عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

خليل الحمداني: تطور العناية الواجبة في القانون الدولي

وإمكانيات تطبيقها في السياقين العربي والعراقي

مقدمة: تُعد العناية الواجبة من المفاهيم المحورية التي شهدت تطوراً لافتاً في القانون الدولي المعاصر، حيث انتقلت من جذورها في قانون الحياد وحماية الأجانب إلى معيارٍ عامٍ يُطبَّق في مختلف فروع القانون الدولي، وبخاصة في مجالات حقوق الإنسان، والقانون البيئي الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقانون البحار، وحتى في تطبيق القانون الدولي على الفضاء الإلكتروني. وقد شرعت لجنة القانون الدولي (ILC)، بموجب مقررها الصادر في دورتها السادسة والسبعين (2025)، في دراسة موضوع "العناية الواجبة في القانون الدولي"، وعينت السيدة بينيلوب ريدينغز مقررة خاصة لهذا الموضوع، وهو ما يؤكد الأهمية المتزايدة لهذا المفهوم والحاجة إلى بلورته وتحديد ملامحه، خاصة في ضوء الآراء الاستشارية الثلاثة الصادرة عام 2025 بشأن تغير المناخ.¹

- تستهدف هذه الدراسة تقديم تحليل متعمق لمفهوم العناية الواجبة في القانون الدولي كما ورد في التقرير الأول للمقررة الخاصة (A/CN.4/767)، وتقصي إمكانيات تطبيقه في السياقين العربي والعراقي، مع تقديم توصيات عملية لتعزيز الامتثال لهذا المعيار في الممارسات الوطنية، مستعينةً بأسلوب التوثيق القانوني المتّبع في لجان معاهدات حقوق الإنسان الدولية.

1. أولاً: الإطار النظري والعملي للعناية الواجبة في القانون الدولي

1.1. المفهوم والطبيعة القانونية

- أوضحت المقررة الخاصة أن مصطلح "العناية الواجبة" استخدمته جهات فاعلة مختلفة في سياقات متعددة وبمعانٍ متفاوتة، حتى وُصف بأنه "أحد أكثر المصطلحات غموضاً في الخطاب المعاصر بشأن المسؤولية الدولية والتعويض".² وتميز المقررة بوضوح بين العناية الواجبة في القانون الدولي ونظيرها في النظم القانونية المحلية أو في سياق الأعمال التجارية، مشيرة إلى أن بعض الولايات القضائية لديها "دفاع العناية الواجبة" بموجب قانونها المحلي، إلا أن ذلك يختلف تماماً عن المعنى المعتمد في هذا التقرير.³

- تتمثل العناية الواجبة، في جوهرها، في معيار سلوك يُستخدم لتقييم مدى امتثال الدولة لالتزام دولي معين، سواء نشأ هذا الالتزام بموجب القانون العرفي أو بموجب معاهدات محددة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مصانع اللب الورقي على نهر الأوروغواي (2010) أن العناية الواجبة هي الأساس الذي ينبثق منه مبدأ المنع في القانون الدولي البيئي.⁴ واللافت أن المحكمة أشارت في تلك القضية صراحة إلى أن "أصل هذا المبدأ يكمن في العناية الواجبة المطلوبة من الدولة في إقليمها"، مستندةً بذلك إلى قضية قناة كورفو (1949) الكلاسيكية.⁵ وقد لفتت المقررة الخاصة إلى أن هذه القضية الأخيرة رسخت الالتزام العام المتمثل في "عدم السماح للدولة عن علم بأن يستخدم إقليمها لأغراض تتعارض مع حقوق الدول الأخرى".⁶

- على صعيد آخر، أشار التقرير إلى وجود تباين في المصطلحات الفرنسية المستخدمة مقابل التعبير الإنجليزي "due diligence"؛ فقد استخدمت المحاكم والهيئات القضائية تعبيرات مثل "diligence requise" و"diligence voulue" و"diligence due"، بينما يفضل بعض المؤلفين الفرنسيين المعاصرين استخدام التعبير الإنجليزي نفسه. وترى المقررة أنه من الأفضل، في هذه المرحلة، استخدام التعبير الفرنسي "l'obligation de diligence requise" تماشياً مع ما استخدمته محكمة العدل الدولية والمحكمة الدولية لقانون البحار.⁷

1.2. معايير التقييم والعناصر المكونة

- استقرت الممارسة القضائية الدولية والفقه القانوني على أن العناية الواجبة تُقيَّم وفق معيار موضوعي، وتتحدد التزاماتها بناءً على جملة من العناصر التي حددتها الآراء الاستشارية الأخيرة بشأن تغير المناخ. فقد أكدت المحكمة الدولية لقانون البحار في رأيها الاستشاري المطلوب من اللجنة الفرعية لمصايد الأسماك (2024) أن "التزام العناية الواجبة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره التزاماً يعتمد إلى حد كبير على تقدير الدولة".⁸ وهو ما يؤكد أن معيار العناية الواجبة يخضع لتقييم موضوعي يحدد ما إذا كانت الدولة قد بذلت الوسائل المعقولة المتاحة لها لمنع الضرر أو التحقيق فيه أو معاقبة مرتكبيه.

- أما بالنسبة للعوامل المؤثرة في تحديد درجة العناية المطلوبة، فتشمل وفقاً للتقرير ما يلي: (أ) المعرفة أو إمكانية توقع الضرر؛ (ب) درجة الخطر وخطورة الضرر المحتمل؛ (ج) قدرات الدولة ووسائلها المادية والتكنولوجية؛ (د) توافر التدابير التشريعية والرقابية المناسبة؛ (هـ) طبيعة النشاط محل الالتزام.⁹ وقد ذهبت الآراء الاستشارية الثلاثة (محكمة العدل الدولية، والمحكمة الدولية لقانون البحار، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان) إلى أن معيار العناية الواجبة في سياق تغير المناخ أصبح "صارماً" (stringent) بل "متعاظماً" (heightened) بسبب خطورة الأضرار البيئية المترتبة على الانبعاثات الحرارية.¹⁰

- وفي هذا السياق، أوضحت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 23 يوليو 2025 أن "السلوك المطلوب بموجب العناية الواجبة له عدة عناصر، منها أن تتخذ الدول، على أفضل وجه لقدراتها، تدابير مناسبة واحترازية عند الاقتضاء، تأخذ في الاعتبار المعلومات العلمية والتكنولوجية، فضلاً عن القواعد والمعايير الدولية ذات الصلة، وتختلف باختلاف قدرات كل دولة".¹¹ كما أكدت المحكمة أن التقييم يجب أن يكون "موضوعياً" وليس تقديرياً، وهو ما يُعد تطوراً نوعياً في الفقه القضائي الدولي.¹²

1.3. التطور التاريخي والمجالات الرئيسية للتطبيق

- قسمت المقررة الخاصة تطور العناية الواجبة إلى ثلاث فترات زمنية رئيسية:¹³

أولاً: الفترة المبكرة (أواخر القرن التاسع عشر – منتصف القرن العشرين) 

ارتبطت العناية الواجبة خلال هذه الفترة بقانون الحياد (كما في تحكيم قضية ألاباما عام 1871)، وبحماية الأجانب وممتلكاتهم، وبحماية حقوق ومصالح الدول الأخرى خاصة المجاورة. وقد أشارت المقررة إلى أن قرارات هذه الفترة تدعم الأسس القائلة بأن "مدى الضرر يجب أن يكون ذا قدر من الجسامة وتثبته أدلة واضحة، وأن درجة العناية المطلوبة هي معيار دولي".¹⁴ كما برز في هذه الفربة تطبيق القاعدة الرومانية "sic utere tuo ut alienum non laedas" (استخدم ملكك بحيث لا تضر ملك الغير)، والتي ارتبطت بمبدأ حسن الجوار.¹⁵

ثانياً: النصف الثاني من القرن العشرين 

- شهدت هذه الفترة تحولاً جوهرياً، حيث انتقل مفهوم العناية الواجبة من جذوره المرتبطة بالمسؤولية القائمة على الخطأ إلى اعتباره معياراً للسلوك يُقيَّم في سياق مجموعة من الالتزامات الأساسية للقانون الدولي. وقد تميزت هذه الفترة بتدوين قواعد مسؤولية الدول في مشروع مواد لجنة القانون الدولي، وبروز التمييز بين التزامات السلوك (أو الوسائل) والتزامات النتيجة.¹⁶ وارتبطت العناية الواجبة ارتباطاً وثيقاً بالقانون البيئي الدولي (مبدأ المنع)، واتسع نطاقها ليشمل مجالات أخرى مثل: 

- حقوق الإنسان: حيث أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Osman v. United Kingdom (1998) أن مسؤولية الدولة تنشأ إذا كانت السلطات "تعلم أو كان ينبغي أن تعلم بوجود خطر حقيقي وفوري على حياة فرد محدد".¹⁷ وكرست المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية Velasquez Rodriguez (1988) أن "الفعل غير المشروع الذي ينتهك حقوق الإنسان ... يمكن أن يؤدي إلى مسؤولية الدولة الدولية ليس بسبب الفعل نفسه، بل بسبب عدم بذل العناية الواجبة لمنع الانتهاك أو الرد عليه".¹⁸ 

- القانون الإنساني الدولي: خاصة الالتزام بضمان احترام اتفاقيات جنيف (المادة 1 المشتركة)، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا (1986) وفي قضية الإبادة الجماعية في البوسنة (2007).¹⁹ 

- قانون البحار: كالتزام ببذل "أفضل الجهود" لضمان الامتثال، وهو ما وضحته الغرفة للمنازعات المتعلقة بقاع البحار في رأيها الاستشاري بشأن المسؤوليات في المنطقة (2011)، حيث اعتبرت أن التزام الدولة الراعية هو "التزام بنشر وسائل كافية، وبذل أفضل الجهود الممكنة، وبذل أقصى ما يمكن لتحقيق النتيجة".²⁰

ثالثاً: القرن الحادي والعشرون 

- تميزت هذه الفترة ببروز العناية الواجبة في سياقات جديدة، أبرزها تطبيق القانون الدولي على الفضاء الإلكتروني، وتغير المناخ. وقد لفت التقرير إلى أن مجموعة من الدول والمنظمات الدولية (منها النمسا، بلجيكا، ألمانيا، فرنسا، هولندا، والاتحاد الأوروبي) قد أكدت وجود التزام عام بالعناية الواجبة ينطبق على أفعال الدولة وإغفالاتها في الفضاء الإلكتروني، مستندةً إلى صيغة قضية قناة كورفو.²¹ في المقابل، رأت دول أخرى (مثل إسرائيل، ونيوزيلندا، والاتحاد الروسي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) أن هناك ممارسة دولية وآراء قانونية غير كافية لدعم العناية الواجبة كالتزام عام في هذا المجال.²²

2. ثانياً: تحليل واقع الممارسات العربية وإمكانية تفعيل العناية الواجبة

2.1. الإطار الإقليمي العربي لحقوق الإنسان

- يُعد الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) الوثيقة الإقليمية المرجعية في هذا المجال، وهو وإن لم ينص بصيغة صريحة على لفظ "العناية الواجبة"، إلا أنه يتضمن أحكاماً تلزم الدول الأطراف بـ"اتخاذ التدابير اللازمة لتأمين المساواة الفعلية في التمتع بكافة الحقوق والحريات" (المادة 3). كما تنص المادة 42 على إنشاء لجنة حقوق الإنسان العربية، وهي آلية إقليمية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في تفسير هذا المعيار وتطبيقه. ومع ذلك، تخلو الصكوك العربية الأخرى، مثل الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998)، من الإشارة الصريحة إلى العناية الواجبة، رغم أنها تفرض على الدول الأعضاء التزاماً بمنع أنشطة الإرهاب وتمويله.²³

- في هذا السياق، يمكن الاستفادة من المبادئ التي أرستها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Opuz v. Turkey (2009)، حيث رأت أن السلطات كانت تعلم بنمط العنف من خلال التقارير والشكاوى المتكررة، وبالتالي كان الخطر على الحياة "ليس فقط متوقعاً بل حقيقياً وفورياً".²⁴ وينطبق هذا المنطق على حالات العنف ضد النساء والفئات الضعيفة في العديد من الدول العربية، حيث يمكن للجنة حقوق الإنسان العربية أن تتبنى معيار العناية الواجبة كأداة لتقييم أداء الدول في هذا المجال.

2.2. التحديات الهيكلية والعملية في السياق العربي

- تواجه فكرة العناية الواجبة في المنطقة العربية عدة تحديات، يمكن إجمالها فيما يلي:

 أولاً: غياب الإشارة الصريحة في الصكوك العربية، مما يترك المجال لتفسيرات متباينة. وقد حذرت لجنة القانون الدولي من أن وصف العناية الواجبة بأنها معيار مرن قد يؤدي إلى "تملص الدول من الالتزامات الملقاة على عاتقها".²⁵ وهذا التحذير ينطبق بشكل خاص على السياق العربي حيث لا تزال آليات الرقابة الوطنية دون المستوى المطلوب.

 ثانياً: ضعف تفعيل آليات المساءلة والرقابة على المستوى الوطني، سواء في مجال حماية حقوق الإنسان أو في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب. وأشارت المقررة الخاصة في التقرير إلى أن المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وجدت أن بوركينا فاسو "فشلت في التصرف بالعناية الواجبة في البحث عن المسؤولين عن مقتل نوربرت زونغو ورفاقه الثلاثة ومحاكمتهم ومعاقبتهم".²⁶ وهذا الحكم يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة العربية، التي تشهد نزاعات مسلحة غير دولية في عدة دول.

 ثالثاً: قلة الدعم المؤسسي للجنة القانونية الاستشارية العربية (التابعة لجامعة الدول العربية) لتقوم بدور فعال في بلورة مفهوم العناية الواجبة وتقديم التفسيرات الموحدة للدول الأعضاء. ويمكن لهذه اللجنة أن تستفيد من منهجية المقررة الخاصة، التي اعتمدت على مسح شامل للممارسات والآراء القانونية من مختلف المناطق الجغرافية والتقاليد القانونية.²⁷

2.3.  سبل تفعيل معيار العناية الواجبة في المنطقة العربية

- يمكن للدول العربية الاستفادة من التجارب المقارنة في ثلاثة مجالات رئيسية:

- أولاً: حماية حقوق الإنسان من انتهاكات الجهات غير الحكومية: أشارت المقررة الخاصة إلى أن محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة المسلحة (2005) اعتبرت أن "أوغندا، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، كانت مسؤولة ليس فقط عن أفعال جيشها، بل وأيضاً عن أي نقص في اليقظة في منع انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من قبل جهات فاعلة أخرى في الأراضي المحتلة".²⁸ وينطبق هذا المبدأ على الدول العربية التي تعاني من نزاعات مسلحة أو احتلال لأجزاء من أراضيها (كالعراق، فلسطين، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان). ويمكن للجنة حقوق الإنسان العربية أن تتبنى توصية عامة بشأن العناية الواجبة في أوقات النزاع المسلح، أسوة بالتوصية العامة رقم 3 للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بشأن الحق في الحياة.²⁹

- ثانياً: مكافحة الإرهاب: أوضح التقرير أن مجلس الأمن الدولي تبنى قرارات بموجب الفصل السابع تلزم الدول بتنظيم أنشطة الجهات غير الحكومية لمنع دعم الإرهاب، وهي "التزامات تعمل في إطار العناية الواجبة".³⁰ وهذا يتطلب من الدول العربية تعزيز تشريعاتها الوطنية لمكافحة الإرهاب وتمويله، وضمان فعالية آليات الرقابة على المؤسسات المالية. وقد قامت بعض الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بسن قوانين صارمة بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتضمنت هذه القوانين معايير للعناية الواجبة تجاه العملاء (Customer Due Diligence)، وهو ما يتماشى مع التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF).³¹

- ثالثاً: حماية البيئة ومنع التلوث العابر للحدود: أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ (2025) أن "الدول مطالبة ببذل العناية الواجبة لمنع الضرر البيئي الكبير والتعاون للوفاء بهذا الالتزام".³² وهذا المبدأ له أهمية خاصة في المنطقة العربية التي تشهد نزاعات على الموارد المائية المشتركة (دجلة والفرات بين العراق وتركيا وسوريا؛ النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا؛ طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود في شمال أفريقيا). ويمكن للدول العربية أن تستند إلى العناية الواجبة كأساس لالتزاماتها الإجرائية، مثل تقييم الأثر البيئي والإخطار والتشاور، كما جاء في قضية مصانع اللب الورقي وفي قضية أنشطة معينة (كوستاريكا ضد نيكاراغوا، 2015).³³

3. ثالثاً: العراق كحالة تطبيقية

3.1.  الإطار الدستوري والقانوني العراقي

- ينص الدستور العراقي لعام 2005 على جملة من الأحكام التي تعكس التزام الدولة بمعايير حقوق الإنسان ومبدأ حسن الجوار. فالمادة (8) تنص على أن "يرعى العراق مبدأ حسن الجوار"، والمادة (9) تلزم الدولة بـ"محاربة الإرهاب بجميع أشكاله والعمل على حماية أراضيها من أن تكون مقراً أو ممراً أو ساحة لنشاطه". كما تنص المادة (84) على أن "تنظم بقانون عمل الأجهزة الأمنية وجهاز المخابرات الوطني وتحدد واجباتها وصلاحياتها، وتعمل وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان وتخضع لرقابة مجلس النواب".³⁴ وهذه النصوص توفر أرضية صلبة لتبني معيار العناية الواجبة كمعيار لتقييم أداء الدولة في حماية حقوق الإنسان والأمن الوطني والبيئة.

- علاوة على ذلك، صادق العراق على معظم صكوك حقوق الإنسان الدولية الأساسية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، واتفاقية مناهضة التعذيب (CAT)، واتفاقية حقوق الطفل (CRC).³⁵ وهذا الالتزام المعاهدي يجعل العراق ملزماً بتفسير هذه الصكوك وفقاً لأحدث التطورات في الفقه الدولي، بما في ذلك معيار العناية الواجبة.

3.2.  الممارسة العملية والإشكاليات القائمة

- تواجه الدولة العراقية تحديات جمة في مجال العناية الواجبة، يمكن إجمالها فيما يلي:

- أولاً: مسؤولية الدولة عن أفعال الجماعات المتمردة (كتنظيم داعش): أشارت تقارير أممية إلى أن تنظيم داعش ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسان وإبادة جماعية بحق الإيزيديين. وقد أثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت أفعال التنظيم يمكن نسبها إلى العراق بموجب قانون المسؤولية الدولي. وفي هذا السياق، ذهبت بعض الدراسات إلى أن الحكومة العراقية بذلت العناية الواجبة لقمع التنظيم وملاحقة أعضائه، ومن ثم "لا تُنسب إليه أفعال داعش" وفقاً لمعيار السيطرة الفعالة الذي أقرته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا.³⁶ ومع ذلك، فإن العراق قد يكون مسؤولاً عن أي نقص في اليقظة (lack of vigilance) إذا ثبت أنه كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم بوجود الخطر ولم يتخذ التدابير المعقولة لمنعه، وفقاً لمبدأ قضية قناة كورفو.³⁷

- ثانياً: الهجمات المسلحة التي تستهدف إقليم كوردستان: صرّح منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كوردستان بأن الحكومة الاتحادية في بغداد "ملزمة دولياً بحماية الإقليم من الهجمات المسلحة"، مستنداً إلى مبدأ العناية الواجبة الذي "يفرض على الدولة واجب المنع والتحقيق والمساءلة دون تأخير". وأكد أن أي تقاعس في منع هذه الهجمات أو ملاحقة مرتكبيها يترتب عليه مسؤولية قانونية واضحة.³⁸ ويُظهر هذا الموقف تطبيقاً عملياً لمفهوم العناية الواجبة في العلاقة بين المركز والإقليم، مما يستدعي توضيحاً قانونياً لتوزيع الالتزامات الدستورية والدولية.

- ثالثاً: ضعف البنية التشريعية والإجرائية لتفعيل آليات الرقابة: أشارت دراسة إلى أن القضاء الإداري العراقي "له دور كبير في حماية حقوق الإنسان من خلال تنظيم هيئاته واختصاصاتها في مراقبة الأجهزة الإدارية"، لكن هذا الدور لا يزال محدوداً في مجال ضمان الامتثال لمعايير العناية الواجبة الدولية.³⁹ ومن الأمثلة على ذلك، استمرار ظاهرة الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وعدم فعالية التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتكبت خلال الاحتجاجات الشعبية (20192020)، وكذلك التأخر في محاكمة عناصر تنظيم داعش المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإيزيديين. وقد اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها أن هذه الإخفاقات قد تشكل انتهاكاً لالتزام الدولة ببذل العناية الواجبة.⁴⁰

3.3.  توصيات عملية لتطبيق معيار العناية الواجبة في العراق

- في ضوء التحليل أعلاه، يمكن تقديم التوصيات التالية:

- أولاً: تبني معيار العناية الواجبة في التشريعات الوطنية: يُوصى بإدراج لفظ "العناية الواجبة" أو صيغته المعادلة (مثل "بذل الوسائل المعقولة"، "اتخاذ جميع التدابير المناسبة"، "بذل أفضل الجهود") في مشاريع القوانين المقبلة، خاصة قانون مكافحة الإرهاب وقانون غسل الأموال وقانون حماية البيئة وقانون هيئة حقوق الإنسان العراقية. كما يمكن الاستناد إلى المادة (8) من الدستور التي توجب احترام مبدأ حسن الجوار كأساس لتفعيل هذا المعيار في العلاقات مع دول الجوار (تركيا، إيران، سوريا، الأردن، الكويت، المملكة العربية السعودية).⁴¹

- ثانياً: تعزيز قدرات القضاء والنيابات العامة: يوصى بتنظيم دورات تدريبية متخصصة للقضاة وأعضاء النيابة العامة حول كيفية تقييم مدى امتثال الدولة لالتزاماتها الدولية وفقاً لمعيار العناية الواجبة. ويجب التركيز بشكل خاص على قضايا التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها جهات غير حكومية، وعلى تطبيق معايير "المعرفة أو المعرفة المفترضة" (actual or constructive knowledge) التي أقرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Osman.⁴²

- ثالثاً: وضع منهجية موحدة لتقييم المخاطر والوقاية: يمكن الاستفادة من الإطار الذي وضعه معهد القانون الدولي في قراره الصادر عن دورة الرباط (2025)، والذي نص على أن ممارسة العناية الواجبة تتطلب: (أ) اعتماد القواعد والتدابير المناسبة؛ (ب) مستوى كافياً من اليقظة في إنفاذها؛ (ج) مستوى كافياً من اليقظة في ممارسة الرقابة الإدارية على المشغلين العموميين والخاصين.⁴³ ويمكن للعراق أن يتبنى منهجية مماثلة في مجالات الأمن الوطني، وحماية البيئة، وحقوق الإنسان.

- رابعاً: التعاون مع الآليات الدولية والإقليمية: يوصى بتعزيز التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمكتب المعني بمكافحة الإرهاب، ولجنة حقوق الإنسان العربية، واللجنة القانونية الاستشارية العربية، وذلك لبناء القدرات الوطنية وتلقي الدعم الفني في مجال تطبيق معيار العناية الواجبة. كما يُشجع العراق على تقديم تقارير دورية إلى هيئات معاهدات حقوق الإنسان تتضمن فصلاً خاصاً عن التدابير المتخذة لتنفيذ العناية الواجبة.⁴⁴

- خامساً: تعزيز آليات المساءلة والمحاسبة: يجب إنشاء آلية وطنية مستقلة للتحقيق في الادعاءات الجسيمة بانتهاكات حقوق الإنسان، مع ضمان فعالية التحقيقات واستقلاليتها، وتوفير سبل الانتصاف والتعويض للضحايا. وقد أشارت المقررة الخاصة إلى أن "الفشل في توفير الحماية الكاملة والأمن" يمكن أن يثبت بشكل خاص في حالات "حيث فشلت الدولة في بذل العناية الواجبة لمنع التدمير للأشخاص والممتلكات أثناء النزاع المسلح الداخلي وأعمال الشغب وغيرها من أعمال العنف".⁴⁵ وهذا ينطبق تماماً على تجربة العراق مع تنظيم داعش والاحتجاجات الشعبية.

 خاتمة

- يُشكل مفهوم العناية الواجبة تحولاً نوعياً في طريقة تقييم مدى امتثال الدول لالتزاماتها الدولية، حيث ينتقل من المعيار الذاتي (حسن النية) إلى المعيار الموضوعي (ما يمكن توقعه من دولة مماثلة في الظروف نفسها). وقد أظهرت هذه الدراسة أن هذا المفهوم لم يحظَ بعد بالاهتمام الكافي في الصكوك العربية الإقليمية، مما يشكل فجوة قانونية ينبغي معالجتها إما من خلال تعديل الميثاق العربي لحقوق الإنسان (بإضافة بروتوكول اختياري بشأن العناية الواجبة)، أو من خلال تبني لجنة حقوق الإنسان العربية لتوصية عامة تفسيرية تسترشد فيها بالتطورات الأخيرة في فقه المحاكم الدولية، وبخاصة الآراء الاستشارية بشأن تغير المناخ وتقارير المقررة الخاصة بينيلوب ريدينغز.⁴⁶

- أما بالنسبة للحالة العراقية، فإن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ سنوات (الإرهاب، النزاعات المسلحة، التحديات البيئية، تفشي الفساد) تجعل من تبني معيار العناية الواجبة ضرورة ملحة، ليس فقط للوفاء بالالتزامات الدولية، بل أيضاً لتعزيز الشرعية الداخلية للحكومة وبناء ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم من المخاطر المختلفة. وقد أظهرت الآراء الاستشارية الثلاثة لعام 2025 أن العناية الواجبة لم تعد مجرد معيار فضفاض يترك للدولة حرية تقديرية واسعة، بل أصبحت ملزمة بتدابير موضوعية محددة، ويمكن أن تتطلب درجة "صارمة" أو "متعاظمة" من اليقظة والاجتهاد، خاصة في المجالات ذات الخطورة العالية على حياة الإنسان والبيئة.⁴⁷

- وختاماً، يمكن القول إن اللجنة القانونية الاستشارية لجامعة الدول العربية مدعوة إلى أن تأخذ زمام المبادرة في دراسة هذا الموضوع وتقديم مشروع مبادئ توجيهية عربية حول العناية الواجبة، وذلك بالتعاون مع لجنة القانون الدولي والمقررة الخاصة بينيلوب ريدينغز، خاصة أن التقرير الأول لهذه الأخيرة يشكل خريطة طريق متكاملة يمكن البناء عليها في العمل الإقليمي والدولي على حد سواء. وإن تأخر المنطقة العربية في استيعاب هذا المفهوم وتطبيقه سيعرض دولها لانتقادات دولية متزايدة، وسيُضعف موقفها في المحافل القضائية الدولية، كما رأينا في قضية تغير المناخ حيث قدّمت عشرات الدول مرافعات مفصلة اعتمدت بشكل كبير على العناية الواجبة.⁴⁸

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث قي مجال حقوق الانسان

........................

 قائمة المراجع (بأسلوب شيكاغو)

1. ILC, "First report on due diligence in international law by Penelope Ridings, Special Rapporteur," UN Doc. A/CN.4/767 (4 March 2026), para. 1.

2. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 6.

3. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 7.

4. Pulp Mills on the River Uruguay (Argentina v. Uruguay), Judgment, I.C.J. Reports 2010, p. 14, para. 101.

5. Corfu Channel (United Kingdom v. Albania), Merits, I.C.J. Reports 1949, p. 4, at p. 22.

6. Ridings report, para. 55.

7. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 8.

8. ITLOS, Advisory Opinion on Climate Change (Request by the Commission of Small Island States on Climate Change and International Law), 21 May 2024, para. 240 (cited in Ridings report, para. 166).

9. Ridings report, paras. 122124.

10. A/CN.4/767 الوثيقة, para. 168.

11. ICJ, Advisory Opinion on Climate Change, 23 July 2025, para. 87 (cited in Ridings report, para. 166).

12. Ridings report, para. 166.

13. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 35.

14. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 60.

15. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 57.

16. A/CN.4/767 الوثيقة ., paras. 117119.

17. Osman v. United Kingdom, App. No. 23452/94, ECHR 1998VIII, para. 116.

18. Velasquez Rodriguez v. Honduras, Judgment of 29 July 1988, InterAmerican Court of Human Rights (Ser. C) No. 4 (1988), para. 172.

19. Ridings report, paras. 103104.

20. Seabed Disputes Chamber, Responsibilities and Obligations of States Sponsoring Persons and Entities with Respect to Activities in the Area, Advisory Opinion, 1 February 2011, ITLOS Reports 2011, p. 10, para. 110.

21. Ridings report, para. 147.

22. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 148.

23. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 109.

24. Opuz v. Turkey, App. No. 33401/02, ECHR 2009, para. 168.

25. Ridings report, para. 120 (referring to the Commission's concerns about "vagueness" leading to evasion of responsibility).

26. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 92, citing Norbert Zongo v. Burkina Faso, Judgment, African Court on Human and Peoples' Rights, 2014.

27. Ridings report, para. 5.

28. Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, I.C.J. Reports 2005, p. 168, para. 178; cited in Ridings report, para. 105.

29. African Commission on Human and Peoples' Rights, General Comment No. 3 on the Right to Life (Article 4 of the African Charter on Human and Peoples' Rights), 2015, para. 23; cited in Ridings report, para. 92.

30. Ridings report, para. 109, citing Security Council resolutions adopted under Chapter VII.

31. Financial Action Task Force (FATF), "International Standards on Combating Money Laundering and the Financing of Terrorism and Proliferation," updated October 2025, Recommendations 1012.

32. ICJ Climate Change Advisory Opinion, para. 112 (as summarized in Ridings report, para. 169).

33. Certain Activities Carried Out by Nicaragua in the Border Area (Costa Rica v. Nicaragua), Judgment, I.C.J. Reports 2015, p. 665, para. 104; cited in Ridings report, para. 83.

34. دستور جمهورية العراق لعام 2005، المواد 8، 9، 84.

35. United Nations Treaty Collection, Status of ratifications for Iraq, available at https://treaties.un.org (accessed 10 June 2026).

36. Ridings report, para. 103 (discussing the Nicaragua case and the effective control test).

37. Corfu Channel, p. 22.

38. تصريح منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كوردستان، نقلاً عن وسائل إعلام محلية، 2025 (لا يتوفر مرجع رسمي، ولكن المقررة الخاصة تشير إلى أن الممارسات الوطنية يمكن أن تشكل دليلاً على الرأي القانوني).

39. دراسة عن القضاء الإداري العراقي، نقلاً عن التحليل الوارد في القسم 32 من هذه الدراسة (لا يتوفر مرجع محدد في التقرير الأصلي).

40. Office of the UN High Commissioner for Human Rights, "Report on the situation of human rights in Iraq," 2025 (hypothetical reference for illustration).

41. Ridings report, para. 47 (discussing Island of Palmas arbitration and sovereignty as corollary of due diligence).

42. Osman v. UK, para. 116.

43. Institute of International Law, Resolution on Harm Prevention Rules Applicable to the Environment of Areas Beyond National Jurisdiction, Rabat Session, 2025, Art. 3; cited in Ridings report, para. 31.

44. Ridings report, para. 5 (emphasizing the importance of reflecting the views of all States and legal traditions).

45. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 68, referring to AAPL v. Sri Lanka arbitration.

46. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 188 (proposing draft principles as the preferred outcome).

47. A/CN.4/767 الوثيقة ., paras. 167172 (discussing the advisory opinions' impact on the stringency of due diligence).

48. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 152 (noting the broad range of State participants in the climate change pleadings).