دراسات وبحوث

فاضل حسن شريف: دراسات عن مفهوم الثقافة في القرآن الكريم (2)‎

جاء في معاني القرآن الكريم: ثقف الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه قيل: رجل ثقف، أي: حاذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير: المثاقفة هي الملاعبة بالسلاح، ورمح مثقف، أي: مقوم، وما يثقف به: الثقاف، ويقال: ثقفت كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافة. قال الله تعالى: "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ" (البقرة 191)، وقال عز وجل: "فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ" (الانفال 57)، وقال عز وجل: "مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا" ﴿الأحزاب 61﴾. وردت كلمة ثقف ومشتقاتها في القرآن الكريم: ثَقِفْتُمُوهُمْ، ثُقِفُوا، تَثْقَفَنَّهُمْ، يَثْقَفُوكُمْ. ثقفوا مأخوذة من ثقف على وزن سقف أي الحذق في إدراك الشئ، والظفر به بمهارة.

تكملة للحلقة السابقة جاء في موقع البلاغ عن ماذا تعني ثقافة القرآن الكريم؟ للكاتب ابراهيم بن على الوزير: ومن هذا المنطلق أيضاً، فإنّ ثقافة القرآن تعني تقويم السلوك الإنساني وتهذيبه وتنظيم البنية الذاتية للإنسان على أساس القِيَم والمبادئ القرآنية، ليكوّن شخصية قرآنية في فكره وسلوكه وطريقة تفكيره.. وهو الاستقامة: "إهْدِنا الصِّراطَ المُستقِيم" (الفاتحة/ 6). "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (هود 112). ولذلك أيضاً ينهى عن الانحراف والشّذوذ، ويستنكر هذا السلوك المعوَج: "فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ" (الأعراف 44-45). إنّ القرآن يحمل إلى البشرية مشروعاً ثقافياً، وحضارياً بنّاءً ومغيِّراً. إنّ ثقافة القرآن الفكرية يخاطب بها الإنسان هي ذات طابع وهدف علمي.. فكلّ فكره وثقافته هو للعمل. حتى الثقافة العقيدية العقلية هي أساس ومنطلق للسلوك والعمل. لهذا فهو يرفض القول دون العمل. جاء ذلك في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" (الصف 2-3). وفي مورد آخر يربط بين الإيمان النظري والعمل التطبيقي.. ويعتبر الانفصال بينهما خسارة وضياع للإنسان. قال تعالى: "وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" (العصر 1-3). ثمّ يوجِّه الإنسان للعمل، وتطبيق الفكر والثقافة النظرية على السلوك والمواقف، ويدعو إلى تجسيدها عملاً منظوراً وملموساً في الحياة. نقرأ من هذه البيانات: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" (التوبة 105). "وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى" (النجم 39-40). "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (الشمس 9-10). وهكذا فإنّ القرآن يبني ثقافة الفكر والعمل.. وليس المثقّف إلّا مَن نقّى وثقّف سلوكه وفكره من الانحراف ومساوئ الأخلاق، وحرص على الاستقامة ومكارم الأخلاق.

عن المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية في العتبة العباسية المقدسة عن الثقافة بين المفهوم الغربيّ والإسلاميّ، الإئتلاف والإختلاف للباحث عماد الهلالي: إنّ مصدر مفردة (الثقافة) هي اللغة اللاتينيّة الكلاسيكيّة، أو ما قبل الكلاسيكيّة ، وهي في الأصل بمعنى الزراعة أو التربية، ولا يزال هذا المعنى قائماً وموجوداً في مفردات (الزراعة). واشتهر في الغرب بهذا المعنى فيما يتعلّق بالمجتمعات البشريّة. وهكذا كان لمفهومي الثقافة والحضارة منذ البداية معنى التقدّم والتطوّر نحو الكمال، ولا يزال هذا المعنى ملحوظاً سواء في الاستخدام الشعبي أو النخبوي. يعرّف (هيردر) الثقافة بأنّها: (تربية وتنمية متضامنة لقدرات الإنسان). ويعرِّفها (آدلانغ) بأنّها: (التهذيب والتحلّي بالآداب). ومع ذلك فحينها كان هذان المفكّران يستخدمان كلمة (الثقافة) حيث كانت في كثير من الأحيان أجراس معان جديدة تقترب إلى المفهوم العلميّ للثقافة. وكان (آدلانغ) أوّل مَن استخدم تعبير (تاريخ الثقافة). انتشر مفهوم (الثقافة) ببطء ملحوظ، فيما كان الأميركيّون أسرع من الإنجليز في استيعابه وقبوله وأُدرج (مفهوم الثقافة) لأوّل مرة سنة (1929م) في قاموس (وبستر). واكتسب مصطلح (الثقافة) خارج هذين البلدين طابعاً عالمياً وشمل معناه فهم الإنسان، وقد شاع هذا المصطلح في روسيا وسائر البلاد التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقاً والبلدان الاسكندنافيّة وهولندا وأمريكا اللاتينيّة، بنفس درجة شيوعه في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتّحدة. وقد أشار القرآن إلى جذور ( ث ، ق، ف ) في ستّ آيات: 1- "واقْتُلُوهُم حَيثُ ثقفتموهم وأخْرُجوهُم مٍنْ حيثُ أخرَجُوكُم" (البقرة 191). يقول: القرطبيّ (ت 671ه) في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) محللاً كلمة (ثقفتموهم): يقال: ثَقُف، يَثقُفُ ثقفاً، ورجل ثقِفٌ لقِفٌ: إذا كان محكِماً لما يتناوله من الأمور. ويذكر الطبريّ (ت 310 ه) صاحب جامع البيان: ومعنى (الثَّقْفَة) بالأمر: الحذق به والبصر، يقال: (إنّه لَثقِفٌ لَقِفٌ إذا كان جيّد الحذر في القتال بصيراً بمواقع القتل).

ورد عن مواصفات الخطيب: أن يكون الخطيب مواكبا لثقافة زمانه، وهذا يعني استقراء الشبهات العقائدية المثارة بكل سنة بحسبها واستقراء السلوكيات المتغيرة في كل مجتمع وفي كل فترة تمر على المؤمنين، فإن مواكبة ما يستجد من فكر او سلوك او ثقافة تجعل الالتفاف حول المنبر حياً جديداً ذا تأثير وفاعلية كبيرة. من فوائد تلاوة القرآن هو أنه يزيد من الثقافة الإسلامية لدى المسلمين ويساهم في تعزيز الوحدة الإسلامية.  جاء في شبكة المعارف الاسلامية الثقافية: مصاديق المعروف والمنكر: فمصاديق المعروف الثقافي من أمثال إشاعة ونشر الثقافة الإسلامية، السعي لتحصين المجتمع ثقافياً، تأسيس المراكز والمؤسسات والمنتديات الثقافية وتفعيلها، حضور الأنشطة الثقافية والحث على حضورها والسعي لتحصيل الثقافة الصحيحة ومواجهة الغزو الثقافي ويقابلها: إشاعة ونشر الثقافات المعادية البعيدة عن الإسلام، تشويه صورة الثقافة الإسلامية وعناوين العمل الإسلامي، تثبيط الناس عن المشاركة في الأنشطة الثقافية الإسلامية، إنشاء مراكز الفساد والفحشاء.

***

الدكتور فاضل حسن شريف

في المثقف اليوم