قراءات نقدية

المِيتَا سَرد القِصصِي السَّاخرُ المَكِينُ.. طرقاتٌ ضوئيِّةٌ قارَّةٌ خارجُ مَثاباتِ الصَّفَّارينَ

تقديـمٌ: من نوافل إيماننا المبدئي الكامل، واعتقادنا الراسخ بفهمنا الواضح لفلسفة الفكر الصوفي العلمي الدقيق. واحتساباً وتصديقاً بمفهوم منظوره الديني الجدلي العميق، واهتماماً واقعياً بمحاكاة قاعدة رأي النِّفَّرِي الفكرية المأثورة في أدبيات الفكر الصوفي الروحي، (كُلَّما اتَّسعتِ الرُّؤيةُ ضَاقتْ العِبارةُ)، نستأثر القول من دلالته، ونبني مثابات خريطة رؤيتنا النقدية من أُسِ تجلِّياته الحِكَمِيَّةِ البعيدة في هذا الضرب الفنِّي الرفيع من الأدب السردي الحديث، أدب القصة القصيرة جِدَّاً. وأنَّ مصاديق الرؤية الفكرية تؤكِّد قاعدة مسار التأثيث الإنتاجي لهذا الجنس من الإبداع الفنِّي بأنَّه، كُلَّما اتسعت مطارق القصِّ القصصي القصير جدَّاً، وامتدَّت مِساحاتُ فضاءاته الكونية الواسعة رؤيةً داخل زِحام عتبات جعجعة سوق الصفَّارين (السَّردة)، ضاقت سُبلُ هذا الفنِّ السَّردي التعبيري، ومصادر إنتاجه الحكائي الفنِّي لدى المَهَرةِ والمثابرين من قصَّاصي وصُنَّاع هذا اللَّون الإبداعي المتجدِّد؛ لِتمتدَّ رقعة المُحدَّدُ من كساد هذا الإبداعي الخلَّاق خارج أسوار وحدود محيط هذه السوق ذات المكان الإبداعي الثقافي الضَّاجِّ رِكُودَةً ببضاعةِ اقتصاده التقليدية للمتلقِّي المُبتَاعِ لحاجته الفكرية الواعدة بالإبداع بعنايةٍ وحذرٍ شديدين.

وإنَّ محاولات كسر قيود هذا المِرْبَدِ السُّوقي السَّرديِّ الكبير، وتحطيم جُدُرِ مألوفه الاعتباري الراهن، تُنْبِئُ موحيات مؤشِّراته الإبداعية وأنساقه الثقافية الفنيَّة بتجلٍّ واضحٍ بأنَّ المنجز القصصي الجديد من الإنتاج السردي القصصي القصير جدَّاً، قد تخطَّى صانعوه الحاذقون حدوده المكانية الضيِّقة الدَّالة عليه في ناصية المشهد الثقافي الإبداعي إلى آفاقَ رحبةٍ وواسعة عبر أديم زمكانية الوجود والعدم في التحدِّي المصيري، (أكونُ أو لا أكونُ).

وأعلنوا في الوقت نفسه بأنَّ صناعة العَرضِ والطَّلَبِ التَّخليقي الفنِّي لهذا الجنس الأدبي الحداثوي من الفنِّ التسريدي الرائج، ستكون فنيَّاً وجماليَّاً وأسلوبياً بالمعنى الفكري اللُّغوي والدلالي أنَّها -حقَّاً- طرقات إبداعية فنيَّة مُحكمة خارج حدود سوق الصفافير الذي هو مجازاً سوق الفنِّ، وليس من داخل السوق الراكدة تداولياً بالكساد اللَّا إبداعي من المنظور القارَّ بالرَّتابة والإملال الشعوري ومظاهر المباشرة والترهل اللُّغوي الفكري الذي لا طائل من سماع رحى جعجعته الصوتية الخاوية سوى مطارق التكرير اللَّفظي والتدوير الشكلي لا المعنوي التجديدي لبنية السرد القصصي الذي يدور في حلقةٍ محوريةٍ فارغةٍ عجفاء لا ماء إبداعي فيها ولا رواء يُحيي جديدَ الحياة.

وعلى وفق هذا التوجُّه الأسلوبي الفنَّي المغاير، والمنحى السِّياقي الفكري التجديدي لآليات الأدب القصصي القصير واشتراطاته الفنيَّة والموضوعية والجماليَّة التي يسعى الكاتب المبدع الحقيقي تقديمها عبر أثير مجسَّات رسالته الإبداعية إلى عناية المتلقِّي المثقَّف واهتمام القارئ، على شكل أفكارٍ فنيَّةٍ خاصَّةٍ، أو وجهات نظرٍ موضوعيَّةٍ عامةٍ معيَّنةٍ، ذات طابعٍ تأثيريٍ قيمٍ في هندسة وإنتاج صناعة خطابه الفاعل الذي يشكلان فيه ركنين أساسيين ومهمَّين جدَّاً معاً، كلٌّ من الكاتب (المُرِسلُ) من خلال بثِّ رسالته النصيَّة، والمتلقَّي أو القارئ (المُرَسلُ إليه) من خلال مُدركات قراءاته التأويلية لمدخلات تكوين الخطاب السردي الحديث، واكتمال مخرجاته الفنيَّة.

فمن خلال خطِّ مسار الجانب الأوّل المكوِّن لفاعلية الخطاب، قدَّم الكاتب والقاص السومريّ الميسانيّ محمَّد السيِّد كرَم مجموعته القصصية القصيرة الموسومة بـ (طَرَقَاتٌ خَارجُ سُوقِ الصَّفافيرِ*) والتي تضمنت محتوياتها الموضوعية القصصية الفكرية المُتراتبة ( 98) نصَّاً قصصيَّاً قصيراً. وبهذا الجانب الثأثيثي الفنِّي يكون الكاتب قد بعث مثابات رسالة الوظيفية الإبداعية إلى عين القارئ الواعي ذي الفكر النابه؛ لتحقيق جانبي الخطاب السردي، وأعني بذلك(الكاتب والقارئ)، وتفعيل دورهما الفكري التخليقي عبر تقنيات الكتابة السَّردية وآليات التلقِّي الحديثة.4267 سيد محمد سيد كرم

عتبات النصِّ السَّردي

1 - العتبة الأولى، عَتبةُ العنوان الرئيس اللَّافتِ بَصريَّاً ودِلاليَّاً،(طَرَقَاتٌ خَارجُ سُوقِ الصَّفافيرِ)

تمثِّلُ دالة العنوان الرئيس لأي عملٍ أدبي إنتاجي إبداعي شعري أو نثري العتبة النصيَّة الأولى الموازية من عتابات النصِّ الموازية للنص الداخلي ذي المحتوى أو (المتن الرسالي) الشِّعري أو النثري السَّردي القصصي. والتي تَلفتُ من الوَهلة الأولى بقوةٍ نظرَ عينَ المُتلقِّي، وتستأثر شعورياً باهتمام تفكيره الصادم؛ كون العنوان يمثِّل الثُريا النَّصيَّةً المضيئةً للمُنتج الإبداعي،ويشكل فناراً ضوئيَّاً لافتاً من فنارات النص الأدبي الأخرى التي بها يرتقي المنجز الإبداعي نضوجاً واكتمالاً ويحظى مبدئياً بعلامات القبول والرضى لدى الرائي والمتلقِّي على حدٍّ سواء.

لقد فاجأنا محمَّد السيِّد كرم باختياره المُوفَّق الدقيق لعتبة عنوانه القصصي المُذهل، وغير المألوف للمتلقِّي على المستوى الأسلوبي الكتابي الفنِّي والجمالي، والذي من خلال أيقونة إشاراته السيمائية وموحياته الدلالية القريبة والبعيدة المُعبَّرة عن مكنونات النصِّ في تحقيق أهدافها الفكرية والبلاغية الوجيزة، أي من خلال هذه التورية العنوانية الجديدة، يتخَفَّى مدوِّنُها المبدعُ وراء مقصدياتها السرديَّة الدلاليَّة والمعنويَّة في تمرير رؤيته القصصية.

لقد أراد السيِّد كرم بسهام جملته العنوانية الاسمية الوجيزة الأثر، (طَرَقَاتٌ خَارجُ سُوقِ الصَّفافيرِ) أنْ يوصل إلى القارئ الواعي، والمُتلقِّي المُثقَّفِ الناقدِ ذي العين النقدية الثالثة برسالة فنيَّة إثرائية مفادها أنّ الطَّرْقَ الضوئيَ الأسلوبيَ الإبداعيَ الرصينَ لفضاءات الفنِّ القِصصي القصير جدَّاً ليس شرطاً أنْ تكون صادراته الإبداعية من داخل مثابات دكاكين سوقه السردي المعتادة، والمعروفة للقارئ بمحلَّاته المكانية ووحداته الزمانية. وكما تفعله مطارق الصَّفارين المَهَرَةِ المُدويَّة في سوق معدن النحُاس(الصُّفْر) التراثية؛ وإنَّما على عكس ذلك التوجُّه تماماً.

إنَّ الإبداع الحقيقي لتقنية فنِّ القصة القصيرة جدِّاً، تلمسُ بصدقٍ وقعَ أثر طرقاته الفنيَّة المَكِينة وضرباته الفعليَّة الصوتية المدوِّية خارجَ أسوار تلك السوق، وبعيداً عن مطبَّات قيودها التقليدية الرتيبة التي تختلط فيها خيوط شِباكِ حابل الطرق الكتابي الإبداعي المكين بنابل الطرق الحكائي الخاوي الغثِّ المُهَلْهَلِ غيرِ السَّمينِ وسط بيئة هذه الجعجعة التسريدية المتشابكة الأصوات في ملتقاها الجمعي من كل صوبٍ وحدبٍ.والمهمُّ في إشارات هذه الرسالة العنوانية كلِّها أنَّ الطرق القصصي القصير الذي يريده القاصُّ أن يشمخ خارج أطلال المكانية المتوارثة لهذه السوق السردية العتيدة، لهُ قصدياته الفكرية البعيدة، ومحمولاته الدلالية القريبة. وله أيضاً مرجعياته ومصادره العميقة، وله أنساقه الثقافية الظاهرة الجليَّة، وموحياته المُضمرة الخفيَّة التي يقتفي أثرها الكاتب الحصيف البارع بوعيٍ ويقظةٍ وحذرٍ سيمائي عن بعدٍ. راصداً بعدسة رؤيته البصرية الثاقبة التقاطاتً صوريةً ضوئيةً حيَّةً من آثار عقابيل الراهن العياني للواقع الإنساني البيئي المُحتدِم الَّذي هو جزء لا يتجزأ من بناء محيطه المجتمعي المتكامل.

وعلى هدي هذه المجسَّات الفكرية المرسلة التي بعثها القاصُّ محمَّد السيِّد كرم عبر تمظهرات فضائه العنواني المُعلن، يكون العنوان الرئيس بلوحته الضوئية اللافتة الظهور بحسب ما يراه المفكِّر جيرار جينيت مُنظِّرُ الأدب الفرنسي ويؤكِّده في عتبابته النصيَّة، (جيرار جيننيت من النصِّ إلى المناصِّ)، قد أدَّى وظائفه الرئيسة التكوينية الأربع، (الإخباريَّة، والدلاليَّة، والتأويليَّة، والثقافيَّة) في تحليل تجلِّيات الخطاب النصِّي، ولا سيَّما القصصي السردي، وتصدير إنتاجه إلى القارئ المتلقِّي. والتي من خلالها وبها تُفَكَّكُ وتُعرَفُ شفراتُ النصِّ الداخلية، وتُفهم مغازي الخطاب السَّردي وخصائص تمظهراته الثقافية والسوسيولوجية المكوِّنة لفئات طبقات المجتمع الذي استمدَّ منه الكاتب مصادر مرجعيات مادته الفكريَّة والثقافيَّة الأساسيَّة في رسالته الإبداعية الموجَّهة إلى أنظار المتلقِّي.

2- العتبةُ الثَّانيةُ، عتبةُ الإهداءِ الذاتي من المُبدع إلى جمهورِ القُرَّاءِ ونُخبةِ المُتلقيِّنَ

حرص القاصُّ الرَّائيُ محمَّد السيِّد كرم أنْ يكون إهداء منجزه القصصي السَّردي الإبداعي بلغة التخصيص الصموتي الجمعي الشمولي الكُلي، (إلى كُلِّ الصَّامتينَ الذِّينَ يَتَرقَّبُونَ بِحُرقَةٍ وَألمٍ ما يَحصلُ من اِنحدارٍ وَتراجِعٍ مُخِيفٍ فِي بَلدِ الرَّافدينِ،...). إلى الأغلبية الصامتة من جماهير الشعب وعامَّة الناس في (العراق)، بلد العلم والحضارات وادي الرافين ممن يعيشون هول صدمة الظلم المستشري بمفاصل المجتمع المكافح له. وإلى الذين يتلمَّسون بحرقةٍ وألمٍ وتوجُّعٍ دائمٍ مساربَ واقعة أُتون الفساد المكشوف، والذي ينخر بجسد مؤسسات الدولة إرث الشعب وبنيته التحتية في حقبة عصيبة من تاريخه الحديث، حقبة ما بعد التغيير السياسي لنظام الحكم السابق.

وإنَّ الأغرب والأنكى في بنية هذا الإهداء الذي يُشخَّصُه الكاتب باستهجانٍ حقيقيٍ وسخريةٍ ورفضٍ واحتجاجٍ مدوٍ عالٍ، أنَّ الأصوات الحُرَّة التي تواجه الظلم، وتدعو إلى محاربة الفساد والقضاء عليه، هي أصوات ناشزة تنطلق من بنية رَحِمِ الفّساد نفسه لا من غيره. حتَّى استوت لدى الكاتب هالةُ الأنوارِ وعتمة الظُلمِ، واختلطت عليه قيم الحقِّ بدواعي شرور المعتدي الباطل. وصار من مُحال الإرادة والتعجيز النفسي على أصحاب الحقِّ وأهله من الشرفاء المدافعين الأخيار أنْ ينطقوا بكلمة حقٍّ ضد الباطل الأثيم المعتدي، فَتُحسَبُ على هذا الضجيج المُرْعِبِ من الباطل. وكانت حصيلتهم الواقعية إزاء هذا الطُّوفان المُدَّمر لغة الصمت، ولا شيء غير الصمت يتكلَّم بالنيابة.

هذا النداء الإنساني الواقعي من الإهداء الذي صدَّره الكاتب في مطلع إهدائه - بصمتٍ عجيبٍ إلى الصامتين، وختمه بصمتٍ غريبٍ لا شيءَ سواه - إلى أبناء جلدته الذين هم السَّواد الأعمُّ الأعظمُ من الصامتين والمغيَّبين والمهمَّشين قصدياً من حملة رايات الحُرية وآمال السلام الذين يستشعرون بأسىً شديدٍ ووجعٍ قائمٍ مرارة الظلم ووقع الفساد الدامي. وعلى الرغم من سكونهم الحركي وصمتهم الرهيب المبرَّر أو غيرِ المُبَرَّر؛ كونهم آثروا طريق الصمت وفضَّلوا السكوت والاستسلام والخنوع على نُصرة الحقِّ ومُحاربة أدعياء الباطل الزاهق الراحل الذي لا ثبات لحركة جريان زَبَدِهِ الجافي، (فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذهبُ جُفَاءً وَأمَّا مَا يَنفعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ).

فإنَّ هذه الأسباب الظاهرة وغير الظاهرة المرتبطة بالمسبِّبات والعِلل كانت إشاراتٍ قويةً وفصيحةً ببيان موحياتها الدلالية الهادفة وأنساقها الفكرية الواعدة على تحريض واعية القاصِّ الكاتب الفكرية واستفزاز مهماز وعيه الإنتاجي التخليقي، وَحَمْلِهِ على توظيف تلك الوقائع والأحداث بلغةٍ قصصَّيةٍ جميلة رائقة واعية ناهضة. وبأسلوب حكائي فنِّي تعبيري نقدي ساخر تهكُمِي لا يخلو من سيماء الامتعاض وضربات الرفض والتمرُّد الذاتي والثورة على سِهام الباطل. وجاءت وحداته الموضوعية متماسكةً بأذيال تلابيب خطابه السردي ثريَّةً ومتنوعةً وراصدةً باقتناص دقيقٍ وواعٍ لكلِّ ما لهُ علاقة مباشرة بالهمِّ الإنساني ومعاناته المريرة في الحياة اليومية الراهنة.

3- عتباتُ الخطابِ السَّردي الداخليَّةِ، (عِنواناتُ المُدَوَّنَةِ النصيَّةِ)

من يقرأ بإمعانٍ وتروٍ فاحص معطيات نصوص هذه المجموعة القصصية القصيرة جدَّاً التي احتوت على تسعة وتسعين عنواناً فرعياً داخليَّاً متنوِّعاً، سيلفت نظره متلمِّساً من -حيث التركيب اللُّغوي النَّحوي - المستوى الأسلوبي الذي اِتَّبعه محمَّد السيِّد كرم في تنظيم هذه العتبات وتوزيعها على ثلاث فئاتٍ جُمَلِيِّة عُنوانيةٍ. عنوناتٌ أُحاديةٌ التركيب الجُملي، أي من كلمة واحدةٍ تامَّةٍ فقط، وهي السمة الغالبة لهذه العنوانات التي  بلغ عددُها أربعةً وخمسين عنواناً تجاوز نصف المجموعة، والتي تصدَّرت مِساحاتٍ واسعةً وكثيرة من العنوانات الفرعية لهذه المجموعة.

أمَّا النوع الثاني من هذه الفئات، فهي العنوانات ذات التركيب الثنائي الجُملي البسيط الدال على معناه اللُّغوي الهادف بوضوح ويُسرٍ، ونصيبها الحضوري لا يَقلُّ شأناً عن الفئة الأولي المتسيِّدة المشهد القصصي للمدوَّنة. أمَّا النوع الفئوي الثالث، فهو العنوانات ذات التركيب الجُملي الثلاثي الذي لا يتجاوز حضورها الفنَّي عددَ الأصابع قلةً في منظور العدد والعُدَّة. وأمَّا البنية التركيبة النحوية لكلِّ نصٍّ من نصوص وحدات هذه المجموعة القصصية (طَرَقاتٌ...)، فإن مِتونها التكوينية تتركَّب من سطر واحدٍ أو سطرين اثنين أو ثلاثة أسطُرٍ أو أربعة أسطر أو أكثر من ذلك العدد في تركيبها النَّحوي، وبلغةٍ تعبيريةٍ فنيَّةٍ رشيقةٍ شائقةٍ خاليةٍ من عيوب التَّرَهُّل والإطناب.

أمَّا من حيث المستوى اللُّغوي الدلالي لسيميائية العنوان القصصي، فإنَّ العنوانات الفرعية الداخلية لهذه المجموعة التي وظَّفها الكاتب الرائي بقصديةٍ وعنايةٍ واهتمامٍ، جاءت في سياقين من الاختيار، الأول سياق الطابع

التقريري المباشر الذي لا عيب فيه، والدال على بيان ووضوح معناه الدلالي المُحبَّب للنفس الإنسانية من بسيط (السهل الممتنع) غير المُعقد التركيب، والذي لا يحتاج فيه القارئ  إلى جُهدٍ كبيرٍ أو مُضاعفٍ في تحليلٍ أو تأويلٍ هرمنيوطيقي لإدراك معناه التقريبي البعيد. وهو الأكثر تسيُّداً وانتشاراً في طيَّات هذه المجموعة الدافقة حضوراً. أمَّا النسق الثاني لطابع هذه العتبات، فهو نسق العنوان الفنِّي الجمالي الذي يحتاج فيه المتلقِّي إلى تفكيك شفراته اللُّغوية والدلالية القريبة، ولا بُدَّ من فهم معناه الدلالي السياقي الفنِّي البعيد الدال على نظم تركيبه الجُملي غير المعجمي. وكان استحضاره التعبيري الفنِّي طيِّباً ومناسباً لجماليات واقعة الحدث النصيَّة المبتغاة في هذه المدونة.

إنَّ أهمَّ ما يميِّز دالة هذه العتبات العنوانية أنَّها مستوحاة بعنايةٍ كبيرةٍ من مصادر تاريخيةٍ تراثيةٍ ورموزٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ وفلسفيةٍ وثقافيةٍ شهيرةٍ ومعروفةٍ، ولها أثرها البالغ في المأثور الرسمي والشعبي. ومن يتتبع بعينٍ نقديةٍ فاحصةٍ عتبات العنوانات الفرعية الأولى التي تصدَّرت صفحات هذه المجموعة، سيقرأ بأدلةٍ ووضوحٍ تامٍّ أنَّها حملت في ثناياها إشاراتٍ تاريخيةَ، ومسمَّياتٍ رمزيةً وأدبيةً ودينيةٍ وحِكميةً وفلسفيةً كثيرةً مقترنةً بأصحابها ورموزها الدالة على هويتها الثقافية. فالنصِّ القصصي القصير (ملاذُ) فيه إشارة اسمية للرمز التاريخي الضليل أبرهة الحبشي، ولفِيَلَتَهِ العظيمة في هدم الكعبة. والنصُّ القصصي (إعادةُ تَدويرٍ) فيه رسالة نصيَّة إلى ملك الحبشة النجَّاشي ناصر المسلمين الأوائل من المهاجرين الذين التقاهم عند قدومهم إلى الحبشة.

أمَّا النصوص القصصيَّة التسعة الأخرى التالية الحضور من محتويات هذه المجموعة، والتي جاءت تحت عنوان (جولته)، فكل نصٍّ فيها حمل رسولُهُ إشارةً اسميةً ودلاليةً واضحةً لصاحبه المُرسل إليه مكانيَّاً عبر وحدة التراسل الزماني التاريخي. فعنوان نصِّ (جولته الأولى)، كانت إشاراته الدلالية التاريخية تُشير بوضوح إلى العروج إلى اليمن السعيد الذي يقال أنهَّا الأصل، ونصُّ (جولته الثانية)،كانت إشارته التاريخية الصريحة عن رمز الكرم والجود العربي المعطاء حاتم الطائي. وعنوان قصته (جولته الثالثة)،كان موجَّهاً مباشرةً إلى الرمز الشعري والأدبي عنترة بن شداد العبسي فارس فرسان الهيجاء وبطل معاركها الشجاع. ونصُّ قصة (جولته الرابعة)،كانت رسالته موجَّهةً إلى رمز العدالة الإنسانية وصوتها الصادح بالحقِّ والعدل والإنصاف علي بن أبي طالب (ع).

أمَّا نصُّ (جولته الخامسة)، فكان أيضاً مقروناً بالرمز التاريخي الذي اقترن اسمه بمحاولات هدم الكعبة أبرهة الحبشي، والمعروف أيضاً بأبرهة الأشرم. بينما عنوان نصِّ (جولته السادسة)، كانت إشارته النصيّة مخصوصةً إلى زعيم الهند ومحرِّرها وباني تاريخ مجدها الوطني الثوري المهاتير غاندي. وكانت عنوانية (جولته السابعة) تخصُّ فيلسوف اليونان ومفكرها الكبير إفلاطون الشهير. في حين كانت حكاية قصته القصيرة التي حملت عنوان (جولته الثامنة) مبعوثةُ إلى الرمز المغولي المُدمِّر هولاكو خان ، حفيد جنكيز خان الذي اقترن اسمه بسقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية واجتياحها. وجاءت قصة (جولته التاسعة) والأخيرة بنصِّها الدلالي الصريح إلى بيت المقدس (قبة الصخرة)، أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومعراج النبي محمَّد (ص) المعروفة قصتها في الإسراء.

وفي الوقت ذاته كان نصُّ قصته (حجَّةٌ) يتحدَّث عن  ذكر الرمز الديني النبي نوح النجَّار (ع) الذي اقترن اسمه بسفينة النجاة التي صنعها لنجاة مَنْ آمنَ مِنْ قومة الكُفَّار. وكانت قصته الموسومة ( لعنةُ بشرٍ) تعني بالحديث عن ذي القرنين الإسكندر الثالث المقدوني الشهير. وكان عنوان قصته (مجانيةُ التعيينِ) مخصوصاً بذكر الحديث على سبيل المزحة الاسمية عن الرمز التاريخي الشيوعي الثوري الكبير مؤسِّس جمهورية الصين الشعبية الحديث الزعيم ماو تسي تونغ. أمَّا عنوان نصَّ قصته القصيرة (إنطلوجيا بني عبسٍ)، فإنَّ إشارته الحدثية الصريحة عن فروسية الشاعرعنترة بن شداد العبسي وعن حبيبته الرمز القرين عَبلة. أمَّا العنوانات الأخرى التالية لهذه المجموعة، فكانت موحياتها الدلالية والفنيَّة الفكرية العريضة موزَّعةً بين الفكر والسياسة والدين والمجتمع وفلسفة الحياة وارهاصاتها اليومية، وما يتَّصل بها من موضوعات التنمية البشرية المُستدامة لعصرنة قيم الحياة اليومية.

إنَّ ما يلفت النظر بحقٍّ في مجموعة القاصِّ السيَّد كرم القصصيَّة، هو عناصر وأُسس أُسلوبها القصصي الفنَّي التكثيفي الحديث، ورصانة اقتصادها اللُّغوي ذي الجمل القصيرة المكتنزة في تعدُّد تقنياتها مثل، (التركيز والترميز والإيحاء والإضمار والابتكار والتخليق والتقدير والتدبير والاختصار والاختزال) اللُّغوي والدلالي المعنوي، واعتماد بنائها الفنِّي على عنصري المفارقة المذهلة والإدهاش الحدثي الفعلي في كسر توقع رتم المألوف القصصي الاعتباري لرهان الواقع، مضافاً إليها مَزيَّة آليات التجديد في حسن التخلُّص بفنيَّة خواتيمها الإدهاشية.

وفضلاً عن تلك الأركان الأساسية الأربعة، (التكثيف المُرَكَّز، والإيحاء، والمفارقة التوقعيَّة، والخاتمة الصادمة) التي تمثل عناصر مهمَّةً في القصة القصيرة الحديثة، يأتي الاهتمام بوحدة التماسك النصِّي الدافق لجماليات فنيَّة التعبير الحكائي السردي التي انتهجها الرائي السيِّد كرم في بناء نصوصٍ قصصيةٍ قصيرةٍ جدَّاً تهدف في ثرائها الأسلوبي إلى إرسال خطابٍ سرديٍ جديدٍ إلى المتلقِّي بأسطرٍ قليلةٍ، وجملٍ تكثيفيةٍ مُركَّزَةٍ بليغةٍ، ولغةٍ تشعيريةٍ سردية ناهضة تُلقي بظلالها الفنيَّة الوارفة على ذائقة القارئ الأدبية، وتُهيمن على بؤرة مخياله الشعوري مستمتعاً برحلة الطواف في معراج نصوصها السَّردية. ومن ثمةَ الكشف والبحث والتأويل والتعليل والتفسير والتحليل في أنساق ثيمات موضوعاتها التي اختزلتْ صفحاتٍ كثيرةً من رهان الواقع الحالي وكشفتْ عن جرم عقابيله الحَدَثِيَّةِ.

إنَّ ما يُميِّز حداثة القصة القصيرة في سرديات محمَّد السيِّد كرم القصيرة جِدَّاً تحوِّلات بنيتها الحكائية التجدُّدية المفاجئة، وعدم ثبات تركيبها التسريدي الفنِّي في قالبٍ قصصيٍ نمطيٍ مُعيَّنٍ ثابتٍ ومقيَّد الأسس والرؤى. ولم تكن تَمَحوِرَاتُ هيأتها الشكليَّة في إطارٍ صوري (إيموجي) حركيٍ واحدٍ غير مُنفتحٍ على تحوِّلات الواقع المرحلي المتغيِّر، بل على العكس من كلِّ قيود ذلك التصوّر البنيوي الجامد. فقد كانت نواة بنيتها النصيَّة المتشعبة عيوناً انبجاسيةً متدفقةً بروافدها الروائية المُنعشة على جوانب الإبداع الفنيَّة المتعدِّدة الأخرى. فتارةً ترى بوصلة محوريتها النصيَّة تنفتح باهتمامٍ بالغٍ على عالم الشعر ولغة سحره البياني، وتارةً أخرى تنفتح بعنايةٍ رصينة محبَّبة على عالم الأسطورة الخيالي والمثيولوجي الشعبي التاريخي، وتارةً ثالثةً تنفتح بتؤدةٍ وترصدٍ بفاعلية مهمازها الكاري كاتوري الفنّي الجميل، وسخريتها الصوريَّة اللَّاذعة على أنساق وقيم فلسفة واقع اللامعقول الفكري والآيديولوجي الثوري والعقائدي لسلطة نظام (المَا حَوْلَ) البيئي المجتمعي الحاكمة محليَّاً.

وفي كلِّ رافدٍ من روافد تارات هذه الشُّعَبِ الانفتاحيَّة الأربع تتطلَّب النصوص القصصيًّة القصيرة جدَّاً من مبدعها التخليقي السارد مهارةً فنيَّةً كبيرةً، ومثابرةً قصصيةً عاليةً في تقنية تكثيفها الاقتصادي اللُّغوي الدقيق، وفي بلاغة جزالة قصرها الإنتاجي الفنِّي، وصناعة تخليقها الأسلوبي العميق. وإنَّ آلية التكثيف اللُّغوي التركيبيَّة،   وقصر التسريد الجُملي الدلالي من المزايا الأسلوبيَّة المهمَّة التي تُميِّز إبداعية القاصِّ الحاذق المكين في بناء نصوصٍ قصصيةٍ ذاتَ وقعٍ تسريديٍ قصيرٍ جدَّاً. فضلاً عما تمَّ ذكرة من أركانٍ أساسيَّة في صناعة إنتاج القصَّة القصيرة جداً، والومضة القصَّة في سرديات حداثة العصرنة القصصية. وهذا ما نلحظه في أسلوبية القاص السيِّد.

لقد تعدَّدت موضوعات وثيم الرائي العليم محمَّد السيِّد كرم الفكريَّة والجمالية في تمظهرات مدونته القصصية (طَرَقَاتٌ خَارجُ سُوقِ الصَّفافيرِ). فكانت ثيمها السردية الأساسية تشترك في أُسِ تنوِّعها الموضوعي الفكري والجمالي. حتَّى توزَّعت بين معاناة الإنسان اليومية الواقعية وغربته الذاتية الفكرية وقلقه الإنساني المرير وهمَّه بالوطن الكبير من جهةٍ، وبين أساليب الرفض والاحتجاج، والثورة على تداعيات الواقع المستقبلي الفاسد، والدعوة إلى مبادئ الحرية وبسط آفاق الأمن والسلام، ونبذ أشكال العنف والتسلُّط السياسي والتَّطرُّف الديني المزيف، والتمسك بمقاليد الحكم والسيطرة على زمام الأمور في نهب خيرات البلد الوفيرة، وتبديد ثروته الوطنية، وتدمير بنيته الحضارية، وتغيير معالم هُويتِهِ الأصيلة الضَّاربة في أطناب التاريخ من جهة أخرى. ولكنَّ اللافت في هذه المشتركات الموضوعية المتعدِّدة هيمنة الوعي الفكري الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي الناطق بصدق الحقِّ، والمعبِّر عن تجلِّيات الواقع العصيبة في مواجهة الفكر الظلامي عدو الإنسانية والحياة الحُرَّة الكريمة.

إنَّ تجلَّيات هذا الترادف القصصي السردي المثير للقلق نتلمَّس تمظهراتها الوضعية الفكرية والجمالية نقليَّاً وعقليَّاً في طرقات محمَّد السيِّد كرم الفنيَّة الساخرة وتسريداته القصصية القصيرة الناجعة، والتي كانت حقَّاً مثاباتٍ حيَّةً التقطتها عيون بصيرة فلسفته الفكرية والثقافية على شكل أفكارٍ وصورٍ مضيئةٍ لافتة بصورها عن مجاهيل عالمه الحضوري الآني المكبَّل بأغلال الصمت ووسائل التهميش والتغييب القصدي المتعمَّد للمُستبِدِ الطاغي.

وعلى الرغم من اعتماد خاصيتي التكثيف البنيوي المركَّز، والإيجاز اللغوي الحكائي القصير للجمل السرديَّة، فإنَّ قصص السيِّد كرم القصيرة جدَّاً، حداثوياً تمكَّنت بأسلوبها السردي الفاعل من أنْ تكون مرآةً مصغَّرةً عاكسةً لتجلِّيات طوفان الواقع المعيش. واستطاعت أنْ تتحوَّل إلى عدساتٍ بصريةٍ لاقطةٍ تظهر بتجلٍّ صوريٍ صادقٍ هموم ومعاناة الإنسان العراقي المتوجِّع ذاتياً وإنسانيَّاً واجتماعيَّاً وثقافيَّاً ودينيَّاً وسياسيَّاً واقتصاديَّاً. وقد تحصَّل كلُّ ذلك العرض القصي بأسلوب سردي فنِّيٍ رشيقٍ وبمهارةٍ إمتاعيةٍ تنويريةٍ إبداعيةٍ تحرُّريَّةٍ من نهج تخلُّف الإتباع.

ونتحوَّل بعد هذا التقديم الذاتي من أدبيات التنظير الوصفي العامَّة إلى نوافل المُستحب من القول الفعلي لإحداثيات التحليل التطبيقي العملي السَّردي القصصي الحكائي وسياقاته الأدبية والفنيَّة الخاصَّة التي مارسها القاصُّ في نشاطه الإبداعي القصصي القصير. ولنقرأ في هذا الصدد نصَّه القصصي الأول (جيلٌ) الذي حاول فيه الكاتب أنْ يستكشف مِساحة الألم الكبير الذي يُعانيه الشعب عبر قرونٍ زمنيةٍ خَلتْ، ولم يحصد فيه سوى الموت المحقَّق البطيء رغم تساؤله البعيد وإيمانه بعودة الأمل بشيراً صادقاً. " اِجتمعُوا يَحملونَ الأَلمَ حِقَبَاً مُنذُ قُرُونٍ كلِّها  خَاوية، إلَّا بُطُونَ المَقابرِ، اِجتمعُوا يُردِّدونَ إِلياذةَ الجُوعِ: أيُّهَا اللَّيلُ البَهيمُ،، مَتَى يَعودُ الفَجرُ ؟ ".

ومن نصوص الاستلاب الذاتي والامتهان النفسي قصة (وطنٌ مسلوبٌ) الدالة على معانيها الإنسانية البعيدة، والتي تحمل في طياتها النصيَّة سخريةً لاذعةً عن معاني العبودية الاسترقاق البشري لأنوثة المرأة، "أُجْبِرَتْ عَلَى أنْ يَكُونَ اِبنُ الأميرِ بَدِيلَاً لِرَضِيعِهَا، بَينَمَا هِيَ تَحتَ المُرَاقَبَةِ، سُمِحَ لَلجَاريَةِ أنْ تَستعِينَ بِعَنْزَةٍ وَشَيءٍ مِنْ المَاءِ الدَّافِئ تُخَفِّفُ الدَّسَمَ ". و يا له من وطنٍ مسلوبٍ من أبنائه الحقيقيين، ولا مكان لهذا الوطن المستعار في القلوب.

ومن بين نصوص الكاتب القصصية التسعة التي سمَّى عنوانها (إعادةُ تدويرٍ) الذي مُنِحَ فيه النجَّاشي ملك الحبشة طائرةً تَقلَّهُ عبرَ رحلة التراسل الزمني إلى جميع أنحاء بلدان المعمورة التي أُرسِلَ إليها في تجربة الكاتب القصصية. والنجَّاشيُ كما هو معروف لنا الرمز التاريخي الحبشي الذي استقبل الصحابة المهاجرين إليه. ولعلَّ أولى رحلاته إلى جبال اليمن السعيد، نصّهُ التاريخي المعنون (جولته الأولى)، والذي اعتمد القاصُّ في بنائه السَّردي الكثيف على وقع هِزَّةِ المُفارقة وحُسنِ الإدهاش الختامي، " عَرَجَ إلى اليَمَنِ بَحثَاً عَن فَأرِ مَأرِبٍ، كلُّ السُّدُودِ فِي أَعَالي الجِبَالِ جَائِرَةٌ ". فالضربة الفجائية تكمن في جُور سدود كل الجبال، وهي خاتمة ضوئية مذهلة.

أمَّا نصُّ (جولته الرابعة)، فمتبنياته الحكائية تُفصِحُ بأنَّ الرسول الذي أُرسِلَ للسفر إليه، كانت وجهته الرئيسة إلى صوت الإنسانية الخالد البطل التاريخي العادل والرمز الديني الغالب علي بن أبي طالب؛ ليخبره بقدوم الفقر الذي جاء راجلاً يمشي على قدمين ساعياً في أرض الله الواسعة؛ كي يقتله ويكشف عن الناسِ ضُرَّ فاقته القاتلة. أليس عليٌّ بن أبي طالب هو القائل:(لَو كَانَ الفُقرُ رَجُلاً لَقَتلتَهُ)؟ فها هو الفقر رجلٌ فاقتلهُ يا عليُّ وجهاً لوجهٍ. وهنا القاصُّ السيِّد كرم يتناصُّ بنصِّه القصصي الجديد مع نصِّ الإمام عليٍّ القديم تناصَّاً تحوليَّاً وجماليَّاً حين يخاطبه على لسان رسوله العليم خطاباً مباشراً. "يَا أَميرَ المُؤمِنِينَ قَبْلَ قَلِيلٍ رَأيتُ الفُقْرَ رَجُلَاً يَسعَى عَلَى قَدَمِينِ ".

وفي الوقت ذاته تُشير المُوحيات الدلالية للنصف الأخير من نصِّ قول الكاتب القصصي نفسه، (رجلاً يسَعَى عَلَى قَدَمَينِ)،بأنَّها جاءت مشابهه في تناصها الحكائي مع النص القرآني الديني للآية (20) من سورة يس في قوله تعالى: (َوَجَاءَ مِنْ أَقصَى المَدِينَةِ رَجلٌ يَسعَى).أي بالإشارة إلى الرجل الذي كان يعبد الأصنام وينحتها، وهو حبيب بن إسرائيل النجَّار الذي جاء ساعياً إلى عبادة الله تعالى بدعوة من رُسُلهِ الهُدَاةِ الصالحين لكشف ضُرِّهِ.

وحين نتطلع في سطور نصِّه القصصي الموسوم بالعنوان (جولته السابعة) الذي أوكل فيه رسوله بالذهاب إلى واحد من أعظم الفلاسفة الغربيين ورأس الحكمة الفلسفية، ومنبت الشعر الفن اليوناني القديم إفلاطون الحكيم؛ ليدعوه إلى كتابة جمهوريةٍ مثاليةٍ جديدةٍ فاضلةٍ يكون رئيسها التأسيسي الزاهد بالحياة الفانية الصحابي الجليل أبو  ذَر الغَفَاري." اُكتُبْ لَنَا جُمهوريَّةً لَيسَ فِيهَا رَئيسٌ، وَلَا رَئيسُ وُزراءٍ، وَلَا رَئيسُ مَجلسِ نُوابٍ، وَلَا رَئيسُ مَجلسِ قُضَاةٍ، جُمهوريَّةٌ رَئِيسُها أبو ذَرٍ الغَفَاري ". وهل في عصرنا الحديث نجد مثل هذه الجمهورية المثالية ؟

إنَّها إشارة ذكية وواضحة من القاصِّ السيِّد إلى ذمٍ  ورفض تلك الرئاسات الأربع ؛ ولكن الحلِّ الذي ارتضى فيه أنْ يتقلَّد جُندبُ بنُ جُنادةٍ أبو ذر الغفاري مهام مقاليد هذه الجمهورية الإفلاطونية الفاضلة؛ كون الغفاري الذي (عاش غريباً وماتَ وحيداً) مُعدماً بين أبناء جلدته أولَ مسلمٍ عربيٍ ثائرٍ على تردي الأوضاع ومحاربة الفساد ومناوئة آثار الفقر والجوع  في أُمَّته العربية الإسلاميَّة. وكان أبو ذرٍ مجاهداً ونصيراً للفقراء من العباد، وصرخةً عدلٍ مدويِّةً تطوفُ في الأمصار لفضح أنصار الفساد؛ لذلك استحق من الكاتب أنْ يكون رئيساً لجمهورية العدل.

ولمشاهد الحياة اليومية المنوِّعة وتفاصيلها المجتمعية المؤلمة نصيبُها الأكبرُ من فضاءات هذه المجموعة، حيث نستحضر منها نصَّ قصته (دنسٌ) الذي حملت دلالاته السيميائية إشارةً فاضحةً عن سوء الخيانة الزوجية ومعايب دنسها الروحي، بلغةٍ إدهاشيةٍ ماتعةٍ مذهلةٍ. "مُوظَفُ التَّقاعُدِ:اِطمئنِي، رَاتبُ زَوجكِ الشَّهيدِ سَيكونُ بِاسمكِ؛ كَونُكِ الوَريثةَ الوَحيدةَ، ضَميرُها الَّذي فَارقَهَا مِن بَعيدٍ يُذكِّرُهَا بِوِشَايتِهَا الَّتي سَاقَتهُ إِلَى حَبلِ المَشنقةِ". فهذه المفارقة الضوئية التي كان وقعها كالشِهاب الضوئي الخاطف يُماهي فيها الكاتب بوجعٍ مريرٍ بين فعل الوشاية الخيانية المُدمِّرِ للنفس، والغاية من نتائجها الفعلية التي انتهت بالموت المُدنَّس الذي ترتَّب على تلك الفعلة الوشائية.

وبما أنَّ العدل والإنصاف يمثلان أعلى درجات الحقِّ الشرعي الإلهي في الأرض، لذا جاء نصُّ (انتقائيةٌ) الذي احتفى به قلم القاصِّ السيِّد كرم ساخراً ناقماً ناقداً رافضاً تلك الأحكام الانتقائية الجائرة، وبات طاعناً بنزاهة القضاء وعدم عدالته التي تركَ فيها أربابَ الجُرم العيني المشهود من الجُناة المُكنِّينَ حديثاً بمصطلح (حيتان الفساد،) وتمسكَ بالأبرياء الصغار بمن هم ليسوا طرفاً فاعلاً أو رُكناً مؤثِّراً من أركانه الخفيَّة الأضرار. ولنتأمل في ما يقوله الكاتب من مفارقةٍ حكائيةٍ تُثاُر، "قَبلَ أَنْ يَمتَثِلَ أمامَ قَاضِي النَّزاهَةِ، اِكتشَفَ أنَّ الجَالسينَ مَعهُ فِي المُمَرِ عَلَى شَاكلتهِ تَمَامَاً، تَذكَّرَ شِبَاكَ صَيْدِ أَبيهِ الَّتي تُمسِكُ فَطَائِسَ الحَيواناتِ الطَافيةِ، وَتُمَرِّرُ الأَسماكَ الكَبيرَةَ". والحقيقة أنَّ تمظهرات النصِّ تؤكِّد أنَّ (الأسماك الكبيرة) كنايةٌ بَدِيعةٌ عن رؤوس الفساد الكبيرة العابثة، وأنَّ (فطائسَ الحيوانات الطافية) هي كناية بعيدة سيئة عن الأبرياء من سواد الشعب المسالم المحبِّ للنظام والقانون.

ولأنَّ الجوع الشديد وآثار الفاقة أهمُّ من فعل الجريمة؛ فإنَّ نصَّ قصته (أحبُّ الحرامِ) الدالة على وقع معانيها الغريبة، والذي يحملُ فعل النقيضين معاً جاء شاهداً ودليلاً على سقوط شخصية الفاعل (بطل القصة) في براثن مستنقع الجريمة المبرر بفعل الجوع الذي يرحم مسبغه، وكأنَّ به يعمل بمبدأ تقديم غريزة الجوع على غريزة الخوف في قوله تعالى: (الَّذِي أَطعمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمنَهُم مِنْ خَوْفٍ).لأنَّ الأمن والطمأنينة يأتيان بعد الإشباع.

إذ يروي البطل واقعة (أحبُّ الحرامِ) مسترسلاً القول بمفارقة ختامية بحجم دلالة أحبِّ الحرامِ، " يَوَم سَقَطَتْ الدَّولةُ بِضَربةٍ جَويَّةٍ مَاحِقَةٍ، كَانَ يُشَاهِدُ النَّهبَ بِعينٍ بَاكية ويُردِّدُ: تَبَّاً لَكُم مِنْ لُصوصٍ ... لَدَى عَودتهِ إِلى البِيتِ كَانَ تَخيُّلهُ فَرحَ أَطفالهِ بِرائِحَةِ شَواءِ الخُبزِ، هوَّنَ عَلَيهِ ثِقْلُ كِيسِ الدَّقيقِ عَلَى ظَهْرِهِ ". يا لها من إثْرَةٍ فاسدةٍ !

واقعة (عِرفانٌ) الحدثية من النصوص الحكائية القصصية القصيرة الماتعة التي تظهر مدى عرفان وتواضع حقيقة شخصية بطل قصته واقعة الحدث الجمالية دون رياءٍ أو رتوشٍ أو غطاءٍ زائفٍ يُغلِّفُها أو يُجَمِّلُها؛ وذلك بالرجوع إلى تاريخ هذه الشخصية السويَّة ومعرفة ماضيها الأصيل، مثل "الأُستاذُ الجَامعِيُ الكَبيرُ؛ وَلفوزهِ بِالجَائزةِ الدَّوليَّةِ، طُلِبَ مِنْهُ أنْ يُزوِّدُهُم بِصورِ شَهاداتِهَ الحَاصلِ عَليهَا أثنَاءِ مَسيرَتِهِ العَلميَّةِ الحَافِلةِ بِالنَّجَاحِ، تَصَدَّرَهَا صُورتُهُ قَبلَ ثَلاثينَ عَامَاً بِزِيِّ عَاملِ النَّظافَةِ ". ولعلَّ قَصدِيةَ العودةِ الى صور هذه الشخصية المثالية التي تغيَّاها القاصَّ بتقنية العودة (الفلاش باك)، هي إشارة تلويحية واضحة بأنَّ الإنسان المبدع الفاعل الكبير لا يكتمل حضور واقعه الحالي الراهن إلَّا بالنظر إلى تاريخ مجده الساحق، وماضيه التالد المعانق لحاضرة الخالد.

في حين أنَّ نصَّ قصة (أعلامٌ) الذي جاء دالاً على حقيقته العنوانية المغايرة ينقل لنا محمَّد السيِّد كرم صورةً أخرى من صور شخصياته البطولية المتعدِّدة، صورةً واقعيةً حيَّةً من صور الرفض للرياء المجتمعي الحديث الذي بُليت به أُمَّتنا الحاضرة، وصار نسقاً صوريَّاً جمعيَّاً من صور قضايا الفساد الديني والإعلامي الجديد الذي لا يمكن مقاومته إلَّا بالمواجهة الواعية وبوسائل تعرية طلاء صورته الجديدة الزائفة. " طُلِيَ بِصبغَةِ الأَولياءِ، كَادَ أنْ يُصَدِّقَ لَولَا تِلَك المَرأةُ الَّتي تَحفظُ صُورَتَهُ جيِّداً، هَشَّمَها وَصَدَّقَ. سُئِل مَا عَدَدُ الأُولياءِ ؟ أَجابَ بِعَدَدَ المَرَايَا المُهَشَّمَةِ ". إذن الصورة التي رسمها لنا الكاتب في مقدمته وخاتمته الفنيَّة عن واقعة الحدث الحكائية البطولية صورة رفض ساخرة ومستهجنة تماماً، وهي  من الصور المستحدثة في  تركيبة المجتمع السياسي الديني الجديد.

ومن بين النصوص القصصية القصيرة ذات الحِبْكة السردية العميقة والتقديم الموجز التي وَّظفها القاصُّ سرديَّاً بلغة الخلق الفنِّي الذي يبدأ وحداته الحكائية من الجزئية إلى الكُليَّة الجمعية، وبلغة الإشارة والعبارة في فنيَّة التعبير الإبداعي الذي يعتمد على فنِّ إضاءة الومضة الخاطفة وجمالية المفارقة التوقُّعيَّة المدهشة للحدث قصته (اِنحدارٌ) الدالة على نسق معناها الدلالي المُعبِّر عن صور تجلِّيات رفض الواقع الراهن السياسي القميء ورهاناته التسويفية المتعثِّرَة. ولنتطلع بعين تأمُّلية ثالثة إلى تمظهرات هذا الانحدار المُتدنِّي ومعرفة صوره التهكميِّة التي استحضرها الكاتب المَحْكي بوعيٍ إلى المتلقِّى الصَّدى بهذا الكيفية الفنية من التعبير التسريدي القصصي المكين، "فِي الجَلسةِ الأُولَى، اِختَلَفُوا عَلَى مِنْ أَينَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارقِ، وَفِي الجَلسةِ الثَّانِيَةِ اِتَّضحَ أنَّ لِكُلِّ نَائبٍ آلَافُ الأَيَادِي، وَفِي الجَلسةِ الثَّالثةِ اِتَّفقُوا كَيفَ تُقطَعُ أَصابِعُ النَّاخبينَ". يا لهُ منْ اجتثاث ختاميٍ جائرٍ لديمقراطية الناخبين الأحرار!

النصُّ القصصي السَّردي الحكائي بوصفه نصَّاً أدبيَّاً يعتمد على رصانة جودته الفنيَّة ولغته الشاعرية وموحياته الرمزية في تجسيد سمت الواقعة الحدثية الفعلية والإحاطة بمضمرات أنساقها الثقافية العديدة. وهذا ما يبوح به الكاتب في انثيالات نصَّه التبليغي (إدلاءٌ) الذي يُخبر فيه دون مقدماتٍ تمهيديةٍ طويلةٍ عن أصل حكايته التخليقية، "لِأَكثرِ مِنْ عُرسٍ يَخرُجُ خَالِي الِوفَاضِ، أَدركَ عِنَّتهُ عِندَمَا شَاهَدَهُم يَتكرَّرونَ كُلَّ أَربعِ سَنَوَاتٍ، يَفُضُّونَ بَكَارَةِ الحُكْمِ ". فموحيات النصِّ الإشارية تؤكِّد بجلاءٍ أنَّ الذي أدرك عنَّته وعجزه الفعلي عن تغيير طبيعة الحياة السياسة والمدنية هو بالتأكيد الشعب المغلوب وأنَّ الذي تكرَّر مَراتٍ تلو المراتِ متوالياً هو الحاكم المُتسيِّد الغالب.

فنيَّاً وموضوعياً، لقد طَغتْ على معظم نصوص هذه المُدونة القصصيَّة (طَرَقَاتٌ خَارجُ سُوقِ الصَّفَافيرِ) فنيَّة السَّرد القصصي القصير التَّهكُمي الساخر بموضوعيته التعدُّديَّة. وتجلَّتْ صور دُعابة التعبير الحكائي المحبوك النقدي اللَّاذع بإجادة تصويره البنائي السردي في طَرَقَاتِهِ القصيَّة الخارجة عن نطاق تغطية السوق السردي المحليَّة.وكان الكاتب العليم بارعاً في اختيار مفرداته، مفردات السخرية والاستخفاف والاستهزاء والتَّهكم القصدي بطريقةٍ فنيَّةٍ موضوعيَّةٍ إدهاشيةٍ ماتعةٍ لاذعةٍ زادت من جماليات هذه التقنية الإبلاغية السَّردية المحبوكة الهادفة في إبداعية متانة النصِّ القصصي،حتَّى وصل بمحمَّد السيِّد كرم  هاجس الهوس القصصي السَّاخر إلى توظيف جماليات هذا الفنِّ الانتقادي التقويمي مع معطيات حدود الشريعة الدينية الحقَّة. وكان مهجوساً بحبِّ إنتاجه الفنِّي القصير بلغةٍ قصصيةٍ تهذيبيةِ شفافةِ التوقُّعِ ومحبَّبةٍ إلى ذائقة النفس الإنسانية التَّواقة لما هو جديدٌ باذخٌ ماتعُ للحياة.

وإشارات هذا الهاجس الفنِّي الموضوعي شهادات نصيَّة حيَّةٌ على حداثة القصِّ القصير جدَّاً وعصرنته، نقرؤُها بوعي رؤيوي راكزٍ بيَّنٍ في متواليات مدوَّنات قصص هذه المجموعة، وعلى وجه التحديد في سطور قصته (صِلةٌ) التي حرص فيها أنْ تكون خاتمتها الضوئية اللافتة فناراً مثيراً يتَّصل بشخصية بطلها. " فِي التِّلفَازِ: إنَّ ثَلاثَ رَضعَاتٍ مُشبِعَاتٍ تَكفِي لَأنْ يَكونَ اِبنُ المُرضَعَةِ أَخاكَ، ضَحِكَ وَهوَ يَرمَقُ اِبنَ الجَاموسَةِ الَّتي طَالَمَا [هُوَ نَفسُهُ] لَقَم َ ثِديَهَا أَثناءَ الرَّعِي ". فهذه الرضعات الثلاث المُشبعات تكفي في حدِّها الشرعي بأنْ يكون البطل أخاً حميماً بالرضاعة لابن الجاموسة، وهذا منتهى السخرية وعين الاستخفاف السردي الحداثي  المماهي لواقع الحياة.

ومن حقائق تجلِّيات القراءة وآليات التلقِّي الجمالي التي تحضرني أثناء تأمُّلي لنصوص هذه المدونة القصصية القصيرة ما قاله الناقد والمنظِّر الأدبي رولان بارت من أنَّ القراءة تعدُّ فعلاً جسدياً يتمثّل بقراءة الرأس لجسد الورق. وها أنا أقرأ برأسي وفكري وعقلي جسدَ أحد نصوص هذه المجموعة الذي سمَّاه كاتبه بقصديةٍ وعمدٍ شديدينِ باسم (تخبُّطٌ)؛ولكنه تخبُّط من نوع آخر، إذ جعل شخصياتهِ الحدَثيةَ البُطوليةَ (الفواعل) شخصياتٍ حيوانيةً معروفةً بصفاتها الخَلْقِيَّة الافتراسية التي تُحاكي فساد الواقع السياسي، وليست شخصياتٍ آدميةً ناطقةً بالعقل كما هو في المعتاد من السَّرد. وقد أسبغ على حِبكتها القصيَّة طابعاً لاذعاً من صور السُّخرية المرَّة التي تنتقد أفعالها الإزدواجية التي تَنهَى عن الخُلُقِ السيء وتِأتي بفعلٍ رديءٍ مِثلَهُ. والتي هي بالطبع إشارة فعلية مشينة، وإيحاء كاشف عن غطاء أفعال ساسة الحكم المتخبُّطين الذين يُظهرون بلبوس عباءاتٍ فعليةٍ مختلفةٍ لا تَمُتُّ لهم بصلةٍ.

إذ يصف الرائي صور وأحداث هذا التخبُّط بلغةٍ رمزيةٍ تهَكُميةٍ واضحةٍ عن (الغابة) التي هي مسرح مشاهد الأحداث السردية، " شَّكَّلَ الأَسدُ لَجنةُ لِمحاربةِ الفَسَادِ، اِمتَطَى الحِمَارُ ظَهْرَ عَنْزَةٍ مَكشُوفَةِ الدِّبْرِ، وَهوَ يَجوبُ الغَابَةَ، سَأُعَلِّمُكُم كَيفَ تَستِرُونَ عَوراتِكُم يَا أَولادَ الزَّانِيةِ ".والعَجبُ العُجاب في أمر هذه الثُلة الفاسدة من السَّاسة المتنفذين بأمر البلاد أنَّهم يَدعُونَ لمحاربة عناصر الفساد، وهم هرمُ رأس الفساد الأكبر الذي ما بعده فسادٌ فاضحٌ.

ولحياة الناس الفاعلة ومشاهد أحداثها اليومية حصتها الصورية الموضوعية اللَّافتة في حِبكات قصص متون هذه المجموعة التدوينية، نختار منها هذا النصَّ القصصي الذي اتَّخذ لنفسه عنواناً ثنائياً (بَينَ النَّجاسَةِ وَالطُهرِ). والذي تضمَّن باطنه التقاطةً تصويريةً فعليةً ميدانيةً رمزية ًتناقضيةً بين فعلين متضادين من تناقضات عمل الواقع المؤسساتي للدولة، رصدتها مرايا القاصِّ العينية واستحضرتها بأسلوب تعبيري جمالي فنِّي مُبين، وبترجُمان لغة انتقادية ساخرة هازئة فاضحة، لا تفرغ  من أسلوب الذم والتَّخلُّف لمنظومات وآليات العمل المؤسساتي المستهلك. "فِي مُدِيريَتِي مُرورِ البَصرَةِ وَجَماركِها، كُلُّ الطَّوابيرِ طَويلةٌ وَمُزعجَةٌ وَمُحَاطَةٌ بِسَمَاسِرَةِ الرِّشّى، إلَّا طَابُورَاً وَاحِدَاً قَصِيرَاً وَسَلِسَاً وَمُريحَاً، والنِّقاشُ فِيهِ وَاضحٌ لَا يَقبَلُ التَّأويلُ، وَمُباشِرٌ مِنِ الفُوَهَةِ إِلى الفُوَهَةِ، طَابورُ المَرَافقِ الصِّحِّيَةِ". فطبيعة النصَّ القصصي الساخرة تمنح القارئ صورةً سيِّئةً عن كيفية سير الحياة المؤسساتية.

هذه المقارنة الوضعية الساخرة للحدث الفعلي تقودنا إلى التساؤل المشروع، أليس طابور النجاسة الصحيَّة في واقع الحال والمَحال أطهرَ وأنبلَ عملاً من طابور الطُهْرِيَّة  البشري الذي يدعي وضاءة الطهارة الشرعية لنفسه؟ فالنصُّ القصصي على الرغم من قصر تركيبه وتكثيفه اللُّغوي؛ فإنَّه مشحون بالتساؤلات والمعاني الدلالية الكثيرة.

وتأخذ لغة رصد الواقع الإنساني الفردي والجمعي مأخذها الكبير في سرديات محمَّد السيِّد كرم المهجوس بأسى تأثيره المفجع وتجدُّد وقع تحولاته نحو انحدارات السلبية، والفوضى الخلَّاقة والضبابية العائمة وفقدان المؤسساتية.  وهذه المرَّة يُصوِّب سِهامَ إحباطاته الفكرية إلى لغة (كلُّ ممنوعٍ مَرغوبٌ)، وهذا ما ترويه قصة (لعنةُ الممنوعِ)عن عقلية الفرد العربي التي تصف تمحور اهتماماته في رغباته الجنسية البايلوجية التي تُصورُها مُوحيات هذه القصة برمزية، " فِي أُورُبَا وَهوَ يَصطَافُ، ثَمَّةَ تِمثَالٌ لِاُمرأةٍ عَارِيَةٍ، اِقترَبَ يُدَقِّقُ حَيثٌ تَتَجَمعُ فُصُوصُ المُخِ العَرَبِي". وبجلاء تؤكِّد رمزية السيِّد كرم القصصية أنَّ الممنوع جنسياً من التابو المجتمعي المحرَّم، مرغوبُ عقليَّاً ونفسيَّاً.

على الرغم من تنوِّع موضوعات هذه المجموعة بعنايةٍ فائقةٍ، وتعدُّد جنس شخصياتها الذكورية الفاعلة في البطولة المطلقة بشكل باذخٍ واضحٍ، غير أنَّ المرأة بوصفها كائناً أنثوياً مُحَبَّبَاً، لم يكن في طرقات محمَّد السيَّد كرم  حضوراً بطوليَّاً كبيراً مائزاً لها في شخصياته بمدونته القصصية القصيرة هذه، ولم يكن نصيبها التفرُّدي في ثيم بطولاته السردية الرئيسة وافراً بها أو نالَ حظَّاً مضيئاً لافتاً بها. وإنَّما كانت تمظهرات حضورها البطولي الفاعلية ثانويةً عرضيةً قليلةً، بل تكاد تكون مَعدومةً بالمقارنة مع ما يناسب دورها الإنساني الحقيقي الكبير في المجتمع.

فقد جاء ذكر المرأة في عتابته القصصية ثانويَّاً محضاً وضمن سياقاتٍ تكميليةٍ لشخصيات النصوص القصصية الأخرى التي طغت على مسرح أحداث المجموعة. لم أجد للمرأة الأنثى حضوراً شخصياً رئيساً خاصَّاً بتفرُّدها البطولي القصصي إلًّا في نصين اثنين فقط، هما: قصة (وطنٌ مُسلوبٌ) التي مرَّت بنا، وقصة (مَلاذٌ)، وفي ثمانية نصوصٍ قصصيةٍ أخرى تمَّ ذكر شيءٍ من لوازمها ألأنثوية الدالة على صفاتها البايولوجية، مثل الحبَّ والعلاقات العاطفية الإنسانية مع الآخر، أو صور أفعالها الجسدية الحميمية التي تتنامى بها سريان الحِبكة الموضوعية فنيَّاً وتكتمل. ويبدو لي أنَّ اهتمام الكاتب بالموضوعات الفكريَّة والوطنيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة الساخنة الأخرى، كانت السبب في اختزال دورها البطولي الرئيس إلى دورٍ ثانويٍ موافقٍ لواقعة الحدث الفنيَّة والجمالية.

ولننظر بتفحصٍ واعٍ إلى نصَّ قصة (مَخاضٌ)، كيف وظَّف الكاتب شخصية المرأة ورسم صورتها الجمالية مع الفواعل الأخرى التي اجتمعت معها في تفعيل بنية النصَّ الحكائي، وكيفَ تحوَّل مسار السَّرد القصصي من المباشرة الذاتية في مُستهل مطلع مقدِّمة القصَّة إلى الإيحائية الرمزية التاريخية البعيدة الأحداث في سير خواتيمها. " دَاهَمَهَا المَخَاضُ، تَمَسَّكتْ بِقَدمِ إبراهيمَ ... مِنْ خَارجِ الأستَارِ كَانُوا يَرهَبُونَها بِصوتِ فِيلِ أبرَهةَ، اِنفضُوا حِينَ دَوَّتْ بِالداخلِ صَرخةٌ بِعيارِ الإيمانِ  كُلِّهِ مَا زَالتِ الصَّرخةُ تُدَوِّي صَحبِةَ بَريقِ ذِي الشَّفرتَينِ ...حَتّى شَقَّتْ هَامَةَ التّاريخِ؛ تَلَطَّخَتْ اللهُ أَكبرُ بِرذَاذِ هِتافَاتِ الحُروبِ الخَاسِرَةِ". المُهمُّ أنَّ حبكة النصِّ سارت بهذا المنحى الفنّي الإبداعي الأدبي من بلاغة التورية القصديَّة التي غَّلفت الجُمل والعبارات السرديَّة برؤىً معنويةٍ جديدةٍ بحاجةٍ إلى تفسير يكشف سياقاتها الرمزية الخفيَّة ويُحلِّلُ محتواها الفنِّي بين يدي المتلقِّي العادي وأنظار المُثَّقف القارئ.

وفي رحلة ختام حفرياتنا النقديَّة في مدونة الطَرَقَاتِ الضوئية نود نبيِّن أنَّ فنَّ القصة القصيرة جدَّاً جنس من أجناس النثر الكتابي أو من ضروب الأدب السَّردي القصصي الحديث الصعبة التدبُّر من غيرها أجناس السرد الأخرى؛ كونه أدباً حكائياً قصيراً كاشفاً بخيوط حبكاته التسريدية المتماسكة عن صور المستور القريب أو المغيَّب  من معميات جوانب الحياة وخفاياها المضمرة وأنساقها البعيدة، وفاضحاً في الوقت ذاته بسونار أدواته الفنيَّة وآلياته الاشتراطية الواجبة كلَّ مسالك الزيف والخداع وقصدية التجهيل والتهميش المصطنعة بحق هُوية الآخر .

والحقيقة أنَّ كلُّ تلك المكتسبات المعرفية والاستعدادات الذاتية المتوحِّدة لا يمكن أن يتلقَّاها إلَّا ذو حظٍّ عظيمٍ من المُوهبة الإبداعية الصادقة والمهارة السردية الحقّة. ومَنَ مَلَكَ زِمامَ أدواتها الفنيَّة الراكزة بأقصر العبارات اللُّغويَّة وأوجز الطرق الدلالية المقتضبة؛ لأنَّه فنٌّ عالي التكثيف، حاذق التوصيف، دقيق التهديف، جماله يكمن في رصانة سارده ومناورته الفنيَّة بتجلِّيات التوظيف. وإنَّ اللُّعب فيه أشبه بلعبة المخاطرة بالنَّار إذا لم تحتويها بحذرٍ وتسيطر على شَررِ ألسنتها اللَّاهبة المُحرِقَة الشديدة وإلَّا مصيرها الفشل والنكوص إذا لم يُكتب لها عوامل النجاح وخطَّى الثبات الصحيح، والتسديد الصائب نحو الأهداف والمرامي البعيدة والتمنيات والمطالب المرجوة المبتغاة الجديدة.

ومن مستحبات نوافل القول الصادق والاعتدال المُحايد الذي لا يُجانب إلَّا الحقًّ الظافرً لعملية التخليق الظاهر، أنَّ الكاتب الرائي محمَّد السيَّد كريم في مجموعته القصصية القصيرة (طَرَقَاتٌ خَارجَ سُوقِ الصَّفافيرِ)، قد امتلك فنيَّة الإبداع القصصي الماهر، وأسلوبية التعبير السردي اللَّاذع الساخر. وعرك عناصر هذا الفنِّ القصصي الدقيق الباهر، وتمكَّن من هضم أركانه، وطاف بجوانب بنيانه. فكان قاصَّاً منتجاً بارعاً برؤية ناقدٍ، وناقداً بعين قصصية بصرية ثالثة نافذة. فَمَنْ تهيَّأتْ له أسباب الإبداع أن يكون قاصاً وناقداً لذاته السردية تهيَّأ له أن يكون قارئاً نفسَهُ.

ولا أدلُّ على آثار ذلك المنهج الفنيِّ تساوق نسق مطالع مُقدِّمات مُستهلاته القصيرة الراكزة، وجمال حِبْكَاتِهِ الموضوعية الانقيادية المثيرة السلسة المتماسكة، وبراعة خواتيم قصصه الإدهاشية الماتعة، ومفارقاته الضوئية المذهلة اللافتة، وتوظيفاته اللُّغوية للمفردات الشاعرية النابضة، وثراء شخصياته البطولية المتنوِّعة، ومراعاته لوحداته الزمانية والمكانية المتعاقبة، والتي تناسب خطَّ التفاعلات النصيَّة لواقعة الحدث القصصية الفعلية الراهنة. وعلى وفق ذلك فإنَّ مدونة السيِّد كرم جديرة بأن تكون بين يدي المتلقِّي النابه للقراءة والتحليل والاهتمام والإمتاع. وجديرة بأن تكون محتوياتُ طَرَقَاتهِ القصصيَّة القصيرة إضافةً نوعيةً في عَددِها وَعُدَّتِهَا الموضوعيَّة والشَّكليَّة بين كتب ومصفوفات القصة القصيرة للمكتبة السَّرديَّة العراقية خصوصاً ومكتبة السَّرديَّات العربيَّة على وجه التحديد.

***

د. جيَّار ماجد البهادلي

........................

* طَرَقَاتٌ خَارجُ سُوقٍ الصَّفافيرَ، سيِّد محمَّد سيِّد كرم، دار سراج للطباعة، النجف الأشرف، ط1 ، 2022م.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5853 المصادف: 2022-09-14 02:36:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م