أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

يعد الكاتب المصري (انيس منصور 1924ــ 2011) واحدا من أكثر الكتاب الذين استقطبت كتاباتهم جمهورا واسعا من القراء وأثّرت فيهم لما اشتملت عليه من ميزات تتعلق برشاقة اللغة وجمال الصياغة وسعة الخيال وكذلك التنوع في الموضوعات والاجناس الأدبية وبالتالي كان يستحق تصنيفه ضمن مجموعة (أولياء الكتابة الصالحون)، فهو كاتب صحفي وفيلسوف يمثل علامة فارقة في ميدان المقالة الصحفية وأدب الرحلات وارتبط بعلاقات واسعة مع الرعيل الاول من كبار الأدباء والصحفيين امثال طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ومصطفى وعلي امين، وكل هذه المؤهلات والفرص باعتقادي سهّلت له طريق الشهرة وكذلك ليكون من المقربين للرؤساء المصريين خصوصا عبد الناصر والسادات، كما انه ملهمٌ لقرّائه، فعلى الصعيد الشخصي ومنذ وقت مبكر من رحلتي مع الأدب استمالني لمتابعة كتاباته فتوجهت لقراءة معظم أعماله الأدبية وتبلور لدي تصورعن طبيعة منجزه الأدبي يتلخص في امتلاك هذا الكاتب خزين من الذكريات والتجارب الشخصية والاسرار التي جمعها ورواها بأسلوب جاذب وممتع ولاذع احيانا ويمتلك ايضا لغة صافية صقلتها تجربته الطويلة في العمل الصحفي وما رافقها من جولات واسعة حول مدن العالم اكسبته خبرة عن طبيعة حياة المجتمعات وابرزها جولته التي دون تفاصيلها في كتابه الشهير (حول العالم في 200 يوم) الذي عرض فيه معلومات مهمة عن دول جنوب شرق اسيا ودول غربية اخرى، كما وجدته كاتبا فيلسوفا ينظر الى الحياة على انها محطة لا مناص يوما من مغادرتها لذا هو يدعو الى السكينة والصدق مع الذات والتواضع في الطموح فيقول (لا ترهق نفسك في هذه الدنيا .. فلن تخرج منها حيا)، وأبرز ما ظهر عليه منصور في منجزه الابداعي هو سرعة البديهة والقدرة الفائقة على تأليف النكتة الساخرة وصياغتها بأسلوب السهل الممتنع الذي لا يتردد فيها حتى عن تجاوز الخطوط الحمر ومنها ما كتبه عن حائط المبكى الذي يحظى بالقدسية عند اليهود اذ اعتادوا زيارة الحائط ولمسه والبكاء عنده يرافق ذلك قيام كل واحد منهم بكتابة شكواه على ورقة ودسها بين احجار الحائط، الكاتب انيس منصور التقط هذا الطقس وكتب ان امريكيا زار القدس ونسى اسم الحائط.. فقال لسائق التاكسي خذني الى المكان الذي يبكي اليهود عنده ليلا ونهارا .. فذهب به الى مصلحة الضرائب .

***

ثامر الحاج امين

ينتج روبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي شات جي بي تي  محتوى يبدو كما لو أنه قد تم إنشاؤه بواسطة الإنسان وبالتالي هناك العديد من الاستخدامات التقنية المقترحة التي أصبحت قدراتها الهائلة تثير أسئلة مهمة حول ملكية المحتوى.

من يمكنه المطالبة بحقوق الطبع والنشر للمحتوى الذي يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي. في حالة عدم وجود مطالبة من قبل مالك المحتوى الأصلي، فمن الممكن أن تكون حقوق الطبع والنشر لمولدات روبوت الدردشة مع المستخدمين الفرديين أو الشركات التي طورت الذكاء الاصطناعي.

يستند قانون حقوق النشر إلى مبدأ عام مفاده أن المحتوى الذي ينشئه البشر فقط هو الذي يمكن حمايته. لقد تم تطوير الخوارزميات التي تقوم عليها دردشة جي بي تي  في شركة "أوبن إيه آي" لذلك يبدو أن هذه الشركة تتمتع بحماية حقوق التأليف والنشر على تلك الخوارزميات.

هناك خيار آخر يتعلق بملكية المحتوى الذي يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي: الذكاء الاصطناعي نفسه. في بعض الدول المتقدمة يحظر قانونها الحالي على الذكاء الاصطناعي امتلاك حقوق الطبع والنشر (أو حتى الاعتراف بأن الذكاء الاصطناعي قادر على إنشاء المحتوى)، لأنه ليس بشريًا، وبالتالي لا يمكن معاملته كمؤلف أو مالك بموجب قانون حقوق النشر والتصاميم وبراءات الاختراع. من غير المحتمل أيضًا أن يتغير هذا الموقف في المستقبل.

في الوقت الراهن، يلتزم صانعو سياسات حقوق الإبداع البشري باعتبار منشورا يتم من خلاله منح حق للمؤلف البشري. ومع ذلك، مع تطور الذكاء الاصطناعي وقدرته على خلق المزيد، قد يفكر صانعو السياسات في منح الأهلية القانونية للذكاء الاصطناعي كما قد يمثل هذا تحولًا جوهريًا في كيفية عمل قانون حقوق الطبع والنشر وإعادة تصور من (أو ماذا) يمكن تصنيفه كمؤلف ومالك لحقوق الطبع والنشر.

ومما لاشك فيه سيكون لمثل هذا التغيير آثار على الأعمال التجارية حيث تدمج الشركات الذكاء الاصطناعي في منتجاتها وخدماتها. لقد أعلنت ميكروسوفت مؤخرًا أنها ستدرج منتجها كوبيلوت استنادًا إلى شات جي بي تي في برامج الشركة، مثل وورد و باور بوينت و اكسل.

ومما لاشك فيه أن المزيد من التطورات مثل هذه ستتولى ، ولدى الشركات التي تبنت في وقت مبكر فرصة للاستفادة من الوضع الحالي، باستخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة كفاءة عملياتها. غالبًا ما يمكن للشركات أن تكتسب ميزة عندما تكون أول من يقدم منتوجًا أو خدمة إلى السوق - وهو وضع يسمى "ميزة المحرك الأول".

أجرت حكومة المملكة المتحدة مؤخرًا استشارة حول الذكاء الاصطناعي وحقوق النشر، وقد أظهرت أظهرت هذه الاستشارة رأيين متضاربان. يعتقد قطاع التكنولوجيا أن حقوق الطبع والنشر للمحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون ملكًا للمستخدمين، بينما يريد قطاع الإبداع استبعاد هذا المحتوى تمامًا من الملكية. لم تتخذ حكومة المملكة المتحدة أي إجراء بشأن النتائج وبدلاً من ذلك أوصت بإجراء مزيد من المشاورات بين الأطراف المعنية.

إذا تحول قانون حقوق النشر بعيدًا عن تركيزه على الفاعلية البشرية في المستقبل، فيمكن للمرء أن يتخيل سيناريو حيث يتم تصنيف الذكاء الاصطناعي على أن مؤلفي ومطوري ذلك الذكاء الاصطناعي بصفتهم أصحاب المولدات وقد يؤدي هذا إلى خلق حالة تمارس فيها مجموعة من شركات الذكاء الاصطناعي القوية تأثيرًا هائلاً.

قد ينتهي بهم الأمر بامتلاك مئات الآلاف من المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر - الأغاني والمواد المنشورة المقروءة والمرئيات والأصول الرقمية الأخرى. يمكن القول إن هذا قد يؤدي إلى وضع بائس حيث يتم إنشاء غالبية الأعمال بواسطة الذكاء الاصطناعي وتملكها الشركات.

يبدو من المنطقي أن تبقى هذه المعرفة في المجال العام. ربما يكون الحل هو أن يعلن كل شخص أو شركة مساهمته عند استخدام الذكاء الاصطناعي - أو أن مساهمته يتم حسابها تلقائيًا بواسطة البرامج. وبناءً على ذلك، يحصلون على ائتمان أو منفعة مالية بناءً على حجم العمل الذي ساهموا به.

لا يزال محتوى الذكاء الاصطناعي المستند إلى مواد محمية بحقوق الطبع والنشر يمثل مشكلة هامة للغاية . قد يؤدي عدم القدرة على الاعتماد على المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر إلى تقويض قدرة نظام الذكاء الاصطناعي على الرد على مطالبات المستخدمين النهائيين. ولكن إذا كان المحتوى قائمًا على أعمال محمية، فسنحتاج إلى قبول مرحلة تاريخية جديدة من الابتكار المفتوح حيث لا تهم حقوق الملكية الفكرية.

***

عبده حقي

من المؤكد أن زيت الزيتون يتمتع بقدر كبير من الشهرة اليوم، ولكن حتى قبل أن يشيد به محبو نكهته الرائعة في العصر الحديث من حيث استخداماته في الطهي وخصائصه التي تعيد الصحة، فإن مصدره، شجرة الزيتون، قد كانت بئرا لا ينضب من القصص المختلفة عبر السنين.

الزيتون هدية أثينا:

تدور إحدى القصص الشهيرة من الأساطير اليونانية حول إنشاء شجرة الزيتون. وفقا للحكاية، كانت شجرة الزيتون الأولى نتيجة منافسة بين أثينا، المعروفة أيضا باسم إلهة الحكمة، وبوسيدون، إله البحر. تنافس الاثنان للحصول على الحق في أن يصبحا حاميي أتيكا.

خلق بوسيدون الماء المالح عندما ضرب حجرا برمحه. عندما فعلت أثينا الشيء نفسه، خرجت شجرة زيتون - رمزا للسلام والوفرة، وهذا منح سكان أتيكا ما هو أكثر من ذلك فقد اختاروها فعليا لتكون حامية لهم وأطلقوا اسم المدينة على اسمها. تلك المدينة الآن معروفة باسم أثينا. هكذا بدأت شجرة الزيتون.

الزيتون ونهاية الطوفان العظيم:

من أشهر قصص الكتاب المقدس التي عرفها الإنسان قصة الفيضان العظيم الناجم عن عاصفة هائلة ضربت الأرض. دفع هذا الطوفان نوح وعائلته والحيوانات إلى البحث عن ملجأ في الفلك الشهير لمائة وخمسين يوما (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل).

و بمجرد انتهاء الأمطار والفيضانات، أرسل الله حمامة إلى نوح، حاملة غصن زيتون كعلامة على أن الطوفان قد انتهى وأصبح هذا الإنسان الآن حرا في العيش على الأرض مرة أخرى.

الزيتون عند الملوك المصريين القدماء:

لا تقتصر عجائب شجرة الزيتون على دول منطقة البحر المتوسط. رأى شعب مصر القديمة منتجها الأكثر شهرة، زيت الزيتون، هدية من الإلهة إيزيس. يُنسب الفضل إلى إيزيس على أنها القوة التي أدخلت المصريين الأوائل إلى عجائب شجرة الزيتون وعلمتهم كيفية صنع زيت الزيتون.

كانت هناك أيضا صور لإنتاج زيت الزيتون في الفن المصري القديم. تم العثور على أدوات لضغط الزيت عدة مرات في الطقوس الجنائزية. يقال إن الفرعون توت عنخ آمون كان يرتدي تاجا منسوجا من أوراق الزيتون، وقد ظهر فرعون آخر، رمسيس الثالث، وهو يقدم أغصان الزيتون لإله الشمس رع، كرمز للتنوير.

الزيتون في التوراة:

في الديانة اليهودية، يلعب النفط دورا مهما باعتباره رمز البركة الالهية . في الشمعدان، الشمعدانات السبعة المتفرعة، اليهود يستخدمون زيت الزيتون . استخدم العبرانيون القدماء الزيت في الاحتفالات الدينية والتضحيات و مسح الكهنة.

الزيتون في الكتاب المقدس:

شجرة معروفة من القديم في فلسطين (خر 23: 11؛ تث 6: 11؛ يش 24: 13؛ قض 15: 5؛ 1 صم 8: 14). كما كانت تنبت في أشور 2 (مل 18: 32). ويظهر بهاؤها في أن أوراقها خضراء في الأعالي وسنجابية فضية من أسفل حتى إذا هزها الهواء ظهرت الشجرة من بعيد كأنها مغطاة ببرقع فضي شفاف جميل جدا (هو 14: 6). وزهره أبيض وكثيرا ما ينتثر فتشبه به العاقر حينئذ (اي 15: 33). ويؤكل حب الزيتون إلا أن قيمته العظمى في زيته) أي 24: 11؛ حز 27: 17). ولم يزل الثمر يجمع بخبط الشجرة) تث 24: 20 (أو النفض) اش 17: 6(. وقد أوصى الإسرائيليون بأن يبقوا خصاصة الزيتون للفقراء (تث 24: 20(.

ويعيش الزيتون مئات السنين ويحمل في الشيبة كالأرز وكالنخل)قرن مز 92: 12، 14). أما معاصره فقد كانت منقورة في الصخر (اي 29: 6) كما تشهد بذلك الآثار أيضا في تلك البلاد. مرات كانوا يدوسون حبوبه بالرجل) مي 6: 15(وقد استعمل خشب الزيتون في صنع بعض أجزاء الهيكل ومتعلقاته (1 مل 6: 23، 31، 33). أما تطعيم الزيتونة في البرية في زيتونة جيدة فيشير إليه بولس في) رسالة رومية 11: 17-24 (مصورا دخول الأمم إلى الإيمان، كما وتغيير الطبيعة الشريرة بالتطعيم بطبيعة أخرى يشير إلى عمل النعمة في القلب البشري الشرير.

وأول ما حملته الحمامة إلى نوح بعد الطوفان كان ورقة شجرة الزيتون) تك 8: 11(. لذلك صار غصن الزيتون شعار السلام وعلامته. وكذلك شجرة الزيتون علامة تشير إلى النجاح والبركة الإلهية (مز 52: 8؛ ار 11: 16؛ هو 14: 6). وعندما تتقدم شجرة الزيتون في العمر تكثر من حولها نباتات الزيتون الصغيرة النامية) مز 128: 3(. وقد كانت النساء تتزين في بعض المناسبات بإكليل من زهوره كما كان إكليل الزهر الذي يطوق عنق المنتصر في الألعاب الأولمبية في اليونان مكونا من أوراق الزيتون.

ويتم استخدام زيت الزيتون في زيوت الكنيسة، مثل زيت الميرون وخلافه.

آية الكتاب المقدس عن غصن الزيتون

كان الزيتون من أكثر الأشجار قيمة بالنسبة للعبرانيين القدماء. تم ذكره لأول مرة في الكتاب المقدس عندما عادت الحمامة إلى سفينة نوح تحمل غصن زيتون في منقارها.

يقول سفر التكوين 8:11: عندما عادت إليه الحمامة في المساء، كانت هناك في منقاره ورقة زيتون طازجة، ثم عرف نوح أن الماء قدانحسر عن الأرض.

الزيتون في القرآن الكريم:

لقد ورد ذكر الزيتون في القرآن الكريم كشجرة مقدسة مهمة لحياة البشر. وهناك وصف جميل للزيتون في القرآن الكريم فضلا عن أن الله سبحانه أقسم بالشجرة المباركة. وأشار لنا عليها بالبنان على أنها من الشجر المفيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه. يقول الله في تنزيله العزيز في معرض حديثه عن الزيتون:

- وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴿99 الأنعام﴾

- وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿١٤١ الأنعام﴾

- يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١ النحل﴾

- بِّسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١ التين﴾

- اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥ النور﴾

- وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩ عبس﴾

الزيتون في العصر الحديث:

قد لا تكون أشجار الزيتون هدية من الآلهة والأغصان قد لا تشير إلى نهاية الفيضانات هذه الأيام، لكن شجرة الزيتون لا تزال تحتل مكانة مهمة في الحياة العصرية، لكن يستخدم زيت الزيتون لعدة أغراض مختلفة.

وعلى غرار الحضارات التي سبقتنا، يُستخدم زيت الزيتون على نطاق واسع في الطهي والشفاء والتجميل اليوم - وهو دليل آخر على قوة شجرة الزيتون الدائمة عندما يتعلق الأمر بالصحة والجمال.

هذا هو السبب في أن الاستثمار في زيت الزيتون ليس فكرة سيئة على الإطلاق.

رمزية شجرة الزيتون:

طول العمر أو الخلود: يمكن أن تعيش شجرة الزيتون أكثر من 2000 عام، فهي قادرة على تحمل الظروف المعاكسة للغاية: البرد، وتساقط الثلوج، والحرارة، والجفاف وما إلى ذلك، ولا تزال تؤتي ثمارها. تتجدد أوراقها باستمرار وتستجيب جيدًا للتطعيم. لكل هذا فهو أيضا رمز للمقاومة والبقاء .

الشفاء: لطالما اعتبرت شجرة الزيتون وثمارها وزيتها ذات خصائص طبية، ومثبت بالأدلة العلمية. في الواقع، في جميع الحضارات، يستخدم الزيت لعلاج أمراض معينة، وكذلك وفي مستحضرات التجميل.

السلام والمصالحة: بقيت الحمامة مع غصن الزيتون رمزا للسلام لا يمكن إنكاره. في الواقع، يمكننا أن نرى غصن زيتون في بعض أعلام الدول أو المنظمات، ولعل أكثر ما يبدو لنا هو علم الأمم المتحدة. ويذكر أيضا في الإنيادة كيف استخدم الشاعر فيرجيل غصن الزيتون كرمز للمصالحة والاتفاق.

الخصوبة: وُلد أحفاد الآلهة في أثينا تحت أشجار الزيتون، لذلك اضطرت النساء اللواتي يرغبن في إنجاب الأطفال إلى النوم تحت ظلالها. في الواقع، يدرس العلم حاليًا ما إذا كان استهلاك زيت الزيتون يفيد، من بين أشياء كثيرة، في زيادة الخصوبة.

الفوز والتكريم: وتقدر أثينا هذا التكريم من خلال الخروج منتصرة من صراعها مع بوسيدون إله البحر والأنواء والزلازل والبراكين، وكما ذكرنا، فإن تاج الزيتون كان يُمنح سابقًا للفائزين في الألعاب الأولمبية في اليونان القديمة واستمر التقليد إلى يومنا هذا. تم الحفاظ على هذه العادة مع مرور الوقت ويمكننا أن نرى كيف أنه ليس فقط في الألعاب يتم منح الفائزين تاج الزيتون، ولكن أيضا في الرياضات الأخرى التي تجري على الكوكب.

وفي الختام، تبقى شجرة الزيتون في غاية العطاء لأنها تعطي أكثر مما تأخذ وفي حال تقديم الخدمة لها تجود في العطاء.

***

محمد عبد الكريم يوسف

أحضرت ورقة عذراء وقلم وحاولت كثيراً أن أتجاوز في رحلة السطور القادمة ما يعتمل في النفس من ألم.. كنت أقصد أن أخط مقالة عن العرض بحكم الواجب.. لكن حزني كان أكثر قهراً وإصراراً ليذرف وينزف في خضم الكلمات والأحبار مستخلصا وملخصاً من خليط وتداعيات المشاعر والأفكار في ذاك النهار.. رغم إيماني بالقدر والمكتوب لكن دمعتي لم تجف بعد أتراه تذرف على ألم الفراق أم من هول عدائية لا مبرر لها سوى الضعف والخوف في الذات المريضة تلك الذات الكاذبة الإنسانية في الجمل المارقة والغارقة بالمجاملات الخادعة   ضمن مجتمعات ونفوس تغلغل في تركيبتها الكذب والرياء والنفاق.. الإصلاح يبدأ من الذات ولازال الحب محراكاً لذاتي لأنفاسي لتخيلاتي...

ولكن.. وعمريَّ بغير إرادة مني ينفجر قهري لتنمو في عروق الورد أشواك ولأخط لكم ولكل من كان هناك لكل غبي سلطوي لكل نقي طاهر بسيط وعفوي لكل متابع لكل آدمي عامل وفلاح

(كرماء الأصل كالغصن المثمر كلما حمل ثمارا تواضع وانحنى.. عرفناكم هكذا.. الخ) وهي رسالة وصلتني من واحد من أصدقاء الفيس الذين لا أعرفهم وبدون مقدمات لتؤكد لنا جميعا.. المحبة غير مشروطة وهي تعكس ثقة أصحابها بأنفسهم وعلى ما ذكرت أضيف ياصديقي.

تواضعوا لله أيها الملتصقون فوق كراسيي الغطرسة المخادعة.. أماً بعد يوم يجف اللاصق وتلتحم تلك الغطرسة والخديعة في ذاتكم الحقيقية لتستحيل لكم العودة لطبيعتكم النقية.. الحياة غمضة عين تمضي وتمضون معها ملتصقين بغبائكم وغطرستكم وضعفكم محدودبي الظهر لاتبصرون سوى سعير نار أنتم فيها خادمين آبدين.

كثيرون ممن كانوا هناك بادروني بالسلام والتعزية الصادقة بوفاة شقيقتي والأكثر قرباً  من ذوي السلطة والنفوذ صدمهم حضوري  فلم يتجاهلوا وحسب إنما حين اضطروا لملاقاتي وجها لوجه عاتبوني على عدم تقديمي فروض الطاعة ضمن قصرهم وعصرهم.

قصور الآدميين عقولهم.. أتساءل إلى أين يقودنا قراصنة المركب المراكب صدق المثل إذ قال (اللي ما بتزينو عروقو ما بتزينو خروقو).. بسبب انقطاع التيار أكتفي بهذا القدر مفجراً بعض القهر.

علّي أعود ثانية إليكم أكثر صفاءاً ونقاء

***

الفينيق حسين صقور

«أجنحة الذّاكرة» لحظاتٌ من الانكشاف والاكتشاف

«أجنحة الذّاكرة» هو كتابٌ مميّزٌ عن مجالسَ نصراويّةٍ وشخصيّاتٍ مؤثّرةٍ في سماء ذاكرةِ كاتبٍ مميّز، يستعيد فيه ذكرياتٍ شخصيةً حول مجالسَ أدبيّةٍ تنقّل بينها وعاشها بملء جوارحه، ذكرياتٍ كان لها الأثر الأكبرُ في حياة كاتبنا ناجي ظاهر.

بأسلوبه الشفّاف والمميّز يأخذنا ناجي ظاهر في رحلة إلى الماضي، لينبُش في أعماق الذّاكرة، ويخبرنا عن تلك المجالس والشخصيات التي كان لها أثرٌ لا يمّحى في نفسه الأدبيّة والإنسانيّة، شخصياتٍ بعثت في نفسه الفرح، عصفت بذهنه، واستلهم منها الكثير من قصصه وكتاباته، ومجالسَ جمعته بعشّاق الكُتب والأدب والثقافة والفن، أثرَتْ تفكيره، أثارت خياله الخصب، وساهمت في بناء  شخصيته الأدبيّة والإنسانية الفردية.

يحدّثنا ناجي ظاهر عن تلك المجالس التي تبادل فيها الكتب والآراء مع الآخرين، شهد فيها مناقشاتٍ وحوارات عميقةً في القضايا الأدبية والثقافية وكلِّ القضايا الملحّة في المجتمع، تلك المناقشات التي كانت تُحدث عصفًا فكريًّا واحتكاكا لا بدّ منه لإشعال موقد الكتابة والإبداع. 

وهنا، سؤالٌ يراود الذّهن: لماذا نعود إلى الماضي؟

هل من المهمّ أن نعود إلى الماضي؟ هل العودة إلى الماضي آلية يستخدمها عقلنا لتحسين حالتنا النفسية ولتحسين مزاجنا، عندما نواجه صعوبات في التكيّف مع الحاضر وعند الشعور بالوحدة؟

كثيرًا ما نعود بذاكرتنا إلى الماضي، تحضرنا ذكرياتٌ حلوةٌ تثير فينا الشوق والتّوق لمعانقة تلك الأيام التي تغيّرت كثيرا في الحاضر، وذلك الماضي الذي لم يعُد له وجود. نحِنّ إلى الماضي. نبحث عن الأصالة، والبراءة، نتغنّى بالماضي الذي نراه أجمل من الحاضر، فتحضرنا صورٌ كثيرةٌ من الطفولة ببراءتها وسذاجتها، هدوئها وبساطتها.

ويعتقد البعض أن الحنين إلى الماضي مهمٌّ للصّحّة العقليّة والنفسيّة، وأن له فوائدَ جسديةً وعاطفية؛ وأنه أسلوبٌ ناجحٌ في محاربة الاكتئاب وقتيًّا، يعزّز الثقة بالنفس والنضج الاجتماعي. فهل هو ردُ فعلٍ لخللٍ ما في الحاضر، وعدم استقراره؟

الذاكرة المتقلّبة عادةً تغربل الذكرياتِ الأقل حلاوة، وفي ذات الوقت تربِط الذكريات الحلوة بالذاكرة المثالية التي غالبًا تكون مبالغة بها ومليئة برغبات القلب. الماضي الذي نراه رائعًا يحمي الإنسان من صعوبات الحاضر.

أمّا كاتبنا ناجي ظاهر فيقول في كتابه إنه يعود إلى الماضي بهدف فهم الحاضر وتسديد الخطى نحو المستقبل المنشود، ويرى أن التجربة هي ما يبقى بعد مضيّ الأزمان، وأن عمقَها هو ما يشفع لها في الإطلال بقوة على الحاضر من سماء الماضي.

كاتبنا ناجي ظاهر عاش حياةً كانت سلسلة من الصالونات والمجالس المؤثّرة، مثل مجلس المعلم طه الهادئ العميق، ومجلس الفاهوم المتروّي الأنيق، مجلس جمال قعوار ومجلس المطعم الشعبيّ، وغيرها... لكن أولَّها، وربما أكثرها تميّزًا بالنسبة لي، كان مجلس السيّدة قادرية (آدو) التي يعتبرها كاتبنا معلّمتَه ومرشدتَه الأولى أيام كان طفلا صغيرًا يحبو على عتبات الحياة.

وهنا، يعرض الكاتب ملامح سيّدةٍ فريدة من نوعها كان لها دورٌ رئيسيٌّ في ولادة عالمٍ كاملٍ في داخل نفسه، فمنها استمع إلى أجمل الحكايات وإليها يعود الفضلُ في اكتشافه طريقَه إلى الأدب.

وكان ذلك في بيتهم الدافئ في الحيّ الشّرقي في مدينته الناصرة. حين كان في بدايات طفولته الأولى، إذ تعرّف على جارته كفيفة البصر، السيّدة قادريّة، حيث كان من عادة أسرته أن يتبرّع أحد أبنائها، وكثيرا ما كان ذلك كاتبنا ناجي ظاهر، ليكون لها دليلا يقتادها من غرفتها الصّغيرة إلى بيتهم القريب.

وأحبّ كاتبُنا تلك السيّدة، أحبّ حكاياتِها الشّعبيّة وكان أكثر المنبهرين بتلك الحكايات التي كانت تقصّها عليهم في تلك المسامرات من حكايات تُفرح الروح وتُنعش القلب. ما حبّبه إلى ذلك المجلس وجعله ينشدّ إليه أشدّ انشداد يتعلّق بشخصية تلك الجارة التي فتحت له خزّانة الأدب والفن وأرشدته إلى ما في الحياة من ثراءٍ قصصيّ، كما حبّبه في تلك المرأة طريقتُها في سرد الحكايات، فقد كانت بارعة في إثارة التشويق لسماع حكاياتها، وذلك بتغيير نغمات صوتها بما يتناسب مع الأحداث، تسردها بأسلوبٍ يمتاز بتقديم حدث وتأخير آخر للعودة إليه فيما يلي من أحداث القصّة، وذلك ما كان يُشعل الفضول والرّغبة في متابعة أحداث القصّة.

هذه الطريقة في الكتابة التي اتّبعها ناجي ظاهر في كتابه هذا، أجنحة الذاكرة، هي كتابة من إدراك النهاية، أي من إدراك تحوّل ذلك الصبيّ إلى كاتب. هذه كتابة لا تنشغل برصد اهتزازات الواقع نفسِها، انما تلك التي ترصد من الواقع لحظاتِ الاكتشاف والإدراك، التعرّف والاختيار. ومن هنا، هذا النص يبدو لي، إذن، يستحقّ صفة سيرة ذاتية مع عنوان فرعي يمكنه أن يكون: كيف أصبحتُ كاتبًا؟ لكن، من اللحظة التي ندرك فيها أن الأحداثَ الحياتيةَ المنقولةَ هنا هي عالمٌ كاملٌ متكاملٌ من الحنين إلى ماضٍ ما زال مستمرًّا حتى اليوم وإلى ما لا نهاية، تُفتحُ الطريقُ لمتعة القراءة.

أجنحة الذاكرة، كتابٌ جميلٌ وفريدٌ من نوعه، يحلّق فيه القارئ على أجنحة الإبداع مع كاتب كرّس نفسه للأدب والثّقافة، تعمّق بفكره عميقًا وانطلق به بعيدًا، وارتقى بنفسه وبفكره على طول الأيام.

***

بقلم: حوا بطواش

 

- حدّثْني عن البطولة، عن الرجولة، عن الرجال، أخبرْني كيف يخرج الآحاد من بين الملايين، ليكونوا غُرَّةَ الكون وتاجَ التاريخ؟ عن عقولهم، وأفكارهم، عن نفوسهم وتطلعاتهم، عن قسماتهم وملامح الأرض التي تسكن خطوط وجوههم وقلوبهم، عن كل شيء فيهم؟

- وهل تحتاج البطولة إلى حديث؟ هل تحتاج البطولة إلى تعريف؟

- قيل لي إن البطولة أنواع، أشكال، تختلف باختلاف الزمن، وتتغاير بتغاير الحدث.

- هذا صحيح، هل يغير الشكل أو المظهر من حقيقة الجوهر؟ البطولة شيء معنوي، يسكن العقل والقلب، يكتسح المشاعر، يغزوها، ينتشر في خلايا الدم، في ذرات الدماغ ونسيجه، في لولبياته الملتفة على بعضها بطريقة خلابة، تدهش المألوف والمعهود، في نواة التكوين وسويداء الإبداع، ليتلاحم مع الجسد، مع إشارات الوجه وتنبيهات الجلد، البطولة تتسرب في الذات كالماء المتسرب بالتواءات الأرض، ليمنحها الحياة، البهاء، النماء، الروعة.

- وكيف يمكننا اكتساب البطولة؟

- البطولة لا تكتسب، بل تتفجر منابعها حين تستدعيها الحاجة، حاجة الحق لاكتساح الظلم، تتفجر كبركان يخرج من تحت قاع المحيط، أو من قاع الأرض، مذيبا ما في طريقه من صخور وعقبات، ليفتح صدر الأرض للهواء، للنسيم، للحرية، ولكي تعرف البطولة جيدا، تراها رؤية العين، تلمسها بالأصابع، وتحسها كإحساسك بلسعات البرد والحر، ما عليك سوى أن تجمع صور الأبطال، وتحدق في عيونهم، تتفرس في ملامحهم وجبهاتهم، تسبر مساماتهم، تتعلق بأهدابهم ورموشهم، ترفع صورهم عاليا، وتنخفض، لأن هؤلاء الأبطال عاشوا وماتوا، وجباههم مرفوعة، تلامس سقف الزمن، تلامس هامات الشموخ والسمو والإباء، عالية أرواحهم، عالية فوق العلو، سامية فوق السمو، تلك الأرواح، تلك الجباه، تستحق منا -بكل إيمان- التواضع والعرفان، أن نعرف حقا مقام علوها وسموها، وتستحق منا – إن كنا إنسانا، إنسانا حقيقيا- أن ننحني لها، كانحناء التاريخ لها حين كانت تسطر بكل ما تملك حروف الكون والزمن، حروف التاريخ، بماء عزيمتها وحبر بطولتها.

- أنا أشعر بالضَّآلَةِ الآن، أشعر بالتقزُّم، أَصْغُرُ وأصغُرُ، حتى كأني أُلامِسُ الأرضَ، عالَمُ هؤلاء الأبطال يبدو سحريا، إلى حد أنه لا يمكن تفكيك طلاسِمِه ورموزه، تفكيكا يمنحنا فهم حقيقته.

- البطولة ليست طلاسم، ولا رموز، بل حياة، حياة لا تنتهي، يمكنك استشعارها في كل شيء، ملامسة حقيقتها بالفطرة، بالنقاء، بالصفاء، بالشروق المتدفق كمحيط ممتد بلا نهاية، متصلا بالمطلق.

ولكي تفهم الأبطال، عليك أولا أن تكون -كما قلت سابقا- تحمل صفات الإنسان، ملامحه النفسية والشعورية، عليك أن تغوص داخل فطرتك غوصا عميقا، لترى إن كانت مسكونة ببراءة البحر بكل ما فيه من تناقض، أم مسكونة بترهات الذين يتشدقون عن الحياة دون أن يكونوا قد أخذوا من الإنسان اسمه، اسمه فقط. أما ما تراه في هيأتهم، ليس سوى تنكر، تنكر في ملامح الإنسان.

البطولة سهلة الفهم، سهلة الإدراك، سهلة الاستيعاب، لكنها عَصِيَّةٌ، أَعْصَى مِن المستحيل على أولئك الملوَّثين بِسَخام الغرور والضياع بين تيارات الحياة المقززة إلى حد الجنون.

- تحدثني عن البطولة، عن الأبطال، تكافح وتنافح عن معاييرهم، عن بيضتهم، عن حماهم، وكأنك واحد منهم، فهل هذا نوع من البطولة؟

- لا، لست مدعيا إلى هذا الحد، ولكن يحق لي الفخر والانتساب لسيرة هؤلاء الأبطال، لمعانيهم، لمضامينهم، مع علمي الشديد، بأني أشَدُّ جُبْنًا من أن أكون قادرا حتى بالانتساب إليهم، فهل أَقَلَّ من أن أحاول قتل جُبْنِي ووأده حين أتحدث عنهم؟ أرسم ملامحهم بقلم جاف لا حياة فيه، كي يستمد حياته من مفردات خصصتها اللغة لهم، لهم وحدهم، دون غيرهم من البشر؟ قلمي يستمد منهم، من مفرداتهم، حياة قد تغسل عار جبنه وخوفه، فهل هذا كثير؟ هل هذا أكثر مما يمكن أن يطلب؟ أليس حريا بنا كلنا، الذين نتحدث عن البطولة، دون أن نمارسها، دون أن نحولها لنهج حياة، ومسيرة أيام، أليس حريا بنا أن نقف أمام المرايا عراة، عراة كما ولدتنا أمهاتنا، وكما سنبعث يوم القيامة من قبورنا، كي نحدق بتفاصيلنا جيدا، كي نستطيع التأكد والتيقن بأننا ضمن الإنسان؟ ولسنا متنكرين بشكله فقط؟

- أنت تقتلني، أنا لا أشعر بالضآلة فقط، بل أشعر بأن خللا ما طرأ على تكويني، على ماهيتي، أشعر وكأن جلدي يريد التنازل عن حقه في التحاف العظم والقلب والكبد، أشعر وكأنه يريد الخلاص من مأزق خطير، وكذلك أحشائي، قلبي، عقلي، أشعر وكأن كل شيء بداخلي، أو خارجي، في تكويني، يختلف عما كان سابقا.

أحاسيسي، مشاعري، كل شيء أحسه الآن يستعد للهجرة، للتحول، للانقلاب، أصبحت عصيا على ذاتي، وذاتي أصبحت عصية علي، هل هي حالة ولادة؟ أم حالة موت؟ بعث أَمْ فناء؟ تحول من شكل إلى آخر؟ من ذات إلى ذات أخرى؟ لا أعلم. رأسي ثقيل، ثقيل، مضغوط، الضغط في رأسي، في صدري يتعاظم، يتفاقم، يشتد، هو الانفجار، نعم هو الانفجار.

- الفرق بينك وبينهم، أنك تحتاج إلى تعريف، أن تُعَرِّف نفسَك إلى نفسك، وأن تُعَرِّف نفسك للآخرين، أنت تبحث عن شيء يمكن أن تشرحه للناس، تشرحه لذاتك، لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل لم يفكروا بذلك، فهم يعرفون أنفسهم، وتعرفهم أنفسهم، هم يعرفون الزمن، ويعرفهم الزمن أيضا، تماما كمعرفة الأرض للمطر، ومعرفة الأرض للبركان والزلزال، ومعرفة البحر للعاصفة، هم نوع من الوجود المنصهر بكُنْهِ الأشياء وأصلها، بمكونات الوجود، وطبائع الكون.

لكنهم لم يشعروا بالتميز، بالخصوصية، بل امتلأوا بالحس الرافض لنهج الطبيعة، المغاير لتفاصيل الفطرة، كانوا يَرَوْنَ الأشياء من خلال دموعهم المسكوبة حسرة على طفل يجوب الطرقات بأسماله من أجل رغيف خبز، وكانت عزتهم تمنعهم من إسداء المعونة للطفل ذاته خوفا من كسر شموخه وأَنَفَتِه، كانت عيونهم تدور داخل الصدور، دورة حياة خضراء تبحث عن بعث للجدب المتكلّب بمساحات النفوس والعقول، دون القدرة على الشعور بالفرح أو الراحة، كان الهَمُّ شُغْلَهم وشاغِلَهم، وكان العدل دِينَهم ودَيْدَنَهُم.

لو نظرت إلى وجوههم، إلى تقاطيع الزمن فيها، لو تأملت بِنْيَتَهم، وتفاصيلَ مِشْيَتَهُم وخطواتهم، لعرفت بأنهم يحملون صفات وملامح تتفق وتختلف مع صفات من سواهم.

تتفق بأنها من لحم ودم، يكسوها الشعر، ويقطر منها العَرَق، تتأثر بالحرارة والبرودة، تماما كباقي الناس.

لكنها تختلف بما يستتر خلف الجلد، وما يجري داخل الأوردة، وما يخفق في القلب، ويعتمل بالروح، ولو دققت أكثر، لأيقنت بأن ما بداخلهم يمنحهم تميزا خاصا حتى في الشكل، شكل الجلد، وشكل العين، ولعرفت، يقينا، بأن وَقْعَ خطواتهم فوق الأرض له خصوصية لا يفهمها إلا التراب المحمل بالشوق المُعَذب لبقاء خطواتهم فوق شكله وسره.

هم الأبطال، الأبطال الذين يصنعون التاريخ المغاير لتاريخ الجبناء، وهم من يكتبون بمداد دمهم المُضَمّخِ بالوفاء للإنسان، حروف الأزمان القادمة، وهم، هم وحدهم من يرى نور الشمس المستتر خلف أزمان لا زالت قابعة في غيبٍ مُدْلَهِمِّ الظُّلْمَة.

- هؤلاء ليسوا بشرا مثلنا، تتحدث عنهم، فأشعر بانبعاث المجهول والغامض، يسري بكياني شيء خفي، تماما كسريان الغابة في العقل والمشاعر حين تراها من بعيد وأنت مقدم على دخولها، تداهمك رهبة، ويداهمك خوف، ولكنك لا تستطيع تحديد الرهبة أو الخوف برهبة أو خوف مماثل.

- أنت مخطئ ومصيب: مخطئ لأنك تبحث عن عذر لا يضطرك للانحناء إليهم، ومصيب لأنني أجهل كيف أشرح لك حقيقتهم العَصِيَّة على اللغة والمفردات، المرتفعة فوق الوصف والتحديد، لا لشيء، سوى أنها أكبر من اللغة وأوسع من المفردات.

لكنها تُحَسُّ، تُلْمَسُ، بِكَمٍّ هائل من المشاعر والأحاسيس، حين تصطدم بسيرتهم، بتضحياتهم، بقدرتهم على تمزيق سُدُفِ الظلام واستلال النور من مُزَقِها، وحين تصطدم فجأة بهم وهم يعبرون زمن الأرض إلى زمن السماء، إلى زمن يرونه بصورة لا تتمكن عيوننا المريضة من رؤيته وهو يتقدم نحوهم بشغف مُعَتَق، ورغبة جامحة ليسحبهم إلى نواة الخلود وبؤرة السرمدية.

- يبدو من حديثك أنك تعرفهم، تفهمهم، وكأنك عشت معهم، أو كأنك واحد منهم، كيف يمكنني الوصول إلى ما وصلت إليه عنهم؟

- عليك أن تعترف، اعترافا واضحا وصريحا، بأنهم ليسوا مثلك أو مثلي، بل هم نوع آخر، نوع يتميز عنا بأنه يملك أسباب البطولة، كما نملك نحن أسباب العجز والتبرير، أنا أعرفهم بقدرتي على التألم القاتل بأني لست واحدا منهم، بل ولست ممن يمكن أن يكون مثل ذرة من ذرات أيامهم وساعاتهم.

أعرفهم من خلال أحلام اليقظة التي أعيشها وأنا أبحث عن طاقِيَّةِ الخفاء من أجل ممارسة البطولة والتضحية، أعرفهم من خلال دموعي على الأطفال الذين يُسْلَخون على الأرض دون رحمة، دموع الألم، المغادرة فور انتقالي للتلذذ بطعم قصيدة كتبها جبان يبارك بطولة الأبطال وهو يشعل الدخائن ويحتسي القهوة، أو التصفيق لرواية تضج بالوصف المكثف لموت يحصد الناس والحيوان والشجر، دون أن يتقدم كاتبها نحو الموت من أجل أن يكتب الرواية الأخيرة بمداد دمه.

أعرفهم حين تَدْلَهِمُّ الخطوبُ وتتأزم اللحظات، وهم يغادرون الأرض بخطوات واثقة هادئة من أجل خوض لُجَجِ المُدْلَهِمِّ ونواةِ التأزّم، في حين ننحشر نحن في زاوية مخضبة باللهو والتسلي، نحمل أقلامنا بين أناملنا، لنبدأ صياغة المفردات الخارجة من مركز العجز والقهر والكبت، لتبدو في نظر القارئ الذي لا يختلف عنا في شيء، ملاحم بطولة، ومعلقات شجاعة.

لكنها في الحقيقة، حقيقة الفطرة، وحقيقة الروح والأشياء والأزمان والأماكن، ليست سوى زفرات تأوّه وحسرة، على ما نحن فيه من انهيار وهبوط إلى درك تأنف صفة الهبوط ذاتها من الانحدار إليه.

حَدِّقْ، أو بتعبير أكثر دقة، تَفَرَّسْ، وتفحّصْ وجوهَ المثقفين ذوي الكروش المنتفخة، حين يتوسطون الطاولات على قناة من القنوات، حاول الدخول بملامحهم، في عيونهم، في نبرات أصواتهم، في بسمتهم وهم يرتبون المفردات والأفكار، ببرجوازية العقل، وثراء المنطق، وحين يتقيأون "الحقائق" من أفواه غارقة بطعم الشهد واللحم والطير، وحاول أن تجمع هذه التفاصيل المكررة، لتضعها بإطار مقابل لإطار مفردات الأبطال، ستجد أن مفردات الأبطال محدودة ومعدودة، لكن أفعالهم، وَقْعَ أصواتهم، له مذاق آخر، ونكهة أخرى، لا تلتقي ولا تتفق مع الكروش المعبأة بمائدة القول وماء القلم، ولا تنتمي إلى ربطات العنق المزركشة والملونة بعرق الناس الذين يتمرغون بالعذاب والألم، حتى طعم دموعهم فيه من حَبَقِ الأرض وشهيق التراب كثير الكثير.

للبرتقال بأيديهم لون آخر، متوهج وبراق، ولليمون المغروس فوق قبورهم رائحة الجنة، وطعم الكوثر، هم يا سيدي، شيء مختلف تماما عنا، وعن عوالمنا الغاصة بالترهات والمماحكات، عالمنا المغرق بالبحث عن سبل مفتوحة معبدة دون أن يراها، بل ويدعي أنها غير موجودة، من أجل التمادي بالرحيل من عالم الحقيقة إلى عالم الوهم، من عالم محدد الأطراف والزوايا، إلى عالم يغرق بالتَّفَلُّت والتملُّص من بين أيدينا الملوثة بالنعومة، وعقولنا الملوثة بالبحث المتواصل عن اللاشيء، تحت شعارات البحث عن نهج الخلاص والتحرر.

- ولماذا -مع فهمك العميق لهم ولسرهم- لستَ واحدا منهم؟

- لأنني بكل بساطة، حمَلتُ القلمَ بين أناملي، وقلت: إن القلم والسيف يتفقان.

- وهل هذا عيب وخطأ؟

- بل عار.

- لكن الأمة تحتاج القلم مثلما تحتاج السيف.

- هذا ما ندّعيه نحن، لكن الحقيقة، حقيقة البطولة تقول غير ذلك.

- ماذا تقول؟

- تقول: إن محمدا عليه الصلاة والسلام، حمل الحق المطلق إلى جانب السيف المسلط، وإن صحابته رضوان الله عليهم، الذين حملوا القرآن في صدورهم، كانوا السباقين نحو دوائر البطولة ومربعات الشهادة.

لذلك دخلوا التاريخ من أعلى قِمَمِه، من أعلى أنواره، ولذلك بَقَوْا -هم ومن اقتدى بهم حتى يومنا هذا- مادة أقلامنا، وشخصيات أفكارنا، نقتات من سيرتهم، ونتغنى بأرواحهم، دون أن نصل إلى موطئ أقدامهم التي كانت تضرب الأرض بقوة البطولة، لتظل العلامة الفارقة بين ما هم، وما نحن؟

***

مأمون أحمد مصطفى زيدان

فلسطين- مخيم طول كرم

النرويج: 27-09-2006

يصادف اليوم الخميس، الخامس من تمّوز الجاري، الذكرى التاسعة والعشرون لرحيل المناضل السياسي الشاعر توفيق زياد ابن مدينتي الناصرة ورئيس بلديتها ابتداءً من عام 1976 حتى رحيله في حادث طرق مرّوع بتاريخ 5/7/1994. ماذا ترانا نقول في هذه الذكرى؟ نعرّف به وبأعماله الادبية؟ أم نتحدّث عن دوره السياسي النضالي. سواء تحدّثنا عن هذا أو ذاك فإننا لن نضيف شيئًا إلى ما سبق وقيل عن حياته وعنه في شتى مجالات اهتمامه، أضف إلى هذا أن ضغطة بسيطة على مفتاح شبكة البحث الالكتروني "غوغل"، تقدّم للإخوة القراء كلّ ما يريدون معرفته عنه.. وأكثر.

عرفت المرحوم توفيق زيّاد عن قُرب، لهذا سأتحدث في ذكراه هذه، عن ملامح عامة في شخصيته. كان زياد ذا شخصية مميّزة، شهد لها الكثيرون بمن فيهم العديد من أخصامه السياسيين مُثنين ومُطرين. فيما يلي أشير إلى بعض من خصاله الشخصية التي لمستها وعرفتها عن قرب.3441 توفيق زياد

التواضع والعُمق.. منذ تعرّفت إليه في أوائل السبعينيات، لمست فيه هذه الخلة. كان ذلك تحديدًا يوم زرته في مكاتب الحزب الشيوعي في الناصرة، وكانت تقوم حينها في منطقة عين العذراء. دخلت إليه بهدف التحدّث عن تجديده أغنية "عذّب الجمّال قلبي يوم نوى ع الرحيل"، وكنت أشعر بنوع غريب من الخجل. عندما لاحظ ارتباكي هذا. دعاني للجلوس قُبالته، قائلًا إنني أنا نفسي جمّال ابن جمّال.. من بسطاء الناس. أضف إلى هذا أن لهذه الأغنية الشعبية أهمية خاصة في ترثنا الشعبي النصراوي. كنت وأنا أستمع إليه وهو يسترسل في شرح وجهة نظره.. أشعر أن كلّ كلمة تقرّبني منه، ولم أخرج من مكتبه، إلا بعد أن أكد لي أنه بإمكاني أن أزوره في مكتبه في أي وقت ومتى أشاء.. "أنا أحب الشباب الطموح.. أفتخر به"، قال وهو يصافحني مصطحبا إياي حتى باب مكتبه... بعدها التقيت به عددًا من المرّات.. معظمها في دكان التذكاريات السياحية بحضور صاحبها الشاعر الصديق المثقّف طه محمد علي، رحمه الله، وأقلها في هذا المقهى أو ذاك من مقاهي بلدتنا القليلة في حينها.

السخرية.. اتصف توفيق زياد كما عرفته بشخصية مرحة ساخرة. لا يتردّد بإطلاق النكتة. عندما تحبك معه، كما يقول إخواننا المصريون. وأذكر في هذا السياق. أن الشاعرة فدوى طوقان ابنة مدينة نابلس، طابت ذكراها، اقترحت عليّ مرافقتها خلال زيارتها للناصرة.. وله خاصة. اتخذ يومها كلّ منّا مجلسه في بيته القائم، حتى هذه الايام في أحد مداخل الحي الشرقي. وشرع برش السجاير علينا نحن ضيوفه. عندما وصل إليّ مدّ عُلبة السجاير نحوي، فقلت له إنني لا أدخّن، فضحك عاليًا وقال لي. عجيب. كلّ هذه الافكار تطلع بدون دخان..

الانفعالية.. غلبت صفة الانفعالية على شخصية توفيق زياد، وكان بإمكان مَن يستمع إليه وهو يخطب أمام جماهيرنا التي أحبته بصدق، ملاحظة أنه لا يخطب في الناس وحسب، وإنما هو يعيش خطبته.. تأثرًا وانفعالًا. ومما أذكره في هذا السياق أن الاديب طه محمد على كان يردّد انك إذا ما دخلت دار السينما واستمعت إلى مَن يصرخ انفعالًا وتماهيًا مع ما يشاهده.. فقل هذا هو توفيق زياد.

طيّب الله ذكرى القائد الشاعر توفيق زيّاد. فقد كان شُعلةً من نور أضاءت في سماء مدينتي الناصرة.. وسوف تواصل إضاءتها.. إلى ما لا نهاية.

*** 

بقلم: ناجي ظاهر

عندما كنّا تدريسيّين في قسم اللغات الاوربية بكليّة الاداب في جامعة بغداد في سبعينيات القرن العشرين، كنّا نحلم (نعم نحلم!) ان ننفصل عن الكلية المذكورة، ونرجع الى كليّة اللغات السابقة، التي ألغوها ودمجوها مع كليّة الاداب حينئذ بقرار ارتجالي بعيد عن الموضوعية العلمية، أقول (كنّا نحلم)، لاننا كنّا نشعر، ان قسم اللغات الاوربية لا يمنحنا حريّة الانطلاق والتطور اللاحق لفروعنا، اذ كان فرع اللغة الانكليزية هو المسيطر، ونحن، فروع اللغات الفرنسية والالمانية والروسية والاسبانية (تابعين!) له ليس الا، او كما علّق أحد الزملاء مرة – نحن (ملحق مجاني !) لقسم اللغة الانكليزية، ولهذا كنّا (نحلم) بالخروج من تبعيّة (لغة الجنرال مود) كما قلت لهم ضاحكا مرة في احدى اجتماعات القسم (بالشقه وغلّ ايدك) حسب مثلنا العراقي العتيد، اذ عبثا كنّا نحاول ان نقنع التدريسيين في فرع اللغة الانكليزية، ان اللغات كافة وتدريّسها ودراستها مهمّة لمسيرة تطور بلدنا وثقافتنا الوطنية، وانه لا توجد لغة أعلى او أدنى في تسلسل تلك اللغات، ولكن بلا جدوى، بل ان فروعنا اقترحت مرّة (من اجل توسيع مدارك الطلبة وتعريفهم باسس الاداب الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية والروسية ونحن في قسم واحد اسمه قسم اللغات الاوربية وفي كليّة واحدة اسمها كليّة الاداب !)، اقترحنا تدريس مادة (الادب العالمي) في قسم اللغات الاوربية لفصل دراسي واحد في الصف الثالث والرابع باللغة العربية وبمعدل ساعتين بالاسبوع ليس الا في كل فروع تلك اللغات، مادة تتناول بايجاز المعالم الاساسية لتلك الآداب واهم اعلامها، فاقترحوا في فرع اللغة الانكليزية عندئذ ان نقدم لهم المادة كاملة وجاهزة، وكانت متبلورة بالنسبة لفروعنا الفرنسية والالمانية والاسبانية والروسية وباللغة العربية، وبعد تقديمنا للمواد، فانهم سيقومون بترجمتها وتدريسها باللغة الانكليزية في فرعهم، وقد قلت لأحد التدريسسن آنذاك، انه يلفظ حتى اسم دستويفسكي بشكل غير صحيح، فكيف يمكن له ان يقوم بتدريس أدبه وفلسفته ويشرح مكانته في الادب الروسي والعالمي، علما انه كان مختصا بقواعد الجملة الانكليزية، ولا علاقة له بتاتا بآداب فرنسا والمانيا واسبانيا وروسيا، ولم يسمع حتى ببعض أعلام تلك الآداب، وكاد هذا المقترح العلمي المهم ان يتلاشى نتيجة لموقف فرع اللغة الانجليزية، وقد (أنقذ!) هذه الخطوة العلمية آنذاك عميد كليّة الاداب، واقترح – كحل وسط - ادخال مادة (الادب العالمي) ضمن مناهج قسم اللغة العربية في كليّة الآداب، باعتبار ان لغة التدريس في ذلك القسم هي العربية، وهذا ما حدث فعلا ...

استمر الوضع بهذا الشكل غير الطبيعي الى عام 1987، حيث صدر ألامر الوزاري باعادة كليّة اللغات (بعد التي واللتيا طبعا، ولا مجال هنا للكلام عن ذلك !)، وهكذا انتقلنا الى كليّة اللغات، بيتنا الطبيعي كما أسمينا تلك الكليّة عندئذ، واصبح لكل لغة من اللغات قسم مستقل خاص بتلك اللغة، وهو الشئ الاكاديمي والموضوعي والصحيح، وكانت هناك في بداية مسيرة تلك الكليّة اقسام للغّات الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية والروسية والتركية والعبرية والفارسية، واضيفت اليها بالتدريج أقسام اللغات الايطالية والكردية والسريانية، وهكذا اصبحت كلية اللغات تضمّ (11) قسما علميا متكاملا باساتذته ومكتبته وخططه العلمية من دراسات اولية وعليا...الخ .

الان، وقد مضى على عودة كليّة اللغات (36) سنة بالتمام والكمال، وبعد ان اثبتت اهميتها وجدارتها في الحياة العلمية والثقافية بالعراق، بدأ بعض الزملاء بالكلام عن الانتقال الى مرحلة لاحقة أعلى، وهي ان تتحول كليّة اللغات هذه الى جامعة اللغات، جامعة يمكن ان تضمّ (11) كليّة باكملها، وهكذا يكون فيها كليّة اللغة الانكليزية وآدابها، وكلية اللغة الفرنسية وآدابها، وكلية اللغة الالمانية وآدابها، وكلية اللغة الروسية وآدابها، وكلية اللغة الاسبانية وآدابها، وكلية اللغة الايطالية وآدابها، وكلية اللغة التركية وآدابها، وكلية اللغة العبرية وآدابها، وكلية اللغة الفارسية وآدابها، وكلية اللغة الكردية وآدابها، وكلية اللغة السريانية وآدابها، وسيكون في كل كلية من تلك الكليات اقسام علمية خاصة بتلك اللغة وتاريخها، وآدابها، وحضارتها، والترجمة منها الى العربية، ومن العربية اليها، واقسام علمية اخرى مساعدة لتعميق الدراسات اللغوية، وستكون هذه الجامعة مركزا حيويا ضروريا للحوار بين مجتمعنا والحضارات الاخرى وبلغات تلك الحضارات، اذ ان العلوم كافة تستخدم اللغات للتعبير عن نفسها، اي ان اللغات ضرورية لحياة العلوم وازدهارها، ولهذا يجب رعاية اللغات من اجل رعاية كل العلوم الاخرى .

قال صاحبي المتحمّس لتحويل كلية اللغات في جامعة بغداد الى جامعة اللغات في بغداد، ان الافكار مثل البذور، نزرعها في التربة الصالحة ونسقيها ونرعاها، فتبدأ بالنمو،ثم تقف بشموخ على الارض وتمنحنا الثمار بعدئذ، فقلنا له - ولكن التربة الان غير صالحة اصلا لزراعة هذه الفكرة، اضافة الى أزمة (الجفاف !!!)، التي تخنق الزرع والضرع في بلاد (الرافدين !!!)، فقال – مع ذلك زرعوا فأكلنا، ويجب ان نزرع ليأكلون، فقلنا له – هذه فكرة كبيرة وتحتاج الى ارض فسيحة وجهود هائلة، فقال - طريق بالف ميل يبدأ بخطوة واحدة ... 

***

أ.د. ضياء نافع

مدخل:

الهايكو نوع شعري ونمط وجنس وفضاء ابداعي ياباني الأصل، وقد كانت بداياته قبل أكثر من 700 سنة، وهو يعتمد الطبيعة بكل موجوداتها وكائناتها لكتابتها تصويرياً ومشهدياً وحسّياً وجمالياً في بنيته النصّية.

* ويمكنني القول:

لقد اصبح لنا هايكو عراقي منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث انا كنتُ قد بدأت بكتابة الهايكو في بدايات تسعينيات القرن الماضي، وكذلك أصبح هناك هايكو عربي في معظم البلدان العربية على أيدي اديبات مبدعات وأدباء شباب مبدعين ورائعين بأفكارهم ورؤاهم ونصوصهم الهايكوية المهمة .

* كما ان الذي اراه مهماً، وهو اننا نحن الهايكويين العراقيين والعرب، كنّا قد سعينا واجتهدنا ومازلنا نسعى ونجتهد من اجل ان يكون لنا الهايكو الخاص بنا، حيث اننا معنيون بتصوير وتدوين تفاصيل طبيعاتنا وبيئاتنا ومشاهدنا الحياتية والواقعية، وذلك من خلال عيوننا/ كاميراتنا البصرية والحسية ورؤانا نحنُ بعيداً عن عالم الآخرين، طبعاً نحن لاننكر مدى استفادتنا الاولى من بعض أفكار ورؤى وتقنيات الآخرين.

 وأعتقد ان هذا امر طبيعي في التأثير والتأثر والاستفادة والإفادة، شأنه في ذلك شأن كل الاداب والفنون والعلوم حتى. أتمنى ان اكون قد قدّمتُ لكُنَّ ولكم: اخواتي وصديقاتي العزيزات، واخوتي واصدقائي الاحبة، وجهة نظر وتعريفاً مجدياً ومُكثّفاً ومُفيداً عن ادب وفن الهايكو الجميل والصعب والعريق . كما ان الذي أراه مهماً، هو اننا نحن الهايكويين العراقيين والعرب، كنّا قد سعينا واجتهدنا ومازلنا نسعى ونجتهد من اجل ان يكون لنا الهايكو الخاص بنا، حيث اننا معنيون بتصوير وتدوين تفاصيل طبيعاتنا وبيئاتنا ومشاهدنا الحياتية والواقعية، وذلك من خلال عيوننا/ كاميراتنا البصرية والحسية ورؤانا نحنُ بعيداً عن عالم الآخرين، طبعاً نحن لاننكر مدى استفادتنا الاولى  من بعض أفكار ورؤى وتقنيات الآخرين، وأعتقد ان هذا امر طبيعي في التأثير والتأثر والاستفادة والإفادة، شأنه في ذلك شأن كل الاداب والفنون والعلوم أَيضاً .

 أتمنى أنْ اكون قد قدّمتُ وجهة نظر وتعريفاً مجدياً ومُكثّفاً ومُفيداً عن ادب وفن الهايكو الجميل والصعب والعريق .

***

سعد جاسم

 

لا يمكن لك أن تمضي خارج أسوار هذا العالم، وأنت مسكون بالخوف، والقلق، فالمسافة الحاضرة بينك، وبين ما لم يتحقق وصولك اليه، تدعوك لأن تواصل الطريق زحفا صوب النقطة القلقة، أن تستأنف المسير دون تردد، انطلاقًا من المنحدر، بحثا عن أعلى درجات التسامي.

هنالك فقط يمكن لك أن تتطهر؛ ترتقي بروحك، وحسك، وقلبك، يصبح لك عقلا، به تشعر أنك تتحرر من القشرة تلك التي تحول بينك، وبين الضجيج.

وبذلك يتاح لك أن تنجو، تتزين بالكبرياء، تشعر أنك قد أصبت الهدف الذي به يتسنى لك أن تحقق صفات وجودك الإنساني- تشعر بالامتنان لنفسك بعد أن تمتلئ بهذا المدى من التوهج، تستعر في أوصالك طاقة غريبة، تزجك نحو المكان، تحلق بك بعيدا، نحو أقصى نقطة من الضوء، لتصبح مثل طائر متألق. هنا تلازما، المواظبة تكرار دائم في مواصلة البحث، إجلالا لسماء كبريائك الأصم.

***

عقيل العبود

محمود درويش، من خلال لوحة من الفسيفساء تكسو جدران إحدى منازل منطقة الرياض بجزيرة جربة , تحدّى الموتَ وحاورَهُ وانتصرَ عليه حينما اعتبرَ أنَّ الفنَ بمضامينهِ الراقيةَ من شعرٍ وأدبٍ وفنونٍ يُمْكنُ له أنْ يُهزِمَ الموتَ بجدارةٍ ، وبلغ به هذا التحدّي حدَ المواجهةِ:

هَزَمَتك يا موتُ الفنونُ جميعُها

هَزَمَتك يا موتُ الأغاني في بلادِ الرافدينِ

مسلَّةُ المصري، مقبرةُ الفراعنةَ

النقوشُ على حجارةِ معبدٍ هَزَمَتك

وانتصَرتْ وأفـْلتَ من كمائِنِكَ الخلودُ

فاصنعْ بنا، واصنع بنفسِك ما تُريدُ، هزَمَتكَ يا موتُ،3436 محمود درويش

هذا العمل الفني "جدارية فسيفساء".. ليس بالامر الهين ان يقوم به فنان تشكيلي وموضوع الجدارية الشاعر الفلسطيني العربي الكبير محمود درويش الذي يعد أحد ايقونات الشعر العربي الحديث والذي حلق في سماء العالمية بكل إقتدار ونبوغ لافت.. شاعر فلسطين الأول في كل الأزمنة - إنتاجا غزيرا ونوعيا - جعل من القدس الشريف ورام الله والجليل وطول كرم وغزة وكل مدن وقرى وارياف فلسطين التاريخية الأبية العصية على كل محاولات الإستيطان والتهويد والتشريد....رمزا راسخا في  ذاكرة كل الشعوب الطامحة للتحرر الوطني والإنعتاق الإجتماعي ونبراسا تستلهم منه هذه الشعوب المقهورة الدروب المضاءة بروح المقاومة والممانعة بكل تعبيراتها الفكرية والمدنية والسياسية.. في هذا السياق بادر الفنان التشكيلي التونسي القدير أستاذ الطيب زيود بانجاز جدارية فسيفساء ضخمة في قلب مدينة الرياض التابعة لجزيرة جربة التونسية الفاتنة.3437 محمود درويش

اللافت في هذا الإنجاز التشكيلي النوعي عربيا ان الطيب زيود إبن جزيرة جربة  تحدى إكراهات المرحلة وتجاوز الصعاب بعزيمة المكافحين الأشاوس وقرر إنجاز جدارية فسيفساء عن فقيد الشعر والأدب الفلسطيني والعربي الحديث المرتبط بقضية اهلنا في فلسطين التاريخية الأبية الحالمة في كل لحظة بالحرية والعدالة وتأسيس الدولة الديمقراطية المدنية.. الجدير بالذكر ان مبادرة الفنان التشكيلي التونسي المميز الطيب زيود إنطلقت من حادثة  تمثلت في فسخ  لوحة مجسمة لصورة محمود درويش في قلب مدينة الرياض من طرف بعض الموطنين الذين يرفضون تسمية الرياض مفضلين تسمية " حارة اليهود ".. لا يسعنا في ختام هذه المقالة إلا ان نثمن هذا العمل الفني التشكيلي المميز تونسيا وعربيا ونقول لصاحبه أستاذ الطيب زيود.. شكرا جزيلا على هذه المبادرة الشجاعة ومزيدا من النجاح والتألق والإشعاع العربي والكوني لمسيرته الفنية النيرة.

الفرسان لا يعرفون الهزيمة.. بل يتجهون إلى لهيب المعارك.. كأنهم يعانقون بهاء الحلم.

***

تونس/ كتب البشير عبيد

سأستمرّ بقول: صباح الخير أيها النور

حينها سيبدو الطرف الآخر من العالم بخير

ستشرق الشمس بقلبي

وإن توارت خلف الغياب

سأودعك ليلًا بـ: تصبح على وجودي

واغلق الحياة بعدك

وهي معبأة بوجودك

وانتظر الحلم يأتي بك إليّ

هل هذا حُبّ؟

سألني سَنَام الليل

أنهُ أكثر...

هل هذا حُبّ؟

أسألك؟

***

من وحي رسالة " كافكا " الأخيرة*

* كافكا رائد الكتابة الغرائبية والكابوسية، والذي كان يفضّل حياة العزلة التي تمكنه من عيش معاناته وحيداً، وجد في مراسلاته مع "ميلينا" مخرجاً من تعاسته ووحدته، وقد جمعت هذه الرسائل في كتاب بعنوان (رسائل إلى ميلينا) وهي كاتبة وصحافية ومترجمة تشيكية الجنسية، من النساء المقاومات لإحتلال النازي لبلادها.

عملت ميلينا مترجمة لكتابات كافكا إلى اللغة التشيكية، ومن هنا بدأت رحلة تبادل الرسائل بينهما.

جاء لقاء كافكا بميلينا للمرة الأول في بداية الخريف في شهر أيلول من عام 1919 في أحد مقاهي براغ، حيث اقترحت ميلينا على كافكا أن تترجم أعماله من الألمانية إلى التشيكية .

كانت قصة حبهما غريبة وغير متوقعة، بدأت عن بعد، التقى خلالها العاشقان مرتين، اللقاء الأول مقتضب وشبه صامت، واللقاء الآخر بعد أن ترجمت ميلينا إحدى رواياته.

في رسائله إليها كان يبوح بمكنونات قلبه ويشعر بالسلام الداخلي الذي نادرًا ما نجده عند أي شخص، وكانت تلك الرسائل تختلف تمامًا عما يكتبه في أدبه المشحون بالأجواء التشاؤمية.

وهناك من يعتقد أن مرضهما ساهم في تعميق جذور علاقتهما، فهو كان مصابًا بـ " السل" وهي أصيبت بـ " ذات الرئة" ولم تجد من يقف إلى جانبها غير كافكا ورسائله؛

وقد كتبتُ ذات يوم مقولة عن هذا الأمر:

ويحدث أن يكون الوجع على هيئة حب!

لم تقتصر رسائله على الحب والعاطفة والهيام فقط، بل كان يذّكرها بأهمية وجودها في حياته وقوّة تأثيرها وطاقتها الإيجابية على روحه، وكان يكتب لها عن خوفه من الصراعات بين اليهود والمسيحيين آنذاك- وربما مازالت هذي الصراعات لكن بشكل خفي- كذلك كان يكتب لها عن أحلامه وسعيه لتجاوز إحباطاته المتكررة وقلقه المميت بسبب علاقتهما، حيث كان يعرف أنها علاقة لا تنجب اللقاء الدائم كونه كان مريضًا جدًا وهي كانت سيدة متزوجة.

استمرت هذه المراسلات بينهما ما يقارب ثلاثة أعوام،

رحل في الثالث من يونيو 1924 في براغ عن عمر ناهز 41 عامًا.

- الرسالة الأخيرة من كافكا إلى ميلينا:

كانت الرسالة الأخيرة التي كتبها كافكا إلى ميلينا رسالة وداعية قال فيها:

" كان بإمكاننا إصلاح الأمور، أن تكوني أنت الطرف الأفضل وتتنازلي قليلاً، كما كنت أفعل أنا، كان من الممكن أن تستمري بقول صباح الخير، وأنا بدوري أنتظر الصباح إلّا أن تقوليها، وتودعينني ليلاً، وأغلق الكون بعدك.

ما أشعر به ليس حباً يا ميلينا، أو قد يكون حباً، ولكن ليس كما تتخيلينه، إنه أكبر من ذلك، أنا الآن من دون روح من دون إحساس ومن دون أي شيء، لم أشعر يوماً أنني بحاجة أحد كما أشعر الآن.

صدقيني يا ميلينا أنت روعة الأشياء البائسة، وأنت الحياة لكل جذوري اليابسة، أفتقدك كثيراً، أكثر مما تخيلت أن الفقد مؤلم، ما الفائدة من إغلاقك للأبواب إن كانت روحي عالقة على جدران بيتك؟!

أنت الآن تزيدين البعد شوقاً، أفتقدك

وعد، سيكون هذا آخر ما أكتبه إليك

وداعاً يا عظيمتي.”

صديقاتي..أصدقائي؛ الحب الصادق نعمة عظيمة، الحب البعيد عن "الدغش" و"المُخاتلات"، لأنه يترك قلوبنا ومشاعرنا مشرعة للنور.

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا

هناك بعض المشاهد الدرامية والمأساوية تتعلق في سقوط غرناطة التي لفتت انتباه الكثير من الكتّاب، وأصبحت مصدر إلهام أدبي.

بحسب الأسطورة والرواية الشعبية فالمكان الذي ألقى منه أبو عبديل اخر ملوك غرناطة نظرته الأخيرة على قصر الحمراء ما زال معروفاً باسم (زفرة العربي الأخيرة) بالإسبانية (el último suspiro del Moro) المشهد الأكثر دراماتيكية ومأساوية في تاريخ الأندلس، حسرة مسلم الاخيرة أو (الزفرة العربي الاخيرة) التي أعطت اسمها لمكان يشمل الضواحي الواقعة حول غرناطة المشهد العاطفي، الذي خلد عبر القرون في الإنتاجات الأدبية والتصويرية و في الأساطير الشعبية.

ما أصل هذه الأسطورة؟ وكيف تم تناقلها عبر القرون؟

يروي الأب إشيفاريا، في القرن الثامن عشر، أنه عندما كان ابو عبديل في طريقه إلى ألبوخاراس وكان يعبر آخر تل يمكن من خلاله رؤية قصر الحمراء، على بعد حوالي 12 كيلومترًا في الجنوب، توقف ونظر الى إرث أجداده للمرة الأخيرة تنهد وقال:

الى الابد يا وطن روحي. أعمل بمشيئة الله.

وايضل تقول الأسطورة انه عندما سلم ابوعبديل مفاتيح مدينة غرناطة إلى القائد دون غتيرث ده كاردنالس  Don Gutiérrez de Cárdenas نيابة عن الملوك الكاثوليك في عام 1492، بدأ أبو عبديل في البكاء فقالت له والدته عائشة الحرة:

ابكِ مثل النسا مُلكا مضاعا

 لم تحافظ عليه مثل الرجال

هذا القول يظهر ضعف أبو عبديل وافتقاره إلى العزيمة.حسنًا، لا شيء من ذلك: لقد كان شجاعًا ومقاتلاً، وقد تجلى ذلك في معركة Loja لوخا،أذا جاء للمشاركة في القتال جنبًا إلى جنب ضد القوات القشتالية. كما اشتهر بأنه "مخادع" ماكر بعد أن تمكن من الاستيلاء على عرش غرناطة من والده، والدفاع عن منصبه ضد عمه المعروف باسم "الزغل".

تدور الأساطير الأخرى التي وجدناها حول لقبه.أصبح Boabdil معروفًا بلقب البائس. قلة من الناس يعرفون ذلك، لكن الملوك الكاثوليك قبضوا على أبو عبديل في اثناء معركة مارتين غونزاليس Martín González. استغل ملك غرناطة الموقف بالتفاوض مع القشتاليين للتنازل عن أراضي المملكة وهكذا ضمن Boabdil إطلاق سراحه، وقمع منافسه في حيازة العرش لكنه لم يّعول على استفادة الملوك الكاثوليك أيضًا من هذه المناورة لتجاوز ما تم الاتفاق عليه، السيطرة على غرناطة بأكملها.

هناك أسطورة أخرى وهي: نفيه بعد الاستيلاء على غرناطة في عام 1492، لم يطرد الملوك الكاثوليك أبو عبديل من إسبانيا، ولكن بدلاً من ذلك عرضوا عليه سيادة ألبوخاراس (الأراضي الواقعة بين غرناطة وألميريا). لكن يُقال أنه كان هناك وجهة نظر ربما من الملك فرديناند الكاثوليكي، الذي اعتقد دائمًا أن وجود أبو عبديل في شبه الجزيرة سيشجع الثورات الإسلامية. وهكذا تقرر إرساله إلى فاس ليقضي فيها بقية أيامه.وفي الوقت نفسه، سيستفيد الملك المخلوع من الموقف عن طريق بيع امتيازاته وأراضيه إلى الملوك الكاثوليك

كانت هذه النسخة الأولى معروفة بالفعل من حياة Boabdil، لذلك لا يمكن استبعاد كونها صحيحة جزئيًا. يروي لنا المؤرخ هيرناندو ديل بولجار Hernando del Pulgar، الذي يروي القصة بهذه الطريقة:

أسطورة كاذبة أو نصف صحيحة، لا تزال أسطورة حسرة مسلم تأسرنا على الرغم من مرور القرون لأنها واحدة من أكثر الأساطير العاطفية التي قدمّها التاريخ والأدب معًا.

حتى اليوم، يتردد صدى عبارة عائشة كمثال في تلك المواقف التي نأسف عليها والتي تصبح مستحيلة في الحياة اليومية.

سنعرض في هذا القسم بعض المقتطفات الشعرية للشعراء الإسبان الذين كتبوا عن المشهد الدرامي الى أبو عبديل:

1. خوسيه زوريلا(José Zorrilla) قصيدة إلى آخر ملوك غرناطة الصغير أبو عبديل.

سرقها بعض الرجال من الشرق

ليجعلوا فيها منزله؛

الرجال الذين جردوا منها،

سبعة قرون بكوا على مدينهم غرناطة.

*

أي، أبو عبديل! انهض واستيقظ،

جهز لجامك وسكينك،

لأن غدا سوف يطرق بابك

صوت جيش قشتالة.

*

أبكي يا ايه الملك بدون قتال

وامل، أبو عبديل،

وتعال في حزنك

لتموت تحت هذه السماء

التي تطفو على ‎نهر شِنِيل

2. قصيدة حسرة مسلم لشاعر بيدرو دي ألاركو (Pedro de Alarcón)

أبو عبديل: كان رجلاً حزينًا ومتشائمًا، لقد وصفه الشاعر ألاركون موكبه عند الخروج من غرناطة على النحو الاتي:

"ذلك الموكب، حزين وغامض

في الليل كان قد غادر سانتافه،

عابر ضفاف النهر بصمت "

لقد كان الرجل الأكثر نبلاً وتكبرًا ومن ناحية أخرى وصفه الشاعر بأنه فخور لأنه حبس الدموع في عينيه أيضًا في لحظة مرور الذكريات.

*

من هو الحزين الذي كان بمفرده؟

أي لعنة وقعت على ذلك الرجل؟

ما هو سوء حظه؟ ما اسمه؟

كان ابو عبديل، ثمرة غضب

من المولى الخداع ومن عائشة الشرسة

ابن الام المدرسة

*

ضد الاب سارق العرش

كان ابوعبديل، نجمه المشؤوم

والديه الذي كلفاه البكاء الابدي

كسر سحر قصر الحمراء الجميل

وأتت النهاية بالإمبراطورية المسلمة ...ا

الملك البائس الذي أثره المؤسف

!كان ابوعبديل,، بيده غير المستحقة

كان قد اعطى مفاتيح قصر الحمراء

كان ابو عبديل في آخر نظرة!

تتجه الابد نحو غرناطة

أبو عبديل حزين! نجمك البائس

لماذا رفض الموت في لوسينا؟ ‎

لم أكن لأرى بعد ذلك بصمته عار

***

أ. م. د. انتظار علي جبر

كلية اللغات، قسم اللغة الاسبانية - جامعة بغداد

وأنت تمرّ من أحد أنهج مدينة تونس العتيقة أو أنت عابر من بطحائها ورأيتَ رجلا يمشي على مَهل كأنه في فُسحة أو نزهة ثم يقف حينا يتأمّل زاوية من الزوايا أو بابا من الأبواب أو تراه وقد أحاط به جَمع من الأطفال أو الشباب أو قافلة من السائحين الأجانب يشرح لهم تاريخ المكان وخصائصه فاعلمْ أنه عاشقُ مدينة تونس المُتيّمُ بحبّها.

ـ2 ـ

هو الدكتور الطبيب وصِفتُه المناسبة والصّحيحة ـ الحكيم ـ إنّه محمد رضا الماجري الذي عرفته عن قرب في السنوات الأخيرة أو بالأحرى بعد ثورة 2011 وقد رأيته وسمعته من قبلُ في بعض المناسبات الثقافية بنادي الطاهر الحداد فشدّ اِنتباهي من وقتذاك سِعةُ اِطلاعه في المواضيع المطروحة بين الحاضرين ولست أدري كيف توطّدت العلاقة بيننا بمناسبة أنشطة جمعية اِبن عرفة في السليمانية قرب جامع الزيتونة فكان حريصا على الحضور والمساهمة في توضيح عديد المسائل الاجتماعية والحضارية والتاريخية والطبية ناهيك أنه يحدّثك حتى عن الفطائر وصنعها وعن إعداد الكسكسي بتفاصيل اِستخراجه بأنواع الغرابيل ويُفصّل لك الوصف في الكسكسي تفصيلا دقيقا حول كيفية إحضاره حسب مختلف الأصناف حسب المدن التونسية وجِهاتها ومقارنة الكسكسي التونسي ببقية الأنواع في البلدان المغاربية وحتى ببعض البلدان الأوروبية ليؤكّد بكلّ هذا الإلمام والتدقيق عبقرية المراة التونسية عبر التاريخ.

عندما دار الحديث بيننا مرّة عن رغبته في أن يكون له مجلس مُخَصّص للقراءات الحرّة من مختلف الكتب والنصوص وبجميع اللغات بلا رقيب أو حسيب سُرعان ما لبّيتُ رغبته بكل سرور فكان ذلك كذلك صباح كل يوم جمعة بجمعية اِبن عرفة الكائنة في فضاء ـ السليمانية ـ ومن يومها والدكتور مُرابط بناديه هذا في موعده ما عدا أيّام العطل الرّسمية أو إذا دُعي لحضور مناسبة طبيّة أكيدة لا يُثنيه عن القدوم إلى ناديه في الموعد بالضبط ـ بل قبل خمس دقائق ـ لا الحرُّ ولا القَرّ ولا الأمطار ولا الرّياح.

ـ3 ـ

درس الدكتور الطب بفرنسا وعاش هناك أحداث ماي 1968 بإرهاصاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية وخالط الكثيرين من مثقّفيها وفلاسفتها وأدبائها من المستشرقين أيضا فيحدثك عن بعض تفاصيل مسيرتهم وخصائص أفكارهم وحتّى عن كتبهم حديث يَقين العارف فهو ليس من أولئك الذين يزعمون القول على عواهنه مَثَلُهم مَثَلُ – طُز ْ حِكمة – ويتذكّر الدكتور سفره إلى فرنسا بعد نجاحه في الباكالوريا إذ جاء رجل من الوزارة يسعى بهندام محترم ودقّ باب منزله وقدّم له ما يفيد أنه تحصّل على منحة لمواصلة تعليمه العالي والدكتور يستحضر ذلك اِعتزازًا منه بدولة الاِستقلال التي كانت تشجّع على طلب العلم وتجتهد في فتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءات والمواهب في جميع المجالات ومن جميع جهات البلاد وهو لا ينسى أبدا فضل معلّميه وأساتذته وكم هو فخور بأنه درس اللغة والأدب العربي على أيدي الأساتذة الشاذلي القليبي ومصطفى الفيلالي ومحجوب بن ميلاد الذي تتلمذتُ إليه أنا أيضا في كلية الآداب بتونس فاِبتهج الدكتور لذلك ـ والحقَّ أقول ـ إنّ اِبتهاحي كان أكثر لأني صرت إليه زميلا أو كزميل دراسة بطريقة من الطرق والدكتور عندما يذكرهم فإنه يؤكد بإعجاب أنه تعلّم عنهم دقة اللغة العربية واِكتشف معهم جماليتها وأنه اِستفاد منهم أيضا عندما كان ضمن اللجنة العربية المختصة في تعريب المصطلحات الطبيية.

ـ4 ـ

الدكتور يذكر دائما بكثير من المودّة صديقه ـ حمادي الصّيد ـ وكيف كان يعاقبه الأستاذ الشاذلي القليبي وذلك بأن يقف على رجل واحدة في إحدى زوايا قاعة الدّرس وهو الذي كان قد دعاه بعد ذلك ليكون من مساعديه في الإذاعة الوطنية عندما تولّى إدارتها وفي هذا السياق يتحدث الدكتور عن ذكرياته مع الشاعر مصطفى خريف ذاكرا بعض طرائفه ليصل الحديث معه إلى جماعة أدباء تحت السّور الذين أدرك البعض منهم فيذكر مثلا قصة أغنية ـ حبّي يتبدل يتجدد ـ للفنان الهادي الجويني وكيف اِلتقط قِطع أوراقها الممزّقة من صاحبها الأديب علي الدوعاجي على إثر خلاف أو شجار بين الحاضرين في مقهى ـ تحت السّور ـ بباب سويقة.

والآن وهنا…. يصل بنا الحديث إلى باب سويقة مع الدكتور فهذا الحيّ الشعبيّ العتيق بتونس العاصمة هو ملخّص حياة الدكتور وكُنهُها ومدارُ ذكرياته في مختلف أرجائه ونواحيه اِنطلاقا من ساحته الفيحاء إلى بطحاء الحلفاوين ومن مقام سيدي محرز وسُوقه إلى بطحاء ـ رحيبة سيدي الجبالي ـ حيث نشأ الدكتور وترعرع ففي هذا الفضاء العمراني من تونس العاصمة يَكمُن مَخزن عارم لأرشيف هائل يحفظ ذكريات الدكتو رالزاخرة بالأحداث البسيطة والجليلة من ذكرى السّهرات العائلية إلى ذكرى عودة الزّعيم بورقيبة في غرة جوان 1955 وهو أرشيف يحفظ سيرة شخصيات مازالت ذكراها طافحة في خيال الدكتور الذي يصرّح أنه تأثّر بها بل وتعلّم منها ما لم يتعلمه في المدرسة والمعهد أو الكليّة فتسمعه يذكر بمتعة أخبار الشيخ ـ سيدي على بلخوجة ـ الذي رغم منزلته الدينية والاِجتماعية الجليلة فإنه كان قريبا من النّاس بفضل الأريحية وروح المرح والشخصية الاجتماعية التي يتميّز بها ويحدّثك الدكتور بإعجاب عن مغامرات ـ عليّ شورّب ـ المعروف ببلطجيته وصعلكته لكنه عند حلول شهر رمضان يمكنك أن تجده في المسجد يصلّي التراويح وتراه مارّا بين الدكاكين يأخذ من الباعة ـ رضي منهم من رضي وكره من كره ـ ما يحتاجه المُعوِزُون في الحيّ لإعداد عَشائهم فكأنه ـ عُروة الصعاليك ـ في العصر الجاهلي ويذكر الدكتور أنّ ـ علي شورّب ـ جاء إلى العائلة مسرورا مهنّئا حاملا المشروبات بمناسبة حصوله على الباكالوريا.

ـ5 ـ

هذا التنوّع والاِحتلاف والتعدّد في الشخصيات التي عرفها الدكتور هو الذي طبع شخصيته المنفتحة فهو كثيرا ما يقول إنه قد عاش التنوّع الحضاري منذ تشكّل وعيُه حيث ينطلق من حيّ باب سويقة ذي الطابع التونسي ثم يمرّ في طريقه ـ إلى ـ معهد كارنو ـ على الحيّ اليهودي بحيّ الحفصية وباب قرطاجنّة كي يصل إلى الحيّ الأوروبي حيث المعهد فالدكتور عارف بأحياء العاصمة تونس حيّا حيّا وبطحاءَ بطحاءَ وساحة ساخةً وشارعًا شارعًا ونهجًا نهجًا وزُقاقًا زقاقًا وأقول سُوقًا سُوقًا وبنايةً بنايةً وبابًا بابًا وأحسبني على يقين لأنه يُبيّن لك معنى اِسم كلّ منها وسبب تسميته وطرائف نقل الاِسم إلى اللغة الفرنسية بما يأتي بالغريب والعجيب فحدّثنا مرّة أنه كان في لجنة من اللّجان المكلّفة بأسماء الشوارع والأنهج الجديدة في أحد الأحياء الجديدة ورأت اللجنة أن تسمّيَ البعض منها بأسماء الشهداء والمناضلين القدامى فأسندت اللجنة اِسم الشهيد البطل ـ مصباح الجربوع ـ لأحد الأنهج غير أنّ هذا الاِسم لم يرُق لبعض الوجهاء الساكنين في الحيّ فطالب بما له من نفوذ أن يغيّروا الاِسم باِسم آخر حَسَنِ المعنى ونزولا عند رغبة ذلك السيّد تغيّر الاسم وأصبح ـ نوّار عشيّة ـ أو ـ مِسك الليل ـ فتمّت ترجمة الاسم المقترح: belle de nuit فتراجع ذلك السيّد غاضبا معبّرا عن رفضه للاِسم الجديد لأنه سيّء الإيحاء في اللغة الفرنسية.

ـ6 ـ

وللدكتور وَلعٌ كبير باللّغة عامّة وباللغة التونسية خاصة فتراه يسعى إلى التذكير باللغة اليومية الجميلة التي كان يستعملها التونسيون بما فيها من دقّة وظُرف ويُبدي اِزدراءه من أحاديث القوم الهجينة في خطاباتهم اليومية إذ يراها خليطا متنافرًا من الفصحى والفرنسية حتّى في وسائل الإعلام من إذاعات وتلفزيونات وفي نصوص الإعلانات والرسائل القصيرة عبر وسائل الاِتصال وكم من مرّة يحدّثنا عن أصول بعض الكلمات وقد رجع إلى لسان العرب وإلى اللغات الأخرى مثل الأمازيغية واللاتينية والإسبانية والتركية والفارسية وغيرها فكثير من الكلمات التي نتكلم بها يوميًّا تعود في أصولها إلى هذه اللغات كالعلّوش والبرشني والسّردوك والكوجينا والفكرون والدّورُو وغيرها فالدكتور تونسيّ اللّسان والوجدان والهندام أيضا فتراه ـ يحطّ الحطّة ـ أي في ـ أحسن هندام ـ باللباس التونسي الأصيل من الجبّة ذات الصدريّة والبدعيّة والمنتان والشّملة على الكتف والشاشية مع البرنس إذا فرض الطقس ذلك وكلها تبدو في تناسق سنفونيّ بديع وترى كذلك صديقي الدكتور أيضا في المناسبات الرّسمية أيضا: tiré à quatre épingles

أي في أناقة كاملة باللّباس الإفرنجي في اِنسجام وتمام بين الألوان من الحذاء إلى رباط العنق ومنديل الجيب فتبارك الله أحسنُ الخالقين لطلعته البهيّة يزيدُه الوقارَ عكّازهُ المنسجمُ وقعُهُ مع إيقاع خُطاه في ثبات واِتّزان متّعه اللّه بالصحّة والعافية وطول العمر فالحديث معه فائدة ومعرفة والجلوس إليه متعة وأنس.

ـ 7 ـ

ويحدّثك الدكتور في سياق ما يحدّثك عن لقبه العائلي ونِسبته إلى قبيلة ماجر التي يفخَر بالانتساب إليها فقد جاء والده من مضارب ربوع القصرين إلى العاصمة في مُقتبل العمر فنشأ فيها وترعرع وتوظّف ومنها تزوّج لكنه كان يُنسَب دائما إلى كونه من ـ ماجر ـ فهو الماجري دائما كي لا يلتبس اِسمه مع العائلات التونسية القديمة في العاصمة بل في المدينة العتيقة أساسا وللدكتور تفاصيل في هذه المسألة التي كانت في العهود السابقة تعبّر عن تفرقة بين سكان العاصمة الأصيلين وبين القادمين عليها من مختلف الجهات التي ينسبونهم إليها بل إن الدكتور يرى أن التفرقة لم يسلم منها حتى سكان العاصمة أنفسهم فالفرق لديهم واضح بين من كانت عائلته داخل السّور الأصلي وبين الذي كانت عائلته من سكان خارج السّور الأصلي أي من حيّ باب سويقة والحلفاوين وباب الجديد وباب الجزيرة وغيرها ويؤكّد الدكتور دائما على النواحي السلبية لهذه العقلية المحافظة والتي نجدها أيضا مبثوثة في بقية المدن مع الأسف وإنّ تمسّك الدكتور بمحبّة حَيّه الأصليّ ـ باب سويقة ـ هو الذي جعله يفتح عيادته الطبية الخاصّة في تلك الناحية ويبني منزله قريبا منه أيضا على عكس الكثيرين من أصيلي تلك المنطقة التي رحلوا عنها وهجروها لكن الدكتور ظل وفيّا للنّاس الذين اِحتضنوه يتيمًا وأحاطوا به صغيرا وشجّعوه على الترقّي في مدارج العلم والمعرفة فاِحترموه طبيبا بينهم وبَوّؤُوه مراتب التبجيل والإجلال.

ـ8 ـ

ما يشغل الدكتور وما يجعله على ما لا يُرام هو أسفُه الشديد على ظروف تونس السيئة فتونس يرى أنّها ثريّة بعديد المواهب والطاقات في جميع المجالات وأنها زاخرة بالكفاءات العالية التي لو يتمّ توظيفها على قاعدة الرّجل المناسب في المكان المناسب لرأينا البلاد أحسن بكثير ممّا تعيش فيه الآن من بؤس وتدهورعلى جميع المستويات.

وكم الدكتور يحاول في كل يوم وفي كل مناسبة أن ينشر حُبّ المطالعة والكتاب بين الأطفال والشباب وحتى بين الكهول والشيوخ وهو الحريص على إبلاغ الناس جميعا والأجيال الجديدة خاصة ما لتونس وشعبها من عبقرية وإنجازات في شتّى الميادين ساهمت بها عبر التاريخ في الحضارة الإنسانية.

ـ9 ـ

الدكتور مثال لقول الجاحظ ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فهو إذا حدّثك عن الطبّ أفاد وإذا تكلّم في الحضارة والتاريخ تبحّر وإذا تطارحتم في كلمة من الكلمات فصّل وشرح وإذا ذُكر عنوان كتاب ذكر لك ما فيه وبسط القول حول صاحبه وإذا دار الحديث عن أيّ مكان من العاصمة تونس فإنه يرجع بك إلى أصله وأطواره ووقائعه في إمتاع فلا تملّ من حديثه أبدا ,

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

الكتابة مرتبطة في أذهان كثير من الكتاب المبدعين باقتناص لحظات الألم والوجع والفقد والبحث عن مخرج في متاهة الحياة، بل هناك من يتخذ من الكتاب العالميين الغارقين في السوداوية والحزن قدوة له، مثل:

الشاعر والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه  (1844-1900) منظّر فلسفة «إرادة القوة» الذي عاش  طفولة قاسية  جدا حيث فقد  أباه وأخاه  وهو في الرابعة من عمره، واتصفت والدته بضعف الشخصية فهذه البيئة الأسرية الصعبة دفعته إلى الجنون "جنون العظمة"

وكان كثير ما يردد ألفاظ الجنون في كتاباته.

والشاعر الألماني فريدرش  هولدرلين الذي يعتبر من أهم الشعراء في العالم، أصيب بمرض عصبي فقد أمضى نصف عمره تقريبا في بحر الجنون وسار في طريق هؤلاء المبدعين الذين نظروا للحياة بمنظار أسود.

ولكن الوجه الآخر من الكتابة المنسي في كثير من الأحيان هو أن الكتابة هي مصدر للفرح والسرور والسعادة فالكاتب كما يعيش لحظات الألم والوجع يعيش أيضا لحظات الفرح فيقتنص الفرص والمناسبات مثل الأعياد ليعبر عن مباهج النفس وفرحة القلب وانفتاحه على عوالم السعادة المشرقة فلا يوجد أعظم من نشر الفرح إبداعيا فيجسد القاص والروائي في أعماله السردية هذا الفرح حتى يشعر القارئ  أن هناك املا في الحياة مهما ادلهمت الليالي واسودت ايامها..

فيا معشر الكتاب اكتبوا عن الفرح وانشروا ثقافة الفرح وانخذوا العقلاء والحكماء المتبصرين من الكتاب والمفكرين قدوة وليس المجانين والبويهميبن والمشردين والمعقدين نفسيا والملحدين فهؤلاء يحتاجون إلى الشفقة والعلاج.

***

الكاتب والباحث في التنمية البشرية

شدري معمر علي

(1905-1980)

اختارها وترجمها عن الانگليزية بتصرف:

مصدق الحبيب

***

- في الحب 1 + 1 = 1

- الافضل ان نموت ونحن واقفون على ان نحيى راكعون.

- الكلمة سلاح معبأ بالرصاص وجاهز للاطلاق!

- كل ما موجود من احياء في هذا الكون، ولد دون سبب، لكن عليه ان يحيى ويقاوم كل الصعاب لكي يموت بعدئذ دون موعد!

- سيأتي الموت عاجلا ام آجلا، وسيكون ذلك بمثابة الوصول الى نهاية خط السباق، وستزول كينونتنا لاننا لاشئ سوى حياة محكومة بالفناء.

- الحياة تبدأ عند الجانب الآخر من اليأس.

- حياتنا تبدأ كصفحة فارغة، ونحن الذين نكتب فيها معناها، ونصنع لها قيمتها.

- مثل كل الحالمين، فقد تصورت الاوهام وكأنها حقائق.

- لم أعد اعرف ما اريد!  فإن سعيت لاشباع رغباتي سأرتكب الخطايا، وان عزفت عن ذلك فسأكون قد سممت وجداني.

- ليس المرء كما هو كائن، بل كما يمكن له ان يكون.

- ليس الله سوى عزلة الانسان

- ان كنت تشعر بالوحشة والتوحد عندما تكون لوحدك، فانك في حال يرثى لها.

- الشخص الوحيد الذي لايجدّف، هو القادر على ان يهز القارب

- أنا موجود لانني افكر، لكنني افكر بـ "لماذا افكر"، ذلك انني لا اريد ان افكر.

***

تأتي التغيرات المناخية في مقدمة التحديات التي تواجهها صناعة السياحة والسفر في السنوات الأخيرة، ويعزى ذلك إلى طبيعة هذه الصناعة وحساسيتها الشديدة تجاه التغيرات عموما، طبيعية كانت أو اقتصادية أو سياسية وغيرها. وللدور المهم للعامل المناخي في تكوين وتشكيل النشاطات السياحية نفسها، وفي تحديد اتجاهات السياح نحو المناطق والوجهات السياحية، واختيارهم لوسائل النقل من أجل الوصول اليها، ولأماكن الايواء والطعام والشراب، ولنوعية المستلزمات المستخدمة في رحلاتهم، وفي مقدمتها الملابس التي سيرتدونها خلالها.

أما ظاهرة التغيرات المناخية (الزلازل، البراكين، الجفاف والتصحر والقحط، الاحتباس الحراري، تملح التربة الساحلية والمياه الجوفية، الفيضانات والأعاصير وموجات المد العاتية – التسونامي نتيجة حدوث البراكين والزلازل في قاع البحار والمحيطات، تراجع نسب المتساقطات – الثلوج والامطار والندى، ارتفاع مستوى مياه البحار، انتشار الأوبئة والامراض، فقدان التنوع الحيوي، تراجع الصحة البشرية، تراجع الإنتاج الزراعي، انتشار الحشرات المضرة بالمزروعات... الخ) والناجمة عن عوامل بشرية (احراق المخلفات الصناعية، عوادم السيارات، حروب وصراعات، تشغيل محطات الطاقة، تجارب على الأسلحة، احراق الوقود الاحفوري – الغاز والنفط -، احراق مخلفات المحاصيل الزراعية والفحم... الخ) وطبيعية (النشاط الشمسي، فلكية - الانفجارات البركانية... الخ)، فتمثل هي الأخرى تحديا قويا ومشكلة بيئية شاملة وواسعة التأثير جغرافيا ونوعيا من حيث شمولها لكافة بقاع واصقاع كرتنا الأرضية، وانعكاسها على جميع مناحي الحياة البشرية على نحو بين. ومن ضمنها أنشطة السياحة والسفر.

وقد انعكست التغيرات المناخية على صناعة السياحة والسفر سلبا بعدة وجوه، ومنها: أولا: تراجع بعض أنواع واشكال السياحات البحرية والنهرية، مثل الغطس والسباحة وركوب الزوارق والكاياك والصيد وركوب الأمواج (الركمجة). كما حصل في المنطقة الساحلية في دلتا مصر في السنوات الأخيرة. وايضا في تشيلي اثر الزلزال الذي ضرب سواحلها عام 2010. ثانيا: تأجيل والغاء الرحلات الجوية واغلاق المجال الجوي بوجه الطائرات بسبب سحب الدخان البركانية وغيرها من التأثيرات الطبيعية. كما حصل في أوروبا وأجزاء أخرى من العالم عام 2010 عندما ثار احد البراكين تحت كتلة (يوجافجالاجوكول) الجليدية في ايسلاندا. وأفضى إلى تعثر حركة الأشخاص والبضائع في الدول الأوروبية وغيرها، وتسبب في هبوط اسهم شركة الطيران في تداولات البورصات الأوروبية، وتضررت شركات التأمين. ثالثا: تراجع الرياضات والأنشطة السياحية التي تزاول في الجبال والمرتفعات نتيجة النقص الحاصل في كميات الثلوج المتساقطة عليها، مثل التزلج وركوب العربات التي تجرها الحيوانات. كما حصل في بعض البلدان الأوروبية المعروفة بمنتجعاتها الجبلية التي تمارس فيها في الشتاء هذه الرياضات والألعاب. رابعا: تأثر عناصر جذب طبيعية مثل الشعاب المرجانية وتراجع أنماط وأشكال سياحية مختلفة مرتبطة بها مثل الغوص ومراقبة الشعاب المرجانية والاحياء البحرية. كما حصل في ماليزيا حيث انحسرت مساحات من هذه الشعاب بسبب التغير المناخي والتلوث، واصيبت بالابيضاض. أو كما حصل لطيور (الاكينا) الجميلة الجذابة في جزيرة (ماوي) في هاواي، اذ أصيبت اعداد كبيرة منها بالملاريا عندما هوجمت من قبل جيوش البعوض الهارب من المناطق الغربية التي ارتفعت فيها درجة الحرارة، الامر الذي أثر سلبا على سياحة مراقبة وتصوير الطيور في الجزيرة. أو الفراشات الزرقاء القزمة التي تعيش في أعالي جبل (سانت كاترين) (1800 متر فوق سطح البحر) في سيناء بجمهورية مصر العربية، الامر الذي أثر سلبا على سياحة مراقبة الفراشات الملونة في المنطقة. أو حيتان (الاوركا) التي تراجعت أعدادها بين السواحل الكندية والارخبيل من (400) إلى (200) نتيجة الانخفاض الحراري وتداعياته على مصادر الغذاء لهذه الحيوانات (سمك السلمون)، الامر الذي يتطلب عدة مئات من السنوات من أجل التعويض الطبيعي في أعداد هذه الحيتان التي تتكاثر ببطء. وهذا ما أثر على أعداد وأحجام المجاميع السياحية المتوجهة على هذه المنطقة من أجل مشاهدة ومراقبة وتصوير الحيتان. خامسا: تكبد المرافق والمنشآت السياحية والفندقية وغيرها من مكونات البنية الفوقية للسياحة لخسائر كبيرة جراء هذه التغيرات، خصوصا تلك الواقعة في الجزر وعلى السواحل والغابات. كما حدث لمنتجع (بنانغ) ومنتجع (لانغاوي) في ماليزيا ومنشآت (بوكيت) في تايلاند ومنتجعات جزيرة (ملكة البحر) السريلانكية اثر موجات المد الزلزالية التي ضربت سواحل تايلاند وسريلانكا والهند واندونيسيا وغيرها في كانون الثاني 2004، نتيجة لهزة أرضية عنيفة (9،3 درجات على مقياس ريختر). وأيضا باكستان اثر تعرضها لموجة سيول وأمطار عارمة تسببت بها الامطار الموسمية عام 2010. سادسا: تضرر البنية التحتية للسياحة المتمثلة في المطارات والموانىء البحرية وسكك الحديد وشبكات الطرق والجسور وغيرها، كما حصل في اليابان عام 2011 اثر سلسلة هزات أرضية وموجات مد عارمة (تسونامي) ضربت أراضيها وامتدت بعيدا لتصل شواطئ استراليا وأمريكا ونيوزيلندا. سابعا: حصول تحول في اتجاهات واختيارات السياح من المناطق والمقاصد السياحية المنكوبة والمتضررة جراء التغيرات المناخية

الى المناطق والمقاصد الامنة. الامر الذي أفضى على نمو السياحة الداخلية في الكثير من البلدان وعلى حساب السياحة الدولية. كما حصل بالنسبة لأستراليا اثر تعرض ولاية (كوينزلاند) في الوسط ومناطق متعددة في الجنوب والشرق على اعصار استوائي شديد.

***

بنيامين يوخنا دانيال

ربطتني بالدكتور البروفيسور الراحل جورج جرجورة قنازع (1941/ 14-5-2021)، علاقة مودة واحترام خلال العشرات من السنين، وقد التقيت به عبر مستويين أحدهما الادبي الثقافي والآخر الشخصي اليومي. هذه الرابطة توطّدت يومًا بعد يوم، شهرًا إثر شهر وعامًا عقب عام، وكنت أشعر كلّما التقينا بأنني إنما أقف أمام رجل علم وثقافة من بلدي تخرّجت على يديه أجيالٌ وأجيال من طالبي العلوم العالية وشُداتها لا سيما في الفترة التي شغل فيها منصب رئيس قسم اللغة العربية في جامعة حيفا. ويهمني أن أشير هنا إلى أن المرحوم وضع ونشر العديد من الاعمال الادبية الثقافية باللغتين، العربية والانجليزية من مؤلفاته نشير إلى: ديوان العسكري (تحقيق) دمشق، مجمع اللغة العربية 1980 .*إصلاح ما غلط به أبو عبد الله النمري مما فسّره من أبيات الحماسة أولًا وثانيًا للأعرابي الأسود (تحقيق ودراسة) * فصول التماثيل في تباشير السرور للشاعر عبد الله بن المعتز (تحقيق ودراسة)، بالاشتراك مع الدكتور فهد أبو خضرة .

كما يحدث عادة بين أبناء البلدة الواحدة الصغيرة، تعرّفت على فقيدنا الغالي في طفولتي، وذلك عبر استماعي لاسمه يتردّد في الحارة التي أقمنا فيها، نحن ابناء العائلة المهجرة من قريتها سيرين، حي الصفافرة، وكثيرًا ما كنتُ استمع إلى اسمه يتردّد بنوع من التبجيل والاحترام له كإنسان وطالب علم مجتهد، عرفته المحافل العلمية العليا في الخارج والداخل، بمثابرته وإصراره على تحصل العلم. ويمضي الزمن لألتقي به برفقة رهط من الاصدقاء ليخبرني أن هناك قصصًا قصيرة من إنتاجي يتمُّ تدريسُها في جامعة حيفا وأنه دائم التفكير في تسليط الضوء على كتابنا وكتاباتنا الادبية المحلية، موضّحًا أن هذا واحد من المهمات التي شرع بتشجيعها خدمة لأدبنا وتعزيزًا للعلاقة المفترض تنميتُها وتقويتُها بين مبدعينا وبين اخوانهم من جمهور الطلاب الجامعيين.

سرّني موقفه هذا في حينها، فأنا أرى، إضافة إلى ما قاله وتفضّل به أمامي، أن العلاقة بين المبدع العربي والجمهور المتلقي في كل بلاد الدنيا وفي بلادنا خاصةً، يجب أن تُنمّى لتطرح ثمرها ويؤتى أكلها، وكثيرًا ما كنتُ أتساءل، وأنا أرى إلى الاهتمام المتزايد من جمهورنا، قراءً عاديين وطلابَ دراسات عليا، بما ينتجه المبدعون في شتى بقاع العالم متناسين أن لدينا مبدعين وإبداعات لا تقلُّ أهميةً، فأتساءل: أليس الاجدر أن يعرف أحدُنا الآخر قبل أن يعرف آخرين وثقافات أخرى، وكثيرًا ما كنتُ أردّد المثلَ السائرَ: "اللي بشلح اثوابه بعرى". فلماذا يعيش الكثيرون بين ظهرانينا مثل هكذا عُري، بل لماذا يقبلون به، وقد قادني هكذا وضع إلى التعمّق في دراسة المحلية والعالمية/ مع أنني أفضل كلمة الاجنبية بدل العالمية هذه، فرأيت في أكثر من مقالةٍ وكتابةٍ نشرتُها خلالَ السنوات المديدة الماضية، واطّلع عليها قراءٌ في بلادنا والخارج، أن المحلية هي رسولُنا إلى الشعوب الاخرى في شتى أصقاع العالم، وكنت أخلُص إلى أن انتشار الانتاج الادبي و عالميته تكمن في محليته، وأن الابداع بشتى أنواعهِ خاصةً الادبي، كلّما أوغل في محليته وصلَ إلى عالميته أو العالم. كان هذا بالطبع في تلك الفترة البعيدة، وقد التفت الكثيرون بعدها إلى أهمية دراسة أدبنا المحلي.. فكان لهم ما أرادوه إلى حدّ بعيد.

ما حدث بعد ذلك اللقاء أن احترامي للجار العالِم الجليل جورج قنازع نما وازداد واتسعت دائرتُه، فقد التقينا، هو وأنا، في نقطةٍ مركّزة، محددةٍ وذات حساسية بالنسبة لي .. لها موقعُها المحوري والخاص في تفكيري وحياتي، لهذا ما إن كان يزورنا في مجلة "المواكب"، التي كانت تصدر في حينها، وأذكر بكثير من الحنين إلى أيامها الطيبة العذبة أنني عملت حينها محررًا فيها.. أقول ما كان يزورنا حتى أجلس إليه برفقة الاخوة محرري المجلة، أذكر منهم الشعراء والكتاب: فوزي جريس عبد الله، جمال قعوار، ادمون شحادة، طابت ذكراهم، إضافة إلى الصديق المثقف والباحث الادبي الاستاذ عطاالله جبر أطال الله في عمره، لنتبادل الآراء والافكار في الادب والحياة، وكان جورج معجبًا بـ "المواكب"، كونها كرّست نفسها لنشر الابداعات الادبية المحلية ووضعت نشرها هذه الابداعات في أعلى سُلم أولياتِها.

اللقاءاتُ بجورج تتالت بصورة متقطعة جدًا لكن ثرية، وأذكر منها لقاءين لا يمكن أن أنساهما، كان الأول عندما توفّى الله والدته، فقمنا في هيئة تحرير المواكب بزيارته في بيته القائم، حينها في حي الروم.. في ناصرتنا المشتركة، لتقديم واجب العزاء، وأذكر أننا واصلنا في ذلك اللقاء أحاديثَنا عن الادب والادباء المحليين، وتوجّناه، بصورة عامة، بالتعريج على أهمية الأم في حياة الابناء، مشيرين أن رحيلها يُعتبر الخسارة الصعبة بل الاصعب في الحياة. اللقاء الثاني تمّ قبل سنوات، عندما أرادت مدرسةُ ابن عامر الابتدائية، القائمة بالقرب من بيته الخاص، في حي الفاخورة النصراوي، أن تقيم احتفالًا بهيجًا في نهاية احدى السنوات، وتم الاتفاق بين إدارة المدرسة ممثلةً بمديرتها الفاضلة السيدة سلوى زعبي وبيني، أنا مُعلّم الكتابة الابداعية في المدرسة، على أن ندعو جارَ المدرسة البروفيسور جورج قنازع لحضور ذلك الاحتفال والقاء كلمة، وما زلت أذكر ردّ فعله الطيب عندما قُلت له إن المدرسة تتشرف بمشاركته في احتفال التخرج ذاك. في يوم الاحتفال حضر المرحوم مبكرًا وقبل موعد الاحتفال بحوالي نصف الساعة، وقد كان يشعُّ محبةً ومودةً وألقى في الاحتفال كلمة مقتضبة حيا فيها الهيئة التدريسية وطلابَ المدرسة، وحثّهم على طلب العلم فنحن العرب لن نتقدم ونلحق بركب الشعوب السباقة المتطورة إلا بالعلم، وقد لاقت كلمته هذه صدىً طيبًا لدى إدارة المدرسة فكرّمته بمنحه شهادة تقديرية رسمت الابتسامةَ الواسعة على وجهه الوديع وتغره البسّام.

رحم الله فقيدنا الطيب، فقد كان رجلَ علم واسعَ الاطلاع، عُرف بتواضعه ودماثة أخلاقه، وقد درس الحضارة العربية إلى جانب اللغة الانجليزية، مشبّكًا بين الثقافات والحضارات، ورائيًا أن من لا ماضي له لا مستقبل له، وأننا إذا ما اردنا أن نفهمَ الحاضرَ علينا أن ندرس الماضي، كما ردد أكثر من مرة.. وفي أكثر من لقاء.

***

ناجي ظاهر

تاريخُ ميلاده غيرُ ذلك الذي في دفاتره المدرسية والجامعيّة ولا حتّى في أوراقه العسكرية والإدارية وليس ذاك المُسَجّل في البطاقة الشخصيّة وفي جواز سَفره

تقول أمُّه إنها وضعته عند الحصاد ولم يكن والدُه حاضرًا وقتَها فقد كان يعمل في تونس العاصمة... ذلك عهدٌ لم تكن الإدارة موجودةً ولا قريبة من – بئر الكرمة – القريبِ من بلد ـ غُمْراسِنْ ـ حيث رُبوعُ أهله الممتدّةُ على مدى البصر في الجنوب التونسي .

كان الثّالث في المواليد

أختُه ـ آسيا ـ هي الأولى وقد تُوفّيت بعد شُهور

أخوه ـ الحبيب ـ مات وقد قارب عامه الأوّل

وشاء اللّهُ للمولود الثّالث أن يعيش مِنْ بعدهما شهورًا حتى بلغ عامه الثّاني وبعد أن تأكّدت العائلةُ أن الموت لن يخطفه ـ مثل أخته وأخيه ـ قرّرتْ بالإجماع تسميته باِسم جدّه فقصد أبوه يومَ السّوق الأسبوعية شيخَ البلد وسجّله في دفتره بتاريخ ذلك اليومِ ـ وهو اليومُ السّابع من الشّهر الثامن من سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وألف ـ لذلك يرى لزوم ما لا يلزم أن يحتفل بعيد ميلاده الذي لم ينتبه له أحدٌ قبل بلوغه العشرين وشكرا على كل حال لمن يُهنئنه ويذكّره بالمناسبة .

أمّا اِقتراحُ اِسمِه فقد اِتّخذه مجلسُ العائلة برئاسة الجدّات اللّواتي اِتّفقن بالإجماع أن يكون اِسمُ الحفيد الأوّل على اِسم جدّه وذلك على سُنّة قومه وتقاليدهم منذ سابق الدّهور جيلا بعد جيل.

وحكاية اِسمه…ما حكاية اِسمه؟

تَسَمّى على اِسم جدّه الذي تَسمّى على الفارس والشّاعر اللّيبي ـ سُوف المحمودي ـ الذي ذاع صيته وقتذاك أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلمة ـ سُوف ـ في اللغة العربية تعني الرّمل الرقيق الليّن أما في اللغة الأمازيغية فهي تعني ـ الوادي ـ والكلمة هي اِسم مدينة – وادي سُوف – في الجزائر وتعني كذلك اسم مدينة ـ سُوف الجين ـ أي الوادي الكبير وهي تقع في جنوب ليبيا وثمّة مدينة في بلاد الأردن قرب عَمّان تُسمّى أيضا ـ سُوف ـ وهي قائمة على وادٍ كذلك وقد زرتُها برفقة الصّديق الشّاعر يوسف رزوقة سنة 1992 بمناسبة مهرجان ـ  جرش ـ فظهر من غدٍ في إحدى الصّحف  خبرٌ عن هذه الزيارة بعنوان – سُوف في سُوف –

ومن طرائف المواقف التي وجدتُني فيها بسبب نُدرة اِسمي أنه بينما كنت ضمن مجموعة من الشّعراء والشاعرات العرب في أمسية شعرية أقامها أحد الأندية الثقافية على هامش مهرجان المربد بالعراق سنة 1986 إذ بمديرة الأمسية تقف على المنبر وترحّب بنا ثم تَفتتِح القراءات الشعرية داعية في البداية - شاعرة تونسية - تكريمًا للمغرب العربي ولتونس الخضراء قائلةً مرحبًا بالشاعرة التونسية الجميلة والأنيقة القادمة من بلاد الياسمين والزيتون بلاد أبي القاسم الشّابي فتعجّبتُ واِستغربتُ حينها لأن المجموعة التي جئت معها إلى الأمسية لا شاعر ولا شاعرة فيها من تونس إلا أنا ثمّ أردفتْ قائلةً لتتفضّل ـ الشّاعرة سَوْفَ عُبيد ـ فاِنطلقتِ الأكُفّ بالتّصفيق الحارّ خاصةً من اِلشباب فتسمّرتُ في مكاني لحظةً ثمّ عزمت ووقفتُ وقصدتُ خطوةً خطوةً المنبر ووقفتُ وقد ظنّ الحاضرون أنّني الشّخصُ المكلّفُ بتثبيت المِصدح والعناية به وعندما مكثتُ بُرهةً واقفا اِستثقلني الجمهور وأشار لي البعضُ بيده أن أنصرف بينما اِشرأبّتِ الأعناق باحثةً عن الشاعرة التونسية ـ الجميلة والأنيقة ـ فما كان منّي إلا أن اِقتربتُ أكثرَ من المصدح وقلتُ أهلا بكم أنا هو ـ الشّاعرُ التونسيُّ سُوف عبيد ـ  فاِهتزّتِ القاعة الكبيرة والمكتظّة بالضّحك والتّصفيق غير أنّ تصفيق الفتيات كان أقوى وأحرّ وأظهرن الشّماتة بالفتيان…وكانت أمسية

***

سُوف عبيد ـ تونس

إلى روح أختي الطاهرة أميرة الشمس عفاف صقور تخط دموعي بعضاً من ذكريات. بعد صراع مع المرض امتد لأعوام مديدة كان يتآكل فيه الجسد مابين مد وجذر إلى أن استسلم وسلم لتتحرر تلك الروح الطاهرة من رحلة المعاناة و الحلم الذي عاشته وعايشته في ثنايا قفص كان ينبض من خلالها ليحملها رسائله ولتكون الشاهدة أمام باريها على كم العفة والعفاف على كم الطهارة والطيبة والنقاء في ذات وجسد وروح جبلت على الخير وعلى المحبة والعطاء

رحلت أميرة الشمس لتتوهج في مكان آخر وفي زمان آخر رحلت ممتطية صهوة المجهول وفوق صهوة المجهول يتسارع الزمن لتستعيد الروح ذكريات رحلتها مع الجسد بكامل تفاصيلها في بعض دقائق وبضع ثوان ثم يسقط الإحساس بكذبة الوقت

أدرت وجهي نحو النافذة ومسحت دمعة كانت قد فرت حين قبلت رأسك وأنت تحتضرين كنت أود أن أفجر حرقتي وأبكي أملا بأن توقظك دموعي فتمدي يديك وتمسحين فوق رأسي سامحيني يا أميرة الشمس فأنا لا أحسن البكاء بين الجموع لا أحسن التعبير وتفجير حرقتي وفيض المحبة المخنوقة في قفص الضلوع

رحلت أميرة الشمس تاركة في أعماقي حرقة غصة وعلى أطراف مقلتيّ دمعة حبيسة خبأتها وأدرت وجهي عنك عن جسدك الهامد للتو عن عويل تعالى للمتحلقين حول أنفاسك الأخيرة..

..اليوم وفي خلوتي أطلق العنان لدمعتي لتنهمر شلالا مع صور الذكريات التي تمر في خاطري سريعا كمن فارقته روحه فمات إحساسه بكل ما حوله من كائنات وغاب في شريط الذكريات ..3397 لبنى بوقلة

من أعمال الفنانة لبنى بوقلة

أتساءل أيمكن لأحباري وثمان وعشرين حرفا أن تلخص زبد أحاسيسي ومشاعري وأفكاري آاااااااااااه يا أختي قلبي يحترق فأنا لم أعتد البوح سوى فوق صفحات غربتي فوقها فقط أستطيع أن أذرف فوقها فقط تضيء صور الذكريات أعيشها حقيقة أعود طفلاُ وتعودين أماً تكبرني ببضع سنوات أتراك اليوم تستعيدين معي تلك اللحظات حين كان بهو الدار ملعبنا ومسرحنا ومسبحنا كنت أختاً تشاركنا الملعب

ثم تصيرين أماً بعد انقضاء النهار و بعد أن نتلطخ بالأوساخ ونتعب تفركين بالليف الخشن الأوساخ العالقة فوق غطاء الجسد وتحت أسفل الأقدام وتسكبين الماء البارد لننتعش قبل أنا ننام.. كان الليف الخشن يصير ناعما فوق جلدتنا وبين يديك وكان حنانك ينسكب مع الماء البارد ليصير دافئا من تحت راحتيك كنت أماً وأختاً

تقطعين رغيف الخبز وفق حاجتنا وتوزعيه بيننا حول طبق الطعام حرصا كي لا يبيت فتات من نعم الله وكي لا تبقى منه فضلات فلنعمة الرغيف قدسيتها إيماناً وحرصاً وليس بخلا هذا ما تعلمناه منك أنت بالذات

أتذكرين يا أختي.. وقد بحت بذاك السر مراراً لزوجتي.. أتذكرين عروسة الخبز المدهونة باللبن مع قرن الفليفلة والماء حين لففتي وقطفتي وعبرتي وملأت لأجلي (إلى الآن أتشوق لأستعيد تلك الأيام و تلك الزوادة التي لم أتذوق بطيب طعمها في حياتي).. أنا المنتظر فوق خيمة جدي المنصوبة بين أغصان شجرتين في كفرية ضمن الوادي (الفوقاني) الذي كنا نقطع لنصل إليه عبارة طويلة ومظلمة لانسمع عبرها سوى وقع أقدامنا فوق الماء الجاري وصدى تنهيداتنا نمشي ونمشي يسوقنا الحدس إلى أن نبصر بقعة نور عند الطرف الآخر من العبارة نسارع نحوها يستقبلنا ماء رقراق وينهض في الجانب الآخر بستان جدي والتفاح

آااااه يا حبيبة الروح قلبي وقلوب كل من عرفوك يا أميرة الشمس اليوم مكسور ومجروح

كنت تسرحين لي شعري تارة لليمين تارة لليسار تارة فرق نصفي وأنت تغنين لي معززة ثقتي بذاتي وكأني أجمل طفل في العالم وحين كبرت وتعرفت لنفسي من خلال المرآة اكتشفت أني بعكس أخوتي ورثت جسدا هزيلا ضعيفاً.. لا كما كنت أتصوره وتصوريه لي.. ولكني عقدت العزم على إرث آخر نما عبر محبتك وطيبتك وعطاءك المستمر

علمتينا كيف نوفر للمناسبات العظيمة وكان عيد الأم مناسبة مقدسة لم تفوتيها يوما وحتى آخر يوم في حياتك..

أتذكرين يوم طلبتي مني أن أخط رسالة لمناسبة عيد الأم وأقدمها أمام الضيوف مع الخاتم الذي وفرنا ثمنه من مصروفنا.. كان هذا فقط لتفخري بي أمام الضيوف.. كنت هكذا دوما وثيقة الارتباط بالعائلة

ويوم زفافك كان شرطك أن تبقي قريبة منا ومن عشرة عشرين عام سكنت خلالهما وبعدهما قلوب أخوتك وأحبتك كما كانوا يسكنون مهجتك دائما وابدا

كنت أما لنا قبل أن تكوني أما لأولادك وصرت أما محبة لأولادنا أيضا

كيف لنا أن ننسى أفضالك وأنت السباقة على الدوام تدقين أبواب الصباح لتعطري بأنفاسك بيوت الأحبة كنت مع الغائب قبل الحاضر تسعين دوما لحل خلافاتنا وتبسيط مشاكلنا وإشكالاتنا تسعين دوما لألفة القلوب والوفاق

اليوم افتقدت أمّنا رفيقة دربها الوحيدة فحقّ لها حرقة البكاء وحقّ لها أن تزغرد أيضا كما تزغرد اليوم لك جنان الخلد والسماء فأنت كنت السباقة دوما لتقديم العون والمساعدة للجميع وحقًّ الطيبن في السماء لن يضيع

اليوم حقّ البكاء..ابكي حبيبتك يا أرض وزغردي فرحا بنور العفاف القادم إليك ياسماء

اليوم تحتض الأرض بقايا ذكرى جسد تبكية وتسقيه بدموعها ودموع محبيه لينمو ويكبر فوقها رياحين محبة تمتد على طول الأرض وعرضها وتمتطي الروح صهوة المجهول ناشرة عبق عطرها في الأثير ثم تفتح جنان الخلد أبوابها وعلى جانبيها تنحني ملائكة الجنة وترفرف طيورها فرحا بأميرة الشمس أم العصافير والطيور عفاف صقور.

***

الفينيق حسين صقور

(قد لا أكون شاعرة كبيرة ولكني لم أكن يوماً إنسانةً صغيرة).. لميعة

صادفت هذه الأيام الذكرى الثانية لرحيل الشاعرة لميعة عباس عمارة (1929- 18 حزيران 2021)، وقد اعادتني هذه الذكرى إلى أيام عذبة ما زالت حلاوتها على طرف اللسان وفي أعماق القلب، كانت تلك الايام في الثمانينيات الاولى، عندما وقعت عيني خلال تصفحي لاحد أعداد مجلة "العربي" الكويتية العريقة، على قصيدة حملت، على اتذكر عنوان " لو انبأني العرّاف"، كانت تلك القصيدة موقّعة باسمها، ولفت اهتمامي فيها تلك النبرة النسوية الفريدة التي أعتقد أنها ميّزت المرأة العراقية في أعماق وجودها وكينونتها، ومَن يعلم ربما كانت تلك النبرة أو شبيهتها هي ما جذب الشاعر المعلّم نزار قباني إلى زوجته ورفيقة دربه بلقيس الراوي، فعاش معها وإلى جانبها ملكًا الى جانب ملكة، وخلّدها بعد قضائها في عملية إجرامية تفجيرية في بيروت، بواحدة من أجمل ما قيل في شعرنا الحديث. كانت تلك القصيدة باختصار نابضة بحس انثوي فريد، ذكّرني بما قالته شاعراتٌ عربيات مجلّيات في شعرنا العربي القديم أمثال رابعة العدوية وولادة بنت المستكفي.. وشاعرات أخريات برزن في شعرنا الحديث أذكر منهن مثالًا وليس حصرًا كلًا من المصريات: وفاء وجدي، ملك عبد العزيز- زوجة الناقد المشهور محمد مندور-، وجليلة رضا.

أقول أعادتني ذكرى هذه الشاعرة الهامة جدًا، إلى تلك الايام العذبة، وانا اقصد ما أقوله، فلست واحدًا ممن عايشوا شاعرتنا الراحلة، ولست ممن عرفوها شخصيًا، وإن كنت أدّعي أنني عرفت أعماقها وتغلغلت بعد قراءتي تلك القصيدة إلى أبعاد روحها القصيّة السحيقة، مستنيرًا بكلمات ما زالت تتردّد في ذاكرتي رغم مضي العشرات من السنين، وهنا أشير إلى نقطتين هامتين جدًا في رأيي، قد يكون في إيرادي لهما دلالة وعمق نحن أحوج ما نكون إليه في فترتنا الفظة الراهنة، إحدى هاتين النقطتين، اننا لسنا بحاجة إلى قراءة أطنان مطنّنة من الشعر حتى نقتنع بأن صاحبها شاعر مبدع ومُجلٍّ، واننا عادة ما نحتاج إلى قصيدة واحدة لنكتشف عالمًا كاملًا متكاملًا من العمق القولي الابداعي، النقطة الاخرى هي أن المكتوب يُقرأ من عنوانه، كما ردّدنا عندما اردنا الاختصار وعدم الاكثار من الكلام واكاد أقول الثرثرة، فاذا ما توفّرت الموهبةُ وجمالية القول، وصلت إلينا بسرعة البرق، وفي لحظة واحدة، وهي بأية حال لا تحتاج للاطلاع على كلّ ما قاله الشاعر.

اطّلاعي على ما كتبته وابدعته الشاعرة لميعة عباس عمارة في قصيدتها تلك" لو انبأني العرّاف"، دفعني للاهتمام بمتابعة كلّ ما تمكّنت من التوصل إليه من إنتاجها الشعري، وبما أننا كنا منقطعين إلى حدٍّ بعيد عن عالمنا العربي وعمقنا الثقافي، إبان تلك الفترة التي تعود إلى الثمانينيات والتسعينيات، علمًا أن وسائل الاتصال الاجتماعي .. بما فيها النت وابنه المخلص غوغل.. لم تكن قد ظهرت، فقد كنت ما إن تقع عيني على قصيدة لشاعرتنا الفقيدة في هذه المجلة أو تلك الصحيفة حتى أسارع لقراءتها، ولفت انظار المحيطين بي إليها وكثيرًا ما كنا نقرأها ونترنّم بها لما حفلت به من حسٍّ انثوي اصيل يضرب في أعماق ثقافتنا العربية، ذلك الحس الذي دفع المستشرق الفرنسي البارز جاك بيرك إلى وصف لميعتنا إنها "شاعرة الرقة والجمال والأنوثة". وأذكر هنا بكثير من المحبة أنني كثيرًا ما اشركت القراء في بلادنا في قراءة ما تمكنت من الاطلاع عليه من قصائدها، فقمت بنشره في صفحة أدبية كنت أحررها آنذاك، في صحيفة الصنارة النصراوية، وقد تعدّى نشري ما وصل إلى يدي ووقع تحت عيني من قولها الشعري المعبّر والمؤثر في العديد من المجلات التي حررتها أو عملت محررًا فيها، مثل "الشرق" الشفاعمرية و"الشعاع" اليافاوية.

اهتمامي بما كتبته وانتجته شاعرتُنا الفقيدة لم يتوقّف إلا ليتواصل، وكان آخر عهدي بها، يوم شرعت بنشر مقالات نثرية جميلة في صحيفة "القدس العربي" التي تصدر في العاصمة البريطانية لندن. لقد كانت مقالاتها هذه مفاجأةً سارةً لي ولسواي من القراء أمثالي على ما اعتقد، ذلك أنها اكّدت أمرين أحدهما أن الطاقة الشعرية الخلّاقة إنما تتأكد في نثر صاحبها الشاعر، أي شاعر، كما ألف القارئ العربي وعرف في نثر كلٍّ من الشعراء المبدعين امثال: نزار قباني، محمود درويش وعبد الوهاب البياتي، طابت ذكراهم. النقطة الاخرى أن ما يتركه الشاعر من قول نثري عادة ما لا يكون مُعادًا، مكرّرًا ومألوفًا، إنما يحفل بطريف القول وعمق التجربة والاطلاع الواسع. تلك المقالات، توقفت بعد نشر "القدس العربي"، عددًا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، غير انه كان بمثابة اكتمال القمر والايذان بغيابه، بعد دخوله في حالة المحاق، وهو ما قالته الفترات التالية بلسان من حزن واسىً.

رحم الله شاعرتنا فقد رحلت.. في ولاية كاليفورنيا الامريكية.. بعيدةً عن عراقها السعيد وذكرياتها الدافئة فيه، مع الشاعر بدر شاكر السياب زميلها في دار المعلمين البغدادية، وسواه من رجالات العلم والثقافة والابداع الشعري خاصة. السياب الذي ربطته بها علاقة ودّية طالما حدت بها الركبان ورددتها قوافل القول، أشير فيما يلي إلى ما قالته عن علاقتها به في قصيدة عنوانها " شهرزاد" اهدته اياها أيام كانا معًا في الدراسة، ورد فيها:

"ستبقى شفاهي ظِماءْ

ويبقى بعينيَّ هذا النداء

ولن يبرح الصدرَ هذا الحنين

ولن يُخرس اليأسُ كلَّ الرجاء".

لقد رحلت لميعة في مُغتربها الامريكي، وهي تعيش حيرة شاعرة أشبه ما تكون بسمكة أخرجت من بحرها عنوةً، فامتلكتها الحيرة، وقد انعكست حيرتها هذه في واحدة من أخريات ما ابدعته من قصائد، عندما قالت، في قصيدة كتبها اثناء شهر أيار 2019، جاء فيها:

"لماذا يحطُّ المساء

‏حزينًا على نظرتي الحائرة

‏وفي القرب أكثر من معجب

‏واني لأكثر من قادرة؟

‏أنا طائر الحب

‏كيف اختصرت سمائي

‏بنظرتك الآسرة؟".

***

ناجي ظاهر

........................

* زيادة في الفائدة: عاشت لميعة 92 عاما وصدر لها خلال عمرها المديد ست مجموعات شعرية هي: "الزاوية الخالية" عام 1960، "عودة الربيع" عام 1963، "أغاني عشتار" عام 1969، "يسمونه الحب" عام 1972، و" لو أنبأني العراف" عام 1980، وأخيرًا "البُعد الأخير" عام 1988، وقد كُتبت عنها العشرات من المقالات والقصائد المنشورة والكتب النقدية التي تناولت تجربتها.

حلت أمس السبت، الرابع والعشرين من حزيران الجاري، الذكرى السنوية العاشرة لرحيل الشاعر الصديق جمال قعوار، ابن بلدتي الناصرة.

ربطتني بهذا الشاعر الهام، أواصر صداقة ومودة منذ بداية طريقي الادبي حتى أيامه الاخيرة في عالمنا، ولي معه ذكريات غزيرة سجّلت بعضها في كتابات متفرّقة كتبتها ونشرتها إبان حياته وبعد رحيله، ويكفي أن أقول تجسيدًا لهذه العلاقة الصادقة الصدوقة ، أنه اختارني عندما كرّمته مؤسسة الاسوار بإدارة الصديق يعقوب حجازي، في عكا، لأكون المتحدّث عنه وعن مسيرته الادبية.. التي آثر ان يطلق عليها عنوان مسيرة العشق والصمود.

كُتب عن جمال قعوار (1930- 2013)، وقيل الكثير.. وبإمكان مَن يود الاطلاع على حياته ونتاجه الادبي الشعري بالطبع، أن يطلع على ما يريد منها وربّما أكثر، بنقرة أو عدد من النقرات على شبكة البحث العنكبوتية الالكترونية العالمية "غوغل"، لذا لن أسترجع هنا حياته ونتاجه، وسوف أكتفي بالتوقف عند عدد من النقاط غير المعروفة عنه للكثيرين.

النقطة الاولى: قد يعرف البعض خاصة من أبناء الاجيال الجديدة أن جمال قعوار.. كتب في بدايات حياته الادبية. العديد من القصص والاناشيد الموجهة للأطفال، وقد تعاون في كتابة بعضها مع آخرين أبرزهم الكاتب الصديق محمود عباسي أطال الله في عمره، والشاعر الصديق جورج نجيب خليل رحمه الله وطيب ذكراه، وبإمكان مَن يقوم بمراجعة جادة لما كتبه وأنتجه جمال للأطفال، قصة وانشودة، أن يرى إلى ذلك الغنى والعمق في إنتاجه هذا، وقد سبق وكتبت عن كتاباته الرائدة لأدب الاطفال في بلادنا ودعوت لإعادة نشر ما كتبه.. لاطلاع ابناء الاجيال الجديدة عليه والنهل من منابعه الثرّة الغنية، ولعلّ هذه فرصة مناسبة للعودة إلى هذه الدعوة والالحاح عليها، لعلّها تجد الصدى المنشود.

النقطة الثانية: ان جمال قعوار كان شاعرًا مطبوعًا حاضرَ البديهة وسريعها، وانه كان يُدهش المحيطين به في قدرته على ارتجال القول الشعري. ومما أذكره عنه، كما عرفت خلال عملي متطوّعًا معه في تحرير مجلة المواكب الادبية، أن العشرات من أهالي بلدتنا المشتركة الناصرة، كانوا يتوجّهون إليه لكتابة بيت أو بيتين من الشعر لينقشوها على شواهد وأنصاب أعزائهم الراحلين، فكان يستجيب لهم وينظم ما يطلبونه منه على الفور، وقد أخبرني، ذات جلسة، أن أشعاره هذه كتبت ونقشت على المئات من الاضرحة.

النقطة الثالثة: ان جمال أتقن اللغة العربية نحوًا وصرفًا، بلاغة ومعرفة، إتقانا قلّ نظيرُه، ومع هذا، وهو ما أود قوله في هذه النقطة، كان انسانًا متواضعًا لا يدّعي معرفة ما لا يعرفه، وكان يضع القاموس المنجد على الطاولة قبالته.. لفحص ومعرفة معاني ما يستمع إليه، ولا يعرفه من كلمات.

رحم الله جمال قعوار، فقد كان واحدًا من أعلام الادب والثقافة في بلدتنا المشتركة الناصرة.. فحق له أن يحظى في حياته وبعد رحيله. بلقب شاعر الناصرة.

***

بقلم: ناجي ظاهر

في الآونة الأخيرة وجدنا مجموعة من الأعمال الأدبية تتناول مشاكل المرأة، خاصة في اعمال الرواية، وهذا يعكس حقيقة الواقع الذي تعيشه المرأة في المجتمع الذكوري، فرغم الإرث الديني والاجتماعي الذي يمتلكه المجتمع، إلا أن ذلك لم ينجح في الحد من الظلم الواقع على النساء، فبدا وكأن هناك جدارا/ سدا يحول دون التعامل بسوية معهن.

في رواية "رادا" والتي تعني رامية الحجر، تتناول الساردة واقع النساء في فلسطين تحديدا، من خلال مجموعة نساء "سارة، رادا، عروبة، حنين، آية، شادن" وإلى حدا ما "مهما" وكيف أنهن تعرضن لقسوة الأهل والمجتمع الذي ينظر إلهن بفوقية وسادية، وهذا ما جعلهن يشاركن في مسابقة للإبداع الأدبي حتى يحققن ذاتهن، وينتصرن في إثبات تفوقهن وتألقهن كنساء بعيدا عن الذكورية المهيمنة، من هنا نجد لكل مشاركة في المسابقة هدفها وتطلعها إلى ما يعنيه فوزها، فبمجملهن أردن تأكيد حضورهن وأنهن صاحبات مشاريع اجتماعية/ أدبية يستطعن أن يتفوقن فيها.

هذا هو العمود الفقري للرواية، لكن هنا تفاصيل متعلقة بالظلم والقهر الذي تتعرض له النساء، فمن مظاهر القمع الذي تتعرض له الأنثى وما تعانيه "رادا" نفسيا بسبب كونها أنثى: "إحساس يعكر صفو أوردتها، التي تنصهر شوقا لأمل ينجيها من عقدة الأنوثة، أصبحت تمقت أنوثتها، وتعتبرها سبب شقائها... الصراع داخلها شتتها، كون منها شخصية مقيدة مهزوزة" ص5، هذا الوصف يكفي لتبيان حجم الظلم الذي تعانيه "رادا" فالساردة استطاعت أن توصل للقارئ ما هو داخلها، وإذا علمنا أن الخطأ الذي اقترفته "رادا" هو كونها أنثى فقط، وليس أي شيء آخر، نصل إلى طبيعة المجتمع الذكوري وكيف أنه يمارس سطوة (استعمارية/ عنصرية) بحق النساء.

من هنا نجد "سارة" شقيقة "رادا" تموت بمرض السرطان دون أن تجرؤ على البوح بمرضها لأسرتها: "إن فات الأوان مع سارة فرادا ما زالت هنا، تلك الفجوة بينكم وبين البنات جعلت سارة تكتم مرضها عنكم، إلى أن رحلت ـ رحمها الله ـ كان الأجدر أن تفتحي حضنك لبناتك، وتقتربي منهن" ص8، وجود عبد الرحمن" خال "رادا" أعطى أحداث الرواية شيئا من التوازن في نظرته وتعامله مع النساء، فهو طبيب ويعامل بناته بحرية مطلقة بعيدا عن عقلية المجتمع الذكوري، من هنا كان له الفضل في مشاركة "رادا" في المسابقة، وأيضا في إخراج "شادن" من حالتها النفسية ومعالجة جسدها الذي تعرض لمادة حارقة بعد أن سكبها زوجها عليها بدعوى أنها تخونه وتريد الطلاق منه.

ونجد في هذا الحوار بين "عبد الرحمن" ووالدة "رادا" الطريقة المتخلفة التي ينظر بها المجتمع الذكوري للمرأة:

"ـ والدها يا أخي لا يعير اهتماما لأوجاعنا نحن الإناث.

ـ لهذا الحد يا أختي، ليس له قيمة! أنت أضعف من أن تكوني أما ترعى بناتها، تحافظ على كيانهن ومشاعرهن التي خلقن عليها.

ـ النظرة تختلف، ما تراه خصائص، هي بنظرهاهن عيوب.

ـ جهلكم يراها عيوبا.

ـ لن تكون الأنثى كالذكر يوما، وحرصنا عليها ليس ذنبا." ص10، دائما الحوار يكون له أثرا خاصا على المتلقي، فهو يقدم وجهات النظر بحيادية، وعلى المتلقي أن يفكر ويختار الجهة التي يريد أن يكون معها وتتوافق والمنطق الذي يفكر به، وبما أن الساردة تحدثت عما تعانيه "رادا" نفسيا، وعن وفاة "سارة" بسبب عدم فتح المجال أمامها لتتحدث عن مرضها، لكونها أنثى، فهذا جعل القارئ ينحاز لموقف "عبد الرحمن" المدافع عن النساء وحقوقهن.

أما "شادن" فتتعرض لجريمة تشويه جسدها حتى (لا ينعم به أحدا بعد تطليقها): "لم يكن يقبل خسارتي في أي حال من الأحوال، وحين فرضت عليه خسارتي ظن أنه سيمتلكني للأبد فقام بتشويهي" ص39، وهنا تكون الساردة قد تناولت العقلية الذكورية التي تنظر إلى المرأة على كونها من (أملاك) الزوج وله حق التصرف بها كيفما شاء، وليس لها الحق في الانفصال عنه، كونها (امرأة) فهو السيد وهي العبدة، وعليها أن تطيعه في كل ما يريد ويرغب، لهذا كان تشويه جسدها عقابا لها وقصاصا لأنها تجاوزت قوانين المجتمع الذكوري، وكما يعامل المستعمر/ الاحتلال المحتلين بقسوة وشدة مفرطة يعامل الذكور الإناث، فكلاهما استعمر ويفكران ويسلكان عين السلوك.

مشكلة عدم الإنجاب دائما تكون ضحيتها المرأة، أما الرجل حتى لو كان هو السبب فلا يقع عليه ذنب، وعلى المرأة أن تتحمل وتتعايش مع هذا الواقع حتى الممات، تحدثنا "شادن" عن عدم قدرتها على الإنجاب، وعندما تفاتح أهلها بحقها بأن تنفصل عن زوجها بعد أن قرر الزواج من أخرى، نجد موقفهم بهذا الشكل: "ـ قدر الله يؤمنون به حين ينصب على الذكر لا على الأنثى، للذكر دائما خيارات، وللأنثى الاستسلام للأقدار." ص40، بهذه العقلية يتم التعامل مع النساء في المجتمع الذكوري، أليست هذه عقلية الصهاينة الذين يرفضون أن يعتقوا رقبانا من سطوتهم وعنجهتهم؟

أما "عروبة" فتتعرض لقسوة زوج الأم وسطوة زوجة الأب، فهي ينطبق عليها المثل: "لا أنا مع أمي بخير، ولا مع مرة أبوي بخير" لهذا كانت ضحية سهلة لأبن الجيران الذين صورها واستغل الصور لتكون تحت امره فيما يريد.

كان من المفترض أن تقترن "عروبة" ب"ساري" لكن زوجة أبيها التي تخطئ أبنتها مع خطيبها قبل الزواج، فتقرر إخفاء فضيحتها من خلال إجبار "ساري" على الزواج بها، بعد أن هددته بالصورة التي أخذتها "لعروبة" من تلفون ابن الجيران: "ـ زوجة والدك كانت تريد أن تحمي ابنتها من الفضيحة، فقد أخطأت مع خطيبها الذي تخلى عنها بعد أن سلمته نفسها، قبل عقد قرانهم رسميا، فكادت لك وأخذت صورك من هاتف جاركم الذي كان يهددك، كان يحتفظ بنسخ أخرى للصور" ص95، هذا الطرح يأخذنا إلى نظرة المجتمع للمرأة وعلى أن شرفها يكمن بين فخذيها، أما الرجل فلا شرف له، لأنه ليس له ما للمرأة بين فخذيه، فهو من حقه ومن الطبيعي أن تقبل به أي أثنى أخرى رغم أنه فاقد للشرف، بينما الأنثى التي أخطأت عليها أن تدفع ثمن خطئها إلى نهاية عمرها، أو أن تجد من (يخضع) لهذا الواقع ويقبل به مجبرا ومكرها، من هنا "كان "ساري وعروبة" هما الضحية لهذا الخطأ، وعليهما أن يضحيان بسبب نظرة المجتمع الخاطئة للشرف وللوفاء.

***

بقلم الكاتب والناقد: رائد محمد الحواري

......................

ملاحظة: الرواية الفائزة بجائزة الاستحقاق لجوائز ناجي نعمان الأدبية الدولية لعام 2021، وقد تم نشرها عام 2023.

قصة فتاة من عين تمر

هاجس الخوف والرعب لا يفارقها، وتحس احياناً ان أهلها على مقربة منها، وانهم على وشك العثور عليها، فيختض جسدها ويتصبب العرق من جبينها وترتجف اوصالها، لأنها تتذكر وهي طفلة كيف ان اخاً في حارتهم نحر اخته من الوريد، وغطاها بعباءتها السوداء، وتركها ممددة لساعات، وكيف ان دمائها نفذت من تحت عباءتها لتشكل بُركة صغيرة من دماء ضحية الأعراف والتقاليد والجهل المدقع. لم تستطع "هدية" ان تبعد شبح الخوف والرعب من المصير المحتمل، وتُذكرها هذه الهواجس بقصتها التي مضى عليها أعوام إلا انها مازالت مُعشعشةٌ في مخيلتها في منامها وفي صحوها.

فقبل ان يكون هناك اضطهاد سياسي او استغلال اقتصادي، كان هناك تعسف وعنف وظلم اجتماعي. ولعل التاريخ يُخبرنا من ان المضطهِدون هم رجال العائلة، والمضطهَدين هم عادةً اطفالها ونسائها. وهكذا بدأت قصة فتاة من مدينة نائية في صحراء محافظة كربلاء. مدينة يُضرب بها المثل: "يريد شفية من شفاثة". وشفاثة هو الاسم الشائع لمدينة بُنيت حول واحة من نخيل التمور وعيون كبريتية، ذات الرائحة الكريهة، توصف للاستحمام بها لمن يشكو من امراض جلدية.

شفاثة هو الاسم الدارج للمدينة، اما اسمها الرسمي فهو "عين تمر" التي أصبحت ناحية من نواحي محافظة كربلاء بعد ان كانت واحة نخيل ومياه معدنية في الصحراء الغربية. كانت هذه المدينة تعيش في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وربما لا زالت على قيم بدوية وريفية، وضمن البعد الرجعي لهذه القيم.

علمت "هدية"، وهي فتاة قصتنا، من ان عائلتها تُسهل امر زواجها لرجل من عُمر والدها، لتكون الزوجة الثانية، الصبية القوية التي ستخدم الزوج والزوجة وابنائهم. هدية أُجبرت على ترك الدراسة بعد المتوسطة، لتكون المساعدة واليد اليمنى لوالدتها في شؤون البيت وفي الخياطة والتطريز وتصليح الملابس، حيث كانت أمها خياطة المحلة التي تسكن فيها، حينما كانت العادة في ذلك الزمان، شراء اقمشة من التجار ثم الذهاب للخياط او الخياطة لتفصيلها على المقاس.

وعلى الرغم من ان هدية لم تكن مثقفة، وليست ناشطة سياسية للدفاع عن حقوق المرأة، إلا انها احست بالغبن وعدم التكافؤ، ومن ان زواج كهذا سيكون مجحفاً بحقها وسوف لن يكون مناسباً لها. تحدثت الى أمها عدة مرات، إلا انها كانت تسمع نفس الجواب كل مرة: يا بنتي الشور شور الحجي، وهو أدرى بمصلحتكِ مني ومنكِ. فقدت هدية الأمل بعد ان سمعت إجابة والدتها مراراً وتكرارا.  بدأت التفكير في حلً ينقذها من هذا الزواج، تذكرت صديقة طفولتها "غنية" التي رحلت الى بغداد للعمل في شارع النهر، وهو الشارع الذي تتسوق منه نساء بغداد أجمل الملابس والإكسسوارات.

استجمعت هدية قواها مع قليل من النقود، وهربت في صباح مبكر الى كراج بغداد الذي اوصلها الى كراج علاوي الحلة في بغداد، ومن هناك ذهبت الى شارع النهر للبحث عن بنت مدينتها التي ربما مرت بظروف مماثلة لها. أرهقها البحث عن غنية، إلا ان الحظ حالفها وعثرت عليها بعد ان امتلكها الذعر، لأنها لا تملك أي بديل سوى العثور عليها. تعمل غنية في محل لبيع بدلات العرائس للعوائل الراقية، محلاً واسعاً يُعرض فيه آخر التصاميم الفرنسية والإيطالية ومُجهز بورشة خياطة وتصليح متكاملة. زبائنهم نخبة العوائل الأرستقراطية والغنية من سكنة المنصور والأعظمية والكرادة الشرقية.

اصطحبت غنية هدية الى مسكنها الذي هو غرفة مؤجرة في بيت شرقي في حي "عكد النصارى" من الجهة الثانية لشارع الرشيد. حديث طويل بين الصديقتين لم يسع الليل كله، لسماع الحكايات وتقاسم الهموم والتأفف والاحساس بالضعف والهوان لما قام به أهاليهم من ظلم وجور عليهن.

استطاعت غنية ان تقنع "طارق" ابن صاحب المتجر، ان يوظف هدية في نفس محل بدلات العرائس، كمساعدة لها في خياطة بدلات العرائس لجميلات بغداد. طارق الأبن الأكبر لصاحب المتجر، يساعد والده في مسك الحسابات، كان طالباً في كلية الإدارة والاقتصاد، ولديه مزاج في العمل التجاري الذي يرى فيه مستقبلاً له.

لفتت عاملة الخياطة الجديدة انتباه طارق، التي كانت تحاول إخفاء وجهها ووجودها في الورشة، متذكرة دائماً ان أهلها يبحثون عنها ولن يرتاحوا حتى يجدوها لتلقى المصير المحتوم. أخذ الفضول مجراه عند طارق مما اضطره لسؤال غنية عنها، واستمر في طرح الأسئلة محاولاً معرفة تفاصيل تحاول غنية عدم البوح بها. انزعجت غنية من اهتمام طارق بصديقتها هدية، ربما لأنها كانت مولعة به او كانت تتأمل ان يهتم بها بدل انشغاله بصديقتها.

لمحت هدية محادثة غنية مع طارق، وساورتها الشكوك من خلال النظرات والإشارات من ان الحديث كان حولها، صاحب ذلك شعور متناقض بالخوف والقلق من جهة والتطلع بطموح لمستقبلٍ أفضل من جهة أخرى. مستقبل زاهر في بغداد الجميلة التي انبهرت بمحلاتها وحدائقها وشوارعها العريضة.

لم تكن هدية فتاة جميلة وفق المعيار البغدادي، لم تكن نحيفة ولا طويلة، ليست بيضاء وشعرها لم يكن ذهبياً وعيونها لا زرقاء ولا خضراء، إلا ان دمها كان خفيفاً وجمالها فطريٌ، سمراء ذات عيون بدوية سوداء وواسعة وحواجب عريضة وصدر شامخ وجسم ممتلئ بأنوثة صارخة. وجهها دائريٌ قمري، خدودها تفاحية الشكل، يمنحان ابتسامتها رصعةٌ توحي ببراءة طفولية.

بحكم موقعه وطبيعة حياته الاجتماعية يتعايش طارق مع الكثير من الفتيات الجامعيات الجميلات، الأنيقات في الملبس والخبيرات في فن المكياج المُجسم الذي يبرز الأنوثة من بين ثنايا رتابة الزي الجامعي الموحد. إلا انه وجد في هذه الفتاة القادمة من اقاصي العالم، من مدينة لم يسمع بها من قبل، نكهة حُسنٍ مفتقدة في الأكاديمية وفي احياء ونوادي بغداد الأرستقراطية، طبيعية غير متصنعة دون مكياج او تجميل مبالغ به، بسيطة في الكلام، عفيفة النفس رغم صعوبة الحياة التي تمر بها. تلك هي عاملة الخياطة الجديدة التي بدأت تأخذ حيزاً كبيراً من تفكير طارق.

حاول طارق ان يلفت انتباه هدية عدة مرات، يزور ورشة الخياطة لسبب او بلا سبب، علماً ان طبيعة عمله لا علاقة لها بورشة الخياطة. إلا ان هدية كانت تتصنع عدم الانتباه لذلك، لأنها تعلم بالفوارق الطبقية والاجتماعية والثقافية بينهما، كما انها لم تلق تشجيعاً من صديقتها غنية التي كانت تنصحها على تجنب ذلك والتركيز على مستقبلها.

استطاعت هدية من إثبات مهارتها وجدارتها في الخياطة كي تحافظ على مصدر رزقها ومعيلها الوحيد. ومع مضي الأيام، بدأت بالتعرف على مدينة بغداد أكثر، والاعتماد على نفسها في الأمور الحياتية، وتدريجياً بدى عليها الاعتناء بنفسها من حيث الشكل والمضمون. تخلصت من ملابس عين تمر وابدلتها بملابس جديدة اشترتها من شارع النهر الذي تعمل فيه. لمّعت من مظهرها كثيراً دون ان تتجاوز الحدود المعقولة لما تربت عليه واعتادت على تقبله.

التغير الرئيس الذي تسعى هدية لبلوغه هو حصولها على التعليم الذي حُرمت منه، او بمعنى اصح حرموها منه. لذا قررت التسجيل في ثانوية مسائية للبنات، وركزت على ذلك واخذت تشعر ان حياتها بدأت تأخذ المجرى الذي كانت تصبو اليه. إلا انها لا يمر يوم لا تتذكر فيه والدتها وابيها واخوتها والجيران وصديقات الطفولة، وتحن الى شفاثة، رغم انها تعلم علم اليقين انها أصبحت مُحرمة عليها مدى العمر.

فاجئها طارق نهاية دوام أحد الأيام ليتحدث معها عن مشاغل حياتها وما إذا كانت بحاجة لدعم او مساعدة معينة. شكرته واظهرت امتناناً صادقاً لمنحها فرصة العمل بورشة والده، ومن انها سعيدة على هذه الحال. لمّح لها طارق انه معجب بها دون ان يضغط عليها او يطلب منها شيئاً. لم تستغرب كثيراً رغم انها تظاهرت بالاستغراب، مع ذلك انحرجت فعلاً وتلعثمت في الحديث لعدم وجود سابقة لها في امر كهذا.

تركت الورشة ذاهبة الى المدرسة وهي تسير كفراشة تسبح في ربيع منتزه مليء بأنواع الزهور. راودتها رغبة مُلحة في الانغماس في تجربة العشق والحب والغرام، بدأت تفكر ان طارق مفتاحها لحياة أفضل، إلا ان وعيها الفطري كان دائماً يوقظها من أحلامٍ تعلم هي قبل غيرها انها صعبة المنال.

أدرك طارق الوعي السياسي ابان ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وتأثر الى حد كبير بالروح الوطنية للزعيم عبد الكريم قاسم، وللفكر اليساري الذي يدعو الى إزالة الفوارق الطبقية والاجتماعية ويدعو الى تحسين حياة الفقراء. إلا انه رغم ذلك ابن عائلة برجوازية متمكنة ويتمتع بمزايا مادية واجتماعية، لا يمكن ان يتنازل عنها، وان حبه للفقراء مجرد مشاعر وامنيات مثالية لا تعني ان يمزج حياته بحياتهم او حياتهم بحياته.

إلا ان الشرارة التي نتجت عن احتكاك حجرين، أصبح من الصعب اطفائها دون منحها الفرصة للاحتراق والتحول الى رماد لا حرارة فيه ولا دفئ يحتويه. طلب طارق من هدية ان يُريها بغداد في الليل من خلال جولة في سيارته. اعتذرت منه عدة مرات بحجج واهية في معظمها، إلا انها رضخت في النهاية لأنه كان في طلبه لحوحاً بأدب، ولأن مشاعر الهوى بدأت تأخذ منحاها اليها.

تكررت رحلات السيارة لتشمل كورنيش أبا نوأس ومنتزه الزوراء وسينما النصر، وووو. وفي جلسة شاعرية في مطعم فوانيس في السعدون، صارح طارق هدية من انه معجب بها ويريد ان تتطور العلاقة بينهما نحو اشباع أكثر. في مفهوم هدية لا يعني ذلك إلا الزواج، بينما أراد طارق ان يطور العلاقة عاطفياً دون ربطها بالتزامات رسمية. وفي كل مرة كانا يتقاربان جسدياً أكثر من سابقه، مسكةٌ يد من هنا ولمست شعر من هناك ودغدغتٌ من هنا وهناك. كان الإثنين يتحسسان هياجاً في المشاعر تتوج كل مرة بقبل حارة وعناق طويل.

وعد طارق ان يأخذ هدية معه في سفرة الى بحيرة الحبانية. فرحت بذلك كثيراً، لأنها سمعت الكثيرين يتحدثون عنها. كعادتها خلعت هدية عباءتها قبل الصعود الى سيارة طارق، وزهت مفاتن جسدها رغم مقاومة ملابسها الجديدة لحجبه. توقف طارق امام مكتب إدارة المنتجع السياحي ليستلم مفتاح الكابينة المحجوزة له. استغربت هدية بعض الشيء لذلك. كان في تصورها انهم ذاهبون للحبانية كي يجلسوا على رمال شاطئها ويلعبوا في مياه جرفها. دخلا الكابينة، وقبل ان يمضي وقتاً طويلاً تقدم طارق وحضنها، ارتجفت وشعرت بجمال العاطفة التي اهتز لها بدنها بجميع اركانه. استمرت القبلات الحارة بينهما حتى مسك بيديه وسطها ليمددها على السرير، رفع رأسه كي يقبلها لتصدمه رؤية دموعها، أهي دموع فرح! أو دموع خوف! ام دموع رجاء! وكأنها تقول له انني في حالة خضوع وضعف شديد يا طارق، فلا تستغل ذلك وتغدر بيّ.

انتبه طارق الى طبيعة دموعها وعرف معناها دون ان يستجوبها. زرع قبلة حنان على جبينها وساعدها للجلوس على السرير بدل الاستلقاء عليه. أحس طارق بذنب كبير، خجل فيه من نفسه وحاول ان لا تتصادم نظرات عيونهما. ظل يفكر ماذا لو استمر الحال وحصل ما حصل! ما سيكون مصيرها وما سيكون مصيري! واخيراً استجمع قواه وقال لها ما رأيك ان نأكل شيئاً في الكازينو ثم نذهب كي "نُطبش" في الماء. لمعت عيون هدية وبكت بحرارة هذه المرة من الفرح، ومن ان طارق الشهم لم يغدر بها، لا بل حتى حماها من رغبة مُلحة في نفسها.

استفاق الأثنان بعد ذلك اليوم من الحلم الجميل. ليسأل طارق نفسه عدة مرات، هل ان هدية ممكن ان تكون الزوجة المستقبلية له! هل يحبها لدرجة مستعد بها ان يخالف عائلته! ما هو مستقبل العلاقة بينهما، هل ممكن ان تتقبله بعد ذلك، هل انه مستعد ان يقطع علاقته بها، أسئلة وتساؤلات كثيرة ومتعبة لا أجوبة محددة لها، ومرت الأيام ولم يستطع ان يحزم امره.

وسألت هدية نفسها هل انها مُستعدة ان تقيم علاقة لا تؤدي الى الزواج، وهل ممكن ان يتزوجها طارق في يوم ما! وحتى لو أراد ان يتزوجها، هل هو الشخص المناسب لها، هل ان عائلته ستتقبلها كزوجة بالتمام والكمال، ام انها ستكون الزوجة الفقيرة التي يعتمد عليها في الشؤون المنزلية!

ربطت هدية هذه العلاقة مع طارق بما حدثت لها في عين تمر، ووجدت ان الحالتين متشابهتين، ستكون الطرف الضعيف والمُضطهد في العلاقة. لذا قررت هدية ان تبني مستقبلها بعيداً عن شارع النهر الذي تحول الى شارع للحب الممنوع، واتخذت قرارات شجاعة تنم عن فطرة صلبة، فبحثت عن، ووجدت عمل في معمل للخياطة في مدينة الكاظمية، بعيداً عن صديقتها غنية، وبعيداً عن حب قاصر، لا تستطيع مقاومته إلا بالابتعاد عنه، ولتبقى ذكرى طارق في القلب خالدة كتجربة حب ومشاعر جميلة، لا عائقاً او معوقاً لمسيرة حياتها، ولتكون قصة مضافة لكتاب كان يا ما كان.

***

محمد حسين النجفي

تطالعنا في مجموعة نصوص أنين الرمل للكاتبة هند خضر أطواق ياسمين من خلجات للنفس والروح ووجدانيات مختلطة في ثنائيات لا تهدأ سكبتها هند بكل عفوية وصدق في ثورة التفس التواقة للحب والحنين ،التفاؤل والأمل، الأحلام والتطلعات في أيقونة عشق خاصة بها. فنجدها تناجي الحبيب وترسل إليه تراتيل كلماتها العذبة المخضبة بكل ألوان الحب فتلتحم مرة وتتشظى مرات تحت عذابات الفراق والحنين. عشقها مختلط ما بين هذا الحبيب والوطن والحياة.

نجد في نصوص "أنين الرمل" نوعا من الإبداع والابتكار والتجديد في الصور الشعرية المميزة والخلابة والتعابير البلاغية،فحتى المكرر منها كان بأسلوب وشكل ولون وطابع جديد.

كما نستطيع التقاط ما استخدمته هند من خيال واسع وأسلوب جميل وسريع معبر ومباشر أحيانا.

ولأننا لسنا في صدد دراسة نقدية فهذه مقدمة لذلك سنختار بعض النصوص كعينات ونماذج تطبيقية.

فمثلا نجد في النص الموسوم ب "ضباب " صورة شعرية ملفتة حين تقول

"لملم الضباب أشرعته للرحيل".

كما نجدها تتحدث عن الوطن ومدى تعلقها بها في نصها الموسوم ب "عبور" فتقول:

"الوطن الذي احتوى اغترابي جعلني أدرك أنني الأنثى..الوحيدة التي عبرت بلهاثها حدود الأمكنة".

ونجدها في نصها الموسوم ب "نداء" تناجي الحبيب وتعبر بعاطفة جياشة صادقة حيث أن أهم عناصر الإبداع الصدق في الأحاسيس والمشاعر والتعبير. فتقول فيه "

"صوتك أنغام أغنيتي المذبوحة على مشانق الزمن..عد لي لنفتح حريقا..في صدر الحقول.."

وتزدحم نصوص هند بتلك التعابير والكلمات العذبة التي ثؤثر في نفس القارئ أيما تأثير لصدقها وعدم تكلفها وتصنعها فنجدها تترك وقعا جميلا ومتعة حسية فنية.

وقد طغى الجانب الوجداني والرومانسي والغزلي على نصوص "أنين الرمل" فنجدها مشعة وواضحة كالشمس. إلى جانب ذلك نستطيع القول بأنها عالجت قضايا إنسانية.

كما أن هند استعملت الرموز المستحدثة بغرض التوظيف الدلالي للمعاني والأهداف التي أرادت إيصالها للقارئ.

يغلو سعر الزهرة كلما زاد عطرها وسعر الكلمات كلما زاد صدقها ونحن أمام نصوص سكبت من محبرة صادقة لأننا امام كاتبة تربطها مع الكلمة علاقة عشق عاصفة.

وأخيرا أتمنى للكاتبة المزيد من الأعمال الأدبية والإبداعية في القادم القريب من الأيام.

***

بديعة النعيمي/ كاتبة وناقدة

الأردن

من حسنات وفضائل هذا الفضاء الافتراضي أنه يعرفك بقمم أدبية وثقافية مسكونة بهموم الإبداع والكتابة سيدة المقام ومن هؤلاء الفاعلين ثقافيا الذين تعرفت عليهم من خلال الفيسبوك الأخ الفاضل الأسناذ والشاعر القدير عمر بلاجي الذي يعتبر من صناع المشهد الثقافي في أم البواقي بتنظيمه وإشرافه على ملتقيات وطنية وعربية ناجحة بشهادة الكتاب الحاضرين وتتبعت مسار هذا المبدع الذي أحببته لطيبته وكرم تواصله .

والشاعر عمر بلاجي يرأس أيضا ”جمعية الرواسي للثقافة والفنون“، و”جمعية الملتقى للفنون والإبداع“

أصدر ديواناً شعرياً بعنوان ”لمن يهمس الغروب“ عام 2016 عن دار الأوطان يحمل عدة قصائد (واحد وعشرون قصيدة )منها: غربة اللسان، ضيفي الملثم، من سيرة آدم، ابن التبانة، على لسان القدر، توأم الروح، نداء العفة وغيرها من القصائد وقد أشاد النقاد بتجربة هذا الشاعر الذي يكتب القصيدة العمودية باقتدار وسلاسة تنم عن موهبة اصيلة..

قال فيه الناقد والشاعر والأكاديمي عبد القادر رابحي :" لمن يهمس الغروب؟ هو جزء من ذات الشاعر عمر بلاجي المسكونة بوجع الحروف وبمساحة مما تريد أن تخبئه للقارئ من طموح جارف يستمد صدقه ومعاناته من شعلة الكلمات المتوقدة بصدق الذات ومعاناتها والمطلع على هذه القصائد لا يسعه إلا أن يشارك الشاعر في سؤاله الحميمي الذي أودع فيه مشروع رؤيته للكتابة الشعرية وتباشير نظرته لما يعتورها من مكابادات حياتية وفنية ويكفي شاعرنا أن ما يؤرقه من قصائده هذه هو المثل التي يرى أنها بدات تختفي من واقع مسكون بمسافات عميقة من المرارات التي تعبر عنها لغة الديوان وصوره بكثير من الصدق ومن الجاذبية "..

وإن كان هذا الديوان "لمن يهمس الغروب " هو باكورة أعمال الشاعر القدير عمر بلاجي إلا أن في جعبته دواوين أخرى مخطوطة ينتظر الفرصة السانحة لطبعها وانا أقرأ له بعض قصائده المنشورة لفت انتباهي كقارئ للشعر ومتذوق له تلك الصور الشعرية الجميلة واللغة الأنيقة ذات الدلالات العميقة التي تدل على شاعر يمتطي صهوة القصيدة ويعرف اسرار اللغة العربية أليس هو أستاذ لها صاحب خبرة تربوية طويلة ؟، وفي قصيدة " إلى حواء البدء والمال " تتجلى هذه اللغة الرومانسية الجميلة حيث الرباط المقدس بين الشاعر والمراة حيث يجد عالمه الجميل يسافر إليها ليس وحده بل ترافقه الحمائم والرباب، فقليل من الحب تحلو الحياة ويعيش الشاعر في سمو روحي فما أجمل هذا الوله والتعلق ففي هذه القصيدة يتجلى ذوق الشاعر في انتقاء قاموسه اللغوي المشع بالدلالات فالمجاز واللحن والعود والنشيد والحمائم والرباب والسفر والشهاب كلها منفتحة على موسيقى الحياة والتحليق بعيدا وكأن المراة هي نشيد الوجود وحمامة السلام وموسيقى الكون... وأترككم مع هذه القصيدة لتتذوقوا عذوبة الشعر.

إلى حــوّاء البدء والمآل

أيا امرأةً تَجُرّ رداء قلبي

تُعانقها القصائدُ والرّحابُ

ويطربها المجازُ بلحن عودي

بها يحلو النشيدُ ويُستطابُ

أيا امرأة أسافر في هواها

ترافقني الحمائمُ والرّبابُ

تُعاتبني الكواكبُ إن غفوتُ

ويعزفُ عن مُكاشفتي الشّهابُ

فميلي بالهوى قدرًا يسيرا

فما قَتَل الهوى قومًا أنابوا

يروم القلبُ قلبا دون إذن

وتسمو الروح يَبْلُغها الجوابُ

***

بقلم: الكاتب والباحث في التنمية البشرية:

شدري معمر علي

هدى ابنة الكاتب العظيم نجيب محفوظ، الشهيرة بأم كلثوم، زعلانه مما قلته عن والدها، الروائي الكبير، في برنامج" أطياف" الذي تعده وتقدمه د. صفاء النجار الأديبة والاعلامية المعروفة. البرنامج الذي أطل علينا منذ نوفمبر العام الماضي وأثار العديد من القضايا الثقافية المهمة في لقاءات وحوارات مع الشاعر الكبير أحمد حجازي، ود. حسين حمودة الناقد المعروف، وخالد داغر رئيس دار الأوبرا وغيرهم من أهل الثقافة والفكر. أعربت أم كلثوم عن غضبها في حوار مع الأستاذ محمود مطر بالعدد الأخير من مجلة الاذاعة والتلفزيون الصادر 15 مايو. ويقول أستاذ مطر إنه اتصل بها فشعر بمسحة حزن بل وغضب، وحين استفسر منها فقالت له إنها كانت تتفرج ببرنامج أطياف فسمعت أحمد الخميسي يتحدث للدكتورة صفاء النجارعن والدها نجيب محفوظ، وفي حديثه:" تحامل على أبي بشكل صارخ" وقال إنه: "حضر ندوات نجيب محفوظ فى كازينو أوبرا طوال عام ونصف العام لم يسمعه خلال هذه المدة يقول كلمة مفيدة للشباب". وأضافت أم كلثوم:" ومن المؤسف أن يسىء الخميسي إلى نجيب محفوظ ويصفه بما ليس فيه".

وبداية أود أن أؤكد للأستاذة أم كلثوم ابنة اديبنا العظيم احترامي الكامل ومحبتي غير المحدودة للأستاذ، أما حديثي فكان عن الطابع الشخصي للأديب الكبير من دون أن يمس ذلك بأي درجة وضعه كأديب مصري عالمي. ونظرا لأن د. صفاء النجار أديبة أساسا ثم إعلامية فإنها خلال حديثنا دققت وجهة الكلام بقولها : " بالطبع نحن لا نتحدث هنا عن الأديب لكن عن سمات شخصيته " وأمنت على ملاحظتها. كان حديثي عن سمات شخصية أوجزتها بقولي إن أديبنا الكبير كان أشبه بالهرم العظيم المغلق على أسراره. وهذه حقيقة لا تمس قدره لا من قريب ولا من بعيد، ولذلك عاش يتفادى الدخول في معارك صغيرة، ويتجنب أن يفتح على نفسه أبوابا كثيرة قد يقود إليها تشجيعه للبعض من دون البعض. نعم لم أسمع منه كلمة مفيدة للشباب، وهذا سلوك في إطار حمايته لوقته، وتفرغه للإبداع، ولم يكن وحده من بين العباقرة من حمى نفسه بهذه الوسيلة، أما أنه أفاد الأدباء الشبان فقد أفادهم إلى ما لا نهاية بأعماله ذاتها. وقد يجدر بي أن أذكر الأستاذة أم كلثوم أنني – وليست هي – من دافع عن الأستاذ حينما حصل على نوبل، وثارت الأقاويل بأنه حصل عليها لقاء موقف سياسي. ونفيت ذلك جملة وتفصيلا في كتابي " نجيب محفوظ في مرآيا الاستشراق السوفيتي" الصادر 1989، نشرته مجانا، وجمعت فيه كل ما كتب عنه في الاتحاد السوفيتي،  وقلت في الكتاب بالنص: " ولنهنأ نحن أيضا بأستاذنا وأديبنا الذي غمرنا ببهجة ترجرجت أمواجها من المحيط الي الخليج"، وأن الجائزة : " ليست هدية سياسية لأديبنا عن موقف يريد لنا البعض أن نضغط الأديب بداخله.. وأن نجيب محفوظ لم يسع إلى الجائزة لكنها هي التي مشت إلى عليائه". ولطالما دافعت عنه وحتى عن رؤيته لقضية السلام وكررت أنه لم يتاجر بموقفه ذلك، ولم يتربح منه، لكنه كان موقفه الفكري بالفعل الذي شاركه فيه توفيق الحكيم وحسين فوزي وآخرون من الرواد. ولا يمكن بكل محبتي هذه أن أسيء إلى الأديب الكبير الذي أسعدني زماني بأن ألتقى به مع محبتي لشخصه النادر الذي لم يتوقف عن الابداع والتأمل وإسعاد الثقافة والفن بأعماله.

***

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري

الفن بما هو فسحة خيال وتأمل وتأويل حيث الكائن في سردية أحواله تجاه عناصر شتى وتفاصيل للقول بالفكرة النابعة من الزمن وتداعياته وتلوينات حكاياته حيث الراهن في تجليات تعاطيه وتفاعله وفق تعبيرية تتآلف عناصرها وتتنافر بما يمكن من اعادة القول أسلوبا ونهجا وتلوينا...

هكذا هي الكلمات والصور والسرديات في مخيلة الفنان حيث السؤال يتجه لكيفية التقبل في ضروب من التجدد وهضم الراهن باشتراطاته الجمالية والتقنية لما انطبع في الدواخل من سير وحكايات وسرديات ضمتها الرسوم والفنون والأعمال التي مرت عليها أزمنة ودهور ولم يمسسها غير حرص الفنان على النفاذ اليها محاولا ومحاورا لأجل التجدد تجاهها والافصاح عن اللحظة المبدعة التي لا تروم غير الولوج الى كنهها ومساءلتها وذلك بقلق الفن وتداعياته وجوهر فكرته...

في هكذا سياق نمضي مع تجربة فنانة تشكيلية وباحثة تخيرت هذا المنحى من مساءلة ما هو ميثولوجي فنيا وجماليا تقصدا لشواسع مخيلة وهواجس ذات فنية حالمة تغوص في السرديات الفنية الأسطورية وذلك بالعمل على ما هو عجائبي وفنطاستيكي لتكون الرحلة الفنية المتسلحة بحلمها نحو العوالم المفتوحة على الدهشة والسحر...

الفنانة التشكيلية الدكتورة سهير قضريب تمضي في نهجها هذا فنا وبحثا من خلال أنشطتها الفنية ومشاركاتها العلمية والأكاديمية وكذلك المعارض الفنية وهي المسكونة بالفن وتفاصيله منذ طفولة أولى حيث تقول عن هذا المجال الجمالي المعنية به "... إنّ مفهوم الذاكرة غالبا ما يشغلني كباحثة في الفنون التشكيلية وهو ما جعلني أخوض أكثر في "الميثولوجيا" كإشكالية أساسية في أعمالي. لعل مفهوم الذاكرة على علاقة مباشرة بمرحلة الطفولة التي تُعتبر مرحلة مهمة في حياة الإنسان حيث تتشكل مخيلته الابداعية. ويُعتبر عالم القصص والخرافات والاساطير العالم السحري الذي يقودني إلى الخروج من الواقع المحدود نحو الخيال اللامحدود والمنفتح على اللانهاية. لذلك سعيت من خلال تجربتي التشكيلية نسج قصص خرافية عجائبية في شكل تمثلات فنطازية تكونت من توليفات بصرية جمالية ملونة التفاصيل مشحونة برموز وعلامات انبثقت من تأثيرات الميثولوجيا وسحر الخرافة والخيال، امتزج فيه المرئي باللامرئي بتمازج الخط مع اللون والشكل ليخلق عالما مُشبعا ومُزدحما تولدت من خلاله أشكالا تراوحت بين الضبابية والوُضوح تنطلق بالمخيلة إلى التساؤل والتأويل...".

و الفنانة سهير متحصلة على  أطروحة دكتوراه تحت إشراف د. كمال كشو ضمن عنوان  "الميثولوجي في الصورة الفوتوغرافية: د راسة مقارنة" وقبل ذلك تمكنت من الحصول على درجة الماجستير في الفنون التشكيليةعن "العالم المخيالي للمرأة وتداعياته الهجينة في التصوير المعاصر" باشراف الفنان التشكيلي والأستاذ نور الدين الهاني...و اشتغلت بالتدريس لسنوات في التعليم العالي والتعليم الثانوي بصفاقس والقيروان وكانت لها معارض ومشاركات فنية تشكيلية منها معرض جماعي في مهرجان ثقافات الفراعنة  بقرقنة

و معرض جماعي في معرض الفنون السنوية بصفاقس ومعرض جماعي لأساتذة صفاقس في  معرض القصبة بصفاقس و معرض جماعي بقاعة المدينة  خليل علولو، صفاقس

و معرض جماعي بقاعة البلدية  صفاقس ومعرض جماعي مع Le Pont des Arts

صفاقس ومعرض جماعي في المركب الثقافي محمد الجموسي بصفاقس والمشاركة في المهرجان الدولي للفنون التشكيلية بالشابة من ولاية المهدية وفي المعرض الجماعي والورشات للمهرجان الدولي للفنون التشكيلية بالمحرس و معرض جماعي ومشاركة في مهرجان Olivier National، Kalàa Soghra، بسوسة الى جانب  نشر مقال في كتاب جماعي بعنوان " الميثولوجيا الذاتية من السرد إلى التشكيل " والحصول على دبلوم الرسوم المتحركة في الإذاعات تحت إشراف الجمعية  وهي  عضو مختبر البحث: Laboratoire de Langue  وذلك فضلا الى التمكن من اللغات ومهارات الكمبيوتر: Windows، Word، Excel، Power Point، Outlook،و التنقل عبر الإنترنت والرسم، الخط، التصوير الفوتوغرافي، النقش...

الفنانة والباحثة سهير قضريب تعمل في سياق من البحث والرسم والذهاب كثيرا في دروب التشكيل وفق شغف عايشها منذ طفولتها وصولا الى الآن حيث الفن بأسئلته الكبرى ومنها جمال التعاطي تجاه الذاكرة وأساطيرها وحكاياتها العجيبة المألوفة والنادرة ...

و" لعل مفهوم الذاكرة على علاقة مباشرة بمرحلة الطفولة التي تُعتبر مرحلة مهمة في حياة الإنسان حيث تتشكل مخيلته الابداعية. ويُعتبر عالم القصص والخرافات والاساطير العالم السحري الذي يقودني إلى الخروج من الواقع المحدود نحو الخيال اللامحدود والمنفتح على اللانهاية..." كما ثقول وهي الموغلة في اللعبة الفنية حبا وغراما وسفرا مفتوحا على.. ذاته وعلى الآخرين.. وعلى العالم.

***

شمس الدين العوني

وَاللَهُ حَقٌّ وَإِن ماجَت ظُنونُكُمُ

وَإِنَّ أَوجَبَ شَيءٍ أَن تُراعوهُ

كان هذا البيت ردّي على أحدهم لدفع التهمة عن المعرّي، بيت من قصيدة قصيرة كان قد طالعني في قراءتي  الآملة والباحثة عمّا هو مغاير للسائد الذي تحاول عبثا تكريسه ماكنة معطوبة لمؤسسة حكومية محدودة النظر، طالعني منذ سنوات لم تعد قريبة، والمنشور ضمن كتاب اللزوميات الطبعة الستينية ذات الأوراق السمراء التي يفوح من ثناياها عبق الحنين لماضٍ ترغمنا قسوة الحاضر اللوذ إليه وإن لم يكن بأحسن حال منه، هذا البيت لمن يقرأه، ولديه أدنى معرفة بالدين يستشف منه عقيدة المعرّي السليمة، التي لا تحتمل أدنى شك، التي لطالما جردّوه منها قصار الذهن واتهموه بالإلحاد، وهو القائل في موضع آخر:

تَشابَهَتِ الأَشياءُ طَبعاً وَصورَةً

وَرَبُّكَ لَم يُسمَع لَهُ بِشَبيهِ

فهل يعقل أن يرمى بالإلحاد من يقول بالكمال لله تعالى، وينفي عنه التشبيه، ويقرّ بربوبيته بوضوح لا يشوبه الشك؟!.

لكن وكأنه كُتب على هذا الشاعر في كل زمان ومكان يعشش بهما قصار العقول والرؤى ممن ينصّبون أنفسهم أوصياء على الفضيلة ليمارسوا سطوة غبائهم المركّب على الآخر المختلف عنهم، أن يقذف بتلك التهمة في محاولة فاشلة لإلصاقها به، ومعظم هؤلاء الأدعياء ممن حرم نفسه متعة القراءة، ولم يكلفّها عناء البحث ودراسة ما هو بصدد نقده، وكل ما يستطيع فعله هو اقتباسه لآراء وأقوال أشدّ تحجّرا من عقله النضب واستحضارها في مناسبات مختلفة، فكيف لا يرمى بهذه التهم وهو ذلك الشاعر الناقم على بيئته الثقافية والاجتماعية، والواصف لها وصفا لا يليق إلّا بشاعرية المعرّي فينشد قائلا:

فَإِن يَكُ رَذلاً عَصرُنا وَأَنامُهُ

فَما بَعدَ هَذا العَصرِ شَرٌّ وَأَرذَلُ

فما عساه أن يقول لو إنه أدرك ما بتنا نعيشه من فوضى تكاد تلتهم باقي المتبقي من فضيلة، نعاها شاعر المعرّة منذ قرون بالية، ليطلقها صرخة  بلسان حالها أرضنا الخربة:

وَالأَرضُ لِلطوفانِ مُشتاقَةٌ

لَعَلَّها مِن دَرَنٍ تُغسَلُ 

وليُتخذ قرار اعتزال القوم قرارا لا رجعة فيه، إذ نقلت لنا المصادرقوله الذي يوجز رأيه: "لزمت مسكني منذ اربعمائة، واجتهدت على أن أتوفى على تسبيح الله وتحميده"، فأين تهمة الألحاد من قوله هذا؟!.

***

ابتسام الحاج زكي - العراق

........................................

* شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء وهو اللقب الذي أطلقه النقّاد على الشاعر أبي العلاء المعري.

 

...... وقالت نتاشا (وهو اسم الدلع طبعا، اذ انها نتاليا) - ليس عبثا عدم وجود مفردة تشيخوفيزم (اسم تشيخوف + لاحقة ... يزم) باللغة الروسية، (اي التشيخوفية)، وانما توجد فقط بالروسية كلمة (تشيخوفيانا)، وتعني الدراسات والآراء المختلفة عن حياة تشيخوف وابداعه، فعلّق فانيا (وهو ايضا اسم الدلع، اذ انه ايفان) معترضا على ذلك و بنبرة احتجاج واضحة - ولكن لا توجد بالروسية ايضا مفردات مثل – بوشكينيزم، او تولستويزم، او دستويفسكيزم ...الخ، ومع ذلك فانني لم أجد في الادب الروسي، ولا في الادب العالمي حسب اطلاعي، على شئ يشبه او يوازي او حتى يقترب من قصة تشيخوف (السيدة ذات الكلب الصغير)، فهناك قال لنا تشيخوف بشكل بسيط ومقنع ورائع حقيقة هائلة في الحياة الانسانية تكمن في ان الحب المتأخّر للانسان هو الحب الحقيقي، رغم انه الحب المستحيل، وانا غالبا ما اعيد قراءة نهاية تلك القصة، التي تلخّص تلك الحقيقة الحياتية وتؤكّد عليها، وأظن، انها واحدة من خصائص التشيخوفية كظاهرة ادبية، اي انه يحدد لنا حقائق موجودة في مسيرة حياتنا دون ان يلاحظها الانسان، او – ببساطة - لا يريد ان يراها او الاعتراف بها، رغم انها موجودة . انتبه الحاضرون الى هذا النقاش الفكري والذي انبثق بشكل عفوي بينهما، وانقسموا الى فريقين تقريبا، الاول يؤيد نتاشا، والثاني يؤيد فانيا، وكان هناك بعض الصامتين (وربما هم الاكثرية !!!)، ولكنهم كانوا يتابعون بدقة وامعان وانتباه شديد ذلك النقاش الفكري حول تشيخوف، الذي بدأ في لقاء (ما تبقى على قيد الحياة !!!) من خريجي كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، اللقاء النادر جدا جدا، والذي ننتظره دائما بشغف كبير، لأنه يعيدنا الى حلاوة ذكرياتنا عندما كنّا طلبة شباب في كليتنا الحبيبة قبل اكثر من نصف قرن من الزمان .

صمتنا جميعا بعد تعليق فانيا، وهو صمت ضروري طبعا للتفكير والتأمّل وتحديد موقف واضح ومحدد تجاه هذا النقاش الغريب والطريف جدا بين زميلتنا نتاشا وزميلنا فانيا حول التشيخوفيزم، او التشيخوفية، وخرقت فيرا اخيرا هذا الصمت وقالت – أما أنا، فاعيد دائما قراءة قصص تشيخوف القصيرة، اذ انني بحاجة ماسة في حياتي الصعبة و المعقّدة الى الضحك، او في الاقل، الى الابتسامة، وقصص تشيخوف تلك تمنحني ذلك، اي انها (الدواء!!!) بالنسبة لي، هذا اولا، وثانيا، لأني أجد فيها عبقرية تشيخوف الشاب، العبقرية العفوية والنقيّة والخالية من اي تعقيد وتقعير، عبقرية طبيعية ونظيفة جدا وتنساب بهدوء وسكينة وتتغلغل رأسا في اعماق الروح، اذ انه كتب تلك القصص بسرعة ودقّة ودون اي (مكياج!!!) عندما كان شابا يافعا، وطالبا مشغولا بدراسة الطب صباحا . أجابت نتاشا معلّقة على هذا الكلام – لم أقل أنا شيئا يتناقض مع ما ذكرتما من كلمات عن تشيخوف، بل، اني اؤيد ذلك، وانا ايضا اطالع نتاجاته دائما ومعجبة بها مثلكم، ولكن هذا لا يعني بتاتا، ان هناك ظاهرة متكاملة في علم الادب يمكن ان نسميّها التشيخوفية في الادب الروسي والعالمي، فطرح فانيا عليها رأسا سؤالا (صارما وحادّا!)، وهو – وماذا يمكن ان نسميها في رأيك ؟ فابتسمت نتاشا وقالت – فانجكا، نحن في جلسة سمر لنستعيد ذكرياتنا الجميلة، وليس هدفنا الان صياغة دقيقة لمصطلحات علم الادب كما كنّا نفعل ايام الدراسة في الكليّة، فضحكنا جميعا تأييدا لها، ولكن فانيا قال وبنفس النبرة الغاضبة – ان تهربك من الجواب ذكي جدا يا نتاشا، ولكن التهرب بشكل عام يعني انك لا تعرفين الاجابة الدقيقة عن سؤالي . قال ساشا – فانيا، لا ضرورة لاطلاق مثل هذه الاحكام المتوترة، نحن ندردش ليس الا، وقد نختلف وقد نتفق في دردشتنا، وهذا أمر طبيعي جدا، ولو كان تشيخوف حاضرا معنا الان لما سمح لك ان تتصرف هكذا، اذ ان تشيخوف نفسه كان وديعا و مسالما جدا، ويتجنب بالذات التصادمات الفكرية مع الآخرين، فضحكنا مرة اخرى، وقال اليوشا وهو يضحك - فكرة رائعة يا ساشا، اذ يجب دعوة تشيخوف في اللقاء القادم والاستفسار منه مباشرة حول التشيخوفية، فهو الذي سيحسم الموضوع، فعلّقت فيرا قائلة – لقد قال لنا تشيخوف في رسائله الى اصدقائه ماذا تعني التشيخوفية، ولعل اهم عناصرها يكمن في الايجاز، الا تتذكرون جملته التي اصبحت مثلا معروفا في روسيا، وهي – الايجاز شقيق العبقرية ؟ فتعالت الاصوات من هنا وهناك تأييدا لفيرا، وقال اليوشا – نعم، نعم، هذا صحيح جدا، فالاطناب بالكلام والكتابة ظاهرة مملّة فعلا للمستمع والقارئ، خصوصا، وان عصرنا هذا باحداثه المتلاحقة السريعة لم يعد ملائما ابدا للاطناب، واريد ان اضيف، ان تشيخوف قال مرة في احدى رسائله لاديبة ناشئة – احذفي نصف القصة، وجاءت التعليقات من هنا وهناك مثل امواج البحر المتلاطمة، فهذا يصرخ – لا تنسوا اسلوب البساطة والوضوح والشفافية، وذاك يضيف – والكتابة عن المواضيع الانسانية الخالدة دون كلمات طنانة ورنانة، وثالث يقول – ولهذا فان الانسانية تتقبّله لحد اليوم، فصاحت نتاشا وهي تضحك مقهقهة – انا معكم ايها الزملاء الاعزاء، انا معكم فعلا وقولا، ودعونا نعود الى طبيعة جلسة السمر هذه، الجلسة النادرة واللذيذة، فتشيخوف يوحدنا ولا يفرقنا.......

***

أ. د. ضياء نافع

ها هي رحلة الفن الجميلة تأخذ طفلها المدلل المأخوذ بشغف التلوين والرسم والنظر الى جنانها حيث خطاه الأولى بالبقعة القابسية الجميلة ونعني وذرف حيث طفولة وبهاء ونشيد مفتوح على الالوان والأمكنة.. ها هي الفكرة الملونة تعنون مسيرة ولع وعشق للفن لحوالي ستة عقود (55 سنة) وكأن الأيام لديه فن وشعر ولوحات وغوص في الحكاية الباذخة التي سماها ولها وهياها..

محمد القماطي هذا الذي يعانق ابداعاته الملونة بالفنون من كلمات وأعمال فيها الكثير من ذاته المفعمة بأحاسيس شتى.. هي علاقة وجدان وتواصل وحوار مفتوح.. و اما اللوحة لديه فانها العنوان المفتوح على الدهشة والحنين والآه..

والفن.. مساحة من مساحات القول الجمالي.. ذلك ان الحيز الممنوح للذات من عناصر وتفاصيل وأشياء يجعلها تتماهى بما توفر لديها من مفردة تشكيلية نحتا للقيمة وتأصيلا للكيان.. والفن تعدد اتجاهات وتيارات ورؤى مختلفة.. ولكن الفنان محمد تخير نهج ألوان من وحي الحوار الوجداني والانساني البليغ مع محيطه وحياته عامة وفق وعيه الجمالي.. أما المشاهد فانها خليط بين ما يعتمل في الذات من أفكار وهواجس ورؤى تنبع من أصل الفكرة.. والفكرة هنا هي هذا الحوار المأخوذ بالتواصل والود والفعل الكوني المشترك تجاه القيمة.. انها قيمة الانسان في تجلياته الثقافية والفكرية والانسانية العميقة.

محمد القماطي فنان وكاتب بما في المعنى من ولع وشغف لكن الرحلة اخذته الى عوالم الالوان ومتاهاتها فراح يبحث عن وجد دفين في الدروب.. الالوان صارت حكايته الباذخة التي يستلهم من تفاصيلها اشجانه وهواجسه قولا بالفن كملاذ وحلم مفتوح على الطفولة العائدة.. يفعل فعله الفني هذا في هذه الحياة بين شؤونها الشتى وألوانها المفعمة بالحلم ولكن الفن أعطى اللون الآخر للرحلة وأصواتها الملائمة.. وفق سفر الى الفكرة.. الى حدائق اللون.. الى الابداع التشكيلي..

التجربة كانت مفتوحة ومتواصلة وجديرة بالنظر.. أعمال متعددة نهلت من العلاقة الآسرة بالمدينة.. بالمشاهد بالمرأة وبالحنين والتراث والعادات وغيرها و.. بالمدن عبر جغرافيا الحنين بأمكنة مختلفة في تونس من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب..

هكذا ومن رحم كل هذا وتواصلا مع نغم القلب والفن كوجدان يتواصل المعرض الشخصي للفنان محمد القماطي وفق رغباته الفنية والانسانية والثقافية التي تخيرها فنانا وانسانا حالما وتواقا للاجمل في هذا العالم.

هذا المعرض يتواصل برواق الفنون ببن عروس حيث افتتح يوم الاربعاء 31ماي 2023.3350 محمد القماطي

و تحت عنوان "تاملات" وانطلق بحضور جمهور فنه وأحبائه وأصدقائه وزوجته الفنانة التشكيلية حورية القماطي وتم ذلك في حفل استقبال وافتتاح حضره أيضا جمال بن عمر معتمد بن عروس ومهذب القرفي المندوب الجهوي للشؤون الثقافية بولاية بن عروس ومديرة رواق الفنون ببن عروس الفنانة نزيهة الصولي الى جانب نخبة من الفنانين التشكيلين والفوتوغرافيين وثلة من الأدباء والشعراء ومثقفي الجهة والفاعلين من المجتمع المدني..

الأعمال الفنية تحلت بفكرة الفنان القماطي في تعاطيه مع الرسم والتلوين ومثلت جملة مراحل اشتغاله الجمالي وتميزت بتنوع مواضيعها وثيماتها وتقنياتها وعن هذا المعرض الخاص يقول القماطي ".. سعدتكثيرا بهذا الحدث المهم بعد مسيرة متواصلة امتدت الى 55 سنة مع الرسم وسعيت في رواق بن عروس لابراز بانوراما تجربتي الفنية التشكيلية التي أواصل العمل ضمنها بعد العديد من المشاركات في المعارض الجماعية واقامة المعارض الخاصة وهذا يفرحني وشكرا لكل من زارالمعرض وأحب أعمالي ويمكنني القول ان الحلم يبقى يرافقني للعمل والتجدد وتقديم المعارض.. ".

معرض ولوحات وتنوع في سياق الرحلة الفنية بكثير من حلم الفنان ودأبه وحيويته في مشهد فني تشكيلي تونسي متحرك ومتعدد التجارب الفنية بين الهواية والاحتراف وفي الاساليب والاتجاهات والأجيال.

***

شمس الدين العوني

يشير مصطلح (سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة) المرادف لمصطلح (السياحة الميسرة) أو (السياحة المتاحة) إلى نمط سياحي حديث نسبيا، ومرتبط بهذه الفئة من المجتمع. وشكل ما نسبته بين (10 % و12 %) تقريبا من اجمالي عدد السياح على مستوى العالم الذي بلغ (940) مليون سائح في عام 2010 مقابل (880) مليون سائح عام 2009 و(919) مليون سائح عام 2008، وفقا لاحصائيات منظمة السياحة العالمية. وتقوم هذه السياحة على توفير متطلبات وخدمات الضيافة (الايواء، الطعام والشراب....) والترفيه والترويح لهذه الفئة من الناس (فئة ذوي الاحتياجات الخاصة) التي وصل حجمها إلى (650) مليون شخص على مستوى العالم، بحسب منظمة العمل الدولية، ونحو (35) مليون شخص في المنطقة العربية، وفقا لمنظمة العمل العربية.. والعمل الجاد والدؤوب من أجل التغلب على كافة الحواجز والمشاكل التي تحول دون تمتع هؤلاء بالتسهيلات والامتيازات والخدمات التي يتمتع بها بقية السياح، وبغض النظر عن أنواعهم والفئات التي ينتمون اليها.  

ويعرف عن هذا النوع من السياحة بكونها عالية الكلفة بالمقارنة مع بقية أنواع السياحة لاحتمال قيام السياح من ذوي الاحتياجات الخاصة (أصم، أبكم، متوحد، متخلف عقليا، منغول، قزم، كبير السن، ضعيف النطق، ضعيف البصر.... الخ) إلى استصحاب مرافق له، يساعده في تحركاته وتنقلاته، وتحمله لنفقات إضافية نتيجة لذلك، أو حاجته إلى خدمات خاصة في مراحل معينة من رحلته السياحية، تقدم له من قبل مساعد من الشركة السياحية المنظمة للرحلة، واحتمال استخدامه لأدوات وأجهزة ومستلزمات إضافية، صحية كانت أو غيرها (كرسي متحرك، قصب اللمس، مقعد استحمام، جهاز فحص ضغط الدم، جهاز قياس سكري الدم، أدوات مساعدة على المشي، سماعات الاذن، طاولة اتزان.... الخ).

الأمر الذي يدفعه إلى تحمل تكاليف أخرى، لا تدخل ضمن ميزانية السائح العادي. وقد تكون بعض هذه الخدمات مجانية أو تشجيعية، تقدم من قبل الشركات والمرافق السياحية والفندقية في سبيل توفير رحلة سياحية ممتعة وناجحة وموفقة ومتكاملة الأركان لهم، وتأمين فرص التواصل والتفاعل الضرورية لهؤلاء في العملية السياحية، بعيدا عن المعوقات والحواجز البدنية والاجتماعية والنفسية، وبما يلائم مع المساعي الرامية إلى ترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية في المجتمع، وبما يتناسب مع حقوقهم في العيش الكريم، اسوة بغيرهم من أفراد المجتمع، وبما يضمن حصولهم على الاحترام والتقدير بين أفراده. كقيام مطار الشارقة الدولي بتوفير المنحدرات والمصاعد والكراسي المتحركة لهؤلاء. وقيام مجموعة طيران الامارات بتهيئة صالة ركاب خاصة بهم في المبنى (3) من مطار دبي الدولي. بالإضافة إلى توفير كاونترات من أجل تقديم الخدمات الضرورية لهم.

وقيام السلطات المختصة في مطار لارنكا الدولي بقبرص بتوفير نقاط شحن للمقاعد الكهربائية، بالإضافة إلى المنحدرات الخاصة بحركة هذه المقاعد أثناء الصعود إلى باصات المطار والنزول منها، عملا باللائحة الأوروبية (2006 / 1107) حول حقوق المسافر من ذوي الاحتياجات الخاصة.  

و قد شهدت صناعة السياحة والسفر في السنوات الأخيرة ظهور شركات سياحية مختصة بتقديم برامج سياحية لذوي الاحتياجات الخاصة حصرا، مثل شركة (مصر للجميع) المصرية التي تستقبل زبائنها السياح من مختلف بلدان العالم. وتوفر لهم بالإضافة إلى الخدمات الأساسية فرص ممارسة هوايات عديدة مثل السباحة والغوص وصعود الجبال، ولقاء مبلغ إضافي (30 %). بالإضافة إلى ظهور مشاريع سياحية مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة مثل المرسى الخاص بأسوان في مصر الذي يوفر كافة الخدمات لهم على أعلى المستويات، شاملة نقلهم من المطار إلى المرسى بوسائل نقل مهيئة لهذا الغرض، واسكانهم في فندق عائم من فئة (5) نجوم (اماركو). وهو المشروع الوحيد من نوعه في أفريقيا والشرق الأوسط. ومعظم زبائنه من الأجانب والعرب من دول الخليج العربي بسبب كلفة برامجه العالية.  

و كانت وزارة السياحة المصرية قد أصدرت تعليمات في عام 2006، الزمت فيها الفنادق والمطارات والقرى السياحية بتهيئة وإعداد (10 %) من غرفها الفندقية والمصاعد ودورات المياه من أجل ذوي الاحتياجات الخاصة.

إن واقع سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقة العربية يشير إلى تهميش نوعي وعددي لهذه الفئة الغالية علينا في خارطة النشاطات والفعاليات والعمليات السياحية تقريبا، وقصور كبير من السلطات السياحية الرسمية والأجهزة الخاصة تجاهها، والمتمثلة في الشركات والمرافق والمنشآت السياحية والفندقية المكونة للقطاع السياحي الخاص. وقلة المبادرات التي أطلقت في المنطقة بهذا الشأن.  

وهنا لابد من الإشارة إلى بعض المبادرات الرائدة في هذا المجال، مثل مبادرة (السياحة للجميع) التي اطلقت تحت مظلة جامعة الشرق الأوسط الأردنية في عام 2011 بالتعاون مع (جمعية تنمية المرأة الأردنية للصم) من خلال إعداد دليل سياحي بلغة الإشارة، تخدم فئة الصم، لتمكينهم من زيارة المواقع السياحية الأردنية على الشبكة الأردنية. ومبادرة بعض المدن الترفيهية والمنتجعات السياحية في ينبع السعودية بتخصيصها واعدادها لبعض الأماكن ضمن منشآتها لتقديم برامج ومسابقات حافلة من أجل الترويح عنهم.  

و المبادرة التي أطلقتها (دائرة السياحة والتسويق التجاري) في دبي في 26 شباط  2002  للترويج السياحي لدبي كوجهة مهمة لهذه السياحة، بالدعوة إلى تهيئة وتكييف المناخ المطلوب لها، وبالتعاون المشترك بين القطاعات المعنية في الامارات العربية المتحدة.  

كذلك مبادرة الهيئة العليا للسياحة والاثار في المملكة العربية السعودية المتضمنة دعم ومساندة سباق ذوي الاحتياجات الخاصة المقام بممشى حديقة الملك سعود تحت شعار (أتحدى الإعاقة)، وضمن فعاليات صيف نجران 2011، ومنح فيه الفائز الأول جائزة رمزية بقيمة (1000) ريال، بالإضافة إلى تذكرة سفر من الخطوط الجوية العربية السعودية. وقيام (جمعية أصدقاء السائح) المشكلة في سورية في عام 2007 بإشراك الايتام وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم في ورش الرسم والتلوين والمسابقات الثقافية المقامة على هامش معرض الزهور الدولي 2008. 

***

بنيامين يوخنا دانيال

بين المشاهد والطبيعة الصامتة والأمكنة:

أعمال متعددة حيث الحلم بالابداع في مجالات الفن الفسيحة بين الحنين والنظر والاستلهام قولا بالرغبة الجامحة تجاه التلوين.

ضمن التجربة الذاتية مع الفن قد يكون الفنان حالما ومأخوذا باللعبة الجمالية التي تأخذه الى عوالمها المتعددة دبدنه في ذلك الحلم بالابداع حيث المجال الفسيح للحنين والنظر والاستلهام قولا بالرغبة الجامحة تجاه اللون ومشتقاته.فبالفن يرى الكائن حيزا من ذاته وهو المسافر بكثير من التمني والأمل قبالة عالم مكتظ بالمشاهد والعناصر والحكايات التي تحيل الى سرديات ملونة طافحة بالمعاني وبالشؤون والشجون...

من هنا نمضي الى عوالم الفنانة التشكيلية لبنى بوقلة التي تحلم بالعالم لتراه بمثابة علبة تلوين حيث أخذها الشغف بالرسم والتلوين منذ طفولة والى هذه الايام لترى في ذاتها تلك الأمنيات الملونة ...برز ذلك في مختلف أعمالها الفنية التي انطبعت من خلالها المشاهد ومنها قصر الجم الانيق وكذلك الحرفي المنهمك في خزفياته وشغلته الفنية مع الطين والطبيعة الميتة والتراث والمراة و غيرها من الابداعات وما تحيل اليه من بهجة الفنانة لبنى وهي تنقل جمال الأشياء في صمتها وسكونها... و غير ذلك من مواضيع وثيمات اللوحات التي تنجزها.شاركت في معارض متعددة منها معرض "الفن والألفة " بسيدي بوسعيد وبمارينا المنستير سنة 2023 وفي معرض " استلهام ثلاثي " مع الفنانة نعيمة القيزاني والجامعي والفنان غازي حسني وذلك برواق فني بسوسة الى جانب أنشطتها المختلفة في الفنون بمدينة ليون الفرنسية.

لبنى بوقلة فنانة تشكيلية تكونت ضمن ورشات " الفنانون المبتدئون " بليون حيث دراسة التصوير والرسم والفن عموما وبالمعهد الفرنسي" في حصص الرسم والفن التشكيلي والابتكارات اليدوية فضلا عن تدريب مع الفنان التشكيلي سمير بن علية.Dagneux "

هذا الى جانب الحصول على البطاقة في الاحتراف من الديوان الوطني للصناعات التقليدية كما أنها كانت صاحبة العديد من المشاركات في المعارض والأنشطة الفنية التشكيلية. وعن جانب من علاقتها بالفن التشكيلي والرسم تقول الفنانة لبنى بوقلة "... أنا أعتبر الفن تعبيرًا عن الذات أولاً وقبل كل شيء. حيث المشاعر من صميم الحياة وجوهر تفاصيلها وكل ما يحيط بي ... رسمت عوالم متعددة منها مشاهد الحياة والطبيعة والحيوانات التي أحبها قبل كل شيء، وبالتالي تعبر لوحاتي عن جانب مهم من مزاجي وخيالي لأحكي قصة يمكن للجميع معرفة صميمها وهوامشها وذلك من خلال تجربة المعيش.قد يرى البعض اللوحة بالطريقة التي تتناسب مع متطلبات رؤيتها من خلال الألوان أو الموضوع. وما يهمني هو أنني أطلق العنان لخيالي تجاه تقبل الجميع.بالنسبة لي، فأنا في بحث دائم عن نفسي في الرسم والفن بشكل عام، ولا أتوقف أبدًا عن الحلم بالإبداع والابتكار. أنا أبحث دائمًا عن مجالات جديدة للإبداع. لا أعرف ما إذا كنت قد انتهيت حقًا من العثور على أسلوبي، ولكن على أية حال، فأنا أعمل باستمرار على ذلك.بي طفلة في دواخلي هي لبنى بوقلة الفنانة الحالمة والرسامة المجتهدة المغرمة بالفن منذ الصغر، انضممت إلى نادي الرسم في اختصاص الرسم الزيتي، حيث تمكنت من تقنية الرسم الزيتي وكان ذلك لمدة عام تقريبًا...".

هكذا هي المساحة الفنية للرسامة لبنى بوقلى حيث ترى في الرسم والتلوين مجالات للحلم والقول بجمال الأشياء وبهاء العناصر ضمن تخير أسلوبي ولوني تعمل عليه في سياق تعاطيها الجمالي أملا في عالم أجمل بالفن حيث الانسان ينشد جمال العناصر والتفاصيل في كون من الصراعات والتداعيات المربكة.

هذا ومن خلال تنوع لوحاتها وما تحمله من عناوين ومواضيع فنية تشكيلية تسعى الفنانة لبنى بوقلة لابراز خصوصيات تجربتها التي تشتغل عليها في عوالم التلوين وذلك بالاعداد لمعرضها الشخصي في احدى الأروقة المعدة للفنون بالعاصمة فالرسم لديها حاة وعي وحب وجمال ورسالة الى الانسسان.

***

شمس الدين العوني

رواية مرافئ الحب السبعة نموذجا

هل لم تعد الحاجة تدعو الى مترجمين ادبيين؟

في زمن الانتشار المكثف للمعالجة المعلوماتية وذيوع البرمجيات الآلية، وآخرها انجازات برمجية "بين قوسين" الذكاء الاصطناعي "تشات جي بي" وقدرته على محاكاة الانتاجات الآلية البشرية الى درجة أن وضع المترجمون ايديهم على قلوبهم خوفا من ضياع مناصب شغلهم.. لكن بإيجاز شديد، ما يسمى بالذكاء الاصطناعي ليس له من الذكاء الا الاسم، فما هو سوى نهب واستغلال للجهود البشرية ومحاولة انتاج مماثل بفعل سرعة المقارنات.. فالمنتوج آلي محاكي صرف، وسرعان ما يسقط هذا الروبوت في الاختبار إذا طلب منه صناعة نص مليء بالمشاعر والجماليات اللغوية والعناصر الثقافية.. فلا تنتج هذه الآلة غير كلمات جوفاء باردة، لا روح فيها ولا زخم، ولا نبض بشري صادق..

ولا عجب، فالمترجمون الادبيون بكل خلفياتهم العلمية والثقافية يعترفون بخيانتهم بدرجة ما لنص أدبي ما، فكيف بهذا الروبوت اللعين، الوليد غير الشرعي لحسابات وجشع الشركات الكبرى؟

إذن اين تتمثل صعوبات الترجمة الأدبية؟

يعترف الاختصاصيون اننا عندما نترجم نصا ادبيا فإننا نترجم كل مكونات هذا النص من محتوى وجمالية وايقاعات وايحاءات وتلميحات وخصوصيات ثقافية وما وراء الكلمات والاشياء الضمنية وما يريد المؤلف ايصاله الى قارئ اللغة الأصل.. لذلك يرى منظرو المجال انّ شروط الإبداع يجب ان يتضمن فضلا عن اجادة اللغتين، امتلاك ذائقة فنية وثقافة عميقة في كلي اللغتين.، ويتعين على المترجم ان يبدع عملا يضاهي او يقترب من العمل الاصلي، والامثل ان يبدو كانه مكتوب باللغة الهدف.

اعتبارا ان لا تكافؤ بين اللغتين في البنية والتراكيب والاستعارات وغيرها، كما ان القارئ الجديد قد يجهل كل شيء عن الثقافة المترجمة.

وفي مثالنا هذا الترجمة الفرنسية لرواية العلامة الدكتور علي القاسمي "مرافئ الحب السبعة" الصادرة في عدة طبعات منذ العام 2012 والتي حظيت باهتمام النقاد وكتب عنها عشرات الرسائل الجامعية..

في هذا العمل، كل عناصر الصعوبات والتحديات موجودة في هذا المؤلف الرائع،

ولنبدأ من البداية:

بعد مغادرة قسرية للوطن، واسفار وتنقلات عديدة، وشعور بثقل نفسي هائل، يستعد الكاتب لمعالجة تغريبته عبر الكتابة. فيستمر في مكتبه طوال اليوم والليل، يشرع في خط رواية متفجرة ذات ايقاع شعري خالص؛ لكنه كان يتوقف في كل مرة، يبلل الأوراق بالدموع ويقطّع ما كتب. ثم يعاود الكرّة من جديد.. ولو أنّ أصدقائه نصحوه بالتوقف قائلين له تصريحا أنه لن يستطيع الكتابة في هذه الظروف عن الوطن السليب والحرية المكبوتة والحب الخائب وذكريات الطفولة والأم والنخلة والقرية وحيواناته الأليفة ..

الا انه نجح في النهاية بعد مدة طويلة جدا-عشر سنوات-العقد الاول من القرن الواحد والعشرين..

إذن نحن امام ابداع ادبي عميق جياش، يفيض الما وشوقا وحنينا.. بوح انساني سام.. الرواية سيرة ذاتية شعرية درامية ملحمية معرفية، نبضت بمكنونات العراقي المهجّر ونثرت على الأوراق آمال الاحلام الكامنة في اللاوعي العربي.. فنجد التاريخ العربي والتغريبة الفلسطينية والاندلسية ومآسي الشعوب العربية وخصوصيات ثقافية فنية (من موشحات وتهاليل واشعار صوفية) وبطولات شعبية واعتزاز بالحضارة العربية وقصص حب عذري حزينة سعيدة..

كل هذا، الظروف التي كتبت فيها الرواية وروحها الفياضة،

علينا ابداعه بصدق واصالة؛

ويا لها من مهمة !

ولا بأس أن أحكي عن تجربة من سبقني في إعادة كتابة هذه الوراية، وهي محاولة فريدة قبلي انا من طرف المستشرق الروماني نيقولا دوبريشان، مترجم معاني القرآن الكريم وادباء عرب الى لغته.. هذا الرجل، أمام رواية مليئة بالإشارات الثقافية المحلية، اختار اسلوب الشرح والهوامش من اجل وضع القارئ في عالم القصة، وهكذا حفلت الرواية بهوامش كثيرة يحال المتلقي الروماني اليها.

اما من جهتي، فقد اردت انتاج رواية من دون مقدمات او هوامش، اردت ان يندمج القراء في عمل فني رائع دون توقف او شروحات..

لا ادري ان كنت مصيبا او مخطئا؟

للحقيقة، الرواية فضلا عن الزخم العاطفي والايقاع الشعري، عامرة بالنبرات الثقافية في كل ما كتب. فالقارئ الاجنبي اكيد انه لن يتلقى كما يتلقى القارئ العربي وقع كلمات بغداد، المستنصرية، ابو نواس، الحلاج، فاس، القرويين، محمد الصغير وخطاب امه اليه "نعم، ابكِ كالنساءِ ملكاً لم تدافع عنه كالرجال"، بل حتى اسماء شخصيات الابطال ووقعها، "أثيرة" المفضلة"، سليم (المفروض انه معافى لكنه دائما عليل بعشق الوطن والمراة.. )، اسم البطة "وفاء" رمز الاخلاص..

ولكي نرى بعضا من ذلك، لنقرا فقرات مختارة ومقابلها بالفرنسية:

عندما أوت حميدة إلى سريرها تلك الليلة، كانت تشعر بانقباضٍ لا تعرف له سبباً. لم تتمكَّن من النوم. تناولتْ كتاباً وراحت تقرأ في الفراش فلم تستطِع أن تفهم شيئاً مما قرأتْ. ألقتْ بالكتاب جانباً، وغطَّت رأسها في دعوةٍ منهكة للنوم. في منامها المنغَّص، رأت بغداد تحترق في الليل. كانت ألسنةُ اللهب تتصاعد إلى عنان السماء، وتغطّي المدينة الغافية على ضفتَي دجلة، بدثارٍ من دخان. في كابوسها المُريع، أطلّتْ من شرفة شقّتها على شارع أبي نواس، فتراءت لها كراسي المقاهي الممتدَّة على النهر تلتهمها النيران، وهي تلقي بنفسها في ماء النهر، للنجاة من ألسنة اللهب. وراح تمثال الشاعر أبي نواس يتلوّى وسط النيران وكأنَّ يوم القيامة قد حلَّ، وأُلقي بالشاعر السكّير في جهنم، دون أن تشفع له زُهديّاته وابتهالاته الشعريّة التي نظمها في أواخر حياته.

ومن بعيد، تراءت لها السواري الرخاميَّة لجامعة المُستنصِريَّة تتهاوى الواحدة تلو الأخرى تحت النيران، وتتداعى جدرانها المزخرفة، وتذوب ألواح شبابيكها الزجاجيَّة الملوَّنة، فتجري ذائبةً في سواقٍ من لهبٍ، تجتاح الأزقَّة القريبة المؤدِّية إلى شارع المتنبي، فتحرق في طريقها الكُتُب والمخطوطات المكدَّسة في دكاكين الورّاقين، وفي المعاهد العلميَّة، وفي المكتبات، وفي بيوت الخواصّ، وفي صدور الرجال. تحترق أوراق الكتب ولا يتناثر منها في الفضاء إلا التكبيرات: " الله أكبر"، " الله أكبر"، " الله أكبر"، لتملأ الجوَّ مثل طائراتٍ ورقيَّةٍ لا تشدّها خيوط ولا يسوسها أطفال. وأمام أنقاض جامعة المستنصريَّة، وقف شبحُ الخليفة المستنصر بالله، حاسر الرأس، مُعفَّر الجبين، حافي القدمَين، وقد أذهلته الكارثة التي حلَّت بالجامعة التي شيَّدها.

كانت النيران تسري في كلِّ دربٍ من دروب المدينة العريقة، وتجتاح كلَّ مَعلمة من معالمها: المكتبات، المدارس، المصانع، المنازل، المعاهد، وأطلال الأَحبَّة. حتّى الحدائق العامَّة لم تسلم منها، فقد كانت النار تلفُّ جذوع الأشجار وتمحق أغصانها، فتتكسَّر باعثةً أزيزاً وأنيناً وأصواتٍ متنافرةً تختلط في ضجّةٍ رهيبة. وكانت ألسنة اللهب تلاحق الفراشات المتطايرة فراشةً فراشةً، فتحيلها إلى رماد؛ وتمتدّ إلى الزهور المتمايلة زهرةً زهرةً فتذرو وريقاتها هباءً.

أفاقت حميدة مذعورة وهي تتساءل: أين أنتَ يا زكي الآن؟

ص4

Cette nuit-là, dans son lit, Hamida se sentit déprimée sans savoir pourquoi. Elle ne parvint pas à s´endormir. Elle prit un livre et commença à lire sans rien comprendre. Elle jeta alors le livre et, épuisée, couvrit sa tête dans une invitation au sommeil. Dans son sommeil troublé, elle vit Bagdad s’incendier. Les flammes s´élevèrent dans le ciel, et la fumée enveloppa la ville qui était plongée dans le sommeil, sur les bords du Tigre. Un affreux cauchemar ! Depuis le balcon de son appartement, qui donnait sur la rue d’Abu Nuwas, elle vit alors les chaises des cafés dévorées par les flammes, et des individus qui se jetaient désespérément dans l’eau du fleuve. La statue du poète Abu Nuwas se tordait au milieu des flammes comme si le jour du jugement était arrivé. Le poète ivre était jeté en enfer, sans que les poèmes ascétiques qu´il avait composés à la fin de sa vie puissent intercéder.

Hamida aperçut au loin les pylônes marbrés de l’Université Al-Mustansiriya qui s’effondraient les uns après les autres sous les flammes, et les murs peints qui s’écroulaient. Les baies vitrées colorées se fondaient dans un ruisseau de flammes, qui envahissaient les ruelles voisines menant à la rue Al-Mutanabi, et brûlaient sur leur passage les manuscrits, qui étaient amassés dans les papeteries, les institutions scientifiques, les bibliothèques, les maisons et le cœur de l´humanité. Les feuilles des livres se consumaient, et seules les louanges qui évoquaient la grandeur de Dieu s´envolaient dans l´espace : « Allah est grand, Allah est grand, Allah est grand », remplissant l’atmosphère, tels des cerfs-volants sans fils, ni guide. Devant les ruines de l’Université Al-Mustansiriyya surgit le fantôme du calife Al-Mustansir Billah. Immobile, la tête et les pieds nus, et le front couvert de poussière, il était abasourdi par le désastre que l´université qu’il avait bâtie subissait.

Les flammes se propageaient dans tous les recoins de la ville majestueuse, s´emparant des bibliothèques, des écoles, des usines, des institutions… et atteignaient des êtres chers. Même les parcs publics n’avaient pas été épargnés : le feu cernait les troncs des arbres et balayait leurs branches, qui se brisaient en émettant un grondement. Au même moment, dans un vacarme assourdissant, se mêlaient des sanglots et des bruits discordants. Les flammes poursuivaient les cerfs-volants, les réduisant en cendres, et attaquaient les fleurs vacillantes, les réduisant en poussière.

Hamida se réveilla terrifiée en se demandant où était Zaki.

P14

آه يا نخلةَ أُمّي. لقد طوّفتُ في مدن الأحزان، وتنقّلتُ بين البلدان، عبرت البحار والشُّطآن، فلم أرَ مثلك في شموخكِ، وتناسق شكلكِ، وروعة لونكِ، وطيب ثمركِ. كلُّ الأشجار قميئة القدر بعدَكِ. شاهدتُ أشجار الأَرز الضخمة في ذرى جبال لبنان، ورأيت شجرة الباوباب العملاقة في جزيرة مدغشقر، وفي جنوب أفريقيا شاهدت الأهالي يتجمّعون في الربيع حول شجرة الجَكَرَنْدَا الزاهية بأوراقها القرمزية وهم يتمتمون بأمانيهم كيما تُستجاب، وفي أقصى بلاد سوس تلمّستُ شجرة الأرگان الصلدة التي قاومت زلزال أغادير؛ ولكن لم تدخل قلبي شجرةٌ مثلكِ، يا نخلةَ أمي، ولم يلذّ لي ثمرٌ كما لذَّ لي رُطَبكِ عندما كنت أتناوله مع اللبن المخيض. كلُّ الثمار لا طعم لها في فمي بعد رُطَبك، يا نخلة أمي. وكلُّ الأشجار تتضاءل، تتقزم، تتلاشى، إذا ما قورِنت بقامتك الفارعة وأنت منتصبة بإباء في دارنا القديمة الفسيحة الأرجاء. كم تمنيتُ أن أكون طائراً يحلّق في الأعال، يخترق الحدود دون أن تلحظه العيون، لأحطَّ على سعفة من سعفاتك التي يهزّها النسيم، كما كانت أُمّي تهزّ مهدي تحت ظلالك، أو كما كنتُ وأخوتي نتأرجح في أرجوحة نربطها إلى جذعكِ وأحد شبابيك المنزل. آه، يا نخلةَ أُمّي، كم أتمنّى اليوم لو أنّني صنعتُ تمثالاً معبوداً من تمرك، على عادةِ بعض عرب الجاهلية الرُّحَّل، وحملته معي في حقيبتي كيما ألتهم شيئاً منه عندما يعضّني جوع الحنين إلى الوطن.

ص14

Oh ! Palmier de ma mère ! Je me suis promené dans les villes de la tristesse, j’ai voyagé de pays en pays, j’ai traversé les mers et les rivages, mais je n’ai jamais vu quelque chose de pareil. Je n´ai jamais rien vu de pareil que toi, de pareil que ta grandeur, que ta forme harmonieuse, que l´enchantement de ta couleur, et que tes délicieux fruits. Aucun arbre n´est égal à toi. J’ai vu les énormes cèdres qui parsèment les sommets du Mont Liban ; l´arbre géant de l’île de Madagascar ; les familles en Afrique du Sud qui se regroupent autour du Jacaranda (arbre subtropical orné de feuilles violettes) pour y murmurer leurs souhaits dans l’espoir qu’ils soient exaucés ; l´arganier (arbre coriace de la région du Souss au Maroc) qui a résisté au séisme d’Agadir… Cependant, aucun arbre n’a pu conquérir mon cœur comme tu l´as fait, palmier de ma mère, et aucun fruit n´a été aussi délicieux que les tiens… tes fruits que je mangeais avec du babeurre. Aucun fruit n´a le même goût que tes dattes dans ma bouche. Oh ! Palmier de ma mère. Tous les arbres s’affaiblissent, s´éteignent, s’effacent, en comparaison avec ta grandeur, toi qui est érigé avec fierté dans notre ancienne maison spacieuse. J’ai tant souhaité être un oiseau planant dans les hauts cieux qui dépasse les frontières en passant inaperçu, afin de me poser sur une de tes palmes que la brise secoue. Ainsi le faisait ma mère lorsqu´elle me berçait sous ton ombre fraîche, ou comme nous le faisions mes sœurs et moi-même lorsque nous nous balancions sur la balançoire que nous attachions à ton tronc et à l´une des fenêtres de la maison. Oh ! Palmier de ma mère. J´aimerais tant dresser une statue à ta mémoire, à la mémoire de tes dattes, qu´elles soient vénérées, comme avaient l´habitude de le faire certains nomades de l´Arabie préislamique… les emporter avec moi, dans mon sac, afin d’en manger un peu lorsque la nostalgie pour la patrie me dévorerait.

P23

إنَّك لا تدري، يا أبي، أنَّني منذ ذلك الفجر الذي احترفتُ فيه الرحيل، والشمس تشرق كلَّ صباح في عيني من العراق، وتغيب كلَّ أصيل في العراق، وأنَّ ساعتي أدمنت توقيت بغداد، أينما ذهبتُ، لأنَّ هذه الساعة التي أهديتَها إليّ ذات يوم، تعمل بالنبض، نبض قلبي الذي تجسّه في معصمي. وقلبي ينبض بحبِّ العراق.

تقول، يا أبي، إنَّني قد أنسى وطني حينما أعبر إلى الضفة الأُخرى، وأنتَ على يقينٍ، يا أبي، أنَّني في أيِّ المحيطات أبحرتُ، وفي أيِّ البحار نشرتُ أشرعتي، فإنَّ بوصلة القلب ستبقى متجهةً دائماً نحو منائر وطني، وأنَّ ساريتي ستظلُّ أبداً ملفّعة بشال أُمّي وضفائر أُختي. وسأستنشق عبير بستاننا في نسيم البحر. وسيغتسل طيف بلادي في مجرى مركبي، وأرى خيال أعناق نخلاتنا في الغمائم فوق السفن، وسيجري ماء الفرات على الدوام في عروقي وأوردتي وشراييني ودمعي. وسأظلّ صادياً ظمآنَ لن أرتوي إلا ببضع قطرات من ماء الفرات الفرات.

وطني هو ذلك النهر المنساب برقّة في أحضان قريتنا الوديعة. وطني هو النخلات التي تحنو على النهر ويتدلّى سعفها الطويل في مجراه، فتمتزج خضرتها بزرقة السماء على صفحة مائه. وطني هو البجع البري الذي كان يسبح مع مجرى التيار قادماً من أعالي النهر، فكنتُ أسبح نحوه جذلاً، أطلق صرخات الفرح، أطارده بمرح، ترفرف أجنحته، يرتفع طائراً على سطح الماء، فانبهر به.

وطني هو قبلة أمّي على جبيني، وضمّة أمّي إلى صدرها، وحكايات أمّي والنعاس يداعب أجفاني في دفء فراشي، وخلطة الحليب والزبدة والعسل التي كنتَ تسقيني في فطور الصباح، وجدائل أُختي الكبرى وهي تقودني إلى المدرسة.

وطني هو الراعية الصبيَّة، عيدة، ذات الوجه الأسمر المليح المتناسق التقاطيع، والجسم الناحل الصغير، والذؤابتين المنفلتتَين من عصابة رأسها السوداء. عيدة التي كنتُ أجري خلفها وهي مسرعة إلى عملها في المروج، وأنا أنادي: " عيدة، عيدة" فتلتفت نحوي ملوِّحةً بعصاها مهدّدة وهي تقول: " وجعة شديدة، وأيش تريد من عيدة؟" فكنتُ أضحك للهجتها البدويّة، والحزم البادي على وجهها الأسمر الصغير.

هل كنتُ أعبث، يا عيدة، حين كنتِ تعملين بجدّ، فاستحققتُ لعنتكِ؟ إذن الآن وقد أدركتُ معنى العمل بعد هذا العمر، أعذركِ واطلب منك العفو. أتدرين، يا عيدة، أنَّ ذاكرتي ظلّت موشومةً بملامحكِ التي لوَّحتها شمس بابل بسحرها، موشومةً بعينيكِ اللامعتَين، بشفتيكِ المكتنزتَين. ما تذكَّرتُ طفولتي، يا عيدة، إلا وكنتِ أنتِ تركضين في مروجها الخضراء بهمَّةِ وحزم، تردّين نعجةَ شاردةً إلى القطيع، أو تنحنين لتحتضني حَملاً لم يستطع مجاراة القطيع، أو تعدّين غنمك بالعصا قبل العودة إلى المراح، وتركضين وتركضين وكلبك يجري خلفكِ دوماً، كما لو كان مشدوداً بخيطٍ إلى أذيال ردائكِ ذي القبّ والسلهام الطويل.

ولكنْ، قولي لي، يا عيدة، أين أمسيتِ اليوم؟ هل عدا عليك الزمن الذي لا يرحم كما عدا عليّ؟ هل غزا الشيب مَفْرِقكِ؟ هل أقعدتك الشيخوخة فلا تستطيعين المشي، بله الركض؟ أم أنَّ يد الموت قطفتكِ قبل الأوان كما كنا نقطف التفاح في بستاننا؟ وكيف مرّت حياتكِ؟ هل كنتِ سعيدة؟ أم أنَّ الناس في الأرياف لا يعرفون معنى السعادة؟ حسناً، هل تزوجتِ؟ وهل كان زوجكِ رجلاً طيّباً؟ هل عاملكِ برفق؟ هل أنجبتِ أطفالاً بمثل ملاحتكِ، وسمرتكِ، وحدَّة لسانكِ؟ وأين هم الآن؟ هل أُتيحت لهم فرصة التعلُّم في المدرسة؟ هل مارسوا أعمالاً أقلَّ عنتاً من الفلاحة والرعي؟ أم التهمتهم نيران الحروب الهوجاء التي دمَّرت وطني؟

أتذكَّرك، يا عيدة، فأضحك من أعماقي. أنا الذي نسيت طعم الضحك في فمي منذ سنوات. أضحك من كلماتكِ التي كنت تنطقينها بنبرة حادّة: " وجعة شديدة، وأيش تريد من عيدة؟" هل كنتِ تعدّينني طفلاً شقياً يبتغي إضاعة وقتكِ فتردعيني بأقسى الكلام، وبتلويحٍ من عصاك الطويلة؟ ص80

Vous ne savez pas, père, que depuis cette aube où je suis parti, chaque matin le soleil se lève dans mes yeux en Irak et le crépuscule s´y couche aussi… ma montre est réglée sur l’heure de Bagdad, peu importe où je vais, parce que cette montre que vous m’avez offerte un jour, fonctionne par impulsion, l’impulsion du cœur palpable sur mon poignet. Or mon cœur bat pour l’amour de l’Irak. Vous dites, père, que je parviendrai à oublier ma patrie quand je passerai sur l’autre rive. Pourtant, vous savez bien que la boussole de mon cœur sera toujours orientée vers les phares de ma patrie, et que ma grande voile sera à tout jamais enveloppée du châle de ma mère et des tresses de ma sœur. Le parfum de notre verger, je l’inhalerai dans la brise de la mer. Le spectre de mon pays se lavera dans le courant de ma navigation, l’ombre de nos palmiers planera dans les nuages et dominera les bateaux, et l’eau de l’Euphrate coulera en permanence dans mes veines, mes artères, mes vaisseaux et mes larmes. Assoiffé, seule l´eau de l´Euphrate apaisera ma soif.

Car ma patrie, c’est cette rivière qui coule tendrement dans notre paisible village. Ma patrie, ce sont les palmiers qui se penchent sur la mer, les longues palmes tombantes, dont la couleur verte se mélange au bleu du ciel, irradiant ainsi la surface de l´eau. Ma patrie, c’est le cygne qui nage le long du cours d’eau en amont de la rivière, vers lequel je nage, exalté, lançant des cris de joie et le poursuivant pour m´amuser. À l´envol, il ne court pas à la surface de l´eau, mais décolle directement d´un seul élan, et cela m´impressionne !

Ma patrie, c’est ma mère qui baise mon front, me serre contre sa poitrine, me raconte des contes, tandis que bien au chaud dans mon lit, la somnolence caresse mes paupières. Ma patrie, c´est ma mère qui me sert au petit déjeuner ce délicieux mélange de lait, de beurre et de miel. Ma patrie, ce sont aussi les tresses de ma grande sœur qui me conduit à l’école. Ma patrie, c’est la petite bergère Aida au charmant visage brun et harmonieux, au petit corps maigrelet… Aida, derrière laquelle je courais alors qu’elle allait aux pâturages, tout en l’appelant « Aida, Aida ». Elle se tournait alors vers moi et brandissait son bâton menaçant en disant (d’un accent bédouin) :

Qu’une douleur aiguë te touche, que veux-tu d’Aida ?

Je riais de son accent, et de la fermeté apparente sur son petit visage foncé. Oh ! Aida. Je ne faisais que rigoler tandis que tu allais à la besogne. Est-ce que je méritais une telle malédiction ? Avec l´âge, j´ai enfin compris ce qu´est le travail… je te comprends et te demande pardon. Tu sais, Aida, ma mémoire est restée tatouée par tes traits que le soleil de Babel avait dessinés avec sa magie, marquée à tout jamais par tes yeux brillants, par tes lèvres pulpeuses. Chaque fois que je me souviens de mon enfance, Aida, je te vois courir dans les pâturages verts avec détermination et fermeté, ramenant une brebis errante au troupeau, te penchant sur un agneau n´ayant pu suivre le rythme du troupeau, ou encore comptant tes moutons avec le bâton. La joie de vivre ! Tu courais sans cesse, ton chien toujours derrière toi comme s´il était pendu à ta robe longue à capuche.

Mais, dis-moi, Aida, où étais-tu ce soir-là ? Le temps, impitoyable, t’a-t-il transgressée comme il m’a transgressé ? Le grisonnement a-t-il envahi tes cheveux ? La vieillesse t’a-t-elle estropiée ? Peux-tu encore marcher, sans parler de courir ? La main de la mort t’a-t-elle prématurément cueillie comme on cueillait les pommes dans notre verger ? Et comment as-tu vécu ? As-tu été heureuse ? (si les gens de la campagne ont le sens du bonheur). T´es-tu mariée ? Ton mari a-t-il été un homme bienveillant ? T’a-t-il traitée tendrement ? As-tu eu des enfants ayant ton charme, ton teint hâlé, et ton insolence ? Où sont-ils maintenant ? Ont-ils été à l´école ? Ont-ils exercé des professions moins pénibles que la besogne agricole, l’agriculture et le pâturage ? Les feux des guerres dévastatrices ont-ils ravagé ma patrie ?

Je me souviens de toi, Aida, et je ris au fond de moi. Moi, qui depuis des années a oublié le goût du rire dans ma bouche. Je ris des mots que tu prononçais sur un ton aigu « Qu’une douleur aiguë te touche, que veux-tu d’Aida ? ». Est-ce que tu me considérais comme un vilain garçon qui désirait abuser de ton temps ? Tu me dissuadais alors avec des mots durs en brandissant ton long bâton.

p.88

***

مصطفى شقيب - مترجم أدبي

يونيو 2023

يشهد المركز الثقافي الفاضل بن عاشور بالمرسى في الفترة من يوم السبت 10جوان الجاري الى غاية يوم 01 من شهر جويلية المقبل نشاط المعرض الثنائي بعنوان "حنين تونسي" حيث تتعدد الاعمال الفنية بقاعة العرض لتبرز حيزا من تجربتي الفنانة التشكيلية حذامي سلطان والفنان التشكيلي محمد علي خواجة .

هذا المعرض الثنائي مناسسبة لاطلاع جمهور الفن واحباء الابداع التشكيلي لفنانين مختلفين في الأسلوب والتجربة ليكون الجامع بالمناسبة هو ابراز الجمال، من خلال رموز ومعمار الموروث الثقافي بصفة عامة ... وتراوح الأعمال المبرمجة للعرض المشترك بفضاء المركز الثقافي الفاضل بن عاشور بضاحية المرسى بين الرموز البربرية والاشكال الهندسية التى اختص بها المعمار التونسي وفق سياق مخصوص لإضفاء جمالية على المجال الحاضن لمجمل اللوحات. كل ذلك وحسب العارضين "... لذالك اخترنا ان يكون اسم المعرض "حنين تونسي".

الفنانة التشكيلية حذامى سلطان لها عديد المشاركات والحضور المميز في الفعاليات الثقافية النشكيلية فضلا عن معارضها الجماعية والخاصة م منها معرضها المميز بدار الثقافة ابن رشيق منذ فترة وهي ذات تجربة في تنشيط نوادي الفنون ومع الأطفال وكما تقول عن نفسها "فنانة تلقائيةـ ترسم بشغف الأطفال لا تمثل مرجعا تشكيليا فحسب بل يقودها حبها للفن لتنطلق ريشتها الى الالوان بمزيج من مخيلتها المشبعة بمختلف حضارات بلادها لتبدع بأعمال فنية في الاغلب تشبه روحها الطفولية، تحاول الرسامة اختزال حضارات نشأت عليها وتركت اثرا في حياتها...". وبالنسبة للفنان التشكيلي محمد على خواجة فهو يشتغل من سنوات ومن خلال تنوع مشاركاته في المعارض والفعاليات الثقافية التشكيلية بالمهدية مسقط رأسه وبعدد من مدن البلاد التونسية و يسعى لابراز جانب من شغله الفني الجمالي حيث أنه تشبع بموروث ثقافي وشهدت لوحاته الفنية ابراز اشخاص رسخوا في ذاكرته الى جانب المعمار الذي احاط به في نشأته.

"حنين تونسي" مجال للفنون التشكيلية وفق نظرة شخصين هاما بالرسم والتلوين في دروب الفن الطويلة حيث اللعبة الشاقة والمضنية واللذيذة في تعاط متخير تجاه العناصر والاشياء والعالم انطلاقا من الذات...تلك الذات العالمة مثل أطفال في نشيد باذخ.

كل من الفانين اجتمعوا في معرض واحد رغم ان اختلافهما في مسار التجسيد والفن في الواحهم، فحذامي تبرز الجمال عبر الفن التجريديL’ART ABSTRAIT

إلا ان محمد على اختص في الفن التصويري L’ART FIGURATIF

تنطوي السياحة على كثير من الاهميات، منها اقتصادية وتنموية، ومنها اجتماعية وثقافية وتراثية، بالإضافة إلى الأهمية البيئية. ناهيك عن أهميتها السياسية المتمثلة في دورها الفعال في مد جسور العلاقات الطيبة بين الشعوب المختلفة وتوطيدها لأواصر الصداقة والاخاء فيما بينها، وإزالة أو الحد من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والحضارية القائمة، وتمتين العلاقات السياسية والدبلوماسية بين حكوماتها.

بالإضافة إلى تعزيزها للسلم العالمي من خلال ايجادها لقنوات مباشرة وغير مباشرة وفعالة للتفاهم والتعامل الصادق والتفاعل العفوي بين أفراد هذه الشعوب التي هي في أمس الحاجة إلى مثل هذه التفاعلات والتعاملات في ظل الازمات والصراعات السياسية والاقتصادية والكوارث الطبيعية التي تعيشها الكثير من المناطق في العالم في الوقت الراهن. واتاحتها مختلف أنواع الفرص لكسب الثقة وإظهار الاحترام المتبادل وخلق الصداقات ومختلف أنواع العلاقات النبيلة بين السياح من مختلف الجنسيات والافراد من الشعوب المضيفة لهم، وخلقها السبل والوسائل المهمة للتعرف على العادات والتقاليد والقيم السائدة فيها، والاطلاع على الجوانب الحضارية والثقافية والاقتصادية البارزة من أجل تكوين فكرة كاملة ومشرفة عنها، ونقلها إلى الشعوب التي تنتمي اليها حين عودتهم لبلادهم الاصلية.

و يتعزز هذا الجانب بالتصرفات والسلوكيات الجيدة والمسؤولة التي تبديها الأجهزة الإدارية والخدمية التي تتولى إدارة وتقديم الخدمات السياحية في الشركات والمنشآت السياحية والفندقية المختلفة، مثل الفنادق والمطاعم ومحال بيع العاديات والتحف ووكالات السفر ومكاتب تأجير السيارات. بالاضافة إلى تلك التي تقدم في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تقدم الخدمات التكميلية في مجالات الصيرفة والتحويلات والاتصالات والامن والصحة وغيرها. مثل البنوك وأكشاك تبديل العملات ومكاتب تأشير جوازات السفر والمراكز الصحية والمطارات والنقاط البرية الحدودية والموانىء.. مع ضرورة تجنب كل أشكال الاستغلال المادي للسياح الضيوف، واعتماد الصدق والصراحة في التعامل معهم، وتقديم كل اشكال المساعدة والعون والارشاد لهم عند الحاجة، ودفعهم للشعور بالأمن والأمان، بعيدا عن كل أوجه التميز والتعصب.

كما تعني السياحة تسيير المزيد من الرحلات الجوية بين الدول من مختلف القارات. بالإضافة لى المزيد من الرحلات البحرية القريبة والبعيدة مع تنشيط النقاط البرية الحدودية بين الدول المجاورة، خصوصا في الموسم السياحي وفترات العطل والأعياد الوطنية والدينية، وأثناء إقامة المهرجانات والفعاليات الثقافية والرياضية، خصوصا لو وجدت اتفاقيات تقضي بإعفاء السياح من بلدان معينة من تأشيرة الدخول (الفيزا)، أو منحها مجانا عند الدخول مباشرة، أو الاستغناء عن جواز السفر والاكتفاء بهوية التعريف الشخصية. كما فعلت حكومة جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية) بسماحها لمواطني (99) دولة من الدخول للبلاد بدون تأشيرة دخول وفقا لاتفاقية الاعفاء من التأشيرة (الفيزا) ومنها (السويد، النمسا، هولندا، ايرلندا، اليونان، ماليزيا، المملكة المتحدة، سويسرا، تركيا، وسنغافورة).

كذلك تونس التي أعفت المواطنين السعوديين من تأشيرة الدخول، وخاصة للأغراض السياحية. ودولة قطر التي أصدرت (الهيئة العامة للطيران المدني) فيها تعميمها (14) في 20 – 9 – 2011 الخاص بإعفاء المغاربة من شروط التأشيرة عند دخول البلاد والبقاء لمدة لا تتجاوز (3) يوما، وإمكانية مغادرتهم دون تصريح. وأيضا جمهورية مصر العربية التي أعفت السياح التوانسة من رسوم الفيزا للفترة من 1 – 6 – 2012 ولغاية 31 – 8 – 2012. وسمحت بمنح السياح من الجزائر والمغرب وتونس والصين تأشيرة الدخول من منافذ الوصول بشرط المغادرة عند انتهاء المدة وبضمان الوكيل السياحي المحلي. وامتد القرار ليشمل السياح من الهند وكازاخستان ولبنان والأردن واذربيجان، وبذات الشروط بالنسبة للمجاميع السياحية (الكروبات) أو الافراد. وايران التي أعفت رعايا سورية وتركيا وماليزيا ونيكاراغوا والاكوادور وفينزويلا واذربيجان وبوليفيا وجورجيا. وايرلندا بالنسبة لرعايا المملكة العربية السعودية فيما يخص تأشيرة قبل السفر ولمدة (3) أشهر أو لحين انتهاء نفاد تأشيرة المملكة المتحدة أيهما أقصر.

و كولومبيا التي أعفت رعايا الامارات العربية المتحدة من التأشيرة المسبقة لأغراض السياحة وحالات أخرى. والبانيا بالنسبة لرعايا دولة القطر جميعا. أما الولايات المتحدة الامريكية فلها برنامج الاعفاء من تأشيرة الدخول (في. دبليو. بي) الذي يشمل (36) دولة مثل (المانيا، اليابان، استراليا، بلجيكا، فنلندا، الدانمارك، وإيطاليا). وهي إجراءات وتسهيلات مهمة وحيوية لأنها تساهم في تنشيط العلاقات التجارية والاقتصادية والدبلوماسية من هذه الدول، وهي كفيلة بمنحها دفعات قوية نحو الامام خصوصا في الوقت الراهن.

***

بنيامين يوخنا دانيال

.......................

للمزيد من الاطلاع، ينظر (السياحة والازمات السياسية) للباحث، مطبعة بيشوا، أربيل – العراق 2011.

و أيضا (السياحة في زمن الازمات) للباحث، مطبعة بيشوا، أربيل – العراق 2011.

قد نضطر إلى الرحيل

وقد يُجبرنا أحدٌ ما على الرحيل

نغادر ولكن لا تغادرنا الأماكن

تحملها أرواحنا مخافة الفناء

نتجول في المدن، نسير بشوارعها، نحفظ الأسماء، نعرف مكان الأشجار، لا ننسى عطر الياسمين الذي يفوح من تلك الحديقة أو من ذلك المنزل، في أغلب أيام حياتنا نتجول في الشوارع والبيوت، في الأماكن وأيضاً في الأروح؛ فنحن نكتشف الآخرين كما نكتشف الأماكن، نشعر بأرواحهم كما نشعر بروح المكان، لذلك قد نحب من نقابل وقد لا نحبه، وقد نحب هذا المكان أو نكره مجرد الاقتراب منه.

ولكننا كما نتجول في المدن تتجول المدن بنا، حين نحب مدينة ما ونغادرها لا تفارقنا، يبقى ذلك الحنين الأبدي إليها، نريد أن نعود لزيارتها وربما للحياة بها، لا تفارقنا رائحة شوارعها ولا دفء بيوتها، ولا تفارقنا خضرة أشجارها أو ربما اتساع صحراءها، فالمدن تتجول بنا، لأننا لا ننساها ولا تنسانا؛ حتى حين تختفي تلك المدينة بسبب الحروب أو التطور العمراني أو لأي سبب، فهي لا تختفي من ذاكرتنا، نتأمل للحظات وربما لدقائق كل الأماكن التي أحببناها بها ويتملكنا حنين غريب لا يمكن شرحه ولا وصفه لأنه عميق بحجم عمق الروح، صامت ودفين، إنه حنين يجعل الروح ترحل بعيداً لأماكن غير مرئية وربما لم تعد موجودة ولكنها هناك في أعماقنا تقبع صامتة وراسخة ولا تغادر طوال حياتنا.

وهناك مدينة خاصة لدى كل منا حيث يجد نفسه، ويتآلف قلبه مع بيوتها وجدرانها ومع كل ما بها، مدينة في الروح يسكن إليها الجسد، وترتاح لها النفس، فلكل منا مدينة قابعة في الروح لا تغادر ولا تنهار ولا تعتريها عوامل التعرية لأنها محفوظة بعناية في الروح، وربما أكثر ما يحفظ التاريخ والأماكن والأحداث هي هذه الروح التي لا تنسى والتي تسجل الوجوه والأحداث والأسماء، هذا الأرشيف الأبدي والأزلي الذي لا ينسى ولا تتلاشي منه الذكريات هو المؤرخ الحقيقي لكل الأحداث، لذلك تحتفظ الروح بالمدن كأنها كنز دفين، لذلك وحين يجتاحنا الحنين أو الحزن تفتح خزانة الذكريات لتخفف من وطأة الشوق وتقول لنا لم أنسى واحتفظ بكل شيء، يكفي ان تُلقي نظرة سريعة لترى تلك المدينة التي تحب، لترى ذلك الوجه الذي أحبك، لترى الحياة التي كانت جميلة، لتعود لك الكلمات الدافئة، ربما احتضان أم قد ماتت، وربما ابتسامة حبيب قد غادر، وربما شوارع مدينة لم تنساها ولن تنساك.

إذا كان وجود الإنسان يقتصر على ما يرى فهو وجود ضيق ومحدود، فوجود الإنسان هو ما يرى وما لا يرى، هو ما يشعر به وما يتذكره، هو نداء الروح، وهمس النفس، هو حوار العقل وتأمل الروح، وهو أيضاً كل الذكريات التي مضت ولم يعد لها وجود، ولكن لا يزال لها وجود في النفس والعقل والقلب، وإلا فلماذا لا نفقد ذاكرة تلك الأشياء والأشخاص بمجرد أن نغادرهم أو يغادروننا؟ هذا لأن وجودنا فعلاً ليس ما نرى بل ما نشعر ونتذكر، كل ما مضى وكل ما نرغب به أن يحصل، كل الأيام الحزينة وكل اللحظات السعيدة. حين ندرك كم أن وجودنا شديد الثراء، عميق المعني، واسع الأفق سوف نشعر بمعنى آخر لوجودنا، وسوف ندرك عظمة الخالق التي أودعها بصدورنا وعقولنا، ومن أروع تلك الصور هو هذه المدينة التي تحيا في الروح، حيث لا يُجبرنا أحد على الرحيل وحيث نبقى دائماً وحيث نجد الدفء حين تغرق الحياة بالبرودة.

***

د.سناء أبو شرار

كثيرا ما نهرب من واقعنا المر المليء بالفوضى والأزمات إلى عوالم الخيال فنعوض فشلنا بالنجاح وإفلاسنا بالغنى وغرفتنا الضيقة بفيلا واسعة محاطة بحديقة جميلة تزينها أشجار التوت والبرتقال ياله من عالم خيالي جميل، ولكن للأسف هناك من يهرب إلى الخيالات السلبية وتوهم الأمراض والانتكاسات فيزيد واقعه مرارة وخيبة فاللجوء إلى الخيال الإيجابي وتصور عالم مثالي هو علاج لبعض أمراضنا هذا ما أكدته بعض الأبحاث العلمية..

ما هو تعريف التخيل؟

حسب الكاتب شين بي لياو هو: "تمثل الأشياء دون أن تكون ماثلة أمامك كما هي في الواقع، في التو، وبذاتها. يمكن للمرء استخدام التخيل لتمثل الإمكانات المحتملة لا الواقعية، ولتمثل الأزمان الأخرى لا الحاضر، ولتمثل وجهات النظر غير الخاصة به. وبخلاف الإدراك والاعتقاد، فإن تخيل شيء ما لا يتطلب أن يكون ذلك الشيء حقيقيا"(1).

يبين لنا الكاتب "رضا إبراهيم" أهمية التخيل وفوائده فيقول: "والتخيل يقدم للشخص أموراً هادفة، عند وقوعه تحت ضغط كبير أو ألم شديد، والتخيل يحفظ الصحة النفسية لدى صاحبه، ويبعدها عن المرض والاعتلال، وهناك حالات كثيرة أقر بها أسرى الحرب كمثال أثناء احتجازهم في معسكرات الاعتقال، بأنهم تمكنوا من إنقاذ أنفسهم من الانهيار النفسي، عبر صنع تخيُلات عاشوها أثناء فترة الأسر، ومن ثم بددت كربهم وأزالت آلامهم وقوت عزائمهم، بتحويلهم إلى عالم متخيل صنعوه بأنفسهم، وذلك كان فراراً صحياً وقائيًا ومنقذًا لهم. والملاحظ وجود كثير من البشر يشعرون باحتياجهم الشديد إلى القدرة على التخيل وافتقارهم له، إلا أن التطبيق المنهجي لتمارين التخيل، دوماً تخلق حساً قوياً بالقوة الذاتية الشخصية وبالسيطرة

فلن تكون في شكل محادثة بل مجرد صور تخيلية.. فنحن على الأرجح نتذكر صورا وليس كلمات”(2).

وإذا أراد الإنسان علاج امراضه ومخاوفه واوهامه عليه أن يستبدل التصورات السلبية بتصورات إيجابية فيتخيل نفسه في اماكن جميلة هادئة،تقول الدكتورة باربارا روزي مديرة مركز استشارات الطب البديل بسانتافي-نيومكسيكو ومؤلفة كتاب “استخدام التصور للصحة واللياقة”: “إذا أمكن للشخص أن يستبدل بالصور السلبية التي تضعه في حالة تأهب غير ضروري وغير مفيد صورة أخرى إيجابية كما في لحظة استرخاء على شاطئ البحر أو صورة له وهو يلعب مع أطفاله فإن هذه الصورة الإيجابية بدلا من أن تطلق الأدرينالين في الجسم تطلق المهدئات الطبيعية التي تجعل التنفس يهدأ والقلب يتمهل والتوتر ينخفض والجهاز المناعي يقوى وينشط”(3).

فيا صديقي لا تحرم نفسك من التخيلات الإيجابية، وأنت تقرأ القرآن تخيل وصف الجنة، تخيل نفسك بين بساتينها وانهارها من اللبن والعسل والخمر، أطلق العنان لخيالك فيوما ما يكون حقيقة تعيشها.

***

الكاتب والباحث في التنمية البشرية

شدري معمر علي

..........................

المراجع:

1- شين بي لياو، فلسفة التخيل ترجمة ناصر الحلواني، موقع حكمة.

2- رضا إبراهيم، العلاج التخيلي وتحسين الصورة المثالية للذات، جريدة الجزيرة.

3- د. صهباء بندق، الجسم السليم في التخيل السليم، موقع إسلام أونلاين.

بقلم: جوزيفينا استرادا

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

المرأة التي تمشي عارية في شوارع سانتا ماريا تثير الدهشة لدى الأطفال، والفرح عند الرجال، وعدم التصديق وغضب النساء. تجلس على زاوية سور خوانا إينيس دي لا كروز وسابينو، بجوار ورشة إصلاح الدراجات. يخرج الأطفال من منطقتين فقيرتين متجاورتين ويعبرون الشارع لمشاهدتها وهي تشم الغراء من الحقيبة التي كانت تملكها فقط. لا يبدو أنها تهتم بأنها عارية، لكن لا يمكن أيضًا أن يقال إنها اتخذت قرارًا واعيًا لإظهار لحمها الداكن السخى .

حتى عندما تجلس، يمكنك أن تدرك أنها امرأة طويلة. على مستوى الكتف، يبدو شعرها كتلة متشابكة تحتوي على كرات العلكة وقطع من الأوساخ والغبار والوبر. يرتفع صوت تصفيق واستهجان المارة عندما تفتح ساقيها وتبدأ في الخدش بقوة فى الجزء الأكثر حساسية من جسدها. في هذه المرحلة، لا يمكن للشباب، الذين يتسكعون دائمًا، أن يكتموا ضحكاتهم، غريزيًا، كما لو كانوا يخشون أن يكشفوا هم أيضًا عن أسرارهم في أية لحظة، فإنهم يلمسون أعلى فتحة سراويلهم .

وعندما تستلقي المرأة وتدير ظهرها لهم، يبدأ المتفرجون في إلقاء الأشياءعليها. تستغرق بعض الوقت للرد، لكنهم يعلمون جميعًا أنه بمجرد أن تجلس، ستقف على قدميها وتطارد مهاجميها. وبعد ذلك سيتمكن الأطفال من رؤية أن ثدييها ليسا، في الواقع، ملتصقين فى الواقع ببطنها الواسع. يذهب بعض الأطفال الصغار ويقولون لأمهاتهم إن "المرأة التي لا ترتدي سروالاً داخلياً أو أي شىء " أصبحت طليقة من جديد، وتمنعهم أمهاتهم من الخروج مرة أخرى .

كان هناك وقت رآها العديد من النساء بالقرب من تقاطع الداما ومينا. ثم جابت شارع أفينيدا جيريرو صعودا وهبوطا لمدة عامين. كانت تذهب للنوم محاطة بكومة من الملابس التي تبرع بها الأشخاص ذوو النوايا الحسنة، والتي كانت بمثابة وسادة وفراش. عندما سئمت من حزمة ملابسها، أحرقتها باستخدام نفس المذيب الذي تستنشقه.

تذهب المرأة السوداء الضخمة إلى مواقع البناء لتغتسل. يبلغ ابتهاج العمال ذروته عندما تنحني لتشرب من الصنبور. إنهم يتورطون في الإثارة عندما تلتقط حفنة من الليمون وتزيل ما تحت إبطيها. إن أي رجل جريء بما يكفي للاقتراب منها كان دائمًا يُصدم من ضراوة إهاناتها. لا تشتكي النساء اللواتي يعشن في منطقة كالي سور خوانا من العرض الجسدى الذي تقدمه بنفسها ولكن من حقيقة أنها أكثر حرية من الرجال. وبدلا من وضع حد للسلوك البذىء لهذه المرأة - الذي يثير أفكارا بذيئة حتى في أكثر الرجال قداسة - فإن الشرطة، كما يقولن، تقضي كل وقتها في القبض على السكارى.

(تمت)

***

......................

الكاتبة: جوزيفينا إسترادا (مكسيكو سيتي، 1957) روائية وصحفية ومعلمة ومحررة. على مدى عقد من الزمان، قدمت ورش عمل في سجون النساء في مكسيكو سيتي وتشيكوناوتلا وجزر مارياس وبوغوتا.عملت أستاذة في في كلية العلوم السياسية والاجتماعية، منذ عام 1991م . جوزيفينا استرادا / ولدت في مكسيكو سيتي في 14 مايو 1957م. صحفي وكاتب ومحرر بأسلوب خاص يمزج بين الواقع والخيال. نشر القصص القصيرة والروايات والسير الذاتية والسجلات التاريخية والمقالات. من بين أعمالها المشهورة: "القط السيئ"، "أن تموت نفس الشيء"، "منذ فجر الله"، "منتصف الليل العذراء"، "علامات خاصة"، "ريكاردو غاريباي، مختارات موجزة" .

لماذا أكتب؟

أجابت جوزيفينا استرادا:

- أن العالم يمكن أن يكون مسالما، العالم لا يتغير سواء أكتب أم لا. ما لا يمكن أن يكون جيدًا في العالم، بدون كتابة، هو أنا ؛ لذا، لكي أكون في وئام مع نفسي أحتاج إلى الكتابة. لذلك أكتب بدافع الضرورة. إذا كنت لا تكتب بدافع الضرورة، يبدو لي أنه لا ينبغي عليك الكتابة .

كل مشاكل الحياة تأتي من أمرين اثنين: معلومات خاطئة أو معلومات ناقصة وعلاج هذين الأمرين يكون عبر الكتاب، فالقراءة المتبصرة العميقة تعطيك معلومات صحيحة و تثقفك فعندما تقبل على اتخاذ قرار مصيري يكون قرارك صائبا لأنك انطلقت من معرفة وخبرة في ذلك المجال عكس من يتبع الهوى و كلام الناس فيتجنب الصواب...

لهذا لا نستغرب أن بأخذ الكتاب هذه المكانة وينال المدح والذكر الحسن من شعوب العالم وخاصة من أهل الفكر والثقافة والسياسية..

تقول إليزابيت باريت براونينغ: " الكتاب هو المعلم الذي يعلم بلا عصا ولا كلمات ولا غضب. بلا خبز ولا ماء. إن دنوت منه لا تجده نائم وإن قصدته لا يختبئ منك. إن أخطأت لا يوبخك وإن أظهرت جهلك لا يسخر منك".

بينما المؤرخ الكبير ارنولد توينبي يقول:

"ليست الغرابة في كثرة القراءة ، بل في القراءة المجدية"

وفي المثل الإيطالي الذي يركز على أهمية القراءة يقول:

"من يكتب يقرأ مرتين".

أما الرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت يبين لنا أهمية الكتاب فيقول: "الكتاب هو النور الذي يرشد إلى الحضارة".

والأديب اللبناني ميخائيل نعيمة يشير إلى أهمية وجود مكتبة في البيت فهي طريق الحضارة والتحضر يقول : "عندما تصبح المكتبة في البيت ضرورة كالطاولة و السرسر و الكرسي و المطبخ ، عندئذ يمكن القول بأننا أصبحنا قوما متحضرين ".

أما ابن الطقطقي فيقول:

"إن الكتاب هو الجليس الذي لا ينافق و لا يمل و لا يعاتب إذا جفوته و لا يفشي سرك".

وللجاحظ كلام جميل ومعبر عن أهمية الكتاب فهو في نظره: "الكتاب وعاء ملئ علماً، وظرف حشى ظرفاً ... وبستان يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر، وناطق ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء.

ولا أعلم رفيقاً أطوع ولا معلماً أخضع ولا صاحباً أظهر كفايةً ولا أقل جنايةً ولا أكثر أعجوبةً وتصرفاً ولا أقل تصلفاً وتكلفاً من كتاب".

ويقول ابضا واصفاً الكتاب: "فإنه يحيى القلب، ويقوى القريحة، ويبعث نتائج العقول، ويستثير دفائن القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويفيد ولا يستفيد، ويعطى ولا يأخذ، وتصل لذته إلى القلب من غير سآمة تدركك ولا مشقة تعرض لك ".

وشاعر العربية الكبير أبو طيب المتنبئ يقول:

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ  /  وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كتاب.

هكذا نظر المفكرون المثقفون الكبار والسياسيون العظماء إلى الكتاب فكيف نفرط فيه ونتركه وحيدا بين رفوف المكتبات يأكله الغبار وتقتله الحسرة؟.

***

الكاتب والباحث في التنمية البشرية:

شدري معمر علي

في المثقف اليوم