دراسات وبحوث

فلسفة إبليس في تأسيس جاهلية عالِمة

عبد الباقي قربوعةمن قصر التفكير أن لا نشك في أن الله هو مَن دفع الإنسان الجاهلي إلى التساؤل حول وجودية القوة المسيطرة على الكون، وقد أطال عليه مرحلة استهلاك الحياة من حيث هي مادّة (أكل وشرب ونوم)، حتى يجعله يفكر في التنصل من التشابه المقيت بينه وبين الحيوان، أو ما نسمّيه عادة بتطور العقل، ولا نقصد تطور شكل الجسم الذي ذهب إليه - إساءة بأنفسهم - العلمانيون، لأن عدم تطور المخلوقات الأخرى يشير إلى بطلان النظرية من أساسها، فالإنسان الذي يحترم ذاته يعرف بأن الإنسان إنسان والحيوان حيوان "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا(1)".

إذن الله سبحانه أيضا من وراء تلك الانفعالات الروحية التي جعلت الإنسان الجاهلي يخوض غمار البحث عن الإجابة، لذلك فالمسألة لم يكن للإنسان البدائي أي دخلٌ فيها، ولا له دخل أيضا فيما ترتّب عن السؤال من أخطاء، ولأن الإنسان الجاهلي قبل الرسالات السماوية لم يكن يعرف مَن الذي خلقه ومَن الذي خلق الكون، أخّر الله عزل وجل الإجابة المثالية، لأن مخلوقه بذلك البدائي لا يستطيع أن يستوعب، فمنحه حياة بسيطة متوافقة مع مستوى تفكيره المتواضع، وأمهله حتى ينضج ويصل إلى درجة مقبولة من الاستيعاب يكون له فيه شأن آخر من الحياة غير الأكل والشرب والنوم والتزاوج ، لكن إبليس تغلغل في ذات الإنسان وألهمه إجابة خاطئة، فازدهرت فيها غوايته وتطوّرت من نجاحه في دفع آدم إلى الشجرة إلى غواية أبنائه بعبادة الأصنام، والمتاجرة بالجواري والوأد والاقتتال، واستعباد البشر، وقطع الطرق، والخمر والميسر، والربا، والزنا. مُجمل المعنى انتشار الشر.

بسبب هذه التراكمات التي ترتّبت عن جهالة مقيتة للإنسان، دفعت الإنسان الأكثر مهارة إلى السؤال حول وجود الله، فابتكر ربّا افتراضيا طمعا في التقليل من الشر، إلى جانب ذلك يشرح ما تغلغل في أنفس المخلوقات من طلاسم، ويحميه ممّا يخفيه له الكون من خبايا وأسرار ومفاجآت، فالإجابة بالصنم عن ذلك السؤال المُحيّر كانت من منظور هذا العقل البدائي إجابة صحيحة وصارمة، وتبرز الخلاف العقائدي في تنوع شكل الرب ومصدر مادته، وهكذا أيضا تنوعت أسماء الأرباب، "هُبل، اللات، والعزة، ومناه"، ثم تطورت الفكرة إلى تقمّص الشخص نفسه مقدرة الرّب وادعاء العلم بشؤون الغيب والإحاطة بما ينفعهم وما يضرهم،  وكثير من البشر عبدوهم خوفا وطمعا. كل ذلك للتخلص سريعا من أعباء التفكير في إجابة رسمية حول وجود الله الأحق بالعبادة، ورغم تكاثر المجتمع الجاهلي ودخوله معترك الحياة، بتجارتها ومختلف هواجسها وصراعاتها، إلا أن السؤال لا يزال كامنا في لاوعيهم، أقلّية قليلة جلّها من الأغنياء المترفين، الأشداء حمية والأقوى بسطة في الجسم، هذا الأقلية أهملت البحث عن إجابة جديدة ولم تعد تفكّر  فيها، لأنهم وجدوا في الإجابة الخاطئة أرباحا كثيرة، وعائدات لم تكلفهم رأس مال كثير، فلم يكن من العجب أن يمنح المرء جاريته أو ابنته ثمنا ليشتري ربّا باركه شيخ القبيلة، لأنه لم يكن مباحا ذلك الوقت أن يصنع المرء ربّا بنفسه، ولا يملك أيضا إرادة التفكير في تصميم ربّ آخر، وبالتفكير الاقتصادي الحديث أن الأرباب التي يروّج لها أبو جهل هي علامات مسجّلة من منظور شرعة النظام الجاهلي.

لم تكن هذه الحياة الدينية مضحكة بالصورة التي نشعر بها الآن، بل كانت عقيدة راسخة وموروثا مقدّسا ومن يستهين به أو يسخر منه يموت في حينه، لذلك كانت مهمة الرسل والأنبياء صعبة وخطيرة، ولأن الله حكيم اختار أن لا يباغت المجتمع الجاهلي بأول رسالة، بل ترك الجاهلية تتفاقم بظلمها وسطوها وجورها وجبروتها، لتظل كذلك حتى يسأم الناس ويشُكّون في مثالية هذا الرّب الوضعي، ليظهر جلال الله فيما أوحى إلى رسله وأنبيائه كإجابة مثالية منقذة، وبكل التفاصيل التي شرحها النص المقدّس وفسر أسرارها، زالت تلك الغربة وذاك الذعر وتلك المخاوف، وقد وصف الله عزّ وجل مستوى تطوّر العقل في تلك الحقبة بالغفلة: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ(2)} تقديرا للمحاولة الأولى التي ترتّبت عنها تلك الإجابة الخاطئة، اعتبارا أن فكرة الأصنام مجرّد اجتهاد لذلك العقل البدائي، فالفكرة أساسا والسؤال الذي نجم عنها، كل ذلك لا دخل للإنسان الجاهلي فيه، إنما هو الله الذي أثار في عقولهم ذلك تمهيدا لما هو آت.

هكذا جعل الله البشرية - رحمة لهم - أطفالا في مرحلة الحضانة ثم الإعدادية، وهكذا تلاميذ في السنة أولى ابتدائي، ومع ذلك أكتشف أنهم لم يحضّروا للدرس جيّدا، ولم يجيبوا على السؤال إجابة صحيحة، لأن إبليس لا يزال تلميذا منحرفا مثيرا للشغب والبلبلة، وعندما اشتد الظلم على الفقراء، وتفاقم بينهم الفقر والحرمان، أيقنوا أن ذلك الرّب المفترض لم يوفّ بالغرض، ومن رحمة الله وفّر في أنفسهم استعداد الفرار إلى إجابة مختلفة أكثر رقيّا، وهكذا ترتّبت الدواعي ليرسل الله الرسل والأنبياء مدجّجين بأجوبة صحيحة لم تخطر ببالهم، ثم عفا عنهم لأنهم لم يكونوا سببا فيما كانوا عليه من غفلة، وأنهم أيضا بحسن نيّة اعتمدوا تلك الإجابة الخاطئة اعتقادا بأنها منقذة مما يعانون من غبن، ومن جهة ثانية شدّد العقاب على المصرّين تشبثا بتلك الإجابات القديمة، لأن أغلبهم أغنياء وقد استثمروا في الإجابة الخاطئة وجمعوا بها أغناما وإبلا، أموالا طائلة من الذهب والفضة، فالسؤال من البدء بادر به الفقراء، ثم أرغموهم على تعاطي تلك الإجابة الخاطئة بسبب عائداتها المادّية الضخمة، ولذلك الفقراء أيضا هم السبّاقون إلى الإيمان بالأنبياء والرسل، لأنهم بخلاف الأغنياء لا غاية لديهم سوى البحث عن حقيقة تجعلهم يطمئنون من جهة، ومن جهة ثانية لأن إبليس لا يستثمر إلا في الجهة الأكثر قوة وهيمنة، كما هي الحال عليه الآن من طغيان الأنظمة العالمية الغنية، وكما يبدو بالضبط مجلس الأمن الدولي بأنه غير مثالي بالنسبة للدولة الفقيرة والمغلوب على أمرها، بل هناك أنظمة من وراء ترويج ودعم ما لا يحبّه الله من خمر ودعارة ومجون، والأكيد هي الآن تستغل فرصة تفشّي الجوع والأمراض وشتى الأزمات لإثارة الشك حول الإجابة التي جاء بها الأنبياء والرسل.

بعض البشر خارج الجزيرة العربية اعتبروا الشمس ربّا تنزيها لمقامه في أنفسهم من البيع والشراء، وأن الربّ في توقعهم لا يكون شيئا أرضيا على مستوى واحد من وجودية مخلوقاته، آخرون جعلوه في روح بقرة، فكان أحدهم إذا عجز ربّه عن التنبؤ ذبحه ثم أكل لحمه، أملا في شعوره بإيحاءات لم يشعر بها من قبل بسبب روح ربّه التي سكنت في جسده، ولم يكن يدري أنها لم تسكن إلا بطنه ثم ذهبت في شكل فضلات، وأحيانا يتوهم أنه حين أكل ربّه فهو بذلك قد أمّن على نفسه، حيث لا يمكن أن يعرض الربّ نفسه -حسب اعتقاده- إلى المخاطر سواء من الطبيعة أو من بني جنسه، أو أمام العوارض التي لا يعلم عنها شيئا، لكنه أيضا عاجز عن الفهم بأنه بهذا الاعتقاد لم يعد سوى بقرة هائمة، مما يزيد السؤال صعوبة عليه، لأن البقرة لا تفكرّ.

ورغم وفرة الكتب المقدّسة التي تتوفر على إجابة مُقنعة، لا ننفي بأنه لا يزال هناك من يشتغل على سؤال وجود الله ووجود الكون، منهم من لم تصله الرسالة بعد، ومنهم من وصلت إليه محرفة مما جعل الإجابة المقدّسة مدعاة للشك، ومنهم علماء جاهلون بمبرّرات معرفية على عكس العقلية الجاهلية، وذالك بركوب صهوة الفلسفة بدعوى ضرورة تحديث العقل من قناعات قديمة، باعتبارها ملهاة عن الحياة واللهو والمتعة، يعني وضعية لا دينية اختاروها طواعية وليس بسابق جهل، أو إن شئنا سميناها بالجاهلية العالمة، إذا قلنا بأن العقل قد يتوهّج أحيانا إلى درجة الانطفاء، فإبليس عالم ولا أحد يمنعه من تناول المعرفة ومسايرة العقل العملاق علما ومعرفة وتجربة وفقها بالحياة، ولا ريب أن يكون أعلم منهم، وكفيل بأن يثير فيهم فكرة الاشتغال على السؤال من جديد، فيقنعهم بأن العقل فاق بتطوره ما جاءت به الكتب المقدّسة، ربما لأنهم يريدون بذلك حرية مفتوحة خارج الضوابط الدينية والقانونية، وحتى ما تقرّه الأعراف من تعاليم أخلاقية، وربما هم مؤمنون بأن العقل حرّ مطلقا، أو أنهم طفرة من إنسان جاهلي لم يشتغل أصلا على السؤال حول مسألة وجود الله، بعضهم يمارسون هذه الحرية في صمت احتراما أو خوفا من الأغلبية المقتنعة بالإجابة التي جاءت على لسان الرسل والأنبياء، وبعضهم يدعون إلى هذه الحرّية بكل ما أُتوا من علم وقدرات مادية، كالمجموعات التي خرجت أخيرا إلى شوارع بعض الدول في تظاهرة علنية، وقفوا خلالها بجرأة حاملين لافتات كتبوا عليها بأنهم ملحدون، وآخرون عبثيون روضوا أنفسهم على البذخ والترف والاستهتار، فهم غير قادرين على الخروج من ذلك، فصاروا ضد كل ما هو جاد في الحياة سواء كانت تعاليم دينية أم قوانين مدنية، مخلوقات لا يطيب لها العيش إلا باللّادين والّلانظام واللاّضوابط، يعني العقلية البوهيمية التي لا يهمها السؤال حول الله والمستقبل والمصير بأي شيء، فليس لها هدف سوى استهلاك ما منحت لها الحياة من عمر فيما تستلذّه النفس من لهو وعبث ومجون.

وأحيانا القائمون على الأديان والقوانين هم الذين يدفعون بهؤلاء إلى الوراء، يحتّمون عليهم رفض الإجابة الرسمية بالاشتغال على السؤال من البداية، محاولين تأهيل العقل موضوعيا لإعادة النظر مجدّدا إلى المقدّس، وبالتالي البحث عن إجابة بديلة تليق بعقولهم التي يرون أنها متطورة فوق العادة، في محاولة لتأسيس إجابة جادّة بعيدا عن تلك الانفعالات والمشاعر الخلابة، والأحاسيس المتدفّقة التي يصنعها التخيّل والتوقّع، وبعيدا أيضا عن الهالة المظهرية المُدّعية، والطقوس المختلفة من بخور وكثرة عطور، يرون إن هم تمادوا في ذلك فإنه قد يلتبس عليهم الله في الفكرة القديمة: "وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ"(53)(3) ، الفكرة التي جاء القرآن نبذا ومحوا لها كإجابة خاطئة على السؤال حول الله، فربما تهيئوا الله بمثابة "هُبل" معاصر بسبب ما يثيره هؤلاء من هرطقة وميتافيزيقيا فارغة، وإضافات وبدع باطلة يدّعون أنهم اطلعوا عليها من دون الآخرين، خزعبلات عقائدية خارج ما فرضه ونهى عنه النص المقدّس في الإجابة الرسمية التي جاء بها الأنبياء والرسل.

إبليس يحاول دفع الإنسان إلى الاحتفال بالإجابة الرسمية بالرجوع إلى المشاعر القديم، ويحاول صرفه عن كبح جموح العقل في ربط السؤال حول وجود الله بدعوى نظرية التحديث المستمر للعقل، استدراجا ليعود به إلى نقطة البداية في التعامل مع السؤال حتى يجرّه مرة ثانية إلى الانحراف عن الإجابة، لكن الله سبحانه يجيب إبليس، ويحذّر العقل المتقدّم من السقوط في الورطة: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(4)} ومن الخطأ أن نحصر مصطلح (العلماء) في العلوم الإسلامية كالفقه والتفسير، وإلا كيف نبرّر العلماء الذين كانوا كفارا ثم أسلموا بسبب إثارة الأسئلة حول علوم الحياة بصفتها الشاملة، لعل هؤلاء أكثر علما من الذي توارثوا العلوم الشرعية من شيوخهم ولم يكلفهم الأمر طرح سؤال واحد.؟ هنا مكن الفرق بين الجاهلية العالمة والعالِمية الجاهلة، فالأولى لا تنطلق إلا من مجرّد الانفعالات المُنقادة بإرادة عقل آخر (الميثاق) ميثاق الإنسان وليس ميثاق الله، لأن ميثاق الله غليظ ولا مناص منه، بينما ميثاق الإنسان الضعيف حتى وإن يكن عالما فقد يخضع للتعديل والمراجعة وقد لا يؤخذ به أصلا، فالاجتهاد خاضع لإعادة النظر بالإضافة له، أو الانتقاص منه أو ردّه، لكن النصوص المقدّسة من القرآن والأحاديث الصحيحة ثابتة، وقد ورد مصطلح "ميثاق" في القرآن الكريم بعدة معان لم يرق إليها هؤلاء المدعون، كأن يمكن أن يجعلوا بينهم وبين الآخرين ميثاقا في ربوبية مصغّرة يطغون بها على مريديهم من الذين لا يزالون غافلين، تلك العقول اللاجئة إلى عقول أخرى تظنها أكثر رقيّا منها، ثم ألزمت نفسها بالتبعية عجزا عن السؤال الذي يليق بحضارة الدين الإسلامي.

فلا نعذر العلماء حين يتقهقر بهم العلم إلى الوراء أشواطا كثيرة بسبب عالمِيتهم الجاهلة، لأن زلة العالِم من هذا النوع واحدة من الثلاثة التي خشي -النبي صلى الله عليها وسلم- على أمته منها، قال الحسن البصري: " قال أبو الدرداء: إن ما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق"(5)، وفي أحيانا كثيرة نعيب صمت العلماء الجادين الذين يتوسّم الناس فيهم خلافة الأنبياء والرسل، حين نرى جهلاء يستحوذون على الاجتهاد في تأويل النصوص المقدّسة، يخرّبون معانيها مدّعين أنهم أكثر فهما لها، ويعتبرون أنفسهم تابعين وفاتحين ودعاة، وسريعا يقتنعون بأنهم حرّاس للعقيدة، مع أن الإجابة في صورتها الصحيحة لا تحتاج إلى حراسة، فيجهلون أنهم يمارسون ذلك بالصورة التي كان جهلاء قريش يبدون عليها، فقد كانوا كذلك الحال يتكتّلون حول هُبل، يحيطون به في حشود كثيرة حمية له، بالضبط كما نرى الآن الصورة نفسها تتكرر عند مَن يظنون أنهم حماة الله، لكن مع الأسف هي حماية استعباطية يريدون من ورائها الاستعلاء بأنفسهم على أنهم الأكثر دفاعا عن المقدّس، جاهلين أن الله قدّر في ملكوته استمرار رسالته وتواصلها إلى قيام الساعة ولا مزية لأحد في ذلك، وحتى يطمئن الدعاة المغالون فإن الإسلام مأمور بأن ينتشر ويسود، ولا أرى معنى في قوله عليه الصلاة والسلام: (دعوها فإنها مأمورة) إلا ذلك، لأنه كان مشهودا أن الإبل أحسن وسيلة لإيصال الرسائل إلى الأمكنة البعيدة، ثم يتحوّل مكان ربوض الناقة إلى مسجد، ثم تعلو المسجد منارة.. خلاص انتهى الأمر، وبأطروحة أخرى إذا كان لـ"الكعبة ربٌ يحميها" فالإسلام أشمل بالحماية، ولا أظنه يحتاج إلى حمية جاهلية، أو غوغائية دينية مُغذّاة بحماسة انفعالية أكثر مما يحتاج إليه من علم وفهم ووعي.

هنا تتجلّى الفكرة حول ما أتّفِق مع الجميع على أنها غوغائية صارت مضرّة بتفشّيها للمقدّس، ومضايِقة للعلماء العالِمين بعلوم المقدّس فَهْما ووعيا وإدراكا وإلماما بأدوات التأويل المطلوبة، ومن جهة أخرى حضورهم بجرأة ومسايرة لتقدم العلوم وتطورها، والتعامل مع المستجد منها وفيها بهدوء وحكمة وتبصّر. آن الآن النأيُ بالعقل من الانفعالية التي لا تنبثق إلا من الكلام ولا تنتهي إلا به، فأحيانا تُقدّم الإسلام للآخر بذلك الحضور المعرفي البعيد عن فعل العبادات بأنواعها، كأن يبدو أحدُهم مجيدا الحديث حول الصدق، مستشهدا بالأدلة من القرآن والسنّة ومن الأثر الطيب للسّلف الصالح، في حين يراه الناس يكذب في مختلف مواقف الحياة، وأحيانا أخرى تُقدم هذه الفئة التي تحترف العلوم الشرعية الإسلام انفعالا مُفرغا من الروح مليئا بالشعوذة والبدع، فتجعل الآخر يفتقد الإسلام الذي يُنتج المواقف النبيلة ويساير الحضارة، إسلام صدق العلاقات وأمانتها التي تزيد من ازدهار المحبة بين الناس وإرساء الألفة بينهم، إسلام الأخلاق والفكر والإضافة والابتكار، الإسلام الذي نستطيع أن نعتمده في خوض معارك الأسئلة الرسمية حول حضارة الإنسان، التفكير الذي له القدرة على الإجابة النموذجية التي قدمها القرآن الكريم توافقا مع جميع العقول في العالم، إسلام لا يتناقض مع تفكير الإنسان المعاصر، حيث لا يمكن ذلك إلا بالصدق والأمانة كما أسّس لذلك محمد -عليه الصلاة والسلام- سيرةً بين المسلمين وغير المسلمين، وبذلك استقرت الدولة واستمرت، ثم تضاءلت وبادت في شكلها الغابي الغوغائي بسبب تراجع قيمة الصدق وقيمة الأمانة، بمعنى آخر انتصار العبثيون والبهيميون وطغيانهم على المواقف مرة أخرى، الحالة التي جعلت إبليس يفرح ويطمئن على ما اعتبره هو الآخر ازدهارا للغواية.

وما يزيد إبليس اطمئنانا هو أن كثيرا من الدعاة لا يزالون يصنعون الخلافات من مجرّد الكلام الآخذ إلى الصراعات بين المسلمين أنفسهم، المؤسف أن ذلك يعجّ في الأمة المنوط بها أن تكون كالبنيان المرصوص في وقوفها مع الحق والحقيقة كما وصفها محمد عليه الصلاة والسلام، وليس بالمقابر الجماعية التي نشاهدها من حين إلى آخر في الفضائيات، فهذه أيضا تبدو بنيانا مرصوصا من منظور فلسفة إبليس في صناعة الجاهلية العالمة، ثم يمتد خمج هذا العنف والتشدّد ليتفشّى حتى بين أفراد الأسرة المسلمة الواحدة، في حماسة عمياء ودفاع خشن عشوائي عن الدين، انفعال ينطلق من مفهوم الشخص وممّا يريده هو، وليس ممّا يريده المقدّس ويطرحه كتنوير إلهي وهدي نبوي شريف، حالة تدفع الآخر إلى اتخاذ موقف يظنه هؤلاء كفرا، وربما يقع هذا الآخر تحت طائلة خنوع خارج طاعة الله، فقط حتى لا يقع ضحية كراهية، وربما تصفية من قبل أطراف أخرى تحمل قناعات ذلك المقدّس نفسه، كأن يبرر ذلك الذي ذبح إنسانا على صفيح بارد بالشجاعة في الدين، ثم يحمل ذلك محمل تأويل للآية الكريمة: {.. وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ(6)}، أو الآية: {.. يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ(7)}.

لست أدعو إلى الرأفة بمن تعنيهم الآية، ولكنني أحذر من مداخل إبليس، وأنتقد الشكل الذي قررّه القائم بذلك الإجراء الشنيع، وهذا الحاصل الآن ممّا يضطر البعض إلى الظن بأن الدين مِلكٌ لأشخاص معيّنين بكل مظاهره وأفكاره، بسبب استحواذهم على مشاعر الانتماء وحدهم، وإفراطهم في حماستهم وغلوّهم دفاعا عنه إلى درجة الاصطدام بأنفسهم حينا، وحينا آخر بإخوانهم في الدين، لذلك ترى تدافع المبادرين لتكوين فرق وأحزاب وجماعات، ثم تتكاثر الفرق بالصيغة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجد كل واحد منهم نفسه أمام سؤال أكثر خطورة وصعوبة من ذلك السؤال البدائي، وبدلا من أن يعبد الله مطمئنا، يجد نفسه يسأل متقهقرا بحضارته الدينية إلى الوراء، أهو يُمثّل الفرقة الناجية أم يُمثّل الفرقة الضالة؟ وعندما يتفاقم عليه هلعُ السؤال ويتعاظم في نفسه، يلجأ إلى التشدّد لحماية نفسه وجماعته، ظاهرة جديدة أفرزت جهة تسأل بجدية: هل الدين مرعبٌ ومخيفٌ إلى هذا الحد.؟ سؤال غير تقليدي قد يدفع الكثير إلى الكفر، أو على الأقل إلى الشك، هنا يجد الإنسان نفسه محصورا بين الإيمان بالإجابة الرسمية على سؤال الوجود (الله)، وبين فلسفة إبليس في صناعة الغواية، حيث لا خوف على المخلصين الذين يرون الإيمان بالله في عبادتهم بعيدا عن هرج الحديث ولو كان مُبرّرا بالدعوة إلى الله، لأن المتأسّين بالأخلاق والقيم الحميدة أكثر من الذين يمكن أن يتأسّوا بالكلام، وهكذا كان الأنبياء والصالحون يدعون الناس بأخلاقهم ومواقفهم، وليس بمحاضراتهم وكثرة جدالهم وزخم معارفهم، والشائع أن محمد -صلى الله عليه وسلم- وُصف بالّصادق الأمين، أكثر منه بالعالم الجليل أو الداعية الكبير  أو الفقيه العظيم، ونقصد بلاغة الأخلاق والسلوك مقارنة بالكلام في هدي الآخرين إلى سواء السبيل.

إذن على الإنسان ألّا يعيد الخوض في السؤال القديم ولا في سؤال جديد يشبهه، بل عليه أن يراجع موضوعية تناوله للإجابة النموذجية التي لا إجابة بعدها، وعليه أيضا أن يراجع موضوعية طاعته لها وانقياده بها، وأن يحافظ على عقله وروحه من ضياع الإجابة الرسمية مرة أخرى، وعليه أن يمتثل لها ويسايرها دون أن ينقص منها أو يزيد عليها، وأكيد ذلك ما يعنيه عليه الصلاة والسلام بـ "المحَجّة البيضاء"، أو المعنى الذي تضمنته عبارة "الْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ" الواردة في سورة  البقرة الآية: "256" وفي سورة لقمان الآية: "22".  وعليه نقول بضرورة العودة معا إلى معالجة خمج لحمة المجتمع الإسلامي العالمي، والعمل على تأمينه مما تخطط له القوى المعادية للإطاحة به، خصوصا ما يبتكره إبليس من أغوار فكرية ومتاهات فلسفية، وفيما يتفنّن فيه المشعوذون والمبتدعون، أو ما يعدّها شياطين الجن والإنس ثغرات للإطاحة بالعقل، وإغراقه في جاهلية عالِمة مختلفة عن الجاهلية التقليدية البائدة، يعني أنتاج عقل أصعب في دعوته إلى الحق، لأنه لا يجهل مسألة وجود الله كالسابق، بل تجاوزها معرفيا إلى متاهة أخرى من الفلسفة والتصوّف والميتافيزيقا، والتفننّ في اختراع الطرق للوصول إلى الله.

***

عبد الباقي قربوعه. كاتب من الجزائر

.....................

(1) سورة المؤمنون الآية 115.

(2) سورة يوسف الآية: 3

(3) سورة الأنبياء.

(4) فاطر الآية: 28.

(5) جامع بيان العلم وفضله ( 1867.)

(6) سورة النور الآية: 2

(7) سورة المائدة الآية: 54

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5805 المصادف: 2022-07-28 05:40:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م