أقلام فكرية

سمير البكفاني: العلمانية.. نشأتها كمفهوم وتطبيقاتها العملية

بعيداً عن الخوض في تعريفات العلمانية، وعن دلالة الكلمة، والمصدر الذي اشتُقت منه. ما إذا كانت مشتقة من العِلم (بكسر العين)، أو من العالم (بفتح العين). حيث ما زال، الخلاف قائماً بين المثقفين، والباحثين، وكذلك بين الناشطين السياسيين؛ حول ما إذا كانت العلمانية، هي الحل، لمعالجة ما ينتاب مجتمعاتنا، من تخلف، ثقافي، وفكري، يطال القاعدة العريضة المهمشة، التي ما زالت تعيش في الماضي، في ظل غياب أي آفاق تنبئ بمستقبلٍ قريب أفضل.

في كتابه، اللاهوت العربي، يُلمِح الدكتور يوسف زيدان، إلى بدايات تداول هذا المفهوم، بقوله: يحلو لكثيرٍ من مفكرينا المعاصرين، ترديد ما فحواه أن الدين ينبغي أن يظل بعيداً عن السياسة، وتظل السياسة بمنأى عن الدين. هذا ما يزعمون ويبشِّرون به وكأنه الاستنارة الباهرة، أو هو حسبما صاروا يسمونه مؤخراً (العلمانية) تلك اللفظة ملتبسة الدلالة التي كانت تعني في اليهودية معنىً خاصّاً، إذ هي هناك صفةٌ لليهودي غير المتديِّن، الذي يظل مع عدم تدينه يهوديّاً، لأن أمه كانت يهودية. ثم صارت العلمانية تعني في المسيحية، الاتجاهَ المعنيَّ بالعمل في العَالم، لا بالخدمة الكنسية (الاكليريكية) من دون أيِّ إدانات صريحة لمن هو علمانيٌّ من المسيحيين.. لكن الكلمة صارت اليوم تعني، عند المسلمين: الإلحاد والكفر والزندقة والخروج عن الدين (الرِّدَّة).

مما سبق نرى أن المسيحية، كان لها، ومنذ البداية، موقفاً، متسامحاً من العلمانية، وهو موقفاً أقل ما يمكن أن يقال عنه، أنه كان موقفاً محايداً. بعكس، الموقف الإسلامي المُتَشَدّد، الذي أوضح موقفه منها، ومنذ البداية، أيضاً، بما لم يدع مجالاً للَبْس.

والسؤال الذي يدور دائما في أذهان المثقفين، والسياسيين؛ كيف السبيل للوصول إلى نظام (علماني) يخرجنا، من حالة التأخُر المزمن، الذي تعاني منه مجتمعاتنا، العربية-الإسلامية، وهُمْ يظنون، أن العلمانية، وصفةٌ جاهزة، ومجرد قرار يُتخَذ من فوق، ويُدرج ضمن قوانيننا الأساسية (دساتيرنا) وكفى المؤمنون شر القتال. غير مدركين لسياق التطور التاريخي لمجتمعاتنا، منذ أربعة عشر قرناً؛ التي لم تعش في ظل دولة فيها بعض ملامح الدولة الحديثة.

لم تعرف بلادنا، منذ ظهور الإسلام، سلطتين مستقلتين، إحداهما (زمنية) على رأسها، ملك أو أمير.. والثانية، سلطة (دينية) يرأسها، رجل دين، إمام أكبر أو فقيه. كما كان عليه الحال في أوروبا، منذ انتشار المسيحية فيها، والتي كان لها، سلطتين زمنية أو سياسية ويرأسها الملك أو (الإمبراطور) وسلطة دينية ممثلة بكبير الأساقفة ما بات يعرف بـ (البابا) على رأس (الكرسي الرسولي).

أما في دولة الخلافة الإسلامية الوليدة، لم يكن هناك فصل بين الدين والدولة. فقد تطور الأمر بعد الخلافة الراشدية إلى المُلك مع بداية الخلافة الأموية. فالخليفة، هو من يستحوذ على السلطتين، الزمنية والدينية. هو الملك، الذي يقبض على دفة الحكم من جهة. وهو أمير المؤمنين "وخليفة الله ورسوله" على الأرض من جهة أخرى. وهو الحاكم، والقاضي، وبيده أصول التشريع، ويلتف حوله الفقهاء ورجال الإفتاء؛ يبررون أحكامه؛ وما ترتب على ذلك من قمع دموي، لكل الجماعات أو المذاهب الكلامية، التي كان لها اجتهادات فكرية، حاولوا من خلالها، نقد بعض المبادئ التي روج لها الحكام، مثل مذهب (الجبرية) أو القدرية، أيام الدولة الأموية، لتعزيز سلطتهم، في القرن الأول الهجري، مثلما حدث لمؤسسي علم الكلام (آباء الكلام) الأربعة الذين وُصِفوا بأهل البِدَع أو (الهرطقة): كـ ـمعبد الجهني، غيلان الدمشقي، الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، الذين ذُبحَ كل واحد منهم بطريقة تفوق التصور!

وإذا أردنا، تَتَبُع ظهور العلمانية، ونشأتها، نرى أنها ارتبطت بالسياق المسيحي الأوروبي (الغربي)، وليس بالمسيحي الشرقي؛ فكانت وليدة مسار، وصيرورة تاريخية أوروبية.

إذن، المسيحية، انتشرت في بيئة أوروبية، لها تاريخها، وتراثها الفكري، والديني وتجربتها السياسية، السابقة على ظهور المسيحية كإحدى الديانات (الابراهيمية) قبل الميلاد بقرون من الزمن، بدءً بأثينا (المدينة- الدولة)، ومن بعدها روما، التي طورت ما بدأته أثينا. وأثرَّت المسيحية، وتأثَّرت، في الحياة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية السائدة، في مكان انتشارها الجديد، في أوروبا.

ففي عام 313 م، أعلن الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول (272 -337) م، مرسوم (ميلانو) الشهير؛ الذي منح بموجبه المسيحيين وغيرهم الحرية لاتباع الدين والنهج المناسب والأفضل لكل فرد منهم فكانت خطوة أخلاقية صائبة، مما منح التسامح لجميع الأديان، بما فيها المسيحية. وبهذا المرسوم أصبحت الإمبراطورية رسميًا محايدة فيما يتعلق بالعبادة الدينية؛ فليست الديانات التقليدية (الوثنية) باطلة غير مشروعة، ولا المسيحية دين الدولة.

وبعد أن أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية، سنة 391 م، وحيث كانت الكنيسة عاملة في كنف دولة عظمى متينة البنيان في بيزنطة، غدت في روما السلطة الوحيدة المتماسكة في عهد الغزوات البربرية لأُمم القوط وغيرها.. ولكن هذه السلطة - سياسية كانت أم دينية - كانت مرتبطة بعلاقة أكيدة مع الدولة، علاقة رعاية من قبل الدولة، وإرشاد من قبل الكنيسة لكون أهلها (أي أهل الكنيسة) مثقفي السلطة ومحتكري المعرفة.

وبحسب الدكتور عزيز العظمة، في كتابه العلمانية من منظور مختلف، يقول: وسنرى أن الكلام على الصراع بين الدولة والكنيسة أمر مبالغ فيه إلى حد كبير، فلم يكن للكنيسة استقلال فعلي إلاّ في مجتمع إقطاعي كانت فيه الكنيسة اقتصادياً سلطة إقطاعية، ملكية أو شبه ملكية، كغيرها من السلطات.

إن ثورة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، وهجومه على الكنيسة ممثلة بـ (بابا الفاتيكان) لبيعها صكوك الغفران عام 1516م، وتعليقه البيان الشهير المتضمن الموضوعات الإصلاحية على باب كاتدرائية فورمز في ألمانيا عام 1517م. وكانت حركة الإصلاح (البروتستانتية) تلك، فاتحة لعهد الحروب الدينية، في أوروبا، التي ترافقت بالعنف الذي أخذ أشكالاً مهولة.. ولم تنته تلك الحروب الدينية، إلا مع معاهدة وستفاليا للعام 1648 م، التي أفضت بأوروبا إلى نظام دولي جديد؛ اقترن باتفاق ملوك فرنسا والكنيسة الكاثوليكية، بتبعية الكنيسة للدولة؛ وأعطي بموجبه الملوك حق تعيين أصحاب المناصب الكبرى في الكنيسة.

إن ما قامت به الشعوب الأوروبية، عبر هذا التاريخ الذي استعرضنا بعض محطاته، والذي جرى في إطار شبكة من العلاقات والصدامات السياسية والاجتماعية والفكرية البالغة التعقيد.. وصولاً إلى التأسيس الحاسم للتربية اللادينية، في فرنسا، من قبل وزير التربية جول فيريه (...) في الفترة 1882 - 1886، وأخيراً الفصل الرسمي التام للكنيسة عن الدولة واعتبارها هيئة خاصة عام 1905. أما فيما تَبقى من أوروبا؛ ففي ألمانيا الاتحادية اليوم، على سبيل المثال، ما الكنيسة إلا هيئة خاصة كالجمعيات الأخرى، ينتمي إليها الأفراد ويعبّرون عن هذا الانتماء بأداء الضرائب لها - وكأنها بدلات اشتراك - ويعبرون عن انفصالهم عنها بالامتناع عن أداء هذه الضرائب.

أخيراً يمكن القول: إن أهم مبادئ العلمانية، هو أن تكون الدولة محايدة؛ أي لادين رسمي لها، وتكفل حرية العقيدة، وحرية الضمير، وحرية اعتناق أي دين أو فلسفة حياتية، وتُكفَل الممارسة الآمنة للشعائر الدينية.

أما عندنا ما زالت العلمانية؛ تُهمة تُقرن بالكفر.. على أنها مُستورد غربي معادي للدين! لذلك فالعلمانية، لا أمل لوجودها وتحققها في مجتمعاتنا الإسلامية، قبل أن ينتصر التنوير العربي على الأصولية الدينية. وبهذا نتفق مع ما يردده البعض من مفكرينا، وفي مقدمهم الدكتور يوسف زيدان، الذي يقول: أنه لا خيار أمامنا، سوى السير في مشروع التوعية التنويرية العامة، وهو ما يعمل عليه من خلال كل ما يكتبه وينشره.. وتأكيده على أهمية إصلاح النظام التعليمي.

***

سمير البكفاني - كاتب سوري

في المثقف اليوم