كوخ أو منزل أو قصر فخم بدون الكتاب المقدس. في مزرعة بوش بولاية تكساس، وفي مكتبه عندما كان حاكماً للولاية، وضع كتاب مقدس على طاولة بالقرب من علم الولايات المتحدة الملفوف. وبتجهيزه بالكتاب المقدس الذي قدمه له بيلي غراهام، لم يكن لدى الرئيس أدنى شك في أن الله كان إلى جانبه عندما شن حربه العالمية على الإرهاب.

كان الإيمان نظرة ثاقبة في تفكيره. جاء آخر مع اعترافه بأنه يريد بن لادن "حياً أو ميتاً". جاء المزيد من الأدلة على عقليته عندما تحدث عن "محور الشر" - إيران والعراق وكوريا الشمالية. كان لهذه العبارة دلالة كتابية توراتية قوية.

طوال عام 2002، من أجل خطاباته أمام الكونغرس وقادته العسكريين، وفي محادثاته الإذاعية الأسبوعية للأمة، وفي اجتماعاته مع قادة العالم، اعتمد بوش على مقاطع مستله من هدية غراهام المربوطة بالجلد لتعزيز الفكرة القائلة بأن الحرب على الإرهاب كانت برضا الله التام.

لقد اتخذت الحرب المقدسة - جهاد الأصولية الإسلامية - معنى جديدًا.

كما أن إصرار الرئيس بوش على أنه سيوجه ضربة استباقية ضد العراق متجذر بعمق في العقيدة الدينية للمحافظين الجدد من حوله.

في ظل تلك الخلفية من الحماسة الدينية المتزايدة، راقب الموساد التقدم الذي أحرزته واشنطن في محاولة اغتيال صدام حسين - وهي خطوة قد تؤدي إلى حرب شاملة ضد العراق.

في أوائل فبراير 2003، بعد محادثة هاتفية بين أرييل شارون والرئيس بوش، أخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي داغان أنه عرض السماح للموساد بالتورط بشكل مباشر في اغتيال صدام. على الرئيس بوش ووافق عليها هذا الأخير.

في تل أبيب، اتبعت عملية التخطيط للعملية إجراءات تمت تجربتها جيدًا. أولاً، تم فحص المحاولات السابقة لقتل صدام لفهم سبب فشلها. في السنوات العشر الماضية، كان هناك خمسة عشر هجوماً منفصلاً على الزعيم العراقي. لقد تم رعايتهم من قبل الموساد أو MI6. كان فشلهم بسبب التخطيط غير الكافي، أو تجنيد قتلة عراقيين إما تم اكتشافهم من قبل جهاز الأمن المخيف والمهول لصدام، أو ببساطة لأنهم كانوا غير قادرين على الاقتراب من هدفهم، أي صدام بما فيه الكفاية.

قام الموساد بمحاولة سابقة واحدة بنفسه، في نوفمبر 1992. اكتشف عملاؤه في العراق أن صدام كان يخطط لزيارة واحدة من عشيقاته العديدات، اللواتي كن يعشن بالقرب من تكريت. علم العملاء أن صدام كان ينوي الوصول إلى منزل المرأة عند الغسق. في اليوم التالي، سيزور قاعدة عسكرية قريبة قبل أن يعود إلى بغداد. في الدقائق الخمس عشرة المقدرة بين مغادرة فيلا المرأة ووصوله إلى القاعدة الجوية، ستكون هناك ثغرة أمنية قد يكون صدام فيها عرضة للهجوم.

تحت السيطرة الشخصية للجنرال أميرام ليفين، في ذلك الوقت نائب مدير الموساد، وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خطة قتل صدام. تحت شفرة كود اسمه Skah Atad ، فريق الاغتيال الذي تدرب لأسابيع على العملية في صحراء النقب.

تقدم تفاصيل العملية نظرة ثاقبة على دقة التخطيط. سيتم دعم فريق الموساد كيدون بأربعين عضوًا تم اختيارهم بدقة متناهية من وحدة القوات الخاصة الإسرائيلية 262 - تم زرعهم في ذاكرة إسرائيل مثل تلك التي أنقذت الرهائن في عام 1976 من مطار عنتيبي في أوغندا، الذين تم احتجازهم من قبل إرهابيين قاموا باختطافهم. في  طائرة ركاب.

باستخدام طائرتين من طراز Hercules C-130، كان القتلة يطيرون إلى العراق تحت مدى الرادار كي لايكشفهم. وعلى الأرض سوف ينقسمون. سينتقل الكيدون إلى مسافة مائتي متر من الطريق الذي يسلكه صدام من فيلا عشيقته إلى القاعدة الجوية. ستنتظر المجموعة الرئيسية على بعد حوالي ستة أميال، ومجهزة بصاروخ خاص من تطوير الموساد يتم التحكم فيه عن طريق الرادار، يُسمى ميدراس، بالعبرية تعني "خطى".

كان فريق الكيدون يستهدف صدام ويطلق النار على سيارته. وفي نفس الوقت يقوم واحد من فريق الاغتيال بإرسال إشارة إلى فريق الصواريخ يحدد فيها الإحداثيات ليطلقوا النار باتجاه هذه الإحداثيات الدقيقة التي سيوفرها كيدون - ويدمرون المركبة التي يوجد على متنها صدام حسين.

لكن أرييل شارون، وزير الخارجية حينها، ووزير الدفاع إتسحاق مردخاي أمرا بإلغاء العملية لأن مخاطر الفشل كانت عالية للغاية.

الآن، بعد ما يقرب من عقد من الزمان، وبدعم من واشنطن، لم يكن هناك مثل هذا التردد في محاولة قتل صدام.

كل صباح مع انتهاء اللون الرمادي الزاحف وبدء يوم آخر - كانت اللحظة التي علمته فيها والدة صدام حسين "الفجر الأول" - كانت شاحنة تتجه إلى أحد قصوره، حيث يقضي رئيس البلاد الذي نصب نفسه مدى الحياة آخر ليلة آمنة.

كانت الشاحنة تحتوي على جراد البحر الحي، والروبيان الطازج، وجانب من لحم الضأن ولحم البقر الطازج، وقد تم تقطيع جميع الدهون من اللحوم. كانت هناك مجموعة متنوعة من الزبادي والجبن، والزيتون المفضل لدى صدام حسين، والذي يتم قطفه من مرتفعات الجولان في سوريا. يحب أن يبصق النقاط، " هكذا قال ذات مرة لرئيس مخابراته السابق، الجنرال وفيق السامرائي.

في وقت لاحق، عندما لم يكن محبوبًا أو عندما فقد الحظوة، هرب رئيس التجسس حفاظًا على حياته، وسار لمدة أربعين ساعة براً على القدام بغية الهروب عن طريق شمال العراق إلى تركيا. كان السامرائي محظوظًا. وقتل معظم الذين عبروا هذا الطريق وفشلوا ووقعوا في قبضة صدام حسين الذي انتقم منهم  بأساليب تجاوزت غرف التعذيب في العصور القديمة. تم إدخال مدخلات السامرائي في خطة قتل صدام في أجهزة كمبيوتر الموساد.

بينما كان صدام البالغ من العمر خمسة وستين عامًا لا يزال نائمًا، ربما بين ذراعي فتاة أخرى اختارها حرسه الجمهوري لتلبية احتياجاته الجنسية الشرهة، تم تفريغ الشاحنة.

في كل قصر كان يتمركز علماء من برنامج التسلح النووي للدولة. كانوا يعملون في منطقة محظورة في قبو القصر. كان الوصول إليها فقط من خلال البطاقات الممغنطة، التي تتغير رموزها كل يوم. في الطابق السفلي كان هناك جناح يحتوي على آلة أشعة سينية قوية على غرار المستشفى. قام العلماء بتصوير كل صنف من المواد الغذائية بالأشعة السينية. كانوا يبحثون عن أي علامة على ما إذا كان قد تعرضت للتسمم أو تعرضت لإشعاع سابق.

عندما يتم اكتشاف أي شيء مريب، يخضع الطعام لمزيد من الفحوصات. أخذ الطهاة حصة صغيرة: لقمة من جراد البحر أو السمك، قطعة من اللحم، لقمة من الجبن، وملعقة صغيرة من اللبن.

تم تحضير الطعام الذي يحتاج إلى طهي. ثم تم ترتيب جميع العناصر بذوق لذوق المتذوقون المنتظرون. تم اختيارهم من بين عدد لا يحصى من جحافل السجناء في سجون العراق.

وشاهدهم أعضاء من الحراسة الشخصية لصدام، كل سجين يبتلع لقمة ويظهر فمه مفتوحا للحراس الشخصيين. ثم تمت مراقبة المتذوقين لمدة ساعة للتأكد من أنهم لم يتعرضوا للتسمم. بعد ذلك تم نقلهم إلى المختبر لسحب الدم. تم اختبار هذا للتأكد من عدم وجود أي أثر للإشعاع فيما هضموه. ثم اقتيد السجناء بعد ذلك إلى فناء في القصر وأطلقوا النار عليهم - عادة برصاصة واحدة في مؤخرة الرأس.

كانت الطلقات النارية إشارة لصدام حسين بأن فطوره والوجبات الأخرى التي يأكلها خلال النهار آمنة للاستهلاك. كانت هذه الطقوس المروعة واحدة من العديد من الطقوس التي تحكم حياته.

أي امرأة تقاسمت سريره بين عشية وضحاها تم صرفها. كان مصيرها، مثل مصير كثيرين آخرين أجبروا على النوم معه، مسألة تخمين. وحده صدام شق طريقه إلى حمام السباحة الخاص به. بالنسبة له، كان عدد اللفات تمرينًا مهمًا لتقوية النخاع الشوكي.

قبل بضع سنوات من خضوعه لعملية جراحية لانزلاق غضروفي. سبح عارياً ولم يراقبه سوى حراسه الشخصيون. لم يكن من بينهم أسرار عن إعاقاته الجسدية. كان يعرج، ولكن في الأماكن العامة كان يمشي بضع خطوات فقط قبل أن يتوقف. بالنسبة للرجل الذي يرتدي زيًا عضليًا، كان لديه حزام من الأنسجة الدهنية حول أسفل بطنه.

السباحة أولاً، ثم كانت هناك طقوس أساسية أخرى لبداية يومه. حلاقه الذي يسافر معه في كل مكان لتقليم شارب صدام ولمس الصبغة السوداء في شعره. جاءت المواد الكيميائية المستخدمة في العملية من باريس، وقد تم اختبار كل زجاجة للتأكد من أنها لا تحتوي على عامل مميت. صبغ شعره بشكل موحد لإخفاء أي أثر للشيب، ثم تم تلميع أظافره وتشذيبها باستخدام طلاء عديم اللون.

ثم تولى خزانة ملابسه الشخصية. كان الزي الرسمي لصدام مصنوعًا حسب الطلب، ومقطعًا للتأكيد على عضلات جسده. كانت عضلاته ذات الرأسين وفخذيه القويتين نتيجة سنوات المراهقة المبكرة عندما ذهب لسباق الجمال. تم تصميم سترته لإخفاء محيط الخصر المنتشر الذي فشل في إيقافه على الرغم من فترات اتباع نظام غذائي صارم.

كان هذا الغرور في رجل غاضب من الطريقة التي سمحت بها ساجدة، زوجته البالغة من العمر أربعين عامًا، بأن يكون شعرها مطلي بالحناء أقل من الكمال وكان جسدها ليس رشيقًا.

اعتنى باحتياجاته الجسدية، وكان صدام حسين جاهزًا ليوم آخر. لا أحد يستطيع أن ينكر قدرته على العمل. لم يكن من غير المعتاد عقد اجتماعات لمدة اثني عشر إلى أربعة عشر ساعة. في نهاية كل جلسة، كان يأخذ قيلولة صغيرة في غرفة مجاورة للمكتب. بعد ثلاثين دقيقة، يمكن أن يعود إلى أعلى طاولة اجتماعات جاهزًا للانخراط في جولة جديدة من المناقشات.

بدأ كل اجتماع بنفس الطريقة. درس صدام ملخصا تنفيذيا للتقارير التي تم إعدادها. في بعض الأحيان كان يطلب رؤية التقرير الكامل لفحصه عن كثب. لم يعرف أحد حول المائدة التقرير الذي سيتم اختياره للتدقيق. إذا لم يتطابق الملخص مع التقرير الكامل، فسوف يستجوب كتّاب كلاهما عن كثب. ثم يظهر بطريقة قاسية واستقصائية ردة فعله. لقد كان متنمرًا بالفطرة. كل بضع ساعات - أينما كان - كان أقرب مساعديه يعلمون أنه يجب أن يرتبوا له ليكون بالقرب من المياه نافورة، شلال داخلي، مجرى متدفق. الماء رمز للثروة والسلطة في صحراء العراق. في الوسط الشخصي لصدام - علاقاته الاجتماعية، والعادات والثقافة التي نشأ فيها - الماء شرط أساسي. في جميع مكاتبه الشخصية - لا أحد يعرف عددها المتناثر حول بغداد وخارجها - كان هناك دائمًا صوت المياه المتتالية على قرص الخلفية. كان هوس صدام بالعنف الشخصي هو الجانب الأكثر رعبا في حياته.  فهو ذو شخصية متعددة الأوجه. لقد أصبح مهووسًا بديناميكيات خلق الألم، وقضى ساعات لا تحصى في مراجعة مقاطع الفيديو لمن عذبهم ثم أعدمهم. وتراوحت أساليب القتل من دفن الضحية حيا إلى تخصص تعلمه صدام من طالبان: دق مسمار طويل في أذن أو عين الضحية حتى يصل إلى دماغه. اشتهرت غرف التعذيب الخاصة به باحتوائها على تماثيل مصنوعة من الخشب والحديد تم حبس الضحية فيها. كانت الدمى المجوفة تحتوي على أشواك موضوعة بحيث تخترق جسد الضحية. كان الخنق والدفن حياً في الصحراء أقداراً مخصصة لأولئك الذين قررعدم شنقهم بسرعة كبيرة.

تعلق صدام بالتعذيب انتقل إلى أبنائه عندما كانوا لا يزالون في سن المراهقة. تم اصطحاب عدي وقصي في زيارات أسبوعية لمشاهدة التعذيب والإعدام في سجون بغداد.

ومع ذلك، على الرغم من درع الشر الذي أحاط به نفسه، فقد كان معروفًا أيضًا أن صدام يبكي علانية بعد أن حكم بالإعدام على صديق أو قريب أو حتى صهريه. أثناء تطهير حزب البعث عام 1979 الذي منحه السلطة، وقف على المنصة وبكى علانية وهو يدين أعضاء الحزب. مع اقتياد كل رجل إلى مصيره النهئي وإعدامه، ترددت أصداء قاعة المؤتمرات بنحيبه المتضخم، الذي التقطته الميكروفونات الموجودة على المنصة. لقد كانت قطعة مسرحية مروعة.

كل هذه السمات الشخصية، وأكثر من ذلك، تمت دراستها من قبل الموساد قبل وضع خطة كانت تعد لكيفية اغتيال صدام حسين.

مرة أخرى، دارت العملية حول شهية صدام الجنسية النهمة. علم عناصر الموساد الــ " كاتسا" في بغداد أن عشيقة جديدة - زوجة لواء كان صدام قد أعدمه مؤخرا لعصيان أمر - قد تم إسكانها في فيلا على ضفة نهر الفرات. وكان صدام قد ذهب للسباحة في النهر مع حراسه الشخصيين قبل زيارتها.

استندت الخطة إلى خطة استخدمتها وكالة المخابرات المركزية ذات مرة لمحاولة قتل فيدل كاسترو. في تلك المناسبة، تم تزوير الأصداف البحرية وتزويدها أو تعبئتها بالمتفجرات وترسبت في قاع البحر قبالة كوبا، في البقعة التي كان كاسترو يحب الغوص فيها. فشلت هذه العملية لأن وكالة المخابرات المركزية لم تأخذ في الاعتبار أن التيارات البحرية القوية ستحمل القذائف خارج المنطقة.

لن يمثل النهر مثل هذه المشكلة. تم تصميم المتفجرات ليتم تفجيرها بواسطة رموت جهاز تفجير عن بعد لحظة نزول صدام وحراسه الشخصيون ليسبحوا في الماء. قبل أيام من تنفيذ الخطة، أرسلت الــ كاتسا الموسادية في بغداد إرسالًا مشفرًا قصير المدى إلى تل أبيب مفاده أن العشيقة قد انتحرت.

بعد يومين، بدأت الحرب العراقية الثانية. قدم عملاء الموساد في الصحراء الغربية للعراق وبغداد والبصرة معلومات استخبارية مهمة مكنت الطائرات الأمريكية والبريطانية من شن هجمات جوية مدمرة. وسقط آلاف القتلى والجرحى من العراقيين.

في الفترة التي سبقت الأعمال العدائية والهجمات، تعرض داغان لضغوط مألوفة. بدأ تينيت في الاتصال عدة مرات في اليوم للاستفسار عما إذا كان الموساد قادرًا على تأكيد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.

رد داغان بالطريقة التي كان يفعلها دائمًا: ليس بعد، لكننا ما زلنا نبحث. في الواقع، أصبح البحث أولوية بالنسبة إلى الــ كاتسا الموسادية ذات التغطية العميقة في العراق. لقد عملوا بشكل مستقل عن مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة، الذين عانوا من عدم نجاح مماثل - إلى حد كبير وأصيبوا بخيبة الأمل التي بالكاد كانت مخفية للرئيس بوش ورئيس الوزراء توني بلير. لقد أصبح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة منتدى لإحباطهم. كلا الزعيمين ملتزمان الآن بادعاء أنهما كانا مضطرين لخوض الحرب لحماية العالم من أسلحة الدمار الشامل.

لكن في تل أبيب، قال محللو الموساد لداغان إنه مهما كانت وكالة المخابرات المركزية وجوينت البريطانية

قدمت لجنة المخابرات (JIC) الدليل، على إنه لم يكن هناك دليل على أن صدام كان يمتلك أسلحة دمار شامل. ومع ذلك، فإن أرييل شارون، الملتزم بمزاعم واشنطن، حشد السكان المدنيين في إسرائيل وحذرهم: تم توزيع الأقنعة الواقية من الغازات على نطاق واسع. تم تكرار التحذير من هجوم كيميائي أو بيولوجي وشيك عبر الراديو. تم الإبلاغ عن الاحتياطات على نطاق واسع في الولايات المتحدة وبريطانيا، مما خلق حالة مزاجية بأن أسلحة الدمار الشامل على وشك إطلاقها. غذت الدعاية الخوف، وخلق الخوف المزيد من الدعاية.

كان هناك حديث عن توجيه ضربة استباقية بأسلحة الدمار الشامل لإسرائيل. أو قبرص، حيث كان لبريطانيا قوة كبيرة؛ أو الخليج العربي، حيث تجمعت قوة البحرية الأمريكية؛ او الكويت نقطة الانطلاق للهجوم على العراق. مع كل شائعة كان الخوف يتزايد. ولكن لم يحدث شيء. لم يتم إطلاق صاروخ واحد يحتوي على جزيئة واحدة من غاز الأعصاب أو قطرة من السم الكيميائي. في تاريخ الحرب، لم يكن هناك مثل هذا الانهيار.

بعد عشرين يومًا من بدء الحرب، انتهى القتال. ولكن بدأت حرب أخرى أكثر فتكًا من نواح كثيرة. داخل العراق، بدأ مزيج قوي من الكراهية الدينية والنفط والجشع في الاشتعال. في جنوب البلاد، بدأ شيعة عرب الأهوار يطالبون بأنهم صوت قوي في التخطيط لحرب العراق. ويلحون بمطلبهم. لقد عانوا كثيرا. وعزز ملالي طهران مطالبهم التي صدرت من مآذن مساجدهم. سافروا إلى مدينة النجف العراقية المقدسة. وقعت أولى المواجهات مع القوات الأمريكية. كان هناك المزيد من إراقة الدماء.

في شمال العراق، استعد الأكراد لاقتناص لحظة استقلالهم. جعلهم ذلك أقرب إلى الصراع مع تركيا، التي رأت أن قيام دولة كردية مستقلة أمر غير مقبول. في وسط العراق، أرادت القبائل الأخرى أن تؤخذ وجهات نظرها بعين الاعتبار عند تشكيل عراق جديد، وغدا العراق على شفا حرب أهلية.

لا يمكن تجاهل حزب البعث الذي كان يتمتع بقوة كاملة في عهد صدام. تمامًا كما حدث في ألمانيا ما بعد الحرب، تبين أنه من المستحيل استئصال الحزب النازي تمامًا من بيروقراطية البلاد، لذلك اتضح أنه مع البعثيين. كان الحزب جزءًا لا يتجزأ من هيكل ما كان عليه العراق وما كان عليه المجتمع وما يمكن أن يصبح عليه. كان يدير الشرطة والخدمة المدنية والمرافق كافة. كان من المستحيل إقالة واعتقال كل عضو في الحزب؛ كانوا الأمل الوحيد لتحريك العراق مرة أخرى.

انزلق العراق حتما، إلى حالة من الفوضى، والتي تحولت بحلول مايو 2003 إلى أنها أكثر رعبا حتى من حكم الإرهاب في عهد صدام. في غضون ذلك، أصبح البحث عن الطاغية مطاردة مرة أخرى بقيادة الموساد. كان محللوها قد وضعوا سيناريو يدين بشيء ما لإعجاب صدام باللفتة المسرحية.

وأشار المحللون إلى أن صدام أزال الصبغة السوداء باهظة الثمن من شعره وحلق شاربه وكان يرتدي زي الفلاح. كان طريقه الأكثر احتمالاً للخروج من بغداد عبر المساحات الشاسعة والمحرمة والخالية في صحراء العراق الشرقية، وكان هذا هو طريق التهريب القديم من أفغانستان الذي استخدمه تجار الحرير أولاً ثم تجار المخدرات.

في تلك الأسابيع الأولى بعد الحرب، أصبح الطريق هو الطريق المفضل للعراقيين الذين يخشون على حياتهم الآن بعد سقوط النظام.

هل كان صدام بينهم حقاً؟ لا أحد يعلم. لكن الشعور بأنه كان متجهاً إلى جبال شمال إيران. كانت هناك اقتراحات - لم تدعمها أبدًا أدلة حقيقية - بأنه سيختفي من هناك في أيدي صديقين قويين كان يعتمد عليهما من قبل، روسيا والصين. وبينما نفى كلاهما رسمياً منح صدام الملاذ، كانت سجلات دعم موسكو وبكين لصدام طويلة. إن وجود صدام الآن في أيديهم سيضمن بالتأكيد أنه لن يكشف أبدًا عن كل تفاصيل الصفقات السرية التي أبرمها مع كليهما.

لاكتشاف مكان وجوده، تم دعم عملاء الموساد من قبل أقمار التجسس الأمريكية هُم. أنتجت الكاميرات المتعددة الآلاف من الصور المقربة وتم التقاطها بشكل منفصل. تم تسجيل والاستماع لمحادثات كل دقيقة بين اللاجئين عبر الرمال. ولكن لا تزال هناك مشكلة قديمة في تحليل البيانات وتفسيرها. كان مجتمع الاستخبارات الأمريكية لا يزال يعاني من نقص شديد في المترجمين. لكن المطاردة استمرت.

ثم، في مايو 2003، حول مئير داغان العديد من رجال الــ كاتسا في محاولة لتعقب صدام إلى تهديد أكثر أهمية لإسرائيل. على الرغم من يقظة الشاباك، قام انتحاريان متطرفان بريطانيان المولد بشن هجوم انتحاري على نادٍ في تل أبيب. قُتل ثلاثة وجُرح خمسون. وقد تغلبت المتفجرات التي استخدموها على أكثر عمليات التفتيش الأمنية صرامة في المطارات وشركات الطيران. كانت أكثر فتكًا من السيمتكس Semtex؛ يمكن تهريبها دون أن يتم اكتشافها من دولة إلى أخرى، ومن خلية إرهابية إلى أخرى. بالنسبة للمجموعات الإرهابية الثمانين المدرجة على حواسيب الموساد، قلب هذا السلاح الميزان مرة أخرى لصالح الإرهابيين.

بعد أسبوع من التحقيق المكثف من قبل كيميائيين في المركز الإسرائيلي لأبحاث الأسلحة في إحدى ضواحي تل أبيب، تم اكتشاف صفاته الفتاكة وبلد المنشأ. أرسل الوحي موجة صدمة جماعية عبر مجتمع الاستخبارات العالمي. وخلص الخبراء الإسرائيليون إلى أن المتفجرات تم تصنيعها في مختبرات أبحاث الأسلحة التابعة لشركة ZDF، أحد مقاولي الدفاع العسكري الرائدين في الصين.

جاء التلميح الأول عن عمل الصين على نوع جديد من المتفجرات في مارس 2001، عندما انشق منشق صيني رفيع المستوى، وهو الكولونيل شو يون بينغ من جيش التحرير الشعبي وأحد الاستراتيجيين العسكريين البارزين في البلاد، إلى الولايات المتحدة، حيث تم استجوابه شخصيًا من قبل مدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت. كانت عملية استخلاص المعلومات مهمة للغاية لدرجة أن الرئيس بوش سمح لكوندوليزا رايس بالجلوس فيها والاستماع ىللاستجواب.

شرح شو بالتفصيل العمل الذي تم إنجازه لصنع المتفجرات في معامل ZDF الواقعة على بعد أربعين ميلاً إلى الغرب من بكين. كما كشف كيف ساعدت الصين سرًا دولًا مارقة مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية. والأكثر أهمية من ذلك كله، أنه أوجز اتصالات الصين مع الجماعات الإرهابية من خلال أجهزتها الاستخباراتية القوية، وإدارة المخابرات العسكرية (MID) وقسم العلوم والتكنولوجيا (STD). يعمل كل من الوكالتين على مستوى العالم، ويعمل بهما حوالي خمسة آلاف وكيل ميداني ومحلل دفاعي. وهي مدعومة بالمراقبة عبر الأقمار الصناعية وأحدث المعدات. قال شو لـ CIA. كان هذا الجزء من عمل الخدمتين هو الحفاظ على الاتصال بالجماعات الإرهابية ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا في الفلبين وكمبوديا وسريلانكا.

ولكن ما أدهش وكالة المخابرات المركزية هو ما كشفه شو عن اتصالات استخبارات صينية في كولومبيا مع منظمة فارك المتمردة، وفي إسبانيا مع إيتا ، وفي بيرو مع منظمة مسار ساطع.

الآن، بعد عامين من الكشف عن شو، كانت أجهزة المخابرات تستعد لمواجهة هذا السلاح الأخير المفضل للإرهابيين.

أكد الموساد أن الانتحاريين البريطانيين قد قاما بتهريب متفجراتهما من داخل الأردن. بعد أن وصلت إلى هناك من باكستان، التي تتمتع أجهزتها الاستخباراتية بصلات طويلة ووثيقة مع الصين.

كان عملاء الموساد يعرفون ذلك بالفعل في الأشهر التي سبقت الهجمات على البرجين التوأمين والبنتاغون، من باكستان قام أسامة بن لادن بثلاث زيارات منفصلة إلى بكين. في كل مرة كان يرافقه سفير الصين في ذلك البلد ورئيس جهاز المخابرات الباكستاني القوي PIS. لقد ذهب لتنظيم عقد دفاع لطالبان بقيمة مليار دولار.

نعتقد الآن أنه خلال تلك الزيارات تم تقييمه للتقدم مع هذا السلاح الجديد من المتفجرات العصية على الكشف. وقال مصدر رفيع في الموساد في تل أبيب للكاتب على أن هناك "احتمالًا قويًا جدًا" لتزويد القاعدة بكمية من المتفجرات - تم تسليم جزء صغير منها إلى الانتحاريين البريطانيين. هذا يأخذ الإرهاب إلى بعد جديد. لقد كان حكمًا لم يكن بعيدًا عن أفكار داغان حيث استمر في قيادة الموساد في الألفية الجديدة.

أثار الفشل في تحديد مكان صدام أو اكتشاف ما إذا كان قد مات غضب آرييل شارون وتوني بلير وجورج دبليو بوش. ظاهريًا، قالوا إنه لا يهم، أن صدام لم يعد يمثل تهديدًا. لكن قلة هم الذين اعتقدوا أن بوش، على وجه الخصوص، سيرغب في إنهاء الحرب قبل أن يتمكن من الإعلان عن أن حاجته الكبيرة لتغيير النظام في العراق التي ستكتمل بالموت الفعلي لصدام. ولكن سرعان ما اتضح إنه لم يكن اختفاء طاغية هو الذي يطارد جورج بوش وتوني بلير. بل كان الفشل في تحديد مكان أية أسلحة دمار شامل. أمر بوش مئات من عملاء وخبراء وكالة المخابرات المركزية بالعثور على أسلحة دمار شامل. فتشوا وفتشوا. في لندن، أصر توني بلير على أن الأسلحة كانت موجودة، وأنه قد تم إخباره بوجود ثمانمائة موقع لم يتم فحصها بعد في صحاري العراق.

ومع ذلك، بدت الحقيقة خلاف ذلك على نحو متزايد. قال وزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك، الذي استقال بسبب الحرب، وكلير شورت، الوزيرة السابقة في حكومة بلير، إن بلير كذب على البرلمان وعلى الشعب البريطاني عندما قال إن أسلحة الدمار الشامل موجودة.

بحلول يونيو 2003، كان بلير يناضل من أجل مصداقيته ومستقبله السياسي. في واشنطن، أعلن الكونجرس أنه ستكون هناك جلسة استماع عامة في هذه المسألة. لا أحد يعتقد بجدية أن كل الحقيقة ستظهر أخيرًا. لكن في الوقت الحالي، كان هناك حديث عن فضيحة يمكن أن تتحول إلى ووترغيت أخرى. تذكر المعلقون أن والد بوش نفسه انتصر في الحرب العراقية الأولى، لكنه خسر الرئاسة أمام بيل كلينتون بعد ذلك بوقت قصير.

في تل أبيب، أبقى مئير دغان الموساد بعيدًا عن الأزمات المتفاقمة في لندن وواشنطن.

عندما وردت مكالمات من وكالة المخابرات المركزية وMI6 للحصول على أي مساعدة يمكن أن يقدمها، تمسك بنفس القصة: سيواصل الموساد البحث. لا أكثر ولا أقل. في ديسمبر 2003، انتهت مطاردة صدام أخيرًا. وللمفارقة، تم أسره بسبب مطالب امرأة لا يزال يثق بها: سميرة شهبندر، الثانية من زوجاته الأربع.

في 11 كانون الأول (ديسمبر)، اتصلت بصدام من مقهى إنترنت في بعلبك بالقرب من بيروت. حيث تعيش هي وابنها الوحيد الباقي على قيد الحياة، علي، بأسماء مستعارة في لبنان بعد مغادرة بغداد قبل بضعة أشهر من بدء الحرب.

سميرة، التي جاء شعرها الأشقر المجعد من نفس شركة منتجات الشعر الفرنسية التي زودت صدام بصبغة شعره، كانت المرأة المتزوجة التي أصبحت عشيقته أولاً ثم زوجته.

في بداية الخطوبة، تزوجت سميرة من طيار في سلاح الجو العراقي. صدام بكل بساطة

خطفه وقال إنه سيطلق سراحه فقط إذا وافق على طلاق سميرة. وافق الزوج. في المقابل، تم تعيينه رئيسًا للخطوط الجوية العراقية - وتم تزويجه من إحدى عشيقات صدام المنبوذات.

وتزوجت سميرة بصدام، وأصبحت المفضلة لديه، رغم أنه تزوج زوجتين أخريين وعشرات من العشيقات.

توطد الزواج بميلاد علي. أدى وصول الطفل إلى تعميق كراهية ابنا صدام الاكبر عدي وقصي تجاه سميرة. لكن بحلول كانون الأول (ديسمبر)، لقي الاثنان حتفهما بعد تبادل لإطلاق النار مع القوات الخاصة الأمريكية.

في وقت سابق، في مارس 2003، مع اقتراب قوات التحالف من بغداد، رتب صدام لفرار سميرة وعلي إلى لبنان. أخذت معها مبلغ 5 ملايين دولار نقدًا وجذعًا من سبائك الذهب من خزائن البنك المركزي العراقي.

أخبرت أصدقاءها أنها كانت ذاهبة إلى فرنسا أولاً ثم إلى موسكو، مدعية أن صدام كان كذلك

وعدها سراً بأن فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، وعد صدام بأنه سيوفر لها ملاذًا آمناً.، ذهبت إلى مخبأ مُعد مسبقاً، عبارة عن فيلا في ضواحي بيروت.

كان هناك اكتشفها الموساد في نوفمبر 2003. أرسل مئير داغان فريقًا من متخصصو المراقبة من وحدة yaholomin التابعة للخدمة لمتابعة كل خطوة تقوم بها سميرة.

اكتشفوا أن الحكومة اللبنانية قد زودتها هي وعلى بجوازات سفر لبنانية وهويات جديدة. سميرة سميت "هديجة". لكن علي، الذي لديه نفس أعين والده، أصر على أنه سيحتفظ باسم عائلة حسين.

لاحظ فريق الموساد أن سميرة حولت معظم أموالها من لبنان إلى حساب بنك كريدي سويس في جنيف. في الماضي، كان البنك مستودعا لجزء من ثروة صدام.

في أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2003، صرفت سميرة سبائكها الذهبية بالدولار الأمريكي بأموال بيروت

تاجر. ثم بدأت في الاتصال بصدام. وبدعم من طائرات الاستطلاع التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، اكتشف ياهولمين yaholomin أن المكالمات تتم من داخل سوريا المحاذية للعراق. "كانت المكالمات حنونة وشغوفة. وقال مصدر رفيع في الموساد في تل أبيب بعد القبض على صدام "كان من الواضح أنه لا تزال هناك علاقة وثيقة وحميمية بينهما". هل يمكن لواحد من أكثر الطغاة مكروهًا في العالم - رجل أمر شخصيًا بالتعذيب المروع لآلاف عديدة، بما في ذلك النساء والأطفال – هل يمكنه أن يتحدث عن الحب، وقد أذهل فريق الموساد وأثار اشمئزازه.

ولكن إلى جانب الحبس، سمع المستمعون أيضًا، من خلال أجهزتهم الإلكترونية، أن سميرة تريد المزيد من المال.

مرارًا وتكرارًا، في مكالمات أخرى في كانون الأول (ديسمبر) - تم توجيه كل واحدة إلى رقم مختلف حدده فريق ياهولومين على أنه ذاهب إلى منطقة في الرمال المقفرة بوادي الميرة، بالقرب من الحدود السورية مع العراق - كررت سميرة طلبها من اجل المال.

لم تفقد سميرة، وهي ابنة عائلة ثرية أرستقراطية من بغداد، ذوقها وعيشها حياة جيدة. خلال زواجهما، أمطرها صدام بالهدايا، بما في ذلك قصرين.

عرف الإسرائيليون أنه عبر الحدود في العراق، كانت القوات الخاصة الأمريكية تتجول صعودًا وهبوطًا على الحدود بحثًا عن صدام. كان عملاء إسرائيليون آخرون على الجانب السوري من الحدود قد سمعوا حديثًا لاسلكيًا بين الوحدات - المعروفة باسم فرقة العمليات الخاصة المشتركة الأمريكية المشتركة 121 - أثناء قيامهم أيضًا بمحاولة تعقب صدام. وضمت القوة أعضاء من قوة دلتا، ورينجرز الأمريكية، و SAS البريطانية وخدمة القوارب الخاصة، و SAS الأسترالية. قال مصدر مقرب من مئير داغان للكاتب: "لأسباب سياسية، لم نتلق دعوة رسمية للانضمام إلى مجموعة المطاردة هذه للقبض على صدام حسين".

الموساد - ليس للمرة الأولى - قرر أن يحتفظ لنفسه بالمعلومات التي كان يجمعها من مراقبة سميرة.

ثم، في يوم الخميس 11 ديسمبر 2003، ألتقط فريق ياهولومين محادثة بين سميرة والرجل الذي كانوا على يقين من أنه صدام. قال لها إنه سيلتقي بها بالقرب من الحدود السورية. كانت تفاصيل الاجتماع كافية لدفع الإسرائيليين أخيرًا إلى تنبيه واشنطن.

بينما كانت سميرة تستعد للذهاب إلى موعدها، تلقت مكالمة ثانية. تم إلغاء الاجتماع. لأن المكالمة لم تأت من صدام.

بحلول ذلك الوقت، ظهر لاحقًا، أن صدام حسين كان مختبئاً داخل حفرة يبلغ عمقها ثمانية أقدام في ضواحي تكريت، مسقط رأسه في العراق. سمعت سميرة وعلي نبأ القبض عليه عبر الراديو. أجهشت بالبكاء. رد فعل علي غير معروف.

في تل أبيب، كان محللو الموساد - مثل جميع أجهزة المخابرات الرئيسية - يدققون في مقطع الفيديو الذي أظهر صورة صدام التي لم يسبق للعالم رؤيتها من قبل. وكجزء من عملهم، بدأ محللو الموساد في طرح أسئلة مثيرة للاهتمام. من هما الرجلان المجهولان المسلحان ببندقيتي AK-47 اللذان كانا يحرسان الحفرة؟ هل كانوا هناك لحماية صدام - أم قتله إذا حاول الهرب؟ لماذا لم يستخدم صدام مسدسه في الانتحار - ويصبح الشهيد الذي طالما تفاخر بأنه سيكون؟ هل كان الجبن هو الذي أوقفه - أم أنه كان يتوقع عقد صفقة؟ هل سيكشف الحقيقة ليس فقط بشأن أسلحة الدمار الشامل، ولكن أيضًا بشأن صفقاته مع روسيا والصين، اللتين شجعه دعمهما السري على الاستمرار في مواجهة الولايات المتحدة؟ كان في حفرة اختبائه فتحة واحدة فقط. تم تطويقه. ولم يكن بإمكانه الهروب من تلك الحفرة.

هل كان في الواقع سجن؟ هل كان محتجزا هناك كجزء من الصفقة؟ ما الفائدة التي يجب أن تُستفاد من العثور على مبلغ 750 ألف دولار من فئة 100 دولار الموجودة بحوزته؟ هل كان هذا مخصصا لسميرة؟ أم أنها دفعة لمن يساعده على الهروب؟ لماذا لم يكن لديه معدات اتصالات؟ حتى أنه لم يتم العثور على هاتف خلوي بحوزته. هل يشير كل هذا إلى أن فلول أتباعه قد اعتبروه قوة مستهلكة، وأنهم مستعدون لمقايضته مقابل حريتهم؟ قد يفسر ذلك سبب حديثه وتعاونه عندما أخرجه آسروه، مما أدى إلى إنهاء حكمه الرهيب الذي دام خمسة وثلاثين عامًا بهذه الطريقة الدرامية.

شكلت الإجابات على هذه الأسئلة جزءًا من الاستجواب الذي كان صدام حسين على وشك الخضوع له.

بعد ساعات من خروجه من جحره، تعرض صدام للفحص المشترك من قبل الأطباء النفسيين وعلماء النفس وعلماء السلوك والمحللين النفسيين في جهاز المخابرات الأمريكية والبريطانية. هم انهم المعروفين باسم "المتخصصين أو الخبراء". لقد درسوا مقطع الفيديو الخاص بالفحص الطبي لصدام. لم يكن البحث داخل فمه فقط للحصول على مسحة من الحمض النووي، ولكن لمعرفة ما إذا كان لدى صدام قرص انتحار في أحد أسنانه الخلفية. لم يتم العثور على شيء.

وخلص المتخصصون إلى أن هذا دليل آخر على أن صدام لم يكن يمثل خطرًا أو إنه سوق يقدم على الانتحار. ومع ذلك، كان يرتدي بدلة برتقالية من قطعة واحدة. كانت تحتوي على أزرار ألياف تذوب إذا حاول ابتلاعها. كانت قطعة قماش البدلة قوية جدًا بحيث لا يمكن تمزيقها لتشكيل حبل المشنقة لشنق نفسه. كانت قدمه مغطاة بأحذية من الألياف اللينة لا يمكن كسرها.

كانت زنزانته تخضع لمراقبة الكاميرات والحراس باستمرار. تمت ملاحظة كل تحركاته واستخدامها لتقييم قدرته على تحمل الاستجواب الذي يواجهه الآن. بلغة الاختصاصيين الباطنية، لم يسمح صدام لهم بمعرفة "فقدان حدوده الشخصية للتأثير على غروره الجماعي". لم يعد صدام ذلك الرجل الذي يظهر في شريط الفيديو الذي يظهر أسره: كان مرهقاً ومثقلاً باليأس، رأيناه فجأة تجاوز سن السادسة والستين، ونظرة مرعبة في عينيه. وخلص المتخصصون إلى أنه شعر بعد ذلك بـ "الغباء" عند القبض عليه. هذا من شأنه أن يفسر "حديثه القهري" إلى خاطفيه الجنديين. كان لإخفاء خوفه شبه المشلول من جره من جحره. قال المختصون للمحققين: "ربما كان يتوقع إطلاق النار عليه في الحال". بعد ذلك، خضع لتحول نفسي ملحوظ. عاد لغطرسته. لم تعد عيناه مملة أو شفتيه مرتخيتان جراء فترة الاختباء الطويلة في جحره. لقد اختفت هذه العلامات. حلت محلها حالة من التبجح والاختيال والتباهي.

كل هذا ساعد المحققين على التخطيط لكيفية كسره. كان مركز استجوابه مضادًا للصواريخ وتحرسه نخبة من القوات الخاصة الأمريكية. كان لديه منشأة طبية مع الأطباء في الخدمة باستمرار.

على أمل إثارة بعض الرد، اصطحب طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي السابق لمقابلة صدام. كان عزيز في سجن خارج مطار بغداد. تم نقله بطائرة هليكوبتر لمواجهة صدام وحثه على التحدث. بدلا من ذلك، انفجر صدام واصفا عزيز بالخائن.

بحلول الوقت الذي بدأ فيه المحققون استجواب صدام، كانت صلاته بالعالم الخارجي كذلك مقطوعة تماما. لم يكن لديه فكرة عن الوقت أو التاريخ. لم يكن هناك شيء مثل النهار أو الليل في عالمه.

تم تعطيل الأنماط العادية من الاستيقاظ والنوم وأوقات الوجبات بشكل متعمد. لن يكون هناك تعذيب جسدي. لكنه بدأ يتلقى ما يسمى "المعاملة القسرية الكاملة". لم يستهين المحققون بتحديهم.

يمثل صدام تحديا فريدا. إنه رجل رأى نفسه متفوقًا أخلاقيًا وروحيًا وفكريًا على العالم الغربي. قد يشمل العلاج القسري الجلوس لساعات مع غطاء على رأسه لزيادة عزلته. طوال الوقت، كانت الأسئلة مصممة لزيادة الغضب في ذهنه من التعرض للخيانة. بالنسبة لشخص مثل صدام، سيكون من الصعب التعامل مع الخيانة. المواجهة مع طارق عزيز كانت جزءًا من ذلك. كان المحققون سيخبرون صدام أن عزيز كان يبحث عن موقع الرجل رقم واحد في النظام بعد إطاحته. قال مايكل كوبي، المحقق الذي استخدمه الموساد لسنوات، كان بإمكان صدام أن يفعل الشيء نفسه من خلال الكشف عما يعرفه - وهو أمر عظيم. لا شيء سيهز صدام أكثر من معرفة الحقائق التي كان يعتقد على مدى سنوات أنها لم تعد صالحة.

قال كوبي للمؤلف "سوف يهاجم إحساسه بالأهمية وشعوره بقيمته وسيفكر أكثر في الكذب لأنه قد يكونوا قد نصبوا له فخاً". جزء من الاستجواب سيكون رؤية صدام وهو يرد بلغته الخاصة. في اللغة العربية، يمكن أن يكون لبعض الكلمات معاني مختلفة للغاية. وأضاف كوبي "إذا اختار استخدام كلمة غير صحيحة، فسيظهر المحققون أنهم يعرفون المعنى الصحيح".

بعد كل استجواب - قد يستمر لساعات عديدة، مع طرح الأسئلة وذهابها - سيتم تقييم صدام من قبل المتخصصين. كانوا يتطلعون لمعرفة كيفية رده على أسئلة معينة. هل كان يكذب؟ تستر؟ هل رمشات العين التي تم التقاطها بالكاميرا تشير إلى خوف مفاجئ؟ أم كانت الغطرسة أو حتى اللامبالاة؟ يعيش الكوبي اليوم في مدينة عسقلان قرب قطاع غزة المحتل. كان يعرف بالضبط كيف كان المحققون وفريق المختصين الداعمين لهم يعملون على صدام.

أول شيء فعله المحققون هو فرض تفوقهم على صدام. لإزالة إيمانه بضبط النفس. في كل مرحلة كانوا يبحثون عن نقاط ضعفه. ويشمل ذلك اللعب على فقدان صدام للسلطة واللامبالاة بمصير عائلته. كان المحققون يكذبون عليه. كانوا يجبرونه على البقاء على اتصال بالعين والنظر إليهم أثناء الضغط عليه بأسئلتهم. عندما كان يحاول أن ينظر بعيدًا، كما كان ملزمًا بالنظر إليهم، استمروا في التحديق عليه بصمت. صدام لن يعتاد على هذا. قال كوبي: "سيكون الأمر مزعجًا بالنسبة له لتجربة مثل هذه المعاملة".

من وقت لآخر، كان المحققون يطرحون أسئلة مع علمهم بأن صدام لا يستطيع الإجابة. ماذا كان يحدث في واشنطن ولندن في الفترة التي سبقت حرب العراق؟ أين كان في تاريخ معين؟ عندما لا يستطيع الإجابة، سيتم اتهامه بالتستر. وإخفاء الحقائق.

"بعد فترة، سينزلق سؤال ليتمكن من الإجابة. إذا قام المحققون بعملهم الأساسي بشكل صحيح، فسيكون سعيدًا بالإجابة عليه. ثم تنتقل الأسئلة إلى أسئلة أخرى يريدون منه أن يجيب عليها، "قال كوبي.

"وسيلة أخرى لكسر نفسه هي تقديم الإغراءات البسيطة. إذا أجاب صدام عن سلسلة من الأسئلة، فسيتم وعده بالنوم دون انقطاع. وربما تغيير في نظامه الغذائي الخاضع للمراقبة بعناية. لكن دائما لن يتم الوفاء بالوعود. وأعقب ذلك المزيد من الوعود بأنه إذا استمر في التعاون، فسيتم الوفاء بها " وهكذا، أوضح كوبي.

في يناير / كانون الثاني 2004، زاره فريق من الأطباء التابعين للصليب الأحمر الدولي. أعلنوا أنه كان يعامل معاملة عادلة.

ستستمر الألعاب الذهنية المميتة حتى اقتنع المحققون والمتخصصون بأنه لا يمكن انتزاع أي شيء من صدام حسين أكثر من ذلك. ثم ترك لمصيره.، كان سيعرف بحلول ذلك الوقت، ما لا يمكنه أن يتوقعه.

في غضون ذلك، انضم الموساد إلى أجهزة استخبارات أخرى في البحث عن ثروة صدام المفقودة. بحلول كانون الثاني (يناير) 2004، أثبت فريق مئير داغان من الوكلاء المدربين ماليًا، والذين عمل بعضهم في مدينة لندن وول ستريت قبل الانضمام إلى الخدمة، أن مصرفي ملكة إنجلترا، كوتس لندن، كان واحدًا من ثمانية عشر بنكًا بريطانيًا. اعتاد صدام حسين إخفاء ثروته البالغة 40 مليار دولار فيها خلال الثمانينيات.

وقد سرق الجزء الأكبر من تلك الأموال من البنك المركزي العراقي، وتم تحويله إلى بنوك في الشرق الأوسط، ثم إيداعها بأسماء مستعارة في بنوك لندن. في وقت لاحق، تم تحويل الأموال إلى بنوك في سويسرا وألمانيا واليابان وبلغاريا.

قال كريستوفر ستوري، المستشار المالي السابق لرئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في الوقت الذي كان صدام يهدر ثروته، قال: "أي تحويل قادم من بنك لندن كان من المفترض أن يكون شرعيًا". ستوري، الرجل الإنجليزي المثالي ببدلاته المخططة من Savile Row وأحذيته المخصصة، هو سلطة معترف بها على الازدواجية المالية للزعيم العراقي، وعلاقته الوثيقة مع البنوك الكبرى في العالم. يحرر ستوري، وهو رجل إنجليزي مقتضب، مجلة مصرفية مالية مرموقة، هي International Currency Review. يشمل المشتركون فيها البنك الدولي، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبنك إنجلترا.

جمع ستوري وثائق تظهر أن روبرت ماكسويل، الملياردير المشين الذي كان يمتلك في يوم من الأيام مجموعة صحيفة لندن ديلي ميرور ، رتب لغسيل مليارات الدولارات من خلال البنوك البلغارية إلى بنك نيويورك. ثم امتلكها إدموند صفرا، المعروف باسم "ممول المافيا". توفي في حريق غامض في شقته في موناكو عام 1999. وقتل ماكسويل على يد عملاء الموساد عندما هدد بالكشف عن أسرار المخابرات الإسرائيلية.

إذا تخلى صدام عن جميع أسماء أولئك الذين ساعدوه وكشف عنها، فسيحدث ذعر أكبر من أي انهيار في وول ستريت. لا يزال العديد يشغلون مناصب رفيعة اليوم. من المستحيل أنهم لم يعرفوا ما الذي كان يجري مع صدام. قال ستوري: "كان ينقل مبالغ ضخمة من المال حتى عشية الحرب".

حتى الآن لم تروى قصة كيف بدأ صدام حسين في حشد أكبر ثروات خاصة في العالم عندما أقلعت طائرة خاصة من لندن إلى بغداد في عام 1982. أثناء الرحلة التي استغرقت خمس ساعات من لندن، راكبها الوحيد هو الممول تايني رولاند، وضع ملعقة كافيار بيلوغا في فمه ومن الخمر رشف شمبانيا كروغ. كان هذا هو نظامه الغذائي المعتاد في رحلة عمل في طائرته الخاصة Learjet. وقد أرسل له صدام حسين الأطباق الشهية من بغداد.

لم تكن هذه رحلة عادية في ذلك اليوم الصيفي من عام 1982، حتى بالنسبة للرجل البالغ من العمر ثمانية وستين عامًا

فهو ممول ذو سمعة مخيفة باعتباره مفترسًا لرؤوس الأموال في مدينة لندن، وفي وول ستريت، وفي أسواق الأوراق المالية في أوروبا. يجلس على كرسي بذراعين مصنوع يدويًا من الجلد البني على متن طائرته المخصصة، وقدميه على سجادة فاخرة وباذخة سعر القدم المربع 150 دولارًا، رولاند دبليو رولاند - الاسم الموجود على بطاقات العمل المنقوشة بالذهب - قد قطع شوطًا طويلاً بالفعل من حيث ولد عام 1917 في معسكر اعتقال بريطاني في الهند.

كان نجل تاجر ألماني يدعى فريتز فوهروب. كانت والدته ابنة أحد أعمدة الراج الإنجليزي الذي تبع زوجها في الاعتقال. بعد إطلاق سراحهم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وصفته مربية رولاند الهندية بأنه "صغير". على الرغم من أنه سيبلغ طوله ستة أقدام، إلا أن هذا اللقب ظل عالقاً به والآن صار هو الرابط الوحيد مع ماضيه - تلك الأيام التي حفر فيها مراحيض للجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك كان حمالًا في محطة سكة حديد بادينغتون في لندن.

لقد غذت تلك البدايات المتواضعة تصميمه على الانضمام إلى صفوف الأغنياء والأقوياء. باع سيارات وثلاجات مستعملة في لندن بعد الحرب. ومع مرور الوقت الذي كان فيه في الثلاثين من عمره، كان مليونيراً. بدأ بتجارة الذهب في جنوب إفريقيا. ثروته نمت بسرعة. تم تعيينه "لفرز" شركة مريضة تسمى London and Rhodesia Mining and Land Corporation - Lonhro. جعلتها شركته شركة Rowland أقوى شركة تجارية في جميع أنحاء إفريقيا. جعلت صفقاته في النحاس والقصدير والمعادن الأخرى منه محببًا لأصحاب الأسهم في Lonhro.

لم يشكوا في كيفية دفع رولاند للورد دنكان سانديز، صهر ونستون تشرشل. باستخدام حساب سري في جزر كايمان، أي الفراديس المالية غير الخاضعة للضرائب والمراقبة، أعطت شركة رولاند نظيرها 500000 دولار لمساعدتها في شراء أكبر منجم ذهب في غانا. عندما غرق دنكان سانديز في فضيحة جنسية، قتله حذر رولاند - رافضًا إرسال "حتى باقة من الزهور" إلى جنازته في عام 1987.

لم يُسمح لأي شخص، مهما كان ثريًا وذو علاقات جيدة، بتوريط Tiny Rowland. لقد اعتز بصورته باعتباره الرجل الإنجليزي المثالي. فقط في دائرة صغيرة من الأصدقاء اليمينيين، كشف عن معاداته للسامية وازدراءه للطريقة التي تدار بها بريطانيا.

سمح تايني رولاند، الذي كان بالفعل مليونيرا، بكراهيته للاشتراكية، بالظهور خلال الأزمة البريطانية مع روديسيا (زيمبابوي الآن) بسبب تصميمها على تحدي حكومة ويلسون على الحكم الذاتي. تم فرض عقوبات على ما أسماه رئيس الوزراء هارولد ويلسون "هذه الدولة المنبوذة". اتضح فيما بعد أن رولاند حطمتهم. ولكن بحلول ذلك الوقت، أصبحت هي القائدة.

كانت تاتشر في داونينج ستريت ولم تتم متابعة الأمر. بحثت شركة تايني عن حقول جديدة لغزوها. اشترى تايني رولاند الأوبزرفر، إحدى الصحف الصادرة بلندن يوم الأحد، وحاول استخدامها لدعم مصالحه التجارية في إفريقيا. بعد ذلك، استعان بتاجر الأسلحة السعودي سيئ السمعة عدنان خاشقجي للتوسط في صفقة مع العقيد القذافي لشراء سلسلة فنادق متروبول مقابل 150 مليون دولار.

كانت قدرة رولاند على استخدام أي شخص لتعزيز مصالحه الخاصة قد دفعت في وقت سابق رئيس الوزراء البريطاني آنذاك تيد هيث إلى انتقاده باعتباره "الوجه غير المقبول للرأسمالية". تجاهل تايني رولاند ذلك بنفس الطريقة المستعصية التي طرد بها الممولين الآخرين الذين جاؤوا إليه بصفقات. فضل العمل بمفرده، وألا يتقاسم أرباحه مع أحد - باستثناء قططه السيامية. كان يطعمهم كل يوم نفس الكافيار الجيد الذي تناوله في طائرته الخاصةLear jet أثناء توجهها إلى العراق في ذلك اليوم من شهر يونيو من عام 1982.

كانوا يلتفون عند قدميه بينما كان يعمل في مكتبه يعد أكبر انقلاب له حتى الآن – فقد صار مكلفاً بإخفاء ثروة صدام حسين.

عندما وصل صدام إلى السلطة، تم الترحيب بتعاطفه مع الغرب في لندن وواشنطن. ورأت حكوماتهم، إلى جانب حكومتي فرنسا وألمانيا، الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية للعراق ضد التهديد الذي يلوح في الأفق الذي تشكله إيران. أصبحت بغداد سوقا واسعا لعواصم الغرب.

كانت الرشاوى الضخمة لتأمين العقود شائعة. تم اختلاسه فقط من قبل الرئيس العراقي ووضعت في حسابات صدام حسين خارج العراق.

تدفق المزيد من الأموال هناك لخفضه من الصفقات لبناء الطرق السريعة والمستشفيات والمدارس. إذا كان أي شخص يشك، فلا أحد يهتم.

نشأت علاقة صدام مع رولاند من السرقة المذهلة لثروة شاه إيران الشخصية البالغة 3 مليارات دولار. في عام 1979، مع اقتراب آيات الله من الاستيلاء على السلطة في إيران، عقد أكثر مساعدي الشاه ثقةً اجتماعات سرية مع مدير البنك المركزي العراقي. كان رولاند بمثابة الوسيط، وبناءً على نصيحته، وافق الشاه على تحويل ثروته إلى بغداد إلى البنك المركزي العراقي، بعيدًا عن متناول آيات الله. تلقت رولاند "رسوم المناولة" بنسبة 15 بالمائة.

في صفقة ثانية وضعت الأساس لثروة صدام حسين، قام الطاغية العراقي، الذي كان بالكاد في السلطة لمدة عام، بتحويل الأموال من البنك المركزي في العراق إلى حساباته المرقمة مع Credit Suisse في سويسرا وبنك جزيرة كايمان. رتبت شركة رولاند ذلك، حيث تلقت رسومًا أخرى للمناولة. انتهى الأمر بالشاه المخلوع والمحتضر في واشنطن. طلب من حكومة الولايات المتحدة المساعدة في استعادة ثروته المسروقة. لم يلق نداءه آذاناً صاغية. تغيرت خارطة الطريق في الشرق الأوسط مرة أخرى. كانت واشنطن تدعم العراق علانية ضد إيران.

كل هذا وأكثر، ما حصل عليه فريق الموساد الذي تأسس أثناء بحثهم عن ثروة صدام في شتاء عام 2004. لقد تحدثت إلى ضباط المخابرات في لندن وواشنطن وتل أبيب الذين وصفوا وثائق أخرى تكشف عن مدى شبكة رولاند السرية التي تم إنشاؤها.

تُظهر إحدى وثائق الموساد كيف استخدم رولاند أحد مصارفه في لندن لتقديم تسهيلات لتاجر الأسلحة العراقي إحسان باربوتي لإيداع 500 مليون دولار من أموال صدام. في لندن ، ساعد باربوتي ليبيا على بناء مصنع للأسلحة الكيماوية. عندما توفي فجأة - يعتقد على نطاق واسع أنه ضحية أحد قتلة صدام حسين - تم تحويل الأموال من بنك لندن إلى البنك المركزي الليبي.

وتوضح وثيقة أخرى كيف ذهب نجل صدام عدي إلى جنيف عام 1998 "لتسوية بعض الأموروالمشاكل مالية "مع البنوك السويسرية التي كانت جزءًا من شبكة غسيل الأموال التي أنشأتها رولاند.

عشية الحرب العراقية الثانية، برفقة وزير المالية العراقي حكمت مزبان العزاوي (المحتجز الآن لدى الولايات المتحدة)، ذهب نجل صدام قصي إلى البنك المركزي العراقي برسالة مكتوبة بخط اليد من والده يقول فيها إنه مخول لسحب مليار دولار من خزائن البنك المركزي. تم تحميل الأموال على قافلة من الشاحنات. تظهر صور الأقمار الصناعية الأمريكية القافلة متجهة إلى الحدود السورية. وعثرت القوات الأمريكية في وقت لاحق على 656 مليون دولار من الأوراق النقدية داخل 164 صندوقا من الألمنيوم تحت أرضية أحد قصور صدام، بالإضافة إلى 100 مليون يورو في سيارة مصفحة. بحلول ربيع عام 2004، أصبح البحث عن مليارات صدام أكبر عملية مطاردة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية للبحث عن الذهب النازي. قام الموساد، بدعم من MI6 وCIA، بنشر عشرات العملاء والخبراء الماليين في محاولة لاكتشاف الثروة الهائلة لخطة رولاند الرئيسية التي مكنت صدام من الاختباء وإخفاء أمواله المسروقة في جميع أنحاء العالم.

وثيقة الموساد، الموقعة من قبل مئير داغان، ذكرت أكثر من سبعين مصرفا مدرجة في مسار غسيل الأموال لصدام الذي انطلقت أمواله إلكترونيا من العراق إلى لندن، أوروبا، عبر جبل طارق، وصولا إلى جنوب أفريقيا، عبر المحيط الهادئ إلى هونغ كونغ، وكذلك إلى اليابان، وصولاً إلى روسيا، ثم العودة إلى البلقان. لكن الباحثين - الجواسيس والمصرفيين والوسطاء - الذين حاولوا تتبع المسار وجدوا أن الضمانات المضمنة في شركة رولاند صمدت أمام اختبار الزمن وكانت عصية على الاختراق. لقد استخدم الوكلاء والعاملين في مجال البنوك الدولية. البنوك في أوروبا الشرقية وأكد مصدر في الموساد أن أوروبا التي خدمت المخابرات السوفيتية وكانت معتادة على عدم طرح الأسئلة، استخدمت أيضا لهذه المهمة.

في مذكرة أعدت لمكتب التحقيقات الفيدرالي قبل وقت قصير من وفاته في هجوم مركز التجارة العالمي في

سبتمبر 2001، كتب ذلك جون بي أونيل، الوكيل التنفيذي لمكتب التحقيقات الفيدرالي المسؤول في نيويورك

أموال صدام "تم غسلها بشكل شبه مؤكد من خلال الشركات الإجرامية الدولية التي تديرها عصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية والمافيا الروسية." حددت المذكرة إدموند صافرا، الملياردير المصرفي الذي امتلك حينها بنك ناشيونال ريبابليك في نيويورك، على أنه "قناة غسيل الأموال للأموال".

وجد المحققون أن الآخرين الذين كان من الممكن أن يساعدوهم في متابعة مسار الأموال ماتوا أيضًا في ظروف غامضة. أحدهم كان يانوس بازستور، محلل وول ستريت. لقد عمل لصالح رولاند.

توفي في 15 أكتوبر 2000، من سرطان لم يتم تشخيصه من قبل. في الأسبوع السابق، كان طبيبه قد أعطاه شهادة صحية نظيفة.

القناة الأخرى التي تدفقت من خلالها ثروة صدام كانت بنك الائتمان والتجارة الدولي (BCCI). ومقره لندن، قدم البنك الذي تم حله الآن الأموال للجماعات الإرهابية التي دعمها صدام بالفعل. تم إغلاقه بعد أن اكتشف المنظمون في مدينة لندن أنشطته المشبوهة.

MI5 لديه ملف الدهون على وسيط آخر استخدمه رولاند. كان اسمه سايروس هاشمي.

ظاهريًا كونه مليونيرًا عربيًا مستهترًا ينفق 150 ألف دولار عند استلام البطاقة في كازينو مايفير ويعطي البواب ساعات رولكس لإيقاف سيارته الفيراري، فقد سمح الهاشمي باستخدام حساباته المصرفية في غرفة تجارة وصناعة البحرين لإرسال أموال لصدام في إطار التلاعب بالأموال بغية غسيل الأموال. يقول ملف المخابرات MI5 الخاص بالهاشمي أيضًا إنه كان يحاول التوسط في صفقة أفضل لخدماته. في 16 يوليو 1986، انهار فجأة في منزله في بلغرافيا وتم نقله إلى عيادة خاصة مملوكة من قبل غرفة تجارة وصناعة البحرين. وتوفي بعد يومين.

فرقة الجرائم الخطيرة التابعة لسكوتلاند يارد حققت في الأمر. استدعوا أخصائي الطب الشرعي الدكتور إيان ويست. قال: "كانت وفاة الهاشمي من أغرب حالات التحقيق التي أجريتها". أرسل ويست عينات الأنسجة إلى بورتون داون، مؤسسة الحرب الكيماوية والبيولوجية البريطانية، لعلمائها ليقرروا ما إذا كان هاشمي قد تعرض للتسمم. لا تزال نتيجة النتائج التي توصلوا إليها غير معروفة حتى يومنا هذا ولزمن طويل قادم.وقد يظل موقع بلايين صدام غير مكشوف في المستقبل المنظور.

في أبريل 2004، أعلن المحامي الفرنسي جاك فرجيس أنه تم تعيينه من قبل عائلة صدام كمستشار رئيسي لهيئة الدفاع عن صدام حسين عند محاكمته. اشتهر فيرجيس عندما دافع ضابط قوات الأمن الخاصة النازي السابق كلاوس باربي، الذي أدين بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" في عام 1987. ومنذ ذلك الحين، عمل المحامي لصالح الإرهابي سيئ السمعة كارلوس ذا شاكال، الذي يقضي الآن عقوبة بالسجن المؤبد مدى الحياة في باريس، ولا يزال يتصرف كمستشار لسلوبودان ميلوسيفيتش، الذي دخلت محاكمته في محكمة جرائم الحرب في لاهاي عامها الرابع ويمكن أن تستمر عدة سنوات أخرى.

وقال فيرجيس إنه يتوقع أن تستمر محاكمة صدام لفترة أطول. "سأقدمه كبطل مهزوم." وهو يعتزم استدعاء الرئيس جورج دبليو بوش ووالده، الرئيس الأمريكي السابق، كشهود، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وقادة آخرين في العالم. قال فيرجيس، وهو في سن الثامنة والسبعين من عمره عندما تولى القضية: "الجدال حول سبب مثولهم يجب أن يستغرق عامًا على الأقل". سيكون أحد العناصر الرئيسية لدفاعه هو إظهار "مدى أهمية الأشخاص الذين أخذوا نصيبهم من العملية لمساعدة صدام على إخفاء أمواله. وإنهم ما زالوا يشغلون مناصب رفيعة. ولكن ليس بعد أن أنتهي معهم ".

فقط الوقت سيحدد ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى اكتشاف ثروة الطاغية. والأكثر تأكيدًا هو أنه بحلول ذلك الوقت سيكون لدى الموساد طغاة آخرين لمطاردتهم.

***

د. جواد بشارة

 

السعيد بوشلالقرحلة في كتاب: الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العُثماني) تأليف مُولاي بَالحَميسي

الكتاب صدر عن الشركة الوطنية للنشر والتّوزيع - الجزائر-  1979. في 206 صفحات.

لقد قيل: (ولد الإنسان راحلاً) قول ينطبق على المسلمين إبان ازدهار حضارتهم.

ــ يقول ابن زاكور الفاسي: (إنّ الرِّحلة مِنّةٌ مِن الله نحلة تُكسبُ الغليظ الطِّباع غاية الرِّقة والانطباع وتُعقِبُ مَن كابد لها نصباً عِلماً غزيراً وأدباً...)

- وفيه أن أدب الرِّحلة ينقسم إلى:

- الرِّحلة في طلب العِلم.

- الرِّحلة الاستطلاعية.

- الرِّحلة للسَّفارة.

- الرِّحلة إلى الحجاز. (الحجّ إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة وزيارة مسجد وقبر سيِّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم). ومن ثَمّ زيارة المسجد الأقصى بيت المقدس بالقدس الشَّريف.

ــ لقد جاء هذا الكِتاب القيم ليزود المكتبة الوطنية التّاريخية بالإضافة الجديدة في مجال التّعرف على الجزائر في العهد العثماني من خلال أدب الرحلات. وهو يُقدم كتابات أربع رحالة مغاربة جابوا الجزائر انطلاقا من المغرب الأقصى خلال العهد العثماني. وهُم:

1 – التّمڨروتي؛ في كتابه (النَّفحَةُ المسْكية فِي السَّفارَة التُّركية):

هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي التّمڨروتي (نسبة إلى قرية تمقروت بوادي درعة بالمغرب الأقصى). ولِدَ حوالي 1560م. وتعلم في زاويتها. وتوفي بمراكش سنة 1003هـ / 1595م. ودفن بجوار القاضي عياض.  في سنة 1589م كلفه السُّلطان السّعدي أحمد المنصور التّمڨروتي بسفارة إلى أصطنبول، - هكذا - لتحسين العلاقات مع آل عُثمان، فخرج من مراكش ونزل بتطوان ثم أبحر ماراً أو نازلاً ببعض المدن السَّاحلية الجزائرية، واستمر السَّفر إلى أن عاد إلى تطوان في نوفمبر 1591م. وسجل الرَّحالة السَّفير التّمڨروتي انطباعاته وملاحظاته في كتاب سماه (النَّفحَة المسْكية فِي السَّفارَة التُّركية). وتحدث فيه التّمڨروتي عن الجزائر في ذهابه وإيابه. وفيه نجد معلومات تهُمّ البِلاد من الصّفحة 12 إلى 19 ثُم من الصّفحة 76 إلى 86 من الطّبعة الحجرية. حيث يذكر أحوال بعض هذه المدن التي مرّ أو نزل بها، فيذكر أحوال مدن هنين، وهران، مستغانم، تنس، شرشال، الجزائر المحروسة، دلس، بجاية، القُل، بونة.

وعنيَ التّمڨروتي عناية خاصة عناية خاصّة بأخبار العُلماء، الأحياء منهم والأموات، فكانت رحلته عبارة عن قائمة المشهورين منهم وكان للعاصمة الصّفحات الخالدة إذ مرّ بها التّمڨروتي وأقام مُدّة مكنته من أن يعرفها ويُعجب بها: فهي كثيرة الأسّواق والسِّلع والكتب والطّلبة والسُّفُن والجند ولا حظ تحصين أبراجها وشجاعة رياسها وتفوقهم العسكري حتّى على أتراك القسطنطينية. يقول: (ورياسها موصوفون بالشَّجاعة وفقوة الجأش ونفوذ البصيرة في البحر يقهرون النّصارى في بلادهم. فهُم أفضل من رياس القسطنطينية بكثير وأعظم هيئة وأكثر رُعباً في قلوب العدو. فبلادهُم لذلك أفضل من جميع بلاد أفريقية وأعمر وأكثر تُجاراً وفضلاً وأنفذ أسواقاً وأوجد سلعةً ومتاعاً حتى أنهم يُسمونها «اصطنبول الصُّغرى»... والكتب فيها أوجد من غيرها من بلاد أفريقية وتوجد فيها كتب الأندلس كثيراً).

2 – العياشي؛ في كتابه (مَاءُ المَوائِد):

3684 رحلات الجزائرهو أبو سليم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي المالكي ولِدَ بقبيلة آيت عيَّاش قرب تافلالت في شعبان 1037هـ / ماي 1628م. وتوفي العياشي بالمغرب الأقصى سنة 1090هـ / 1679م. كان العياشي محدِثاً وصُوفياً وعالِماً وشاعِراً. ولكنه اشتهر أكثر برحلته الضَّخمة التي سمّاها (مَاءُ المَوائِد) التي  دوَّن فيها رحلته إلى المشرق والعودة منه عبر الجزائر. وقد أورد فيه العياشي مجموعة من الأخبار الهامّة التي تُساعد على معرفة أوضاع الجنوب الجزائري في القرن الـ 17 ميلادي، سياسياً واقتصادياً وثقافياً. كما ضمّن رحلته (مَاءُ المَوائِد) أخباراً وحوادث مختلفة شهدها أو سمعها أثناء أسفاره، ووصف فيه طريق الصّحراء والسُّكان والعوائد وأحوال المعاش والأمن والحديث عن العُلماء والدِّين وأتعاب المسافرين. فيذكر أن خروجه من سجلماسة بالمغرب الأقصى كان يوم 11 نوفمبر 1662م. ويسير ركب الرِّحلة عبر الطَّريق الصَّحراوي يجوب قصور وادي ڨير والسَّاورة وبني عباس وواحات توات وقرية والن والقليعة وفيها يذكر أولاد سيدي الشِّيخ في الجهة الجنوبية الغربية من القطر الجزائري، وجدّهُم هو الشَّيخ الولي الصَّالح سيدي عبد القادر بن محمد بن سليمان بن بوسماحة المتوفي سنة 1615م. ثمّ تتواصل الرِّحلة إلى ورڨلة حيث يذكر حالها العجيب، ومڨوسا وتماسن وتُڨرت. وفي طريق العودة يصف حال وأحوال وعادات سُكان مدن نفطة، وزريبة حامد، وسيدي عقبة، وبسكرة، وعن بسكرة يقول العياشي في رحلته (مَاءُ المَوائِد): (وبالجملة فما رأيت في البلاد التي سلكتها شرقاً وغرباً أحسن منها ولا أحصن ولا أجمع لأسباب المعاش إلاّ أنها أُبتُليت بتخالف التُّرك عليها وعساكر الأعراب يستولي عليها هؤلاء تارة وهؤلاء تارة إلى أن بنى التُّركُ عليها حصناً حصيناً على رأس الماء الذي يأتي إليها فتملّكوا البلاد.) وتمر الرِّحلة بقرية امليلي ثم بزاوية سيدي الشّيخ عبد الرَّحمن الأخضري، وسيدي خالد، حيث يوجد ضريح قبر النّبي خالد بن سنان وهو عبسي. والذي تقول الرِّوايات أنه كان بين سيدنا عيسى بن مريم عليهما السّلام، وسيدنا محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ثُم يواصل إلى أولاد جلّال، ويذكر أنهم كانوا في قوة ومنعة من العرب. ثُم مرّ الرّكب إلى أولاد سيدي مخلوف ومنه إلى الأغواط (جمع غوطة: وهي الدُّور التي تُحيط بها البساتين). ثُم توجه الرّكب إلى الغسول وإلى بوسمغون ووادي النّاموس وأخيراً إلى فڨيڨ وهي أشهر واحة بوادي ڨير بجنوب شرق المغرب الأقصى.

والعياشي مِن أدرى النّاس بصحراء المغرب الأوسط لأنه حجَّ ثلاث مرات واخترقها ذهاباً وإياباً وخَبِرَ ما فيها وما عليها.

وفي الجانب السِّياسي، يظهر من رحلة العياشي أن أجزاءً كبيرة من البلاد في الصّحراء كانت مستقلّة لا تخضع للوجود العثماني، وهي تحت تصرف أمراء محليين، وذكر منها السّاورة وورڨلة وتڨرت وتماسين. وبناءً على هذه المعلومات فإننا نلاحظ أن المدّ التُّركي قد وصل عسكرياً إلى بسكرة وروحياً إلى ورڨلة.

أما في الجانب الاقتصادي، فيذكر العياشي أن الصَّحراء في عهده عبارة عن سوق مكتظة بالقوافل المتّجهة كُلّ الاتجاهات المتنقلة بأنواع البضائع والسِّلع. ومنتوجات الصحراء لا تنحصر في التّمر وحده. فبسكرة زاخرة بِكُلِّ ما تشتهي الأنفس من تمر وزيتون وكتان وحناء وفواكه وخُضر وبقول ولحوم وسمن.

أما في الحياة الثّقافية فيذكر أنه قد ازدهرت بالصّحراء سلسلة من الزَّوايا وعظم شأنها وزاد نفوذها حتى تحول بعضها إلى مدن مثل عين ماضي وتماسين وطولڨة. وذكر العياشي ما اشتهر منها مثل زاوية سيدي أحمد بن موسى، وسيدي عبد الله بن طمطم، وعمر بن محمد صالح الأنصاري الخزرجي، وزاوية الأخضري وكلها دور علم وتعليم وإشعاع فكري. ويُضاف إلى الزَّوايا، أضرحة العُلماء والصُّلحاء مثل عريان الرّأس وأبي الفضل والنّبي خالد والتي أصبحت مزارات. أما العُلماء الأحياء فميلهم الوحيد الفقه وتطبيقاته فيما قد يحدث مثل بيع الماء والهروب من الوباء قبل أن يحلّ ومحاربة طائفة لطائفة. ويحتفظ رجال العلم بالكتب أكثر مما يحتفظون بغيرها.

3 – ابن زاكور؛ في كتابه (نشر أزاهير البُستان في من أجازني بالجزائر وتطوان):

هو أبو عبد الله محمد بن القاسم بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد ابن زاكور الفاسي. ولِدَ بفاس سنة 1075هـ، وتوفي بها في 20 محرم 1120هـ / 1708م. وكان ابن زاكور أديباً وشاعراً ورحَّالة.

دوَّن رحلته إلى الجزائر المحروسة في كتابه (نشر أزاهير البُستان في مَن أجازني بالجزائر وتطوان)، وهي رحلة قصيرة (69 صفحة) طُبِعت في الجزائر سنة 1902م. قدم ابن زاكور إلى الجزائر بحراً سنة 1093هـ / 1683م، للاجتماع بعددٍ مِن عُلماء المدينة والأخذِ عنهم واستجازتهم. ونجد في رحلة ابن زاكور (نشر أزاهير البُستان في مَن أجازني بالجزائر وتطوان) صورة حيّة ومفصلة للحياة العلمية في الجزائر العاصمة التي كانت قِبلة علم تُشدُّ إليها الرِّحال. وتحدث فيها على نخبة العلماء في العاصمة وعددهم الكثير وطُرُقِ التّدريس بها. وذكر من العُلماء الذين أخذ عنهم العِلم وأجازوه في الجزائر: أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف الجزائري المانجلاني توفي سنة 1693م، والشّيخ سعيد قدورة بن الحاج إبراهيم الجزائري توفي سنة 1030م، والشّيخ أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن الحسني الجزائري توفي سنة 1689م، والشّيخ أبو عبد الله محمد بن سعيد قدورة الجزائري، وأبو عبد الله بن خليفة.

كما ذكر الكتب التي كانت تُدرس فيها والتي عرفت رواجاً منقطع النّظير، وهي: ألفية العراقي في المصطلح، صحيح البُخاري، ومُختصر خليل في الفقه، نظم ابن عاصم في الأحكام، شفاء القاضي عياض، ولامية ابن مالك في الصَّرف، جمع الجوامع للسبكي، وشروح المحلي، ومختصر ابن حاجب، وتلخيص المفتاح في البيان، والجمل للخونجي، ونظم عبد الرحمان الأخضري، ونظم أبي اسحاق التّلمساني في الفرائض. وهذه الكتب تمثل معظم جوانب الثّقافة الإسلامية وقسطاً كبيراً من العلوم العقلية والنّقلية من منطق وحسابي ونحو وعروض وصرف وتوحيد وحديث وتفسير وفقه وكل فن كان شرطاً مطلوباً في العالم.

وذكر ابن زاكور أن طريقة التَّدريس في الجزائر كانت أن يُلازم فيها الطّالب شيوخه سنوات طويلة أو شهوراً عديدة يحضر الجلسات ويُشارك في الحلقات ويجمع الشّارد والوارد ويُبرهن على الطّاعة والإعجاب، وينال بعدها الإجازات، وهي ما يُقابل اليوم الشّهادات الجامعية وشهادات الكفاءة التي تؤهل حاملها لتدريس الفقه أو المنطق أو علم من العلوم الكثيرة أو تُخوله حق الرِّواية وتلقين المعارف على الصُّورة التي تلقاها بها.

وشهد ابن زاكور غارة فرنسا على الجزائر المحروسة بقيادة (دوكسين (Duquesne سنة 1683 التي كانت في عهد الملك لويس الرّابع عشر الذي صرح أكثر من مرة أنه يُدمر مدينة الجزائر.

وخلاصة القول فإن كان الغربيون قد ركزوا في كُتُبِهم عن الجزائر على الحديث حول الحُكام الأتراك وسياستهم، فإن ابن زاكور وأمثاله وصفوا وقيدوا استمرارية العروبة في هذا البلد.

4 – الزَّياني؛ في كتابه (التُّرجُمَانة الكُبرى):

هو أبو القاسم بن احمد بن علي الزَّياني، رحّالة وأديب ووزير مغربي، ولِدَ بِفاس سنة 1147هـ / 1743م، وتوفي في رجب 1249هـ / نوفمبر 1833م. وبعد أن تولى عدة مناصب في بلده المغرب الأقصى، كان آخرها والي على وجدة، وبسبب ما شهده البلد من فوضى وفتن دامية، لجأ إلى المغرب الأوسط، فنزل الزَّياني بوهران ضيفاً على الباي محمد الكبير. ثم اِلّتحق الزّياني بتلمسان وأقام بها سنة ونصف. ثم خرج منها فراراً من الوباء الذي حلّ بها قاصِداً مدينة الجزائر فأقام فيها أربعة وعشرين يوماً، وأكرمه أهلها وحُكامها.

ومن الجزائر توجه إلى قسنطينة حيث أقام فيها خمسة عشر يوماً، كان له فيها الاجتماع بعلمائها فلقي إمام مسجدها العتيق الولي الصَّالح أبو البركات مبارك بن الفقيه العلّامة عمر الصَّائغي، والفقيه العلّامة الصُّوفي أبو الحسن علي بن مسعود الونيسي، والفقيه القاضي أبو عبد الله الحفصي العلمي، ولقي بها مفتيها الفقيه العلّامة أبو القاسم المحتالي، ومفتيها الثّاني العلّامة أحمد بن المبارك العلمي، والفقيه الأديب الكاتب محمد المجاري الخوجة، والفقيه الأديب ونيس البوزنياري، والكاتب الأديب الخوجة الكبير محمد بن كشك علي كرغلي، وكان له فيها الاجتماع بالباي حسن باشا بعد عودته من حركته.

ومن قسنطينة توجه الزّياني إلى تونس التي بلغها بعد عشرة أيام.

وفي طريق عودته من الحجِّ من تونس إلى الجزائر، دخل قسنطينة فأقام عند خليفة صاحبها حسن باشا المتقدم الذكر لغيابه عشرة أيام. ومنها توجه إلى الجزائر العاصمة فأقام فيها سبعة أشهر وشهد فيها الصّلاة في جامع كتشاوة بعد أن جدد بنائه حسن باشا سنة 1794م، وأُعجب ببنائه وهندسته وألوانه وترك فيه وصفاً لم يسبق لكاتب أن خصصه لمسجد.

- أخيراً يُمكن القول أن الكِتاب قيم مفيد للقراءة والمعرفة والثّقافة والتاريخ لما ورد فيه من معلومات هامّة عن الجزائر خلال العهد العُثماني من وجهة رأي الرّحالة المغاربة الأربعة المذكورون أعلاه.

***

أ. السّعيد بوشلالق

 

صالح الطائيقراءة في كتاب "ما بعد كورونا هل يغير العالم مناخه؛ دراسة في صناعة الوعي" للأستاذ عدي عدنان البلداوي

منذ بدايات فجر التاريخ والإنسان أكثر الكائنات تعرضا للتسليع؛ هذا النمط الحياتي الذي أجازته بعض الديانات السماوية ومنها الإسلام لأسباب إن كانت في بداياتها تبدو مقبولة كواحدة من مخرجات الصراع الأزلي، طالما أنها ستنتهي بعد أن تؤدي واجبها البنائي في مرحلة السيرورة والنشوء، ولكنها خلاف ذلك، ولأسباب نفعية كثيرة، فرضت نفسها على الواقع الحياتي والمجتمعي، وأسست لنفسها قوانين فاعلة إلى اليوم تحت أنواع من الأغطية الواهية التي لا دليل على صحتها، ولا يجرؤ أحد ما على الاعتراض عليها.

بعد هذا التاريخ الابتدائي القلق ارتبط الإنسان بالأرشفة كوسيلة لتنظيم حياته كمحصلة من نتاج تطور العلوم وهيمنتها على مفاصل الحياة؛ بعد أن تحول هو نفسه إلى رقم في السجل الحكومي الالكتروني، وتحولت واجباته ومردوداته وحياته كلها إلى صفحات في سجل محفوظ بعناية في أرشيف الوطن.

ولغاية عام 2019 كانت الأرشفة فاعلة ومؤثرة ولها استخداماتها المتعددة والمفيدة جدا لا للمواطن وحده بالطبع بل ولأنظمة الحكم والقيادات الخفية والعالم الفوقي السري، وقد أسهمت بدورها في تهيئة الأجواء لتقبل المشاريع الجديدة المقترحة. ولكنها تعرضت في هذا التاريخ بالذات إلى هجمة كان التخطيط قد بدأ لها منذ زمن طويل، وقد استعجلت الظهور قبل أن تكتمل الخطط الخاصة بها فأعلن انتشار (كوفيد 19) عن إعلانها أمام الكون مستبقا الأحداث والأحاديث.!

فهل يعتبر وباء كورونا نقلة تاريخية تنبئ بنهاية عصور وبداية عصر لا سابق له؟ وهل صحيح أن وباء كورونا الذي تجاوز كل مؤشرات الأمان المعروفة، وكل نظم الرقابة الموثوق بها، وكل الحدود والمعوقات، فامتد من أقصى الأرض إلى أقصاها، سيحول البشر إلى أجراء موظفين ومستهلكين يعملون لحساب شركات كونية أو منظمات سرية تتولى قيادة العالم أملا في ضمان انسيابية الحياة وفق هواهم ومخططاتهم دون مفاجئات غير مرغوب فيها تعترض هذا المشروع؟

هذا السؤال يمثل فحوى كتاب الأستاذ عدنان البلداوي الذي نحدد بصدد تفكيكه وقرائته، وهو سؤال ـ بكل فروعه ـ يبدو استفزازيا وفي غاية الخطورة، ولكنه يفرض نفسه بعمق نظرا للنذر التي تلوح في الأفق، وهي كلها مغلفة بالتشاؤم والقلق، فلقد أثبتت مقولة "العالم قبل كورونا ليس كما هو بعدها" جدارتها وصحتها، واستشعر الإنسان في العالم كله من قمم الحضارة إلى متاهات أفريقيا وبدائيات غابات الأمازون هذه الحقيقة، حقيقة التحول الجوهري الذي أعاد بناء أهم أركان حياتنا وفق مواصفات كان روادها وأصحابها يبحثون لها عن ثغرة في النظام الكوني ليمرروها، فإذا بوباء كورونا يفتح لها الباب على مصراعيه لتبدأ بإعادة ترتيب حياة الكائنات كلها وفق مشروعها الطامح الذي من أولى أولوياته أنه سيعيد العلاقة بين السيد والعبد وفق نمذجة جديدة تحول الشعوب جميعها إلى عبيد لسيد أوحد هو قائد النظام العالمي الجديد، طالما أن القوى المضادة بدءً من تفكك الاتحاد السوفيتي، إلى تحول الكثير من البلدان في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى دول فاشلة، لم تعد تمثل تهديدا جديا وفاعلا للمشروع.

3672 صناعة الوعيوهنا يقفز سؤال آخر من أعمق مناطق الوعي التي أصابها الإرباك: هل أن كورونا داء مصنع تم نشره لكي يمهد لطرح فكرة مشروع الكونية الجديد؟ أم أنه جاء بسبب مؤثرات أخرى ولكن مخرجاته استغلت لتخدم مشروع الكونية؟ أم أنه أحد النذر الخطيرة التي تمر بين حين وآخر لتذكر الإنسان أنه مهما تطور وتقدم وتحضر واستقوى واستأسد وفكر وخطط ورسم سوف يبقى عرضة لهجوم من قوى خارقة بعضها لا ترى بالعين المجردة ولكنها أكبر منه ومن كل قدراته، وأنه لا قدرة له على ردعها بكل معطيات حضارته؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تبدو بدورها محاولة عبثية لإثبات أن الماء ماء، فرؤية العالم للغيبيات كادت تتلاشى، وأصبحت المادة أساس الوجود، وصار الإنسان يؤمن بما يراه لا بما هو غيب، وهو ما يدفعنا لنسأل عن هذا المشروع الواعد فيما إذا ما كان معادلة جديدة جاءت لتنسخ المعادلات التقليدية المعروفة، أم جاءت مكملة للمشروع الكوني الكبير؟ وهل ممكن أن يتاح لثنائية الحاكم والمحكوم التقليدية أن تمارس لعبتها التاريخية السمجة في هذه المعادلة رغم خطورة الموقف؟ لم لا ومشكلة الإنسان المعاصر أن القيمين على شؤونه يعتقدون أن عدم الاستقرار في حياته والعوز الذي يعاني منه والانهزامية التي يشعر بها إنما هي نتاج سوء حاله وليس بسبب سوء إدارة البلاد وقوانينها المرعية!

وهذا هو القصور الذهني في أعلى مراحله فالمشكلة التاريخية المشخصة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي أن المحكوم طالما عانى من شظف العيش والمرض والبؤس والجوع والفاقة والحرمان، وأنهكه ارتفاع الأسعار، وقلة الوظائف والأعمال، وضعف الموارد، وكثرة الشوارد، وتفشي البطالة، في وقت يرى فيه الحاكم مهما كان نظام حكمه أن أي مكرمة يقدمها للناس حتى لو كانت من ضمن حقوقهم الوطنية والشرعية والإنسانية التي أقرها الدستور ضربا من اعمال الخير الذي سيدخله الجنان، وفضلا لا يدانيه فيه أحد، وفي مثل هذه الثنائية غير المتناسقة لا يمكن للأمور أن تستقيم، وهذا نذير بأن الانحدار سيبقى علامة فارقة في دنيانا المعاصرة طالما أن الحاكم يتجاهل عن عمد أو يجهل بشكل طبيعي طبيعة المحكوم.

في هذه المعادلة غير العادلة تختفي العاطفة والألفة والود الطبيعية ويتحول العيش إلى تجربة حياة اصطناعية تفتقر إلى مقومات الكرامة والنبل والاحترام المتبادل والموازنة بين الحقوق والواجبات، مع علم الجميع أن الإنسان هو الإنسان في كل الأزمان، ونسيجه التكويني في القرن الحادي والعشرين يتوافق مع نسيج أخيه في القرن الكوني الأول، فالدم الذي كان يجري في جسد قابيل هو نفسه يجري اليوم في أجسادنا مع اختلاف بسيط وهو أن العصا وبعض المفردات الأخرى كانت محركهم الأوحد، أما اليوم فالنظام الرقمي بدأ يفرض نفسه ليتولى قيادة البشرية بدل العصا ومحلقاتها من خلال أزرار أباح له لمسها والاندهاش بما ستظهره له، وهذا يعني أن العلوم ومخرجاتها تحولت إلى أداة قمع بيد القوى المسيطرة، قد لا يكون صنع فايروس كورونا آخرها.

إن الحديث عن فايروس كورونا والوباء الذي تسبب به، وتهديده لأعظم الدول واقواها، يعطي مخرجا في غاية الأهمية وهو أن هذا الوباء الذي خرج عن السيطرة فقلب السحر على الساحر كان محاولة لإقناع العالم بحاجته إلى نظام عالمي جديد [ص18] وأن المشرفين على هذا المشروع هم الذين تولوا إعادة ترتيب الواقع بعد أن أثبتت البلدان الفاشلة أنها دون مستوى التماهي مع الحدث، ففي الوقت الذي انتظر الناس من حكوماتهم ومنها على سبيل المثال الحكومة العراقية توفير مستلزمات الحماية، والإسهام في رفع الحيف الذي لحق بالمواطن جراء فرض منع التجوال وتوقف الأعمال، نجد الحكومة تعلن بفخر عن اعتقال آلاف المخالفين لحظر التجوال، وفرض غرامات مالية على المخالفين دون النظر في الأسباب التي دفعتهم إلى المجازفة ومخالفة الحظر، ونجدها في ذات الوقت قد تخلفت عن منح المبلغ الزهيد جدا الذي خصصته لتوزيعه شهريا كمنحة على المتضررين، والذي هو بالأساس لا يكفي لسد مصاريف يوم واحد، فلم تدفع منه شيئا، وفي الوقت الذي دعت فيه القطاع الخاص لتخفيض أجور الاشتراك في المولدات الكهربائية الأهلية، لم تبادر من جانبها بإلغاء أو تأجيل أو تخفيض الأجور التي تستوفيها عن تجهيز المواطنين بالكهرباء الوطنية والماء بما فيهم الأسر المتضررة فعلا، بل جعلت تلك المبالغ ديونا مترتبة بذمم من لم يدفع أو عجز عن الدفع [ينظر: ص18ـ19]

هذه الثنائية القبيحة المتناقضة تكررت وبشكل يبدو مقصودا ومخطط له بعناية فائقة، ليس العراق وحده، إذ لا زالت الطائرات المتطورة تقصف أحياء الفقراء في اليمن وتقتل الأبرياء، ولا زالت سوريا شعبا ووطنا تتعرض للإبادة الحمقاء، ولا زال القلق في ليبيا سيد الموقف، ولا زال الترقب الحذر في تونس يتعب الأعصاب، ولا زال البحث عن الانشقاق والانشطار في السودان قائما على قدم وساق، ولا زال العبث في لبنان يقتل الجمال ويغتال المتعة ويصادر الآمال، ولا زالت البلدان الأفريقية تزداد فقرا، في وقت لم يعد الفقر اصطلاحا يشتمل على الحالة الاقتصادية وعلى الفرد والمورد المالي، فقد شمل ما هو أبعد من ذلك، إنه توفر الفرص الحقيقية من قبل الفرد أو النظام الذي يدير شؤون البلاد، فرص تمكن الفرد من  أداء رسالته في الحياة [ص23]

المشكلة أن جميع هذه البلدان وبلدانا أخرى غيرها لا تختلف عنها كثيرا، أو مرشحة لأن تلحقها في القريب العاجل، وكلها ولاسيما العراق الذي نعيش فيه تكاد لا تلتفت إلى ضرورة وجود خلية أزمة متخصصة تتولى إدارة التعامل مع الوباء ومع ما يثار حول المشروع العالمي الجديد ومع التغيرات المتسارعة، تتصرف وفق معايير وخطط أكبر من عسكرة الحياة المدنية، ولاسيما في بلد فيه أكثر من سبعة ملايين مواطن في خط أو تحت خط الفقر، وفيه بطالة فاقت كل المقاييس فبلغت بحدود 70% بين الشباب حسب الإحصاءات العالمية [ص31ـ32]

يبدو من الملاحظات التي أوردناها اننا في حضرة كتاب أراد ان ينتهك المحظور، ففي هذا الكتاب حاول الأستاذ عدي البلداوي لملمة أطراف الواقع المتباعدة، التي تولدت نتيجة الشائعات والآراء والتصريحات والاستنتاجات، ومنها الحديث عن مشاريع تستهدف حياة الناس من خلال خلق الوباء، واستغلال الظرف الصحي لإجبار الناس على تلقي لقاح هو جزء من مشروع مستقبلي فيه اختراق للخصوصية والسرية الشخصية [ص36] كل ذلك لأن العالم يتحرك فعلا باتجاه نظام جديد كليا بعد أن تهيأت له الظروف المعلوماتية والتكنولوجية.

أما مناخ هذه البلدان الفاشلة الملبد بالغيوم السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية فقد حث الناس على القبول بالأمر الواقع، وأسهم من جانبه في تسريع وتيرة العمل على مشروع النظام العالمي الجديد والترويج له بعد أن تضافر الوباء معه ومهد له الطريق، فكان حافزا قويا له الأثر الكبير، فضلا عن تخلي النظم عن الأرشفة التقليدية.

لقد أدى الخروج من ربقة الأرشفة التقليدية إلى دائرة الرقمنة والخوارزمية إلى تغيير أنماط العلاقة بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وعلاقة الشعوب مع الشعوب الأخرى المجاورة والبعيدة، في ذات الوقت الذي أدى هذا الخروج المتسارع إلى تغيير النظرة إلى القوانين المحلية المرعية والقوانين الدولية التي بدأت تخترق الحدود الكترونيا لتترك بصمتها على السلوك العام للشعوب نتيجة التغيير الذي أحدثته في قناعاتهم، وتمكنها من تغيير رؤيتهم للمصطلحات الجديدة التي ابتدعتها وأحلتها بدل المصطلحات القديمة بحجة الخروج من دائرة التراث إلى دنيا الحداثة والتجديد، وذلك كله كان مدروسا بعناية فائقة ومخطط لكل خطوة منه باتقان، ولذا لم ينجح الأثر السيء الذي تركته كورونا في الضغط على المشروع بقدر نجاحهم في توظيف مخرجات الوباء لصالح مشروعهم، وهو ما تماهى معه الأستاذ عدي البلداوي في رؤيته أننا لا نستطيع أن نتجاوز حقيقة الدور الريادي للدول الصناعية المتقدمة والمناخ الجديد الذي أوجدته الثورة الصناعية المتقدمة، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العلم لا يقوم بهذه الإنجازات بعيدا عن الإرادة الدولية للأنظمة التي تدير العالم، وان هذه النظم كشفت عن مساوئها في أجواء العالم الموبوءة بفايروس كورنا [ص60 ].

تجدر الإشارة إلى أنه ليست القوانين الدولية وحدها التي اخترقت الحدود وبدأت تُعوِّد الناس على مطالبها بما فيها تلك المطالب المخالفة لتراثهم وعقائدهم وسنن حياتهم، فالسلع ورأس المال اكتسبا بدورهما طابعا عالميا له قدرة فائقة للتأثير على صناعة القرار محليا، فأصبح الاقتصاد قوة جبارة وضعت القوى الأخرى تحت جناحها [ص61].

وبالتالي ومن خلال تظافر الرقمنة والضغط الدولي الفائق والتأثير الاقتصادي المهول على مجمل الأوضاع الداخلية للبلدان بدأ المشروع الجديد أولى تجاربه للتحكم في تكوين الفرد البشري وإعادة هيكلة بناء الشخصية [ص63] لخلق أنماط جديدة من البشر يسهل سوقها قطيعيا، وهذا يعني أن البشرية كلها تتحرك نحو واقع مأزوم محفوف بالمخاطر القصوى، وسيقوم النظام الجديد بالمراهنة على حالة التأزم من خلال إدارة تخصصية كفوءة ومتمرسة معدة سلفا ومدربة تدريبا جيدا [ص72] تملك قدرة تقديم حلول ترقى إلى مستوى مداواة آثار الأزمة، وذلك لتحقيق توازن نفسي يضمن لها قيادة القطيع دون معارضة، بعد أن نجح تحكمها في العلوم وحصر النتائج في مستويات ضيقة وسرية في جعلها قادرة حتى في التحكم بالطقس والأمطار وربما ثوران البراكين والزوابع والعواصف بما يجعلها قادرة على التحكم بمصائر الشعوب دون أن تترك أثرا يفضح تورطها في تلك الأعمال القذرة.

فإذا اجتمعت كل تلك المخرجات مع الصعود القلِق للمعايير المنحطة والمفاهيم المغلوطة والمصطلحات المستحدثة التي تجاوزت التابو والمقدس بحجة التحرر من كل أشكال القيود. ومع صعود الفاشلين والمنحطين لتولي قيادة البلدان وإدارة الدول. ومع غياب الأداء الإنساني الرفيع. ومع محاصرة القيم العليا في زوايا مظلمة والتأثير عليها من خلال الترويج للقيم البديلة المستحدثة. ومع وفرة المعرفة الخالية من القيمة العليا ويسر الوصول إليها واستخدامها. ومع عجز الخطابات الدينية والسياسية المحلية عن إقناع الناس بصحة ما تدعو إليه. ومع تأثير الإعلام السلبي المدعوم بسطوة القوة المسيطرة على برامج البروباغاندا. ومع مفارقة الشعوب للقراءة وإهمال مصادر ومراجع العلوم والتاريخ واللغة المكدسة في المكتبات الورقية، والاعتماد الكلي على بيانات العالم الرقمي المتاحة بلمسة زر أمام الجميع، مع علم الكثيرين أن تزييفا حقيقيا خضعت له تلك المعلومات الرقمية مثلما يرى الأستاذ البلداوي قبل أن تصبح متاحة لهم [ينظر: ص120] ومع غياب الحقيقة وانتشار الزيف والخداع. مع غياب ذلك كله أصبح الإعلان الرسمي عن ولادة النظام العالمي الجديد حقيقة تلوح في الأفق القريب، بل هي أقرب لأنوفنا وأعيننا من الأشياء المحيطة بنا الأخرى، وكل الذين يفتلون شواربهم ويفخرون بعضلاتهم.. كلهم سيكونون أول المصفقين لأنهم بلا رسالة مع أن من المفروض أن تكون لكل إنسان رسالة مثلما وفق رؤية الأستاذ عدي [ص144].

وأملا في إيجاد علاج أو موقف حمائي يرى الأستاذ البلداوي أنه ينبغي تهيئة مناخ نفسي في المجتمع يمكنه من تقبل مراحل وعي أكثر عمقا فيما يخص العلاقة البشرية مع الذات ومع الله وانعكاساتها على أرض الواقع مع الآخرين [ص146ـ147].

وأرى من جانبي أن هذا التوجه لو قدر له أن يبدأ قبل هذا التاريخ، وأن يتحول إلى قوة ضاغطة لها قدرة التصدي للمشكلة في طريق سيرورتها قبل أن تصل لهدفها وتؤسس قواعد لها لكان قد حقق النجاح المطلوب، أما الآن، الآن بعد أن أنهت المشكلة مسيرتها التكوينية، وفتحت سجلاتها، وشغلت آلاتها، وبثت برامجها، وأفصحت عن مشروعها، فأعتقد أن الأمر أكثر صعوبة مما نتوقع، وأن الأمل وحده هو الذي يدفعنا لنتوقع من تلك القوة التي نؤمن بها أن تؤثر على القوة المضادة وتوقف تخريبها، ومع أن "ما نيل المطالب بالتمني" إلا أننا نثق بالله، وأن ثقتنا ممكن أن تدفعنا إلى الأمام خطوات، لكن علينا أن نشد العزم لنواصل المسير ضد التيار مهما كان عاتيا جبارا، وألا فإن عصا الراعي تنتظر انضمامنا إلى القطيع.

صدر كتاب " ما بعد كورونا هل يغير العالم مناخه؛ دراسة في صناعة الوعي" للأستاذ المهندس عدي عدنان البلداوي في أواخر عام 2021 عن مؤسسة البلداوي للطباعة بواقع 188 صفحة من الحجم الكبير، وهو محاولة جريئة لتفكيك الواقع المأزوم برؤية علمية عقدية أخلاقية إنسانية، وقراءته لا تدفع على الممل مطلقا نظرا لاحتوائه على معلومات واحصاءات وأخبار مهمة وممتعة.

  ***

الدكتور صالح الطائي

3622 يوميات رامبرانتيفتح الفنان الهولندي الشهير رامبرانت، في كتاب يومياته. ترجمه الى العربية ياسين طه حافظ، وصدر عن دار المدى السورية عام 2016، يفتح نافذة واسعة على حياته الصاخبة وابداعاته اللافتة. كتب رامبرانت يومياته هذه عام 1661. عندما كان في الخامسة والخمسين من عمره، ويقول في تلخيصه لهذه السنة: انتهت السنة. كم استمتع الآن بالاستقلال. استقلالي انا، لأنتج العمل الذي اريده لا الذي تمليه علي نزوات الاخرين وغوغائية غلاتهم، لكني لا أريد أن اتكئ على أمجادي. هذه السنة. سأعمل بجد اكبر.

يعتبر رامبرانت من اهم الفنانين الاوروبيين. وبإمكان من يريد، التوجه الى شبكة البحث الالكترونية العالمية، ليطلعوا على فيض من المعلومات عنه وعن حياته الصاخبة.. بالعديد من اللغات.

من اللافت في هذا الكتاب، هو تلك القدرة الهائلة على التعبير عن المشاعر والاحاسيس المرهفة الدقيقة التي تذكر بقدرة العديد من الفنانين الاجانب والعرب ايضًا، على التعبير بطرائق خاصة، تختلف بنوعيتها عن تلك التي يتميز بها الكتاب المبدعون عامة، وأذكر في هذا السياق أنه صدر مؤخرًا كتاب ضم عددًا من المواد الادبية الهامة التي انتجها الفنان الاسباني ذائع الصيت بابلو بيكاسو، كما اذكر كتاب مذكرات.. الغني عن التعريف.. الفنان سلفادور دالي، وهناك كتابات رائعة خلفها الفنان العربي المصري المعروف عالميا حسن سليمان، منها كتاب عن "حرية الفنان".

يمكنني تقسيم الابداع الادبي لرامبرانت، في يومياته هذه، إلى عدد من الابعاد أعتقد أن التعبير ذاته هو ما يميزها. مثال قوله: الايام مثل بيضة صغيرة من ضوء متجمد في منقار نسر هائل. ومثال آخر.. قوله: بعد طول انتظار ظهر الربيع وتفتحت أزهاره وافطرت عيناي هذا الصباح بوروده.

يسلّط رامبرانت في يومياته هذه الضوء على حياته الخاصة فيطلعنا على أبسط تفاصيلها لنكتشف بالتالي أنه، رغم عظمته التاريخية، كان إنسانًا عاديًا وبسيطًا أيضًا... تموت زوجته المحبوبة ساسكيا. ليتزوج من مربية ابنه تيتوس المدعوة هندريشكة، ويحفل الكتاب بمشاعر الخوف على زوجته المحبة المتفانية هذه. خاصة في فترة مرضها.

فيما يتعلّق بحياة رامبرانت الخاصة هناك صفحات عن تمرد أحد طلابه عليه ومحاولته اقناعه بالعودة للتعلم لديه.. لكن عبثًا ودون جدوى. كما يتحدث رامبرانت عن طالب آخر قذفه بالزيت. غير أن الله ستر فلم تتلف لوحاته القريبة.

يتحدّث رامبرانت أيضًا عمّا تعرّض له من مضايقات، عندما أعلن إفلاسه، ويذكر كيف دافع عنه ابناء اسرته خاصة زوجته هندريشكة.

أقترح على الاخوة الفنانين في بلادنا قراءة هذه اليوميات للاطلاع على تجربة عميقة لفنان مبدع اعترف العالم بإنتاجه الفني، واشاد بعبقريته العشرات من فناني العالم ودارسي الفن، فهو كتاب ممتع بما حفل به من عمق وطرافة، بتنا نشتاق إليهما في زمن كثرة المدعين وقلة المبدعين في مجال الابداعي الفني التشكيلي خاصة. اقرؤوا هذا الكتاب.

من اجواء الكتاب:

15 ايلول: نمت هذه الليلة مع هندريشكة. هي المرة الاولى مذ مرضت.

حبها ليس خطيئة.

مشاركتي لها حياتها ليست خطيئة.

وليست خطيئة بشرة جلدها الناعمة كالزبدة. شعرها الذي قبلته ومشطته. خذاها. ثدياها. يداها المحبتان اللتان تحتضناني. عيناها اللتان تستوعبان عريي وشفتاها حين تتلفظان اسمي.

اول مرة ضاجعتها حين كانت خادمتي ثم صارت خليلتي. الآن نحن متساويان.

من 27 ايلول:

أثّر في هذا كثيرًا وأرّقني هذه الليلة. بقيت تعذبني فكرة أنني. وأنا أهب نفسي للفن، أضحّي بأطفالي. شركاء حياتي، على مذبح الفن الجيد. هي لعنة أن أبدأ الآن تساؤلي فلا نكران اني وضعت ما أحب، وتألمت من اجله، في درجة أعلى من اولئك الذين احبهم.

من 15تموز:

رسمي صراخ وهدير. هي رسومي. الضحك والنحيب، والابتسام في النحيب. كل هذه في الرسوم. الرسوم التي هي رسومي. أنا الرجل الذي وراءها.

3تشرين الاول:

حين نظرت إلى نفسي لم أرَ غيري. رامبرانت الفريد الوحيد، ولكن، وأنا ارسم صورتي، تملكني شعور بأني أرسم جميع الرجال..

ولجميع الرجال.

***

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

3604 الاسلام واسول الحكم علي عبد الرازققليلة هي الكتب التي غيرت مجرى التاريخ، وقليلون هم الكتاب الذين أطلوا على الدنيا بكتب زاحمت الساسة والقادة العسكريين في كتابة التاريخ، منهم من قضى عمره يكتب حتى بلغ صوته مسامع الناس، ومنهم من كتب كتابا واحدا ملأ الدنيا ضجيجا، وكان أحد هؤلاء الشيخ علي عبدالرازق.

فما إن تذكر اسم الشيخ علي عبدالرازق في أي محرك بحث حديث، أو ربما في حديث مع صديق مثقف على المقهى، إلا ويبرز عنوان كتابه الأهم "الإسلام وأصول الحكم"، الذي صدر في 1925، وقد أحدث ضجة كبيرة في مصر، بل في الوطن العربي كله، وذلك بسبب رفضه لفكرة الخلافة والدعوة إلى مدنية الدولة.

وقد جاء الكتاب في ظروف اجتماعية وسياسية مهمة فبعدما تخلى مصطفى كمال أتاتورك عن "الخلافة" في سنة 1924 وأصبحت تركيا دولة لا علاقة لها بالعالم الإسلامي في الشرق اشتعل الصراع بين الباحثين عن الخلافة في الحجاز ومصر، لذا رأى على عبد الرازق أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين فلا داعى لوجود خليفة.

ورأى الكتاب أن الخلافة طرأت على الإسلام في عصور متأخرة، وأن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لم يتطرقا لموضوعها وأن اتفاق المسلمين لم ينعقد قط على خليفة، كذلك رأى الكتاب أن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات إنما هو شرع ديني خالص لله ولمصلحة البشر الدينية لا غير.

والكتاب ضرب مباشرة العمود الفقري للدعوة التي يتبناها الملوك والسلاطين، ألا وهو الجانب الديني؛ ففي حين كان رجال الدين يقنعون الناس بأن الإمامة ركن من أركان الإسلام، خرج عبد الرازق بغير ذلك.

وقد ذهب الشيخ علي عبد الرازق ، بالآيات والأحاديث، إلى أن الإمامة لم تكن أبدا ركنا من أركان الإسلام، إنما هي أضيفت بعد ذلك في مذهب بعض الفرق الشيعية لغرض سياسي،  وعلي عبد الرازق شرح التاريخ بمبضع جراح، فتناول صلب الدولة الإسلامية، ومنشأها، أي فترة حكم النبي للمدينة، وفترة خلافة أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، ليؤكد على أن النبي إنما كان يسير أمور الناس بصفته نبيا، وليس بصفته حاكما.

كما يذهب علي عبد الرازق إلى أن حكومة أبو بكر الصديق كانت حكومة مدنية، ولم تستند أبدا إلى سلطة دينية، ذلك أن الوحي كان قد انقطع، ولم يرد في الكتاب أو السنة وصف لماهية الدولة وكيفية تسييرها، والكتاب أثار بلبلة كبيرة في الشارع الإسلامي، بعد أن كانت الشعوب الإسلامية على وشك التوحد خلف دعوات رجال الدين، وبدأ الكثيرون في تبني رأي عبدالرازق وترويجه، حتى بات مؤكدًا أن الأمل الذي وهبه أتاتورك للملوك المسلمين بخلافة عبدالحميد الثاني، قد بدده علي عبد الرازق.

ولا عجب في أن صدور الكتاب كان متزامناً مع صدور دعوى حسن البنا لتأسيس جماعته التي أسهب في وصفها كدعوة دينية وجماعة رياضية، وهى الإخوان  المسلمون، والتي بانت نواياها ربما في وقت مبكر من تأسيسها، وتحديداً في فكرة رغبتها في الحكم.

إذن، فكرة الكتاب المذكور "الإسلام وأصول الحكم"، كان منافياً لدعوة البنا ورغبة جماعته، وعلى الرغم من ذلك، فإن الكتاب أدى إلى معارك سياسية ودينية كبيرة، الأمر الذى دفع هيئة كبار العلماء في الأزهر إلى محاكمة علي عبدالرازق، لأنه أحد شيوخه، وأخرجته من زمرة العلماء، وفصلته من العمل كقاضٍ شرعي، فيما تلقى الكتاب الكثير من النقد ودافع عنه بعض المفكرين، ويقول البعض- استنادًا على شهادة بعض الشيوخ- أن المؤلف رجع عما جاء في كتابه في آخر أيام حياته.

وقبل الخوض في مسألة المحاكمة، لا بد من معرفة الشيخ الذي كتب الكتاب نفسه، وهو علي عبدالرازق المولود في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا في أسرة ثرية تملك سبعة آلاف فدان، حفظ القرآن في كتاب القرية، ثم ذهب إلى الأزهر؛ حيث حصل على درجة العالمية، وسافر إلى إنجلترا ودرس السياسة والاقتصاد في جامعة أوكسفورد، وعاد إلى مصر بعدما قامت الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، اشتغل في القضاء في المحاكم الشرعية.

ولكن لم تمر هذه الأزمة مرور الكرام على الشيخ على عبد الرازق، فقد أصاب الرجل الكثير من السهام الغادرة التي لم تراع حق الاجتهاد في الإسلام، ولم تحسن الظن بعالم مسلم جليل، وآثرت أن تنحاز إلى ذهب السلطان وسيفه على الحق والعدل، وباعت العلم بدنانير السلطان، فقامت هيئة كبار العلماء في الأزهر بمحاكمة الشيخ على عبد الرازق، ووجهت الهيئة سبع تهم تتهم الكتاب بالضلال، حيث قالت إن الكتاب تسبب في جعل الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة للعالمين، واعتبار نظام الحكم في عهد النبي موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجبًا للحيرة، واعتبار مهمة النبي كانت بلاغًا للشريعة مجردة عن الحكم والتنفيذ، وإنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وأنه لابد للأمة ممن يقوم بأمورها في الدين والدنيا، وإنكار أن القضاء وظيفة شرعية، واعتبار حكومة أبى بكر والخلفاء الراشدين من بعده كانت لا دينية.

ورأى الأزهر في الكتاب خروجا عن حد المعتقدات لذا حاكم على عبد الرازق أمام هيئة كبار العلماء الأزهريين وأخرجه من زمرتهم، وتم فصله من القضاء، وحدث خلاف بين عبد العزيز فهمى باشا وزير الحقانية ورئيس حزب الأحرار الدستوريين، ويحيى إبراهيم باشا رئيس الوزراء بالنيابة ورئيس حزب الاتحاد، فرأى الأول أن ما ذهب اليه الشيخ عبد الرازق خطأ في رأى ديني قد لا يستلزم إخراجه من وظيفته القضائية وأن هيئة كبار العلماء غير مختصة بالنظر في مثل هذا الحال، أما الثاني فيرى رأى هيئة كبار العلماء في أنه أخطأ في رأى ديني يبعده عن منصة القضاء الشرعي.

وهاجمت الصحف الشيخ على عبد الرازق، ومنها البلاغ والأهرام والمقطم ومجلة المنار، التي اتهم صاحبها محمد رشيد رضا المؤلف بالزندقة والإلحاد ووصفه الشيخ محمد قنديل في البلاغ بأنه نار محرقة وأنه ترديد لسياسة الكماليين في تركيا، وفى المقابل تصدى أنصار حرية الفكر للدفاع عن الكتاب وعن حرية التفكير والرأي المكفولة في الدستور وأبرزهم عباس العقاد وسلامة موسى وأحمد حافظ عوض ومنصور فهمى.

وكانت أغرب الاتهامات ما  قال به الشيخ أحمد حسن مسلم عضو مجمع البحوث الإسلامية في 1989 أعلن أن الشيخ على عبد الرازق أخبره بأن المؤلف الحقيقي للكتاب هو طه حسين وليس على عبد الرازق.

وبعد الغضب الأزهري "الملكى" منه بسبب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وإخراجه من المؤسسة الدينية، تولى الشيخ مصطفى عبدالرازق باشا (شقيقه)، مشيخة الأزهر، سنة 1945 ما فتح باباً جديداً لإعادته من جديد إلى المؤسسة الدينية الأولى في الشرق الأوسط.

ولهذا علي عبد الرازق أعاد شقيقه إلى زمرة العلماء من جديد، ثم عُين وزيراً للأوقاف لمدة أشهر (بين 28 ديسمبر سنة 1948 و25 يوليو سنة 1949) في وزارة إبراهيم عبد الهادى، كما شغل عضوية مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، وعين كذلك عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

توليه هذه المناصب يشير إلى إمكانية تصديق رواية الشيخ محمد الغزالي الذى قال في الجزء الثالث من كتابه "الحق المر" إن عبدالرازق تراجع عن كل ما قاله في كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، والمعنى أنه ربما تراجع في مقابل إعادته إلى الواجهة مرة أخرى.

والتراجع كان بسبب دخول القصر الملكي في مصر على خط المواجهة بين الأزهر والشيخ علي، إذ يرى البعض أن الملك فؤاد الأول هو من طلب من الأزهر محاكمة علي عبدالرازق ومصادرة الكتاب، لكي يضمن استمرار خطته في عودة الخلافة بعد انتهائها في تركيا، ووجهت الهيئة سبع تهم تتهم الكتاب بالضلال.

ولم يتوقع علي عبدالرازق كل هذه التهم التي أخرجته من الأزهر، ولكن شخصاً بعقليته المتفتحة المشاغبة لم يتقبلها، فدافع عنها واعتبر أن الحكم باطل، ويخالف الدستور الذي كفل حرية الرأي لكل مصري، وأرسل خطاباً لوزير الحقانية يؤكد فيه أن قانون الأزهر لا يطال إلا المعاهد الدينية، وهنا جاء موقف الوزير عبدالعزيز فهمي الذي وقف إلى جوار عبدالرازق ورفض قرار الفصل، فما كان من القصر الملكي إلا أن تدخل بشكل مباشر، وصدر قرار بإقالة الوزير عبدالعزيز فهمي من الوزارة.

وإقالة الوزير تسببت في موجة من الاحتجاجات الحكومية، إذ استقال احتجاجاً على ذلك: محمد علي علوبة باشا، وزير الأوقاف، وتوفيق باشا دوس، وزير الزراعة، وإسماعيل صدقي باشا، وزير الداخلية آنذاك.

وبعد شغل المناصب الوزارية الشاغرة بهذه الاستقالات، فُصل الشيخ علي عبدالرازق من وظيفته، كما أراد الملك فؤاد، وصار عبدالرازق بعد ذلك عضواً في حزب "الأحرار الدستوريين"، الذي تأسس العام 1922، وتبنى الفكر الليبرالي، إذ كان في صف واحد مع أبرز قادة الحزب ومفكريه أحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، ثم طه حسين، وهم جميعاً يمثلون المدرسة الفكرية المنحازة إلى المدنية، والوطنية، والحداثة، والليبرالية.

وتوفي الشيخ في 23 سبتمبر 1966، وبغض النظر عن رواية الشيخ محمد الغزالي بأنه تراجع عما جاء في الكتاب المهم، أو لم يتراجع فإن «الإسلام وأصول الحكم» هو المنهج الذي رآه الشيخ المستنير لمسألة أصول الحكم في الإسلام، وهو الكتاب الذي يعتبره الكثيرون مساوياً لكتاب "الأمير" لميكافيللي، في الثقافة الغربية، وهما الكتابان بغض النظر عن مرجعيتهما الفكرية، يعتبران مؤسسين لأصول الحكم في الدولة- أي دولة.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا المفكر المبدع حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للعلامة علي عبدالرازق الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله العلامة علي عبدالرازق ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع:

1-علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم بحث في الحلافة والحكومة في الإسلام ، القاهرة ، 1925.

2- محمد فايز جاد: في ذكرى رحيل صاحب "الإسلام وأصول الحكم".. علي عبد الرازق قضى على "الخلافة".. وخذله سعد زغلول، 23-9-2015 | 21:02

3-أمين حمزاوي: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎، حفريات ، 31/05/2021.

4-جابر عصفور: رؤى نقدية.. تأديب الشيخ على عبد الرازق 2، الأهرام، الجمعة 19 من ربيع الأول 1439 هــ 8 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47849

5- أنظر مقال بعنوان: علي عبدالرازق.. وصايا الحكم الإسلامي على الطريقة الميكافيللية، بوابة أخبار اليوم، الثلاثاء، 04 مايو 2021 - 04:39 ص

 

نجوى غنيمتسعى القراءة إلى التعريف بكتاب ذكريات في تقاطع الألوان، تحديد النوع الأدبيّ، دلالة العنوان، وتبرز أنّ سيرة ناهد الذاتيّة صيغت كلوحات سرديّة استعانت فيها بالألوان، وهي ذكريات تتجلى في أكثر من حيّز.

تُظهر القراءة أنّ للمكان في سيرة الكاتبة خصوصيّة، فهو البطل الأساسيّ رغم تعدّد الأمكنة. يحمل المكان الكثير من المعاني الوطنيّة والرسائل السياسيّة، وسأشير إلى بعض التقنيات الفنيّة والأسلوبيّة التي اتبعتها الكاتبة.

ذكريات في تقاطع الألوان سيرة ذاتيّة:

ينتمي كتاب ذكريات في تقاطع الألوان إلى أدب السيرة الذاتيّة، والسيرة الذاتيّة نثر استعادي يحكي فيه شخص حقيقيّ عن حياته الفعليّة بصورة تستهدف إبراز حياته الفرديّة وتاريخ شخصيته بشكل خاص، ومن مضمرات هذا التعاقد السير ذاتي أنّ الكاتب سيحكي للقارئ ما حدث بشكل خاص في الواقع دون إدخال أي عنصر من عناصر الايهام والتخيل في العملية السرديّة، وأنّ على القارئ أن يصدق كلّ ما يرويه له الكاتب.[1]

رأى Nadel أنّ كتابة السيرة هي حركة تعبّر عن ارتياح، فهي لحظة بذل جهد لتحرير أنفسنا،[2] ويجب ألّا نغفل أنّ كاتب السيرة يتعدى الحديث عن شخصيته بتحدّثه عن الشخصيات المحيطة، الأحداث، البيئة والواقع، وكلّ ما يمكن أن يكون له علاقة بشخصه ثم إنّه لا يكتب السيرة إلّا في سنوات متقدّمة من عمره، بحيث أنّه يحاول تصويرها بشكل استرجاعيّ، أي بعد اكتمال تجاربه ومداركه.[3]

في الكتاب تحيي ناهد الأحداث وتستعيد مجرياتها، والعنوان ذكريات في تقاطع الألوان يبرز مقروئيّة النصّ، إنّه عنوان يضعنا أمام أفقٍ شاسعٍ للتأويلات، يكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة، فلطالما كان العنوان يعدّ عتبة قرائيّة وعنصرًا من العناصر الموازية التي تسهم في تلقي النصوص وفهمها، وتأويلها داخل فعل قرائيّ شموليّ بفعل العلاقات الكائنة والممكنة بينهما، فالعنوان يولّد معظم دلالات النصّ، فإذا كان النصّ هو المولود، فالعنوان هو المولّد الفعليّ لتشابكات النصّ وأبعاده الفكريّة والأيدولوجيّة.[4]

الكتاب باكورة أعمال الكاتبة، يقع في 100 صفحة من القطع المتوسط، حوى إحدى وعشرين لوحة سرديّة، قام بتدقيق الكتاب لغويًّا الأديب فتحي فوراني، وراجعه الدكتور محمد هيبي، وأمّا صورة الغلاف فهي للفنان عبد عابدي، ضمَّنت الكاتبة في كتابها لوحتين جميلتين لوالدتها السيدة عناية زعبي، الأولى في ص 42، وقد رسمت عام 1947 لسفينة شراعيّة ترسو في ميناء يافا، والثانية في ص 70، رُسِمت أيضًا في يافا، ويظهر فيها وردة مجد الصباح رسمت عام 1946، وجاء الإهداء " إلى ذاكرتكم.. ومن وميض ذاكرتي.. ليكتمل المشهد"، تلاه قول لغسان كنفاني، ومقدّمة وضّحت فيها الكاتبة منهجها وإيمانها بأنّ لتوثيق أحداث الماضي أهمية كبيرة في تاريخنا.

لجأت الكاتبة إلى السيرة الذاتيّة بسبب حنينها إلى الماضي، ورغبتها في تخليد ذكرياتها كلوحات سرديّة حتى لا يطويها النسيان، تسجّل تفاصيل الأحداث الخاصة في حياتها وانطباعاتها عن الأشخاص الذين تعاملت معهم، وسيرتها فيها كثير من الصدق والشفافيّة، هي اعترافات وتأملات شخصيّة وذاتيّة، وصفتها بأنّها لوحة تشكيليّة، ألوانها متمردة لا توحّدها منظومة، ومن خلال هذه الألوان تبادل الماضي والحاضر ذكرى وحنين، عالم الكاتبة مليء بالألوان وبحكايات ترفض الرحيل.[5]

انتقت الكاتبة أحداثًا أثّرت فيها، ولم تتبع تسلسلًا زمنيًّا في لوحاتها،[6] وصفت لوحاتها بأنّها حكايات صغيرة جاءت خطوطها وألوانها وموضوعاتها لكي تروي ذكريات "جمعية بصيغة فرد"، مستعينة بإمكانياتها اللغويّة في استحضار الماضي واستطاعت أن تقدّم مذكراتها بشكل إبداعيّ مستخدمة الألوان بداية من العنوان ذكريات في تقاطع الألوان ووصولًا إلى التفاصيل، تلحّ مواقف معينة على ذاكرتها، وهذه الذكريات تتراءى في أكثر من حيّز مكانيّ، فالمكان يضحي باعثًا قويًّا لاستحضار الذكرى واستقطار الحنين، تحتفي الكاتبة بألوانها فنراها تقسّم الأحداث في لوحات سرديّة جاءت كالتالي:

-" برتقاليّ مائل إلى الأصفر": ترصد فيها إحضار والدها شجرة عيد الميلاد إلى البيت وتزيينها. (ص 21-15)

-"رمليّ مائل إلى البنيّ المائل إلى الأحمر" تكتب فيها عن ذهابها إلى الطيبة بعد الحصول على تصريح من الحاكم العسكريّ. (ص 26-23)

- " أزرق مائل إلى الأسود" تسرد تجربة الحرب سنة 1967 وأثرها على الجميع. (ص 29-27)

-" أبيض مائل إلى الأسود" وتحكي فيه عن تأثير وفاة جمال عبد الناصر على أقاربها ومعارفها ومعلمتها. (ص 33-31)

-" أبيض مائل إلى الأزرق" تتحدّث عن احتفالات عيد الاستقلال في مدرستها. (ص 38-35)

- " بني مائل إلى الأسود" تسرد صمود شعب من خلال ذكريات صندوق جدتها الخشبيّ، النزوح وحمل مفاتيح البيوت، وصول الجد والخالة بصعوبة إلى الناصرة. (ص 41-39)

-"أصفر مائل إلى البنيّ" تحصي فيها ذكريات يافا: البيارة، النواعير والسواقي، وسحر الشفق. (ص 45-43)

-" رمادي مائل إلى الأسود" الذهاب إلى غزة بحثًا عن ابنة خال الأم التي انقطعت أخبارها منذ النكبة وتصوير المكان الذي أرهقته الحرب. (ص 50-47)

- " أحمر مائل إلى الرمادي" تسرد قصة بوابة مندلباوم التي توجهت إليها مع عائلتها في شهر رمضان لتراها الجدّة من الجهة المقابلة، تصدم الكاتبة من المنظر، فالمنطقة مخيفة والأسلاك شائكة، ولم تفتح البوابة، ولم يتمكّن الأب من رؤية والدته. (ص 53-51)

- " أزرق مائل إلى الأبيض" تتحدّث عن لم شمل العائلة النصراويّة في اليونان، حيث توقّف الكلام وكان الدمع سيّد الموقف. (ص 61-59)

-" أحمر مائل إلى النبيذيّ" ذكريات الثوب الفلسطينيّ ألوان خيوطه المتباينة الجميلة التي أعدّتها الجدات والخالات والعمات، فيه خصوصيّة الشكل والرموز والزخارف، وفيه جذور، تاريخ ومسيرة. (ص 65-63)

- " أبيض مائل إلى الأحمر والأصفر والبرتقاليّ والأخضر والأزرق والبنفسجيّ والنيليّ" وهي ألوان قوس قزح التي تتذكّرها ناهد بمجرد رؤية وصية والدتها، تحمل ألوانه أمانيها وأحلامها. (ص 68-67)

- " ألوان خارج حدود النصّ" تسوق فيه ناهد كلّ دلالات الألوان، فقد وصلنا الإرث ليكون شاهدًا على ذلك العصر، وأمّا نحن فامتدادهم، وعلى الابداع أن يستمر ويأخذ مسار المقاومة. (ص 72-71)

- " الأبيض أبيض، أمّا الباقي فألوان" تسرد فيه رحيل والدها ووالدتها". (ص 75-73) ولعلّ الكاتبة انتقت في هذه الصفحات اللون الأبيض لارتباطه عند معظم الشعوب بما فيهم العرب بالطهر والنقاء، وقد استخدمه العرب القدماء في تعبيرات تدلّ على ذلك، فقالوا: كلام أبيض، وقالوا: يد بيضاء، واستخدموه للمدح ونقاء العرض من العيوب، ولارتباطه بالضوء وبياض النهار.[7]

-"أبيض مائل إلى الأزرق والأحمر" تسرد فيه اجتياح البلدة بالدبابات على مدخل مطعم أعدّت فيه عيد ميلاد لابنها، وكيف تمّ انقاذ الموقف وأعادت الأولاد إلى بيوتهم. (ص 82-77)

-"أزرق، أبيض وزهريّ" توثّق مجزرة الحرم الإبراهيميّ الشريف، حيث أٌمطر المصلون بوابل من الرصاص. (ص84-83)

-"أبيض مائل إلى الرماديّ" تأخذنا الكاتبة إلى ما وراء الجدار، إلى مخيم لاجئين توجّهت إليه بقصد تقديم واجب العزاء، وهناك لم تستطع المكوث بسبب الغاز المسيل للدموع فاستأذنت، ولكنّها تستدرك نفسها وقوتها وتستعيد شجاعتها عند رؤية أطفال المخيم يمارسون لعبة كرة القدم رغم صعوبة الموقف وهم ملثمون، تفرح لفوزهم بإحراز الهدف، وبتحديهم للجدار والحصار. (ص 86-85)

-"أخضر مائل للأزرق" تتحدّث عن جدار الفصل بين بيت العم وبيت الجد. (ص 88-87)

-" زيتي مائل إلى الأسود" تسرد كيف تمّ إيقافها عند الحاجز، محاولتها لإثبات مكان سكناها، رفض الجندي لطلبها وتهديدها بالسلاح، ومع ازدياد المطر في تلك الليلة واتشاح الليل بالسواد تراجعت ولم تصمد في المواجهة، فالموقف أكبر منها ولم تتمكّن من الوصول إلى بيتها. (93-89)

-"عينان سوداوان وشعر جعديّ" تحدّثت فيه عن أم عبدو: حكاياتها وقصصها الخياليّة، طعامها وشرابها، بيتها السحريّ الذي اجتمعت فيه أسرار الماضي والحاضر. لقد كانت أم عبدو بمثابة جدّتها، شاركتهم الأفراح والأتراح، مهرت في الطب الشعبيّ وعالم الأعشاب، تسرد حكاية نزوحها وانقطاع تواصلها مع إخوتها وأخواتها، مصادرة أراضي والدها، وخروج زوجها من البيت وعدم عودته، ولحاق ابنه عبد الكريم به وعدم عودته أيضًا، وبحثها عنه دون فائدة. (ص 100-95)

و" نصّ بلا لون" أشارت إلى أنّه نصّ لم تنته من كتابته، تسرد فيه سيرة حياة جدّها وجدّتها، سيرة عمها الأكبر، وسرد والدها لحكايات الصمود والمقاومة وتوثيق التاريخ شفويًّا. (ص 58-55).

المكان في ذكريات في تقاطع الألوان:

3592 ذكريات في تقاطع الالوانيسهم المكان في تشكيل وعي الإنسان بوجوده، ويطبع فكره وهويته، والمكان في سيرة ناهد الذاتيّة يقدّم على أنّه عنصر سرديّ يتمتّع بخصوصيّة وأهمية، المكان في نصّ الكاتبة يفرض نفسه بطلًا.

تتعدّد الأمكنة في سيرتها الذاتيّة، فمن هذه الأماكن: الناصرة ومبنى المسكوبية الذي أرادت اختراق أسواره ونوافذه المظلمة (ص 23)، أم الفحم، الطيبة حيث تقطن الخالة الحبيبة (ص 24)، يافا البحر، القدس، بحيرة طبريا، بحر حيفا وعكا يافا (ص 35)، شاطئ يافا، المنشية وحي العجمي (43) غزة هاشم (47) محيم خان يونس للّاجئين، قسطل قرية صفورية المهجرة، بوابة مندلباوم، جبال الناصرة المطلة على سهل البطّوف (67) الحاجز الترابيّ (77) الحرم الابراهيميّ الشريف (83) القدس (87) سمخ، مطار اللد والأغوار (99).

نجد أنّ المكان في السيرة الذاتيّة حاضر بقوة، حيث أنّ هذا الحضور يبدأ من العنوان "ذكريات في تقاطع الألوان" الذي يدلّ على مكان حدوثها، المكان لدى ناهد خريطة دون حدود، تربة يتغيّر لونها بتغير المكان، فتحدث نسيجًا ملونًا، كتاب مفتوح وملامح سافرة، إنّه جذور وأحداث، تاريخ ومسيرة وصورة جميلة.

ترى الكاتبة في الثوب الفلسطينيّ حكاية المكان والزمان ورائحة الذاكرة، فهو موروث ثقافيّ تراثيّ، لبسته فتاة في الجليل، في المثلث، في الساحل، في النقب، في جنين، في نابلس ورام الله وبيت لحم في غزة وفي الخليل (ص 63).

حضور الأماكن في لوحاتها السرديّة، كان له دور هام في استثارة الحنين، ونبش الذاكرة الفلسطينيَّة، واستخدام أسلوب - النوستالجيا – العودة بالذاكرة إلى الوراء، واستعراض الأحداث التاريخيَّة من خلال وصف بعض الأمكنة الموحية لها بالأحداث، الأمكنة التي وصفتها أعطت انطباعًا عن نشوء علاقة متينة ما بين شخصيَّة الكاتبة، وبين الأماكن والأزمنة.

التقنيات الفنيّة والأسلوبيّة التي تتكئ عليها الكاتبة في نسج خيوط نصّها:

استعانت الكاتبة بذاكرتها التي شكّلت مصدرًا كبيرًا وثراء عميقًا، وظّفت ناهد الألوان في العناوين، وقد انعكست دلالات الألوان على موضوعها العام، هذا الانعكاس تفسّره العلاقة القائمة بين النصّ والعنوان، إنّ وجود الألوان داخل السيرة يرتبط منذ البداية بهاجس الكاتبة في محاولة خلق إيهام بالواقعيّة، فتُدرج الأشياء وتقوم بتلوينها لتحفيز ذاكرة القارئ ودفعها للتواصل مع العناصر النصيّة مما أضاف بعدًا جماليًّا.

استخدام اللون في مذكراتها ساهم في ترسيخ أجزاء الصورة، وارتبط بشكل كبير ببيئة وتراث الكاتبة والأحداث السياسيّة التي عاشتها، وألوانها تتغيّر بفعل التجارب الخاصة والأحداث العامة،" فحنين قلبها عند يافا قد رسا في يوم كان الغروب فيه على غير عادته، لا ينتظر شروقًا، والشفق أصفر مائل إلى البنيّ" (ص 45) " ونحلم.. ويعود الغائب على جسر.. ألوانه الأسود والأخضر والأبيض والأحمر.. وللحلم بقية." (ص 82)

كُتبت السيرة بضمير المتكلم، "وأنا أدور في كلّ البيت لأراها من كلّ زاوية" ص 18، وتأتي أهمية استخدام ضمير المتكلم في أنّه يحيل على الذات مباشرة، يقرّب المتلقيّ من العمل السرديّ، استخدامه سمح للكاتبة بأن تصوّر انفعالاتها وتنقل انطباعاتها بطريقة مباشرة، فهي ليست مجرد راوية له، ومن ثمّ فهي أمينة على مصداقيّة الأحداث، فضمير المتكلم هو ضمير له قدرة على التذكر والاسترجاع الذاتيّ للكاتبة؛ فمن خلاله تسرد وهي واقعة في زمن حاضر، ما مرّ بها من تجارب وأحداث وشخصيات في زمن مضى.

برزت الكاتبة في بعض اللوحات من موقع المراقب" دخل على الركع السجد.. أمطرهم بوابل من رصاص حقد أسود" (ص 83)، وفي بعضها ظهرت في موقف المشارك" وما إن رآني الجندي أمامه حتى رفع سلاحه معلنًا أنّه سيطلق النار عليّ إذا لم أتراجع للخلف" (ص 90).

تألّقت الكاتبة في ذكرياتها باستعمال أسلوب سرديّ جاذب، وتمتّعت بمرونة باستخدام اللغة ما بين الفصحى والعاميّة" فطبعًا أنا أصل الموضوع والشجرة لي، آه هاي إلي!"(ص 17) وربما يعود ذلك إلى حرص الكاتبة على مراعاة العناصر الفنيّة في تكوين عملها الأدبيّ، وفي مقدّمتها الصدق الفنيّ والواقعيّة واستغلال اللغة في تجسيد الأفكار والانفعالات وحرصها أيضًا على إيصال المعاني بصورة مؤثرّة إلى أكبر عدد ممكن من القراء، فاللفظة العاميّة عندها تكتسب وجودًا ونبضًا وحياة، كما حافظت على عفويّتها في اختيار الكلمات والعبارات" فنحن نحتاج لرضى أمي أيضًا، لأنّ عدم رضاها قد يغيّر كلّ الموقف" (ص 17).

اتسمت لغة الكاتبة بالبساطة، فذكرياتها كما تقول تأبى أن تجمّل بالتعابير المجازيّة وفن البلاغة وأدوات اللغة تعجيزيّة الفهم،[8] بل إنّها عمل سرديّ مفعم بالمشاعر الصادقة والأحداث الصادمة بلغة سلسة وبلا إنشاء ولا بحث عن مفردات غرائبيّة مفتعلة، تخاطب الكاتبة القارئ، أو تتحدّث عن نفسها، ولوحاتها توشك أن تكون لقطات تذكاريّة، تشكّل بمجموعها لوحة بانوراميّة تجسّد المشهد برمته.

يبرز التناص[9]في بعض لوحاتها السرديّة، فنجد:

- التناص الدينيّ في "نحن سنديانة جذرها في الأرض وفرعها في السماء" (ص 37)، من الآية الكريمة" ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء."[10]

-التناص الأدبيّ " فكان ينادينا ويشدّ على أيادينا" (ص 37)، يتناص مع قصيدة توفيق زياد.[11]

-"توقّف الزمن هناك وتوقّفت لغة الكلام" (ص 60) يتناص مع قصيدة أحمد شوقي.[12]

استدعت الكاتبة المأثور الشعبيِّ والتاريخيِّ فاستخدمت الرموز الميثولوجيّة التي تدعم رؤيتَها وتعبّر عن مشاعرها ومواقفها تجاه ما يدور حولها " اجتمعت آلهة اليونان والاغريق كلّها معًا.. متمثّلة بزيوس وهيرا وبوسيدون وأثينا وهيرميس" و " نجحت آلهة الاغريق بذاك" (ص 59) " وبحفظ ارتميس وأفروديت، وأبيهم زيوس قبلهم، تمّ اللقاء" و " ونبطل قوى الإله كريتوس والإله أريس" (ص 61).

ظاهرة التكرار تُعدّ من الظواهر البارزة في الكتاب، فالكاتبة من خلال التكرار تحاول تأكيد فكرةٍ ما تسيطر على خيالها وشعورها، أو تؤكد قضايا تريد إيصالها إلى القارئ، والتكرار يختلف باختلاف موقعه وحاجة النصّ إليه.

في اللوحات السرديّة تكرار واضح، من ذلك تكرار أنّ الأديب غسان كنفاني كان من تلاميذ جدّها " ومن أشهر من غسان كنفاني!؟ إنّه أحد تلاميذ مدرسة جدي" (ص 25) " كان من تلاميذ جدي غسان كنفاني" (ص 41).

التكرار أيضًا في اسم الإشارة "هنا" " هنا النسيج الدقيق الذي يفصل بين الحرية والاحتلال، هنا القدر، هنا تختفي القوانين والمواثيق الدوليّة "(ص 90)، هذا التكرار يؤدي وظائف دلاليّة معينة ويقوي المعنى، تكرار ضمير المخاطب "أنت "(ص 88) ولّد تكرار الضمير(أنتِ)- إيقاعاً نغميًّا (تناغميًّا) موقظًا للدلالة، وباعثًا لحراكها الجماليّ، تكرار حرف الجزم لم " لم أستطع" (ص 92)، تكرار حرف العطف أم (ص 36) تكرار ما أجمل (ص17). التكرار في هذه المواضع أفاد في تكثيف الشحنة العاطفيّة وتحقيق التماسك النصيّ.

أسعف أسلوب الاستفهام الاستنكاريّ التعجبيّ الكاتبة في إظهار الحزن على مآل حالها والتعجب من تقلبات الدهر والانتظار، فكأنّها في استفهامها التعجبيّ هذا تشرك غيرها في تأملها، إذ الأصل في الاستفهام أنّه استخبار، فكأنّها تخاطب غيرها أي تأملوا " لم تستطع هذه العائلة الانتظار.. فماذا تنتظر والحنين موجع قاس؟! أتنتظر معاهدة سلام؟! أتنتظر اتفاقيات سياسيّة؟! أم نكبة ونكسة؟! أم تنتظر قدرًا كتب في صحف التاريخ.. قدرًا محتومًا لم تسعفه الدعوات والصلوات التقليديّة؟! (ص 59).

أمّا علامات الحذف والنقط المتتاليّة الدالة على حذف منطوق كلاميّ فهي حاضرة بقوة في لوحاتها السرديّة؛ وذلك من أجل تحقيق التكثيف اللغويّ، والغموض الفنيّ المقصود الذي تعمد إليه الكاتبة عن سبق إصرار وترصد، وربما استعملت الكاتبة تقنية الحذف والإضمار من أجل التواصل مع المتلقيّ، قصد دفعه إلى تشغيل مخيلته وعقله، لملء الفراغات البيضاء، وتأويل ما يمكن تأويله، وتستعين ناهد غالبًا بالإيجاز والحذف لدواع سياسيّة واجتماعيّة وفنيّة. كما أنّ ذكر بعض التفاصيل الزائدة، التي يعرفها القارئ، تجعل من العمل الأدبيّ حشوًا وإطنابًا، "وقفنا.. وصمدنا.. وتعلمنا.. أنجزنا.." (ص )37،" إنّها هي.. نفس النسائم ورذاذ ماء الموج نفسه.." (ص 44).

عمدت الكاتبة إلى استرجاعات محدّدة من مسيرة حياتها، وقد ركّزت عليها، مهتمة بعلاقتها بالعام، لا الخاص، والعام هنا هو اهتماماتها بقضايا الأمة وقضايا وطنها فلسطين، إذ يبدو حضور الموروث بارزًا ومحدّدًا، في مقابل هذا الحضور الكثيف توسلت الكاتبة لغة ولت وجهها شطر الحاضر في حيويّته وديناميته، فقدّمت اللوحات بلغة سرديّة أدبيّة رقيقة.

تستمد الكاتبة موضوعات كتابها مما عايشته شخصيًّا، ومما وصلها من والدها من معلومات، ومن أبحاثها في الذاكرة الحيّة، وهذا ما يعطي العمل والأحداث التي تقدّمها مصداقيّة خاصة، ففي لوحاتها تتحدّث عن والدها الذي شكّل مصدرًا هامًا لمعلوماتها، جدّها الذي كان يعمل مفتشًا للمعارف ومؤسسًا لمدرسة، زوج خالتها الطيباوي المشهور بوطنيته.

وتبقى ذكريات الكاتبة شهادة للتاريخ، إنّها ذاكرة تختزن وتبحث بين خبايا الحنين، يوميات واقعيّة عن حياتها وحياة عائلتها ومعاناتهم، تعبّر من خلال بعض اللوحات السرديّة عن سلسلة من الهزائم السياسيّة التي أثمرت بدورها زمن الانكسار والتشظي، لوحات تصدر عن تجربة حقيقيّة صادقة عابقة بعطر الوطن، إذ لا تكاد لوحة من اللوحات تخلو من نكهة فلسطينيّة.

وستبقى الكتابة عن التاريخ الفلسطينيّ سجلًّا مفتوحًا، لأنّ لكلّ حياة قيمتها، ولكلّ حدث أهميته، وكلّ عمل يُكتب في هذا المجال يسهم في استكمال الصورة عن المرحلة التي مرّت من تاريخ فلسطين بكلّ ألوانه.

***

د. نجوى غنيم

.................

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم.

جميل، حمداوي. السيموطيقا والعنونة، عالم الفكر، الكويت، م25، ع3، 1997

ح.افظ، صبري. رقش الذات لا كتابتها، تحولات الاستراتيجيات النصيّة في السيرة الذاتيّة، ضمن لغة الذات: السير الذاتيّة والشهادات، مجلة ألف، العدد 22، 2002، ص 7-8.

زعبي، ناهد، ذكريات في تقاطع الألوان، الناصرة- بيت لحم، ط1، 2021.

زياد، توفيق. أشدّ على أياديكم، مطبعة الاتحاد، حيفا، 1966.

شوقي، أحمد. ديوان الشوقيات، مؤسسة هنداوي، 2020.

عمر، أحمد مختار. اللغة واللون، القاهرة، عالم الكتب، ط2، 1997.

فهمي، ماهر حسن. السيرة تاريخ وفن، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، 1970.

مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعريّ (استراتيجية التناص)، المركز الثقافيّ العربيّ، 1986.

المصادر الأجنبيّة:

Roy Pascal, Desire and truth in autobiography, p, 142-178

Ira Bruce Nadel, Biography: fiction, fact and form, Hong Kong, 1984, p.121

هوامش

[1]  صبري حافظ، رقش الذات لا كتابتها، تحوّلات الاستراتيجيات النصيّة في السيرة الذاتيّة، ضمن لغة الذات: السير الذاتيّة والشهادات، مجلة ألف، العدد 22، 2002، ص 7-8.

[2][2] Ira Bruce Nadel, Biography: fiction, fact and form, Hong Kong, 1984, p.121

[3] Roy Pascal, Desire and truth in autobiography, p, 142-178

أنظر، حمداوي، جميل: السيموطيقا والعنونة، عالم الفكر، الكويت، م25، ع3، 1997، ص 106.[4]

[5] ناهد الزعبي، ذكريات في تقاطع الألوان، تدقيق لغوي: الأديب فتحي فوراني، مراجعة: د. محمد هيبي، الناصرة- بيت لحم، ط1، 2021، المقدّمة، ص 13-14

[6] يعتقد ماهر حسن فهمي أنّ السيرة اعتراف لا يضطره إليه أحد، فالكاتب يقدّم حياته بصورة انتقائيّة أو يقدّم مجملًا لأهم تجارب حياته، أنظر، ماهر حسن فهمي، السيرة تاريخ وفن، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، 1970، ص 312.

[7] أحمد مختار، عمر، اللغة واللون، القاهرة، عالم الكتب، ط2، 1997، ص 69.

[8] المقدّمة، ص 14.

[9] تناول العديد من النقاد العرب المعاصرين التناص بالدراسة نظريًّا وتطبيقيًّا. ويعتبر الناقد محمد مفتاح أكثرهم عملًا على تطوير وإغناء هذا المفهوم، فقد حاول مفتاح في كتابه "تحليل الخطاب الشعري استراتيجيّة التناص" أن يعرض مفهوم التناص اعتمادًا علي طروحات "کريستيفا وبارت"، وفي تعريفه للتناص عرض تعريفات هؤلاء النقاد ثم خلص إلي تعريف جامع للتناص هو تعالق «الدخول في علاقة» مع نصّ حدث بكيفيات مختلفة، أنظر: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعريّ (استراتيجية التناص)، المركز الثقافيّ العربيّ، 1986، ص 121

[10] سورة إبراهيم- الآية 24

[11] توفيق زياد، أشدّ على أياديكم، مطبعة الاتحاد، حيفا، 1966، ص 22.

[12] أحمد شوقي، ديوان الشوقيات، مؤسسة هنداوي، 2020، ص 524.

مجدي ابراهيمهذا كتابُ تدور فكرته حول درس جوانب الشخصية النبويّة في بعديها الإنساني والحضاري بوجه خاص، ويتضمّن بدايةً نسبه ومولده وطفولته وشبابه ثم خلقه وخُلقه، مع وافر البيان في سياق متصل وعبارة ناصعة عن الجانب الخُلقي في شخصه الشريف، وإن كان المؤلف لا يقتصر على هذا الجانب فقط؛ بل يتعدّاه إلى الحياة  الأسرية والجانب الاجتماعي، ثم السياسي والحربي، وتأسيس الدولة الإسلامية، وانتهاءً بوفاته صلوات الله وسلامه عليه؛ ليكشف المؤلف بذلك عن مجمل خصائص العظمة الإنسانيّة في شخصه الشريف.

إذا كانت هذه هى فكرة الكتاب الذي كتبه الأستاذ الدكتور زكريا هيبة، أستاذ أصول التربية بجامعة العريش وجامعة طيبة بالمدينة المنورة، فهو أولا ًكتاب أروع ما يكون دلالة على وعي كاتبه وتميّزه العلمي، فضلاً عن ظهور محبته الضافية للحبيب الأعظم، صلوات الله وسلامه عليه، ظهوراً بادياً بين كلماته، تجلّيها عباراته وتكشف نصوصه عن سعة إطلاعه وسعة مراجعاته.

آصرة القربى للقلم الذي يجري في رحاب خصاله الشريفة ومناقبه الكريمة هى آصرة الروح الباقية توجّهت بالاختيار والاصطفاء، ولم تكن لتتوجّه عبثاً من غير إمارة أو علامة، فلا يكتب عنه سوى مُجتبى ولا يركض في بحار نوره سوى سبّاح ماهر مدعوُّ منه للركض في بحار الأنوار النبويّة. الذين تهجموا على مناقبه  الشريفة ممّن لم يؤمنوا به وبرسالته كثيرون، لكنهم ليسوا بأكثر من الذين انصفوه وعرفوا خصاله وأخلاقه وهم من غير المؤمنين برسالته، وهؤلاء وهؤلاء ليسوا بشيء أمام القادر الحكيم الذي أطلعه بالإختصاص على آيات ربّه الكبرى.

كان شاعر فرنسا الكبير "لامارتين" يعتبر أن أعظم حدث في حياته هو أنه درس حياة رسول الله صلوات الله عليه، وأدرك ما فيها من عظمة وخلود. ومن هنا؛ فإنّ المؤلف يستفتح مقدّمة كتابه بحديث عذب عن عظمة الإنسان العظيم في الثقافات والحضارات المختلفة، ويعقبها  بخصائص العظمة النبويّة التي جمعت ما تفرّق من شمائل العظماء وافية غير منقوصة، ويرى أن الإنسان العظيم كما المحيط الواسع في أية ناحية تنظر إليه تراه يعانق السماء ويتسع نظره للمطلق غير المحدود، ويوحي هذا العناق بالسمو بكل مضامين الرفعة المعنويّة والماديّة معاً، لأنك في كل ناحية ترسل البصر فيها تجد جمالاً وفضلاً، وتقنع على الفور، بأن العين لم تحظ بعدُ بكل الجمال الذي فيه، ولم يدرك العقل بعدُ كل الخير الذي احتواه".

وإذا وُجد في العاصمة الإندونيسية جاكرتا متحفاً للسيرة النبوية به أكثر من مائتين ألف مصنّف في سيرة النبيّ العربي، فماذا عساه يقدّم كتاب عن شخصية الرسول عليه السلام؟ يرى المؤلف أنّه إذا كان ثمّة جديد يُقدّم، إن كان هنالك جديد، ففي طريقة المعالجة والطرح والاستنباطات، للوقوف، على بعض المعاني الإنسانية والحضاريّة من سيرته العطرة.

لكنني أرى غير ما يراه المؤلف، أرى أن عاطفة الكاتب سبقت القلم وسكنت القلب؛ فكانت سبباً في هذا التميز العلمي والضبطية المنهجية؛ ليحدثنا قائلاً : وماذا أصنع فيما لا أملك وقد سكن الحبيب، صلوات الله وسلامه عليه، ضميري؟

هي هذه؛ فلئن تكن هنالك بقيّة في نفس الكاتب أهلته للكتابة في هذا الميدان، فلا أقلّ من تكون آصرة المحبّة الجارفة، لها من وقائع نفسه دلالة وعلامة، ومن طوايا ضميره إشارة إلى كوامن حبّه عليه السلام.

فإنّ الجديد الذي يُضاف إلى مئات الألوف التي كتبت عن تفاصيل حياته الشريفة، إنما هو في شخوصنا نحن ممّا نقتبسه من نوره قبسات، وممّا ينعكس فينا من محبّته، وقد ظهر هذا في مقدّمة الكتاب الذي ألفه الدكتور زكريا هيبة، مضافاً إليه كتابات أخرى صنّفها، تتعلق بقصة الغرانيق المشهورة، وكتاب آخر في أخلاقيات الحرب للنبيّ صلوات الله عليه: ثلاثية معرفيّة وإنسانية أخرجتها قريحة المؤلف وظهر فيها عطفه ومحبته قبساً من نور النبوة. وليس بمانِعٍ لهذا القبس أن يظهر في كل محبّ صادق أخلص للمحبّة النبويّة وأحسن العمل على منهاجها في نفسه أولاً قبل أن ينشرها في آخرين.

وفي فصل بعنوان : الإنساني والحضاري في دعوته عليه السلام، ركز المؤلف على شواهد وأدلة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك إنسانيته الكبرى عليه السلام، ودعوته الحضاريّة الراسخة بين أعماق الأرض وأجواز السماء : عالج النزعات العرقية العالقة من أدران الجاهلية بقوة وحسم، ورفض العصبية المقيتة التي تتعارض مع التحضر والرقي، وأشاد بأوصال الأخوّة بين المسلمين، وركز على قيمة العلم، وقضى على الأصنام القديمة والمتجددة في سائر العصور، ومحى الوثنية بكل أطيافها الظاهرة والباطنة، ودعى إلى تحرير العقل البشري من رق الأغيار، من هذا الانعتاق المرذول، فجاءت دعوته عليه السلام، في ظلال القيم الكبرى، أسمى القيم الحضاريّة والإنسانيّة بإطلاق.

***

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

الكاتب هوالعقيد جاك بود Jacques Baud، خريج المعهد العالي للدراسات الدولية في جنيف، الخبير في الأسلحة الكيميائية والنووية، العميل السابق لأجهزة المخابرات السويسرية. المسؤول السابق بتوجيه المعلومات الاستخبارية للموظفين الخاصين لأخذ الرهائن التابعين للحكومة السويسرية. المصمم للمشاريع الإنسانية لمقرالأمم المتحدة في نيويورك ومركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية (GICHD) ونظام إدارة المعلومات بشأن الأعمال المتعلقة بالألغام (IMSMA). المنتشرة الآن في أكثر من 60 دولة.

والمساهم الرئيسي في تأسيس مفهوم الاستخبارات لعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، والذي قاد أول مركز تحليل مشترك لبعثة الأمم المتحدة (JMAC) في السودان. كما شغل منصب رئيس قسم عقيدة عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة في نيويورك ورئيس مكافحة انتشار الأسلحة الصغيرة في منظمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل.

 مؤلف لحوالي عشرة كتب عن الترشيد العقلاني الستراتيجي في الحروب الغيرالمتكافئة، ومكافحة الإرهاب بالطرق العقلانية ضمنها كتابا له بعنوان: "دائرة المعارف المعلوماتية والإستخباراتية والخدمات العسكرية، " الترشيد السياسي بالمعلومات والأخبار الكاذبة Govern by Fake News، .

كما ، أنه متخصص في دول أوروبا الشرقية ، ورئيس لما يسمى ب "عقيدة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة. ": حيث انخرط في مفاوضات مع كبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين الروس بعد سقوط الاتحاد السوفياتي مباشرة وخبيرا و مخبرا داخل الناتو .

- شارك كمستشارفي برامج في أوكرانيا وعلى وجه الخصوص أثناء ثورة الميدان في عام 2014.

فماذا عن الكتاب؟

الكتاب يتمحورحول 50 تساؤل عن الإشكاليات المعقدة المتعلقة بعلاقات الروس مع الغرب منذ نهاية الحرب الباردة . يعالجها الكاتب بمصداقية وحرفية وشفافية، نورد بعضا منها على سبيل المثال:

هل أصبح بوتين سيد اللعبة ؟ (عنوان الكتاب)

-وهل أصبح بوتين سيد العالم؟:

يستهل الكاتب محادثة مع الصحفي الفرنسي المخضرم المشهور مدير قناة " SUD RADIO، بالإجابة عن تساؤل الصحفي عن الأسباب الغير المعلنة حول هذه الحرب، فيجيبه الكاتب -بطريقة سقراطية"سائلا أياه بدوره: "أولا: ما هي خصوصيات هذا الصراع الروسي الأكراني الذي يجعله مميزا، بحيث يستدعي إستنفار الغرب بأكمله منذ إطلاق الروس للرصاصة الأولي على أكرانيا؟ جارا معه العالم كله إلى إحتمال إشعال حرب نووييه لا تبقي ولاتدر؟ثم يحترق العالم من أجل أوكرانيا؟حيث أضاف موضحا للصحفي ، مبتسما ولكن بلهجة ساخرة، حيث نعيش اليوم حربا جهنمية قذرة على اليمن-كأقدم حضارة عربية في الشرق الأوسط ولأعرق شعب في تاريخ المنطقة؟حيث يطحن فيها الغرب مع " أصدقائه العرب الديموقراطيين جدا" شعبا مسالمافقيرا؟وما زلنا نعاين من نتائج حملات الناتو في العراق وليبيا وسوريا !فما هو الفرق ياتر؟-يتساءل الكاتب !

-ثم هل فعليا بوتين هو الذي بدأ الهجوم العسكري المفاجئ !علما بأن الأمريكيين كانواعلى علم بأنه لم يكن كذلك ، ولا يوجد أي دليل على ذلك سوى ما يبثه الإعلام العالمي (ثم يدلي الكاتب بالوثائق الموثقة –أوروبيا وأمريكيا- كيف تم التدليس في القضية، حيث تلقي زيلنسكي الأوامرمن بايدن بالهجوم على دونباس في شهر فيفريي من عام 2021 وتلى ذلك إستفزازات للإقليم المنفصل عن حكومة كييف بقتل المواطنين الروسيين فيها، ومع ذلك يرد بوتين الرد على تلك الإستفزازات التي صمت عنها الإعلام الغربي- التي لم تكن سوى استكمالا لخطة وضعها فريق أوباما في عام 2014. وما تلى ذلك من نقض غربي لإتفاقيتي: مينسك1 و2

وهل سعى بوتين إلى منع أوكرانيا من الارتباط بالمجموعة الأوروبية؟-( التي هي تاريخيا "مؤسسة أمريكية" بل مجرد ولاية لها منذ 1945)؟

- هل يسعى بوتين لإعادة تشكيل الاتحاد السوفياتي السابق على شكل صيغة ليبرالية جديدة مرنة معدلة لصالح بديلة للروس ولأوروبا، في مواجهة النيولبراية الإحتكارية الإستغلالية التي تقودها النخبة العولمية الأمريكية ؟

لماذا وعد الناتو غورباتشوف بعدم التوسع شرقًا بعد عام 1990؟ولماذا خالف الغرب إلتزامته مع الروس بطريقة هي أشبه بطرق مافيات شيكاغو ؟وماذا حدث بعد ذلك؟

- لماذا يستخدم الإعلام الغربي عبارات الاحتلال الروسي والغزوالروسي ولا يستعمل الإعلام الغربي عبارة " العملية العسكرية الروسية"؟ ولا يتحدث عن ممهدات الحرب التي جرت ما بين 1990 حتى عام 2014 وفي عامي 2017 و 2021؟

ما هي المؤامرة التي قامت بها إدارة بايدن بتحريك الرئيس الأوكراني؟ والرمي بالأكرانيين والأوربيين في حروب ليست حربهم من أجل إنقاذ "الأوليغارشية العولمية؟

ولماذا قررزيلينسكي في اليوم الثاني للهجوم على التفاوض مع بوتين، ومنعته المجموعة الأوروبية مقررة -محل زيلينسكي- التعهد والإلتزام بإرسال الأسلحة. لكي يحارب بدلا عن "مجموعة بروكسيل" ولماذا؟.

لماذا كلما اشتدت وثيرة الحرب كلما تصلب زيلينسكي في مواقفه في حين يتصل سريا مع دول من أجل التفاوض؟

ولماذا تجرأ زيلينسكي على مطالبة مجلس الأمن الدولي بطرد روسيا من عضويته؟-وقد حدث الطرد فعليا-في حادثة غيرمسبوقة في تاريخ المنظمات الدولية، - ؟ 

الكتاب حافل بإجابات حول تعقيدات (الجيو-سياسية) الغربية والدولية الحالية، إستنادا إلى ملفات أجهزة المخابرات والتقاريرالرسمية الأوروبية والأمريكية، يستعرض فيها الكاتب هكذا توالي أحداث التاريخ الحديث لروسيا منذ الحرب الباردة التي أدت إلى الحرب الحالية مع أوكرانيا . كما يبين الكاتب الأخطاء الغربية القاتلة في شأن التعامل مع الملفات الدولية، فيحلل عبرها الخلافات المختلفة بين الغرب وروسيا كما يحلل" أنثروبولوجيا" المقاربات السياسية الغربية "اللاعقلانية" للأزمات الدولية: (حيث"ينتقي"الغرب مسبقا دائما الدول المارقة -أوالفاشلة- حسب تعبيرأوباما-التي يستلزم ضربها، ثم يبحث عن مسوغات ملفقة لتبرير الضربة)

 - يلقي الكتاب الضوء على الدورالذي يلعبه بوتين اليوم على الساحة الدولية. مما يسهل على القراء المهتمين والباحثين المتخصصين في الجيو-سياسة، فهم الأوراق الخفية وراء إتخاذ قرارت السلم والحرب، من أجل الوصول إلى الفهم المتوازن لأهم الأحداث السياسية التي سكت عنها الإعلام الغربي، والتي زيفها وضلل في معظمها وفبرك الكثير منها . (وبالمناسبة لم يسردالكاتب أية وثيقة روسية، أو إعتمد على مرجع وثائقي روسي لكي لا يتهم بالعمالة لبوتين)

- يشرح "جاك بود"، كيف نجح الرئيس الروسي في طرد الأوروبيين من حيز حواراته مع الغرب، وقزمهم إلى حجمهم الطبيعي كمجرد وكلاء ووسطاء لدي واشنطن ، فيقررإجراء حوارات مباشرة مع الولايات المتحدة. بدل الوسطاء الأوروبيين.

-شرح الكاتب -بأدلة موثقة -مدى عقم وغباء العقوبات الإقتصادية الغربية على موسكو التي ستُرَكًعُ الغربَ نفسه في النهاية. وفسر كيف سيزداد شبح الاعتماد الأوربي على روسيا للغاز الطبيعي، وهي مكرهة على ذلك ، وخاصة فيما إذا لم يتمكن الأوروبيون من إيجاد بدائل سريعة قبل قدوم شتاء العام المقبل.

وبالنسبة للصين شرح الكاتب كيف دفعت العقوبات المفروضة على روسيا إلى المسارعة في تفعيل مشروع "العالم الجديد" الذي أصل له أليكساندر دوغان Alexandre Douguine المربي الروحي لبوتين والمستلهم له في سياساته الخارجية. كرؤية (فلسفية ، وسوسيو-ثقافية) جديدة للعالم الجديد الذي ستقتل "الدولارالإله" (وفصل في هذا الجانب بالوثائق الموثقة)

- شرح الكاتب، لا جدوى الهسترة الأمريكية القائمة حاليا سواء من خلال التهريج بالمزيد للعقوبات الإقتصادية أو أوالتلويح بتدميرموسكوبالنووي، وهي فكرة مثيرة لضحك الكاتب لخبرته الميدانية داخل الناتو لحوالي 30سنة لمعرفته بدهاليزوكواليس المنظمة.

شرح الكاتب، عبثية مهاجمة الغرببين لسياسات بوتين الداخلية وتشجيع المعارضين السياسيين، والتركيزعلى " ضمان"حقوق المثليين والمتحولين جنسيا"– الجانب الأهم والأعز لدي النيولبراليين-الذين هم الطابور الغربي الفاعل وحضان طروادة الغربي داخل" الدول المارقة "(وهي غالبا الدول الشرقية التي لا تتقاسم بالضرورة بعض القيم الغربية الصادمة للأعراف الروحية ، والأخلاقيات التي تتنافي مع بعض القيم التي يريد الغرب دائما فرضها بقوة السلاح والتدمير. حيث ساهم الغرب-من هذه الناحية-بغباء في إحياء القومية والروحية الروسية لصالح بوتين إلى حد كبير.

- وضح الكاتب عقم وسائل الإعلام التي تتلاعب بالحقائق للترويج للأخبارالمزيفة، حيث يستمد بوتين قوته من أكاذيب الغرب التاريخية المتكررة منذ القرن التاسع عشر. مما يعقد الحياة الآمنة على هذا الكوكب منذ عبثية الحرب الكبرى الأولى. حيث يرفض الغرب دوما التمسك بالحقائق الميدانية على الأرض، المبنية على ملفات أجهزة المخابرات والتقارير الرسمية الموثقة مما يضطر غالبية ساسة الغرب على ممارسة سياساتهم العنيفة الفانتازمية "المشخصنة"

 التعليق على الكتاب:

 يمكننا أن نستخلص من هذا الكتاب وضوح الحدث الأوكراني، من وجهة نظرخبيرميداني كعميل مخابراتي دولي ومستشارجيوسياسي سابق للناتو: إذ يبدو أن الغرب خلق وضعًا دوليا (جيو-سياسيا) غيرمتكافئ لكنه يعمل لصالح روسيا ، ويعززقوتها الجيوسياسية والاقتصادية أيضًا في العالم. لأن روسيا من دول مجموعة العشرين الوحيدة التي لديها أدنى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

- ومن حيث الرؤية الغربية لروسيا اليوم، فقد ظل تصورالغرب للروس محبوسا ورهينة للبروباغاندا الغربية لعقود، تلك البروباغاندا -كون الروس شريرين- التي تجذرت أساسا في الحرب الباردة . -حيث أن الكثير من المحللين الأوروبين-وخاصة الأمريكيين-ما يزالون يعالجون الإشكالية الروسية بعقلية التصورالأمريكي الذي كان يدود عن" العالم الحر"للقضاء على الشيوعيين أعداء الله والبشرية. ومنه يسلط المؤلف الضوء على وجهة النظرالتدليسية والمخادعة لدي الغربيين فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان من خلال التسامح مع "أصدقائنا ولوكانوا ديكتاتوريين"، واستخدامهم كسلاح ضد "أعدائنا". و يعني بذلك: التآلف الغربي الحميمي الذي تتقاطع فيه مصالح الدول الغربية "المتعلمنة -الحداثية-الديموقراطية"مع مصالح دول عربية، تنَظًرللسلفيات المتطرفة- المفرخة" للتطرف الإسلامي في مدارسها وجامعاتها

ومن ناحيتنا نحن كعرب ومسلمين: لماذا عمد زيلينسكي في غير مناسبة إلى التأكيد على معاني الدلالات "السيمانتيكية" ليهودية الدولة الأكرانية، بل أنه شبهها ب" إسرائيل الكبري"، وشبه ما يجري في الساحة الأكرانية ب" الهولوكوست " الروسي. !!!أمن أجل إستدرارعطف العالم الغربي الذي يعاني م " العقدة اليهودية"؟ أم من أجل إبتزاز يهود العالم -ماديا ومعنويا- ؟ أم من أجل إستجلاب رؤوس الأموال المصرفية الخزرية وخاصة بنك روتشيلد الذي طرده بوتين من روسيا؟ أم أنه يستدير على الكيان العبري لينتقم من بينيت الذي لم " يسوق له" كثيرا ؟ أم أنه يذكرنا -تاريخيا- بأن في ثلاثينات القرن الماضي أثرت الولايات المتحدة بسبب الحرب العالمية الأولي عندما قام أثرياء اليهود الأوربيين بتهريب الأموال الطائلة إلى أمريكا مما خلق لنا ما يسمى ب"Paxe Americana حيث أضحت الولايات المتحدة تمتلك حوالي 60% من رصيد العالم كله ؟أما أن وراء الأكمة ما وراءها وما خفي أعظم؟

 المهم ، فعلى ضوء معلومات هذا الكتاب الكثيرة الغنية الموثقة بشأن هذه " الأزمة الأوكرانية"التي يبدوأنها مُختلقة أمريكيا من ألفها إلى يائها ، لنصل عن طريق إيجاد توليفة نهائية ما بين الطروحات ونقيضها أن: "الغرب يستغل أوكرانيا في مواجهة بوتين"-مهما كلف ذلك من الأثمان: تدميرموسكو بالقنابل، أوتدميرروسيا من الداخل عبر"ثوارت ملونة داخلية" أوأغتيال بوتين. (لأن الغرب لم يعرف منهج الحوارطيلة وجوده).

كما نستخلص أيضا من الكتاب ، أن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي ، أوتي به من قعر" الثلاجة المغلقة" -التي شرحتها جيدا في كتابي "ربيع المغفلين" والذي يتم الإشادة به–"كمفيد غبي" بدون سبب حقيقي، سوى أنه "بطل قومي أكراني"و"يهودي مضطهد" مقاوم للهولوكست الروسي"الذي سيجتاح كل أوروبا ، بل ويبدو في المشهد السياسي العالمي ك"سيد الكون"، يعطي الأوامر-عبر"السكايب"-لمجالس البرلمانات الأوروربية والكونغرس الأمريكي وحتى مجلس الأمن الدولي. وكأنه يقول لنظرائه في الأراضي المحتلة: " تعلموا من يامغفلين فأنتم ضعفاء وحمائم مع الفلسطيننن"

 وللتذكير فإن الكاتب يعرف زيلينسكي جيدا يوم أن كان مجرد ممثل فاشل يسعى نحو النجومية فأعطته إياها وشنطن، فقدت تم إرسال مؤلف هذا الكتاب: جاك بود إلى أوكرانيا في عام 2014 ، في مشروعها للانضمام إلى الناتو. وعاش كل حيثيات النزاع" الروسي/ الاكراني" منذ البداية، بحيث إنه ينظر- في كتابه - إلى الوراء بأمانة وبصيرة مدققا في الخطوات التي أدت تدريجياً إلى صراع عانى منه الشعب الأوكراني عندما كان من الممكن تجنبه في مناسبات عديدة.

لقد قدم لنا "جاك بود" في كتابه تحليلًا دقيقًا وعميقا للاستراتيجية العسكرية التي اتبعها فلاديمير بوتين منذ دخوله معترك السياسة. ومنذ أن دخل الجيش الروسي في أوكرانيا ليهزم العناصر التي تكررها جوقة وسائل الإعلام التي أعمتها الدعاية الغربية، التي تبذرفسلات الحروب الهمجية وتقتل الضحايا بإسم " نشر الحريات وجلب الديموقراطيات. " حيث يشرح لنا جاك بود بطريقة موضوعية باردة ونزيهة، مصالح كل طرف أوروبي في اللعبة المزدوجة التي اقترضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، التي تتلاعب بأوكرانيا وشعبها من خلال وعود كاذبة وأماني لن تحصل عليها أبدا من الغرب الذي ما تبث تاريخيا أنه أنجز وعدا قطعه على نفسه..

كل ما نعلمه اليوم في الغرب، أن الرغبة الأكيدة للبيت الأبيض في مقاتلة الروس حتى آخرفرد أوكراني، وأوروبي. لذلك لم يتبق أمام الشعوب الغربية من خيارات سوى:

1- سياسة التخلص من السكان عبرالجائحات المفبركة ولقاحات "بيل غيت"

2- مسارعة الحكومات الغربية لإقامة أنظمة شمولية سياسية تحول المجتمع الأوروبي إلى معسكر إعتقال رقمي.

3- .. الانهيار الاقتصادي والنقدي المستقبلي الغربي ونهاية الدولار، بسبب سياسة طباعة النقود التي تم تطبيقها على مدى السنوات العشر الماضية

4- أزمة طاقة ناجمة عن سياسة العقوبات الانتحارية ضد روسيا والصين وإيران وكوبا وفانزويلا والتي ستؤدي إلى تسريع وتعميق النهاية الأكيدة لهيمنة الحضارة الغربية.

5- الهجرات المستقبلية غيرالمنضبطة من الدول المتضررة في الدول الفقيرة التي تعاني من الجوع والبطالة. (هذه الظاهرة الغالية التي تفرح كلا من " جورج سوروس"ورفيقيه "بيل غيت، و" كلاوس شواب " Klaus Schwab,، مؤسس منتدى دافوس: صاحب مشروع "إعادة الهيكلة العظيمة الكونية؟" بعد نهاية الكوفيد19 ، الذي قال للشعوب في عام 2020: ". لن تمتلكوا شيئًا، ولا حتى حقوقكم الأبوية لأطفالكم ، وستكونون سعداء بذلك"- فتأملوا وفكروا !! (وبالمناسبة فقد طرد"مالك العالم "كلاوس هذا، بوتين من منتداه الدولي الاقتصادي)

6- الإحتمال القوي لحدوث اضطرابات مدنية خطيرة في الغرب: أعمال شغب، ولصوصية واسعة النطاق

7- نشوب حروب إقليمية أوروبية وخارج أوروبا كانت مهيئة مسبقا ولكنها كانت ثاوية تحت الرماد

 وفي النهاية:

فإن الإعلام الغربي الذي يفبرك الأخباركل دقيقة، ويشيع بين البشربأن بوتين قد إنتهي، وأ، عهده ولى، لنلاحظ أن زيلينسكي يائس إذ يخطط لمستقبله بعد خروجه من المشهد السياسي الفاشل الذي أقحم فيه ، ليجني ثمرات تمثيلياته " الهوليودية" على هيئة كسب الملايين من الدولارات حيث يتفاوض في الأيام الأخيرة مع Netflix (الشركة الأمريكية العولمية المتعددة الجنسيات المتخصصة في توزيع واستغلال الأعمال السينمائية والتلفزيوني زيلنسكي محبط ، وبايدن يائس، والمجموعة الأووربية تتخبط !(حتى أنه تم أخيرا المناداة على" المنقد أوباما" في مشهد مخزي لبايدن الذي أذله أوباما وظهرالفريق الديموقراطي وكأنه في جنازة ينعى بايدن الذي مرغ سمعة الحزب في التراب والباقي سيأتي)

 نعم. لقد وصل العالم بقيادة هذا الغرب لقرون إلى المرحلة التي يستطيع فيها الكذابون الاعتراف بأنهم يكذبون دون التشكيك في أكاذيبهم. إنه تتويج لعقود من "تأهيل"السياسيين الذين يفضلون الإيمان بكذبة مَرَضِية على الإيمان بحقيقة غير سارة.

وإنه لمن دواعي الأسى، أن تظل شعوب مدجنة لا تعترف بأنها مستنعجة ، ولا ترى أنه يحكمها المنحرفون والفاسدون وغيرالأكفاء، وأنها لا تفعل شيئًا للتخلص منهم. وبالتالي فإن الشعوب المغلوبة على أمرها تعوض عدم قدرتها على التفكيرالنقدي الصارم وعدم إستطاعتها منافحة الظالمين، بأن تستمرفي وضع مصائرها كقرابين بين أيدي هؤلاء القادة غيرالمستحقين المستبدين.

***

د. الطيب بيتي

لقد نقلتُ لكم في سابقة ما كتبه الوردي في كتابه/ الاحلام بين العلم والعقيدة/1959 عن كيفية "مُداراته" للأمور في المرحلة/ الفترة الملكية وفق طريقته في الطرح والكتابة أي طريقة: (دس السم الذي ليس له طعم ولا تأثير بالعسل) كما وصفها.

وهو حينها لم يكن مُعَّرَضْ لا لسؤال ولا مطلوب منه جواب وحتى لو طُرِحَ عليه سؤال عرضي بصياغة محترمة أو حتى بصياغة غير محترمة. وحتى لو كان هناك اعتراض او امتعاض على/من بعض طروحاته كان يتم بالكلام الهادئ من السلطات وغيرها وبالعلن وليس بالاتهام او التهديد او السجن او المسدس. فكيف يتخيل المرء تصرف الراحل الوردي في زمن كان السؤال والجواب فيه يخرج من فوهة المسدس فقط وصاحب الحظ من الكُتاب يُطرح عليه ذلك السؤال في الأقبية مظلمة والحالات لا تُعد ولا تُحصى وغير المعروفة منها اكثر من التي خرجت للعلن. السلطات وبالذات بعد 1975 كانت تُحاسب على جملة او مقطع لا تعجبها/يعجبها في كتاب فكيف مع محاضرات وطروحات الوردي التي تزعجها كما يزعم كاتب السيرة. 

كما قرأت كان الراحل الوردي يُدعى لمحاضرات وندوات وتُجرى معه تحقيقات صحفية في الداخل والخارج وكان يسافر خارج العراق بدعوات رسمية وشخصية لحضور منتديات ومهرجانات واجتماعات خلال فترة صدور قانون ""السلامة الفكرية"" وبعد صدوره وبالمقابل كان هناك المئات من الأساتذة والمثقفين والادباء ممنوعين من السفر او مغيبين في دوائر الحكومة السرية..

اليكم ما ورد في كتاب مئة عام مع الوردي فيما يخص طروحات الراحل الوردي حيث ذكر السيد محمد عيسى الخاقاني مؤلف الكتاب وهو من الملازمين للراحل الوردي بشكل جعل من عشرة أعوام مع الوردي تعادل مئة عام سمى بها كتابه، حيث كتب في ص132 التالي انقله حرفيا لتعرفوا كيف ان الوردي كان حراً فيما يريد طرحه حسب اقرب المقربين اليه والمتابعين له والمسجلين عليه أنفاسه وهمساته بحضورهم معه او بغيابهم عنه...حيث كتب التالي ويؤيده في ذلك مقرب اخر لصيق للوردي هو سلام الشماع: (انتبهوا لطفاً لاقتباسات السيد الخاقاني من سلام الشماع).

اليكم ما ورد: [كانت صدمة صدام بالشعب العراقي كبيرة جدا لذلك تذكر الوردي الذي يقول ان الشعب العراقي لا يعطي ولاءه للحاكم فطلب من خالد عبد المنعم رشيد (امين بغداد) آنذاك ترتيب محاضرة للوردي كما اخبرنا سلام الشماع عن خالد عبد المنعم رشيد، يقول سلام الشماع عن هذه المحاضرة التي اسماها قنبلة الوردي الانتحارية في لقاء صحفي[ محاضرة الوردي الصاعقة بعد احداث عام 1991 والتي إصابة محبيه بالرعب وسميناها قنبلة الوردي الانتحارية؟! نعم كانت اشبه بالكارثة وقد كنت شاهدا على تفصيلاتها الخطيرة وحاضرا في القاعة التي القى فيها المحاضرة وحضرها عدد كبير من مريدي الوردي مثل الدكتور عبد الأمير الورد ومحمد الخاقاني...القى الوردي هذه المحاضرة أواخر شهر اذار عام 1991 في منتدى امانة بغداد وكان المنتدى يعقد جلساته عادة في قاعة تقع في الطابق الثاني من بناية المتحف البغدادي ولكن القاعة ضاقت بالحاضرين الذين وقفوا على السلالم بل حتى في الشوارع المجاورة فأوعز امين بغداد يومها وكان المرحوم (خالد عبد المنعم رشيد) بنقل المحاضر والحاضرين بحافلات كبيرة الى القاعة الكبرى في مبنى امانة بغداد التي ضاقت هي الأخرى بالحاضرين على الرغم من اتساعها وقد كانت هذه المحاضرة حدثا مهما في تلك الأيام لتزامنها مع انتهاء حرب الخليج الثانية وما اعقبها من احداث في محافظات العراق حيث عد بعضهم حوادث السلب والنهب والعنف تأكيداً لنظريات الوردي وتحليلاته حول تأثير البداوة في شخصية العراقي وفي تلك المحاضرة اعلن الوردي بنحو هادئ غضبه على الطريقة التي تعامل فيها النظام مع ما سمي وقتها ب (الغوغاء) او (صفحة الغدر والخيانة)، واضيف على الاستاذ سلام ما تسميها المعارضة بالانتفاضة الشعبانية المباركة. ومن الطريف الذي يجدر ذكره هنا هو ان امين بغداد تقدم الى المنصة ووضع جهاز تسجيل امام الوردي وعندما سأله الوردي عن سبب تسجيل المحاضرة قال له امين بغداد: ان السيد الرئيس صدام حسين يريد الاستماع اليها وهنا تحول الوردي الى انتقادات حادة وصريحة ليسمعها الرئيس وقال فيما قال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة فما معنى ان تستحدثوا مثلاً شرطة اخلاق بالله عليكم هل لدى الشرطة اخلاق اصلاً؟ فاذا كنتم قد ضللتم الطريق فتعالوا الينا لندلكم على الطريق الصحيح لحكم الشعب ثم قال بالحرف الواحد:" لا تليق بهذا الشعب ال(...) إلا مثل هذه الحكومة ال(...) وكانت الاوصاف التي تركتها فارغة بين قوسين قاسية جداً وشديدة الجرأة وعندما رأى الوردي علامات الغضب على وجه امين بغداد قال الوردي مبرراً: "هذا ليس قولي انما هو قول النبي (محمد) الذي يقول:" كيفما تكونوا يولّ عليكم" والواقع ان هذا الكلام كان له وقع في نفوس الحاضرين لحساسية الظرف العام الذي كانت تمر به البلاد بعد انسحابها من الكويت وعدم قدرتها على مجابهة أمريكا والدول المتحالفة معها. فضلا عن الاحداث العاصفة التي مرت بعد الانسحاب من شمال العراق ووسطه وجنوبه وعلى الرغم من خطورة هذا الا انه كان اخلاصا من الوردي لمنهجه ومبادئه ولمجتمعه وهي جرأة هائلة يحسد عليها في الوقت الذي صمت فيه الجميع بل بدا الكثيرون بالمجاملة على حساب مبادئهم]] الى هنا انتهى النقل عن سلام الشماع كما قال الخاقاني.

ويستمر السيد الخاقاني في هذه الرواية ليقول: في ص134 [ لم ارتعب من المحاضرة او اسلوبها الذي نقله سلام الشماع فقد استشهد الوردي بمثل عراقي معروف: "تلوك هيجي رقعة على هيج بابوج" والذي تَحَّرَجَ سلام الشماع من ذكرها وقال انها قاسية جدا ومعنى المثل العراقي هو: "يليق هذا الرتق بهذا الحذاء" مشبها العراق بالحذاء والحكومة بالرتق المناسب لهذا الحذاء ويجب ان يعذر الوردي على هذا الوصف فقد أخطأت الحكومة العراقية أخطاء جسيمة في فترة زمنية قصيرة...الخ حيث للحديث بقية]انتهى

*تعليق: ورد ذكر هذه المحاضرة مرتين في كتاب سلام الشماع من وحي الثمانين في متن ص52/53 وفي هامش ص52المرة الأولى هي ما كتبه الدكتور عبد الأمير الورد حيث كتب التالي: [ثم كانت له محاضرة اقامتها امانة بغداد واحدثت دويا كبيرا ولم اوفق الى حضورها ولكنها اصطدمت بوضوح مع قيم حزب البعث العربي الاشتراكي واستطاع الوردي بلباقته وهدوئه وتأثيره ان ينتصر في موقفه] انتهى

اما المرة الثانية فهي التي وردت في هامش ص52 كتبها مؤلف الكتاب سلام الشماع وهي نفس الرواية التي نقلها لنا السيد الخاقاني في كتابه مئة عام مع الوردي كما ورد أعلاه.

الغريب ان السيد الخاقاني ذكر ان سلام الشماع كتب: [وقد كنتُ شاهدا على تفصيلاتها الخطيرة وحاضرا في القاعة التي القى فيها المحاضرة وحضرها عدد كبير من مريدي الوردي مثل الدكتور عبد الأمير الورد ومحمد الخاقاني] انتهى

في حين ان الدكتور عبد الأمير الورد في تقديمه لكتاب سلام الشماع من وحي الثمانين كتب: [ولم اوفق الى حضورها] وكذلك لم يتطرق سلام الشماع الى حضور الدكتور عبد الأمير الورد!!!أيُ الثلاثة نُصَّدِقْ؟؟ شخصياً لا اُصدق الثلاثة لأنهم نقلوابعدم دقة او بمبالغة عن بعضهم.

ويمكن للقارئ الكريم ملاحظة كيف يختلف الحال حول موضوع واحد من قبل من يتصورون انهم يمتدحون الوردي والسبب كما أتصور هو الرغبة في التقديس والتعظيم...فهذه القصة بهذه التفاصيل والكلمات قد تكون مقبولة عند من لم يعش تلك المرحلة في العراق وبالذات من القراء غير العراقيين لكني أتصور ان قبولها صعب عند من يعرف حال الوضع في العراق وقتها وقبلها وبعدها... والأغرب انها تنفي موضوع مضايقة الوردي او انها تدل على ان الوردي لم يكن مضايق وهذا ينفي قول ورأي كاتب السيرة الوردية وأقوال الثلاثة وكل من تطرق الى هذا الموضوع.

استغرب ان يستعير او يقتبس السيد محمد عيسى الخاقاني الذي كان حاضر تلك الندوة من تصريح صحفي لكاتب اخر كان حاضر معه نفس الندوة وهو صديق له وملازم للراحل الوردي كما هو واقصد هنا سلام الشماع...ألم يشاهد السيد الخاقاني كيف وضع خالد عبد المنعم رشيد جهاز التسجيل كما نقل ذلك سلام الشماع؟ ألم يسمع سؤال الوردي وجواب خالد عبد المنعم رشيد وكانت المحاضرة قائمة والميكرفونات مفتوحة؟

كما أتصور ان كل كلمة في هذه الرواية كانت كافية أو تؤدي الى قطع الاعناق والارزاق ليس للوردي فقط انما للكثير من الحضور وكان يمكن ان يتم ذلك من داخل القاعة نفسها وربما من أمين بغداد نفسه حيث ان لم يفعل ذلك سيكون اول من يُقطع راسه بيد صدام لأنه توانى في قطع راس علي الوردي والحضور وهولا يحتاج الى موافقات من صدام... ولو فعلها لحصل على أعلى تكريم من صدام على فعلته "الشجاعة" تلك و"حبه للقائد الرمز" وامامنا ما جرى في قاعات أخرى وندوات اخرى...ثم ان الراوي يذكر ان الراحل الوردي تكلم عن "شرطة الأخلاق" وهي حالة حصلت قبل المحاضرة بما يقرب من (18) عام وتناولها النقد والتقريع واُلغيت في وقتها فكيف حشرها الوردي هنا...وهل يعقل احد وقتها او اليوم وحتى الوردي نفسه ان من هيأ القاعة لم يفكر بتسجيل المحاضرة؟ على الأقل لتكون ضمن الأرشيف او حتى تتم العودة اليها عند الحاجة، حتى يقوم امين بغداد بوضع جهاز تسجيل بنفسه دون ان يكلف المهتم بأمور ترتيب المحاضرة وتشغيل الأجهزة...وهل كانت هذه المحاضرة بعيدة عن عيون أجهزة الامن والمخابرات العراقية وأجهزة تسجيلها في تلك الساعات والأيام الصعبة حتى يقوم خالد عبد المنعم رشيد امين العاصمة شخصياً بوضع جهاز التسجيل ويُبلِغ الوردي بأن الرئيس يريد الاستماع اليها؟؟؟

هذه الروايات يتوقع ناشريها بهذه الصيغة انها تنفع الوردي ولكنها كما أتصور ركيكة ومبالغ فيها وهي تسيء للراحل الوردي وتحط من موقعه وقدره.

2 ـ ورد في نفس المقطع: [مات منسياً في شهر تموز عام 1995 بسبب المرض رغم العلاج الذي تلقاه في المستشفيات الأردنية وقد أقيم له تشييع محتشم غاب عنه المسؤولون وجازف بحضوره من حضر من المشيِّعين] انتهى

*تعليق: اليكم ما كتبه السيد محمد عيسى الخاقاني في ص87 من كتابه مئة عام مع الوردي التالي تحت عنوان فرعي هو: وفاته/ مظاهرة جماهيرية في تشييع جنازته انقله نصاً:

[في الثالث عشر من تموز يوليو وفي صباح يوم حار وجاف من عام 1955 اتصل الناعي ليبلغنا بموت الدكتور علي الوردي العظيم ويطلب منا الحضور الى منزله. تجمعنا امام بيت الوردي في الاعظمية وكلنا كان يترقب هذا الحدث الجلل ولكننا لم نكن نصدقه... قام المرحوم الأستاذ شامل الشمري بقطع ثمرة نارنج من احدى أشجار بيوت الجيران وقطعها الى نصفين ومسح بهما بقوة على اسم علي الوردي المنقوش على قطعه فلزية في الجهة اليسرى من باب البيت حتى أصبحت القطعة تلمع باسمه ثم بكى الشمري وقال: كان الوردي يلمع طول حياته ...حملوا جثمان الوردي من البيت الى مغتسل الكاظمية بالسيارات وهناك كان الخبر قد انتشر بين الناس. دخلتُ مع الوردي الى المغتسل لم يكن، الموت او المرض قد غير في معالمه كثيرا. ثم بعد المغتسل تم تشييع الوردي الى الحضرة الكاظمية ليصلى عليه. في هذه البرهة الزمنية البسيطة حيث كانت الاستعدادات تجري لحمل النعش على السيارات، قررتُ قراراً شخصياً وطلبتُ من الأحبة تنفيذه وهو ان نحمل الوردي على اكتافنا الى الحضرة الكاظمية ليصلى عليه وكان لي ما اردت دخلنا بجنازة الوردي الى سوق الكاظمية الكبير وكان فوزي الخطاط قد انتهى من تجهيز قطعة القماش التي تحمل اسم الراحل العظيم وقد اثار ذلك الاسم الناس فترك اغلبهم أعمالهم وشاركنا التشييع.

كانت مظاهرة جماهيرية صامته في زمن يمنع فيه التجمع لأكثر من شخص لكننا كنا نردد لا إله الا الله محمد رسول الله والوردي محمول على عرشه فوق الرؤوس. دخلنا الحضرة الكاظمية المقدسة ووقف المرحوم السيد الحسني الحيدري الذي توفاه الله عام 2013 وقف مصليا على جثمان الوردي. كانت الأجواء في خارج الحضرة قد تشنجت جراء مظاهرتنا الغير مرخصه من قبل الامن والتي كانت أقرب ما تكون الى التحدي منها الى تشييع جنازة وما ان انتهت الصلاة حتى حملنا الوردي على اكتافنا وتوجهنا به الى جامع براثا لنواريه الثرى ولكن حدث مالم يكن بالحسبان حيث أمرني العلامة حسين علي محفوظ بإحضار السيارات وحمل النعش عليها وهو يدري ان امره هذا لا يمكن ان يرد ونفذنا الامر بعد ان سرنا بالجنازة الى اول شارع المفيد قرب مبنى المدرسة الإيرانية القديمة حيث تقف السيارات] انتهى

ثم يُكمل السيد الخاقاني في ص90 بالتالي: [أقيمت الفاتحة لثلاثة أيام في حسينية ال الصدر/حسينية الامام الكاظم وشارك طارق عزيز وحامد يوسف حمادي في مراسيم الفاتحة بصفتهم الشخصية واقام اتحاد الادباء والكتاب العراقيين اربعينية للدكتور الوردي تحدث فيها الدكتور بدرخان السندي والدكتور حارث عبد الحميد حسن والأستاذ مؤيد عبد القادر والقى الشاعر علي جليل الوردي قصيدة والقى محمد الخاقاني كلمة مجلس الخاقاني الذي اسسه الوردي] انتهى

أما ما كتبه سلام الشماع عن موضوع التشييع فهو التالي:[ فقد جرى للوردي تشييع مهيب في مدينة الكاظمية إلى مثواه الأخير في جامع براثا حضره الشاعر حميد سعيد وكيل وزارة الإعلام، في حينه، وعدد من المديرين العامين في الوزارة ومسؤولون محليون وعدد كبير من أبناء الكاظمية وبغداد كرخها ورصافتها، حتى أن الراحل العلامة الدكتور حسين علي محفوظ أعلن أمامنا في مجلس الخاقاني في الكاظمية أنه تمنى أن يحظى بتشييع كالذي حظي به الوردي].

لا اعرف كيف عرف السيد الخاقاني ان حضور طارق عزيز وحامد يوسف حمادي كان شخصياً؟ هل اخبروا الحضور بذلك؟ هل رفعوا لافته تقول ان حضورهم شخصي وليس رسمي؟ وفي كل الأحوال فأن حضور يدل على ان لا موانع امام الحضور والا لم يقدما على ذلك...وقد أشار سلام الشماع الى حضور حميد سعيد وغيره من موظفي وزارة الاعلام ولم يُشِرْ الى ذلك السيد الخاقاني...

هذا يعني ان الراحل حضي بتشييع مناسب في وقت حساس وصعب وفي وضع خطير ودقيق ...ولا أقول اكثر من انه تشييع عادي كما حال أي تشييع فكل الجنائز ترفع على الاكتاف وتدخل الحضرة ويُصلى عليها ويمكن كان تشييع الوردي اعظم من تشييع بعض مسؤولي النظام فلماذا هذا الاهتمام بموضوع التشييع؟ كم أستاذ جامعي توفي او كم عالم عراقي توفي ولم يذكره أحد في تشييعه ولا في جلس فاتحته وهم ربما بمنزلة علمية واجتماعية اكبر من الوردي؟ لماذا هذا البحث المريض عن مثل هذه الأمور التي لا تقدم ولا تؤخر؟؟؟؟

ثانياً: ابن خلدون الذي "اقتفاه" الوردي ص(29 ـ 34) لم يُذكر أسم الكاتب ولكن يبدو من الهامش انه مأخوذ من: معجم عمارة الشعوب الإسلامية/د. علي ثويني/بيت الحكمة بغداد 2006

وسأتجاوز هذا الموضوع حيث انه يتكلم عن ابن خلدون ولم يذكر فيه اسم الراحل الوردي ولا مرة واحدة وهو إعادة تعريف بابن خلدون وأعماله وظروفه وظروفها ولا اعتقد ان له علاقة بالراحل الوردي او المشروع العراقي سوى ان الوردي ذكر بن خلدون وكانت اطروحته حول ابن خلدون ولا اعتقد او أتصور ان لكل ما طرحه بن خلدون قبل قرون له علاقة بحال العراق واهل العراق وتاريخ العراق وشعب العراق والمجتمع العراقي.

ثالثاً: [علي الوردي رائد الفكر الاجتماعي التنويري في العراق] ص (35ـ 51) د. إبراهيم الحريري وهي حسب هامش الصفحة35 نص محاضرة القاها الدكتور الحيدري في مؤتمر الجمعية الطبية العراقية في المملكة المتحدة لندن13 ـ14 /8/2005 

يتبع لطفاً

***

عبد الرضا حمد جاسم 

بنبغي بادى ذي بدء أن نشير بأنه مع اندلاع حرب تشرين الأول (أكتوبر) بين العرب والإسرائيليين في عام 1973، راقب طالب أسترالي الصراع من مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالقرب من غزة بقلق. كل ليلة، كان يستمع إلى إذاعة بي بي سي وإذاعة صوت أمريكا حول الرحلات المكوكية التي كان يقوم بها هنري كيسنجر، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين، من موسكو إلى القاهرة والقدس والعودة مرة أخرى في سعيه للتوسط من أجل إيقاف لإطلاق النار (1).

أصبح هذا الشاب الأسترالي، مارتن إنديك، مواطنا أمريكيا وعمل مستشارا للشرق الأوسط لبيل كلينتون، وسفير أمريكا في إسرائيل، ومبعوث باراك أوباما للإسرائيليين والفلسطينيين - مهنة عبثية تركته متشككا في إمكانية فرض الغرباء صفقات كبيرة على الشرق الأوسط، وعلى طول الطريق، بدأ إنديك يميل إلى النهج الأكثر تدرجية - رغم أنه أكثر بهرجة - الذي مارسه كيسنجر في السبعينيات. والنتيجة هي هذه الرواية الرائعة المكونة من 570 صفحة لواحدة من أكثر السجلات الدبلوماسية إثارة في التاريخ الحديث (2).

وعنوان هذه الرائعة التي بين أيدينا "سيّد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط" Master of the Game: Henry Kissinger and the Art of Middle East Diplomacy (688 صفحة) وهو للمؤلف مارتن إنديك المهاجر اليهودى الأسترالى إلى الولايات المتحدة، والقائد لجماعة الضغط اليهودية فى واشنطن «آيباك»، ثم الدبلوماسى الذى بات سفيرا للولايات المتحدة فى إسرائيل خلال إدارة بيل كلينتون، ومساعد وزير الخارجية فى عهده، ثم مؤسس مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط فى مؤسسة بروكينجز، وممثل إدارة أوباما فى دبلوماسية الشرق الأوسط، كما تمثل لنا هذه الرائعة اسردًا رائعًا لكيفية إتقان الدبلوماسية الشخصية أن يحيد عن مهمة الدبلوماسي الحقيقية المتمثلة في إحقاق السلام (3).

كذلك في هذا الكتاب يقص علينا المؤلف مارتن إنديك تاريخًا منسوجًا جيدًا، والكتاب بكل هذا الشمول بين المؤلف والموضوع يستحق القراءة ليس فقط لما ورد فيه من معلومات، وربما الأهم تأملات وتفاسير، وإنما أيضا لما هو غائب عنه؛ والأهم كيف يفيدنا الآن. الكتاب بالضرورة يدور حول الولايات المتحدة وسياستها فى الشرق الأوسط، وبالتحديد إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال شخصية تقوم بدور البطل أو «السيد» الذى أدار التعامل مع الصراع بمهارة كما لو كان «لعبة» فيها الكثير من الذكاء والحنكة (4).

وبعد صدور الكتاب، قالت تقارير إخبارية أن كيسنجر لم يرض عن أجزاء من الكتاب وصفته بأنه «متلاعب»، خاصة في تعامله مع الدول العربية خلال «دبلوماسيته المكوكية» في أعقاب حرب عام 1973 بين إسرائيل والعرب (5).

لكن عنوان الكتاب «سيد اللعبة» يوضح أن إنديك بذل قصارى جهده لتمجيد كيسنجر، وهذه بعض فصول الكتاب: الاستراتيجية. تحقيق السيطرة. أزمة الأردن. جحيم غولدا مائير. هنري العرب. فك ارتباط سيناء. اختراق. الخطوة التي لم يتم اتخاذها. إعادة التقييم (6).

وقد صار واضحا من عناوين هذه الفصول أن الكتاب سرد سياسات وإنجازات كيسنجر في الشرق الأوسط، والتي يبدو أنها كانت الرائد لسياسات إنديك وإنجازاته عندما لعب دورًا رئيسيًا في سياسات وإنجازات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد نحو 20 عامًا منذ أن ترك كيسنجر العمل الحكومي (7).

والغريب أن كتاب إنديك ليس دفاعا عن كيسنجر فيما أجراه من دبلوماسية كانت جزءا أساسيا من عالم الحرب الباردة، ولا أكاديميا فى مدى ومعنى تطبيقه لنظريات توازن القوى والردع؛ وإنما يبدو الغرض الأساسي من الكتاب هو الدفاع عن الرجل فى مواجهة المجتمع اليهودى في الولايات المتحدة الذى يرى أن كيسنجر حرم إسرائيل من السلاح، وأنه ضغط عليها للانسحاب من أرض تستحقها، وتوقيع اتفاقيات لا تريد التوقيع عليها، وفوق ذلك فإنه علق سلبا على يهود وردت أسماؤهم في تسجيلات فضيحة ووترجيت (8).

والكتاب الذى اعتمد على السجلات الأمريكية التى وضع فيها كيسنجر كل وثائقه، وعلى ١٢ مقابلة جرت بينما كيسنجر يقترب من عامه ٩٨. وخلاصة الكتاب هى أن كيسنجر لم يكن مهتما بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وإنما الهدف كان إقامة نظام شرق أوسطى مستقر تهيمن عليه الولايات المتحدة، وقائم على قدرة إسرائيل على ردع الدول العربية مع إعطائها الوقت الكافي لكى تتغلب على هشاشة تكوينها (9).

وفي الكتاب، يحدد إنديك الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973، وردات فعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ومهمة كيسنجر التي استمرت نحو عامين بين القدس والقاهرة ودمشق. ويؤكد إنديك ما هو معروف على نطاق واسع: في حين لم يمنح كيسنجر مصر صراحة الضوء الأخضر لمهاجمة سيناء التي تحتلها إسرائيل، إلا أنه مسرور بالنتيجة. أتاحت الحرب وعواقبها للولايات المتحدة فرصة لإخراج مصر من المدار السوفياتي، حتى لو كان على إسرائيل أن تدفع الثمن (10).

وقد استخدم الكاتب أسلوباً في كتابة الكتاب يتحدث فيه عن مهمة دبلوماسية لكيسنجر في الشرق الأوسط، تليها حلقة أخيرة في المفاوضات المعاصرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ثم يقارن بين هذين الحدثين في تاريخ العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، مقسماً الكتاب إلى خمسة أقسام ولكل قسم عدة فصول يبلغ مجموعها 17 فصلاً، و672 صفحة، نشر برعاية مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك، ودار النشر «ألفريد أ. كنوبف»، في خريف عام 2021 (11).

كذلك في الكتاب، يحاول الكاتب أن يراعي حرب عام 1973 بين العرب وإسرائيل حتى نهايتها، وردات فعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ومهمة كيسنجر التي استمرت نحو عامين بين القدس والقاهرة ودمشق. ويؤكد إنديك ما هو معروف على نطاق واسع: في حين لم يمنح كيسنجر مصر صراحة الضوء الأخضر لمهاجمة سيناء التي تحتلها إسرائيل، إلا أنه مسرور بالنتيجة. أتاحت الحرب وعواقبها للولايات المتحدة فرصة لإخراج مصر من المدار السوفياتي، حتى لو كان على إسرائيل أن تدفع الثمن (12).

ثم يستكشف إنديك أيضًا التجاذبات المتنافسة في ما يتعلق بالولاء والدين والعرق. قال الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون للسفير السوفياتي أناتولي دوبرينين إن كيسنجر كان ميالاً إلى "الانغماس في المشاعر القومية الإسرائيلية". من ناحية أخرى، صرخ المتظاهرون الإسرائيليون خارج فندق كيسنجر ذات مرة: "يا صبي يا يهودي عد إلى المنزل". أثار تعديل جاكسون-فانيك، الذي ربط الوضع التجاري المفضل لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بأدائه في الهجرة، غضب كيسنجر (13).

وهنا يحق للقارئ التساؤل، لماذا هذه «الهالة» التي تحيط بالوزير كيسنجر ولا يزال يتردد صداها إلى يومنا هذا؟ ولماذا لم تنتهِ في حقبة السبعينات من القرن الماضي؟ للإجابة عن هذه «التساؤلات المشروعة»، كتب مارتن إنديك السفير الأميركي السابق في إسرائيل، ومساعد وزير الخارجية للرئيس بيل كلينتون لشؤون الشرق الأدنى، ومبعوث الرئيس باراك أوباما للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، كتاباً بعنوان: «سيد اللعبة، هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، يسرد في كتابه قصصاً عن مشاركة الدكتور هنري كيسنجر في دبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، بصفته مستشاراً للأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون، ووزيراً للخارجية أيضاً، والذي ظل في منصبه كذلك في عهد الرئيس جيرالد فورد كوزير خارجيته (14).

وسلط الكاتب الضوء على بعض الصعوبات التي واجهها كيسنجر في التعامل مع الرئيس نيكسون، كاشفاً أن حقيقة كون كيسنجر يهودياً أعاقت رغبته رئيس للولايات المتحدة في تحسين علاقات أميركا مع الدول العربية، إذ يشير إنديك أيضاً إلى معاداة نيكسون للسامية وكيف أنه غالباً ما كان يضايق كيسنجر بشأن يهوديته في محادثاتهما الخاصة، ومع ذلك، فقد شارك الاثنان في رغبة قوية في الحفاظ على مواجهة الاتحاد السوفياتي، باعتباره توجهاً أساسياً في العلاقات الخارجية لأميركا (15).

كذلك يروي المؤلف في هذا الكتاب  كيف أن العلاقة بين هنري كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي غولدا مائير لم تكن سهلة أيضاً، أولاً، في ربيع عام 1969 انتزع كيسنجر من مائير تعهداً بعدم الكشف علناً عن مدى تقدم البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفض خيار حكومة الولايات المتحدة بعدم إرسال «طائرات فانتوم» العسكرية لإسرائيل، مقابل الاحتفاظ بمعلومات سرية حول أنشطتها النووية. وذلك لأن نيكسون وكيسنجر خشيا من أن السوفيات سيساعدون العرب في الحصول على قدرات نووية، وذلك لو أصدرت إسرائيل مثل هذا الإعلان. ثانياً، كرهت غولدا مائير توصيف كيسنجر لضحايا حرب إسرائيل في عام 1973، على أنه شيء مشابه لخسارة الأميركيين في الأرواح في حرب فيتنام، إذ شعرت أن ذلك كان محبطاً لإسرائيل. وأخيراً، كانت رئيس الوزراء الإسرائيلية قلقة للغاية من رغبة كيسنجر في إطالة أمد الحرب في أكتوبر 1973، لأن هذا قد يعني دخول السوفيات إلى الحرب جنباً إلى جنب مع السوريين والمصريين (16).

وهنا يجادل الكاتب، بأنه في 14 أكتوبر 1973، كتب كيسنجر رسالة إلى الملك فيصل يخبره فيها أن قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بإنشاء قناة جوية تزود إسرائيل بالأسلحة، كان رداً على تسليح السوفيات للقوات العسكرية لمصر وسوريا، وقال وزير الداخلية آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، لكيسنجر إن الملك فيصل بن عبد العزيز لم يعجب من مراسلات كيسنجر، لأنه صوّر السعودية وكأنها تقف مع دعم أميركا لإسرائيل خلال الحرب، على افتراض أن واشنطن والرياض كانا في تحالف مناهض للشيوعية، وبالطبع، لم يكن هذا هو الحال (17).

ونتيجة لذلك يقول الكاتب، بدأت أصعب المواقف الدبلوماسية في حياة المخضرم هنري كيسنجر، وصناعة السلام في الشرق الأوسط مما دفعه إلى البدء في محاولات لإنهاء تكتل «منظمة أوبك»، والسياسة التي اتبعتها في تسعير النفط المرتفع أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، وقال إنديك إن الكثير من المراسلات جرت خلال تلك الفترة بين الملك فيصل بن عبد العزيز ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي يماني من جهة، وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي من جهة أخرى (18).

وأفاد الكاتب في كتابه، بأن دائماً ما كان كيسنجر يناشد الاثنين لإنهاء مقاطعة النفط التي تضر بالاقتصاديات الصناعية للولايات المتحدة، والغرب إلى حد كبير، إلا أنه كانت هناك شروط قاسية على كيسنجر، ولم تجدِ محاولاته بحث منظمة أوبك على إنهاء حظرها النفطي، وفي البداية، كان حل وضع القدس أحد المطالب التي قدمتها «أوبك» لإعادة مستوى إنتاجها إلى ما قبل الحرب، كما كانت هناك مطالب بمنح الفلسطينيين حقوقهم وإجبار إسرائيل على منح الأراضي التي احتلتها (19).

ويشير إنديك إلى أن كيسنجر كان مؤمنا بأن الحفاظ على النظام في الشرق الأوسط يتطلب الحفاظ على توازن قوى مستقر، وأن هذه الفكرة جاءت في أطروحته للدكتوراة، والتى نشرت بعد ذلك في كتاب بعنوان «عالم مستعاد»، شرح فيه كيف أنتج الدبلوماسى النمساوى كليمنس فون مترنيخ ورجل الدولة الأنجلو- أيرلندى اللورد كاسلريه مائة عام من الاستقرار النسبى في أوروبا من خلال الاعتناء ببراعة بتوازن القوى، والتلاعب بمهارة بأولئك الذين حاولوا تعطيله، وأن كيسنجر قد استنتج أيضًا أن أفكار الرئيس ويلسون لتحقيق السلام ولإنهاء جميع الحروب بعد الحرب العالمية الأولى، أدت بدلاً من ذلك إلى صعود هتلر ثم غزوه لأوروبا (20).

وقد سعى كيسنجر لتطبيق هذا النهج في الشرق الأوسط، من خلال إنشاء نظام تلتزم فيه مجموعة من الدول بقواعد تستهدف تحقيق الاستقرار والابتعاد عن الفوضى، وليس بالضرورة تحقيق السلام الشامل. وفقا لكيسنجر هذا النظام لا يتطلب إرضاء جميع المظالم، ولكن «مجرد غياب المظالم التي من شأنها أن تحفز على محاولة قلب النظام»، وأن الهدف من النظام ليس القضاء على الصراع، ولكن الحد من نطاقه، أو، كما ذكر كيسنجر لإنديك بعد عقود: «لم أفكر أبدًا أنه يمكن أن تكون هناك لحظة مصالحة شاملة» (21).

والكتاب به معلومات كبيرة وكثيرة لا حصر لها وأكتف هنا بهذا القدر، وفي النهاية أقول أن هذا الكتاب سياحة عقلية لكل المستجدات والأحداث التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1973 وما بعدها وأهم الأدوار التي لعبها هنري كيسنجر .. عراب السياسة الأمريكية في تلك الفترة.

***

أ. د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط.

..........................

المراجع:

1- إدوارد لوس: هنري كيسنجر .. لعبة التوازن المحفوفة بالمخاطر في الشرق الأوسط  الجمعة 10 ديسمبر 2021.

2- المرجع نفسه.

3-عبد المنعم سعيد: ملك لعبة الدبلوماسية: هنرى كيسنجرـ المصري اليوم، الثلاثاء 09-11-2021 01:40

4- المرجع نفسه.

5- معاذ العمري : مارتن إنديك يرصد في كتابه كيف تعامل وزير الخارجية الأميركي السابق مع الصراع في الشرق الأوسط، الأهرامـ، منشور يوم الجمعة - 28 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 03 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15711].

6- أحمد مصطفى جابر: سيد اللعبة أم سيد الحرب؟ هل تآمر هنري كيسنجر على "إسرائيل"، بوابة الهدف، الجمعة 21 يناير 2022 | 09:55 م

7- سمير مرقص: سيد اللعبة، مثال منشور يوم السبت 1 من ربيع الثاني 1443 هــ 6 نوفمبر 2021 السنة 146 العدد 49278

5- محمد كمال : عودة كيسنجر، مقال منشور يوم الاثنين 18-10-2021 01:17

8- إدوارد لوس: هنري كيسنجر .. لعبة التوازن المحفوفة بالمخاطر في الشرق الأوسط  الجمعة 10 ديسمبر 2021.

(9) Martin Sean Indy: Master of the Game: Henry Kissinger and the Art of Middle East Diplomacy, U.S.A, 1988,P.12.

(10) OP,Cit, P.23.

(11) OP,Cit, P.123.

(12) OP,Cit, P.167.

(13) OP,Cit, P232.

(14) OP,Cit, P.324.

(15) OP,Cit, P.398.

(16) OP,Cit, P.433.

(17) OP,Cit, P.553.

(18) OP,Cit, P.576.

(19) OP,Cit, P.598.

(20) OP,Cit, P.601.

(21) OP,Cit, P.644. 

تتركز فعالية الناقد الدكتور عبد الملك مرتاض على محاور متعددة، وهذا ما يدل على مدى عمق وثراء ثقافته ومعرفته، وتنظيراته النقدية، فالدكتور عبد الملك مرتاض يتميز بالموسوعية في الإنتاج والنأي عن التخصص الدقيق، وقد لعب دوراً حاسماً في تألق الأدب والفكر الجزائري، وازدهار المعرفة الأدبية، ولذلك فهو  يشكل امتداداً لجيل من الرواد الكبار من بُناة النهضة الفكرية، والأدبية، والثقافية، وكما يرى الأديب كمال الرياحي فعبد الملك مرتاض من الأسماء القليلة التي يمكن أن نسمّيها بـ«الكائنات الأوركستراليّة» والتي تعزف على أوتار مختلفة، فهو الناقد والروائي والباحث في الإسلاميات وفي التراث.

والمتابع لمنجزات وجهود العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض في المرحلة الأخيرة، يُلاحظ أنه يسعى إلى التنظير لمجموعة من القضايا الأدبية والفكرية، فهو يكشف عبر كتاباته المتنوعة عن رغبته الدائمة في التنظير إلى الكثير من القضايا الأدبية والمعرفية التي شغلت اهتمامه، حيث أصدر مؤخراً مجموعة من الأبحاث والمؤلفات التي قدم من خلالها مجموعة من الرؤى والأفكار الجادة والعميقة، نذكر من بينها:«في نظرية الرواية»،  ، و«نظرية القراءة»، و«نظرية النص الأدبي»، و«قضايا الشعريات»، و«نظرية البلاغة»، و« الكتابة من موقع العدم»، و«قراءة النّص: بين محدوديّة الاِستعمال ولا نهائيّة التأويل».

ويندرج كتابه الموسوم ب:«في نظريّة النّقد»في هذا الإطار، فقد قدم من خلاله متابعة شاملة لأهم المدارس النقدية المعاصرة، وتوقف مع نظرياتها بالتحليل والنقاش والمساءلة العلمية الجادة.

قسم الدكتور عبد الملك مرتاض كتابه إلى ثمانية فصول، بعد مقدمة مطولة ناقش فيها جملة من المفاهيم التي تتصل بالقراءة والكتابة والنقد، ورسم من خلالها صورة واضحة لمجموعة من الإشكاليات المعرفية الشائكة، حيث ذكر أن الكتابة واجب، وإن كانت حرية كما يقول رولان بارث فهي أيضاً واجب محتوم على الكاتب أن يؤديه للمجتمع ولا يستطيع الإفلات من فعله، إذ لا يسعه إلا أن يكتب، وأن يقول شيئاً.

وقد أشار الدكتور مرتاض إلى منظور جان بول سارتر الذي قدمه في كتابه:«ما الأدب؟»، ورأى أنه على الرّغم من الأسئلة الكثيرة التي طرحها  عن الكتابة، أو عليها، قُبَيل منتصف القرن العشرين، واجتهد في أن يجيب عن بعضها في كتابه «ما الأدب؟»؛ إلاّ أنّه لم يُجِب عنها، في الحقيقة، إلاّ بطريقته الخاصّة، وإلاّ حسَب مذهبه الوجوديّ في التّفكير، ووفق رؤيته إلى الحياة؛ ممّا قد يجعل من حقّ كلّ كاتب مفكّر أن يثير الأسئلة الخالصة له؛ ثم يجتهد في الإجابة عنها بطريقته الخاصّة.

انصب الفصل الأول من الكتاب، والمعنون ب« النّقد والنّقّاد: الماهيّة والمفهوم» على رصد مفاهيم ومدلولات النقد في الثقافتين العربية والغربية، ففي الثقافة الغربية كان مفهوم النقد يقترب من مفهوم نظرية الأدب وربما كان مفهومُ النّقد يلتبس بمفهوم نظريّة الأدب حيث كانوا يَصرِفونه، في وظيفته، إلى تعريف الشّعر، ووصْف الأدب، ويذكر الدكتور عبد الملك مرتاض أن  لفظ النّقد في الغرب نشأ زُهاءَ عام ثمانين وخمسِمائةٍ وألْفٍ للميلاد. ويبدو أنّ أوّل من اصطنع مصطلح «النّاقد» (Le Criti¬que) هناك، في صيغة المذكّر، صارفاً إيّاه بذلك إلى من يمارس ثقافة النّقد، أو «النقد» (La critique)، في صيغة المؤنّث، كان سكالينيي (Scaligner). وقد كان يصرف معناه إلى نحو ما يعني في التّأْثيل الإغريقيّ «فنّ الحُكْم»، وانطلاقاً من هذا المفهوم التّأثيليّ، فإنّ النّقد قام على وظيفة تُشبه الوظيفة القضائيّة لدى القاضي بحيث لا مناصَ لصاحبه من إصدار الأحكام، ومحاولة التّدقيق في الأوصاف لدى إصدار هذه الأحكام، وقد تطور النقد الأدبي مع تطور الثقافة النقدية في الغرب ، ولاسيما مع ظهور نظريّات الشّكلانيّة الرّوسيّة إبّان الحرب العالميّة الأولى (التي تولّد عنها في فرنسا ما يمكن أن نطلق عليه «الشّكلانيّة الجديدة» بعد منتصف القرن العشرين)، حيث أشاروا إلى مفاهيم أدبية الأدب لأنّ موضوعه هو دراسة الأدب؛ واغتدى أدبيّاً أيضاً لأنّ خطابه في حدّ ذاته جزءٌ من الأدب»، وقد تأثر الكثير من النقاد الفرنسيين بهذا المذهب.

افتتح الدكتور عبد الملك مرتاض الفصل الثاني من الكتاب الذي عنونه ب «النّقد: والماهيّة المستحيلة» بالتساؤل ما النقد؟ وقد أثار في هذا الفصل جملة من القضايا الفكرية المتميزة التي ترتبط بفلسفة النقد، وتوقف في إجابته على هذا السؤال مع الفرق بين النقد النظري والنقد التطبيقي، فذكر في إجابته أن  النّقد النّظريّ ضروريّ لازدهار الحقل المعرفيّ لهذا الموضوع من حيث هو ذو طبيعة تأسيسيّةٍ وتأْصيليّة معاً. ولعلّه ببعض ذلك يشبه العلوم التّأسيسيّة (Sciences fon¬damentales) بالقياس إلى العلوم التّطبيقيّة (Sciences appliquées) في تجاوُر حقليْهما من وجهة، وفي تشابُه طبيعة هذين الحقلين الاِثنين من وجهة ثانية، وفي تظاهُرهما على تطوير كلّ منهما لحقل صِنوه من وجهة أخرى. إذ لولا التّأسيسُ لما كان التّطبيق. ولو لم يكن إجراء التّطبيق في العلوم بعامّة لَمَا أفضت نظريّات العلماء المجرّدة إلاّ إلى نتائجَ محدودة. فهذه الحضارة الإنسانيّة العظيمة التي ننعَم اليوم برخائها وازدهارها ليست إلاّ ثمرة من ثمرات تضافر العلوم التّأسيسيّة مع العلوم التّطبيقيّة، فهو يبحث في أصول النّظريّات، وفي جذور المعرفيّات، وفي الخلفيّات الفلسفيّة لكلّ نظريّة وكيف نشأت وتطوّرت حتّى خبَتْ جذوتُها، ثمّ كيف ازدهرت وأفَلَتْ حتّى هان شأنها؛ ويقارِن فيما بينها، ويناقش تيّاراتها المختلفة، عبر العصور المتباعدة المتلاحقة معاً، أو عبر عصر واحد من العصور. وسواء علينا أ دُرِسَتْ مثلُ هذه المسائلِ تحت عنوان «نظريّة الأدب»، أم «نظريّة الأجناس»، أم «الأدب المقارن»، أم تحت أيّ عنوان آخر مثل «نظريّة الكتابة»: فإنّ الإطار الحقيقيَّ كأنّه يظلّ هو النّقدَ العامَّ.

في حين أنّ النّقد التّطبيقيّ إنّما يكون ثمرةً من ثمرات النّقد النّظريّ الذي يمدّه بالأصول والمعايير والإجراءات والأدوات، ويؤسّس له الأسُس المنهجيّة، ويبيّن له الخلفيّات الفلسفيّة، التي يمكن أن يتّخذ منها سبيلاً يسلُكها لدى التّأسيس لقضيّة نقديّة، أو لدى دراسة نصّ أدبيّ، أو تشريحه، أو التّعليق عليه، أو تأويله، معاً، و غاية النّقد في الحاليْن  تظلّ هي السّعيَ إلى اِهتداءِ السّبيلِ إلى حقيقة النّصّ.

في الفصل الثالث من الكتاب تابع الدكتور عبد الملك مرتاض مناقشته لمختلف قضايا النقد الأدبي، وتحدث عن« النقد والخلفيات الفلسفية»، ومن أبرز الأسئلة التي طرحها في هذا الفصل: هل للفلسفة من «الكفاءة الأدبيّة»  ما يرقَى بها إلى تحليل الظّاهرة الأدبيّة تحليلاً «أدبيّاً» حقيقيّاً بعيداً عن تمحّلات الفلسفة؟

وعالج  في الفصل الرابع من الكتاب موضوع:«النقد الاجتماعي في ضوء النزعة الماركسية»، وتطرق إلى المبادئ الرئيسة التي بُني عليها النقد الاجتماعي، حيث يرى تين أن النقد يقوم على المؤثرات الثلاثة:العرق والزمان والبيئة، أما الماركسية فهي تقيم النقد على ضرورة ذوبان الفرد في المجتمع ، فالماركسيّةَ لا ترى أنّ حياة الكاتب في حدّ ذاتها هي التي تستطيع إفادتَنا بشيء،

ضم الفصل الخامس من الكتاب دراسة موسعة عن:«النقد والتحليل النفسي»، وقد اشتملت دراسة الدكتور مرتاض على مجموعة من التحاليل الدقيقة والرؤى المتميزة، ومن أبرز القضايا التي ناقشها المؤلف في هذا الفصل علاقة التحليل النفسي بالنقد الجديد.

وفي الفصل السادس من الكتاب ركز المؤلف على«علاقة النقد باللغة واللسانيات»، و ناقش  إشكالية الكتابة الأدبيّة بين اللّغة واللّسان، وأكد في مناقشته لهذه القضية الشائكة على أن كلّ أدب محكوم عليه بأن ينضويَ تحت لواء لغة ما. فاللّغة (من حيث هي نظامٌ صوتيّ ذو إشارات وعلامات مصطلَحٌ عليها فيما بين مجموعة من النّاس في زمان معيّن، وحيز معين) هي التي، وذلك بحكم طبيعتها الأداتيّة التّبليغيّة،  تحتوي على ما يمكن أن نصطلح عليه في اللّغة العربيّة مقابلاً للمفهوم الغربيّ (Langage littéraire) «اللّغة الأدبيّة».

وبقي أن نقول في الختام إن الجهود التي بذلها أستاذنا العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض في تأليفه لهذا الكتاب جديرة بالاحترام والتقدير، فقد تضمن الكتاب مجموعة من الرؤى والأفكار والتحاليل العميقة التي تتصل بالمدارس النقدية ونظرياتها، وقد اعتمد على مجموعة كبيرة من المصادر والمراجع الثمينة، وقدم من خلاله جهداً كبيراً أسلوباً ولغة ومعرفة، فهو يشتمل على مسح شامل للمدارس النقدية المعاصرة، ويركز بشكل دقيق وعميق على تحليل توجهات نظرياتها، ويمكن أن نصف هذا الكتاب بأنه تحفة نظرية وعملية وموسوعة شاملة رصدت أهم المدارس النقدية، وناقشت نظرياتها، ولا يمكن أن يستغني عنه كل مهتم بنظرية النقد.

***

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

 

 

 

 

"اعتبارات حول الأمراض الدينية - كونترا ديانات"، كتاب أندريه بوروفسكي (إصدارات لارماتان).

"كتاب مثير يقدم بديلاً يقوم على المنهج العلمي لإنهاء المعتقدات الدينية".

يوجد أكثر من تريليون مليار نجم في الكون المعروف. حول واحد منهم، تدعي كائنات بيولوجية معقدة أن الخالق الافتراضي لهذه النجوم أرسل ابنه الوحيد كذبيحة أو قربان، ضحى بنفسه لشراء خطيئة البشر.

مثل هذا الفكر هو وهم. إن التأكيد على أن أبناء الأرض استثنائيون لدرجة أنهم يستحقون هذا المنصب غير العادي هو مرض يعالج بعلم نفساني. لسوء الحظ، فإن هذا الفكر المفرط ليس نادرًا. توجد متغيرات متعددة، تغذي مناقشات لا تنتهي حول الأديان. ومع ذلك، فإن أصل الصعوبات، أي وجود المعتقدات الدينية، هو سؤال لا يتم التطرق إليه مطلقًا، لأنه يعتبر من المحرمات.

يقدم أندريه بوروفسكي نداءً قويًا لصالح المنهج العلمي ويقترح مسارات عمل لمكافحة المعتقدات الدينية. لأن العلمانية الدفاعية لا تكفي: يجب على الدول أن تنتقل إلى علمانية فاعلة هجومية، مع تعزيز المنهج العلمي على جميع المستويات.

كيف يمكن أن يكون بعض العلماء مؤمنين

"كلمة الله بالنسبة لي ليست سوى تعبير ونتاج ضعف الإنسان." (ألبرت أينشتاين، 1954)

العلوم عديدة والأديان لا تعد ولا تحصى. قد يكون كل اكتشاف علمي مشكلة بالنسبة لبعض الأديان، ولكن دون عواقب بالنسبة للآخرين. يمكن لعلم كامل أن يهدد بعض المعتقدات الدينية، بينما يُنظر إليه البعض الآخر على أنه غير ضار.

تاريخيا، هناك العديد من المواقف التي عارض فيها العلم والدين بعضهما البعض والآخر حيث تعايشا بفضل التصور المتحيز لـ "أنظمة حكم منفصلة". ومن أسباب الاشتباكات المتكررة رفض بعض علماء الدين "الإعجاز أو المعجزات". يعتبر هؤلاء العلماء أن "المعجزات"، لكونها غير محتملة إلى حد كبير، يجب، من أجل التحقق من صحتها، أن تكون مدعومة بأدلة قوية جدًا وليس أساسًا بروايات متحيزة من المؤمنين.

بالنسبة لأولئك الذين يفسرون الكتاب المقدس أو أي قصة أسطورية أخرى بطريقة حرفية، تثير نظرية تطور الأنواع (الداروينية) رد فعل قويًا لرفضها ومحاربتها.

ومع ذلك، فإن العديد من العلماء مؤمنون بدرجات متفاوتة. إذا كانت طريقة المعرفة العلمية والمعتقدات القائمة على الوحي غير متوافقة، فكيف يمكن أن يكون العديد من العلماء مؤمنين؟

هؤلاء العلماء لديهم تصور مجزأ للواقع، والدين والعلم بالنسبة لهم، يظهران على أنهما منفصلان ويتعاملان مع مواضيع متعارضة "على ما يبدو". إذا تم فصل هذين المجالين، فهل يمكن أن يتعايشا افتراضيًا؟

العلم في حالة حركة دائمة، وتكمن قوته في قدرته الاستقصائية، وتوسيع مجالات اهتمامه، تجعل من الصعب الحفاظ على مساحة منفصلة للمعتقدات التي تبدو غير واقعية مع كل تقدم جديد في المعرفة.

غالبًا ما يكون العلماء الأكثر موهبة هم الأقل تديناً. يجب أن ينقلوا تصورهم الواضح عن كوننا لزملائهم، لكن غالبًا ما يكون لديهم أولويات أخرى ...

قد تكون دراسة الأديان جذابة للعالم، ولكن بغض النظر عن المعتقد، فإنها دائمًا ما تقوم على الوحي، وهو نص "مقدس"، وغير قابل للاختبار، ومزيف، وبالتالي لا قيمة له، بخلاف النص الأدبي.

المعتقدات، غير النقدية، لها مخاطر متأصلة. يجب محاربتها بحزم على الأقل بنفس الجدية التي يستخدمها كل عالم لمعارضة النماذج (المختلفة عن نماذجه) المؤمنة التي يقدمها "زملائه الأعزاء".

"يقترح أندريه بوروفسكي نهجًا مختلفًا يبدأ من الملاحظة: تمضي المعتقدات الدينية على هذا النحو، عندما يتم تنظيمها وهيكلتها على نطاق واسع، وتكون خطيرة في جوهرها لأنها تأتي من اكتشافات لا يمكن دحضها أو تعديلها. وبالتالي فهي تشكل علمًا اجتماعيًا. "

"هذا الكتاب هو أولاً وقبل كل شيء صندوق أدوات لكل أولئك الذين يفهمون مخاطر المعتقدات الدينية وأسطورة الخلق، لكنهم يواجهون عقبة رئيسية: المنهج العلمي يدفع دائمًا لمزيد من التفكير النقدي، بما في ذلك نفسه. ومع ذلك، فإن المعتقد الديني، حتى هذا المقصود بـ "العرافين"، يهدف إلى تخدير هذه الروح النقدية. وفي مواجهة هذا التدخل الهائل والجوهري والمتعدد العلماني، فإن إعادة تأسيس تصور صحيح لواقع أساليب المعرفة مهمة شاقة ".

مثل التبغ أو المخدرات، يمكن أن يكون الإيمان مصدر لحالات الإدمان.

في أذهان المؤمنين، يتميز علم الأمراض الديني بوجود مخططات تفسيرية بدون أساس علمي، تقوم على وجود كيانات غير مرئية تتمتع بإرادة أو قوى خارقة. هذه الأنماط لها طابع مرضي قوي في المقام الأول لأنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى التشوهات والقيود والعوائق لاكتساب واستخدام النماذج العلمية ذات الصلة.

استنادًا إلى الادعاءات التي يستحيل إثباتها (وبالتالي دحضها)، غالبًا ما يؤدي المعتقد الديني إلى استبعاد وتمييز وحتى تدمير الأفراد الذين لا يلتزمون بالمعتقد الصحيح. في الواقع، يمكن للمؤمنين بدين فقط معارضة جميع المؤمنين الآخرين المؤمنين بمعتقدات دينية أخرى والذين لا يشاركونهم إيمانهم. إن مجرد وجود أمثلة للحوار بين الأديان هو علامة واضحة على استحالة وصول المؤمنين إلى رؤية واحدة "للإيمان" من خلال عملية عقلانية.

ما يجعل هذه الأوقات خطيرة في جميع إصداراتها هو طابعها غير القابل للاختبار وغير القابل للتزوير. يبقى القتال إذن الطريقة الوحيدة "لتكون على حق".

إذا أردنا تقييم خطورة كل معتقد ديني، فعلينا أن نأخذ في الاعتبار المحتوى والتأثيرات على أساس هذا الاعتقاد دون أن نأخذ في الاعتبار عدد الأشخاص المتأثرين على الفور، ثم نحدد الشخصية الوهمية، والمُسرفة، والعدوانية، باختصار مرضي لهذا الاعتقاد، وفحصه كما لو كان يتعلق فقط بفرد منعزل.

من المهم تصنيف المعتقد الديني على أنه علم الأمراض، لأنه شرط لأي إجراء علاجي. تاريخيًا، قبل القبول العالمي لإدمان الكحول كعلم أمراض، كان من المعقد تصور إجراءات واسعة النطاق.

السيطرة الدينية على المجتمعات، الحقيقة البسيطة المتمثلة في قبول صحة أي وحي على الإطلاق، كانت ولا تزال عقبة خطيرة وحاسمة في بعض الأحيان أمام تقدم المعرفة العلمية، وقبل كل شيء إعاقة لنشر المعرفة العلمية، حتى أبسطها أو الأقل إثارة للجدل.، مثل شكل الأرض أو دورانها حول الشمس أو تحول الأنواع أثناء التطور.

من الواضح أنه إذا كان للمعتقدات الدينية آثار سلبية فقط لكانت قد اختفت منذ فترة طويلة. وبفضل وهم الآثار الإيجابية مثل التقيد "التلقائي" بأولويات المجتمع، أو ممارسة الأعمال الخيرية أو الالتزام بـ "الأخلاق" الحتمية، التي تعتبر ضرورية اجتماعياً، تمكنت الأديان من الحفاظ على نفسها والازدهار. من المهم عدم اعتبار المؤمنين على أنهم مجانين أو مازوشيين. فالمعتقد يجلب لهم شيئًا ولا يمكنهم العيش بدونه إلا بصعوبة. وبالتالي، فإن تأهيل علم الأمراض يستند إلى حكم شامل لتأثيرات هذه المعتقدات على الإنسانية وعلى الطابع الوهمي لمزاياها. على سبيل المثال، يهاجم بوتين اليوم أوكرانيا بشكل غير عقلاني (وفقًا لإيمانويل ماكرون) لأنه يشعر بدعم عقيدته الأرثوذكسية. السويديون (بشكل جماعي الملحدين) لديهم معدل جريمة أقل من الأمريكيين (متدينين بشكل كبير).

إن قدرة الأديان على الظهور كركائز أخلاقية للمجتمعات هي مصدر المشاكل المرتبطة بها. إن التسويق الذي تستخدمه الأديان معقد وبالتالي فهو خطير.

ما هي نظرية المعرفة؟

قد لا تعرف ذلك (حتى الآن)، لكنك قد مارست أو لاحظت بالفعل القواعد المعرفية، وهي القواعد التي تسمح لك باكتساب وتعديل محتوى المعرفة.

هل يجتمع زملاؤك حول طاولة لمناقشة أحدث التطورات في استنساخ البشر والروبوتات وقيمة هذا البحث؟ إنهم يمارسون شكلاً من أشكال نظرية المعرفة، لأنه من الضروري تحديد معايير الحقيقة (ضمنيًا).

على شاشة التلفزيون، ضيف علمي يتساءل عن عواقب اكتشاف فيروس Covid-19؟ سيتعين علينا اللجوء إلى قواعد نظرية المعرفة العلمية لتأطير النقاش.

عالم فيزياء ينشر كتابًا يتناول حدود معرفتنا والتطورات الحديثة في مجاله وتأثيرها على نظرتنا إلى العالم؟ يجب أن تتبع القواعد المعرفية.

في الواقع، نتعامل جميعًا مع القواعد المعرفية حتى بدون إدراكها (مثل قواعد المرور على الطريق).

ولكن بعد ذلك، ما هي بالضبط نظرية المعرفة؟ إنه مجال فلسفي بشكل أساسي يقوم بدراسة وتحليل وانتقاد المبادئ والمفاهيم الأساسية والممارسات والنظريات والنتائج الخاصة بالعلوم المختلفة، وخاصة أساليبها وطرق عملها. توصل إلى اكتشافات تم التحقق من صحتها، من أجل تحديد أصلها المنطقي وقيمتها وأهميتها العلمية والفلسفية.

بطريقة مبسطة، نظرية المعرفة هي مجموعة القواعد التي يجب اتباعها لاكتساب المعرفة وتعديلها: "ما الذي يمكننا معرفته وكيف؟".

الأديان الرئيسية آخذة في الارتفاع. وفقًا لمركز الأبحاث الأمريكي، مركز بيو للأبحاث، المعروف بإحصاءاته الديموغرافية الدينية في جميع أنحاء العالم، فإن الاتجاه عام. بحلول عام 2050، يقدر عدد المسلمين اليوم 1.5 مرة، ليبلغ 2.76 مليار أو 30٪ من سكان العالم سنة 2050، بينما سيزداد عدد المسيحيين بأكثر من 30٪ وسيمثلون 2.92 مليار فرد. كما سيكون الهندوس واليهود أكثر عددًا بحلول ذلك الوقت، بينما ستشهد البوذية تضاؤل في حشد أتباعها وأعدادهم.

هل سيكون عالمنا أفضل حالاً إذا كان أكثر تديناً؟ هناك الكثير ممن يشككون في هذا، "ما شهدناه في العقود الأخيرة هو صعود فاشية جديدة تغلف نفسها" بالشرعية الدينية "كلما كان ذلك أفضل. لتقويض أسس الديمقراطية» كما جاء في مقال قرن التطرف الديني"، فاطمة هدى بيبين، جريدة مونتريال، 1 مايو 2019 في قلب عصر اتسم بالبحث عن المعنى ورفض المادية، فقد أدرك الفلاسفة والمعلمون الإيديولوجيون إمكانات هذا القسم من السكان في البحث عن بوصلة لا تقتصر على ذلك فحسب، بل ترشدهم، وتنعشهم. إن استغلال دينهم، مهما كان، لأغراض سياسية و / أو عسكرية، يغرس التعصب والكراهية دون إمكانية الهروب لأن الأديان تستند في نهاية المطاف فقط على "الإيمان"، أي عن وهم المعرفة. وهم ضد الوهم.

العلمانية لا تكفي: التجربة تظهرها:

منذ ذلك الحين، يذهب الجميع إلى العلاج الخاص بهم، باختيار تعزيز انعكاسات الهوية، و "الإسلاموفوبيا"، ومعاداة السامية وأشكال أخرى من الكراهية بين البشر، والتي يسلط وجودها الضوء مرة أخرى على الضرر المرتبط بالمعتقدات. في سؤال حول هذا السؤال من قبل التلفزيون السويسري، أشار أستاذ التاريخ المسيحي ميشيل غراند جان إلى "حرية الضمير" كسلاح ضد التعصب الديني.

أندريه بوروفسكي غير راضٍ عن هذا. صاغ في الصفحات الأخيرة من كتابه السؤال "هل يمكن لدولة أن تظل علمانية بشكل سلبي؟ يجيب بالنفي: "يُفترض أنه إذا كان الفصل فعّالاً، إذا لم يكن هناك توغل، فإن التعايش بين المؤمنين بمختلف الطوائف فيما بينهم وبين غير المؤمنين قد يتكشف. تظهر التجارب الحديثة هشاشة مثل هذا التفكير (...). لا يمكن أن يكون الحياد الديني الحقيقي دفاعيًا فقط، ويكتفي بالحد من توغل الدين في المجال الاجتماعي بأكمله. يجب أن يكون مصحوبًا بدفاع هجومي نشط عن نظرية المعرفة العلمية باعتبارها الطريقة المشتركة الوحيدة للمعرفة على جميع المستويات (...) ". العمل الجوهري، وهو صراع واسع النطاق ضد المعتقدات الدينية، أمر ضروري.

مهاجمة المعتقدات بدلاً من المؤمنين:

فقط على حساب هذا الانفصال عن بعض التقاليد العلمانية الراسخة، والمؤلمة للكثيرين، سنتجنب التمييز ضد هذه الفئة أو تلك من السكان ووصمها بالعار. وبهذا الثمن فقط سنتجنب تكاثر أنصار الأرض المسطحة واستمرار المذابح والحروب الدينية العلمانية التي ما زالت دامية في الكوكب. المعتقدات، بطبيعتها التي لا يمكن التحقق منها، يجب مهاجمتها بحزم لتجنب الاضطرار إلى مهاجمة ضحاياهم الأوائل، المؤمنين.

من ناحية أخرى، الطريقة الوحيدة لاكتساب المعرفة التي يمكن استخدامها على نطاق واسع، والتي من المحتمل أن تحقق إجماعًا للبشرية جمعاء، هي الطريقة العلمية.

معايير صحتها موضحة بعمق في "الأديان الكونترا". في مواجهة الاعتداءات المباشرة وغير المباشرة على هذه الطريقة، جوهرة الفكر الإنساني على الرغم من عيوبها وقيودها، يتم تحليلها ورفضها بحزم.

الفلسفة تتصدى لمفهوم الإله:

لا أحد يعرف أن فريدريك نيتشه أعلن أن الله قد مات. إنها إحدى الجمل القليلة في تاريخ الفلسفة التي يمكنك شراؤها عمكتوبة لى القمصان والملصقات الواقية من الصدمات. أو يمكنك أن تجد أيضًا منقوشة تقول إن نيتشه قد أمات - الله.

لكن يفترض الكثير من الناس أن نيتشه كان يحتفل بزوال الله المفترض، وهذا ليس دقيقًا حقًا. على الرغم من أنه لم يكن ينكر ذلك، إلا أنه كان قلقًا بالتأكيد بشأن العواقب. تظهر السخرية الشهيرة في حكاية قصيرة بعنوان "المجنون"، حيث تجري شخصية نيتشه الرئيسية باكية في سوق مليء بالكافرين. قفز المجنون في وسطهم وطعنهم بعينيه وهو يصرخ "أين الله؟" بكى؛ رد عليه أحدهم"سأخبرك. لقد قتلناه - أنت وأنا. . .

"ألا نشعر بأنفاس الفضاء الفارغ؟ ألم يبرد؟ ألا يقترب الليل علينا باستمرار؟ ألا نحتاج لإضاءة الفوانيس في الصباح؟ ألا نسمع شيئًا حتى الآن عن ضجيج حفاري القبور الذين يدفنون الله؟ ألا نشم شيئًا حتى الآن من التحلل الإلهي؟ الآلهة، أيضا، تتحلل. الإله مات. يبقى الله ميتا. ولقد قتلوه."

لا نيتشه ولا مجنونه الخيالي مسرورون بموت الله. إذا كان هناك أي شيء ، فهم يحاولون إيقاظ الناس لما يعنيه ذلك حقًا.

ابتداءً من القرن التاسع عشر، بدأ يغرق في نفوس عدد متزايد من الناس أن الحقائق المطمئنة للنظام القديم كانت على وشك الانهيار. بينما طور العلم وجهة نظر موحدة عن الطبيعة موجودة وتتطور دون أي دعم خارجي، رحب الكثيرون بانتصارات المعرفة البشرية. رأى آخرون جانبًا مظلمًا للعصر الجديد.

يمكن أن يساعدنا العلم في العيش لفترة أطول، أو تحقيق رحلة إلى القمر. ولكن هل يمكن أن يخبرنا ما هو نوع الحياة التي نعيشها، أو يفسر الشعور بالرهبة التي تغلبنا عندما نتأمل السماوات؟ ماذا يصبح المعنى والهدف عندما لا نستطيع الاعتماد على الآلهة لتوفيرها؟

إن التفكير في الله بطريقة صارمة ليس بالمهمة السهلة. يبدو أنه متردد في الكشف عن نفسه بوضوح شديد في عمل العالم. يمكننا مناقشة شرعية المعجزات المبلغ عنها، لكن معظمنا يؤكد أنها نادرة في أحسن الأحوال. قد يشعر الناس أن لديهم تجربة شخصية داخلية عن الآلهة - ولكن هذا ليس نوعًا من الأدلة المقنعة لأشخاص آخرين غير المجربين.

من ناحية أخرى، لا يتفق الناس على الله. إنه فكرة زلقة سيئة السمعة. بالنسبة لبعض الناس، فإن الله هو إلى حد كبير كائن - عالم شامل، كلي القدرة، كلي الوجود خلق الكون ويهتم بشدة بمصير البشر، فرديًا وجماعيًا. يفضل البعض الآخر التفكير في مفهوم أكثر تجريدًا عن الله، باعتباره شيئًا أقرب إلى فكرة تفسيرية تلعب دورًا حاسمًا في تفسير عالمنا.

ما يميل جميع المؤمنين - الناس الذين يؤمنون بالله - إلى الاتفاق عليه هو ذلك الله مهم للغاية بالنسبة لهم. واحدة من أهم سمات الأنطولوجيا لشخص ما هي ما إذا كانت تتضمن الله أم لا. إنه الجزء الأكبر من الصورة الكبيرة. إذن، فكرة زلقة أم لا، تقرير كيفية التفكير في الله هو شيء علينا القيام به.

تذكر أن هناك جزأين للاستدلال بايزيس: الخروج بمصداقية مسبقة قبل وجود أي دليل، ثم اكتشاف احتمال الحصول على أنواع مختلفة من المعلومات في إطار الأفكار المتنافسة. عندما يتعلق الأمر بالله، فإن كلا الخطوتين يمثلان مشكلة كبيرة. لكن ليس لدينا أي خيار.

من أجل الحفاظ على الأشياء بسيطة، دعنا نقسم كل الطرق الممكنة للتفكير في الله إلى فئتين فقط: الإيمان بالله (الله موجود) والإلحاد (الله غير موجود). هذه مصطلحات شاملة لمجموعة متنوعة من المعتقدات المحتملة، لكننا نوضح المبادئ العامة هنا. من أجل أن نكون واضحين، فلنتخيل أننا نتحدث عن الله ككينونة، كنوع من الكائنات القوية للغاية التي تهتم بحياة البشر.

ماذا يجب أن يكون مقياسنا للإيمان بالله والإلحاد؟ يمكننا أن نجادل في أن الإلحاد أبسط: فهو يحتوي على فئة مفاهيمية أقل من الإيمان بالله. النظريات البسيطة جيدة، وهذا يشير إلى أن الإلحاد السابق يجب أن يكون أعلى. (إذا لم يفسر الإلحاد فعليًا الكون الذي نراه، فإن ذلك السابق سيصبح غير ذي صلة، لأن الاحتمالات المقابلة ستكون صغيرة جدًا.) من ناحية أخرى، على الرغم من أن الله كينونة منفصلة عن العالم المادي، فقد نأمل لشرح ميزات العالم باستخدام تلك الفرضية. القوة التفسيرية هي شيء جيد، لذلك قد يجادل لصالح أكبر قدرة تفسيرية قبل الإيمان بالله.

دعونا نسميها غسل التلويث الدماغي. يحق لك الحصول على مقدماتك الخاصة، ولكن لأغراض هذه المناقشة، دعنا نتخيل أن المصداقات السابقة للإيمان بالله والإلحاد متساوية. ثم سيتم تنفيذ كل الأحمال الثقيلة من خلال الاحتمالات - إلى أي مدى تعمل الفكرتان بشكل جيد في حساب العالم الذي نراه بالفعل.

هنا حيث الامور مثيرة للاهتمام. ما يفترض أن نفعله هو أن نتخيل، بشكل عادل قدر الإمكان، كيف سيبدو العالم وفقًا لأي من الاحتمالين لدينا، ثم مقارنته بما هو عليه في الواقع. هذا صعب حقا. ليس لأن «الإيمان بالله" أو "الإلحاد" في حد ذاته، هو إطار تنبؤي أو محدد للغاية. يمكننا تخيل العديد من الأكوان الممكنة التي ستكون متوافقة مع أي فكرة. واعتباراتنا ملوثة بحقيقة أننا في الواقع نعرف الكثير عن العالم. هذا تحيز كبير لمحاولة التغلب عليه.

خذ مشكلة الشر. لماذا قد يسمح الإله القوي والخير، الذي يُفترض أنه يستطيع ببساطة أن يمنع البشر من أن يكونوا أشرارًا، بوجود الشر في العالم؟ هناك العديد من الردود المحتملة على هذا السؤال. يعتمد أحد العناصر الشائعة على مفهوم "الإرادة الحرة" أو " حرية الاختيار": ربما بالنسبة إلى الله، من الأهمية بمكان أن يكون البشر أحرارًا في الاختيار وفقًا لإرادتهم - حتى لو انتهى بهم الأمر إلى اختيار الشر - بدلاً من إجبارهم على أن يكونوا صالحين بشكل موحد.

ومع ذلك ، فإن مهمتنا ليست مجرد التوفيق بين البيانات (وجود الشر)

مع النظرية الثيولوجية (الايمان بالله). إنها التساؤل عن كيفية تغيير البيانات لمصداقيتنا لكل من النظريتين المتنافستين (الإيمان والإلحاد).

لذا تخيلوا عالما يشبه إلى حد كبير عالمنا، باستثناء إن هذا الشر غير موجود. الناس في هذا العالم يشبهوننا كثيرًا، ويبدو أنهم قادرون على اتخاذ خياراتهم بأنفسهم، لكنهم دائمًا ما يختارون فعل الخير بدلاً من الشر. في ذلك العالم، البيانات ذات الصلة هي غياب الشر. كيف يمكن تفسير ذلك، بقدر ما يتعلق الأمر الإيمان بالله؟

من الصعب الشك في أن غياب الشر سوف يؤخذ على أنه دليل قوي للغاية لصالح وجود الله. إذا تطورت البشرية ببساطة وفقًا للانتقاء والانتخاب الطبيعي، دون أي إرشاد أو تدخل إلهي، فإننا نتوقع أن نرث مجموعة متنوعة من النبضات الطبيعية - بعضها من أجل الخير، والبعض الآخر لغير الخير. قد يكون من الصعب تفسير غياب الشر في العالم في ظل الإلحاد، ولكنه سهل نسبيًا في ظل الإيمان بالله، لذلك يعتبر دليلاً على وجود الله.

ولكن إذا كان هذا صحيحًا، فإن حقيقة أننا نختبر الشر هو دليل لا لبس فيه ضد وجود الله. إذا كان احتمال عدم وجود شر أكبر في ظل الإيمان بالله، فإن احتمالية الشر أكبر في ظل الإلحاد، لذا فإن وجود الشر يزيد من مصداقيتنا بأن الإلحاد هو الصحيح.

بعبارة أخرى، من السهل ابتكار سمات الكون التي تقدم دليلاً على الإلحاد منه على الإيمان بالله. تخيل عالما تكثر فيه المعابد، بدلا من ندرة حدوثها أو عدم حدوثها على الإطلاق. تخيل عالماً جاءت فيه جميع التقاليد الدينية من جميع أنحاء العالم بشكل مستقل بنفس العقائد والقصص عن الله. تخيل كونًا صغيرًا نسبيًا، به الشمس والقمر والأرض فقط، ولا توجد نجوم أو مجرات أخرى. تخيل عالما قدمت فيه النصوص الدينية بشكل متواصل أجزاء محددة وصحيحة وغير بديهية من المعلومات العلمية. تخيل عالما كان فيه البشر منفصلين تماما عن بقية التاريخ البيولوجي. تخيل عالما تعيش فيه الأرواح بعد الموت، وكثيرا ما تزور وتتفاعل مع عالم الأحياء، وتروي قصصًا مقنعة عن الحياة في الجنة. تخيل عالما كان حرا  خالي من المعاناة العشوائية. تخيل عالمًا كان عادلاً تمامًا، حيث كانت الحالة النسبية للسعادة لكل شخص متناسبة تمامًا مع فضيلته.

في أي من تلك العوالم، فإن الباحثين الدؤوبين عن الأنطولوجيا الحقيقية قد يتخذون بحق تلك الجوانب من الواقع كدليل على وجود الله. ويترتب على عدم تعاقب الليل والنهار وغياب هذه الملامح دليل لصالح الإلحاد.

ما مدى قوة هذا الدليل، هو سؤال آخر تمامًا. يمكننا أن نحاول تحديد التأثير الكلي، لكننا نواجه عقبة صعبة للغاية: الإيمان بالله لم يتم تعريفه جيدًا. كانت هناك محاولات عديدة، على غرار إن "الله هو أفضل كائن يمكن تصوره" أو "الله هو أساس كل الوجود، الشرط الشامل للإمكانية". هذه الأصوات واضحة ولا لبس فيها، لكنها لا تؤدي إلى احتمالات دقيقة على غرار "احتمالية أن الله، إذا كان موجودًا، سيعطي تعليمات واضحة حول كيفية العثور على نعمة للناس من جميع الأزمنة والثقافات". حتى لو ادعى المرء أن مفهوم الله نفسه محدد جيدًا، فإن العلاقة بين هذا المفهوم وواقعية عالمنا تظل غامضة.

يمكن للمرء أن يحاول تجنب المشكلة من خلال إنكار أن الإيمان بالله يقوم بأي تنبؤات على الإطلاق لما يجب أن يكون عليه العالم - جوهر الله خفي ولا يمكن اختراقه لأذهاننا. هذا لا يحل المشكلة - طالما أن الإلحاد يقوم بالتنبؤات، فلا يزال من الممكن أن تتراكم الأدلة بطريقة أو بأخرى - ولكنه يخفف من حدتها إلى حد ما. ولكن بتكلفة كبيرة فقط: إذا لم تتنبأ الأنطولوجيا بأي شيء تقريبًا، ينتهي الأمر بتفسير أي شيء تقريبًا، ولا يوجد سبب للاعتقاد بذلك.

هناك بعض سمات عالمنا التي تعتبر دليلاً لصالح الإلحاد، تمامًا كما أن بعض السمات دليل على الإلحاد. تخيل عالماً لم يفكر فيه أحد في مفهوم الله - الفكرة ببساطة لم تحدث قط. بالنظر إلى تعريفنا للإيمان بالله، هذا عالم بعيد الاحتمال إذا كان الله موجودًا. قد يبدو عارًا على الله أن يبذل كل المشاكل ليخلق الكون والبشرية، ثم لا يخبرنا أبدًا عن وجوده. لذلك من المنطقي تمامًا أن نقول إن الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن الناس يفكرون في الله تعد دليلاً على أنه حقيقي.

هذا مثال غريب الأطوار إلى حد ما، لكن هناك أمثلة أكثر جدية. تخيل عالما به مادة فيزيائية، ولكن لم تنشأ فيه الحياة. أو كون به حياة ولكن بلا وعي. أو كون به كائنات واعية، لكنهم لم يجدوا أي متعة أو معنى في وجودهم. للوهلة الأولى، قد تبدو احتمالات مثل هذه النسخ من الواقع أعلى في ظل الإلحاد منها في ظل الإيمان بالله. يتمثل جزء كبير من مهمة الجزء المتبقي من هذا الكتاب في وصف كيف من المحتمل جدًا أن تكون هذه الميزات في نظرة طبيعية للعالم.

ليس هناك الكثير يمكن