قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

الدكتور المرحوم عبد الرضا عوض، اسمه الكامل عبد الرضا عليوي سعيد عوض  أديب وباحث مختص بالتأريخ الحديث، خاصة تاريخ الحلة، وُلِد في الحلّة محلة الجامعين عام 1952م، وتوفي بوباء كورونا في 11/11/2021م، تغمده الله  تعالى بواسع رحمته، ترك إرثا تأريخيا وثقافيا غير قليل، هو عضو اتحاد المؤرخين العرب، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، وعضو جمعية الرّواد الثقافية في بابل، وعضو هيأة كتابة الأنساب العربية، رئيس مجلس إدارة مجلة أوراق فراتية، له كتابات في اختصاصة في عدد من الصحف والمجلات، أصدر عددا من الكتب، نذكر منها:

شعراء الحلة السيفية أيام الأمارة المزيدية وما بعدها، أوراق حلّية من الزمن الصعب في القرن العشرين، تأريخ الصناعات والحرف الشعبية، الحلة في العهد الجمهوري الأول، صفحات بابلية، تأريخ الصناعات والحرف الشعبية، مشهد الشمس وحديث الجمجمة، أدباء بابل وكتابها المعاصرون (أربعة أجزاء)، الدّرة البهية في تأريخ المدحتية، الشوملي نشأتها تطورها، ندوة عشتار، تأريخ غرفة تجارة الحلة، تأريخ الطب والأطباء في الحلة، الانتفاضة الشعبانية 1991م في الحلة، الجذور التأريخية للأسرة العوضية . وتوجد له كتب أخرى إضافة لكتابه:

الحلة وحكّامها

الأمراء/ الحكّام/ الصدور/ القائممقامون/ المتصرفون/ المحافظون

منذ تأسيسها عام 495هج حتى عام 1432 هج

1101 إلى 2011 م

الطبعة الأولى للكتاب عام 2011م، والطبعة الثانية عام 2012م، نرى  المرحوم الدكتور عبد الرضا عوض معتزا كثيرا بمدينته الحلة، نقل ص3 من كتابه قولا من مذكرات سندرسن باشا(1) هو:

((رحتُ أحسد كلّ إنسان يُعيّن للقيام بواجب ما في مدينة الحلّة)) .

الكتاب مكون من مقدمة، ومدخل ويوجد نهاية المدخل عنوانان، ضوء 1، ضوء 2  ثمّ الباب الاول بعنوان حُكّام الحلّة، وفيه تسعة أقسام ثمّ الباب الثاني وفيه سبعة عناوين.  نستعرض بعضا من معلومات الكتاب القيّمة لتكوين صورة مقرّبة للكتاب. في المدخل وتحت عنوان (الحلّة وموقعها) يقول: الحلة معناها النزول بالأرض حسب لغة القوم وقد حلّ بها آل مزيد فسمّيت حلّة يقول الدكتور عبد الرضا عوض: الحلّة نقصد بها المدينة التي تقع بين بغداد والكوفة، امتدادا وتوسيعا للجامعين. زارها عدد كبير من الرّحالة العرب والأجانب، وسُمّيتْ الجامعين حسب رأي العلامة هادي كمال الدين الذي نقله الدكتور عبد الرضا عوض، لوجود جامعين إثنين هما جامع ومرقد الصحابي عبد العزيز بن سراي وهو من أصحاب الإمام علي (ع) الذي استشهد في معركة صفين، وجامع ومقام الإمام جعفر الصادق (ع). ولوجود هذين الجامعين المتقابلين سُمّيتْ المنطقة المحصورة والمجاورة لهما بالجامعين قبل عشرات السنين من تمصيرها من قبل سيف الدولة الاسدي سنة 495هج، وحملت فيما بعد اسم الحلة السيفية وبقيت الجامعين محلة عتيدة.

تذكر المصادر التأريخية أنّ الإمام علي (ع) قد حطّ رحاله في الحلة عند عودته من معركة النهروان سنة 37 هج في المكان الذي ما يزال يطلق عليه (مقام الإمام علي –ع-). وضمن المدخل ايضا يذكر الدكتور عبد الرضا عوض في (ضوء 1) المصادر التي أرّختْ لمدينة الحلّة، وفي (ضوء 2) يذكر الأقوام التي حكمت الحلة. الباب الأول مكون من تسع اقسام، تناول فيها أسماء الامراء والحكّم والصدور والقائممقامون والمتصرفون ثم المحافظون، وأول الأمراء هو صدقة بن منصور المزيدي، تولى الإمارة في منطقة النيل بعد وفاة والده منصور بن دبيس سنة 479هج، وبارك هذه البيعة الخليفة العباسي المقتدي بالله والسلطان ملكشاه السلجوقي ولُقّب (سيف الدولة). استقر المزيدون في أرض بابل شرق مدينة بابل الاثرية، وكانوا يسكنون الخيام العربية،  ثمّ انتقل صدقة من النيل إلى منطقة الجامعين، وسبب انتقاله تهديده من قبل السلطان بركيارق (الدهستاني) بسبب دَيْن كان قد استحق عليه لخزينة الدولة، وأبلغ السلطان السلجوقي صدقة أنّه ((قد اجتمع عليه للخزانة السلطانية ألف ألف دينارا، فإن لم تؤدها وإلّا بلدك مقصود)). فأصبحت فكرة الانتقال لمكان يجنبه الحرب واجبا، فكانت محطته ومبتغاه الجامعين التي هي سُكنت قبل هذا التأريخ، فكانت مكانا اهتدى إليه، وأطلق عليها اسم (الحلة السيفية) أو (الحلة المزيدية) سكنها في شهر محرم عام 495 هج، وقد حفر خندقا حول المدينة لغرض حمايتها من السلاجقة.

خضعت الحلة لحكم المغول سنة 656هج بعد سقوط بغداد مباشرة، بعد وصول أخبار الحملة المغولية إلى الحلة، وما ارتكب المغول من مجازر وخراب في بغداد أصبح الرأي لدى وجهاء وعلماء الحلة، أن يراسلوا هولاكو لحماية المدينة، فأرسلوا وفدا برئاسة مجد الدين محمد بن طاووس الحلي، وطلبوا من هولاكو عدم استباحة مدينتهم فوافق بشرط أن يظهروا الطاعة، فتولى أمر الحلة تاج الدين بن الدوامي.

عاشت الحلة سنين من الصراع بين العثمانيين والصفويين، فكانت ساحة لصراعاتهم، عام 914 هج دخل الشاه اسماعيل الصفوي العراق وقضى على دولة الآق قوينلو العثمانية، واتخذ من الحلة مقرا له، عام 941هج دخل سليمان القانوني العثماني الحلة دون مقاومة وعسكر بها، عام 1033 هج احتل الحلة الشاه عباس الصفوي واستعادها العثمانيون عام 1040هج، وبقيت الحلة ساحة لقتال الجيشين العثماني والصفوي نحو ثمانون عاما متقطعة، أخيرا خضعت لحكم العثمانيين، إذ أصبحت زمن الوالي مدحت باشا وحدة إدارية بدرجة لواء يديرها متصرف، تتبعها أقضية هي: السماوة، الديوانية، الهندية، النجف، الشامية.

في أواسط 1892م جفّ شط الحلة ونزح الأهالي إلى المدن المجاورة مثل بغداد وكربلاء، فكان من وجهة نظر الوالي العثماني (حسن رفيق باشا) نقل مركز اللواء إلى قصبة الديوانية بعد أن أخذ موافقة الباب العالي، فأوعز الوالي إلى متصرف الحلة (علي رضا باشا) بالنقل إلى الديوانية لكنّه رفض ذلك واستقال من وظيفته. وعين (واصف باشا) محاسب الاوقاف في بغداد وكيلا للمتصرف، و(وسعيد باشا الموصلي) متصرفا للواء، وعُيّن (عارف بيك الآلوسي) قائمقاما لقضاء الحلة.

اشتهر تأريخ الحلة الحديث بما يسمى (دكة عاكف)، يقول الدكتور عبد الرضا نقلا عن الشيخ يوسف كركوش: في أوائل عام 1335هج أغار عاكف بيك على الحلة من معسكره في سدة الهندية، وطلب من زعماء الحلة أن يسمحوا له بالمرور، ثمّ يذهب بجيشه إلى جهة أخرى بمهمة عسكرية، وكان يقصد بهذا الطلب الخداع. وأضاف الدكتور عبد الرضا عوض نقلا عن الدكتور البصير في مذكراته: شكّل أهل الحلة وفدا لاستقبال عاكف بيك، وكان الوفد برئاسة السيد محمد علي القزويني وكان رفعت الجادرجي حاضرا هذا اللقاء، التقوا بالجيش التركي في مقام مشهد الشمس، لكنّ السّفاح عاكف بيك احتجز الوفد واعتبرهم رهائن.

يقول الدكتور عبد الرضا عوض نقلا عن الشيخ كركوش: أعدم السّفاح عاكف أكثر من  (126) رجلا على شكل وجبات يومية، عُلقَتْ جثثهم على تل الرماد وبعضها مقابل بناية القشلة مدة ثلاثة ايام، ونفى عاكف جماعات كبيرة من أهل الحلة إلى ديار بكر بينهم أطفال وشيوخ وعجائز، مات بعضهم في الطريق بسبب الإعياء والجوع والضرب المبرّح، وقصفت مدافع عاكف التي نُصبت على تل الرماد إرث المدينة العلمي والأدبي في محلات الجامعين والطاق وجبران والوردية في الجانب الصغير من الحلة، بلغ عدد الشهداء الذين قتلهم عاكف وجيشه (1500) شهيدا والذين شنقوا (127) شهيدا، والذين نفوا إلى ديار بكر (231) فردا.

بعد انهيار الدولة العثمانية وسقوطها، دخل الجيش البريطاني بغداد في شهر آذار عام 1917م، ثمّ بدأ البريطانيون بالتحرك إلى بقية المدن العراقية، دخلوا الحلة في شهر نيسان من السنة نفسها. الميجر (بولي) عُيّن حاكما عسكريا سياسيا للحلة يعاونه (كولدن سمث)، في عهده تمّ تأسيس أول مستشفى في الحلة في محلة المهدية عام 1918م، الملاحظ أنّ حكّام الحلة حتى عام 1921م كانوا خليط من جنسيات متعددة ولم يحكم الحلة من أبنائها سوى (مرزوك أغا) ولمدة قصيرة. بعد ذلك بدأ ما يُسمى العهد الوطني (الملكي) 1921م حتى سقوط حكم حزب البعث في 2003م.

هذا استعراض مختصر لكتاب الدكتور عبد الرضا عوض تغمده الله تعالى بواسع رحمته، وجعل إرثه العلمي والثقافي في ميزان حسناته إن شاء الله تعالى، نتمنى أن ينال هذا الاستعراض المختصر رضا القارئ الكريم.

***

علي جابر الفتلاوي

....................

(1): هاري سندرسن باشا (1891م – 1974م) طبيب انكليزي تم تعيينه طبيبا للصحة في مدينة الحلة عام 1919م، حتى اندلعت ثورة العشرين، نُقِل إلى بغداد طبيبا للعائلة المالكة العراقية، وهو أول عميد لكلية الطب العراقية عام 1927م.الموسوعة الحرّة.

ورد في ص13 من التقديم/ المقدمة/ كتاب علي الوردي والمشروع العراقي التالي: [لقد تبارت الكتب بعدد ونوع من يقرؤها فكانت الغلبة لكتب الوردي ليس لكونه عراقياً قحاً وقريب من هواجس الناس او من طبيعة أسلوبه السردي الممتع ولغته المبسطة المفهومة الممتعة. لكنه كان دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات كل ذلك جعله  مقروء من قبل جل الطبقات والاطياف الفكرية وبالرغم من منهجه البحثي ومن عدم مداهنته او موالاته لأي قوى متسلطة في تلك الحقبة من محافظة ملكية ودينية طائفية ومثقفة كما قومية عروبية او يسارية او ليبرالية] انتهى

تطرقتُ الى هذا المقطع في السابقة ولكن ليس بالكامل حيث بقيت قضايا/نقاط  مهمة يكررها محبي الوردي ومن كَتَبَ عنه وهي:

أولاً: ورد: [....وبالرغم من منهجه البحثي ومن عدم مداهنته او موالاته لأي قوى متسلطة في تلك الحقبة من محافظة ملكية ودينية طائفية ومثقفة كما قومية عروبية او يسارية او ليبرالية] انتهى

عن مداهنة الراحل الدكتور علي الوردي اليكم ما كتبه في ص314 من كتابه [الاحلام/1959]:

1 ـ [وصفني احد المسؤولين في العهد البائد باني كنت في كتبي السابقة "أدس السم في العسل" ولست بحاجة الى تفسير المقصود من هذا القول في عرف ذلك العهد فالسم يعني يوم ذاك كل ما لا يرضى عنه الحكام من آراء واعترف اني كنت لا اتوانى عن دس "السم" في جميع ما كنت اكتبه او احاضر فيه ولكني اعترف كذلك باني كنت ادس " السم" دساً خفيفاً يكاد لا يبين له طعم او ينتج الأثر المنشود منه] انتهى

*تعليق: هل هذا السم اقوى من السم الذي طرحه بعض النواب او الشعراء او بعض رجال الدين في تلك المرحلة او هو اقوى من السم الذي كانت تشيعه وتقدمه الأحزاب السياسية الشيوعي منها والقومي وحتى الإسلامي عن قصائد الشعراء ولافتات التظاهرات وشدة الانتفاضات التي كانت تقودها تلك الأحزاب والشخصيات السياسية؟ هل كانت مقالات الوردي وكتبه تُسْقِطْ او أسْقَطَتْ حكومة من حكومات الفترة/ المرحلة الملكية التي وصل حالها إلى ان لا تُعَّمِرْ اشهر؟ هل كان احد من المساهمين في حركة/انقلاب/ثورة1936 او1941 من قراء مقالات الوردي الصحفية التي يقول احد مؤلفي هذا الكتاب انه بدأ بنشرها وهو في عمر(17) عام أي قبل الحدثين بسنين؟ هل تطرق الوردي بصفته عالم اجتماع الى تأثير تعليق جثامين ثوار 1941 على أعمدة الكهرباء في الساحات العامة على المجتمع العراقي وكذلك اعدام السياسيين الشيوعيين فهد ورفاقه وتعليق جثامينهم كما فعلت الحكومة مع جثامين ثوار 1941؟ هل رُفعت راية او لافته او اُلصِقَ منشور يحمل قول للراحل الوردي؟ هل شارك الوردي في نشاط سياسي او تظاهرة او اعتصام او انتفاضة؟

ركزوا لطفاً على""بأني كنتُ أدس السمَ دساً خفيا يَكادْ لا يبين له طعم او ينتج الأثر المنشود منه" 

ما قيمة السُمْ الذي لا طعم له ولا يترك أثر؟ ألا يمكن أن يكون هذا السُمْ وبهذه الجرعة مخدر للناس يحد من حركتهم المجتمعية والسياسية.

تبينوا عدم مداهنة الراحل الوردي...كم عراقي في تلك الحقبة استطاع ان يميز بين سم الوردي عديم اللون والطعم والرائحة والأثر وبين العسل الطاغي فإذا كان السم ضد الملكية/ الحكومة كما يقول الوردي وكما يُفهم من القول فأكيد كان العسل بجانبها. وهذا اعتراف خطير من الوردي بأنه كان ينشر عسل الملكية...وفي قوله هذا كان مع الاعتذار له غير صادق حيث أراد به هنا مُدارات الظروف التي سادت في تلك الأيام حيث عام 1959 الصاخب سياسياً واجتماعياً في العراق.

2 ـ [لقد كنت بعبارة أخرى اتبع سبيل المراوغة والمدارات في مختلف كتاباتي ومحاضراتي أي اني كنت اتبع طريقة " كليلة ودمنه" الذي الفه بيدي في قديم الزمان وقد جابهني البعض بالنقد الشديد على الطريقة "البيدبانية" فكانوا يقولون عني اني ادور حول الفكرة دون ان ادخل في صميمها واخرج منها أحيانا بغير النتيجة...هذا كله صحيح اعترف به ولا اريد ان ابرئ نفسي]انتهى

*تعليق: هل المراوغة والمدرات احد اشكال عدم المداهنة؟

عن كليلة ودمنه...هل كان الملك طاغية حيث دفع هذا الطغيان الراحل الوردي للذهاب اليه وتقديم النُصح له، كما ورد عن كليلة ودمنة وبيدبا؟...هل غضب الملك او اتباع الملك على الراحل علي الوردي وامر بقتله قبل ان يُغَّير رأيه؟...هل طلب الملك من الوردي إعادة ما قال واعتمده؟... ثم من كان يعرف كليلة ودمنة او قرأه من أعضاء البلاط الملكي في العراق او السياسيين او عامة الشعب حتى عرفوا قصد الوردي هذا؟ الرجل الوردي يؤكد على انه كان يلف ويدور ويعترف ب(اللف والدوران) الذي سارت عليه حياته في جانبها السياسي...اليس في ذلك مهادنة؟

3 ـ[لقد كنتُ في الخمسينات مخير بين امرين اما ان افصح عن الرأي بصراحة تامة فاذهب الى السجن او اراوغ فيه واداري فأتخلص من السجن ومغبة قطع الارزاق وبعد تامل وتمحيص وجدت الامر الثاني أجدى واصلح لي وللقراء بيد ان الوسيلة لم تعد ناجعة في عهود الثورة فتوسل المراوغة والمدارات يدل على فسحة واسعة في حرية التعبير داخل النظام السياسي نفسه....الخ] انتهى

*تعليق: كم كانت أصوات المعارضين للنظام عالية دون ان يتحمل احد من أصحابها تبعاتها؟ كم كان عدد اساتذة الجامعة من المعارضين المجاهرين في معارضتهم للنظام الملكي ولم تُقطع اعناقهم وارزاقهم؟ كم كان عدد الشخصيات السياسية المعارضة علناً للنظام وظلت معارضة وينظر اليها باحترام وتقدير وبعضها كان يُستشار؟

كل اقوال الوردي هذه كان فيها غير دقيق ويلوي فيها الصحيح واصدرها في عام 1959 تفادياً كما قلتُ لحالة قد ظن ان فيها خطورة عليه.

ومن كل ما ذكرته يظهر جلياً ان الراحل الوردي لم يكن جريئاً بنقده المجتمع العراقي...او العائلة المالكة ال "متسفلة" كما وصفها

هل أسس الوردي بكل ما اثاره من ضجة مدرسة او مجموعة تسير معه لدراسة المجتمع العراقي؟؟

ثم يأتي كاتب التقديم/ المقدمة ليقولَ قولاً باطلاً حيث كتب في ص17 التالي:

[ اذا كانت لومضات الفكر من تأثير في احداث التاريخ كما كان مونسيكيو في اشعال الثورة الفرنسية او الرعيل اليساري الثوري الذي اجج الثورة الروسية فان أفكار علي الوردي قد اينعت باقل من عقد وكانت الشرارة الفكرية وراء انبثاق ثورة 14 تموز1958 حينما تيقن عبد الكريم قاسم ورعيله ان لا طائل في معالجة بداوة السلطة سواء كانت عروبية او تركوية او كردوية او فارسية بعدما سخرت احاجي قومية وطائفية واسبغت حرمة على بيوتات واهية تتداول السلطة فيما بينها وتتمتع بالامتيازات العراض وتتشدق بالفضل من خلال عملية اصلاح ترقيعي تاركين للعامة  رجاء ودعاء و"منتظر" بالتغيير. لقد تيقن مفجروا ثورة تموز ان الامر محوج لعملية استئصال وتغيير شامل يؤسس لقاعدة اللابداوة  والشروع بإرساء دولة المواطنة التي تساوي بين الرؤوس وتشيع التكافئ بالفرص والسعي للبناء الحضاري وتكرس الشعور بالانتماء للوطن الواحد وتلغي الانتماءات الهامشية وتستأصل مشاعر الدونية المستشرية وها نحن اليوم نئن من ذيلية وتشرذم وانانية النخب الذي لم ولن يكن ان يؤسس لدولة راسخة اذا لم يعي تلك الحقيقة] انتهى

*تعليق: أتمنى على الكاتب ان يعرض لنا قول او تصريح لاحد المساهمين في ثورة / انقلاب 14تموز1958 المباركة/المبارك يؤكد فيه انه اشترى كتاب من كتب الوردي او قَلَّبَ صفحات كتاب من كتب الوردي او قرأ صفحة واحدة من صفحات كتب الوردي او استشهد او اقتبس مقطع للوردي او قول او عبارة او مصطلح وقد كتب بعضهم مذكراته وكُتِبَ عن بعضهم؟

هل اعترض الوردي على تنصيب فيصل الثاني ؟ هل قال الوردي ان اصلح نظام هو النظام الجمهوري؟ بل هل وردت عبارة ( نظام جمهوري) في كتب الوردي في تلك المرحلة؟ هل دعا الوردي صراحة الى فصل السلطات كما مونتسيكيو؟

ثم ما هي تلك الأفكار الثورية الوردية التي اينعت خلال عقد من الزمان وكان لها تأثير في قيام انقلاب/ثورة 14تموز 1958 المبارك/المباركة فأغلب أعضاء تنظيم الضباط الاحرار من غير المهتمين بطروحات الوردي وكما ورد في هذا التقديم حيث كتبَتَ(كاتب التقديم) في ص16 التالي: [لقد كان الوردي جريئا بنقده المجتمع العراقي وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال من مدعي الفكر ....الخ...] انتهى

 وفق هذا الطرح، من بقي من الشعب العراقي والسياسيين العراقيين والعسكريين من تأثر بالوردي وطروحاته التي اينعت؟

و ما هو تأثير الوردي على قيادة الضباط الاحرار؟ وعلينا ان ننتبه الى ان ثورة تموز لم تكن ثورة شعبية انما كانت انقلاباً عسكرياً ساندته الجماهير بعد سيطرت عبد السلام محمد عارف على بغداد واذاعته للبيان رقم واحد / البيان الاول وهذه الجماهير هي نفسها جماهير من قال عنهم الكاتب انهم وقفوا بالضد من طروحات الوردي حين كتب: [تحالف ضده الجميع من طرف اليمين وطرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين والليبراليين...الخ] والجماهير التي خرجت تساند الانقلاب لتحوله الى ثورة هي جماهير هذه المسميات والأحزاب والإصطفافات السياسية والدينية...فكل  جماهير هذه المسميات متحالفة ضد الوردي فكيف جدحت شرارة الثورة واينعت تحت تأثير أفكار الوردي؟ 

كما يبدو فقد تخلص الوردي من "معادات المعادين" له...فتخلص من عداء الشيوعيين له بما كتب في كتاب الاحلام/1959 كما بينتُ ذلك أعلاه أما بخصوص "معادات العروبيين" الذين حاربوا الوردي كما يقول كاتب التقديم ...فظهرت محاربتهم في عدم المساس به او مضايقته او حتى التحقيق معه او توجيه سؤال واحد له ولم يُحارب في مكان عمله بعد 8 شباط 1963؟

ثانياً: ورد في المقطع ايضاً التالي: [لقد تبارت الكتب بعدد ونوع من يقرؤها فكانت الغلبة لكتب الوردي ليس لكونه عراقياً قحاً وقريب من هواجس الناس...الخ].

اتوقف هنا عند عبارة: (...ليس لكونه عراقياً قُحاً...)...السؤال هنا هو: ما تعريف "عراقياً قحاً" او من هو العراقي القح ولماذا حَشْرَها كاتب التقديم/المقدمة هنا؟ هل هو السومري ام الاشوري ام الكلداني ام البابلي ام الكردي ام البدوي ام التركماني ام من أبناء بغداد القديمة؟ إذا كانت كل الاطياف السياسية والدينية وجماهيريا وقفت موقف معادي للوردي فمن هم قراء كتب الوردي هؤلاء؟

ثالثاً: ورد ايضاً: [لكنه كان دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات كل ذلك جعله  مقروء من قبل جل الطبقات والاطياف الفكرية...الخ]

*تعليق: ارغب ان اتعلم من الكاتب وارجوه أن يعرض علينا نماذج مما ورد في كتب الوردي عن :دقيق الرصد...ماذا رصد بتلك الدقة؟، عميق التحليل ماذا حلل بذلك العمق؟، متسقط العلة قبل المعلول...أي علة تلك التي "تسَّقطها"؟، ومتسقط المضمون قبل الشكل... مضمون مثل ماذا ذلك الذي تّسَّقطه الوردي قبل الشكل؟ ومتسقط الوسائل قبل الغايات...مثال عن الوسائل التي تسقطها الوردي ومَثَلْ واحد عن تلك الغايات؟ كما اشعر اني والقارئ الأخر نحتاج الى نموذج لأسلوبه السردي الممتع ولغته المبسطة المفهومة فقد كَثُرَ القول عن أسلوبه السهل الممتنع الذي يردده كل محبي الوردي؟ ماذا عن بدعة" السهل الممتنع" التي تعج بها الطروحات في كل الاتجاهات؟ هل فيما طرحه الوردي ظاهِرَهُ سهل وباطنه صعب؟ هل هناك فيما قاله الوردي سهل الوصول اليه وصعب فهمه...هل كان فيما طرحه الوردي شيء فهمه الناس بسهولة؟ لوكان كذلك لسار الناس على هدي كلمات الوردي.

اليكم نموذجين من مئات بل ألاف النماذج عن تلك الدقة في الرصد وعمق التحليل وتسقطه للعلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات:

1 ـ ورد في خوارق اللاشعور ص 17: [وانا أعجب حقا حين أرى شخصاً يصدق بالأشعة السينية وبالرادار وبالتلفزيون ثم لا يستطيع ان يصدق بالخوارق النفسية فهو يؤمن بالة يركبها الانسان ولا يؤمن بالإنسان نفسه...الخ] انتهى

2ـ في ص49 كراسة /شخصية الفرد العراقي /الهامش كتب الوردي التالي: [روي عن النبي محمد: افضل الكسب الزراعة فإنها صنعة ابيكم ادم 

وفي ص 26 من كراسة الأخلاق كتب التالي: [من الاحاديث المروية عن النبي محمد إنه مر ذات يوم ببعض دور الأنصار في المدينة فوجد فيها محراثاً فقال : "ما دخلت هذه دار قوم إلا ودخلهم الذل"] انتهى

3 ـ كتب في ص307/ مهزلة العقل البشري كتب الراحل: [الملاحظ في تلاميذنا أنهم يحتقرون القرآن رغم تظاهر البعض منهم بتقديسه. فهم يمجون ما فيه من تكرار لقصص الانبياء. شكى لي أحدهم فقال: "لستُ أجد في القرآن سوى ما قال ابراهيم وقال نوح وقال موسى وليس فيه غير الشكوى والتذمر وإعلان الويل والثبور أما الحضارة الزاهية التي أنتجها الاسلاف فلا ارى فيه لها ذكراً"]انتهى

4 ـ كتب في ص228 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي:  الدَّينْ زرف [من الامثال الشائعة في الريف العراقي قولهم "الدين زرف" ولهذا تجد الديون تتراكم على الفلاح في أكثر الأحيان حتى إذا حل موعد الوفاء وجد نفسه عاجزاً عن الأداء وهو عندئذ يضطر الى إعادة تسجيل الدين عليه مع إضافة ربا جديد إليه أو هو يعمد الى الاستدانة من شخص آخر لكي يوفي دينه القديم وهذا هو ما يعبرون عنه في الريف أنه "يلبس كلاو بكلاو" أن الفلاح لا يلجأ الى بيع شيء من ممتلكاته لوفاء ديونه المتراكمة ولكنه عندما يضايقه المرابي او يطارده بوسائله المتنوعة يلجأ الى بيع بعض ابقاره او زوارقه او بنادقه او ما اشبه ليوفي به دينه كله او بعضه...الخ]انتهى

...و في ص36 من كراسة الاخلاق يقول الدين رزق:[من الامثال الشائعة في الريف العراقي قولهم "الدين رزق" وأحسب في هذا القول إشارة الى انهم يستسهلون اخذ الدين ويستصعبون وفاءه فالدين رزق ساقه الله اليهم وهو قد اصبح ملكا لهم وليس من الهين عليهم ان يرجعوه من تلقاء انفسهم وهم في الوقت ذاته يشعرون بالغبن حين يأكل أحد الناس ديناً لهم عليه]انتهى

***

عبد الرضا حمد جاسم

عنوان الكتاب: فوكو في السينما بالنسخة الإنجليزية -  Foucault at the movies .. وميشيل فوكو يذهب إلى السينما -  Michel Foucault va au Cinéma في النسخة الفرنسية.

أما أنا فسأعطيه عنوان فوكو والسينما:  Foucault et le cinéma - Michel Foucault va au Cinéma

باتريس مانيجلير - Patrice Maniglier

دورك زبونيان - Dork Zabunyan

مقدمة المترجم

   ميشيل فوكو وجيل دولوز يذهبان إلى السينما

دراستان حول علاقة مفكري القرن العشرين بالفن السابع. النظرية النقدية للحدث التاريخي لأحدهما، فك التشفير المفاهيمي للصور للآخر. يذهب فوكو إلى السينما، بقلم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، إصدار بايارد، 2011، 170 صفحة، دولوز في السينما لسيرج كاردينال. مطابع جامعة لافال في كيبيك، 2011، 236 صفحة.

الفلسفة، بحسب جورج كانغويلهم، هي نشاط العقل الذي يتغذى على كل ما هو غريب عنه. نريد أن نضيف: بشرط ألا تفقد المعنى بالمفهوم أبدًا. كيف إذن لا نشك في الموضة الحديثة التي، تحت عنوان ضبابي إلى حد ما "الفلسفة السينمائية"، تدعي توضيح القضايا النظرية بمساعدة الصور التي ترقى لهذه المناسبة إلى مرتبة الفلاسفة الجاهزين؟ للعمل؟ من المؤكد أن الفن السينمائي، في المرتبة السابعة على اسمه، يستحق مصيرًا أفضل من مخزون الأفكار المفعمة بالحيوية للمستمعين والمتفرجين المتلهفين للقراءة.

في هذه اللعبة الصغيرة في الوقت الحاضر، لم نكن لنقتصر على فلاسفة مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز. تحليل دراستان حديثتان عن فيلسوفين معاصرين وعلاقتهما الفريدة بالسينما. الأول ليس بالمعنى الدقيق للكلمة معروفًا بارتباطه بفن لم يكرس له أي عمل. على الأكثر، لدينا بعض النصوص والمقابلات التي أجراها فوكو حول أفلام تتعلق بعمله كفيلسوف ومؤرخ. يقدم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان عينة تتراوح من بيير ريفيير إلى مارغريت دوراس، بما في ذلك آلان رينيه. من خلال السينما، اكتشف فوكو طريقة أخرى لصنع تاريخ المعرفة والتصور المفاهيمي، ومنهجًا للأحداث يفتح باب النقد لبعده الميتافيزيقي التقليدي. رحب فوكو بالسينما على أنها ما يغير مفهومنا عن الجسد البشري والقصص التي يمكن إنتاجها عنه.

مع جيل دولوز، الأمور مختلفة للغاية. يعتبر دولوز متحمسًا للفيلم ومنظراً أكاديميًا وانتقائيًا، وهو مؤلف واحد من أعظم الكلاسيكيات في الأدب الفلسفي عن السينما. نعم، ولكن إليكم الأمر: هذا العمل، الذي يُستشهد به على نطاق واسع ومسهب في كثير من الأحيان، كثيف، مثل كل أعمال مؤلفه. لا يدخل هذه الغابة المفاهيمية من يريد. يجب أن يكون مستعدًا لذلك، وليس فقط من خلال معرفة السينما. لابد أنك قرأت برجسون واستوعبت نصف قرن من النقد السينمائي. للتخفيف من قسوة هذه القراءة الأساسية، يسعدنا أن يكون لدينا الآن أداة من الدرجة الأولى مع عمل سيرج كاردينال. باستعادة أدنى دقة لطريقة دولوز ومقاربته، وفك رموز أذواقه وهواجسه، يجعل الكاردينال في متناول القارئ النقطة المركزية في مقاربة أو نهج دولوز: النقطة التي يكشف فيها الفكر إلى أي مدى يمكن أن تنحرف الصورة، الخيط الإرشادي لكل هذه الدراسة. في المفهوم وحتى تطارده في حركته غير المتوقعة في كل مرة. بعد ذلك تصبح السينما تتحدث حقًا.

أما ميشال فوكو والسينما: فلهذا قصة كاملة:

بين ميشيل فوكو والسينما، كان هناك تاريخ منقط. وكتاب يجمع هذه الأجزاء المتناثرة.

تعتبر الفلسفة السينمائية من المواضيع المألوفة وموضة هذه الحقبة، حتى لو كنا نبحث في كثير من الأحيان عن التوضيح البسيط للأفكار التي تم إنشاؤها بالفعل. إذا كان لقاء ميشيل فوكو مع السينما قد أسيء فهمه، فربما يكون ذلك لأنه لا يسمح بمثل هذا الموقف. لم يؤلف فوكو كتابًا عن السينما أبدًا. لكنه ترك عشرات النصوص والمقابلات مبعثرة في Dits et Ecrits. تم جمع مقتطفات واسعة النطاق هنا لتقدم فكرة أفضل عن لقاء هذا الفيلسوف بالفن السابع. لا يظهر الفيلسوف هناك على أنه صاحب حقيقة متداولة؛ لكنه وجد، في أفلام معينة، طريقة للتعامل مع المشكلات التي يعمل عليها كفيلسوف ومؤرخ. هذا الكتاب هو المحاولة الأولى لتقييم هذه المواجهة غير المعروفة. نرى هناك أن السينما تجعل من الممكن بلورة مفهوم جديد للحدث؛ لاستكشاف جسم خالٍ من عضويته؛ لالتقاط قصة بدون ضحايا أو أبطال، بناءً على الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها بالضرورة والتي مع ذلك تقرر إجراء تغييرات عميقة في الفهم الذي قد يكون لدينا عن أنفسنا. التفكير على نحو مختلف لنرى بشكل مختلف، وننظر بشكل مختلف لنفكر بشكل مختلف.

على عكس دولوز Deleuze أو رانسيير Rancière أو مؤخرًا آلان باديو Alain Badiou، لم ينشر ميشيل فوكو Michel Foucault كتابًا عن السينما. ومع ذلك، فقد عبرت حياته المهنية، بطريقة دقيقة ولكن حاسمة، تاريخ الفن السابع، حيث تتعقبه العديد من النصوص والمقابلات، المنشورة والمبعثرة " أقوال وكتابات Dits et écrits"

من مقابلة أساسية مع مجلة كراسات السينما – كاييه دي سينما Cahiers du Cinema حول "الموضة الرجعية mode rétro» إلى حوار مع هيلين سيكسيوس Hélène Cixous حول مارغريت دوراس Marguerite Duras، مروراً بتحليل مفصل للغاية لفيلم من إخراج Pasolini  بازوليني، تحقيق حول الجنس Enquête sur la sexualité، لم ينقطع فكر فوكو، في الواقع، عن الانغماس في الصالات المظلمة .

مقاربة شاملة لعلاقة الفيلسوف بالسينما:

كان لدى كل من دورك زابونيان Dork Zabunyan وباتريس مانغليه Patrice Maniglier فكرة حكيمة تتمثل في جمع بعض هذه الأجزاء معًا في مجلد واحد. وحتى لو شعر المرء بالأسف لأن يجد في عملهم مجموعة مختارة فقط من النصوص والمقابلات التي كرسها الفيلسوف للسينما، فإن مقالاتهم التمهيدية المفيدة للغاية تجعل من الممكن، لأول مرة، الحصول على مقاربة لعلاقات فوكو مع الصور المتحركة.

وبالتالي، فإن هذه النظرة العامة تكتسح الفكرة التي تم تلقيها والتي بموجبها يمكن تلخيص تاريخ فوكو والسينما في مفترق طرق فريد: إعداد المخرج رينيه أليو René Allio، للسينما في عام 1976، للشهادة التي نشرها المؤلف، قبل ثلاث سنوات، أنا، بيير. ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. Moi, Pierre Rivière, ayant égorgé ma mère, ma soeur et mon frère.. أو، بشكل أكثر تحديدًا، يوفر إمكانية فهم ما كان من الممكن، في فكر فوكو، أن يولد مثل هذا التقاطع والتلاقي: بين انتباه الفيلسوف إلى "الحبوب الصغيرة" من التاريخ grain minuscule de l’histoire  "(الذي وصفه بنفسه بأنه متأثر بطريقة فيلم أنطونيوني " الانفجار Blow up  ") والفن السابع، وكان لا بد من عقد لقاء.

هذا العنوان المبهج والجذاب مضلل. في الواقع، يتساءل اثنان من الفلاسفة على التوالي عن مفهوم "التاريخ العام" فيما يتعلق بالحدث كما ذكر فوكو والطريقة التي يمكن للسينما أن تستخدمه، "تأثير السينما على ميتافيزيقيا" الحدث ". يبدو فيلم رينيه أليو، "أنا، بيير ريفيير ...»، الذي يتناول خبرًا مؤرشفاً حلله فوكو، نموذجيًا تمامًا. استطاع أليو صانع الأفلام الذي يتسم بالرصانة والحنكة، أن يعطي صوتًا لأولئك الذين أسكتتهم قوى التاريخ والمعرفة؛ يعيد العناصر الدقيقة التي تعطي جوهرًا لكتلة الحياة اليومية. يتم اقتباس أعمال سبيربيرغ Syberberg (هتلر، فيلم من ألمانيا)، Resnais (Nuit et Brouillard) وليل وضباب للآن رينيه، وفيريه Féret (حكاية دي بول) وعدد قليل من الأعمال الأخرى في رسوم توضيحية موجزة لسينما تفلت من إغراءات الجماليات. عمليات البطولات المعتادة أو إحياء الذكرى، وتتجاهل "الرجعية" المؤسفة. تختتم بعض نصوص فوكو هذه التأملات، مقتطفات من منشورات أو مقالات أو مقابلات.  الأسلوب، والتكنيك، والمفاهيم، صعبة، لا تشجع على القراءة.

فهناك أولاً حساسية تجاه الفن السابع أكثر مما هي حساسية تجاه نظرية منهجية:

نجد هذا الشغف الدقيق نفسه في الصفحات الثمينة التي يكرسها فوكو للأفلام التي يحبها، وقبل كل شيء في أوصافه الرائعة لـلعبقرية السينمائية cinégénie " لــ " الممثلين. سواء كان ميكائيل لانسدال Michael Lonsdale ("كثيف وضخم مثل ضباب بلا شكل") أو بطلات أفلام شروتر Schroeter ("في موت ماريا ماليبران La Mort de Maria Malibran، الطريقة التي تتبادل بها المرأتان القبل la manière dont les deux femmes s’embrassent, qu’est-ce que c’est ?، أليس كذلك؟ الكثبان Des dunes، قافلة في الصحراء une caravane dans le désert، زهرة شرهة تتقدم une fleur vorace qui s’avance، فك الحشرات des mandibules d’insecte، شق مستوى العشب une anfractuosité au ras de l’herbe  ").

وها هي هنا المفاجأة الرئيسية: إذا ذهب فوكو إلى السينما، فليس لاستخراج أسس نظام نظري أكثر مما هو ممارسة هذه الحساسية الخاصة أولاً وقبل كل شيء للطريقة التي تخترع بها العدسة جسمًا جديدًا. ابلاستيكياً تماماً entièrement plastique   أي تشكيلياً محض "، وكأنه يهرب من نفسه.

تُجمع هنا لأول مرة نصوص ميشيل فوكو عن السينما بفضل Dork Zabunyan و Patrice Maniglier الذين يعرضونها ويحللونها. من المثير للدهشة أن هذا الجانب من عمل ميشيل فوكو لم يكن أبدًا موضوعًا لكتاب حتى الآن، حيث يتم التعليق على أعماله ومناقشتها اليوم. كانعكاس غير مسبوق لعلاقته بالسينما.

التفكير في السينما بشكل مختلف:  Penser autrement le cinéma

استجابت أبحاثه حول السجن والمستشفى والجنس، لرغبته في "التفكير على نحو مختلف" وعلى وجه الخصوص في صنع التاريخ بشكل مختلف، من خلال التركيز على كل هذه الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها ولكنها تحدد بعض التغييرات الأكثر عمقًا . عولى وجه التحديد، وهذا ما يوضحه هنا المؤلفان الفيلسوفان دورك زبونيان وباتريس مانيلييه Dork Zabunyan et Patrice Maniglier، السينما مكان يمكن فيه رؤية هذه التغييرات الدقيقة اللاواعية. وبالتالي، فإن علاقة فكر فوكو بالسينما بعيدة كل البعد عن كونها هامشية، مثل مساهمة هذا العمل في استقبال آثاره وأبحاثه ومؤلفاته.

Dork

إصدار كتاب يجادل فكر الفيلسوف في ضوء الفن السابع:

"فوكو يذهب إلى السينما". الفلسفة هي الموضة، في مجال السينما، تم تكييف العديد من المفكرين بالفعل مع صلصة الفن السابعة لمدة عشر سنوات. بالطبع، هذا ليس شيئًا جديدًا أيضًا: بالفعل في السبعينيات، أجرت مجلة مشهورة سلسلة من المقابلات تحت رعاية أحد أعظم النقاد في التاريخ - سيرج داني Serge Daney - مع طلاب مدرسة نورمال سوبريور Normale Sup السابقين، بما في ذلك الفلاسفة المعروفون الآن بكتاباتهم في السينما.

دولوز Deleuze على وجه الخصوص مع الأعمال الشهيرة بعنوان "السينما" والتي تزين معظم مكتبات عشاق السينما. أو حتى جاك دريدا Derrida، مخترع "التفكيك déconstruction «، فقد سلطت مقابلات مختلفة الضوء عليه غنبثقت منها فكرته القوية عن السينما وحول السينما، من بين أمور أخرى، فكرة أو مفهوم "الأشباح على الشاشة fantômes à l’écran ". بالنسبة لفوكو، الذي يثير اهتمام الأكاديميين باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، فإن القضية أقل وضوحًا. يعتبر مؤلف كتاب "الكلمات والأشياء Des mots et des choses "، كما نعلم، أحد أشهر الفلاسفة في السبعينيات، والذين لا تزال أعمالهم حول تاريخ الجنون والجنس مستخدمة ومنتشرة على نطاق واسع. يكمن رهان الأكاديميين في المقام الأول في تجميعهما معًا ومحاولة تحليلهما لاستخراج فكرة مشتركة عن الفن السابع. تتكون معظم تصريحات الفيلسوف حول السينما من مقابلات أجريت مع فريق كراسات السينما Cahiers du Cinéma، ولا سيما حول أحد أشهر أعماله، أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. تم أيضًا نشر معظم النصوص المتعلقة بالسينما في مسيرة فوكو في مختاراته من أقوال وكتابات.

يذهب الكتاب أحيانًا إلى أبعد مدى لفرض فكرة أن الفيلسوف فكر في السينما جيدًا من خلال تجربته كمفكر للفنون، من خلال كثرة جمل الأمثلة، ولكن أيضًا من تحليلات ما كان يمكن أن يكون فكرًا فوكويًا تم تكييفه مع فيلم. كتاب فوكو يذهب إلى السينما مقسم إلى ثلاثة أجزاء. في البداية، يسعى المؤلفان جاهدين لفهم ما يمكن أن يجلبه فكر الالفيلسوف، وخاصة التاريخ، إلى نظرية الفيلم. المحاولة الثانية لتعكس ميتافيزيقيا الفيلسوف على الأعمال التي ميزته، مثل فيلم لويس مال Louis Malle، لاكومب لوسيان Lacombe Lucien، أو فيلم  هتلر، فيلم من ألمانيا Hitler, une film d’Allemagne لسيبربيرغ Syberberg، والذي يتعامل بالنسبة له حقًا مع ما أسماه ضد صيغة الماضي الرجعية "أنتي ريترو l’Anti-Rétro "، وهي قصة في الماضي يمكن تسجيلها في الوقت الحاضر . وأخيرًا، في الجزء الثالث، يجمع المؤلفان كل نصوص فوكو معًا، وبالتالي يعرضونها ببساطة كما على القارئ.

إذا هتفنا بإصدار نصوص هذا الفيلسوف الذي تكون كتاباته معاصرة دائمًا، فلا بد أن نأسف للإفراط في الإضافة sur-ajout المقحمة وضجيج عدد الأفكار. من خلال هذا الانغماس في كتابات المؤلف، يبدو أن الأكاديميين يفقدان تفكيرهما الخاص، وتحليلهما الشخصي للأعمال السينمائية والمكتوبة، ويقدمان فقط ما يسمى بتحليل النصوص المكافئة لتلك التي يمكن إجراؤها في المدارس الثانوية الفرنسية. على وجه الخصوص، أخذ الأمثلة التي لا تتناسب دائمًا مع الموضوع. من المؤسف أن نرى أفكار فوكو تغرق في سيل من الاقتباسات وإعادة الصياغة، حيث يستحق هذا المفكر، على سبيل المثال، مزيدًا من الاهتمام بعمله حول الجسم في السينما.

ميشيل فوكو المفكر بامتياز في الخطابات والسلطات. يمكن حصرها في جملة واحدة، فإن الفيلسوف هو الذي أعاد، في أعقاب نيتشه Nietzsche وفي السياق الثقافي الحيوي للغاية في الستينيات / الثمانينيات في فرنسا، بناء الجوانب المتعددة للتاريخ السياسي لحقائقنا. هل هو مفكر سينمائي؟ لا يبدو هذا الارتباط واضحًا للوهلة الأولى. على عكس الفلاسفة الآخرين في عصره، مثل جيل دولوز، على سبيل المثال، لم يخصص فوكو أبدًا كتابًا أو سلسلة من النصوص العضوية للسينما. يجد المرء في مقابلاته ومقالاته، المنشورة بالفرنسية في أقوال وكتابات Dits et Écrits، عددًا معينًا من المراجع، غير المتجانسة والمشتتة وغير المنتظمة، وغالبًا ما تكون نتاج لقاء مع المخرجين والنقاد والمثقفين الذين يعملون من خلال السينما ومعها . إن كتاب فوكو يذهب إلى السينما أو فوكو في السينما

يفترض الرهان على حوار ممكن ومثمر بين الممارسة السينمائية وفلسفة فوكو. هذا الرهان كبير، لأنه يجب أن يتغلب على عقبتين رئيسيتين: من جهة، كما أشرنا للتو، غياب خطاب منظم من قبل فوكو حول السينما، الطابع العارض والعرضي دائمًا لملاحظاته حول السينما. من ناحية أخرى، فإن المخاطرة التي أكدها المؤلفان في مقدمتهما، تتمثل في جعل هذا اللقاء بين فوكو والسينما مجرد تأثير أزياء، يصلح للدخول في عنوان "فلسفة الفيلم" الرائج اليوم ومن سيقنع نفسه مع البحث في الأفلام عن رسوم توضيحية بسيطة لأطروحات فوكو. ومع ذلك، نجح عمل المؤلفان في تجنب هاتين الخطوتين، ويرجع الفضل في ذلك بشكل خاص إلى العمل الذكي المتمثل في "التحرير" على مستوى كل من المحتوى وشكل النص. يتألف الكتاب بالفعل من مقالتين، كتبها المؤلفان، تعكسان فورًا ثراء وتعدد نهج  ومقاربة للممارسة السينمائية من خلال فوكو: يقترح دورك زبونيان، أستاذ الدراسات السينمائية بجامعة باريس 8، التفكير في "علم الوجود" للفيلم الذي يمكن أن يلهم الحوار مع فوكو، حول الخصائص المحددة لهذه "المعرفة" المحددة، بالمعنى الفوكوي للمصطلح، التي تنتجها وسيلة السينما ؛ باتريس مانيجلييه، محاضر في الفلسفة في جامعة باريس نانتير، يفحص عن كثب التداخل النظري والفلسفي بين العمل السينمائي وكتابات فوكو: ما يمكن للسينما أن تلقي الضوء على "ميتافيزيقيا" فوكو"métaphysique" foucaldienne.

تمت إضافة إلى هاتين المقالتين، في النسخة الفرنسية من العمل، مقاطع من النصوص والمقابلات التي خصصها فوكو للسينما، والتي نُشرت في Dits et writings، ومقتطف من برنامج دورة من الإسقاطات التي عقدت في La Villa Arson في نيس بين فبراير وأبريل 2011، تحت رعاية ECLAT (مكان الخبرات للسينما والآداب والفنون والتقنيات). اقترح هذا الحدث مناقشة سلسلة من الأفلام التي تدخل في حوار مباشر أو غير مباشر مع فلسفة فوكو، كنوع من الرحلة السينمائية في القوة "السياسية المصغرة" للصور والأرشيف السمعي البصري. ومع ذلك، فإن النسخة الإنجليزية من العمل، بفضل العمل المهم للمترجم، تزيد من إثراء هذه الفسيفساء من الخطابات: يتم نشر النسخة الكاملة لنصوص فوكو عن السينما وإتاحتها للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية. أضاف المترجم أيضًا المراجع والملاحظات لتوضيح بعض النقاط للقارئ غير الفرنسي، واستخدم العناوين الإنجليزية (عند وجودها) للأعمال والأفلام المذكورة. تشكل الترجمة الإنجليزية لكتاب Maniglier و Zabunyan ain إذا كانت لحظة مهمة لاستقبال فوكو في العالم الناطق باللغة الإنجليزية وفرصة للحوار بين النقد الفوكوي foucaldienne la critique  في فرنسا وداخل الثقافة الأنجلو سكسونية.

يبدأ مؤلفا العمل من الفرضية التي بموجبها يجد المرء في المواجهة بين فوكو والسينما أكثر بكثير من مجرد مصلحة متبادلة أو تقارب سطحي للموضوعات. من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالكشف عن نوع من السينما المثالية الفوكوية (الأفلام التي أحبها فوكو)، ولا الاكتفاء بتتبع المناقشات وعمل صانعي الأفلام حول فكر فوكو (حتى لو كان الكتاب يخصص حقًا مكانًا مهمًا للعنوان). المقابلة التي أجراها فوكو مع محرري كراسات السنينما "Cahiers de cinema" في عام 1974، [4] وإلى تصوير فيلم "بيير ريفيير" إخراج رينيه أليو، 5 استنادًا إلى العمل الأرشيفي المهيب الذي نفذه الفيلسوف ومعاونيه في وقت مبكر. السبعينيات). يتمثل التحدي في عمل مانيجلير وزابونيان في إظهار أن الفلسفة والسينما الفوكودية تلتقيان على نفس البعد النظري والعملي: يمكن أن يشكل الاثنان قوة خبرة، بالمعنى الذي أعطاه فوكو لهذا المصطلح، أي ديناميكية قادرة على تغيير من نحن وكيف نرى ونتصرف في العالم. أكد فوكو في عام 1978 في مقابلة شهيرة مع دوتشيو ترومبادوري Duccio Trombadori أن التجربة هي "شيء يخرج منه المرء متحولًا". تعد السينما والفلسفة إذن شكلين، وإن كانا مختلفين، للحركة التجريبية: وهكذا يمكن للسينما أن تواجه، من خلال هذه الوسائل، القوة النقدية في قلب فلسفة فوكو كبادرة ملموسة للفكر، كديناميكية للتحول للذات وللإنسان والآخرين. السينما تجعلنا "ننظر بشكل مختلف" ما تسمح به الفلسفة "بالتفكير على نحو مختلف".

على وجه الخصوص، تجعل السينما من الممكن إعادة التفكير في سؤال يقع في صميم أعمال فوكو: هل يمكننا تخيل طريقة أخرى للتفكير وصنع التاريخ؟ يستكشف الفصل الذي كتبه Dork Zabunyan هذه المشكلة من خلال انعكاس، نظري بالتأكيد ولكنه يعتمد على عدد من الأمثلة الملموسة " هانس يورغن،سبيربيغ،لوي مال،رينيه فيريه،بيير باولو بازوليني،، ويرنر شرويتير ليليان كافاني، ميكائيل لانسدال، (Hans-Jürgen Syberberg، Louis Malle، René Féret، Werner Schroeter، Michael Lonsdale، Liliana Cavani، Pier-Paolo Pasolini، إلخ. .)، المتعلقة بشكل المعرفة الخاصة ببعد الفيلم. عند التساؤل من منظور المشروع الأثري الفوكوي، من الواضح أن السينما لا يمكن أن تقع في جانب الخطاب البحت، مثل رواية أو مخطوطة أرشيفية، ولا في جانب غير الخطابي، مثل الرسم. على سبيل المثال، فهي نفسها رمزية في أعمال فوكو (فقط فكر في تحليل Las Meninas من قبل فيلاسكيز Vélasquez الافتتاحي الكلمات والأشياء). بين الصورة والخطاب، المرئي والقابل للقول، يسمح الفيلم في الواقع على مستوى إعادة البناء التاريخي بينما يشكل شكلاً "الخروج" من أي مفهوم أكاديمي وثابت للتاريخ وكذلك من الذوق "الرجعي" البسيط للماضي. يمكن للفيلم أن يصبح عنصرًا من ممارسات واستراتيجيات "الهجوم المضاد" 8 التي يصفها فوكو، في كتابه عام 1976  إرادة المعرفة La volonté de savoir ، باعتباره الإمكانية الوحيدة للمقاومة الفعالة لأجهزة القوة والجنس التي تشكلنا. يتضح هذا بشكل خاص إذا أخذنا في الاعتبار بُعد الجسد في السينما. فوكو نفسه، بالإشارة إلى أفلام فيرنير شروتير Werner Schroeter أو مارغريت دوراس Marguerite Duras، على سبيل المثال، يعترف بالقوة المناسبة للوسيط السينمائي للعرض على خشبة المسرح لجسد يهرب في تعدده من الإدراك العضوي للسلطة ومن الوضوح الوحيد لسلطة ما. الرغبة الجنسية: 9 "جسد بلا أعضاء"، لاستخدام مفهوم أساسي لأنطونين أرتو Antonin Artaud، والذي يكشف في تجزئه وتشتت القوة (كم مثير للشهوة الجنسية) للتأليف الجسدي الذي يفجر منطق التفرد وتصنيف القوى المعاصرة . عندئذٍ بالضبط، من خلال قدرتها على التفكك والتشتت، يمكن للسينما أن تنضم مجددًا إلى هذا الطابع من الانقطاع الخاص بممارسة فوكو التاريخية. السينما هي "فن الفقر والافتقاد art de la pauvreté "، كما قالت هيلين سيكسوس عن مارغريت دوراس في مقابلة مع فوكو من عام 1975: 10، وهو تمرين يتكرر باستمرار في تجريد أغلال التقاليد والأيديولوجيات ووسائل الراحة. هذا الفقر، علاوة على ذلك، له الكثير ليفعله، كما أشار المؤلف بحق، مع متطلبات "الزهد" و "أسلوب الذات" التي ستكون في صميم فكر فوكو، لا سيما في الثمانينيات - ونحن نأسف أن انعكاسات دورك زابونيانDork Zabunyan تشير إلى هذه النقطة، فإن الفتحات نحو السينما في المرحلة الأخيرة من العمل الفوكوي لم يتم استكشافها كثيرًا. على أي حال، فإن غياب السينما عن الأرشيفات التي استخدمها فوكو في أعماله الكبرى لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. ربما يكون الوسيط السينمائي قريبًا جدًا في منطقتنا أن يكون تاريخًا حديثًا حتى يتمكن مؤرخ "الحاضر" من جعله موضوع نظره. لكن هذا لا يعني أنه لا يمثل افتراضيًا مهمًا للتفكير في هذا الحاضر بالتحديد الذي نحن فيه ونعيشه: إنه على العكس من ذلك، وفقًا للمؤلف، مكانًا رئيسيًا للنقاش حول أشكال "المقاومة" .. والتحول الملموس للذات في واقعنا.

يبدأ المقال الثاني في الكتاب، الذي كتبه باتريس مانيغيليه، من ملاحظة أن اللقاء بين فوكو والسينما، مهما كان عرضيًا، ليس بالأمر الهين لأن هناك تقاربًا جوهريًا بين المشكلات المثارة، ومعرفة المجالات المفتوحة لـ التساؤل، عما هو مبهم ومعقد بالنسبة لنا بسبب حقيقة أن هناك شيئًا من النضال الأساسي يحدث هناك: الجنس، القوة، الجنون، علاقتنا بالماضي، بالذاكرة الجماعية، إلخ. مرة أخرى، تكمن المشكلة الرئيسية حيث يلتقي الفيلم والفلسفة ويتصادمان بالنسبة للمؤلف في مسألة التاريخ: لقد أدرك كل من السينما وفوكو انهيار علاقة تقليدية معينة بالزمن والذاكرة ومتطلب إعادة التفكير في معاصرتنا بالطريقة التي نعيشها. التي نبني هويتنا التاريخية. لا يتردد باتريس مانيغلييه في استدعاء العديد من الأمثلة السينمائية لهذه "الثورة" في مقاربة التاريخ، بدءًا من رينيه أليو René Allio إلى آلان رينيه Alain Resnais وإريك رومر Éric Rohmer وكوينتين تارانتينو Quentin Tarantino وروبرتو روسيليني Roberto Rossellini وغيرهم. لكنه يرغب في ترسيخ هذا التأمل في التاريخ في السينما، من خلال فوكو، من خلال تحليل فلسفي مناسب، وميتافيزيقي بشكل أفضل، لبعد يقع في قلب فكر فوكو، وعلى وجه الخصوص مفهومه للتاريخ: مفهوم الحدث. قد يبدو الاستخدام المفترض لمصطلح ميتافيزيقا فيما يتعلق بمفكر مثل فوكو في غير محله. على الرغم من أن المؤلف أوضح أن استخدامه لهذا المفهوم لا يحتفظ بأي شيء من الهدف المتعالي للميتافيزيقا التقليدية، إلا أنه لا يزال هناك شعور بأنها صورة لفوكو في جيل دولوز تظهر في هذه الصفحات. ومع ذلك، فإن عملية مانغلييه Maniglier لا تخلو من الاهتمام: من خلال مسألة الحدث، ينزل إلى القلب النقدي لفلسفة فوكوية philosophie foucaldienne وعلاقتها بالتاريخ. ما هو التاريخ المتقطع إن لم يكن سلسلة من الأحداث مثل التفردات التي تحدث في مساحة فارغة، بعيدًا عن السلسلة التي حددتنا في الأيديولوجيات التقليدية العظيمة والتليولوجيات téléologies للتاريخ؟ ولكن بعد ذلك، كيف نفكر حقًا في ظهور وتسلسل وإنتاج الوضوح والقيم من هذا الوقت الحافل بالأحداث والمتقطع والمشتت؟ ما الذي يجعل التاريخ في هذه الصيرورة بلا زمن؟ كيف يمكن التفكير في أن تصبح بدون مادة، وموضوعات بدون هويات سابقة، وابتسامات بدون قطط، كما في فيلم أليس في بلاد العجائب Alice aux pays des merveilles من إخراج لويس كارول Lewis Carrol (رسم توضيحي للحدث وفقًا لجيل دولوز في الاختلاف والتكرار)؟ 11 هذه أسئلة فلسفية كثيفة، ولكن لا يستطيع فوكو الهروب منها، في بحثه عن فكر نقدي، أي: الذي لا يكشف لنا حقيقة الأشياء ولكنه يسمح لنا دائمًا بالاعتقاد بأن الحقيقة موجودة في مكان آخر، ويمكننا أن نتحول ونصبح آخرين، عن طريق تغيير رؤيتنا للواقع. إجابة فوكو، من وجهة نظرنا، دائمًا ما تكون تاريخية أكثر منها ميتافيزيقية: فبدلاً من أن يسأل نفسه مباشرة "ما هو الحدث؟»، يبحث، على وجه الخصوص من أعمال السبعينيات، عن أمثلة تاريخية تظهر التفرد الزمني يصنع حدثًا، وينتج كسر في الوقت المناسب. بعد قولي هذا، من المثير للاهتمام أن نلاحظ، كما يفعل المؤلف، التقارب حول هذه الأسئلة الخاصة بالفلسفة الفوكوية والسينما، والتي يمكن أن تصبح مكانًا للتفكير أو حتى لإنشاء الأحداث بفضل عملياتها، قوتها في الحركة خارج زمان وفضاء الوجود اليومي. يمثل الفيلم إذن أداة نقدية بالمعنى الفوكوي للمصطلح: لحظة اختراع أشكال جديدة للعلاقة بالزمانية والهوية التاريخية؛ فتح فضاءات جديدة للعمل والفكر.

في الختام، في ثراء الموضوعات والنهج، يشكل كتاب باتريس مانيجلييه ودورك زابونيان قراءة مهمة لتعميق أحد أبعاد العمل الفوكوي (العلاقة بالسينما) التي تم التقليل من شأنها لفترة طويلة أو حتى تجاهلها. من المسلم به أن تأثيرات التفسير المتحيز ممكنة دائمًا، بمجرد أن تكون مسألة إعادة تتبع بأي ثمن خيطًا مشتركًا في الكتابات التي تظل غير متجانسة من حيث تاريخ تكوينها، ومناسبة إنتاجها، والمواضيع التي يتم تناولها. ومع ذلك، يدرك المؤلفان هذا التنوع الأساسي للمواد التي يتعاملون معها، ويقومون بعمل ملف نقطة الشدة، التي يجب أن نلعب عليها من أجل استكشاف ليس تماسك الرؤية في فكر فوكو، بل بالأحرى مكان الإشكالية المتكرر باستمرار: مسألة علاقة الحاضر بتاريخه، من خلال المحفوظات - تلك الخاصة بالتاريخ ونظرية السينما - الوقوف على الحد الفاصل بين أبعاد الخطابي والبصري، بين الكلمات والصور وواقع الأجساد. من خلال قبول العمل بدلاً من ذلك على الحدس المتشتت والنصوص الصغيرة لفوكو (بقدر ما يمكن تطبيق هذه الفكرة على إنتاجه)، تفتح سلسلة جديدة كاملة من الأسئلة واللقاءات المحتملة بين الفكر الفوكوي والسينما، وبشكل أعم لا يزال فوكو والفنون المسرحية بحاجة إلى استكشاف إلى حد كبير: نقد التمثيل والعلاقة بين اللغة والإشارة والواقع ؛ الإدراك بأن مرحلة معينة من تاريخنا قد انتهت نهائيًا، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى تفكيك المفاهيم النقدية وهو في نفس الوقت إعادة ترميز وإعادة كتابة للذات ؛ التفكير في ذاتية الممثل والمشاهد ؛ إشكالية الجسد وإمكانياته في التعبير والتهجين ؛ مطلب سياسي بحت لانتقاد أنظمة السلطة وتسلسلها الهرمي من أجل تخيل وابتكار طريقة مختلفة للوجود.

يبدو أن ما أصبح واضحًا أكثر فأكثر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة من النقد الفوكوي، منذ وفاته في عام 1984، هو أن ميشيل فوكو ليس فقط فيلسوفًا لخطابات علم الآثار، وسلسلة نسب القوى، وأنماط الذاتية، وألعاب حقيقة. وهو أيضًا مفكر استخدم الفنون في كثير من الأحيان كرموز بلاستيكية لنماذج من المعرفة، واستعارات فنية وجمالية لتصميم مساحة عمله الفلسفي - الحياة كـ "عمل فني" ؛ العين الحاسمة "لرسم" الحياة العصرية ؛ "مسارح" الحقائق والأجساد التي تشكل سلاسل الأنساب المتعددة لعلاقات القوة. فتح فوكو خطابه الفلسفي أمام تلوث حقيقي ونشط من خلال تعددية الممارسات الفنية، والتي غالبًا ما يتم إنزالها إلى حدود الفكر التقليدي. الأدب، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والتصوير الفوتوغرافي، و "عروض" الكلام: هناك أبعاد عديدة لا تعتبر بالنسبة لفوكو ترفيهًا جماليًا بأي حال من الأحوال، وتوغلات بسيطة في مجالات الممارسة والفكر بعيدة كل البعد عن الخطاب الفلسفي الكلاسيكي، ولكنها تشارك بشكل مباشر من بناء فلسفة فوكوية وتعبئة قوتها النظرية السياسية. ليس من قبيل المصادفة أن السينما، من بين الفنون الأخرى، تواصل اكتشاف فوكو، لتعبئته أو لاستنفاره، ولاستجوابه.

يجب أن ينقلب أفلاطون في قبره: دروس الفلسفة تجري في هذه الكهوف التي هي صالات العرض المظلمة! الغرباء منذ زمن بعيد عن بعضهم البعض، السينما والفلسفة يسيران جنبًا إلى جنب اليوم. حتى أن الكلمة العصرية جدًا تشهد على هذا الاتحاد الجديد: "الفلسفة السينمائية cinéphilosophie ". لكن لماذا وكيف يستحوذ الفلاسفة على السينما؟ في نظر المشكك الأمريكي ستانلي كافيل Stanley Cavell، ليس هناك شك: السينما تعكس علاقتنا بالعالم. الفن السابع هو عالم الظلال. ظاهرة الإسقاط تجعل العالم الغائب يظهر. إنها تعكس الخطوط العريضة بالأبيض والأسود لهذا العالم الموجود وغير الموجود، والذي لن أتمكن من معرفته أبدًا. السينما إذن هي "صورة مؤثرة" للشك، كما عبر عنها المؤلف بلطف. إنه يضعني في قلب "جدلية خيبة الأمل والرغبة"، المعرضة للخطر في كل أفكار كافيل Cavell.

السينما مكان الاخلاق. نتيجة للدورات التي قام الفيلسوف بتدريسها في جامعة هارفارد، والتي تربط بين المفكرين والأفلام، تقدم فلسفة الصالات المظلمة رحلة عبر تاريخ الفلسفة الأخلاقية، من أفلاطون Platon إلى راولز Rawls، عبر نيتشه وإيمرسون Nietzsche et Emerson، بالإضافة إلى توضيح حول الكمالية الاتقائية perfectionnisme (انظر أيضا ص 82). كيف تصبح نفسك؟ كيف تصبح أفضل؟ هذه الأسئلة هي في صميم الأفلام التي جمعها كافيل تحت نوع واحد: كوميديا الزواج. فيلم قلب محاصر Un cœur pris au piège إخراج ستورجس Sturges ؛ سيدة الجمعة La Dame du vendredi لهوكس Hawks. أو حتى فيلم الطيش من إخراج كيكور Indiscrétions de Cukor يعبرها نفس االنابض الدرامي: ينفصل الزوجان للعثور على بعضهما البعض بشكل أفضل. ويعيشان سعادة جديدة ...

بالنسبة إلى ميشيل فوكو Michel Foucault، الذي لم ينجذب كثيرًا إلى نظرات كاثرين هيبورن Katharine Hepburn وكاري غرانت Cary Grant، فإن الاهتمام هو عدم معرفة ما إذا كانت السينما تجعلنا أفضل. إنها مرآة التاريخ التي شاهدها، من جانبه، على الشاشات، وهذا "الارتباط بين السينما وأرشيف العصر"، كما كتب Dork Zabunyan في فوكو يذهب إلى السينما، التي تحتل النصوص القليلة والمقابلات التي كرسها المفكر للفن السابع. إذا كان أحد الفلاسفة النادرين الذين تم تكييفهم للعرض على الشاشة – نصه العظيم " أنا بيير ريفيير بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي" ... الذي أصبح فيلمًا من إخراج أليو -، فإن فوكو، على عكس كافيل أو دولوز، لم يطور أبدًا فكراً شاملاً منظماً في السينما. من خلال أفلام فيريه، أوشرويتير،أو ودوراس، أوبازوليني،Pasolini أو Duras أو Schroeter أو Ferret، يستحضر آثار علاقة بالماضي أو بالسياسة أو بالجنون أو بالجسد أو بالجنس. هل يمكننا، على سبيل المثال، أن نصنع فيلمًا بدون إضفاء الإثارة الجنسية أو البطولات؟ عندما يتحول إلى بطل للفلسفة، لا تتوقف السينما عن إبهاره بجمالها المظلم.

يقدم باتريس مانيغلييه ودورك زابونيان مقالتين طويلتين مجمعتين معًا في كتاب، مصحوبة بمجموعة مختارة من نصوص ميشيل فوكو، دراسة مفتوحة رائعة، لقاء سياسي بين الفيلسوف والسينما. كتاب له اهتمامات متعددة، تحركه حركات فكرية رائعة.

السينما، في نفس الوقت باعتبارها فناً غير نقياً أو صافياً art impur، ربما توجد أيضًا، كما قال غودار Godard، بين التلسكوب والميكروسكوب: أداة علمية مخصصة للمقياس البشري. هذان السببان يمكن أن يفسرا الحماس الفردي لما يسمى بـ "العلوم الإنسانية" للذهاب ومشاهدة جانب السينما، خاصة أنه يبدو بداهة أنه الفن الأقل إثارة للخوف. إن هذه الخاصية الديمقراطية (بكل معاني المصطلح) هي التي تبدد سراب الشرعية أو اللاشرعية في الحديث عنها، وتفتح السينما على أي نوع من الفكر. هذه الفرصة لتكون قادرًا على فهم السينما بعدة طرق هي أيضًا فرصة للسينما نفسها: التفكير فيها بشكل مختلف هو تتابع لصنعها على نحو مغاير ومختلف مختلف.

كان باتريس مانغيلييه قد شارك بالفعل في العمل الرائع عن فيلم ماتريكس (ماتريكس، ماكنة فلسفية Matrix, machine philosophique [1]) الذي قصد التفكير في السينما والفلسفة بشكل مشترك، وفتح فكر كليهما. نادرًا ما لم تأت الفلسفة لتلتقط المصفوفة لترفعها إلى سماء يفترض أنها أكثر نبلاً أو ثراءً؛ على العكس من ذلك: هذه المحاولة (التجريبية) لم تستدعي التوضيح ولا السخرية ولا حتى هذه النية الحسنة لإعادة التأهيل والتي غالبًا ما تنطوي على لهجات متداخلة، حتى من الكراهية المخفية بشكل سيئ للسينما التي لن تكون "سائدة". ". قدمت لنا آلة ماتريكس الفلسفية بسعادة (تركت كل الادعاءات في الخزانة) للتفكير مع ماتريكس، لإرشادنا لتقدير جميع الأحاسيس المسكرة لتجربة المشاعر الفلسفية في نفس الوقت مثل السينما.

إذا سمحت لنا المصفوفة Matrix، وهي آلة فلسفية، أن نشعر بذكاء وإبداع الفيلم بشكل فعال، يذهب فوكو إلى السينما التي يقترحها لدراسة العلاقة بين السينما والتاريخ، مثل أنهما كانا قادرين على الظهور بشكل مشترك مع ميشيل فوكو طوال عمله، وفي السبعينيات من القرن الماضي للنقاد (باسكال بونيتزر Pascal Bonitzer، سيرج داني Serge Daney، سيرج توبيانا Serge Toubiana) وصانعي الأفلام المخرجين(رينيه أليو René Allio وآلان رينيه Alain Resnais). هذه العلاقات بين السينما والتاريخ مدعومة بالسياسة، أو بالأحرى سياسة العرض والتمثيل la représentation.

بعد مقدمة واضحة جدًا حول موضوعهم، موقفهم ("فكرة في العمل" الرغبة في السعي إلى "التفكير بشكل مختلف"، تمامًا مثل فوكو، الذي كان تعبيره، يهدف إلى إيجاد طريقة جديدة لممارسة التاريخ)، ومشروعهم (لمواجهة الممارسات الفلسفية والسينمائية والتأمل في التاريخ)، يتعامل المؤلفان معه من زوايا انطلاق مختلفة تنتهي بالالتقاء في خطوط رحلتهم: إمكانيات فيلم لدورك زابونيان، مفهوم الحدث، لباتريس أكثر ذكاء.

ماذا يمكن أن يفعل الفيلم؟

بهذا السؤال، بالتوازي مع سؤال سبينوزا Spinoza الذي أعاد دولوز قراءته، افتتح دورك زابونيان مقالته. يبدأ المؤلف بتحليل تأثير الفكر الفوكوي la pensée foucaldienne كما عرض في مجلات كراسات السينما Cahiers du Cinéma في منتصف السبعينيات، في خضم موجة نضالية متشددة [2]، ومقابلة "Anti-Retro" الشهيرة (CC رقم 251-252 Juillet - أغسطس 1974) التي أجراها باسكال بونيتزر وسيرج داني وسيرج توبيانا ضد موجة من الأفلام "الرجعية  rétros "، وتحويل الماضي إلى لوحة جدارية زخرفية. باتريس مانيغلييه (انظر أدناه) يكمل تحليل فيلم رينيه أليو (أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي ...) بدأ هنا. لكن زبونيان أكثر اهتمامًا هنا بما جذب انتباه فوكو في السينما، أي جمالية الفقر، وغياب اللياقة أو التأثيرات. يمكن للآثار فقط أن تقلل من التأثير السياسي أو تصرف الانتباه عن قضايا التمثيل. "إذا كانت هناك خصوصية إيجابية للسينما في فوكو، [...] فهي مسألة تصور فن سينمائي خالٍ من أي مقاربة جمالية [3]: (" رجعي "أم لا) [...] فن حيث يؤدي الزهد المرئي والصوتي في كل شكل من أشكاله إلى الغوص في التعرجات القاحلة للأرشيف، أو قسوة علاقتنا بالسلطة، أو تحريك الجسد المجهول. (ص 32) يحلل زبونيان العلاقة البعيدة بين الفيلسوف والسينما من خلال المسافة التي يمكن أن يتخذها المؤرشف فيما يتعلق بالحقائق الحديثة جدًا، حيث يظل الوقت المنقضي قريبًا جدًا وغامضًا للغاية.

قضية مشروعة:

على الرغم من أن فوكو عاشق للسينما، إلا أنه لم يؤلف كتابًا عن السينما كما قلنا أعلاه، ولم يعترف بأنه مؤهل للتحدث عن الجماليات السينمائية. مداخلاته مشتتة في عدد قليل من المقالات والمقابلات، والتي يجب أن تفعل بالضبط، في فئة خطابها، مع الواقع والصراعات الملموسة. كما قال باتريس مانيغلييه بلطف، "من الصعب تخيل الميتافيزيقيين في توغاس وهم يتظاهرون مع مجموعة معلومات السجن. من الصعب أن نتخيل المفكر التأملي يقول مع فوكو إنه لا ينبغي للمرء أن يتردد في لكم الشرطة، لأن رجال الشرطة مصممون لذلك، أي لممارسة العنف الجسدي. يمكن لأخصائي المحفوظات و "الناشط" أن يتعايشا، ولكن ربما ليس بالضبط في نفس الوقت. على الرغم من هذا الاحتجاج على اللاشرعية، فقد يكون حدث ما بين فوكو والسينما مثل "علاقة غرامية" (للتلاعب بالكلمات)، تبادل متبادل على شكل استجواب.

بادئ ذي بدء، وهذا هو الجزء الأول من مداخلة باتريس مانيلييه (التي تضيف إلى انعكاسات دورك زابونيان، يرى فوكو في السينما إمكانية غير مسبوقة لعرض قصة "جزيئية". يطور فوكو مفهومًا جديدًا جذريًا للتاريخ، وهو مفهوم سياسي يمكن تلخيصه بالفعل بهذه العبارة من الفيلسوف: "شخص ما يتكلم دون امتلاكه"؛ إما: شخص (مثل بيير ريفيير، ومثل "رجال سيئو السمعة hommes infâmes " الذين أراد فوكو جعل تاريخهم) غير شرعي [4 يأخذ على عاتقه تاريخه الفريد، معارضة القوات الشرعية (الشرطة، الأطباء، المحامون، إلخ). بالنسبة للتاريخ الرسمي البطولي لأي كيان (رجل عظيم، أمة، طبقة) يعارض فوكو الذاكرة الشعبية، "عملية بلا موضوع" (كما عرّفها ألتوسير Althusser). الشعب ليس الفلاحين أو العمال، إنهم ليسوا طبقات، إنهم "خونة: إنهم في التاريخ، لكنهم مثل الفيروس. إنهم يطاردون تاريخنا، لكن تاريخنا ليس تاريخهم. (ص 63) لا تزال ذاكرة هذه الأقلية موجودة في الوقت الحاضر، حتى لو كان عمرها عدة قرون، لأنها مرتبطة بدقة بالحدث (تم شرحها بالتفصيل وبشكل جيد جدًا بواسطة مانغلييهr لاحقًا).

مفاصل أو تمفصلات: Disjonctions

الذاكرة الشعبية هي تاريخ لا يدمج وجهة نظر متدلية (فوق تاريخية)، ولكن أين الحدث، ليقول بسرعة ما يظهر في الفجوة التي أحدثتها الطفرة وتلاقي العديد من القوى التاريخية، المعرفية، يمكن أن يأتي على وجه التحديد للإضاءة من خلال إمكانيات انفصال الوسيط السينمائي: بين الكلام والصوت والصورة، بين اللقطات - تأثير كوليشوف effet Koulechov. بهذا المعنى، فإن فيلم رينيه أليو Moi، بيير ريفيير ... (تم تحليله ببراعة من قبل Maniglier) مانغلييه، يتكيف مع حرف النص الأصلي الذي اكتشفه فوكو، يلعب على مفارقات الكلام لإظهار مجموعة كاملة من القوى الخطابية التي تتعايش وتتعارض، يمكن أن تعارضها مراجعات نصوص مجلة كراسات السينما Cahiers du Cinéma بأسلوب رجعي (حيث يكون فيلم عتال الليل Portier de nuit [5] ولوسيان لاكومب Lacombe Lucien [6] جزءًا، وفي نهاية الثمانينيات ولكن بالمثل، أورانوس Uranus لكلود بيري Claude Berri الذي سينتقده بشدة سيرج داني).

يتدخل مانغلييه بعد ذلك بشكل أعمق في مفاهيم الحدث، المتسلسلة (ربما في قراءة أكثر دولوزية  deleuzienne  لفوكو)، لينتهي به الأمر في نهاية المقال بمجموعة من المقترحات النظرية والتحليلات الفيلمية المبهرة، والتي تكاد تكون مقبولة: رؤى وطرق تصور للتحدث عن الأفلام، ذات قوة كبيرة، أسلوبية ونظرية. دعونا نقتبس، على سبيل المثال، هذا التأكيد والعرض في غاية الجمال: "ليس قطارًا يدخل المحطة، لكن المحطة كلها كما هي تتحقق في قطعة قطار. (ص 87) أو هذا المقطع: "وهكذا، لن تظهر لنا السينما أياديًا متوترة، بل توترات تنشأ في وسط قوى أخرى، وليست عيونًا تثبت شيئًا ما، بل نظرات تشغل وجهًا، وليس خطافات منقولة التي تقطع الحناجر، لكنها قطع الحلق التي تعبر الزمن ... "(ص 102) هذه الصفحات المذهلة وغيرها، والتي ا أستطيع مقاومة إغراء اقتباسها، تذكرنا بمداخلة دولوز في إحدى محاضراته عن الوجه في سينما:

"ما يفعله الوجه شيئان: الوجه يشعر، والوجه يفكر بــ [...] يعود الزوج إلى المنزل في المساء منهكا من عمل طويل. يفتح الباب، يجر رجليه، وتنظر إليه زوجته. فيقول لها عابساً نكد المزاج وعلى نحو عدواني تقريباً، مشاكس ومتذمر: ما رأيك بماذا تفكرين؟ وأجابت: ما خطبك؟ - "فيم تفكر"؟ وهذا يعني: ما هي الجودة التي تنبع من وجهك؟ والإجابات الأخرى "ما بك؟»، ما هذه السلسلة الغريبة والمكثفة التي تخترقك صعودًا وهبوطًا.»

هذه القدرة الرائعة للابتكار، للعرض والتفكير في نفس الوقت، للتوفيق بين الاثنين في جملة واحدة، تشوه من خلال الأسلوب أي محاولة لإفساد الفلسفة في السينما: يوجد هنا أيضًا لقاء حقيقي، شيء رائع تمامًا يحدث، وهو ما يتوازى بشكل مباشر مع محاولات فوكو القليلة للتفكير في السينما كوسيلة للتجربة. والاقتباسات من إبشتاين Epstein، وهو نفسه صاحب نظرية أو منظُر وممارس للسينما، متطابقة (أو ينبغي أن أقول "متسلسلة").

لأن المؤلفين يصرّان على علاقة الجسد المعاد تشكيله بالسينما والسينما نفسها كجسم جزيئي كبير: الطريقة التي يرى بها فوكو في أفلام فيرنر شروتر Werner Schroeter "نشأة الجسد"، أو في أفلام مارغريت دوراس " ضباب بلا شكل (انظر حول هذا الموضوع النصف الثاني من مقالة زبونيان، بالإضافة إلى تحليلاته لتمثيل السلطة). ومع ذلك، فإنه من خلال ممارسة هذه الملكات المشتتة يمكن تطوير كل من سينما التاريخ وفقًا لفوكو، ولكن أيضًا طريقة جديدة لفهم السينما والتعاطي معها بقوة كامنة، في الإمكانات.

لأنه (وهذا بالتحديد الجزء الأخير من مقالة مانغلييهr) يعود الفضل في ذلك إلى ملكة التخوف، هذا النمط من الرؤية الذي يمكن لسينما الذاكرة إعادة الاتصال بالحاضر. إذا كانت كتب فوكو مهتمة بالعصور البعيدة عنا، فإن مقالاته ومقابلاته كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحداث الجارية، ومع ذلك فإن السينما تقوم بتحديث الذاكرة (وهذه هي نظرية مانغلييه) من خلال التساؤل الدائم عن صوره. الشاشة كقناع (حسب أندريه بازان) تعرض الصورة من الخارج، أي صورة سينمائية غير مكتملة من قبل في تحليل مذهل وعما لا يُصدق في فيلم ليلي وضباب Nuit et Brouillard إخراج ألان رينيه Alain Resnais، يصف مانغلييه قوى الصورة وتمثيل الصيحات، التي تتشكل بين المفارقات (الزمنية، المكانية، الجمالية) التي ينتجها الفيلم. يمكننا أن نرى بوضوح ما تقدمه هذه التحليلات أيضًا للخطاب حول السينما، وطريقته في الحديث عنها، ووصفها، وهي ملكات ملموسة وخيالية في نفس الوقت.

في الختام، يوضح مانغلليهr بالتفصيل عددًا آخر من الأفلام التي قد يكون من المثير للاهتمام دراستها، موضحًا أن هذا الكتاب ليس سوى مثال واحد ممكن لما يمكن أن تجلبه المواجهات بين فوكو والسينما. يقول باتريس مانغلييه، في اندفاع رائع من التواضع ("أنا لست مؤرخًا ولا صانع أفلام ولا ناقدًا سينمائيًا"، ص 53 – هل هو جبن اللاشرعية، مرة أخرى؟)، ينفي تقديم نماذج عملية للسينما. لكن إذا لم يفعل ذلك بشكل مباشر، فإنه يفعل ذلك بطريقته في التعامل مع الأفلام، وما يحدث لنا من خلال الكتابة.

سيكون من المستحيل ومن الحماقة تكرار الرسالة، باستثناء أن تصبح نوعًا من بيير مينارد Pierre Ménard، كل ما يحتويه هذان النصان مثير، ومفتوح بشكل خاص، كإمكانية للدراسات. ما هو مؤثر بشكل خاص، وما يكمن وراء المشروع، هو هذه الرغبة في أن تصبح، هذه الرغبة في شيء جديد، يشبه العالم المجنون أو الساحرة، والتي تتشكل في كل من الرغبة في رؤية "شيء آخر"، ووضعه بطريقة أخرى بطريقة مشتركة في التخصصين. هذا هو السبب في أن قائمة البداية (الخاطئة) التي وضعها المؤلفون في المقدمة (التأثيرات الأربعة التي يقصدها هذا الكتاب: على النقاد، والمنظرين، وصانعي الأفلام، والفلسفة نفسها) يمكن فقط تفريقها وتقسيمها إلى العديد من النقاط الفردية، غير قابلة للتوحيد. ضد توحيد، المسلمات: المتعدد، المفتوح. يسلم المؤلفون إلينا النص: الأمر متروك لنا لتولي المسؤولية منهم، من فوكو أو غيره، للعب السينما بمعرفة أخرى، ولعب دور الكيميائي الصغير أو الساحر، التسرع في زج الوسيط.

***

د. جواد بشارة

 

الشعر الحقيقي هو ما لا تستطيع أن تفصله عن صاحبه، ولو حللته في مختبر اللغة، وما يخرجه ويذيعه الأديب على الملأ يصبح ملك الجمهور، يحق لكل مفكر أن يقول كلمته فيه، ولا حسد ولا حقد ولا غيرة هناك. فإن أصاب الناقد أفاد، وإن أخطأ هزئ به الناس، وهل يكترث النقاد في الشعر البارع والنثر الممتع؟ هناك يتميز الأديب بكثرة منتقديه، فترك النقد عندهم منقصة وسُبّة.

اليوم أصبح النقد يسير عندنا وخاصة الخصوم منهم في الفكر والعقيدة؛ فتُختم المأساة بأكل اللحوم ونبش ما بين السطور! فمن هواة النقاد نقول لهم كونوا منصفين، فهل من نقاد للأدب لا يحابون كاتباً ولا يمالئون شاعراً، فلا يكيلون الثناء إلا لمن يعتقد بما يعتقدون من حزب وفكر وعقيدة، فليترك النقاد هذه الطلاسم التي يحتار بها قرّاءها، وتنفخ بالأدباء حتى يصبحوا كالقطن المنفوش. والبلية إنكَ إذا اصدرت كتاباً جديداً، وقلت كلمة في أحد المؤلفين والأدباء الجديرين بالكتابة عنهم تغامزوا جميعاً عليك وقالوا: حسداً، أو يواجهك البعض ممن يحمل روح الكراهية بذلك. وهكذا ينجوا المتلبسون والحساد بالجري.

3459 حسين نهابةمطلع الشهر الماضي أهداني الصديق الأديب حسين نهابة كتابه الموسوم (تمائم حميد سعيد) الصادر عن دار نينوى في دمشق عام 2018م، وبواقع (212) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الجميلة والغلاف الأجمل، والكتاب يذكر فيه الشاعر والناقد حسين نهابة سيرة الشاعر حميد سعيد، واستعراضاً نقدياً لإصدارات الشاعر مع بعض ما عُلن وخفي من سيرته الذاتية، بالارتكاز على المصادر المتوفرة وبعض المحادثات الهاتفية بين حسين نهابة والشاعر المغترب حميد سعيد.

ومطلع هذا الشهر أهداني الأديب الشاعر شكر حاجم الصالحي كتابه (حنين بابلي.. مختارات من ابداع الشاعر العراقي حميد سعيد)، الصادر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع والصادر لهذا العام 2022م، وبواقع (110) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الجميلة وتظهر صورة الشاعر بقلم فنان تشكيلي على غلاف الكتاب، والكتاب احتوى على قصيدة للشاعر الصالحي بحق الشاعر حميد سعيد، وسيرة ذاتية للشاعر، و(19) قصيدة للشاعر حميد سعيد، وكلمات محبة من الأدباء والفنانين: كامل حسن الدليمي، ومالك مسلماوي، إنصاف قلعجي (ناقدة أردنية)، والموسيقار علي عبد الله، محمد المحاويلي، غالب العميدي، عباس خليل العاني.

كما حمل لي الصديق الكاتب والأديب د. نصير الحسيني هدية الشاعر حميد سعيد في زيارته الأخير للأردن ديوانه الأخير (نجمة.. بعد حين)، الصادر هذا العام عن دار دجلة، وبواقع (102) صفحة من الحجم المتوسط، ويتضمن الديوان (18) قصيدة حديثة للشاعر، فضلاً عن كتاب آخر وهو دراسة نقدية للأديبة الأردنية إنصاف حسن خيرو قلعجي) تحت عنوان (تَطواف في حدائق الموريسكي عن الشاعر حميد سعيد)، الصادر عام 2021م عن دار هبة، وبواقع (97) صفحة من الحجم المتوسط.

وقفت عند هذه الكتب بين ديوان الشاعر حميد سعيد ونقد أدبي كُتب بحق قصائد الشاعر حميد سعيد؛ وقفة النابه والمتردد كوني باحثاً بعيد عن النقد والدراسة الأدبية، ولولا أن هناك عنواناً في قلبي ومكانة للشاعر والأصدقاء والإهداء لما قرأت تلك القصائد والنقد، وبرد قلبي. فالشاعر حميد سعيد لهُ مقاماً في نفسي وبين الشعراء والأدباء العراقيين والعرب، كمقامه فترة الصبا والشباب  بأرض مدينته الحلة المزيدية والعاصمة بغداد التي غادرها، وظللت أروح وأجيء حتى خفت أن يموت الوقت ولا أقول كلمتي، ولا سيما أن الكتب تتكاثر على رفوف مكتبتي، فأخذت تلك الهدايا الجميلة؛ فما كدت أمسك القلم حتى أقلتّه. لا أفكر بما أقول في تلك الهدايا القناديل، حتى تراءى لي شبح الشاعر حميد سعيد اللذيذ فأتمثل نظراته التائهة البريئة، فوقفت كالغريب في مفترق الطرق حائراً. وبقيت هكذا حتى قالت لي نفسي: ما تراه يكون لو ضحيت بوقتك اخلاصاً للشاعر واصدقائه؟ ثم ما قيمة العاطفة السامية وهي سكوت ونوم؟ ولماذا أهدى إليك الشاعر ديوانه والأصدقاء تلك الكتب؟ أليس لتقول كلمة فيها؟ فقهرت عاطفتي وألقيت قاربي في أمواجه، فعسى ألا أغضب الشاعر كما أغضب سواه من رفاق وأصدقاء.

حقاً إن ديوان حميد سعيد نجمة فيها كل شيء، وما أشبهه بليل امرئ القيس. حميد سعيد وشعره فيه فناً يثقّف بنيّات القرائح ويهذبها. ومشى القلم رويداً رويداً فأخذت اقرأ ديواناً أهداه إليّ، وقد خرج هذا الأثر من يده وصار ملكاً للأدب العربي، فعلينا أن نصدق صاحبه القول، كما نصدق النصيحة سواه، وشعره العتيد مستقيم له من الفن والشاعرية، فالشاعر لا يحيى بلا فن للقصيدة.

وسألت نفسي: أتعرفين يا هذه، بماذا يجرف حميد سعيد الشعراء اجمعين؟ فعيّت جواباً. فرحت اتساءل: أبالمواضيع؟ انها وحدها، لا تعمل شاعراً، فقد يكتب ناثراً أروع منها، أبالنظم؟ فهو يعترف أنه لا يصنع شعره بل يرسله كما خلقتني يا يا رب. فقد كتب الشعر منذ شبابه أيام عاش في مدينة الحلة، وعرف أغراض الشعر وأنواعه. وفي مرحلة مبكرة من قراءاته الأولى التي توزعت على ثلاثة مصادر، مكتبة المدرسة والمكتبة العامة في الحلة، وما كان يقتنيه خاله من كتب ومجلات، وخاصة مجلة الرسالة، وجد نفسه ميالاً إلى قراءة الشعر، ومن ثم في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي كانت له محاولات في كتابة القصيدة ومقطوعات من الشعر، نشرت بعضها في الصحف آنذاك.

الشعر موسيقى قبل كل شيء، والنثر خير منه وابقى، فليس للناقد أن يعرض الشاعر في اغراضه، بل أن ينظر فيها، فرأينا أن العناصر التي تتألف منها شخصية حميد سعيد في ديوانه (نجمة.. بعد حين) ليست جديدة، فهو لم يكتشف اقليماً جديداً ولكنه يوسّع وبتبسط في وصف أقاليم عرفناها فأتانا بشعرٍ صادق النسيج.

إن أكثر الذين حدثونا عن حميد سعيد وعن شاعريته لم ينظروا إلى فنه بل عبروا لنا عن تأثرهم بأغراضه. ينبئنا سعيد أنه يعنى بشعره، ولشعره لغة خاصة في الخلق والإبداع، وليس في الأغراض وفي المعاني فقط بل في التعابير التي تتغذى على حياتنا المعاصرة. ومن تلك القصائد: زهرة الكوجرات، خضراء، ذاكرة مشاكسة، من أيام الفقير إلى الله، رؤى بغداد، فرائض الأطلسي، ما يتذكره عن بستان عبد الله، ودعتنا الرياح المضيئة واستقبلتنا المراثي، نخلة الله، من حميد سعيد إلى سعدي يوسف، نجمةً بعد حين، رَقيمٌ مَوصلي، أطفال الماء، في انتظار فضة الصباح، البحر يفك أزرار قميصه، مآلات غجرية.

أجد مهمة الشعراء شاقة جداً، ولهذا لم أتعجب حين قرأت ما وصلني من ديوان الشاعر حميد سعيد، نحن في حاجة إلى اقلام لا تراعي في المنام خليلاً، وأول واجباتها تقدير الشعراء الكبار، كالشاعر حميد سعيد مثلاً، فهو المبدع مبنى ومعنى، والمدافع عن الأدب ضد الدجالين المغرورين، فشعره متدفق، والأفكار الصور فيه تتوالد باستمرار، ومحروسة بوحدة عضوية واحدة، ومنها قصيدته (زهرة الكوجرات)، جاء فيها:

أقول لسيدتي.. زهرة الكوجرات..

أهذا الذي لا يفارقني.. أنتِ؟

كنّا أقمنا معاً في الثواني

وفيها كتبنا معلّقةَ الريحِ..

يوم أعدنا إلى مدن العشق..

ما ضاع منها.

أما حبيبة الشاعر حميد سعيد العاصمة بغداد، ومعشوقته لا شيء سوى بغداد، يقول الشاعر في قصيدة (رؤى بغداد):

توقظه بغداد صباحاً..

يفتَحُ عينيهِ..

يَراها..

فَيُقَبلُ جبهتَها..

ويَشُمُ عَراَ جدائِلِها وقُرُنفُلَ ضحكتِها..

وأريجَ صِباها

سمَعُ وَقعَ خُطاها

في الروح.. من البابِ الشرقيِّ إلى الميدانْ

يا ما كانْ

أما قصائد الشاعر في ديوان (حنين بابلي)، من اختيار وتقديم الشاعر شكر حاجم الصالحي، فقد احتوى على قصيدة للصالحي تحت عنوان (قالوا..... وقلتُ!!) مهداة للشاعر المغترب حميد سعيد، جاء فيها:

مالكَ يا ابن الحلة قالوا:

أطلقت صهيل عتابك

في مضمار الورقِ

وأقمت طويلاً مندهشاً

ما بين شراك الظنِّ

وبين بيوض القلقِ

وأشار قليلُ الحظِّ.

أنّ سهامك طاشت

فأصبت محبيّك بوابلها.

من خلال القصيدة اعلاه أجد أن الشاعر شكر حاجم الصالحي قد أوفى عهده مع صديقه الأقرب إلى نفسه الشاعر حميد سعيد.

وجماع الكلام أن الناقد النزيه كالصقيل الماهر يبدو جوهر السيف تحت أنمله شيئاً فشيئاً، أو كالمرشد الأمين يجذبك إلى متحف مليء بعرائس الفنون، ويدلك عليها واحدة واحدة، ويشرح لك معاني جمالها. وما كان النقد الأدبي قد؛ منذ كان إلا معواناً على رقي الفنون، وشاعر لا يسمع غير التقريظ لا يبدع، والماء إن لم تصفّقه الرياح ركد وأسن.

لقد آمن طه حسين وقال: "إن إمارة الشعر ستكون في العراق بعد شوقي"، ويقول مارون عبود في كتابه (على المِحك): "لولا الشاعر لماتت الآلهة"، فالشعراء خالدون ومخلدون، لا نعني بالشاعر ذلك الصاف للكلمات، الغوّاص على درر الألفاظ، فمن يعجز عن التفكير والابداع يعتصم بالفصاحة الجوفاء، فالشاعر الجدير بالكتابة عنه يقول الشعر متى جاش صدره، وهذا إلا شاعر وجد نفسه. ومن خلال متابعتي لقصائد الشاعر حميد سعيد وجدته جدير بوصفه الشاعر الجياش للمشاعر والأحاسيس، فهو الشاعر الرقيق الذي عود أوتار شعره على أن يصفف ألفاظه ويصلحه ليخرج اللحن الذي يود.

إن مخيلة الشاعر المبدع كالراديو يلتقط حديث عوالم الأثير، وقريحته راديوم يشع نوراً خالداً، فعبثاً يحاول قرع باب الفن إن لم يكن في عونه قلب متقد وعين ثاقبة، وإن فعل فهو كالنادبة تُبكيّ ولا تبكي.

أما الشاعر والأديب حسين نهابة فقد اعطى الشاعر حميد سعيد حقه في كتابه النقدي (تمائم حميد سعيد)، فالكتاب دراسة نقدية وافية لقصائد الشاعر حميد سعيد. ومن خلال متابعتي للكتاب خرجت بنتيجة أن الشعر هو الحلم، حلم اليقظة الذي يتمتع بها شاعرنا حميد سعيد، ويمتلك عين ترى وقلب يشعر وإذن تسترق، وعقل يحلم، فهو الذي يصغي ليسمع صراخ نفسه من خلال قصائده، وقد وضحت من خلال قصائده قمة فن الشعر. حقاً أن في الكلام رقى وقد خلدته اسطر قصائده كلها، فشعره فيه فن وألفاظ جميلة، ومتعة الاطلاع على قصائده كمتعة مشاهدتي لشمس المغيب وألوانها، وقد خلدت قصائده عبقريته في اختيار الصور الفنية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي 

شاع في الآونة الأخيرة القول بأن الدولة العثمانية كانت قوية منيعة بل ومتحضرة! ولأن المؤرخ – كما هو مفترض- يتكلم بالوثائق وليس من منظور أيديولوجي، لذا حاول الباحث المصري الدكتور ناصرأحمد إبراهيم أن يقدم قراءة مختلفة لعصر قال البعض أنه عصر العزة وقال آخرون أنه عصر الهزيمة، فما الحقيقة إذن؟.
في الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبالتحديد ضمن سلسلة " تاريخ المصريين" وعنوانه " الأوبئة والازمات الاجتماعية في مصر القرن السابع عشر " يحاول المؤلف أن يضع بين أيدينا عدة حقائق تاريخية لعلها تجيب على هذا السؤال؟.
وفي تقديمه للكتاب قال المؤرخ الراحل " رءوف عباس " أستاذ التاريخ الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة: "إن التاريخ الاجتماعي هو أحدث ميادين البحث التاريخي عمرًا؛ إذ بدأ الاهتمام به في الغرب منذ عشرينيات القرن الماضي، واستقرت مناهجه مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشعبت مناحي الدراسة فيه باختلاف المدارس الفكرية ذات الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي".
وأضاف عباس أن اهتمام المؤرخين المصريين بالتاريخ الاجتماعي تأخر حتى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وما لبثوا أن اهتموا به في الستينيات اهتمامًا خاصًا تمثل في عددٍ من الأطروحات الاجتماعية والكتب التي وضعت التاريخ الاجتماعي على خريطة البحث التاريخي في مصر والعالم العربي.
3423 الأوبئةوالأزماتوأكد على أن الوباء والجوع كانا وجهين لعملةٍ رديئةٍ واحدة عانت منها مصر بين الحين والآخر على مر تاريخها الطويل، ولكنها كانت أكثر شيوعًا عند عجز السلطة عن مواجهة الأزمات لضعفٍ فيها، أو صراعٍ داخلها، أو لسقوط هيبتها، وقلة حيلتها. وكان مثار الأزمات دائمًا حدوث ندرة مفاجئة في الموارد، تؤثر على الغذاء الضروري المتاح بالأسواق، وتحدث هذه الندرة عادةً لعوامل طبيعية أو بشرية، وغالبًا ما كانت تحل المجاعة حتى تجر في أذيالها الوباء، أو يحل الوباء حتى يعصف بقوة العمل فيشح الغذاء وتقع المجاعة. فإذا قُدِّرَ للبلاد أن يتولى زمام أمورها حاكمٌ هُمام، كان بالإمكان احتواء الأزمة ومعالجة آثارها، أما إذا كانت الإدارة عاجزة عن إدارة الأزمة، فالهلاك والخراب وتدهور الأحوال نتيجة اتساع دائرة الأزمة زمانًا ومكانًا واقعٌ لا محالة.
وأوضح عباس أن دراسة التاريخ الاجتماعي والتاريخ عمومًا ليست ترفًا علميًا، ولكنها وسيلة لمعرفة الحاضر من خلال الماضي؛ ولهذا قرر أن يلتمس جذور مصر الحديثة في الحقبة العثمانية من تاريخها، وقال إن دراسة الأزمة الاجتماعية تكشف عن بنيان المجتمع؛ من حيث مواطن القوة ومواطن الضعف، وما يرتبط بهذا البنيان من أسس اجتماعية وثقافية واقتصادية، فالمجتمع كائن عضوي تكشف حالة مرضه عن مدى كفاءة أعضاء بدنه، وتشخيص المرض يحتاج إلى باحث جاد يمتلك وعيًا علميًا يميز به بين الصحة والمرض، ويضع به يده على موضع الداء، ويحدد أسبابه بدقة، ويستفيد من الماضي في الوقاية من تكرار حدوث المرض في الحاضر.
ويوضح لنا الكتاب أن الغالب على حكام الفترة المتأخرة من تاريخ مصر (العصر العثماني) عدم الاهتمام بالخدمات العامة للجمهور، ما عدا حفظ الأمن، وكانت السلطة تهتم فقط بتنظيم الري ورعاية النيل؛ لارتباط موارد الخزانة بما يجري به النهر من خير، وللعلاقة الوثيقة بين التحكم في نظام الري وإحكام القبضة على الناس، ولذلك كان الحكام يهتمون بإحصاء الموارد، وتأمين المنتجين على أموالهم وحياتهم، وإقامةالعدل بينهم، وما عدا ذلك لم تكن السلطة تهتم بالرعاية الصحية والتعليم، وكان الاهتمام بمراقبة الأسواق في المدن فقط، أما الريف فقد سقط من حساب السلطات في تلك الفترة.
ويشير المؤلف إلى أن المؤسسة الدينية كانت هي التي تقدم الخدمات للناس وفق ما يتيسر لها، وكان بعض الأغنياء يقدمون أعمالاً خيرية، على أن الخدمات الاجتماعية عمومًا كانت محدودة داخل أسوار المدن، ولا تصل إلى الريف وأهله غالبًا.
ويوضح المؤلف أنه لكي نفهم طبيعة الأزمات الاقتصادية في القرن السابع عشر، علينا أن نحدد مفهوم المصطلحات التي تداولها كُتَّاب الأخبار على صفحات أعمالهم وهم بصدد رصد تلك الأزمات؛ حيث يُلاحَظ وجود تداخل بين مصطلحيْ "الغلاء" و"المجاعة" فعلى سبيل المثال: في أزمة 1641-1643م التي توالى خلالها انخفاض منسوب النيل والشراقي لثلاث سنوات، وتضاعفت الأسعار غير مرة، حتى لقد حدث في الناس "الضعف والقهر" كما أوضح "ابن عبد الغني" في كتابه "أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات" الذي طبعته مكتبة الخانجي عام 1978م، وفيه: أن الأسِتَانة (عاصمة الدولة العثمانية) أرسلت بعض الإمدادات الغذائية، وانتهت المأساة بوقوع أشد جائحة طاعونية في النصف الأول من القرن السابع عشر، ومع ذلك لا نجد المصادر تطلق عليها سوى "الغلاء الشديد" أو "الغلاء والقحط".
ويتابع المؤلف قائلاً: وفي أزمة 1694-1695م نجد المواصفات والتفاصيل التي طرحتها المصادر تنبئ عن وقوع مجاعةٍ ضارية وقاسية إلى الحد الذي نتصور معه أن بعض أحداثها غير حقيقية، ورغم ذلك يطلق كُتاب الأخبار عليها "الغلاء العظيم" كما ذكر "محمد بن أبي السرور البكري" في كتابه "الروضة الزَّهِيَّة في ذكر ولاة مصر والقاهرة المُعِزِّيَّة" ولهذا يتسائل المؤلف: هل يعني ذلك أن سنوات الأزمات التي أصابت مصر في القرن السابع عشر وأُطْلِقَ عليها مصطلح "الغلاء الشديد" تعكس لنا درجة من درجات المجاعة الشاملة أو الأزمات الغذائية الشديدة، والتي تعني نقص المواد الغذائية بالأسواق بصفةٍ عامة، أم أنها لم تتجاوز نطاق الأسعار المرتفعة فحسب؟ ويجيب المؤلف على هذا التساؤل بقوله: في الحقيقة لم يكن الاستناد إلى منسوب الفيضان السنوي كافيًا لوضع خطوط واضحة بين مستويات الغلاء والقحط والمجاعة، برغم أن الفيضان كان من أهم الأسباب الرئيسية في حدوثها؛ ذلك أن أسبابًا أخرى كانت تسهم في بعض الأحيان بالشكل الذي يحول الأزمة من مجرد حالة "غلاء" إلى "مجاعةٍ شديدة".
ويقدم الكتاب بعض النماذج التي تؤكد ذلك: فعلى الرغم من أن مناسيب الفيضان خلال أزمات (1629)، (1650) و(1694) كانت متماثلة؛ فإن درجات الأزمة كانت متفاوتة تمامًا، ففي أزمة 1629/30 بلغ إردب القمح 136 بارة، ولكن تصدي الوزير للمتسببين في تفاقم الأزمة جعل الأهالي لا يشعرون بوطأتها فتجاوزتها البلاد سريعًا. وبينما لم تكن أزمة 1650م سوى حالة من ارتفاع الأسعار الشديد؛ حيث أمكن ري ثلث الصعيد، نجد أن أزمة 1694م كانت تمثل مجاعةً ضارية حتى لقد صاحبها حركة خروج من الأرياف، ودخل الفلاحون القاهرة فنهبوا ما وقعت عليه أعينهم من خبزٍ وطعام، وأكل الناس الجيفة والرِّمَم وبعض البشر! على حين تطالعنا المصادر بأن عام 1618 شهد فيضانًا مُغرِقًا أدى إلى وقوع القحط بسبب فوات موسم الزراعة، غير أن مكافحة الوزير للمحتكرين وإغراقه الأسواق بالغلال أنهى الأزمة تمامًا. وربما كان الأكثر دلالةً من ذلك ما نسمعه من وقوع "غلاءٍ شديد" في عام 1678 رغم أن فيضان النيل كان موافيًا حد الكمال.
ويخلص الباحث مما سبق إلى أن فيضان النيل يصعب التعويل عليه كمؤشر لتحديد "المجاعة" خاصةً ونحن نجهل مناسيب النيل في معظم سنوات القرن السابع عشر، لكن الذي يحدد "المجاعة" هو ما تطالعنا به المصادر من سلوكيات الأهالي، ففي الأزمة التي أكل الناس فيها موتاهم بعد إخراجهم من القبور، كما أكلوا الكلاب والحمير والقطط عام 1694/95 يصح إطلاق وصف المجاعة بلا شك.
ويشير إلى أن غلاء أسعار الغذاء الذي أدى إلى سوء التغذية هو الذي أكسب الناس قصورًا في المناعة وبالتالي انتشرت الأمراض والأوبئة، وهذا ما يؤكده مؤرخو تلك الفترة مثل: البكري والملواني والإسحاقي، وما يؤكده أيضًا الأطباء القدامى الذين عاشوا تلك الفترة او قريبًا منها؛ حيث حذروا من الجوع قبيل انتشار الوباء. ولعل مما يؤكد ذلك أن بعض المصادر التاريخية دائمًا تقرن الغلاء بالوباء في عباراتٍ مألوفة مثل: "وقع الغلاء والوباء" أو قولهم: "وقع الغلا وأعقبه الفنا". ومما يؤكد العلاقة الجدلية بين "أزمات الغلاء" و"الطواعين" أن أغلب طواعين القرن السابع عشر قد سبقها أزمات غلاء ومجاعات؛ فمن بين 18 حالة طاعونية أصابت مصر نجد 14 حالة سبقها وقوع الغلاء والمجاعة؛ حيث أدى عامل الندرة الغذائية إلى ضعف البنية عند المصريين، في وقتٍ كانت فيه المؤسسات – إن جاز التعبير- ضعيفة وأقل كفاءة من أن تتصدى للعدوى، ويؤخذ في الاعتبار طول فترة الغلاء، وكذلك تعاقبه على فتراتٍ قصيرة.
ثم يعود الباحث فيؤكد أن ما سبق لا يعني أن الطاعون تسبقه حتمًا أزمة اقتصادية، فقد يأتي بسبب عدوى وافدة. ويتحدث المؤلف عن ماهية الأوبئة ويوضح أن "كل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعون" وكان الأطباء في العصر العثماني ليس لديهم وعيًا كافيًا بماهية الأمراض الوبائية، وبعض تلك الأمراض كان يمكن علاجها لو كان الطب متقدمًا في ذلك الوقت، بل إن طاعون 1619 رغم أمه عمَّ كل أقاليم مصر حيث كان قوي الانتشار إلا أنه أمكن العلاج منه بثمار "النارنج" كما قيل، ولكن نظرًا للتدهور الطبي بشكلٍ عام وقصور فهم الأطباء لحقائق الأمراض واعتقاد الناس أن هذا الفهم يحتاج إلى تأييد قٌدسي! كما ذكر ذلك "البدليسي" في كتابه "الإباء عن مواقع الوباء" لم يعرف المؤرخون وقتها الفرق بين الأوبئة وأنواع الطواعين، ويضاف إلى ذلك ابتعاد المؤرخين عن مواطن انتشار العدوى، أو تلقي بعضهم لأخبارها بالسماع.
ويخبرنا الكاتب أن الغالب في الطواعين المنتشرة حينها ثلاثة أنواع، وهي: "الطاعون الغُدَدِي"وكان الأكثر انتشارًا ويُحدِث بثورًا وأورامًا في المواضع الرخوة وغير الظاهرة من البدن مثل: "تحت الإبط" و"خلف الأذن" و"أرنبة الأنف" وهناك "الطاعون الرئوي" و"الطاعون التسممي".
وهناك أوبئة غير الطاعون ولا تقل عنه خطورة، مثل: الديسونتاريا، السُّعار الجنوني، الحُمَّى الثلاثية، والوبائية، الجُذَام، وجذام الفيل، والجُدَرِي الوبائي الذي دائمًا ما يصيب الأطفال بصفةٍ خاصة، إلى جانب الفتاق والسل الرئوي ورمد العيون.
ويرى البعض مما سبق أن العصر العثماني كان بحق "عصر الظلام والتأخر" وليس كما يشاع أنه كان "عصر القوة الذي تم ظلمه" فالصحيح أنه عصر تراجع الحضارة الإسلامية، ومع الحملة الفرنسية وتخلي العثمانيين عن الدفاع عن مصر إلا قليلًا شعر المصريون بهويتهم واختلافهم عن الأتراك وأنهم مصريون و"أولاد العرب" وهو إحساس كانت له بوادره قبل ذلك، وحين بدأت مصر نهضتها الحديثة في القرن التاسع عشر تأكد هذا الإحساس الوطني بالهوية.
***
حاتم السروي

 

نبيل عبدالامير الربيعيعُرفَ عن الكاتب والباحث الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي اهتماماته الجادة في مجال تاريخ المسرح العراقي والعربي، وقد اتاح له تواجدهُ وانشغاله المبكر في الساحة الثقافية أن يَطلّع على خلفيات واساسيات حركة الفن المسرحي عراقياً وعربياً، بسبب تشوقه الدائم للاطلاع وأخذ المعلومة من مكامنها، ومحاولته الدائبة للإسهام في بحوثه ودراساته المتخصصة في مجال المسرح، الذي ما فتأ أن يظهر ملامحهُ منذُ بداياته في العراق.
يتضح من كل ذلك أن الدكتور علي الربيعي لا يستكين إلى منجز بعينه، ولا لحالة تعبيرية محددة، بل تجتذبهُ مساحات التعبير المفتوحة والتي تبقى مسرحاً لرؤياه وتشوقاته، وهذا ما جعل من مسألة انفتاح مجال التوثيق نتيجة اهتماماته. غير أن البحث في ذلك يستلزم جهداً كبيراً وهو ما يصعب الامساك به في زمنٍ عسير، مربك، كهذا.
صدر عن وزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كوردستان عن مديرية الإعلام والطباعة والنشر في أربيل للدكتور علي محمد هادي الربيعي كتابه الموسوم (أحمد سالار أيقونة المسرح الكُردي)، الكتاب صادر بدعم من حكومة إقليم كوردستان، ذات طباعة راقية خالية من الأخطاء الإملائية والطباعية، وبواقع (400) صفحة من الحجم الوزيري، طبعة مزيدة بالصور والشهادات من قبل الفنانين والأدباء بحق الفنان أحمد سالار. وهو الكتاب السادس والعشرون من مؤلفات الربيعي.
استهل الربيعي الكتاب بمقدمة وخمس فصول وملحق ثبت فيه اسماء المسرحيات التي قدمها الفنان سالار طوال مسيرته الفنية التي تجاوزت أكثر من خمسة عقون (1968-2020م)، وبواقع (102) مسرحية. وتخلل الكتاب مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي كانت معادلاً وثائقياً لا غنى عنها.
والفنان أحمد سالار من مواليد عام 1947م، ولد في كنف أسرة ثقافية في مدينة السليمانية، الكثير من ابناء أسرته اكملوا التعليم الديني الذي كان شائعاً في المجتمع الكُردي شارك ادوار شخصياته بحذاقة عالية، طرق باب التأليف وأنجز كتابة (92) نصاً مسرحياً ونشر 92 كتابا عن المسرح وفن الدراما، وهو أحد المخرجين الذين تركوا لمساتهم الفنية على حركة المسرح الكُردي في اقليم كوردستان، أسس فرقة مسرحية في مدينة السليمانية (فرقة مسرح سالار) واختار الدخول في اكاديمية الفنون الجميلة، رغم تفوقه الدراسي الذي أهلّه لدخول الكليات المهمة، ومع أنه لم يكن يجيد اللغة العربية، إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة في العروض المسرحية التي كان يقدمها طلبة اكاديمية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بغداد، ونذكر من اساتذته، د.إبراهيم الخطيب، الاستاذ إبراهيم جلال، الاستاذ أسعد عبدالرزاق، الاستاذ جعفر عمران السعدي، الاستاذ سامي عبدالحميد.
3409 احمد سالاروقد اشار الربيعي في الصفحات ص7/10 لشهادات المثقفين والفنانين التي كتبت بحق الفنان سالار، ويعتبر هذا الكتاب هو الثاني الذي صدر عن حياة وأعمال سالار الفنية، إذ صدر الكتاب الأول تحت عنوان (أحمد سالار... رائداً ومؤسساً للمسرح الاحتفالي الكردي المعاصر) للدكتور كمال غمبار الذي طبع في دار الثقافة والنشر الكردية عام 2015م.
ذكر الربيعي في الفصل الأول السيرة الشخصية للفنان سالار ومراحل ترعرعه وتكوينه، أما الفصل الثاني فقد تضمن الأخبار والريبورتاجات الصحفية التي تناولت سيرة سالار ونشاطه التأليفي في فضاء النص المسرحي والتي تجاوزت ستة نصوص، كما وثق الربيعي نشاط سالار التأليفي المطبوع والذي تجاوز (26) نصاً و(97) مقال، وفي الفصل الثالث وثقّ الربيعي المقابلات صحفية التي اجريت مع الفنان سالار والتي نشرت في الدوريات باللغة العربية والتي تجاوزت (23) مقابلة صحفية. أما الفصل الرابع فقد دون الربيعي المقابلات النقدية التي تداولت منجز سالار المسرحي والتي كانت (32) نقد مسرحي، وقد نقل الدكتور الربيعي نص الناقد والمفكر ياسين النصير. والفصل الخامس والأخير تصدى فيه الربيعي إلى استعراض الدراسات البحثية التي غطت النشاط المسرحي للفنان سالار والتي تجاوزت (6) دراسات.
احتوى الكتاب ملحقين، كرس المؤلف أولهما لنص الكلمة التي حملت عنوان "العلاقة العربية الكُردية من المنظور الثَّقافي"، التي ألقاها الفنان أحمد سالار في تجمع للحوار العربي الكردي أقيم في جمهورية مصر العربية عام 1998. والكلمة بقيت حبيسة الأدراج ولم تنشر، وآثر المؤلف نشرها في هذا الملحق حتى يطّلع عليها القراء، وقدم في الملحق الثاني ثبتاً شاملاً بـ"أسماء المسرحيات التي قدمها أحمد سالار طوال مسيرته الفنية" منذ العام 1968م.
والكتاب يعد جزءاً مهماً من تأريخ المسرح الكُردي، لأنه يستعرض سيرة الفنان أحمد سالار الذي وضع بصمته الواضحة في الفضاء الإبداعي الفني، وما قدمه من إسهامات وتأليفات نصية في مجالي التمثيل والإخراج، وما جاد فيه على طلبته في الدرس الأكاديمي من فيوضات علوم المسرح.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

بدر العبريرأينا في مقال سابق لنا حول "علم الكلام الجديد" للدّكتور العراقيّ عبد الجبّار الرّفاعيّ عن أزمة اغتراب علم الكلام القديم من خلال الاغتراب في الميتافيزيقا واللّاهوت والماورائيات والمجتمع، وما نتج عنه مع اغتراب الآلة والإنسان وصورة الله.
والمدار الثّاني الّذي يدور حوله الكتاب - في نظري - بعد نظريّة اغتراب علم الكلام القديم هي أبديّة الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى، وهنا ينقض الرّفاعيّ تحجّر علم الكلام القديم، بمعنى اكتماله وتمامه والوقوف عنده بالكليّة، وهو ما يسمّيه المتقدّمون بالعلم المحترِق أي المنتهي من حيث كلّياته، لهذا يرى ليس مجرد إصلاح علم الكلام القديم؛ بل الخروج منه إلى علم كلام جديد؛ يتوافق ومقتضيات الواقع، وتساؤلات الجيل الجديد، وتطوّر الآلة والمعارف المعاصرة.
وعلم الكلام الجديد من حيث الأسئلة الميتافيزيقيّة يندرج من بُعدين، بُعد صورة الله المطلقة، وما يقابلها من بُعد استمرايّة البحث والتّساؤل والكشف عند الإنسان، لهذا المعادلة متلازمة في دائرة مستمرة ومتطوّرة معا، لا يمكن أن تتوقف يوما، وهي تتضخّم تطوّريّا بتضخّم المعارف والنّتاج الإنساني.
لهذا يمكن فهم مراد الرّفاعي أنّ العلاقة بين صورة الله المطلقة، واستمراريّة شغف الإنسان في معرفة هذه الصّورة تضيق أو تتّسع من خلال: الذّات الكاشفة، والأدوات المستخدمة، والتّأثر بالسّلطة والهوّيّة والثّقافة، واتّساع المعارف وعقلانيّة الزّمكانيّة، فهذه جميعها تعطي صورة دائريّة مستمرة لهذه العلاقة لا تتوقف عند نقطة زمنيّة ومكانيّة ما.
وبالنّسبة لصورة الله المطلقة تتمثل في "أنّ الله مطلق، ومعرفة الإنسان بالله نسبيّة؛ لأنّها محدودة بحدود طبيعته البشريّة، وآفاق وعيه وثقافته، ونمط رؤيته للعالم، والزّمان والمكان الّذي يعيش فيه، ونسبيّة معرفة الإنسان بالله، وعدم تمكنه من الحصول على صورة نهائيّة له"، فالله رمز للقوّة الفاعلة/ الغيب المنيع/ اللّامتناهي/ مطلق الوجود، وهذه صورة مطلقة لا يمكن حصرها في صفات أو أسماء محدودة، وإنّما هي صورة تقريبيّة لهذا المطلق الإلهي.3329 علم الكلام الجديد
لهذا في المقابل يأتي استمراريّة شغف الإنسان في معرفة هذه الصّورة "فما دام هناك إنسان هناك أسئلة وجوديّة، وأسئلة ميتافيزيقيّة، وما دامت هناك أسئلة ميتافيزيقيّة هناك أديان، فالأسئلة الوجوديّة في الفلسفة مدينة الأديان"، بمعنى أنّ تعدد الأديان نتيجة طبيعيّة متمثلة من خلال هذا الشّغف، ولكونه مرتبطا بصورة مطلقة إذا التّعدد حالة طبيعيّة؛ لأنّ الصّور سوف تتعدد، حيث "أنّ الإنسان لا يمكن أن يتّصل بالله إلّا من خلال الصّورة الّتي يراها لله، وصورة الله تتعدّد بتعدّد ما أنتجه لاهوت الأديان وعرفانها، بل ذهب محيّ الدّين بن عربيّ [ت 638هـ/ 1240م] وبعض العرفاء إلى أنّ صور الله تتعدّد بتعدّد طرق البشر إلى الله".
لهذا الارتباط بين صورة الله وشغف الإنسان في الكشف عنها ارتباط يتمثل في الدّيمومة والاستمراريّة، ينتج عنه تطوّر في العلاقة مع الله، فيرى الرّفاعي أمثل تصوّراتها مع العرفانيين، حيث تمثلت في العلاقة الجماليّة من خلال الحبّ والرّحمة والقيم الإنسانيّة الكبرى، حيث "أعاد العرفان بناء صورة جميلة لله، كلّها إشراق ومحبّة .... لأنّ هذه الصّورة ألغت المسافة اللّامتناهية الّتي صنعها المتكلمون بين الله والبشر".
وإذا كان الكشف مرتبطا بتطوّر الدّيمومة والاستمراريّة؛ نتيجته أنّ علم الكلام لا يخرج عن الظّرفيّة الزّمكانيّة، فهو ليس جامدا من حيث الدّاخل، وفي الوقت ذاته مرتبط بما هو في الخارج من آلات ومعارف، مع الذّات وميولاتها وارتباطها بالسّلطة أيّا كانت، لهذا "الأسئلة العميقة تتوالد باستمرار، بالتّزامن مع تطوّر وعي الإنسان، وتراكم معارفه، وخبراته المتنوّعة، وتنامي اكتشافاته لقوانين الطّبيعة، والتّوغل في آفاق الكون، والكشف عن أسراره، وهذا جوهر علم الكلام الجديد".
بيد أنّ "ما قاله مؤسّسوا الفرق، ومؤلفوا المقالات الكلاميّة بخصوص رؤيتهم لله، وصفاته وأفعاله، والوحي والنّبوّة، وما فهموه من النّصوص الدّينيّة؛ ليس إلا إجابات مرحليّة تعبّر عن زمانهم وبيئاتهم وثقافتهم" أي له ارتباط ظرفيّ نتج عنه صورة ظرفيّة معينة عن الله في دائرتها النّسبيّة لا المطلقة، وبما أنّ "النّظام المعرفي الّذي يتسلّط على التّفكير في مرحلة معينة من حياة البشر لا يلبث كما هو في مختلف مراحل التّاريخ؛ بل يواكب العقلانيّة وتطوّر الوعي، وتقدّم العلوم والمعارف البشريّة في مختلف المراحل"، فطبيعيّ أن تتغيّر الصّورة اليوم، وتتعدد طرقها في الوقت ذاته.
إلا أنني أرى شخصيّا اليوم أن الجيل الجديد رجع إلى التّساؤلات الوجوديّة الأولى، أي الله ذاته، فلم يعد معنيّا بشكل كبير في البحث عن صورة الله، والاغتراب الماورائيّ فيها، بقدر ما أصبح باحثا عن الموجد الأول من جهة، وعن ماهيّة الإنسان والوجود من جهة ثانية، فلم يعد يشغله هذا الاغتراب الماورائيّ في الصّفات الإلهيّة وشخصنته بعيدا عن الإنسان، وإذا كان جوهر علم الكلام الجديد يتمثل في الأسئلة العميقة الّتي تتوالد باستمرار كما يرى الرّفاعيّ، إلا أنني أرى أنّ هذه الأسئلة العميقة رجعت إلى المربع الأول، وهي حالة صحيّة، لنتجاوز إطلاقيّة الرّؤية الكلاميّة وصراعاتها، وربطها بالولاء والبراء، والتّكفير والماضويّة.
لكن الضّرر العقليّ والكلاميّ الكبير لإطلاقيّة علم الكلام القديم حسب رؤية الرّفاعيّ يتمثل في ثلاثة أمور: الأول دوران الدّائرة في العلاقة المتمثلة بين صورة الله وشغف التّساؤل والبحث والكشف على نفسها في دائرة ماضويّة انتهت في ظرفيّة زمنيّة ما، فهي لا زالت تدور على نفسها ولكن في لحظة زمنيّة تجاوزها العقل المعرفيّ آلة ومعرفة ومناهجا، أي كأننا نعيش في ذات المرحلة بين صراع المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث، وما بينهم من الفرق الكلاميّة الأخرى، "فدخلت علوم الدّين في الإسلام [ضمن] حلقة دائريّة تكراريّة منذ قرون عدّة، بعد أن توقف إنتاج العلم الدّنيويّ في عالم الإسلام، واستبدت الرّؤية الكلاميّة الموروثة للعالم في حياة المسلمين، فحجبتهم عن رؤية العالم خارج الأسوار المغلقة لعلم الكلام، وأصبحت مجتمعاتنا اليوم ضحيّة رؤية ميتافيزيقيّة للعالم تتحدّث لغة الأموات".
الأمر الثّاني المرتبط بإطلاقيّة علم الكلام القديم أنّه تمثل في صراعات جزئيّة انغلقت على ذاتها، وحوّلتها إلى سياج دينيّ ومذهبيّ تتمايز به عن الآخر، بمعنى لم تعد تبحث عن القيم الجامعة، بقدر ما أصبحت تدور في جزئيّات ظرفيّة معينة، وفق رؤية ماضويّة معينة أيضا، فلم يعد "يعتمد المتكلّم [وفق] مناهج علم الكلام القديم [ناشدا] الكشف عن القيم الكونيّة الخالدة في الأديان، ولا يبحث عن جوهرها الرّوحيّ والأخلاقيّ المشترك؛ لأنّ المتكلم لن يتمكن من التّحرر من التّعصّب لمعتقداته عند دراسة الأديان الأخرى، ومحاولة فهم معتقداتها ومقولاتها، إذ أنّ مهمّة المتكلّم هي الدّفاع عن معتقداته، والرّدّ على الخصوم، وكشف ما يراه من تهافتات معتقدات الدّين الآخر، والتّحري عن تحريفات كتبه المقدّسة"، وهذا ذاته ينطبق حتّى على المدارس الإسلاميّة الكلاميّة ذاتها من وجه آخر.
من هنا كان الأمر الثّالث متمثلا في الأثر السّلبيّ على المجتمعات من تخلّف وصراعات وتفسيق واحتراب، ورؤية ضيّقة عن الآخر، ويركز الرّفاعيّ هنا إلى "أنّ أدوات النّظر، ومناهج الفهم القديمة للدّين ونصوصه تفضي إلى ربط كلّ واقعة في حياة النّاس بالدّين، واحتكار الدّين لمختلف علوم الدّنيا، ويؤول ذلك إلى فهم وتفسير وتبرير كلّ شيء بالدّين"، وعليه يصبح تقدّم ونهضة المجتمع مربوطا بالصّورة الكلاسيكيّة للتّدين، فيعوق حركة المجتمع ونهضته؛ لأنّ "التّدين والطّاعة والمعصية ليست سببا لتقدّم أو نخلّف المجتمعات ... بل ينشأ من الجهل والفقر والمرض والاستبداد والظّلم، وكلّها نتيجة عوامل اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة وتربويّة ودينيّة"، وهذا ذاته ينظوي في الاغتراب السّلبيّ، بعيدا عن البحث في الأسباب الواقعيّة والمنطقيّة للنّهضة والتّقدّم والحداثة.
هذه المقاربة الّتي قدّمها الرّفاعيّ في علم الكلام الجديد، والمتمثلة في أبديّة الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى، لا يمكن وضعها إلا بالتّحرر من الاغتراب في علم الكلام القديم، بأدواته ورؤيته الّتي تجاوز العقل المعرفيّ اليوم العديد من رؤاها الجيدة في زمن ما سلفا، إلا أنّها نسبيّة ولم تعد بتلك الصّورة المعرفيّة الكبيرة الّتي تقدّم إجابات منطقيّة وجوهريّة لهذه الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى في واقعنا المعاصر.

 

بدر العبري - عُمان
..................
*المرجع: كتاب مقدّمّة في علم الكلام الجديد، عبد الجبّار الرّفاعيّ، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، العراق/ بغداد، ط 2021م، ص: 129 – 138.

(قراءة تواصلية في كتاب "التاج في أخلاق الملوك" للجاحظ)

بيانات الكتاب: أبو عثمان الجاحظ: "التاج في أخلاق الملوك"، تحقيق: إبراهيم الزين و أديب عارف الزين، دار الفكر ودار البحار، بيروت ـ لبنان، 1375ه/1955م.

المحتويات:

1ـ المتكلم/المخاطَبُ بوصفه مَلِكا

2ـ المسافة والمكان في السياق المَــلَكي

3ـ الهيئة والمقام الملكي

4ـ لغة الملك: الإشارة والرمز

5ـ الرسالة الملكية وشروطها: (سلامة القناة التواصلية)

6ـ سيكولوجية الملك: لغة الجسد في الغضب والرضى

**

لكل مقام "حقـوق"

بكل ما للتواصل من أشكال وشروط وتجليات، يأتي هذا الكتاب في مجمله عرضا لبنود دستور التواصل، ولكن بخصوصية يفرضها السياق الملكي؛ إذ يعد كتاب "التاج في أخلاق الملوك" أضمومة تستعرض ما يمكن الاصطلاح عليه بعبارة "حقوق الملوك"؛ فعبارة "من حق الملك" تكاد تكون لازمة الكتاب لتكرارها مرات في كل باب من الأبواب.

يهم الأمر إذن في هذا السياق قراءة التراث التواصلي عند الملوك في مختلف المشارب والثقافات (فارسية، عربية، يونانية...) وهي حقوق من الطبيعي أنها توازي في رفعتها رفعة شأن الملوك وحظوتهم من دون العامة من الناس. وفيما يأتي محاولة بسيطة لجرد بعض هذه الإشارات التواصلية في هذا الكتاب:

1ـ المتكلم/ المخاطَب بوصفه ملكا

يحظى الملك باعتبارات خاصة تجعله محفوفا بالتبجيل والتعظيم في مختلف الثقافات. حتى أن البعض أعطى الحق للملك ـ إن أمكنه ذلك ـ أن يتفرد بالماء والهواء! أي أن لا يشرك فيهما أحدا.

وتتجلى هذه الاعتبارات الخاصة في كتاب "التاج في أخلاق الملوك"، في كون الجاحظ بسط في كل أبواب الكتاب مواقف الملوك والحاشية والعامة من الناس، والتي هي مواقف تصور باللغة البصرية قبل المنطوقة التمثلات المتبناة تجاه مكانة الملوك الرفيعة القدر. ومن بين هذه المواقف ـ مثلا:

ـ حسن الاستماع للملك

في هذه الخاصية التي يحظى بها الملك يتجلى حصول التماهي الكلي بكل الجوارح، والانسجام التام في عملية التواصل معه بما يشبه حالة التخدر، مثال ذلك: ما حدث للملك "انوشروان" مع أحد حاشيته، بانسجامه "الخاشع" مع كلام الملك، حتى أغفل النظر الى موطئ دابته على شط النهر، مما جعل الدابة تنحرف وتوقعه في الماء.

وكذا في مسايرة معاوية بن ابي سفيان ليزيد بن شجرة، حيث صك وجه يزيد حجر فأدماه، وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه، ولم يمسحها. فقال له معاوية: لله انت!

ما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك، يا امير المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! قال: "(...) إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري، وغطى على قلبي، فما شعرت بشيء حتى نبهني أمير المؤمنين.

ومثال آخر: أنه حكي عن أبي بكر الهذلي انه بينما هو يسامر ابا العباس، اذ تحدث ابو العباس بحديث من احاديث الفرس، فعصفت الريح، فأذرت طسا من سطح إلى مجلس ابي العباس، فارتاع ومن حضره، ولم يتحرك ابو بكر لذلك، ولم تزل عينه متطلعة لعين ابي العباس. فقال له ما اعجب شأنك، يا هذلي! لم ترع مما راعنا.

قال: يا امير المؤمنين، إن الله عز وجل يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بمحادثة أمير المؤمنين، لم يكن فيه لحادث مجال. (...) هذه كرامة خصصت بها، مال إليها ذهني، وشغل بها فكري. فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما احسست بها ولا وجمت لها إلا بما يلزمني في نفسي لأمير المؤمنين.

وفي حسن الاستماع إلى الملك كان عبد الله بن عياش المنتوف يقول: لم يقترب العامة الى الملوك بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع. وقال اخر: إن أردت أن يمكنك الملك من أذنه، فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث.

والجاحظ يرى في حسن الاستماع إلى الملك خلقا رفيعا، بل أكثر قوله: "ان كان السامع يعرف الحديث الذي يتحدث به الملك، فوجب على السامع ان يتظاهر بانه يسمع الحديث هذا لاول مرة ويبدي السرور والاستبشار؛ وذلك لسببين:

1 اظهار حسن الادب في ذاته؛

2 اعطاء الملك حقه من حسن الاستماع ".

- وفي هذا يظهر الأثر الجليل لحسن الاستماع في إنجاح عملية التواصل، وليس الأمر مقتصرا فقط في سياق التواصل مع الملوك، فقد قيل في حسن الاستماع قديما: "ما غلبني احد قط غلبة رجل يصغي إلى حديثي".

لكل مقام "اعتبارات"

بالموازاة مع "حقوق" الملك، يصور كتاب التاج أحوالا لاعتبارات ينفرد بها الملوك دون سواهم من الناس، ومن هذه الاعتبارات تُذكر هذه الأمثلة:

ـ في سياق مسايرة الملك فإن على الدابة ألا تقضي حاجة ولا تبدي جماحا ولا محاذاة لدابة الملك. فذلك يدل على سخف صاحبها، واخلال بسياق التواصل مع الملك.

ـ الضحك في حضرة الملك او من كلامه وقاحة وجرأة عليه.

ـ في سياق الجلوس الى مائدة الملك سياق الاكل يحترم الملك بعدم الجرؤة عليه وكثرة الحركة لأن في هذا اخلالا بالسياق/ المقام. ويدل على قلة الاداب والأخلاق والشره والطمع في الملك. توقير الملك في الاكل.

ـ عدم الانصراف في حضرة الملك الا لقضاء حاجة.

ـ وعلى المحدث للملك ألا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده، ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه.

ـ تعظيم شأن الملك في الدخول عليه، والامتثال لحركاته والطاعة والاعتبار لحضوره بالحركات والسكنات

ـ إغضاء البصر وخفض الصوت بحضرة الملك.

ـ عدم رفع الطرف الى الملك اعظاما واكراما وتبجيلا وتوقيرا، ولا يعجب السامع لعجب الملك. وبدل ذلك، فليكن غرضه الاطراق والصمت وقلة الحركة. عدم رفع الصوت في حضرته؛ لان من تعظيم الملك وتبجيله، خفض الأصوات بحضرته.

ـ كانت ملوك الاعاجم تقول: إن حرمة مجلس الملك، إذا غاب، كحرمته إذا حضر. وكان لها عيون على مجالسها، إذا غابت عنها. فمن حضرها، فكان في كلامه وإشارته وقلة حركته وحسن ألفاظه وآدابه ـ حتى أنفاسه ـ على مثل ما يكون إذا حضر الملك، سمي ذا وجه، ومن خالف أخلاقه وشيمه، وظهر منه خلاف ما يظهره بحضرة الملك، سمي ذا وجهين، وكان عند الملك منقوصا متصنعا.

2ـ المسافة والمكان في السياق الملكي:

تلعب المسافة وتأثيث الفضاء المكاني دورا كبيرا في توجيه التواصل ورسم غاياته، وفي كتاب "التاج" نلمس هذه الخاصية التواصلية واضحة في كثير من المواضع، ويمكن جرد أهمها فيا يأتي:

ـ الملك اذا قام للصلاة، فمن حقه ان يكون بينه وبين من يصلي خلفه عشرة اذرع.

الستارة والفصل الطبقي

ـ حسب الملوك الأعاجم، فإن الطبقة الحاكمة تخضع لتقسيم ثلاثي بثلاث مراتب، وبين كل طبقة وأخرى ستارة تفصل الطبقة عن التي تليها في الميزان التراتبي؛ أما هذه الطبقات الثلاث فهي على التوالي:

1ـ الاساورة وابناء الملوك، ومجلسها من الملك عشرة اذرع من الستارة.

2ـ حماة وحراس الملك وندماؤه ومحدثوه من اهل الشرف والعلم، ومجلسها من الاولى على عشرة اذرع.

3ـ المضحكون واهل الهزل والبطالة، ومجلسهم على عشرة اذرع من الثانية.

- والستارة في هذا السياق تلعب دور الحاجز "الطبقي"، والطبقية نفسها تلعب دور المحدد التواصلي حسن درجة قربها من مجلس الملك، فالمسافة بين الملك وكل طبقة انما تدل على درجة التواصل الحاصل بين هذه الطبقة والملك.

الستارة والملك: بين سُنَّة الاحتجاب وغواية كسرها

يعد إفساد المراتب مما يعاب عليه الملك ويدل على سخفه وقلة حكمته؛ إذ إن بعض الخلفاء من بني امية كانت بينهم وبين المغنين والندماء ستارة فاصلة عليها حارس. والخلفاء الاخرون كانوا يظهرون على الندماء والمغنين بدون ستارة، حيث تكسر  الحواجز بين الطرفين، إلى الدرجة التي كان الملوك أحيانا يكشفون عن مجونهم ويظهرون عراة راقصين!

وفي عهد العباسيين، فإن أبا جعفر المنصور لم يكن يظهر لنديم قط، ولا رآه يشرب غير الماء. كان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا، وبين الستارة والندماء مثلها.

أما المهدي، فقد كان يحتجب عن الندماء في اول أمره، متشبها بالمنصور حوالي سنة. ثم ظهر لهم. فأشار عليه أبو عون بأن يحتجب عنهم، فقال: إليك عني، يا جاهل! إنما اللذة في مشاهدة السرور وفي دنوي من سرني. فأما من وراء وراء، فما خيرها ولذتها؟

ومثله كان الخليفة الأمين المخلوع الذي يقول عنه اسحق للجاحظ: "ما كان أعجب أمره كله! فأما تبذله، فما كان يبالي أين قعد، ومع من قعد [بمعنى كان يتصرف بعفوية]، وكان، لو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب، خرقها كلها، وألقاها عن وجهه، حتى يقعد حيث قعدوا. وكان من أعطى الخلق لذهب وفضة، وأنهبهم للأموال إذا طرب أو لها.

والخليفة المأمون بعد تنصيبه خليفة اقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء. ثم كان يسمع الغناء من وراء حجاب، متشبها بهارون الرشيد. فكان كذلك سبع سنين ثم ظهر للندماء والمغنين وكان يحب السماع ظاهرا بعينه.

كما أنه يحكى عن المهدي انه كان لا يجعل بينه وبين الحاشية حاجزا؛ وحجته في ذلك قوله: "ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيتهم من السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم، لجعلت لهم في ذلك حظا موفرا".  فكأن الظهور للندماء ـ بهذا المعنى ـ تغذية راجعة يكافئ بها الملك/الخليفة ندماءه مقابل جميل ما بدر منهم.

3ـ الهيئة والتواصل الملكي

من أخلاق الملوك تفردهم بهيئة تميزهم عن غيرهم من الحاشية والعامة، وهي خطاب حسي تشترك فيه الحواس لإيصال رسالة مفادها أن هذه الهيئة تمثل الملك وحده، ولا يحق لأحد إشراكه في هيئته أو التشبه به. وقد أورد الجاحظ في كتابه مواقف في غير موضع تفيد هذا الصدد:

تطيب الملك وتجمله:من أهم ما يميز هيئة الملك أنه لا يشركه أحد في طيبه ولباسه وألوانه[1] أو ما شابه ذلك؛ فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد. والخروج على هذا العرف إنما هو رسالة رمزية/ إشارة تفيد الاعتداء على حرمة الملك والخروج عن طاعته والتجبر عليه ومحاولة مزاحمته او الانقلاب عليه وتهديده في حكمه.

أمثله عن ذلك:

ابو أحيحة سعيد بن العاص: كان اذا اعتم بمكة، لم يعتم أحد بعمة ما دامت على رأسه. وهذا الحجاج بن يوسف؛ كان إذا وضع على رأسه طويلة، لم يجترئ أحد من خلق الله أن يدخل، وعلى رأسه مثلها. وهذا عبد الملك بن مروان؛ كان إذا لبس الخف الأصفر، لم يلبس أحد من الخلق خفا أصفر حتى ينزعه. وهذا ابراهيم بن المهدي، دخل على احمد بن ابي داود بن علي، وعليه مبطنة ملونة من احسن ثوب في الارض، وقد اعتم على رأسه (...) وعليه خف أصفر، وفي يده عكازة آبنوس ملوح بذهب، وفي أصبعه ياقوت تضيء يده منه. فنظر إلى هيئة ملت قلبه، وكان جسيما، فقال: يا إبراهيم! لقد جئتني في لبسة وهيئة ما تصلح إلا لواحد من الخلق. (أي للملك وحده).

4ـ لغة الملك: الإشارة والرمز

تتخذ لغة الملك أنماطا وآليات تواصلية كثيرة، غير أن أقلها استعمالا عند الملك هو النمط المنطوق، ذلك لأن الملك لا يتحدث متكلما بقدر ما يتحدث مشيرا ورامزا بالصوت والصورة وأبعد من ذلك. وفي كتاب "التاج في أخلاق الملوك"، يولي الجاحظ أهمية بالغة لتصوير هذا الجانب الاشاري الرامز في أخلاق الملوك. فإفهام القول وحصول فهمه بالإشارة والرمز في مجالس الملوك مع حرسه وحاشيته فضيلة يضرب بها المثل.

الإشارة بالبصر: (الفطنة والنباهة)

قال سعيد بن سلم الباهلي لأمير المؤمنين المأمون: لو لم أشكر الله الا على حسن ما ابلاني امير المؤمنين من قصده الي بالحديث، وإشارته إلي بطرفه.

فرد عليه الخليفة المأمون: لأن امير المؤمنين، والله، يجد عندك من حسن الإفهام إذا تحدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لم يجده عند احد فيما مضى، ولا يظن انه يجده فيما بقي.

أما الملك انوشروان فكان مسيره دائما في المقدمة لا يسايره احد من الخلق. واهل المراتب العالية من حاشيته خلف ظهره على مراتبهم. فان التفت يمينا تكون اشارة لرئيس الحرس تعني ان الملك يطلبه. وان التفت شمالا تكون اشارة للموبذ فيطلب منه احضار من اراد مسايرته.

واذا تحرك الملك للقيام يفهم الحراس والحاشية أنه عليهم أن يسبقوه،  فإن أشار إليهم بألا يبرحوا لا يقعدون حتى يتوارى عن اعينهم. فإذا خرج، يجب ان يجدهم قياما اذا نظر اليهم، واذا قعد كانوا قياما حتى ينظر اليهم الملك، والنظر اليهم وهم قيام يفيد الامر بالقعود اشارة دون اللفظ. ولا يقعدون دفعة واحدة، بل تقعد الطبقة الاولى ابتداء من رأسها حتى اخره، ثم على هذه الشاكلة الطبقة الثانية فالثالثة.

كما يجدر على من حظي بشرف مؤاكلة الملك ألا ينظر إلى الملك إذا أكل، فالنظر إليه في هذا السياق يعد احتقارا وتبذلا في الخلق.

واذا فرغ المتحدث من حديثه فليس من حقه ان يصله بحديث اخر، وان كان شبيها بالحديث الاول. حتى يرى أن الملك قد أقبل عليه بوجهه، وأصغى إلى حديثه. (...) وإن انقطع فنظر إليه، فقد أذن له في إتمامه وإعادته.

ـ أمارات ملكية تعطي الاشارة بمغادرة مجلسه:

اذا تثاءب الملك أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو كان في حال فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من حضره.

أمثلة عن اشارات الملوك ايذانا بقيام سمارهم:

كان "يستاسف" إذا دلك عينيه، قام من حضره.

(...)

كان بهرام جور اذا قال: خرم خفتار، قام سماره.

كان قباذ اذا رفع رأسه إلى السماء، قام سماره.

كان سابور اذا قال: حسبك يا انسان، قام سماره.

كان انوشروان اذا قال: قرت أعينكم، قام سماره.

كان عمر بن الخطاب اذا قال: الصلاة، قام سماه. وكان ينهى عن السمر بعد صلاة العشاء.

وكان عثمان اذا قال: العزة لله! قام سماره.

كان معاوية اذا قال: ذهب الليل! قام سماره ومن حضره.

كان عبد الملك إذا ألقى المخصرة، قام من حضره.

وكان الوليد إذا قال: أستودعكم الله، قام من حضره.

كان الهادي إذا قال: سلام عليكم! قام من حضره.

كان الرشيد إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك! قام سماره.

كان المعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل، قام من حضره.

كان الواثق اذا مس عارضيه، وتثاءب، قام سماره.

كان المأمون اذا استلقى على فراشه، قام من حضره. 

5ـ الرسالة الملكية وشروطها (سلامة القناة التواصلية)

السياق الملكي يجعل للرسالة شأنا عظيما فمكان المرسل والمتلقي يجعلها محفوفة بالتبجيل، ومن شأنها ان تسبب الهوان للمملكة إن شابها أصغر الخلل، وبالتالي فهي تستدعي الكثير من الحيطة والحذر والاهتمام.

فرسول الملك يشترط فيه الصدق وصحة البيان والعبارة، وأن يكون بصيرا بمخارج الكلام وأجوبته، مؤيدا لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة. فهو قناة تواصلية يجب ان تتفق كلماته مع كلمات الملك، التي هي أمانة في عنقه تحمله مسؤولية أمن وسلامة المملكة.

كان اردشير بن بابك يقول: "كم دم قد سفكه الرسول بغير حله! وكم من جيوش قد قتلت، وعساكر قد هزمت، وحرمة قد انتهكت، ومال قد انتهب، وعهد قد نقض بخيانة الرسول وأكاذيبه!"

الاخلال بالرسالة

يذكر الجاحظ حادثة تاريخية مفادها أن الاسكندر وجه  رسولا إلى بعض ملوك الشرق، فجاءه برسالة شك في حرف منها فقال له الاسكندر: ويلك! إن الملوك لا تخلو من مقوم مسدد، إذا مالت. وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ، بينة العبارة؛ غير أن فيها حرفا ينقضها؛ أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أم شاك فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين أنه قاله. فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظه حرفا حرفا، ويعاد إلى الملك مع رسول آخر، فيقرأ عليه ويترجم له. فلما قرئ الكتاب على الملك، فمر بذلك الحرف، أنكره فقال للمترجم: ضع [يدك] على هذا الحرف فوضعها. فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكينة، فقطع من الكتاب. وكتب إلى الاسكندر: إن رأس المملكة صحة فطرة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذ كان عن لسانه ينطق، وإلى أذنه يؤدي. وقد قطعت بسكينتي ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا.

فلما جاء الرسول بهذا إلى الاسكندر، دعا الرسول الأول، فقال: ما حملك على كلمة أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذلك كان لتقصير رآه من الموجه إليه. فقال الاسكندر: فأراك لنفسك لسعيت، لا لنا! فلما فاتك بعض ما أملت، جعلت ذلك ثأرا في الأنفس الخطيرة الرفيعة! فأمر بلسانه، فنزع من قفاه!

6ـ سيكولوجية التواصل الملكي:  لغة الجسد في الغضب والرضى

من جملة المحددات لنجاح أي عملية تواصل الدراية الكاملة بطباع المخاطب وحاله، تفاديا لحصول أي حوادث تواصلية. وهذه الدراية بحال المخاطب هي في صميم الاهتمام بسيكولوجية المخاطَب. غير أنه حينما يتعلق الأمر بالملك فإن الوضع يختلف لاختلاف السياق والمقام كليا عما سواه من المتواصلين.

وفي كتاب "التاج في أخلاق الملوك"، نلمس خصوصية سيكولوجية الملك في كل جانب من الكتاب، غير أنه يسعفنا جانب منه للحديث عن ثنائية سيكولوجية بارزة في شخصية الملك، وهي ثنائية "الغضب/ الرضى" وما يرافق ذلك من لغة الجسد؛ ومثال على هذا:

مصالحة هارون الرشيد لأحد حاشيته بعد أن غضب عليه والذي كان هو عبد الله بن مالك الخزاعي: حين ارسل محمد بن ابراهيم الهاشمي ليتوسط له في امره مع الخليفة ويعتذر له. فلما سمع الخليفة كلام محمد بن ابراهيم «أطرق الرشيد مليا مفكرا؛ وجعل محمد يلحظه، ووجهه يسفر ويشرق حتى زال ما وجده. وكان قد حال لونه حين دخل عليه؛ ثم رفع رأسه فقال: أحسبه صادقا، يا محمد؛ فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه، يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فانصرف محمد إلى عبد الله، فبشره بجميل أمره، وأمره بالركوب رواحا، فدخلا جميعا؛ فلما بصر عبد الله بالرشيد، انحرف نحو القبلة، فخر ساجدا، ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد، فدنا وعيناه تهملان. فأكب عليه، فقبل رجليه وبساطه وموطئ قدميه، ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر، إذ عرفت عذرك. قال: فكان عبد الله، بعد، إذ دخل على الرشيد، رأى فيه بعض الإعراض والانقباض. فشكا ذلك إلى محمد بن إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله يشكو أثرا باقيا من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين، ويسأل الزيادة في بسطه له. فقال الرشيد:

يا محمد! إنا معشر الملوك، إذا غضبنا على أحد من بطانتنا، ثم رضينا عنه بعد ذلك، بقي لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار»!

 كاميليا الورداني - باحثة من المغرب

..................

الهوامش:

[1]ـ قديما في أوروبا كان اللون البنفسجي ـ مثلا ـ حكرا على الملوك، وكان لا يجرؤ أحد على ارتداء ثوب باللون البنفسجي، وإلا يكون مصيره الموت المؤكد. وإلى يومنا يمكن أن نجد ضمن طرق تسويق المنتوجات الفاخرة أن يتم إضفاء اللون البنفسجي على ملصق الدعاية لمجوهرات أو أغلفة عطور أو أثاث...إلخ.

 

محمود محمد عليأما إذا ما انتقلنا إلى الفصل التاسع وهو بعنوان " تعريب التعليم العالي"، وهنا يذهب الدكتور القاسمي إلى أنه من أسباب عدم استتباب الأمن الاجتماعي والسلم الداخلي في البلاد، أية بلاد كانت، وجود انفصام بين الشعب والحكومة، أو بين المثقف وصاحب القرار ـ وبين المثقفين في وطننا العربي، فصناع القرار وأصحابه يعتقدون مخلصين أن شعوبهم لا تستطيع أن تمتلك ناصية العلم والتقانة ما لم تستعمل " لغة العلم " نفسها في التعليم، ومن هذا المنطلق برزت قضية تعريب التعليم في مصر في نهاية القرن التاسع عشر عندما تعرضت مصر لهجمة استعمارية استهدفت طمس الهوية المصرية وذلك بإحلال لغته الإنجليزية محل اللغة العربية، فقد كانت لغة التعليم في مصر في ذلك الوقت هي اللغة العربية في جميع مراحله .. ابتدائى .. ثانوي .. عالي، فقد استمر التعليم الطبي بقصر العيني سبعين عاماً عربياً منذ إنشاء كلية الطب في 1827م و حتى 1897م حين صدر قرار كرومر بتحويل التعليم فى مصر إنجليزيا لغة ومنهاجا .

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن أسباب استعمال اللغة الاجنبية في التعليم العالي، وذكر منها: عدم استيعاب اللغة العربية العلوم والتقنيات، وقلة المراجع العربية، وأن المصطلحات العلمية والتقنية المتوفرة باللغة العربية ليست موحدة على صعيد الوطن العربي، وأن غالبية أساتذة التعليم العالي تلقوا علومهم من جامعات أجنبية، وأمور كثيرة أخري (59).

وبعد ذلك أكد الدكتور القاسمي بأن المثقفين وأصحاب الخبرة والاختصاص في اللسانيات والتربية وقضايا التنمية يختلفون في الرأي مع الساسة وصناع القرار حول قضية تعريب التعليم العالي، فهم مجمعون على أن من مصلحة الأمة العربية تعريب التعليم بجميع مراحله وجميع تخصصاته (60).

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن الدواعي التي تجعل اللسانيين والجامعيين والمختصين يصرون على ضرروه استعمال اللغة العربية في تدريس العلوم والتقنيات وفي البحث العلمي وعندما ندقق النظر في دراساتهم، نقف علي عدة اعتبارات منها: الاعتبارات القومية، والاعتبارات السياسية، والاعتبارات النفسية، والاعتبارات التربوية والعلمية، والاعتبارات الاقتصادية والتنموية والاعتبارات الثقافية (61).

وبعد ذلك يعطينا الدكتور القاسمي مناقشة لأهم مسوغات استعمال اللغة الأجنبية، حيث يوضح لنا كيف أصبح تعلٌم لغة أجنبية في مجال العمل الحديث من أهم المتطلبات لدى أصحاب الشركات والمؤسسات العالمية، خاصة عندما تكون منطوقة على مستوى عالمي سواء لمتحادثيها الأصليين أو كلغة ثانية للبعض الآخر، وهنا تظهر اللغة (الإنجليزية أو الفرنسية) الأكثر استخداماً في العالم في مجال علم الطب، حيث استطاعت هذه اللغة المرنة والشاملة لمعظم المصطلحات الخاصة في مجال علم الطب أن تكون اللغة الأولى بلا منازع في مجال العمل الحديث، وهنا يخلص الدكتور القاسمي من هذا الفصل إلى أن جميع الدلائل العلمية المستقاه من تجارب الأمم الأخرى، وخبرات مفكرينا وأساتذتنا في التعليم العالي، تشير إلى أن الجامعات العربية لا تستطيع أن تقوم بدورها القيادي في التنمية البشرية ما لم يجر إصلاحها في أهدافها وبنيتها ومناهجها وطريقة تسييرها، وما لم نعرب التعليم العلمي والتقني فيها، وينبغي التأكيد هنا على أن الدعوة للتعريب لا تعني بأي شكل من الأشكال إهمال اللغات الأجنبية أو التقليل من شأنها (62).

وننتقل للفصل العاشر وعنوانه " الترجمة وأثرها في التفاعل الثقافي "، وفي هذا الفصل يحاول الدكتور القاسمي أن يبين لنا كيف تبني الترجمة جسوراً بين الجماعات البشرية المختلفة، فتيسر التواصل والتفاعل بينها، سواء أكان هذا التفاعل اقتصاديا،ً أو ثقافيا،ً أو اجتماعياً. فالترجمة هي البوابة التي تعبر منها الذات إلى الآخر، أو يقتحم الآخر الذات، كما تعمل الترجمة على تيسير التنمية البشرية، فهي حاضرة دوماً في التبادل التجاري، وإشاعة المعرفة العلمية، ونقل التكنولوجيا أو استنباتها وتوطينها، وغيرها من العمليات الضرورية للاستفادة من علوم الآخر وتقنياته في تحقيق التنمية الهادفة إلى ترقية حياة الإنسان. (63).

ولعل أثر الترجمة أشدّ ما يكون وضوحاً في التفاعل الثقافي. فهي تكمن كما يقول المؤلف في منظومة المفاهيم الثقافية مثل التبادل الثقافي، والمثاقفة، والتغلغل الثقافي، والإفراغ الثقافي، والغزو الثقافي، والاستلاب، والانفتاح على الآخر، والانغلاق على الذات، والعولمة، إلخ. باعتبار أن الترجمة هي السفينة التي تنقل الحمولات الثقافية المتنوعة من مرفئ إلى آخر (64).

ولكي يكون التفاعل الثقافي مع الآخر فاعلاً ومؤثراً ومنتجاً، ينبغي لنا كما يقول المؤلف أن نعرف الذات بالإضافة إلى معرفتنا للآخر. وإذا كانت الترجمة تساعدنا على معرفة الآخر عن طريق نقل فكره إلينا، فإنها تساعدنا أيضاً على إدراك الذات بطريقتين متكاملتين. الأولى، تقوم الترجمة بتسليط الضوء على الآخر لنتعرّف عليه، وتعرُّفنا عليه يساعدنا على معرفة أنفسنا، لأننا لا يمكننا أن ندرك الذات ما لم نعرف الآخر، فبالآخر يتحدد الأنا. والثانية، هي أن ندرك ذاتنا عن طريق إدراك الآخر لنا. وتقوم الترجمة بنقل تصورات الآخر عنا إلينا. وبعبارة أخرى، فإن معرفة الذات يتم بالتقاط صورتين متكاملتين: صورة ذاتية نلتقطها نحن لذاتنا، وصورة غيرية يلتقطها الآخر لنا. ومن خلال المقارنة بين الصورتين يزداد إدراكنا لذاتنا وضوحاً. ولهذا كثيراً ما يقرأ المثقفون العرب بعض نصوص الثقافة العربية وهم يقارنونها بنصوص الآخر. فيقارنون بين حي بن يقظان لابن طفيل وجزيرة الكنز لروبنسن كروزو، وبين رسالة الغفران لأبي العلاء المعري والكوميديا الآلهية لدانتي، والمنقذ من الضلال للغزالي ونظرية الشك لديكارت، وهكذا. (65).

ثم ينتقل المؤلف عقب ذلك للحديث عن أثر الترجمة في الثقافة المنقول إليها، حيث يقول:" تعمل الترجمة على إحداث نهضة ثقافية واقتصادية. فعندما تقوم الترجمة بنقل مفاهيم ثقافة من الثقافات وعلومها وتقنياتها إلى ثقافة أخرى فإنها تهيئ الأرضية لتلاقح الثقافة المتلقية بغيرها ومن ثم نموها وازدهارها وغناها. ولذلك يلاحظ الباحثون تناسباً طردياً بين التقدم الحضاري وكمية الترجمة. فالبلدان التي تترجم أكثر هي التي تحقق تقدّما أكبر، وأن أغنى عصور الفكر هي تلك التي تزدهر فيها الترجمة وتتوسع. وأن اللغة العالمية هي ليست تلك اللغة التي يتكّلمها أكبر عدد من الناس، بل هي تلك اللغة التي تُرجم إليها أكبر عدد من الأعمال من مختلف اللغات.(66).

ويستطرد الكاتب فيقول:" تعلّمُنا دروس التاريخ أن الترجمة كانت وما تزال الوسيلة الأساسية في التفاعل الثقافي مع الآخر واكتساب المعرفة منه، وهي قاعدة انطلاق النهضات الحضارية الكبرى. فعندما سيطر البابليون بقيادة ملكهم حمورابي حوالي عام 1750 ق.م. على بلاد سومر، وجدوا أن للسومريين ثقافة تفوق ما لديهم بكثير، فالسومريون هم الذين ابتدعوا الكتابة المسمارية، وفتحوا المدارس، واخترعوا العجلة، وابتكروا المحراث، وقسّموا الزمن إلى وحدات، وسنوا القوانين والتشريعات. فراح البابليون يعلّمون أولادهم العلوم السومرية. ولكي يساعدوهم على استيعابها بلغتها السومرية، حرروا لهم قوائم بالرموز السومرية ومقابلاتها البابلية. فكانت هذه القوائم بدايات المعاجم الثنائية اللغة التي ظلت حتى يومنا هذا أداة رئيسية من أدوات الترجمة (67) .

ولا يتوقف أثر الترجمة في التفاعل الثقافي في نظر المؤلف عند إثراء الثقافة المتلقية بمعارف الآخر وعلومه، وإنما يمتد كما يقول المؤلف كذلك إلى تطوير اللغة المتلقية ذاتها. فالترجمة ليست نقلاً بسيطاً للنص، أو مرآة عاكسة له، أو استنساخاً محضاً لمضمونه، وإنما هي إعادة إنتاجٍ للنص وتجديده وتحويله وتطويره حسب قدرات المترجم، لأنها ترتبط بفهم المترجم للنص وتأويله له وتطويعه اللغة المتلقية لاستيعاب مفاهيم النص ودلالاته. فالترجمة عملية حوار بين المؤلف الذي أنتج النص الأصلي وبين المترجم الذي يعيد إنتاجه على الرغم من بُعد الشقة الزمانية أو المكانية بينهما. والترجمة كذلك عملية حوار بين لغتين بالإضافة إلى كونها حواراً بين ثقافتين. ويؤدي كل حوّار فعّال إلى تغيير وتبديل وتعديل في مواقف المتحاورين. ولهذا ينتج عن حوار الترجمة بين لغتين، تغيير في مفاهيم اللغة المنقول منها، وتطوير اللغة المنقول إليها، في مفرداتها وتراكيبها ودلالاتها وأساليبها، بالإضافة إلى استيعابها لمفاهيم جديدة. (68).

وحول أثر الترجمة في الثقافة المنقول منها فيقول المؤلف:" لا تقتصر فائدة الترجمة على إثراء الثقافة المتلقية وإنما تمتد كذلك إلى خدمة الثقافة التي نُقلت منها النصوص. فالترجمة تَهَبُ النصَّ الأصلي وجهاً جديداً وتمنحه حياة جديدة في محيط ثقافي جديد. وهكذا يصبح النقل اللغوي انتقالاً وتحولاً وتلاقحاً وتناسلاً للمفاهيم والأفكار في أفضية متجددة وعوالم متكاثرة. ولهذا فإن المترجم لا يسدي خدمة لأمته ولغته فحسب وإنما كذلك للغة التي نقل منها النص الأصلي وأهلها (69).

وإذا انتقلنا إلى أثر الترجمة في الثقافتين المنقول منها والمنقول إليها فنجد المؤلف يقول:"العلاقات بين الجماعات البشرية المختلفة إما أن تكون طبيعية يسودها التفاهم ويعمّها السلام، وهذه هي الحالة الغالبة , وإما أن تتأزم تلك العلاقات بسبب اختلاف المصالح والمطامح ونزعة الناس العدوانية فيتأزم الوضع ويحتد الخلاف وتنشأ النزاعات المسلحة والحروب. وفي كلتا الحالتين تقوم الترجمة بدور الوسيط بين الجماعات المختلفة. ففي حالة السلم تسعى الجماعات لمعرفة الآخر ومقارنته بالذات، والإفادة مما لديه من معارف وعلوم وتقنيات، وهنا تقوم الترجمة بنقل المفاهيم والأفكار من ثقافة إلى أخرى، كما أسلفنا. (70) .

ويخلص الدكتور القاسمي إلى استنتاج وتوصيات فيقول:"الحضارة العالمية حصيلة جهد إنساني مشترك، أسهمت فيه جميع الشعوب، واضطلعت فيه الترجمة بدور الوسيط الفاعل المؤثر في التعارف والتعاون بين مختلف الجماعات البشرية، وتخصيب معارفها وتلاقحها. فبالترجمة تمكّنت الأفكار من التحليق في عوالم جديدة وكُتب لها البقاء والانتشار والنماء. وبالترجمة استطاعت شعوب كثيرة أن تواكب تطور المعرفة وتقف على عتبة الحداثة، وتحقق تقدّمها ورفاهيتها. وبالترجمة نقدر أن نعرف الآخر وندرك الذات ونقيم حواراً بناء ينهي التنازع ويؤسس سلاماً ينعم فيه الجميع، ولكن ينبغي التنبيه إلى أن قدرة الترجمة على تحقيق التفاعل الثقافي المنشود يتوقف على كميتها ونوعيتها وانتقائيتها وغائيتها، وعلى رغبة المجتمع في الانفتاح على الآخر والإفادة منه وإرادة قياداته في التغيير والتطوير. وهذا ما يجعل الترجمة من أهم بنود السياسة اللغوية للأمة وإستراتيجياتها الثقافية والتنموية. وكثيراً ما تبقى الترجمة مجرد كتابات معزولة لا تؤطرها منظومة فكرية فتعجز عن بلوغ المراد.(71) ؛ وعلاوة على ذلك، فإن الترجمة الجيدة لا تحقق التفاعل الثقافي بطريقة متساوية وتلقائية، وإنما قد ينتج عنها تغلغل ثقافي في اتجاه واحد، لأن الثقافة المُنتِجة تكون أبعد أثراً في الثقافة المُستهلكة. وثقافتنا العربية في الوقت الراهن هي ثقافة مستهلكة، ولا أثر يُذكر للترجمة، من العربية إلى اللغات الأوربية، في الفكر الغربي المعاصر. (72) .

وفي الفصل الحادي عشر وعنوانه " الترجمة وتنمية المفاهيم والمصطلحات "، حيث يناقش الدكتور القاسمي في هذا الفصل عدة قضايا منها: أهداف الترجمة والترجمة وسيلة اتصال بالدول الأجنبية، والترجمة وسيلة للاقتباس من النهضة الأوربية، والترجمة وسيطة بين الإدارة الاستعمارية والأهالي، والترجمة وسيلة لتعريب التعليم والإدارة،، والترجمة أداة التواصل في العمل الدولي (73)، والعوامل المؤثرة في تنمية الترجمة (74)، وفي هذا الفصل توصلنا الدكتور القاسمي إلي أنه لكي تقوم الترجمة بدورها الحقيقي الفاعل لا بد من توفير عدة مقترحات نذكر منها مثلا: تعميم استعمال اللغة العربية في مختلف مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، واضطلاع منظمة عربية قومية للترجمة بالعمل وفق استراتيجية شاملة للترجمة في الوطن العربي، وتأسيس منظمات وطنية للترجمة في كل قطر من أقطار المغرب العربي .. الح (75).

وننتقل للباب الثالث وهو بعنوان " المصطلح العملي العربي"، وهو يستمل علي الفصل رقم 12، 13، 14، 15 وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل الثاني عشر ليتحدث عن مشكلات المصطلح العملي العربي، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: أسباب النقص في المصطلحات العملية العربية (76)، ومنهجية وضع المصطلحات بين الاقتراض والتوليد (77)، ومشكلات المصطلح العلمي العربي (78).. وفي الفصل الثالث عشر وعنوانه المصطلح التراثي العربي بين الإهمال والإعمال، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: عوامل ثراء التراث المصطلحي العربي (79)، ومصادر المصطلحات التراثية (80)، وكيفية وضع المصطلحات العربية الجديدة (81)، وسبب إهمال التراث المصطلحي (82).. وأما الفصل الرابع عشر فعنوانه " توحيد المصطلح العملي العربي، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها:دور المصطلح الموجد في التعريب، وازدواجية المصطلح العملي العربي (83)، ومنهجية وضع المصطلح العلمي العربي (84)، والكفاية للمصطلحات الموحدة (85)، والدور الحضاري للمصطلح العملي العربي الموحد (86).. ثم يأتي الفصل الخامس عشر بعنوان المجامع اللغوية في البلاد العربية، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: تاريخ المجامع (87)، والمجامع العربية الحديثة (88)، واتحاد المجامع العربية (89).

وإما ما دلفنا نحو الباب الرابع وعنوانه" المصطلحية: علم المصطلح وصناعة المصطلح، وهو يستمل علي الفصل رقم 16، 17، 18 وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل السادس عشر ليتحدث عن المصطلحية: علم المصطلح وصناعة المصطلح ، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: نشوء علم المصطلح الحديث (90)، وتعريف علم المصطلح ونطاقه (91)، والمدارس الفكرية المعاصرة في علم المصطلح (92)، والنظرية العامة والنظرية الخاصة في علم المصطلح (93)، ومركز البحوث في النظرية العامة لعلم المصطلح (94)، وتدريس المصطلحية في الجامعات (95).. وفي الفصل السابع عشر وعنوانه:" العلاقة بين علم المصطلح ونظرية الترجمة، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: هل الترجمة فن أم علم ؟ (96)، ونظريات الترجمة بين علم اللغة وعلم الاتصال (97)، والمعني بين المصطلحي والمترجم (98). وفي الفصل الثامن عشر، وعنوانه التقييس والتنميط والتوحيد في علم المصطلح، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: أهمية التقييس (99)، ونشأة المنظمة العالمية للتقييس، وخصائص المصطلح الموحد (100).

وننتقل للباب الخامس وهو بعنوان " العناصر المنطقية والوجودية في علم المصطلح "، وهو يستمل علي الفصل رقم 19، وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل التاسع عشر، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: علم المصطلح في نظر المنطق (101)، علم المصطلح في نظر اللسانيات (102).

وأما الباب الذي يليه وهو الباب السادس وعنوانه " العناصر اللسانية في علم المصطلح"، وهو يشتمل علي الفصل رقم 20، 21، 33، 23، 24، 25، 26، 27، وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل العشرين، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: وضع المصطلح (103)، والخلاف حول الاشتراك اللفظي (104)، ثم يأتي الفصل الحادي والعشرين وهو بعنوان وضع المصطلحات، وفيه يتحدث كاتبنا عن وضع المصطلحات (105)، وأصل المشتقات: الفعل أم المصدر، (106)، وفي الفصل الثاني والعشرين وهو بعنوان وضع المصطلحات حيث يتحدث أبا حيدر عن الإبدال (107)، وفي الفصل الثالث والعشرون وهو بعنوان " وضع المصطلحات " وفيه يتكلم أستاذنا الدكتور القاسمي عن الاقتراض اللغوي (108)، والتوليد بين الأصل والدخيل (109)، ثم يأتي الفصل الرابع والعشرين وفيه يتحدث الدكتور القاسمي عن النحت (110)، والاشتقاق والنحت (111)، وفي الفصل الذي يليه وهو بعنوان " وضع المصطلحات، وفيه يناقش أبا حيدر التركيب (112)، وفي الفصل السادس والعشرون يتحدث أبا حيدر عن اللواصق: السوابق واللواحق (113)، وفي الفصل السابع والعشرين وعنوانه " معالجة المختصرات والرموز العلمية في علم المصطلح، وفيه يتحدث المؤلف عن العلامة والإشارة والرمز (114)، وهو من أطول فصول الكتاب، ثم يختم هذا الباب بملاحق .

ويجئ الباب السابع وعنوانه " صناعة المصطلح"، وهذا الباب يشتمل علي الفصول رقم: 28، 29، 30، 31، 32، فجاء الفصل الثامن والعشرين حاملا عنوان التوثيق المصطلحي (115)، والفصل التاسع والعشرين بعنوان " بنوك المصطلحات: أسسها، وأنواعها، واستعمالاتها (116)، والفصل الثلاثون بعنوان " لسانيات المدونة الحسابية وصناعة المعجم العربي المحض (117)، والفصل الحادي والثلاثون بعنوان: صناعة المعجم التاريخي المحتضن (118)، والفصل الثاني والثلاثون بعنوان:" التعريف: أنماطه، شروطه، صعوباته، عيوبه (119).

وأخيرا وليس آخر الباب الثامن وعنوانه:" مصطلحات علم المصطلح وهو مكون من فصل واحدة شرح فيه الدكتور القاسمي ثبت تاريخي لمصطلحات علم المصطلح (120).

وفي نهاية حديثنا عن قراءة كتاب" علم المصطلح "، لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الدكتور علي القاسمي، ذلك المفكر اللغوي الموسوعي الناجح الذي عرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط

..............................

هوامش:

59-علي القاسمي: علم المصطلح، ص 152-153.

60-المصدر نفسه، ص 154.

61- المصدر نفسه، ص 155-162.

62- المصدر نفسه، ص 168.

63- المصدر نفسه، ص 175.

64- المصدر نفسه، ص 176.

65- المصدر نفسه، ص 177.

66- المصدر نفسه، ص 178.

67- المصدر نفسه، ص 169.

68- المصدر نفسه، ص 170.

69- المصدر نفسه، ص 177.

70- المصدر نفسه، ص 179.

71- المصدر نفسه، ص 183.

72- المصدر نفسه، ص 184.

73- المصدر نفسه، ص 193-211.

74- المصدر نفسه، ص 212.

75- المصدر نفسه، ص ص 215-216.

76- المصدر نفسه، ص ص 227 -228.

77- المصدر نفسه، ص ص 228-229.

78- المصدر نفسه، ص ص229-240.

79- المصدر نفسه، ص ص241-244

80- المصدر نفسه، ص ص 244- 250.

81- المصدر نفسه، ص ص251-252.

82- المصدر نفسه، ص ص 252-255.

83- المصدر نفسه، ص ص 269-270.

84- المصدر نفسه، ص ص 270-274.

85- المصدر نفسه، ص ص 273-277.

86- المصدر نفسه، ص ص 277-278.

87- المصدر نفسه، ص 279.

88- المصدر نفسه، ص ص 281-293.

89- المصدر نفسه، ص ص 294-395.

90- المصدر نفسه، ص ص 305-307.

91- المصدر نفسه، ص ص 307-309.

92- المصدر نفسه، ص ص 309-311.

93- المصدر نفسه، ص ص 311-312.

94- المصدر نفسه، ص ص 312-315.

95- المصدر نفسه، ص ص 315-317.

96- المصدر نفسه، ص ص 333-334.

97- المصدر نفسه، ص ص 334-337.

98- المصدر نفسه، ص ص 338-340.

99- المصدر نفسه، ص ص 344-345.

100- المصدر نفسه، ص ص 345-350.

101- المصدر نفسه، ص ص 358- 361.

102- المصدر نفسه، ص ص 361-388.

103- المصدر نفسه، ص ص 393-396.

104- المصدر نفسه، ص ص 403-411.

105- المصدر نفسه، ص ص415-420.

106- المصدر نفسه، ص ص 420-443.

107- المصدر نفسه، ص ص 447-449.

108- المصدر نفسه، ص ص 500-452.

109- المصدر نفسه، ص ص 452-464.

110- المصدر نفسه، ص ص 465-474.

111- المصدر نفسه، ص ص 474-483.

112- المصدر نفسه، ص ص 487-497.

113- المصدر نفسه، ص 511.

114- المصدر نفسه، ص ص 511-598.

115- المصدر نفسه، ص ص 625-651.

116- المصدر نفسه، ص ص 659-597.

117- المصدر نفسه، ص ص 700- 742.

118- المصدر نفسه، ص ص 753-781.

119- المصدر نفسه، ص ص 787-806.

120- المصدر نفسه، ص ص 809-849.

 

3393 دين سبينوزاعادة اعتُبر سبينوزا خصما للدين. لكن الكاتبة كلير كارلايل بدلا من ذلك، تعرضهُ في كتابها متحديا للتصورات الشائعة عن الدين ومقدّما دينه الخاص. ولكي نضع الكتاب في السياق، وبالعودة الى بدايات الـ 2000، اصبح التسفيه وتقريع الدين هو النغمة السائدة في الانترنيت. عدد قليل من الكتاب البارزين حاولوا القيام بشيء جديد في جمع المعلومات عن أعمال أصلية لنصوص علمانية: كريستوفر هيتشنز كتب الملحد المحمول (2007)، بينما انتوني غرايلنج انتج الكتاب الجيد (2011). كلا الكتابين تضمنا كلمات سبينوزا.

صورة سبينوزا كشخصية غير متدينة او معارضا للدين، ليست نتاجا للجهل. لا احد يعرف عن سبينوزا اكثر من ستيفن نادلر، الذي يفتتح كتاب جديد عنه يصف فيه الدين كوباء لـ اللاعقلانية: "كل يوم بلايين الناس يخصصون وقتا طويلا لعبادة كائن خيالي"(نادلر، 2020). هو يستمر بعرض افكار سبينوزا كعلاج. بالطبع، اعتقد سبينوزا بنوع من الاله، ولكن، كما سنناقش ادناه، يجادل نادلر انه لم يكن ملحدا بأي معنى.

ولكن ماذا يجب ان نتعلّم من سبينوزا؟ كتاب سبينوزا الفلسفي النادر سُمي الأخلاق Ethics، لذا من الطبيعي لاولئك الذين يقرأونه كغير متدين ان يجدوا فيه مرشداً للاخلاق الالحادية. نادلر ينهي بخلاصة لـ "الطريقة الصحيحة للعيش" كما يتصورها سبينوزا . هذه تبدو "حياة نشطة من الاستقلالية، الفضيلة، والقوة"لـ "الرغبة المسترشدة بالعقل والمعرفة وليس بالعواطف اللاعقلانية" نحو عمل ما هو أفضل لك وللاخرين، وليس فقط لأجل ما يبدو كخير او كمصدر طارئ للمتعة" (نادلر، 2020، ص202). هذا يبدو معقولا جدا. ولكن معقول ايضا ان يثير القلق: هل نحتاج لقراءة سبينوزا لأجل هذا؟ هذه القراءة لسبينوزا تبدو كأنها تقلّص تأثيره فقط في إبلاغ العلمانيين الطبيعيين والمعتدلين المعقولين - وهم الاغلبية ضمن الفلسفة الاكاديمية – ما يعرفونه سلفا في النظرية ان لم تكن في التطبيق.

مع ذلك، هناك طرق اخرى لقراءة سبينوزا، يتحدّانا فيها كثيرا . كتاب الكاتبة يقع في هذا الصنف. بالنسبة لها يبقى سبينوزا راديكاليا الى الابد كتحدّي للدوغما العلمانية المعاصرة وكذلك للديانة الحديثة المبكرة. سبينوزا لديه شيء يقوله لنا لا يُحتمل ان نعرفه سلفا.

معظم الباحثين الذين يرفضون قراءة سبينوزا كعدو بسيط للدين لا يرفضون كثيرا مواصفات فكر سبينوزا كتأطير ثنائي لما يتضمنه من سؤال : الدين – لأجل وضد؟ الآن، مع كتاب كلير كارلايل لدينا موقف طُرح بالكامل ضد هذا التأطير. هي تبدأ: "باروخ سبينوزا لم يمتلك دينا – على الاقل بالمعنى المألوف للكلمة". وفي ضوء هذا، هي تعترف ان، "عنوان هذا الكتاب يحتوي على مفارقة، وربما بعض الاثارة". عنوان كتابها يكشف اطروحتها بان سبينوزا فعلا يمتلك دينا، لكنه دين خارج المعنى المألوف للكلمة. واكثر من هذا، فكره يبيّن ما هو خاطئ في ذلك المعنى المألوف: "دين سبينوزا يجبرنا لإعادة التفكير في مفهوم الدين ذاته". معظم التعارضات الثنائية في ما نفكر فيه من دين اليوم – الدين مقابل العلم، مقابل العلمانية، مقابل الحداثة، مقابل العقلانية، هي نتاج لنوع من الحداثة السائدة اثناء حياة سبينوزا. سبينوزا يقدّم لنا ليس فقط مفهوما مختلفا للدين وانما "حداثة بديلة".

الادّعاء الرئيسي للكاتبة هو انه، بدلا من محو الافكار الدينية التقليدية – الخلق الالهي، خلود الروح وغيرها، من الصورة العلمية الحديثة، فان سبينوزا يعيد تفسيرها بطريقة لاتناسب أي من الاصناف الدينية او العلمانية. ما يؤسسه في (الاخلاق) هو ثيولوجيا فلسفية بالمعنى الواسع. افكاره محكومة بمبدأ ثيولوجي اساسي بانه "مهما يكن الكائن، فهو في الله"(الاخلاق، 1، ص15). الكتاب بمجمله هو كشف لمعنى هذا المبدأ وارتباطه بافكار اخرى لسبينوزا. العديد من هذه الافكار مثل السعادة التامة او الغبطة beatitude، الحياة الخالدة، حب الله، كانت بوضوح ذات اهمية مركزية لدى سبينوزا. مع ذلك، في الدراسات الاكاديمية الحديثة هي كانت عادة اما متجاهلة او اختُزلت الى مبادئ اكثر انسجاما مع الطبيعية العلمانية.

مشروع الكاتبة ايضا يستلزم استكشاف لعلاقات سبينوزا مع المسيحية، تعرض فيه حججا "لوضع الاخلاق ضمن الاصل اللاتيني للفكر المسيحي". من الغريب ان لا نرى هناك اهتمام كبير بين الاكاديميين في التأثيرات المسيحية على سبينوزا، الذي هو يشير دائما ليسوع ليس بالاسم وانما كـ المسيح. هذا لا يعني القول ان سبينوزا كان مسيحيا، ولا يقلل من أهمية التقاليد اليهودية التي نشأ بها – وهو العامل الذي حظي بدراسة تامة . لابد من ملاحظة ان كتاباته تحتوي على الكثير من الافكار والموضوعات المسيحية، والكاتبة من بين القلائل من الباحثين غير الراغبين بتجاهل تلك الموضوعات او التقليل من أهميتها.

الفصل الاول، حول موضوع عبادة سبينوزا، يبدأ بمواصفات ببيير بايل لسبينوزا. فمن جهة، بايل رفض اسبينوزا كملحد. ومن جهة اخرى، هو وجد في كتاباته "صدى لتعاليم دينية مختلفة: فارسية "صوفية" وكابلية، وبعض المعتقدات الهندية القديمة، والممارسات التأملية للطائفة الصينية التي تسمى foe kiao، التي وُجدت في نفس الوقت الذي ظهرت فيه المسيحية ". بايل يركز على هذه الطائفة الأخيرة، التي سعت كما يظن نحو مثال "الهدوء والسلام"، حيث يؤمن افرادها : انه بعد وصول الانسان لحالة الهدوء، هو ربما يتّبع ظاهريا المسار العادي للحياة، بينما يعلّم الآخرين العقيدة المقبولة. انه فقط داخليا وبخصوصية تامة يجب ان يمارس التمرين التأملي للسعادة التامة.

ورغم ان الكاتبة لم تذكر عقيدة الـ، "فوي كايا" لكن هذه العقيدة هي تحوير للكلمة الصينية للبوذية، التي "وجدت في نفس وقت المسيحية" وتعكس العقيدة الشائعة عن وصول البوذية الى الصين (مينارد، 2011). ان كلمة غبطة التي يستعملها بايل لوصف "التمرين التأملي" للبوذية والتي استُعملت من جانب سبينوزا في الجزء الأخير من الاخلاق ليعرّف خيره النهائي: "الحب الفكري لله" (5 ص 26)، هي ايضا وُصفت كحالة من "اخضاع الروح". بايل، يصف وبشكل فعال سبينوزا كنوع من الانسان البوذي، والكاتبة تستمر في هذا الفصل لتستكشف الطرق التي يمكن بها رؤية مشروعه الفلسفي كنوع من الممارسة الروحية، الساعية نحو سلام داخلي في ضوء الحقيقة.

الفصل الثاني يبدأ بتحليل صارم لكتاب سبينوزا الاخلاق، محددة شكله ذو الطابع الهيكلي، المعماري: انه يشبه الكريستال المنحوت بشكل رائع قُطع من الداخل كما في الخارج، يفضي الى غرف ودهاليز هائلة مترابطة وعدد ضخم من الاسطح غير الملونة بُنيت بدقة وجرى تلميعها ببراعة. هي تجد في قلب البناء مجموعة من "افتراضات عليا" super propositions: تلك الافتراضات التي استشهد بها سبينوزا اكثر من عشر مرات في اثبات افتراضات اخرى. احدى تلك الافتراضات هو المبدأ المركزي المذكور اعلاه في فصل 1 ص15: "مهما يكن الكائن، الكائن هو الله، ولا شيء يمكن تصوره بدون الله".

الفصل الثالث يوضح كيف ان " الوجود في الله" هو المبدأ الاساسي في فكر سبينوزا" (ص56) لاسيما ان الاطروحة الكلية للكاتبة هي حول دين سبينوزا. هذا هو الفصل الأصعب في الكتاب. فكرة "الوجود في الله" هو موضوع هائل لفصل قصير، وتعاملْ الكاتبة معه، مع انه رائع لكنه مضغوط جدا. الكاتبة وفي اكثر مما في الفصول الاخرى، تدخل احيانا في لغة ثيولوجية يصارع الفلاسفة في شق طريقهم فيها. من الواضح انه مثير جدا . الكاتبة تقترح ان سبينوزا يطور "الوجود في الله" كهدف معياري normative goal – شيء ما يجب ان نكافح بجد نحوه – وايضا كحقيقة ايجابية "الحقيقة الاساسية والمباشرة حول اي شيء والتي تعني ان أي شيء هو في الله(56).

الهدف المعياري تُرك للفصلين الرابع والخامس. لكن لنبقى في الفصل الثالث، لنرى ما معنى "في" في الادّعاء بان كل شيء هو في الله؟ كلمة "في" هنا لا تعني كجزء، طالما ان سبينوزا واضحا بان الله ليس له أجزاء (في الملاحظات الهامشية عن "الافتراضات العليا" في الاخلاق ص 15). الكاتبة تكرر عدة مرات الادّعاء الملفت باننا" يجب ان نكون مستعدين لفهم "الوجود في" لنعبّر عن كل من الاختلاف والهوية"(ص59-64). لهذا وكما وُجد ايضا لدى الاكويني – سبينوزا يقترح بان كل الاشياء مشابهة لله، مع انها ايضا مختلفة عنه. هذا يعني ان قراءة الكاتبة تجعل سبينوزا يرفض عدم التمييز بين المتشابهات – وهو الشيء الذي وُجد في مكان اخر في كتاباته طبقا لجون موريسون (موريسون 2017).

الكاتبة تذهب بالضد من غالبية مفسري سبينوزا في رفض قراءة عبارته الشهيرة "الله هو الطبيعة"Deus sive Nature باعتبارها تتضمن هوية صارمة بين الله والطبيعة. هي تلاحظ كيف ان هذه الهوية المقترحة حرّضت بعض القراء مثل نادلر على اختزال موقف سبينوزا الى طبيعية ملحدة متنكرة: هناك فقط العالم الطبيعي، سمي بسوء فهم بـ "Deus". الكاتبة تبني موقفا نصيا مبررا ضد هذا. ادون كيرلي اوضح بان استخدام سبينوزا لـ "sive" اكثر تعقيدا مما يُفترض عادة (سبينوزا 2016، 2، ص610-612). بالنسبة لها، العلاقة بين الله والعالم الطبيعي، المعبّرعنها في عبارة سبينوزا الشهيرة، هي ليست تعبير عن هوية صارمة وانما هجين متناقض من الهوية واختلاف عبّر عنه بـ "الوجود في". العديد من القراء الذين يرون سبينوزا كعقلاني كبير لا يؤمنون بفكرة ان مثل هذه المفاهيم المتناقضة قد تظهر في تفكيره، لكنهم ربما يعتبرون ان افكارهم عن "العقلاني" هي ربما بحاجة الى توسيع.

الفصول الثلاثة الاخرى للكاتبة تنظر الى الوجود في الله كهدف معياري. مع ان الوجود في الله كلي الوجود، لكنه يمكن ان يأتي في درجات. نحن علينا ان نكافح بجد في الوجود في الله بأكبر قدر ممكن. الفصل الرابع يبدأ باقتباس من اوغسطين : "قلوبنا هي في حالة اضطراب حتى تستقر في "الله"(79). نفس المشاعر ينقلها سبينوزا، الذي يرى ان الروح تذهب باتجاه مغاير عبر الاضطرابات الذهنية والتقلبات – موجات في البحر مندفعة برياح معاكسة، كما هو يصفها في مكان من (الاخلاق 3 ص59) – حتى تجد "مكانا للاستقرار تشكّل بفعل الوجود في الله"(79). ما يمنعنا من ايجاد هذا السلام الباطني هو متابعة أهداف خارجية لأنفسنا. لكي نجد الراحة عبر الوجود في الله هو ان نحقق درجة من الذات التامة المتعة من جانب الله: لكي نجد ذلك"هدفنا لايكمن خارج نشاطنا، حياتنا، وجودنا، وانما ضمنه"(88). مثل fung yulan (fung 1997، فصل10)، يمكن ان نرى هنا ارتباطا بين "الإذعان" السبينوزي والمفهوم الدايوستي عن فعل تلقائي لأجله هو وليس لأجل متابعة اهداف خارجية. الفصلان السابع والثامن ينشغلان بالكثير من الافكار الدينية لدى سبينوزا. حب الله والحياة الأبدية. مرة اخرى. الكاتبة يبدو تنصح بنوع من الممارسة الروحية نحو هدف غير مألوف مقارنة بمحاولة ان نكون معقولين في رغباتنا ونعمل ما هو فعلا يحقق أفضل مصلحة لنا.

الفصل التاسع يعود لسؤال دين سبينوزا و"الحداثة البديلة" التي يقدمها لنا. الكاتبة تقترح بان مفهوم سبينوزا للدين، خلافا لما ورثناه من الحداثة، هو "لا مذهب ولا عقيدة، لا طائفة ولا كنيسة"(183). وانما "هو الفضيلة" – فضيلة ان تكون موجّه نحو الوجود في الله. وبهذا، انها يمكن ان تستوعب "التنوع الديني الذي يطبع الان المدن الحديثة، المدارس والجامعات" بينما ايضا يقاوم "امراض الحداثة: الثنائية، العدمية، التطوعية، المادية الاختزالية، الذاتية"(183). بكلمة اخرى، انها تستطيع ان تقدم للعلمانيين بعض مما يريدون وكذلك اولئك الساعين لأجل التقاليد الدينية . نبقى بحاجة لنرى ما اذا كان ذلك كافيا لأي منهم.

في ختام الكتاب، تلخص الكاتبة ببراعة مساهمتها للدراسة السبينوزية: "تصوّر سبينوزا لله كأرضية انطولوجية لا يضمن فقط فهم الوجود، وانما ايضا يوفر مكان راحة للرغبة"(188). دارسو سبينوزاكانوا يصارعون بمشقة لإيجاد معنى لتبنّي سبينوزا للمفهوم الاول – فهم الوجود. ميخائيل ديلا روس طور تفسيرا هاما لسبينوزا بموجبه يكون الوجود مفهوما (ديلا روس 2008). لكن المفهوم الثاني – مكان الراحة للرغبة او الحالة النهائية للغبطة التي كان سبينوزا يواجه صعوبة لكشفها كامكانية للباحثين الروحانيين – هذا نال القليل من الاهتمام. ربما هذا بسبب انه يهدد الصورة المهيمنة لسبينوزا. كلمة غبطة لها ميراث محدد جدا في ما تسميه الكاتبة "الأصل اللاتيني للفكر المسيحي": الاكويني مثلا اعطى حجة قوية ضد تحقق تلك الغبطة في الحياة الفانية (الاكويني، 1894). الحجة هي انه طالما الغبطة تعني مكان الراحة النهائي للرغبة، فهي لايمكنها ترك اي شيء مرغوب، لكن الخير الذي سيزول يوما ما يترك شيء ما ليُرغب. سبينوزا تجنب هذا بعرض رؤية عن الحقيقة النهائية فيها لاتزول الاشياء ابدا . وكما تطرح الكاتبة: "كل الاشياء في هذا العالم لها حصة في خلود الله"(188). هذا بسبب ان كل الاشياء هي الله بمعنى ما - المعنى المعبّر عنه في "الوجود في الله".

لكن هذا يأخذنا بعيدا عن صورة سبينوزا كبطل للطبيعية العلمانية. العديد سوف يعارضون، لكن بالتأكيد هناك الكثير منْ يشعرون بالإثارة لاستكشاف العالم الجديد للتفسير الذي فتحته الكاتبة بالتعامل الجاد مع دين سبينوزا.

 

حاتم حميد محسن

...........................

* كتاب دين سبينوزا: قراءة جديدة في الاخلاق، صدر عن مطبوعات جامعة برينستون، عام 2021 في 288 صفحة.

 

عبد الرضا حمد جاسمورد في ص 17: [وللطرفة نقول لو كان قد عاش الوردي حتى أيامنا الحاضرة للقى حتفه على يد احدى الميليشيات او الأحزاب المتناحرة التي تؤل الأمور بحسب اهوائها و مصالحها] انتهى

أقول: الطرفة هنا هي انها صورة من صور عدم القراءة المتأنية لما تركه الراحل الوردي له الرحمة...لو كان اليوم حي بيننا لكان شخصية القرن ال21 عند "أحزاب السلطة" حيث انه الوحيد الذي طلب من أصحاب العمائم  الفتوى بأهمية الانتخابات  حيث سيقول لهم : [لقد تأخرتم في تنفيذ اقتراحي لكن ان تأتي متأخراً افضل من ان لا تأتي .اليوم نفذتم طلبي "فتسَّيدتم" بكل الوان عمائمكم] ولكان اليوم الوردي نجم الفضائيات و التحقيقات الصحفية لأنه تنبأ منذ عام 1954 بفوز أصحاب العمائم أي قبل حوالي نصف قرن... و لِوَجَدَتْ صحف هذه الأيام مثل "المدى و الزمان وغيرها" تَفْرِدْ له صفحات يومية و يخصص له يوم اسبوعي في شارع المتنبي يسمى يوم العالم الجليل علي الوردي ليقرأ للناس الطالع في ايامهم القادمة و لحجزت له القنوات الفضائية حيز يومي خاص لنبُوءات الوردي و لَذَّمَهُ  المدعو""أبو علي الشيباني"" كل يوم.. و لِتَمَ تخصيص فوج حماية  له من كل فصيل مسلح او مليشيا بما فيها فوج من البيشمركَة لتفتخر بحمايته. لو كان الوردي حياً لأصبح بمنزلة كبير وعاظ السلاطين فهو من اوصلهم الى الحكم بدعوته لتطبيق الديمقراطية اللبنانية التي نسخها نسخاً قل نظيره في عدم التفكير و التحليل و التفسير ولم يعتذر عن ذلك الاستنساخ وتلك الدعوة حتى بعد ان حضر الحرب الاهلية اللبنانية ونتائجها في السبعينات و الثمانينات من قرن الوردي... فهو القائل في اخر مقطع له من كتابه المهم : [ دراسة في طبيعة المجتمع العراقي] /1965 أي آخر صفحة وآخر خمسة أسطر من الكتاب أي في ص415 وتحت عنوان: [الخلاصة] التي تعني خلاصة كل جهود الوردي له الرحمة من اول محاضرة له عن شخصية الفرد العراقي عام 1951 الى اخر اصدار وقتها عام 1965 حيث كتب التالي: [إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي اخر باستثناء لبنان وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق ان يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار فهل من يسمع؟!] انتهى

وكان قد مهد لهذا القول بما كتبه في (وعاظ السلاطين) / 1954 ص 108(لو كنتُ من أرباب العمائم لأفتيت في اعتبار التصويت واجباً دينياً و لجعلت التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر...أنني اعرض هذا الرأي على رجال الدين واتحداهم ان يقبلوه او يحققوه) انتهى.

ان أرباب العمائم اليوم يقولون للراحل الوردي ومحبيه التالي: [تركنا اقتراحك وتحَّديك نصف قرن ونحن ندرسه ونرتب حالنا عليه وفيه وعندما سنحت الفرصة تقدمنا لتنفيذ اقتراحك وقبلنا تحديك ونشكرك على تنبيهك لنا ونعتذر عن تأخر التنفيذ لأن في التأخير خير لم تفكر به ولم تعتذر عنه ولم تسحب تحديك الذي ينم عن عدم فهم بالمجتمع العراقي من شخص قيل عنه ويُقال وسيُقال انه عالم اجتماع شغل الدنيا ورمى حجراً في بركة العقول والنفوس التي اغلبها كان راكداً رغم الحراك العنيف سياسياً على السطح وفي بعض الأعماق التي كان السابقون منهم ربما يعرفون غاطسها واحتمالات نتائجها. هذا التحدي كان يمكن ان يصدر من شخص ليس من هذا المجتمع بل من عالَمْ/ عالِمْ اخر بعيد عن المجتمع العراقي وعن علم الاجتماع...هذا التحدي الذي يؤكد عدم فهم الراحل الوردي لتجاهلنا له وتحديه لنا وخوفنا من توابع الإفتاء بخصوصه وقتها.. لكن اليوم وبعد الإلحاح "افتينا به" لنبين للدكتور علي الوردي اننا أكثر معرفةً بمجتمعنا منه]. 

واليوم الجميع عتب ويعتب على أرباب العمائم وذَّمهم ويذمهم وكفَّرهم ويكفرهم على تدخلهم في الانتخابات ولا أحد يتطرق الى طرح الوردي الذي تلقفه بريمر الذي سمعه من بعض ممن اُطلق عليهم ""أقطاب المعارضة العراقية"" من الذين قرأوا الوردي دون تدقيق او انتباه او رَويَّة وصفقوا لقوله هذا كما يصفق له البعض ممن يحملون "الألقاب العلمية"" اليوم او من الذين دخلوا خانة: ،،النخبة،، المفكرين،،الأساتذة"" وهي منهم براء.

هذه الانتكاسة العلمية للوردي والتي تُجسد انتكاسته أمام وعاظ السلاطين يجب ان تدفع محبيه  الى مراجعة ما قرأوا للراحل الوردي وترك الرجل يرتاح في عالمه الجديد والكف عن تأليهه وأرجو منهم ان يرحموا الرجل و يعتبرونه فقط انسان مجتهد أصاب و أخطأ تقدم وتراجع مدح وذم وليس متفرد يحتاج ان يحميه العالم بإقامة صومعة له على القمر او المريخ كما كتب احد الأساتذة المؤلفين لهذا الكتاب وهو الأستاذ محمد علي محيي الدين في مساهمته التي كانت بعنوان: [ خواطر مع الدكتور علي الوردي] حيث كتب ما يفوق ما كتبه الأستاذ/ة كاتب/ة التقديم  وفاق كل ما كُتِبَ و من كَتَبَ عن الراحل الوردي له الرحمة و الذكر العطر الدائم حيث ذكر في ص55 من هذا الكتاب التالي الذي يفوق الخيال: [ولو عاش الوردي هذه الأيام و اُفسِحَ له المجال بما تهيأ من وسائل حديثة للنشر لا تحدها رقابة و لا يصدها منع لكان في أفكاره ما يؤدي الى تفجير قنبلة تثير الدنيا ولا تقعدها الى يوم يبعثون، و احتاج العالم في تأمين حمايته لبناء صومعة على سطح القمر او المريخ خشية على حياته من الناقمين والمخالفين لما في أفكاره من التطرف المنهجي الذي يناقض الكثير من المسلمات التي تصالح عليها الآخرين واعتمدوها بديهيات لا تقبل النقض و التأويل] انتهى

انا هنا اسأل الأستاذ محمد علي محيي الدين هل ما يُطرح اليوم في الفضائيات و الصحف و المقالات أقل مما قاله الوردي سابقاً؟ هل يمكن ان يُقارن ما يُطرح اليوم مع ما طرحه الوردي؟

 أتمنى الكف عن تصديع الأجيال بقولكم ان الوردي دعا الى الديمقراطية. ف"الديمقراطية" التي تناسب وقتها وقت طرح الوردي لها كانت قائمة بهذا الشكل او ذاك خلال الحقبة الملكية وكان يمكن ان تتطور ويلف النسيان دعوة الوردي لتموت في وقتها. 

ثم ماذا كان ينتظر الراحل الوردي من تدخل أصحاب العمائم في الانتخابات غير تهييج الطائفية التي كانت ساكنة و شق المدن و البلدات التي كانت متصالحة نوعما، بين هذا المعمم وذاك المعمم كما حصل ويحصل اليوم. 

التركيز في نقد النموذج الديمقراطي الذي طرحه الوردي ضروري لأنه اول من نادى به بوضوح ولأنه المُطَّبَقْ اليوم ولأنه جاء وفق دس السم بالعسل

 اليوم في العراق ولأنه تسبب بما تسبب به للعراق ولأن نغمته تطرب الأغلبية وفق "على دكَ الطبل خُفَنْ يرجلية"...و لخطورته وقت طرحه وهو الوقت الذي يصفه او يعبر عنه كاتب/ة التقديم/ المقدمة بالتالي: [واتذكر بان الشباب اليافع في الستينات (16 ـ 20) عام وكنت صغيرا استمع لاحاديثهم منبهرا وانصب في جوهره على سجالات تلك الفترة المحتدمة بالانتقالات من الوداعة للجذرية (الراديكالية) والدعة الى (العنتريات) بما يعني اثره العميق في حركة الوعي للعقود التي تلت الحرب العالمية الثانية........] ويُكمل في ص16: [واقر هنا باني لم التقي مثل هذا الارتقاء الحواري في كل الأجيال التي تبعتها ولا سيما في سنوات المسخ والهدم...ألخ].

فبدل ان يقترح الوردي نظام ديمقراطي من تجربته الامريكية مع مكارثيتها أو من الديمقراطية البريطانية التي عاش فيها اشْهُرْ يتعلم اللغة الانكَليزية والتي تبين انه لا يحتاج الى تعلمها لإلمامه التام بها كما بين أحد الأساتذة الكرام مشكوراً في تعليق له بتفسيرات وتوضيحات مقنعة جداً...عاد الراحل الوردي ليؤكد على التجربة اللبنانية الشاذة بعد سنوات من مغادرته بيروت.

لو قُرئ الوردي بتأني وعمق ودقة وبالذات من بعض المساهمين في هذا الكتاب من الأساتذة لتعثروا بعيوب ما كتب و لوقفوا يمدحون ويشكرون وينتقدون ولا يصفقون ويرددون فقط.

العيوب ليست غريبة عن كل مكتوب حتى مكتوبكم هذا لكن عدم السؤال عنها و الإشارة اليها من قبل من قرأ أو يقرأ هو الغريب و الأغرب انكم لليوم لا تسألون انفسكم عنها فهناك من العيوب في هذا الكتاب يعجز الانسان عن تبريرها.

هل قرأ احدنا ان الوردي سؤل يوماً عن موضوع (المهنة من المهانة) او موضوع (المطر من البخار) او موضوع (العار و لا النار) أو (النار و لا العار) أو موضوع (الديمقراطية في العراق) او موقفه مِن ( مَن جد وجد...) أو (محاربته العقل) في وسط الكثير من المتعلمين فيه وقتها لا يميزون بين العقل و العلم واغلبهم يطرحون: (ان الله شافوه بالعين لو بالعقل)؟ او (قوله المشين عن العائلة الهاشمية) رغم الخلاف حول دورها و ما جرى حيث كتب التالي: في ص9من كتاب الاحلام الذي صدر عام 1959 أي بعد ثورة/انقلاب 14تموز1958 المباركة/ المبارك وما حصل للعائلة المالكة والنظام الملكي في العراق...كتبَ:[فقد كان ابن حجر حين ألف كتابه يعيش في الحجاز تحت وطأة الاسرة الهاشمية التي وقعنا نحن أيضا تحت وطأتها في المدة الأخيرة وعانينا من ظلمها و تسفلها ما عانينا] انتهى

والله لو كانت العائلة المالكة كما وصفها الوردي لما استطاع ان يخرج كراسة واحدة وليس كتاب...هل هذا قول انسان يمكن ان نقول عنه انه عالم اجتماع حيث شمل عائلة عربية عريقة عميقة في التاريخ بأنها سافلة لا لسبب إلا لأنه أراد التملق للوضع السياسي الذي كان بعد 1958 وبالذات عام 1959 عام صدور كتاب الاحلام...ثم تقوم تلك العائلة بتطبيبه في آخر أيامه على حسابها الخاص او بأمر من كبيرها وقتها!!!!...هل تَذَّكر الوردي قوله عن تسفلها وقت ذاك؟ انا أقول كلا وهذا ديدنه كما أتصور.

...نترك مناقشة البعض له عن اللغة العربية و الشعر""... هل ناقشه أحد عن التزييف و التحريف و الأخطاء و التناقضات التي تغص بها كتبه التي أصدرها قبل و بعد انقلاب/ثورة 14تموز1958 المبارك/ة.

الراحل الوردي تكلم عن مجتمع لا يعرفه ولم يعش فيه معايشة قريبة لأنه كما قيل عنه انه غير اجتماعي وكتب في علم لم يبرع به و الدليل انه اتهم مجتمع متنوع لا رابط بين تنوعاته بانه مزدوج و اعتمد في ذلك على اقوال السقطة و السفلة و الشقاوات.

من قرأ الوردي قرأه لبراعة الوردي في اختيار عناوين الكتب التي نشرها و إلا محتواها واحد لا يتعدى كراسة (شخصية الفرد العراقي)/1951 وكراسة (الاخلاق)/1967 وقرأه البعض منبهراً بالاصطلاحات والعبارات التي لم تُطرح قبل الوردي بهذه الكثافة وقرأه البعض الآخر للحكايات التي أّلفها ولحنها مع تحريفاتها.

اليكم نموذج عن تأثر الوردي بأقوال العامة و الشقاوات نقلها لنا محب للورد هو السيد محمد عيسى الخاقاني في كتابه: [مئة عام مع الوردي] حيث ذكر في ص147 التالي: [قال العمري "ويقصد موفق العمري" ان الوردي تناول والدي في احد كتبه في العهد الملكي مما حز في نفسي فقال الوردي نعم واني نقلت ما يقوله الناس عنه ووالد الأستاذ موفق هو رئيس وزراء العراق في العهد الملكي مصطفى محمود العمري مواليد 1894 ـ 1960....ثم أضاف الخاقاني: [يبدو ان الوردي كان قد كتب نقلا عن بعض الأشخاص ان وزير الداخلية كان مرتشياً وقد حملها العمري في قلبه على الوردي وحاول لسنين ان يجد مستمسك ضد الوردي في اتهامه له الا ان الوردي خذله في كل اتهاماته....الخ] انتهى

يعني اصبح السيد مصطفى العمري مرتشي عند عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي لأن أحدهم قال للوردي انه مرتشي والغريب انه جهر بها ونشرها في كتبه دون وازع من ضمير او دون ان يتحقق منها. هذا نموذج لبعض كتابات الوردي و كانت ولا تزال فضيحة كتاب المطر من البخار لا يمكن سترها وهي ايضاً مصدرها انه سمع ان هناك كتاب بهذا العنوان!!!

المشكلة الكبرى ان شريحة واسعة من مثقفي هذا الزمان ساروا ويسيرون على خطى الراحل الوردي في هذا الجانب  وجانب عدم الدقة وعدم الاهتمام وعدم الحرص ومنهم بعض الأساتذة من الذين ساهموا في تأليف هذا الكتاب.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

محمود محمد عليفي الفصل الثاني من هذا الكتاب الذي بين أيدينا يحدثنا الدكتور القاسمي عن أصل اللغة، وكيف يمثل موضوع بحث ونقاش ونقاش منذ قرون وإلى الآن الآراء غير متفقة حول الأصل الفعلي أو عمره، فانعدام الدليل الواضح والمباشر سبب صعوبة دراسة هذا الموضوع، حيث يستحيل العثور على اللغات في شكل أحافير كما هو حال الأشياء الملموسة الأخرى، وبناءً على ذلك يجب على كل من ينوي دراسة أصل اللغة أن يستخلص الاستنتاجات من أنواع أخرى من الأدلة كسجل الأحافير والأدلة الأثرية وأيضا من التنوع اللغوي المعاصر ومن دراسات اكتساب اللغة أو المقارنات بين لغات البشر ونظم التواصل بين الحيوانات، خصوصاً الرئيسيات. ولكن ثمة اتفاق عام في نظر الدكتور القاسمي وهو أن أصل اللغة متصل بشكل قوي بأصل سلوك الإنسان الحديث، والاتفاق بسيط حول الآثار المباشرة بشأن هذا الصدد (19) .

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن أصل اللغة في التراث العربي الإسلامي، حيث قام الفلاسفة، والأصوليّون، والمُتكلِّمون، واللغويّون بالبحث حول أصول اللغة، ومن الآراء التي طرحوها في ذلك ما يأتي: اللغة توقيفية: وتكون اللغة توقيفيّةً إمّا بالتلقين، أو بالإلهام وقد قال بهذه النظرية ابن فارس في الصاحبي وغيره، ودليل هؤلاء دليل نقلي لا عقلي، وهو قوله تعالى : " وعلّم آدم الأسماء كلها " . (20)، واللغة اصطلاح أي أن اللغة ابتدعت بالتواضع والاتفاق، ومن أنصار هذه النظرية ابن جني وغيره، وليس لهذه النظرية دليل، غير أنهم يشيرون إلى أن كل شيء لا يرتجل ارتجالا بل يتكون بالتدرج والاتفاق  (21)، واللغة محاكاة لأصوات الطبيعة وذلك لكونها نشأت نتيجةً لتطوُّر الانفعالات البشريّة بشكل طبيعيّ مع الأصوات الحيوانيّة، والطبيعيّة، وقد استخدمَ الإنسان في بداية نشأته الإشارات، والحركات في التعبير، ثمّ طوَّر وسائل التعبير حتى استطاع الوصول إلى النُّطق، والكتابة؛ وبالتالي فإنّ تطوُّر اللغة يرتبط بتطوُّر الكائن الحيّ (22). ثم انتقل أبا حيدر بعد ذلك للحديث عن أصل اللغة في الدراسات الغربية الحديثة خلال القرن التاسع عشر، حيث تحدث الدكتور القاسمي عن تحدث بإفاضة عن نظرية الباو  واو وتهب إلى أن أصل اللغة محاكاة أصوات الطبيعة، كأصوات الحيوان وأصوات مظاهر الطبيعة، والتي تحدثها الأفعال عند وقوعها (23)، ونظرية البوه بوه وتذهب إلى أن اللغة الإنسانية بدأت في صورة تعجبية عاطفية، صدرت عن الإنسان بصورة غريزية للتعبير عن انفعالاته من فرح أو وجع أو حزن أو استغراب  (24)، ونظرية الدينغ دونغ وخلاصتها أنّ الإنسان مزوّد بفطرته بالقدرة على صوغ الألفاظ الكاملة، وهو مطبوع على الرّغبة في التّعبير عن أغراضه بأية وسيلة من الوسائل، غير أنّ القدرة على النّطق بالألفاظ لا تظهر آثارها إلّا عند الـحاجة أو في الوقت الـمناسب (25)، ونظرية الغوغو وملخصها أن اللغة الإنسانية بـدأت بالمقـاطع الطبيعية التي يتفـوه بهـا الإنـسان عفويـا، عنـدما يـستعمل أعـضاء جـسمه فـي العمـل اليـدوي، كمـا نسمع إذا وقفنا بقرب رجل يحمل ثقلا أو حداد يعمل (26) .

وبعد ذلك انتقل المؤلف للحديث عن أصل اللغة في القرن العشرين من خلال حديثة عن نظرية أصل اللغة تطور لغة الطفل (27)، ونظرية جورج تريكر والذي خص موضوع أصل اللغة بفقرة عن المادة، وأكد في بدايتها جهل علماء اللغة بأصلها، وعدم اتفاقهم على الفرضيات الموجودة، وتقدم هو نفسه بافتراض يشارك فيه القائلين بالتطور اللغوي على غرار نظرية النشوء والارتقاء لدارون (28)، ونظرية هوكت وآشر واللذان ينطلقان من نظرية التطور، ويتخذانها أساسا لنظريتهما في التطور اللغوي (29)، ونظرية كورباليس كما تجسدت في كتابه " من اليد إلى الفم : أصول اللغة، والذي بسط فيه فرضيته عن تطور لغة الإنسان، وهي لا تختلف من حيث الأساس، عن فرضيات الدارونيين، إلا في زعمه أن لغة الإنسان الأول كانت تعتمد على إشارات كثيرة وأصوات قليلة، وبمرور الزمن وبنمو مخ الإنسان وتطور جهازه الصوتي، ازدادت كمية الأصوات وقل عدد الإشارات (30)، وأخيرا يعقب الدكتور القاسمي علي نظريات تطور اللغة برأيه الشخصي فيقول :" إن هذه النظريات هي مجرد فرضيات تستند إلى الخيال، لأنها لا تعتمد على سند علمي تاريخي ؛ فالتاريخ الذي يوصف بالعلمي هو التاريخ الذي يقوم على مستندات مدونة وما عداه من دراسات تعتمد علي تحليل طبقات الأرض أو قشور جذوع الأشجار أو رسوم كهوف الإنسان القديم أو الجماجم والهياكل العظيمة، فهي دراسات شبه علمية، ولما كانت الكتابة قد اخترعت قبل بضعة آلاف من السنين فقط وأن الكلام سابق على الكتابة بملايين السنين، فإنه من الصعب الاستناد على وثائق مكتوبة حول تطور اللغة، ولهذا تسمي العصور التي سبقت الكتابة بعصور ما قبل التاريخ، فالتاريخ يبدأ مع وجود اللغة، ومع ذلك، فإننا نؤمن بأن التقدم العملي سيتمكن في المستقبل من التوصل إلى معرفة علمية بشأن أصل لغة الإنسان وتطورها، وسيكون الطريق إلى ذلك، في تصورنا، من خلال الكلام نفسه، فقد ثبت علميا أن الأصوات لا تموت، وإنما تبقي معلقة في الهواء، وفي طبقات الجو المختلفة، وقد تمكنت التكنولوجيا الحديثة من اختراع أجهزة تستطيع استجلاب تلك الأصوات من طبقات الجو والاستماع إليها،وقد تكون هذه التقنية هي التي ستزودنا في المستقبل بوسيلة لوضع نظرية علمية من أصل لغة الإنسان وتطورها (31). وقبل أن ينهي الدكتور القاسمي هذا الفصل نجده بلحقه بسؤال مهم وضروري وهو : هل البشرية من سلالة لغوية واحدة؟ .. وهنا يجينا المؤلف بالنفي فيقول :" .. ومن يتأمل أقوال كبار المستشرقين، عن ولادة اللغة العربية مكتملة وأنها لم تعرف طفولة ولا شيخوخة وأنها أقدم من أي تاريخ، قد يميل إلى قبول أن لغة الإنسان الأولى توقيف " (32).

وفي الفصل الثالث من هذا الكتاب وهو بعنوان " لغة الإنسان ولغة الحيوان"، وهنا نجد المؤلف يبدأ هذا الفصل فيتساءل : هل للحيوان لغة؟ .. نظر المؤلف هناك معضلة تتمثل في أن اللغة كنسق من الرموز والإشارات في نظر البعض خاصية إنسانية فقط ولا تتعدى إلى باقي الكائنات الأخرى، ومن ثم تعد اللغة خاصة بالإنسان فقط دون غيره من الكائنات فهي منتوج ثقافي وفكري تميز هوية الإنسان عن غيره من الكائنات أما لغة الحيوان فلن ترقى أن تكون لغة فهي مجرد ردود أفعال انفعالية غرائزية تهدف إلى حفظ البقاء وما يؤكد ذلك هو أن اللغة ليست ذات طابع مادي فقط يعني أنها ليست مجرد اصوات تصدر لتوفر شروط مادية كالحنجرة والشفتين واللسان بل تطلب وجود العقل أي الطابع الذهني وهو الوعي؛  إلا أن البعض الآخر أكد أنها لا ترتبط بالإنسان فقط بل عالم الحيوان، فللحيوان لغة يعبر بها عن حاجياته الضرورية ويتواصل بها مع غيره،وهناك دلائل عديدة تؤكد ذلك منها التجارب التي قام بها العلماء على الحيوان، حيث تبين لهم قيام الحيوانات بسلوكيات معينة وإصدار اصوات للتعبير عن الحاجة .. وينهي الدكتور القاسمي هذا الجدال إلى أنه بالفعل أن اللغة كظاهرة حيوية مرتبطة بالإنسان لكن الواقع يؤكد أن للحيوان لغة يتواصل بها ولها القدرة على إصدار اصوات وكلمات (33).

وجاء الفصل الرابع بعنوان " وظائف اللغة "، حيث بين المؤلف أن وظيفة اللغة الأساسية هي: التعبير عن الاحاسيس وتبليغ الافكار من المتكلم الى المخاطب فهي بهذا الاعتبار وسيلة للتفاهم بين البشر وأداة لا غنى عنها للتعامل بها في حياتهم.. ويمكن تخليص وظائف اللغة على النحو الاتي:-

1-الوظيفه الفكرية:-إن الانسان يمتاز عن سائر الحيوانات بالفكر والقدرة على التصور والتخيل والتحليل والتركيب، واللغة في الحقيقة لا غنى للإنسان عنها فهي الوسيلة لإبراز الفكر من حيز الكتمان الى حيز التصريح. وهي أيضا عماد التفكير الصامت والتأمل ولولاها لما استطاع الانسان أن يسير نحو الحقائق حينما يسلط عليها أضواء فكره (34).

2-الوظيفة الاجتماعية:-أنً اللغة تبلور الخبرات البشرية وتجارب الامم في كلام مفهوم يمكن ان يستفيد منه الاخرون،وتدون التراث الثقافي (35).

3-الوظيفة النفسية: فاللغة خير وسيلة للتحليل فبواسطتها يستطيع الفرد أن يحلل اية فكرة الى أجزائها،فإذا سألك شخص عن وصف حادثة شهدتها فإنك ستجيب عن الأسئلة الاتيه: ماذا وقع؟ ومن هو الشخص الذي وقع له الحادث؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وما هي الظروف المرافقة للحادث وملابساته ونتائجه؟ (36)، وأما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان " اللغة العامة واللغة الخاصة : خصائص اللغة العلمية"، وفي هذا الفصل يبين لنا أبا حيدر بأن مفهوم اللغة الخاصة يرتبط بالاستعمال اللغوي الخاص بمجال علمي أو تقني أو فني، وأن اللغات الخاصة تتكون من مجموعة من العناصر اللسانية التي تبرز في مقامات معينة إبان التواصل بين المتخصصين في نفس المجال. لذلك فإن ارتباط وحدة معجمية بمجال تقني معين يحدده استعمالها في سياق تواصلي ذو طبيعة تقنية؛ ومن ثم فإن لغات التخصص لا تشكل لغات منعزلة ما دامت تستعمل الموارد اللسانية للغات المشتركة (37) ؛ ثم يعقد المؤلف في هذا الفصل مقارنة بين النص الأدبي والنص العلمي، ويميز الأخير بأنه يتميز بالموضوعية، والدقة، والبساطة والوضوح، والإيجاز (38)، كذلك يناقش المؤلف في هذا الفصل أهم الاعتراضات على معيارية اللغة، فيقول: " وعلى الرغم من وجاهة هذه الاعتراضات، فإن القارئ الذي يطالع نصين، أحدهما أدبي، والآخر علمي، يلحظ وجود فروق بينهما على المستويات اللفظية والتركيبية والدلالية والأسلوبية (40).

وفي الفصل السادس والذي عنوانه " في ألفاظ الحضارة"، وفي هذا الفصل يطرح علينا الدكتور القاسمي مسألة ألفاظ الحضارة أو ألفاظ الحياة اليومية والتي يلتبس الأمر علينا إزائها، فلا ندري إذا كانت هذه ألفاظ عامة فنتركها للغويين، أم هي ألفاظ خاصة يتوجب علينا التعامل معها ومعرفة مفاهيمها وتحديد مواقع هذه المفاهيم في منظوماتها المفهومية، وهذا يتطلب معرفة مفهوم الحضارة نفسها، وهو أمرّ يسبب صداعا أليما حتى للمختصين بالفلسفة وعلم الاجتماع (41)، وفي غمرة الحيرة التي تلف المصطلحيين، يقع بين أيديهم معجم وضعه مجمع اللغة العربية بعنوان (معجم ألفاظ الحضارة ومصطلحات الفنون)، فيسرون به كثيرا لأن مكونات هذا المعجم ستحدد لهم مكونات الحضارة، فلا يحتاجون إلى تعريفها، وسيعرفون الكل عن طريق الاطلاع مسميات أجزائه. وهكذا يستعرضون هذا المعجم فيجدون أنها تتألف من قسمين: القسم الأول، ويشتمل على أسماء، أما القسم الثاني من المعجم فيتألف من ألفاظ الفنون التشكيلية ومصطلحاتها (42)، ومما يطمئن المصطلحيين إلى أن المكونات المذكورة هي المقصود من الحضارة أن مجمعا لغويا عربيا آخر يسعى إلى وضع معجم لألفاظ الحضارة (43)، ثم يتطرق أيضا المؤلف في هذا الفصل للحديث عن  أهداف توحيد ألفاظ الحضارة، حيث يتساءل المصطلحي عن الهدف من وضع مقابل صحيح لألفاظ الحضارة؛ فيجد الجواب في كتابات المرحوم محمود تيمور الذي كان له الفضل في طرح الموضوع على مجمع اللغة العربية في القاهرة، إذ يقول: " إن السعي إلى وضع مقابل صحيح لألفاظ الحضارة أو الحياة العامة ليس مقصودا به فرض ذلك على أفواه العامة في البيوت والأسواق، ولكن نقصد به إسعاف الأقلام الكاتبة بما يسد حاجة التعبير من ألفاظ فصاح لمسميات حضارة شاملة…" وحول سؤال هل المصطلحات الإدارية والاقتصادية من ألفاظ الحضارة؟.. ويجيبنا المؤلف بأنه إذا كانت الغاية من توحيد ألفاظ الحضارة تمكين وحدة اللغة العربية وبالتالي تيسير التواصل بين أبناء الأمة العربية وإرساء الأسس اللغوية لوحدتها، فإن من أكثر ألفاظ الحضارة شيوعا بين الناس أسماء النقود والمؤسسات الإدارية والتربوية، ففي العراق يتعامل الناس بالدينار والفلس، وفي السعودية بالريال والهللة، وفي مصر بالجنيه والمليم، وفي المغرب بالدرهم والسنتيم. وفي الأردن نجد في المؤسسات الإدارية المتصرف والقائم قام، وفي مصر المحافظ والعمدة، وفي المغرب الوالي والعامل. وفي العراق يذهب الأطفال إلى المدرسة فيدخلون الصف، أما في مصر فيدخلون الفصل، وأما في المغرب فيدخلون القسم، وهكذا دواليك (44)، وحول توحيد ألفاظ الحضارة في اللغة العربية يقدم لنا المؤلف ثلاثة ملاحق : الأول ويدور حول مجالات ألفاظ الحياة العامة التي حددها مجمع الغة العربية الأردني (45)، والثاني : حقول "معجم الحضارة الحديثة" للمجمع العملي العراقي (46)، والثالث : بيان من مجمع اللغة العربية الأردني عن معجم ألفاظ الحياة العامة في الأردن (47).

وجاء الفصل السابع بعنوان " تخطيط السياسة اللغوية ومكانة المصطلح العملي فيها"، وفي هذا الفصل يؤكد المؤلف بأن :" المجتمعات المعاصرة المتطورة قد أولت تنمية اللغة القومية وتخطيط السياسة اللغوية اهتماما بالغا وعناية خاصة، فشجعت البحوث المتعلقة بها وأقامت المؤسسات المسؤولة عنهما، ونما نتيجة لذلك علم جديد مشترك بين علوم الاجتماع والسياسة واللغة يسمي بـ " علم اللغة الاجتماعي "، موضوعه التنوع اللغوي في المجتمع الواحد وغايته تخطيط السياسة اللغوية بطريقة موضوعية ووسائل منهجية (48) والسياسة اللغوية في نظر الدكتور القاسمي تتمثل في مجمل الخيارات الواعية المتخذة في مجال العلاقات بين اللغة والحياة الاجتماعية، وبالأخص بين اللغة والحياة في الوطن (49)، ثم يؤكد المؤلف بأنه قد واكبت ظهور مصطلح السياسة اللغوية مصطلحات أخرى يشوش بعضها على بعض، وعلى رأسها مصطلح التخطيط اللغوي الأكثر استعمالا اليوم (50)، كذلك في هذا الفصل يناقش المؤلف عدة محاور منها : غياب استراتيجية لغوية (51)، والمقومات السياسية اللغوية الحكيمة ويحددها كالتالي : تعميم استعمال اللغة القومية، ونشر اللغة العربية في العالم، وتعلم اللغات الأجنبية، والترجمة إلى اللغة العربية ومنها، وتنمية اللغات الوطنية، وتوحيد المصطلحات العلمية والتقنية العربية (52)، ويخلص في هذا الفصل إلى نتيجة مهمة وهي كما يقول :" إن الأماني القومية للأمة العربية، والتحديات الجسيمة التي تمتلكها، تتطلب وجود استراتيجية شاملة متكاملة لجوانب السياسة اللغوية المختلفة، يتولي القيام بها جهاز متخصص في جامعة الدول العربية، ويتضافر على وضعها نخبة من علماء السياسة والاقتصاد واللغة والاجتماع، وتحظى بدعم الدول العربية وقبولها والتزامها بها، بنية صادقة مدركة، لتسهم هذه الاستراتيجية اللغوية بصورة فاعلة مؤثرة في تغيير الأوضاع وتطويرها باتجاه التنمية البشرية الشاملة (53).

وننتقل للباب الثاني وهو بعنوان "التعريب والترجمة"، ويضم هذا الفصل ثلاثة فصول : الثامن والتاسع والعاشر ، وفيما يخص الفصل الثامن والذي جاء بعنوان : التعريب : دلالته وضرورته، وفي مقدمته يقول المؤلف :" يتفق الفلاسفة وعلماء الدلالة على عدم وجود رابطة حتمية أو مادية أزلية بين الدال والمدلول، أو بين اللفظ ومعناه، وإنما يكتسب اللفظ معناه من تواضع جماعة الناطقين عليه واستعماله . وقد يغير اللفظ الواحد معناه أو يكتسب عدة معان إضافية بمرور الزمن من جراء الاستعمال، ويستطيع الباحث أن يستخلص معني اللفظ أو معانيه من استقراء الاستعمال، أي من دراسة النصوص المكتوبة أو المنطوقة التي يرد فيها ذلك اللفظ (54)، وبعد استقراء الاستعمال اللغوي الحديث للفظ (التعريب)، يحاول المؤلف أن يوجد لنا أربع دلالات رئيسية للتعريب، مرتبة من الخاص إلى العام : ترجمة كلمة أجنبية إلى العربية، وترجمة نص كامل إلى العربية، واستخدام قطر كامل اللغة العربية، واستعمال العربية لغة للإدارة والتعليم (55)، ثم يتنقل المؤلف للحديث عن حال التعريب في الوطن العربي، وهنا يؤكد على حقيقة هامة وهي كما يقول:" لقد رزحت معظم البلاد العربية لقرون طويلة تحت الحكم العثماني الذي تبني في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين سياسة التتريك، ففرض اللغة التركية على المدارس الرسمية والأهلية على السواء،ودُرست  جميع الدروس بما فيها التربية الإسلامية باللغة التركية، وبعد سقوط الحكم العثماني تقاسمت الدول الاستعمارية الأوربية، بريطانية، وفرنسه، وإيطالية، البلاد العربية وفرضت لغاتها عليها في الإدارة والتعليم . ولكن الوعي الوطني المتنامي في هذه البلاد أدى إلى مكافحة الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني والعودة إلى اللغة العربية (56) ؛ ولكن هذه العودة كما يري الدكتور القاسمي إلى اللغة العربية في الإدارة والتعليم تفاوتت من بلد عربي إلى آخر تاريخا وكما وكيفا . وبصورة عامة، يمكن القول بأن أقطار المشرق العربي سبقت أقطار المغرب العربي إلى التعريب، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن الأقطار العربية في المشرق حازت على استقلالها في النصف الأول من القرن العشرين، في حين نالت الأقطار العربية في المغرب العربي استقلالها في النثف الثاني منه (57).

وثمة نقطة جديرة بالإشارة يؤكد عليها المؤلف هنا، وهو أن الاستعمار الفرنسي كان استعمارا استيطانيا في أقطار المغرب العربي، فنظر إلي تلك الأقطار، كما لو كانت جزء من فرنسا، وحاول طمس الثقافة العربية وإحلال الثقافة الفرنسية محلها بشتي الطرق ومختلف الوسائل، فحارب العربية وبذل جهودا جبارة في نشر الفرنسية وترسيخها في تلك البقاع، علاوة على أنه كانت أقطار المشرق العربي أسبق إلى النهضة التربوية الحديثة، فتوفرت لها أطر وطنية أكثر مما توفرت لأقطار المغرب العربي، فقد بدأت البعثات المصرية والسورية تتجه إلى أوربا للدراسة منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر ـ وتبع ذلك فتح المدارس والكليات على نطاق واسع (58) ... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

.............................

الهوامش:

19-علي القاسمي : علم المصطلح، ص 53.

20- المصدر نفسه، ص 54.

21- المصدر نفسه، ص 55.

22- المصدر نفسه، ص 56.

23- المصدر نفسه، ص 60.

24- المصدر نفسه،  والصفحة نفسها.

25- المصدر نفسه، ص 61.

26- المصدر نفسه، ص 62.

27- المصدر نفسه، ص 63.

28- المصدر نفسه، ص 64.

29- المصدر نفسه، ص 65.

30- المصدر نفسه، ص 66.

31- المصدر نفسه، ص 67.

32- المصدر نفسه، ص 68.

33- المصدر نفسه، ص 66-80.

34- المصدر نفسه، ص 86.

35- المصدر نفسه، ص 87.

36- المصدر نفسه، ص 88.

37- المصدر نفسه، ص ص 93-95

38- المصدر نفسه، من 96-99

39-  المصدر نفسه، ص 100.

40-المصدر نفسه، ص 104.

41- المصدر نفسه، ص 105.

42- المصدر نفسه، ص 106.

43- المصدر نفسه، ص 107-111.

44- المصدر نفسه، ص 119.

45- المصدر نفسه، ص 122.

46- المصدر نفسه، ص 129.

47- المصدر نفسه، ص 132.

49- المصدر نفسه، ص 136.

50- المصدر نفسه، ص 138.

51- المصدر نفسه، ص 139.

52- المصدر نفسه، ص ص 136- 140.

53- المصدر نفسه، ص 143.

54- المصدر نفسه، ص 145.

55- المصدر نفسه، ص 146.

56- المصدر نفسه، ص 147.

57- المصدر نفسه، ص 148.

58- المصدر نفسه، ص 149.

 

محمود محمد علي3- التعريف بالمؤلف:

في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور علي القاسمي، واحداً من كبار اللغويين العراقيين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة .

ولد علي القاسمي في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942، وهو مقيم في المملكة المغربية منذ سنة 1972، تلقى تعليمه العالي في جامعاتٍ في العراق (جامعة بغداد)، ولبنان (الجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعة بيروت العربية)، وبريطانيا (جامعة أكسفورد)، وفرنسا (جامعة السوربون)، والولايات المتحدة الأمريكية (جامعة تكساس في أوستن). وحصل على بكالوريوس (مرتبة الشرف) في الآداب، وليسانس في الحقوق، وماجستير في التربية، ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي . مارس التعليم العالي وعمل مديراً في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرباط؛ ومديراً للأمانة العامة لاتحاد جامعات العالم الإسلامي. يعمل حالياً مستشاراً لمكتب تنسيق التعريب بالرباط، وهو عضو مراسل عن العراق في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وفي مجمع اللغة العربية بدمشق، وعضو الهيئة الاستشارية للمركز الكوري للغة العربية والثقافة الإسلامية في سيول. يجيد الإنكليزية والفرنسية، ويلم بالإسبانية والألمانية.

وعلي القاسمي باحث جامعي وكاتب ومثقف متعدد الاهتمامات، له أكثر من أربعين كتاباً نُشِرت في مختلف الأقطار العربية تتناول حقوق الإنسان، والتنمية، والتعليم العالي،. كما أنه مبدع نشر عدداً من الأعمال السردية، لقيت اهتمام النقاد في المشرق والمغرب. ولعل أهم مؤلفاته هي: العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق، والنور والعتمة: إشكالية الحرية في الأدب العربي، ومعجم الاستشهادات الموسّع، وعلم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، والمعجمية العربية بين النظرية والتطبيق، والحب والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية، ودوائر الأحزان، ومفاهيم العقل العربي، ومرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة، والجامعة والتنمية، والتقنيات التربوية في تعليم العربية لغير الناطقين بها، والمعجم العربي الأساسي، وعلم اللغة وصناعة المعجم، ومختبر اللغة .. وهلم جرا.

وفي تلك الكتابات والأبحاث كان "علي القاسمي" رائداً في منهجه وبحثه، في درسه ومحاضراته، فلم يقنع في بحوثه الأدبية بما درج عليه أصحاب التراجم في التعريف بالكتاب والشعراء من الوقوف عند حياتهم وذكر بعض مؤلفاتهم. وحرص الأستاذ الأديب الكبير " علي القاسمي" علي أن يربط هؤلاء الكتاب والشعراء ببيئتهم والظروف المحيطة بهم، وهذا ربط طبيعي ومنطقي، لأن الحياة الأدبية في مجتمع ما وثيقة الصلة بالبيئة الطبيعة، والحياة السياسية والفكرية في هذا المجتمع بوجه عام. وقد توسع في هذا الربط والتحليل توسعاً كبيراً. ولاحظ بحق أن بعض التراجم قد لا يتحرون الدقة فيما ينقلون، وكثيراً ما يأخذ لاحقهم من سابقهم في غير تحقيق ولا تدقيق، وأخذ نفسه بمبدأ الشك الديكارتي؛ مثل عميد الأدب العربي الدكتور "طه حسين" الذي كان معجباً به، وحاول ما وسعه أن يطبقه في كتاباته وبحوثه، فكان يري " علي القاسمي" أن الآراء والأحكام قابلة للأخذ والرد، والتحليل والمناقشة إلي أن يقوم الدليل علي صحتها . وكم فتح شكه هذا أفقاً كانت مغمرة وأذهانا كانت مغلقة.

وعلي القاسمي كما قلت جامعي أصيل، بدأ حياته الجامعية في العراق، ثم تابع السير في لبنان ومصر وإنجلترا، وفي جامعات فرنسا؛ وبخاصة السوربون ؛ حيث تتلمذ لكبار أساتذتها المعاصرين، وأفاد من درسهم وبحثهم، وعول علي طرقهم ومناهجهم . وكان يؤمن إيماناً جازماً بالتقاليد الجامعية، وحاول ما وسعه أن يثبت أقدامها في جامعة محمد الخامس بالمغرب الناشئة في عهده واستقلال الجامعة في رأيه مبدأ أساسي، ولا حياة لجامعة ولا لتعليم جامعي بدونه.

4- أقسام الكتاب :

قبل أن أتطرق للحديث عن أقسام الكتاب، أود أن أسأل الدكتور علي القاسمي:  لماذا اختار لكتابه عنوان "" علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية "، ولم يختار له اسم "علم المصطلح والمصطلحية "، أو " علم المصطلح مبادئ وتقنيات " أو ” نظريات علم المصطلح " أو " تاريخ علم المصطلح أو " مدخل أو مقدمة إلى علم المصطلح " أو " علم المصطلح بين أسسه النظرية والعملية"، أو " النظرية العامة والنظرية الخاصة في علم المصطلح"، أو " محاضرات في علم المصطلح"، أو إشكالية علم المصطلح"، أو " قضايا في علم  المصطلح."، أو " علم المصطلح واللسانيات"، " البنية المفهومية والعملية لعلم المصطلح"، " رؤية جديدة في علم المصطلح "، أو " المرجع في علم المصطلح" ... الخ؟.

وهنا يجيبنا الدكتور القاسمي من خلال تعريفه لعلم المصطلح كما يراه ويؤمن به فيقول بأنه : الدراسة العلمية للمفاهيم وللمصطلحات التي تعبر في اللغات الخاصة، الذي سعى من خلاله الدكتور القاسمي إلى بسط تعريف دقيق للمصطلح مركّزًا على الجانب المفهوم له، ومحاولًا إبراز الفرق بين علم المصطلح وصناعة المصطلح واختار لفظ المصطلحية الذي يجمعُ علم المصطلح وصناعة المصطلح، حيث يقول :" غرض علم المصطلح هو إنتاج معاجم مختصة، وهدفه توفير المصطلحات العلمية والتقنية الدقيقة التي تيسر تبادل المعلومات، وغايته نشر المعرفة العلمية لإيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة من أجل ترقية حياة الإنسان ورفاهيته، ولهذا فإنه يعد عنصرا أساسيا من عناصر التخطيط اللغوي التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية للأمة" (5) ؛ فالقاسمي هنا  يجعل اسم علم المصطلح الذي يُعنى بالجانب النّظري وصناعة المصُطلح التي تُعنى بالجانب التّطبيق مُرادفًا للمُصطلحية كاسمٍ جامعٍ، ويجعلُ المصُطلحيّة وعلم المصطلح مُترادفين.

وهذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية عن علم المصطلح من خلال أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، بقدر ما هي مكاشفات نقدية من قبل المؤلف في الجوانب الخفية في علم المصطلح، وكذلك يعد الكتاب مراجعة لمئات المصادر والمراجع.

ولهذا كتاب" علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" عصارة  تفكير الدكتور القاسمي في علم المصطلح، ولذلك لم أهدر الفرصة وحاولت أن أغتنمها لقراءة هذا الكتاب الرائع، وذلك لما فيه خير للإنسانية في الاستفادة من بعضها بعضا. فكانت هذه القراءة التي نتناولها في أربعة أقسام : مدار القسم الأول على التقديم المادي للكتاب من خلال ثنائية البنية، والقسمين : الثاني والثالث ينصبان على أهم القضايا التي بسطها الكتاب للدرس والتأمل والحوار من خلال البنية الثنائية التحليلية والبنية الثنائية التركيبية، وفي القسم الرابع، وهو عبارة عن الانتقادات التي وجهتها للمؤلف من خلال رؤيتي الخاصة.

وفي الجانب التأسيسي النظري من هذا الكتاب تناول الكاتب منظومة من الرؤى والتصوّرات الفكرية حول  علم المصطلح، حيث يقول بأن :" دراسة المصطلحات من اختصاصات علم اللغة، إذ يتطلب توليدها معرفة بطرائق المجاز والاشتقاق والنحت والتركيب . أما نقل المصطلحات العلمية والتقنية علي شكل مختصرات ومختزلات ورموز، فإنه لا بد للباحث في علم المصطلح من التعمق في السيميائيات (علم العلامات)، ونظرا لأن عدد المصطلحات يبلغ الملايين في كل فرع من فروع المعرفة، أصبح من الضروري استخدام الحاسوب في إنشاء المدونات الحاسوبية التي تُستخلص منها المصطلحات، وفي إقامة بنوك المصطلحات لخزن المصطلحات ومعالجتها واسترجاعها، وتبادلها مع المؤسسات المصطلحية الأخرى . وهذا يتطلب إلماما لعلم الحاسوب وبعلم لسانيات المدونة الحاسوبية، وبنوك المصطلحات، وعلم التوثيق والتصنيف، وأخيرا، فإن هذه المصطلحات وتعريفاتها ومقابلاتها توضع في شكل معاجم، ورقية أو إلكترونية، أحادية اللغة أو ثنائية اللغة أو متعددة اللغة، مع تعريفاتها أو مقابلاتها أو كليهما، ومن هنا أصبحت صناعة المعجم من أدوات المصطلحي (6).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين :

الدافع الأول : نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني : واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف :" ولما لم يعد كتابي " مقدمة في علم المصطلح "، مواكبا للتطور الذي حصل في الميدان، فقد أعددت الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، لفائدة الطلاب الجامعيين الذين يرومون التخصص في هذا المجال أو الإلمام به، ولهذا يتسم أسلوبه بالبساطة والوضوح . وغذا شابه بعض الغموض فمرده توخي الإيجاز . ويضم الكتاب بعض الدراسات التي نشرتها سابقا، ودراسات أخرى استغرق إعدادها منس خمس سنوات . ولذلك حصل بعض التكرار نتيجة استقلال كل فصل من فصول الكتاب بنفسه . ولهذا التكرار فائدتان : الأولي، أن الطالب قد يحتاج في دراسته إلى فصل من فصول الكتاب فقط، فيجده متكاملا متضمنا جميع المعلومات الأساسية . والثانية، مساعدة الطالب في استيعاب المعلومات الأساسية وتذكيره بها في المكان المناسب  (7).

ولهذا انطلق المؤلف ليقسم كتابه إلى ثمانية أبواب، فجاء الباب الأول بعنوان اللغة، وهو ينقسم إلى سبعة فصول، فجاء الباب الأول منه بعنوان " طبيعة اللغة"، حيث تحدث الدكتور القاسمي عن أهمية طبيعة اللغة (8)، وأهم تلك الافتراضات الخاطئة عن تلك الطبيعة مثل : الكتابة هي الأصل، ووجود رابطة طبيعية بين الأسماء والمسميات، والاختلاف بين اللغات ينحصر في الألفاظ،، ولغات متطورة وأخرى بدائية، ولغات منطقية وأخري منطقية، ولغات جميلة وأخري قبيحة، ولغات صعبة وأخرى سهلة، واللغة غريزية (9). كذلك في هذا الفصل تحدث الدكتور القاسمي عن خصائص اللغة، وأبرزها في كونها : صوتية، واعتباطية، ونظامية، ورمزية، وكاملة (10)، ثم ألحق تلك الخصائص بسؤال مهم : هل اللغات متساوية؟ .. وهنا يجيبنا فيبين أنها ليست كذلك لكونها تتفاوت في العمر (11)، وتتفاوت من حيث تعرضها  للانقراض والموت (12)، وتتفاوت من حيث دقتها في التعبير عن المفاهيم (13)، وتتفاوت من حيث صعوبتها وسهولتها (14)، وتتفاوت من حيث جمال النطق (15)، وتتفاوت من حيث دقة كتابتها وجمالها (16)، وتتفاوت من حيث قدرتها التوليدية (17)، ثم ينهي الدكتور القاسمي هذا الفصل بالحديث عن قوة اللغة ومكانتها في العالم، وهنا نراه يدحض بالإحصائيات فكرة أن قوة اللغة ومكانتها في عالمنا اليوم تعتمدان على عدد السكان الناطقين بها (18) ... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

...........................

الهوامش:

5- القاسمي: علم المصطلح، ص 9.

6- المصدر نفسه، ص 10-11.

7- المصدر نفسه، ص 13.

8- المصدر نفسه، ص 17.

9- المصدر نفسه، ص 18-25.

10- المصدر نفسه، ص 26-28.

11- المصدر نفسه، ص 32.

12- المصدر نفسه، ص33.

13- المصدر نفسه، ص 34.

14- المصدر نفسه، ص 35.

15- المصدر نفسه، ص 36.

16- المصدر نفسه، ص 38.

17- المصدر نفسه، ص 39.

18- المصدر نفسه، ص 43.

 

 

محمد السعديسيرة ذاتية للصديق والقاضي زهير عبود كاظم عنوان كتابه ”الأرض والسلاح والإنسان ” الصادر عن دار نشر 4D في مدينة النجف الاشرف ” الذي أهدانياه مشكوراً، والذي لفتني عنوانه بتلك المفردات الثلاثة تعبيراً عن الإنسان ومحطات حياته النضالية في حقبة مهمة من تاريخ العمل الفدائي (الفلسطيني) عشية هزيمة ٥ حزيران عام ١٩٦٧ . في مقدمة كتابه، الذي يحوي ١٢٦ صفحة من الحجم الكبير عرض موجز ومكثف عن بدايات إعلان الثورة الفلسطينية وإنطلاق منظمة التحرير ” فتح ” بقيادة ميدانية من رئيسها الراحل ياسر عرفات، وتداعيات الموقف العربي الرسمي والشعبي في الدعم والمساندة المعنوية والمادية والاعلامية والوجستية بإتجاه تحرير الارض الفلسطينية المغتصبة من قبل الكيان الصهيوني ودوائره الامبريالية، فضلا عن هذا الدعم والتأيد الكبيرين للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ممثلها الشرعي في التمثيل والنضال، لكن تناسلت عنها عدة تنظيمات ومنظمات بداً من الجبهة الشعبية مروراً بالجبهة العربية لتحرير فلسطين الى منظمة حماس بعد أن أصبحت قراراتها ووجودها بيد قرارات وأمزجة الانظمة والدولة التي أحتوتها وبمرور الاعوام تحولت من مشاريع نضال وتحرير وعمليات فدائية الى سياسة تطبيع وإستسلام والتخلي عن شعارات الدولة القيطة والخنجر المغروس في قلب الوطن العربي . كان خطاب الاعلام العربي تأثيره النفسي والوطني بإتجاه تعبئة الشارع العربي نحو تحرير فلسطين فلبى هذا النداء الآف من الشباب العربي باتجاه التطوع في العمل الفدائي من أجل تحرير فلسطين ولم يغب عن بال الآخرين هناك دوافع وعوامل ثانية وثالثة دفعت هؤلاء الشباب بالتضحية بحياتهم ومستقبلهم .

زهير إبراهيم خالد .. من أهالي صفد / منطقة الصفصاف، هذه هي هويته الجديدة من مكتب الجبهة الشعبية القيادة العامة في العاصمة بغداد ليحملها بصفة مقاتل فدائي بين عمان ودمشق لمدة تسعة شهور وتسعة أيام  يسردها بتفاصيل المدن والشخصيات والوقائع والاحداث والمفاجأت وروح التجربة، في بداية حياته بمدينة مسقط رأسه ”الديوانية” أحدى معاقل الشيوعيين في الفرات الأوسط أنتمى الى خلية حزبية ولضنك العيش وصعوبة وضع أهله المعيشي تطوع نائب ضابط في الجيش العراقي، وظل مجاهداً متمسكاً في خليته الحزبية الشيوعية، وفي موجة حملة مداهمات وإعتقلات قبل إنقلاب البعثيين عام ١٩٦٨، أدت الى اعتقاله وطرده من الجيش وراح يبحث عن وعاء جديد يرى به نفسه ويلبي طموحه ويحقق رغباته في النضال والعنفوان فقادته تلك الهمم الى مكتب الجبهة الشعبية / القيادة العامة ”أحمد جبريل في العاصمة بغداد ليسجل نفسه فدائياً عربياً. تجربة غزيرة يرويها القاضي زهير عبود كاظم في إستذكار سيرته الفدائية وتتبع أدق تفاصيل مجرياتها بحرارة ذلك الزمن من المقاومة والنضال ووقعها التاريخي والوطني .

بعد تسعة سنوات وتسعة شهور يرجع الى وطنه العراق عبر بوابة ”دمشق عاصمة الامويين الذي يصف مدنها وأزقتها وشوارعها بالرشاقة والوسامة ونهر ”بردى الذي يضيء تاريخ وجه المدينة وعنفوانها . بغداد .. التي تركها منذ شهور الى العاصمة عمان التي يراها مدينة صغيرة وقديمة وتاريخية ويتوسط شارعها الرئيسي فندقها الوحيد . عاد الى مطرحه الأول مدينته ”الديوانية”وجيبه ممتليء بالافكار والطموحات قد تفوق عمره في ذلك الزمن . ومرة أخرى بين صفوف تنظيمات الحزب الشيوعي في مدينته تحت ظروف معيشية صعبة للغاية، وكان يتطلع كأي شاب بعمره وطموحه الى مستوى دراسي قد يرفع به مستوى عائلته المعيشي والمادي، وكان يأمل أن يمنح زمالة دراسية عن طريق الحزب الشيوعي العراقي الى أحدى الدولة الاشتراكية، لكنه أزداد أحباط وخيبة، عندما شاهد بأم عينيه طريقة منح الزمالات الدراسية الى أولاد القادة الحزبيين وذيولهم، هنا وقفني أمام تجربة شخصية سابقة  أيام الجبل وحرب الانصار، كانوا يأتون لنا شباب من المدن ولا أحد يعرف ربهم ولا ممكن حتى الاختلاط معهم ومعرفة أساسياتهم وطيلة وجودهم في مقراتنا عيونهم تربوا الى الطريق المؤدي الى  إيران ومن هناك الى دول الزمالات والدراسات على حساب رفاق ومناضلين ومقاتلين أشداء ؟.

في ١٥ شباط ١٩٧١ يترك مدينته والعراق مرة ثانية بحزن بعد أن خابت ظنونه وأهتزت قناعاته وسيطرة البعثيين على السلطة ودفة الدولة واللعب بمقدرات الناس فلم يجد أمامه سبيلاً الا العاصمة دمشق حيث هناك النشاط والعمل السياسي (الفدائي)، ليجد نفسه مجدداً مقاتلاً وسط تنظيمات منظمة الصاعقة واسمها الرسمي " طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة ", هي منظمة فلسطينية قومية موالية للبعث السوري (على عكس جبهة التحرير العربية الموالية للبعث العراقي . ولخبرته السابقة في العمل الفدائي وفي الجندية العراقية يرحل الى جنوب لبنان مسؤول أحدى الفصائل المسلحة في منطقة (جبيل) الحدودية مع العدو الصهيوني . 

الذي لفتني في كتاب القاضي زهير عبود كاظم (أبو علي)، ذاكرته في ذكر التفاصيل التفاصيل اليومية لكل يوم من خلال تجربته، الاشخاص، المواقع، التعرضات، المفاجأت، الشهداء، القادة، الامكنة، حمدونه، التموين، تفاصيل الطبخ، القرى، السلاح . حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ كانت ومازالت تداعياتها تلقي بظلالها على الشارع العربي والموقف الرسمي للحكومات وتحديداً التي خاضت الحرب أي دول المحور والتصدي العراق، جمهورية مصر، سوريا . وقد خاض المصريون الحرب مع الكيان الصهيوني على أمتداد جبهة واسعة تجاوزت  عبور خط ”بارليف المنيع ” الى قناة السويس .  سوريا وجيشها العربي والفصائل الفدائية لقد تعرضت الى ضغوطات كبيرة، وكان لوقفة الجيش العراقي من خلال مشاركته في الدفاع غير مجرى المعركة بإتجاه آخر . نتيجة الحرب وتداعياته تركت أثارها على الفصائل الجهادية في خطط عمل جديدة وسيناريوهات مختلفة . يذكر القاضي زهير في ختام كتابه بعد تلك الاحداث وجد له كرسياً في جامعة دمشق ليكمل مشواره العلمي والاكاديمي وليتخذ من القلم والقانون وسيلة نضالية في خدمة مشاريع الوطن والانسان . 

 

محمد السعدي

مالمو/كانون الأول ٢٠٢١

 

 

 

محمود محمد علي1- تقديم: هناك سيل من الكتب قذفت بها المطابع إلى السوق، بعضها ولد ميتاً من دون أي انتباه، وبعضها قُرئ كالطعام البائت، وبعضها الآخر عاش قليلا من الوقت ثم اختفى، وبعضها أثار المعارك وظل عالقاً في مفاصل الثقافة جيلاً بعد جيل، وبعضها لا يزال يلاحقنا حتى اليوم. وبعضها مر بسلام إلى القارئ، وبعضها أدخل صاحبها التاريخ بجدارة.

من الكتب التي دخلت التاريخ من أوسع الأبواب كتاب علم المصطلح لأستاذنا أبا حيدر الأستاذ الدكتور علي القاسمي الذي يعد رائدا من رواد الدرس المصطلحي في العصر الحديث، حيث طرق سيادته موضوع المصطلح التراثي العربي من جهتي الإهمال والإعمال ؛ وأجاب عن السؤال الذي طرحه الخوارزمي منذ قرون بعيدة، لماذا يعد علم المصطلح هو مفاتيح العلوم، فجاء علي القاسمي (مع حفظ الألقاب) ليعلمنا أن فهم المصطلحات نصف العلم، لأن المصطلح هو لفظ يعبر عن مفهوم، والمعرفة مجموعة من المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في شكل منظومة، وعلم المصطلح هو العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والألفاظ اللغوية التي تعبر عنها وصناعة المصطلح التي تدور حول نشر المعاجم المتخصصة الورقية منها والالكترونية، والبحث المصطلحي هو المؤرخ لعلم المصطلح والمدارس وتوثيق المصطلحات والمؤسسات المصطلحية.

ونظرا لأهمية موضوع المصطلحية العربية ومختلف قضاياها، فقد جاء علي القاسمي بكتابه هذا ليوضح لنا منهجه ونظرته إلي أهمية المصطلح وتعاظم دوره في المجتمع المعاصر موضحا منهجه ونظرته إلى الموضوع من زاويتي الأصالة والمعاصرة موضحا سبيل النهوض بالمصطلحية العربية ومدي استثمارها لمعطيات الدرس اللساني الحديث، ثم معرفة الخصائص المميزة للمصطلح العربي، ومحاولة التقرب من صناعة المصطلح العربي وطرق تقييسه وتوحيده عند المحدثين .

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن " المصطلحية العربية " لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية " للدكتور علي القاسمي، ويقع الكتاب في 849 صفحة من الحجم الكبير، عن (مكتبة لبنان ناشرون)، بيروت – لبنان- في طبعته الأولي في عام 2008، ثم في طبعته الثانية في عام 2019،  ويشتمل على سبعة أبواب تضم اثنين وثلاثين فصلاً، ويُختَم الكتاب بـ"مصطلحات علم المصطلح" وتعريفاتها التي وضعتها المنظَّمة العالمية للتقييس بجنيف. وفي الكتاب إحالات على مئات المراجع والمصادر العربية والإنجليزية والفرنسية. ويمتاز الكتاب بأسلوب سهل واضح مدعم بالأشكال والجداول البيانية المختلفة، إضافة إلى اشتمال نصوصه على الشكل (الحركات) الضروري لتيسير القراءة.

وفي رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن أستاذنا الدكتور "علي القاسمي" من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف نقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل.

علاوة علي أن "علي القاسمي" (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من أساتذة اللغة الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ لخدمة تخصصهم الدقيق فهو من كبار المعجميين العراقيين في العالم العربي الذين نجحوا في خلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكارهم، ومنعرجات مسائلهم، ومساقات حلولهم بعبارات شفافة رقاقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي ؛ وهو والله بحق من كبار المعجميين الذين نذروا حياتهم للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، وهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته، وبين الإنسان والفيلسوف تتجلي المشاغبة الفلسفية لهذا الرجل المتعدد الأوجه سواء كمترجم، أو معجمي، أو محقق، أو ناقد، أو سياسي، أو أكاديمي، أو أديب .. الخ؛ فهو غزير الإنتاج، موسوعي المعرفة، لديه دأب علي البحث والتنقيب، وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، وهو رجل منضبط في فكره ومفرداته، ويتمتع بروح دعابة، وخفة دم، ونظرة ساخرة للحياة والكون. وهو في كل هذا يستهدي بشرع قيمي منسق، تتدفق في عروقه حيوية الصحة والسلامة السوية، وينطلق من عقل صاف مدرب علي توليد الأفكار الناضجة الناقدة الملتهبة حماسة وفتوة.

2- أهمية الكتاب:

يعد علي القاسمي من أوائل الذين وضعوا أسس علم المصطلح في العالم العربي وسعي إلى تأسيس نظرية مصطلحية حديثة، محددة المفاهيم، وقد كانت الكُتب المختصّة في علم المصطلح باللغتين الإنجليزية والفرنسية لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، وليس هنالك كتاب واحد منها يتناول جوانب الموضوع جميعها.

إلي أن جاء علي القاسمي بكتابه هذا ليعلن لنا علي جميع موجات الدنيا بأن هناك صعوبة كبيرة في الكتابة عن علم المصطلح، حيث تعود صعوبة التأليف فيه إلى كونه علماً مشتركاً بين سبعة علوم هي: علم المفهوم، وعلم اللغة، وعلم العلامات (السيميائيات)، وعلم الترجمة، وعلم الحاسوب، وعلم التوثيق، وصناعة المعجم. فعلم المصطلح يُعرَّف بأنّه "الدراسة العلمية للمفاهيم وللمصطلحات التي تعبّر عنها." وغرضه إنتاج معاجم مختصّة، وهدفه توفير المصطلحات العلمية والتقنية الدقيقة التي تيسًّر تبادل المعلومات، وغايته نشر المعرفة العلمية لإيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية (1).

وعلى الرغم من أنَّ علم المصطلح قديم في غايته وموضوعه، فإنه حديث في مناهجه ووسائله. وقد أُرسيت أسس علم المصطلح المعاصر في السبعينيّات من القرن العشرين خلال مؤتمرات تأسيسية متلاحقة عقدها عدد من المصطلحيين العالميين في النمسا وروسيا وإنجلترا وكندا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، وكان الدكتور القاسمي، عضو مجمعَي اللغة العربية في القاهرة ودمشق، واحداً من أولئك المصطلحيين وشارك في معظم المؤتمرات المذكورة: وهذا ما ساعده على إعداد الكتاب، إضافة إلى أنه درس جوانب من علم المصطلح في أرقى الجامعات البريطانية والفرنسية والأمريكية، وأنه عمل خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط المسؤول عن تنسيق المصطلحات العلمية والتقنية العربية وتوحيدها، وأنه باحث متعدًّد الاهتمامات تربو مؤلَّفاته على ثلاثين كتاباً في اللسانيات وصناعة المعجم والتربية والتعليم العالي والتنمية وحقوق الإنسان والتاريخ والفلسفة والأدب: حتى إنَّ الناقد الدكتور صلاح فضل وصفه بأنه "ملتقى الأضداد" حين قال: " تلتقي الأضداد بتآلفْ عجيبْ في شخصيّة صديقي الدكتور علي القاسمي وكتابته، إذ ترى فيه عرامة العراقي وعنفه الفطريّ معجونة بدماثة المغربي ورقة حاشيته، وأمانة العالم اللغوي المستقصي متناغمة مع خيال القصّاص الوثّاب، وغيرة العربي المتعصًّب لتراثه مع تفتّح عقله ووجدانه على علوم الغرب وأجمل إبداعاته. فتجد نفسكَ حيال نموذج مدهش لعقلْ علميّْ جبّار وحسّْ فنيّْ خلاق. ويكفي أن تعرف أنه يبدو لك شاباً يافعاً وقد أمضى عمره في الجامعات العربية والغربية، وتمرَّس بالعمل الطويل في المؤسسات القومية والدولية، وأنتج ما ينيف على ثلاثين كتابا منها خمس مجموعات قصصية وست ترجمات سردية وعشرون كتاباً في الفكر اللغوي والنقدي والتربوي، فكأنه موسوعة مجسًّدة للمعرفة والإبداع، تردّ لك الثقة في كفاءة الإنسان العربي وجبروت الشخصية العراقية القادرة على إعادة بناء الذات والعالم من حولها "(2).

وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا استطاع الدكتور القاسمي أن يبين لنا أن دراسة المصطلحات فهي من اختصاصات علم اللغة إذ يتطلَّب توليد المصطلحات معرفةً بطرائق المجاز والاشتقاق والنحت والتركيب. أما نقل المصطلحات من لغة أُخرى فيقع في مجال علم الترجمة والتعريب. ولما كان كثير من المصطلحات العلمية والتقنية على شكل رموز ومختصرات ومختزلات، فإنه لا بدّ للباحث في علم المصطلح من التعمُّق في السيميائيات (علم العلامات). ونظراً لأن عدد المصطلحات يبلغ الملايين في كل فرع من فروع المعرفة، أصبح من الضروري استخدام الحاسوب في إنشاء المدوّنات الحاسوبية التي تُستخلَص منها المصطلحات، وفي إقامة بنوك المصطلحات لخزنها ومعالجتها واسترجاعها وتبادلها مع المؤسَّسات المصطلحية الأخرى. وهذا يتطلَّب إلماماً بعلم الحاسوب وبلسانيات المدونة الحاسوبية وبنوك المصطلحات وعلم التوثيق والتصنيف. وأخيراً، فإن هذه المصطلحات ومقابلاتها وتعريفاتها تُوضع في شكل معاجم مختصة، ورقيّة أو إلكترونية، أحادية اللغة أو ثنائية اللغة أو متعدًّدة اللغة. ومن هنا أصبحت صناعة المعجم من أدوات المصطلحي (3).

ثم يبين الدكتور القاسمي أن لكلمتي (مصطلح) و(اصطلاح) مهما كان الاختلاف بين الدراسين والباحثين، فإن الكلمتين مترادفتين في اللغة العربية، وهما مشتقان من (اصطلح) وجذره (صلح)، بمعني اتفق ولم يتوسع في مفهومه اللغوي لأنه اهتم بالمصطلح من الناحية المفهومية، أما إذا بحثنا عن المعني اللغوي فنجد كل المعاني تدل على الصلح والاتفاق بالمعاجم العربية القديمة (4).

ومما يلفت النظر في هذا الكتاب اشتمال فصوله على ملاحق تطبيقية، جمعها القاسمي أو كتبها أو ترجمها أو حقَّقها. فمثلاً هنالك جميع مقررات المجامع اللغوية والعلمية العربية بخصوص وضع المصطلحات وترجمتها وتعريبها. وهنالك مخطوطة في علم المصطلح من القرن العاشر الهجري وضعها الفقيه المصري بدر الدين القرافي وحقّقها القاسمي، وهنالك دراسة أعدّها القاسمي عن تطبيقات النظرية الخاصة لعلم المصطلح في مهنة المحاماة، وهنالك ترجمة للتصنيف المصطلحي الذي وضعه مركز المعلومات الدولي للمصطلحية في فيينا (الانفوترم) أنجزها القاسمي بطلب من المركز نفسه، وهنالك الرموز العلمية التي وضعها اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء.

وخلاصة القول إنّ هذا الكتاب سدَّ فراغاً ملحوظاً في المكتبة العربية، وهو مرجع أساسي لا تستغني عنه مكتباتنا العامة والجامعية، وذلك لكونه نجح في هذا الكتاب بأن يخلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكاره، ومنعرجات مسائله، ومساقاته حلوله بعبارات شفافة رقاقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي.

نعم لقد استطاع الدكتور القاسمي في هذا الكتاب الذي بين أيدينا بأن يكتبه بلغة فلسفية متصالحة مع ذاتها ومع واقعها التاريخي ؛ لغة منسجمة رقراقة قوية مبتكرة بعيدة عن الانغلاق، ولكنها لا تفرط في مقتضيات الصناعة الفلسفية، تخلت كتابته عن الطابع الدعوي، وسلكت مسلك الاستنباط السلس والجدل السيال .. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

......................

الهوامش:

1- البشير النظيفي: "علم المصطلح" كتاب معجمي جديد للأديب العراقي علي القاسمي، تم نشره في السبت 9 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً.

2- المرجع نفسه.

3- المرجع نفسه.

4- الدكتور علي القاسمي، علم المصطلح .. أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص 110.

 

محمود محمد عليواهم من يعتقد الأطماع الإسرائيلية بالتوسع والاستعمار تقف عند حدود المسجد الأقصى وفلسطين، فالحلم اليهودي المزعوم يمتد أبعد من ذلك بكثير، إذ ترنو أنظار الإسرائيليين نحو قبلة المسلمين والأرض التي احتضنت تاريخ الرسالة الإسلامية .

وهذا ما يجسده لنا هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو بعنوان "العودة إلى مكّة" والذي ألّفه المؤرخ اليهودي “دنيس آفي ليبكن” Dennis Avi Lipkin، وهذا الكتاب يدور حول فكرة مفادها أن بني إسرائيل استوطنوا قديما في جزيرة العرب، ليبرهن أنه من حق اليهود العودة إلى مكة .. أرض الميعاد، ويعتمد الطرح الدي يقدمه " ليبكن" على بحث تاريخي، يزعم أن بني إسرائيل لما تاهوا لأربعين عاما في البلاد كانوا في منطقة شبه الجزيرة العربية، مضيفا إلى أن جبل الطور الذي كلم الله موسي فيه، إنما هو جبل اللوز في تبوك السعودية، وليس جبل موسي المعروف في سيناء

والكتاب يمثّل تطوّرا لافتا في الأحلام الصّهيونيّة التي تراود صهاينة اليهود ومتديّنيهم، وتغريهم بالاستحواذ على أرض الميعاد التي تحدّثت عنها نصوص التّوراة المحرّفة، ويسمّيها الصّهاينة “مملكة إسرائيل الكبرى” أو “مملكة داود”، وتضمّ بزعمهم فلسطين وأجزاء كبيرة من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية.

يأتي هذا الكتاب القنبلة في وقت كشف العرب العاربة والمستعربة على حد سواء،عن عوراتهم وأسقطوا حتى ورقة التوت التي كانت تستر عوراتهم، بخصوص العلاقة الخفية بينهم وبين مستدمرة إسرائيل الخزرية، بإعلانهم التحالف الاستراتيجي معها،تحت ستار الخوف من إيران ؛ يقول ليبكن “… أصرّح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأنّ مكّة المكرّمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشدّ من اليهود، لأنّهم في هذا البلد الحرام وفي هذا الشّهر الحرام ذي القعدة الماضي هجموا على التكارنة السّود المسلمين رجالا ونساءً وأطفالا حتى يسفروهم ويخرجوهم عن مكّة المكرّمة”، كما نشرت مجلة الشهيد الإيراني (لسان حال علماء الشيعة في قم بإيران) في عددها 46 الصادر في 16 شوال 1400هـ صورة للكعبة المشرفة وإلى جانبها صورة للمسجد الأقصى المبارك وبينهما يد قابضة على بندقية وتحتها تعليق “سنحرّر القبلتين”!

وأرض الميعاد التي يسميها الصهاينة مملكة إسرائيل أو مملكة داوود،تحدثت عنها التوراة المزيفة،وهذا ما خاض فيه المؤرخ الصهيوني الإنجيلي ليبكين،،وحمل غلافه صورة المسجد النبوي الشريف يتوسطه "التيفلين اليهودي" مكان الكعبة المشرفة،وهو مكعب أسود يشبه الكعبة المشرفة مربوط بخيط أو حزام يضعه متدينو اليهود على جباههم.

هذا الكتاب يرسم حدودًا جديدة للدولة اليهودية وفق “ليبكن”، انطلاقًا من مبدأ “استعادة أرض بني اسرائيل الذين يعتبرون انفسهم السكان الاصليين لجزيرة العرب”، فتصبح بزعمه “العودة إلى مكة، أرض الميعاد”، حقًا لهم.

وأكد " ليبكن " بنبرة تشي بأطماع اليهود: إن السعودية والجزيرة العربية ما هي إلا جزء من الأرض الموعودة لبني اسرائيل”، مستشهداً بما تقوله التوراة المزعومة لدى اليهود:" أن الله يقول أنه سيمدد حدود أراضيكم الموعودة من لبنان إلى أرض العرب ولكن الله لم يقل أرض العرب بل قال الصحراء ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات".

والجدير بالذكر أن غلاف كتاب “العودة إلى مكة” تضمن صورة للكعبة المشرفة -قبلة المسلمين- وحولها انشوطتان سوداويتان وعلى جانبها وضع الشمعدان اليهودي، وفي وسطه “التفيلين” اليهوديّ مكان الكعبة المشرّفة، والتّفيلين مكعّب أسود يشبه في شكله الكعبة، مربوط بخيط أو حزام، يضعه متديّنو اليهود على جباههم.

ويدعي مؤلف كتاب العودة إلى مكة أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء،بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة،ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

واللاّفت في أمر هذا الكتاب أنّ مؤلّفه لا يكتفي في مقابلاته الصحفية بزعمه أنّ جبل الطّور الحقيقيّ الذي كلّم الله فيه نبيّه موسى عليه السّلام وأنزل عليه الوصايا العشر هو جبل اللّوز الموجود في محافظة تبوك على الأراضي السّعوديّة مقابل أرض سيناء، وليس هو جبل موسى المعروف في سيناء مصر! وأنّ فيه الكهف الذي استقرّ فيه إيليا (إلياس)، وبدعوته اليهود والنّصارى لأن يتّحدوا لتحريره من المسلمين؛ لا يكتفي هذا الصّهيونيّ بهذا الزّعم، بل يذهب بعيدا ليدّعي أنّ أرض الميعاد تصل إلى مكّة المكرّمة وفق ما فهمه من نصوص التّوراة التي تتحدّث عن صحراء العرب ولا تتحدّث عن أرض العرب فحسب!

وأضاف ليبكن بأن على المسيحيين واليهود أن يتّحدوا ليحرروا جبل اللوز" جبل سيناء"، وينتزعوه من حوزة المسلمين، متابعاً أن "الجوف وتبوك الواردة في اقتباس بن لادن لا تبعد سوى 100 أو 200 كم من إيلات على الحدود الجنوبية لإسرائيل".

وأشار "ليكن" إلى أن أطماع ايران مرتبطة بوقوع مكة في منطقة قريبة جداً من الساحل، ومن يتمكن من السيطرة على مكة سيمتلك زمام الحرب بين الشيعة والسنة"، مستدركاً أن "الأيام القادمة ستشهد مواجهة حاسمة" معرباً عن اعتقاده بأن "الحوثيين والإيرانيين سيقومون باحتلال السعودية من الجنوب والغرب".

وأردف ليبكن أن “السعودية ستطلب العون من مصر وربما من إسرائيل ولكن داعش ستأتيهم من الشمال أيضاً”، مستطرداً أن “حرب السنة والشيعة المستمرة منذ 1400 سنة ستنتهي عندما يسيطر أحد الطرفين على مكة”. وبذلك يدعو “ليبكن”، معتمدًا على نُبوءات “الكتاب المقدس”، المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، التي تعد أرضًا مقدسة للديانتين معًا.

الكاتب "ليبكن" الذي دأب على الظّهور في كثير من الفضائيات الدينية التابعة للمسيحية الصهيونية في أمريكا، داعيا إلى تشكيل حلف مسيحي صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة، يوصي بالاستفادة من الحركة الحوثية التي تستهدف الأراضي السّعوديّة، وتضع عينها على مكّة والمدينة، وإلى توظيف العقائد الشيعيّة التي تغري أتباعها بضرورة استعادة مكّة والمدينة من أهل السنّة، وهو الحلم الذي لا يزال بعض المسلمين يتجاهلونه رغم توارد دلائل كثيرة تشي بأنّ الشّيعة يسعون سعيا حثيثا لتحويله إلى واقع؛ دلائل كثيرة ربّما لن يكون آخرها تصريحات بعض معمّمي الشّيعة وقادة مليشياتهم بأنّ انتصار حلب سيمهّد لتحرير مكّة والمدينة!

ويدعي ليبكن أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء، بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة، ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

يعترف ليبكن ذاته علانية بنية مستدمرة إسرائيل الخزرية احتلال مكة المكرمة،ويؤكد أن الصهيونية ما تزال قائمة على الأساطير التي وضعها حاخامات السبي البابلي، ويعرب عن أمله بأن يصل الربيع العربي إلى السعودية،كي تطلب النجدة من أمريكا وإسرائيل،وبالتالي يصبح احتلال مكة المكرمة تحصيل حاصل، وهذا ما يفسر تزيين الصهاينة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان جرائمه بحق المواطنين السعوديين من ناشطين وعلماء وأثرياء حتى أن أذاه شمل أبناء عمومته الأثرياء والأقوياء.

ويأتي الهدف من هذا التزيين تسريع الإنفجار في السعودية، ليتسنى لأمريكا ومستدمرة إسرائيل إحتلال مكة رسميا وبطلب سعودي،بحجة أن الشيعة يدعون للهيمنة على مكة والمدينة،ويبدو أن المخطط الصهيو-مسيحي"الإنجليي " سينجح بسبب غباء البعض أو إتقانهم لدورهم وتفانيهم في خدمة أصولهم .

ويعتبر “ليبكن” أنّ التحركات المعارضة داخل السعودية تعدّ من الأمور التي على “اسرائيل” استغلالها في سبيل تحقيق هدفها. ويوضّح كلامه في أكثر من مقابلة، إذ يؤكد أن الربيع العربي لا بدّ أن يصل إلى السعودية التي ستطلب الحماية من الولايات المتحدة و”اسرائيل”، ما يقدم لليهود فرصة للسيطرة على مكة. في حين يظهر الكيان نفسه بصورة البطل الذي أنقذ آل سعود.

وفي سياق طرحه يدعو " ليبكن" المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، على اعتبارها أرضا مقدسة للديانتين معا مستشهدا بأقوال من الإنجيل والتوراة، وزاعما أن العهد الجديد حدد مكتن جبل سيناء على اعتباره في جزيرة العرب، وقد أكد ليبكن مرارا خلال مقابلات عدة له أن ما عرف بالربيع العربي لا بد سيصل يوما إلى السعودية، التي ستطلب بدورها الحماية من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يوفر لليهود فرصة عظيمة للاستيلاء على مكة، بعد تقديم الكيان الغاضب نفسه على أنه المنقذ لآل سعود بعد إشاعة الفوضى، فهل ستنبه قادة العرب والمسلمون إلى هذا المخطط، أم أنهم أكلوا يوم أكل الثور الأبيض

واختتم ليبكن كتابه داعياً إلى اتحاد «المسيحيين واليهود» لاحتلال السعودية والإستيلاء على مكة موظفاً نصوص التوراة والأسفار المحرفة كما في كتبه، وزاعماً أن “نهاية مجد الإسلام باتت قريبة جداً” وهي النغمة النشاز التي دأب الكثير من قساوسة الدين المسيحي وحاخامات اليهود على ترديدها في كل المحافل.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جاسب المرسومياصدارات تتجدد في طياتها روح التكوين والمدارس الأدبية المفعمة بالانطلاقة والتحرر من قيود الإفراط في النمط المتبع في كل لون أدبي له أساسيات بني عليه ذلك اللون الذي يحاكي الحب والوطن .

في القراءات الجديدة التي أصدرها الشاعر عباس باني في كتابه الأخير  (قراءات في دفتر الجنون) نرى صورة لمجموعة مدارس ربطت بين الحاضر والماضي لنمط شجاع تحرر من قيوده فانطلق نحو مدرسة كان قد وضع لها قداسا جديدا جامع بين الحداثة والقدم .

في جسد الشاعر شخصيتين، الأولى المستقرة اجتماعيا حسب ما يظهر والمتكيفة في ضلال عدم الحاجة، والتي لها القدرة في الوصول الى ما تبغي لكنها لا تنعكس ماديا مترفة على ضلال الأخرى المتعلقة في الجسد ذاته، وهي الشخصية ذات الجوف الدامي والأنا الباكية لجروح ذاكرتها القديمة والعميقة التكوين تلك التي تنزف الكلمات بإيقاعات مبنية على ذاكرة الزمكان المتفاوتان في آنيهما .

(حين تكون الطفولة مازالت عالقة بالحبل السري للزوال

.. المطر يبكي فراقه لعلو الغيوم).

ولم تتمكن الروح في الشخصية الأولى القضاء على القلق الدائم المبيت أرقه في حصارات على شبابيك الأنا المزدوجة والمزدحمة والتي لطالما استسلمت رغم محاولات الانفلات والهروب من غربتها كأنها تعشق ما تكنه الذاكرة المبطنة لتعيدها في منظور يتطور في صوره كلما كثرت كتابات عباس.

(متعلق بغرقي بكف المجهول الذي استطال الى همس الجنون).

وهنا في (قراءات في دفتر الجنون) يبحث عباس عن مخرج لانطلاقة يحاول فيها إدراك كل الكينونات المقيدة في كتاباته المختزلة لتلك الكينونات التي وضعت الإشراط والجزم والتجزر كأنها تشبه حصار أناته الذي ما انفك قائما، محاولا إدراك ذواته تماما في حرية مطلقة وصل فيها الى إرضاء كامل لما حبلت به الذاكرة النشطة للزمكان المنقرضان، والذي ولد جديدا بصياغة حديثة مبنية على قدسية الأنا المنصهرة في بودقة التحديث لعولمة الكاتب والذي يتحدث عن حاضر غائب في ضمير الأنتظار لحلم قد لا يتجاوز جملا على ورق أرادها أن تكون طويلة تعطي كل تصوراته مشبعة في انتظار الغائب .

(كي ارتقي سلالم النور على جسدي الباحث عن حرية الاختيار

ارمي صمتي بزجاج النوافذ لأرسم صورتك بكل الألوان

تضوع روحي بأنفاسك واسقط بين كفيك بريئا في صلاة الأسفار

أعرف انك لن تعودي وبانك ستأتين قبل موعد الانطفاء

سأنتظر ... سأنتظر).

وفي حافات أخرى للنصوص المفعمة بالتأله

(أصادق الأنبياء والمجانين والعشاق والثوار).

فهذه الفئات الأربعة تشكل عند عباس باني رموز إلاهية، هي تلك التي تتصف بكل صفات المنطق الذي لا يشبه الآخر، وهي الحقيقة في واقعها تماما لصناعة الحياة التي وضع هؤلاء أساسياتها في فلسفة الروحانيات والتجدد، وهي الروح التي تلامس ذاته بكل تفاصيلها الثورية، وأنا في الحقيقة أرى أن النصوص التي تصنع الحياة لا تأتي من فم عاقل أو سوي طبيعي لم يتصف بصفة من تلك الصفات الأربعة والتي تلازم نصوصه ومن حدا حدو جنونياته .

في دفتر الجنون حضورا متميزا لجملة مجانين صنعوا للحياة مزارات منها ما عبد ومنها ما استقام على أساسه الفكر فانبثقت منها السونيتات وينابيع العزف الروحاني في سيمفونيات مطولة، حضورا أنيقا لطاغور بفلسفة الحاضر ولجبران بصناعة الوجود المثالي للقصيدة ونيتشه المفعم بالحقيقة والوجود وكأنني أمام عالم من مدرسة لاهوتية تقتحم عالم الحداثة في إبداع عولمي متجدد أو انه يصنع جمهوريته ليطير بها متمردا ينعم بلحن متخصص في قراءات متجددة لإسفار التوراة والإنجيل وبعض من مفردات قرآنية.

(لان الحكماء دائما يصلبون على جذع الضوء الخارج من أرواحهم

لأنهم تعلموا كيف تتجاذب أرواحهم مع المعنى

دون أن يغلق بصيرتهم الضوء الساقط من حافة اللامعقول

لان شريعة المعنى فضيلة الغرباء).

وحين أتنقل بين أوراق القراءات في دفتر الجنون أرى أنني أعيش خاطرة الفلسفة الكونية في أحجية تهمس في أناتي لتوقظ فيها ذاكرة حاولت أن تجعل في إحساسها أسلوبا له ذات الانطلاق في تحضيرات عباس باني،إذ لم تزل الخطوط الأولى التي رسمت كتاباتي تنقش في خط الأسلوب ذاته لكنه تعثر في زحمة الأساليب فأصبح غير مستساغا ولم يرى منه النور سوى بعض مخطوطات صغيرة في كتيب اسمه (صور قيد التظهير) الذي انتهى متعثرا في أروقة الأرق والانتظار .

هنا وضع عباس كل ما حلم به وما أراد أن يوصله للقراء في صورة أدبية شجاعة وما أراد أن يوصله للحبيب المفقود في جنونياته والذي ما انفك منتظرا إياه رغم كونه متأكدا من أنه لن يأتي وضل يقول

(آتيك .. آتيك)

بعد يأس من كلمة

(تعالي .. تعالي)

ولم يزل يبحث عنها في كل قراءاته الى النفس الأخير مترجما أحزانه في البحث عنها لتشكل في قاموسه حياة أبدية وحلما من أجمل ما يكون

(بعد أن غسل النهار جنوني بحد ضياع ولادتي بين كفيك في كل حين

تعالي .. كل روحي اليك مهبطا

تعالي قبل أن تضيع براري الهوس بشرائع خرافة الألم في جبين العصور

تعالي)

هذا الحلم المفقود بنيت عليه تلك القراءات الكبيرة في جسد جنونياتها،، هذا الجنون الطفولي المكتشف في ذاته لذاكرة تدارست، لكنها لم تنقطع أحلامها ولهذا لم تزل تنتظر أملا يأتي وحلم عبر المواسم والأعوام رغم هروبها وهرمها .. هذا التاريخ الكوني الذي كتب في صفحاته المتدثرة بصفائح الروح لامرأة لا تشبهها ثانية، تعني كل أشياءه فهي التأريخ في كل المواسم وهي الفردوس والأسفار والوطن

(عيناها جدولة الكون حين ينهزم التأريخ من أوراقه، عيناها صديقة كل المواسم التي تنثر بساتين روحي بكل أزهار الفردوس، كانت امرأة خارج النساء حين ينبت ضلع الطين على أجسادهن، كانت وطن دون جدران المدن

كانت وكانت

افترقنا دون عنوان الروح بالمسير إلى وطن

دون وطن)

وللأماكن والمسارات التي قطع شوطها من الحزن الم ينشره على تلك الطرقات والقطارات والمطارات ورمل الشواطئ والمدن التي تقاذفته، والمواسم التي مر بها كمسافر دائم الأسفار حقيقة وتصور

(أنا ضيعت وجهي في زحمة المطارات التي ترتقي فوق تنفس الهواء الممزوج بالغيم أبحث عنه

ابحث في مرايا عابري السبيل باتجاه نقطة هوس البحر وقت ازدحامه على صخرة الرب

انتزع وجهي من المرايا وأعبر الشوارع دون انعكاس الضوء على عيون المكان)

وهو يحمل في حقيبة صغيرة بين أضلعه رمزا لحياة رغم كونه يعلم أنها أضحت خسارة وضلت حلما لم تأته حقائقها البتة، سوى أنها تشكل حاضرا بنيت على أساسه خاتمة التصور فأنتجت تلك الفلسفة الصوفية  وهذا العبور إلى مرحلة التيه والتوحد مع الذات التي ما انعس الحاضر ليأخذ أحلام الطفولة كأنه يضع الوجود الحقيقي لجمهورية القلب والروح كحقيقة يتلمس وجودها بين أضلع لم تزل تنظر خارج حدود الزمن.

(أصبح القلب خيط الأمس يمتد باتجاه وجوهنا التي كانت تؤشر الفرح في لقائنا

ما عادت هكذا وذبلنا من أجل لقاء قد لا يأتي أبدا الى دروبنا

وتقطعت علامات الحنين في كوابيس ارقنا

نما فقدان الذاكرة دون إشارة إني عشت أمسنا)

أما أنا فلم أزل أتيه بين الدفاتر الجنونية لعباس باني لعلي أصل الى حقيقة ما يريد رغم كونه أعط بجلية كل تصوراته لكنه لم يعط الحق بتصريح يجاز به القارئ ليصل الى كيفية التوحد بين المفترقات التي تزيح في دائرتها الثورية لعقلية الأديب المتفحص لعلة المنشور، ورغم استخدام كل أجهزتي الحديثة التكوين لكنني لم استطع تشخيص علَاته الكثر، وما زلت اعشق هذا التيه بين سطور هذه الصفحات المجنونة . ورغم ذاك فأنا لم أعط حق ما أعطيته أو يعطيه أي كاتب يقرأ (قراءات في دفتر الجنون) حقها،، فهي عمق كبير وشرخ واسع في ذاكرة الزمان والمكان والحداثة، فانا لم اعد أدرك منها سوى القليل كوني أراني أمام هرم كبير له قداسه وطقوسه .

 

الكاتب: جاسب المرسومي – العراق

 

 

عبد الرضا حمد جاسمورد في ص16 التالي: [ونخلص الى ان من وصل بر الجهد العلمي قبل غيره فاز بلذاته ومن قرأه بتاني ورجاحة فقد فتحت له طاقات ليلة القدر وبذلك أضاع العراقيون جهد الوردي مثلما ضاع جهود غيره من المفكرين] انتهى

* تعليق: العراقيين والنخبة المحسوبة منهم وقتها وبعضهم حتى اليوم كما يظهر من بعض المساهمين في هذا الكتاب لم يقرأوا الوردي بدقة وبالذات وقت ضجيجه العالي علمياً واجتماعياً وذهبوا خلف دغدغاته التي لا نفعت ولم ولن تنفع والدليل ما نحن عليه الان أي بعد انطلاقته بأكثر من سبعة عقود وبعد وفاته له الرحمة بأكثر من ربع قرن وبعد ان ترك العشرات من الكتب والمئات من الدراسات والالاف من صفحات المقالات والتحقيقات الصحفية... البعض منهم ومن مؤلفي هذا الكتاب لا يعرفون حتى اسمه الكامل. 

كان الراحل الوردي واعظاً كما وعاظ السلاطين الذي انتقدهم وحرَّض عليهم والدليل انه لا قدم بديل ولا اقترح مشروع ولا اقترح حل لأي من تلك التشخيصات التي شخصها في وعلى وعن المجتمع العراقي حيث فكرته او ما يؤمن به هو عن عالم الاجتماع كتبها في ص54 من كراسة الاخلاق/1958 التالي: [أني قد خصصت بحثي في وصف الداء دون أن أصف الدواء وفي رأيي أننا ما دمنا قد عرفنا على وجه التقريب الأسباب التي أدت الى ظهور الداء من المسؤولية في هذا الصدد يقع على عاتق الحكومة إذ هي تستطيع أن تضع الخطة الرصينة التي تجعل الناس ينسون تراثهم البدوي وينهمكون في اقتباس القيم الجديدة التي تقوم عليها اليوم الحضارة العالمية]انتهى.

هذا الطرح يتطابق مع ما قام به ويقوم به وعاظ السلاطين.

ما فائدة ان ينتقد ويُشخص ويهرب دون ان يقدم حل او يشارك بتقديم حل او يؤسس لحل والظروف كانت مؤاتيه له ولغيره وبالذات في مرحلة الحكم الملكي؟ هل هناك اكثر من وعاظ السلاطين تشخيصاً للعلل؟

الكثير من الذين قرأوا الوردي له الرحمة لم يقرئوه بتأني وبالذات الرعيل الأول وذهبوا خلف تعظيمه والتصفيق له والاستماع لما يقول وهم شاردي البال مصدومين ببدعة الوردي اي بازدواجية الفرد العراقي او الوقوف بالضد منه وتقريعه او حتى تهديده لأسباب لا تخص المجتمع العراقي.

أغلب ما طرحه الراحل الوردي لا جديد فيه ومطروح حتى من قبل ان يطرحه ابن خلدونُ ومطروح حتى من السقطة والشقاوات الذين التقاهم الوردي في بعض مقاهي ازقة بغداد والذين كتب عنهم في ص363 من كتابه [دراسة في طبيعة المجتمع العراقي]/1965: [لكي نفهم طبيعة التوازن الاجتماعي في المدن العراقية ندرس شخصية "الاشقياء" فهؤلاء كانوا يمثلون القيم الاجتماعية السائدة المحمودة منها والمذمومة] انتهى

لم يسأله احد عن عدد الاشقياء في الناصرية او الحلة او النجف او الموصل انه يدرس شخصية شقاوات ازقة بغداد ويبني عليها تصوراته عن مجتمع مثل المجتمع العراقي. 

الراحل الوردي شغل الناس بعناوين كتبه والعبارات ولااصطلاحات التي صدمت وتصدم وأربكت تربك فأخرست وتُخْرِسْ حيث كانت جديدة عجيبة عند بعض النخب والكثير من المتعلمين مثل التناشز والعائنية والخارقية والازدواجية وهذه ال"الصفنة" مستمرة لليوم والكثير منها في هذا الكتاب رغم ان بعض من ساهم فيه تجاوزوا موقع الوردي العلمي وتجاوزوا عدد الكتب التي أصدرها والمقالات التي كتبها ونشرها وتجاوزوا عدد اللقاءات الصحفية والتلفزيونية التي اجراها وتجاوزوا عدد الدراسات التي اجروها.

وقد أشار الوردي دون ان يقصد الى نفسه عندما كتب في ص 19 من كتاب مهزلة العقل البشري التالي: [على الواعظين أن يفحصوا قوة التيار قبل محاولتهم أن يقاوموه إن عليهم بعبارة اخرى أن يفهموا أو يسكتوا]. لكنه لم يفحص قوة التيار قبل محاولته مقاومته...ولم يفهم فسكت واُسكت؟ 

ورد في ص13 من التقديم/ المقدمة التالي: [لقد تبارت الكتب بعدد ونوع من يقرؤها فكانت الغلبة لكتب الوردي ليس لكونه عراقياً قحاً وقريب من هواجس الناس او من طبيعة أسلوبه السردي الممتع ولغته المبسطة المفهومة الممتعة. لكنه كان دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات كل ذلك جعله  مقروء من قبل جل الطبقات والاطياف الفكرية وبالرغم من منهجه البحثي ومن عدم مداهنته او موالاته لأي قوى متسلطة في تلك الحقبة من محافظة ملكية ودينية طائفية ومثقفة كما قومية عروبية او يسارية او ليبرالية] انتهى

أسأل كاتب التقديم/ المقدمة: كم عدد من كان بأستطاعته شراء الكتب او عدد من يستطيعون استعارتها من المكتبات العامة ان وجدت حتى تقول:""تبارت الكتب""؟ وحتى اليوم كم عدد من يقرأ ما يشتري من الكتب وان قرأ قرأه بتمعن وروية؟ هل قرأت هذا الكتاب الذي كتبت له التقديم/ المقدمة؟ الجواب كلا وانا أتوقع انه في مكتبتك البيتية وربما التقطت معه صورة عند صدوره...انا استطيع ان أقول انك لم تقرأهُ وان طلبت مني بيان ذلك فأنا على استعداد لذلك.

ما معنى عراقي قح التي وردت ومَنْ هُمْ العراقيين الاقحاح؟ انا لا اشكك بعراقية الوردي لاعتبارات كثيرة لكن كيف عرفت انه عراقي قُحْ؟

قد يكون الراحل الوردي دقيق الرصد لكن آتني ببعض الحالات التي كان فيها دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول ومتسقط المضمون قبل الشكل او متسقط الوسائل قبل الغايات؟ 

وانا سأعرض عليك وعلى القراء الكرام ما يشير الى عكس ما تقول.

تقول: (كل ذلك جعله مقروء من جل الطبقات والاطياف الفكرية)...وانت من كتبَ في ص16 التالي: [لقد كان الوردي جريئا بنقده المجتمع العراقي وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال من مدعي الفكر مثل عبد العزيز الدوري الذي أعاد بعث فكرة الشعوبية خير الله طلفاح المروج لعروبة الجعيفر وتكريت والاعظمية دون العراق...] انتهى

وفق هذا النص أسألك هنا: إذن من قرأ الوردي اذا كانت كل تلك الجماعات والمسميات وجماهيرها التي تعني المجتمع العراقي بالكامل تقريباً تحالفوا ضد الوردي؟

لماذا ضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال...؟ الا يعني ذلك ان الوردي وما طرح وفق قولك هذا من الهشاشة بحيث لم يجد له نصير او معين وكل ما طرحه مسحت به الأرض؟ وينطبق عليه قوله الذي ورد أعلاه وهو: [على الواعظين أن يفحصوا قوة التيار قبل محاولتهم أن يقاوموه إن عليهم بعبارة اخرى أن يفهموا أو يسكتوا].

وقوله في وعاظ السلاطين/ المقدمة ص5/6 التالي: [انهم يحسبون النفس البشرية كالثوب الذي يغسل بالماء والصابون فيزول عنه ما اعتراه من وسخ طارئ وتراهم بذلك يهتفون بملء افواههم: هذبوا اخلاقكم أيها الناس ونظفوا قلوبكم فإذا وجدوا الناس لا يتأثرون بمنطقهم هذا انهالوا عليهم بوابل من الخطب الشعواء وصبوا على رؤوسهم الويل والثبور واني اعتقد بان هذا اسخف راي واخبثه من ناحية الإصلاح الاجتماعي فنحن لو بقينا مئات السنين نفعل ما فعل اجدادنا من قبل نصرخ بالناس ونهيب بهم ان يغيروا من طباعهم لما وصلنا الى نتيجة مجدية ولعلنا بهذا نسيء الى مجتمعنا من حيث لا ندري] انتهى

وهنا ينطبق على الراحل الوردي الوردي قولك: [وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال من مدعي الفكر]

  وورد في ص6 وعاظ السلاطين التالي: [لقد جرى مفكرونا اليوم على اسلوب اسلافهم القدماء لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم ثقافة حديثة أو قديمة كلهم تقريباً يحاولون أن يُغَّيروا بالكلام طبيعة الانسان. وكثيراً ما نراهم يطالبون الناس بمواعظهم ان يغيروا من نفوسهم اشياء لا يمكن تغييرها. فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس الى أن يعتادوا سماع المواعظ من غير أن يعيروا لها أذناً صاغية] انتهى

وهذا ينطبق على الراحل الوردي فرغم انه تثقف ثقافة حديثة فقد رغب/ حاول ان يغير طبيعة الانسان بالكلام وطالب الناس ان يغيروا ما بأنفسهم من خلال ما القى وكتب ونشر وتشعب بين خوارق اللاشعور والاحلام و واسطورة الادب الرفيع وهو يعرف وهو ايضاً من الناس الذين يقرأون المواعظ "الكتب" من غير ان يعيروا للدقة اهتمامهم او انهم لا يحسنوا النقل ولا يُصْدِقوا فيه تعمداً كما الوردي او اهمالاً كما الاخرين...حتى محبيه وممن اسماهم ب(البه به تشيه) لم يعرفوا اسمه الصحيح فأخرجوا وفي هذا الكتاب اسمين له كما اشرنا سابقاً وسنشير اليه في قادمات.

ثم لماذا هذا النفس الطائفي المقيت في طرحك أسمَّي عبد العزيز الدوري وخير الله طلفاح رغم عدم توافقي مع طروحات الأول وعدم احترامي للثاني...الاول صاحب رأي كما الوردي وكما جنابك الكريم اما كيف عَّبَرَ او يعبر عن رأيه فالشجاعة تكون في الرد عليه وفضحه وليس التهجم بهذه الطريقة العنصرية...اما الخرف خير الله طلفاح ...فهل الجعيفر وعروبتها وتكريت وعروبتها والاعظمية وعروبتها تحتاج ان يدافع عنها مثل هذا الشخص المعتوه؟ او ان عروبة المناطق الأخرى يمسها مثل هذا المعتوه.

ثم من قال لك ان العراق عربي؟ في العراق خليط وانت من كتب في ص19 التالي: [يمكث قصدنا في هذا الكتاب احياء اثر علي الوردي من باب حث النفوس على قراءة متأنية لللاإنتماء التشرذمي ويأتي الامر من ايماننا بان العراق البشري وليس الجغرافي بلد فسيفسائي الأصول والفصول فلا تفاضل ولا امتياز لأصل ولون عن اخر الا بالولاء والانحياز الإيجابي للبلد وأهله ومصلحته وتراثه ولا ضير في هكذا اختلاف فموقع تلك الواحة الغناء والانثى الغنجاء المترفة وسط هضاب ووهاد لبدو اجلاف شبقين جعل افئدتهم تهفوا اليها متطلعة للانقضاض او الهجرة او خطب الود وامسى من جانب اخر ساحة وغى للمتناطحين المتنافسين والجبابرة فاتوها من الصين واسيا  وفارس واليونان والجزيرة واليمن وأخيرا من بريطانيا وأمريكا النائية وهو امر طبيعي في السلوك الإنساني فلا يمكن ان يهرب العراق من محيطه البدوي العربي والفارسي والتركي والكردي والمغولي او يمنع عنه من يطمع به حتى من اخر الدنيا ولا بد من الإقرار بان سكان العراق هجين جميل وبوتقة زجاجية مرهفة لتصاعد النوع الاجناسي بين تلك الارومات البشرية التي يحتمل ان تتهشم في لحظة دعة او عفن او ترهل يصيب بنيتها او تاجيج لمتربص بالشر او صب للزيت على النار من يد طامع  تحت الرماد لكن وبالرغم من كل مناخات التاريخ وكثرة الانتصارات والاحتلالات نقر دون مواربة نصاب ان العراق يمكث منتصبا ومقبرة نموذجية للبداوة الهمجية...] انتهى

وتخص الدكتور عبد العزيز الدوري بالقول: [ومن المفارقات ان سحنة الرجل شقراء وعيونه ملونة وكأنه من شعوب الشمال والصقالبة ولا استطيع ان افسر شغفه بأصول عدنان وقحطان في اليمن والحجاز ونحن نعلم ماهي سحنتهم واشكالهم...] انتهى

اليس وصف لون عيون الدكتور عبد العزيز وسحنته  ينطبق على قولك العجيب الغريب: [هجين جميل وبوتقة زجاجية مرهفة لتصاعد النوع الاجناسي بين تلك الارومات البشرية!!!!] وانت من كتب في نفس المقطع: [ويأتي الامر من ايماننا بان العراق البشري وليس الجغرافي بلد فسيفسائي الأصول والفصول فلا تفاضل ولا امتياز لأصل ولون عن اخرإلا بالولاء والانحياز الإيجابي للبلد وأهله ومصلحته وتراثه ولا ضير في هكذا اختلاف...الخ]

اسألك موقفك عن اشكال الكثير من أهالي الموصل الكرام او الكورد الكرام او أهالي عانه وراوة الكرام هل لديك القدرة على الإشارة اليهم كما اشرت الى دكتور عبد العزيز الدوري؟ كم من أهالي بعض المحافظات الجنوبية عيونهم ملونة وسحنتهم لا تقترب من سحنة اهل اليمن؟...هل فكرت يوماً بأن قحطان وعدنان يشبهون أهالي الهند؟ هل سألت نفسك عن بلال الحبشي؟ هل سألت نفسك عن السحنات في البصرة أنك هنا لا تختلف عمن قال عن أهل الاهوار انهم جاء بهم محمد القاسم مع دوابهم؟ هل قرأت ما ذكره علي الوردي عن المعدان؟

كتبتَ في ص19: [وهكذا مكثت النخب تجسد مفهوم "ثقافة الصفوة" التي تقع على النقيض من ثقافتنا المسترسلة من سومر حتى الإسلام وتميزت دائما بمشاعيتها (جماهيريتها)  وهو ما أدى الى قطيعة جعلت النخب تندب حضها العاثر وتشق جيبها على تخلي الناس عنها فقد تركتهم الجموع عند ساعة الحقيقة والانقلابات التاريخية الكبرى وتبعوا "روزخون" او شيخ جامع لا يفقه بشيء او سياسي يقول ما لا يفعل ...]

وهذا حال الراحل علي الوردي بالضبط كما احسنت وصفه عندما كتبت في ص 16 التالي: [لقد كان الوردي جريئا بنقده المجتمع العراقي وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة...الخ]

 يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

هاشم نعمةعن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت صدر كتاب العلاقة بين الهجرة الدولية والتنمية من منظور البلدان المرسلة للمهاجرين بداية هذا العام، للأكاديمي والباحث د. هاشم نعمة فياض. ويقع الكتاب في 351 صفحة.

باتت العلاقة المعقدة بين الهجرة الدولية والتنمية تحظى بالمزيد من البحث على المستوى الأكاديمي وعلى مستوى الدول والمنظمات المهتمة بهذا الموضوع؛ لكن يلاحظ أن هذا الاهتمام لا يزال ضعيفًا ولا يرقى إلى أهمية الموضوع في العالم العربي، على الرغم من أن هذه المنطقة تشترك بقوة في هذا الصنف من الهجرة وتتأثر بنتائجه الكثيرة والمترابطة. وهذا الكتاب مساهمة في سد بعض النقص في هذا الحقل.

تتركز فرضيات الكتاب في نقطتين: الأولى، على الرغم من مشاركة ملايين المهاجرين في الهجرة الدولية، إلا أن هذا الحجم الكبير لا يتلاءم مع إسهام هذا الصنف من الهجرة في دعم التنمية بشكل أساس في البلدان المرسلة للمهاجرين. الثانية، إذا ما استُثمر عنصر الهجرة الدولية بشكل مناسب يمكن أن يكون أحد العوامل المحفزة للتنمية، إلا أنه لا يكون بديلا لها.

يبحث الكتاب في فصوله الستة، إضافة إلى مقدمة وخلفية نظرية في اتجاهات الهجرة الدولية ببعديها الزماني والمكاني على المستويين العالمي والعربي، ومقررات الهجرة الدولية على مستويي البلدان المرسلة للمهاجرين والمستقبلة لهم. ويحلل إشكالية العلاقة بين الهجرة والتنمية، وتحويلات المهاجرين وعلاقتها بالتنمية. ويعالج تأثيرات الهجرة الدولية خصوصًا في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي. ويتطرق إلى معالجات تتعلق خصوصًا بتنظيم الهجرة الدولية والاتفاقيات الدولية الخاصة بها واندماج المهاجرين.

من خلال الرصد والتحليل الذي جرى في ثنايا فصول الكتاب، نلاحظ  أن الهجرة الدولية باتت مكونا مهما من مكونات العلاقات الدولية سواء كانت هذه العلاقات اقتصادية أو سياسية أو ثقافية. وهذا يؤكد ما جرى توقعه في الخلفية النظرية بأن البرجوازية في النظام الرأسمالي في بحثها عن الأرباح واستخلاص الفائض من الطبقة العاملة، ستوسع آفاقها الجغرافية جاذبة بلدان الهامش نحو نظامها باعتبارها مزودا لليد العاملة الرخيصة والمواد الخام، وهذا ما حصل فعلا على نطاق واسع، عن طريق استعمار كثير من البلدان، خصوصا النامية منها، من قبل البلدان الأوروبية.

العلاقة بين الهجرة الدولية والتنمية: من منظور البلدان المرسلة للمهاجرين لفترة طويلة، لم تعالج العلاقة بين الهجرة والتنمية بطريقة صحيحة على مستوى البلدان المرسلة للمهاجرين، إذ تحلل الدراسات بصفة أساسية تأثيرات الهجرة في بلدان المقصد، وفي حالات نادرة جدا تحلل هذه التأثيرات في البلدان المرسلة للمهاجرين. فقط  ثمة عدد محدود من الدراسات عالج تأثيرات الهجرة على الأجور والتفاوت، والنمو والرفاه الاجتماعي، والتأثيرات الاجتماعية التي تشمل صحة الأطفال، والتعليم ودور المرأة، وتأثير المهاجرين العائدين الذين اكتسبوا خبرة في بلدان المقصد، إضافة إلى العلاقة بين الهجرة والتجارة.

يقود نقص التنمية إلى الهجرة، لكن تؤثر الهجرة أيضاً في نقص التنمية، ففي الدول التي تشهد زيادة في الدخل والإنتاج الزراعي تعكس الهجرة النجاح، وتستطيع تحويلات المهاجرين أن تجد الأرض الخصبة للمساهمة في التنمية. لكن في الاقتصاديات الراكدة والمخربة نتيجة فشل الأسواق، تعكس الهجرة التنمية الفاشلة، ومن المرجح أن تكون تأثيراتها الايجابية أكثر محدودية.

الهجرة ليست علاجا للتنمية ولا شؤما عليها. لكن هناك طرقا لتعزيز مساهمة الهجرة في التنمية الاقتصادية في المناطق المرسلة للمهاجرين. هذه حقيقة، خصوصاً بالنسبة إلى الهجرة الدولية؛ لأن تحويلات المهاجرين تميل لتكون أكثر من تلك العائدة إلى الهجرة الداخلية.

توجد علاقة ذات حدين بين الهجرة والتنمية، فهناك علاقة إيجابية وأخرى سلبية، حيث يمكن للهجرة أن تكون سبباً ونتيجة للتخلف في الوقت نفسه، بينما يزداد التخلف أو يقل نتيجة الهجرة، لذلك لا يمكن رؤية الهجرة بشكل مطلق على أنها عقبة في وجه التنمية أو إحدى استراتيجيات تحقيقها، إذ يعتمد تأثيرها على التنمية في الدول والمجتمعات كل على حدة، وعلى البيئات السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية لتلك المجتمعات التي تحدث فيها الهجرة، وكذلك يعتمد تأثيرها على خصائص المهاجرين وسلوكياتهم.

من الواضح أن هناك عددا من الدراسات عالج موضوع العلاقة بين الهجرة والتفاوت أو عدم المساواة، وعلى الرغم من حقيقة أن الهجرة متجذرة بعمق في التفاوت المحلي إضافة إلى التفاوت العالمي، لكن ليس بالضرورة أنها تعمل على تقليل هذا التفاوت. إجمالا، هناك القليل من الاتفاق في الأدب الذي يعالج هذا الموضوع، إذ ثمة نتائج متباينة حول كيفية تأثير الهجرة في التفاوت، حيث تعتمد الدراسات بدرجة كبيرة على نمط التباين الموجود الذي يجري تحليله والمعطيات المتوفرة حوله وحجم التحليل، وأي ضعف في هذه العناصر يمكن أن يؤثر في النتائج التي تخرج بها دراسة التفاوت.

ومن وجهة نظر النظام العالمي، فإن الهجرة الدولية تعد شكلا من أشكال التبادل غير المتساوي، فهي تعزز التنمية في البلدان التي يكون وضعها الاقتصادي جيدا في الأصل. وهي نظام لعرض العمالة. وبهذا المعنى، فالمهاجرون قوة عاملة مثل كل القوى العاملة، يجب أن يعاد إنتاجها. لكن ما يميز نظام عرض القوى العاملة الدولية عن عرض القوى العاملة المحلية، هي أن عملية إعادة إنتاج الأولى تحدث عبر الحدود الوطنية.

هناك وجهتا نظر متعارضتان بشأن تأثير التحويلات في التنمية تسودان في الأدب الحالي المتعلق بالموضوع: واحدة متفائلة وأخرى متشائمة. يعتقد مؤيدو وجهة النظر المتفائلة بأن التحويلات يمكن أن تحفز التنمية بشكل مباشر أو غير مباشر. أما المدافعون عن وجهة النظر المتشائمة، فهم يسلطون الضوء على التأثيرات العكسية للتحويلات في التنمية.

تتمثل المنافع الرئيسة للتحويلات (المحتملة والحقيقية) بالنسبة إلى البلدان المرسلة للعمالة في: تسهيل قيود التبادل الخارجي وتحسين ميزان المدفوعات، زيادة استيراد السلع الرأسمالية والمواد الأولية الموجهة للتنمية الصناعية، زيادة في عرض المدخرات والاستثمار في تكوين رأس المال والتنمية، التخفيف من تأثيرات ارتفاع الأسعار، خلق إضافات صافية للموارد، ارتفاع مباشر في المستوى المعيشي لمستلمي التحويلات، تحسن في توزيع الدخل  بالنسبة إلى الفقراء| المهاجرين الأقل مهارة.

ثمة مسألة غاية في الأهمية تتمثل بتحقيق أقصى قدر ممكن من التأثيرات التنموية من التحويلات. وهي تشمل توفير الخيارات للأفراد لتمكينهم من استخدام هذه الموارد الخاصة لدعم الاستثمارات التنموية، ويكون في مركز ذلك الاهتمام البنية التحتية والطاقة الإنتاجية. علما أن تدفقات التحويلات هذه لا تستبدل الدور التنموي للخدمات الاجتماعية العامة، والتنمية الصناعية، والاستثمار في قطاع الصادرات، لأن هذه القطاعات تلعب دورا محوريا في الاقتصاد الوطني.

إن الجدل الدائر في العديد من الدوائر الاقتصادية والسياسية في البلدان المرسلة للعمالة حول مكاسب ومغارم هجرة العمالة إلى البلدان العربية النفطية، يدور بصفة أساسية حول آليات تدفق وأنماط استخدام واستيعاب تحويلات العاملين في البلدان النفطية، إذ إن الحجم المطلق لتحويلات العاملين بالخارج لا يمثل بالضرورة رصيدا ايجابيا لمجهودات وبرامج التنمية في البلدان المرسلة للعمالة في ظل الآليات والأنماط السائدة لاستخدام هذه التحويلات. فهناك العديد من المظاهر السلبية والتشويهات التي لحقت بأنماط الاستهلاك والاستيراد والاستثمار في البلدان المرسلة للعمالة، ما يؤثر تأثيرا بالغا في أولويات برامج التنمية ونمط تخصيص الموارد في هذه البلدان.

نعتقد أن فرضيات الدراسة قد تحققت، إذ على الرغم من مشاركة ملايين المهاجرين في الهجرة الدولية على المستويين الإقليمي والعالمي، ومنها الهجرة من البلدان العربية، إلا أن هذا الحجم الكبير لا يتلاءم مع إسهام هذا الصنف من الهجرة في دعم التنمية بشكل أساس في البلدان المرسلة للمهاجرين. وقد تبيّن من البحث أنه إذا ما استثمر عنصر التنمية الكامن في الهجرة الدولية بشكل مناسب فإنه يمكن أن يكون أحد العوامل المحفزة للتنمية، إلا أنه لا يكون بديلا منها.

أخيرا، يحتاج موضوع العلاقة بين الهجرة والتنمية على مستوى العالم العربي إلى مزيد من الجهود البحثية وبطريقة مركبة لكشف الإمكانيات الحقيقية الكامنة للاستفادة من موارد الهجرة في التنمية وتلافي السلوك الضار لهذه الموارد على الاقتصاديات الوطنية في البلدان المرسلة للمهاجرين، ويفترض أن يكون هناك تعاون وتنسيق بين البلدان العربية المرسلة والمستقبلة للمهاجرين لإدارة الهجرة بما يجعلها أحد مكونات التنمية المستدامة.

 

د. هاشم نعمة

 

3362 احمد الناجيكانت أول بواكير للنهضة النسوية العربية قد بدأت في خضم بعض البوادر الفردية التي ظهرت في مصر مطلع القرن العشرين وبشكل تلقائي، من خلال المفكر ونصير المرأة قاسم أمين، ومن ثم بعض النساء العربيات المتعلمات التي كان نضالهن أول الأمر اجتماعياً يتعلق بالتعليم والعمل، وكانت هناك صور داعمة لرجال امتلكوا التفكير الواعي بالمرأة ونصرتها، واعين بأهميتها ومكانتها في المجتمع وبروح تنويرية وإصلاحية، ومن هؤلاء الرجال وقاسم أمين والشيخ محمد عبدة ومرقص فهمي والزهاوي وحسين الرحال ومصطفى علي ومعروف الرصافي، وهكذا بزغ التفكير النسوي العربي وصار الوعي به مسلكاً مهماً لارتياد مزيد من مظاهر التقدم الفعلية وبخطوات عملية وواقعية وفي مختلف مجالات الحياة العربية.

صدر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب للباحث والكاتب أحمد الناجي تحت عنوان (بواكير النهضة الفكرية في العراق)، الكتاب بواقع (319) صفحة من الحجم المتوسط، ذات الطباعة الراقية دون أخطاء إملائية أو طباعية وبغلاف جميل، حيث سلط الناجي من خلال الكتاب الضوء على بواكير النهضة النسوية في مصر والعراق. كُسِرَ الكتاب بمقدمة وخاتمة وسيرة ذاتية وثمان فصول، حيث سلط الناجي في الفصل الأول من الكتاب على أهمية دور المرأة في فكر رواد النهضة العربية، وفي الفصل الثاني مكانة المرأة العراقية في العهد العثماني، والفصل الثالث خصصه الناجي لدور المرأة العراقية في عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني، وفي الفصل الرابع سلط الضوء على جدلية السفور والحجاب، أما في الفصل الخامس فأخذ الناجي نهوض المرأة العراقية في عقد الثلاثينيات في العراق، وفي الفصل السادس مكانة المرأة العراقية بعد الحرب العالمية الثانية، وخصص الفصل السابع لنضال المرأة العراقية في عقد الخمسينيات، أما الفصل الثامن فسلط الضوء على تطورات حقوق المرأة السياسية.

يذكر الكاتب أحمد الناجي في كتابه  عن دور المفكر قاسم أمين الذي كان يدعو في مطلع القرن التاسع عشر إلى نهضة المرأة وتحررها حيث قال: (نحن لا نكتب طمعاً في أن ننال تصفيق الجهال وعامة الناس... وإنما نكتب لأهل العلم، وعلى الخصوص للناشئة الحديثة، التي هي مستودع أمانينا في المستقبل، فهي التي بما اكتسبته من التربية الصحيحة، يمكن أن تحل مسألة المرأة المكان الذي تحله من العناية والبحث). فالصراع حول تعلم المرأة في مصر بين قاسم أمين ورجال الدين قد أثار حفيظة رجال الدين في العراق وصراعهم حول تحرر المرأة ومناداة كل من الرصافي والزهاوي ودعوتهما من خلال الشعر والمقالات إلى منح المرأة حقوقها.

فيذكر الكاتب أحمد الناجي في كتابه ص52 حول أول مدرسة افتتحت رسمياً في العراق قائلاً: (حينما جرى سنة 1896م افتتاح أول مدرسة رسمية للبنات في ولاية الموصل في محلة (جامع خزام) وهي مدرسة رشدية تدرس فيها بالإضافة إلى المواد الدراسية بعض الدروس التي تخص البنات).

ويؤكد الكاتب أن لدور جريدة (صدى بابل) التي صدرت في آب 1921م حسب كان الدور في نشر ابيات لشاعر لم يذكر اسمه، كما ذكر في ص64 مساهمة الشاعر جميل صدقي الزهاوي بمقال حول الرجل وما باله بأنه ناقص بدون المرأة، ويقول الناجي في ص115 "أن منتدى التهذيب الذي أسس عام 1922م ومن خلال انشطته في تلك الأثناء كانت بمثابة إلقاء حجر في بحيرة الثقافة الراكدة، التي وجهت الأنظار صوب عددٍ من قضايا المرأة العراقية كان يصعب تداولها في امكنة أخرى". لا شك أن منتدى التهذيب كان له الدور في تأسيس الفكر النسوي الذي أخترق ترسانة الفكر الذكوري والنظرة الموضوعية للمرأة وهي تواجه التحديات محاولة اجتياز القلاع متحصنة.

وفي ص140 من الكتاب يؤكد الكاتب أحمد الناجي على "أن البرقع والنقاب ليسا من الإسلام" معتمداً على ما ورد في مجلة المنار، فقد ذهبوا إلى أن الوجه والكفين ليسا بعورة، ويجوز للمرأة كشفهما؛ لأن الوجه واليدين يحتاج إلى كشفهما عند المعاملة فكان في كشفهما ضرورة لا تتفق لغيرهما من البدن فأبيح كشفهما، وبقي ما عداهما على المنع إلا القدم ففيه روايتان؛ فقيل هما ليسا من العورة أيضاً كالوجه واليدين لضرورة الخدمة والحاجة إلى كشفهما في الخدمة، وكان الحجاب لسنوات عديدة مشهداً نادراً في المناطق الحضرية في معظم أنحاء المنطقة.

ويذكر الناجي في ص186 أن "في بواكير السفور أول سيدة خلعت الحجاب السيدة ماجدة الحيدري عام 1933م زوجة الأستاذ رؤوف الجادرجي، فيما أشار آخر إلى ذلك السيدة عقيلة السياسي المعروف حكمت سليمان، ولكن حنا بطاطو ذكر بأن السيدة أمينة الرحال هي أول مرأة عراقية تخلت عن الحجاب". إلا أن الناجي أكد في ص188 على الصحف المعارضة في تلك الحقبة لظاهرة السفور. وقد شاركت أمينة الرحال في أول مؤتمر نسائي منعقد في دمشق للفترة من 3 إلى 6 تموز 1930.

كما سلط الناجي في ص127 الدور الريادي للصحافة فالدعوة للتحرر وخاصة (مجلة ليلى) الرائدة في العراق، وهي أول مجلة نسائية تنشر في العراق في عام 1923، وكانت تتناول مسائل جديدة آنذاك ومفيدة ذات صلة بالعلوم، والفن، والأدب، وعلم الاجتماع، وخاصة بتربية الأطفال وتعليم الفتيات، وصحة الأسرة، وغيرها من المسائل المتعلقة بالاقتصاد المنزلي، كما أوردت أخبارا عن الثقافة، والتعليم، وشؤون الأسرة، واهتمت المجلة أيضا بالبحوث الطبية، والشعر، ونشرت أعمال الشعراء العراقيين المعروفين كالرصافي والزهاوي. سجل إصدار ليلى بدايات الصحافة النسائية في العراق ويُعزى إليها الفضل لكونها من العوامل المهمة في ظهور الحركة النسائية العربية. نُشرت المجلة تحت شعار "على طريق نهضة المرأة العراقية"، وقادت حملة من أجل تحرير المرأة. واشتملت افتتاحيتها على مقالات مثل "بوتقة الحق" و"أخبار الضرائب" و"ركن ربات البيوت" و"الأخبار الغريبة"، و"حلقات من أوتار سحرية" وسِواها. ومن أهم المقالات التي نشرتها المجلة كانت افتتاحية العدد 6 الصادر في 15 أيار 1924، والموجهة إلى الجمعية التأسيسية في العراق، تطالبها بمنح المرأة حقوقها. وقد نُشرت ليلى في 20 عددا فقط. وتضمنت في عددها الأخير، بتاريخ 15 آب 1925، مقالة حزينة شرحت للقراء الوضع المالي الصعب للمجلة. وبعد ذلك بوقت قصير، غادرت صاحبة المجلة بولينا حسون العراق وتوقفت المجلة عن الصدور.

ولا ننسى دور المرأة ومشاركتها في اغلب التظاهرات المطالبة بتحسين الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمطالبة بحقوقها، فساهمت المرأة العراقية في تظاهرات عام 1946 وعام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وتظاهرات عام 1952م وتظاهرات عام 1956م، ويؤكد الناجي في كتابه ما للمرأة من دور في تأسيس رابطة المرأة العراقية يوم 10-3-1952 في بغداد وتحت اسم رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية وحددت اهدافها: النضال من اجل السلم والتحرر الوطني والديمقراطية. النضال من اجل حقوق المرأة ومساواتها. النضال من اجل حماية الطفولة وسعادتها.

كما سلط الناجي الضوء في ص250 من كتابه على نضال المرأة العراقية في عقد الخمسينيات "في ظل الزخم المتصاعد للحركة الوطنية، شكلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (اللجنة النسائية) حيث ضمن في عضويتها كل من: نزيهة الدليمي، ثمينة ناجي يوسف، بشرى عبد الجليل برتو، مادلين مائير عزره، زكية شاكر الحسني، ناهدة العبايجي. وعلى أثر تطور عمل هذه اللجنة جرى تكليف نزيهة الدليمي للتداول مع عفيفة رؤوف رئيسة جمعية الرابطة النسائية لإعادة نشاطها. ويختتم الناجي كتابه بدور ثورة 14 تموز 1958 في منح المرأة حقوقها. وقد أثار نشر خبر مشروعي القانونين موجة واسعة من الآراء ووجهات النظر المتناقضة حول قوانين الأحوال الشخصية، حيث لا تزال الذاكرة العراقية، وخصوصا القانونية والسياسية، طريّة وتحتفظ بسجالات وصراعات حادّة، لا سيّما ما تركه القانون رقم 188 لعام 1959 من إشكالات، لا تزال ذيولها مستمرة حتى الآن، وهي تنام وتستيقظ بين الحين والآخر.

كما ذكر في نهاية الكتاب المعارك الفكرية والفقهية والسياسية التي دارت حول مضمون القانون رقم 188، حيث اعتبره البعض خطوة متقدمة في حينها بشأن مقاربة حقوق المرأة، أما الفريق الآخر فقد اعتبره خروجا على الشريعة الإسلامية، حتى يمكن القول إنه واحد من أسباب الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم عام 1963.

وظلّت قضية حقوق المرأة والموقف من القانون رقم 188 لعام 1959 نقطة خلاف جوهرية وإشكالية تكاد تكون مستعصية بين الفاعليات والأنشطة السياسية والثقافية منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، وبعد انقلاب فشباط 1963 صدر القانون رقم 11 الذي ألغى الفقرة الخاصة بسريان أحكام القانون بخصوص المواريث، وأجريت عليه تعديلات لاحقة.

وأخيراً اعتبر كتاب الناجي (بواكير النهضة النسوية في العراق) هو دراسة وافية لنهضة المرأة العربية والعراقية والظروف السياسية والصحفية التي ساهمت في نهضتها، واليوم قد تراجع دور ومكانة المرأة العراقية بسبب الظروف السياسية التي تمر بها. أشد على يد الكاتب والباحث لهذه الدراسة المهمة التي ظهرت في وقت نحن بأمسّ الحاجة لها بسبب تردي الأوضاع على جميع المجالات بعد عام 2003م. لذلك يؤكد الناجي قائلاً: "يؤسفنا أن نقف اليوم، والدهشة تعلو وجوهنا، ونحن نهجس مواضع أقدامنا، وهي تقطع العتبات الأولى من العقد الثالث في الألفية الثالثة، أمام التحديات نفسها التي كانت تشغل فكر رواد النهضة العربية، وعيوننا المملوءة بالأمل والثقة، تلتفت مضطرة، تعود بنا إلى الوراء نحو أواخر القرن التاسع عشر، لأجل عرض أفكار أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني ورفاعة الطهطاوي، واستدعاء كتابات المفكر قاسم أمين، وتنظر نحو مطالع القرن العشرين".

والكاتب أحمد الناجي من مواليد مدينة الحلة 1955م، وعضو الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق، وعضو اتحاد المؤرخين العرب، نشر العديد من البحوث والدراسات والمقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وصدر له أكثر من (11) مؤلف في مجال الاجتماع والتاريخ والسيرة والدراسة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

الحلة – 21/2/2022

 

 

جواد بشارةقراءة لكتابه الأخير: إستقراء ونقد الفكر الشيعي

الفكر الديني والإسلامي على وجه الخصوص بحاجة لمثقفين متخصصين يقومون بحفريات معرفية ومراجعات فكرية عميقة لتخليص الدين من براثن الخرافة والتحريف والمبالغة وهيمنة التفكير الشعبوي المليء بالشعوذات والأساطير والخرافات والدكتور فالح مهدي أحد هؤلاء المفكرين وهم نادرين، إذ تصدى قبل بضعة أعوام لموضوع خطير وحساس تحت عنوان " نقد العقل الدائري: الخضوع السني والإحباط الشيعي "وكان عميقاً وجريئاً في تناوله لموضوع التشيع في ذلك الكتاب الصادر سنة 2015. بيد أن المقاربة تلك مست الأسطح الظاهرة من عالم التشيع فكان لابد من مقاربة أخرى أعمق تغوص في أعماق الفكر الشيعي بعملية تنقيب آركيولوجية للوصول إلى منابع التشيع لفترة ما بعد اختفاء الإمام الثاني عشر ومرحلة السفراء الأربعة، وهي المرحلة التي أعيد فيها ترتيب المذهب الشيعي الذي كان يتهاوى سياسياً وجماهيرياً وكان لابد من عملية إنقاذ جراحية قيصرية لولادة جديدة حتى لو كان المذهب قد بني على الأساطير والأكاذيب والإدعاءات والنصوص الموضوعة. وقد قادت  منهجية الحفريات المعرفية وإعادة القراءة التاريخية بمنهجية تفكيكية، الباحث الدكتور فالح مهدي إلى تركيز اهتمامه على الكتب التأسيسية للفكر الشيعي المؤدلج ألا وهي " الكافي، ومن لايحضره الفقيه، وتهذيب الأحكام، والاستبصار" الأول للكليني، والثاني لإبن بابويه القمي، والثالث للشيخ الطوسي، والرابع للطوسي أيضاً وأربعتهم من بلاد فارس أي إيران المعاصرة. وكان تدخل إيران السافر والمباشر في شؤون العراق ودورها السلبي المؤذي وهيمنتها على مقدرات العراق واختطاف الدولة العراقية الحالية ، أي مابعد سقوط النظام السابق، هو الذي دفع المؤلف لكتابة هذا البحث القيم والخطير. فهناك دلائل واعترافات من قبل شخصيات مؤثرة في النظام الإيراني أعلنت بصراحة ووقاحة وصلافة أن العراق الحالي هو جزء من إيران وإنهم سيسترجعون أمجاد الإمبراطورية الساسانية. القناعة التي ترسخت لدى الكاتب هي أن التشيع المعاصر فارسي الهوية في جوهره وأداة بيد إيران للتسٌيد على العالم الشيعي في المنطقة" العراق وسوريا ولبنان والبحرين وجزء من السعودية وخاصة منطقة الطائف حيث يتواجد مخزون البترول السعودي، والكويت واليمن الخ"، وإن هناك هوة عميقة بين التشيع الأصلي، الذي وصفه الباحث بالبريء، أي تشيع القرن الأول الهجري بعد اغتيال علي إبن ابي طالب والتشيع الذي تشكل وأعيد بناؤه في القرن الرابع الهجري. لذا تطلب الأمر من الباحث العودة إلى الكوفة مهد التشيع في القرنين الأول والثاني بعد الهجرة ومقارنته بتشيع احتضنته بغداد العباسية في القرن الرابع الهجري، الذي تزامن مع بداية الانحطاط السياسي للخلافة العباسية .يقول الباحث في مقدمته لبحثه العميق أن القرن الرابع كان قرن المتنبي وأبو حيات التوحيدي وإخوان الصفا والقاضي عبد الجبار وعشرات المبدعين الآخرين، لكنه كان في نفس الوقت قرن الكليني والطوسي وإبن بابويه القمي والفردوسي صاحب ملحمة شاهنامة الشهيرة التي أعتبرت العرب هم المسؤولون عن سقوط الإمبراطورية الساسانية في القرن السابع . في ذلك الوقت نشأ كره العرب عند الفرس والرغبة في إذلالهم والانتقام منهم وما يزال هذا الحقد ونزعة الانتقام موجوداً إلى يومنا هذا.

لم يركز الباحث فالح مهدي كثيراً على العقيدة الشيعية والمسائل الفقهية التي تعتبر ركيزة النظام الأيديولوجي شيعياً بل صب اهتمامه على ما أسماه " الإنحراف" الذي حدث في الفكر الشيعي في القرن الرابع الهجري على يد الكليني كما اتضح في متون كتابه " الكافي" والكتب الثلاثة الأخرى المذكورة أعلاه. لم يكتف الدكتور فالح مهدي بقراءة نصوص هذه الكتب بل ذهب إلى ما وراء النص، أي قراءة " في عقدة النص، وكشف الأوهام وتورم الذات" على حد تعبيره. واستفاض بذلك في خاتمة الكتاب التي عنونها: الخروج من الجهل: ملاحظات نهائية في عقدة النقص". والمقصود بعقدة ثقافة قائمة على مخيلة مريضة وأوهام وأيديولوجيات تنزع إلى إقصاء الآخر وتبحث بشتى السبل للحط من شأنه والآخر هنا هو العرب بالطبع.

يلقي الباحث الضوء على محتوى كتاب صغير الحجم لعبد الله فياض عنوانه " تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة: منذ نشأة التشيع حتى مطلع القرن الرابع الهجري" أي قبل حدوث الانحراف الذي أشار إليه الباحث في مقدمته. وكان السيد محمد باقر الصدر قد كتب مقدمة طويلة لهذا الكتاب ادعى فيها أن الباحثين المحدثين أخطأوا في اعتبار التشيع بوصفه ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي تكونت على مر الزمن نتيجة لأحداث وتطورات اجتماعية معينة هي التي صاغت التكوين الفكري والمذهبي للتشيع الذي اتسع بالتدريج"، ويعقب الباحث فالح مهدي على ذلك بالقول إن الظاهرة الشيعية لم تكن طارئة بل كانت نتيجة من نتائج التعقيد الحصاري والنزاعات من أجل السلطة والمال وإن نقد السيد الصدر لفكرة أن التشيع تكون على مر الزمن جانب الصواب لأن تشيع القرن الأول  والثاني الهجريين لا علاقة لهما بالتشيع الذي شيده الكليني أولاً وإبن بابويه القمي والشيخ الطوسي. فالسيد الصدر يعتقد وبكل يقين أن التشيع ولد منذ وفاة النبي محمد مباشرة على يد مسلمين خضعوا عملياً لأطروحة زعامة الإمام علي وقيادته وأحقيته بالخلافة والتي فرض النبي الابتداء بتنفيذها قبيل وفاته مباشرة بالضد من أطروحة السقيفة التي جمدت أطروحة زعامة الإمام علي وأحقيته وأهليته وإسناد السلطة إلى غيره. وحجة السيد الصدر هي استناده إلى وجود إثني عشر صحابياً أنكروا على أبي بكر فعلته وأخذه للخلافة كما جاء في كتاب " الاحتجاج" للطبرسي الصادر في القرن السادس الهجري. يتساءل الكاتب  فالح مهدي كيف لعلامة من مستوى محمد باقر الصدر أن يثق بقول رجل من أبناء القرن السادس الهجري ويعتبر رأيه مرجعياً أجمع عليه  المسلمون والحال أنه لايوجد إجماع فللشيعة إجماعهم وللسنة إجماعهم ، وليس هناك من مصدر محل شك وريبة كالإجماع كما قال  أحمد بن حنبل" من ادعى الإجماع فهو كاذب". يستنتج مؤلف الكتاب أن السيد محمد باقر الصدر ، ومن خلال تحليل مقدمته المذكورة أعلاه وكتاباته الأخرى، ما يزال يعيش ضمن ثقافة القرن الرابع الهجري ولم يخرج منها بل أثبت أنه إبنها البار والمخلص لأنه كان يدعوا إلى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق تشريعاتها حرفياً وبالتالي يعيدنا إلى المربع الأول ولو قيض لنظامه " ألأبوي" الديني الطابع على غرار صيغة الدولة الإسلامية  أو نظام الحكم في إيران ، حيث العنف والميليشيات وشذاذ الآفاق الذين سيحكمون باسم الدين والإسلام والتشيع، لاكتشف أن الدين والطائفية هما وسيلة الخميني وخامنئي وأتباعهم في إيران وخارجها لتسُيد إيران على المنطقة وفرض إرادتها. ويعتقد الكاتب أن دعوة محمد باقر الصدر العراقيين للالتفاف حول الخميني وثورته الإسلامية باعتباره المرجع الأعلى لكل الشيعة ومقارعة نظام البعث السابق يعني الوقوف إلى جانب إيران ضد بلده فالعراق ليس ملكاً لصدام ونظامه ولايحق لأحد التفريط بسيادته لصالح دولة أخرى حتى لو كانت من نفس المذهب. وبالتالي ليس العراق في نظره ونظر الإسلام السياسي الشيعي سوى إقليم أو إمارة لا أكثر تدور في فلك الجمهورية الإسلامية وهو موقف جميع التنظيمات السلفية الجهادية كالقاعدة وداعش وأمثالهما، الذين يؤمنون بشمولية الأمة الإسلامية ولايعترفون بوجود لدولة كالعراق. لم يحتج محمد باقر الصدر على إبادة وقمع الشيوعيين والقوميين والليبراليين والمستقلين والديموقراطيين المعارضين لنظام البعث، وبقي صامتاً لغاية التفات نظام صدام حسين للتيار السياسي الشيعي وهجمته على حزب الدعوة الذي أسسه الصدر نفسه فأعلن معارضته ووقوفه إلى جانب إيران بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية.3360 فالح مهدي

مما لا شك فيه أن بحث الدكتور فالح مهدي هو في جوهره محاولة حفرية، على ضوء علم الأنثروبولوجيا في أركيولوجيا الثقافة والرجوع إلى المصادر التي يستند إليها الشيعة الإثني عشرية لتقديم تصورهم عن الإسلام وما يحيط بهم، وعن أوهامهم ونرجسية من سمح لتلك الثقافة أن تنتشر وتنمو وتزدهر وتصبح حاضرة في سلوكيات الناس باعتبارها حقائق مطلقة.

بذل الباحث جهداً معرفياً كبيراً في شرح أهمية اللغة في الثقافة والفكر وعلاقة لغات بلاد وادي الرافدين، القديمة والحديثة، بما فيها العربية، باللغة الفارسية لمعرفة الروح السامية، نسبة للساميين، التي سادت في المنطقة، هو حيز مكاني يتصل بشبه الجزيرة العربية ويمتد إلى أفريقيا ويشمل بالطبع العراق والشام. البحث التمهيدي النظري طويل ومكثف في نفس الوقت لكنه يبعد القاري التواق للدخول مباشرة في صلب الموضوع الذي جسده العنوان، رغم أهمية المعرفة الموسوعية والأكاديمية التي تستدعي الغوص في جذور الكلمات والمصطلحات اللغوية عبر التاريخ فيما يتعلق بالساميين والفينيقيين والعبرانيين والعرب ، حيث تم اختراع الكتابة في هذه المنطقة من العالم قبل 3000 سنة من التقويم الميلادي المعاصر بفضل العبقرية السومرية وبعدها الأكدية والبابلية والآشورية ، كما  كانت هناك الحضارة الفرعونية المصرية ولغتها الهيروغليفية ، مقابل الضعف اللغوي الفارسي، حسب فرضية الباحث  فالح مهدي وهو لا يقلل من أهمية حكم الفرس للعراق طيلة أكثر من ألف عام وهو يقصد الأخمينيين والبارثيين ثم الساسانيين الذين استمر حكمهم لأكثر من أربعة قرون للعراق. لقد لاحظ الباحث ضمور الحياة، ولاسيما الثقافية خلال تلك الفترة الطويلة التي تجاوزن الألف عام من حكم الفرس للعراق، وهي السمة التي وصفها الباحث بفرسنة النظام طيلة تلك السنوات العجاف. مثلما ضمرت خلال أربعة قرون أخرى من الحكم العثماني للعراق.

من البديهي التفكير أن هناك علاقة بين اللغة والفكر والسؤال المطروح بهذا الصدد كما يقول الكاتب هو: هل اللغة وسيلة لنقل الأفكار أم إنها تساهم في خلقها؟ واستند في إجابته إلى عالم اللغة والفيلسوف الألماني وليام فون هيمبولد (1767-1835) الذي اعتبر نظام اللغات ككينونة عضوية مما قاد إلى اعتبار بنيوية اللغة هي من يحدد بنيوية الفكر، في حين اعتبر سابير وورف بأن العلاقة بين اللغة والفكر لايعتبر فرضية بل مبدأ من مباديء النسبية اللغوية التي تتضمن النسبية الوجودية. وإن اللغة ليست مجرد مجموعة علامات وإشارات اعتباطية أو إنها وجدت صدفة. فبدون لغة لا يمكن نقل الأفكار والمفاهيم من عقل إلى آخر ومن حيز إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى كما قال إبن جني (322-392).

ثم استرسل الباحث في تبيان معنى اللغة فلسفياً ومعنى الفكر، فليس هناك فكر دون لغة والثقافة بمعناها الواسع تقوم بفضل تلك العلاقة المتشابكة بين اللغة والفكر. بينما أعتبر الفيلسوف برغسون أن اللغة مقبرة الفكر. والعكس هو الصحيح لأنه بفضل اللغتين المسمارية والهيروغليفية تمكن قدماء المصريين والعراقيين نقل ما يفكرون به وما توصلت إليه حضارتيهما إلى باقي الأقوام البشرية. ويعرج المؤلف إلى العلاقة بين اللغة الفارسية التي كانت مهيمنة واللغة العربية التي انتصرت عليها بعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس حيث أحدثت العربية تغييرات جوهرية في صلب اللغة الفارسية ابتداءاً من نمط الكتابة المقتبس من العربية ومروراً بعدد هائل من المفردات والمصطلحات العربية التي تجذرت داخل اللغة الفارسية، وقدم إحصائيات معجمية بهذا الشأن. وبعد أن كانت فارس المعرٌبة، أصبح العراق مفرُساً، أو مايسميه المؤلف بــ " فرسنة العراق" على مدى ألف عام، ومن ثم بعد ذلك " عثمنة العراق" في عهد الهيمنة العثمانية على مدى أربعة قرون. لقد ورث الفرس الغزاة نمط بابل للري وبناء المدن وأنماط الحياة والقانون والتشريعات ولم يضيفوا الكثير من المنجزات ربما فقط تحسين القنوات المائية بحفر قنوات ثانوية تدعم القنوات الرئيسية التي حفرها السومريون والبابليون. ولقد شكل العراق مركز الإمبراطورية الساسانية. لذلك يحتل العراق أهمية كبرى استراتيجية بالنسبة لإيران في العصر الحالي. استغرق هذا التمهيد المعرفي والأكاديمي قرابة 80 صفحة قبل الدخول في صلب الموضوع في الفصل الثاني من الكتاب الذي جاء تحت عنوان: القرن الأول الهجري الكوفة كنموذج لبراءة التشيع. وهنا يعود الباحث إلى أهمية المكان الذي سبق له أن نظر بشأنه في كتابه نقد العقل الدائري، حيث تنشأ الأيديولوجية وتتطور حينما ترتكز إلى تاريخ وقصص وحكايات وأساطير متخيلة أو مختلقة، ولو تحرت الموضوعية والحقيقة لما استمرت في خداع ملاين الأبرياء. فالأيديولوجية حسب الكاتب فالح مهدي هي نظام الأفكار المتداخلة كالمعتقدات والأساطير التي تؤمن بها جماعة معينة وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية وتبررها في نفس الوقت وهذا ينطبق تماماً على الأيديولوجية الشيعية.

وكأي باحث منصف وعلمي يبدأ الباحث في عرض بدايات التشيع المرتبطة بالمكان. والمكان هنا هو مدينة الكوفة التي أسماها عمر بن الخطاب " مخ العرب" والتي تأسست في عهده، وهي منشأ التشيع السياسي. بعد اندحار الجيش الساساني أمام المسلمين عام 17/638 أنشئت مدينة الكوفة كنقطة وصل بين المدينة، أي عاصمة الدولة الإسلامية الوليدة، وبقية الأمصار التي غزاها سعد إبن ابي وقاص ولقد كتب في ذلك الباحث التونسي هشام جعيط وكرس له كتاباً بعنوان " الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية" ونجم حيدر في كتابه " أصول الشيعة: الهوية والطقوس والفضاء المقدس في الكوفة في القرن الثامن" مع ندرة المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة. عدا بعض المصادر المتأخرة وأغلبها تعود لمستشرقين متخصصين قدموا رؤيتهم لهذا الموضوع بحيادية. كانت هناك توترات واحتدامات واختناقات وحساسيات بين من جاء مع الجيش الإسلامي الغازي من الوافدين الأوائل ممن أطلق عليهم تسمية الأشراف وهم رجال القبائل (الروافد) من جهة، وبين رؤساء القبائل الأصليين القاطنين في المنطقة، من جهة أخرى، حدث هذا في زمن عمر بن الخطاب. وتفاقم الأمر خاصة مع القبائل الموالين للسلطة في زمن عثمان ومن بعده الأمويين. كان عمر يغدق العطايا والامتيازات الاقتصادية على أساس السبق في الإسلام بينما حصر عثمان الامتيازات بعشيرته وحلفاؤها من الأمويين  والقبال الموالية لهم من العرب حيث تعارضت المصالح بين الوافدين الأوائل  والقبليين المحميين من السلطة ودعم الخليفة عثمان مما زاد من توتر الأوضاع إلى نطاقات خطيرة أدت إلى اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان على يد  الوافدين الأوائل وجلهم من المصريين ومعهم بعض الصحابة ومنهم محمد إبن ابي بكر وغيرهم، صاحب هذا الوضع وصول علي بن أبي طالب للخلافة الذي نقل مقر الخلافة من المدينة إلى الكوفة بيد أن النخب القبلية التي حضت بامتيازات من عثمان ومعاوية لم تكن متحمسة لخوض حروب مناصرة لعلي ضد معاوية . وفي القرن الثاني للهجرة كانت السلطة في الكوفة بيد رؤوساء العشائر الأثرياء والمدعومين من قبل سلطة الخلافة الأموية في الشام. بعد اغتيال علي بن أبي طالب انفض الجميع عن إبنه الحسن الذي تنازل عن الخلافة لصالح معاوية وأدى تفاقم الخلاف على مر السنين إلى مقتل أخوه الحسين في كربلاء بطريقة وحشية شنيعة. لم تكن قريش ترغب بعلي كخليفة وكذلك عدد كبير من الصحابة ومن بينهم طلحة والزبير ومعهم عائشة بنت أبي بكر زوجة النبي وثاروا عليه في البصرة. يحتاج الأمر إلى المزيد من الدراسات الاجتماعية السوسيولوجية والأنثروبولوجية للوقوف على حقيقة الأمر وفهم التوزيع السكاني في الكوفة وحيثيات مقتل الحسين ومن بعده بست سنوات المختار الثقفي. لم تكن الكوفة بيت الرحم الذي أنطلق منه التشيع فحسب، بل أصبحت رأس الحربة بمواجهة السلطة الأموية بثوبها المرواني، على حد تعبير الباحث د. فالح مهدي. إثر انهيار حركة المختار حدث تحول عميق في طبيعة المعارضة فأخذت طابع الإيمان والتقوى وضمت عدداً من الفرق والجماعات التي اجتمعت على معاداة الدولة الأموية والدعوة إلى السلطة العلوية. لم يكن كل من ناصر علي في حربه على معاوية من الشيعة الخلص، والجدير بالذكر كما ذكر الباحث أن الكوفة ارتبطت منذ نشأتها بالعمل العسكري وأصبحت صفة مرتبطة بها لمدة قرن من الزمن. وكانت من المدن المغضوب عليها في زمن عثمان وإبان العهد الأموي كله إذ أصبحت مهمة تهميشها مهمة جوهرية في العرف الأموي. ومع ذلك خرج منها كبار العلماء والفقهاء والكتاب وكانت الحياة في الكوفة تتعارض مع نمط الحياة البدوية. كانت الخلافة الإسلامية في المدينة تعتبر الكوفة، بل والعراق برمته، أرض السواد، بستان قريش كما جاء على لسان والي عثمان في الكوفة سعيد بن العاص، فرد عليه مالك الأشتر أحد قادة علي بن ابي طالب الذي اختاره والياً على مصر:" أتجعل مراكز رماحنا وما أفاه الله علينا بستان لك ولقومك؟" كانت تلك سياسة عثمان منذ أن تولى أمر الخلافة ولقد ذكر الباحث نصاً من كتاب الباحث العراقي والأستاذ الجامعي عبد العزيز الدوري " العصر العباس الأول بيروت مركز دراسات الوحدة العربية جاء فيه:" إن الإصلاحات التي جاء بها عمر بن الخطاب انتهت بموته فقد نقضها خلفه الذي تخجل الملائكة من أخلاقه. فقد كتب عثمان إلى عماله التالي:" أما بعد فإن عمر كان مغروراً ... فدعوا ما كنتم تعرفون في عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم جدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا". إذن وفي عهد أحد المبشرين بالجنة ممن تخجل الملائكة من شدة إعجابها بأخلاقه، بدأ الانقلاب الفعلي ولم يمض على موت عمر بن الخطاب سوى أيام. ونتيجة لبؤس ذلك الخليفة وضعفه وانحيازه لبني قومه وعشيرته دخل الإسلام في حرب مع ذاته ولم يخرج منها حتى هذه اللحظة، ولايزال المسلمون يدفعون ثمن سلوكه. هل هناك دين يدعو إلى العدل والحق والقائم على أمره أحد أصحاب محمد ومن المقربين إليه صهره وزوج لإبنتيه، وهو يأمر عماله أن يحلبوا الناس حلباً وألاٌ يكترثوا لوضعهم سواء بقوا أحياء أم أموات، رضوا أم أبوا، وأغلبهم من الموالي الفقراء العاملين في مجال المهن اليدوية كالزراعة والصناعة الخفيفة؟ كانت الكوفة من أكثر المدن تأثراً بالصراعات السياسية وقد ساهمت في مقتل عثمان ولم تتحول إلى مدينة شيعية إلا في فترات لاحقة. فالربع الجنوبي الشرقي لمدينة الكوفة كان تابعاً لبني تميم والربع الشمالي كان تابعاً لبني أسد في شمال المركز بينما وجدت مساجد صديقة في الشرق والجنوب وكذلك في الشمال الغربي. ما يعني أن المساجد قرب المركز تعتبر معادية للشيعة لأنها قريبة من الوالي الأموي والسلطة الأموية تبعاً للولاءات والانقسامات القبلية التي لعبت دوراً حتى في حرب صفين بين علي ومعاوية كما ذكر المؤلف استناداً إلى هشام جعيط. يؤكد الباحثون على " وجود مجموعة شيعية وجوداً عرضياً ارتبطت بالباقر والصادق" حسب الباحث حيدر نجم. ومعني عرضية أي طارئة فلم تكن هناك ملامح واضحة لمجتمع يمكن أن نطلق عليه " شيعي إمامي محض «حتى منتصف القرن الثاني الهجري بينما تذهب الباحثة والمستشرقة البريطانية باتريسيا كرون إلى إرجاع ظهور الشيعة الإمامية كمجموعة متميزة إلى فترة الإمام موسى الكاظم وحكم هارون الرشيد العباسي في نهاية القرن الثاني للهجرة".

في سنة 145 للهجرة، وبعد تأسيس بغداد في زمن الخليفة المنصور بدأت الكوفة تفقد أهميتها كمركز للإمارة العامة إذ أصبحت بغداد هي عاصمة الخلافة العباسية. ومن هنا بدأ الكاتب يبحث في اللبنات الأولى لنشوء الإمامية:" لقد اتسم المجتمع الإمامي في أوائل القرن الثاني الهجري بتوترات طبعت العلاقات بين الفصائل التي كانت تحمل رؤى مختلفة، بل متناقضة، حول نطاق العلم الذي وجب أن يتمتع به الإمام، وطبيعة علاقته بالذات الإلهية. إن حالة الإرباك العام الذي ولدته هذه الرؤى المختلفة أدى إلى تنامي أفكار الغلاة. أمام هذا المناخ العام، فلا عجب في أن يبذل إمام مثل الباقر وخاصة إبنه جعفر الصادق، جهوداً عظيمة للحد من تأثير غلاة الشيعة وأن يعمل هو نفسه على صياغة المباديء الخاصة بما سيصبح عليه لاحقاً الشيعة الإمامية". ثم شهدت الفترة بعد موت الصادق سلسلة من الانشقاقات تزامناً مع ظهور الإسماعيلية أو السبعية والناموسية سنة 148/765 والوقفية 184/800.  تجدر الإشارة إلى أن الغلاة ظهروا في زمن الإمام علي نفسه الذي تنكر لهم وحاربهم لأنهم ألصقوا به صفة الألوهية.

إن قيام أبي جعفر المنصور (95/158) ببناء بغداد أحدث تحولاً عظيماً في التاريخ الحضاري الإسلامي ويعتبر هذا الثعلب المؤسس الحقيقي للدولة العباسية وصاحب منهج في الحكم منفتح على الآخر، بل كان من أولويات مهامه الحد وإنهاء القوى التي تطمح بسلطته والتي ستصبح سلطة أحفاده من بعده فيما بعد، فقام بتصفية عمه عبد الله بن علي، وابي مسلم الخراساني، الذي كان الأخطر من بين كل أعدائه. وكان حذراً أشد الحذر من العلويين لكنه لم يقتل جعفر الصادق فهذا الأخير وحسب كل المصادر كان مسالماً ولا يدعو للثورة حتى في زمن الأمويين وتربطه علاقة صداقة بالمنصور. وهذا عكس ما يدعيه الشيعة الإماميون من أن المنصور قام بقتله عن طريق دس السم في غذائه. فجعفر الصادق ولد ومات في المدينة ولكن كان له الأثر العظيم في بناء المذهب الشيعي الذي سمي بإسمه " المذهب الجعفري" واتفق المؤرخون على حسن سلوكه ورفعة شأنه بل ويذكر عن أبي حنيفة تشرفه هو ومالك بن أنس في أن يكونوا من المعجبين به والدارسين على يديه. والحال إن الكليني قام برسم صورة مختلفة عن جعفر الصادق في القرن الرابع الهجري وهو المسؤول عن انحراف المسيرة الشيعية الذي وصفه الباحث بــ " الرجل الخطير الكليني ومن جاء بعده".

ركز جعفر الصادق جهده على مسائل الفقه والتشريع الإسلامي والتقوى بيد أن الكليني ومن جاء بعده عزو إلى الصادق تبحره في مسائل العلم الطبيعي. وعندما نمعن النظر في الإرث الذي تركه جعفر الصادق ومن قبله أبوه محمد الباقر، نجد آثار الهزيمة فهو لم يؤيد ولم يقف بجنب ثورة عمه زيد بن علي بن الحسين في حربه ضد الدولة الأموية. في حين ايدها أبو حنيفة الذي يكن له الكليني حقداً كبيراً. كانت الكوفة عاصمة الدولة العباسية الوليدة في باديء الأمر (750/766) ثم انتقلت عاصمة الدولة العباسية إلى بغداد التي بناها المنصور الدوانيقي(766/1258) نجد إن كافة النزاعات والصراعات والثورات لم تقف خلفها مبادئ سامية كما كانوا يدعون ، بل كانت تقف خلفها الرغبة في السيطرة والحكم، أي الأهداف السياسية الدنيوية المحضة.

أبو جعفر المنصور حارب بقسوة واغتال كل من أحس بخطره ولم يتوان مع العلويين لكنه لم يقتل جعفر الصادق لأنه كان على يقين من وداعة ذلك الرجل وبعده عن السياسة بل كان وصياً على تركته بعد مماته. من الناحية الموضوعية لا يمكن الاستناد إلى كتابات الشيعة نظراً لتغلب عناصر الإحباط والمبالغة والتهويل ، بل وحتى الكذب فيما ورد فيها. وهذا حكم قطعي يعرضه الباحث بخصوص الشيعة آنذاك وفيما بعد.

يقدم الباحث فالح عبد المهدي لوحة دقيقة وثرية عما آلت إليه أحوال الخلافة العباسية. فالقرن الرابع يمثل أرقى ما وصت إليه البشرية آنذاك حضارياً وعبر مدينة بغداد تحديداً. لكنه وفي نفس تلك اللحظات مثُل القرن الذي انحطت فيه الخلافة العباسية وازدهار الثقافة الإسلامية على نحو لم تعرف له هذه الحضارة سبيلاً قبل ذلك. يستند الباحث إلى مان نقله كبار المؤرخون عن المآل الذي آلت إليه الخلافة في بغداد. فقد انفرط كل من كان تحت هيمنة وحكم الدولة العباسية وأصبح مستقلاً في مملكته. فصارت الريُ وأصبهان والجبل في أيدي بني بويه، والموصل وديار ربيعة وديار بكر وديار مضر تحت حكم بني حمدان، وأصبح جنوب العراق (الأحواز وواسط والبصرة) من حصة البريديين، أما مصر والشام فوقعتا تحت هيمنة محمد بن طعج الأخشيدي، وكان المغرب وشمال افريقيا من حصة الفاطميين الذي سيطروا فيما بعد على مصر أيضاً، فيما كانت الأندلس ومنذ زمن المنصور من حصة الأمويين وأصبحت خراسان تحت هيمنة نصر بن أحمد الساماني. وأمام ذلك التفتت المرعب أصبحت اليمامة والبحرين تحت هيمنة أبي طاهر القرمطي الخ.." وكانت الحرب ين الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد من ضمن البدايات لذلك السقوط المدوي الذي تعددت أسبابه والدور الذي لعبه إبن حنبل والحنبلية في ذلك الانحطاط ، والمتوكل وتخلفه وهجومه على المعتزلة .ومن علامات ذلك الانحطاط كما ذكرها المستشرق آدم متز :" أما بغداد فهي التي قد تنكرت لها الأيام، و ذلك من عام 315/927، حين أرهبها العيارون، وعاثوا فيها فساداً ، وأعملوا فيها النهب لأول مرة، ثم صار أمرهم يتفاقم كلما ضعفت الحكومة وكانت أسوأ أيامها في السنوات التي أفلت فيها الزمام من يد الحكومة فيما بين مقتل بجكم ودخول بني بويه أي بين عامي 329/334 ". ومن المفارقة أنه في نفس هذا القرن أي الرابع الهجري، ظهر أبي حيان التوحيدي في بغداد ، وكان قرن إخوان الصفا في البصرة، وقرن المتمرد المتنبي، قرن بديع الزمان الهمذاني ومقاماته، وذلك يمثل قمة ما وصلت إليه الحضارة والحياة  فهو قرن النحو والمعاجم وأيضاً هو قرن القاضي عبد الجبار وقرن المعتزلة ورفعة مكانة العقل ، لكنه كذلك قرن الكليني الذي استطاع إعادة الحياة لذلك المذهب الذي كان في لحظة احتضار ، حسب تشخيص الباحث د. فالح مهدي الذي لم ينس الإشارة إلى عثمان الجاحظ العظيم والأديب المعتزلي الكبير المولود في منتصف القرن الثالث الهجري، كرمز لهذا التعقيد الحضاري ، وكذلك أبو حيان التوحيدي (310-414) أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء.

التشيع في القرن الرابع الهجري هو لب أطروحة الباحث فالح مهدي حيث يعتقد أنه القرن الذي أعاد الحياة للمذهب الشيعي الاثني عشري الذي كاد يضمر أو يموت بعد القرن الثاني الهجري. هناك اتباع ومريدون بلا شك يطبقون تعاليم جعفر الصادق وفقهه بدون أيديولوجية تعبوية ترسم معالم وجوده وتبين تمايزه عن المذاهب الأخرى ولقد تم هذا الإحياء على يد الكليني ومن تبعه. ففي بغداد تمت صياغة الأيديولوجيا الشيعية والسنية فهي مدينة الرشيد والمأمون ولكنها أيضاً مدينة المتوكل، مدينة المعتزلة ولكنها مدينة أحمد بن حنبل فهي مدينة الكتاب والشعراء والفلاسفة والعلماء لكنها مدينة الشطار والعيارين وفي هذه المدينة تمكن الكليني من حياكة أيديولوجية لهذا المذهب الذي دخل مرحلة سبات استغرقت قرنين. الكليني إبن بغداد في القرن الرابع الهجري تمكن من تجديد وإعادة الحيوية لمذهب كان يعاني من لحظة انحطاط كادت أن تؤدي إلى انقراضه. فقد توفي الإمام الحادي عشر دون أن يترك خلفه ولداً إذ كان عاقراً، لذا تم اللجوء إلى حيلة مفادها أن له ولداً صغيراً وإنه اختفى. في تلك اللحظات الحاسمة والمربكة وجد الكليني الذي كان فقيهاً كأول أيديولوجي في قائمة ضمت شخصيات أخرى من رجال الدين الشيعة الذين اتبعوه وساروا على طريقه. في القرن الرابع الهجري اكتمل البناء الأيديولوجي للشيعة في مرحلة الانحطاط السياسي العباسي الذي بدأ في القرن الثالث الهجري فالقرن الرابع هو القرن البويهي ذو الميول الشيعية.

لقد عانى الفكر الشيعي، بل الوجود الشيعي خلال فترة امتدت من منتصف القرن الثاني وحتى منتصف القرن الرابع، من علامات انحطاط واضحة وجلية اتسمت بالغموض والتشرذم وتمثلت بالأزمة المزدوجة لمفهوم الإمامة وظهور مفهوم البداء بعد وفاة إسماعيل إبان حياة أبيه، باعتباره الإمام المفترض  خلفاً لجعفر الصادق، واللجوء إلى تخريجة البداء، أي " أراد الله شيئاً وبدا له شيء آخر"، والمحاولات العديدة لإيجاد حلول ناجعة لنظرية الإمامة الإثني عشرية المعصومة. يقول المؤلف إن هذا القرن الرابع يمثل أوج التطور الفكري والأيديولوجي للمدرسة الإثني عشرية . ففي هذا القرن سيطر البويهيون ذوو التوجه الشيعي على مقاليد السلطة في بغداد مما ساهم في انتعاش المذهب الشيعي الذي لجأ إلى الكتمان إبان الفترة العباسية الأولى وطبق مبدأ التقية ووفاة الحسن العسكري بدون خلف حتى لو ادعى الشيعة خلاف ذلك وإنه كان له ولد صغير هو المهدي وفق اليقينية الشيعية، وكان اختفاؤه ضروري اضطرارياً خوفاً من نوايا السلطات العباسية لتصفيته، ولو كان الإمام يعلم بالغيب فلماذا لم يتوقع موته المفاجيء وأن يتولى طفل أمر الطائفة بعد وفاة والده ويكون إماماً كامل الأهلية. فبالرغم من التعقيد الحضاري العباسي وفرت بغداد مناخاً ساهم في منح الشيعة فرصة لتطوير أدواتهم وقدراتهم وأدبياتهم عبر الدراسة والتأمل والاستجابة لمتطلبات العصر فأنتجت بغداد نخبة من أهم المتكلمين والفقهاء الشيعة إلى جانب الكليني كالشيخ المفيد والشريف المرتضى  و الشريف الرضي  والطوسي  حيث تم تأسيس علم الكلام الشيعي وأدخلوا قدراً من العقلانية على مفهوم التشيع دون أن ينسوا دور الفقه في ذلك.

الكليني مؤسس التحريف:

كان من الممكن عنونة كتاب فالح مهدي استقراء ونقد الفكر الشيعي لدى الكليني" فهو يعود مراراً وتكراراً إلى الكليني الذي وصفه بالمريض نفسياً والمصاب بداء انفصام الشخصية والغامض والرجل النرجسي والمغرور والخبيث والمزور والكذاب، والدجال، باعتباره علامة فارقة عن أتباعه، لكنه يبدو مسخاً من خلال نقد وتفكيك وتفتيت الكاتب فالح مهدي لشخصيته ولمؤلفاته. فهو أولاً فارسي، ومدعي إذ يقول إنه قضى ثلاثون عاماً في تأليف كتاب الكافي، أو هذا مايردده أتباعه، وقد جمع في كتابه هذا الحديث النبوي الإثني عشري، أي من لسان أئمة المذهب الشيعي وأهل البيت، إضافة إلى أقوال ورسائل وأحلام منسوبة للأئمة الإثني عشر، وفقه وعلم الكلام. والحال أن كتابه هذا لم يحظ بأي اهتمام خارج دائرته الشيعية ولم يذكره إبن النديم في فهرسه ويصفه المستشرق مادولينك المتخصص في التاريخ الشيعي الإثني عشري في الانسكلوبيديا الإسلامية:" من المؤكد أن كتاب الكافي لم يكن له مرجعية كبيرة عند الطائفة الشيعية وقت صدوره، ولم يعتبر مصدراً من مصادر الفقه ذا قيمة". الذي أشاد به وعظم شأنه هم أتباعه وتلاميذه مثل الشيخ المفيد بينما تبنى الشريف المرتضى تلميذ الطوسي وأكبر مثقفي عصره في القرن الخامس الهجري، رأياً مخالفاً إذ وضع كتب الكليني من ضمن قائمة الكتب التي يجب عدم تداولها، متهماً إياه بفبركة أحاديث باطلة وبعيدة كل البعد عن الصحة إذا ما قورنت بمنطق العقل" ويستنتج الباحث من ذلك أن الكليني كان أحد الدجالين ممن يعج بهم الإسلام سنياً كان أم شيعياً. ويعتقد الشريف المرتضى أن الكليني يستمد مواقفه وآرائه من مدرسة قم التي تأخذ بمفهوم التجسيم الإلهي. وكان الشيخ الطوسي (ت 460/1068) هو الذي سلط الأضواء على كتاب الكليني الكافي في القرن الخامس الهجري. ويواصل الباحث فالح مهدي هجومه قائلاً:" ونظراً لأهمية هذا الرجل والدور الخبيث الذي لعبه سنقوم بتتبع ما كتبه هذا الرجل المريض". وبرأي الكاتب فإن كتاب الكافي لايحتاج لأكثر من سنة لتأليفه وليس ثلاثين عاماً كما يدعي أتباعه بهذا الادعاء الباطل وهذه هي الكذبة الأولى في تاريخ ذلك الكتاب. فنقد الفكر الشيعي يتمثل بنقد الأيديولوجية التي أتى بها هذا الرجل الخطير، ويعتقد بعض علماء الشيعة أنه تم عرض الكتاب على " القائم صاحب الزمان الإمام الثاني عشر المهدي" فاستحسنه وقال إنه " كاف لشيعتنا". ثم يغوص الباحث ليفند محتوى الكتاب بصبر وتفصيل دقيق، إذ أن فكرة عمودية سلطة الأئمة الإثني عشر وصعودهم إلى السماء وعصمتهم ومعرفتهم بالغيب وإتيانهم بالعجائب والمعجزات وتفوقهم من حيث النسب والعلم على كل الأنبياء عدا محمد، قد ورد في كتاب الكليني الكافي. لقد بنى الكليني ومن جاء من بعده الجزء الأعظم من رأسمالهم على أحاديث مقطوعة السند ومنسوبة في أغلبها للأئمة وخاصة الإمامين محمد الباقر و جعفر الصادق الذي نسب إليه حديث يقول:" نحن وشيعتنا من طينة خاصة" وهو حديث مشكوك في صحته ومبالغ فيه وفيه نفحة عنصرية. فلا يمكننا أن نفهم تلك الافتراءات والأكاذيب والمبالغات إلا بالرجوع إلى ثقافة القرن الرابع الهجري، ففي هذا القرن تمكن الكليني من هندسة الدائرة ( الإثني عشرية) وبنائها وتسويرها بأحاديث ورسائل وقصص وحكايات نسبت لآل البيت ومن ثم إلى الرسول لكي تكتمل حلقة الشرعية ، حسب استنتاج الباحث. فالكليني، والكلام للمؤلف، لم يتأثر بالزرادشتية، التي قامت ببناء أيديولوجيا على قدر كبير من العقلانية، بل قام ببناء نظام ودون وعي منه، قريب في بنيته من النظام الديني البابلي. هناك مردوخ زعيم الآلهة ومن حوله آلهة صغار. وعند الكليني هناك الله ومن حوله إثنا عشر إماماً صغيراً، معصومين من الخطأ، من طينة خاصة أرقى من كل الأنبياء عدا محمد (وهذا أمر بديهي فهم أحفاده) ويعلمون الغيب ولهم من العلم ما يفوق كل من سبقهم، بل إن الدنيا ستنتهي وتقوم القيامة بزعامة آخر أئمتهم القائم المهدي المنقذ، والذي سيكون من القوة والجبروت بأن يعلن الحرب على بني أمية ويسحقهم عن بكرة أبيهم، وهو من العظمة والرفعة بمكان حيث لا تسمح للسيد المسيح أن يقف جنبه بل خلفه". ثم يترجم الباحث مغزى ما ورد في كتاب الكليني الكافي:" باعتباره كتاب مؤسس" وعلى لسان الباقر وجعفر الصادق، على سبيل المثال، قريب من المفاهيم النازية التي أقامت صرحها على أسطورة تفوق " العنصر" الآري على كل الأجناس البشرية. وكلنا يعلم أن النازية كانت إحدى الحلقات الأكثر دموية التي أنتجها الحيز الدائري في القرن العشرين، هنا تتركز القداسة والرفعة في شخص الزعيم" الفوهرر".

وفي تأمله العميق في كتاب الكافي للكليني خصص الكاتب فصلاً تحت عنوان مثير " قمة الإبداع وقمة الخبث". قسم الكليني الكافي إلى خمسة عشر جزءاً. ليست هناك تسمية فصل إنما كل جزء هو كتاب قائم بذاته يحتوي على مادة أراد المؤلف معالجتها. وأطلق الكليني على كتابه الأول أو الجزء الأول من كتاب الكافي عنوان " كتاب العقل والجهل". نجد في الصفحة الأولى من كتاب العقل والجهل نقلاً عن ابي جعفر الصادق الحديث التالي:" لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: اقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولاأكملتك إلى في من أحب"...وهنا نجد العقل منُة من الرب لنخبة منتقاة من عباده. فالعقل ليس ملكة وقدرة ذهنية تنمو بيولوجياً وتتطور بفضل التجارب والخبرات والقراءة الخ.. بل هدية من " رب" الكليني إلى من يختاره ذلك الرب من عباده. وفي الكتاب الثاني أو الجزء الثاني من الكافي يذكر الباحث حديثاً ذكره الكليني على لسان أبي عبد الله جعفر الصادق:" إن الله خلقنا فأحسن خلقنا، وصورنا فأحسن تصويرنا وجعلنا عينة على عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه.. وبعبادتنا عُبد الله، ولولا نحن ما عُبد الله". ويعلق الباحث فالح مهدي بالقول إننا لا زلنا في المجلد الأول من الكافي وفي باب العلم، إنما لو قرأت كل المجلدات ستصاب بالغثيان. فهذا الرجل (ويقصد به الكليني) يتنفس ويأكل ويشرب ويكتب سماً ويتحدث بلغة متعالية. معظم الأحاديث التي أوردها الكليني عارية عن الصحة بدرجة ان الشريف المرتضى، وهو من كبار مثقفي وفقهاء القرن الرابع الهجري، أعتبره من غير الموثوق بهم. ويورد الكليني حديثاً منسوباً للصادق " قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد". فهل القرآن الموجود بين أيدي المسلمين باطل؟ ولا يعلم بما موجود في قرآن فاطمة الذي أدعى الكليني وجوده، إلا الراسخون في الأوهام.

من المعلوم إن المرجعية الدينية الشيعية منقسمة بين المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية، ويعتبر الكليني زعيم المدرسة الإخبارية وبجدارة. وقد ضمت هذه المدرسة فيما بعد أسماء معروفة في الوسط الشيعي مثل إبن بابويه القمي والمطهر الحلي والاسترابادي ونعمة الله الجزائري ومحمد باقر المجلسي مؤلف كتاب بحار الأنور الذي لايقل كارثية عن كتاب الكافي. وقد ذكر محقق الكتاب في مقدمته " ومن أغرب أقواله القول بأن الكافي بأجمعه قد شاهده صاحب الزمان واستحسنه، وأن كل ما وقع فيه بلفظ «روي" فهو مروي عن صاحب الزمان مباشرة وبلا واسطة، وأن جميع أخباره حق واجب العمل بها"...وفي مقابل المدرسة الإخبارية تقف المدرسة الأصولية التي يطلق أتباعها لقب الحشوية على الإخباريين وإظهارهم في صورة المعادين للعقل والداعين إلى الجمود ورفض الاجتهاد. ومن ابرز أعلام المدرسة الأصولية المفيد، والطوسي،والشريف المرتضى، والخوئي، والخميني ، والسيستاني الخ.. وعندما نمعن النظر نجد إن الخلافات عميقة بين المدرستين نظرياً خاصة حيال الموقف من إدعاء تحريف القرآن فقد اختلف الإخباريون والأصوليون في هذه المسألة على قولين: فقال جل الإخباريين وعدد من علماء الأصوليين بوقوع التحريف في القرآن زيادة أو نقصاناً، ونفى جماهير الأصوليين وقوع التحريف ويرون سلامة القرآن من اية زيادة أو نقص. كما توجد خلافات بخصوص حجية الأحاديث النبوية فالشيعة لايكتفون بالأحاديث الصادرة عن النبي بل يضيفون إليها كل ما صدر عن الأئمة المعصومين وهم الأئمة الإثني عشر، كما توجد اختلافات بين الإخباريين والأصوليين تتعلق بموثوقية الحديث. ويقول خصوم الكليني أنه ابتدع مايقارب الــ 16 ألف حديث. وفي كتاب " الإيمان والكفر" من المجلد الثالث، يقرر الكليني من هو المؤمن ومن هو الكافر ومن هو المرتد فاعتبر كل أصحاب محمد ممن لم يقر بولاية علي بن ابي طالب مرتدين والحال، وكما نعلم فإن الردة في الإسلام تتطلب إقامة الحد والقتل وسفك دم المرتد. وهذا ما قام به محمد باقر المجلسي في كتابه " بحار الأنوار (110 مجلد) حيث تم الرجوع إلى القرن الأول الهجري وإخراج أبي بكر وعمر من قبريهما وإعادة الحياة لهما ومن ثم يقوم الإمام المعصوم بعد عودته الميمونة بجلدهما وحرق جثتيهما إنما دون نهاية فالعملية مستمرة وتتكرر، وهذه عينة من العقل الخرافي الذي ساقه وروجه هؤلاء الكتاب على شاكلة الكليني والمجلسي وأمثالهما. ولقد نوه المرجع الديني الشيعي المعاصر، المعترض على مرجعيته من قبل الكثير من المراجع ورجال الدين الشيعة، كمال الحيدري إلى أن ( ماورد في الكافي، كتبه الكليني بما يعتقده ولم يستند إلى مصدر) لم يأخذ من السفراء الأربعة المعاصرين لصاحب الزمان القائم المهدي ولم يرو عنهم أية رواية علماً بأنهم عاشوا في نفس الفترة الزمنية التي عاش فيها هذا الرجل. بل وحتى مرجع شهير مثل أبو القاسم الخوئي (1899-1992) صاحب " معجم رجال الحديث" قال إن روايات الكتب الأربعة " غير قطعية الصدور" لا سيما وأن في رواة الكتب الأربعة من هو معروف بالكذب والوضع"..والمقصود بالكتب الأربعة التي رسمت مسيرة التشيع بدءاً من القرن الرابع الهجري هي:" الكافي للكليني، ومن لايحضره الفقيه لإبن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق، وتهذيب الأحكام ، والاستبصار فيما أختلف من الأخبار للشيخ الطوسي المعروف بشيخ الطائفة. وعبارة غير قطعية لاتعني باطلة إنما يجوز الأخذ بها أو عدم الأخذ بها. بهذا اختتم الباحث فالح مهدي النصف الأول من كتابه الثري هذا وخصص النصف الثاني لعملية التنظير والتقويم تحت عنوان لافت «الخروج من الجهل.. ملاحظات نهائية في عقد النص، الأوهام والذات المتورمة". حيث احتوى على مجموعة من الملاحظات والانطباعات والتأملات والتفكير في صيرورة التشيع على حد تعبير المؤلف.

يبحر الباحث كعادته وبتفاصيل معرفية مدهشة في قلب الاستراتيجية الإيرانية من الناحية التاريخية والمجتمعية والسياسية والفقهية والمذهبية حيث لم تكن المنطقة التي نطلق عليها اليوم تسمية إيران، شيعية في توجهها وسلوكياتها ونمط العيش والتفكير فيها. كانت هناك واحة صغيرة للتشيع موجودة في قم التي بقيت زرادشتية واسلمت مع الأشاعرة ممن هرب من الكوفة في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وتشيعت هناك إلا أن الصفويين لم يلجأوا إلى تلك البؤرة الشيعية الصغيرة عندما فكروا بتحويل إيران الشافعية إلى إيران الإثني عشرية فقد جاؤوا برجال دين شيعة من جبل عامل في لبنان ومن البحرين والعراق المجلسي الأب والد محمد باقر المجلسي صاحب" بحار الأنوار". وجال المؤلف في أروقة الحوزات والسياسة الإيرانية منذ العهد الصفوي وتحويل إيران إلى التشيع  إلى يوم الناس هذا وظهور مفهوم " ولاية الفقيه المطلقة" على يد الخميني كولي أمر المسلمين والمرشد الأعلى الذي يشرف على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية  ويقدم نفسه كنائب للإمام الغائب المنتظر فهو وكيله ونائبه وقائد الأمة في غيابه حتى ظهور وتسليم السلطة له.

أجمل ما في الكتاب نص جاء تحت عنوان " من هو الله؟" يقول الباحث فالح مهدي، حتى نفهم تسمية ّ ظل الله" سنحتاج إلى معرفة المسبب والخالق والموجود كي نتمكن من استيعاب عبارة " الظل". إن صعوبة التعريف تأتي من أن هذا المصطلح ينطوي على جوانب دينية ميتافيزيقية شديدة التنوع مما يؤدي إلى صعوبة التعريف. فالبعض يعتقد إن الله من العظمة مما يستعصي تعريفه، بل استحالة تعريفه بكلمات بشرية أو إنسانية. ولم تتردد الفلسفة عن أن تدلي بدلوها ومن زمن الإغريق في هذا الموضوع، وعندما نعود إلى حوارات أفلاطون في الجمهورية فسنجد مادة تستحق التأمل. ولم تتخل الفلسفة الحديثة عن موضوع الخلق بل تدخل العلم ايضاً في ذلك لاسيما الفيزياء وعلم اجتماع الأديان الخ..

ويواصل الباحث شرحه لهذا المفهوم يقول: " كل مايهمنا في هذا الحقل هو كيف عبر الإسلام الشيعي بصيغته الفارسية عن هذا الموضوع؟ كان القرآن واضحاً كل الوضوح في هذا الأمر فنجد في صورة الإخلاص " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" فهو لاتدركه الأبصار لأنه غير محدود وقد يعني ذلك من المستحيل إدراك جوهره. ومع ذلك لم يتردد القادة الصفويين والقاجاريين والبهلويين من اعتبار أنفسهم ظل الله، ولم يتورع رجال الدين وصف أنفسهم بآيات الله و " دام ظله الشريف" وهو نوع من تضخيم الذات والنرجسية وتجاوز عقدة الدونية. ويضرب أمثلة مستفيضة من علم النفس والمصابين بداء العظمة من ملوك وفنانين ومبدعين وشعراء ورجال دين. ولم يغفل الباحث عن أخذ مثال ساطع ومعبر عن عقدة النقص الفارسية وهو كتاب الشاهنامة للشاعر الفارسي أبا القاسم الفردوسي بغية فهم الانحراف الذي قاده الكليني ضمن الخلفية الثقافية التي أثرت على الرجلين الكليني والفردوسي. وتحوي الشاهنامة سيرة الملوك وأخبار ملوك فارس ومعاركهم وتاريخهم ورحلات صيدهم وسياساتهم حسب مؤلف الشاهنامة الذي ألف كتابه في 1010 أي بداية القرن الرابع الهجري وتتكون من 60 ألف بيت من الشعر وتروي أساطير وقصص ملحمية لاعلاقة لها بالتاريخ بل هي جزء من الذاكرة الجماعية، منذ بداية الخليقة حيث يختلق المؤلف حكايات بديلة عن عملية الخلق مغايرة لما ورد في سفر التكوين والعهد اليهودي القديم وينتهي هذا العمل مع انهيار الإمبراطورية الساسانية في القرن السابع من التقويم المعاصر. ويكرس الكاتب فالح مهدي صفحات طويلة للملاحم عبر التاريخ من جلجامش إلى اليوم. كما عرض الباحث صفحات طويلة تتحدث عن مغزى صور بعض الأئمة وشيوعها في الأوساط الشعبية الشيعية عن علي بن ابي طالب والحسين والعباس وسيف ذوالفقار وقصته الخرافية وخنجر أبي لؤلؤوة الذي اغتال به عمر بن الخطاب، الذي اعتبره العديد من الشيعة الرمز المطلق للشر، لأنه هو من انتصر على الإمبراطورية الساسانية لذلك خصص المجلسي حيزاً مهماً من كتابه بحار الأنوار لشتم عمر بن الخطاب واعتباره كافراً وخارج عن الإسلام ومرتد ومتسبب في وفاة فاطمة وفقدها لجنينها والسبب في ذلك هو اغتصابه للسلطة من علي بن أبي طالب.

يزخر الكتاب بكم هائل من المعلومات والمعارف وهو متخم بهذا الكم المعرفي الموسوعي التاريخي والفلسفي والديني والسياسي الذي لايمكن حصره وتلخيصه وقد صيغ بإتقان وكفاءة منقطعة النظير والخوض في مواضيع عن العلم والجهل والخرافة والعقل والعقيدة والإنسان والمنطق والحياة والموت والسياسة والتفرقة العنصرية وتاريخ الأديان والكفر والإيمان والجهل والمعرفة والجسد والروح. وبخصوص هذه الأخيرة تطرق الباحث إلى مفهوم الروح عند الكليني حيث سوئل أبا جعفر الصادق عن قول الله عز وجل ما معنى" روح منه" قال هي روح الله مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى وأضاف " سألت أبا عبد الله عن قوله تعالى ( ونفخت فيه من روحي) كيف يكون النفخ؟ فقال" إن الروح متحرك كالريح وإنما سمي روحاً لأنه أشتق أسمه من الرياح" والحال إنه لايوجد تعريف للروح في القرآن فعندما سؤل النبي عن الروح اكتفى بالقول " قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". وهذا يقودنا كما يعتقد الباحث إلى أن المؤسسة الدينية الشيعية هي جزء من منظومة الجهل وعلى معرفة بآليات عمله وتتحكم فيه عن وعي مزيف وسوء نية فهي كباقي المؤسسات الدينية المسيحية واليهودية والسنية الإسلامية جزء لايتجزأ من عالم الجهل. بل هناك صناعة للجهل كما يقول الباحث تتبع روافدها عند الكليني والمجلسي والبخاري والسيستاني. ومن المفاصل المهمة في الجسد الفكري الشيعي سرديات الأحقية بالخلافة وتداعياتها على الكيان الإسلامي برمته ومذبحة الحسين وما أحاط بها من خرافات ومبالغات وحياكة مفهوم المظلومية الشيعية وشيوع روح الانتقام وفي نفس الوقت صياغة مفهوم المهدي المنتظر المنقذ والمنتقم في آخر الزمان وصناعة الأمل والانتظار الذي شكل العمود الفقري للمذهب الشيعي.

كان لابد للباحث فالح مهدي أن يتطرق وبشيء من الجرأة والصراحة لدور المرجعية الدينية التي اعتبرها معادية للشيعة في العراق والتوغل إلى دهاليزها المظلمة لأنه يعتبرها من المساهمين في دمار العراق الحالي وبحث في الآليات التي جعلتها بمثابة الآلة الجبارة أو الكائن الجبار الذي يقف ضد مصالح ووجود العراق ككيان ودولة  وأمة فهذه المؤسسة بنظر الكاتب تمثل رؤية القرون الوسطى بل العالم القديم .

وبالطبع فإن الكاتب على يقين أن هذه المؤسسة الدينية تأسست بعد غيبة الإمام الثاني عشر أي المهدي الذي ينتظر الشيعة رجوعه وقيامه، أي في القرن الرابع الهجري عام 329 القرن العاشر الميلادي. وكان الكليني هو الشخصية المحورية في تأسيس هذا الكيان تجنباً لإنهيار التشيع بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري. كما تناول ناقداً مؤلفات محمد باقر الصدر باعتباره أحد المراجع وأحد أشهر شخصيات المرجعية الشيعية وعلاقة هذا الأخير بالنظام السابق الذي أعدمه في بداية الثمانينات بتهمة الخيانة العظمى والتخابر مع العدو الإيراني والتآمر على النظام. ثم   عرج الباحث على تنافس المرجعيات بين النجف وقم وفضح طموحات النظام الإيراني بالسيطرة على كافة المرجعيات الشيعية وتكريس الهوية الإيرانية في امتدادات جغرافية داخل العالم الشيعي. واستغلال قدسية بنت الرسول فاطمة التي نسب لها الكليني قرآناً لا مثيل له. أكتفي بهذا القدر من عرض محتويات كتاب في غاية الثراء والذخيرة المعرفية فهذا الكتاب عبارة عن سفر إيبستمولوجي مذهل ورحلة في تشعبات الفكر والثقافة والتاريخ والمعرفة لابد من قراءته، رغم أننا قد لانتفق في كل ماجاء فيه. يفتقد الكتاب إلى تناول المسحة العرفانية والصوفية التي اتسم بها جانب من الفكر الشيعي الباطني ésotérique  وكرس لها الباحث الفرنسي من أصل إيراني محمد علي أمير معزي عدة كتب منها الدليل الإلهي في التشيع الأصلي: في منابع الباطنية في الإسلام، وأخيراً كتاب الإمام علي الظاهر والباطن أو علي السر المحفوظ الذي يقدم صورة مغايرة تماماً للإمام علي عما قدمه الكليني  ومراجع الشيعة، وكذلك الفكر الباطني عند الإسماعيليين الذي تحدث عنه المستشرق الفرنسي هنري كوربان .

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد علي3- تحليل الكتابين:

إن البحث الفلسفي في برنارد والخشت يمثل تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بهما فهو في نظرهما ليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية برنارد والخشت في الكتابين تتكشف عندما طرحوا لنا القضايا الفكرية والسياسية لفرقة الحشاشين، حيث رأينا أن غايتهما تجسدت في عدم تكرار للأفكار، وإنما تسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها في عرض فرقة الحشاشين

علاوة على أن كتابهما لا يعول على القصة السوداء التي نالت هذه الحركة بقدر ما يقفون عند حد البحث والمقارنة والوصف والتحليل والموازنة، مع اختلاف توجهات كل منهما ؛ فمثلا يقول الخشت:" لا يحسب أن أحدا من أهل التيارات المعارضة لهذه الحركة سيرفض الكتابة عنها على أساس أنها حركة سرية معارضة ينبغي لها أن تظل في طي الكتمان" (3) .

بينما نجد في كتاب برنارد لويس استعراض لتطوّر فرقة الحشّاشين في التاريخ ومعتقداتهم والأساطير التي تعلّقت بهم ووسائل انتقامهم من أعدائهم وخصومهم الذين يناصبونهم العداء. ثمّ الُعروّج على أهدافهم الدينيّة والسياسيّة ومغزى وجودهم في تاريخ الحركات الثوريّة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة (4).

وهنا ننتقل إلى عرض وتحليل كتاب برنارد لويس، حيث يقع كتابه في 203 صفحة، حجم كبير، بغلاف جميل معبّر من تصميم مدبولي، وقد اشتمل على مقدمة وفصول ستّة هي: -الفصل الأوّل: اكتشاف الحشّاشين (5)، والفصل الثاني: الإسماعيلية (6)، والفصل الثالث: الدعوة الجديدة (7)، والفصل الرابع: الدعوة في فارس (8)، والفصل الخامس: شيخ الجبل (9)، والفصل السادس: الوسائل والغايات (10).

فمثلا في الفصل الأوّل ينطلق لويس من بحثه "اكتشاف الحشّاشين" بمحاولة تحديد معنى دقيق لمصطلح الحشّاشين بعد ظهوره في اللغات الأوروبيّة وشيوع استعماله، إذ يجده مُستعملا عند المؤرّخ الإيطالي جيوفاني فيلاّني(ت1348) في سياق حديثه عن حاكم لوركا الذي "أرسل حشّاشيه إلى بيزا لقتل أحد أعدائه". في حين يشير دانتي في "الكوميديا الإلهيّة" ضمن النشيد التاسع من الجحيم إلى الحشاّش الخائن (Le Perfido Assassino) ويفسّر فرانشسكو دابوتي شارح دانتي في القرن الرابع عشر هذا المعنى قائلا:" الحشّاش هو الذي يقتل الآخرين مقابل أجر"  (11).

أمّا الفصل الثاني وهو بعنوان "الإسماعيليّة"، فقد أفرده برنارد لويس لتتبّع تشكّل طائفة الإسماعيليّة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأساسا تحوّلها من حزب إلى فرقة بعد حادثتي كربلاء وثورة محمد بن الحنفيّة التي تُعرف عند الشيعة بحادثة اختفاء الإمام "المهدي" والتبشير بعودته مستقبلا ليملأ الأرض عدلا ورحمة بعد امتلائها ظلما وجورا. وقد ركّز لويس على البرنامج السياسيّ لهذه الفرقة الذي يقوم على الإطاحة بالنظام القائم وتنصيب الإمام المختار وإقامة العدل والمساواة والرخاء منتبها إلى أهميّة قيادة هذه الدعوة من قبل من يدّعون القرابة من النبيّ ومن نسل عليّ وفاطمة تحديدا، وهي قرابة ستكون لها استتباعاتها في تحديد العلاقات مع فرق تعدّ من غلاة الشيعة، وقد نشطت خاصّة في جنوب العراق وشواطئ الخليج الفارسيّ ذلك أنّها سرعان ما هزمت مع بداية النصف الثاني من القرن الثامن ميلاديّ، فاضمحلّت وتركت مكانها لأئمّة من الشيعة أقوياء ولهم تصميم ذهنيّ للسيطرة على العالم الإسلاميّ. وقد أقاموا في أماكن بعيدة عن المراكز السياسيّة وأسّسوا ما يمكن اعتباره معارضة قانونيّة للخلفاء الذين يتولون السلطة (12).

أمّا الفصل الثالث وهو بعنوان "الدعوة الجديدة "، فقد أفرده برنارد لويس للحديث عن حسن الصباح، مؤسس الطائفة،والذي ولد في عام 410 هجرية، 1015 ميلادية، في مدينة "الري" بإيران، وإن كان البعض يعتقد أنه ولد في مدينة "قم"، ثم إنتقل إلى "الري ومنهجه في الاغتيالات .. ووعد أتباعه الفدائيين بالجنة في مقابل الطاعة العمياء .. ثم كيف أخذ يدعو بإمامة الخليفة الفاطمي "نزار"، متعاوناً في ذلك مع داعي الدعاة "عبدالملك بن عطاش" وابنه "أحمد، والذي كان أحد كبار الدعاة الإسماعيليين، إلي أن قُتل الوزير الأفضل بدر الدين الجمالي يد علي يد الخليفة "المستعلي" (13).

وفي الفصل الرابع وهو بعنوان " الدعوة في فارس" وفيه حاول برنارد أن يبرز لنا أنه بموت جلال الدين عاد الحشاشين إلي سابق عهدهم، فقد تولي إبنه علاء الدين محمود، وكان عمره لم يتجاوز التاسعة، لذا كان لوزير أبيه دورًا في السيطرة علية، فأعاد كل شيء إلي سابق عهده، فعاد الإلحاد والعربدة وانتشر الإرهاب، فقد شهِد عهده الكثير من الاغتيالات الجريئة ضد أعداء الإسماعيليين، إلي أن توفي سنة 1255 ميلادية، ليخلفه ابنه ركن الدين، والذي لُقب بشمس الشموس، ورغم أنه لم يحكم سوي 3 سنوات، إلا أن النهاية كانت علي يديه، فقد دخل في صراع مع التتار "المغول"، الذين سيطروا علي المنطقة كلها، وبعد أسر ركن الدين توفي أثناء اقتياده بصحبة ابنه وابن أخيه إلي هولاكو وتم دفنه بجوار نهر جيحون، ليودع الاَئمة الاسماعيليين بلاد آلموت لتستقر في أذربيجان بعد أن دام حكمهم فيها ما يقارب 214 عام (14).

في الفصل الخامس من الكتاب، يفصّل لويس برنارد شخصيّة "شيخ الجبل" الغامضة، والتي أخذت خصائصها من حسن الصباح وما عرف عنه من قوّة وذكاء ودهاء. والثابت أنّ ولاء الحشّاشين لشيخ الجبل والتزامهم الكامل بتعاليمه وقدرتهم على تنفيذ الاغتيالات والضرب بيد من حديد، حيثما حلواّ هو سرّ خوف الناس منهم في إيران وسوريا والعراق. وقد واجه الحشّاشون الجميع، فحاربوا الصليبين والفاطميين من الخطّ الموالي للنزاريين ووجّهوا حرابهم لأهل السنّة، فكانوا أعداء الجميع. وقد حاولوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي الذي برز نجمه في الدولة الزنكيّة، بينما كان يُحاصر حلب أكثر من مرّة ولكنّهم فشلوا. لذلك جاءت نهايتهم بعد عداء الجميع لهم، إذ كسر شوكتهم المغول وقضى عليهم السلطان المملوكيّ الظاهر بيبرس (15).

أمّا الفصل الأخير، فقد خصّصه برنارد لمناقشة "الوسائل والغايات" التي شهرت فرقة الحشّاشين حتى بلغ صيتها الغرب الصليبيّ، فأصبح اسم حشّاش (Assassin) يعني "القاتل المأجور" في اللغات اللاتينيّة. وقد أطنب لويس برنارد خاصّة في مناقشة مسألة الاغتيال السياسيّ وطرق الحشّاشين في القضاء على خصومهم والتفاني في أداء المهمّات الموكولة إليهم، حتىّ صار الاغتيال علامتهم المميّزة ومصدر شهرتهم. والعجيب أنّ الحشّاش لا يستعمل في الاغتيال إلاّ الخنجر ولا يلتجأ إلى السمّ أو السهام أو غير ذلك من الوسائل التي قد تسهّل عليه الفرار والنجاة بفعلته، بل الأدهى أنّه يسلّم نفسه بعد عمليّة القتل، وكأنّه يرى أنّ بقاءه حيّا بعد "عمليته الفدائيّة" فضيحة وعار (16).

ويتّضح من خلال ما تقدّم البحث فيه أنّ الحشّاشين هم خدّام مُخلصون لقضيّة دينهم، ولم يكونوا يوما مُجرّد قاطعي رقاب بالخناجر لقاء أجر معلوم، بل كان لهم هدفهم السياسي الخاصّ، وهو إقامة الإمامة ودولة العدل الموعودة (17).

أما الخشت فنجده يقسم كتابه إلي تسعة مباحث، حيث يقع الكتاب في 208 صفحة، حجم كبير، بغلاف جميل معبّر من تصميم دار مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، وقد اشتمل على مقدمة وعشرة مباحث. أما المبحث الأول منه بعنوان " الأحداث التاريخية المواكبة لنشأة الحركة وتطورها "، وفي هذا المبحث تحدث الخشن عن طابع العصر، والسلاجقة، والفاتج طغرل، وألب أرسلان: البطل قلب الأسد والسلطان ملكشاه، ونظام الملك: الوزير اللامع والخصم اللدود لحسن الصباح، واضمحلال مجد السلاجقة، والسلاجقة في الشام، وسلبية الخليفة العباسي تجاه الحروب الصلبية، ومقدم صلاح الدين وانتصاراته، والخليفة الناصر وشاهات خوارزم، وظهور التتار في أقصي الشرق، والعاصفة المميتة، وهولاكو يحطم قلاع الحشاشين، وسقوط بغداد، وتحطيم الجيش المصري لأسطورة التتار (18) .

وفي المبحث الثاني وهو بعنوان "الأصول التاريخية لحركة الحشاشين"، وفيه تحدث المؤلف عن نشوء الفاطميين، وعبيد الله الحاكم القوي، وفتح مصر، وعصر الأساطير والتناقضات، وأطول حكم في التاريخ الإسلامي، والحالة الداخلية لمصر في عهد الفاطميين، وهل حققت الدعوة الإسماعيلية انتصارات عقائدية مع انتصارات الفاطميين السياسية ؟ (19).

والمبحث الثالث وهو بعنوان " حركة الحشاشين: النشأة والتطور، وفيه تحدث المؤلف عن الظروف الممهدة لظهور حركة الحشاشين، مع حسن الصباح من الصفر، والرفاق الثلاثة: حقيقة أم خرافة ؟، والحسن الصباح في مصر، والاستيلاء على قلعة آلموت، والوضع الطبوغرافي لقلعة الموت، وتفنيد خرافة ماركو بولو، وانتصارات الحسن الصباح، واغتيال نظام الملك، وانشقاق داخلي في التيار الإسماعيلي، والاستيلاء على قلعة كردكوه الشهيرة، واتنكاسة مفاجئة للحركة، وما زالت الاغتيالات مستمرة، وهجوم واسع النطاق على معظم قلاع الحركة، وانتقام الحسن من قائد الهجوم، ومحاولة إسقاط قلعة ألموت وغيرها، والحسن يعيد تنظيم صفوف الحركة، ومدي مسؤولية الحركة عن مقتل أمير الجيوش بمصر، ونهاية المطاف مع الحسن الصباح (20).

أما المبحث الرابع، وهو بعنوان " حركة الحشاشين في إيران بعد رحيل الحسن الصباح"، وفيه تحدث المؤلف عن تتابع الاغتيالات، واغتيال الخليفة العباسي المسترشد، واغتيال الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، وعهد الإمام محمد المهتدي، والقاهرة بقوة الله، وإعلان القيامة والتحرر من تعاليم الشريعة وسقوط الفرائض، وبشائر العودة إلى الإلتزام بالشريعة، وعهد الإمام جلال الدين وعودة الشريعة، وعلاء الدين محمد، وركن الدين شاه، والحشاشون (21).

أما المبحث الخامس، وهو بعنوان " حركة الحشاشين في سوريا"، وفيه تحدث المؤلف عن نشاط الحركة يمتد إلى سوريا، والخطوة الأولي للحركة في سوريا، وأبو ظاهر الصائغ، وبهرام يقود الحركة، وإعادة تنظيم صفوف الحركة، وخيانة المرغيناني ونكبة جديدة للحركة بدمشق، والحركة تجدد نفسها مرة أخرى، والعصر الذهبي للحشاشين في سوريا، وراشد الدين سنان بن سلمان، واضمحلال الحركة في سوريا ونهايتها (22).

أما المبحث السادس، وهو بعنوان " نظرية الوجود"، وفيه تحدث المؤلف عن  الألوهية، وكيف بدا الخلق ؟، ولماذا خلق الله العالم ؟، ونظام الوجود العلوي والسفلي (23).

أما المبحث الثامن، وهو بعنوان "عقائد ما بعد الموت"، وفيه تحدث المؤلف عن مصير الطبقة الأولي من المؤمنين ، ومصير الطبقة الثاني من المؤمنين، ومصير الكافرين (24).

أما المبحث التاسع، وهو بعنوان " نظرية الإمامة "، وفيه تحدث المؤلف عن إثبات الإمامة، ووجوب معرفة إمام الزمان، وطبيعة الإمام المتمايزة، وتعالي منزلة الإمام، وحقيقة الإمام كمظهر للألوهية اللامعلومة، والنتائج المعرفية لنظرية الإمامة، ورتبة النبي وعلاقته بالإمام (25).

أما المبحث العاشر والأخير، وهو بعنوان " التنظيم السري للدعوي "، وفيه تحدث المؤلف عن أسباب اللجوء للعمل السري، والنظام الهرمي للدعاة، وأساليب الدعوة ومراحلها، ومراحل ارتقاء المستجيب في درجات التنظيم، ونظام الشفرة المستخدمة بين كبار الدعاة، وفرق الفدائيين والعمليات الانتحارية (26).

وفي هذا الكتاب يحاول الخشت أن يبرز لنا بأن طائفة الحشاشين أو الحشاشون أو الحشيشية أو الدعوة الجديدة كما أسموا أنفسهم هي طائفة إسماعيلية نزارية، انفصلت عن الفاطميين في أواخر القرن الخامس هجري/الحادي عشر ميلادي لتدعو إلى إمامة نزار المصطفى لدين الله ومن جاء مِن نسله، واشتهرت ما بين القرن 5 و7 هجري الموافق 11 و13 ميلادي، وكانت معاقلهم الأساسية في بلاد فارس وفي الشام بعد أن هاجر إليها بعضهم من إيران. أسّس الطائفة الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة آلموت في فارس مركزاً لنشر دعوته؛ وترسيخ أركان دولته (27).

وقد اتخذت دولة الحشاشين من القلاع الحصينة في قمم الجبال معقلاً لنشر الدعوة الإسماعيلية النزارية في إيران والشام. ممَّا أكسبها عداءً شديدًا مع الخلافة العباسية والفاطمية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لهما كالسلاجقة والخوارزميين والزنكيين والأيوبيين بالإضافة إلى الصليبيين، إلا أن جميع تلك الدول فشلت في استئصالهم طوال عشرات السنين من الحروب (28).

وكانت الاستراتيجية العسكرية للحشاشين كما يري الخشت تعتمد على الاغتيالات التي يقوم بها "فدائيون" لا يأبهون بالموت في سبيل تحقيق هدفهم. حيث كان هؤلاء الفدائيون يُلقون الرعب في قلوب الحكّام والأمراء المعادين لهم، وتمكنوا من اغتيال العديد من الشخصيات المهمة جداً في ذلك الوقت؛ مثل الوزير السلجوقي نظام الملك والخليفة العباسي المسترشد والراشد وملك بيت المقدس كونراد (29).

وقد تبني الحشاشون التقاليد الثورية للتشيع، وقد تطورت تلك الأفكار في عقول تابعيهم من عصر لأخر، خاصة مع التطور الاجتماعي للدولة الإسلامية، ما اضطرهم للتحول من الافكار الثورية، إلي مفهوم حركات التمرد والجماعات المسلحة التي تحارب في سبيل العدالة الاجتماعية، وهي الأفكار التي نشطت خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، والتي انتقلت من الدولة الفارسية المتأخمة، أو من بعض الممالك الأفريقية (30).

لم يكتف الحشاشين بذلك، ولكنهم واصلوا الانتشار شرقا، حتي  وصلوا إلى مدينة مازندران في السهل الساحلي المطل علي بحيرة قازوين، ثم قاموا بحتلال بعض المناطق الأخري، مثل، رودبار جنوب مدينة غيلان المطلة علي بحر قازوين، ومدينة رامسر وسط شمال إيران، وتطل علي بحر قازوين، كما قاموا بإحتلال عدد كبير من القلاع والحصون، فإمتدوا حتي وصلوا إلي نهر جيحون، وذلك علي الحدود بين دولتي أوزبكستان وتركمنستان، قبل أن ينتقلوا غربًا حتي سوريا، وقاموا بالاستيلاء علي قلاع بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية، وقد أثارت هذه الطائفة الذعر والرعب في قلوب كثير من الناس، سواء كانوا من أعدائهم كالعباسيين والسلاجقة والصليبيين، أو من الناس العاديين الذين خافوا على أرواحهم فصمتوا (31).

وفي عام 1106 ميلادية هاجم السلطان محمد بن ملكشاة قلعة شاهدز في أصبهان، والتي كان الباطنية قد استولوا عليها، وتمكن من استعادتها، وقتل صاحبها أحمد ابن عبد الملك العطاش، وفي المحرم من عام 701 هجرية، 1109 ميلادية، سير السلطان محمد بن ملكشاة وزيره نظام الملك أحمد ابن نظام الملك إلى قلعة ألموت لقتال حسن الصباح ومن معه من الإسماعيلية النزارية"، وبالفعل نجحوا في احكام الحصار علي القلعة، وكاد أن تسقط لولا قدوم الشتاء، لذا حاول الحشاشين اغيال نظام الملك أحمد، ولكنهم فشلوا، فقام بإرسال حملة للقضاء علي قلعتهم، وقام بحصارهم ستة سنوات، انتهت بوفاة السلطان وبعودة نفوذ الحشاشين مرة ثانية، وتجددت الحرب مع تولي السلطان أبو الحارث سنجر بن ملكشاه، ولكنه اضطر للصلح خوفًا بعدما وجد خنجرًا مغروسًا في فراشه، ورسالة تهديد من الصباح (32).

وفي السادس من ربيع الأخر من العام 518 هجريًا، 1124 ميلاديًا، توفي شيخ الجبل حسن الصباح مؤسس العقيدة النزارية، عن عمر ناهز التسعين، وكان قد أرسل لصاحب قلعة لامسر "برزك آميد" ليتولي مكانه في قلعة ألموت، كما كلف البعض بشئون الدعوة والإدارة وقيادة القوات، وطلب منهم التعاون مع بعض حتى ظهور الإمام المستتر ويتولى شئون الطائفة، ليغادر الصباح كرسية بالقلعة بعد أن قضي فيه أكثر من 35 عامًا، ولكنه لم يغادر القلعة، فقد تم دفنه في أحد سراديب القلعة، وفي اليوم الثاني تولي برزك أميد حتي وفاته في 532 هجرية، 1138 ميلادية، وطيلة فترة حكمة لم تتغير سياسة الحشاشين، خاصة فيما يتعلق بالاغتيالات، والحرب مع الدولة السلجوقية (33).

وقد قضى المغول بقيادة هولاكو على هذه الطائفة في فارس سنة 1256م بعد مذبحة كبيرة وإحراق للقلاع والمكاتب الإسماعيلية، وسرعان ما تهاوت الحركة في الشام أيضاً على يد الظاهر بيبرس سنة 1273م (34).

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب لويس وكتاب الخشت، كشفا لنا بأنني إزاء نموذجان نادران يصعب أن يتكرر، لمثقفان واسعا الثقافة، وكذلك لمفكران ليبراليان - نزيهان لا يقيمان وزناً ولا يحسبان حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنهما كانا يقدمان مادتهما العلمية في أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق وهو أشبه ما يكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من الدقة الأكاديمية .

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..................

الهوامش

3- محمد عثمان الخشت: حركة الحشاشين تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، نفس المصدر، ص 5.

4- برنارد لويس: الحشاشون، نفس المصدر، ص 8.

6- نفس المصدر، ص 11-38.

7- نفس المصدر، ص 39-64.

8- نفس المصدر، ص  65-100.

9- نفس المصدر، ص 101-142.

10- نفس المصدر، ص 143-181.

11- نفس المصدر، ص 13-17.

12- نفس المصدر، ص 44-49.

13- نفس المصدر، ص 70-77.

14- نفس المصدر، ص122-129.

15- نفس المصدر، ص 156-166.

16- نفس المصدر، ص 171.

17- محمد عثمان الخشت: نفس المصدر، ص 178.

18- نفس المصدر، ص 11-26.

19- نفس المصدر، ص 33-42.

20- نفس المصدر، ص44-103.

21- نفس المصدر، ص 104 -126

22- نفس المصدر، ص 132 -146.

23- نفس المصدر، ص 149-154.

24- نفس المصدر، ص 158-161.

25- نفس المصدر، ص  164.

26- نفس المصدر، ص 165-177.

27- نفس المصدر، ص 179-202

 

محمود محمد علي1- تقديم: يعد كل من لويس برنارد ومحمد عثمان الخشت، من كبار الباحثين في الغرب والشرق الذين اهتموا  باطّلاع الباحث العربيّ على هذا الجانب المُغيّب من تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة في عصرها الوسيط في الفترة الممتدّة ما بين القرنين الخامس والسابع للهجرة (الموافق للقرنين الحادي عشر والثالث عشرة ميلادي) إبّان تشكّل هذه الطائفة الإسماعيلية الفاطمية النزارية بعد انشقاقها عن الدولة الفاطمية واعتصامها بجبال " آلمـــوت" شمال إيران وبعد دعوتها إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله.

وهنا نقول بأن برنارد والخشت في معالجتهما لفرقة الحشاشين لم يعتمدوا على الروايات التي نسجها الخيال، ولم يسردوا سردا نصيا لما قاله المؤرخون، وإنما كان كتابهما عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، وكذلك تحليل  الحشاشين من وجهة نظر جديدة تختلف عما قدمه السابقون عليهما، حيث طبق "برنارد لويس" المنهج التحليلي النقدي، بينما جاء الخشت ليطبق المنهج التاريخ –التحليلي – المقارن، وإن كان كلاهما يتفقان علي تحليل دور العقل في مناقشة النصوص، كما يتفقان في أن يجمع أسلوبهما في الكتابين بين الأسلوب المباشر والعميق في ذات الوقت، وهو ما يمكن تسميته بالسهل الممتنع في الكتابة الفلسفية والعلمية.، كما اتسمت لغتهما الفلسفية في هذا الكتابين بالصياغة الإشكالية للموضوع، فمن يقرأ لهما مقدمة كتابهما يعيش في إشكالية الموضوع، علاوة علي ما اتسم به أسلوبهما في الكتابين أيضا بالتماسك فهناك ترابط ونسقية محكمة بين أجزاء الموضوع لديهما، فهما لا يميلان إلى المقدمات المطولة التي تصيب القارئ بالملل والضجر.

ويُعدّ مؤلّف الكتاب برنارد لويس Bernard Lewis من أهمّ المستشرقين الذين بحثوا في القضايا السياسيّة والفكريّة التي سادت المشرق العربيّ، ولا سيما في عصوره الوسيطة، إذ نال رسالة الدكتوراه بكتابه عن "جذور الإسماعيليّة"، وكتب عن" العرب في التاريخ"، وعن" ظهور تركيا الحديثة" وعن "اسطنبول وحضارة الإمبراطورية العثمانيّة". أمّا كتابه "الحشّاشون -فرقة ثوريّة في تاريخ الإسلام"، فقد كتبه سنة 1967 في أوج تفجّر أزمة الصراع العربي الإسرائيليّ في الشرق الأوسط. وقد تتبّع فيه تاريخ فرقة ثوريّة مؤثّرة في تاريخ المنطقة هي فرقة الحشّاشين الإسماعيليّة منذ بداياتها الأولى إلى نهاياتها. وبحث خاصّة في ذاك الكمّ الهائل من الخرافات والروايات والأساطير التي نسجت حولها من أعدائها الغربيين خاصّة، إذ بلغت شهرة الحشّاشين أوجها في أوروبا مع بداية القرن الثالث عشر، حتىّ أنّ كلمة "حشّاشين Assasin"  دخلت معظم اللغات الأوروبيّة. بمعنى "القاتل المأجور المحترف" الذي :" يقتل خلسة أو غدرا وغالبا ما تكون ضحيته شخصيّة عامّة وهدفه التعصّب أو الجشع" (1).

أما الدكتور الخشت فكتب كتابا بعنوان " حركة الحشاشين تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي"، وفي هذا الكتاب كان له وجهة نظر مغايرة عن رؤية لويس برنارد، حيث يذكر الخشت في مقدمة كتابه بأن حركة الحشاشين تعد من أخطر حركة سرية شهدها العالم الإسلامي، نظرا لما كان لها من تأثير واسع النطاق في المجتمع الإسلامي إبان فترة بالغة التعقيد .. فترة كان يسيطر عليها الصراع بين مختلف لفرق العقائدية والسياسية، بل بين مختلف دول العالم .. وأول شئ يتحتم علينا أن نؤكد عليه منذ البداية هو بيان الصواب من تسمية هذا الكتاب وهذه الحركة، فقد يطرأ على ذهن القارئ للوهلة الأولى عندما تقع عيناه على عنوان هذا الكتاب أننا نقصد به طائفة من المدمنين الأوباش الذين يضعفون أمام تأثير المخدرات .. بل العكس فإن هذه الحركة بريئة تماما من تناول الحشيش المخدر، والسبب الواقعي لتسميتها بهذه الاسم يرجع في نظر الخشت إلى مواقف صمودية كانت تقفها الحركة في مواجهة ضروب الحصار التي كانت تفرضها عليها الجيوش المضادة لمدد طويلة، فكان يصمد رجال الحركة في قلاعهم حتى بعد نفاذ المؤن والأطعمة، معتمدين في غذائهم فقط على أكل الحشائش (العشب أو الكلأ )، ومن هنا جاءت تسميتهم بالحشاشين (2).

2-التعريف بالمؤلفين:

هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين وبالذات الاكاديميين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن لويس برنارد ومحمد عثمان الخشت من كبار المفكرين الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهما من أصحاب الموقف الفلسفية والنقدية الواضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في قضايا فلسفية شائكة، وذلك بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل أو لم تعبث به يدي الباحثين.

وللرجوع للسيرة الذاتية للويس برنارد، فنجد أنه من مواليد 31 مايو 1916 بلندن، أستاذ فخري بريطاني أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون تخصّص في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وقد اشتهرت أعماله حول تاريخ الإمبراطورية العثمانية. وُلد لأسرة يهودية من الطبقة الوسطى في لندن. اجتذبته اللغات والتاريخ منذ سنّ مبكرة، اكتشف عندما كان شابا اهتمامه باللغة العبرية، ثم انتقل إلى دراسة اللغة الآرامية واللغة العربية، ثم درس بعد ذلك اللاتينية واليونانية والفارسية والتركية.

تخرّج برنارد عام 1936 من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) في جامعة لندن، في التاريخ مع تخصص في الشرق الأدنى والأوسط. حصل على الدكتوراه بعد ثلاث سنوات، من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية متخصصاً في تاريخ الإسلام. التحق بالدراسات العليا في جامعة باريس، حيث درس مع لويس ماسينيون وحصل على "دبلوم= = =الدراسات السامية" في 1937. أثناء الحرب العالمية الثانية، خدم لويس في الجيش البريطاني في الهيئة الملكية المدرّعة وهيئة الاستخبارات في 1940، ثم أعير إلى وزارة الخارجية. عين أستاذا لكرسي جديد في الشرق الأدنى والأوسط في سن 33 من العمر. انتقل برنارد لويس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبح يعمل كأستاذ محاضر بجامعة برنستون وجامعة كورنل في السبعينيات. حصل على الجنسية الأمريكية سنة 1982 كما حاز على العديد من الجوائز من قبل مؤسسات تعليمية أمريكية لكتبه ومقالاته في مجال الإنسانيات.

أما الخشت فهو غني عن التعريف فهو من كبار المفكرين المصريين الذين كانت لهم بصمات واضحة في مجال الفلسفة ؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة. وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في 1 يناير 1964، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

وبلغت مُؤلفات الخشت عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية. وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..........................

الهوامش

1- برنارد لويس : الحشاشون، تعريب محمد العزب موسى، دار المشرق العربي الكبير، بيروت، طـ1، 1980، ص 7.

2-  محمد عثمان الخشت : حركة الحشاشين تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، 2016ـ ص 4.

 

نبيل عبدالامير الربيعيالحوار صنعة متخيلة، والكلام اليومي يخاطب من الحيز الواقعي، فقصاصو الواقعية وقفوا أمام موضوعية الحوار طويلاً، وذهبوا إلى أن الواقعية في الحوار لن تتحقق إلا باللهجة (العامية والفصحى)، ملائمة للمستوى العقلي والفكري والثقافي والطبقي للشخصية القصصية معاً، لهذا أجد روايات سلام إبراهيم تنتمي للرواية الواقعية.

تستهويني قراءة روايات سلام إبراهيم لأنها لا تكتفي بحياة كاتبها، بل تتسع، لضرورات تتعلق بما يرويه، إلى طبيعة حياته ومجايليه ممن كان له تأثير في ثقافته تلك الحقبة، بهذا تُطلعني هذه الروايات على مشهد واسع لتلك الأيام الخوالي، ولا تقف عند حياة كاتبها وحده. ويلجأ سلام لاتخاذ من سيرته الذاتية رواية، معبراً من خلالها لتفريغ ما هو محظور في الشخصيات الروائية وفضائها، وقد نحا الروائي نحو إدراج سيرته الذاتية في اشكال نصوص، اتخذ لكل نص عنواناً خاصاً به، وغالباً ما يستغرق سلام برواياته من خلال سيرته الذاتية، الولادة، الطفولة، المراهقة، الشيخوخة، والتي جعلت منهُ روائياً واقعياً مبدعاً، وقد وصف مثل هذه الروايات ليتون ستراشي (بأنها أدق فنون الكتابة).

في زيارتي الأخيرة لمؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع أهداني الصديق حسين نهابة رواية (حياة ثقيلة) للروائي الصديق سلام إبراهيم، وقد علمنا الروائي إبراهيم برواياته الواقعية التي تحكي سيرته الذاتية من خلال فن الكتابة والرواية وهي: (رؤيا اليقين، رؤيا الغائب، سرير الرمل، الأرسي، الحياة لحظة، في باطن الجحيم، إعدام رسام، طفلان ضائعان، كل شيء ضدي).

رواية (حياة ثقيلة) تسرد شخصية الروائي المركزية وما كان يقوم به من خلال تجواله في مدينته الديوانية، وحياته الجامعية في بغداد، يبدأ الرواية من خلال سقوط بصره من خلف النافذة، فيستهل في القسم الأول من روايته والمعنون (لبناء عالم جديد) في ص5 بالقول: "أجلسُ على حافةِ الستين. خلفَ النافذة، الليل أبيض. خلف النافذة تهبط الأضواء وندف الثلج من سماء بيضاء. تهبط بروية وهدوء وكأنها تنسج مأساة وحدتي، أسترخي على كرسيّ الهزاز وسط الصالة أمام نوافذها الزجاجية الثلاث العالية المشرفة على امتداد الشوارع البيضاء ونفسي منقبضة فرط البياض، يقال أن المحتضر يرى قبيل رحيله، في اللحظات الأخيرة شلالاً من الضوءِ الأبيض الذي تعشي له العيون. هذا ما أفضى به من توقف عن الحياة للحظات وعاد بتدخلٍ طبي. الشوارع خالية. زوجتي تنام في الغرفة الأخرى. صرت قليل الكلام بعد أن كنتُ لا أملُ منه". محاصرا ببقاياهم/ صورهم: "أحملق في جدران الصالة التي امتلأت بصورهم. حشدٌ من الأحباب. حشدٌ من الوجوه المنيرة الضاحكة. حشدٌ غادر الواحد تلو الآخر هناك بعيداً في الرحم الدامي". وهو يقول: "كنت أظن قبل سقوط الدكتاتور بأن همومي كلها ستزول بزواله فأتمكن من زيارة الأهل والأحباب، أرى أمكنتي الأولى وأشم هواء وتراب مدينتي".

يتذكر بلقطات فلم سينمائي بطئ لحياته في الديوانية والعاصمة بغداد، ويعبّر عن حالة اكتئاب شديدة تقلب استجابة الراوي فيه المسلمات العامة الثابتة في السلوك البشري، برغم أن الأدب يقلب هذه المسلمات عادة. ويغلق روايته بموت صديقه حسين، فكانت عبارة عن ذكريات الشباب التي انطفأت ولم تعد، وهكذا تصبح الرغبات في شيخوخة العمر والذكريات، فمعاناته من الوحدة والاكتئاب وأزمة الستين من العمر يمكن أن يعاني منها أي شخص، فالعمر يجري مثل النهر لا يقف لحظة، واصبح مسافراً تستهديه دهشة العالم. كأن العالم يتجمع من حوله مثل عجينة تستحيل في كل لحظة إلى هيئة أخرى.

الروائي في روايته (حياة ثيقلة) يعبر عن ممارسته لطقوس حلمه وأشواقه مع ذاته بصورة سرّية، في المكان المقابل لحيهم السكني القديم، ففي ص6 قال: "كنت أمارس طقوس أشواقي السرية دون بوح، فكنت أتخيلني وأنا أرمي نفسي في حوض السباحة كأنني أقفز إلى نهر الديوانية وأغط فيه، فأرى وأشم وألمس بقلبي وأنا في غمرة الماء بيوت (حي رفعت) وحدائق المعسكر في الجهة المقابلة ناسياً ما حوليّ من نساءٍ مثل جنيات القصص بلباس السباحة يعومّنَ ويقفزن ويخرجن من حوض الماء الناصع الزرقة". ومن هنا يبدأ باستعادة وعرض شريط ذكرياته مع (أحمد) الذي دعانا إلى مرافقته في مهمة زيارته في بغداد. لقد تعرّف عليه ايام كانا طالبين في إعدادية زراعة الديوانية. كان أحمد أكبر منه بأربع سنوات بسبب تأخيره في مرحلتي الدراسة الابتدائية والمتوسطة.

وفي ص18 من الرواية قال: "خرجتُ مهزوزاً من الحياةِ نفسها،  فبينما كنتُ قبل الاعتقالِ أقاومُ المحيط ومؤامرات الرجال الذين يحاولونَ اغتصابي متباهياً في نجاحي وصلابتي، وجدتُ أنّ في استطاعة رجال الأمن فعل كل شيء في جسدي الموثوق في غرفهم الموحشة والمخيفة". فيسترجع الروائي سلام أفكاره ومشاعره، يستعرض اسماء اصدقاءه سعد وثامر أمين وأخيه الشهيد كفاح وأحد وحسين وهاشم، يستعرض اللقاءات والتجوال بين مدينته والعاصمة بغداد بمسحة شعرية محفزة، كنت أبصر الاعجاب من خلال سماته وابتسامته، وهو الراوي وأحد شخصيات الرواية الرئيسية، أصبح أسير الليل يتتبع عتماته في الرواية، وفي حافات الأمكنة، لقد أصبح الليل هو الزمان الوحيد، ولم يعد غيره، إلا زماناً تابعاً له. الليل اضفى على حكاياته جواً ساحراً، يحلم بالهروب مع صديقه أحمد من خلال القطار المار بمدينته. الليل كان صديقه في لقاءات الأصدقاء والهروب والاختباء، فكان الليل ماكراً وداهية.

يذكر في صفحات الرواية ص36/ 38 قائلاً: "كنّا في حالةِ نشوةٍ نودُ الطيرانَ إلى مكانٍ غير مدينتنا لمعانقةِ فقراءِ الأرض المجهولين، مفعمينَ بروح الأمميةِ التي رضعناها من الكتب الماركسية وحكايات المناضلين الأكبر سناً الذين يقصونها علينا في المقاهي. وقتها لم نكن قد سافرنا خارج حدود "الديوانية". وفي لحظة جنون قال بصوت عالٍ أقرب إلى الصراخ: لنشرد بالقطار! صرختُ بنشوة: هيا بنا.. هيا بنا!. كان قطار حمولة يقترب ببطء قادماً من بغداد في طريقة إلى البصرة، توقف على بعد أمتار من وقفتنا، فهتف بصوت عالٍ: هيا إلى الحرية!. وصعدنا عربةً من عرباته المكشوفة. لم نهدأ، نصرخ ونصرخ... لم نكف عن الدوران في مساحة حوض العربة، والصراخ في نشوة: (لبناء عالم جديد ولقبر مشعلي الحروب   في هدى أكتوبر العظيم سائراً موكب الشعوب) كنا نصرخ بحماس ونشوة.. نصرخ بالكلمات الحالمة فيضيع صراخنا في ضجة القطار والظلام والبرية الممتدة على يميننا حتى الحدود السعودية، نقطع النشيد ونطلق أصوات مبهمة، نرقص، ندور، نهتف: المجد للطبقة العاملة.. المجد للفلاحين! تدمع عيوننا، نكاد نبكي حماسةً، ونروح نغني أغنية أممية أخرى: أنا.. أنا يا سيدي أسودٌ كالليلِ.. كأعماقِ أفريقيا، كأعماقِ أفريقيا.. أنا.. أنا.. جندي أحمل في يميني سفر جيفارا وفي يساري أقمار گاگارين. أقمار گاگارين. لا لالا... لالي لالي لالي.

كما يسلط الضوء الروائي عن علاقته بوالده، ومشاركته في زيارة ورشته في شركة سكابانيوس، فيتذكر عندما يناديه والده فجراً قائلاٌ: (بويه إگعد.. وقتي ضيق!. صوتهُ يشي بحنانٍ قديمٍ غريزي، بدا قادماً من طفولتي البعيدة. كانت قسماته قوية نشطة رغم شربه الليلي. البيت ساكن. أجبت بخفوت: صار بويه!. وأسدلتُ أجفاني سامعاً خطواته الحذرة المبتعدة وهو يتجه نحو المطبخ ليعد الفطور، كان ذلك في سحر يومٍ من خريفِ 1974 وقتها كنتُ في سنتي الجامعيةِ الأخيرةِ، أعود من بغداد إلى المدينة في عطلة نهاية الأسبوع وفي العطل الرسمية. شدّني البعد والتأمل إليها، فلأول مرة أفارق الديوانية والمحلة والعائلة، فمع بدءَ خفوتِ تمردي الصاخب على كل شيء، شعرتُ بالآسف لبعدي عن أقرب الناس إليّ، لا ليس أقرب بل طلعتُ من جسديهما فرعاً، عزوتُ ذلك إلى ظروف الحياة، عنفها، فقرها، طبيعة ونمط وتقاليد البيئة العراقية، عدد الأبناء غير المعقول، فنحن عشرة؛ ست بنات وأربعة أولاد كنا نتكدس شتاءً في غرفةٍ من حجرٍ وننتشر صيفاً في ساحةِ البيتِ الفسيحةِ، لا وقتَ لديهما للكلامِ معنا، فهو في الدكانِ يعمل من الصباحِ حتى المساء، وهي في شؤون العشرة الصاخبين في ضيقِ المكان، فعدتُ أقضي وقتاً أطول مع أمي في البيتِ. والبارحةَ طلبتُ من أبي مصاحبته إلى مكانِ عمله في ورشةِ نجارة شركة "سكابانيوس اليونانية" التي كانت تقوم بحفر قنوات بزلٍ لاستصلاح الأراضي الزراعية من الحلة وحتى الناصرية، وكان مقرها في مدخل المدينةِ الشمالي على الطريق القديم الذاهب نحو العاصمة. نهضتُ وأديتُ طقوسَ الصباحِ. تناولنا فطورنا. بيض مسلوق، وجبن، وخبز حار جلبته من فرن "حاج جاسم" الكائن عند مدخلِ شارعنا. تخطينا عتبةَ الدارِ، فرشقتنا نسمات خفيفة. لم يطّر الفجر بعد. سحبنا دراجتينا الهوائيتين إلى حافةِ الرصيف، ركبناها وسرنا من حي العصري إلى شارع سينما الثورة في صوب المدينة الصغير، مخترقين مركز المدينة. كان الصمت والفضة وحفيف أقدامنا وهي تدوس على دواسةِ الدراجةِ الهوائية تجعلني أطوف في هوام اللحظة حالماً، شاعراً بغبطةٍ لم يزل طعمها غضاً في روحي وجسدي وأنا أكتب الآن. كنا نخترق الأمكنة بذكرياتها. مررنا على محّله القديم خلف بناية البريد حيث قضيتُ طفولتي في ذلكَ الشارعِ المكتظِ بالباعةِ والحدادين والتنورچية وبائعي الخمور، والحلاقين. أحسستُ، ونحن نخوض في فضة الفجر على ترابِ قصتنا، بأننا نصل إلى أقصى السعادة بهذه المصاحبة وكأننا ننبثق من جديد كعلاقة مع انبثاق الفجر، في يومٍ بدا غير عادي، خضنا بصمتٍ مغمورين بمزيج الفضة وبقايا العتمة، كنت مخدراً برائحتهِ التي رسختْ في شمّي منذ الطفولة، مزيج فريد من نشارة الخشب والعرق العراقي الصرف. وحمدتُ ربيّ على يقظتي الباكرة بالتفكير بجوهر علاقة الابن بالأب، كانت تلك المسافة من أسعد المسافات التي قطعتها بصحبته كل عمري. كانت مرةً وحيدةَ، لم نكررها، فالحياة أخذتنا إلى مناحٍ لا مجالَ فيها للتأمل، فقد تحولتْ إلى مجردِ ركضٍ لاهثٍ للحفاظ على الكينونة الفيزيقية فقط وكأننا في غابةٍ. ركنّا دراجتينا على رصيف شارع فرعي يجاور قاعة سينما الثورة. وصعدنا حافلة الشركة. قدّمني أبي بفخرٍ إلى زملائه العمال: هذا أكبر أبنائي.. طالب بالجامعة).

كما يروي سلام في روايته ساعات اعتقاله مع ثلة من اصدقائه في بغداد، عندما يقبض عليه مع صديقه هاشم، وهم يحتسون الخمرة في أحد بارات بغداد. فيضع سلام في روايته وسارد قصته في العاصمة بغداد وزياراته المتكررة لها من خلال اللقاء بصديقيه أحمد وحسين حتى ينقلنا أخيراً لتحول أحمد من مناضل يحلم بوطن حر وشعب سعيد، إلى رجل خائف مع زوجته فيوقعا على المادة (200) ويهربا للسكن في بغداد وتحول افكارهما من اليسار إلى اليمن، أصبح إسلامياً ملتحياً يعتاش على بيع كتبه من خلال دكانه المستقطع مساحته من داره في حي الشعب.

يزور الروائي بغداد متأملاً مع جو بارات بغداد وصديقه حسين اجوائها وزحمتها، فسارد الرواية في بهجته وطمأنينته وتماهيه، فتعتريه نشوة غامضة بسحر الليل والطبيعة معاً، مسترخياً بمقعده، متذكراً في أول لقاء بصديقه حسين، عندما تعرف عليه في ورشة والده للنجارة في مقر شركة سكابانيوس اليونانية في مدينة الديوانية...... يقول في أحد صفحات روايته (حياة ثقيلة): (وقبل أن ندخلها أقبلَ شابٌ جميلٌ نحونا مبتسماً، فتوقفَ والدي ضاحكاً وقال بصوت عالٍ: هذا "حسين" من جماعتكم!.

"والجماعة" شفرة سرية يفهمها كل يساري عراقي، وهي أيضا مفتاح يجعلك تثق بالمشارِ إليه، فتبوحَ برأيك دون خوفٍ، والبوح وقتها يتعلق بالموقف من سلطة البعث تحديداً!. ضجّا معاً في ضحكٍ صاخبٍ على تعليقاتهما حول مواقف وأشياء مبهمة بالنسبة لي، تعليقات بلغة العمال الصريحة الواضحة والتي تضيع لشدة سطوعها عليّ أنا المدله بالخط والجمل الفلسفية والقيم العليا التي كنت وقتها أجدها هي الحقيقة قريبة ودانية لكن لا يراها البشر وهذا ما ضيّع عليَّ بهجة ذلك الضحك العاصف الخاطف الذي وجدته آنذاك ساذجاً وأنا أتأمل "حسين" بوجههِ المدور المصبوب صباً بدقة خالقٍ تأنى طويلاً في رسمِ قسماتهِ المتناغمةِ. عينان واسعتان عميقتان تسبر غورك، عينان فيهما من نظرة الصقر الشدة، ومن عين العاشق الرقة، أنيق الملبس رغمَ أنه ذاهبٌ إلى العملِ، كما علّق أبي وهو يعرفني عليه وسط صخب تعليقاتهم وضحكهم، بلا شوارب، أطلق شعره حتى غطى أذنيه، نحيفاً رشيقا، متوسط القامة، فبدا وكأنه لعبةً جميلةً في ذلك الفجرِ الذي سيعصف في حياتي:  أي فجر ذاك.. إلى أين أفضى بنا وأنا في توالي العمر!.. أي فجر صاخب بضحكة أبي وضحكة "حسين" وذهولي!).

تعود ذاكرة سلام إبراهيم بما يجري من حديث حول اختطاف ابنة صديقه حسين الشابة فيروز. ثم لزياته مع حسين مشرحة بغداد، فينقلك الروائي سلام من خلال حروف كلماته إلى تلك الأجواء المرعبة، وأجواء اغتيال صديقه أحمد داخل مكتبته، وأجواء موت صديقه حسين في حديقة داره، ما يعني أنه يريك أجواء الرعب ووجه حبيبته، ومعاناة والده ساعات اعتقاله من قبل رجال الأمن له في الديوانية ومرة أخرى في العاصمة بغداد.

يستعين الروائي سلام في روايته بأسماء اصدقائه وزوجاتهم الصريحة، وخيانة زوجة صديقه سعد وزواجها من ضابط أمن الديوانية والسكن في بغداد، فمن يعرف عوائل المدينة يعرف من يقصد الروائي، فرواياته تصنف ضمن الروايات الواقعية.

الروائي سلام ثري في سحره، وما يروي في اعماق ما تحت الحروف، فروايته ملأى بالاقتتال والصراع، تزحف على الاصقاع عتمة تمتد وتتسع وتنبسط كأنها الوسادة فوق عالمنا. يتسلى الروائي بعواطفنا فأجد نفسي اتعاطف مع ابطال رواياته وأخاف عليهم كخوفي على ابنائي، فهو يتجول معهم ويسرق للهاربين من العسكرية منهم دفاتر الخدمة العسكرية للمؤجلين من دائرة تجنيد الديوانية، كما يسرق لهم الهويات والمستمسكان كونهم مطلوبين للسلطات بدواعي فكرهم اليساري.

كتب الروائي سلام إبراهيم عن جماليات المكان، يستعرض المكان الذي ينجذب نحوه والاستجابة إلى جماليات البيت، والحجرات السرية، والأدراج والصناديق، استرجع الزمن الذي كتب عنه سلام كشريط سينمائي بطيء، فأشعر به واعايشه، اتعايش مع اصدقائه وأماكنهم، صوراً متتالية باستدعاء حر وابتداع واقعي باهر وانسجام تم بعقلانية، استرجع رائحة الأماكن وجو حجرته في بيتهم القديم فيعيد لي الزمن الذي عاشه الروائي، وصور عائلته المعلقة على جدار داره في كوبنهاكن.

من خلال روايته يسرد لنا ساعات الاعتقال عندما يفترش أرض الزنزانة في أمن بغداد بملابسه وحذائه وهو معصوب العينين ومشدود اليدين، دون فراش ينام عليه، يتابع كامرات المراقبة في ممرات المعتقل، وهو يهمس في اذن صديقه المعتقل ليتفقا على جواب لأسئلة رجال التحقيق، الأرض تمتد كما لو كان جسد المعتقل راقداً بطوله الآن، المكان يرهب زائريه، ومعادياً وخصماً، كل ما يحيط به يبعث على الاستيحاش والفرار من المكان.

حتى هروبه كمقاتل في الجبل يصورها الروائي من خلال كلماته بعين سينمائية، يصف خلالها الأماكن والاشخاص والطرق والهروب والركض مع زوجته والاختفاء، الشك واليقين، الخوف والرهبة، العناد والمحبة. يتميز اسلوب الروائي بتراكم المفردات، وخصوصية تراكيبه وبناء جملهُ، وهندسة الأسلوب، ورشاقة العبارة، وتتجلى خصائصه في بنائه اللغوي ونظم تراكيبه وتأكيده للمعنى الواحد في صياغات لغوية مختلفة. فيكتب بلغة تتطلبها قوانين السرد والحوار المنطوق الذي يجري بين شخصيات الرواية، والحوار الصامت الذي يتداعى بتيار الوعي، فسلام هنا يزيح ذاته ليسمع لشخصياته الواقعية أن تحكي وتروي بلغتها وبمستواها العقلي والفكري واللغوي، حتى حافظ على طابعها اللغوي تبعاً لمستوى تلك الشخصيات في انتمائها إلى الطبقة الاجتماعية وتحصيلها الثقافي، والمهن التي تزاولها. فأجد هناك وشائج ظاهرة فرضها النوع الأدبي واشراطها في الرواية.

ادرج هنا الاهداء الموضوعي في رواية (حياة ثقيلة)، ما كتبه سلام من إهداء (إلى عبد الحسين داخل/ أبو أمير. وناهدة جابر جاسم القزمري). فسلام في إهدائه يسعى إلى الحفاظ على علاقة الإهداء بعضوية النص وعلى العلاقة الواقعية للمهدى إليه، بعيداً عن احكام معيارية تتناول مستوى الإبداع.

تتصف روايات سلام إبراهيم بالاعترافات والسيرة والمذكرات من خلال نصوص رواياته، في جوهرها بوح بالعوامل والأسباب والحوافز التي جعلت من الكُتّاب الكبار أعلاماً في الحياة الثقافية، وغالباً ما تتضمن تلك المؤلفات عادات الكتابة وطقوسها، وأجد في الروائي سلام إبراهيم يكتب اعترافات لسيرته الذاتية.

ومن خلال متابعتي لروايات سلام إبراهيم اجدها تهيمن عليها موضوعة التعذيب والموت، وهذا ما مرَّ به من مواقف صعبة التي أوصلته في بعض الأحيان إلى طريق الإعدام، أو الموت خنقاً من خلال تعرض فصيله في الجبل إلى الضربة الكيمياوي. وعندما اعود بذاكرتي لما طالعته من كتب عن الإنسان البدائي فهو لم يفقه جوهر الموت أو يخيفه بعد، كذلك أجد ذلك في روايات سلام إبراهيم، فهو يتخيل الموت نوماً مستديماً كما جاءت في أقدم الوثائق في ملحمة كلكامش مثلاً، حينما اكتشف كلكامش مصيره الآتي بموت صديقه أنكيدو، وسلام إبراهيم واجه الموت بموت صديقه حسين في روايته (حياة ثقيلة)، لذلك هيمن موضوعة الموت في روايته، وهذا هو احساس المبدعين ورهافة أمزجتهم، وحكمتهم الفلسفية وتأملاتهم العميقة، فيقول الجواهري:

من منكم رغم الحياة وعبثها

لم يحتسب للموت ألف حسابِ

أنا أبغض الموت اللئيم وطيفهِ

بُغض طيوفَ مُخاتلٍ نَصّابِ

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبهِ

دمُ إخوتي وأقاربي وصحابي

الموت عند الجواهري هو الذئب في شراسته وقسوته وغدره، وكذلك الروائي سلام إبراهيم يجد بغدر الموت وقسوته كغدر الذئب. ولا ننسى الشيخوخة ونهاية قطار العمر، فعندما تأتي الشيخوخة تأتي الحكمة هدية للعمر، ويبلغ الإنسان نهايته فيرفض امتداح الحياة، فكما أن الحياة قد هجرته فإنه يسعى إلى هجرها أيضاً، وهذا ما عبر عنها الروائي بشخصية صديقه حسين في (حياة ثقيلة)، والروائي سلام جعل المتلقي لنصوصه مسحوراً بما يقرأ.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

3352 نايف عبوشصدر الكتاب الجديد (إيقاع الحياة وتداعيات العصر ) الصادر عن دار(غيداء للنشر والتوزيع في عمان الأردن ).. لمؤلفه الكاتب نايف عبوش، ليكون إصدارا آخر، يضاف إلى مجموعة كتبه السابقة .

يقع الكتاب في (٢٤٠) صفحة من الحجم المتوسط.. بتقديم الدكتور سامي محمود ابراهيم الجبوري أستاذ الفلسفة ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الموصل، ومما جاء في هذا التقديم قوله (الكتاب هو عبارة عن مجموعة مقالات تتمحور حول العديد من الموضوعات التي تخص العصر وأدوات الفكر واللغة واساليب النهضة وإعادة تنظيم الحضارة الانسانية وفق نسقية الخير والفضيلة وبلورة الإنسان ثقافيا وطرق التفكير والوعي والسلوك الإنساني، وما يستطيع أن يقوم به من سلوك منضبط تجاه مستقبله وسلوكه كخليفة مؤتمن تجاه البيئة المحيطة ليعود عليه بالنفع المطلوب...).

وجاء في مقدمة الكتاب أنه (لم تعد العزلة ممكنة في ضوء ما افرزته عولمة الثورة الصناعية والرقمية المعاصرة من سرعة في الاتصال، واختراق للحدود دون قيود، وما ترتب على الظاهرة من تداعيات صاخبة، بجوانبها الإيجابية والسلبية، مما بات يتطلب اعتماد نمط ثقافي تواصلي جديد، عبر كل مصادر التأثير، بدءا بالأسرة  والمجتمع والمسجد والمدرسة والإعلام، وبالشكل الذي يضمن تحقيق تناغم ثقافي يتفاعل مع المعطيات الحضارية المعاصرة، بالارتكاز على قاعدة التوازن مع متطلبات الحفاظ على الأصالة.. من خلال تناول بحث ما تراكم من إشكاليات في موروثنا الثقافي، والتطلع في ذات الوقت، إلى آفاق التغيير المستهدف، التي تمكننا من التفاعل الواعي، مع مستجدات العصر، والتعايش معها بسلاسة).

وقد اختتم المؤلف مقدمة الكتاب، (بتسجيل العرفان الصادق، والشكر الخالص، والتقدير العالي، للدكتور سامي محمود ابراهيم الجبوري أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة الموصل، الذي بادر مشكوراً لجمع المقالات، وتبويبها على فصول الكتاب، ليظهر بهذا الشكل المهني المطلوب) .

 وأشارت خاتمة الكتاب (إلى أن إيقاع التطور والتقدم والحداثة بات يتسارع اليومَ بشكل مذهل؛حتى إنه طال كلَّ جوانبِ حياتنا المعاصرة، فقد اخترقت مخرجاتُ العصرنة، خصوصيات مجتمعاتنا، عندما أضحت جزءًا من الحياة اليومية للناس، فيُلاحظ على سبيل المثال، أن التقنيات الرقمية، كالشبكة العنكبوتية، والقنوات الفضائية - صارت أدواتِ اختراق عابرةً للحواجز المكانية والقيمية للمجتمعات، بعد أن انعكست بعولمة عصرنة جامحة، طالت ثقافةَ جيل اليوم، عندما حاصرته بأدواتها الفاعلة في ثقافته، ومعرفته، وتراثه، وباشرت عملية إعادة تشكيل جديدةً لرؤاه، وبشكل خرج عن زمام سيطرة الأسرة، ومؤسسات المجتمع، ومراكز التربية والتعليم، ومنابر الوعظ والإرشاد. فالجيل اليوم بعدما شغله ضجيجُ العصرنة بمعطياتها المختلفة، أخذ يمارس عملية محاكاة آلية لكثير من السلوكيات التي تغذيه بها تلك المعطيات، حيث تمظهرت بشكلية زائفة، تجسدت في عملية استلاب غير مألوفة، كانت محصِّلتها ضياع الجيل، واستلاب هويته) .

وهكذا يأتي هذا الكتاب بمحتواه المعاصر، في مجموعة مقالات، ليشكل رؤية عصرية، تتناول بحث ما تراكم من إشكاليات في موروثنا الثقافي، متطلعة في ذات الوقت، إلى آفاق التغيير المستهدف، التي تمكننا من التفاعل الواعي، مع مستجدات العصر، والتعايش معها بسلاسة، حيث بات الأمر يتطلب الإنتباه الجدي، إلى حقيقة كون هيمنة الثورة التقنية والرقمية، قد أصبحت اليوم، سمة عصر، وثقافة واقع حال راهن، لامناص من التفاعل الخلاق، والتعايش البناء معها، على قاعدة الانتفاع من كل ماهو مفيد وايجابي من مخرجاتها، ونبذ ماهو ضار منها، من دون الإنغماس الآلي فيها، أو تركها، والانسحاب منها كليا، وذلك في إطار نمط ثقافي جديد يحافظ على معالم الهوية التراثية، ويسمح بتواصل الجيل الجديد من الناشئة، مع موروثه الديني والاجتماعي، وهو يعيش، في ذات الوقت،تفاصيل مفردات حياة الحداثة، التي باتت تداعياتها تتسارع بشكل صاخب ومذهل، ولم يعد بالإمكان الإنعزال عنها، وغظ النظر عن مفاعيلها .

ولا ريب أن الكتاب بهذه الرؤية المعاصرة من التناول، سيساهم في تنوير التوجهات الثقافية السائدة، ويسد جزءا من الفراغ في المكتبة العربية لمثل هذا النوع من التداول الثقافي والفكري..

 

 الدكتور عبدالعزيز عيادة الوكاع الوكاع

 

 

عبد الرضا حمد جاسمورد في ص9 من كتاب [علي الوردي والمشروع العراقي] التالي: ان علم الاجتماع سوسيولوجيا من العلوم الجديدة نسبيا في منظومة العلوم الانسانية المعروفة اليوم ولا يتعدى عمره اكثر من قرن ونيف في الغرب لكن عندنا كان اثره اعمق وريادي بالرغم من عدم اخذه بالحسبان في سياقات سطوة المركزية الغربية ونجد لذلك المفهوم شطط من الالتفاتات اللبيبة في التراث الإسلامي عند الجاحظ والتوحيدي وغيرهم بيد انه لم يرتقي الامر الى تجميعه في نظرية تفسر على ضوئها كل ظواهر الحياة البشرية] انتهى

* تعليق: 

الراحل علي الوردي حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع عام 1950 أي قبل ثلاثة ارباع القرن تقريباً من اليوم ويقول/ت كاتب/ة التقديم/ المقدمة في ص11(/12) [ لذا فأن اختيار المرحوم علي الوردي لهذا العلم في الاربعينات من القرن المنصرم كان لبابة ووسع اطلاع ارتقى فوق مستوى ادراك المجتمع العراقي حينئذ] انتهى 

هذا يعني ان علم الاجتماع ظهر قبل ان يختاره علي الوري بأقل من ربع قرن ونيف وهذا غير صحيح فعلم الاجتماع كما كتب الوردي في ص36 من كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي حول نشوء علم الاجتماع التالي: [نشا علم الاجتماع منذ مائة عام تقريبا وهذا عمر يكاد يكون صغيرا بالنسبة لأعمار كثير العلوم الأخرى] أي بحساب اليوم تقريباً قرن ونصف وليس قرن ونيف حيث نيف تعني سنة أوسنتين أو ثلاث سنوات وما زاد لا يُقال عنه نيف.

ومع ذلك فعلم الاجتماع لا يزيد عندهم في الغرب عن ""قرن ونيف"" لكن اثره لا يقل عن اثره عندنا...فهل لم يتطرق الفلاسفة وغيرهم قبل سقراط/ قبل الميلاد/ قبل الاسلام وبعده الى الأمور الاجتماعية؟ هل ابن خلدون قبل عدة قرون صنع بذرة علم الاجتماع وزرعها وأثمرت العمران/ المقدمة ام انه وجد تلك البذرة في ثمرة من شجرة علم الاجتماع فزرعها ورعاها وتابعها فأثمرت له تلك الثمار التي لفتت نظر العالم وقتها ووقتنا.

** وفق الذي ورد أعلاه: [ونجد لذلك المفهوم شطط من الالتفاتات اللبيبة في التراث الإسلامي عند الجاحظ والتوحيدي وغيرهم بيد انه لم يرتقي الامر الى تجميعه في نظرية تفسر على ضوئها كل ظواهر الحياة البشرية]... هل يمكن/يُعقل أنه في يوم من الأيام ستكون هناك نظرية يمكن على ضوئها تفسير كل ظواهر الحياة البشرية؟

2 ـ في ص11 / 12 ورد: [ لذا فأن اختيار المرحوم علي الوردي لهذا العلم في الاربعينات من القرن المنصرم كان لبابة ووسع اطلاع ارتقى فوق مستوى ادراك المجتمع العراقي حينئذ...]انتهى

* تعليق: 

انا مضطر هناك ان اذهب لأستعير/اقتبس/استشهد بما نشره عن الراحل الوردي أكثر احبابه التصاقاً به وربما اكثر من كتبوا ونشروا عنه وهم السيد محمد عيسى الخاقاني في كتابه :[مئة عام مع الوردي] وسلام الشماع في كتابه: [ من وحي الثمانين] لأن اصل هذا الموضوع هو القيل والقال  والأثنين نقلا كما قالا عن لسان الوردي وانا لا استطيع نفي او تأييد انما اعرض الغرابة في القيل والقال والذي صار مع الوردي حقائق دون اسانيد او تأييد... ما كُتب على/ عن الراحل علي الوردي وعلى حد تواضع اطلاعي، كانت هناك إشارات مباشرة وغير مباشرة يُفهم /فُهِمَ منها ان الراحل الدكتور علي الوردي له الرحمة لم يَخْتَرْ علم الاجتماع عن لبابة ووسع اطلاع كما ورد انما فُرِضَ عليه تدريس شيء من علم الاجتماع في الإعدادية المركزية التي قضى فيها الفترة من 15.09.1943 الى 01.12.1943 أي شهرين وخمسة عشر يوماً بعدما عاد من بعثة البكالوريوس في الجامعة الامريكية في بيروت وتخصص بالتجارة والاقتصاد كما هو معروف/ معلوم وكما ورد في كتاب السيد محمد عيسى الخاقاني: [مئة عام مع الوردي] ص51 في جدول تحت عنوان :[ الأوامر الإدارية الخاصة بتعيين علي الوردي في مهامه الوظيفية 1937 ــ 1970 هذا الجدول منقول كما أشار الكاتب من البحث الذي نشره الدكتور علاء حسين الرهيمي والأستاذ علي طاهر الحلي في مجلة جامعة الكوفة بعنوان: [علي الوردي بيئته ونشأته وجهوده التربوية...دراسة تاريخية] وهذا الجدول نقلاه كما ورد ايضاً من اضبارة الدكتور علي الوردي من خلال الوثائق المتوفرة في وزارة التربية والتعليم العراقية والتي كانت تسمى وزارة المعارف.

* ملاحظة: 

الحقيقة لا أعرف ولم أتمكن من الاطلاع على كتاب او مقالة او مجموعة مقالات او بحث او مجموعة بحوث اعتمدت على "اضابير"/وثائق الحياة العملية/ العلمية للراحل الدكتور علي الوردي او قَّلبتها او سلطت الضوء على ما فيها وهذه "الاضابير" أكيد موجودة ضمن الأرشيف أو ضمن محفوظات وزارة التعليم او وزارة التربية/ المعارف سابقاً او رئاسة جامعة بغداد او كلية الآداب/جامعة بغداد او الجامعة الامريكية في بيروت او جامعة وارشو/معهد الدراسات الشرقية او أي جهة علمية بحثية أخرى وربما في أرشيف المجمع العلمي العراقي...اتمنى على من اطلع على ذلك الأرشيف/"الأضابير" (من غير القضايا الأمنية التي ظهرت هنا او هناك) التفضل بالإشارة اليها وأتمنى ان يُكلف طالب/طلبة باحث/ باحثين من اقسام علم الاجتماع في الجامعات العراقية للبحث عن/في تلك "الاضابير" والغوص فيها ونشر ما ينفع منها وتسليط الضوء عليها أو إعادة مناقشتها في رسائل او بحوث جامعية حيث ذُكِرَ ان للراحل الوردي أكثر من (150) بحث ودراسة في اضبارته في كلية الآداب/ جامعة بغداد ( يعني تقريباً بحث واحد كل شهر من أشهر الدراسة بين تعينه عام 1950 وتقاعده عام 1970) وأتمنى أن تُنشر هذه البحوث والدراسات كما نُشرت مقابلاته الصحفية.

ذكر السيد الخاقاني في ص (52) من كتابه [مئة عام مع الوردي] التالي: [وحصل الوردي على مبتغاه حين أعلنت وزارة المعارف العراقية في عام 1939 عن وجود بعثات دراسية في الجامعة الامريكية في بيروت فقدم أوراق ترشيحه الى الوزارة ولأن درس اختصاصه الأول الذي لم يكن يتنازل عنه كان الاقتصاد فقد أعلنت نتائج الترشيحات كان الوردي من بين الفائزين بإحدى مقاعدها المخصصة لدراسة التجارة والاقتصاد ووافق على مضض أيضا وان كان الدرس الاقتصادي لم يلق هوى في نفسه بيد انه لم يجد بدا الا في القبول خشية ان يفقد مقعد البعثة العلمية...] انتهى [[ الرجاء الانتباه الى: (ووافق على مضض وما بعدها وقبلها) و(ولأن درس اختصاصه الأول الذي لم يكن يتنازل عنه كان الاقتصاد) [ عجيب أمور الكتب التي كتبها محبي الوردي له الرحمة] من أين جاء بالتخصص في الاقتصاد الذي لا يتنازل عنه؟؟؟؟؟!!!!

ثم انه اُبْتُعِثَ لدراسة علم الاجتماع في الولايات المتحدة الامريكية/ تكساس وهو بكالوريوس في التجارة والاقتصاد من الجامعة الامريكية في بيروت ومن هذا يعني انه عندما وجد ان هناك بعثة لدراسة التجارة والاقتصاد تقدم اليها وعندما وجد أن هناك بعثة لدراسة/ التخصص في علم الاجتماع تقدم لها وفي الحالتين كانت هناك إشارات الى تَدَّخُل (الواسطة) التي توجه لها الراحل الوردي منذ تعينه معلماً في الشطرة أي من بداية حياته العملية...حيث ورد في كتاب [مئة عام مع الوردي]/ محمد عيسى الخاقاني في ص48 التالي : [وقد أتم الوردي عامه الدراسي الأول الطويل الممل على مضض وجاءت العطلة الصيفية لينتقل الوردي الى بغداد يبحث عن شخص متنفذ يتوسط له في وزارة المعارف لنقله من الشطرة وكان ان قضى الصيف كله على أبواب الوزارة، يقول الوردي وتناخى له أبناء المحلة والحي ليذهبوا الى ابن محلتهم الذي يعمل في الوزارة لمساعدة الوردي وكان له ما أراد حيث نقلته وزارة المعارف الى مدرسة الشالجية الابتدائية في الأول من تشرين الأول عام 1938...] انتهى

ملاحظة: ورد في ص51 من كتاب السيد محمد عيسى الخاقاني /جدول الأوامر الإدارية الخاصة بتعيين علي الوردي في مهامه الوظيفية 1937 ـ 1970 التالي: [معلم في مدرسة الشطرة الابتدائية تاريخ التعيين16.01.1937 وتاريخ الانفصال 01.11.1937 ثم معلم في مدرسة الشطرة الابتدائية تاريخ التعيين 17.03.1938 تاريخ الانفصال 01.10.1938

وهذا يعني ان الراحل الوردي لم ينتظم في عمله كمعلم في مدرسة الشطرة حيث  كما يبدو كان في بحثه الدؤوب عن واسطة للتخلص من "محنة تعيينه في الشطرة".

 واستمر السيد الخاقاني : [وعرف الوردي باب الواسطة لتنقل وزارة المعارف خدماته الى الإعدادية المركزية مدرسا لدرس الاقتصاد]. ويقصد هنا بعد عودته من البعثة الى بيروت عام 1943

ثم يضيف الخاقاني في ص49 تحت عنوان فرعي هو : [الوردي يصادف قدره فيعترض] حيث كتب التالي: [وحدث الحادث الأهم في الإعدادية المركزية حيث رشحته وزارة المعارف لتدريس مادة دراسية جديدة أضيفت على المنهج الدراسي في المدرسة نفسها عنونت المادة المراد تدريسها من قبل الوردي (بأحوال العراق الاجتماعية) واختصت موضوعاتها بدراسة الواقع الاجتماعي للبلاد والعوامل المؤثرة فيه مع التعريج على ابرز سمات المجتمع العراقي وخصائصه.

اعترض الوردي على قدره وقدم احتجاجاً مكتوباً للوزارة على فرض هذا الدرس(الاجتماعي) عليه وهو ليس من صلب تخصصه ولم تنفع اعتراضات علي الوردي على قرار وزارة المعارف ورفضه تدريس درس ليس ضمن تخصصه الدقيق كما كان يقدم في اعتراضه الوجيه الى الوزارة الا ان الوزارة أصرت مهددة إياه بنقل خدماته الى مدرسة أخرى في حال عدم الاستجابة لمطالبها في ضرورة تدريسه للمادة الجديدة تلك المادة التي ستكون فيما بعد شخصية الوردي العلمية والاجتماعية وهو امر اضطره الى الرضوخ لأوامرها والقبول بتدريس مادة أحوال العراق الاجتماعية...] ثم يضيف السيد الخاقاني: [كان للوردي موعدا مع القدر في هذا الكتاب فانكب على القراءة والاستقصاء عن المنهج الذي يجب ان يتبعه لا سيما ان الدرس افتقد الى كتاب منهجي مقرر من وزارة المعارف خلافا لبرامجها الدراسية المقرة لمختلف الدروس...جمع الوردي المادة المتخصصة فيه وبحث ايام  وليالي في مكتبات الكاظمية وبغداد ولكي يؤلف منهجا لكتابه الدراسي وكانت البداية تلك الصدفة التي يصفها الوردي باستغراب حيث يقول القدر يطرق الباب ويلح عليك وربما خالفته واضعت الفرصة وربما فرض عليك ولكنه في النهاية قدرك الذي جاء بمصادفة غريبة....].

ثم أضاف السيد الخاقاني في ص55 التالي : [عينت وزارة المعارف العراقية موظفها العائد من بيروت بشهادة تحمل مرتبة الشرف الأول على دورته، عينته مدرساً في الإعدادية المركزية في 15 سبتمبر أيلول من عام 1943 ثم نقل الوردي بعد عام ونصف العام الى ثانوية التجارة وذلك في الأول من ديسمبر كانون اول عام 1944 وانيطت به مهمة تدريس مادتي الاقتصاد واحوال العراق الاجتماعية]

ملاحظة: يمكن للقارئ ملاحظة الارتباك او عدم الدقة فيما ورد عن السيد الخاقاني وهذا حال اغلب الكتابات عن الوردي لأنه كما اعتقد تسيطر روح التقديس على الكاتب ومحاولة  الاندفاع في "تفخيم/تعظيم" الأمور التي لا تعني شيء مثل(العراقي القح) و(مرتبة الشرف التي اجتاز بها الوردي كل مراحله الدراسية تقريبا) وغيرها من الأمور وكلها بدون اسانيد ووثائق والرجل له الذكر الطيب والرحمة متواضع ...وهنا ورد انه نقل من الإعدادية المركزية الى  ثانوية التجارة بتاريخ 01.12.1944 وفي الجدول المنشور في ص51 يذكر تاريخ اخر هو 01.12.1943

كتب الراحل الوردي في ص8 من كراسته/شخصية الفرد العراقي/1951 التالي: [ان هذه المحاضرة رغم ما فيها من نقص بارز في الناحية العلمية هي محاولة مفردة في سبيل فحص المجتمع العراقي وكيف تنمو فيه شخصية الفرد على ضوء علم الاجتماع الحديث ولقد كابدت في سبيل اعدادها آلاماً لا يستهان بها إذ لم اجد في طريقي الذي حاولت السير فيه علامة ترشدني وكأني بذلك اشق طريقاً جديداً لم تطأه قدم من قبل] انتهى

هنا اشعر بضرورة اعادة ما ورد في التقديم للمقارنة حيث ورد التالي: [1 ـ في ص11 / 12: [ لذا فأن اختيار المرحوم علي الوردي لهذا العلم في الاربعينات من القرن المنصرم كان لبابة ووسع اطلاع ارتقى فوق مستوى ادراك المجتمع العراقي حينئذ...]انتهى

*تعليق: نعم إجبار الراحل الوردي على تدريس شيء عن المجتمع او الحالة الاجتماعية العراقية وقبوله ذلك على مضض جعله اول أو من أوائل من دَّرَسَ شيء عن علم الاجتماع في المدارس العراقية  وليشده هذا الموضوع الجديد عليه وعلى الحياة العلمية العراقية.

وبخصوص البعثة الى تكساس كتب السيد عبد الأمير الورد في تقديمه لكتاب سلام الشماع (من وحي الثمانين) في ص 34 التالي: [وعلمنا فيما بعد ـ كما سمعت منه في المشهاد في مقابله معه انه هو وأربعة او ثلاثة اخرون علموا بوجود بعثات في وزارة المعارف (التربية حالياً) ولكن الوزير رفض ان تكون البعثات لهم وكان احدهم المرحوم عز الدين ال ياسين فمضوا الى بناية مجلس الامة ـ سماها البرلمان ـ  وقابلوا هناك شخصا مهما لم يذكر اسمه ولا اشك في انه السيد محمد الصدر احد اعاظم اركان الدولة العراقية آنذاك وشرحوا امرهم فاتصل هاتفيا بالدكتور محمد فاضل الجمالي وقال له: اذهب وقل لوزير المعارف ان يرسل هؤلاء في البعثات التي عنده فاعتذر الجمالي وقال: ولكنك تعلم انني لا اتدخل في شؤون غيري... فانتهره السيد الصدر وقال له يا فاضل انك تركض هنا وهناك في القضايا التي تريدها والان تعتذر اذهب وافعل ما قلت لك...بعد أربعة أيام كان طلبة البعثة على متن طائرة يسافرون كل الى جهة]انتهى

و يقول سلام الشماع وهو لصيق للوردي لفتره طويله وله صولات وجولات معه!!؟؟ في هامش رقم (1) /ص 35 من نفس الكتاب: 

[ أخبرني الدكتور الراحل علي الوردي انهم قابلوا السيد عبد المهدي المنتفكي وليس السيد محمد الصدر كما اخبرني الوردي ان ساطع الحصري وكان ذا منصب مرموق في وزارة المعارف آنذاك هو الذي رفض ابتعاثهم الى أمريكا فوقف المنتفكي بوجهه وامضى امر ابتعاثهم...الخ]انتهى

*تعليق: شخصياً أقول ان هناك عدم دقة في هذه القصة بين الصدر والمنتفجي  ...قد يكون الصدر مهتم كون من الأسماء من هم من أهالي الكاظمية او سكنتها الذين ربما يعرفهم الصدر...لكن ليس لمثل ذلك عند المنتفجي. كما اشعر انه يُشم من هذا الطرح ان هناك نفس طائفي بين الصدر والمنتفجي من جهة وساطع الحصري من جهة أخرى...فكان المفروض ذكر كل الأسماء المطروحة في القائمتين أي قائمة الصدر ـ المنتفجي وقائمة ساطع الحصري. ولا اعتقد ان الأمور سارت بمسار أوامر الصدر او المنتفجي كما يُفهم من الروايتين.

أعتقد أن هذا الخلط كان ولا يزال لإبعاد بحث الوردي الحثيث عن الواسطة.

لقد رفض الوردي واعترض وكتب عن موضوع تدريس الحالة الاجتماعية للعراق لأنها ليست من اختصاصه ويأتي للبحث عن بعثة بغير اختصاصه فهو بكالوريوس بالاقتصاد والبعثة لعلم الاجتماع...هل يُعقل ان يُبْتَعَثْ مهندس متخصص بالأجهزة الطبية مثلاً لدارسة الطب؟ فالهندسة والطب تخص المجتمع كما الاقتصاد وعلم الاجتماع...

 أكيد كانت للسيد ساطع الحصري أسبابه وأسماء مبتعثيه وله القدرة على التنفيذ والاعتراض... فكيف تمت تسوية الموضوع؟؟؟ الجواب عند من استفسر من الوردي له الذكر الطيب ان كان هناك من استفسر ولو ان ذكر الوردي رحمه الله لهذه الرواية تدفع الى السؤال عن كيف تم حل الموضوع هل تم تنفيذ أوامر الصدر ام انسحب الحصري وقائمته؟؟؟ هذا الموضوع لا يعني شيء لعلم الاجتماع لكنه يعني الكثير عن الروايات التي حفت وتحف مسيرة الوردي التي لم يستفسر عنها احد.

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

3337 اوربا الحديثة والتنويرهل الليبرالية تتعرض للهجوم في اوربا. في مقابلة له مع صحيفة الفاينانشل تايمز في حزيران 2019، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بوضوح ان "الفكرة الليبرالية" قد استنزفت أهدافها. دليله على ذلك هو ان الجمهور الاوربي رفض علنا المواقف السياسية "الليبرالية" في مسائل الهجرة وفتح الحدود والتعددية الثقافية. في كتاب اوربا الحديثة والتنوير (2021)، يستكشف العالم الاجتماعي رومي حسن، المحاضر في جامعة ساسكس والعضو في معهد civitas البريطاني لدراسة المجتمع المدني، ما اذا كان فتح الحدود والتعددية الثقافية ينسجم حقا مع الديمقراطية الليبرالية وقيم التنوير المؤطرة لها. هو يجمع الكثير من الأدلة للاقتراح بأن بوتن كان يهاجم رجل القش الليبرالي وليس الديمقراطية الليبرالية الحقيقية. ولكن اذا كان المؤلف صائبا، عندئذ فان اللعبة السياسية بالكامل تكون قد اسيء فهمها. هذا يجعل جدال الكاتب حيويا في فهم كم هو الانسجام او اللاانسجام بين التسميات البلاغية لتلك السياسات وبين جوهرها. عندما يقول شخص ما ان شيئا ما ليبرالي، فهل هو حقا ليبرالي، وبأي معنى؟ يبدأ كتاب (اوربا الحديثة والتنوير) بعرض ملخص قوي وفحص متوازن لقيم التنوير. الكاتب يطرح ايضا بجدية العوامل المؤثرة المضادة للتنوير في اوربا الحالية، سواء كانت في النسبية الثقافية لليبراليين او الميول السلطوية في شرق اوربا، او قيم ما قبل التنوير التي كوفئت وحظيت بالرعاية من جانب بعض الجماعات المهاجرة. الكتاب ايضا يسجل المدى الذي اتُبعت فيه قيم التنوير في مختلف أجزاء اوربا الحديثة. ولهذا الغرض، هو يصنف القارة الى اوربا الغربية، الرائدة في التنوير، الدول الشيوعية السابقة التي ارتبطت بالاتحاد الاوربي، و الدول الشيوعية السابقة التي ليست ضمن الاتحاد الاوربي.

منذ البدء، يستعد المؤلف لنقاده باظهار وعي تام بتلك المواقف التي قدم فيها مفكرو التنوير نظريات وافكارا غير تنويرية. جدال الكاتب هو ان الرؤى العرقية والعنصرية لبعض مفكري التنوير جاءت بالضد من جوهر القيم التنويرية بدلا من ان تكون المحصلة المنطقية لتلك القيم. وبدلا من إزاحة المسؤولية عن هيوم وكانط وجيفرسون لـ "فشلهم الخطير"، يعترف الكاتب بهذا الفشل، لكنه يضعه في سياقه الصحيح ضمن قيم التنوير الكاسحة من حيث الدليل والمحاججة المنطقية. عندما طُبقت تلك القيم باستمرار من قبل هؤلاء الرجال، فهي لم تدعم ذلك النوع من الانحرافات الشخصية في التفكير التي ينتقيها منتقدو التنوير بشكل روتيني . كذلك، الى جانب ديدروت ودعاة الغاء عقوبة الإعدام، كان جون لوك البطل العظيم لجيفرسون قد عارض بقوة العنصرية وسيادة البيض. ورغم ان جيفرسون كان عبدا، مع ذلك هو أدخل عبارات في إعلان الاستقلال الامريكي تمنع العبودية – فقط ليراها قد اُزيلت بالقوة من جانب المفاوضين من الولايات المالكة للعبيد والطبقة التجارية. الاعتناق المبدئي لقيم التنوير، كما يذكر الكاتب، يقف بقوة ضد عقائد التفوّق للرجل الابيض.

كان هناك خيط من التفكير ينظر للأبطال التاتوليتاريين الذين اكتسحوا اوربا في النصف الاول من القرن العشرين كنتائج غير مقصودة لقيم التنوير. العديد من مناصري هذه الرؤية هم تلاميذ ادورنو و هوركهايمر المضادين للتنوير في كتابهما (ديالكتيكية التنوير، 1947)(1). لكن الكاتب يشير الى ان هذه هي حالة بدائية لمغالطة السببية في تعاقب الأحداث the post hoc ergo propter hoc (التي تقول ان الحدث س اذا جاء بعد الحدث ص معنى ذلك ان الحدث س يجب ان يكون نشأ بفعل ص). النازيون انفسهم كانوا ضد التفكير التنويري. استخدامهم الساخر للديمقراطية أعقبه التدمير المباشر لكل الهياكل الديمقراطية فور استلامهم السلطة عام 1933، الامر الذي يوضح انهم لم يقيموا الديمقراطية كمبدأ وانما فقط وسيلة لغاية. ان المبادئ الرئيسية للعقل والعلوم هي ضرورية لكنها ليست شرطا كافيا لتحقيق المجتمع والدولة التنويرية الحديثة، طالما هي ايضا يمكن استخدامها في خدمة غايات معاكسة .

ايضا، رغم ان الاستعمار الاوربي تمدد بسرعة في القرن التاسع عشر، لكن هذا كان ضد جوهر مبادئ التنوير. هذا الاستعمار جلب بعض افكار التنوير للمستعمرات، لكن تلك الافكار وبشكل متفاوت لم توضع موضع التطبيق في احترام المستوطنين. كيف يمكن ان يكون ذلك عندما يصبح عمل الاستعمار نفسه خرقا لجوهر القيم التنويرية في تقرير المصير والحرية؟ افكار التنوير انتشرت بسرعة حول العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الكاتب يشير الى ان قادة ما بعد الاستعمار لم يؤكدوا على اهميتها ولم يطبقوها بأي قناعة كانت. هو يعتقد ان هذا هو سبب قلة التطور الاقتصادي والاجتماعي في العديد من دول ما بعد الاستعمار في العقود التي أعقبت نيلها الاستقلال. هو يعرض بيانات ميدانية غزيرة لدعم هذا، مستخدما مجموعة من المؤشرات عن الحريات والحقوق على طول الكتاب.

يركز الكاتب نقاشه على النقد العنيف للتنوير في مطلع هذا القرن الذي وصفه دارين ماكماهان بـ رياضة دموية فكرية، تجمع عناصر من كلا اليمين واليسار في "مصلحة مشتركة" (اعداء التنوير، 2001). اطروحة الكاتب هي ان العقلية المضادة للتنوير التي اتسمت بالنسبية الاخلاقية والثقافية بدلا من العقل والدليل، ضربت جذورها في كل اوربا. هو يعتقد ان هذا خطأ جسيم و عميق يهدد باغراق اوربا الغربية ونكوصها نحو اللاعقلانية والظلامية، بما يخلق صعوبات هائلة للملايين من الناس. المؤلف كان في موقع قوي عندما طرح هذا الادّعاء بسبب البحث السوسيولوجي الهائل الذي أجراه للظروف الحياتية وحقوق الانسان والتنمية الاقتصادية حول العالم. عدة دراسات أشارت بان علمنة الثقافة والمجتمع ليست فقط مفيدة للتطور المعرفي للاطفال وانما ايضا ضرورية للتنمية الاقتصادية والتحديث، وان المستويات العالية للانتماء الديني في عالم الجنوب كبح النمو والتنمية والازدهار الانساني.

بعد الحرب العالمية الثانية، تبنّت اوربا الغربية بقوة إمداد الديمقراطيات الليبرالية بالدساتير والقوانين التي جسدت حقوق الانسان العالمية. هذا الإجماع كان واضحا في إعلان حقوق الانسان في الامم المتحدة لعام 1948، بالاضافة الى الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان التي دخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1953. المبادئ المركزية للاتفاقية الاخيرة كانت حرية التعبير (المادة 10) ومنع التمييز، التي تؤكد على ان ولادة المرء العشوائية يجب ان لا تكون سببا لأعمال التمييز. التبنّي الموحد للقيم المشتركة والمبادئ تكرر ايضا عام 1973 في إعلان الهوية الاوربية. هذه القيم والمبادئ تختلف بشكل واضح، كما يذكر الكاتب، عن النمط الذي اُتُّبع في ظل "التعدية الثقافية". التعددية الثقافية تفضل التنوع وسيادة الثقافات. لذلك هي لا تؤدي الى "قيم مشتركة ومبادئ" وترفض فكرة "الحضارة الاوربية المشتركة". واذا كانت الحقوق والحماية ومنزلة المرأة والاقليات الاثنية في اوربا الغربية في القرن الواحد والعشرين متفردة، فان هذا التقدم بمحصلته الكلية يخفي اختلافات عميقة بين الجماعات الثقافية والدينية والاثنية ضمن اوربا. احيانا يتم التسامح مع المواقف والممارسات التي لا تُقبل في المجتمع المضيف وتُحمى ضمن الاقليات المهاجرة. هذا المعيار المزدوج الصارخ جرى التهرب من المسؤولية عنه عبر اللجوء الى موقفين ثنائيين ضمن التعددية الثقافية: النسبية الثقافية والنسبية الاخلاقية. هذا الموقف جرد افراد الاقليات من الحماية المتساوية في ظل القانون بإستبدال حقوقهم الفردية بـ "حقوق الجالية". هذه السياسة تتغاضى بعمق عن القيم غير الليبرالية تحت عنوان التسامح الليبرالي. تلك المفارقة اصبحت واضحة جدا مع وصول أعداد كبيرة من المهاجرين من دول ذوي رؤى غير متسامحة ورجعية تجاه المرأة والاطفال ومثليي الجنس والمتحولين جنسيا. على هذا الاساس، يفكك الكاتب بفاعلية إجماع الرأي بان السياسات التي تدعم الهجرة الواسعة وسياسات اللجوء السخية هي ليبرالية وتلك التي عارضت تلك السياسات هي رجعية غير تنويرية وشعبوية او من اليمين المتطرف . هو يجادل على عكس ذلك، ان سيادة وحرية الفرد – اللذين هما شرط لا غنى عنه – للفلسفة السياسية الليبرالية التنويرية تعرّضا للخطر الشديد من جانب التفكير الجماعي للجماعات المحافظة اجتماعيا الذي جسّدته التعددية الثقافية. سيادة العقل وحرية ممارسته والذي هو جوهر قيم التنوير، يحرر الافراد من قيم الجالية والعادات والتقاليد. هذه الحرية هي شرط ضروري لتقرير سيادة الفرد.

من المفيد قراءة القضايا الثقافية المثيرة للخلاف من قلم عالم اجتماعي يتعامل مع موضوعه كما يتعامل الطبيب الشرعي بدقة صارمة. يقدم المؤلف حقائق سارة وغير سارة وفق معيار متساوي، بينما يخفي اي ملامح للاستثمار الشخصي. الأدلة اُعطيت أولوية، والكاتب بارع ومتمرس في تجميعها وترتيبها. هذا الكتاب هو عمل إبداعي لدراسة أكاديمية الطابع، ويجب ان يُدرّس لطلاب الجامعة كإنموذج واضح وسهل الفهم.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

* كتاب (اوربا الحديثة والتنوير)، لرومي حسن، صدر عن مطبوعات جامعة ساسكس عام 2021 في 240 صفحة.

(1) في كتاب ديالكتيكية التنوير يجادل الكاتبان ادورنو و هوركهايمر ان تمجيد العقل من جانب مفكري التنوير في القرن الثامن عشر قاد الى تطوير انماط للحوكمة معقدة تكنلوجيا لكنها قمعية وغير انسانية، تمثلت بفاشية القرن العشرين والانظمة التاتوليتارية .

 

علاء اللامينستمر في هذا الجزء الأخير من المقالة بمناقشة فرضيات لويس عوض حول أصل العرب القوقازي وطبيعة لغتهم ونتساءل: لماذا لم نجد نسبة مهمة عند تحليل المورثات الجينية "الجينات" لسكان الجزيرة العربية ذوي الأصول القوقازية، بل وجدنا جينات لا تختلف عن جينات الرافدانيين واليمنيين والشاميين كثيرا ضمن دائرة الجينوم ج1 وج2؟

هل المصريون عرب؟

وبالمناسبة، فلويس عوض يقول في كتابه "إن المسح الإثنولوجي لمصر والمصرين الناطقين بالعربية أثبت أنهم ينتمون إلى مجموعات إثنولوجية مختلفة عن المجموعات العربية بالإضافة إلى اختلافهم عن العرب. ص 10 م.س"، وقد فندت الدراسات الجينولوجية الحديثة هذا الرأي، وأثبتت أن المصرين لا يختلفون عن غيرهم من الناطقين باللغة العربية بين المحيط والخليج بانتمائهم إلى الجينومين ج1 وج2، وقد تطرقتُ لهذا الموضوع في مقالة سابقة اقتبست فيها ما قاله أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، العالم  الروسي - الأميركي أناتولي كليوسوف، الذي قال حرفيا "إن من الخطأ تسمية المجموعة الجينية "ج1" بالمجموعة الفردانية الكوهينية "اليهودية"، لأنها موجودة عند العرب أيضاً، وهي عند العرب أقدم من وجودها عند اليهود بكثير، فهي موجودة عند العرب الذين يتكلمون العربية ويعيشون في تسع عشرة دولة تنسبها الموسوعات إلى العالم العربي، بدءاً من المغرب العربي حتى سوريا والعراق". 

وفي أحدث التحليلات الجينية التي أجريت من سنة 2017 وحتى 2020 نجد أن نسبة الجينومين "العربيين" ج1 وج2 هي أعلى من غيرها من شبكة الجينات لدى المصرين، ويخلص هذا التقرير العلمي الموثق بالأرقام والتفاصيل والذي يحمل عنوان (Genetic history of the Middle East) وتحت عنوان فرعي هو (DNA history of Egypt) الى الخلاصة الحاسمة التالية: "يكشف التحليل الجيني للمصريين المعاصرين أن لديهم سلالات أبوية مشتركة بين السكان الأصليين الناطقين باللغة الأفروآسيوية في المغرب العربي والقرن الأفريقي ولدى شعوب الشرق الأوسط؛ كانت هذه السلالات الجينية قد انتشرت خلال العصر الحجري الحديث وتم الحفاظ عليها طوال عصر ما قبل الأسرات" أي بحدود 3100 ق.م.

أما الهابلوغروب أو السلالة (E) وتفرعاتها المختلفة والموجودة في مصر "فمايزال العلماء مختلفين حول منشئها وهل ولدت في افريقيا أو في الشرق الأدنى "الأوسط"، ومن يقول انها ولدت في الشرق الادنى يقول انها هاجرت هجره عكسيه لافريقيا ، والسبب هو انها بنت السلاله CT"، وسأكتفي بهذا القدر من الشواهد الجينية لأنني لست ملما بهذا العلم إلا بشكل بسيط وكمعلومات عامة.

أما لغويا، فنحن نتساءل: ألم يأتِ "أجداد العرب من القوقاز" معهم بلغتهم أم أنها زالت من الوجود كلغة وكسردية ولم تترك إلا بعض الألفاظ القليلة التي يشهرها لويس عوضا في كتابه دليلا على أن اللغة العربية هي لغة هندوآرية وليست جزيرية "سامية"؟ وهل تخلو أي لغة في العالم المعاصر من مفردات - قلَّت أو كثُرت - قادمة من لغات أخرى؟ وبالمناسبة، فهناك فرضية قديمة يقول أصحابها إن المجموعتين اللغويتين "السامية الحامية" و"الهندوآرية" ربما كانتا مجموعة واحدة وانشطرت لاحقا إلى عدة مجموعات ولكن جمهور الباحثين لا يقر هذه الفرضية لانعدام الأدلة الحاسمة التي تؤيدها، كما قال العلامة طه باقر قبل حوالي ثلاثة أرباع القرن في كتابه "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة" ج1 ص 94، الصادر سنة 1951.

أما الباحث العراقي عامر سليمان فقد أكد في كتابه "التراث اللغوي - الوارد في حضارات العراق"- ج1 ص312، الصادر سنة 1985، أن البحث اللغوي المقارن والذي يأخذ بنظر الاعتبار التزمين والتدرج من الأقدم إلى الأحدث، أكد الأصول الرافدانية الأقدم للعديد من المفردات التي دخلت في اللغة الإنكليزية وبعض اللغات الأوروبية عن طريق اللغة اليونانية يورد قائمة بمفردات بعضها أساسي ومهم.

ومع كل ما تقدم، فإن هذا الرأي للويس عوض ومن يؤيده يبقى فرضية ترجيحية لا أكثر، وكان مؤسفا وتعسفيا القرار الحكومي المصري بحظر توزيع وتداول كتابه في مصر منذ صدوره في الثمانينات، مع أنه كان مطبوعا ومتداولا خارج مصر.

قبل فرضيات عوض طُرحت فرضيات عديدة في إطار ما سمي "المعضلة السومرية" الباحثة عن أصول إلى هذا الشعب ولغته؛ منها ما يذهب إلى إنهم قَدِموا من شمال الهند وبلاد السند، ومنهم من يقول أنهم قدموا من شبه الجزيرة العربية ومنهم من يقول إنهم قدموا من شمال بيث نهرين "الرافدين" أو من جبل أرارات وبلاد أرمينيا، أو من وسط إيران، أو من جنوب الخليج العربي، وهناك مَن يقول إنهم لم يأتوا مهاجرين من أي مكان آخر، بل وجدوا في بلادهم في جنوب العراق القديم وفيه اندمجوا بالجزيريين الذين عاشوا إلى جوارهم حتى غطى حضورهم السكاني على الحضور السومري، وأنا أميلُ شخصيا الى هذه الفرضية، وهناك فرضية مثيرة أخرى قال بها الباحث العراقي د. نائل حنون قبل سنوات قليلة، تقترب من هذه الأخيرة، وتذهب إلى عدم وجود شعب سومري أصلا، وكل ما وجد هو لغة اسمها السومرية ابتكرها سكان المنطقة الجنوبية من العراق القديم واستعملتها شعوب عديدة متعاقبة، فاللغة كما يقول حنون "ليست دائما دليلا على وجود شعب تكلم بها" ويضرب على ذلك مثال اللغة السنسكريتية وكنت قد ناقشت رأيه هذا في مناسبة سابقة من باب الاختلاف البحثي معه. ووجهة نظر حنون قريبة من وجهة نظر جورج رو التي "تضع حلاً وسطاً مفاده أن السومريين كانوا نتاج تمازج عدد من الأجناس التي توطنت المنطقة على مراحل مختلفة". وهذه كلها فرضيات قابلة للنقاش.3335 شعار

الاستناد إلى التوراة:

يستند المؤلف - صباح كنجي - في بعض مواضع الكتاب إلى التوراة التي يقول عنها إنها " تؤرخ للكثير من تسميات هذه الشعوب والقبائل، وإن لم يكن ما ورد في التوراة من باب المسلمات التاريخية المطلقة والعلمية ولكنها تترادف مع المكتشفات الآثارية ولا تبتعد عنها في الكثير من التسميات أحيانا. ص 323". وهذا كلام متناقض، فكيف يمكن الاستناد علميا لوثيقة غير علمية وغير مُسَلَّم بها كالتوراة؟ وكيف تترادف تسميات التوراة غير العلمية مع المكتشفات الآثارية ولا تبتعد عنها كثيرا؟ وأين هي تلك المكتشفات الآثارية التي لا تبتعد عما ذهبت إليه التوراة؟ إن الدراسات الحديثة حول التوراة انتهت إلى الجدار في ما يخص الميدان العرقي الإثنولوجي والتأريخي وقد لخص ذلك أحسن تلخيص البروفيسور "الإسرائيلي" زئيف هرتسوغ، رئيس قسم الآثار في جامعة تل أبيب بدراسته الآثارية المثيرة والتي تقول كل شيء في عنوانها وهو: "التوراة: لا إثباتات على الأرض" بمعنى لا توجد أدلة آثارية "أركيولوجية" على الأرض تؤيد الروايات التوراتية.

إن التوراة فيها من الأخطاء الانثروبولوجية والإثنية والتأريخية ما يشب لهوله الوِلْدان؛ فهي مثلا تعتبر العيلاميين من الجنس السامي وهم الأقرب الى الشعوب الآرية، وقد هاجروا الى جنوب إيران من شمالها وتطبعوا لاحقا بطابع الثقافات والديانات واللغات الرافدانية، فيما تعتبر الكنعانيين الذين هم سكان فلسطين الأصلين من غير الساميين أي من الحاميين الذين حكم عليهم "رب التوراة" بأن يكونوا عبيدا لأبناء سام، رغم أن الكنعانيين كما كررنا هم الأقرب لغة وحضارة إلى الشعوب الجزيرية الأخرى، وهم أصحاب اللغة التي تفرعت عنها لغات عديدة أخرى كالفينيقية الشرقية والفينيقية الغربية في قرطاجنة والعمونية والمؤابية والإدومية والعبرية والآرامية. ويمكن أن نسرد هنا قائمة طويلة بالآثار المكتشفة التي تؤكد أخطاء الرواية التوراة بما فيها "نقش سلوان" الذي حاول التوراتيون توظيفه بشكل احتيالي لتأكيد روايتهم وقد فشلوا فشلا ذريعا، كما بيتُ في مقالة نشرتها قبل أيام قليلة*تجد رابطها في نهاية هذه المقالة.

جدالات قومية خارج سياق البحث العلمي:

كنت أتمنى أن لا ينزل المؤلف بسوية كتابة وتحليلاته الى اعتماد بعض الآراء التي يكررها بعض كتبة مواقع التواصل وصانعي النكات والطرائف من قبيل أن "تسمية العرب جاءت من اللغة السريانية وتطلق على البدو الرحل المتنقلين تسمية "آربايا" وقد اشتقت منها العربة التي هي وسيلة التنقل والحركة. ص 324"، ومعلوم لدى عدد من الباحثين أن اسم "السريان" واللغة السريانية هو ذو حمولة طائفية دينية للغة الآرامية التي جُعلت حكرا على الشعب الآرامي الوثني فيما اختار المسيحيون تسمية السريان لينأوا بأنفسهم عن الوثنية، ومعلوم أيضا اسم السريان مشتق من اسم "سوريا" وكلاهما مشتق من آشوريا أي بلاد آشور لولاية سلوقية ثم رومانية لاحقا؟ ثم هل يمكن أن نأتي بديل مشتق من لفظة معينة بعد قرون عديدة لتأكيد فرضية قبله فنقول إن اسم العرب اشتق منه اسم " العربة للتنقل" على اعتبار العرب بدو رحل؟ وهل يتنقل البدو العرب في رحلاتهم الطويلة بالعربات أم على الجمال؟

العرب ليسوا أصل الجزيريين بل شعب منهم:

إن العرب ليسوا هم البدو، بل أن البدو " الأَعراب" جزء من العرب الذين سكنوا المدن وبعضهم اختار حياة الرعاة الرحل كسائر الشعوب القديمة ومنها النوميديين وغيرهم. وهم - بالمعنى الإناسي كما أسلفنا - شعب جزيري "سامي" حديث وفتي وليس هو أصل الجزيريين، دخل هذا الشعب تاريخ الشرق وقلبه رأساً على عقب في القرن السابع الميلادي، وأسس دولا وإمبراطوريات بلغت ذروتها مع الحضارة العربية الإسلامية في العهد العباسي والفاطمي بمصر والأموي في الأندلس وكانت مثالا بارزا على المشاركة الفعالة من قبل شعوب المنطقة من الشرق والغرب في صنع تلك الحضارات البائدة المتقدمة معياريا وتقنيا في زمانها، ولم يقل أحد بأنهم أصل الشعوب الجزيرية القديمة إلا بعض البسطاء وغير المتخصصين بالعلوم الحديثية كالذين لا يفرقون بن العرب والأعراب البدو، فالفرع لن يكون أصلا والأصل لن يعتبر فرعا.

ومن هذ الخلل النهجي والافتراض غير الدقيق نتجت سلسلة استنتاجات وأحكام متسرعة وغير دقيقة من  قبيل "العرب يدعون أنهم أقدم سكان المنطقة في الجزيرة العربية ومنها هاجروا إلى بقية المناطق في العراق والشام/ 325" فالهجرات القديمة التي يفترضها بعض الباحثين قبل الإسلام كانت تخص شعوبا جزيرية أخرى كالأكديين وغيرهم وهجرة العرب كانت قبل الإسلام بقرون قليلة ولكنهم بنوا ممالكهم على حواف الرافدين غربا كمملكة المناذرة ذوي الأصول اليمنية والغساسنة والكنعانيين والآراميين والأموريين في ما يسميها العرب بلاد الشام والأنباط والعمونيين وغيرهم في حواف الشام الصحراوية الغربية وتحديدا في الأردن اليوم، وبعض الباحثين يذهب إلى هذه الهجرات وصلت الى مصر وشمال أفريقيا. أما الهجرات العربية الواسعة النطاق فقد جاء في القرن الثامن الميلادي خلال حروب الفتح العربي الإسلامي.

وعلى هذا، فإن قول المؤلف مثلا إن علم العروض هو علم انتحله العرب من غيرهم ونسبوه لأنفسهم، هو قول صحيح تأريخيا، ولكنه موظَف بشكل خاطئ يهدف إلى الانتقاص والرد على مبالغات النثر السياسي القومي المتطرف، فالعرب لم يعرفوا قط علم العروض، ولم يكن لبحور الشعر العربي وجود لدى العرب في عصر "الجاهلية"، بل كانوا يقولون الشعر على سليقتهم، وأول من أسس وكتب في العروض الشعري العربي واستخرجه من الشعر العربي القديم هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري في القرن الثامن الميلادي، أكثر من ذلك يمكنني القول إن العرب لم يعرفوا علم النحو العربي ولم يكونوا يعرفون قواعد النحو بل كانوا يستعملونها تلقائيا ويتكلمون الفصحى على السليقة والفطرة وقد تأسس النحو العربي لاحقا بعد شيوع اللحن والغلط في اللغة نتيجة اختلاط المسلمين من غير العرب بالعرب ودخول شعوب وبلدان أخرى في إطار الحضارة العربية الإسلامية لتسهيل اللغة عليهم، وأول علماء ومؤسسي النحو العربي هم من غير العرب غالبا من أمثال سيبويه في نهايات القرن الثامن الميلادي،  ونفطويه في منتصف التاسع الميلادي، أما واضع أسس النحو البدائية البسيطة فهو أبو الأسود الدؤلي الكناني في القرن السابع الميلادي، أي بعد اكتمال فتح العراق والشام ومصر، فأوجد الدؤلي قاعدة بسيطة لتمييز الفاعل والمفعول والمضاف، وحرف الرفع والنصب والجر والجزم. وفي القرون التالية تطور النحو العربي ونشأت مدارسه المعروفة في العراق "البصرية والكوفية والبغدادية المتوسطة بينهما". وعلى هذا، فلم يكن لعرب الجزيرة علاقة لا بعلم العروض ولا بالنحو العربي ولا بالتنقيط الذي ينسبه بعض الباحثين إلى الدؤلي وبعضهم الآخر إلى نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني في عهد عبد الملك بن مروان الأموي.

أما وجود كلمة شعر في اللغات القديمة كالسومرية والأكدية والآشورية وفي العربية أيضا لا يعني إلا تواشج وتمازج هذه الشعوب الجزيرية الشقيقة والمتجاورة إناسيا ورجوعها إلى أصل إناسي مشترك قيد الأبحاث، أما وجودها في لغات غير جزيرية كالفارسية والتركية فهو يمكن أن يكون من باب التفاعل والاستعارة الحضارية لتلك الشعوب من السومريين والجزيريين لأنهم الأقدم.

الحضارة العربية الإسلامية التعددية:

 إن الدفاع عن مبدأ وقاعدة مشاركة شعوب المنطقة في الحضارة العربية الإسلامية ليس مِنَّةً من أحد وليس نظرية جديدة ملهمة بل هو واقع تاريخي موثق يدخل في عداد البديهيات الشائعة وهو مما ينبغي أن يفتخر به العربي التقدمي وغير العربي المنصف لكون العرب المسلمين هم مَن قدموا وقادوا عملية تأسيس وبناء حضارة تعددية لغوية وثقافية، ساهمت في صنع أمجادها كل شعوب الشرق التي انضوت في حدود تلك الحضارة، وبالتالي لا يمكن أخذ بعض مزاعم القوميين والعرقيين المتطرفين من العرب في بعض الشوارد ضمن الخطاب السياسي مأخذ الجد في الدراسات الإناسية والتاريخية التي تتوخى العلم مثلما لا يمكن بالمقابل أخذ ردود الأفعال العرقية المتطرفة المضادة والمعادية للعرب والعروبة مأخذ الجد في هذا النوع من الدراسات، وعموما فكلام الطرفين لا يعول عليه عليما وليس مفيدا زج البحث العلمي الرصين في الجدالات والمكايدات السياسية ذات المنحى القومي والقومي المضاد لأن ذلك سيكون على حساب رصانة البحث الإناسي الرصين والذي لا علاقة له بهذا النوع من الجدالات.

إيجابيات منهجية:

رغم الهنات الفنية والمضمونية التي تقدم ذكرها، فالمرجَح هو أن كتاب الباحث صباح كنجي سيحتل مكانا مفيدا في المكتبة العراقية والعربية كمرجع غني في ميدان البحث الإناسي والمثيولوجي والتأريخي عموما، وحول الطائفة الأيزيدية خصوصا، وقد يُنَشِّطُ عملية البحث والتأليف في هذه الميادين باتجاهات جديدة واعدة.

إن من الجدير بالملاحظة الإيجابية هو أن الباحث لم يبالغ في التعويل على تحليلاته واستنتاجاته التأثيلية "الإيتمولوجية" لما أورده من حيثيات في أغلب فصول الكتاب، ولم يزعم - كما يفعل بعض الباحثين المتسرعين- الذين يعلنون عن تحليلاتهم واستنتاجاتهم الشخصية وكأنها فتوح نظرية واختراعات عجيبة ونظريات قاطعة ثابتة لم يسبقهم إليها أحد ولا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها، في حين أنها لا تعدو كونها احتمالات وفرضيات وترجيحات؛ على العكس من هؤلاء نجد المؤلف - كنجي -  يختم بعض تحليلاته كما في مثل "رابعة العدوية وعلاقتها بالإزيدية" بالقول المتواضع، إن هذا الموضوع "يحتاج إلى المزيد من البحث والتقصي وسيكون موضع اهتمام من يسعى للكشف عن حقائق التاريخ المغيبة. ص197". وفي مناقشته لأصول التشكيل اللغوي بين العربية والفارسية حيث ينتهي إلى خلاصة متواضعة يعتقد بموجبها أن هذا الموضوع "يتطلب البحث والاستقصاء من لدن الباحثين والمتخصصين وعدم التسرع في طرح الاستنتاجات. ص 317"، أو أنه يكتفي بالتساؤل بعد تقديم وجهة نظره حول علاقة القوالين في الفرق الموسيقية الغنائية الدينية الإيزيديين بفرق الكهنة ورجال الدين في العهد السومري واسمهم (كالا GALA) أو عند الأكديين (كالو KALU) بالقول "فهل هناك ثمة ربط بين الطرفين، أم أنها مجرد مصادفة لغوية وترادف لكلمات وألفاظ متقاربة؟"؛ ومن الواضح أن الكاتب يقصد حرف القاف الحميرية أو القاف القاهرية والتي تكتب في العراق "گ" وليس حرف الكاف في كلمة (كالا GALA).

أختم بالتنويه والإشادة بوفاء الباحث كنجي لهويته الطبقية ومهنته وشهادته الدراسية، ففي بادرة شجاعة، ندر أن نقرأ مثيلا لها في المشهد الثقافي والعلمي العراقي والعربي، عَرَّفَ المؤلف بنفسه في آخر صفحة من كتابه بالكلمات التالية؛ المهنة: عامل، أكمل الإعدادية حين كان عاملا في مخبز الربيع. فكم هو رائع هذا الصدق مع الذات والآخر والتواضع الملحوظ من باحث مجتهد!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

........................

* رابط مقالة: نقد الترجمات التوراتيّة لنقش سلوان

https://al-akhbar.com/Opinion/329924/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A-%D8%A9-%D9%84%D9%86%D9%82%D8%B4-%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A7

* الشرق الأدنى هو ذاته الشرق الأوسط وكلا الاصطلاحين أورومركزيين يصفان هذه المنطقة من حيث موقعها الى أوروبا الغربية، وفي بعض الاستعمالات تضاف إيران وقبرص إلى الشرق الأوسط الذي يضم العراق وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، ومصر تركيا.3335 شعار 

* الصورة للنصب أحادي الوجه للملك شلمانصر الثالث وردت فيه تفاصيل معركة قرقرة ومشاركة قوة عربية بقيادة جندب ملك العرب (أرسل الملك جندبو ملك العرب 1000 فارس "جمال") إلى جانب تحالف دويلات المدن في بلاد آرام "بلاد الشام" حاليا.

عبد الرضا حمد جاسمتعريف بالكتاب: هذا الكتاب صدر عام 2010/ عن دار السجاد/ العراق/ بغداد... رقم الإيداع  في دار الكتب والوثائق ببغداد هو 1165 لسنة 2009 / 360 صفحة من القطع المتوسط... الكتاب من إعداد د. علي ثويني والسيد مازن لطيف (فُك اسره) ومن تأليف نخبة من الكُتاب والمختصين حيث ورد في ص (3) منه النص التالي: [شارك بهذا الإصدار نخبة من المثقفين والمتخصصين: إبراهيم الحريري، بهاء الدين الخاقاني، جميل محسن، حسين الهنداوي، رشيد الخيون، رياض الأسدي، حامد كرم، سليم الوردي، ضياء الجصاني، عامر عبد زيد، عامر موسى الربيعي، سعد محمد رحيم، عبد الوهاب الحمادي، علي القاسمي، علي ثويني، علي حاكم صالح، فالح عبد الجبار، قاسم حسين صالح، كريم عبد، محمد عباس الطائي، هشام عدوان، يحيى الشيخ زامل، محمد علي محيي الدين، ياسر جاسم قاسم.[(24) أستاذ كاتب ومتخصص]. 

وورد في هامش الصفحة نفسها أي ص(3) التالي: ترد الأسماء بحسب التسلسل الابجدي ودون القاب علمية.

الصفحة رقم (4) من الكتاب خُصصت كاملة لقول منسوب للإمام علي بالصيغة التالية: [الحق ثقيل أنصاره قليل، الناس أعداء ما جهلوا] [ الامام علي (ع)].

 الصفحات من 5 الى 7  تخصصت ببيان محتوى الكتاب حيثُ اُشير فيها الى انه يتألف من(8)فصول تكونت من (30)عنوان فرعي عدا التقديم الذي امتد من ص (9) الى ص (21)... هذا التقديم الذي خُتِمَ بالعبارة التالية: [ ولا يسعنا إلا الإطراء والتذكير بالمسعى الحثيث والتوجيه والمجهود التي بذله الزملاء في هذا المشروع العراقي وفي اخراج هذا المطبوع وغيره وهم السيدات والسادة: احمد شاكر احمد ، أمل بورتر، صبيحة ثامر، كريم عبد علي، محمد عباس الطائي] انتهى

ملاحظات أولية عن الكتاب:

أولاً: الكتاب اكثر كتاب ساهم فيه أساتذة ومتخصصين بخصوص الراحل الدكتور علي الوردي وحسب مما ورد أعلاه وبعد حذف الأسماء "المتكررة" يظهر ان من ساهم في هذا المشروع (إعداد وكتابة وتنظيم) (28) من السيدات والسادة الأساتذة... تناول الكتاب مواضيع مختلفة تخص الراحل الأستاذ الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب وبوجهات نظر وعناوين مختلفة ومعها ما ورد في الفصل الثاني تحت عنوان: [قبس من كتابات الوردي] (أربعة مواضيع)، جعلت منه لامّْ/جامع للكثير من الآراء والحكايات والمعلومات عن الراحل حتى تلك الخطأ التي سأُشير اليها في القادمات. وقد اُعْتُبِرَ هذا الكتاب مصدراً لمقالات نُشِرتْ حول الراحل الوردي وان الكثير من فقرات ومواضيع الكتاب نُشِرتَ على المواقع الالكترونية بالصحيح وغير الصحيح منها قبل صدور الكتاب وبعد الصدور...وقد ذُكِرَ في التقديم/ المقدمة التالي في ص20: [يجد القارئ في هذا السِفر المتآلف توجهات واراء شتى بشأن المرحوم الوردي فمنها العلماني والعلمي الحر والماركسي والديني الطائفي والقومي العنصري ويشمل الامر المتعاطف والمتحامل والمستصغر والمستكبر بالوردي....الخ]انتهى

ثانياً: كل الأساتذة الكتاب والمتخصصين ال (24) الذين وردت أسمائهم (حسب التسلسل الابجدي) أعلاه ساهموا بمقالات توزعت على الفصول الثمانية للكِتاب ما عدا أستاذين هما الأستاذ علي القاسمي  والأستاذ عامرعبد زيد حيث لم تظهر لهما مشاركة ولم أتبين شكل مشاركتهما في اصدار هذا المشروع/ الكتاب وأسباب ورود اسميهما مع قائمة أسماء الأساتذة المؤلفين للكتاب/ المشروع. ولكن يجب ان أقول ان الأستاذ عامر عبد زيد ورد اسمه في فهرس الفصل السابع/ ص (303 ـ 324) كما التالي: [نقد بنية الذهنية العراقية عند الوردي]/ عامر عبد زيد ص324 لكن عندما تدخل على تلك الصفحة تجد التالي: [إشكالية الثقافة وتصدع المجتمع العراقي بين ثنائية الوردي وثلاثية الجميل]/ضياء الحصاني... هذا يعني ان مقالة او مشاركة السيد عامر عبد زيد لم تُنشر...عليه يكون عدد المواضيع/ العناوين الفرعية في الفصول الثمانية هي: (30). كما اود ان أقول ان السيدين (قاسم حسين صالح وياسر جاسم قاسم)... ساهم كلٍ منهما بموضوعين/ مقالتين.

ثالثاً: في هامش ص(3) ذُكِرَ كما ورد أعلاه أن أسماء الأساتذة ال (24) الذين ساهموا في تأليف الكتاب  وردت حسب التسلسل الابجدي ودون الالقاب العلمية...لكن نجد هناك عدم دقة في ذلك كما التالي:

1 ـ [...رياض الأسدي، حامد كرم، سليم الوردي... أي بتسلسل ابجدي (ر...ح...س) حيث تقدم حرف (ر) على حرف (ح)]. 

2 ـ [...عامر موسى الربيعي، سعد محمد رحيم، عبد الوهاب الحمادي... أي بتسلسل ابجدي (ع...س...ع) حيث تقدم حرف(ع) على حرف (س) والأغرب هنا ان حرف(س) توسط حرفي(ع)]. 

3 ـ [...يحيى الشيخ زامل، محمد علي محيي الدين، ياسر جاسم قاسم...أي بتسلسل ابجدي (ي...م...ي) أي تقدم حرف (ي) على حرف (م) والغريب ايضاً ان حرف (م) توسط حرفي (ي)]. 

وهذا مخالف للتسلسل الابجدي وهو كما يبدو أول عيب في هذا الكتاب وهناك عيوب ربما ان اكتمل عرضها ستظهر دعوة لسحب هذا الكتاب من المكتبات وإلغاء إجازة إصداره وسحبه من دار الكتب والوثاق في بغداد وإعادته للناشر لغرض التصحيح/ التدقيق وإعادة النشر.ان الكِتاب اُعِدَ من قبل مختصين وشارك به/فيه نخبة من الكُتاب والمتخصصين المهتمين بالثقافة وباللغة العربية وابجديتها والمدافعين عنهما. عليه كان من الواجب التوقف عند نقطة التسلسل الابجدي هذه وبالذات ان هناك ما ورد عنها في هامش ص(3). 

رابعاً:  ورد ما نُسب للإمام علي  بالصيغة التالية: [الحق ثقيل أنصاره قليل، الناس أعداء ما جهلوا][الامام علي (ع)]...وخُصِصَتْ لهذا القول صفحة كاملة هي ص(4).

الحقيقة لا اعرف أسباب هذه الاستعارة او هذا الاقتباس ومع ذلك فقد بحثتُ عن هذا القول/ النص/الصيغة في النت فلم اُوَّفق في الوصول اليه بهذه الصيغة...... مما يوجب طرح السؤال التالي: هل ان هذا القول بهذا النص/ الصيغة ورد فيما تركه الامام علي؟ 

شخصياً لا أعرف... وأشكُ في ذلك حيث من تفسير بسيط للنص يمكن ان يظهر التالي: ان قلة أنصار الحق هنا جاءت عن معرفة الكثرة من ان الحق ثقيل فهربت الكثرة من ثقل الحق وهذا يعني ان الكثرة عرفت ذلك فلا يمكن حشرهم تحت "أعداء ما جهلوا" حيث هم هنا ليسوا أعداء ما جهلوا انما أعداء ما عَرِفوا وعَلِموا ولَمَسوا. ان هذه العبارة/ القول/ الصيغة ربما لم ترد في التراث بهذا الشكل/ الصيغة مجزأة أي ورد في مكان :[ الحق ثقيل أنصاره قليل] وفي مكان آخر ورد: [الناس أعداء ما جهلوا]...وربما هناك من يقول ان الكثرة لا تعرف فضائل الحق فصارت من أعداء الحق لانهم يجهلون فوائده عليهم وعلى المجتمع...هكذا أتصور وقد يكون هناك تفسير آخر أتمنى ان يُعرض لنستفيد فلا تبخلوا علينا بالتوضيح لطفاً ومن يتفضل بالتوضيح له اجر من أحْسَنَ عملا.

.........................

في رحيق الزنابق/ بتاريخ 12.02.2022/المثقف/ كتب العزيز عقيل العبود التالي:

[بينما مع المنظر مشهد راح يتحرك بعيداً في النفس، لعله يبحث عن مكان به تستقر حركة التساؤلات] انتهى

ونحن جميعاً نعرف ان حركة التساؤلات دائمة مذ تكورت ولن تستقر فكل سؤال ينتج أسئلة ومنها ما سيأتي من أسئلة.

..........................

نذهب الى مناقشة ما ورد في هذا الكتاب:[ علي الوردي والمشروع العراقي] والتي اعتقد انها ستكون مناقشة مفيدة للراحل الدكتور علي الوردي والأرشيف والأجيال وللأساتذة المتخصصين وللقراء وهذا ما اتمناه وربما ستكون مزعجة لبعضهم وهذا ما لا اتمناه واعتذر عن الازعاج حيث ارجو من الأساتذة الذين ساهموا في هذا المشروع قبول ما أقول وهي وجهة نظر قد تكون قاصرة او هو بيان رأي قد لا يكون ناضج.

كما السابقات سأضع ما ورد في الكتاب واُبَين رأيي فيه واعرض تناقضه او خطأه إن وجد وكما اتصور... واكيد سيكون فيما اطرح بعض غير المناسب فأتمنى الرد لبيان الصح حتى تعم الفائدة ونتعلم مع علمي ومعرفتي واشارتي أعلاه من ان الكتاب ضم وجهات نظر مختلفة وفيها حتى نقد للراحل الوردي.

في هذه المناقشة سأمر ربما على كل العناوين الفرعية التي وردت في الفصول الثمانية وأسماء الأساتذة أصحاب تلك العناوين واليوم ابدأ  بالتقديم/المقدمة الذي/التي لم يُثَّبَتْ لها صاحب/ه او كاتب/ه او محرر/ه. والتقديم/المقدمة كما هو معروف مهم/ة لكل كتاب وهو/هي ربما خلاصة او تكثيف لما سيرد في الكتاب او تعريف بعنوان الكتاب والكاتب /الكُتابْ فكان من المفروض ان يُذَّيل/تُذَّيل بتوقيع وأسم  صاحبه/ صاحبها.

ورد في التقديم التالي:

1 ـ  [فَقَدَ عالم الثقافة والتنوير في نهايات القرن العشرين وخلال خمسة أعوام علمين عالمين ترك كل منهما الأثر والفائدة بحسب اجتهاده في قراءة المجتمع العراقي وهما العراقي علي الوردي (1913 ــ1995) والفلسطيني الأمريكي حنا بطاطو (1926 ــ 2000) وقد أثر غيابهما في دفق مشروع التنوير الاجتماعي العراقي والعربي وتركا فراغا لا يرتق بسهولة كما هو حال مشاريع التاريخ الاستثنائية التي تشكل القاعدة. ويكمن الحنين الماضوي "النوستالجيا" لآرائهما على أثر الحاجة لهما في تفسير ما آلت اليه أحوال العراق الحالية وإيجاد تأويل لخروقات التشرذم وتقاذف المصالح والاهواء وطفوح الغرائز وسطوة الانانية للأفراد والجماعات المتشدقة بمكارم الدين والعرف والمتحججة بواه الأمور ويتراكب الامر مع تأسينا على حالة ضياع غير متوقفة النكوص او عابئة بوزن العراق وقيمته في التاريخ والمنجز ومع تكرار الاحباطات وخيبة امل بصنع نخب وطبقات للوعي الواعد تداني ما بنيناه اخر مرة وللمرة السابعة في تاريخنا الإنساني قبل الف عام ونيف وتتوج دفقه في فكر المعتزلة او صفوة اخوان الصفا او صفاء المتصوفة]انتهى

* تعليق: ونحن نتكلم عن الراحل الكبير الوردي فلا اجد مناسبة لوضع اسم الدكتور حنا بطاطو...ما دفعني الى هذا القول الذي قد يكون غير مناسب، هو ان الراحل بطاطو زار العراق و"درس حال العراق" ولم أقرأ وربما هذا قصور مني من انه التقى مع الراحل الدكتور علي الوردي. والوردي في تلك الأيام هو العائد المثير من هيوستن الجامعة وتكساس الولاية الامريكية والذي اثار ضجة كبيرة خلال الأيام والأشهر والسنوات الممتدة بين عودته من تكساس بعد حصوله على إجازة الدكتوراه وربما اول عراقي حصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة الامريكية في علم الاجتماع، وبين تفرد وتطوع وتبني مشروع الراحل حنا بطاطو في الاقتراب من المجتمع العراقي وزيارته العراق حيث ترك حالة بلده فلسطين ومشاكل فلسطين وحالة المجتمع الفلسطيني في تلك السنوات الصعبة...كل ذلك يدفع الى وضع علامات استفهام كثيرة وكبيرة على كلٍ من الوردي وبطاطو وأول سؤال هو: لماذا يأتي باحث من أمريكا لدراسة المجتمع العراقي في ظروف تفاقم الحرب الباردة والمكارثية وحلف بغداد ونتائج موضوع فلسطين في حينها؟ هل السبب هومن ضمن التفكير الأمريكي لبناء حائط صد منيع لمنع وصول الاتحاد السوفييتي الى المياه الدافئة في الخليج وبالذات بعد ارتعاش القبضة الاستعمارية البريطانية على دول المنطقة؟

ثم لكل باحث خطوته الأولى في وصوله الى المكان الذي يريد دراسته وخطوة أولى في بحثه وبالذات عندما يكون غريب بعيد عن المكان الذي فكر بالتوجه اليه ولا يعرف شيء عنه...أين وضع خطوته البحثية الأولى: هل في كلية الآداب/ جامعة بغداد/ قسم علم الاجتماع؟ أم هل وضعها بلقاء مع باحثين عراقيين سبقوه في الكتابة ولو بتحفظ عن المجتمع العراقي ؟ أم وضعها في باحة السفارة الامريكية والبريطانية في بغداد؟ ما هو الخزين الذي جاء يحمله عن العراق قبل البدء بالبحث والدراسة؟ لماذا سُمح له بالوصول الى أرشيف الأجهزة الأمنية العراقية التي لم يتمكن ربما أي باحث عراقي او عربي من الاقتراب منها؟ هل وجد مجتمع عراقي؟ هل التقى حنا بطاطو خلال الفترة التي قضاها في العراق بأساتذة عراقيين وسياسيين عراقيين وتجار عراقيين واقطاعيين عراقيين؟ هل قضى بعض الليالي في مضيف احد رؤساء العشائر او الاقطاعيين في الريف العراقي؟ هل طلب لقاء أعضاء من المجلس العلمي العراقي؟ هل القى محاضرة في جامعة او حضر ندوة في العراق؟ هل التقى من كتبوا عن المجتمع العراقي قبل وصوله للعراق من العراقيين؟

ثم بعد ما تقدم بالبحث وكتب ملاحظاته الأولى هل وجد ان سطوة رؤساء العشائر غريبة عن المجتمع العراقي والعربي ام هل غريب الاقطاع؟ بماذا انتفع العراق والمجتمع العراقي من دراسات وبحوث حنا بطاطو او هل هناك شيء جديد طرحه غير السياحة اللفظية الكلامية التي داخ بها هو نفسه في تفسيره للطبقات في العراق في ضوء ماركس وفيبر وغيرهم؟ هل هناك شيء قاله حنا بطاطو عن العراق وينطبق على العراق والمجتمع العراقي اليوم؟ قال ماركس وقال دوركهايم وقال فيبر وكل ما قالوه لا يقترب من المجتمع العراقي والحالة العراقية لأنه ببسيط العبارة ليس هناك مجتمع عراقي فعراق سومر وبابل واشور يختلف عن عراق علي بن ابي طالب ومعاوية والرشيد والباب العالي...شوارع وازقة بغداد كل شارع يختلف عن الشارع الاخر باللغة المتداولة والعادات واللباس ربما فكيف عن مجتمع الجبال والصحراء والسهل الرسوبي وكيف عن الأديان والطوائف؟ 

ما هو التنوير الذي نورنا به السيد حنا بطاطو؟ ثم ونحن في عالم اليوم (2010) مَنْ مِنَ "المجتمع العراقي" بما فيهم أساتذة الجامعات واواجهات السياسية بكل الوانهم اليوم يعرف الباحث حنا بطاطو؟  فهو لم يُنَوِرْ ولم يُشْعِلْ شمعة في زقاق من ازقة العراق في كل الفترة من وصوله العراق الى اصدار هذا الكتاب

أتمنى من السيد/ه معد التقديم/ المقدمة ان يتكرم علينا  ببعض شعاع من نور أو انوار الدكتور حنا بطاطو ومنافعه في دراسة المجتمع العراقي وانتفاع المجتمع من ذلك النور... الوردي ابن المجتمع العراقي داخ في دهاليز المجتمع العراقي فكيف الغريب.

بخصوص "أنوار" الباحث حنا بطاطو ورد في نفس التقديم التالي عنها: 

1 ـ في ص13 ورد التالي: [ اعتمد بطاطو في تأويلاته على نظريات غربية محضة ومنها الطبقات الاجتماعية وماهيتها وكتب عن الحركة الشيوعية في العراق وكان ناجحا الى حد بعيد في مسعاه وحقق من خلالها مبتغاه ومبتغى من وجهه حتى اضحى المصدر الموثوق والمحلف لدى كثير من الباحثين في تاريخ الحركة الشيوعية او الحركات السياسية في العراق المعاصر] انتهى

*تعليق: هذه من تنويرات الراحل حنا بطاطو ودراسته للمجتمع العراقي...نعم الشيوعيين لهم دور وتأثير ووزن في الشارع العراقي لكنهم جزء من مجتمع عراقي وكان لهم أعداء تبادلوا سفك الدماء...ثم ان الإشارة هنا الى"وكان ناجحاً في مسعاه وحقق من خلالها مبتغاه ومبتغى من وجهه" تلغي ""تنوير"" حنا بطاطو واتهام له بأن هناك من دفعه بهذا الطريق ليس لخدمة المجتمع العراقي انما لغايات أخرى والباحث في هذه الحالة يجب ان يُذمْ لا ان يشمله القول التالي الذي ورد في التقديم/المقدمة: [فَقَدَ عالم الثقافة والتنوير في نهايات القرن العشرين وخلال خمسة أعوام علمين عالمين ترك كل منهما الأثر والفائدة بحسب اجتهاده في قراءة المجتمع العراقي وهما العراقي علي الوردي (1913 ــ1995) والفلسطيني الأمريكي حنا بطاطو (1926 ــ 2000) وقد أثر غيابهما في دفق مشروع التنوير الاجتماعي العراقي والعربي وتركا فراغا لا يرتق بسهولة كما هو حال مشاريع التاريخ الاستثنائية التي تشكل القاعدة].

أكثر من طبل لحنا بطاطو هم رفاقي الشيوعيين لأنهم قرأوه بفرح غامر اعماهم عن ما ورد ولو عادوا الى قراءته بتأني لوجدوا انهم على عدم دقة في ما ذهبوا اليه... ولو وقف احدهم امام سؤال هو: لماذا سمحت السلطات له بمقابلتنا في السجون والمعتقلات دون غيره...هل حبناً بنا ام نزولاً عند دعوات عالمية لنصرتنا لوجدوا ان السببين غير واقعيين؟ هل ظنوا انه  سيشكل مشاريع ضغط عالمية لنصرتهم ام انه سيتزعم تظاهرات تهز عواصم العالم نصرة لهم؟

2 ـ في ص14 ورد التالي وهي إشارة خطيرة وضعها لها ربط بما ورد مع الفقرة السابقة: كتب كاتب التقديم / المقدمة التالي: [(اسوق لكم هنا مثال الى ما وجدته بالصدفة لدراسة أقامها اجتماعي امريكي يدعى مالكوم كوينت كتبها على ضوء تجربته بين أعوام 1956 و1958 وهو يعايش فلاحي قرية نائية تبعد 65 كلم شرق مدينة العمارة ضمن هور (الحويزة) تدعى (ام النهر) والدراسة انصبت على مفهوم التقدم) ثم يُكمل: (ويبدو ان التحضيرات للانقضاض على العراق عام 2003 لم تكن محض صدفة.....فالأمر برمته كان متداعيا من نفس غربي طويل غذّتهُ البحوث والقراءات والخطط على  مستويات ثلاثة يكون مركزها وميزانها الجانب الاجتماعي الفاعل في كل معادلة وهنا لا نبالغ اذا قلنا بان ما حدث بعد 1963......1991 .....2003 حاصدين ما زرعوه قبل أربعين عاما كان من السهولة والسذاجة وواه المبررات ما لا يمكن ان يستوعبه اللبيب ولا سيما العراقي الشكوك والمحلل كل ذلك لم يأتي من فراغ ورجم بالغيب بل من خلال دراسات متأنية منهجها علمي والياتها تراتبية ونتائجها تدلل على بداياتها ومسارها] ثم يقول: [ ولا نغالي ان ذهبنا الى ان التناحر الطائفي في العراق اليوم يمت بالصلة أصلا بذلك السياق ولا نستبعد اليد الخفية للمحتل واعوانه وراء تفجير الروضة العسكرية...الخ) ثم يكمل: ( وهنا جدير ان نرصد بان لا يمكن الحدس بمدى علم علي الوردي وبطاطو وهل كانو يعون من سيستفيد من دراساتهم؟] انتهى

وفي ص18 يقول: [ ان ما حدث من ردة على ثورة تموز في 8شباط1963 فإننا نعزيها الى قراءات حنا بطاطو ونتاج لها أراد الرجل في ذلك ام أبا اغفل او استغفل فبالنتيجة فان معطيات دراسته للمجتمع العراقي وظفت على احسن صورة  من قبل أجهزة المخابرات الامريكية في إيصال البعثيين الى سدة الحكم....الخ] انتهى

*تعليق: إذن اين التنوير البطاطوي الوردي؟

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

بدر العبريسعدتُ بهديّة جليلة من المفكر العراقيّ عبد الجبّار الرّفاعيّ لكتابه القيّم «مقدّمة في علم الكلام الجديد»، طبعة دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة في بغداد 2021م، والكتاب إضافة مهمّة للمكتبة العربيّة والإسلاميّة خصوصا، والإنسانيّة عموما، ويتكوّن من أربعة فصول، ويعتبر الفصل الأول الّذي يناقش ملخص نشأة علم الكلام وتطوّره وعجزه أكثر فصول الكتاب إسهابا، وأخذ ما يقرب نصف الكتاب؛ لذا نقرأه بصورة عامّة في هذه المقالة، ولنا مقالة أخرى مع فصوله الثّلاثة المتبقية، وهناك نرجئ رأينا في الموضوع.

وبطبيعة الحال هذا الكتاب يعتبر امتدادا للخطّ الّذي يشتغل عليه الرّفاعيّ في تجديد التّراث الدّينيّ من خلال النّص الدّينيّ ذاته، وله في هذا مشاركات عدّة، ولعلّ أشهرها كتبه الأربعة: الدين والكرامة الإنسانية، والدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، والدّين والظّمأ الأنطلوجيّ، وإنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين.

وما يميّز هذا الكتاب أنّه يخصّصّه في جزئيّة معينة في الإصلاح الدّينيّ الإسلاميّ، من خلال علم الكلام الإسلاميّ، الّذي هو الشّق اللّاهوتيّ في الدّراسات التّراثيّة الإسلاميّة، فيرى الرّفاعيّ أنّ «تجديد الدّين يبدأ بتجديد علم الكلام، أيّ بداية للتّجديد في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلّماته المنطقيّة والفلسفيّة؛ فإنّها تقفز إلى النّتائج من دون المرور بالمقدّمات». لهذا يرى أنّه لا يمكن إصلاح العالم الإسلاميّ والعربيّ بمعزل عن الدّين، و«كلّ بداية للتّجديد في عالم الإسلام تتجاهل الدّين تخطئ الطّريق»، فالدّين «يمكن أن يكون عاملا أساسيّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملا أساسيّا في الهدم، ويعود الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في فهم النّاس للدّين»، وعدم تجديد الدّين يؤدي إلى التّديّن السّلبيّ، فيمكن «أن يكون التّديّن عنيفا حين لا يُفهم الدّين إلا بوصفه رسالة للموت، ولا تقرأ نصوصه إلا قراءة مغلقة عنيفة، ويمثّله الأفراد والجماعات على أنّه إعلان لحرب لا تنقضي على كلّ مختلف في المعتقد»، لهذا وجب تجديد الدّين، وتجديده منطلق ابتداء من تجديد علم الكلام الإسلاميّ.

وعلى هذا كانت محاولات لتجديد علم الكلام الإسلاميّ، بدأت مع النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر الميلاديّ، حيث «جاءت الدّعوة للانتقال من علم الكلام القديم إلى علم الكلام الجديد استجابة لما فرضته الأسئلة الحائرة للإنسان، وقلقه الوجوديّ، وشحة المعنى في حياته، وشعوره بعدم الأمان، في عالم يتسارع فيه، ويشتدّ إيقاع تراكم المعرفة، واتّساع آفاقها ولا يتوقف العلم والتّكلونوجيا عند نهايات مسدودة، فكما أنّ الأسئلة لا تنتهي؛ كذلك الأجوبة لا تنتهي، والمعرفة والعلوم والاكتشافات والاختراعات لا تنتهي، إذ تتوالد على الدّوام في سياق الأجوبة أسئلة جديدة، وفي سياق هذه الأسئلة أجوبة جديدة، وهكذا».3329 علم الكلام الجديد

بيد أنّ الرّفاعيّ لم يهتد إلى معرفة أول من استخدم مصطلح علم الكلام الجديد، حيث أنّه ظهر كعنوان كتاب «علم الكلام الجديد» في الهند عام 1903م مع شبلي النّعمانيّ «ت 1914م»، فيشكك الرّفاعيّ أن يكون ظهر ابتداء مع النّعمانيّ، ويرى أنّه ألصق بالمجدد الهنديّ الباكستانيّ سيّد أحمد خان «ت 1898م»، فهو «يصدق على تفكيره الكلاميّ مفهوم علم الكلام الجديد في العصر الحديث».

كما أنّه يرى ضعف كتاب شبلي النّعمانيّ، وحسب تعبير الرّفاعيّ «لا يحمل من الكلام الجديد إلا اسمه»؛ إلا أنّ تجديد علم الكلام كان حاضرا ما بعد سيّد أحمد خان في الهند، كما اشتدّ حضوره مبكرا مع المدرسة الإصلاحيّة في مصر ابتداء، والعالم الإسلاميّ عموما.

لهذا بعد مائة سنة من تأليف النّعمانيّ لكتابه السّالف ذكره؛ يأتي كتاب عبد الجبّار الرّفاعي ليقدّم رؤيته في مقدّمة في علم الكلام الجديد، مستلهما رؤيته الأخرى في ذلك لوضع أسّس هذا العلم وفق ما وصل إليه العقل الإنسانيّ من آلات ومعارف، وليكون مقدّمة استقرائيّة لعلميّ الكلام القديم والجديد.

وعلم الكلام يسمّى أيضا بعلم أصول الدّين، أو التّوحيد، أو العقائد، ويرجّح الرّفاعيّ تسميته بعلم الكلام «لغلبة مسألة الكلام الإلهيّ بوصفها أهم مسائل هذا العلم»، ونشأته ابتداء مرتبطة بنظريّة الإمامة، أي نشأ في جوّه السّياسيّ قبل الانغلاق اللّاهوتيّ، فقد «تصدّرت مسألة الخلاف حول الإمامة تلك البواعث، فور التحاق النبّيّ الكريم بالرّفيق الأعلى، وما فتئت قضيّة الإمامة تستأثر باهتمام العقل الإسلاميّ من وقتئذ، حتّى أضحت من أهم مسائل التّفكير العقائديّ في حياة المسلمين».

ثمّ «بعد تمدّد الإسلام خارج الجزيرة العربيّة، واستيعابه لمجتمعات وإثنيات متنوّعة في الشّام والعراق وبلاد فارس وآسيا الوسطى حتّى تخوم الصّين، ومصر وشمال أفريقيا حتّى الأندلس واجهت المسلمين جملة من الآراء والأفكار الّتي تنتمي إلى الذّاكرة التّاريخيّة للملل والنّحل في هذه البلدان»، لهذا انتقلت مثلا الجدليات اللّاهوتيّة اليهوديّة والمسيحيّة إلى علم الكلام الإسلاميّ القديم كقضايا الصّفات والكلام الإلهيّ والقدر ونحوه.

وفي المقابل تأثّر علم الكلام القديم بالمنطق الأرسطي، وعلى «الرّغم من رفض المتكلمين للفلسفة وطرائق تفكير الفلاسفة؛ لكنّهم قبلوا المنطق الأرسطي، وتعاملوا معه كمسلّمات أساسيّة في البحث الكلاميّ».

وكانت الأجواء في العالم الإسلامي أكثرا انشراحا للثّقافات الأخرى عموما، وللمنطق الأرسطي خصوصا، فظهرت تعدديّة ومناهج مختلفة ولدت في فترة مبكرة، قبل أن يحدث الانغلاق بعد عصر المتوكل العبّاسيّ «ت 247هـ/ 861م»، فعلم الكلام القديم زامن «إطلاق حريّة التّفكير في العقيدة، وتعدّد وتنوّع الآراء والمواقف والنّقولات الكلاميّة»، لينتقل إلى تعطّل وإغلاق الاجتهاد الكلاميّ، كما تعطّل وأغلق الاجتهاد الفقهيّ، ثمّ «أصبح تقليد مؤسّسي الفرق شائعا لا يختلف فيه الكلّ، على الرّغم من الادّعاء بمنع التّقليد في جميع أصول العقائد»، لنصل إلى مرحلة الجمود على فرق كلاميّة تشكلت في ظرفها التّأريخيّ سياسيّا أو ثقافيّا أو مذهبيّا.

لهذا «في نهاية القرن الثّالث عشر الهجريّ «التّاسع عشر الميلاديّ» ظهرت إرهاصات انبعاث، مع تبلور أسئلة جديدة تؤشّر إلى استفاقة التّفكير الكلاميّ، فدبّت الحياة من جديد في علم الكلام»، مع وجود انغلاق أفقيّ أيضا ساد العالم الإسلاميّ، خصوصا في حوزاته الدّينيّة إلى يومنا هذا.

هذا الانغلاق ولّد اغترابات متباينة، نشير هنا إلى أهمّها: الاغتراب الأرسطي، والاغتراب الماورائيّ الميتافيزيقيّ، والاغتراب اللّاهوتيّ، والاغتراب الاجتماعيّ. أمّا الاغتراب الأرسطي فهو اغتراب الآلة، فعلم الكلام القديم حتّى اليوم يستخدم ذات الآلة الأرسطيّة قبل ألف سنة، مع أنّ «المنطق الأرسطي انسحب بالتّدريج من الحياة العقليّة، وتقوّضت سلطته على الفلسفة الحديثة، وعجز عن مواكبة طرائق التّفكير للعقل الحديث»، وهنا يجد الرّفاعيّ تناقضا بين تقبل الآلة الأرسطيّة قديما عند العقل الدّينيّ، وهي آلة غربيّة مستوردة، مع رفض هذا العقل للآلة الغربيّة المعاصرة، فمن «المفارقة أنّ منطق أرسطو المستعار من الغرب اليونانيّ في الماضي، والّذي ما زلنا نتعامل مع منطقه بوصفه مسلّمات نهائيّة؛ نجد أشدّ المدافعين عنه في عالم الإسلام هم أنفسهم أشدّ المناهضين للمنطق والفلسفة والمعارف الغربيّة الحديثة المعاصرة، وكأنّ معطيات العقل الّتي استوردها الآباء من أوروبا أمس يحرّم على الأبناء التّعاطي معها في صيغتها المتطوّرة اليوم بعد أكثر من 2300 عاما على تأليف أرسطو «ت 322 ق.م» لمنطقه في أثينا»، لهذا كان «إسراف المتكلمين في استعارة المنطق الأرسطي، وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام فيما بعد، والاعتماد عليه كليّا بوصفه مرجعيّة للتّفكير الكلاميّ؛ نجم عنه تشبّع التّفكير الكلاميّ بمنهج هذا المنطق، فانحرفت وجهته، وراح يفتش عن عوالم ذهنيّة مجردّة، بعيدة عن الواقع ووقائعه ومشكلاته، فتغلّبت بالتّدريج النّزعة التّجريديّة الذّهنيّة على المنحنى الواقعي في التّفكير الكلاميّ»، فحمل وجهتين سلبيتين: تجرّده عن الواقع قديما، وجموده على ذات الآلة في العقل الجمعيّ الدّيني في الزّمن الحالي. ليتشكل وفق هذا الاغتراب الماورائيّ الميتافيزيقيّ، أو ما يسمّيه الرّفاعيّ باللاهوت الصراطيّ، وهو البحث عن صورة الله، أو ما يمكن تسميته في البحث ما بعد الله، فالمتكلمون من كلّ فرقة اغتربوا في تشكيل صورة الله، وفي الوقت نفسه «يحتكرون صورة الله، بعد أن يرسموها في إطار مواقفهم ومقولاتهم الاعتقاديّة، وآفاق انتظارهم، مع أنّ وجود الله تعالى واحد أحد، لكن لا صورة له واحدة، والإنسان يرى الله على صورته»، «وصورة الله هي أول ممارسة تأويليّة مارسها البشر، إذ اشتقّ أول البشر على صورتهم صورةً لله، ثمّ استمر بنو آدم يصوّرون الله على صورهم المتنوعة».

وتشتدّ خطورة الاغتراب الماورائيّ أو اللاهوت الصراطيّ عندما «يحكم بالمروق والهلاك كلّ من يتبنى معتقدا خارج الصّور الرّاسخة لله في لاهوت الفرق الكلاميّة الّتي ورثها المرء من أبويه بالولادة، فيما يكون الخلاص والنّجاة في الآخرة هو المآل الطّبيعيّ لأتباع هذه الرّؤية الاعتقاديّة». لهذا ترتب على اللاهوت الصراطيّ  غياب مفردة الإنسان من علم الكلام القديم، حيث «لم يدرج المتكلّمون في مؤلفاتهم مبحثا خاصّا بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدّد موقع الإنسان في سلّم المخلوقات، أي منزلة الإنسان وقيمته بالنّسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وكرامته وحرّيّاته»، بقدر ما «يستغرق علم الكلام التّقليديّ في البحث عن الله وصفاته، وكلّ ما يتصل به، في سياق مستقل عن الإنسان، وعندما يذكر الإنسان فإنّ الحديث عنه لا يشير إلى ما يتصل بطبيعة حياته، وحاجته لمعنى هذه الحياة ... بل لا يكفّ التّراث الكلاميّ عن تجاهل قيمة الإنسان، ونسيان ذاته وكينونته الوجوديّة».

هذان الاغترابان الماورائيّ/ الصراطي ينتج عنهما اغتراب اجتماعيّ، فصورة الله في علم الكلام القديم كما يرى الرّفاعيّ «لا تقترن بالعدل، إنّها صورة السّيد المخيف المرعب، المتمرس في البطش والتّنكيل والعقاب والعذاب»، وفي المقابل «الإنسان عبد مسترق خانع ذليل حقير»، مع أنّه في القرآن - كما يرى الرّفاعيّ - يوجد فرق بين عبيد وعباد، فعبيد مشتقّة من العبوديّة، وعباد من عبادة، وعباد بمعنى أحرار، «لا بمعنى أقنان عبيد مستّلين مجبرين مكرهين»، ولهذا وصف الله عباده بعباد وليس بعبيد.

وحسب علم الكلام القديم «نشأ عن هذا التّصوّر لله لاهوت الاسترقاق، وهذا اللّاهوت بطبيعته ينسج شباكا معقدة لمختلف أنماط العبوديّات الّتي تكبّل حياة الشّخص البشريّ عبر إنتاج العبوديّة الطّوعيّة، والاستبداد العموديّ في مختلف مستويات الاجتماع البشريّ، من العائلة والعشيرة، إلى المدرسة والحزب والدّولة»، «فيصادر لاهوت الاسترقاق حرّيّات وحقوق الشّخص البشريّ الاجتماعيّة، ويكرّس أشكال العبوديّات، ويحجب لاهوت الرّحمة والمحبّة»، «ويجد الخوف تعبيره الاجتماعيّ في الخوف من الحريّة» والفرديّة، والتّفكير العقلانيّ، والتّفكير النّقديّ، والخوف من المعارف الحديثة، والاختلاف، والخطأ، والاعتراف.

لهذا يخلص عبد الجبّار الرّفاعيّ في نهاية الفصل الأول من الكتاب إلى ضرورة تجديد علم الكلام، وينطلق ابتداء من الانتقال من النّص الثّاني أي التّفسيرات والشّروح إلى النّص الأول أي القرآن وما هو ثابت من السّنّة، وهذا يتطلّب تجاوز غربة التّراث، «ذلك أنّ التّراث ينتمي إلى واقع مضى، فالإصرار على استدعائه بتمامه يعني استدعاء ذلك الواقع».

ثمّ التّمييز بين النّصّ الإلهيّ والبشريّ، والمقدّس وغير المقدّس، والدّين والتّدين، مع عصرنة النّصّ، أي أن تكون النّصوص «معاصرة لنا»، و»في كلّ نصّ هامش حر مفتوح للقراءة الجديدة، وذلك ما يمنح هذا النّصّ إمكانات تخطّي» الزّمكانيّة.

وأخيرا إحياء نزعة التّفكير الحر في التّعامل مع النّصّ، ووفق الأدوات المعاصرة، والتّحرر من الهوّيّات المغلقة، مع تعميق النّظرة الجماليّة للنّص المنبثقة من جمال الله، وما يتجلّى به جماله في الكون.

 

بدر العبري - كاتب عُماني، مهتم بقضايا التقارب الإنساني، ومؤلف كتاب «فقه التطرف».

.....................

*المرجع: كتاب مقدّمّة في علم الكلام الجديد، عبد الجبّار الرّفاعيّ، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، العراق/ بغداد، ط 2021م، ص: 9 - 126.

 

محمد حسين النجممقال حول التفكير النظري في الشرق الأدنى القديم

عرض: صموئيل نوح کریمر

ترجمة: د. محمد حسين النجم

الجامعة المستنصرية


 في عام 1946 أصدر هنري فرانكفورت وعدد من الباحثين كتابا بالعنوان اعلاه تضمن دراسة لثلاث حقب حضارية في التاريخ القديم الحضارة العراقية، والمصرية، والعبريين.

بعد سنتين أي عام 1948 نشر المرحوم صموئیل نوح كریمر استاذ المسماريات المعروف، عرضا للكتاب في مجلة المسماريات الأمريكية حاول فيه الدفاع عن الفكر العراقي القديم الذي سعى مؤلفو الكتاب أن ينظروا اليه من زاوية الفكر البدائي.

اعاد المؤلفون نشر كتابهم بعنوان جديد هو (قبل الفلسفة) بعد حذف الجزء المتعلق بالعبريين، وقد قام المرحوم جبرا ابراهيم جبرا بترجمة النشرة الأخيرة للكتاب مطلع الستينات، والذي حظي باهتمام كبير انعكس على الكثير من الدراسات المتعلقة بالعراق ومصرالقديمتين.

وعلى الرغم من أهمية الافكار التي يحتويها العرض الا أنه بقي حبيس لغته دون أن يحاول احد ترجمته في حدود علمي وهو ما حفزني على القيام بذلك لعله يكون به بعض الأنصاف لحضارتنا وللباحث الكبير. أن القسم الاخير من العرض يتناول مجالات لغوية ترتبط ببعض معاني الكلمات السومرية التي لازالت موضع خلاف وهي تهم الباحث المتخصص وقد وجدنا أن لا حاجة لإشغال القارئ بها، كذلك تركنا ترجمة الهوامش وهي ذات أهمية فائقة للباحثين المتخصصين.

المترجم

.....................

العرض:

كما يشير العنوان الرئيسي، فهذا الكتاب يمثل محاولة لوصف وتحليل وتقييم بعض الملامح الأكثر أهمية في الفكر النظري للشرق الأدنى القديم. الاصول المفيدة لغرضنا تتكون بشكل تام، تقريبا، من المتبقيات الأدبية لثلاثة شعوب في الشرق الأدنى: المصريين، العراقيين القدماء (السومريين والاكديين)،، واليهود. وبناء عليه فالكتاب ينقسم على ثلاثة أقسام كبيرة سميت: (مصر، العراق القديم واليهود). الفكر النظري للمصريين القدماء يشمل على وجه التقريب: ما وراء الطبيعة، السياسة، والاخلاق، وقد وصفها وحللها جون ولسون تحت عنوان (طبيعة الكون)، (وظيفة الدولة و(قيم الحياة)، وما يخص العراقيين القدماء عالجه ثوركيلد جاكوبسون تحت عنوان (الكون كدولة)، (وظيفة الدولة) و(الحياة الفاضلة)، اما القسم الخاص باليهود فنوقش من قبل ولیم اروين بفصول عنوانها (الله)، (الانسان)، (الانسان في العالم) و(الوطن، المجتمع، والسياسة). يسبق هذه الأقسام الثلاثة فصل تمهيدي فكري لفرانكفورت وزوجته أسمياه (الأسطورة والواقع) حللا فيه السمات النفسية التي تميز فكر الشرق الأدنى القديم مع تأكيد خاص على مقتربه الافتراضي اللاعقلي ومنطقه الأسطوري الميثوبي، كما ختم الممهدان الكتاب بفصل عنوناه (انعتاق الفكر من الاسطورة) بدآه بنظرة مقارنة مختصرة للفكر النظري عند المصريين والعراقيين القدماء واليهود واختتموه بمخطط لأفكار الفلاسفة الإغريق الأول منذ طاليس حتى بارمنيدس، الذي، وفقا للكاتبين، حطم الموقع الأخير لسيطرة الأسطورة على الفكر.

كما يتضح مما سبق، فالكتاب يتكفل بتقديم تراكيب بعيدة الغور ومتعددة الجوانب لمفاهيم فكرية وروحية سادت خلال فترة طويلة وخصبة من تاريخ الحضارة، يستحق المؤلفون الثناء على شجاعتهم وتفاؤلهم وكذلك على انجازهم الهام.

لعل المتخصصون في الشرق الأدنى وحدهم يدركون مدى تعقيد وصعوبة البحث في عصور تتطلب جهدا مضنيا في التنقيب والربط وصياغة المفاهيم الفلسفية والروحية للقدماء من خلال متبقياتهم الأدبية المتعددة والممزقة وغير الواضحة تماما. والباحث المختص، فضلا عن غير المختص، يدين بعمق الى المؤلفين كلماتهم الواضحة وجهودهم المثيرة في موضوع غامض ومثير كالفكر النظري للإنسان القديم.

وإذ يقدم الكتاب، على العموم، مساهمة ثمينة وقيمة الى تاريخ التطور الروحي للإنسان، فانه لا ينبغي الاستنتاج بان جميع (او حتى اغلب) استنتاجاته وتعميماته يمكن اخذها بشكل موثوق ونهائي، ومن المفيد أن نلاحظ أن المؤلفين انفسهم لم يكونوا غافلين عن السمة الذاتية ووحيدة الجانب لبعض تفسيراتهم وفرضياتهم وقد حذروا القارئ مسبقا من مثل هذا الاعتقاد. ومن الطبيعي ان الصعوبة الأساسية تكمن بالوضع الحالي لمادتنا الأصلية، فعلى سبيل المثال، اذا أخذنا العراق القديم، ومادة العراق القديم وحدها هي ما يشعر المراجع بأهليته للحديث عنها، فإننا نجد منذ البدء أن النصوص المفيدة لغرضنا تمتد لفترة الفين من السنين، منذ الألف الثالث حتى الألف الأول قبل الميلاد، وخلال هذه الفترة الطويلة شهدت المنطقة فورانا حرفيا وسياسيا، بل اللغة ذاتها تغيرت من السومرية الى الاكدية. وإزاء ظروف كهذه فانه ليس من السهل استخلاص الفكر النموذجي للعراق القديم وكشف المفاهيم الفلسفية والدينية الكامنة فيه. بالإضافة الى ذلك هناك قضية النصوص الأدبية التي تتسم بالتفتت والغموض وعلى الخصوص التركيب الأدبي السومري – وهذه النصوص وفيرة جدا وهي على العموم اكثر اهمية بالنسبة للمشكلة من تلك المكتوبة باللغة الأكدية، والتي لا زالت لحد الان تخضع لعمليات الترجمة والتفسير من قبل اساتذة اختصاصيين وتحظى بقليل من النجاح. وعلى ضوء ما مر من صعوبات فان هناك فجوة لا بد من أخذها بالاعتبار فيما يخص اختلاف الراي حول الترجمة الحقيقية لبعض هذه النصوص، ضاربين صفحا عن التفسيرات العامة والواسعة عند تأطير الفكر في العراق القديم. والصفحات التالية تؤشر بعض هذا الاختلاف في الرأي.،

عندما نبدأ مع الفصل التمهيدي (الأسطورة والواقع) فمن الأهمية البالغة أن نلاحظ أنه يحوي عددا من الأفكار المتعلقة بالعناصر المميزة لعقلية انسان الشرق الأدنى والتي تحيط بمصداقيتها شكوك كبيرة، على الأقل فيما يتعلق بالعراق القديم. أن قناعة المؤلفين في هذا الفصل، ومن سوء الطالع هي القناعة التي تم اعتمادها كفكرة موحدة لأقسام الكتاب المتعددة،هي ان القدماء غير قادرين على التفكير التأملي وينقصهم التوجه الفعلي مما يجعل فكرهم بالضرورة مغلفا بالأوهام، فالكون يبدو لهم دائما كـ (أنت) يجربوه عاطفيا بعلاقة تفاعل متبادل والذي يجعلهم، كالإنسان البدائي، لا يعرفون عالما دون حياة، والفكر في الشرق الأدنى القديم، مثله مثل الفكر في المجتمعات البدائية المعاصرة، لا يعمل باستقلالية بل ان الانسان بأجمعه يواجه الـ (انت) حيا في الطبيعة، وكل تجربة مع (الانت) ينبغي ان تدرك كفعل فقط، والذي يجعلها بالضرورة تأخذ شكل قصة، وبناء عليه فان القدماء لا يمكنهم التحدث الا (بأساطير) وعليه فهم غير قادرين على تقديم تحليلات أو استنتاجات عقلية، ولأجل التدليل على عدم قدرة العراقي القديم على التفكير بالأحداث الطبيعية دون اطار اسطوري اعطا المؤلفان الأمثلة التالية: سوف نشرح، مثلا، التغيرات الجوية المحددة التي تزيل الجدب وتسبب سقوط المطر: البابليون لاحظوا ذات الحقائق الا انهم تمثلوها بتوسط للطير العملاق (امدوغد) الذي يأتي لإنقاذهم حيث يغطي السماء بغيوم اجنحته السوداء، ثم يلتهم ثور السماء الذي يبيد المحاصيل بأنفاسه الحارقة، أن هذا التحليل النفسي لعقلية انسان الشرق الادنى القديم هو غير ذي أساس في حقيقته، على الأقل في حدود ما يتعلق بالعراق القديم. ففيما يخص السومريين لدينا دليل جيد يرينا بأنهم كانوا يملكون طائفة من المفكرين لديهم القدرة على ملاحظة الطبيعة بعقل تأملي وتمييزي، اذ كانوا يدركون

تماما بان الطبيعة ميتة مثلما هي حية، وقد اعتمدوا هذا التمييز بشكل فعلي على مستوى الكلمة والفكر، ونجحوا من خلال المجال الضيق لمعطياتهم المحددة والبسيطة في انشاء نظام ميتافيزيقي ولاهوتي انتشر الى حد بعيد أو قليل في أجزاء كبيرة من الشرق الأدنى ولعل هذا يعود الى حد ما الى مقتربهم العقلي بالارتباط مع المنطق الذي يحتويه، واخيرا، لو اخذنا المثال المعتمد من قبل المؤلفين، فمن المحتمل تماما انه حتى لو ان نسبة من العراقيين،، لكي لا نتحدث عن اكثر اخوانهم تأملا، قالوا بان ما يجلب المطر المزيل للجدب هو الطير (امدوغد) الذي يلتهم ثور السماء، فإنه لا يختلف كثيرا عن الإنسان متوسط الثقافة اليوم الذي يرى بان الغيوم هي التي تجلب المطر الغزير.

ان الذي قاد المؤلفين الى تصور خاطئ للسمات الأساسية للفكر النظري في الشرق الأدنى القديم هو الطبيعة الاسطورية الكامنة في مادتهم الأصلية، ذلك لأنه من الصحيح تماما، ونقيد أنفسنا بالعراق القديم ايضا، اننا قلما نجد فكرا نظريا متميزا حول الطبيعة والكون في المادة الأدبية المتبقية اذ أن الجزء الأكبر فيها يتكون من اساطير وقصص ملحمية وتراتيل ومراثي، وهي انواع ادبية مفيدة في المقترب والتكنيك الأسطوري (الميثوبي)، الا ان هذه الحقيقة لا تبرر الاستنتاج بان المفكرين العراقيين القدماء كانوا غير قادرين على التفكير العقلي والتمييزي في ما يتعلق بالطبيعة والكون، أو أنهم فشلوا في تطوير أنظمة ميتافيزيقية ولاهوتية. الحق أن ما نملكه من اصول أدبية، على الرغم من سمتها الأسطورية، تفترض مسبقا وجود مثل هذه الأنظمة وتعكسها في كل حين. أن الأمر الوحيد المبرر والذي يمكن استنتاجه من السمة وحيدة الجانب للمادة الأدبية لعراقيينا هي ان المعلمين واصحاب القلم العراقيين الأوائل فشلوا في تطوير نوع ادبي مكتوب يخدم كوسيلة مناسبة في التعبير عن ميتافيزيقاهم ولاهوتهم، وكذلك ايضا، لكي نتخذ موقفا مماثلا، فشل المعلمون العراقيون في تطوير نوع ادبي تاريخي مناسب - على الرغم من حقيقة ان هناك بعض الأدلة ترينا أن بعضا منهم، على الاقل في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، لديه معرفة واقعية الى حد ما حول بعض الأحداث السياسية المهمة في زمانهم أو، حتى الى مدى معين، حول تلك التي مرت في الأزمات المبكرة.

لو أخذنا الان عددا من المفاهيم الكونية الأكثر أهمية عند السومريين كما تبين في ادبهم الأسطوري (الميثوبي) الذي رتبناه، فإنه سوف يبدو واضحا بشكل جلى ان هذه المفاهيم لا تنبع الامن تفكير عقلي مميز لطبيعة الكون والذي تعرضه متبقياتهم الكونية كموجودات طبيعية ميتة وليس (انت) حيا. هكذا نجد أن المفكرين السومريين افترضوا بانه قبل أن يوجد الكون لم يكن ثمة الا الماء، لذا افترضوا وجود البحر البدئي، ومن هذا البحر البدئي وبطريقة ما جاء الكون الى الوجود متكونا من السماء. المتعالية على الأرض والمتعلقة بها، ومن ثم انفصلت السماء عن الأرض بواسطة الهواء. والان كيف امكن للمفكرين السومريين القدامى الاستنتاج بأنه في البدء كان البحر وان الكون جاء الى الوجود من خلاله، إن لم يكونوا أدركوا، بمستوى فكري وعقلي، بان الكون محاط بالماء من جميع جوانبه، حيث الماء فوق السماء وتحت الأرض مثلما هو حولها ؟ وبالمثل لماذا اختاروا الهواء كمجال يفصل السماء عن الأرض، إن لم يكن هناك، مرة أخرى، ادراك بمستوى عقلي بان الهواء يقع بشكل حقيقي بين السماء والأرض، وهو فوق ذلك، لا يشبه هذين الجسمين الصلبين اذ يتكون من جوهر قادر على التمدد وهو ما مكنه من فصل سطحين ملامسين. وبالمثل كذلك لو عدنا الى المفاهيم اللاهوتية الأساسية للسومريين، المفاهيم التي يمكن القول أنها شكلت العقيدة والإيمان، واليقين والمذهب لأجزاء كبيرة في الشرق الأدنى القديم، نجد أن هذه، أيضا، تأصلت وتطورت على اساس عقلي، وانها بنيت بشكل منطقي وعقلي على قياس الانسان ومؤسساته. فمنذ اقدم ما نملك من تسجيلات مكتوبة وحتى نهاية الحضارة العراقية، نجد ان المفهوم الميتافيزيقي الأساس للاهوتيين، وهو المفهوم الذي كان مركزيا وبديهيا لجميع افكارهم الدينية، هو افتراض وجود مجلس (بانثيون) مكون من مجموعة من الموجودات الحية، تشبه الانسان شكلا، الا انها فوق بشرية وخالدة، وهي على الرغم من أنها لا مرئية من قبل البشر الا انها تقود وتسيطر على مجالات الكون وفقا لخطط محكمة الوضع، وقوانين مشرعة بدقة. لتكن مجالي الكون العظيمين، السماء والأرض، البحر والهواء، لتكن اجساما كوكبية عظيمة كالشمس، القمر، والكواكب السيارة، لتكن قوى جوية كالريح، العاصفة، الزوبعة، او، أخيرا، لو اخذنا الأرض، لتكن ظواهر طبيعية مثل النهر، الجبل، السهل، او ظواهر ثقافية كالمدينة والدولة، العدالة، الخندق، الحقل، والحديقة، او حتى أدوات مثل الفأس والمحراث والماكنة، كل واحد من هذه يقع تحت سطوة واحد او اخر من الموجودات المشخصة وفوق البشرية، الذي يمارس نشاطاته وفقا لقواعد وأنظمة ثابتة.

و الآن، كيف امكن للمفكر السومري أن يشكل هذه الصورة لمجلس مشخص وفوق انساني للسيطرة على الكون وموجوداته وظواهره المختلفة ؟ من الاكيد انه ليس بملاحظة أي تشابه طبيعي بين الموجودات الأخيرة والموجودات البشرية، وكافتراض مسبق، فإنه لا يمكن لأحد ان يناقش بان العراقيين القدامى، عند مشاهدتهم للسماء، وجدوها تشبه انسانا ملتحيا او عند مشاهدتهم الأرض وجدوها امرأة ضخمة بأثداء منتفخة، وليس هناك من مبرر للاعتقاد بان المفكرين السومريين تصوروا موجودات مثل السماء، الارض، الشمس، القمر، النهر، الفأس... الخ، كشيء، حي ذي إرادة ذاتية. كل الدلائل المتحصلة تشير بوضوح الى انها ليست السماء، هي ما كان يعتقد بانه (حي) ولكن الموجود شبيه الانسان المسؤول عن السماء، ولم تكن الأرض ما كان يعتقد بانها (حي) ولكن الموجود شبيه الإنسان المسؤول عن الأرض، وليس نهري دجلة والفرات هما الـ (حي) بل الموجود شبيه الانسان المسؤول عن هذين النهرين... الخ الخ. وإذ انه من الواضح ان اللاهوتيين العراقيين لم يكن بإمكانهم رؤية هذه الموجودات شبه الإنسانية بأبصارهم، لذا ينبغي الاستنتاج بانهم وبطريقة ما استدلوا على وجودهم، بكلمات أخرى، أن عقل اللاهوتي العراقي أخبره بان هذه الموجودات موجودة حتى وان لم يمكنه رؤيتها، وان الأساس لمثل هذا الاستنتاج ليس صعبا على التصور، المفكر القديم ارتقى بشكل طبيعي ومنطقي تماما من المعلوم الى المجهول، اتخذ دليله من المجتمع الإنساني الذي يعرفه، لاحظ أن جميع المناطق والمدن، جميع القصور والمعابد، جميع الحقول والحدائق وباختصار جميع المؤسسات التي يمكن تصورها وجميع المنشئات موجهة ومرعية ومقادة من قبل كائنات انسانية: ومن دونهم فان الأراضي والمدن تؤول الى بوار، وتتهدم المعابد والقصور، وتتحول الحقول والحدائق الى صحارى ويباب. وبناء عليه فان الكون وجميع الظواهر المتعددة ينبغي، من باب اولى، ان ترعى وتوجه وتقاد ويسيطر عليها من قبل كائنات حية شبه انسانية، وبما أن الكون موجود اكبر حجما من جميع الموجودات الانسانية، وتنظيمه يفوقها تعقيدا، فأن هذه الموجودات الحية يجب أن تكون أكبر وأقوى من البشر العاديين. وفوق ذلك أن تكون خالدة، والا فان الكون سوف يؤول إلى الفوضى عند وفاتها، وتكون نهاية العالم، وهي بدائل، ولأسباب واضحة، لم تجد حفاوة عند الميتافيزيقيين السومريين. ان كل واحد من هذه الكائنات غير المنظورة، والمشخصة، وفي الوقت نفسه فوق البشرية والخالدة، خصص لها السومريون كلمة (دنجر) التي تحولت عند الاكديين الى (الو) وترجمناها الى كلمة (الله)، فوق ذلك، وحيث أن مبدأ وجود مجلس الهة تطور مما يمكن أن نصطلح عليه اقتراب الحس العام الى سؤال (كيف يسير الكون ؟) فإن التطورات المتعلقة بتنظيمه تطورت ايضا. ففي المقام الأول يبدو من المعقول للاهوتيين السومريين الافتراض بان الكائنات المكونة لمجلس الالهة ليست على قدم المساواة في الأهمية، أو على مستوى واحد. فالإله المسؤول عن المنجل والمحراث من الصعوبة ان نتوقع مقارنته مع الكائن المسؤول عن الشمس، ولا يمكن للكائن المسؤول عن العدالة والخندق ان نتوقع مساواته للإله المسؤول عن الأرض ككل، ولذلك، ايضا، فانه يبدو من المعقول الافتراض، بالمقايسة مع التنظيم السياسي للدولة البشرية، بان على رأس مجلس الآلهة كائنا يعد من قبل الجميع ملكهم وقائدهم. ولهذا نجد مجلس الالهة السومرية يفهم من حيث الوظيفة كجمعية على رأسها ملك، واكثر المجاميع اهمية في هذه الجمعية هي الآلهة السبعة المحددة للمصائر، والآلهة الخمسون المعروفة ب (الآلهة العظمى)،الا ان التقسيم الأكثر أهمية الذي اقامه اللاهوتيون السومريون في مجلس الهتهم هو بين الكائنات الخالقة والالهة غير الخالقة، وهو التصور الذي توصلوا اليه بعقلانية تامة كنتيجة لمفاهيمهم الكونية، ذلك لأنه، وفقا لهذه المفاهيم، فالمكونات الأساسية للكون هي السماء والأرض، البحر، والجو، وكل موجود كوني اخر او ظاهرة، يمكنها أن توجد فقط من خلال واحد أو آخر من هذه المجالات. هنا يكون من المعقول الاستنتاج بان الكائنات المسيطرة على السماء والأرض، البحر والهواء، هي الآلهة الخالقة، وان واحدا أو آخر من هذه الآلهة الأربعة هو الذي خلق جميع الكائنات الاخرى وفقا لخطط نظمت معها. وبالنتيجة فان اله السماء انو، واله الهواء انليل، واله الماء انكي، والهة الارض ننخرساك (اعتمادا على استنتاج بانها تمثل الالهة التي عرفت باسم کی) عوملوا كآلهة قائدة اربعة لمجلس الآلهة السومري والتي دائما ما تجمع معا كرباعي من الآلهة ذات طبقة واحدة. اخيرا، اللاهوتي السومري، مستمدا دليله من العالم البشري حوله، قدم،دون شك، استنتاجا ميتافيزيقيا مهما في الاجابة على مشكلة مثل: ما الذي يجعل الكائنات الكونية والمظاهر، التي خلقت ذات مرة، تعمل باستمرار وتناسق، دون تصادم وارتباك ؟ هذا المفهوم هو ما دلل عليه السومريون بكلمة (مي) والتي لازال مرادفها يشوبه الشك الا ان الحكم الذي نتوصل اليه من خلال عدد متنوع من النصوص، هو، انها كما يبدو، تشير الى عدد من القواعد والتنظيمات المخصصة لكل موجود او ظاهرة كونية لغرض محدد في حفظها وميسرة إلى الأبد وفقا لخطط موضوعة من قبل الكائنات الخالقة.

 الفقرات السالفة، كما آمل، وضحت بشكل تام السمة العقلية الكامنة في الفكر النظري السومري المبكر، اذ ينبغي أن يكون قد وصل الى اجاباته للمشكلات الكونية، الميتافيزيقية المختلفة التي واجهته، ليس استيحاء لعلاقة مشاركة مع الطبيعة بل بتفكير عقلي أوصله إلى قناعات فكرية. ان وجود مجلس الهة لا مرئية ومشخصة وفوق بشرية، منظم كسلطة كهنوتية يرأسها اربع الهة يحكمون مجالات الكون الأربعة ووضعوا الخطط لخلق جميع الكائنات والظواهر الكونية الأخرى من خلالها، ووضعوا القواعد المتعلقة بوظيفة الديمومة والانسجام، كل هذه قبلت كبديهيات من قبل الفلاسفة السومريين الذين اقترضوها استنتاجات منطقية مبنية على تجربتهم مع العالم البشري المتمدن حولهم. والحق انه ليس من غير المنطقي الافتراض بدقة بانها لم تكن محدودة الاتساع، لأنها تحمل قناعة فكرية عالية حيث أن المفاهيم اللاهوتية الكامنة في هذا الافتراض صارت النظرة الأساسية العامة لإيمان ومعتقد العراقيين الأول. واذ اننا لا نملك أي سبيل لمعرفة التطورات الكونية واللاهوتية الأساسية التي سبقت هذه في العراق القديم، أو مدى التشابه بينهما، لذا يمكن الافتراض بثقة بان هذه المفاهيم المبكرة، مهما كانت سمتها، غطت سحابة مرحلة الفكر التكويني عندهم. وبناء على ما مر فإن التفوق العقلي للتعاليم التي طورها وعرضها المفكرون السومريون كان واضحا تماما، لذا كان محتما أن يتم قبولها بصدق من قبل طبقة منظمة، وفي الأخص اذا لم يكن من غير المحتمل الاعتقاد بأن هؤلاء المفكرين السومريين كانوا في الوقت نفسه كهنة أو قضاه ذوي تأثير كبير، تماما كما هو الحال على سبيل المثال، في قبول التعاليم التوحيدية التي طورها وعرضها المفكرون العبريون بعدهم بأمد بعيد والتي تدين الى حد غير قليل الى تفوقهم الفكري على تصورات الشرك التي كانت سائدة والتي فقدت بريقها على مر الزمن..

ان مسئولية المفكرين السومريين عن المفاهيم الميتافيزيقية واللاهوتية الاساسية التي سادت العراق القديم خلال الألف الثالث قبل الميلاد والتي طوروها وصاغوها بعد نقاش وجدل عظيم فيما بينهم، تبدو ليست محل شك الان، وفوق هذا فان قناعتهم بامتلاكهم لحقائق كونية أساسية على مستوى عال من الأهمية تخص سلوكهم وسلوك الموجودات التابعة لهم دفعتهم لان يعرضوها بحماس واندفاع بشكل شفاهي، لكي يتم اعتمادها لاحقا، كعقيدة رسمية وكونية للمدينة، وعليه، لا بد انهم قاموا بالانتفاع والصياغة لبعض الحجيج والبراهين التي تخدم غرضهم، الا أن هناك القليل من الأمل، كما يمكن القول، بان نكتشف نصوص هذه المحاججات والنقاشات، ما دام المعلمون السومريون والكتبة قد فشلوا في تطوير نوع ادبي مکتوب يخدمهم كوسيلة للتعبير والمحادثة. أن كل ما يمكننا ان نامل هو التنقيب وتجميع

بعض الاستنتاجات - التي لا تؤيدها الأدلة والحجج - من نصوص سومرية لازمان متأخرة كثيرا، وبالأخص من اساطيرهم، وهو النوع الأدبي الشائع عند المعلمين السومريين المشتغلين في المدارس السومرية (ایدوبا)، ولكننا اذ نفعل ذلك، لابد ان نتذكر ان كتاب الأساطير العراقيين القدامى ليسوا في الأصل فلاسفة او لاهوتيون لينصب اهتمامهم على الفكر النظري، بل انهم معلمون وشعراء جل اهتمامهم التمجيد والثناء على الالهة وعقائدهم، وعليه فان كتاب الأساطير هؤلاء لم يهتموا في اكتشاف حقائق کونية او لاهوتية حديثة، بل امنوا بالتصورات والممارسات اللاهوتية الشائعة دون تفكير بأصلها وتطورها. ان هدفهم كان انشاء قصائد قصصية حاولوا فيها شرح اصل ووجود واحد او آخر من هذه التصورات والممارسات بأسلوب يظهر رائعا ومؤثرا وممتعا. ولهذا فهم لا يتعلقون ببراهين وحجج تمت الى العقل، أن اهتمامهم الأول سرد قصة، أو وصف حدث يدغدغ العواطف. انهم، لهذا، لا يلجؤون إلى المنطق والعقل كأداة أدبية بل إلى الخيال والوهم، وبالنتيجة، ففي سردهم لقصة أو وصفهم لحدث مخصوص، تجد الشعراء لا يتوانون من اختلاق بواعث ووقائع منسوخة عن الفعل الانساني والتي لا يمكن ان يكون لها أي أساس في الفكر النظري العقلاني، كما انهم لا يتوانون ايضا عن تبني ملامح اسطورية او مستقاة من الأدب الشعبي في ما لا يجدون ما يخدمهم في البحث والاستنتاج الكوني العقلي.

أن الافتراض بان الاساطير العراقية القديمة تمثل الفكر النظري للفلاسفة واللاهوتيين الأوائل

الذين طوروا الخطوط الأساسية للاهوت والكونيات السومرية، هو افتراض مضلل مثله مثل الافتراض بان الاساطير والخرافات المضمنة في الفصول الهجائية من التلمود والمدراشية تمثل المفكرين العبريين الأوائل الذين طوروا وعلموا المفاهيم التوحيدية.

نعود الان الى اكثر فصول جاكوبسون اهمية حول الفكر النظري في العراق القديم المعنون (الكون كدولة). لا يمكن للمرء الا الاعجاب والاطراء للعناية والدقة الفكرية التي كتب بها، منطقية في التنظيم، اخلاص للتفاصيل الدقيقة، ووضوح عباراته واستخلاصاته. ومن المؤكد أن جميع المتابعين لاسهامات جاكويسون في العقد الماضي، وبالأخص تلك المتعلقة بالعقل السومري، تعلموا أن يدركوا ويقدروا أهميتها ومغزاها. وهذه واضحة على الخصوص في عمله هذا الذي أنفق سحابة وقته وفكره للمادة الأدبية السومرية، وأن دراساته السديدة سوف تأخذ مكانها بين اكثر الدراسات أصالة وانارة في هذا الحقل، وعلى الرغم من كل هذا فمما يؤسف له اني وجدت نفسي على غير وفاق مع اغلب تعميماته واستنتاجاته حول الفكر النظري العراقي والتي طرحها في هذا الفصل، لأنها تقوم أساسا على وهمين كبيرين:

 الأول - انه ينسب إلى المفكرين السومريين الأوائل موقفا نفسيا تجاه ظواهر الطبيعة لا يملكونه. والثاني - فشله في ادراك السمة الحقيقية لغرض وتقنية كتاب الأساطير الذين قرأ في أعمالهم افكارا كونية ذات سمة عقلية ومنطقية لم يقصدوها.

 في سبيل ايراد الحجة بوضوح أكبر دعنا نحلل الفصل، قسما بعد قسم، مع حذف اوله حول تأثير البيئة في مصر والعراق القديم، والذي هو في الأصل تمهيد وخلاصة للفصل..

في القسم الثاني المعنون (تاریخ فكرة العراقيين القدماء عن العالم) نجد عبارة استهلالية هي انه مع حلول الفترة الشبيهة بالكتابية بدا وكأن الحضارة العراقية القديمة قد تبلورت بين عشية وضحاها وهكذا ينبع فجأة وبشكل تام النمط الاساس والاطار الذي كان على العراقيين ان يعيشوا خلاله، ليصوغو اسئلتهم العميقة، يقيموا انفسهم ويقيموا الكون.

ان هذه الفرضية حول تبلور الحضارة العراقية القديمة بين عشية وضحاها، تبدو غير مبررة ولا واضحة بشكل تام، اذا ما اخذنا باعتبارنا ان جميع العبارات المتعلقة بالعراق في مراحل قبل التاريخ، وبضمنها تلك العبارة التي مرت للتو، لا يمكن ان تكون بطبيعة الحال اكثر من استنتاجات افتراضية ونظريات.

ان الفرضية التي تبدو متفقة كثيرا مع الأدلة التي نملكها، والتي تمنحنا مقتربا استنتاجيا كبيرا الى المشاكل المطروحة، ان هذه الحضارة، اذا ما حكمنا وفقا للشواهد اللغوية، التي لعب السومريون دورا مهيمنا فيها، بدأت تحتل موقعها خلال الفترة الشبيهة بالكتابية نتيجة لعصر طويل من التلاقح الثقافي بين ثلاث مجاميع عرقية. فقبل ظهور السومريين على المسرح بزمن طويل، بدأت الحياة في جنوب العراق القديم بثقافة قرى فلاحية، حملتها مجموعة عرقية لازالت هويتها موضع شك، ومن المحتمل انها ليست سامية ولا سومرية في اصلها. بعد فترة الاجتياح السامي للعراق من الغرب، تطورت ثقافة القرى الزراعية على مدى قرون الى حضارة مدنية عالية والتي وصلت، على المستوى السياسي مع مرور الوقت الى درجات امبراطورية. النفود السياسي المسيطر للامبراطورية العراقية السامية جاء الى نهايته على يد جموع سومرية بدائية بعد صراع عسكري طويل انتهى باقتحام جنوب العراق من قبل الفاتحين السومريين. وكنتيجة لهذا الاقتحام والفتح عانى جنوب العراق فترة من الركود والتخلف بلغ ذروته نسبيا في الفترة البربرية بواكير عصر البطولة.انها الفترة التي تلت عصر البطولة السومري والتي شهدت اندماجا ثقافيا مثمرا بشكل كبير بين الفاتحين السومريين البرابرة والمواطنين الأصليين الذين كانوا أساسا على مستوي عالي من المدنية، وهي الفترة التي من المحتمل أنها شهدت اختراع نظام الكتابة السومرية، وقدمت مجموعة من السدنة والمفكرين في المعابد والقصور، والتي تحت قيادتهم المثمرة بدأت الحضارة العراقية التاريخية المتأخرة موسومة بسمتها السومرية الغالبة.

نعود الى القسم التالي من الفصل (موقف العراقيين القدامى تجاه ظاهرة الطبيعة) أن ما ينبغي ملاحظته أن الاستنتاج الأساسي لهذا الفصل لا يقوم على اساس وغير موثوق إلى حد بعيد، فقد تم الوصول اليه من خلال اسناد نظرات وتصورات تحمل سمة اسطورية الى الفكر النظري. ولهذا نجد هناك عبارات مثل: ان أي ظاهرة يراها العراقي القديم في العالم حوله تملك حياة، تملك شخصيتها وارادتها، وذاتها المميزة، او: ان العراقي القديم يتحدث، بشكل يقيني، الى الصخور والنجوم، الرياح والمياه، كأعضاء في جمعيات قانونية. والان، فأنه ليس هناك دليل جلي على أن مثل هذه النظرات قد اعتمدت من قبل المفكرين السومريين الأوائل الذين آمنوا بوجود مجلس آلهة لا مرئي ومشخص للسيطرة على الكون وظواهره المختلفة. هؤلاء الرجال لم يخلطوا بين الحي واللاحي، انهم بالتأكيد نظروا إلى الهواء والماء، الغابة والشجرة، المعدن والصخر کأشیاء دون حياة ودون شخصية ودون ارادة. وبالمثل، فان المجالات الأربعة التي تشكل الكون السومري، السماء والأرض، البحر والجو، لم تفهم من قبل الميتافيزيقيين السومريين باعتبارها ذات حياة، هناك كائنات حية فيها، مثل الالهة، البشر، الحيوانات ولكن المجالات الطبيعية ذاتها لم تفهم بانها ذات حياة، وارادة، وشخصية. ان الذي لا شك فيه أن الكون، للمدى الذي كانوا يرونه، كان عديم الحياة بشكل كبير، ودون إرادة وعقل لذا فان هؤلاء المفكرين الأوائل وجدوا أنفسهم يواجهون مشكلتهم الأساسية وهي كيف يمكن للموجودات الميتة، والفاقدة للعقل التي يتضمنها الكون ان تعمل بثبات وانسجام، يوما بعد يوم، سنة بعد سنة، جيلا بعد جيل، ومن المؤكد أنهم استنتجوا بانها لا بد أن تكون مراقبة ومقادة من قبل مخلوقات حية قوية مليئة بالحكمة والفهم العميق، باختصار أن الفكرة المحددة لمجلس الالهة ذل،ك الذي وصف في الصفحات السابقة، لا يمكن ان يأتي الى المفكرين العراقيين لو لم يميزوا بين الحي والميت.

في الأقسام التالية من الفصل، المكرس لمناقشة بناء الدولة الكونية ولقادتها، وجدنا لسوء الحظ تكرارا لذات التعميمات غير القائمة على اساس والمتعلقة بالشخصية الحية لجميع الموجودات والظواهر الكونية، ولكن، بالاضافة الى ذلك، فهذه الصفحات تظهر قدرا من سوء الفهم بخصوص الكائنات السومرية القائدة، والقائمة بشكل كبير على تحليلات نفسية، كما اعتقد، غير واقعية، وغير متزنة وذات سمة ذاتية صرفة. وهكذا، بعد تفكير عميق حول كيفية تأثير السماء على الانسان حين يكون في حالة ذهنية فائقة الحساسية، يأتي الاستنتاج بأن العراقيين القدامى جعلوا " إنو" يمثل السطوة والسيادة المطلقة بينما انليل، على الجانب الاخر، فسر کاله العاصفة، ولذا قيل بانه يمثل القوة. وهكذا يستمر البرهان، فبينما " انو" يسير الكون بالسلطة وحدها، السلطة التي قبلت بحرية وطواعية، فان انلیل هو الذي يحتل المسرح حين تدخل القوة إلى الصورة. بكلمات أخرى، يمكننا الافتراض، كما يظهر، بان مجلس الالهة السومري كان مقادا من قبل كائنين متعاليين، وفي الوقت نفسه يتمم احدهما الاخر، من قبل انو الذي يختبر سطوته دون قوة، ومن قبل انليل حين تكون الحاجة الى القوة.

والان فان نظرية تقسيم السلطة بين انو وانليل يصعب صمودها امام الدليل. في المقام الأول، كما سوف ندلل، انليل ليس اله العاصفة على كل حال، من هنا فان وظيفته في الكون، كما ينبغي ان يفهم ابتداء، لا تتحدد بمصطلحات العنف والقوة، أكثر من ذلك، اذا ما ارجعنا البصر الى الفترة التاريخية المبكرة، اواسط الألف الثالث فيل الميلاد تقريبا، نجد بشكل عام ان انليل لوحده كان معروفا قائدا متسلطا في الكون، متسلطا، أي وجهة نظر السطوة مثلما هو القوة، ومن المؤكد،وربما هذا هو ما اثر على استنتاجات جاكوبسون، اننا نجد، في أحيان كثيرة في النصوص السومرية، ازدواج الالهين انو وانليل في الأمر، الا ان هذا ربما يعود إلى حقيقة أنه في وقت ما، في الأيام قبل التاريخية كان انو لوحده المعروف بصفته القائد المتسلط في الكون، وانه ربما نتيجة بعض الأحداث المهمة والتي لا زالت غير معروفة، فان هذه السيادة تحولت إلى انليل، تماما مثلما حدث في يوم متأخر حين تحولت من انليل الى مردوخ. على كل حال، فأيا كان الذي يفهم كاله متسلط في فترته، فانه يفهم بسطوته بالقوة والسيادة معا. وعودا الى الاله انليل، فمن سوء الحظ ان جاكوبسون استمر في اخطاءه في تفسير اسمه وشخصيته التي مالت الى السيادة على الادب المسماري، والواقع أن انليل فهم في الأزمان التاريخية ليس فقط كاله متسلط على مجلس الالهة، بل باعتباره اشد الآلهة المنعمين والذي كان مسؤولا عن تخطيط وخلق عدد كبير من العناصر المفيدة في الكون. أن ما ضلل بعض الباحثين في افتراضهم انه كان بشكل اساسي إله العنف والدمار هو في المقام الأول، خطأ ترجمة كلمةأ" ليل " إلى (عاصفة) والواقع انه يمكن إصلاحها الى (ريح) (هواء) (روح) وهكذا لها إلى حد معين ذات المدى الدلالي للكلمة العبرية " كاخ "، ثانيا، نتيجة لما حدث أن من بين التراكيب السومرية المنشورة، نجد هناك نسبة عالية بشكل غير طبيعي من المراثي، وخصوصا من نوع (انيم) فان الباحثين مالوا الى ان انليل كان بطبيعته عنيف ومدمر، وان كلمته تعني دائما الشر.ان ما يبدو انهم فشلوا في ادراكه هو انه في (المراثي) وحدها نجد أنليل يظهر بهذه الصورة ولأسباب واضحة، ولان الدمار المسبب للمراثي ناتج عن قرار، ولان انليل كان هو المتسلط الذي يملك الكلمة في هذا القرار، لذا كان هو صاحب الدور المؤلم بجلب الدمار المحتوم. واذا ما اخذنا، من جانب اخر، التراتيل والاساطير، نجد بان انليل يمجد باعتباره الها ودودا وحانيا والذي يرعى الأمن والسعادة في سومر على الخصوص، والذي يسبب الدمار لأعدائها..

وبالمثل، ما يخص الأقسام المكرسة لننخرساك وانكي، فهذه ايضا تحوي عددا من الأفكار الكبيرة والتحليلات الذاتية الواسعة، والنتائج المتعلقة بعقلية العراقي القديم والتي، وفقا لقول المؤلف، حصلت على فهمها للارض بتجربة مباشرة لها باعتبارها ذات ارادة واتجاه داخلي. فوق ذلك، في حالة انكي، هناك عدد من المشاكل تعترض محاولة الكشف عن أصل الاله واسمه واللذان يبدوان مجهولان معا. اولا خلافا لـ (ان) و(لناثي) فان اسم (انكي) ترکیب مضاف، وربما يكون لقبا اضيف إلى الاسم الحقيقي للإله، مثله مثل لقب (اينانا) ألذي أضيف إلى الاسم السامي عشتار، واللقب ننخرساك ربما أضيف إلى الاسم القديم الاصل (کی). ثانيا، لماذا يعطى الإله الذي عد اصلا اله الماء اسم (انكي) والذي، على الاقل سطحيا، لايعني سوى سيد الأرض وليس سيد الماء ؟ هذا الاسم سيد الأرض يبدو انه يشير الى حد ما الى ارتباط بسلطة انليل الذي حمل الأرض بعد فصلها عن السماء.

و اخيرا، هناك الحقيقة التي هي، خلافا لـ (انو) و(انليل)، فان (انكي) على الاقل عند نهاية الألف الثالث، كان يملك اسما ساميا هو (آيا). ان ما تضيفه هذه الحقائق، قطعا، سهل على الفهم، ربما يؤشر احتمالية ان اله الماء (ایا۔ انکی) كان في الأصل الها ساميا، وفي فترة مبكرة جدا تم تكييفه وادخاله إلى مجلس الآلهة السومري تحت اسم (انکی) نتيجة للأهمية السياسية المتنامية لأتباعه.

 

صالح الرزوقتبدأ رهبة الأسودي كتابها عن “المثقف والسلطة في العراق”* بتعريف الثقافة. وترى أنها جزء من الحضارة، وتعني التقدم لأن الاثنين يرتبطان بالاتجاهات الفلسفية التي بدأت مع الدخول في عصر النهضة الأوروبية، وعبرت عنها عمليا الثورات الصناعية (بالجمع). ص 13. ويفترض هذا التعريف ثلاث نقاط خلافية:

1- أن الحضارة ظاهرة شاملة.

2- الثقافة لم تكن موجودة قبل عصر الأنوار.

3- الثورة الصناعية التي بدلت وجه أوروبا ذات خلفيات وطنية ومحلية.

ولكن سريعا ما تعترض على هذه المفاهيم الضيقة والقسرية وتنوه بالتفسير الفرويدي الذي يساوي بين الثقافة والحضارة، ويعتقد أنهما اسمان لمسمى واحد وهو التصعيد أو تهذيب الغريزة والتعالي على متطلبات الواقع الجائر بكل ما يمثله من أعصبة ومحرمات. ولذلك يمكن للحضارة والثقافة أن يسيرا باتجاهات مختلفة، وأن يحققا بالنتيجة غايات متباينة ونسبية. وتتوقف المسافة التي تعزل الواقع عن وعي وإدراك التصورات على الظواهر الاجتماعية وتطورها التاريخي. وهو ما يقول عنه رالف لينتون “مستوى العموميات” الذي يحدد عقلية النموذج الاجتماعي ص15. ومثلما توجد فروق جوهرية عميقة بين الأعراق يجب أن تتوافر خلافات عميقة في فهمنا للبيئة المباشرة وعلاقتها مع النظام الدولي. وهو ما يقود للنزاعات وما يترتب على ذلك من حروب ومعاهدات تغير وعينا بالتدريج. وهنا يأتي دور التكنولوجيا، الجزء الآخر من الحضارة كما ترى الباحثة. ص13. ولا يغيب عن الذهن أن كلمة تكنولوجيا بالأساس كلمة إغريقية، وتعني فن الحيلة أو الذكاء أو الدهاء. ولذلك يمكن النظر لها بأنها أداة تعبير وتعايش مع واقع محدود وحقيقة غير متناهية. ولا يبتعد هذا التفسير عن الرأي الذي تنقله الباحثة عن دوثي لي ومفاده أن الثقافة هي نسق رموزي يمنح به الموجود معنى لما حوله سواء كان ملموسا كالمجتمع والطبيعة والكون (المخلوقات) أو كان مجرد تصورات وتكهنات ومنها الحقيقة المطلقة ص 14. لكن ما لم أفهمه هو ربط الثقافة بالتطور والحضارة بالانحدار ص14. وتعزو الباحثة لشبنغلر قوله إن الحضارة هي شيخوخة ثقافية. وفي الحقيقة كان شبنغلر مثل فرويد ينظر للحضارة على أنها أطوار تتبع دورة حياة كاملة: تبدأ بالولادة وتنتهي بالخمود. ولكنها دائما ما تعود بوجه مختلف وقوانين جديدة. ولذلك هي تعبير عن تراكم ثقافات أو كشوفات الجهد الإنساني والعقل البشري معا. وعزل المحاور لا يقودنا لفهم معنى الحضارة. فالعلاقة بين الطرفين سببية كما أكد هابرماز في تفسير أثر أجزاء البنية على مستقبل البنية ذاتها. بمعنى أن الأثر عكوس ويبدل النتيجة، وبهذه الطريقة يمكن تحرير التاريخ من سكونيته. ولا يوجد أي اعتراض على مقولة شبنغلر أن الحضارة هي مصير محتوم لكل ثقافة ص14. والتحضر أساسا هو شكل تجليات النشاط البشري الهادف والمتجاوز لشروط بدائيته. وهو ما يمكن أن نفهمه من المقارنة بين مجتمع رعوي وريفي وآخر مديني (تحكمه علاقات حضرية - المقصود استقرار له تعبير قانوني يفصل في الخلافات الناجمة عن نقاط الاحتكاك بين المصالح الفردية والجماعة).

وإن كان هذا هو شأن الثقافة من هو المثقف إذا؟.

تستعرض الباحثة وجهات نظر من زوايا مختلفة ابتداء من غرامشي وغارودي وحتى السوري حليم بركات. وتركز على مزدوجة العمل الفكري واليدوي - العضلي بلغة موازية ص21. وهنا تضيع الفئات البينية، مثل العامل الذي يستعمل يده ولكن في نظام مؤتمت. فهو يحتاج لمستوى ثقافي يؤهله لفهم دور الآلة الوسيط في عملية الانتاج. وهكذا تبدأ المشكلة الحقيقية التي يجب أن نهتم بها وهي التمييز بين المتعلم والمثقف. ما هي طبيعة العلاقة بينهما، تكاملية أم تناحرية؟؟. وأعتقد أن أفضل رد على هذا السؤال الإشكالي موجود في رواية “المثقفون” لسيمون دوبوفوار. فهي لا تتوقف عند نقاط مفصلية في الثقافة ثم تميزها لدرجة انفصالها عن التعلم فقط، بل تتابع لتغطي ثنائية الالتزام والحرية. وتضع التعلم في بئر النفس المعقدة، وتربطه بالمعنى البيئي للوظيفة. وتركز على دور الحرية في انتاج التزام مسؤول يخدم البنية الأساسية لمشكلة التطور. ومن المرجح أن الخلاف بين المتعلم والمثقف هو تعبير دراماتيكي عن الأزمة الحادة لركود المعنى التعليمي للعلم. فهو أصلا يقود لفرض وظائف تربوية ونفعية عاجلة. بينما يعمل المثقف على توقع ما يدخل في عداد الاحتمالات. ويوجد مسافة رمادية واسعة بين الاكتساب بالتعلم والبناء على المعارف المكتسبة، والاكتساب بالخبرة وتطوير تلك المعارف. بتعبير أوضح انتاج الثقافة شيء واستهلاكها شيء آخر. وهو أضيق تعريف للفصل بين المتعلم والمثقف. ويمكن تمثيل هذه المشكلة بالقضية المعرفية التي تمثلها حالة روبنسون كروزو - كما صورها دانيال ديفو. فصراع كروزو مع الطبيعة والضرورة زاد من خبراته المكتسبة ولتحقيق هدف واحد وهو البقاء - أفهم من ذلك أنه طبق معارفه العملية من أجل تحقيق دورة عكسية باتجاه الواقع. ولا يوجد في هذا التصور أي هامش لنفي المرحلة السابقة. بل ربما هو يبذل جهده لاستعادتها. ولذلك أعتقد أنه نقطة تثبيت أو تعطيل، وليس نقطة تنشيط وتحول. وبلغة مارثا روبير (2) هو حارس للماضي ودائرة مغلقة، ولا يسعه أن يرى في الواقع غير صور تكرارية لتجربة البورجوازي الصغير المكافح في سبيل أنانياته الفردية. وبلغة أوضح مثل هذا النموذج هو مثال للخبرات المهنية التي تصارع الطبيعة والمجتمع انطلاقا من دائرة شاملة هي وعيه الخاص. وهو ما يعبر عنه دريدا باسم اللوغو سنتريزم وكأنه يعزو لهذا النموذج نشوء الأنظمة الاستعمارية وما تبعها من إمبرياليات جائرة .

3315 رهبة اسويدي حسينولذلك يوجد للمثقف صور متعددة كما قال إدوارد سعيد (وهي متناحرة ضمنا)، وليست بريئة من النوايا المسبقة. وعلى عكس مفهوم الثقافة يصعب حصر المثقف بتعريف محدد. وفالمثقف الثوري قد يكون علمانيا أو دينيا لأن الثورة هي أي نشاط انقلابي يعمل على تبديل الأوضاع الحالية والانتقال من تفسير محدد للتاريخ لتفسير مخالف. وقل نفس الشيء عن المثقف العملي والآخر النظري. براغماتية الأول تصطدم دائما بجدار مثالية الثاني. وليس من المستبعد أن تنشأ انشقاقات داخل وعي النمط الواحد لتتحول إلى تحت أنماط متصارعة. وأقرب مثال على ذلك الانشقاقات المتتالية التي شهدتها الأحزاب المحافظة في تركيا منذ دولة أتاتورك وحتى هذه اللحظة، مثل انشقاق العدالة والتنمية عن الفضيلة، ثم انشقاق غول عن أردوغان، إلخ...

ولا تساعد فكرة التناحر الطبقي على تفسير الظاهرة. فهي ناجمة عن خلافات داخل طبقة واحدة. وكان التطبيق الضيق للعدالة الاجتماعية وتوزيع حصص الشرائح من الطبيعة هو الموضوع الذي أدى لانفصال غارودي عن حزبه، وما تبعه من قلق واضطراب فلسفي. وهذه مشكلة ثقافية دائمة لأن المستجدات تحتم على المثقف أن يفكر ببدائل ويجب أن تكون استباقية. وهو ما تقول عنه الباحثة نقلا عن الماركسيين النسلاخ الطبقي. ص25. وربما تقصد من وراء ذلك فشل الحزب بتقديم حلول ناجعة للمستجدات. وإذا كانت المراحل الحضارية تفشل وتدخل في السبات والعجز، وتضطر لتبديل أدواتها العملية، فمن المؤكد أن تلاقي الأحزاب والطبقات هذا المصير. وتؤكد الباحثة على هذا التوجه حينما تستشهد بمقولة للجابري ترى أن المثقف “شخص يتجاوز العوائق التي تحول دون نظام أفضل” ص 25. ويعيد هادي العلوي هذا الدور لدرجة الوعي الاجتماعي ص26. ويذهب عزيز السيد جاسم بنفس الاتجاه حين يعتقد أن المثقف هو كل شخص مع الوعي وضد القناعات السهلة والحدود الجاهزة ص 26. وتنتهي الباحثة إلى أن أول هدف للمثقف هو التغيير ص27. وتدخل في هذا المجال الجيوب السرية لعلاقة المثقفين مع السلطة، واستنزاف كل طرف للآخر. ومثلما تكلم علي الوردي عن وعاظ للسلاطين تشير كل الوقائع الحديثة لوجود كاتب للدولة. وتكون وظيفته محددة بتلميع شعارات النظام وبالإئتمان على علبة البروباغاندا. وهي أول حفرة يسقط فيها المثقف. ويكفي العودة لمذكرات رينيه عبودي عن أيامها مع جورج طرابيشي لتلاحظ عمق الأزمة التي تقود العقل القومي للاختلاف مع نفسه، وتركيب أطروحة بديلة، يصعب تسميتها أو تحديد مواصفاتها. وهو السبب الذي قاده للتخلي عن البعث علنا عام 1966 والاشتراك باللجنة التأسيسية لحزب العمال العربي الثوري. وبرأيي ركب طرابيشي البساط السحري ليطير من دولة قومية عسكرية لجماعة يسارية دون دولة. فهل هو تعبير ضمني عن فشل القوميين العرب بتحقيق أول مبدأ لهم وهو الوحدة العربية، والعمل على ضمان استقرار أنظمة التجزئة دون التخلي عن خطاب الوحدة؟؟. قد تكون الإجابة بسيطة، ولكن إذا استعملنا لغة الحضارة وليس لغة الثقافة. فالتخلف الحضاري يعني حتما سقوط الثقافة وتقصيرها عن تقديم حل ملموس لأزمات الواقع الفاسد. ومهما كان الأمر عملت الحداثة على تخطي صيغة الواقع الراهن بنقطتين.

الأولى ليبرالية وتضع الأساس لتصورات عن مجتمع متعدد الأقطاب ومتدرج.

الثانية سائلة وتركز على وظائف الأدوات وليس على تسميتها وتعريفها. وذلك لمصلحة هوية كوزموبوليتانية وهجينة. وهو ما يدخل في نطاق دراسات ما بعد الكولونيالية، ويغلب على هذا السيناريو (بتعبير مانيشا شاه - من الهند) الامتثال لمتطلبات العولمة وتعدد الثقافات أو بتعبير مباشر عبور الخطاب للحدود التي تضعها الأمة وثقافتها(3). والهدف الجوهري لمثل هذا الاتجاه هو دمج الأقليات بالدولة (والمثال على ذلك الأمازيغ والسريان والأكراد). وما نسجله من اضطرابات مؤخرا تهدد سلامة مؤسسات الدولة في منطقة الربيع العربي نتيجة مباشرة لفشل ترجمة هذا الخطاب. وإذا علمنا أنه كان للمثقفين نصيب في حرب لبنان الأهلية (شارك سعدي يوسف ومحمود درويش وأمجد ناصر وإلياس خوري وسليم بركات فعليا بحرب المخيمات)، وهم من تبعيات وطنية مختلفة تشمل سوريا وفلسطين والعراق ولبنان، نكون أمام أول دليل على خلل اجتماعي بمفهوم الهوية، وعلى عدم الاتفاق على معنى واحد لحدود المواطنة. ناهيك عن غموض الشخصية العربي وعدم تبلور ولاءاته. وإن كان الإجماع ينصب على حماية الفلسطينيين المهجرين أصلا من بلادهم، أصبحت المشكلة هي بالاتفاق على تكتيك استراتيجي لإزالة السبب: وهو الوضع المقلق حول أراضي 1948 وأراضي 1967. وكان الأجدى بالوطنيين العرب واليسار الدولي أن يحلوا جذور المشكلة وليس تفريعاتها. وهو ما يعكس الموقف التبريري وأمراض الحداثة السائلة. لقد تحولت حروب تحرير الوعي إلى مجموعة من الفتن الاقليمية، وبرعاية من النظام العالمي الجديد. وما يدعو للسخرية أن نسمع أن تحرير فلسطين يجب أن يمر من إسقاط بعض الأنظمة العربية. وسبق أن سمعنا بدعوات مماثلة في الثمانينات حينما اختلف المثقفون العرب على كامب دافيد، ثم المثقفون الفلسطينيون على اتفاقات أوسلو، وحاليا نشهد صراعا داميا على جدوى الربيع العربي دون أي اتفاق على أجندا لما بعد غبار المعركة. و الاتكال على الديمقراطية الغربية لا يبدو بمكانه.

أولا لأن الغرب لم يسعف المجتمعات المحلية بتجاوز محنتها بعد التغيير.

وثانيا لعدم وجود ضمانات بسلامة المقترعين. والحقيقة أن كل المعنيين بالتغيير هم عرضة للمحاسبة على يد الميليشيات المحلية التي تتحكم بمصائرهم والتي تمر بمرحلة تحفز وليس تفكيك واندماج.

ولتحديد محاور هذه الإشكالية تقدم الباحثة وصفا لأهم أشكال السلطة (على أساس دولي - وليس عربي تحديدا) وتحصرها في ثلاثة وهي: الثيوقراطية، والليبرالية الديمقراطية، والشمولية. ص 32 - 35. ومن المؤكد أنها متابعة علمية ولكن يصعب عدم التعرف على تفريعات لها. وبالأخص في العالم الثالث، حيث تتجاور المجتمعات، وتتحول الدولة لمجموعة جيوب متداخلة ضمن إطار شمولي غائب عن الوعي وبحالة تخدير، وتغلب عليه النزعات التبريرية ومصالح بعض الفئات. ناهيك عن وجود مجتمعات خارج القانون والرقابة، وتعيش بشكل غيتوات (عشائر وعوائل - وشبكات مافيا في الدول العربية التي تعتمد على السياحة). وهنا يتطور نظام عنكبوتي لا خطي يتحكم بمفاصل حساسة في بعض المواسم. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الأعياد وبعض العطل الدينية أو الوطنية (مثل الاحتفال بعيد القائد المؤسس أو عيد المولد النبوي ومستهل التقويم القمري - يعتمد على حادثة رمزية وهي هجرة الرسول من مكة إلى يثرب وما رافقها من أساطير وخرافات تسعد أوجاع شريحة شعبية مقهورة وخاضعة لوعد مؤجل بالعدل الإلهي). ومثل هذه المناسبات بالأصل غير مدعومة من السلطات، ولها مفاتيحها ضمن هرم النظام، ويشرف عليها منتفعون لا يشتركون بقرار سيادي على الإطلاق، ولكن لهم وظيفة تشبه دور أي شرطي في أي مخفر على الحدود. والحدود بهذا المعنى ليست سياسية ولكن إيديولوجية وتقسم المجتمع من الداخل وترسم صدوعا عميقة تدل على ضعف بنية التخلف أو على بنية تابع لمتبوع (وحتى لا نتورط بتحسسات معينة أشير لأزمة النمور الآسيوية المعروفة - وتاليا لمشكلة الإقتصاد الإسلامي في طور ما بعد الحداثة أو طور تزوير الصعود القومي الإقليمي بغلاف ديني ساذج وتبريري).

وكنت أتمنى لو تدعم الباحثة هذا الفصل بإضافات عن الواقع المشوه لما قبل السقوط، وعن تشرذم السلطة في واقع ما بعد السقوط، ودور الولاء للسياسات الإقليمية ضمن غشاء مطاطي لحدود بلاستيكية. وتوجد عدة أعمال رؤيوية تناولت هذا الواقع المؤسف ومنها (القلادة) لحميد العقابي و(مكان اسمه كميت) لنجم والي. ولا أنسى (ملوك الرمال) لعلي بدر. وكل هذه النماذج نظرت للسلطة وهي تتخبط في شبكة من الادعاءات المزيفة عن تاريخ اجتماعي ليس له وجود، وللتغطية على حقائق تاريخية سوف تتسبب للدولة بأزمة حادة تقودها لتزوير وعيها المعرفي والسياسي. وكانت هذه النماذج تؤكد على إفلاس النظام وتجريف السلطة للمجتمع، وتحويله من دولة مستقلة إلى دويلات. وقد سبق للمصري جمال الغيطاني أن نبه لهذه المشكلة في قصص متسلسلة نشرها في الثمانينات بعنوان (ذكر ما جرى)، وأعاد تناول المشكلة لاحقا بعنوان (حكايا المؤسسة)، وأشار بما لا يترك مجالا للشك أن المؤسسة أصبحت عبارة عن حجرات تفصل بينها جدران وأبواب. ولكل حجرة عقل مدبر. والعامل المشترك المتبقي هو المصعد وحاجب المصعد. وكلاهما تحول لمعبر - أو جهاز توصيل ورقابة. وربما تقاطع بهذه الرؤية مع “ذئب البوادي) لهيرمان هيسة، فقد نظر لألمانيا النازية كما لو أنها متاهة متشعبة كل سرداب فيها يعبر عن نموذج منفصل عن ذاته. ورأى أن إدارة الذات بهذه الطريقة عرض المجتمع لرهاب خصاء وتعطيل. وأهم ما يلفت الانتباه هو طريقة ربط الغيطاني وهيسة للشخصيات مع المكان. في حالة الغيطاني يتكامل المصعد مع الحاجب أو الدولة مع رمزها الوحيد. ولكن في حالة هيسة يوزع البطل ذاته على عدة شخصيات وعدة أمكنة، لكل منها صوت يعبر عن نموذج من اتجاهات الضياع والتشرذم قبل الوصول لذروة التراجيديا وهو دفن الروح والإبقاء على الأعراض المادية للمجتمع النازي.

ومن هذه النقطة يبدأ موضوع الكتاب الأساسي، وهو علاقة المثقف بالسلطة، وتراوح ذلك بين التبعية المطلقة والمعارضة المطلقة. ولكن طرأت مراحل تطور خلالها المفهوم من خضوع المثقف للسلطة الدينية حتى بلغ مرتبة مستقلة عن جميع السلطات. وتعتقد الباحثة أن أول مؤشر لهذا المنعطف التنويري الهام هو قضية درايفوس الضابط اليهودي، ودفاع زولا عنه بمقالة معروفة نشرها تحت عنوان “إني اتهم” ص40.

و ربما يجدر بنا في هذا السياق الإشارة لغموض معنى المثقف في المجتمع الإغريقي ولاحقا في بدايات الدولة الإسلامية وحتى سقوط العثمانيين. فالإغريق وضعوا الثقافة تحت بند الفلسفة. والفيلسوف بالنسبة إليهم هو العقل المنوط به مهام التفكير وتلقين المعرفة. ويمكن أن تجد مثل هذه الحالة في عصر التنوير في أوروبا، فقد كان الفيسلوف مفكرا وعالما، مثل ديكارت كان عالما بالميكانيك والرياضيات. وغاليلو كان عالما بالفلك والرياضيات. ودافنشي (من عصر النهضة) كان فنانا ومهندس ميكانيك وخبير متفجرات وفيزيائيا. وينفرد المثقف في فجر الإسلام بدور مزدوج: تربوي ومهني. ولا يوجد فصل في الإسلام بين العلوم الشرعية والعملية. ولذلك صنف المجتمع في واحد من اثنين: 1-عالم (مؤمن يفهم بأصول الدين - والدين هو الشريعة التي تشمل بعطفها ورعايتها كل ما عداها من أمور دنيوية أيضا - ومنها الطبابة والانتاج الزراعي والصناعي). بتعبير آخر لا يوجد شيء خارج المشيئة الإلهية التي ندرسها عن طريق التشريعات والفقه. 2- جاهل (وهو اللاديني).

ومثل هذه الحالة الخاصة صعبت شروط الحياة على المثقف، ووضعته تحت رحمة السلطة الزمانية والروحية للحاكم. ونظرا لظروف التخلف، والعناد الثقافي التي تتميز به الطبقة المتوسطة الناقمة على ضعف مكاسبها في الوضع السياسي الحالي، استمر التفكير الميتافيزيائي جنبا إلى جنب مع الحلول غير الواقعية ولا التاريخية. وبرر هذا الاتجاه بعض الأفكار المعروفة باسم الباراسايكولوجي والتي تهتم بالخوارق أو بالهامش الضيق من الاستثناءات التي لا يخلو منها بنك معلومات. وتحول الخيال العلمي لحل وسطي ناجع وتبريري، يختار الإبرة من وسط كومة التراب، وينسى كل ما حولها.

وأكثر ما يدهشني بهذا السياق هجوم أنصاف المحافظين على الشعر النثري بحجة أن النص إما يكون شعرا أو نثرا (وكأنهم يتبعون مبدأ الثالث المرفوع). وتناسوا المشكلة الحقيقية التي ينطوي عليها الخيال العلمي، وهو أنه مثل جزء هام من ثقافة الوحي، له دور رمزي وتجسيدي، ولا يعنى بالحقيقة المباشرة والمجردة فعلا.

الإحراج الآخر الذي واجه المثقف العربي كان في محور المقاومة. فقد وقع هذا المحور تحت سلطة الأمر الواقع، واختار مماشاة السلطات العربية - لتنادي بمبدأ التحرير. ويوجد هنا أكثر من التباس واحد، وبالأخص إذا نظرت لواقع الشرق الأوسط بمنظار شامل. فشعار تحرير فلسطين تبدل بعد أوسلو. بمعنى أن الخطاب انتقل من مبدأ المقاومة السملحة لمبدأ حوار الطرشان، وهو ما يؤكد عليه إبراهيم الحصري في دراسته الأخيرة عن عدم جدوى الحوار في ظل دولة محتلة (4). وبهذا الاتجاه ينظر للنشيد الوطني الإسرائيلي الذي يشجع على تجاهل الآخر الفلسطيني، مع أنه شريك بالحوار المتخيل عن مستقبل يخلو من الصراع والمعارك. ويسأل نفسه ما جدوى الحوار مع طرف لا يتكلم إلا مع نفسه، وينشر ثقافة الكراهية لدرجة تنظيف الآخر - تطهير أرض الميعاد منه؟؟!. والإصرار على النظر لغير اليهود أنهم أغيار يبذر بذور سياسة اللون الواحد، ويبرر منطق مؤسف تماما وهو انتقام الضحية من ضحية مثلها.

وتغتنم الباحثة هذا السياق لتستعرض أطروحات متعارضة عن موقف المثقف العربي من أنظمته، وتجملها في خاتمة موجزة باتجاهين.

الأول متطرف إما يقبل سلطة الساتقلال على علاتها، أو يشكك بها ويجردها من المشروعية تماما. والثاني توفيقي ويدعو لسن القوانين المحددة للعلاقة بين الطرفين. ص55. غير أنها لا تشير ولو بكلمة واحدة لموضع المثقف، هل نشاطه من الخارج أو من وراء جدار حماية؟. فبعض المثقفين لديهم حصانة لعدة أسباب، منها الصداقات وعلاقات القرابة. أم أن نشاطه من داخل ميدان المعركة ومن وراء القضبان؟.

كذلك لم تتوقف عند أوهام السلطة وأوهام المثقف. فالخطاب يتطور عند الاثنين في كثير من الحالات بمعزل عن الواقع السياسي والاجتماعي. وأحيانا تعلن السلطة عن أجندا تعلم سلفا أنها فوق إمكانياتها (مثل تحرير فلسطين - أو تحقيق مبدأ الوحدة العربية الشاملة). وبالمقابل يضع المثقف نفسه في بالونات منفوخة بالهواء حينما يتكلم عن تحديث المؤسسة، أو حينما يتباهى بالتصدي لأمريكا وأوروبا الغربية (نصف الشرقية أصبحت تأمل بالعبور للغرب - تذكر أزمة أوكرانيا عام 2022 مع روسيا. وأزمة تايوان بنفس الوقت مع الصين). أو حين ينادي بديمقراطية دستورية. ولكن مع تطبيق الشريعة.

و حتى الأعمى يستطيع أن يلاحظ أن الديمقراطية مبدأ إغريقي غربي طوره غرب العالم ليضمن العدالة والمساواة قدر الإمكان لأفراد يرعاهم النظام النفعي الاستعماري. لكنه لا يتأقلم مع نظام الشورى الانتقائي. ولا يغيب عن ذهن أحد أن نشوء الدولة الإسلامية كان مبنيا على التلويح بالسيف في اجتماع طارئ حضره مثقفون - ووجهاء لا يزيد عددهم على أصابع اليدين، ويشتركون بعامل (النسب والشرف) أو عامل ارستقراطية العصبية والدم (كما يقول الباحث الإسلامي ماجد الغرباوي). ويذهب سيد القمني لما هو أبعد من ذلك حينما يعتقد أن الاجتماع كان مخصصا لمحاصرة الحزب الهاشمي وإضعافه، ولتصفية حسابات بين الهاشميين (ربع قريش) وبني عبد شمس (حلفاء بني عبد الدار وقبيلة الأوس في يثرب وذرية نوفل من ورائهم). ص90.(5).

***

وبالعودة للعلاقة المباشرة بين الثقافة والسلطة، تؤكد الباحثة أن الحكم العثماني شجع على الثقافة الدينية وأعفاها من رقابته الصارمة، بينما خنق التفكير الليبرالي في مضمار المجتمع والسياسة. ولهذا السبب لم يدخل العراق في مرحلة تحديث العقل الوطني إلا بعد تلاشي كابوس العثمانيين. وإن كانت الباحثة ترى مع عناد الكبيسي أن عزلة العراق كانت ترعاها عوامل جغرافية (بسبب وجوده بين فكي كماشة - الأتراك وإيران)، وعوامل اجتماعية (نظام الحياة العشائري والبدوي) ص125. وبدخول الاحتلال الإنكليزي وما رافقه من نهب وتخريب لرموز السلطات السابقة ظهرت الطبقة الوسطى وانحسر احتكار الكتاتيب الدينية للثقافة، وجرى الانتقال لمرحلة من الإصلاحات “الباردة والشكلية” ص125. غير أنها كانت كافية للاطلاع على مدارس التفكير الحديثة (الروسية التي ترى أن الثقافة بخدمة الحياة، والغربية التي تعتقد أن الثقافة نظام قائم بحد ذاته ولا يخدم إلا نفسه). وبنتيجة هذا السجال سقطت الحواجز بين الموظف والضابط والمثقف، وأصبح الثلاثة من رواد المقاهي وقراء الصحف. ص139. لكن هذا لا يعفينا من ملاحظة فارق هام، أن المثقف كاتب والموظف والعسكري قارئ.

و إن تداخلت الصفات أحيانا، هذا لا يعفينا من ملاحظة أهم، أن الثقافة كانت أحيانا بنظر الإدارة تهمة تصل لدرجة الجناية والتخوين وتقود لحبل المشنقة، كما فعل الأتراك برموز الثقافة العربية. و مهما كان الأمر ساعد انتشار الليبرالية الغربية على توسيع حصة المثاقفة، وفتح الأبواب المغلقة على العقل الصناعي الحديث، وتعميق الجانب الرؤيوي على حساب الجانب الانطباعي أو التعبيري، ولا سيما في الشعر.. ديوان العرب. وفي خاتمة المطاف ظهرت ثلاثة أنماط من المثقفين هم: المثقف العضوي، والتقني، والثوري. أو مثقف غرامشي وسارتر وفانون. ص141. وهم جميعا فئة متجانسة منسلخة عن طبقتها الاجتماعية. بتعبير آخر لم تلعب الأصول الطبقية أي دور حيوي في تحديد اتجاه هذا الفرز. ولسبب بسيط، أن التعليم تكفل بإلغاء العواطف الاجتماعية المسبقة، وقرب بين العواطف المكتسبة. ص142. وبتعبير آخر تكفلت التربية الحديثة بتشكيل فئة من المتعلمين، بعضهم كان مؤهلا لحمل وظيفة تبشيرية تأخذ على عاتقها هم وظيفة اجتماعية وسياسية (أو معرفية)، ولكن خارج البنية الطبقية المعقدة لدولة المدينة ودولة القبيلة (تستعير الباحثة من حنا بطاطو اسم اتحاد القبيلة). ص 143. وإذا تعهدت هذه البنيات الإدارية بتقسيم المجتمع فقد تعهد المثقفون بتوحيده وترميم الفراغات والجيوب العازلة. وقد مهدت الثقافة لتشكيل كتلة وطنية اندمج بها أبناء كبار الموظفين مع أبناء التجار. ص148 أو ما يسميه إيليا حريق باسم الذوات ص151. وقد حل محلهم في نهاية العهد الملكي أبناء الطبقة المتوسطة وأهل الكفاية. ص151. وكان منهم نوري السعيد الذي قالت عنه المسز بيل: إنه شخصية لها قوة طاغية (بمعنى كاريزما). ص159.

عموما كان صراع الثقافات تعبيرا مشروعا عن صراع بين الأجيال، ولذلك لعبت السياسة دورا في شهرة الجواهري والرصافي والزهاوي، بينما لعبت الرؤية الفنية دورا في شهرة السياب والبياتي. وعلى الأغلب بقي الشعر بعيدا عن الشارع، ومحصورا بفئة من أفراد المجتمع. ودور الشعر الكلاسيكي في التعبئة لا يأتي من سهولته أو مباشرته، وإنما من القافية والبحور المألوفة. بتعبير آخر كان الإيقاع هو الذي يغلب وليس الصور ولا التراكيب.

ولايغيب عن الذهن في هذا السياق دور الاحتلال الإنكليزي بتعويم فكرة العروبة للحد من العاطفة الدينية وإلغاء آخر بؤرة للعثمانيين. وكما أنه لأي حكومة أجنبية دور تخريبي بخصوص الهوية الوطنية، فهي تشجع أيضا على بروز الشخصيات والرموز المحلية. ومن حيث لا تدري تساعد على تسريب فكر الحداثة - إلغاء السابق والتعجيل باللاحق. وهذا بالضبط ما فعلته حملة نابليون على مصر. وأصلا إن هبوب رياح الليبرالية والديمقراطية على العراق كان نتيجة مباشرة للانتداب. ومثله تسهيل دخول نشاط المجتمع المدني في سوريا في ظل الاحتلال الفرنسي. وإن اعتبرنا أن نشوء الأنواع الفنية الحديثة هو المعيار، نلاحظ أن الدراما لم تظهر في المشرق العربي إلا بعد اتفاقية سايكس بيكو والانفتاح على الغرب. ورافق ذلك حركة إصلاح نادت بتحرير المرأة وخروجها من المطبخ للحياة العامة والصالونات. وأعقبها ظاهرتان.

الأولى هي بداية انتشار فكرة لقاء الحضارات وتجريم أخلاق الغرب.

الثانية هي زيادة مساحة البنية التحتية مثل المدارس والمحاكم والأبنية الكولونيالية ووسائل المواصلات الآلية. وقد خدمت هذه المكاسب الجانب الريؤوي، لذلك غلب المجاز على النتاج الثقافي، وانتهى عصر الخطابة، ودخلنا بعصر القراءة. وهو ما مهد لتأسيس خطاب ذاتي يحاور نفسه دراميا. وتجد ذلك في أي صفحة من صفحات رواية “زينب” لهيكل أو “نهم” لشكيب الجابري. ويصدق ذات الكلام على رواية “كتاب خالد” لأمين الريحاني. فقد كانت تشبه مونولوجا فلسفيا طويلا يفكر به الكاتب بصوت مسموع، ويعلن عن ولادة إنسان غريب عن نفسه وعن طبيعته، ويعاني من التمزق ومن آلام المخاض.

ولكن لمن ينتمي هذا النموذج؟. يصعب أن تجد إجابة جازمة كما تقول الباحثة الجورجية نينو سورمافا (6). ولا سيما في ظل هوية ممزقة تدين بالولاء لأرض تحت ظل الاحتلال، ولثقافة غير كاملة وتخضع لتصورات ونزاعات لم يحسمها أحد. وأول دليل على غموض المعايير أن الحزب الحر العراقي تأسس بإيعاز من المندوب السامي البريطاني، برئاسة محمود النقيب الذي جعل همه تأييد سلطة الانتداب. ولم يضم حزبه غير نخبة من أبناء العشائر الذين انتسبوا له بالإكراه. ص265. وللأسف سقط في هذا الفخ كبار المثقفين الكلاسيكيين أمثال الشاعر الزهاوي بحجة دعم سياسة الإصلاح. وغني عن الذكر أن الإصلاح سيكون لخدمة مصالح الاحتلال، وليس لنهضة المجتمع أو الوطن العراقي. وبضوء هذه الحقيقة تكون تركيا قد كسبت معركتها ضد التخلف والعراق خسر معركته في بناء هوية وطنية. ولا يوجد أي شك بهذه النتيجة، فدخول بريطانيا للعراق وضع حدا لولادة الدولة العربية التي وعد مكماهون الشريف حسين بها. وإذا نجا محمود أحمد السيد من هذه اللعبة فذلك بفضل عدم تورطه بالتجاذبات ومراكز القوى، وبوضع حاجز بينه وبينم ثقافة المحتل. وكما تقول الباحثة كان خطه يمثل مقاومة فنية وتاريخية استفادت من رموز الثقافة الروسية المناهضة للإنكليز والأتراك، ومن أفضل ما وصل له الفكر الفرنسي (ممثلا بزولا رمز الثقافة الطبيعية). ص 269. وقاد هذا التوجه لنشوء حلقات الأفكار الجديدة التي تخللها أطياف ماركسية. وتوسعت لاحقا بجهود محمد سليم فتاح ومصطفى علي وعلي عوني وبكر صدقي وعبدالله جادو. ص 269 وكان لسان حال هذه الزمرة من الطليعة المثقفة جريدة “الصحيفة” التي كافحت في سبيل البقاء لعامين (1924 - 25) وعدة أسابيع من عام 1927. ومن بين موضعاتها الأساسية: الحرية والمرأة والتنوير. وبعد إجبارها على الصمت تحولت إلى تجمع صالونات باسم نادي “التضامن”. وأصبح لها نشاط سياسي. ص 269. و تابعت هذه المسيرة جماعة “الأهالي” وكانت تجمعا للطلبة. وذلك بقيادة حسين جميل العائد من سوريا عام 1931 والحامل لشهادة بالقانون (الحقوق بالمصطلح الدارج في سوريا - الفرانكوفونية).ص 270.

وأستطيع أن ألاحظ بصمات أصابع الفرانكوفونية بهذا الخصوص. فثورات الطلاب في باريس كانت موجودة حتى في أحداث تيانامين سكوير - ساحة تيان مين - وكانت مؤشرا على انفتاح الصين على مجتمعاتها في الداخل وعلى نشاط السوق في الخارج. وبنتيجة ذلك ارتفع متوسط دخل الفرد من 100 دولار إلى ما يعادل 1000 دولار.

وتنهي رهبة الأسودي بحثها بالملاحظات التالية.

1- استسلام المثقفين للعسكر.

2- انقسام المجتمع لفئة موالية للسلطة تحصر همها بالوصول لمناصب رفيعة. وفئة ساخطة تنادي بالإصلاح الاجتماعي لعدم إمكانية المطالبة بإصلاح النظام.

3- فشل الإصلاحيين بسبب عدم تجاوب عامة الشعب معهم ولعدم نضجهم الفكري ولا سيما أنهم خرجوا للتو من المعطف العثماني. ص 385. ومن الطبيعي أن فشل الانفتاح والتثوير المحدود والمشروط في العراق لا يعني بالضورة فشله في تركيا. وصعود حركات التنمية تحت ظل المحافظين الجدد من تجار السنة المتأسلمين في تركيا دليل أن مكانهم محدود بهضبة الأناضول وبعض الامتدادات الضيقة. وهذا لا يختلف عن علاقة بريطانيا بأمريكا. فالجمهورية الديمقراطية انسجمت مع الملكية الدستورية لأسباب تاريخية منها الحروب الأهلية التي تمخضت بالنتيجة عن انتصار البروتستانت الأنغلو ساكسون واستقرار السلطة بين أيديهم.

4- غياب المثقف الخبير (التكنوقراط) واقتصار النشاط على المثقف الوطني والقومي. وتغليب الجانب السياسي على النواحي المهنية والفنية.

5- لم تكن العلاقة ثابتة و مرت بمراحل هي: تعددية 1921 - 1933. نهضة مضطربة 1933 - 1946. راديكالية 1946 - 1958 و من بين أهم وجوه المرحلة الأخيرة السياب وغائب طعمة فرمان.

6- والأسوأ عدم توفر خطة واضحة ومنهجية لما بعد التغيير.

وأعتقد أن التاريخ يكرر نفسه. فبعد السقوط عام 2003 دخلت الجماعات الانقلابية بنزاعات فيما بينها ومهدت الطريق لعدة دول - ميلشيات - كومونات - داخل إطار دولة واحدة جامعة. وكانت المناصب فيها محدودة بتأثيرها ضمن حدود نطاقها الحيوي على غرار ما جرى في لبنان وما يجري في سوريا في الوقت الراهن والذي أخذ عدة مسميات أبرزها اسم الدولة المفيدة، وهي بقايا يمكن للنظام أن يتحرك فيها بموجب أعراف ومواثيق غير مكتوبة.

 

.......................

هوامش:

1- المثقف والسلطة في العراق 1921 - 1958: دراسة اجتماعية سياسية. رهبة أسودي حسين. ط1 - 2013. بغداد. دار الشؤون الثقافية العامة. 416 ص. و أرقام الصفحات تشير لهذه الطبعة إلا إذا ورد غير ذلك.

2- أصول الرواية، مارثا روبير.

3-

cultural Hybridity: A Postcolonial Concept. Dr. Manisha Shah. IJELLH. V4. Issue 12. 2016.

4-

The myth ofdialogue under occupation: Plestine as a case in point. Ibrahim A. El-Hussari.

Lebanese American University. Beirut, Lebanon. personal communication.

5- الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية. مدبولي الصغير. القاهرة. 1996.

6-

Mahjar literature and conceptualization of East and West. Nino Surmava. Georgia, Tbilisi. Ivane Javakhishvili Tbilisi State University. personal communication.

 

كاظم الموسويطبع هذا الكتاب ببيروت في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1953. وهذا هو عنوانه الرئيسي؛ هذا هو العراق، وعنوانه الفرعي تحته؛ آراء في السياسة والمعارضة والاحزاب وحقائق عن المجتمع العراقي والشبان مع الفتيان. والنسخة التي اقرأ فيها مصورة منه ومن محتويات مكتبة الجامعة الامريكية ببيروت. (كما هو في الختم عليها) وعلى غلافها الاول رسوم لوجوه بشرية لمختلف الاعمار والاجناس، وقافلة وجامع وعنوان الكتاب، واسم المؤلف/ بقلم عبد الكريم ابو التمن. وهذا يعني ان الكتاب صدر قبل ما يقارب سبعة عقود من الزمن، وقد مر زمان عليه، فلماذا العودة والقراءة فيه؟!. لعل الجواب في السطور التالية. فرغم ان الحصول عليه صدفة ولا اعرف الكاتب وهل له مؤلفات اخرى، ام يكفيه ما اختار واصدر في زمانه وما بقي منه، وكأنه يقرأ ببصيرة ثاقبة، وحس وطني وقومي حريص يفتقد او يعز مثاله، سواء في زمنه او في ما بعده من عقود.

قدم له ثلاث شخصيات عراقية، ثقافية بارزة، روفائيل بطي وعبد الرزاق الحسني وصبيحة الشيخ داود. اختلفت اراء المقدمين في الكتاب، بين تقريض وابداء راي في محتوياته، واشادة ايجابية بطرح المؤلف وتوجهاته ومواقفه في الشؤون التي تناولها وعرض لها.

 فقد كتب روفائيل بطي تقديما نقديا، وطرحا يوازي ما احتواه الكتاب من اراء. "هذا كتاب ان دل على شيء فهو يدل بوضوح على دبيب الوعي في الشعب ، فقد كتبه شاب مارس التفكير، وزاول الارتياء، فابداها خواطر جرى بها قلمه، وحاول فيها ان يلفت نظر بني قومه الى حالتهم الحاضرة، وما يجب ان يكونوا عليه في مستقبل ايامهم، ليحافظوا على كيانهم، ويصمدوا في هذا الكفاح ويصونوا انفسهم من الفناء". واشار الى ان الكاتب شخص الغرب عدوا مباشرا، وان العدو "درس حقيقة وضعنا، وسبر مجتمعنا، وراقب اطوارنا، وعرف كنه الشخوص فينا، فحاربنا بسلاح ضعفنا، فكتبنا له الظفر بايدينا".  ووضح بان "احكام المؤلف مطلقة عامة، تقوم على الشعور اكثر مما تتضمن التعمق والتحليل، واخلاصه بادي القسمات بين السطور، واعظم ما يؤلمه هذا الفارق المحسوس بين القول والعمل في مجالي السياسة العراقية وتهرب المسؤولين من مجابهة الواقع والتصريح به". واختلف روفائيل بطي مع المؤلف في بعض ارائه، كاتبا انه يرجع مثلا علة ما نحن فيه الى نقص الثقافة، بينما شعوب اخرى اقل ثقافة منا، تحسنت حالها السياسية تحسنا لا يقبل القياس بما نحن عليه. فعلتنا اذن في الاخلاق السياسية اكثر مما في نقص التعليم، وهذه الاخلاق تتجلى في سلوك الذين تصدوا للزعامة وتصرفاتهم، فكانوا قدوة سيئة للجيل الجديد، واضاعوا الثقة بالمشتغلين بالشؤون العامة والسياسة على الاخص. واضاف ان ما يقال عن العراق يصح اطلاقه على العرب عامة وبخاصة الدول العربية التي ضمتها اخيرا جامعة الدول العربية. "فان وهن الاخلاق السياسية جعل من هذه المؤسسة الاقليمية ذات الاسم الرنان عنوان فشل للتفكير السياسي العربي". وناقش الكاتب مؤلف الكتاب في مسائل عديدة، مثل رايه في عدم نضج الراي العام، او الامراض السياسية التي دفعت الى تدهور الوضع. وفيها اشارات صريحة اشبه بتنبؤات واستشرافات ثبتت صحتها ، ليس في وقتها وحسب وانما في استمرارها حتى ايامنا الحاضرة.

كشف انه لم يعرف المؤلف قبل قراءة كتابه، "فاحببت فيه نزعته في تطلب الاصلاح ، وهمته في محاولة الجد في زمن هازل في حياتنا. وكتابه يمثله نفسه، وهو والكتاب يمثلان ما نحن فيه من وعي وتطلع الى حياة افضل".  خاتما تقديمه بما يعوز المجتمع من قوى بدونها لا نجاح له، هي برايه: الخلق الاجتماعي، والتفكير العلمي، والجراة المطلقة. ودعوته الى قراءة الكتاب والتفكير بجد في حقيقة بلادنا وشعبنا وافرادنا لنستكمل وعينا، وبه تنفتح امامنا صفحة جديدة من الحياة.

وما نشر بتوقيع عبد الرزاق الحسني، فهو، كما يبدو، مختصر مقدمة كتابه عن تاريخ العراق السياسي الحديث، الذي طبع بستة اجزاء وجمع بثلاثة مجلدات، وهو تعريف عن العراق، بما يحويه من كنوز تاريخية وتضاريس جغرافية ومكونات سكان، بمعلومات مكثفة عن كل موضوع منها، تاريخيا وجغرافيا وسياسيا واجتماعيا. الى ان قدم الكتاب بخاتمة تقديمه. " وقد قرات معظم هذه الاراء فوجدتها على جانب من السداد، وهو مجهود يحمد عليه، واقدام يذكر له بالاجلال والامتنان. والمؤلف هو سليل اسرة كريمة جاهدت كثيرا لاسعاد هذه البلاد وانتشال ابنائها من وهدة الامية والجهل، وانا من المعجبين كثيرا بآرائه الحرة ونقداته الصريحة".

اثنت الناشطة النسوية والمحامية البارزة صبيحة الشيخ داود على الكتاب وكاتبه. "والواقع ان منحى الكتاب يتصف بالجدة والطرافة وبالرغبة والاندفاع في تشخيص الادواء التي يعانيها مجتمع تشيع فيه مختلف التيارات وتبرز بين افراده مختلف الاتجاهات، ولا مشاحة في ان اغلب الآراء التي انطوت عليها فصول الكتاب استهدفت حلولا عملية لمعظم مشكلاتنا، سياسية كانت او اجتماعية".

ثم قدم المؤلف ايضا فاختصر ما كتبه بهموم وصور واقعية، "اسلوب هذا الكتاب قائم على اساس من الصراحة والايجاز، ويصور بعض نواح من حياة العراق خاصة والعرب عامة على حقيقتها من غير نقوش ولا " رتوش"!".

وبعد تقديمه قسم الكتاب الى عناوين بخط بارز، تعوّض عن تقسيمه الى ابواب وفصول. تضمن كل عنوان عددا من الاراء واللقطات والشذرات التي تدور في فلك العنوان، مع تطعيمها بمختارات معبرة مختصرة ومستلة من نصوص كتاب ومؤلفين مشهورين، ورسوم مستمدة من مضامينها.

فكان العنوان الاول, نحن العرب، والثاني, السياسة في العراق، والثالث, المعارضة والاحزاب في العراق، والرابع، الصحافة في العراق، والخامس، الشباب في العراق، والسادس، آراء في الحياة، والسابع، شخصيات من العراق، والثامن، الاخير،  قضايا عربية. وتحت كل عنوان عدد من الاراء والخواطر واللقطات التي تصب في اطاره وتعبر بلغة السهل الممتنع عن موقف او وجهة نظر نقدية او فكرة جديدة في مسار الموضوعات المختارة. ورغم قدمها زمنيا ونشرها في حينها الا انها تلامس عناوينها وموضوعاتها ما هو معاصر ومعاش في ازمان تالية وحتى ايامنا هذه زمنيا ودلالات ترقب واستشراف ورؤى قريبة لما يحدث الآن.

بدأ المؤلف كتابه عن حقوق العرب واهمية الراي العام في رقابة السلطات ووعي الشعب لدوره في الحياة العامة، والرد على تساؤل الغرب عن ان العرب عالة عليه، وضرورة ادراك واقع كنوز القدرات والطاقات العربية في بناء الوطن وسعادة الشعب. وتغنى بالوطن العربي بالم ما يلاقيه مواطنه من جفاء واهمال، مقارنا بما يحصل عليه المواطن في الغرب. "اما الوطن العربي فلا زال بعيدا عن امتلاك قلوب مواطنيه، ولا زال عاجزا عن غرس شعور الرضا والطمأنينة في نفوس ابنائه. ذلك لان المواطن العربي لا زال يلتفت الى وطنه فلا يجد فيه ذلك الاب الشفوق الذي يرفرف بجناح العطف والحنان عليه. والمواطن العربي لا زال يرنو الى وطنه فلا يرى فيه مجالا للعمل يعتاش منه بكرامة واطمئنان. والمواطن العربي لا زال ينظر الى وطنه فلا يأنس منه ملاذا يلجأ اليه اذا حلت به محنة او اصابته ملمة في هذه الحياة" (ص16).

صنّف المؤلف الساسة في العراق الى اربعة اصناف، كما كرر ذلك مع المعارضة، بعد ان دعاهم الى الاعتراف بالامر الواقع وعدم السكوت او الاستكانة وتضييع  الفرص. فكتب هناك اربع فئات من الساسة في العراق، رجال حافظوا على مبادئهم، سواء كانوا في الحكم او خارجه وترسموا في طريق حياتهم السياسية مبادئ ثابتة مستمدة من المصالح الوطنية.."انما المؤسف ان تاريخ العراق لم يسجل من افذاذ هؤلاء الرجال الا اقل القليل"( ص22). ورجال انفردوا بامتياز خاص واصبحوا لا يعترفون الا بسياستهم وسلطتهم... ورجال يعيشون على هامش الحياة السياسية وينتقلون من جانب الى اخر كلما لاح لهم منصب مغر!، والصنف الرابع هم الساسة الفاشلون وهم يملأون البلد في كل مكان! (هكذا ص22).

وواصل تعريف السياسيين في مقال اخر كاتبا امكانية تقسيمهم الى اربعة انواع ايضا، فمنهم، رجال تهمهم المصلحة العامة ويعرفون كيف يسعون الى تحقيق هذه المصلحة، ورجال تهمهم المصلحة العامة ولكنهم لا يعرفون كيف يسعون الى تحقيقها، ورجال تهمهم المصلحة الخاصة ولكنهم يحترمون الدستور والقوانين ويقيمون وزنا لاهمية الرأي العام. ورجال تهمهم المصلحة الخاصة وهم لا يحترمون الدستور ولا القوانين ولا يعيرون اهمية للراي العام!.

وعن الازمة الاقتصادية الخانقة راى انها تكمن في سببين رئيسين، " اولا لان البلاد لا زالت غير متملكة بعد لمنابع ثرواتها باعتبارها - او هكذا يشاء الاستعمار ان يقول- انها لم تتملك القدرة بعد على استثمار هذه الموارد بنفسها. وثانيا لان الحكومات المتعاقبة قد ارتكبت وما تزال ترتكب معصيتها الكبرى، ذلك انها لم تعترف بعد او لم تأبه بعد بهذا الفراغ الهائل من البطالة وكساد وقت الفرد العراقي الذي يمضي عليه هباء ويفنى على غير طائل" (ص24).

تحت عنوان الطائفية كتب عنها كظاهرة اجتماعية خطيرة لم ينج منها مجتمع وتنمو وتصبح خطيرة اذا اصطبغت بصبغة سياسية وراحت كل طائفة تنافس نظيراتها في القوة واسباب الحياة، وخلص الى ان الطائفية "سلاح من خيرة اسلحة العدو التي يتوسل بها التحطيم والانتقام من الخصوم" (ص29). واستمر في عرض ارائه عن الاوضاع العامة في العراق، عن الزعامة المفقودة، والروح الاقطاعية، وشيوع البطالة بين الشباب، والتطبيل والتزمير، والوعود والمزايدة في الوطنية، وعناوين اخرى.وتطرق الى غاية الاصلاح ورجاله، فاكد ان "بعض رجال الاصلاح بحاجة الى ان يصلحوا ما بانفسهم قبل ان يخوضوا غمار معركة الاصلاح, لقد كشفت معاملاتهم  مع ذوي العلاقة واهل القربى معهم انهم يحملون عقلية لا تختلف بجوهرها عن عقلية الاستعمار الذي يقولون انهم كرسوا حياتهم لكفاحه..."( ص39).

ماساة فلسطين، عنوان مقال للكاتب، (ص117)، سجل فيه رايه، "اكبر كارثة حلت بتاريخ العرب الحديث هي مأساة فلسطين. لقد ضلل زعماء العرب شعبهم بما ادلوه من تصريحات واستعدادات وظلوا يموهون عليه الحقائق حتى اختفت فلسطين من خارطة العرب او كادت. وراح اهل الغرب يتناقلون حقائق اوضاع العرب ويتندرون على تردي احوالهم في ديارهم ويعيبون عليهم انصرافهم عن التعاون والتآزر وتبادل الاخلاص (ص118). واعاد الكتابة عن قضية فلسطين في مقالات اخرى، تحت العنوان، قضايا عربية. تناول فيه وقائع حال العرب واساليب الهيمنة الاستعمارية المعيقة لنهضتهم وتطورهم ودعوة الحكام العرب الى تغليب العقل على العاطفة في اعمار الوطن واستثمار خيراته، واضاف عنوانا بارزا وضعه حلا مجربا لما تمر به الامة العربية من ازمات، هو: الاتحاد طريق العرب الوحيد للحياة. كتب فيه: ان الامة العربية تواجه اليوم ظروفا على أشد ما تكون حلكة، وتجابه صراعا على اخطر ما يكون شدة. وليس امام الشعب العربي مجال الاختيار في اية سبيل يسلك، اذ ليس هناك سبيل امامه يقوده الى الظفر سوى طريق الاتحاد. فباجتماع كلمة العرب وتكتلهم على صعيد واحد، وبتعزيز قواه واتحادها على نسق واحد، وبالابتعاد عن التنابذ، وجمع القلوب لتحقيق هدف واحد سوف يرغمون العالم ارغاما الى الانتباه اليهم ويدفعونه دفعا الى تقدير قيمتهم وخطورة اهميتهم في هذه الحياة. (ص ص146-147). وشخص في مقالاته الاخرى العدو المباشر للامة، وهو الاستعمار البريطاني وسياساته في المنطقة العربية، وزرعه للكيان الاسرائيلي فيها لاستمرار الهيمنة عليها وتفريق شعبها وبلدانها. ولخص رايه هذا واستشرافاته في مقاله الاخير في الكتاب، الذي وضع عنوانه هكذا: العرب وبريطانيا واسرائيل، داعيا الى الانتباه من مكر وغدر والتواء السياسة البريطانية، وتحريك الكيان، اداتها في تهديد الدول العربية من وقت لاخر كل دولة على حدة وانفراد. "وهل تهديد اسرائيل لسوريا يوما وللاردن ولبنان آخر إلا نموذجا لتحقيق تلك السياسة التي سيتبعونها على نطاق أوسع واخطر عندما يجد الجد عند العرب وتصبح مطالبهم في استرداد حريتهم وحقوقهم مطلب العمل والتحقيق"! (ص159).

كل ما سبق من نصوص كتبت ونشرت قبل سبعة عقود من الزمن، واخر سطر فيها، "فلكل اذن عربية وهبها الله حاسة السمع ان تسمع.. وان تعي ما تسمع.." فكيف اذا اضيف لحاملها هبات ان يقرأ ويرى ويعرف؟!.

 

كاظم الموسوي

 

محمود محمد عليكما يعرض مارك كورتيس دور بريطانيا القيادي والباقي في التآمر مع من يصفهم الكاتب "بالمتأسلمين"، ثم تحولها إلى "جزمة" – كما يقول – في رجل الأمريكيين، تقوم بالأعمال القذرة التي يأنف الآخرون القيام بها (37).

ويضرب مارك كورتيس أمثلة للرياء البريطاني، أشهرها "إسراف" السيدة تاتشر في التزلف للسعودية التي أصبحت بريطانيا معتمدة عليها اقتصادياً، وإفراطها في الحديث عن "عظمة الملك فهد وحكمته"، وبعد نظر الحكومة السعودية في مناسبات كثيرة، وكذلك حديثها عن "بعد نظر وروعة" محمد ضياء الحق رئيس باكستان، والمحرك الأول بجانب السعودية، لما يصفه الكاتب بالإرهاب العالمي، كذلك حديثها عن بعد نظر الشاه وخبرته التي لا تبارى. وعلى ذلك، ففي جنازته في القاهرة أرسلت أمريكا ريتشارد نيكسون للمشاركة، وأرسلت فرنسا سفيراً واكتفت بريطانيا بموظف في السفارة (38).

ويبرز مارك كورتيس دور أمريكا وتابعتها بريطانيا في تأييد الدكتاتور (ضياء وسوهارتو والشاه وغيرهم) والملك (آل سعود وحسين وقابوس) وآية الله (الملالي في انقلاب 1953 ثم الخميني قبل أن تنقلب عليه، وكذلك ملالي طالبان قبل أن توليهم ظهرها لرفضهم توقيع عقد نفط مع شركة أمريكية). وقد أجبر الأمريكيون السعوديين على تمويل سلسلة من حروبهم ليس فقط في أفغانستان، بل في أنجولا وزائير وتشاد والفلبين وبلدان رابطة الدول المستقلة، بل ودفع السعوديون مليوني دولار لوكالة المخابرات المركزية للحيلولة دون نجاح الحزب الشيوعي الإيطالي. كذلك مول السعوديون مؤامرة في لبنان دبرتها أمريكا وشاركت فيها بريطانيا لاغتيال محمد حسن فضل زعيم حزب الله وقتل فيها 80 شخصاً وجرح 400، ومع ذلك نجا فضل الله، واضطرت السعودية لدفع مليوني دولار له ليكف عن مهاجمة أمريكا. وقد أورد الكتاب أن السعودية وأمريكا دفع كل منهما 3 مليارات دولار للحرب على أفغانستان، وأن حكمتيار وحده حصل منها على 600 مليون دولار وحصلت القاعدة على 300 مليون دولار، وقد جندت مخابرات أمريكا كثيرين من قادة المتأسلمين، منهم سعيد رمضان مؤسس التنظيم الدولي للإخوان الذين يقال إنهم مولوه بمبلغ 10 ملايين دولار، وأجبروا الأردن على منحه جواز سفر. وورد أن أمريكا بدأت من أوائل الخمسينيات تمول الإخوان في مصر وتساعدهم في سوريا لتدبير مؤامرتين، وتعاونت معهم هي وشركة أرامكو لتكون خلايا منهم في السعودية لمحاربة القومية العربية. كذلك تآمرت أمريكا مع المتأسلمين الذين كانوا يتحدون النظام السوفيتي في آسيا الوسطى من بين رجال القبائل. وكان دور أمريكا بارزاً في تمويل ملالي إيران وتسليحهم في انقلاب 1953، وحتى بعد الثورة على الشاه أغدقت أمريكا بعدها على الملالي قبل أن تنقلب عليهم، بحيث راجت نكتة في طهران كما يقول أشرف بهلوي بأنك إذا رفعت ذقن أحد الملالي فسترى عبارة "صنع في أمريكا" (39).

كما يؤكد مارك كورتيس أن الحكومات البريطانية، من العمال والمحافظين على حد سواء في سعيها لتحقيق ما يسمى "المصلحة الوطنية" في الخارج، تواطأت عقوداً طويلة مع القوى الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك التنظيمات الإرهابية، فقد تسترت عليها، وعملت إلى جانبها وأحياناً دربتها ومولتها، بغية الترويج لأهداف محدده للسياسة الخارجية وغالباً ما فعلت الحكومات ذلك في محاولات يائسة للحفاظ على قوة بريطانيا العالمية التي عانت من أوجه ضعف متزايدة في مناطق أساسية من العالم؛ نظراً لعجزها عن أن تفرض إرادتها من جانب واحد وافتقارها لحلفاء آخرين. ومن ثم فالقصة ترتبط في الصميم بقصة انهيار الإمبراطورية البريطانية ومحاولة الإبقاء على نفوذها في العالم (40).

وقد أقامت بريطانيا مع بعض القوى الإسلامية المتطرفة تحالفاً استراتيجياً دائماً لضمان تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأساسية طويلة الأجل، ودخلت في زواج مصلحة واتحاد وثيق العرى بصورة مؤقتة مع قوى أخرى منها لتحقيق نتائج محددة قصيرة الأجل. وقد أشار بعض المحللين إلى أن الولايات المتحدة تعهدت أسامة بن لادن والقاعدة، ولكن هذه التقارير خلت من الحديث عن دور بريطانيا في تشجيع الإرهاب الإسلامي على الدوام، ولم تجر رواية القصة كاملة مطلقاً، ومع ذلك، فقد كان تأثير هذا التواطؤ على صعود التهديد الإرهابي أشد من تأثير الثقافة الليبرالية البريطانية أو الإلهام بالجهاد الذي أثاره احتلال العراق (41).

وثمة نقطة مهمة أكد عليها مارك كورتيس حيث يقول :" شَهَدَت سنوات الحرب نمواً متواصلاً لحركة الإخوان المسلمين التي تطورت بقيادة حسن البنا إلى حركة جماهيرية متأسلمة. فقد أصبحت أكبر جمعية إسلامية في مصر وأقامت فروعاً لها في السودان والأردن وسوريا وفلسطين وشمال أفريقيا. ونادت جماعة الإخوان التي استهدفت إقامة دولة إسلامية تحت شعار "القرآن دستورنا" بالالتزام الصارم بأحكام الإسلام وقدمت بديلاً دينياً لكل من الحركات القومية العلمانية والأحزاب الشيوعية في مصر والشرق الأوسط – وهي قوى كانت قد طفقت تصبح بمثابة تحد رئيسي لقوة بريطانيا والولايات المتحدة في المنطقة (42).

وقد اعتبرت بريطانيا أن مصر مرتكز وضعها في الشرق الأوسط منذ أن أعلنت "الحماية" عليها في بداية الحرب العالمية الأولى. وسيطرت الشركات البريطانية على الاستثمار الأجنبي والحياة التجارية في البلاد، وأصبحت القاعدة العسكرية البريطانية في منطقة قناة السويس هي الأكبر في العالم عندما حان وقت الحرب العالمية الثانية. بيد أن السيطرة البريطانية على البلاد تعرضت للتحدي من قِبل كل من الحركة القومية المتنامية والقوى الإسلامية للإخوان المسلمين، في حين كان حليف لندن في البلاد في نهاية المطاف، هو حاكمها الملك فاروق، الذي تولى العرش في 1936م (42).

وبحلول 1942م كانت بريطانيا قد بدأت على وجه القطع في تمويل الإخوان. كما يقول مارك كورتيس ففي 18 مايو عقد مسئولو السفارة البريطانية اجتماعاً مع أمين عثمان باشا رئيس وزراء مصر، نوقشت فيه العلاقات مع الإخوان وتم الاتفاق على عدد من النقاط، كان أحدها هي أن تدفع الحكومة المصرية سراً الدعم المقدم من حزب الوفد للإخوان المسلمين سراً وأنها ستحتاج في هذا الأمر إلى بعض المساعدة المالية من السفارة البريطانية. وإضافة لذلك، ستدخل الحكومة المصرية عملاء موثوقاً بهم في صفوف الإخوان لتراقب الأنشطة عن كثب (43).

كما تم الاتفاق كما يقول مارك كورتيس على أنه "ينبغي بذل الجهد لإثارة الانقسام في الحزب باستغلال أي خلافات قد تحدث بين القائدين حسن البنا وأحمد السكري". كما سيقدم البريطانيون للحكومة قائمة بأعضاء الإخوان المسلمين الذين يعتبرونهم خطيرين، لكن لن تتخذ أي أعمال عدائية ضد المنظمة، بل كانت الاستراتيجية التي تم الاتفاق عليها هي "القتل عن طريق تقديم الأفضال". واتفق على أن يسمح للبنا بإصدار صحيفة ونشر مقالات "تؤيد المبادئ الديمقراطية" - ويعد ذلك طريقة جيدة "للمساعدة في تفكيك الإخوان"، كما أعلن أحد الحاضرين للاجتماع (44).

وبحلول شهر يناير 1949م، كانت تقارير السفارة البريطانية في القاهرة تقول كما يقول مارك كورتيس: إن الملك فاروق "سوف يسحق" الإخوان، بحملة ملاحقة كاسحة جديدة واعتقال ما يربو من 100 عضو. وفي الشهر التالي، تم اغتيال حسن البنا مؤسس الإخوان نفسه. ورغم أنه لم يتم التوصل للقاتل مطلقاً، فقد ساد الاعتقاد بأن الاغتيال قام به أعضاء البوليس السياسي، وأن القصر تستر عليه أو خطط له. وكان هناك تقرير لا لبس فيه لهيئات المخابرات الخارجية البريطانية يذكر: لقد دبرت الحكومة الاغتيال بموافقة القصر كما يقول مارك كورتيس فقد تقرر أنه ينبغي إزاحة حسن البنا من مسرح نشاطاته بهذه الطريقة؛ حيث إنه ما دام بقي حراً، فالأرجح أن يسبب إزعاجاً للحكومة، في حين أن اعتقاله سيؤدي يقيناً إلى مزيد من الاضطرابات مع أنصاره، الذين لا ريب في أنهم يعتبرونه شهيداً لقضيتهم (45).

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب " التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين "، كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة، وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين أقول بأن مارك كورتيس نموذج كبير لـ "المؤرخ المحايد.

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

الهوامش

37- مارك كورتيس: التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين،، ص 77.

38- المصدر نفسه، ص 86.

39- المصدر نفسه، ص 97.

40- المصدر نفسه، ص 112.

41- المصدر نفسه، ص 134.

42- المصدر نفسه، ص 139.

43- المصدر نفسه، ص 148.

44- المصدر نفسه، ص 223.

45- المصدر نفسه، ص 444.

46- المصدر نفسه، ص 553.

 

السعيد بوشلالق- يبدو لي أنني تورطتُ في البيت الأندلسي وأصبحتُ أعرفه أكثر حتّى من الذين سكنوه وأقاموا فيه، أو الذين توالوا عليه على مدار أكثر من أربعة قرون. ص 25.

- كُلّ القِصص حقيقية عِندما تأتي مِن القلب.. وقصة "البيت الأندلسي" لا تأتي إلّا مِن قلبِ القلب..

- البيوت الخالية تموت يتيمة.. ص35.

نسخة رواية «البيت الأندلسي» التي قرأتها تتكون من 530 صفحة طبعة دار موفم للنشر بالجزائر – 2015.

تتحدث الرِّواية عن بيت أندلسي قديم تريد سُّلطات الجزائر بعد الاستقلال أن تهدمه، وتستغل مساحته لبناء (مول) برج كبير، لكن الحفيد والوريث (مُراد باسطا) يرفض تهديمه ويخوض معركة قانونية ضد الهيئات المعنية العقارية والإدارية لمنع الهدم والإبقاء على البيت الأندلسي لرمزيته التّاريخية ويقترح ترميمه واستغلاله في النّشاط الثّقافي وتحويله إلى دارٍ للموسيقى كما كان في زمن ما عند بنائه.

البيت الأندلسي كان قد بناه أحد الموريسكيين الأندلسيين الفارين من محاكم التّفتيش في اسبانيا في القرن السّادس عشر، هو (سيد أحمد بن خليل غاليليو الرُّوخو) وفاءً لحبيبته (سُلطانة بلاثيوس)، ثُم استولى عليه الأتراك من طرف القُرصان دالي مامي، ثُم استولى عليه الفرنسيون بعد احتلالهم للجزائر وقاموا بتحويله إلى دار للبلدية. ثم يأتي جونار الحاكم العام الفرنسي للجزائر وقام بتحويله إلى دار للموسيقى. وبعد الاستقلال يتكالب ورثاء الدّم والمصالح للإستيلاء عليه. فيقررون هدمه وبناء برج مكانه... يتواصل السَّرد في صراع دراماتيكي من أجل البقاء إلى أن تنتهي الرِّواية بموت بطلها (مُراد باسطا) بعد أن خسر معركته للإبقاء على البيت الأندلسي فأحرق المخطوطة التي رافقت البيت منذ نشأته وماتت بهدمه وموته.

الرِّواية تتكون من خمسة فصول يتصدرها استخبار ماسيكا، وتوشية مُراد باسطا. تبدأ الرِّواية باستخبار ماسيكا بنت السبنيولية، تقص: (القِصة مُعقدة جداً ولكني سأحاول أن أُفككها لِتُصبح مُستساغة ومقبولة. كُلّ شيء بدأ من تلك اللّحظة التي خرجتُ فيها من الصّفّ الطُّلابي، ورجعتُ ركضاً صوبه بعد أن كان عمي مُراد باسطا – كنت أُناديه عمي وعندما كبرت قليلاً، قال لي ناديني باسمي أحلى – قد شرح لنا قصة البيت الأندلسي، وأظهر لنا المخطوطة ذات الرّائحة الغريبة التي ظلّت عالقة بأنفي، لأني شممت فيها أيضاً رائحة أمي. ولا أدري ما هي القوة الخارقة التي دفعتْ بي يوم الحريق المهول الذي أكل البيت الأندلسي، إلى القفز من على ظهر الحائط الخلفي للحديقة، والانزلاق من النّافذة من الكوة الصّغيرة، لأجد نفسي في عمق دار الخدم التي سكنها دائماً عمي مُراد باسطا، وسحب المخطوطة من مكانها الذي كنتُ أعرفه جيداً... أعتقد أني كُنتُ الوحيدة بعد مُراد باسطا ورُبما حفيده سليم، مَن كانت تعرف مكان المخطوطة السّرّي. هو الذي نبهني إلى مكانها، وهو لا يدري أنه سيأتي يوم وأضطر فيه لإنقاذها من نهاية مفجعة.) ص 09 – 10. تليها توشية مُراد باسطا يتحدث فيها عن (هذه الدّار، الخربة الرُّومانية، البيت الأندلسي، كازا أندلوسيا، دار لالّة سُلطانة بلاثيوس، دار المحروسة، دار لالّة نفيسة، دار زرياب، إقامة الإمبراطور، ملّهى الضِّفاف الجميلة... كُلّها أسماء صاحبت البيت الأندلسي عبر حقب مختلفة وكثيرة.) ص 31.

ثم وبانسيابية معهودة في أسلوب الكاتب واسيني الأعرج ينتقل بنا إلى الفصل الأول: نوبة خليج الغرباء. هذا الفصل ضمّ أوراق مخطوطة غاليليو سيدي أحمد بن خليل، حيث الورقة الأولى منها تتحدث عن ظروف اعتقال سيدي أحمد بن غاليليو الرُّوخو، وطرده وترحيله من غرناطة إلى منافي وهران بعد موقعة جبل البشرات، وإعتداء محاكم التّفتيش عليه، ولقائه بالكاهن أنجيلو ألونصو. ووقِعَت الورقة بالمحروسة 1570.

أما الورقة الثّانية فتحكي عن حزن الغرناطيين، وعن نيران جبال البشرات، وقصة غاليليو مع الدُّون فرناندو ونشوء رباط الدّم المقدس، وحرب الإخوة من الموريسكيين والمدجنين، والأتراك المتطوعين وموت الأمير سيدي محمد بن أمية في جبال البشرات آخر معاقل المسلمين الأندلسيين في غرناطة، وخيانة سفن العُدوة الأخرى واستسلام الجميع للنِّهاية الحتمية، ونهاية الزّمن الأندلسي على يد دون خوان النّمساوي. ووقِعَت الورقة بخريف 1573.

وتليها الورقة الثّالثة من المخطوطة والتي تتحدث عن ضربة الشّمس القاسية التي تعرض لها غاليليو، ونِداءات المُرحّلين اليائسة في مواجهة مصائرهم. وتروي كيف التقى غاليليو الرُّوخو بحبيبته سُلطانة بلاثيوس للمرة الأخيرة، وما جرى بينهما من أحاديث خاصة ووعود على أمل اللِّقاء من جديد في زمن أخر وأرض أخرى لتحقيق حلم بناء البيت الأندلسي.

3312 واسيني الاعرجيوفي الفصل الثّاني: نجوم السّراب. تأتي الورقة الرّابعة والتي تتحدث عن رحلة غاليليو الرُّوخو وعزلته وحنينه إلى سُلطانة، وحكاية شرائه لبُستان حميد كروغلي المُهمَل وبنائه للبيت الأندلسي في أعالي المحروسة في انتظار اللِّقاء بحبيبته سُلطانة التي ما نساها وأبداً، كما تتحدث هذه الورقة عن بداية عمل الرُّوخو غاليليو سيد أحمد بن خليل في محل الصّائغ الذّهاب ميمون البلنسي، وتعرفه على الجنوي والطملقي والمهندس المالطي. ووقِعَت هذه الورقة في صيف 1570.

أما الورقة الخامسة من المخطوطة فهي تحكي عن نشوء البيت الأندلسي على هضبة القصبة المحروسة، وحكاية عودة لالّة سُلطانة بلاثيوس من منفاها مع أخيها دون فريديريكو دي طوليدو، ولقاء الجميع مع السّفير الدّانماركي وزوجته وأخته العاشقة، وأسرار أول ليلة عشق بين الرُّوخو غاليليو وحبيبته سلطانة بعد غياب طويل، وقصة النّافورة الفينيسية في صحن البيت الأندلسي.

وفي الورقة السّادسة حكاية أهوال رحلة مايوركا، ونجاة الرُّوخو منها، ونجاة الرّايس حسن كروغلي وبحارته من عواصف عرض البحر. وانتشاء لالّة سُلطانة ولالّة مريم في البيت الأندلسي. وتأسيس فرقة جاهاركا أو لاكاسا أندلوسيا للموسيقى التي كانت توشح بموشحاتها الأندلسية أجواء البيت الأندلسي فتُضفي عليه روحاً أندلسية. ووقِعَت الورقة في شتاء 1575.

أما في الفصل الثّالث: سفر المخطوطة القديمة. فالكاتب واسيني الأعرج يمارس سلطة النّص على القارئ فيشده إليه في اندماج ذهني بليغ، حيث يتذكر مُراد باسطا وفاة والده الذي ائتمنه على المخطوطة. وفي الورقة السّابعة من هذه المخطوطة تتحدث عن حكاية دخول غاليليو إلى قصر الأغا حسن كمترجم، والخوف الذي سكنه من الأغا. كما تورد قصته مع الرّهينة الرّجُل الأحمر ميغيل سيرفانتس. وما جرى له ولأصدقائه في سجن مالكه دالي مامي من مصائب وأهوال. وسفر رودريغو للحصول على الفدية لتحرير الرّهينة سيرفانتس، ثم عودته على متن سفن حربية. وأسرار العلاقة بين حسن فنيزيانو وميغيل سيرفانتس، وأحلام زريدة طليقة الأمير الفاسي. وقد وقعت هذه الورقة في شتاء 1575.

أما الورقة الثّامنة فهي تتحدث عن الرّهينة سيرفانتس وهو يكتشف أسرار المحروسة وسوق العبيد. حيث الرّجُل الأحمر يغرق في تفاصيل حكايته وحروبه مع دون خوان النمساوي. ومأساة سلسلة الحروب التي لا تنتهي، وانهيار المركيزة في ميناء ليپانتي. وموت علي باشا، ومناورة انسحاب العلج من المعركة البحرية، وتلقي ميغيل سيرفانتس الضّربة التي أفقدته ذراعه الأيسر.

وفي الورقة التّاسعة، تتحدث عن سقوط ميغيل سيرفانتس بين أيدي القراصنة، وقصة دخوله إلى المحروسة، وعرضه مقيداً في سوق العبيد، وحكمته وتعلمه من قسوة تجربته الخاصة.

ثم تأتي الورقة العاشرة التي تتحدث عن تعقد وضعية ميغيل سيرفانتس بعد فشل أهله في تجميع الفدية لتحريره من الأسرّ والعبودية. كما تتحدث عن محاولة سيرفانتس الهروب مع أصدقائه وإلقاء القبض عليهم وسجنهم. ومقتل الموريسكي خوان الذي ساعدهم على الهروب وقصة إنقاذ سيرفانتس من سفينة الهجرة الثّانية نحو القسطنطينية.

وفي الفصل الرّابع: بيتٌ في مهب الرّماد. يتحدث السّارد عن التّخطيط الجديد الذي فرض على مدينة الجزائر العاصمة بعد الاحتلال الفرنسي، والذي هدد بزوال الكثير من المباني القديمة فيها ومن بينها البيت الأندلسي. غير أن مجيء الحاكم العام الفرنسي للجزائر جونار الذي استمر حكمه من 1903 إلى 1911، والذي كان يهتم بالمباني ذات الطّراز الموريسكي فيرممها ويحافظ عليها باستثمارها في الأعمال الثّقافية والفنية. فحافظ البيت الأندلسي على هويته التي نشأ عليها كدار للموسيقى.. وبعد استقلال البلاد في 1962 لم يتغير شيء في البيت الأندلسي، فقد استمر في أداء وظيفته كبيت للموسيقى الأندلسية، إلى أن استولى عليه العسكريون حكام اليوم ثوار الأمس، وحولوا البيت إلى كباريه بو ريفاج، ثم سماه مالكوه الجدد ملهى الأندلس وأبقوا على نشاطه كملهى ليلي الذي فرض عليه بعد الاستقلال. ثم شمّعوه للمرة الأخيرة.

أما الورقة الحادية عشر فتعود بنا إلى العهد التُّركي وتحكي عن سرقة البيت الأندلسي وكيف آل إلى المرتد دالي مامي.

وأخيرا الورقة الثّانية عشر التي تحكي عن دخول الغازي الجديد الفرنسي الذي نهب كُلّ شيء في المحروسة، ومحى معالمها القديمة، ومحكيات حمدان بن عثمان خوجة عن السُّقوط الأعظم. وكيف حُوِّل بيت لالّة سلطانة بلاثيوس إلى أول دار بلدية في عهد الاحتلال، قبل أن يُهيأ كإقامة شتوية لنابليون الثّالث وزوجته أوجيني.

وتختم الرِّواية بالفصل الخامس: لمسة سيكا النّاعمة. والذي يحكي عن الحكام الجُدد الذين أرادوا للبيت الأندلسي أن يُهدم ويُبنى مكانه (مول) عظيم أو البرج الأعظم برج الأندلس، لتنتهي الرِّواية بهُدم البيت الأندلسي وموت بطل الرِّواية مُراد باسطا، وحرق المخطوطة.. لكن ورغم النِّهاية المأساوية إلاّ أنّ قضية البيت الأندلسي بقيت صارخة في ضمير القارئ والضّمير الإنساني.

نقاط على هامش قراءة رواية: «البيت الأندلسي» لـ: واسيني الأعرج

- تتحدث الرِّواية في تداخل ثنائي نّص داخل النّص، عن المخطوطة الخاصة التي كتبها صاحب البيت الأندلسي (أحمد بن خليل غاليليو الرُّوخو) التي يروي فيها الظُّروف الوحشية لاعتقاله من طرف محاكم التّفتيش في إسبانيا، وترحيله إلى منفاه في وهران، ورحلته للاستقرار في الجزائر المحروسة، وبنائه للبيت على الطِّراز المعماري الأندلسي وفاءً لحبيبته لالّة سلطانة بلاثيوس.

- النّص السّردي (البيت الأندلسي) ينطلق من واقع يومي مُعاش، غير أنه ما يلبث أن يحلق في فضاءات الخيال، فقد عمد الرِّوائي إلى المزاوجة بين أحداث المخطوطة من خلال تقسيم أورقها إلى اثنتي عشرة ورقة، تتخللها بين كّلّ ورقة وأخرى والأحداث الخاصة بمُراد باسطا المكملة لسيرة هذا البيت العتيق، وكيفية الحفاظ على إرث الأجداد تنفيذاً لوصية الجد الأول (غاليليو الرُّوخو أو سيدي أحمد بن خليل) التي يوصي فيها بأن: (حافظوا على هذا البيت، فهو من لحمي و دمي. ابقوا فيه ولا تُغادروه حتى ولو أصبحتم خدماً فيه أو عبيداً... إنّ البيوت الخالية تموت يتيمة.) ص 35.

- هذه الرِّواية أن مادتها الأساس هي التَّفاصيل اليومية للحياة، مضاف إليها مادة التَّاريخ بمداها القريب والبعيد. فمتنها نوع خاص من القلق والشّك والبحث، عن طريق مزج الخيال السّردي بالتأمل الفلسفي.

- الرِّواية تدور حول إشكالية الذّاكرة والموروث الثّقافي والتّراث المِعماري الذي ضيعته الجزائر، فالنّص يشتغل على الذّاكرة والهوية الثّقافية.

- يمكن اعتبار رواية (البيت الأندلسي) لواسيني الأعرج توثيقاً أدبياً وفنياً لواقعنا الجزائري والعربي وصورته النَّمطية التي يعيشها. فإذا كان للاستعمار دور في كُلِّ ما حدث في الوطن، فإن الورثة الذين ظهروا بعد الاستقلال كان لهم الدَّور الحاسم لأنهم فشلوا حتى في الحفاظ على مخلفات الاستعمار العمرانية والتَّنظيمية والإدارية.

- احتوت الرِّواية في بنيويتها على ثلاثية تمثلت في صراع القيم الأصيلة، والتّاريخ البعيد، والتّاريخ القريب. فعلى مستوى البنية الداخلية، تتحرك الرِّواية بين مستويين زمنيين واضحين: مستوى تاريخي بعيد يمتد حتى القرون الوسطى، ومستوى عصري يلامس حياتنا اليوم في ظِلِّ وضع عربي لا شيء فيه يبشر بخير. فإذا كان سيد أحمد بن خليل غاليليو الرُّوخو هو راوي النّص التّاريخي الأساسي في دوره القائم الأول بأمور البيت الأندلسي، فإن وريثه في الحاضر مُراد باسطا هو من يروي لنا نهاية البيت في عصرنا ويكشف لنا جريمة الهدم المرتكبة في حقه.

- استخدم الكاتب واسيني الأعرج في عناوين الفصول كلمات منتقاة من مقامات أندلسية متعددة مثل: استخبار، توشية، نوبة، خليج الغرباء، وصلة الخيبة. وهي تسميات جاءت في السّياق العام للسرد وأكسبته تأثيراً جمالياً كالجمال الأندلسي، كل ذلك كان في موقعه المناسب ليزيد من قوة النّص وشدِّ القارئ إليه.

- الرِّواية تنحاز إلى فكرة التّسامح الدِّيني، ونبذ الحروب الدِّينية، لأنها تتناقض مع أساس الحياة القائم على التّعدد والتّنوع العرقي والدِّيني والمذهبي.

-الرِّوية مليئة بالشّخصيات، فهي متعددة وكثيرة وهذا هو حال الرِّوايات التَّاريخية. والوحيد الذي استمر من بدايتها إلى نهايتها، هو مُراد باسطا بطل الرِّواية، وهو الجسد الحقيقي للرِّواية. وهو المتحكم في المسار العام للرِّواية، وأزمنتها الماضية والحاضرة.

- يمكن للقارئ أن يُلاحظ أن الكاتب الرِّوائي واسيني الأعرج قد استخدم في هذه الرِّواية الشُّروحات والهوامش وذلك بغية الدّفع بالقارئ إلى تصديق المادة المعرفية التي جاءت في الرِّواية، وإدخاله في اللّعبة السّردية.

-لغة الرِّوائي واسيني الأعرج كما عرفناها في نصوصه الأخرى هي لغة أدبية سردية قوية تتناغم مع المتن الرِّوائي فهي لغة شاعرية في المواقف الحميمية التي جمعت بين العشيقين الزّوجين الرُّوخو غاليليو سيد أحمد بن خليل وسُلطانة بلاثيوس، وهي لغة سياسية فاضحة وناقدة في مواقف السُّلطة الحاكمة التي تريد هدم البيت الأندلسي، وهي لغة تحقيقية تاريخية في تفكيك الأوراق الاثنى عشر في المخطوطة التّاريخية التي رافقت مُراد باسطا، ورحلة اللُّجوء التي قادت الرُّوخو غاليليو من غرناطة والأندلس إلى منفاه في وهران والجزائر المحروسة، وفي المراحل التي عمرها البيت الأندلسي.

- في نهاية السّرد خسر مُراد باسطا معركته ومات في النِّهاية. لكنه انتصر على مستوى الفاعلية الأدبية وذلك لأن مأساته بقيت صارخة في نفوس القُراء الذين آمنوا بموقفه.

- وفي الأخير؛ يرى "لوسيان غولدمان" أن الرِّواية هي «بحث عن قيم أصيلة في عالم منحط»، ويرى "جورج لوكاتش" أن الرِّواية «ظهرت لدواع تتصل بانهيار سلم القيم الذي كان سائداً في المجتمعات القديمة». ورواية البيت الأندلسي جاءت لتعالج بامتياز هذا الطّرح القيمي المتراجع والمتهالك.

اقتباسات من رواية: «البيت الأندلسي» لـ : واسيني الأعرج

- (الحرائق لا تجلب إلاّ الحرائق.) ص 10

- (في زماننا هذا نحمل الكثير من القطع الجسدية الميتة التي لا نستعملها أبداً، ونُدفن بها ونحن لم نجرب حتى صلاحيتها.) ص 11

- (أدركتُ يومها أن للبلادة جناحين، وأن كل مَن استولى على منصبٍ، ملأه بالأغبياء لكي تسهل عليه الهيمنة والسّيطرة والنّهب. كل شيء كان منظماً ومرتباً سلفاً.) ص 25

- (الكُتب لا تقول الحقيقة المُطلَقة، فهي ليست أكثر مِن حقيقةٍ نسبية لشخصٍ يفترضها كذلك.) ص 28

- (ليست السّنوات العابرة شيئاً في أعمار الحِجارة والبشر، ولكنها كافية للشهادة على زمن كان فينا ولم نكن فيه إلاّ قليلاً.) ص 32

- (عندما يسكننا شُعاع الشّباب، وتُبهرنا الحياة بكل جنونها، نظن أن كُلّ شيء ملء قبضات أيدينا، نُبعثره كما نُبعثر زرعاً في حقولٍ مفتوحة على الخير والشّمس. وعندما يُداهمنا العُمر بِقسوةٍ، نجدُ في الكفِّ المفتوحة حفنةً مِن الهواءِ السّاخِن، وبقايا خطوطٍ جِلدية، ترسم تفاصيل حياة اِندثرت بسرعةٍ وكأنّنا لم نعشها أبداً، أو حاذيناها فقط، وحنين أشياء مبهمة لا نعرف أسرارها، نكتفي بِحبها ونمضي، ونحن لا ندري لماذا؟) ص 33

- (الذّاكرة مثل النُّجوم، حينما ينفذ ألقها وصبرها، تتعب ثم تموت ثم تتبعثر هاربةً في السّماء في شكل رماد مضيء.) ص 33

- (العُمر يُعذبنا عندما نتذكره، وتخدعنا الحواس كلها عندما نطلبها.) ص 33

- (لِتأت الأشياء وفق إرادتها وفي وقتها، نحن لا نصنع الحياة التي نشتهي، الحياة تصنعنا مثلما تريد، وتدس في أجسادنا ما تشتهيه مِن جنونها وقنابلها الموقوتة.) ص 33

- (البيوت الخاوية تموت يتيمة.) ص 35

-(الأشياء عندما يدخلها مرض اليأس، تفقد طعمها وتخون بسرعة ذويها حتى ولو كانت تفاحة.) ص 36

-(البيوت في هذه البلاد، كانت تُعزف ولم تكن تُبنى. ومِن هُنا هشاشتها. عندما تفرغ، تجتاحها الضِّباع بِفِكاكها الحادة والصّلبة، قبل أن تتعفن مِن الدّاخِل والخارج، وتموت كما يموت البشر.) ص 36

- (المخطوطة مثل الكائنات تعيش بالاهتمام، وتموت بالإهمال.) ص 61

- (الحرب هي دائماً حرب المُنتصر والسّلام سلامه أيضاً.) ص 88

- (مَنْ يُعلن الحرب ليس هو مَنْ يُسكت مدافعها في النِّهاية.) ص 97

- (الدُّنيا التي لاقتنا على كِتاب، جمعتنا على كِتاب، وجعلتنا نعشق الدُّنيا أيضاً على كِتاب.) ص 111

- (إنّ لِكُلِّ حُبٍّ نجمة ترعاه، سأكون نجمتك التي لا تغيب. وإنّ الحبيب للحبيبِ غطاء، سأكون غطاءك في الأيام القاسية والصّعبة. سأكون، عمري، مسافتك بين القلب ولسانك.) ص 113

- (رُبما منحتنا الحياة شيئاً خاصاً وخارقاً لا نعرفه إلاّ عندما نعيش قسوته.) ص 114

- (كُلّ شيءٍ يضيق عندما نقنط، عيوننا، قلوبنا، أشواقنا فقط لأن المحيط صغر حتى أصبح باتساع خرم إبرة.) ص 144

- (لم تكن الحياة مغلقة. هناك دائماً خيط نور يأتي بالصُّدفة، نلتصق به حتى النِّهاية، ويُعطينا بعض الرّغبة في الاستمرارية.) ص 145

- (أنا أُريدُ أن أُبيّن للتلاميذ أنّ التَّاريخ ليس بعيداً عنهم، في أكلهم وبيوتهم وألبسة أهاليهم. لقد علموهم تاريخاً مزيفاً وبعيداً عنهم، ولهذا كرهوا كُلّ شيء.) ص 145

- (الشّعب الذي يرمي الزِّبالة يُشبه حكومته في كُلِّ شيء، تربيتها الكريمة ومنجزها العظيم بعد نصف قرنٍ مِن الاستقلال.) ص 151

- (نظرة الإنسان قصيرة وحكمته في هذه الدُّنيا قليلة. عندما ينتصر، كثيراً ما يتحول إلى طاغية ويُمارس ما مورس ضده عندما كان ضعيفاً. بدل أن يكون حكيماً وكبيراً ومُتسامحاً مع الآخرين مِن الضُّعفاء لأنهم في النِّهاية منه على الأقل في جانبهم الإنساني، يتحول فجأةً إلى فرعون صغير.) ص 164

- (الحقد يُسمى أيضاً العمى بعيونٍ مبصرة.) ص 166

- (السّنوات تعود ولا شيء فيها يتشابه سوى العُمر الذي يمضي بسرعة البرق.) ص 173

- (ربما كانت الكتابة رديف الحياة، إذ نفقد الشّهوة أحياناً في كُلِّ شيء بما في ذلك مواصلة العيش. ونتحول أحياناً إلى شُعلةٍ مُضيئة، ولكنها حارقة أيضاً، لا قوة في الدُّنيا تستطيع الوقوف في وجهها.) ص 173

- (الأشواق والحقيقة حرائق مثل الجِبال... كُلّ شيء ننساه إلاّ الأشواق التي تحرقنا في العُمق وتسلخ بعضاً مِن جلدنا.) ص 174

- (الشّبيه لا قيمة له مُطلقاً لأنه مجرد نسخةً منسوخة.) ص 181

- (في النِّهاية، إذا كنّا نتفرد في الحياة، نحن نتساوى أمام الموت، لا يهم... فيفعل النّاس ما تُمليه عليهم دواخلهم، فهي الأهم، ولكن الجبن إرث سيئ.) ص 187

- (هناك نوع مِن النّاس ليسوا في حاجة إلى أن يرفعوا أصواتهم لكي نصدقهم أو نأخذهم مأخذ الجِد. نظراتهم الطّيبة والصّافية تكفي.) ص 192

- (في قلب كل فنان شيء مِن الهبل والجنون وإلاّ سيكون إنساناً عادياً ومُسطحاً.) ص 198

- (الأديان ليست في النِّهاية إلاّ ظِلالاً هاربة لأشياء عميقة فينا، يتقاسمها الحُبُّ والكراهية. النّاس هم مَن جعلها مقياساً وضوابط للقسوة والعزلة.) ص 207

- (البلاد مِن البداية سلكت طريق الغلط. لا تُبنى حضارةٌ بِناسٍ غير حضاريين.) ص 250

- (وكأن كُلّ الزّمن الذي مضى لم يُغيّر فيَّ شيئاً. رسخ قناعتي أكثر في البشر. كنتُ على يقين أنِّي إذا لم أكن صائباً في الكُلّ، فأنا لم أكن على خطأ أبداً.) ص 252

- (كلما تعلق الأمر بالتّاريخ في هذه البلاد، مال النّاس إما نحو الكذب أو الكِتمان، لا يوجد شيء ثالث.) ص 258

- (خَفِفْ مِن حَماسِكَ لِمن تُحِبّ أو تكره، حتى تكون الخيبة واهتزاز يقينك أقلّ وقعاً.) ص 295

- (الحرب مثل المرض، عندما يُصاب المرء بها، يحتاج إلى زمنٍ مِن الهُدنة مع الذّات لكي يستطيع أن يُفكر بعقله.) ص 304

- (كلانا فقد شيئاً ثميناً، أنا خسرتُ جزءاً مِن جسدي، ذراعي، وأنت فقدت وطناً. فلا الذِّراعُ ينبت ذاتياً، ولا الوطن الأول يُزرع مِن جديد فينبت، ومع ذلك علينا أن نتعود على الفقدان والعيش.) ص 305

- (صُدفُ الحياة هي التي تربط أحياناً المصائر نهائياً.) ص 305

- (الدُّنيا تخط مصائر البشر ولكنهم قليلاً ما يتعلمون.) ص 305

- (في هذه البلاد شيء يلفه التّناقض بين ما يأمره الدِّين وما تتحكم فيه العادات. يقف الدِّين قوة ردعية ثانوية بالقياسِ لقوة التّقاليد القوية والمؤثرة في النّاس وفي حياتهم.. بلاداً ليست فقط محكومة بقوة الدِّين ولكن أيضاً بهذا الخليط الذي تلتبس فيه الأدوار بين الدِّين والمعتقدات البدائية والقديمة. علينا أن نفهم هذه الازدواجية القوية لنتمكن من فهم ناس هذه البلاد.) ص 311

- (العواقب تُقاسُ بِنِهايتها.) ص 312

- (البشر في النِّهاية مُخٌ واحد يشتغل في اتجاهات مُتعددة بحسب الرِّياح التي قد تكون شرقية أو غربية.) ص 312

- (التّهكم والسُّخرية، أقوى سلاحين وأذكاهما، أمام غباوة العصر والبشر.) ص 312

- (الحُبّ كان هو الجاذبية الوحيدة والأساسية، وليس الدِّين إلاّ المسلك المختصر لذلك. الحُبُّ أيضاً فوق الأصول الأولى التي نفترضها دائماً هي ما يقود حياتنا وأشواقنا.) ص 313

- (الدّرس الأول في المعارك البحرية يُحفظ جيداً لهذا يجب أن يكون قاسياً.) ص 313

- (إن الثِّقة الزّائدة واليقين الصّارم، مقتلان مدمران.) ص 314

- (يُصيبنا العمى أحياناً، فلا نرى في غنى الدُّنيا بكاملها، إلاّ ظلالنا الصّغيرة.) ص 314

- (كُلّ حربٍ مهما كانت عادلة، تتبطن في عمقها قدراً معيناً من العجز عن التّفكير.) ص 315

- (للأسف، نحتاج دوماً إلى انكسارٍ عظيم لنعود إلى يقيننا الوحيد، الخسارة. حتى عندما نربح نظلّ في عمق خسارة لا ندركها إلاّ لاحقاً، بعد زمنٍ طويل.) ص 315

- (هذه هي حالة الحروب، لا نعرف دمارها إلاّ عندما تنتهي، وتكون قد جرّت وراءها جيشاً من النّاس نحو النِّهاية والإبادة لا لشيء سوى لأن بشراً أخطئُوا في التّقييم أو انغلقوا على أنفسهم، وأدركوا بعد زمنٍ أن بؤسهم الدَّائم كان أكبر.) ص 316

- (هذه الحرب التي تركت علاماتها القاسية على أجسادنا، نخوضها أحياناً لأنه ليست لنا أية بدائل أخرى أمام ظلم البشر حتى ولو أكلنا رؤوس أصابعنا ندماً، فيما بعد.) ص 316

- (بعض هذه الحروب ليست حروباً، ولكن مُجرد طلقاتٍ أخيرة لإقناع النّفس المُنهكة أنّها قاومت ولم تستسلم.) ص 316

- (مصائرنا كلها تكون أحياناً معلقة على حواف الصُّدفة القاتلة.) ص 317

- (كثرة الحروب تولد الملل حتى بالنّسبة للمنتصر، لأن الانتصار والهزيمة، كُلُّها حالات مؤقتة.) ص 321

- (في الأدب، التّرجمة عمل عبثي وقليل الفائدة. كأننا ننظر إلى زرابي الفلاندر بالمقلوب، نلحظ جيداً الأشكال الجميلة، ولكنها مليئة بالخيوط المنسدلة التي تشوهها، ولا تظهر وحدة اللّون والموضوع.) ص 322

- (الحُبُّ أحياناً لا يمنح فقط السّكينة السّاحرة، ولكن أيضاً وَهْم الأرض المفقودة.) ص 327

- (عندما تلتصق السُّفن المتحاربة تموت الرّحمة في قلوب النّاس.) ص 329

- (ينسى النّاس بِسُرعةٍ بطشهم، وأنّه يُمكن أنْ يكونوا هُمْ أيضاً ضحية للطّاحونة التي صنعوها.) ص 331

- (أعرف مِثلك أن سوق العبيد هو أقسى مكانٍ يُصيب الإنسان في صميمه. وأعرف أيضاً ما معنى أن يُساق إنسان نحو حتفه المعنوي، لا أذلّ للإنسان من أن يُجر مُصفد اليدين والرِّجلين ويتحول إلى فرجةٍ للعابرين في الموانئ المُكتظة بالبشر.) ص 332

- (أن تكتشف مدينة لا يكفي، إذ يمكنك أن تنساها بسرعة عندما تعود لك مدينتك وتسترجع شوارعها، لكن أن تكتشف أُناساً يُشبهونك فيها، فهذا أجمل ما يُمكن أن يحدث مِن صُدفٍ حتى ولو كانت حالاتنا قاسية مؤلمة.) ص 333

- (نموت أحياناً على تُربةٍ نظن أنفسنا أننا عرفناها، ولكننا نستيقظ في آخر العُمر لنكتشف بأننا لم نعرف شيئاً عنها وأنها بقية خارج الذّات. كثيراً ما تكون الصّدمة قاتلة. والهلاك أكيد.) ص 334

- (الخير يُورَّث، ولكن المؤسف، هو أنّ الأحقاد تورَّثُ أيضاً.) ص 334

- (الأفكار لا قيمة لها إذا لم تجد لها متنفساً في الحياة... والفكر عندما يطمئن لذاته يموت. يجب أن يتحول إلى بارود وإلاّ لن يؤثر في أيّ شيء.) ص 370

- (هناك خيانات يسكت عنها التّاريخ لأنها تُحْرِجُه، وعندما يتذكرها يكون كل شيء قد رُتب ولَفّتْهُ استحالة التّغيير.) ص 378

- (لا يوجد في الدُّنيا أحسن من التُّهمة الأخلاقية، الوحيدة التي يتمنى الكُلّ سترها، بما في ذلك عائلة المجني عليه. الجريمة الوحيدة التي لا يطالب أحد بدمها.) ص 392

- (القِراءة مِثل النَّوبات، عندما تنتابها، تنام فيها زمناً طويلاً ولا ترفع رأسها أبداً.) ص 469

- (الرَّغبة في العودة مثل الطُّوفان، عندما تستيقظ لا قوة في الدُّنيا تمنعها، تفشل أمامها كُلّ الإرادات والنَّوايا الحسنة.) ص 470

- (المُدن حينما نبتعد عنها كثيراً، تُنكرنا وربما تعادينا أيضاً، قبل أن تضرب صفحاً عنَّا وتنسانا.) ص 471

- (جرح لا يموت أبداً.. ليس في الجسد وحده، ولكن في الرُّوح.) ص 471

- (البحر حبيب الغريب حتى يتحول كلاهما إلى ملح، الأول للفراغات العميقة، والثّاني للتُّربة المُنزلقة من بين الأكُف.) ص 472

- (لا أدري لماذا وجدتني مُعلقاً في التّاريخ، وتلميذاً لما يقوله.) ص 475

- (أنت لم تقل إلاّ الحقيقة التي لن يرضى عليها لا قومك، لأنك سلكت مسلك العاقل أمام الهزيمة، ولا أعداءك لأنك اخترت أن تقول الحقيقة.) ص 478

- (الحواس مِثل الذّاكرة. هي أيضاً أمكنة لِتخبئة عطر وملامس وهسهسة الأسرار.) 481

- (البيوت أيضاً تموت عندما تنطفئ روائحها.) ص 508

- (هذا الوطن أعرفه جيداً وأحتفظ به في قلبي. أتركوا الشُّهداء ينامون قليلاً، لقد تعبوا في حياتهم وفي موتهم. وطني في جراحات جسدي. لو تفتحونها بصدق، ستجدون في كُلِّ جرح يختبئ تاريخ الذين مروا من هنا. لكني مثل أجدادي، تعودت على أن أستر جُرحي وأُخبئ حُبِّي لهذه الأرض في عيني.) ص 510

 

أ. السعيد بوشلالق

 

3313 مذكراتأنهيت العام الماضي قراءة كتاب: "مذكرات المجاهد سليمان الغول، ضابط جيش التحرير الوطني في جبال ومعارك الونشريس"، تحرير الأستاذ: محمّد عزّة، منشورات أنوار المعرفة،مستغانم، الجزائر، 2013، من 367 صفحة.

المذكرات الشخصية ملك الأمّة الجزائرية:

جاء في مقدّمة الكتاب وعلى لسان المجاهد سليمان الغول وهو يتحدّث عن المجاهدين الذين رفضوا ويرفضون كتابة مذكراتهم، قوله في صفحة 21: "أمّا الذين لم يكتبوا بعد فهم أحرار في ذلك ومسؤولون في نفس الوقت لأنّهم ملزمون على الأقلّ بتدوين مايعرفونه أو مايتذكرونه عن ثورة أوّل نوفمبر 1954، لأنّ مساهماتهم في الثورة ضدّ الاستدمار الفرنسي لم تعد ملكهم بل أصبحت ملكا للأمّة الجزائرية كلّها والأجيال الحريصة على الارتباط بماضيها المجيد".

أقول: أيّام المرء ليست ملكا له لوحده، بل هي ملك دولة، ومجتمع، وأمّة. ولا يحقّ لصاحب الأيّام أن يخفي أيّامه عن جيله الذي قاسمه أيّامه، وعن الجيل الحاضر والقادم الذي لم يشهد أيّامه.

كتب مذكراته سنة 2012-2014 حسب مافهمته من كلامه في صفحة 22: "خاصّة وأنّنا نعيش أعياد الذكرى الخمسين لاسترداد الاستقلال الوطني 1962 والذكرى الستين لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954".

ولد المجاهد سليمان الغول بتاريخ: 27 مارس 1937 حسب ماجاء في صفحة 33، مايعني أنّه كتب مذكراته وهو في سن 76-77 من عمره، وهو الآن في عمر 85 من عمره.

جرائم  الاستدمار الفرنسي:

قال: أحرق الاستدمار الفرنسي الشجر، ونسف الحجر، وأهلك البهائم والبقر. ومن حقّ هذه الكائنات الجامدة غير النّاطقة أن يتحدّث عنها من كان شاهدا على هلاكها في أيّامه، وقد استمدّ طعامه، وملبسه، وحمايته، وراحته، وبطولته منها وهي التي لم تطلب منه جزاء ولا شكورا.

قال: "المدارس الفرنسية كانت حكرا على أبناء المستدمرين الفرنسيين وقلة من أبناء الجزائر المحظوظين أو الموالين للاستدمار". وبسبب وضعية العائلات الجزائرية المعدومة بسبب الفاقة الشديدة جدّا التي تدفعهم دفعا إلى البحث عن لقمة العيش على حساب الدراسة.

أقول: يبدو من حديثه أنّه لم تتح له فرصة التّعلم، لكنّه قال في صفحة 33: تعلّمت أنّ فرنسا دولة أجنبية رومية وأنّ الفرنسيين محتلون لأرضنا ومستغلون لخيراتنا ومزارعنا وثرواتنا ومياهنا. (أضيف: ماأعظمه من تعليم).

جاء في صفحة 34: طرد الاستدمار الفرنسي الجزائريين من الأراضي الخصبة واستولى عليها، ثمّ طردهم من الأراضي غير صالحة للزراعة إلى الأراضي الجرداء.

ذكر أنّ: القوات الفرنسية المحتلّة المجرمة تستدعي جزائريا لأنّه ضرب معزة فرنسي مستدمر مجرم، وأنّبته تأنيبا شديدا.

المجاهد الذي روى الحادثة للمجاهد سليمان الغول أجهش بالبكاء وهو يروي الحادثة بعد مرور عقود من الزمن.

أقول: المحتل المجرم الفرنسي حين يستولي على قرية يستولي على كلّ شيء بما فيها المعزة. ويفرض على الجزائريين ضرائب باهظة لكلّ من يملك حيوانا بما فيها المعزة. والمعزة التي بين يدي المستدمر الفرنسي المجرم أغلى من كلّ مايملكه الجزائري ، وممّا تملكه المرأة الجزائرية من حلي -إن كان لها حلي-. والسّعر في هذه الحالة يحدّده الفرنسي المحتلّ وليس العرض والطلب، ولا السّوق.

أضيف: هذه صورة مصغّرة عن حقيقة النهب، والسّطو، والمهانة التي كان يمارسها الاستدمار الفرنسي ضدّ الجزائريين وطيلة 132 من الاحتلال، والقائمة السّوداء مفتوحة لمن أراد أن يضيف.

جاء في صفحة 89  وبأسلوب وألفاظي: بعد المعارك التي كانت تحدث بيننا والقوات الفرنسية المحتلّة المجرمة، والخونة الحركى الذي برفقتهم، كانت بعد انتهاء العمليات تقوم فرنسا المجرمة بنقل قتلاها المجرمين وتبقى على القتلى من الخونة الحركى والسنغاليين (سَالِيﭭانْ) في ساحات المعارك لأنّهم لايساوون شيئا عند فرنسا المحتّلة المجرمة التي جنّدتهم.

دور الزوايا في دعم الثورةالجزائرية:

تحدّث بفخر واعتزاز عن مساهمة أسيادنا أولياء الله الصالحين رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم، والزوايا عبر الشلف (الأصنام سابقا) والجزائر كلّها في تهيئة وتعبئة الجزائريين روحيا، وأخلاقيا، ووحدة الكلمة ضدّ الاستدمار الفرنسي.

تحدّث في صفحة 26 عن عظمة الشلف التي احتضنت كبار قادة المقاومة من أمثال سيّدنا الأمير عبد القادر. وكذا أسيادنا الشهداء من أمثال امحمد بوقرة، ومحمد بونعامة، وعميروش، وحسيبة بن بوعلي رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا.

قال في صفحة 33: معظم الذين التحقوا بالثورة في المنطقة كانوا تلاميذ في زاوية سيدي نهار.

دور النخبة العسكرية في دعم الثورة الجزائرية:

رفض وهو في سن 18 أن يؤدي الخدمة العسكرية تحت الاستدمار الفرنسي، وقال: "لا للقبعة الفرنسية".

اختارته قيادة الثورة الجزائرية ليكون ضمن النخبة (الكومندوس)، وكانت الفكرة من سيّدنا الشهيد محمد بوقرة قائد الولاية التاريخية الرابعة سنة 1965، رحمة الله عليه ورضوان الله عليه.

أقول: فهمت من حديثه أنّه انضمّ إلى الثورة الجزائرية وفرفة النخبة وهو في 19 سنة من عمره.

كانت تضم فرقة النخبة 170 مجاهدا.

أقول: فهمت من حديثه أنّ الثورة الجزائرية كانت حين تلقي القبض على جنود فرنسيين مجرمين تسلّمهم مباشرة للصليب ليسلّمهم بدوره للاحتلال الفرنسي، أي لم تكن هناك شروط ولا مطالب ولا سقف من طرف قادة الثورة الجزائرية.

أقول: إن صدق الخبر، فهذا من الأخطاء التي ارتكبتها الثورة الجزائرية، وقادة الثورة الجزائرية.

ذكر في صفحة 47، أنّ العديد من أسيادنا الشهداء استشهدوا في غير ولاياتهم التي ولدوا فيها.

أقول: تمثّل هذه النقطة -وقد قرأت عنها في عدّة مذكرات- إحدى مظاهر العظمة لدى الثورة الجزائرية.

قالوا عن المجاهد سليمان الغول:

ترك صاحب المذكرات الكلمة للذين عرفوه منذ الصّغر، وأثناء الثورة الجزائرية، وعقب استرجاع السّيادة الوطنية، والعشرية الحمراء، وإلى غاية كتابة الكتاب وهذه الأسطر ليتحدّثوا عنه وقد بلغوا من الكبر عتيا.

أقول: أعترف أنّي لأوّل مرّة أقرأ هذا النوع من المذكرات حيث يصمت صاحب الكتاب ويترك أترابه يتحدّثون عنه.

تحدّث صاحب المذكرة، والشهود وهم من مواليد 1927، و1936 وتواريخ أخرى عن إسقاط طائرات المحتلّ الفرنسي المجرم يومها، وبشكل متكرّر.

أقول: وأعترف أنّي لم أقرأ هذا العدد من إسقاط الطائرات في مذكرات أخرى عاش أصحابها أحداثا مشابهة، وعبر مناطق مختلفة. وكم أتمنى من العسكريين المختصين شرح عمليات إسقاط طائرات المجرم الفرنسي المحتلّ من النّاحية الفنية العسكرية ولهم بالغ الشكر والتّقدير.

كان المجاهد سليمان الغول ضمن فرقة النخبة التي اختارها بعض قادة الثورة الجزائرية نظرا لبنيته الجسدية، وعوامل أخرى. وقد لاحظت ذكر العمليات العسكرية بأعداد كبيرة، ومستمرة، وذات نوعية ولسنوات.

أقول: من طبيعة النخبة العسكرية المكلّفة بالمهام الصّعبة القيام بالعمليات العسكرية النوعية في كلّ وقت، وباستمرار، ودون انقطاع ولذلك تعتبر العمليات الكثيرة المذكورة على لسان صاحب المذكرات والشهود الذين بلغوا من الكبر عتيا أمرا عاديا جدّا، نظرا لبنيتهم الجسدية، وشجاعتهم، وإقدامهم.

 أقول: ذكر الشهود وصاحب المذكرة وفي أكثر من مناسبة وباستمرار الخسائر المادية والبشرية التي ألحقها بهم العدو الفرنسي المحتلّ وأقرّوا أنّها كانت بالغة التّأثير كما ذكروا الخسائر المادية والبشرية التي ألحقوها بالمجرم الفرنسي المحتل.

المجاهد سليمان الغول كما يراه المجاهد سي مراد:

انتقد بشدّة المجاهد سي مراد  رحمة الله عليه بعض ماجاء في مذكرات "مذكرات المجاهد سليمان الغول"" عبر مذكراته "مذكرات سي مراد".

أقول: أمر عادي أن يتم نقد مجاهد من طرف مجاهد. ومن عظمة الثورة الجزائرية أنّها لم تنسب العصمة وعدم الأخطاء لنفسها، ولا لقادتها، ولا لشهدائها، ولا لجنودها، ولا لرجالها، ولا لنسائها.

أضيف: من قبل شهادة المجاهد سي مراد في المجاهد سليمان الغول فليقبل شهادة سي مراد في آخرين ذكرهم بالإسم، وذكر أفعالهم وأقوالهم.

من: "سليمان الغول، أسد الونشريس" الى: "مذكرات المجاهد سليمان الغول"

النسخة الأولى من الكتاب والتي صدرت منذ سنوات كانت تحمل عنوان: "سليمان الغول، أسد الونشريس"، والنسخة الأخيرة من الكتاب والمرفقة عبر المقال تحمل عنوان: "مذكرات المجاهد سليمان الغول" دون ذكر لقب:  "سليمان الغول، أسد الونشريس". 

أقول: من مزايا مذكرات الجزائريين الذين حاربوا الاستدمار الفرنسي أنّهم: متواضعون جدّا. ويجنّبون أنفسهم ألقاب العظمة، والبطولة الخارقة، والكرامات. ويعترفون بأخطائهم، وتقصيرهم. ويعترفون بتفوّق الاستدمار الفرنسي عليهم من حيث العدد والعدّة. ويقرّون بعجزهم عن اقتحام منطقة لشدّة الحراسة أوكثرة عدد أفراد الجيش الفرنسي المحتلّ. ويعترفون أنّهم أميون لايجيدون القراءة ولا الكتابة لأسباب تتعلّق بالاستدمار الفرنسي. وحين لايتأكد من معلومة لايذكرها. وحين يريد التأكد منها يشير لأحد أصحابه الذي شهد معه المعركة، أو يستعمل عبارات: لست متأكد بالضبط من العدد مثلا، والذاكرة لم تعد تسمح لي بذكر التفاصيل الدقيقة. ويظلّ الصّادق الأمين في ذكر المعلومة، ونقلها. ويوصون القرّاء بعدم الاكتفاء بما يقدّمونه لهم من معلومات، ويطالبونهم بالبحث، والمقارنة، والتأكد منهم أو ممن عايش المعركة أو الحادثة وما زال على قيد الحياة، أو الرجوع للكتاب الفلاني أو الحوار الفلاني.

مذكرات الجزائريين الذين شهدوا الثورة الجزائرية صادقة ، لأنّ أصحابها لايكذبون. وقد يعتري صاحبها النسيان، وعدم التذكر بدقة، والاختلاط في الأسماء والأماكن، ويكفي حينها بعض المراجعة والمقارنة.

إنّ الذي يرفض أن يطلق عليه لقب لقب "أسد الونشريس" أو غير ذلك من الألقاب التي تدلّ على الأعمال الخارقة والتي تتعدى قدرات البشر لايمكنه بحال أن يكذب وهو مقبل على آخرته.

يمكن للقارىء الكريم أن يقارن بين مذكرات الجزائريين البسيطة في عناوينها، والتي تدلّ على التواضع ونكران الذات بعناوين لدول عربية، ومسلمة أعجمية وسيجد الفارق عظيم.

هناك كتب ألّفت عن شخصيات، ومجاهدين تحمل ألقاب العظمة الخارقة، لكن هذه العناوين ليست من وضع أصحابها بل هي من وضع من كتب عنهم من ابن، أو بنت، أو صاحب، أو أستاذ وغير ذلك. وقرأت عنوان كتاب: "..., le lion du djebel" (... أسد الجبل).

ممّا وقفت عليه، أنّ المجاهدين يتواضعون حين يتعمّدون عدم وصف أنفسهم بالعظمة الخارقة، ورفضهم أن تسمى مذكراتهم بعناوين مبهرة كـ: "أسد الوشريس" و"أسد الجبل"، لكنّهم في الوقت نفسه لايتواضعون للمحتلّ المغتصب، ويتعاملون معه بندية خارقة، ولا يستسلمون له، وكلّهم ثقة باللّه تعالى، وأنّ الله تعالى سينصرهم على المحتلّ المغتصب ولو كان أكثر منهم عددا وعدّة، وهذه هي العظمة وليس عنوان الكتاب.

 

معمر حبار

 

 

علاء اللاميكتاب جديد صدر حديثا للباحث العراقي صباح كنجي، يحمل عنوان "الإيزيدية: محاولة البحث عن الجذور.. رحلة في أعماق التاريخ". يقع الكتاب في 400 صفحة، توزعت على تسعة فصول وعدد من الملاحق إضافة إلى المقدمة. وقبل أن أبدأ بقراءتي النقدية لهذا الكتاب، أود أن أسجل شكري وامتناني للأستاذ المؤلف الذي أرسل لي نسخة ورقية من كتابه على كرمه وانفتاحه على التواصل والتفاعل بين أبناء الوطن الواحد من كتاب وباحثين ومواطنين بعامة؛ كما وأغتنم الفرصة للتعبير عن تعاطفي وتضامني العميق مع الطائفة الإيزيدية الكريمة في كل ما تعرضت له من مظالم ومذابح وأفعال دموية وحشية يندى لها جبين الإنسان الحق. لقد تركت تلك الجرائم الشنيعة وخصوصا التي ارتكبتها العصابات التكفيرية الداعشية الظلامية جرحا غائرا في ذاكرة الوطنية العراقية خصوصا والإنسانية عموما؛ فلكل ضحايا تلك العصابات وفي مقدمتهم أهلنا في سنجار ومقترباتها وسهل نينوى والعراق كله كل المحبة والتضامن والوفاء والتعاطف الإنساني الصادق.

* يمكن تصنيف هذا الكتاب ضمن كتب الأبحاث التأريخية والإناسية "الأنثروبولوجية" المدعوم بعلوم أخرى مقاربة أو متفرعة كالآثاريات "الأركيولوجيا" وعلوم اللغة والديانات القديمة. ولعل أول ما يلفت النظر في هذا البحث الشامل أسلوبه التوثيقي، وطريقته التحليلية المبسطة والسلسة وجِدة المعطيات ذات العلاقة بعناوينه التي يطرحها.

يقدم الكتاب أفكارا مختلفة وبعضها جديد لتعريف الإيزيدية كطائفة وديانة وقراءة سرديتها التأريخية ضمن سياقهما الرافداني الممتد - كما يرى المؤلف - إلى العصر السومري والعصور التالية له، على اعتبارٍ مفاده أن أتباع هذه الديانة "لم يكونوا محددين بقوم أو جماعة قبلية معينة واحدة، فهو دين مفتوح يعتمد على تأليه الشمس كتجلي للإله الأكبر أو العظم، وهو الإله الذي جرت عبادته من قبل شعوب العالم كافة تقريبا... ص369". ومعلوم أن هذه المعلومة أو الاستنتاج يتناقض مع ما هو معروف عن الإيزيدية على اعتبارها من الطوائف المغلقة، أي التي لا تقبل مهتدين جدد إليها من خارجها، ولكن المؤلف ربما لا يقصد الإيزدية كما هي اليوم بل في بداياتها القديمة.

* يذهب المؤلف أبعد من ذلك فيطبق فرضيته هذه على طائفة وديانة عراقية أخرى هي الكاكائية "اليارسانية" -التي يعتبرها البعض فرعا من الإيزيدية- والتي يقطن مجتمعُها في الجغرافيا نفسها التي يقطن فيها الإيزيديون، ويعتبرهم امتدادا للعمق الانثروبولوجي الرافداني السومري ويأتي بأدلة على ذلك من السردية المثيولوجية الكاكائية المعاصرة ومنها؛ اتفاق الكاكائية مع السومريين والإيزديين في اسم "باتيسي/ باتيشاه/ بادشاه" أي الملك الكاهن جامع السلطتين الزمنية والدينية، وهي الصفة التي أطلقت مثلا على كوديا حاكم لكش 2600 ق.م، وهو كما يعتقد "شيء مهم يربط هذه الأطراف الثلاثة رغم البعد الجغرافي والزمني ويعكس أصالة انتماء لتاريخ سحيق يغوص عميقا في التربة العراقية، ويثبت أننا نسير في الاتجاه والطريق الصحيح للبحث/ ص183".

الإيزيدية والسومريون وغيرهم:

3308 alizidiaaaإن فكرة إرجاع الديانة الإيزيدية إلى جذور رافدانية سومرية وأكدية وآشورية، كما نفهم من صفحات هذا الكتاب، كان قد طرحها الباحث العراقي الراحل جورج حبيب - الذي يهدي المؤلف كتابه إليه بكلمات مؤثرة - وإلى درجة ما الباحث حسو أمريكو، وقد لخَّصها حبيب - كما يقتبس كنجي - بالكلمات التالية "إن الدين اليزيدي منحدر من جذور بعيدة جدا، تبلغ العهود السومرية، على أن هذا الدين لم يُعرف بهذا الاسم إلا في فترة متأخرة نسبيا، فهو قد نال معتنقوه من الاضطهاد والعنف ما جعلهم يلقون من جراء تمسكهم به شرَّ صنوف الاضطهاد فيهاجرون من وطنهم، وبخاصة منذ أن وقعت بلاد الرافدين تحت الحكم الساساني/ ص32". ثم يحاول الباحث أن يقيم الدليل التأريخي واللغوي والمادي الأركيولوجي على صحة هذه الفكرة فيحشد خلاصات وافرة من المكتشفات والمعلومات التاريخية المفيدة والمعززة بالصور ذات العلاقة بما يخدم سياق البحث.

ورغم أن المؤلف ينفي الأصل العربي لهذه المجموعة السكانية الدينية مثلما ينفي أية علاقة لها بالأمويين العرب ويزيد بن معاوية أو يزيد بن أنيسة الخارجي على جهة التخصيص، مع أنه يرجح في مواضع أخرى من كتابه وجود علاقة دينية تعبدية قوية للأموي أبي سفيان صخر بن حرب وابنه معاوية وحفيده يزيد بالطاووس ملك الذي يقدسه الإيزيديين، قبل الإسلام وبعد قيام الدولة الأموية في الشام، ويؤكد أن الإيزيديين يتكلمون اليوم إحدى اللهجات الكردية "الكرمانجية البهدينانية" و "لا توجد لهم لغة أخرى لهم باستثناء ما سميناه بلغة بعشيقة وبحزاني والتي هي خليط من الكردية الغالبة والعربية وعدة لغات قديمة وحديثة... ص189". والحقيقة أن القول بعروبة اليزيديين أو الإيزيديين، وأنهم يتكملون اللغة الكردية كلهجة مكتسبة اعتادوا عليها بحكم الواقع التاريخي والجغرافي، هي وجهة نظر بين وجهات نظر أخرى لم يقل بها باحثون من خارج هذه الطائفة فقط، بل قال بها أحد أمرائها وهو أنور معاوية الأموي في كتاب له بعنوان "اليزيدية: تاريخ عقيدة مجتمع"، ولكن الحكم الأخير في أمور كهذه يبقى للعلم والأدلة الملموسة والمقروءة بمنهجية علمية وللمزيد من البحث المنهجي. وكنت قد كتبت قراءة نقدية لمحتويات كتاب أنور الأموي في يومية "الأخبار - عدد 20 آب 2008"، ولكن كتاب الباحث كنجي الجديد قد صحح وقوم وتناقضَ مع العديد من المعلومات التي وردت في الكتاب الآخر حول أصول وجذور اليزيدية ديانة ومجتمعا بالأدلة التأريخية والآثارية واللغوية التي قدمها، وهذا أمر طبيعي في مجالات البحث المنهجي العلمي.

إن إشكالية لغة الإيزيديين، حتى إذا اتفقنا مع ما يذهب إليه كنجي من أنها الكرمانجية الكردية المختلطة بلغات أخرى في عصرنا، تبقى دون حسم نهائي؛ فلا نعرف بالدليل الأركيولوجي الموَّثق والذي قد يبرز ذات يوم، هل كان للإيزيديين لغة أخرى قبل الكردية، أم أن الكردية هي لغتهم الأصلية التي اختلطت بلغات أخرى؟ وستترتب على الإجابة على هذا السؤال بالإجاب أو السلب أسئلة وتساؤلات أخرى. وهناك إشكالية أخرى لم يتطرق إليها المؤلف، فهو لم يفسر لنا سبب وجود أسماء من قبيل معاوية ويزيد وحتى لقب الأموي بين صفوف هذه الطائفة في عصرنا، صحيح أنه قدم حججا مدعومة بالأركيولوجيا والفيلولوجيا لتأكيد الارتباط الجذوري بين الإيزدية والديانات والحضارات الرافدانية القديمة بدءاً من السومرية، ومنها وجود عدة معابد أيزيد/ أيزيدا" في جنوب بلاد الرافدين، وأيضا في منطقة سنجار التي تقطنها الإيزيديين شمالا منذ عدة قرون، ولكنه لم يفسر لنا ظاهرة وجود الأسماء الأموية بين الإيزيديين المعاصرين، ربما باستثناء اسم عدي الذي يقول أنه آتٍ من مفردة "آدي" ذات العلاقة بتصور خلق الإنسان الأول آدم في المثيولوجيا الرافدانية القديمة، الذي دخل جذره ليشكل مع الزمن آدي، أو هدد أو أدد نيراري وما بعدها بعد تحولات "..." وهذا هو الحال مع آدي الذي أصبح عادي ومن ثم عدي بالرغم من عدم وجود حرف العين في اللغة الكردية/ ص189".

إن انعدام وجود حرف العين في اللغة الكردية / الإيزيدية، ووجوده في كلمات مهمة في السردية الإيزيدية وكون لغة الإيزيديين خليط من لغات إحداها العربية، كما يقول الباحث يخالف ما أراد إثباته كما نعتقد ويثير التحفظ. فكاحتمال بين احتمالات، كوجود هذه الأسماء العربية ذات الشخصيات التأريخية "الحقيقية"، أليس من الممكن أن يكون بعض الأفراد والأمراء من الأسرة الأموية بعد سقوط دولتها في بلاد الشام المجاورة، وتحت ضغط المجازر المرعبة التي ارتكبها العباسيون بحقهم ولم تُستَثْنَ منها حتى قبور موتاهم، نجحوا في الفرار إلى مناطق سنجار الجبلية في شمالي العراق واستقروا واندمجوا بالإيزيديين الأصليين أو ذوي الجذور الحضارية الأقدم والأعمق مثلما نجح عبد الرحمن الداخل في النجاة والهروب غربا وتأسيس دولة اموية في الأندلس بدعم أخواله من قبائل البربر؟

جذور الإيزيدية:

* معروف أن نظريات وفرضيات كثيرة أطلقت في العقود الأخيرة وماتزال تطلق حول أصول الشعوب الرافدانية القديمة وقد راجت مؤخرا كتابات صحافية حول أصل السومريين الكردي، أو أنها تجعل بلاد الرافدين كلها بدولها المركزية الإمبراطورية المتعاقبة ولغاتها ملحقا وتابعا لبلد أو دولة أخرى مجاورة كسوريا المشتق اسمها من إحدى الدول الرافدانية "آشوريا"، أو تعتبر السومريين من سكان الفضاء الخارجي والكواكب البعيدة، في تكرار كاريكاتوري لآراء وحيثيات وردت في كتاب أو أكثر صدر في الغرب لأشخاص باحثين عن الشهرة عبر "الصرعة الإعلامية" وليسوا من ذوي التخصص أو ممن لا يقيمون اعتبارا للمنهجية العلمية في الكتابة التحليلية المدعومة بالأدلة الملموسة الأركيولوجية واللغوية ...وغيرها. ولكن الكتاب الذي بين أيدينا للسيد صباح كنجي يختلف عن هذه النماذج في أنه يصدر عن شخص عاش البيئة الاجتماعية وموضوع البحث لأنه من أفراد هذه الطائفة العراقية الكريمة، وثانيا لأنه يعتمد الأساليب والطرائق العلمية غالبا في الفحص والتحري والتحليل وجمع الأدلة، ويحفل كتابه بالعديد من المعطيات الجديدة والتي قد تفاجئ القارئ، لعل من أبرزها:

* ما ورد في الفصل الأول بخصوص اسم " الإيزيدية والإيزيديين" حيث يعيدنا المؤلف إلى جذور الاسم القديمة، بعد أن يستعرض تلك التفسيرات التقليدية في كتب التراث من باب العلم بها أو تخطئتها وقراءتها من جديد بطريقة مختلفة، ثم يتوغل عميقا في تاريخ بلاد الرافدين "بيث نهرين" بالآرامية، في الفصل الثاني من كتابه، ليربط الاسم التراث الرافداني القديم وخصوصا السومري والأكدي، كما سجله الباحث العراقي الراحل جورج حبيب في كتابه "الإيزيدية بقايا دين قديم"، حيث يعود هذا الأخير بالاسم معتمدا على ما قدمه علم الآثار من أدلة ومعطيات ليؤكد إلى أن "الدين اليزيدي منحدر من جذور بعيدة جدا تبلغ العهود السومرية/ص 9-10" وهذا الدين أو الاعتقاد القديم كان قد اتخذ من "معبد إيزيد أو إزيدا" الذي اكتشف في بورسيبا جنوبي العراق - 17 كم جنوب بابل - كما اكتشفت ثماني معابد أخرى بالتسمية ذاتها، خمسة منها في محافظة نينوى العراقية التي تتبع لها مناطق الإيزيديين اليوم. مضاف إلى ذلك يسجل المؤلف علاقة هذا الدين بعبادة الإله نابو البابلي، وهو في المثيولوجيا العراقية القديمة ابن كبير الآلهة السومرية مردوخ، إله الكتابة والحكمة، وعدَّه البابليون حفيد إله إيا. فيقتبس المؤلف نصا مترجما لدعاء طلب الغفران عن "لوح شوربو ص 145" ينتهي بعبارة "ليغفر نابو ونانايا في الإيزيد".

* يذكر الباحث إشارات وأدلة علائقية مهمة أخرى بين الديانة الإيزيدية وجذورها السومرية الرافدانية منها تقديس يوم الأربعاء الذي هو يوم الإله نابو البابلي، ورمز هذا الإله على شكل شاب يركب طاووسا، وبيمنه حية والطاووس، والحية من رموز "طاووس ملك" في الديانة الإيزيدية، ورمز الحية التي نجدها على مدخل المعبد الإيزيدي في لالش في عصرنا. وهناك أيضا التشابه القوي في تفاصيل عيد أكيتو السومري ثم البابلي للاحتفال برأس السنة البابلية مع بدء الاعتدال الربيعي في الأول من شهر نيسان وهو التاريخ نفسه الذي يحتفل فيه الإيزيديون برأس السنة في ديانتهم ويجرون المسيرة الاحتفالية المعهودة فيه والتي يعتبرها المؤلف امتدادا لمسيرة العيد السنوي في شارع الموكب ببابل العاصمة القديمة! إضافة إلى التشابهات المضمونية الملفتة بين أسطورة كلكامش الشهيرة ورواية مير مح الشعبية الإيزيدية/ص257.

في الجزء الثاني من هذه الدراسة سنناقش توثيق الكتاب موضوعها، وبعض وجهات نظر الكاتب حول علاقة العرب بالشعوب الشرقية ومن أين جاءوا ودخوله في مطبات الجدالات السياسية بين القوميين العرب ومناوئيهم من القوميين والليبراليين الجدد "المحافظين جوهرا". يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

محمود محمد عليفكره هذا الكتاب تعول على أن بريطانيا هي أول ممول مالي ولوجيستي لجماعة الإخوان منذ عهد مؤسس الجماعة حسن البنا عام 1928، وأن لندن تعتبر العاصمة الثانية لجماعة الإخوان ويوجد بها مقر التنظيم الدولي، وأنها احتضنت عددا كبيرا من قيادات الإخوان ومنحت بعضهم حق اللجوء السياسي، والجنسية البريطانية إضافة لمعونات مالية، لافتًا إلى أن الأجهزة الأمنية البريطانية وظفت جماعة الإخوان منذ تأسيسها كأداة ضغظ لتحقيق مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، والهيمنة على الأوضاع السياسية في المنطقة العربية. علاوة على أن حزب المحافظين البريطاني، لديه علاقات وثيقة وقوية مع جماعة الإخوان سياسيا واقتصاديا، إذا يجرى استخدام الإخوان في حشد أصوات المسلمين في بريطانيا؛ لتمرير القرارات السياسية التي يتخذها الحزب. وقد كشفت لنا بعض قيادات التنظيم الخاص في مذكراتهم اتصالات زينب الغزالي وحسن الهضيبي بالسفارة البريطانية في القاهرة، بهدف الإطاحة بالرئيس جمال عبدالناصر، مشيرًا إلى أن هناك مؤشرات تؤكد تورط المخابرات البريطانية في التخطيط لحادث المنشية عام 1954 (8).

وعن الوجود الإخواني في بريطانيا، فهناك أكثر من 40 مؤسسة إخوانية، متنوعة بين مؤسسات دينية واجتماعية وإعلامية وقانونية، واقتصادية إضافة إلى "الرابطة الإسلامية"، التي تمثل أكبر كيان إخواني في أوروبا على الإطلاق، وتضم أكثر من 500 منظمة إخوانية التابعة للتنظيم الدولي، والتي تأسست عام 1997 برعاية المخابرات البريطانية علاوة على وجود منظمة الإغاثة الإسلامية التي تأسست عام 1984، والتي تمثل أكبر مؤسسة يجرى توظيفها في جمع الأموال من العالم الإسلام العربي والغربي. وبريطانيا احتضنت عددا كبيرا من قيادات الجهاد المصري، وتيارات السلفية الجهادية، أمثال هاني السباعي مؤسس مركز المقريزي، وياسر السري مؤسس المرصد الإسلامي، رغم حصولهما على أحكام بالإعدام، ودعمهما للجناح المسلح للإخوان عقب ثورة 30 يونيو (9).

إذن بريطانيا كانت تدعم التنظيم في مواجهة تيار القوميين العرب المتمثل بالقومية العربية، والبعيد عن النزعات العقائدية، وللحفاظ على حالة الانقسامات في الشرق الأوسط، ولمنع أي اقتراب عربي من إقامة كيان عربي موحد، حيث التقى التنظيم مع السياسة البريطانية في العداء للقومية العربية، فسعياً لتقويض أي تقارب قومي عربي، بل إلى جعل الدعوة إلى أي حراك قومي عربي بمثابة خطر يهدد كيان تنظيم الإخوان الذي يزعم تبني شعار "الإسلام أمة واحدة"، ونعرف أن تنظيم حسن البنا يحمل اسم "الإخوان المسلمين" وليس إخوان المسلمين، وهناك فرق بين المعنيين والهدف، مما يؤكد سيطرة فكرة الخصوصية على جماعة البنا، وأنهم وفق زعمه هم فقط المسلمون، والإخوة مقتصرة بين أفراد التنظيم، لا عموم المسلمين، وإلا لكانت التسمية إخوان المسلمين بدلاً من الإخوان المسلمين، وعلاقة الحكومات البريطانية المتعاقبة من أربعينات القرن الماضي كانت توفر الدعم والحماية واللجوء السياسي لعناصر وقيادات التنظيم، بل لم تسمح حتى للشرطة الدولية بملاحقة عناصر التنظيم قضائياً إذا استدعى الأمر، في ظل الحديث عن وجود استثمارات للتنظيم بعشرات المليارات في بريطانيا (10).

وعبر مطالعة المؤلف الصبورة لهذه الوثائق الرسمية التي لفها الكتمان خمسين عامًا، يرسم الكاتب لنا كما يقول د. علي عمار حسن خريطة كاملة للدور الذي لعبته بريطانيا في إطلاقِ وصناعة أو تشجيع وتوظيف الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية على اختلاف درجات ارتكابها للعنف الرمزي واللفظي والمادي، سواء باتصالٍ مباشر بقادتها، وإبرام اتفاقات سرية معهم، أو من خلال التعاون مع نُظُم حكم في العالم الإسلامي، أو تبادل المعلومات والتفاهمات مع أجهزة استخبارات؛ وهو دورٌ استمر، بدرجة أقل، مع صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى واجهة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وانحسار نفوذ بريطانيا، التي لم تلبث أن عملت بدهاء في خدمة القوى العالمية الكبرى الجديدة، كي تحافظ على الحد المناسب من مصالح الإنجليز في العالم، الأمر الذي تطلَّب قيامُ لندن بتسليم العديد من الملفات والمعلومات والتصورات السياسية لواشنطن، ومن بينها ملف الجماعات الإسلامية المتطرفة (11).

يسيح بنا الكاتب في جغرافية واسعة كما يذكر د. علي عمار حسن ليكشف النقاب عن صلات بريطانيا بدول وجماعات وأفراد في أفريقيا وآسيا ودول البلقان في أوروبا أدت في خاتمة المطاف إلى تعزيز نفوذ "الإسلام السياسي"، بدءًا من التآمر مع قوى إسلامية متطرفة على خلافة سوكوتو بنيجيريا، في أوائل القرن العشرين، وحتى محاربة بقايا الشيوعية واليسارية في يوغوسلافيا المتفككة، مرورًا بدق المسمار الأخير في نعش الخلافة العثمانية التي تحولت إلى "رجل أوروبا المريض"، وفصل باكستان عن الهند، ومحاربة القومية العربية التي بلغت أوجها مع حكم جمال عبد الناصر في مصر، وإسقاط مصدق في إيران، ثم التحالف مع مجموعات متطرفة شيعية في إيران وسنية في العراق، والحفاظ على المصالح التجارية في جنوب شرق آسيا والهند، وتعزيز وجود إسرائيل. وقد تم كل هذا تحت طائلة المبدأ السياسي الأثير لدى بريطانيا وهو "فرِّق تَسُد" (12).

والكتاب ينقسم إلى تسعة عشر فصلا: الفصل الأول: سياسة فرَّق تَسُد الإمبريالية، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: خلق شرق أوسط جديد، وميلاد التحالف السعودي، وأسيا الوسطى والعراق، فلسطين والمفتي، ومصر والإخوان المسلمون خلال الحرب (13). الفصل الثاني: التقسيم في الهند وفلسطين يعرض الفصل لموضوعات مثل:احتفظوا بقطعة من الهند، والتقسيم وحرب فلسطين، ومعضلة جامعة العرب (14). الفصل الثالث: قوات الصدام في إيران ومصر، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل:العمل مع آية الله، والتعاون مع الإخوان (15). الفصل الرابع: الإسلام في مواجهة القومية، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: مثلما تكونون يولى عليكم، وجدوى الإخوان في سوريا، والوقوف لجانب الإخوان في الأردن، وتحالف سري في إندونيسيا (16). الفصل الخامس: رسالة الإسلام العالمية، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: