عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

أقلام ثقافية

استذكار مرهف وحضور دائم

ثمة لحظات في حياة كل انسان لا تمضي، وإن غابت في ظاهر الزمن، فهي تظل متقدة في ألاعماق كجمرٍ وديع مستتر تحت رماد ركام الزمن، يتوهج بهجة، أو ألماً، أو كليهما معاً كلما لامسته نفحات الذاكرة.

تلك هي ومضات اللحظة الوجدانية الماضية، التي لا تقاس بطول بعدها الزمني، بل بعمق أثرها في الذاكرة، وامتداد حضورها في أعماق الذات.

فلاشك أن الماضي، ليس زمناً انقضى وحسب، بل هو حس وجداني، يعاود الظهور بتجلياته المتجددة، كلما استدعته الذاكرة، ولذلك تظل بعض اللحظات حيّة، نابضة، كأنها تحدث الآن.

وهكذا تظل تلك الومضات الوجدانية، تحمل بتجلياتها حسا مرهفاً، فتتسلل إلى الوجدان دون استئذان، لتسقر في اعماقه،  ما دامت تنبع من تفاعل متوهج بين الذاكرة والعاطفة، فهي لم تصطنع، بل تشكلت في ومضة لحظة، تماهى فيها الإنسان مع ذاته، ومع العالم من حوله.

ولعل هذه الومضات، تصبح ملاذاً عاطفيا داخلياً، في خضم تداعيات حياة متسارعة يستعيد الإنسان من خلالها توازنه، ويرمم بها ما تهشم فيه من معنويات، لتكون تلك الومضات أشبه بجذور خفية، تربطه بذاته الأولى، لتمنحه شعوراً باستمرارية وجوده، رغم تبدّل المعطيات، والظروف، وتغير الاحوال. ولذلك نجد أن كل إنسان يحمل في داخله، أرشيفاً وجدانيّاً خاصاً به، يضم تلك اللحظات، التي صنعت شيئاً من ملامحه النفسية، والإنسانية.

ولعل أن استذكار الماضي ليس هروباً من تداعيات الحاضر بالضرورة، بل قد يكون فعلاً واعياً، ومقصودا، لإعادة قراءة الذات، لاسيما عندما تستعاد تلك اللحظات بوعي، حيث يتحول الاستذكار من مجرد حنين، إلى فعل تأملي، يمنح الحاضر عمقاً إضافياً، ويعطيه معنى خاصا.

وهكذا نجد إن ومضة اللحظة الوجدانية، يمكن أن تمنح الحياة معنى ممتداً، فهي لا تعيش في الماضي وحده، بل تتجدد في كل مرة تستحضر فيها، لتغدو حاضرة، تعيد تشكيل المشاعر، وتلوّن النظر للأشياء، ليصبح الماضي ليس زمناً منتهياً، بل حضوراً دائماً، يسكن اعماق الوجدان، ويتمظهر كلما برزت الحاجة إليه، مادام الإنسان بحسه المرهف، ليس أبن اللحظة الراهنة فقط، بل أبن تلك الومضات التي مرت، وتركَت فيه أثرها، لا باعتبارها ذكرى عابرة، بل كجزءٍ حي من كينونته، ترافقه بصمتٍ، ودفء، في رحلة قطار الحياة.

***

نايف عبوش

ما يميز كل روح شاعرة هو إصرارها على أن تنبض بالجمال، لمواجهة القبح المتزايد حولها؛ إدراكا منها بأن الشعر يُلهم الأمل، ويعين على احتمال الواقع حين يصير عبئا ثقيلا. إنها الروح التي ترشدنا إلى الاسترخاء والتمهل، لمّا يتسارع كل شيء من حولنا. وفي هذا التمهل عودة إلى اللحظة الحاضرة، وعلاج لضغوط الحياة اليومية.

الجميل في الشعر، يقول أحمد دحبور، أن يكون معافى روحيا، ينحاز للهواء والجمال والفرح؛ بمعنى أن للشعر غائية وهدفا ما، بخلاف من ينفون غائيته ويسترخون للتعابير الجاهزة. إنه ببساطة حضور الشاعر في العالم، ليكشف بحساسيته الأكذوبة، وليصير أخف وزنا.

كل روح شاعرة تسعى إلى تفسير خبايا النفس الإنسانية. دعامتها في هذه الرحلة هي كل معنى يعبّر عن أدق المشاعر، وكل صورة تتردد بقوة في المخيلة لتغوص في أعمق حقائق الحياة، وتمنح القلب ما يصبو إليه من شجاعة وأمل، وحب للحياة.

إن الشاعر الحق هو الذي يجعل القارئ يشعر بما يشعر به هو نفسه. يقول فكتور هوغو في مقدمة كتابه (تأملات):"عندما أتحدث عن نفسي فأنا أتحدث عنك". وبذلك يمنح قيمة كونية لضمير المتكلم، مثلما يحرك في القارئ حس التعاطف حين يرشده إلى ألمه، وحزنه، وأشواقه.

بإمكان الروح الشاعرة أن تتبنى قضية. أن تنفث في الكلمات قوة لتحدي العالم القائم. بإمكانها أن تدين وتنتقد آفات المجتمع ورذائله، لكن قضيتها ليست بالأساس اجتماعية، وإنما معرفية، بمعنى ماذا نريد أن نقول؟

إن القضية، يقول المنصف المزغني، هي التي تمنح القصيدة بناءها، وبدونها يصبح الشعر هلوسة، وغموضا يكتنف القارئ للهروب من مواجهة الفكرة؛ تماما كالسائل الأسود الذي يقذفه الأخطبوط ليُعمي المتربصين به.

تتطلع الروح الشاعرة إلى لغتها الخاصة، والتي تحقق أصالتها النفسية في توليد المعنى من تجارب الحياة الفريدة. وهو ما يُلزمها بأن تنحت لغة تتحمل الإفضاء، لتنقل المعنى الجديد بألفاظ مألوفة، كالنهر الذي عليه أن يحفر مجراه ثم لا يلبث أن يهدأ؛ ذلك أن في ثنايا كل قصيدة يكمن ما يسميه عبد الله البردوني بالسر الشعري، أي الرحم الذي تكورت بداخله أنفاس الشاعر وتباريحه. وهي برأيه خمسة مصادر: استبداه الكون، ونضج التجربة، وطول المراس، وطول الغوص في الكائنات، وامتلاك عنان اللغة.

كي يتفتق المعنى الجديد من المشهد أو اللحظة المفارقة، فإن الروح الشاعرة بحاجة إلى استنفار ملكاتها لكشف اللامتوقع في الصورة المألوفة، لكن باللغة وحدها، دون الحاجة إلى قناع أو أسطورة. يقدم البردوني مثالا بالشاعر ابن خفاجة الذي عبّر عن اضطراب نفسه واضطراب عصره، حين شبّه ما يحدث بين الغصون وخرير المياه بالجدال والاقتتال. وهو معنى لم يسبقه إليه أحد، في قوله:

وألقى عصاه حيث تلعب بالحصى

جنوب وتلهو بالغصون شمال

*

فكأنما    بين    الغصون    تنازع

وكأنما    بين    المياه   جدال

لا تخلو الروح الشاعرة من حس ديني، يوثّق لهفتها لكشف أسرار الحياة. وهي في طرقها لأبواب المعابد، إنما تسعى لنقل ما يتجاوز الكلمات، إدراكا منها للتناغم بين الكون الشاسع وعالمنا الداخلي. كتبت مدام دي ستايل قائلة: " يجب أن يكون الشعر مرآة أرضية للإلهي، وأن يعكس من خلال الألوان والأصوات والإيقاعات جمال الكون."

استوحى الإغريق بواكير شعرهم من ربات الإلهام بوصفها، أي القصائد، جسرا بين الإنسان والعالم، سواء العالم الخارجي للكون والطبيعة، أو العالم الداخلي لعواطف القلب. وكانت القصائد في تمجيدها للآلهة والرجال الأبطال، تنهل من أصولها الدينية بدرجات متفاوتة من التميز والوضوح.

رغم الإشادة بالعظمة البشرية وإنجازات الإنسان وانتصاراته، إلا أن هناك حقيقة يقررها الشعراء منذ بندار، مفادها أن كل إنجاز إنساني هو إنجاز كائن هش مقدّر له الموت. تكفي لحظة واحدة لتغيير مصيرنا، بينما النور الإلهي قادر على تليين أيامنا. لذا يمنح بندار للشاعر مكانة مقدسة، تأكيدا منه بأن الإلهي هو منبع الجمال الشعري:

"أيها الإله الأعلى،

يا من تبسط سلطانك على أوليمبيا

كن رحيما بأغانيّ

دائما يا أبي"

تدرك الروح الشاعرة جيدا أن موسيقى الكلمات المتأصلة في إيقاع العبارة الشعرية، سواء كانت بيتا أو مقطعا، تحرر فينا ألفة فطرية مع كائن فريد، بدونه يفقد كل شيء معناه في هذا العالم. وهذا التوق إلى الألوهية الآسرة هو ما يجعل من تلقي القول الشعري حساسية تولد في قلب كل إنسان، حتى وإن لم يمتلك ذوقا رفيعا.

تستوقفنا الروح الشاعرة لنستعيد شيئا من إدراكنا لحقيقة العالم. ففي صخب الحياة العصرية، ولفرط لهاثنا اليومي لجمع الأشياء وتكديسها، كفّ العالم عن مخاطبتنا، وصرنا بحاجة لمن يُنبهنا إلى حمرة وردة، ويكشف رسالتها التي تشهد على علاقة مميزة بين الإنسان والطبيعة. إن مهمة الشاعر هي تذكيرنا بالعالم في وحدته، وتحريرنا من عبء مادته بأشكالها المتعددة.

الشعر لحظات آمنة تسكن قلوب الناس، يقول أحمد بلحاج آية وارهام، ومنطقة النقاء التي يلتجئون إليها بعد أن تلوث العالم وتشوه الحلم فيه. ولا يستحق أن يوصف شاعرا إلا من نذر روحه للجوهر الأسمى، وفضّل فقدان رأسه على أن ينحني أمام أولئك الذين يجدّون في سكّ دماغ الإنسان، كما تُسكّ النقود.

***

حميد بن خيبش

يعتقد

حسَنُ النيّة

أنّ الخيرَ

ينزل لا يصعد.

*

المُدرِكُ

يتهيّب أن يكون

في موضع شبهة

ولا يتصالح

مع كلّ ما يُنتِجُ القهرَ.

*

نصفُ الوجه تيهٌ آخر،

النسيانُ ذاكرةٌ أصليّة.

-

كلُّ احتمالٍ

هو مِن احتمالاتِ الصدفة

لكي لا يكون المللُ أكثر.

*

في أيّ طابق

نافورةُ السمّ؟.

*

أسمعُ نبضَ الصخورِ الصمّاء ـ

الرجلُ الشجاعُ   امرأةٌ شجاعة.

*

الظلامُ

ليس قليلاً،

الظلامُ

مترامي الأطراف.

*

النظام

هو هذا التشظّي

وتلك الأحياء

والأزقّة الموحلة!.

*

ما للنسِرِ يحلّقُ عالياً

حتى بالكاد بعدُ يُرى؟

قالت طيورٌ لبعضها البعض،

وهي لا تدري أنّه محلِّق عالياً

لكي يراها جماعةً وينقضَّ على المفرد.

*

سترى

بعقلِك الصاحي

ما لا تراهُ الآن،

ستضحك أو ستبكي،

الفراغ كثير.

*

الحصار

أم أنا الدائرة؟.

*

باطلة ـ تجيزُ التفاوتَ الطبقيّ ـ

كلُّ شريعة تجيز التفاوت بين الجنسين.

*

جعلوا

كلاً منّا

يلاكمُ كلاً منّا.

*

العنوانُ يؤكّد فيما ينفي،

يأخذ بيد رأسي إلى محلٍّ آخر.

*

أين هو المجدوعُ الأنف؟

أين هو المُحاطُ بالعويل؟.

*

قد يمزّقهم

مصّاصُ الدماء

لكنّهم سيغرزون أظافرَهم

بوجهه.

*

في العَقدِ الأوّل من القرنِ الحادي والعشرين

رجعوا إلى سيرتهم في جنوبِ لبنان ـ 2006،

وبعد أقلّ من سنتين رجعوا إلى سيرتهم في غزّة ـ

إنّهم يقتلون أهلك، يفلّتون عليهم الوحوش ـ

وهو في الغضبِ الأكثر يُفكِّر إذا سرٌّ يستتر

خلف احتفاءِ البعض بأعيادِ الميلادِ ورأسِ السنة

بالزينةِ والمفرقعات التي تفتن الجميع خصوصاً الأطفال

واحتفاء البعض بإعلانِ الحربِ على غزّة؟

كميّاتُ الرصاص المصبوبِ على غزّة لا تقل،

إنّها بكميّة النازيّة في النازيين الجدد.

كيف كلُّ جورج حبش، كلُّ أبي علي مصطفى،

كلُّ غسّان كنفاني، كلّ محمود درويش،

كلّ سميح القاسم، أدوارد سعيد، إميل حبيبي،

ناجي العلي، غيفار" غزّة، الكلّ،

كلّ أبطال غزّة،

كلّ أبطال فلسطين، وتنزف غزّة؟.

*

أرى بعينين مكسورتين

ليكونَ دورانٌ آخر وآخر.

*

جرادة

بحجمِ إنسانٍ بالغ

تقف مستقيمة على ساقين.

*

الذي يوحِّد بين متباعدَين

هو ملتقى روافدِ الجهاتِ،

هو الإنسانُ الإنسان.

*

وكثيراً يُقالُ أخيراً

ما كان يجب أن يُقالَ أوّلاً.

***

شوقي مسلماني

تمهيد: يأتي الفيلم التلفزي “مامات”، الذي بثته القناة الثانية 2M، في شهر رمضان ضمن سياق درامي مغربي يسعى إلى ملامسة القضايا الاجتماعية العميقة بلغة بسيطة ومؤثرة. هذا العمل، الذي أخرجه محمد علي المجبود وسيناريو وحوار بشرى مالك، لا يكتفي بسرد حكاية شخصية، بل يتحول إلى مرآة تعكس واقع الهامش المغربي، حيث تتقاطع الهشاشة مع الإرادة، ويتجاور الحرمان مع الحلم.

1- الحكاية: من الهامش إلى مركز الفعل

يروي الفيلم قصة “مامات”، امرأة في السبعين من عمرها تعيش في دوار مهمّش يعاني من العطش وغياب أبسط شروط العيش الكريم. ورغم ثقل السن وقسوة الظروف، تقرر هذه المرأة أن تعود إلى مقاعد الدراسة لمحاربة أميتها. غير أن هذا القرار البسيط يتحول تدريجيًا إلى فعل مقاومة، وإلى مشروع جماعي للدفاع عن حق القرية في الماء والتعليم.

إن الحكاية، في ظاهرها، فردية؛ لكنها في عمقها جماعية، إذ تختزل معاناة فئة واسعة من النساء القرويات اللواتي تم تهميشهن تاريخيًا. وهنا ينجح الفيلم في الانتقال من الخاص إلى العام، ومن الشخصي إلى الرمزي.

2- البعد الاجتماعي: سؤال الكرامة

يطرح الفيلم قضيتين محوريتين: الأمية والعطش، وهما ليسا مجرد موضوعين عابرين، بل هما دلالتان على اختلالات بنيوية في المجتمع. فالأمية هنا ليست فقط غياب القدرة على القراءة، بل هي شكل من أشكال الإقصاء الاجتماعي، بينما يمثل العطش صورة مكثفة لمعاناة التهميش المجالي.

وتتحول “مامات” إلى صوت احتجاجي هادئ، لا يعتمد على الصراخ، بل على الفعل. إنها تجسد ما يمكن تسميته بـ”بطولة يومية”، حيث يصبح التعلم فعلًا تحرريًا، وتتحول المعرفة إلى أداة تغيير.

3- البناء الدرامي: بساطة مشحونة بالدلالة

يعتمد الفيلم على بناء درامي بسيط، يخلو من التعقيد، لكنه مشحون بالدلالات. فالشخصية الرئيسية تُرسم بملامح واقعية: امرأة عادية، بلا نفوذ ولا سلطة، لكنها تمتلك إرادة استثنائية.

هذه البساطة ليست ضعفًا، بل هي اختيار جمالي ينسجم مع طبيعة الموضوع. فالفيلم لا يسعى إلى الإبهار البصري، بل إلى التأثير الوجداني، وهو ما ينسجم مع تقاليد الدراما الاجتماعية المغربية التي تراهن على القرب من المتلقي.

4- أداء الممثلين: صدق التعبير

عرف الفيلم مشاركة نخبة من الممثلين المغاربة، من بينهم راوية، منال الصديقي، وزينب الإسماعيلي، الذين قدموا أداءً يتسم بالواقعية والصدق.

وقد ساهم هذا الأداء في جعل الشخصيات قريبة من المتلقي، بحيث يشعر المشاهد أنه أمام وجوه مألوفة من الحياة اليومية، لا أمام شخصيات مصطنعة.

5- الرؤية الفنية: حين يصبح الأمل ممكناً

من أبرز ما يميز الفيلم هو رسالته الإنسانية العميقة: “التعلم لا عمر له”. فـ”مامات” لا تمثل فقط امرأة تقاوم الأمية، بل تجسد فكرة أن التغيير ممكن مهما كانت الظروف.

كما أن الفيلم يطرح سؤالًا ضمنيًا حول دور الفرد في إحداث التحول داخل المجتمع، مؤكدًا أن المبادرات الصغيرة قد تكون بداية لتحولات كبرى.

6- ضمن سياق الإنتاج التلفزي المغربي

يندرج “مامات” ضمن توجه القناة الثانية 2M نحو تعزيز الإنتاج الوطني، خاصة خلال المناسبات الكبرى مثل شهر رمضان، حيث تراهن القناة على أعمال درامية تعكس الواقع المغربي وتلامس قضاياه الاجتماعية.

وهذا يعكس رغبة واضحة في جعل التلفزيون فضاءً للنقاش المجتمعي، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

خاتمة

يمكن القول إن فيلم “مامات” ليس مجرد عمل تلفزيوني عابر، بل هو نص بصري يحمل رؤية إنسانية عميقة، ويطرح أسئلة جوهرية حول الكرامة، والحق في التعلم، والعدالة المجالية. إنه فيلم يشتغل على الهامش ليعيده إلى مركز الاهتمام، ويمنح صوتًا لمن لا صوت لهم.

وبهذا المعنى، ينجح “مامات” في أن يكون أكثر من قصة؛ إنه شهادة فنية على قدرة الإنسان، مهما كان بسيطًا، على أن يصنع الفرق.

***

حسن لمين

- "النوارس مجرد كائنات تقتات على القمامة.. ومعظم الطيور كذلك. احصلوا على بنادق.. واقضوا عليها من على وجه الأرض.

- هذا يكاد يكون مستحيلا.

- ولم لا؟

- لأن هناك ٨،٦٥٠ نوعا من الطيور في العالم اليوم. ويُقدَّر أن ٥,٧٥٠,٠٠٠،٠٠٠ طائر يعيشون في الولايات المتحدة وحدها. أما عبر قارات العالم الخمس.. فقد يتجاوز العدد ١٠٠ مليار طائر.

- إذا فليقض عليها جميعا..".

المصدر:

فيلم الطيور للمخرج الانجيليزي هيتشكوك، ١٩٦٣.Snyders, Frans; A Concert of Birds (I); National Trust, Petworth House; http://www.artuk.org/artworks/a-concert-of-birds-i-219706

يضع هذا الحوار الإنسان في مواجهة مباشرة مع وهم السيطرة على الطبيعة، حيث تتحول ملاحظة عابرة إلى كشف وجودي حاد، والأرقام التي تسردها السيدة بندي في الفيلم لا تعمل كمعطيات علمية فحسب بل كأداة تفكيك لوهم التفوق البشري.

إذ تكشف عن عالم يفوق الإنسان عددا وانتشارا وتعقيدا، وفي لحظة واحدة ينتقل الإنسان من وهم انه مركز المشهد إلى مكان آخر.

هنا لمن يتأمل ويعقل يتبدد اندفاع البائع المتجول أمام اتساع حقيقة لا يمكن احتواؤها أو إخضاعها، وكأن الطبيعة نفسها تفرض منطقها الصامت على كل خطاب متسرع ومتوحش.

في لوحة حفلة الطيور للفنان الفلمنكي فرانز سنايدرز التي أنجزت في القرن السابع عشر الميلادي، يتخذ هذا الاتساع شكلا مختلفا لا كتهديد بل كتناغم.

تتجمع الطيور في مشهد كثيف يبدو للوهلة الأولى فوضويا لكنه سرعان ما يكشف عن نظام داخلي دقيق، حيث تتوزع الألوان والحركات في توازن محسوب وتتصدر البومة المشهد كأنها تنظم هذا التعدد في إيقاع صامت.

لا صراع هنا بل اجتماع، ولا خوف بل حضور مشترك. وكأن الكثرة التي أرعبت الإنسان في حوار هتشكوك تتحول هنا إلى لغة بصرية يحتفى بها لا تحارب ولا حاجة ان تقاوم.

كان سنايدرز من أبرز رسامي فلاندر في عصره، تميز بقدرته الفائقة على تصوير الحيوان والطبيعة الصامتة بواقعية نابضة.

وارتبط اسمه بأسماء كبرى مثل روبنس، وكان كثيرا ما يشارك في إنجاز الأعمال عبر إضافة عناصر الطبيعة والحيوان.

 هذا منح لوحاته طابعا حيويا يتجاوز الزخرفة إلى حضور شبه حي، حيث لا تكون الكائنات مجرد موضوع للرسم بل كيانا يمتلك ثقله الخاص داخل التكوين.

ينتمي هذا العمل إلى المدرسة الفلمنكية الباروكية التي ازدهرت في سياق تحولات دينية وسياسية عميقة في أوروبا، واتسمت بالحيوية والدراما والاهتمام بالتفاصيل والسعي إلى إثارة الحواس.

لم تعد الطبيعة خلفية صامتة بل موضوعا مركزيا يستكشف ويحتفى به، وأصبح تنوع الكائنات انعكاسا لاتساع العالم وتعقيده في زمن كانت فيه الاكتشافات والتجارة تعيد رسم حدود المعرفة.

يمكن إضافة بعد آخر مختلف من تحليل اللوحة وهنا نستعير من جلال الدين الرومي.

 زار الرومي مدينة حلب في احظى اسفاره بحثا عن شمس التبريزي.

هناك وجد أن غالبية أهلها من الشيعة الذين كانوا يحيون ذكرى عاشوراء بحزن شديد، فتأثر بهذا المشهد وكتب قصيدة في رثاء شهداء كربلاء ضمن ديوانه. ومنها هذه الأبيات المترجمة من الفارسية إلى العربية:

 أين أنتم أيتها الأرواح العاشقة الخفيفة

التي هي أطير من الطيور في الهواء،

أنتم في ذلك البحر

 الذي هذا العالم مجرد زبده

فازدادوا معرفة لبعض الوقت،

زبدة البحر هي صور العالم

فتجاوز الزبدة إن كنت من أهل الصفاء.

من هذه الزاوية يمكن قراءة لوحة حفلة الطيور لا كمشهد بهيج بل كتأمل صامت.

حيث وجوه الطيور وألوانها هي صور العالم أي زبد البحر. وبناء على دعوة الرومي لتجاوز الزبد، فاللوحة تحث الناظر على ألا يقف عند جمال الطيور الظاهري بل أن يخترقه نحو معنى أعمق عن الحق والحقيقة.

حتى البومة التي تقود المشهد يمكن تأويلها هنا كرمز للصبر على المصيبة أو كمرآة تعكس دهشة الروح أمام تنوع الخلق ورحيله.

وتتعمق هذه القراءة عند استحضار فريد الدين العطار في منطق الطير، حيث يصف الهدهد للطيور الطريق إلى السيمرغ عبر سبعة أودية: وادي الطلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة، ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الحيرة، ووادي الفقر والفناء.

وهذا يساعد على فهم اللوحة أكثر لأن الطيور فيها ليست عابثة أو متقاتلة كما في فيلم هتشكوك، بل تبدو حاجة سائرة في مرحلة من هذه المراحل، ربما وادي الحيرة حيث تكثر الأصوات وتتشابك الألوان ولا يظهر المقصد بوضوح، أو ربما هي الطيور التي بلغت وادي الفقر والفناء فتجمعت لتودع شكلها المادي، مثلما بحث الرومي عن شمس التبريزي في حلب فوجد بدلا من ذلك مشهد احياء عاشوراء، فتصبح اللوحة مرآة لرحلة الروح لا مجرد تسجيل طبيعي.

وعند العودة إلى حوار هتشكوك، يظهر البائع المتجول والمتمسك بفكرة الإبادة، وكأنه يرفض الاعتراف بأن هذا العالم بكل كثافته وتعدده ليس عدوا يمكن القضاء عليه بل نظاما قائما بذاته لا يختزل في منطق السيطرة.

 وهذا التعنت الإنساني يتناقض تماما مع الانسجام في لوحة سنايدرز ومع السعي الروحي في منطق العطار.

كل هذا يذكرنا بأن النظرة الأداتية للطبيعة هي التي تنتج العنف بينما النظرة التأملية تنتج شعر الرومي وجمال اللوحة. وبين خوف السينما وانسجام اللوحة ورمزية الرومي ورحلة العطار، تتشكل شبكة من المعاني المتقاطعة تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم.

واخيرا هل الكثرة التي نراها حولنا هي فوضى ينبغي إخضاعها كما يريد البائع المتجول، أم أنها نظام خفي يدعونا إلى التأمل كما توحي لوحة سنايدرز.

أم أنها مجرد طريق يقودنا إلى ما هو أبعد من العالم نفسه حيث يصبح التعدد انعكاسا لوحدة أعمق؟

***

د احمد عابر

 

تعد آلهة إنانا واحدة من أقدم الرموز الأنثوية في تاريخ البشرية، بل تمثل أول تجل واضح لفكرة الحب والجمال والخصب في الوعي الإنساني القديم. غير أن هذه الأنوثة المتألقة لم تنعم بالاستقرار، إذ تحولت مبكراً إلى ضحية لتحولات عميقة في بنية المجتمعات الأولى، فيما يمكن تسميته بـ(الانقلاب الذكوري) على الألوهة المؤنثة، وهو المفهوم الذي تناوله الدكتور خزعل الماجدي في كتابه (إنانا والإنقلاب الذكوري.. السردية الأسطورية والثقافية لآلهة الحب والجنس والجمال)، بوصفه مفتاحاً لفهم تحولات صورة الأنثى في التاريخ الأسطوري.

أولاً: الجذور – من الإلهة الأم إلى إنانا

يرى خزعل الماجدي أن إنانا ليست بداية الحكاية، بل امتداد لفكرة أقدم تعود إلى (لآلهة الأم) في عصور ما قبل التاريخ، حيث كانت الأنثى تمثل مركز الكون ومصدر الحياة. وقد انعكست هذه الرؤية في رمزية الألوهة المرتبطة بالأرض والخصب والاستمرار.

مع التحولات الاجتماعية وظهور المجتمعات الزراعية المنظمة، بدأ التوازن يميل تدريجياً نحو السلطة الذكورية، لتظهر إنانا كمرحلة انتقالية تحمل في داخلها هذا التوتر: آلهة حب من جهة، وكيان يخضع تدريجياً لصراعات السلطة من جهة أخرى.2616 almajedi

ثانياً: الانقلاب الذكوري وتهميش الألوهة المؤنثة

يؤكد خزعل الماجدي أن صعود الإله إنانا يمثل لحظة مفصلية في هذا التحول، حيث انتقل مركز القوة من الأرض (الأنثى) إلى السماء (الذكر).

في هذا السياق، تغدو إنانا النموذج الأوضح لهذا الانقلاب؛ إذ تحولت من كيان مكتفٍ بذاته إلى كيان يبحث عن الاعتراف داخل منظومة ذكورية مهيمنة، وهو ما يعكس بداية تهميش الألوهة المؤنثة وإعادة تشكيلها.

ثالثاً: الحب بوصفه مأساة – إنانا وديموزي

تحتل علاقة إنانا بديموزي موقعاً محورياً في تحليل خزعل الماجدي، إذ لا يراها مجرد قصة حب، بل تمثيلاً لصراع عميق بين الحياة والموت، وبين العاطفة والسلطة.

إن نزول إنانا إلى العالم السفلي وتجريدها من قواها يرمز، وفق هذا المنظور، إلى تفكيك الأنوثة نفسها، بينما تمثل التضحية بديموزي تعبيراً عن منطق قاسٍ أصبح يحكم العلاقة بين الحب والوجود.

رابعاً: التحول الأُسطوري – من إنانا إلى عشتار

يشير خزعل الماجدي إلى أن المرحلة الأكدية شهدت تحولاً حاسماً في شخصية إنانا، حيث تم دمجها مع عشتار، لتتحول من إلهة حب إلى إلهة حرب ودمار.

لم يعد جمالها رمزاً للخصب، بل ارتبط بالإغواء والفتك، وأصبح الحب وجهاً آخر للعنف. هذا التحول يعكس إعادة تشكيل صورة المرأة في المخيال الجمعي، من خالقة للحياة إلى قوة مدمرة.

ويبلغ هذا التحول ذروته في صور لاحقة مثل الآلهة عناة، حيث تتجلى الأنثى بوصفها قوة تدمير صريحة، وهو ما يؤكد المسار التصاعدي لتشويه الألوهة المؤنثة.

خامساً: التلاشي – ذوبان الألوهة المؤنثة

ضمن هذا المسار، يبين خزعل الماجدي أن إنانا لم تختفِ فجأة، بل ذابت تدريجياً في إلاهات أُخريات، وفقدت هويتها الأصلية. وهذا التلاشي يعكس مصير الأنوثة في ظل هيمنة النظام الذكوري، حيث لم يعد لها وجود مستقل، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تتحكم بها قوى أخرى.

الخاتمة: إنانا بوصفها سردية الإنسان

إن قصة إنانا، كما يقدمها خزعل الماجدي، ليست مجرد أسطورة، بل هي سردية عميقة لتحولات الإنسان نفسه:

-  صعود الأنوثة في بدايات الحضارة،

-  انكسارها تحت وطأة التحولات الاجتماعية،

-  إعادة تشكيلها بما يخدم النظام الذكوري.

إنها حكاية الحب حين يقهر، والجمال حين يشوه، والأنوثة حين تعاد صياغتها قسراً. ولذلك، فإن دراسة إنانا لا تعني استعادة ماضٍ أسطوري فحسب، بل قراءة في تاريخ الإنسان، في صراعه بين القوة والحنان، بين الهيمنة والتوازن، وبين الذكر والأنثى.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

حكاية الطفولة الفلسطينية في يوم الطفل الفلسطيني

لن أنسى تلك الأيام التي كنت أخطو فيها بيدي الصغيرة بين كفوف إخوتي وأخواتي، وأعبرُ من قلب مدينة بيت لحم نحو مخيم عايدة الصمود، إذْ تقودنا الطرقات الضيقة إلى مدرسة وكالة الغوث.

تتسابق خطواتنا مع الصباح، وتتمايل حقائبنا الثقيلة مسرعة نحو سرّ الرحلة. يلمع في ذهني حلمٌ كبير يكبر معي.

إنها فلسطين التي لا تبرح مكانها في خيالي، ومفتاحٌ قديم يتدلّى في الذاكرة في حكايةٍ لم تكتمل لبيت جدي في قريتنا المالحة إحدى قرى القدس المهجّرة، وعلمٌ زاهٍ يرفرف في عينيّ قبل أن أراه في السماء.

أعيش عامي السادس مع بداية انتفاضة الحجارة، وأصغي لضجيجٍ يملأ المكان، ضجيجٍ يختلط فيه وقع الأقدام بنداءاتٍ عالية، فتتسارع نبضات القلب، وتتشبث يدي أكثر بيد أختي الأكبر مني.

أمضي نحو المدرسة وأنا أعبر حكايةً أكبر من عمري، أحمل في صدري خوفًا صغيرًا وحلمًا واسعًا، وأواصل الطريق بعينين مفتوحتين على درسٍ أول في الحياة، ليتشكل الوعي باكرًا، وتكبر الطفولة وهي تمسك بخيط الأمل.

تركضُ الخطى الصغيرة فوق ترابٍ يحفظ أسماء العابرين، وتفتحُ العيونُ دهشتها على سماءٍ تختزن حكاياتٍ أطول من العمر.

تنبضُ الأزقةُ بحركةٍ دافئة، وتتعالى ضحكاتٌ تشقّ طريقها بين تفاصيلٍ مشبعةٍ بالذاكرة.

تمضي الطفولةُ في فلسطين كرحلةٍ مكتوبةٍ بالحياة، رحلةٍ تتقاطع فيها البراءة مع التجربة، ويتحوّل فيها اللعبُ إلى لغةٍ تحمل معنى أعمق من مجرد لحظة عابرة.

تحملُ الذاكرةُ الأولى صورًا متداخلة ليدٍ صغيرة تمسك بحقيبةٍ أثقل من وزنها، وعينين تلتقطان تفاصيل المكان بحسٍّ يقظ، وقلبٍ يتعلّم قراءة الإشارات مبكرًا. تنمو الحكاياتُ داخل الأطفال كما تنمو الأشجار، وتمتد جذورها في الأرض، وتعلو أغصانها نحو الضوء.

تتناقلُ الأجيالُ سردياتٍ عن البيوت الأولى، وعن الطرقات التي عبرها الأجداد، وعن أصواتٍ ما زالت تعيش في الأغاني والهمسات.

يتشكّلُ الحاضرُ كلوحةٍ متحركة تعلوها أقلامٌ ترسم الوطن بألوانٍ زاهية، وألعابٌ تُبتكر من تفاصيل بسيطة، ووجوهٌ تتقن صناعة الفرح وسط زخم الأيام.

يتعلّم الطفل الفلسطيني مبكّرا على غير عادة أقرانه من أطفال العالم.

يتعلم كيف يوازن بين ما يراه وما يحلم به، فينسج من يومه حكايةً جديدة، ويمنح اللحظة معنى يستحق أن يُروى. تتحوّلُ الجدران إلى دفاتر، وتصبح الساحات مسارح لخيالٍ واسع، يبتكر من الممكن آفاقًا أبعد.

يمتدُّ المستقبلُ كأفقٍ مفتوح، يحمل في طياته وعودًا تنمو مع كل حلمٍ صغير. تتقدّم الخطواتُ بثبات، وتكبر الأمنيات مع كل تجربة، وتتشكل ملامح الغد في عيونٍ تعرف الطريق.

يكتبُ الأطفالُ فصولهم القادمة بإرادةٍ نابضة، ويمنحون الزمن اتجاهًا جديدًا، فتتلاقى الذاكرة مع الأمل، وتصبح الحكاية استمرارًا لحياةٍ تتجدد.

تزهرُ الطفولةُ في كل زاوية، وتولدُ الضحكاتُ من قلب التفاصيل، وتعلو الأصواتُ بأغنياتٍ تحمل روح المكان. تتجسدُ القدرة على النهوض في كل محاولة، وتُصاغ القوة من لحظاتٍ صغيرةٍ تتراكم حتى تصير معنى كبيرًا. يواصلُ الأطفالُ رسم ملامح أيامهم، ويصنعون من اللحظة مساحةً للحلم، ويحوّلون الذاكرة إلى جسرٍ يعبر نحو غدٍ يليق ببراءتهم.

في يوم الطفل الفلسطيني تتلألأ الحكاياتُ كنجومٍ قريبة، وتُروى القصصُ بصوتٍ يحمل دفء الأرض ونبضها. تتقدّم الكلماتُ لتحتفي بروحٍ تنبض بالحياة، وتستمرُّ الطفولةُ كقصةٍ تُكتب كل يوم، فيتجدد المعنى، ويكبر الأمل، وتبقى الذاكرة حيةً تحمل ملامح الطريق.

تتسلّلُ التفاصيلُ الدقيقة لتغني المشهد أكثر والمزيد من رائحة الخبز في الصباح والتي تُوقظ الحكايات، والعديد من خطوات الأطفال نحو مدارسهم لترسم إيقاع يومٍ جديد، وتستمر أصواتُ اللعب الشعبي في الحارات لتعيد ترتيب الفرح في القلب.

تتشكّلُ علاقةٌ عميقة بين الطفل والمكان، فيحفظُ الحجرُ ملامحه، وتحتضنُ الأشجارُ أسراره، وتُصبح الأرضُ رفيقةً يوميةً تُصغي لكل نبضة.

تتقدّمُ الذاكرةُ كمرآةٍ حية تعكس وجوهًا صغيرة تحمل ملامح الصبر والإصرار. ينمو الإدراكُ مع كل تجربة، وتتفتحُ الروح على معانٍ تتجاوز العمر، فتغدو الطفولة مساحةً للوعي المبكر، ومسارًا يختزن حكمةً تولد من قلب التجربة. تتعانقُ البراءة مع القوة، ويتحوّل الشعورُ إلى طاقةٍ تدفع نحو الاستمرار.

تنبثقُ الأحلامُ كطيورٍ تحلّق في فضاءٍ واسع، لترسم مساراتها فوق حدود الواقع، وتبحث عن أفقٍ يليق بصفائها. يخطّ الأطفالُ ملامح عالمهم الخاص، ويلوّنون دفاترهم بأمنياتٍ واضحة، ويصوغون من خيالهم حقولًا من الضوء. تتقدّمُ الرغبةُ في الحياة كنبضٍ دائم يوقظ فيهم القدرة على تخيّل غدٍ أجمل.

تترسّخُ القيمُ في وجدانهم عبر تفاصيل يومية تتمثّل في التعاون في اللعب، والمشاركة في الحلم، والقدرة على تحويل اللحظات الصغيرة إلى ذاكرةٍ كبيرة.

تتشكّلُ الهُويةُ من كلّ ذلك الوعي المبكّر كخيطٍ متين يربط بين الماضي والحاضر، ويمنح المستقبل جذورًا ثابتة.

يكبرُ الطفل وهو يحمل في داخله حكاية شعب، ويمنحها صوته وصورته وحلمه.

تتواصلُ الحكايةُ، وتكبرُ مع كل طفلٍ يضيف سطرًا جديدًا، وتستمرُّ الطفولةُ كقصيدةٍ مفتوحة، تتجدّد كلماتها مع كل صباح.

يشرقُ الأمل من بين التفاصيل، وتبقى الحياةُ حاضرةً بقوة، لتُعلن نفسها في عيون الأطفال، وتكتب عبرهم قصةً تستحق أنْ تُروى جيلاً بعد جيل.

أيها القارىءالواعي، لقد كان ذلك بقعةَ ضوءٍ تسلّلت من قلب الحكاية لتكشف ملامح شخصيةٍ بطوليةٍ تنبض تحت راية فلسطين.

هناك، إذْ يكبر المعنى في تفاصيلٍ صغيرة، ليتجلّى الطفل الفلسطيني، صغيرُ الحجم، عظيمُ الفِكر، واسعُ الحلم كأفقٍ لا ينتهي.

يمضي بخطاه الواثقة، ويحمل في عينيه حكاية وطن، وفي قلبه نبض قضية.

فارفَعوا له القبعاتِ إجلالًا، وامنحوه من الكلمات ما يليق بمقامه، فهو البداية التي تكتب المستقبل، وهو الحكاية التي تتجدّد، وهو الضوء الذي يقود الطريق.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

لاريب أن النتاج الأدبي هو أحد أبرز تجليات الوعي الإنساني، حيث يتفاعل الحس المرهف للمبدع مع التجربة الحياتية، وتتداخل فيه الموهبة الفطرية مع الخبرة المتراكمة.

وقد يبدو الإبداع الأدبي فعلاً لحظياً، تستولده تلك الومضة المتوهجة، التي تشتعل في ذهن الكاتب فينثال نصاً متفرداً، يحمل بصمة الكاتب الخاصة، ويعبر عن رؤيته للعالم، يمتلك الأديب الحقيقي حساً مرهفاً، وقدرة استثنائية على التقاط التفاصيل الدقيقة، التي يتمثلها في عوالمه في اللحظة، وتحويلها إلى صور لغوية نابضة بالحياة، الأمر الذي قد يدفع إلى الاعتقاد بأن النتاج الأدبي موهبة فطرية قبل كل شيء، ولا ديمكن تعلمها، بقدر ما يمكن صقلها.

ومع وجاهة مثل هذا التصور، فإنه لابد من الإلتفات إلى عنصر الخبرة، في تشكيل النتاج الأدبي، لاسيما وان النتاج الأدبي لا يتكون في فراغ، بل يتغذى من تراكم التجربة الإنسانية التي يمر بها الكاتب عبر مراحل حياته، اذ لاشك ان القراءة المستمرة، والاحتكاك بالنصوص، والتمرس في الكتابة، والانخراط في معالجة القضايا الاجتماعية، تفرز مخزوناً معرفياً، وجمالياً، يسهم في نضج التجربة الأدبية وتعميقها.

 فالكاتب، مهما بلغت موهبته الذاتية، فلاشك انه يظل بحاجة إلى زمنٍ طويل من التجربة، لكي يتمكن من أن يبلور بصمته الخاصة به، ويطوّر أدواته التعبيرية في وضع نصوصه، وتشكيل نتاجاته.

ومن هنا يمكن القول، إن الإبداع، والخبرة المتراكمة، هما عنصران متكاملان في تشكيل النتاج الأدبي. فالإبداع يمنح النص روحه، وحيويته، بينما تمنحه الخبرة الزاخرة، رصانته وتماسكه.

 فالإبداع الفطري دون خبرة، قد ينتج نصوصاً متوهجة حقاً، لكنها قد تكون سطحية، وغير ناضجة، في حين أن الخبرة دون إبداع، قد تفضي إلى نصوص متقنة تقنياً، وجذابة شكليا، لكنها باردة حسبا، وخالية من الوهج.

ولذلك تظل النتاجات الأدبية، التي تنجح في تحقيق التوازن بين العفوية، والوعي، وبين الانفعال، والتأمل، وبين الموهبة والتجربة، نتاجات ابداعية رصينة، لاسيما، وان الأدب في جوهره، ليس مجرد تعبير عن حس اللحظة، بقدر ما هو بناء متراكم، يتشكل وياخذ مدى جمالياته عبر الزمن، حيث يتزاوج فيه حس الذات الإبداعية، مع تجليات صور عوالم المبدع، ويتفاعل فيه خياله المتوهج، مع مرئيات واقعه.

وهكذا يظل النتاج الأدبي حصيلة تفاعل خلاق، بين الإبداع الفطري للكاتب، وبين خبرته المكتسبة، وبالتالي فانه فلا يمكن للأدب أن يزدهر بأحدهما دون الآخر، ليظل هذا التفاعل العضوي بينهما، هو السر الكامن، وراء النصوص الإبداعية، التي تلامس وجدان المتلقي بعمق، وتبقى راسخة في ذاكرته.

***

نايف عبوش

من أمتع أوقاتي وأكثرها صفاء وراحة نفسية، تلك التي أقضيها بين دفتي كتاب راقني، أو حين أتصفح المواقع، فأتعثر صدفة بنصوص مميزة لكتاب مشهورين كانوا أو مغمورين، تشدني إليها من الوهلة الأولى، فتوقظ فيَّ تلك القارئة من سباتها، لتسترد شيئا من نهمها وشغفها بالقراءة، كتّاب حين أقرأ لهم، أكاد أنسى تماما أني كاتبة، رغم مُكنتي على مجاراة نصوصهم تلك، وربما التفوق عليهم، إلا أنني أقرأ لهم باستمتاع وشغف كبيرين، وهذا ما أعتبره من سمات الكاتب الحقيقي، أي أن هذا الأخير يملك مقدرة جعل أقرانه من الكُتّاب قُرّاءً له، ربما القاسم المشترك بين أصحاب هذه الأقلام أن القارئ يذعن لهم طواعية، فيسترسل بالقراءة لهم دون كلل أو ملل، وكلما تنقل بين كلماتهم وسطورهم تلمّس صدقا كبيرا، وتلقائية لافتة، هم كُتّاب لا يلوون عنق اللغة ليستعرضوا عضلاتهم، ومكنتهم البلاغية، أو ليتفاخروا بسحر البيان والبنان، ولا يتفيقهون في كل حدث ومسألة لمجرد التواجد في بقعة الضوء، هذه الفئة من الكُتّاب لا يحاولون البتة تقليد أحد، ولا يسعون لأن يكونوا أشخاصا آخرين غير أنفسهم، ببساطة هم كتاب صادقون مع ذواتهم وأقلامهم، أصحاب بصمة متفردة ومميزة، تستشف ذلك وأنت تقرأ لهم، فيتبين لك فعليا أنك أمام كتّاب حقيقيين بأتم معنى الكلمة، حينما يكتبون هم يتنفسون الكتابة! لا يمارسونها بل يعيشونها ويعشقون تفاصيلها، حد التماهي مع نبضهم، حروفهم ليست مجرد مداد منثور، بل أجزاء من ذواتهم، وقبس من أرواحهم تقبع على الورق وتتخفى مابين السطور.

بالنسبة لي تلك الأقلام هي "علامة مسجلة" وفارقة في عالم الأدب، تستحق بجدارة الاحتفاء بها، كتّاب لا يتكلّفون الكتابة ولا يصطنعونها، بل يتماهون معها ويذوبون فيها وكأنما قد ولدوا كُتّابًا!

أعتقد أن الكتابة بالتحديد ليست حرفة أو مهنة يتعلمها المرء أو يسعى إليها، بل هي بصمة روح لا مجرد بوح أو حبر يسيل ليغزو بياض الورق!

أعتقد يقينا أن الكتابة ما وُجدت إلا لتجعلنا أرقى وأنقى عاطفيا، وأكثر وعيا وعمقا فكريا ومعرفيا، لا يمكنني إلا أن أرى الكتابة رسالة نبيلة، ذات تأثير بالغ على الكاتب وبيئته، وأداة فعالة للتغيير الإيجابي، كما أعتبرها مسؤولية كبيرة على عاتق الكاتب، فإما أن يكون أهلا لها أو يدعها لمن هو جدير بها.

أؤمن جدا أن الكتابة فعل تأثير، وصنعة الفاعلين والمؤثرين من أصحاب الفكر والثقافة، هي هبّة وعي وسط ضجيج الجهل وزحام السطحية والتفاهة، كما أنها فسحة للمشاعر الإنسانية، ومساحة فسيحة تحوي وتحتوي الإنسان بكُلّيته فكرا ووجدانا.

***

بقلمي: زينة لعجيمي -الجزائر

 

يا عاشقة الورد،

إن كنت على وعدي،

فحبيبك منتظر،

يا عاشقة الورد.

زكي ناصيف -ملحن و مغني و شاعر لبناني

في هذه الأبيات يخاطب الشاعر المحبوبة بلغة رقيقة تحمل شوقا وانتظارا طويلا. عاشقة الورد ليست فقط امرأة تحب الزهور بل رمز للجمال والحنان والطبيعة الصافية. الوعد هنا يوحي بعلاقة قائمة على الانتظار والامل وربما الغياب. الحبيب المنتظر يقف في حالة ترقب عاطفي هادئ لكنه عميق. كتب هذه الكلمات زكي ناصيف الذي جمع بين الشعر واللحن والصوت فقدم فنا صادقا نابعا من الوجدان اللبناني. كلمات بسيطة لكنها مشبعة بالمعنى وتعكس ارتباط الانسان بالطبيعة وبالحب النقي.2607 ahmad

تقدم اللوحة التي تحمل عنوان "قاطفة الورد" للفنان دانيال ريدجواي نايت، ورسمت في عام ١٨٨٢، مشهدا ريفيا هادئا، حيث تنحني فتاة شابة بين أزهار الحقل لتقطف الورد بعناية. الألوان زاهية خصوصا الأحمر الذي يسيطر على المشهد من خلال زهور الورد.

الضوء ناعم ينساب على الأرض والنباتات فيخلق جوا من السكينة. حركة الفتاة المنحنية توحي بالتواضع والاندماج مع الطبيعة وكأنها جزء منها لا كائنا منفصلا عنها. الخلفية تمتد إلى أفق مفتوح يضيف عمقا بصريا ويعزز إحساس الحرية والاتساع. المشهد كله يبدو لحظة عابرة لكنها مشبعة بالشاعرية.

يمكن قراءة هذه اللوحة من زاوية فكرية قريبة مما طرحه الكاتب هاشم الشملة حول فكرة الموقف والذاكرة. الفتاة هنا ليست فقط قاطفة للورد بل تمثل موقفا هادئا وصادقا من الحياة. انحناؤها ليس ضعفا بل اختيار للتواصل مع الأرض ومع الجمال البسيط.

وكما أن التاريخ لا ينسى المواقف الكبرى فإن هذه اللحظات الصغيرة أيضا تحمل قيمة خفية. قد لا يكتب عنها التاريخ لكنها تعبر عن صدق العلاقة بين الإنسان ومحيطه. الجمال هنا موقف صامت لكنه راسخ. وكما يقول الشملة فإن القيمة لا تضيع حتى لو لم توثق، فإن هذه اللوحة تحفظ لحظة من الصفاء الإنساني الذي يبقى أثره مهما تغيرت الروايات.

أما من زاوية فريد الدين العطار، فيمكن ربط مشهد قاطفة الورد بما كتبه في منطق الطير عن العشق. ترجم أحمد الصافي النجفي ذلك المعنى بقوله:

إن العشق نار هنا والعقل دخان،

فإذا أقبل العشق أسرع العقل هربان.

فالفتاة المنحنية في اللوحة لا تقطف الورد بعقل محسوب، بل بشغف صامت وكأنها تعبد الجمال. إنها تعيش نار العشق للأرض والزهور، بينما يتوارى العقل في الخلفية البعيدة الأفق. هذه النار ليست مدوية بل هادئة، لكنها تحرق كل ما عداها من حسابات باردة.

نعود إلى أبيات زكي ناصيف لنستنتج أن الحبيب المنتظر هو أيضا مثل تلك الفتاة، فهو منحنى بالانتظار كمنحنى قاطفة الورد. الغياب لم يقتل شوقه بل جعله أكثر اتصالا بالوعد. هو ينتظر ليس لأنه عاجز بل لأنه اختار أن يبقى وفيا كما اختارت الفتاة أن تبقى منحنية على الأرض رغم إمكانية الوقوف. العشق عنده ليس صراخا بل انتظار طويل، وليس بريق عيون بل انحناءة لا تكل.

وأخيرا، أليس في كل انحناءة لقطف وردة، أو في كل بيت شعر ما يكفي لإثبات أن العشق الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج؟

***

د احمد عابر

 

ـ الحديثُ

يكونُ بالخلاصاتِ مع الصديقِ

ويكونُ بالتفصيلِ المملِّ

مع الخصم.

*

ـ كلُّ كلامٍ،

وهذا الخسرانُ،

ألمٌ أكثر.

*

ـ فقدانُ

الثقةِ

موتٌ

آخر.

*

ـ الموتُ

هو أن يكفَّ المرءُ

عن الدهشة.

*

ـ لا إحكامَ

من دونِ ضحايا.

*

ـ من

يحكمُ

بالظنِّ

عدوّ.

*

ـ لا صيدَ أسهل

من صيدِ الكسالى.

*

ـ يقعُ الإنسانُ

حيثُ يفشلُ المجتمع.

*

ـ ليس كالثقافةِ

لتكونَ خنادق مواجهة.

*

ـ ليس مثلُ الفنِّ

لنداءاتِ الروح.

*

ـ الوجهُ

هو الإنسان.

*

ـ "الجمالُ

هو أن تنظرَ

لا أن تفتّشَ أو

تبحث".

*

ـ الرفيقُ

يمنحُكَ فرصةَ الإختلاءِ

مع نفسك.

*

ـ الفنّانُ

يقودُ العالَمَ

بأحلامِه.

*

ـ أسوأُ شعورٍ

هو الشعورُ الناتجُ

عن الإعتقادِ بفواتِ الآوان.

***

شوقي مسلماني

  أكان ميخائيل نعيمة سعيدا حقا أنه الآمن لسقف بيته الحديدي المستأثر المتنصل به عن مآسي البشرية حوله؟!

  فما دام محصنا من الطبيعة بأعاصيرها، ومن قيامتها الصاخبة متى خطر لها لا تستأذنه فهو المنجّى بفضل ما امتلك!

 أم أنها دعوة مبطنة لحكمة وسّعت السقف من منظور الجمود إلى اشتغال القلب؟!

 ليس وهو صاحب النظرة التأملية التي عافت القشر لتغوص في اللب، هناك حيث الألم مضاعف لمن عقل..

من منا يتذكر تلك الأبيات التي عُلّمها طفلا، ومن يستطيع أن يساعد شخصا مثلي في ترتيق ذاكرة تهدهده بين الأحداث، فتؤرقه، وتدميه؟!

 نصبُ الأمير الشامخ الذي حط عليه عصفور في طريقه إلى أرض أخرى حيث الدفء ضمن دورة الرحيل، استوقفته دموع تتساقط من عينيه الحجريتين المرصعتين بالزمرد، وعندما استفسر منه، أجاب:

 إني رأيت ما لم تره!

أتراها الرؤيا البصرية أم القلبية؟!

 هناك طفل تنهب جسده الحمى، وأمه الفقيرة لا تملك ثمنا لدوائه.. فرّق لحاله، وقال:

 كيف بإمكاني أن أساعده؟2600 aman

 قال:

 خذ زمردة عيني اليمنى، وضعها على طرف نافذته، ففعل..

 لكن دموع الأمير لم تتوقف!

 وماذا بعد يحزنك يا صديقي الأمير؟

 وأرى طالبا مسكينا يدرس على شمعة صغيرة، فخذ له جوهرة سيفي ليكتري مصباحا، فامتثل العصفور سريعا..

 وتوالى الحدث، وتأزم الصقيع، واكتست الأشجار بالثلج، وانكفأت رحلة الدفء..

 مر أناس بالقرب، فعثروا بعصفور تحجّر كقطعة ثلج، والتمثال الذي أحبوه خالي الوفاض، فاحتاروا لمن ينسبون المشاعر أقوى!

سقف بيتي حديد

ركن بيتي حجر

وإذا الفجر مات

والنهار انتحر

فانطفي يا نجوم

واحتجب يا قمر

من سراجي الضئيل

أستمد البصر

*

نعم..

هو السواد الذي ارتحل

وفي القلب الألق اشتعل

فهنيئا لمن به اكتحل

***

أمان السيد – كاتبة / أستراليا

 1-4-2026

(أيها الجالس في هذا البيت المليء بالنقوش والخيال، قم من هذا البيت وارتحل، وخذ متاعك، ولا تقل شيئا. قلت يا قلب تصرف كأب، اليس هذا من وصف الله، قال نعم، ولكن يا روح الاب، لا تقل شيئا)... جلال الدين الرومي من كتاب غزليات شمس، مترجم للعربية من الفارسية (ترجمة الكاتب)

ليست هذه الأبيات مجرد نداء شعري، بل صدمة روحية تهز الإنسان من سباته داخل عالم صنعه بنفسه. فبيت النقوش والخيال ليس مكانا ماديا، بل عالم الذكريات والتعلقات والأوهام التي نحمي بها أنفسنا من حقيقة الفقد والزوال.

الرومي هنا لا يدعو إلى الرحيل الجسدي، بل إلى خلع هذا العالم الداخلي الذي نقيم فيه أصنام الحنين. ثم يتجلى الصراع في مخاطبة القلب، حيث يبحث الإنسان عن رحمة تواسيه كرحمة الأب. لكن الجواب يأتي حاسما: نعم هذا من وصف الحق، ولكن الطريق إليه يمر بالصمت. صمت ليس ضعفا، بل مقام تسقط فيه الكلمات وتعجز اللغة عن حمل ثقل التجربة.2590 ahmad

تعكس لوحة "الكرسي المفضل للأب" للفنان البلجيكي شارل بوينيه، التي رسمها عام ١٨٧٥، هذا المعنى بصريا. نرى شابة تقف في غرفة داخلية مزينة بعناية، ترتدي ثوبا أبيض فاخرا مزينا بشرائط زرقاء، تنحني برأسها قليلا في وضع يوحي بالحزن والتأمل، أمام كرسي فارغ يحتل مركز المشهد. ضوء خافت يتسلل من نافذة غير مرئية، فيرسم ظلالا طويلة على السجاد المنسوج بدقة. ملمس القماش يبدو ثقيلا، وكأنه يحمل في ثناياه رطوبة الغياب. المشهد ساكن، وكأن الزمن توقف. لكن ماذا لو قرأنا هذه اللحظة بطرق مختلفة؟ هل الشابة تستسلم للحزن أم تتمرد عليه بصمتها؟ أو ربما هي معلقة بين الذاكرة والنسيان؟

ينتمي شارل بوينيه إلى المدرسة الأكاديمية الأوروبية في القرن التاسع عشر، حيث امتزجت الواقعية بالدقة التقنية العالية، مع نزعة عاطفية في تصوير المشاهد اليومية. عرف باهتمامه برسم البورتريه والمشاهد الداخلية التي تركز على الإنسان وعواطفه.

كانت أعماله تعكس ذوق الطبقة البرجوازية في ذلك العصر، مع اهتمام خاص بالتفاصيل الدقيقة للملابس والديكور. تحمل أعماله بعدا إنسانيا هادئا، لا تعتمد على الدراما الصاخبة، بل على لحظات التأمل الداخلي. وهذا ما يجعل هذه اللوحة نموذجا واضحا لمدرسته التي ترى في الحياة اليومية مسرحا للمشاعر العميقة.

لنقف قليلا عند الشابة نفسها. جسدها المنحني ورأسها المطأطئ: هل هو خضوع للحزن أم بداية وعي جديد؟

من زاوية ابن عطاء الله السكندري، يمكن قراءة هذا الوقوف باعتباره تجسيدا لحقيقة وجودية. فالحزن الذي يملأ الغرفة ليس استثناء، بل جزء من طبيعة الدنيا. يقول ابن عطاء: ما دمت في الدنيا فلا تستغرب وجود الأحزان. لكن الأهم هو ما تفعله بعد ذلك.

أليس وقوفها دون أن تجلس على الكرسي أو تزيحه دليلا على تحرر من التعلق؟

يقول السكندري:

أنت حر مما يئست منه، وأنت عبد لما ترجوه.

ثم يأتي قوله الأعمق:

أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.

وقوفها الثابت قد يكون تجسيدا لهذا التسليم. لكن هل التسليم هو النهاية الوحيدة؟ ماذا لو كان وقوفها المجرد بداية تمرد صامت على فكرة الفقد نفسها؟

أما عند محيي الدين بن عربي، فالأشياء ليست كما تبدو. تأمل ايها القارئ الكرسي مرة أخرى: ليس فارغا بالكامل، فهو ممتلئ بالذاكرة، بالعادات، بصورة الجالس الذي لم يعد يجلس.

يقول ابن عربي: الفناء هو عدم رؤية الأشياء، والبقاء هو رؤية الحق في الأشياء.

هل يمكن أن تكون الشابة في لحظة فناء عن رؤية الكرسي كمجرد كرسي؟ ليس بالضرورة أن نصل فورا إلى الحضرة الإلهية. ربما هي فقط ترى الأب، أو ترى فراغا يصعب تسميته.

لكن ابن عربي يضيف:

ما من حزن إلا وهو مقدمة لفرج، وما من ظلمة إلا وهي تعلن عن قرب فجر.

الظلمة المحيطة باللوحة قد تكون ليست نهاية بل بداية. لكن السؤال: هل الفجر آت حتما؟ أم أن الظلمة قد تطول، وقد تتحول إلى سكن دائم؟

من جهة أخرى، يقدم عبد الجبار الرفاعي في كتابه "الظمأ الأنطلوجي" قراءة معاصرة. يشير إلى أن الإنسان المعاصر يعاني من عطش وجودي ناتج عن غياب المعنى والانقطاع عن الجذور. انظر إلى الغرفة من جديد: كل هذه التفاصيل المادية، الأثاث الفاخر، السجاد المنسق، الشرائط الزرقاء على الثوب الأبيض. أليست محاولة لملء فراغ؟

لكن الكرسي الفارغ يظل شاهدا على فجوة لا تسدها الأشياء. الشابة هنا ليست مجرد حزينة على فقد أبيها، بل هي في لحظة مواجهة مع سؤال الوجود ذاته: من أنا بعد رحيل من كان جزءا من هويتي؟ كيف أعيد تشكيل علاقتي بالعالم؟

الرفاعي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو إلى العيش في السؤال نفسه. وفي صمت الغرفة، وفي ثقل الضوء الذي لا يضيء كثيرا، تقف الشابة سؤالا مفتوحا لا يطلب جوابا.

بعد هذا، نعود إلى نقطة البداية: الرومي وأبياته. لكننا لم نعد كما كنا. كل هذه القراءات لم تقدم لنا إجابة واحدة، بل فتحت أمامنا أسئلة.

هل الرومي كان يدعونا حقا إلى تسليم خالص؟ أم كان يدعونا إلى مواجهة أوهامنا مهما كانت جميلة؟

"قم من هذا البيت وارتحل" قد تكون دعوة لتجاوز التفسيرات نفسها، لتجاوز هذا المقال، لتجاوز الكلمات. البيت المليء بالنقوش والخيال هو كل هذه المحاولات لشرح الفقد. لكن الحقيقة قد تكون أبسط: أن نقف كما تقف تلك الشابة، أمام ما نملكه و ما فقدناه، دون أن نحكم.

وربما أبعد من ذلك: أن لا شيء ينتظرنا، لا فجر ولا ظلمة، فقط وقوف.. ربما وقفة الشاهد و الشهيد..

ربما ايضا وقوف في غرفة، وامام كرسي فارغ، وصمت...كل ذلك لا يعني شيئا محددا ولا يحتاج ايضا إلى معنى محدد.

اخيرا هل يصبح الفقد يوما ما بابا للمعرفة أم يظل جرحا لا يندمل؟ وهل الصمت الذي نعيشه في مواجهة الغياب هو هزيمة أم هو أصدق لغة نملكها؟

***

د احمد عابر

 

تجدر الإشارة إلى أن الإبداع الأدبي الحقيقي، ينبثق عند ومضة تلك اللحظة، التي يلتقي فيها وجدان الكاتب، مع نبض الحياة في محيطه، حيث تنثال الكلمات، عندئذ، بوهج يخترق حالة السكون المخيمة عليه.

وهكذا تتوهج الكتابة، بماهي نتاج تفاعل رومانسية الكاتب، وحسه المرهف في اللحظة، لتصبح أكثر من مجرد عبارات مرصوفة ٱليا، مع بعضها، طالما كانت ومضة وجدانية عميقة، وانفعالا عاطفيا، يعكس رؤية الكاتب لعوالمه.

ولا ريب أن الرومانسية في الإبداع ليست مجرد الحديث عن الحب أو العاطفة، وانما هي القدرة على رؤية الجمال، حتى في التفاصيل الصغيرة لعوالم الكاتب، والتي قد تتجسد ساعتئذ، في ابتسامة عابرة، أو في غروبٍ اصيل يوم يلامس الأفق، أو حتى في لحظة صمت متأملة، ما دامت تعكس حالة نشوة، و دمشاعر عفوية جياشة، تجعل الكاتب يتذوق الجمال، ويشعر بأدق تفاصيله، التي تخرج من أعماق الوجدان، لتترجم عند ذاك، شعرا ابداعيا، وخواطر وجدانية عميقة، تجمع بين رقة المشاعر، وعمق الإحساس، الذي يضفي على الحياة طابعاً من النقاء النفسي، والابداع العاطفي، ويتجسد في صدق المشاعر، والحب الخالص، والوفاء التام.

وهكذا يعيد الكاتب الرومانسي تشكيل عوالم واقعه، ليجسدها بلغة حالمة، تمنح الأشياء روحا، لتحول ماهو مألوف منها إلى استثنائي، ما دام الكاتب لايقتصر في ما يكتبه، على ما يراه مجسما، وحسب، بل يسطر ما يحس به، وما يشعر به، في أعماق وجدانه، ليظل الحس المرهف عنده، تلك القدرة الفائقة على التقاط المشاعر الخفية، والإحساس بما يعجز الآخرون من غير المبدعين، عن ملاحظته.

 فالكاتب ذو الحس المرهف، لايمر على الأحداث مرورا عابرا، بل يغوص في أعماقها، ليلامس حقيقة جوهرها، ليتحفنا بنصوص، وسرديات ابداعية تنبض بكل صور الحياة.اذ ان الرومانسية بتفاعلها مع الحسّ المرهف، تفرز إبداعا متوهجا، زاخرا بدفء العاطفة، ليصل إلى القارئ دون استئذان، حيث تكون الكلمات جسور تواصل، وتصبح الكتابة رسالة إنسانية، قبل أن تكون فناً ٱليا مجردا، ومتكلفا..

وهكذا يبقى الإبداع المتوهج، انعكاسا صادقا لروح الكاتب، وفيض وجدانه، إذ كلما كان وجدانه أكثر نقاء، وحسه أكثر عمقا، كانت كتاباته أكثر قدرة على الحضور، والتأثير. فالإبداع ليس مجرد مهارة تكتسب بالممارسة وحسب، بل هو حس يعاش، ونور يتوهج في داخل الذات، قبل أن يسطر على الورق.

***

نايف عبوش

لا أعلم ما الذي يصيبني حين يكون كل شيء مُعدّاً لغزل حرفٍ لازورديّ، وحين تنقر الكلمات مداد قلمي مدفوعة بالتفاصيل الدقيقة، وكأنها بقعة ضوء تركت أثرها على ورقي، والتي تحيط بي كالطوق...

إنني أتعجب من الأشياء التي تملك حق مقاربتي، ولا تملك صك العبور بي إلى ما وراء الحبر! لا زلت أنتظر ذاك الهطول المدوي لقلمي، والذي حسبت أنه سيكون أحرفاً جارفة كتلك المياه الجارفة التي أعقبت نزيف غيم، وركام سحب...

حقاً إنني أتعجب حين أكون في ضيافة تقلبات كتابية، أصبح أكثر انكماشاً، وأعمق صمتاً، وكل هذا المطر والبرد والحنين يشتد في داخلي دون أن يحدث ما أسميه الوقع المدوي لقلمي...

إنني أجلس هنا على حافة ورق أبيض أصم أنتظر، ولا أعلم في الحقيقة ما الذي أنتظره؛ ربما كان انتظار مفردات تأتي على مشجب حقائب حرف لا سفر...

هذا الانحباس الحبري الذي أشلّ قلمي، وفي الخارج كل هذا السيل من جراء انقلاب طقس، وثوران نفس كأنها كاسحة ألغام، ولا يزال هذا الخمول الكتابي يطيح بكلماتي وبقايا شعور وحلم...

عندما أشرعت في الكتابة تخيلت أن تجرفني الكلمات كالنهر المتدفق يسرد كل الاهتزازات الحياتية التي مررت بها، ولكنني أجلس هنا كما ترى، خاوية المفردات اللغوية، بلا أسطر ممتلئة، كأنها بروش صحراوية، كأنني انعكاس سراب لا حرف.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

قراءة بلاغية أسلوبية في تشكيل المعنى

لم يعد الشعر الحديث مجرد تعبير لغوي أو بناء دلالي قائم على الصورة والرمز، بل غدا فضاءً تتداخل فيه المستويات الصوتية مع المعاني لتشكّل تجربة جمالية مركّبة. ويبرز شعر محمود درويش بوصفه أحد أهم النماذج التي أعادت تعريف العلاقة بين الصوت والمعنى، حيث تحوّل الإيقاع من عنصر تابع للوزن إلى بنية دلالية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى وتوجيه التأويل.

لقد تجاوز درويش المفهوم التقليدي للموسيقى الشعرية، فلم يعد الوزن العروضي هو الحامل الوحيد للإيقاع، بل صار الصوت نفسه—بكل تجلياته من تكرار وتنغيم وصمت—جزءًا من نسيج الدلالة. وهذا ما يجعل قصيدته فضاءً سمعيًا بقدر ما هي فضاء لغوي.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الصوت في شعره بوصفه طاقة تعبيرية تحمل الانفعال وتُنتج المعنى، وهو ما يلتقي مع تصورات رومان ياكوبسون حول الوظيفة الشعرية، حيث يتركز الخطاب على ذاته، ومع تأويلات بول ريكور التي ترى في النص فائضًا دلاليًا مفتوحًا على قراءات متعددة.

من أبرز الظواهر الصوتية التي تتجلى في شعر درويش ظاهرة التكرار، التي تتحول من مجرد إعادة لفظية إلى بنية إيقاعية تحمل دلالة. ففي قوله:

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”

يتحوّل التكرار إلى إيقاع تصاعدي يرسّخ المعنى ويمنحه طابعًا إنشاديًا جماعيًا، كأن الصوت هنا لا يعبّر عن ذات فردية بل عن ذاكرة جمعية تبحث عن الثبات والاستمرار.

كما يظهر التناغم الصوتي بوضوح في مقاطع الحنين، مثل:

“وأحنّ إلى خبز أمي / وقهوة أمي”

حيث يتكرر الصوت الأنفي (الميم والنون) ليخلق إحساسًا بالدفء والحميمية. هنا لا يكون الصوت مجرد وسيلة نقل، بل يتحول إلى تجربة حسية تستدعي الذاكرة وتعيد تشكيلها.

أما في نصوص أخرى، فيلجأ درويش إلى تفكيك الإيقاع التقليدي، كما في قوله:

“سجّل! / أنا عربي”

حيث تتسم العبارة بالقصر والحدة، ويؤدي الوقف دورًا أساسيًا في خلق صدمة صوتية تفتح المجال لتأويلات متعددة. الإيقاع هنا ليس زخرفًا، بل تعبير عن توتر وجودي وسياسي مكثف.

وفي مقابل هذا التوتر، نجد نماذج من الموسيقى الداخلية الهادئة، مثل:

“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”

حيث يتحقق الانسجام عبر تآلف الحروف وامتداد الحركات الصوتية، مما يخلق إيقاعًا يوحي بالأمل والاستمرارية. وكأن الزمن نفسه يتمدد داخل العبارة.

ولا يقل الصمت أهمية عن الصوت في تجربة درويش؛ فالوقفات والفجوات النصية تشكّل جزءًا من البنية الإيقاعية، حيث يُنتج الصمت فراغًا دلاليًا يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى. إن الصوت عنده ليس حضورًا فقط، بل حضور وغياب في آنٍ واحد.

وعند تأمل هذه الظواهر في ضوء التجربة الشعرية الأوسع، يمكن القول إن الصوت في شعر درويش يتحول إلى تمثيل للهوية، إذ يصبح الإيقاع أثرًا للذاكرة الفلسطينية، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الذاتي والجماعي.

وإذا قارنا هذه التجربة مع شعراء آخرين، نجد أن نزار قباني يميل إلى بساطة موسيقية وتكرار مباشر يخدم العاطفة، بينما يتجه أدونيس إلى تفكيك الصوت وإنتاج غموض تجريدي. أما درويش، فيحقق توازنًا لافتًا بين الإيقاع والتركيب، حيث يوظّف الصوت لخدمة المعنى دون أن يفقده كثافته الجمالية.

في المحصلة، يكشف التأمل في الظواهر الصوتية في شعر محمود درويش عن وعي جمالي عميق، يجعل من الصوت أداة مقاومة بقدر ما هو أداة تعبير. فقصيدته لا تُقرأ فقط، بل تُسمع وتُحسّ، وتظل مفتوحة على تأويلات متعددة بفضل هذا الغنى الصوتي.

إن دراسة الصوت في هذا الشعر لا تُضيء جانبًا شكليًا فحسب، بل تكشف عن جوهر التجربة الشعرية ذاتها، حيث يتداخل الإيقاع مع الهوية، ويتحوّل الحرف إلى أثر حيّ للذاكرة والوجود.

***

بقلم: ربى رباعي – الأردن

"لا تخش الذين يقتلون الجسد، ولكن اخش الذين يقتلون الروح"... من رواية البوساء ل فيكتور هوغو

بهذه الكلمات يضع فيكتور هوغو على لسان الاسقف ميرييل في رواية البؤساء خلاصة رؤية اخلاقية عميقة، تميز بين نوعين من القوة: قوة تنال من الجسد فتفنيه، وقوة تنال من الروح فتطمس معناها. ليست الاولى هي الاخطر، لان الموت الجسدي قدر كل حي، اما الثانية فهي التي تصيب جوهر الانسان، فتفقده القدرة على الحب والرحمة والعدل.

بهذا المعنى يعيد ميرييل تعريف الخوف، فلا ينبغي ان نخاف من نهاية الحياة، بل من انطفاء المعنى داخلها. فالقتل الحقيقي ليس انهاء الجسد، بل اخماد الانسانية في الانسان، سواء في نفسه او في غيره. وهنا يصبح الخوف معيارا اخلاقيا: ان تخشى ان تتحول الى قاتل للروح، لا ان تكون ضحية للموت.

في لوحة الثالث من مايو ١٨٠٨ للرسام فرانسيسكو غويا، يتجسد هذا المعنى في صورة بصرية صادمة. يقف رجل في مركز المشهد، مرتديا قميصا ابيض وبنطالا اصفر، رافعا ذراعيه في هيئة تستدعي الصليب. امامه صف من الجنود الفرنسيين، متراصين في انتظام صارم، يوجهون بنادقهم نحوه. يضيء فانوس موضوع على الارض المشهد من الاسفل، فيكشف الجسد الممدد للرجل ويجعله بؤرة الضوء، بينما تغرق الخلفية في ظلام كثيف.

حول الرجل جثث من سبقوه، ووجوه مذعورة، واجساد تنحني او تتوارى. وعلى النقيض، تبدو وجوه الجنود غائبة، مخفية خلف البنادق، كأنهم ليسوا افرادا بل آلة واحدة. تتكرر البنادق في خط صارم، في ايقاع ميكانيكي يوحي بان العنف هنا ليس فعلا انسانيا، بل اجراء مجردا من الشعور.

هذا التباين ليس بصريا فحسب، بل اخلاقي ايضا. فالضحايا افراد، لكل منهم خوفه وملامحه، اما الجنود فهم كتلة بلا وجوه، بلا فردية، وبلا تردد. وهنا تتجلى مفارقة عميقة: من يطلق النار يبدو اقل حضورا انسانيا ممن يقتل.

رسم غويا هذه اللوحة بين عامي ١٨١٤-١٨١٥، بعد احداث الانتفاضة الاسبانية ضد قوات نابليون بونابرت. ففي الثاني من مايو ١٨٠٨ اندلعت المقاومة الشعبية في مدريد، وقمعت بعنف، ثم اعدم في اليوم التالي عشرات المدنيين بالرصاص خارج المدينة. لكن غويا لا يرسم حدثا تاريخيا بوصفه انتصارا او هزيمة، بل يقدمه كتجربة انسانية مكثفة، لحظة ينكشف فيها العنف في صورته العارية، لا كفعل حرب بل كفعل قتل منظم منزوع الرحمة. لذلك لم تكن اللوحة خطابا وطنيا تقليديا، بل شهادة اخلاقية ربما كانت صادمة الى درجة انها لم تعرض في حياته.

في قراءة اعمق يمكن ان نجد صدى لهذا المشهد في قول محيي الدين بن عربي: القتل ليس في قتل الجسد، انما القتل في قتل المعرفة بالله، فمن عرف الله لم يضره قتل الجسد.

هذا القول لا ينفي الموت، بل يعيد تعريفه. فالجسد فان على كل حال، اما المعرفة او الوعي او المعنى فهي ما يمنح الانسان قيمته. من هذا المنظور يبدو الرجل في اللوحة مختلفا عن الآخرين، ليس لانه لا يواجه الموت، بل لانه يواجهه دون ان يفقد ذاته. وقوفه، ذراعاه الممدودتان، نظرته الثابتة، كلها تشير الى حالة من التسليم، لا للخوف بل لمعنى يتجاوز الجسد.

وفي السياق نفسه يكتب عبد الجبار الرفاعي: الانسان ليس جسدا يحيا ثم يموت، بل هو معنى يسكن الجسد، فاذا مات المعنى مات الانسان وان ظل الجسد نابضا.

بهذا الفهم يتحول الرجل في اللوحة من ضحية الى رمز. لم يعد فردا بعينه، بل تجسيدا لمعنى يقف امام العنف ولا ينكسر. ان ما يقتل امامنا هو الجسد، اما ما يتشكل في الوعي فهو شيء اخر: معنى لا يخضع للبندقية.

عند هذه النقطة تعود عبارة ميرييل في رواية البوساء ل فيكتور هوغو لتصبح مفتاح القراءة. ليس الخوف من الموت هو ما يهيمن على المشهد، بل سؤال اعمق: من الذي يقتل حقا؟ الرجل الذي يقف امام البنادق، رغم ضعفه، يحتفظ بانسانيته كاملة.

اما الجنود، وهم يمارسون القتل باسم النظام والطاعة، فيبدون وقد فقدوا شيئا من انسانيتهم. وجوههم الغائبة، اندماجهم في آلة القتل، خضوعهم لايقاع واحد، كل ذلك يوحي بانهم، وهم يقتلون الجسد، يقتلون في انفسهم القدرة على الرحمة. وهنا تنقلب المعادلة: الضحية يحتفظ بروحه، والقاتل يفقد شيئا منها.

في النهاية لا تقدم اللوحة جوابا حاسما، بل تتركنا امام مفارقة مفتوحة: اي قوة ابقى، قوة السلاح ام قوة المعنى؟ من المنتصر، من يبقى حيا ام من يبقى حاضرا في الذاكرة والمعنى؟ قد تكون هذه لحظة اعدام، لكنها تبدو ايضا لحظة ولادة، ولادة معنى لا يمكن قتله.

وهنا يتجلى الدرس الاخلاقي العميق الذي يجمع بين غويا وهوغو وابن عربي والرفاعي: ليس اخطر ما يمكن ان يحدث للانسان ان يموت، بل ان يفقد روحه وهو حي.

***

د احمد عابر

...................

المصادر

١. اللوحة: فارنسشكو غويا، زيت على قماش، 268 × 347 سم. مدريد، متحف البرادو الوطني (Museo Nacional del Prado).

٢. فيكتور هوغو، البؤساء، ترجمة منير البعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ٢٠٠٩، ص ١٢٤.

٣. ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية. تحقيق عثمان يحيى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٢. الجزء الثالث، الباب الحادي والثلاثون بعد المائة (في معرفة حقيقة الموت وما يظهر منه في النشأة الدنياوية)، ص ٤٦٨.

٤. الرفاعي، عبد الجبار. دروب المعنى: في الفلسفة والدين والحداثة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، ٢٠١٨، ص ١٢٤.

لاشك ان النص الإبداعي يعكس انثيالات وجدانية حرة للكاتب، تنبض بالحياة، متجاوزة بذلك، المألوف من حدود اللغة التقليدية، لتتناغم مع أعماق الشعور الإنساني للمبدع.

وهكذا نجد أن النص الإبداعي ليس مجرد كلمات ترصف بجانب بعضها البعض، بل هو حالة وجدانية مرهفة، تنبثق من ومضة تلك اللحظة، التي يلتقطها الكاتب بحسه المرهف،  ليعيد تشكيلها في صورة أدبية، نابضة بكل تجليات حسه الوجدانية في اللحظة.

ولعل وهج النص الإبداعي يكمن في قدرته على التقاط ومضة اللحظة، والتفاعل الحسي المرهف معها، حيث تتحول عند صاحب المزاج المبدع، إلى تجربة وجدانية متوهجة، قد تتجسد بنظرة تأمل، أو لحظة صمت، أو حس خفي .

وهكذا يظهر دور الحس المرهف للمبدع، الذي يمكنه من الغوص في تفاصيل هذه التجربة الوجدانية، واستخلاص جماليات التجليات الكامنة في اعماقها.

وتجدر الإشارة إلى أن الإبداع لا يتقيد بنمط محدد من النتاج الأدبي، بل يتجلّى في أساليب متنوعة، مع تفرد بالرؤية. فقد يكون النص الإبداعي قصيدة، أو قد يأتي بشكل خاطرة، أو قصة قصيرة، أو حتى عبارة مختصرة تحمل بين كلماتها فيضا من المعاني البليغة.

وتبقى العفوية والتلقائية في ابداع النص، مهما كان بسيطا، عنصرا جذابا في شد المتلقي إلى النص، والوصول إلى اعماقه، في حين يفقد النص المتكلف تأثيره، وسحره، مهما بلغ من التعقيد، والتصنع.

وتظل لغة الكاتب في النص الابداعي أداة مهمة في تشكيله، وبنائه.، فاقتدار الكاتب في انتقاء مفرداته بعناية، والتوظيف البليغ للمفردة، يمنحها وهجا متالقا، حيث تتحول الكلمات إلى صور مكتضة بالدلالات التعبيرية، وإلى مشاعر تتفاعل مع حس القارئ بسلاسة. وكلما كان الكاتب متناغما مع إحساسه الحقيقي، استطاع أن يستولد نصا ابداعيا يلامس قلوب المتلقين بشغف، ويترك أثره البالغ في اعماق وجدانهم.

وهكذا يظل النص الإبداعي انعكاسا صادقا لنبض المبدع، وترجمة للحظات حسه العابرة، باعتباره فن الإصغاء إلى تجليات الداخل، والتعبير عن الخارج بلغة تنبض بالحياة، حيث تتحول ومظة اللحظة، إلى تجليات إبداعية، ويصبح الحس العابر، المتناغم معها أثرا خالدا.

***

نايف عبوش

يُعدّ بدر شاكر السياب أحد أبرز شعراء التجديد في الشعر العربي الحديث، فقد أحدث تحولاً في الشكل الإيقاعي للقصيدة وفي بعدها الدلالي، وكان للرمز دور محوري في تجربته الشعرية. استخدم السياب الرموز للتعبير عن تجربته الشخصية، كما وظفها للتعبير عن هموم الإنسان والوطن والطبيعة.

يمكن تقسيم رموزه إلى نوعين: رموز خاصة تنبع من حياته الشخصية، ورموز عامة تعكس الوطن والمجتمع. وغالباً ما تتداخل هذه الرموز لتكوّن شبكة دلالية ثرية.

الرموز الخاصة

المطر: أبرز الرموز الخاصة في قصيدة أنشودة المطر، حيث يمثل الحياة والانبعاث بعد الجفاف:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناكِ حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

مطر… مطر… مطر…

القرية والنهر: جيكور، قريته، رمز للطفولة والهوية، فيما يمثل نهر بويب ذاكرة الطفولة وحنين الماضي:

بويب… بويب

أجراسُ برجٍ ضاع في قرارة البحر

الحب المبكر: تركت تجربة الحب الأولى مع زميلته وفيقة أثرها في شعره، وتعكس قصيدته هل كان حباً خيبة التجربة العاطفية:

أكان حباً؟

أم خيالاً مرَّ في عينيكِ

ثم مضى…

كأن لم يكن؟

الرموز العامة

الوطن: العراق رمز للمعاناة والحنين في قصيدته غريب على الخليج:

الريح تصرخ بي: عراق

والموج يعول بي: عراق، عراق

ليس سوى عراق

الدين والأسطورة: المسيح رمز للألم والتضحية والخلاص في قصيدته المسيح بعد الصلب:

بعد الصليب سمعتُ صوتك في الظلام

فنهضتُ… والجرحُ القديم

يفيض في قلبي دماً

يظهر جلياً أن الرموز عند السياب تمزج بين الخاص والعام، بين التجربة الشخصية والوطنية، وبين الواقع والأسطورة، ما يمنح شعره عمقاً دلالياً وجمالياً، ويؤكد مكانته كأحد أبرز شعراء التجديد في الشعر العربي الحديث.

***

بقلم: وفاء محمد يونس

في مساءٍ ثقيلٍ من مساءات الحرب الكئيبة على حدود الحنين جلسَ فلسطينيان يفصل بينهما وطنٌ واحد.

قال ابنُ القدس: "نحن هنا نحرسُ الذاكرة كي لا تموت"، فأجابه ابن المنفى: "ونحن هناك نحملها كي لا تُنسى".

صمتا لحظة لعلّ السكوت يُتمّ ما عجزت عنه الكلمات، ثم قالا معًا: "الطريقُ إلينا لا بدّ أنْ يعود".

ومن بين هذا اليقين انبثقت كلمات ابن القدس سيفا لا ينكسر فأنشد يقول:

سنعودُ والأيّامُ تفتحُ صدرَها

وردًا نديًّا عابقًا وقرنفلًا

سنعودُ والدربُ القديمُ زقاقُه

يحيا بنا ويقولُ: أهلًا بالعُلا

وتفيضُ من شُرُفاتِ بيتٍ غائبٍ

أسماءُ مَن أحبَبْنَ عطرًا مُرسَلا

يا قلبُ كُنْ وترًا يُقاومُ صمتَهُ

فالجرحُ إنْ غنّى يصيرُ مُجلجلا

لا تنثنِ فالليلةُ السوداءُ ما

كانتْ سوى جسرٍ يُهيّئُ موصلا

سنعودُ والريحُ التي نَفَتِ المدى

ستعودُ تُنصتُ في خطانا مُقبِلا

سنعودُ والوقتُ المُشرَّدُ بيننا

سيعودُ طفلًا في الحكايا مُهلّلًا

فهناكَ خلفَ التلّ يُحفَظُ سرُّنا

والقِبلةُ الأولى تُضيءُ المنزلا

فيها الوجوهُ الطيّباتُ كأنّها

دعواتُ أمٍّ في المسا متبتّلة

فانهضْ فإنّ الأرضَ تنتظرُ الخطى

والمستحيلُ إذا دعونا أقبلا

وتعالَ هذا الحلمُ ليس مؤجّلًا

ما دام فينا الشوقُ يحيا مُبجّلاً

قال ابن المنفى: "لقد اتّحدت حكايتنا تحت سماءين مختلفتين، وكبرنا على مفاتيح لا تفتح إلا الذاكرة.

ردّ ابنُ القدس: "ونحن نحرس الأبواب كي لا تُغلق".

ضحكا بحزنٍ يعرفه الفلسطينيون جيدًا، ثم همس أحدهما: "هل تراها قريبة؟" فأجابه الآخر بثبات: "ليست قريبة فقط، إنّها آتية لا محالة".

وما هي إلّا دقائق معدودات حتى أنشد ابن المنفى قائلا:

وتفيضُ في دربِ اللقاءِ سنابلُ

سنعودُ والذكرى عناقٌ مهطلُ

سنعودُ والبيتُ العتيقُ كأنّهُ

قلبٌ يُنادينا وفيه تواصُلُ

وتلوحُ من شُرفاتِه ضحكاتُنا

وترفُّ حولَ وجوهِنا وتؤمّلُ

يا قلبُ صبرًا إنّ وعدَ ليوثِنا

فجرٌ وفي أفقِ الرجوعِ شمائلُ

كم غيمةٍ عبَرَت سماءَ ديارِنا

ثم انثنت والروحُ منها تُقاتلُ

سنعودُ والأحلامُ تُورِقُ مُرّةً

في كلّ دربٍ ضاع فيه السائلُ

سنعودُ والأنفاسُ تكتبُ اسمَنا

نغمًا عليه من الشجونِ سلاسلُ

فهناكَ عند السهل قمحُ بلادِنا

والنهرُ يهمسُ والربوعُ جداولُ

سنعودُ والقدسُ الجريحُ يشدّنا

نحو الديارِ وفي المدى نتكاملُ

هيّا بنا فالشوقُ يدعونا معًا

والدربُ من دفءِ اللقا يتهلّلُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

من وحي قلمه خطّ الأديب مصطفى الرافعي سطورا حول دلالات العيد بين الأمس واليوم، متسائلا عما حدث ليفقد العيد رسائله الواحدة تلو الأخرى، ويتحول إلى مناسبة لتجديد الثياب، وتجديد الفراغ، وزيادة ابتسامة منافقة على حد قوله!

من عيد للفكرة العابدة إلى عيد للفكرة العابثة، ومن إثبات للوجود الروحي للأمة إلى اكتفاء بوجودها الحيواني، يتتبع الرافعي في مقالته عن (المعنى السياسي للعيد) خيوط الفارق المؤلم بين صورة العيد المبثوثة في ثنايا الكتاب والسنة، ومظاهره التي تشي بضعف الأمة وتفككها، وانتكاسها الحضاري.

ينفض الرافعي غبار الوهن عن الصورة الحية للعيد، كما صاغتها النفوس الحية في الزمن الأول، فيستشف منها ست رسائل تضفي عليه حضورا معنويا غير الذي نحياه اليوم.

أما الرسالة الأولى فهي أن العيد إظهار لوحدة الشعور والكلمة، وإثبات وجود الأمة وقدرتها على تغيير الأيام لا الثياب فقط.

والثانية فيها تذكير للأمة بأن روح الإخاء والجوار لا تُقيدها حدود مصطنعة، كأن العيد إطلاق لروح الأسرة الواحدة في الأمة بأسرها.

والثالثة فيها إظهار للذاتية النشيطة والمفعمة بالحياة والقوة، حيث يهتف العيد في الأمة: أخرجي يوم أفراحك كأنه يوم للنصر!

وأما الرابعة ففيها إبراز للكتلة الاجتماعية للأمة، واستقلالها عن الأجنبي في وجودها وصناعتها واقتصادها.

والخامسة تحيل على تلقين معاني البهجة للصغار والكبار، في ارتباطها بالصفات الإنسانية؛ إذ لا يكون الفرح والبهجة كذلك إلا حين يستمدان حضورهما من الألفة بين عموم الناس، ودفء الشعور الإنساني الصادق.

بينما الرسالة الأخيرة تدور حول تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن، لتجعل من كل إنجاز عيدا يستحق أن يُحتفى به؛ فيكون ازدهار الاقتصاد، وتطور الصناعة، وحركة العلوم والفنون أعيادا تحقق النصر الذي لا يقل شأنا عن نظيره العسكري.

استعرض الرافعي جماليات العيد في إحاطته بالحياة العامة للمسلم، لكن دون أن يكشف عن سر التحول الذي طرأ عليها في الزمن المتأخر: هل يتعلق الأمر على سبيل المثال بغلبة الطابع الاحتفالي والعادات المستحدثة على الهدي النبوي؟ أم أن العيد تعرّض كغيره من المظاهر الإسلامية لغلبة المادة على المبدأ، والانسياق خلف تبريرات تنزع عنه شعاره الخاص؟

لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجد أن أهلها يحتفلون بعيدين من رواسب الجاهلية هما النيروز والمهرجان، فقال: " إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر"-رواه أبوداود وصححه الألباني-.

كان العيدان بمثابة تتويج لركنين عظيمين هما الصيام والحج. ويكشف الهدي النبوي عن تأطير لمظاهر الفرح والابتهاج بهدف تنقيتها من رواسب الشرك والوثنية؛ فوردت أحاديث تحث على التجمل في العيد، والتوسعة على العيال، والرخصة في الغناء والضرب بالدف واللهو المباح.

وبما أن العيد مظهر من مظاهر التعبير عن كيان الأمة وشخصيتها، واستقلالها الحضاري عن بقية الأمم، فلا شك أنه تأثر بما تتأثر به المظاهر الأخرى حين ينفرط العقد، وتتفكك أسباب الوحدة والتماسك الاجتماعي.

يكشف آدم ميتز عن سبب جوهري يتمثل في مواصلة المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام احتفالهم بالأعياد النصرانية في جانبها الترفيهي، وكيف أن الأديرة تحولت إلى مراكز جذب لطُلّاب اللهو من المسلمين. يقول في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري):

"ولم يرض الذين دخلوا الإسلام من أهل تلك البلاد- مصر والعراق- أن يُحرموا من الاحتفال بهذه الأيام التي كانت تزدهي بها حياة آبائهم الوثنيين من قبل.. واشتركوا في الجانب الاجتماعي المسلّي من تلك الأعياد كما فعل آباؤهم من قبل.. وكانت أعياد القديسين في مختلف الأديرة أكثر الأعياد نصيبا من احتفال الناس"

ومن خلال استعراضه لما تضج به قصائد الشعراء آنذاك من ذكر أعياد النصارى، وأماكن اللهو وأشكاله، نتلمّس الانحراف الذي أصاب مظاهر التعبير عن الفرح، وكيف أن الأعياد الوثنية، كعيد النيروز والمهرجان بُعثت من جديد:

"وكان الناس يتهادون في المهرجان، كما يتهادون في النيروز. وكان القواد ورجال دار الخلافة تخلع عليهم فيه ملابس الشتاء؛ وكان العامة يغيرون فيه الفرش والآلات وكثيرا من الملابس. وكان هذا العيد يمتاز خاصة بأن الرعية يُهدون فيه إلى السلطان." 

لم يكن استجمام النفوس بعد موسمين للعبادة هما رمضان والحج منفصلا عن إظهار شعائر الدين؛ لذا كانت تعبيرات السلف الصالح تجمع بين الأمرين، من خلال تحقيق الأثر الإيماني والاجتماعي للعيد. وهكذا ارتبطت مقاصده لديهم بالفرح بتمام العبادة، وزيادة الإيمان، وصلة الأرحام، وتقوية وشائج القربى. بمعنى أن العيدين كانت لهما رسائل واضحة، دلّت عليها نصوص وأحكام ظلت، ولاتزال دون شك، تؤطر مقاصد الفرح والابتهاج، وتتويج مشقة التكليف بمنحة ربانية.

غير أن وتيرة الحياة اليومية في زمننا الحاضر، وتشبّع مجتمعاتنا بمنظور غربي لإيقاعي العمل والفراغ، عزّز من موقع الفرح والسرور على حساب المقصد الشرعي، وتأثر المسلم المعاصر بالتعبيرات التي يكتسيها العيد في مجتمعات غير إسلامية. يقول روجيه كايوا، الانثربولوجي والناقد الفرنسي، في كتابه (الإنسان والمقدس)

" لقد كان العيد ولايزال، أمس كما اليوم، يتمثل في الرقص والغناء، والتهافت على المأكول والمشروب. على المرء أن يُقبل على كل ما تلذّه نفسه وتشتهيه، وأن يعُبّ منه حتى التخمة والمرض. تلك هي سُنّة العيد."

وحديث كايوا هنا هو عن العيد الذي يقطع سير الحياة النظامية، حيث ينهمك الإنسان في أعماله اليومية، وتنضبط حياته بفعل قوائم من القوانين والمحظورات؛ ثم يأتي العيد ليتيح له فسحة من الإثارة والحماسة، بل وانتهاك المحظور إذا لزم الأمر!

عيد بهذه الصورة هيأ لماكينة الاقتصاد أن تسطو على تعبيراته، وأن توجّه الأفراد إلى مضاعفة نزعتهم الاستهلاكية في كل مناسبة، ليصبح الابتهاج والغبطة مقرونين بما يتم إنفاقه وتبديده من أموال، وبالتالي تعميق الشعور بالفوارق الاجتماعية بين أغنياء الأمة وفقرائها.

***

حميد بن خيبش

أيتها الشمس أُغربي عن وجهي وسنرى ماذا قد يحمله الغد من متغيرات؟  أُغربي بالأمر الإجباري من اليوم إلى الغد القريب، فالأيام قد تبيت مجرد تفكير صامت، غير قادرة على مجابهة طغيان النسيان. أُغربي يا شمس الأصيل حتى نفهم أن هذا الغد المستنير، هل سيحمل شمسا مُشرقة أم رذاذ مطر غيمة تائهة تمطر رعدا؟

من صبح هذا اليوم الشارق بشدة حمرة السماء، قررت أن أبحث عن منطقة الغروب، وذلك بكل غرابة وغباء وخارج طاقة ما نتصور، وهذا بطبع الحال ما يرفضه الواقع. قررت ألاّ أحكي عن جمالية شمس تغيب عنوة ثم تستنير في الزمن الصامت ثانية لتعاود كرة خط زمن النسيان. قررت إبقاء الصمت في منتهى مغيب العين الحمئة من مرقد الشمس، وفزعها من مكابدة اغتيال التاريخ الحزين بالرحمة.

 من الغد الغائب بالخفايا لن أفسد إيماني بالقدر والقضاء، بل سأنتصر للسماء دوما، وأتصور أن الشمس على شدة ضخامتها تنغــمر انغماسا مثل شظايا كرة النار في ماء العين الحمئة. لكن اليوم انتظروني، سأبيت أحكي لكم أن ذا القرنين توقف عند مُنتهى حد العين الحمئة، واكتفى برؤية الشمس تنغمس في أفول غروبها خلف تلك العين الضيقة سقوطا عن نظرة الناظر، والمنتظر عما يحدث يوم غد بالبشرية العاصية التي أفزعت أمانة السماء بحروبها.

 ثقة مصطنعة أخاف من هوامشها القصية بالتلف والفتنة، لكن يبقى المعنى الجديد للحياة عالق بذاكرتي ويفزعني، ويوقظني في بُكرة صبح ندي للبحث عن ذاك الغد الذي سأنساه عند غروب شمس يومه. سأظل أنظر إلى متسع سماء ولكل بدايات الغسق النابض، فمن السماء أنتصر وأفرح وأملأ خواء ذاتي بالكرامة والعدل والحق والإيمان بالقدر خيره وشره.

 في لحظات مهيبة، قد تنام نفسي متسكعة في الروحانيات، وفي انتظار شروق فجر صبح آخر، لحظتها قررت في هذا اليوم الموعود والذي بالطبع حتى هو سيداوم على تكرار سنن نسيان المسكوت عنه بالخروج من تفكير الصندوق والإيمان برتب التغيير. قررت علانية أن أصف لكم شمسي وهي تحمل ياء النسب المشددة، والناهضة من العين الحمئة بالانتشاء، أن أحكي لكم أن شمس لن ولا تغوص في غفوة نومها بالغطس في الماء البارد، ولم تكن يوما في كبد السماء مريضة بحمى ارتعاد البرد، ولن تنتظر لقاحات التطعيم. قررت أن أحكــــــــــــي لكم يا سادتي عن حلم الحياة بين مطر الغيمة النافض للحياة، وشمس الصفرة المائلة بتعب الحياة.

بعد يوم الغد الممكن بقدرة واجب الوجود، تعلمت من الشمس ألاَّ أمارس الدوران في حياة البحث عن مستوى الظل الباهت والمريح. تعلمت الثبات في موضعي منتصب القامة، وألا أرتج لزلازل الأرض السفلية. قررت البقاء وفيا لنقط انطلاقة البسمة وحلم المستقبل، حتى لا أسقط في فخ المفاجآت غير المريحة، فالسماء الفاتنة تبيت تنزع عنها زرقة يومها وتفتح تلك الأبواب لرياح غامضة قد لا تبدو لا شرقية ولا غربية.

تعلمت من الغيمة أنها تتمسك بالاحتفاظ بحرارة النشأة الأولى، وأنها حين تتقوى بالقدرة تصبح لا تحترم قوة الشمس الضخمة الحارقة، ومرات متكررة داومت الغيمة الوضيعة على أن تمارسها سلطة ثورة دموعها، وتحجب خيوط نور الشمس عن الأرض عنوة.

 تعلمت من تحول الغيمة الممطرة تشبيها لتــــــــــــك العيون التي كانت تبكي على صدري مطرا حارقا، وكانت ترى أن الماضي ينير الحياة من الخلف، والمستقبل لن يستقبلنا بالأحضان. تعلمت من أشعة الظل المتموج بالتقطيع، أن المستقبل لا يفتح بابه بالتسرع وعلى مصراعيه للكل بالتعميم والتبخيس، وأن ظلي الشامخ لا يتعب ولا ينحني أبدا، ومرات عديدة لا يساويني قياما في تصورات المساحة بين الذات والآخر، ولا حتى طولا في تفكير الواقع. عندها ترسخت بذاكرتي أن الركض ما هو إلا محاولات يائسة لإشعال نجمة تستمد نورها من الشمس في السماء الغائمة، لكن حلمي لا يستكين بالهدوء، بل يمد قلبه ليمسك الأمل حتى في الغد القادم بقدرة واجب الوجود.

كم أنت أيتها الشمس المفزعة بالانفجار الكوني بئيسة القوة!!! حين لا أراك مشاهدة وبدون ارتداد طرف العينين. وحين لا لا تسقطين غضبك بالاستبداد على الأرض الطيعة. كم أنت ضعيفة لمرات عديدة ومتكررة حين تحول بيننا غيمة منخفضة ضعيفة التكاثف، تبكي ماء على الأرض للإنبات. كم أنت أيتها الأرض الراضية المرضية تتحملين قسوة شمس الصحراء، وبلا مناجاة للسماء ولا اعتراض، ولا تمارسين دعاء الاستمطار الصناعي. كم أنت أيتها الأرض البريئة من الحروب والقتل، قد تعلمنا منك دفن الحياة من غراب قابيل وهابيل.

 كم أنت أيتها الأرض الآمنة، قد كنت عطوفة، حين سكن مروجك آدم وحواء بعد الخطيئة الكبــــــــــرى. كم كانت غيمة السماء مورقة أرضا بالاخضرار، ومتعسفة بحجب نجم الشمس كرها. كم أنت أيتها الأرض تحبين التسامح والتوافق وتنظرين للشمس أنها هي من أنشأ الغيمة الممطرة بالرذاذ الضعيف، وتتجاوزين ممارستها للجفاف حين تصوب أشعتها نحوك بالموت، وحين "تبكي الشجرات، ويبكي النرجس في الساحات".

أيتها الشمس أُغربـــــــي عن وجهي، ونرى ماذا قد يحمله الغد فهو مجرد زمن صامت بالتدفق؟  فمن حرارتك تُقرع أجراس "النهر المنسي في الأحلام". منك علّمتنا النملة درس الصبر، وتكرار محاولات التصويب والتعديل، وربح نجاحات الحروب والسلم. منك تعلمنا أن الغيمة تمر لزاما بقرب بلادي ومدينتي، وممكن أن تترك لنا دمعات بُخاخ مطر رقيق من البكاء. تعلمنا منك أن البذرة حين تموت في تراب الدفن، ثم تنبت نبتة شجرة برية لا شرقية ولا غربية، لكنها تسر الناظر وردا، ودما عند القطف الفوضوي.

***

محسن الأكرمين

كتب المذكرات السياسية للمسؤولين الامريكيين؛ تعكس جانبا مهما من السياسة او القرارات السياسية، والطريقة التي يتم فيها صناعة هذه القرارات في الغرف المظلمة التي لعبت دورا مؤثرا ومؤذيا وكارثيا، للكثير من شعوب ودول المعمورة؛ التي لعبتها هذه الشخصية موضوع المذكرات اي مذكراتها، وبالذات هذه الكتب، كتب المذكرات المعنية بهذه القراءة المتواضعة التي درج تقريبا كل النخب الامريكية سواء ما كان منهم على رأس الإدارة الامريكية او في الصفوف الأولى لهذه الإدارة او تلك الإدارة عندما يكونون خارج اللعبة السياسية بعد تقاعدهم. كتاب المعلن والخفي لدونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الامريكي الأسبق، في إدارة بوش الابن الذي لعب دورا رئيسا في دفع الإدارة الامريكية على غزو واحتلال العراق. في هذه المذكرات يفسر رامسفيلد في توطئة للتعريف بالعنوان الذي حمل مذكراته في جزئيين (القراءة ستتناول الجزء الاول..) او تسليط الضوء على العنوان العتبة لهذا الكتاب.. في الكثير من الاحيان يكتب رامسفيلد في هذه المقدمة، انقلها بالمعنى المحمول على سطورها: حين تلتقي بشخصية ما وهو هنا يقصد شخصية سياسية لها دورا مركزيا في وطنها او هي الشخصية المحورية والاساسية في تمشية وإدارة امور بلدها؛ ان ما يقال او ما تسمعه من هذه الشخصية او تلك الشخصية، لا تكون هي الحقيقة، بل انها، الحقيقة؛ تحت سطح هذا الكلام الذي تسمعه منها مع انها تقول او تحاول ان تكون براغماتية تقول ما تريد ان تسمعه منها، في حين انها لا تكشف ابدا عن خططها للمستقبل. وهنا عليك ان تفتش عن تلك الخطط بين ثنايا هذا القول او الاقوال وتضع خططك لمواجهة هذه التغييرات والتحولات عندما تحدث تكون انت قد استعدت لها حتى قبل ان تظهر او يكون في مقدورها ان تظهر للوجود في حركة استباقية وانقضاضيه على مشاريع الخصم او مشاريع الخصوم. من هذه المقدمة في امكان القاريء ان يفهم الآن ولو بعد كل هذه السنوات؛ ان رامسفيلد كان واحدا من مجموعة المحافظين الجدد؛ دك شيني، ريتشالد بيرل، بول وولفيتز، كما درج على الاشارة لهم في الاعلام في ذلك الوقت؛ في صياغة الاستراتيجية الامريكية التي تم تبنيها من هؤلاء الذين احاطوا بإدارة بوش الابن والتي كان محورها او المركز فيها هي الحروب الوقائية او الحروب الاستباقية والتي كان العراق، في حينها من ضحاياها، الدولة والشعب والتاريخ والحاضر والمستقبل على حد سواء. هذا لا يعني ابدا ان رؤساء الإدارات الامريكية هناك اختلاف فيما بينهم، بل ان ومن وجهة نظر كاتب هذه السطور المتواضعة؛ كلهم وجهان لعملة واحدة، فقط، الاختلاف هنا هو طريقة واسلوب الوصول او بلوغ الاهداف الامريكية التي تضمها بين سطورها الاستراتيجية الكونية الامريكية التي يجري تحدثيها حسب ضرورات التطورات الدولية في كل بقاع الارض، وتغييرات وتبدلات موازين القوى الدولية الكبرى التي تلعب بمصائر الشعوب، شعوب العالم الثالث خدمة لمصالحها في الحاضر والمستقبل. الكتاب فيه الكثير من الحشو الذي كان بإمكان كاتب هذه المذكرات الاستغناء عن ذكرها لأنها لم تضف اضافة ذات اهمية سياسية او حتى شخصية للكاتب. من خلال التمعن والفحص عند قراءة هذه المذكرات يكتشف القاريء لها ان كاتبها فيه او في شخصيته الكثير من تمكن الأنا النرجسية منه ربما على الرغم منه او هو ينجرف بدفع منها الى التفاصيل الصغيرة والتي لا تشكل اية اهمية تذكر في اثراء هذه المذكرات، بل انها شكلت محمولا ثقيلا عليها. يتدرج رامسفيلد من لاعب مصارعة التي كما يكتب عنها من انه قد فشل فيها. مما يدفعه الى التطوع في سلاح البحرية كضابط في البحرية الامريكية لكنه حتى في هذه لم يستطع الصعود بدرجاتها الى منصتها التي تفتح الطريق له الى مجتمع النخبة حيث خطط لما يريد ان يكون شخصية من شخصيات مجتمع النخبة الامريكية. يترك البحرية ليمارس نشاطا تجاريا عبر الشركات الامريكية او من خلالها حتى يصبح بعد حين من الزمن واحدا من اعمدة واستمرار وديمومة هذه الشركات والتي في اغلبها شركات امبريالية عابرة للحدود. يوضح عن هذه الفترة التي كان لها عليه؛ دورا كبيرا في صقل شخصيته كلاعب مهم في هذه الشركات التي فتحت له الطريق واسعا للترشح في انتخابات الكونجرس الامريكي الذي فاز فيه، في مقعد له فيه، في وقت مبكر من عمره. لقد اكتسب كما يكتب في هذه المذكرات خبرة كبيرة في السياسة والتي هي سياسة هذه الشركات في التسويق والابتكار وفتح الاسواق اي اسواق لها محليا وعلى صعيد العالم، هذه السياسة، سياسة هذه الشركات لا تختلف كثيرا عن السياسة العامة للولايات المتحدة الامريكية، بل ان سياسة الولايات المتحدة في العالم ما هي الا خدمة لمصالح الشركات الكبرى في تخادم مصلحي بين الاثنين، بل ان الاثنين هما واحد في المصالح والتنافع على حساب سيادة وامن شعوب العالم ودولهم. من مقعده في الكونجرس الامريكي يصعد الى السلطة التنفيذية كلاعب مهم في إدارتها. يشرف بتكليف من الرئيس نيكسون على مكتب جديد ومبتكر، مكتب الفرص الاقتصادية؛ في التقليل من مخاطر الفقر في امريكا. من هذا الموقع يصعد الى وزارة الدفاع في فترة إدارة فورد الذي كان نائبا لنيكسون الذي اجبر على الاستقالة اثر فضحية ووتر كيت المعروفة والشهيرة في منتصف سبعينيات القرن العشرين. في البداية عندما عرض عليه هذا التكليف رفضه بحجة؛ دوره المهم في إدارة شركة الادوية التي كانت على وشك الافلاس إلا انه كما يكتب عن مرحلة حياته هذه فيها؛ قام بدور مهم في انقاذها من الافلاس بل انها صارت في عهده، حين صار هو رئيسا تنفيذيا لإدارتها بتكليف من عائلة هذه الشركة. اكتسب خبرة واسعة وكبيرة في طريقة التغلب على وضعها الخطير والذي ينبأ بتفكيكها؛ لتكون شركة كبرى ومهمة او من اهم شركات الادوية الامريكية العابرة للحدود. يحاجج موفد الرئيس له، دك شيني، الذي عمل معه في مكتب الفرص الاقتصادية؛ من انه لا يمكنه ان يترك موقعه في هذه الشركة الذي يكسب فيه اموال لا يمكن ان يعوضها له راتبه في موقعه المقترح عليه هذا. من خلال قراءة هذا المقطع من المذكرات يكتشف القارئ؛ ان رامسفيلد يطمح ليكون عنصرا مهما في الإدارة الامريكية في اعماق قلبه، على الرغم من انه لا يصرح بهذه الرغبة في سطور الكتاب غير ان التمعن والتدقيق والقراءة المتأنية والتوقف باستمرار عند القراءة على كل ما فيها من معاني خفية تحت حروفها؛ تظهر هذه الرغبة ظهورا واضحا لا غبار يضبب هذه الرغبة. في البدء رفض، إنما لاحقا بعد ايام يقبل بها ليكون وزيرا للدفاع في إدارة فورد. عندما يترأس وزارة الدفاع يقوم بتقريب شاب اقل منه عمرا، موفد الرئيس له، دك شيني الذي يصفه بالذكي والنشط من خلال تجربته معه في مكتب الفرص الاقتصادية. يكتب هذا في كتاب مذكراته:- كنت قد تعرفت عليه في مكتب الفرص الاقتصادية، شابا ذكيا ونشطا. لاحقا تزداد علاقته مع شيني حتى صار اقرب الناس إليه. يتشاركان هما واعضاء اخرين من حزمة موظفي الوزارة سواء العسكريين او المدنيين في ضرورة واهمية تقليل نفقات الوزارة ومن بين هذه؛ تقليل التواجد العسكري في اوروبا وفي المانيا على وجه التحديد وفي كوريا الجنوبية، وفي اليابان على اعتبار ان هذه الدول اصبحت ثرية ولها الامكانية والقدرة في توفير عناصر وعوامل الدفاع عن نفسها. لكن هذه المقترحات تصطدم برؤية اخرى مختلفة وهي رؤية امريكا العميقة اي مؤسسات البحوث والدراسات الاستراتيجية؛ لذا تظل هذه الافكار محفوظة في ادراج المكاتب حتى مغادرة رامسفيلد وزارة الدفاع عندما انتهت ولاية فورد وحل محله... على هامش هذه الطروحات في تقليل نفقات وزارة الدفاع الامريكية التي تحيي في اذهان قارئها؛ طروحات الرئيس الامريكي الحالي، ترامب والتي قال فيها ان اوروبا ودول اخرى تعتمد على امريكا في الدفاع عنها في حين ان في مقدورها ان تساهم في جزء كبير من هذه النفقات والتي اعتبرها الكثير من الكتاب او الكثير من الكتابات بما فيها الكتاب او الكتابات الامريكية؛ ان سياسة ترامب هذه خروج عن المألوف او نمط العلاقة التي عرفت امريكا بها مع اوروبا والحلفاء الاخرين، في حين ان هذه الطروحات وكما اوضحتها هذه المذكرات هي ليست طروحات جديدة ابدا، بل انها طروحات قديمة انما لم يؤخذ بها بسبب موازين القوى الدولية في وقتها وبسبب الحرب الباردة بين القطبين الامريكي والسوفيتي، وخوفا من تغول السوفييت على حساب التغول الامريكي وما يرتبط بهما من مصالح اقتصادية وسياسية وثقافية وهيمنة ونفوذ، وتأكل جرف المصالح الامريكية لحساب زيادة سعة جرف مصالح السوفييت في زمنها. ان من يتصور او يصور او يظن ان ترامب جاء بجديد للسياسة الامريكية، فهو في هذا التصور او في هذه الرؤية يقع في خطأ، في التحليل السياسي للاستراتيجيات الامريكية ومنها الاستراتيجية الامريكية الحالية، الفرق فقط في السلوب والطريقة والتوقيت، والتصريح العلني المكشوف وهذا هو ما يقوم به ترامب الذي يتصرف ويمارس سياسته هو ونتنياهو كرئيسي عصابة اجرامية لا تقيم وزنا لكل القواعد والمعايير الدولية والقانون الدولي والانساني في زمن العصر الحالي الذي تلعب فيه القوة دورا اساسيا ومركزيا في ظل الغياب التام للمنظمة الدولية ومجلس امنها. ترامب في اخر تصريح له كما في كل تصريح سابق له:- السلام تصنعه القوة. اقول انه ليس سلام انه استسلام. نعود الى كتاب المذكرات هذا. يشير رامسفيلد في هذا الكتاب الى اهمية الاستعانة بالعلماء والخبراء في رسم السياسة الخارجية الامريكية وحماية الامن القومي الامريكي خارج حدود امريكا(المقصود هو مناطق النفوذ والهيمنة على مقدرات دول العالم الثالث، ونهب ثرواتها ومصادرة قراراتها الاقتصادية والسياسية وتحطيم قواعد سيادتها لصالح المصالح الامريكية غير المشروعة) بامتلاك كل ادوات الفتك بالطريقة التي تسبق ما يمتلكه خصوم التنافس على المصالح في جميع اركان المعمورة.  صفحات هذا الكتاب، كتاب المذكرات؛ تكتسب اهميتها في كشف الجوانب الخفية للعقلية الامريكية سواء عقلية رامسفيلد او اي عقلية اخرى من الذين يشرفون على السلطة التنفيذية في امريكا او من الذين هم في المؤسسات التشريعية او مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، او من خبراء وعلماء التصنيع العسكري لشركات الصناعات العسكرية العملاقة، او كل الشركات الأخرى العابرة للحدود والجنسيات، والتي هي في عملها هذا، وبواسطة مكاتب البحوث التقنية او السياسية التابعة لها؛ كما الانوار التي من مهمها كشف المسارات المستقبلية لمسار السياسة الامريكية في الداخل الامريكي وفي فضاءات النفوذ الامريكية في كل بقاع الارض مع امتلاك ادوات تنفيذها على ارض الواقع. يدخل رامسفيلد عندما كان وزيرا للدفاع في إدارة فورد في جدل ونقاش مع طاقم الوزارة ومع الكونجرس حين دفع او قدم اعتماد مالي لصناعة دبابة اكس ام واحد والتي لاحقا والى الآن؛ عرفت بدبابة ابرامز والتي هي الى الآن في الخدمة. كان مخططها قد قدم من مجمع مصانع السلاح الامريكي. في الأخير يتمكن من اقناع الكونجرس في توفير الاعتمادات المالية لبرنامج هذه الدبابة في عام 1976. تحضرني الآن وانا اقدم هذه القراءة المتواضعة لكتاب مذكرات رامسفيلد هذا، السياسة الامريكية التي تنتهجها وتمارسها امريكا مع كل دول العالم وبالذات الحصري دول العالم الثالث: تشن الولايات حروب عدة سواء في الحصارات او في العقوبات الاقتصادية القاسية او في الغزو والاحتلال لمنع هذه الدولة او تلك الدولة من دول العالم الثالث من امتلاك ادوات حماية امن شعبها وسيادتها. عندما تريد وتعمل وتخطط دول ما من دول العالم الثالث وبالذات دول الوطن العربي وجوار هذا الوطن، ايران حصريا؛ ان تحمي سيادتها وقراراتها المستقلة سواء في الاقتصاد او في التجارة؛ بالتسلح سواء بالشراء او بالتوطين. تقوم امريكا بوضعها في خوانق مسيجة بالجدران العالية وبلا ابواب، وبلا نوافذ تخرج منها الى العالم او تطل من نوافذها لرؤية التطور في العالم، حتى تكون في اوضاع ليس امامها فيها؛ من خيارات الا خيارات محدودة جدا. هنا فهي اي هذه الدولة او تلك الدولة ليس امامها حسب الرؤية الامريكية وليس الواقع المتحرك خلف الجدران الامريكية فهذا له شكلا اخر يختلف كليا عن الرؤية الامريكية فهو مضاد لها في الحركة الدؤوبة؛ اما الامتناع عن امتلاك اسلحة بالشراء او بالتوطين وهي ضرورية لحماية امنها واستقلالها ليس الا، او ما عليها الا ان تواجه مصيرها اما بالحرب او باستخدام الحصارات او العقوبات الاقتصادية القاسية تمهيدا لتأليب شعبها عليها ومن ثم تاليا بعد حين من الزمن، اسقاطها او تحطيمها، كما يحدث الآن في ايران كما حدث سابقا قبل عقدين في غزو واحتلال العراق، وما حدث في ما سمي زورا وبهتانا بالربيع العربي من تدمير دول محورية في الوطن العربي. امريكا وغير امريكا من دول الغرب الجماعي ليس همهم هو اسقاط انظمة دكتاتورية ومستبدة ابدا، إنما كل خططها وهمها هو تدمير هذه الدول، دولة ومؤسسات. تتحدث المذكرات او يكتب رامسفيلد في المذكرات هذه؛ ما حدث من زلال في 11سبتمر ايلول من عام 2001 من مهاجمة برجي التجارة العالمية ومبنى وزارة الدفاع الامريكية. فقد اصيبت امريكا بصدمة هائلة لم تكن تعرفها خلال تاريخها ما بعد الحرب العالمية الثانية. عزمت امريكا مع كل العالم الذي ساندها ودعمها الا العراق وايران وكوريا الشمالية على الرد القوي على هذا الهجوم المباغت والغير متوقع. اتفق المسؤولون الامريكيون في الإدارة وفي الكونجرس على اهمية الرد الصاعق ليس على الارهابيين فقط، بل على الدول التي توفر لهم ملاذات امنة. حدد المسؤولون الامريكيون حركة طالبان وافغانستان ورئيسها ملا محمد عمر. في نقاشات لاحقة اضيف العراق الى  افغانستان من قبل بول وولفويتز نائب وزير الدفاع، نائب رامسفيلد. يطرح رامسفيلد على المجتمعين برئاسة الرئيس الامريكي بوش الابن اهمية اجتثاث الارهاب من جذوره الايدولوجية وليس القضاء علية كأشخاص فقط. يحدد المدارس الاسلامية في السعودية ومن المهم الضغط على السعودية لوقف هذه المدارس لأنها تزرع بذور الارهاب لجهة الايدولوجية الدينية، ولم يجر التطرق لناحية الجذر الايدو لوجي الديني في العراق. مع كل هذا ادرج العراق ضمن مع افغانستان للرد الامريكي المقبل. السؤال الآن وفي قراءة هذه المذكرات، اذا كان العراق ليس له علاقة بجذر الارهاب للجهة الدينية اذا كيف يمكن ان يضع ضمن قائمة الرد الامريكي المقبل. ان وضع العراق ضمن هذه القائمة ليس له علاقة ابدا ومن كل الجهات في الارهاب ومولدات الارهاب لا من قريب ولا من بعيد. هذا يقودنا الى ان استهداف العراق هو ليس القضاء على الارهاب إنما هو ضمن الاستراتيجية الكونية الامريكية في تغير خارطة الشرق الاوسط. اضاءة ضرورية في ختام هذه القراءة: ان الاستراتيجيات الامريكية لا يمكن تداولها في كل كتب المذكرات التي يكتبها المسؤولون الامريكيون بعد تقاعدهم؛ لأنهم ملزمون بعدم كشفها الا بعد ربما عشرات السنين حين لا يشكل الكشف عنها اي مخاطر على الامن القومي الامريكي كما يكتبون عن هذه المخاطر.. ما تفرضه الشفافية الامريكية في طرح الاستراتيجية الامريكية الى العلن ليطلع عليها الشعب الامريكي؛ هي الاستراتيجية الامريكية بخطوطها العامة والعريضة، خالية او ليس فيها؛ التفاصيل، الاهداف، الادوات. كتب المذكرات تتحدث عن الوسائل والاساليب والطرق التكتيكية التي تحقق على ارض الواقع هذه الاستراتيجية خطوة خطوة..

الكتاب من اصدارات دار الرافدين العراقية، يقع في 443صفحة من القطع الكبير. ترجمة إيمان معروف. قراءة الكتاب مهمة لمعرفة او للوقوف على دهاليز السياسة الامريكية في الذي يخص منطقتنا العربية وجوارها.

***

مزهر جبر الساعدي

 

كان اليوم الأول لعيد الفطر، ومن الصباح كانت المدينة تغلي بالفرح والزحام. شوارع مدينة الموصل ممتلئة بالناس، وأبرز فعالية لنا كانت الذهاب إلى السينما. شباك التذاكر أمام كل دار عرض يشهد جمهرة زحام، ضحكات وأصوات مختلطة وتنافس الفوز بتذكرة، كأن المدينة نفسها تتشارك نفس الحماس.

بعد الظهر، اجتمعنا عند زاوية الشارع، وكل واحد يحكي عن الفيلم الذي شاهده. عبد الأمير، كالعادة، كان أشدنا حماسًا. قال إنه شاهد فيلم ٥١ يا زمن. ثم أضاف وهو يضحك: "واحد وخمسين يازمن… ٥١ يازمن!" لم يكتفِ بسرد أحداث الفيلم، بل بدأ يمثل كل الشخصيات: يتحرك مثل الباشا القديم، ثم يغني بصوت فاتن ابنته، فجأة يفرد ذراعيه ويقلد طيران الطائرة، وفاتن في داخلها تصل إلى المغرب، تتعرف على إلياس الذي يقنعها بالعمل كمطربة في إحدى الملاهي الليلية قبل أن تلتقي بالمنقذ محمود.

كان يصرخ أحيانًا، يضحك، ويتألم، وكأن الشاشة قد اختفت وأصبح هو الفيلم نفسه!

كنا نضحك ونصفق، مستمتعين بعرضه الخاص، الذي جعل من كل منا مشاهد في قاعة السينما. عبد الأمير لم يكن يعرف أننا سنكتشف الحقيقة المدهشة: الفيلم المصري الذي أثار حماسه لم يكن ٥١ يا زمن كما ظن، بل "آه يا ليل يا زمن"، إنتاج 1977، إخراج علي رضا، وبطولة وردة، رشدي أباظة، عادل أدهم، يوسف شعبان، سمير غانم، سهير الباروني، ونظيم شعراوي.

حين أدركنا هذا، ضحكنا حتى آلام بطوننا، وضحك عبد الأمير بنفسه، وهو يكرر الحركات التي كان قد أداها، وكأن كل تمثيلاته المبالغ فيها لم تذهب سدى، بل أصبحت جزءًا من تلك الذكرى الغريبة والممتعة.

في ذلك اليوم، لم تكن السينما مجرد شاشة وأفلام، بل كانت فضاءً للدهشة والمفاجآت، ولحظات لا تُنسى تُخزَّن في الذاكرة، كأنها قطعة من عيد الفطر نفسه، مليئة بالحياة والدهشة والبهجة المشتركة. عبد الأمير، بطاقته الكوميدية وحبه للفيلم، حول كل لقطة درامية إلى مسرح صغير في قلوبنا، وأصبحت ذكرياته مع الفيلم تتناغم مع زحام المدينة وضحكاتنا، كما لو أن الماضي والحاضر قد اجتمعا في شارع واحد.

***

بولص آدم

أيها الإنسان، أو ما تبقّى منه.. ذلك الذي لم يحسم أمره بعد.. أكتب إليك من مسافة لا تُقاس بالخطوات، مسافة بين ما نعرفه وما نتجاهله، بين ما نقوله وما نؤجله إلى حينٍ لا يأتي..لا أعرف أين تقف الآن، ولا أي طريقٍ اخترت، لكنني أعرف أنك، مثلي، مررت يومًا بالقرب من شيءٍ كان يمكن أن يكون بيتًا.. ولم تمكث.

أكتب إليك لأذكّرك بشيءٍ يبدو بسيطًا، مع أنه أثقل مما نظن: أن هناك بيتًا ما يزال قائمًا على حافة المضيق.. لا يسقط، ولا يُبنى من جديد، فقط ينتظر.

ليس بيتًا من حجر، ولا من ذاكرة خالصة.. شيء بين الاثنين، يشبه ما نتركه خلفنا ونحن نظن أننا مضينا.

ربما مررت به دون أن تنتبه، وأنت تفكر في “الردع” و“السيطرة”. ربما وقفت عنده لحظة، ثم أقنعت نفسك أن الطريق أهم. وربما، وهذا هو الاحتمال الأثقل، أنك تعرفه جيدًا.. وتتفادى النظر نحوه.

لا أكتب لأطلب منك العودة. فالعودة فكرة سهلة في الكلام، ثقيلة في الواقع. أكتب فقط لأقول إن ذلك البيت لم يكن وهمًا، وأن الحافة التي وقفت عليها يومًا لم تختفِ كما ظننت.

هناك دائمًا مضيق ما.. جهةٌ تقود إلى الضفة الأخرى، وجهة تبقيك حيث أنت، وبيت صغير يقف بينهما، لا يفرض عليك شيئًا.. فقط يذكّرك بأن ما لم يُحسم لا يختفي، بل يظل معلقًا، ينتظر لحظةً أخرى.

وما يبدو في حياة الفرد ترددًا صامتًا، يظهر في حياة العالم على هيئة أكثر قسوة. الأماكن التي نعبرها داخليًا دون قرار، تعود في الخارج كأقدار عامة.. كخراب لا يخص أحدًا بعينه، لأنه يمر بالجميع.

وفي مكانٍ آخر من هذا العالم، ربما لا يبعد كثيرًا عن ذلك المضيق الذي تتجاهله، تُفتح خرائط جديدة للحرب كل يوم. مدن تُذكر كأرقام، وأسماء تُختصر إلى عناوين عاجلة، وأصوات تتحدث عن “نصر” و“هزيمة” كأنها كلمات يمكن أن تُقال دون أن ترتجف.

كأن بعضهم لم يعد يكتفي بعبور المضيق.. يريد أن يشعله.

وأن النار قد تعجّل عودة غائب، أو تُخرج مخلّصًا من زمنٍ مؤجل، وفي طقوس الانتظار هذه.. هناك من يستعجل قيامة المسيح، وهناك من ينتظر عودة المهدي المنتظر.

صار المضيق فكرة..

فكرة تقول إن العالم لا يكتمل إلا إذا ضاق، ولا ينفتح إلا إذا احترق، وأن ما يُغلق من ممرات، وما يُشعل من حروب، ليس سوى وجهٍ آخر لفكرة الخلاص والانتظار.

انتظارٌ يُخطئ الطريق كل مرة، ويترك خلفه مزيدًا من الخراب.

في ليلةٍ لا تختلف عن غيرها، يهتز الزجاج فجأة، يفتح طفل عينيه دون أن يفهم، وتضع أم يدها على صدره.. كأنها تحاول أن تُبقي شيئًا في مكانه، ثم يعود كل شيء إلى صمته، ويُستأنف الحديث في اليوم التالي عن “الوضع” و“التوازن” و“الخيارات”.

ولأن الخراب لا يأتي دفعة واحدة، فإن ما يجري هناك لا ينفصل عما يجري هنا.. في تلك المنطقة الصامتة من الضمير، حيث يتأجل النظر، ويتأجل الموقف، ويتأجل الاعتراف بأن العالم ينزلق ببطء.. ونحن نتأقلم.

“الناس هناك أيضًا، مثلك، مرّوا ذات يوم بالقرب من بيوتٍ على حافة مضايقهم الخاصة.. ثم مضوا، وتركوا شيئًا صغيرًا خلفهم”

ذلك الشيء الصغير لا يمر كما نظنه، خفيفًا بلا أثر. يبقى.. كمعرفة مؤجلة، كصوت خافت، يذكّر بأن ما نتجاوزه لا يختفي، بل يعود في صورة لا يمكن تجاهلها.

ما الذي يحدث الآن في هذه المنطقة المرهقة من العالم؟ مدن كانت تُعرَف بأسمائها صارت تُعرَف بعدد قتلاها. أحياء كاملة تُختصر إلى شريط عاجل أسفل الشاشة. أطفال ينامون على أصوات لا يعرفون أسماءها بعد، مع أنهم سيكبرون وهم يحملونها في أجسادهم مثل ذاكرةٍ عصبية لا تهدأ. رجال يتحدثون عن “السيادة” و“الأمن” و“المصالح العليا” بلغة باردة، كأن الكلمات لا تترك وراءها أشلاء، وكأن الخرائط لا تمر فوق قلوب الناس.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتكشف ما هو أبعد من الحرب نفسها.. لغة كاملة تُبنى كي تجعل ما لا يُحتمل قابلاً للمرور، وعالم يتعلم، بهدوء، كيف يرى.. ولا يرتجف.

أيها الإنسان، لعل المأساة ليست في أن الحرب تقع فقط، في أن البشر يتعلمون سريعًا أن يعتادوها.. في البداية يرتجفون، ثم يشاهدون، ثم يشرحون، ثم يختلفون حول الأرقام، ثم يتوزعون إلى معسكرات، كل معسكر يحمل آلامه الخاصة ويُحسن الصمت عن آلام الآخرين.

هكذا لا تقتل الحرب أجساد الناس وحدها، تقتل أيضًا قدرتهم على الارتجاف الطويل.

ولعل هذا هو المعنى الأشد وجعًا في صورة البيت القائم على حافة المضيق. فهو لا يقف عند حدود البيت، ولا عند حدود اللغة.. إنه ما تبقى من ضمير العالم، وهو يقف بين جهتين: جهة تعرف، وجهة تمضي كأنها لا ترى.

ربما، أيها الإنسان، ليست المشكلة في الحروب وحدها.. ربما في تلك اللحظة الصغيرة التي مررنا فيها جميعًا بالقرب من “بيت على حافة المضيق”.. ولم نتوقف.

لهذا لا أقول لك أن تنقذ العالم، ولا أطلب بطولة كبرى. أقول شيئًا أقل بريقًا، وأكثر صعوبة: لا تفقد تلك الرعشة الأولى.

إذا مررت يومًا بالقرب من ذلك البيت مرة أخرى.. لا تمضِ سريعًا هذه المرة.

قف.

لا تنظر إلى البيت وحده.. انظر إلى نفسك وأنت تتردد، إلى ذلك الصوت الذي كدت تُسكته، إلى ذلك الجزء الذي لم تعترض عليه.. ولم توافق.

في لحظات كهذه، لا يُسأل الإنسان عمّا يستطيع تغييره في العالم.. يُسأل عمّا تبقّى منه.

هناك، على حافة المضيق، لا ينتظرك البيت وحده. ينتظرك ما تبقّى منك.. ذلك الذي لم يحسم أمره بعد، ولم يقرر إن كان ما يحدث يعنيه.. أم لا.

وإن مضيت هذه المرة أيضًا، فلن تخسر البيت..

ستخسر ذلك الجزء منك الذي كان يمكن أن يبقى إنسانًا.

***

إبراهيم برسي

باِعتزاز كبير واِبتهاج فيّاض يسعدني أن أكون من المساهمين في تكريم الصّديق الشّاعر الكبير البشير المشرقي فهي مناسبة لإيلائه ما هو جدير به من اِحتفاء وتكريم لأنه من المساهمين باِستمرار في مسيرة الشعر التونسي منذ أكثر من نصف قرن وإنّ هذه المبادرة التكريمية لأعلامنا التونسيين في الأدب أعتبرها ردّ اِعتبار للأبعاد الثقافية التي كادت أن تُطمس ويجرفها تيّار المنافع الماديّة العاجلة الرّبح والشّاعر البشير المشرقي من أولئك الذين آمنوا بقيمة الكلمة في صدقها وجمالها وتأثيرها فعكف على رعايتها والكلف بها عشرات السنين وما دواوينه المتوالية الصّدور وإصراره على نشر قصائده في مختلف المنابر إلا دليل على شغفه بمتعة الإبداع..

الشاعر البشير المشرقي ليس شاعرا فحسب وإنما هو صاحب نظرية في الشعر أيضا وهي لئن بدت واضحة السّمات في شعره فإنه قرأ من خلالها بعض النصوص الشعرية التي عكف على تقديمها والتعريف بها وللشّاعر كذلك كتابات صحافية ومساهمات إذاعية في برامج الإذاعة الوطنية أمّا البُعد الآخر الذي لا يقلّ أهمية في شخصية الشاعر فهو مسيرته التربوية سواء في التدريس أو في تسيير بعض المعاهد ولعلّ المرحلةَ الأهمّ في حياته الثقافية تتمثّل في إشرافه على مدى أكثر من عشرين سنة على نشاط الحركة الثقافية في ولاية بنزرت حتى أضحت قِبلة المثقفين والمبدعين من تونس وخارجها وقد أصدر البشير المشرقي المجموعات الشعرية التالية :

ـ في البحث عن مقر

ـ نوافير .. وتشدو همسات الى الزمن الهارب

ـ أحبتي. . والليل . . والوطن

ـ على نقر المطر . . والذكريات

ـ توقعات الربيع الخامس

ـ السندباد والقمر الوحيد

ـ كتاب الفصول

ـ تحليق خارج حدود الحلم

ـ أقمار في ليالي الحنين

ـ فسيفساء الظل والألوان

ـ وكذلك مجموعة شعرية بالاشتراك ـ الرياح اللواقح ـ

بالإضافة إلى عديد القصائد الأخرى المنشورة في مختلف الصحف والمجلات والأنطولوجيات سواء في تونس أو خارجها فعسى أن تكون هذه المناسبة حافزا كي يجمع ما نشر وما لم ينشر من شعره ضمن ديوان كامل شامل يكون تتويجا لأعماله الشعرية .

البشير المشرقي من شعراء تونس الذين ظهروا وبرزوا في الثلث الأخيرمن القرن العشرين وقد شهدت هذه الفترة تحوّلات كبيرة على المستوى الثقافي إذ نشأت حركات في شتى الفنون ترنو إلى الجديد محاولةً فتح آفاق غيرِ مألوفة سواء في المسرح والموسيقى والرّسم والسينما أو في القصة والرواية والنقد والشّعر الذي شهد على مدى تلك السنوات حركات متنوعة المنطلقات ومختلفة التجارب والرّؤى أنتجت مدوّنة شعرية زاخرة وثريّة لذلك نجد صدى هذه الحركات في كتابات البشير المشرقي النقدية معبّرا عن نظرته للشعر التي بيّنها في خضمّ تلك الحركات فيُحدّده قائلا ضمن مقالة ـ أغراض الشعر التونسي الحديث ـ بمجلة الفكر أكتوبر 1978حيث يقول :

ــ كنت وما زلت أعتقد أن الشعر الخالص هو ذاك الذي ينفذ إلى القلوب والنفوس بواسطة مجموعة من الأدوات التي بدونها لا يكون الشعر شعرا ولكون للكلمة الشعرية الحيّز الجدير بها على خارطة التعبير الفنّي ومن هذه الأدوات كما لا يخفى عنصر الموسيقى الموحية التي تساعد على تقبّل ما يصبو إليه الشاعر من تعبير عاطفي إلى جانب التزامه العناية بالصورة الشعرية التي يعمل جاهدا على أن تكون في مستوى الجمالية التي تتطلبها حقيقة العمل الفنّي وليس عتصر الموسيقى او الإيقاع الشعري من خصائص الشعر العربي دون سواه بل نجده يحتلّ مكانة قصوى في كل عمل شعري مهما كانت اللغة التي أُخرج بها إلى الوجود ولعل الشاعر الفرنسي ـ بول فرلان ـ قد عبّر عن ذلك أحسن تعبير عندما قال في إحدى قصائده ـ إن الشعر موسيقى... وموسيقى قبل كل شيء.

فالشاعر البشير المشرقي يرى أنّ الشعر لا يكون إلا بتلازم الموسيقى والصّورة 

ونحن عندما نستعرض حتى عناوين قصائده نلاحظ أن غمامة من الأسى تخيّم على أغلب كلماتها وهذه بعض من تلك العناوين:

عيونك باقية وأنا راحل ـ للريح مواجعها ولقلبي البوح ـ اليوم لا تبكي الرياح على دمي ـ بكائية الوجد ـ من أغاني سيزيف المهزوم ـ ويرحل مثل النورس ظلي ـ ما تيسّر من أبجدية العشق والأحزان ـ مقدّمات للشتاء القادم

فجذور شجن البشير المشرقي تبدو قديمة لعلها من زمن الطفولة ونمت مع مكابدته، ذلك أن مِسحة الأسى وظلال الشجون في شعر البشير المشرقي يمكن أن نعتبرها اِمتدادا لمنجزات الرومنطيقية العربية بما في قصائده من اِحتفاء واضح بعناصر الطبيعة التي جاءت منثالة في أغلب صوره الشعرية ونجدها أيضا في بعض قصائده ضاربة الجذور في مُتون الشعر الأندلسي كما لدى اِبن زيدون واِبن خفاجة ولا شكّ أنّ البيئة التي نشأ فيها الشاعر والتي عاش فيها أيضا لها الأثر الواضح في شعره فربوع بنزرت ذات طبيعة غنّاء جمعت بين المروج وبساتينها وبين السواحل وخلجانها المنداحة بين الحقول والغابات وعند سفوح الجبال وكثبان الرّمال فالشاعر مِلء عينيه طبيعةٌ متنوّعة بشتى عناصرها التي لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائده

ولئن وردت أغلب قصائد الشاعر على شكل البحور الشعرية في إيقاع التفعيلة وترجيعة القافية فإن اِنتصاره إلى هذا الشكل لم يمنعه من التصرف أحيانا في نسق التفعيلات وتداخلها في القصيدة الواحدة بل قد يخرج عن النسق العروضي أيضا ويكتب أحيانا القصيدة الوجيزة أو الومضة وهذا يؤكد قدرته على الكتابة في مختلف الأشكال الشعرية.

***

سُوف عبيد – تونس

...........................

- هذه مساهمة في تكريم الشاعر التونسي البشير المشرقي بمنتدى - التنوير - الذي يشرف عليه الأستاذ الباحث - محمد المي - بمدينة الثقافة بتونس مساء الأربعاء 20 مارس 2024

أمي.. كما تكتبها ذكرى". أنا ذكرى.. وقد أكون اسماً، لكنكِ أنتِ المعنى، وأكون كلمة، لكنكِ أنتِ الحكاية التي لا تنتهي.

أمي.. حين ينادونني باسمي، أبتسم، لأنني أعلم أن خلف كل حرفٍ مني قلباً عظيماً اسمه "أنتِ".

أنا ذكرى.. لكن أجمل ذكرياتي أنتِ، وأحنّ لحظاتي تبدأ من يديكِ، وتنتهي عند دعائكِ الذي يرافقني أينما ذهبت.

أمي.. أتعلمين، يا أمي؟ ما زلت أُحدّثك كما كنتِ هنا.. أُخبرك عن تعبي في نهاية كل يوم، عن الوحدة التي لا يمحوها ضوء، ولا يُبدّدها جمع. أُخبرك عن الأشخاص الذين مرّوا، والذين لم يُشبهوا حضنك أبدًا.

علّمتِني يا امي أن أكون قوية، لكنني أمامكِ أعود طفلة تبحث عن حضنكِ لتطمئن. رحلتِ.. لكن صوتك لم يرحل. ما زال يدور في أرجاء روحي في دعائك القديم، في رائحتك العالقة بملابسي، في نبرتك حين تقولين: "ربي يحميك."

كل الأشياء التي لم أقلها لكِ حين كنتِ قريبة.. أحاول قولها الآن، لكن الهواء لا يحملها إليك، والدموع لا تُترجم ما بداخلي يا امي

وفي عيدكِ.. أكتب اسمي بفخر، لأنني أحمله منكِ، وأحمل في قلبي حباً لا يكفيه عمرٌ كامل.

أمي.. كنتِ السند حين مال كل شيء، والدفء حين بردت الدنيا، واليوم، لا أعلم كيف أدفئ قلبي بعد غيابك.

أدعوكِ كل ليلة.. لا لتعودي، لأنني أعرف أن الجنة قد اختارتك، بل لأراكِ في المنام.. للحظة، لثوانٍ،  كي اتحدث معكي ولشيءٍ يُطفئ نار الاشتياق بداخلي.

أمي إن كانت الدنيا تكتب أسماءنا، فأنا أريد أن أُكتب دائماً: "ذكرى.. ابنة قلب أمها"

***

ذكرى البياتي

 

لو كان الامر بهذه البساطة. لو كان هناك ببساطة اناس اشرار في مكان ما يرتكبون اعمالا شريرة بخبث وكان يكفي فقط فصلهم عنا وتدميرهم.. لكن الخط الذي يفصل بين الخير والشر يمر عبر قلب كل انسان. ومن هو الذي يستطيع ان يدمر جزءا من قلبه؟... الكسندر سولجينتسين – ارخبيل غولاغ2547 ahmad

تحمل هذه الكلمات ثقلا فلسفيا عميقا ينعكس بصورة مدهشة في اجواء لوحة ايفان ايفازوفسكي الليلية. فقول سولجينتسين يذكرنا بان الشر ليس شيئا خارجيا يمكن عزله بسهولة عن العالم، بل هو صراع داخلي يسكن قلب الانسان نفسه. هذا التوتر بين النور والظلمة يبدو حاضرا بوضوح في اللوحة. فالبحر يغرق في ظلام كثيف، بينما يشق ضوء القمر طريقه عبر الغيوم ليترك خيطا فضيا فوق سطح الماء.

كأن اللوحة تقدم استعارة بصرية لفكرة سولجينتسين: داخل العتمة العميقة يظل هناك ضوء خافت، تماما كما يظل في قلب الانسان احتمال الخير حتى في لحظات الظلمة. القارب الصغير في قلب المشهد ليس مجرد عنصر بصري في لوحة بحرية، بل يكاد يكون صورة مكثفة للانسان نفسه: كائن هش يبحر في ظلمة لا يعرف حدودها، ويتحرك بصمت بين امكانية النور واحتمال الغرق في العتمة.

من الناحية البصرية تقوم اللوحة على تباين قوي بين الضوء والظلال. يحتل القمر مركز السماء تقريبا، محاطا بكتل كثيفة من الغيوم الداكنة التي تبدو كأنها تتحرك ببطء حوله. ومن هذا المركز المضيء ينساب الضوء ليعكس نفسه فوق سطح البحر في خط لامع يمتد نحو الافق، كأنه طريق فضي مفتوح وسط العتمة.

الامواج تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها مفعمة بالحياة، تلتقط انعكاسات الضوء في ومضات متناثرة فوق الماء. وفي قلب هذا الامتداد الهائل يظهر قارب شراعي صغير يكاد يضيع بين البحر والسماء.

هنا تتجلى عبقرية ايفازوفسكي في خلق احساس بالمسافة والحجم، حيث يبدو العالم الطبيعي واسعا ومهيبا بينما يظل حضور الانسان دقيقا وهشا. تنتقل عين المشاهد من القمر الى انعكاسه على الماء ثم الى القارب الصغير، فتتشكل بذلك قصة صامتة عن العزلة وعن انسان يقف وحيدا امام اتساع الطبيعة وغموضها.

ولد ايفان ايفازوفسكي عام ١٨١٧ وكان واحدا من اعظم رسامي البحر في القرن التاسع عشر. نشا في مدينة فيودوسيا على ساحل البحر الاسود، ولذلك ظل البحر طوال حياته المصدر الاكبر لالهامه الفني. ينتمي ايفازوفسكي الى تقاليد المدرسة الرومانسية في الفن الاوروبي، وهي مدرسة سعت الى تصوير عظمة الطبيعة وقدرتها على اثارة رهبة وتأمل عميقين في نفس الانسان. وقد اشتهر بقدرته الاستثنائية على رسم الضوء، خصوصا ضوء القمر والفجر، حتى بدا البحر في كثير من اعماله كأنه كائن حي يتنفس ويتحرك.

ولم يكن البحر في لوحاته مجرد منظر طبيعي، بل فضاء رمزيا يعكس الحالة النفسية والروحية للانسان امام اتساع العالم وقوة الطبيعة وما يثيره ذلك من شعور بالرهبة والتأمل.

ومن زاوية اخرى نجد ان هذه الازدواجية بين النور والظلمة تاخذ بعدا اكثر عمقا عند محيي الدين بن عربي. فالعلاقة بين الخير والشر، او بين النور والظلمة، ليست عنده علاقة ثنائية بسيطة ينتصر فيها احد الطرفين على الاخر، بل هي علاقة جدلية معقدة تشكل نسيج الوجود نفسه.

ففي رؤيته يصبح الخلق برزخا بين النور والظلمة، اي مجالا تتداخل فيه المعاني وتتقاطع فيه المستويات. فالكائنات ليست خيرا خالصا ولا شرا خالصا، بل تحمل في باطنها منظورا الهيا خفيا وفي ظاهرها منظورا ماديا محدودا. وكما ينعكس ضوء القمر في لوحة ايفازوفسكي على سطح البحر ليخلق مساحات من النور وسط العتمة، كذلك قلب الانسان هو ذلك البرزخ الذي يتوسط بين النور الالهي وظلمة المادة.

ويصل هذا المعنى عند ابن عربي الى ذروته في رمزية ما سماه بعض الشراح النور الاسود، حيث يكون الحضور الالهي شديدا الى درجة يبدو معها محتجبا خلف ظلمة، فيتجلى كضوء لا تدركه الابصار بسهولة. هنا لا تصبح الظلمة مجرد غياب للنور، بل وجها اخر لحضور اعمق لا تستطيع الحواس المحدودة ان تحيط به.

وفي سياق معاصر يقدم الصديق و المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي قراءة اخرى لهذا الصراع الاخلاقي الداخلي. فهو يرى ان مشكلة الانسان المعاصر ليست في وجود قوى شريرة خارجة عنه فحسب، بل في اغترابه عن ذاته وعن هويته الانسانية.

فالانسان الذي لا يعرف نفسه ولا يعي اعماقه يصبح اكثر استعدادا لان يتحول الى اداة للشر دون ان يدرك ذلك. ومن هذا المنظور لا يمر الخط الفاصل بين الخير والشر عبر العالم الخارجي فقط، بل عبر درجة وعي الانسان بذاته.

فالانسان الذي يمتلك وعيا عميقا بكرامته الانسانية وبقيم العدالة والمحبة يكون اكثر قدرة على مقاومة الظلمة الكامنة فيه.

اما الانسان المغترب عن ذاته فيصبح اكثر عرضة لتضخم الانا التي تبرر كل شيء باسم حقيقة مطلقة يتوهم امتلاكها. وفي ضوء هذا المعنى يمكن النظر مرة اخرى الى القارب الصغير في لوحة ايفازوفسكي بوصفه رمزا للانسان الذي يحاول، وسط بحر مظلم واسع، ان يحافظ على بوصلته الاخلاقية وهو يمضي في رحلة لا يعرف نهايتها.

وهكذا تعود بنا الفكرة الى حيث بدات، الى عبارة الكسندر سولجينتسين التي تقول ان الخط الذي يفصل بين الخير والشر لا يمر عبر الدول ولا عبر الطبقات ولا عبر الاحزاب ، بل عبر قلب كل انسان.

ففي النهاية، سواء عبر ضوء القمر المنعكس على البحر في لوحة ايفازوفسكي، او عبر مفهوم البرزخ عند ابن عربي، او عبر نقد الاغتراب عند الرفاعي، يبقى السؤال موجها الى كل واحد منا:

هل نحن مستعدون لان نواجه ذلك الجزء من قلوبنا الذي قد يكون مظلما؟

وهل يمكن للانسان ان يعيش هذا التوتر بين النور والظلمة دون ان يحاول انكار احدهما؟

وربما لهذا تبدو تلك السفينة الصغيرة في قلب اللوحة مألوفة لنا جميعا، لانها صورة مكثفة لرحلة الانسان نفسه وهو يبحر بصمت في بحر الوجود، باحثا عن ضوء قد يكون في الافق، وقد يكون في اعماق قلبه.

***

د. احمد عابر

 

(في النهاية تفنى الحضارات لأنها تستمع إلى سياسييها لا إلى شعرائها).. يوناس ميكاس

هذا القول لا يقرأ بوصفه حكمة مجردة بل كتشخيص دقيق للحظة تاريخية يتراجع فيها الصوت الداخلي للانسان امام ضجيج السلطة. حين يغيب الخيال النقدي الذي يحمله الشعراء، اصحاب الفكر والفنانون يصبح الواقع محكوما بمنطق واحد هو القوة. لا يعود الانسان قادرا على رؤية نفسه او مساءلة افعاله بل يتحول الى اداة داخل حركة اعنف منه. في هذه الحالة لا تنهار الحضارات فجأة بل تتآكل تدريجيا من الداخل حين تفقد قدرتها على الاصغاء الى ما هو ابعد من السياسة والسلطة.2553 ahmad

لوحة الثاني من مايو ١٨٠٨ المعروفة ايضا باسم هجوم المماليك لا تقدم مشهدا يمكن قراءته بسهولة بل تضع المشاهد داخل قلب اضطراب بصري متواصل. لا يوجد مركز واضح للتركيز ولا نقطة استقرار للعين. التكوين مبني على حركة دائرية مضطربة تدفع النظر من طرف الى اخر من دون توقف. الخيول في قلب المشهد ليست مجرد عناصر بل محاور طاقة عنيفة تدفع الكتلة البشرية الى التفكك. اجسادها مشدودة عضليا في وضعيات متناقضة بين الهجوم والذعر ما يخلق توترا بصريا ينعكس على كامل اللوحة.

اللون يلعب دورا اساسيا في هذا الاضطراب. لا يوجد توازن لوني مريح بل صدام بين الالوان الترابية الداكنة والاحمر القاني الذي يظهر في بقع الدم والملابس. هذا الاحمر لا يعمل كعنصر جمالي بل كاشارة صادمة تقطع استمرارية المشهد وتعيد توجيه العين نحو العنف. الضوء بدوره غير مستقر فلا يأتي من مصدر واضح بل يتوزع بشكل غير متجانس على الوجوه والاجساد مما يعطي احساسا بان المشهد يحدث في حالة اضطراب زمني ايضا وليس فقط مكاني.

الحركة داخل اللوحة ليست خطية بل متكسرة. كل شخصية تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه مختلف مما يلغي اي احساس بالتنظيم او القيادة. حتى المواجهة بين الطرفين لا تظهر كصراع واضح بين قوتين بل كتشابك فوضوي حيث تختلط الاجساد ولا يمكن التمييز بسهولة بين المعتدي والضحية. هذا التداخل البصري لا ينقل حدثا فقط بل يكشف عن لحظة يفقد فيها العنف اي معنى منظم ويصبح تجربة عمياء تتجاوز الافراد.

الوجوه في اللوحة ليست بطولية ولا مثالية بل متعبة ومشدودة بين الخوف والغضب. بعضها يصرخ وبعضها يحدق بفراغ وبعضها يكاد يختفي داخل الكتلة البشرية. هذا التعدد في التعبيرات لا يقدم سردا موحدا بل حالة نفسية جماعية حيث يفقد الفرد حدوده داخل الحشد. حتى الاجساد الساقطة في المقدمة لا تعامل كضحايا منفصلين بل كامتداد طبيعي للفوضى العامة.

من الناحية التركيبية تهيمن الخطوط القطرية على المشهد. السيوف وحركة الخيول والاجساد ترسم شبكة من الاتجاهات المائلة التي تدفع العين باستمرار الى الانزلاق. لا توجد خطوط مستقرة تمنح المشهد توازنا بل كل شيء في حالة ميل دائم وكأن العالم نفسه فقد مركزه. بهذا المعنى لا تقدم اللوحة معركة بل انهيارا بصريا لفكرة النظام نفسها.

اذا تجاوزنا القراءة البصرية البحتة يمكن النظر الى هذا المشهد من زاوية روحية اعمق. من منظور ابن عربي تبدو اللوحة كتجلي لخيال فقد اتصاله بالمصدر الذي يمنحه المعنى.

العالم هنا لا يخلو من الصور بل يفيض بها لكنه يفتقد النور الذي يجمعها. تتكاثر الاجساد والحركات لكن من دون مركز يوحدها. في هذا الغياب تتحول الافعال الى اشكال منفصلة لا تشير الى حقيقة اعمق.

ما نراه ليس مجرد عنف بل تشتت في الرؤية نفسها حيث يفقد الانسان قدرته على ادراك الكل ويغرق في الجزئيات المتصادمة.

اما في السياق الشعري فإن هذا الانفجار البصري يجد صداه في تصور لوركا الشاعر الغجري الاسباني، لما سماه الديوين.

لوركا يرى في اعماق الثقافة طاقة مظلمة قادرة على الخلق حين تمر عبر الفن لكنها تتحول الى قوة مدمرة حين تنفصل عنه.

في لوحة غويا تظهر هذه الطاقة من دون وسيط جمالي. اللون الاحمر لا يتحول الى استعارة بل يبقى جرحا مفتوحا. الوجوه لا تغني بل تصرخ. بهذا المعنى لا نرى حضورا للديوين بوصفه قوة ابداع بل انحرافه حين يفقد علاقته بالشعر.

في هذا المستوى تصبح اللوحة تجربة حسية وفكرية في آن واحد. المشاهد لا يقف خارجها بل يجد نفسه داخل اضطرابها. ما تقدمه ليس فقط تصويرا لانتفاضة بل تشريحا للحظة تنتصر فيها القوة على المعنى.

هنا تعود عبارة يوناس ميكاس لا بوصفها تأملا نظريا بل كحقيقة مرئية. حين تصغي الحضارات الى القوة وحدها تفقد قدرتها على التوازن ويصبح العنف لغتها الوحيدة.

 والسؤال الذي يبقى ليس عن الماضي بل عن الحاضر الذي نعيشه نحن ونحن نعيد الاصغاء ذاته.

***

د احمد عابر

 

تجدر الإشارة إلى أن العنوان يعكس جوهر الفكرة والمضمون الذي يحتويه النص، ولذلك يكون العنوان هو بوابة النص الإبداعي، والمدخل الى فضائه. فالعنوان هو أول ما يلفت انتباه القارئ إلى النص الإبداعي، بما ينبغي أن يعكسه من جوهر فكرة النص، والمضمون الذي يحتويه.

ولذلك يتطلب ان يحرص الكاتب على اختيار عنوان نصه، مقالا كان، او شعرا، او سردا، او غير ذلك من الكتابات، بعناية فائقة، ليكون معبرا، وجذابًا، ومثيرًا للإهتمام، في اوساط القراء، والمهتمين بالمطالعة.

وهكذا تأتي أهمية العنوان باعتباره جزءا أساسيا من هيكل النص الإبداعي، حيث يعكس تجليات المضمون الذي يحتويه النص، مما يتطلب أن يكون جذابا، ومثيرًا للإهتمام، بحيث يجذب القارئ للمسارعة إلى قراءة النص، والتفاعل مع مضمونه بشغف.

ولاريب أن اختيار عنوان جيد للنص، يتطلب من الكاتب مراعاة أن يكون العنوان واضحًا، ومفهومًا، وأن يكون جذابًا، ومثيرًا للإهتمام، ويعكس في الوقت نفسه، جوهر فكرة، ومضمون محتويات النص.

وبما ان العناوبن تاخذ اشكالا متنوعة، فالعنوان الوصفي منها، يعكس جوهر فكرة ومضمون النص، في حين ان العنوان الاستفهامي، يأخذ شكل تساؤل يجذب القارئ للمبادرة الى قراءة النص.

***

نايف عبوش

كلما أتى شهر مارس، وتحديدًا في الثالث عشر منه، يتذكر عشاق الشعر العربي أن شاعرًا عظيمًا قد ولد في ذلك اليوم من عام ١٩٤١ في قرية البروة بالجليل. ومثل كل عام، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة لماذا نظل نقرأ محمود درويش، رغم رحيله منذ ما يقرب من عقدين، ومع ذلك لا تغيب قصائده عن ألسنتنا ولا تغادر رفوف مكتباتنا؟

الإجابة ليست معقدة كما قد يتخيل البعض. نحن نقرأ محمود درويش لأن أسئلته ما زالت حية. نعم، بهذه البساطة. أسئلته عن الوطن، عن الهوية، عن المنفى، عن الحب، عن الموت، كلها أسئلة نطرحها نحن أيضًا كل يوم، وكلها أسئلة لم نجد لها إجابات شافية بعد.

درويش لم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد جميلة نرددها في المناسبات. كان حالة ثقافية متكاملة، وكان صوتًا استثنائيًا لقضية عربية كبرى، لكنه بطريقة ما استطاع أن يجعل من هذه القضية الخاصة قضية إنسانية عامة. هو لا يتحدث عن الفلسطيني فقط، بل يتحدث عن كل إنسان له أرض يخاف عليها، وله ذكريات يتمسك بها، وله حلم في العودة ولو كان مستحيلاً.

سؤال الهوية

من أكثر الأسئلة إلحاحًا في عالمنا المعاصر هو سؤال الهوية. في زمن العولمة، وفي زمن الانفتاح الثقافي الكبير، وفي زمن الهجرات واللجوء والتشرد، صار الإنسان أكثر حيرة من أي وقت مضى من أنا بالضبط؟ إلى أين أنتمي؟ ما الذي يميزني عن غيري؟

هذه الأسئلة بالضبط هي ما طرحها محمود درويش في قصائده عبر سنوات إبداعه الطويلة. في قصيدته الأشهر "سجل أنا عربي"، لم يكن يرفع شعارًا سياسيًا فقط، بل كان يبحث عن ذاته في عالم يحاول اختزاله في أرقام وتصنيفات. عندما يقول "أنا عربي.. وأنا اسم بلا لقب"، إنه يصرخ في وجه كل من حاولوا تجريده من إنسانيته، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن حالة إنسانية عامة، حالة من يشعر أن هويته مسلوبة أو مشوهة في عيون الآخرين.

في زمننا هذا، حيث تتصاعد خطابات الكراهية والعنصرية في العالم، وحيث تزداد الأسئلة حول الانتماء والمواطنة والاختلاف، نجد في محمود درويش ملاذًا فكريًا وحالة استثنائية. إنه الشاعر الذي استطاع أن يقول كلمته في وجه الظلم دون أن يتحول إلى خطيب سياسي جاف، واستطاع أن يتغنى بالحياة والحب والجمال دون أن يتخلى عن قضيته الكبرى. وهذا التوازن الصعب هو ما يميزه عن كثير من شعراء المناسبات.

المنفى وطن بديل!

نقرأ محمود درويش اليوم لأن المنفى لم ينتهِ. للأسف الشديد، لا يزال الملايين من البشر في عالمنا يعيشون حالة التشرد واللجوء والبحث عن وطن آمن. ولا يزال الفلسطينيون أنفسهم، الذين كان درويش صوتهم الشعري الأول، يعانون من الاحتلال والتهجير والشتات.

لكن محمود درويش في شعره لم يقتصر على منفى الجغرافيا فقط. لقد عاش وعلمنا أن نعيش منفى أعمق وأقسى؛ منفى الإنسان داخل وطنه، منفى المبدع داخل مجتمعه الذي لا يفهمه دائمًا، منفى العاشق داخل علاقته التي لا تكتمل، منفى الإنسان داخل جسده الذي يمرض ويهرم.

في قصيدته الجميلة "أحن إلى خبز أمي"، يتحول الحنين إلى وطن مفقود إلى حنين أوسع وأشمل، حنين إلى الطفولة، إلى البراءة، إلى الدفء العائلي، إلى ذلك الشعور بالأمان الذي نفقده جميعًا كلما تقدم بنا العمر. هذه القصيدة التي يحفظها الصغار والكبار على حد سواء ليست فقط عن فلسطين، بل هي عن كل بيت دافئ، عن كل أم حنون، عن كل ذكريات جميلة نحملها في قلوبنا أينما ذهبنا.

يقول درويش في هذه القصيدة الخالدة:

"أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يومًا على صدر يوم

وأعشق عمري لأني

إذا مت،

أخجل من دمع أمي!"

هذا هو سر درويش الحقيقي: قدرته الفائقة على تحويل القضية السياسية إلى قضية إنسانية، وتحويل الهم الوطني إلى هم وجداني، وتحويل الحجر البارد إلى نبض دافئ.

الشعر والكلمات العادية

نقرأ محمود درويش لأنه يمنحنا لغة جديدة نعبر بها عما نعجز عن التعبير عنه. في زمن السرعة، زمن التغريدات المقتضبة، زمن الصور الجاهزة، زمن "السوشيال ميديا" الذي يختزل المشاعر في أيقونات وإيموجيات، نفتقر بشدة إلى اللغة العميقة التي تستوعب تعقيد مشاعرنا. درويش هو من يمدنا بهذه اللغة.

خذوا مثلاً قصيدته الرائعة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". كم مرة سمعتموها في الأفراح والأتراح؟ كم مرة نشرها أصدقاؤكم على فيسبوك في لحظات الفرح الغامر أو الحزن العميق؟ لأن هذه القصيدة ببساطة تلتقط ذلك الشعور المتناقض الذي ينتابنا عندما نرى جمال الحياة وسط كل هذا القبح الذي نعيشه.

يقول درويش:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد نيسان،

رائحة الخبز في الفجر،

آراء امرأة في الرجال،

كتابات أيسخلوس،

أول الحب،

عشب على حجر،

أم تقفون على شعري."

هذا المقطع يختصر فلسفة درويش في الحياة: الحياة تستحق أن تعاش رغم كل شيء. ليس تفاؤلاً أعمى يتجاهل الواقع، ولا تشاؤماً قاتلاً ينكر الجمال، بل نظرة متوازنة تحتضن المتناقضات: الحرب والحب معًا، الموت والحياة معًا، القهر والجمال معًا.

قصائده مرآة لكل منا

عندما سألت القراء عن أقرب قصائد درويش إلى قلوبهم، تنوعت الإجابات بشكل لافت. قال البعض "أحن إلى خبز أمي"، وقال آخرون "سجل أنا عربي"، وفضل ثالث "وتنسى كأنك لم تكن"، ورابع "عابرون"، وخامس "في البال أغنية"، وسادس "الجدارية"، وسابع "بيروت"، وأخيرًا "معظم ما كتبه محمود درويش يستحق القراءة مثلما على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

هذا التنوع في الإجابات يكشف حقيقة مهمة، هي أن محمود درويش ليس شاعراً أحادي البعد. هو شاعر يستطيع كل قارئ أن يجد فيه ما يناسبه، ما يعبر عن مرحلته العمرية، ما يلامس تجربته الشخصية. "أحن إلى خبز أمي" تناسب لحظات الحنين، "سجل أنا عربي" تناسب لحظات التحدي والصمود، "الجدارية" تناسب لحظات التأمل العميق، "وتنسى كأنك لم تكن" تناسب لحظات المرارة والخيبة.

وهذا هو سر الخلود الأدبي، أن يكون النص قادراً على أن يعيش خارج سياقه الزمني، وأن يجد فيه كل جيل ما يعبر عنه، وأن يظل مفتوحاً على تأويلات متعددة.

بين المأخذ والإبداع

الموضوعية تقتضي أن نقول إن درويش لم يكن خالياً من المآخذ النقدية. بعض النقاد يرون أن مرحلته الأخيرة، رغم عمقها الفلسفي الكبير، افتقدت إلى تلك العفوية والحميمية المباشرة التي ميزت قصائده الأولى. كما أن بعض قصائده الطويلة مثل "الجدارية" قد تكون صعبة على القارئ العادي، وتحتاج إلى أكثر من قراءة وتأمل لفك شفراتها.

أيضاً، هناك من ينتقد درويش لأنه في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، ابتعد قليلاً عن الهم المباشر للقضية الفلسطينية وانشغل بهموم إنسانية أوسع. البعض اعتبر هذا تطوراً طبيعياً لأي شاعر كبير، والبعض الآخر اعتبره تراجعاً عن دوره الوطني كناطق باسم المقاومة.

لكن الشيء المؤكد أن محمود درويش ظل طوال حياته صادقاً مع نفسه ومع تجربته الشعرية. لم يكرر نفسه، لم يرضَ بالسهل، لم يستسلم للشعارات الجاهزة. ظل يبحث، يجرب، يطور أدواته، يقلق نصوصه، حتى الرمق الأخير. وهذا هو الفرق بين الشاعر الحقيقي وصانع القصائد.

كلمة أخيرة

لماذا نقرأ محمود درويش اليوم؟ لأننا في أمس الحاجة إلى من يذكرنا أن القضية الفلسطينية ليست مجرد أرقام وإحصائيات وتقارير في الأمم المتحدة، بل هي قصص إنسانية حية، ومشاعر جياشة، وذكريات مؤلمة، وأحلام مؤجلة. نحتاج إلى من يحول الحجر البارد إلى قصيدة نابضة، والمفتاح الصدئ إلى رمز خالد، واللاجئ المنسي إلى إنسان له كرامة ووجه وقضية.

في النهاية، سيظل محمود درويش حاضراً في وجداننا ما دام هناك من يتذكر أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وما دام هناك من يشعر أنه "عابر في كلام عابر"، وما دام هناك من يبحث عن وطن، أو عن هوية، أو عن لغة تعبر عما في داخله من مشاعر متدفقة.

كل عام وأنت يا محمود أيقونة الفلسطينيين، وضمير العرب، وصوت كل من لا صوت له. كل عام وأنت في قلوبنا ووجداننا، تماماً كما كنت دائمًا، وكما ستبقى دائمًا وأبدًا.

***

د. عبد السلام فاروق

 

آنذاك

بردت الشمس

وغابت البركة عن الأرض

وجف العشب في الصحارى

وجفت الأسماك في البحار

وصار التراب بعد ذلك

يرفض أن يحتضن موتاه

وكان الليل في جميع النوافذ الشاحبة

مثل تصور غامض

يتكاثف ويطغى باستمرار.

فروغ فرخزاد من قصيدة آيات ارضية-ترجمة من الفارسية2537 ahmad

بهذه الصور الشعرية الكثيفة ترسم فروغ فرخزاد مشهدا كونيا للفجيعة، حيث لا يقتصر الحزن على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الطبيعة كلها، فتختل موازين العالم وتدخل الأرض في حداد عميق. هذه الرؤية الكونية للفاجعة تفتح بابا لفهم مأساة كربلاء بوصفها حدثا يتجاوز حدود التاريخ ليصبح تجربة إنسانية و روحية عميقة.

هذا الشعور ذاته يتجسد بصريا في لوحة "ليلة الغرباء" للفنان الإيراني محمود فرشجيان. فاللوحة لا تكتفي بتصوير واقعة تاريخية، بل تحول مأساة كربلاء إلى لغة تشكيلية تنبض بالحزن والرهبة والسمو الروحي في آن واحد.

تصور اللوحة ليلة الحادي عشر من محرم، حين بقيت نساء وأطفال آل البيت وحدهم في صحراء كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين وأصحابه.

في مركز اللوحة تتجمع مجموعة من النساء والأطفال في حالة من الذهول والفق. الوجوه مغطاة أو خافية، وكأن الفنان لا يريد تصوير أفراد بعينهم بقدر ما يريد التعبير عن حزن جماعي يتجاوز الأشخاص إلى معنى إنساني أوسع.

في أعلى المشهد تتصاعد النيران من الخيام المحترقة بلون برتقالي حاد، يتناقض مع الظلال الزرقاء والخضراء التي تغمر بقية اللوحة. هذا التباين اللوني لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يخلق توترا عاطفيا يعكس عمق المأساة. حتى الأشجار تبدو منحنية وكأن الطبيعة نفسها تشارك في هذا المأتم.

ومع ذلك فإن اللوحة لا تقتصر على تصوير الحزن وحده. ففي هيئة النساء شيء من الجلال والوقار، وفي الأيدي المرفوعة نحو السماء معنى الرجاء والدعاء. فالمشهد يجمع بين الألم والسمو في لحظة واحدة، بين الفاجعة الأرضية والالتفات نحو الغيب.

هذا البعد الروحي في اللوحة يقودنا إلى تأملات في طبيعة الحزن والذاكرة.

فقد ابن عربي معنى الحزن حين رأى أن الحزن لا يكون إلا على فائت، وأن الفائت لا يعود بعينه، لكنه يعود بمعناه كلما استدعته الذاكرة. وعندئذ يتجدد الشعور بالفقد في القلب، لا لأن الحدث عاد، بل لأن معناه عاد إلى الوجدان.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى لوحة فرشجيان بوصفها استحضارا لجوهر تلك اللحظة التاريخية. فهي لا تعيد الحدث كما وقع، بل تستدعي روحه ومعناه الذي يتكرر في الذاكرة الجمعية كلما استعيدت المأساة. وهكذا يصبح الفن وسيلة لإحياء الفائت، لا بإعادته في الزمن، بل بجعله حاضرا في الشعور الإنساني.

كما أن حالة الحيرة التي تعقب الفقدان الكبير تظهر بوضوح في تكوين اللوحة. فالشخصيات تبدو وكأنها تبحث عن اتجاه: هل تتجه نحو السماء أم نحو الخيام المحترقة أم نحو الصحراء الممتدة حولها؟ هذه الحيرة الوجودية ليست مجرد ارتباك، بل هي لحظة من لحظات المواجهة العميقة مع الفقدان، حين يجد الإنسان نفسه واقفا بين الألم والإيمان.

ومن زاوية أخرى يمكن قراءة اللوحة في ضوء تأملات أبي حامد الغزالي في معنى الصبر. فقد رأى الغزالي أن الصبر الجميل لا يعني غياب الألم، بل يعني أن يبقى القلب متعلقا بالله حتى وهو يعيش مقتضى البشرية من الحزن والبكاء. فالبكاء ليس نقيض الصبر، بل أحد تعبيراته الإنسانية.

هذا المعنى يتجلى في اللوحة بوضوح. فالنساء يتوجعن، لكن المشهد لا يوحي بالانهيار. هناك شموخ خفي في الوقفة، وكرامة في الحزن نفسه. فالمأساة هنا ليست مجرد خسارة بشرية، بل تجربة روحية يتحول فيها الألم إلى طريق من طرق المعنى.

ومن هذا المنظور تتحول النيران المشتعلة في الخيام من رمز للدمار وحده إلى علامة على التحول. فكما يولد الضوء من قلب النار، يولد المعنى من قلب البلاء. وهكذا لا ترسم اللوحة الهزيمة، بل ترسم لحظة إنسانية يتجلى فيها الألم والرجاء في آن واحد.

وفي النهاية نعود إلى قصيدة فروغ فرخزاد التي صورت عالما بردت فيه الشمس وجفت الحياة. غير أن هذا الليل الكثيف لا يلغي إمكانية الفجر. وكذلك في لوحة فرشجيان، حيث يجتمع الدمع والرجاء في مشهد واحد: خيام محترقة، وأيد مرفوعة بالدعاء، ووجوه خافية تحمل حزنا يتجاوز الزمن.

وهكذا يلتقي الشعر والفن والتأمل ليقدموا قراءة متعددة الأبعاد لليلة الغرباء. فهي ليست مجرد ليلة من التاريخ، بل لحظة إنسانية عميقة يتجسد فيها الحزن والرجاء والحيرة والصبر، ويقف فيها الإنسان وحيدا أمام الفاجعة، لكنه يقف وهو يتجه بقلبه نحو عالم الغيب.

ويبقى بعد تأمل هذه اللوحة عدد من الأسئلة مفتوحا أمام القارئ:

هل يستدعي الفن ذكرى الألم فقط، أم أنه يحول تلك الذاكرة نفسها إلى معنى روحي يجعل الفاجعة طريقا إلى نور لا ينطفئ؟

وهل يعيد الفن تمثيل المأساة كما وقعت، أم أنه يكشف عن معناها العميق الذي لا يظهر في التاريخ وحده؟

ثم هل يمكن للذاكرة الجمالية أن تحول الحزن الإنساني إلى طاقة روحية تبقي المعنى حيا في وجدان الأجيال؟

***

د احمد عابر

 

لقد قرأ الموروث الإنساني بتراثه الديني وأبعاده الإجتماعية الابن الذكر بوصفه ركيزة الوجود والساعد الذي يشتد به العضد والإمتداد الذي يحمل الإسم والراية عبر الأجيال ولا يسعني وأنا المرأة المعرفية إلا أن أنحني تقديراً لهذا الحضور الذكوري الذي صاغ التاريخ بفروسيته وشجاعته وأقرّ بوجاهة هذا الإعتقاد الذي يرى في الولد مفتاحاً لغلق فجوات الحياة وتأمين مسالكها

 فاحترام هذا المقام لا أقوله مجرد مسايرة للمجتمع إنما هو اعتراف بتركيبة فطرية وقيمية جعلت من الرجل سنداً وكياناً لا يُنكر فضله

​لقد كان فضولي نحو الابن الذي لم أحمله إلا في خيالي نابعاً من هذا الإحترام العميق لرمزية الذكورة في وعينا الجمعي وكنتُ أتساءل بذات الشغف المعرفي:

كيف سيكون صدى صوت

الابن وهو يناديني أمي؟ وكيف ستبدو الحياة بوجود ذلك الفارس الصغير؟ لم يكن فضولاً نابعاً من شعور بالدونية بل كان تقديراً لنموذج إنساني أراه في كل شاب محترم أصادفه فأمنحه أمومتي الروحية وأرى فيه

/الابن الذي لم يولد/ كتحية صامتة لكل رجل شهم يبني ويرعى

​لكن وفي غمرة هذا التقدير للغير جاءت بناتي ليعلنّ عن معجزة الاكتفاء هنّ لم يأتين لمنافسة مقام الذكورة أو إلغاء ضرورته بل جئن ليثبتن أن الكمال قد يتجلى في صورٍ شتى.

 بناتي كنّ الأرض التي ثبتت عليها قدماي والسماء التي أظلت روحي بوفاء لا يشيخ لقد حوّلن الندم المفترض إلى حكمة حاضرة وعلمنني أن السند هو فعل حب قبل أن يكون نوع جنس

​إنني اليوم وبكل اتزان بين احترام العقيدة وتقدير الموروث أقف في منطقة التنوير الوجداني فلا أنا أنكرتُ حاجة المجتمع للرجل وحضور الذكر البهي في ثنايا حياتنا ولا أنا سمحتُ لغيابه في بيتي أن يكسر هيبة امتلائي

 لقد وجدتُ في بناتي الشمول الذي يغني عن التعداد وفي وفائهنّ الصدق الذي لا يحده زمن. ​أقولها وأنا ممتلئة بالرضا: لستُ امرأة فقدت غصناً.  أنا شجرةٌ أدركت أن جذورها في البنات تمنحها من الشموخ ما يضاهي الجبال.  أحترم كل أبٍ يفاخر بابنه وأقدر كل ابن بار بأمه. . لكني في محرابي الخاص أرتل صلاة الشكر على بناتي اللواتي جعلن من حياتي قصيدة كاملة لا نقص فيها ووجوداً يعلمني كل يوم أن الحب الصادق هو الابن الحقيقي الذي لا يرحل أبداً.

***

مرشدة جاويش

2004 من ذاكرة الورق

 

هناك…في الماضي الجميل يمشي رمضان في الأزقّة ببطء، ليحمل فانوسه القديم، ويطرق أبواب الذاكرة كلّ مساء. أجلس في مساء هذا اليوم فتتقدم صورة نمطيّة للحارة القديمة من عمق الذاكرة في مشهد عاد بعد غيابٍ طويل لأزقة تضيق بالحياة، ولبيوت تتقارب حتى يبدو جدارها كأنه كتف الجار، ولقلوب طيبة عاشت يومها وهي تعرف طريقها بين الأبواب كما تعرفه الخطوات.

عند الغروب كانت الشمس تميل فوق السطوح الحجرية، فينسكب الضوء في الزقاق مثل ذهبٍ دافئ، وتتصاعد الروائح من البيوت في وقتٍ واحد.

من رائحة خبز التنور، فشوربة العدس، إلى رائحة القرفة التي تلامس الحلوى، والقطايف التي تنضج في الزيت بصوتٍ صغير يشبه الهمس، فالحارة كلها تشبه مطبخاً واحداً، وكلّ من الجوع والفرح يقيمان في بيتٍ واحد.

آنذاك كان الأطفال يملأون الطريق بالحركة، وأقدامهم الصغيرة تضرب حجارة الزقاق بإيقاعٍ سريع، أمّا فوانيسهم فلا زالت تتمايل في الأيدي مثل نجومٍ هبطت لتلعب معهم حتى اليوم الأخير من أيام العيد.

تبدأ لعبة عند زاوية، وتمتد أخرى قرب بابٍ قديم، وما بين صيحة تعلن بداية المطاردة إلى صيحة تبسط نفوذها معلنة الختام، ثم ضحكات تفيض بها أرواحهم البريئة حتى تصل إلى النوافذ.

في تلك الساعة كانت الأبواب تتحرّك بحنوٍّ خاص، فتخرج يد بصحنٍ عامر، ويد تستقبله بامتنان.

في مشهدٍ عفوي يعبر طبق إلى بيت الجار، يتبعه طبق آخر، وتتنقل الأطعمة كما تتنقل معها رسائل سامية من الدعوات والتحيات.

ولك أنْ تلتقي طفلا صغيرا يحمل الصحن بكلّ وقار كأنه رسولٌ صغير في مهمةٍ عظيمة، وسرعان ما يعود بصحنٍ آخر يحمل نكهة بيتٍ مختلف.

وما هي إلا دقائق حتى يرتفع الأذان، فيتّسع الصمت لحظة، ويجلس الجميع حول المائدة.

والباكورة للتمرة الأولى التي تمر بين الأصابع، والماء البارد الذي يهبط في الحلق كنسمةٍ رقيقة بعد نهارٍ طويل.

في تلك اللحظة تبدو الحارة قلباً واحداً ينبض في صدور كثيرة، ويمضي الليل في دفءٍ خفيف.

وبعد صلاة التراويح يجتمع الناس حول شاشةٍ صغيرة، وتبدأ فوازير رمضان عند سؤال يوقظ الضحك والتخمين، والأطفال يلوحون بإجاباتهم كأنهم اكتشفوا سرّ العالم.

ومن بعيد تتسلل الابتهالات عبر الهواء بصوت رخيم ينساب فوق الأسطح، فيهدأ الزقاق وتلين روحه.

لكنّ الزمن يمضي…ويمضي معه كل شيء، فالأزقة اليوم تعرف صمتاً أطول، والفوانيس التي كانت تتأرجح في أيدي الأطفال صارت ذكرى أسيرة معلقة في زاوية القلب.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

قال المحبوب: "انا ذلك الترنج الذي لا يتسع له العالم" فاجابه العاشق: "انت أجمل من الترنج، ولكن لا يمكن الإمساك بك".

الخواجة الكرماني - من احدى غزلياته - مترجمة من الفارسية2531 ahmad

الترنج في الثقافة الفارسية ليس مجرد ثمرة الأترج، بل هو الشكل البيضوي أو اللوزي الذي يتوسط التصاميم الفنية، ولا سيما في زخارف المساجد و المراقد. هذا الشكل المركزي يمثل النقطة التي تتفرع منها الزخارف كلها، وكأن العالم ينتظم حول مركز واحد. وقد رأى بعض الباحثين المعاصرين فيه تعبيرا بصريا عن الحقيقة الإلهية حيث هي مركز الوجود الذي تنبثق منه الكثرة. حين يقول المحبوب "لا يتسع له العالم"، فهو يشير إلى جمال أو حقيقة تتجاوز كل الحدود المادية، ويجيبه العاشق بأن هذا الجمال المطلق لا يمكن امتلاكه، بل فقط التأمل فيه.

بعد قرون من هذا الغزل الفارسي، نجد الحب نفسه يتجسد بلغة بصرية في لوحة حب أبريل التي أنجزها الفنان الإنجليزي آرثر هيوز بين عامي ١٨٥٥ و١٨٥٦. تظهر في اللوحة فتاة جالسة في حديقة غنية بالخضرة والأوراق المتساقطة. للوهلة الأولى يبدو المشهد هادئا، لكن مع التأمل نكتشف أن عيني الفتاة تلمعان بالدموع. ثم يظهر تفصيل خفي: في الخلفية، يكاد حبيبها يختفي بين الأشجار، جالسا واضعا رأسه بين يديه، إذ يندمج لون ثيابه مع جذوع الأشجار حتى يكاد المشاهد لا يميزه لأول وهلة. والمثير أن كثيرا من المشاهدين قد ينظرون إلى اللوحة سنوات دون أن يلاحظوا هذا الرجل في الخلفية أو دموع الفتاة. كأن الفنان تعمد أن يجعل الحزن جزءا من المشهد الطبيعي، لا يظهر إلا لمن يتأمل طويلا.

تزدان اللوحة بعناصر رمزية بديعة: اللبلاب المتسلق ربما يرمز للحياة الأبدية، والورد يرمز للحب، بتلات الورد المتساقطة على الأرض توحي بنهاية الحب، وزهور الأرجوان ترمز لذكريات الشباب والحب الأول. هذه الرموز لا تكتفي بالظهور، بل تتفاعل مع بعضها: اللبلاب الدائم الخضرة يحيط بالورد المتساقط، وكأن الحياة لا تتوقف عند انتهاء الحب، والأرجوان البنفسجي يذكر بالذكريات الجميلة وسط مشهد الحزن. هكذا يمزج الفنان بين الأمل واليأس في إطار واحد. الفستان البنفسجي الذي ترتديه الفتاة يتوازن بدقة مع الخضرة المحيطة. لكن درجات الأخضر ليست متجانسة؛ فثمة أخضر داكن في الظل، وأخضر زاه حيث يلامسه الضوء، مما يخلق حوارا لونيا يعكس تعدد المشاعر الإنسانية في لحظة واحدة. هذا التوازن بين البنفسجي والخضرة يجعل المشاعر تبدو وكأنها تنتمي إلى الطبيعة نفسها. أما النموذج الذي رسمت منه الفتاة فهي تريفينا فورد، التي تزوجها هيوز عام ١٨٥٥، أي في العام نفسه الذي بدأ فيه رسم اللوحة. كان يرسم حبه الحقيقي وهو يتأمل لحظة ألمهما المشترك. هذه المعلومة الإنسانية تضفي على اللوحة بعدا آخر: إنها ليست مشهدا متخيلا، بل لحظة حقيقية من حياة الفنان، تحولت بفرشاته إلى أيقونة خالدة.

كان آرثر هيوز أحد الفنانين المرتبطين بجماعة "الإخوة ما قبل الرفائيليين" التي ظهرت في بريطانيا عام ١٨٤٨. سعى هؤلاء الفنانون إلى العودة إلى أساليب الرسم التي سبقت عصر رفائيل، أي فن القرن الخامس عشر الإيطالي، الذي رأوا فيه صدقا وبساطة واهتماما بالتفاصيل الطبيعية.

هذا المشهد الإنساني المؤثر يذكرنا بما يقول ابن عربي في فتوحاته المكية متأملا طبيعة العشق:

"العِشْقُ هو والشَّوْقُ أنت.. ابتداءُ العِشْقِ الشَّوْقُ، وانتهاءُ الشَّوْقِ العِشْقُ.. فافهم ذلك".

ويضيف في موضع آخر:

"كل حب يكون معه طلب، لا يعول عليه... كل شوقٍ يسكن باللقاء، لا يعول عليه".

هذه الرؤية العميقة تضع الحب في مرتبة تتجاوز مجرد العلاقة العاطفية؛ فالحب الذي يسكن باللقاء ويهدأ بالوصول ليس حبا حقيقيا عند أرباب هذا المقام. بل الحب هو حالة وجودية لا تطلب الامتلاك ولا تسكن إلى اللقاء، بل تبقى في حالة شوق دائم. في اللوحة، الفتاة وحبيبها يعيشان لحظة الفراق والألم، لكن هذا الألم نفسه هو دليل على أن حبهما لم يسكن بعد، ولم يتحول إلى طلب أو امتلاك.

ومن زاوية أخرى، نجد في تراث إخوان الصفا تأملات عميقة في المحبة بوصفها مبدأ كونيا. فقد جاء في رسائلهم أن غايتهم هي "التظافر والسعي إلى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهر النفس".

وهم يرون أن المحبة تسري في الوجود كله، وأن الفضائل الفلسفية والروحية ترقى بالإنسان إلى مرتبة أقرب إلى الكمال الإلهي. في اللوحة، الحب لا يظهر فقط في الشابين، بل يسري في الطبيعة كلها. النباتات هنا ليست مجرد خلفية، بل هي مشاركة في الحدث: اللبلاب المتسلق يعانق جذوع الأشجار كما يعانق الحب القلوب، والورد المتساقط يشارك الفتاة حزنها، والألوان المتناغمة تعكس انسجام الوجود كله تحت سقف الحب.2530 ahmadاما الصديق والمفكر عبد الجبار الرفاعي، فيتناول في كتابه "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" فكرة الحب بوصفه تجربة وجودية تتجاوز المألوف. يذهب الرفاعي إلى أن الحب الصادق يحمل طابعا مقدسا، حيث يختبر الإنسان فيه نوعا من التجاوز للذات، ويلمس حضورا لا يمكن اختزاله في المادة.

الفتاة في اللوحة، بدموعها الخفيفة وحبيبها المتخفي خلف الأشجار، تعيش هذا التجلي للحب حتى في لحظة الألم والفراق. الألم هنا ليس نقصا في الحب، بل هو دليل على عمقه وصدقه.

نعود إلى الخواجة كرماني:

"انا ذلك الترنج الذي لا يتسع له العالم"،

"انت اجمل من الترنج، ولكن لا يمكن الامساك بك".

المحبوب هنا يقول إنه ذلك الترنج، لكنه اكبر من ان تتسع له الدنيا. إنه الجمال المطلق الذي لا يحد.

والعاشق يعترف بان هذا الجمال اجمل من اي شكل مرسوم، لكنه مع ذلك لا يمكن الامساك به او تملكه.

هذه هي مفارقة الحب الأسمى: حضوره اقوى من اي حضور، لكنه يفلت من كل محاولة للتملك.

هنا يتكشف التشبيه البصري الأعمق: فكما ان الترنج يتوسط  وتتفرع منه الزخارف، فإن الفتاة تتوسط التكوين البصري للوحة، والطبيعة من حولها - بأشجارها وأوراقها وزهورها - تشبه الزخارف المتفرعة من المركز.

هي مركز هذا العالم المصغر، وكل ما يحيط بها انما هو امتداد لحضورها. لكن اللوحة، مثل الترنج، لا تقدم لنا حبا يمكن الامساك به، بل حبا يمكن التأمل فيه فقط.

الفتاة تبكي، والحبيب يختبئ خلف الأشجار، والورد يتساقط، لكن اللوحة لا تنقل اليأس. بل تنقل جمالية حتى في الحزن نفسه، وكأن الالم هنا ليس نهاية الحب، بل هو جزء من حضوره. الحب الذي يظهر في دموع الفتاة هو الحب نفسه الذي يسري في الطبيعة، والذي يتجلى في الترنج الذي لا يتسع له العالم. ربما كان الفنان يرسم اكثر من مجرد لحظة شجار عابر.

ربما كان يرسم تلك الحقيقة التي أشار إليها الخواجة كرماني من قبل: أن الجمال الحقيقي - سواء كان جمال المحبوب أو جمال الحب نفسه - لا يمكن الإمساك به أو تملكه. يمكن فقط التأمل فيه، كما نتأمل الترنج في وسط الزخارف، وكما نتأمل الفتاة في وسط اللوحة، وكما تتأمل الزخارف مركزها دون أن تطمح لأن تحل محله.

وربما يتساءل البعض اذا كان الحب الذي لا يمسك به هو وحده الذي يستحق أن نسميه حبا، فهل يعني ذلك أن كل حب نمسك به يتحول إلى شيء آخر؟ وهل يبقى لنا من الحب الحقيقي إلا صور نتأملها، وأبيات نرددها، وألوان تتحدث إلينا عبر الزمن، ونحن ندور حول مركز لا نبلغه أبدا؟!!!

***

د احمد عابر

 

برحيل الكاتبة العراقية لطيفة الدليمي في الثامن من مارس 2026 في عمّان، يطوى فصل مهم من فصول السرد العربي المعاصر. فقد كانت هذه الكاتبة واحدة من الأصوات الهادئة والعميقة التي أسهمت، على امتداد عقود طويلة، في بناء رؤية سردية تتجاوز حدود الحكاية إلى فضاءات الفكر والتأمل الفلسفي. إن خسارة الثقافة العربية لاسم مثل لطيفة الدليمي ليست مجرد فقدان كاتبة مبدعة، بل فقدان تجربة إنسانية وفكرية نادرة جعلت من الأدب وسيلة لفهم العالم ومساءلة مصائر الإنسان في زمن التحولات الكبرى.

وُلدت لطيفة الدليمي سنة 1939 في العراق، ونشأت في بيئة ثقافية جعلتها مبكراً تميل إلى القراءة والكتابة. وقد درست اللغة العربية في جامعة بغداد، وهو ما أتاح لها التكوين المعرفي الذي سيغذي لاحقاً مشروعها الأدبي. ومنذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي، اختارت الدليمي أن تنتمي إلى تيار أدبي ينظر إلى الكتابة بوصفها فعلاً معرفياً، لا مجرد نشاط جمالي. ولذلك جاءت أعمالها الأولى محمّلة بأسئلة الإنسان والوجود، وبحساسية اجتماعية واضحة تجاه التحولات التي عاشها المجتمع العراقي والعربي.

تميّزت تجربة الدليمي السردية بقدرتها على المزج بين الحكاية والتأمل الفكري. فالرواية عندها ليست مجرد بناء تخييلي، بل فضاء لتقاطع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والحرية والذاكرة. لقد كانت تدرك أن السرد يستطيع أن يكون شكلاً من أشكال التفكير، وأن الرواية يمكن أن تتحول إلى مختبر لاختبار الأفكار والرؤى حول الإنسان والعالم.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في أعمالها هو انشغالها الدائم بالإنسان في لحظة القلق الوجودي. فشخصياتها غالباً ما تعيش على تخوم التحولات التاريخية، محاصرة بأسئلة المعنى والهوية. ولعل هذا ما جعل نصوصها تبدو أقرب إلى تأملات عميقة في المصير الإنساني، حيث يتجاور الخاص والعام، ويتداخل الفردي مع الجماعي. لقد كتبت عن الحروب، وعن الاغتراب، وعن ذاكرة المدن التي أنهكتها الصراعات، لكنها في الوقت نفسه كتبت عن الأمل الكامن في قدرة الإنسان على إعادة بناء ذاته.

ومن بين المحاور الأساسية في مشروعها الأدبي حضور المرأة بوصفها ذاتاً فاعلة لا مجرد موضوع سردي. لقد سعت الدليمي إلى إعادة صياغة صورة المرأة في الأدب العربي، فابتعدت عن القوالب التقليدية التي تختزلها في دور اجتماعي ضيق، وفتحت أمامها أفقاً إنسانياً وفكرياً أرحب. فالمرأة في نصوصها كائن مفكر، يتأمل العالم ويقاوم القيود الاجتماعية والثقافية التي تحاول تحديد مصيره.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من أعمالها الروائية والقصصية، من بينها رواية عالم النساء الوحيدات التي تُعد من أبرز نصوصها، حيث قدمت فيها رؤية سردية عميقة لعالم النساء في سياقات اجتماعية معقدة. كما أصدرت مجموعات قصصية عديدة مثل ممر إلى أحزان الرجال و"موسيقى صوفية"، وهي نصوص كشفت عن حساسية لغوية خاصة وعن قدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة.

ولم تقتصر مساهمة الدليمي على الإبداع السردي فحسب، بل امتدت إلى مجال الترجمة والعمل الثقافي. فقد نقلت إلى العربية عدداً من الأعمال الفكرية والعلمية، وكتبت مقالات في الثقافة والفكر، الأمر الذي منح تجربتها أفقاً معرفياً واسعاً. لقد كانت تؤمن بأن الكاتب لا ينبغي أن ينعزل داخل حدود النص، بل أن يكون منخرطاً في الحوار الثقافي الأوسع.

أما على مستوى الأسلوب، فقد عُرفت الدليمي بلغة شفافة تميل إلى التأمل الهادئ أكثر من ميلها إلى الصخب البلاغي. فالسرد عندها يقوم على بناء تدريجي للعالم الروائي، حيث تتشكل الشخصيات عبر التفاصيل الدقيقة، وتنبثق الأفكار من داخل التجربة الحياتية للشخصيات. وقد منحها هذا الأسلوب قدرة على خلق نصوص تتسم بالعمق الإنساني، دون أن تفقد جاذبيتها الجمالية.

إن قراءة تجربة لطيفة الدليمي تكشف عن مشروع أدبي متكامل، يقوم على الإيمان بأن الأدب قادر على توسيع أفق الوعي الإنساني. فالرواية بالنسبة إليها ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل وسيلة للتفكير في العالم، ولفهم التحولات التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث. ولذلك فإن نصوصها لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرب والمنفى والهوية والذاكرة.

واليوم، بعد رحيلها، يبدو واضحاً أن إرثها الأدبي سيظل جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية. فالكتّاب الحقيقيون لا يغيبون تماماً، لأن نصوصهم تظل قادرة على الحياة في وعي القراء وفي ذاكرة الأدب. ومن خلال أعمالها العديدة، ستبقى لطيفة الدليمي حاضرة كواحدة من الكاتبات اللواتي وسّعن أفق السرد العربي، وفتحْن أمامه مسارات جديدة تجمع بين الجمال والمعرفة.

لقد رحلت الكاتبة، لكن عالمها السردي ما يزال مفتوحاً، يدعو القرّاء إلى الدخول إليه واكتشاف تلك الأسئلة العميقة التي ظلت ترافق كتابتها: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط الخراب؟ وكيف يستطيع الأدب أن يكون شاهداً على الألم، وفي الوقت نفسه حارساً للأمل؟

بهذه الأسئلة نفسها سيظل اسم لطيفة الدليمي حيّاً في تاريخ الأدب العربي، بوصفها كاتبة جعلت من السرد طريقاً لفهم الإنسان والدفاع عن كرامته.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

برحيل لطفية الدليمي يخسر الأدب العراقي صوتاً نادراً ويترجل صوتٌ أدبيٌّ مميّز من قافلة الثقافة العراقية، صوتٌ ظلّ لسنوات طويلة يكتب بهدوء العارفين وعمق الباحثين عن المعنى. لم تكن الدليمي مجرد قاصة أو روائية، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً، تمزج في كتابتها بين حساسية الأدب وفضاء المعرفة، فتفتح أمام القارئ نوافذ واسعة على العلم والفلسفة والإنسان.

عرفها القرّاء كاتبةً تمتلك لغة شفيفة وقدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة كبرى عن الوجود والحرية والوعي. وفي أعمالها كانت المدن العراقية تمرّ كظلالٍ حنونة، وكانت المرأة حاضرةً بصوتها العميق وتجربتها الإنسانية الغنية، بعيداً عن الضجيج، قريبةً من جوهر الحياة. لقد كتبت عن الإنسان وهو يواجه قلق العصر، وعن المعرفة بوصفها طريقاً للخلاص من العتمة.

امتازت تجربتها الأدبية بخصوصية واضحة؛ فهي من القلائل الذين أدخلوا العلم والفكر العلمي إلى السرد الأدبي العربي بهذا القدر من الرهافة والوعي. كانت تؤمن أن الأدب لا ينفصل عن أسئلة الكون الكبرى، وأن الكاتب ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل شاهدٌ على عصره، وحارسٌ للمعنى في زمن الاضطراب.

ومع رحيلها يخسر الأدب العراقي والعربي قامةً ثقافيةً وضميراً إبداعياً ظلّ وفيًّا للكلمة النزيهة. غير أن الكتّاب الحقيقيين لا يغيبون تماماً؛ فهم يتركون في كتبهم حياةً أخرى، تمتد في ذاكرة القرّاء وتواصل الحوار مع الأجيال الجديدة.

ستبقى لطفية الدليمي حاضرة في قصصها ورواياتها ومقالاتها، وفي تلك الروح المعرفية التي بثّتها في نصوصها، حيث يمتزج الجمال بالتأمل، والسرد بالفكر، والحلم بالمعرفة.

رحلت الجسد، لكن الكلمة التي كتبتها ستظل حيّة، تمضي من قارئ إلى قارئ، ومن زمن إلى زمن، شاهدةً على أن الأدب الصادق لا يشيخ ولا يختفي.

سلامٌ لروحها،

وسلامٌ للكلمات التي تركتها لنا ضوءاً في دروب القراءة والمعرفة، وللكلمات التي ستظل تمشي بيننا، حتى بعد أن غابت صاحبتها.

***

جورج منصور

لماذا لا ينضجُ المعنى إلا على حوافّ الفقد؟ ولماذا لا نُبصرُ بهاء الأشياء إلا وهي تُنتزعُ من جذورِ أرواحنا؟ هو ذاك السؤالُ السيزيفيُّ الذي يحرثُ وجودنا كلما داهَمَنا مساءٌ منتحبٌ لا يتركُ لنا إلا صدى خيباتنا

لمن نبكي الآن؟ والوجودُ خلفنا يتبخر والأشياءُ التي ظننّاها أبديةً تفرُّ من بين أصابعنا كالسراب

​أذكرُ تلك اللحظة في المشفى حين كنا نحيطُ بسريره كأشجارٍ يابسةٍ ضربها الإعصار كنتُ متكتلةً على نفسي منزويةً في ركنِ ذهولي أحاولُ أن أسترقَ من صدرهِ نفساً واحداً يطردُ فكرةَ الرحيل

 في ذلك الضيق زحفت إليّ الذكرياتُ كأشباحٍ تعاتبني استحضرتُ أوجاعهُ الصامتة التي كان يغلفها بهيبةِ كبريائه وحين نطق الطبيبُ بحكمِ الإعدام: (لقد غادر الحياة)

 لم تكن مجرد جملة إنما كانت فأساً هشّمَ مرآةَ كوني

 في تلك اللحظةِ الرهيبة فرغت الغرفةُ من ركامها البشريّ رغم ازدحامِ إخوتي حولي سقطتُ في ثقبٍ أسود من الغربة وجدتُني وحيدةً تماماً وسط الزحام

 أدركتُ حينها أن الامتياز الذي كنتُ أرتديهِ كدرعٍ ليحميني في وحدتي انهار مع أولِ صرخةِ غياب

​يا الله! كم استبدَّ بي الزهو حين ضربتُ بنصحهِ عُرضَ الحائط! ظننتُ في لحظةِ طيشٍ وجودي أن الثباتَ صفةُ الدنيا وأن الجدارَ الذي أستندُ إليه منذُ وعيتُ على الأرض سيظلُّ شامخاً بوقارهِ ودِفئه وعذاباتهِ التي كانت تفيضُ حُبّاً مبطناً

 لم أتوقع أن ينكسر ذاك الجبروتُ بلمحةِ بصر

كنتُ أمارسُ تجاهلاً مقدساً للحقيقة حتى هوى السقفُ فوق رأسي مع صعود روحه إلى السماء

كان صوتهُ في مكالماته الأخيرة يأتيني الآن كأجراسٍ جنائزية تخترقُ صمتَ الغرفةِ لتعذبني بما أضعته

كنتُ حينها غارقةً في كتبي أطاردُ أحلامي الجامعية في بلاد الغربة بينما كان هو يطاردُ طيفي بكلماتٍ لم أدرك أنفاسها الأخيرة إلاّ الآن:

(​لا تتركي الغربةَ تسرقُ ملامحكِ)

​(هل يكفيكِ ما معكِ من مال؟)

(متى تعودينَ لتضيئي الديار؟)

​(متى تزفينَ إليّ فرحةَ زواجكِ؟

​كنتُ حينها أُتقنُ فنَّ الهروب أراوغُ الحوار وأتجاهلُ نبض الخوف في نبرته

 واليوم وأنا محاصرةٌ بين أربعةِ جدرانٍ باردة أجدُ عواطفي مشلولةً تماماً أمام جلالِ الموت أتساءلُ والحرقةُ تأكلُ حنجرتي:

لماذا لا نقدّسُ أشجارنا العظيمة إلا حين تجتثها الريح؟

​يأتي السؤالُ كالعلقم لزجاً كطعمِ الفقد..

​ألملم شتات روحي لكنني أقتفي أثرهُ في كل خطوة

لماذا ؟ غيبه الموت ؟

 يأتي السؤال مراً مستنكراً الحقيقة

 ألملمُ نفسي وأتماهى مابين حزْني و رائحة الموْت

وأحملُ نصائحهُ كتميمةٍ أخيرة

 وأمضي أتَرحَّم

***

مرشدة جاويش

 

وُلد الباحث والناقد ثامر الحاج أمين سنة 1955م في مدينة الديوانية، تلك المدينة التي نهضت على ضفاف الفرات محمولةً على نغمة “الحسجة” الفراتية، وأنجبت أجيالاً من الشعراء الشعبيين الذين صاغوا وجدان الجنوب العراقي وأهدوه موسيقاه العميقة ولهجته المتفردة. في هذه البيئة المشبعة بالشعر والإنشاد، تشكلت ملامح وعيه الأولى، فكانت الديوانية أكثر من مدينة ولادة ؛ كانت رحمًا ثقافيًا صاغ حساسيته الأدبية ووجه شغفه المبكر نحو الكلمة.

أكمل دراسته الأولية فيها، ثم انتقل إلى كلية القانون ليتخرج محاميًا ناجحًا، جامعًا بين صرامة النص القانوني ورهافة النص الأدبي، في تزاوج نادر بين العقل التحليلي والروح الشاعرة. غير أن القانون لم يكن سوى أحد مساراته، أما مساره الأصيل فظل الأدب، حيث كان منذ صباه مولعًا بالشعر، نهمًا للقراءة، يلتهم الكتب التهامًا، حتى نمت ملكاته الأدبية واتسعت رؤيته النقدية. وما إن بلغ ريعان الشباب حتى بدأ يكتب، ليجد طريقه سريعًا إلى النشر، ويغدو واحدًا من الأسماء الحاضرة في المشهد الثقافي العراقي بفضل قدراته الأدبية ونشاطه المتواصل، أصبح عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، ثم انتُخب رئيسًا لاتحاد الأدباء والكتاب في الديوانية لدورتين متتاليتين، وهو منصب لم يكن مجرد موقع إداري، بل منصة ثقافية مارس من خلالها دوره التنويري، وأسهم في تحريك الحياة الأدبية في مدينته، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي العراقي العام. وكان حضوره مائزًا في المحافل والمهرجانات والأنشطة الثقافية داخل الديوانية وخارجها، حيث عُرف بحيويته الفكرية وقدرته على إدارة الحوار الثقافي بروح منفتحة ومسؤولة.

بدأ مسيرته الأدبية في مطلع السبعينيات بكتابة القصة القصيرة، ونشر عددًا من نصوصه في الصحف العراقية الصادرة آنذاك، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى الدراسات النقدية والمقالات الفكرية. وقد نُشرت كتاباته في طيف واسع من الصحف والمجلات العراقية والعربية، من بينها:(الصباح، الزمان، طريق الشعب، المؤتمر، الدستور، الحقيقة، البينة الجديدة، الصباح الجديد، بغداد، الاتحاد، الشرارة، القدس العربي، القبس الكويتية، مجلة الثقافة الجديدة، مجلة التراث الشعبي)، وهذا الانتشار الواسع يؤشر إلى حضوره المؤثر، وإلى الثقة التي نالتها كتاباته من المؤسسات الثقافية والإعلامية.

عُرف ثامر الحاج أمين بين زملائه بعلاقته الحميمة بالوسط الثقافي، وبروح المودة والتواصل التي نسج بها شبكة واسعة من الصداقات الأدبية داخل مدينته وخارجها، كما تميز بقدرته على اختيار الموضوعات “البِكر”، المثيرة للاهتمام، تلك التي لم تُستنفد نقديًا، فكان نصه غالبًا يحمل طزاجة السؤال وحرارة الاكتشاف. ولهذا غطّت مقالاته مساحات واسعة من الصحف والمجلات، وارتبط اسمه بالبحث الجاد والتنقيب الدؤوب في المنجز الإبداعي العراقي، غير أن دوره الأبرز يتجلى في وفائه النادر لزملائه الراحلين، إذ لم يكتفِ بالرثاء العابر، بل انشغل بجمع نتاجهم، وتوثيق تجاربهم، وكتابة الدراسات عنهم، حتى غدا بحق مؤرخًا أدبيًا غير معلن لمدينة الديوانية. ولولا جهوده في الجمع والتوثيق، لضاع الكثير من نتاج شعرائها وكتابها، كما ضاع غيره في غبار الإهمال والنسيان. لقد تصدى لمهمة شاقة: إنقاذ الذاكرة الثقافية من التآكل، وحماية التراث الإبداعي المحلي من الضياع.

أما إصداراته، فهي تشكل خريطة واضحة لاهتماماته النقدية والإنسانية، ومرآةً لتحولاته الفكرية والجمالية:

ساهم عام 2008 في إعداد ومراجعة وطبع المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي الراحل كزار حنتوش، في عمل توثيقي بالغ الأهمية.

وفي العام نفسه أعد وقدم ديوان الشاعر صاحب الضويري الموسوم " كتابات على جدار الزمن ".

عام 2011 صدر له عن دار تموز في دمشق كتاب «نهارات مشمسة»، الذي ضم قراءات في عدد من التجارب الإبداعية.

وفي عام 2015 صدر له عن دار كانون كتاب «ما يمكث في القلب»، وهو سياحة عميقة في فضاءات إبداعية مختلفة.

عام 2020 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «سيرة وجع عراقي»، متناولًا محطات من التجربة الحياتية والإبداعية للشاعر الراحل علي الشباني، في عمل يجمع بين النقد والسيرة والوفاء الإنساني.

عام 2021 صدر له عن دار نيبور كتاب «مرايا الطين»، الذي ضم إضاءات نقدية في نصوص إبداعية متعددة.

عام 2023 صدر له ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب «قطاف ما بعد الموسم»، جامعًا مقالات سياسية واجتماعية وأدبية.

عام 2024 صدر له عن دار رؤى للطباعة والنشر كتاب «التحليق في سماء ممطرة»، وهو مجموعة مقالات نقدية تعكس نضج رؤيته التحليلية.

وفي عام 2025 صدر له عن دار رؤى أيضًا كتاب «البقاء على قيد المهزلة»، الذي يمثل تأملات عميقة في واقع سريالي يختلط فيه العبث بالألم.

ولا يزال ثامر الحاج أمين يواصل عطاؤه الإبداعي، من خلال النشر المنتظم في الصحف، والمشاركة في النشاطات الثقافية، والحضور الدائم في المشهد الأدبي، مؤكدًا أن الكتابة لديه ليست مهنة عابرة، بل قدرٌ ثقافي، ورسالة وفاء للكلمة، وحراسة مستمرة لذاكرة العراق الثقافية.

إنه باختصار: كاتبٌ يمسك بالقلم كما يمسك المؤرخ بالمخطوطة، ناقدٌ يقرأ النص بعين المحبة قبل عين التحليل، وباحثٌ يدرك أن ضياع التراث يبدأ حين نصمت عنه.

***

محمد علي محيي الدين

اثار الباب المغلق دائما شجوني واحزاني، وطالما وقفت امامه في هذه اللحظة العصيبة او تلك، وانا اتساءل: ما الذي حصل واين ولى واختفى من كانوا هنا، وراء هذا الباب وفي داخل البيت؟.. لقد توقفت امام الباب المغلق عددا كبيرا من المرات، بعضها مر وانستني اياه المشاغل والايام، وبعضها الاخر ترسخ في الذاكرة واعترف انه بات جزءا عصيا على النسيان لا يفارقني الا ليعود فارضا نفسه على، ومشددا انه وجد يوجد ولسان حاله يردد: لن ارحل كما رحلوا.

قصصي الاولى مع الباب المغلق ابتدأت منذ تفتح وعيي على الحياة، وكانت اولى تلك الحكايات قصة احد امراء الف ليلة ولية، عندما تزوج من امرأة احبها كثيرا وعندما دخلت قصره توقفت قبالة سبعة ابواب وتساءلت عن وجود تلك الابواب، فابتسم زوجها الامير وقال لها: هنا ستمكثين معظم وقتك.. في غيابي، ثم قال لها انه بإمكانها ان تفتح الابواب الستة متى تشاء، اما الباب السابع فقد طلب منها الا تفتحه. ما ان غادر الامير قصره حتى اخذت زوجته الطرية الجديدة بالتفكير في الباب السابع، وكما هو متوقع.. ما ان غادر زوجها حتى بادرت الى فتح ذلك الباب لتبدا سلسلة من الالام والاحزان والمعانيات.

اما قصصي مع الباب المغلق فاعتقد ان اولاها كانت، عندما عدت من الحارة الى بيتنا الغافي بين الاشجار الظليلة الدافئة.. وانا لما اتجاوز الثالثة او الرابعة من العمر، ووجدت باب البيت مغلقا، فحاولت ان افتحه الا انني لم اتمكن، فنمت قريبا منه، وعندما عادت فوجئت بي نائما هناك، فحملتني ووضعتني في سريري الخشبي لترافقني تلك الحادثة طوال ايام العمر.

قصة اخرى وقعت لي ما الباب المغلق، وتركت اثارا لا تُمّحى ولا تقدر على محوها الايام، كانت يوم توجهت الى شقة زوجين شابين قريبين جدا، بعد ان سمعت من اخرين ان الزوج غادر بيته الى المجهول، بعد ان طلبت منه زوجته المغادرة. طرقت يومها باب الشقة.. بقي صامتا غارق في هدأته.. اعدت الطرق فواصل سكوته ولم يرد.. فما كان مني الا ان دخلت في حالة باكية من الصمت، وحملت نفسي وفي قلبي غابة من الاسئلة عن الخسارة والفقد.

ذروة توقفاتي امام الباب المغلق وحكاياتي معه، كانت يوم كتبت قصتي الباب المغلق، نشرت في مجموعتي القصصية " ظل على السطح"، هذه القصة تحكي عن شخص نبذته زوجته، فراح يبحت عن طريقة تعيده اليها والى بيته الدافئ الحنون. حاول طرق العديد من الابواب، بما فيها ابواب من يعنيهم الامر، الا انه لم يتمكن لان كلا منهم مستغرق في بابه المغلق، فما كان منه الا ان انطلق في الشارع الطويل.. المفضي الى الباب المغلق.. بابه.

الباب المغلق له مكانة محزنة حافلة بالاسى في قلبي، بالضبط مثلما كان له في قلوب الكثيرين ممن اعرفهم ولا اعرفهم من اهل القول والكلام، اذكر منهم هنا شاعرتنا الراحلة فدوى طوقان ابنة مدينة نابلس، ومجموعتها الشعرية" امام الباب المغلق"، والالماني بورشرت صاحب مسرحية امام الباب المغلق، والشاعر المرحوم ميشيل حداد ابن بلدتي الذي كرس قصيدة او مجموعة شعرية نثرية كاملة لـ" السيد المغلق"، اما السيدة فيروز فقد فجرت مكامن احزان الكثيرين وهي تدق على الباب المغلق وتردد بحرقة: دقيت دقيت وايدي تخلعوا وقنديلكن سهران ليش ما بتفتحوا؟

رحم الله الشاعر الصديق الراحل عدوان ماجد، الذي انصرف عن قول الشعر بعد محاولات قليلة، عندما هتف في احدى قصائده:" افتحوا الابواب قلبي لا يحب الباب مغلق"، فقد لامس حفاف احزان الباب المغلق الحافلة بمشاعر الفقد والاسى.. بالضبط مثلما لامستها وعشتها.

***

ناجي ظاهر