أقلام فكرية

علاء حمد: الثقافة النصّية

تعتبر الثقافة النصّية ملحقة بثقافة الشاعر؛ شاعر دون ثقافة شعرية لا يستطيع أن يكون ضمن قافلة النصّ الشعري الحديث، ومن خلال منظور الثقافة النصّية، يقودنا التداول النصّي إلى عدة مهام، ومنها الذاتية اللغوية، والتي تعتبر المحفز الرئيسي في تجنيد اللغة وتوظيفها في النصّ عبر آليات رمزية أو آليات تقنية تستدعي التحوّلات بين عناصر النصّ، ومنها أيضا الفعل الكلامي، وخير من كتب في هذا الجانب هو جرايس H. P. Grice وأوستن J.Austin الذي هو أوّل من قال: (إنّ اللغة نشاط وعمل ينج؛ أيّ أنّه عندما يتلفظ المتكلّم في مقام تواصلي معيّن لا يخبر ويبلغ عن أمر ما فحسب بل يفعل؛ أي ينجز نمطاً معيّناً من عمل اجتماعي "1"، فيقوم بعمل ونشاط مدعم بنيّة وقصد يريد المتكلم تحقيقه من خلال تلفظه بقولٍ من الأقوال، فاللغة ليست بنى دلالية وتركيبية فقط، بل هي عمل كلامي ينجزه المتكلّم ليؤدي به غرضاً. "2"). ولكن الذي نجري وراءه هو التركيب اللغوي والتحليل الدلالي وكذلك لا نتخلى عن حالات الاستدلال، وجميع هذه العناصر تعتبر من العناصر المهمّة في التفاعل النصّي.

لا نستطيع أن نضع تعريفا للثقافة النصّية، وذلك لتعدّدية الاتجاهات التي تنسجها في المنظور النصّي، وهناك من وضع تعريفاً للنصّ في الثقافة الغربية (إنّ دلالة نصّ Text في الثقافة الغربية تحيل على النسيج "3" وتحمل الدلالة نفسها في الأصل اللاتيني Textus وكلمة النسيج تعود في منشئها إلى الحقل الصناعي المادي، وما عبارات مثل النسيج الاقتصادي ونسيج الخلايا إلا استعارات من هذا الحقل. "4"). وتبقى هناك مهمة شاقة لتحريك النصّ، فالنسيج غير كافٍ لتحريك حفريات النصّ وإقامة العلاقات التفاعلية بين العناصر النصّية.

لا يمكن أن تكون العلاقات النصّية ذات مفعول مؤثّر ودون علاقات فيما بينها، كأن تكون المحايثة النصّية على علاقة مع التحوّلات، وكأن تكون بنية المعنى معتمدة على الاختلاف، ومن خلال هذه العلاقات التي لا يعي بأهمّيتها المتلقي أو الناسج النصّي، والتي تشكّل المنظور النصّي وكيفية الاعتماد على البنى النصّية ومنها البنية الدلالية أو البنية الاستدلالية أو بنية الاختلاف، كلّ هذه تشكّل مفاهيم بوجود النصّ الفيزيائي؛ والذي يتمتّع بمكوّنات زمكانية في الأبعاد النصّية، وهي الركيزة الجمالية المبنية من خلال ظهور علاقات النصّ الشعري الحديث؛ وجمالية جرس الكلمة الذي يؤدي إلى الإيقاع؛ ومنها جمالية نسيج الجملة الشعرية، وكذلك جمالية المعنى ومدى ظهور فعل الإثارة. إنّ هذه البنى تضمن استمرارية النصّ وما يحمله من تأويلات أيضاً.

نلاحظ أنّ الاعتناء بالنصّ من أهم لوازم الكتابة المنظورة في عدّة حالات ومنها:

النصّ المقروء:

كلّ نصّ هو ديمومة من الاختلافات لا يمكنها أن تنتهي، وهي عناصر النصّ في نفس الوقت قبل تشخيصها كتابياً، ولا يمكننا أن نشخّص هذه العناصر دون تواجدها النصّي، لذلك فالنصّ المقروء، هو الغائب منه؛ والفاصل الذي يواجه المتلقي، حضور النصّ من عدمه، والحضور النصّي من خلال المكتوب يشكل بنية نصّية حاضرة أي أنّ الفعل الآني هو المتعدّد في توجّهات النصّ، لذلك تكون الأفعال وتراكمها من خلال أفعال انتقالية أو حركية أو تموضعية، وكلّ فعل له روافده المتشعّبة بين الأعلى والأسفل أو اليمين واليسار. إلخ.

المبينات النصّية:

وهي تعتمد على بنية النصّ واتجاهاتها التعدّدية، وكلّما تعدّدت اتجاهات النصّ، تعدّدت القراءات، وكذلك تعدّدت طبقات المعاني والدلالات؛ إذن المبيّن النصّي يشغل الأثر الفعّال في فعل الإثارة والذي يجذب المتلقي بداية من العنونة. ومن المبيّنات النصّية المهمّة؛ القصدية، أي أنّ الشاعر يحصل على موضوع ذي قيمة كتابية؛ لذلك ينتزع محيطه من المعاني، وتتدخّل الذات في فضاء من الزمان والمكان؛ حيث أنّ القاعدة الأرضية من المعاني متواجدة في محيط الشاعر.

ومن المبيّنات النصّية أيضاً، فعل الإثارة الذي لا يختفي في الجمل الشعرية أو الصور الشعرية المقصودة، لأنّه المحرّك الأساسي لهذه الميزة في النصّ الشعري؛ لذلك وجلّ ما نلاحظه بأنّ هناك من الأشياء المدركة في حركة النصّ، وكذلك التمثيل الحسّي للمعنى من خلال الصورة الشعرية، ويكون لفعل الإثارة القدرة على تحريك تلك الصور وظهور دلالاتها التي تمثل الذهنية إن كانت حسّية أو تجريدية.

البنية الدلالية:

وهي الأنسب في التوظيف النصّي؛ وقد تكون نتيجة بنى مجتمعة يستخلص الشاعر منها بنية دلالية مركزية وذلك لتحريك معاني النصّ الشعري؛ لا ينفي الشاعر ولا يقلّل من جميع البنى الدلالية التي يعتمدها، فهي تجري في ذات النسق الذي استخلص منه بنيته الدلالية المركزية.

إنّ المحور الدلالي يساعد على التماسك النصّي، لذلك تنتج وتتجلّى محاور دلالية في نصوص عديدة، وهي اللازمة الأمثل في التقصّي النصّي وتوزيعها بعمق بين نصّ وآخر بالرغم من اختلاف طرق وتأسيس البناء النصّي.

الإحالة والتماسك النصّي:

تكمن أهمية الإحالة بأنّها ظاهرة لغوية نصّية؛ وهي تساعد على التماسك النصّي وآلياته؛ فالاختلاف اللغوي يحتاج إلى التماسك النصّي ومنه نستنتج أيضاً التماسك الدلالي، حيث أنّ الدلالات التي تتراكم في النصّ الشعري، نتيجتها الأبعاد الرمزية واختلاف المعاني وكذلك المختلف في اللغة التي يوظفها الشاعر، وجميع هذه الآليات تقودنا إلى وحدات تماسكية في النصّ الشعري الحديث. ومن الممكن ايضاً توظيف الإشارة التي تساعدنا على بعض الأبعاد الدلالية؛ عندما نكون مع الزمان (الآن وغداً) وهنا، أقصد أنّ الفعل الآني يمتلك حركة فعلية وإشارة إلى بعض الأفعال التي يتم تصنيفها حسب زمنيتها. وعندما نكون مع المكان (هنا وهناك)؛ فمن الممكن جدّاً أن يكون للفعل المكاني علاقة مع الفعل الزماني، فالشاعر يضع المكان على المكان، وليس المكان على الزمان، لذلك فهو ينطلق من مكان ما، والتي نطلق عليه بيئة الشاعر.

استمرار اللحظة:

إنّ اللحظة الواحدة تولد لحظات، وهي مشبوبة بالمعنى الجمالي " الاستطيقا " لذلك وجلّ ما نلاحظه فيها أنّها تتّجه إلى الشعرية الخالصة وتحمل معها المعاني والتعاليل التي تكوّن طبقات من المواضيع الجمالية؛ وتعدّ اللحظة ذاتها ضمن علم الجمال، فظهورها يدفع الشاعر إلى إيجاد فنّ غير طبيعي، وتلتقي مع التلقائية في الخلق الشعري.

تنتمي اللحظة إلى صاحبها وتتّجه بتواصلها نحو التغيّرات الجمالية، فهي لا تكتفي بمعنى واحد " في حالة ديمومتها " وإنما تتنوّع المعاني والتأويلات من خلال الانتقالات من المباشرة إلى المنظور الدلالي؛ ومن المؤثرات التي تدخل الأذن إلى الملائمة البصرية.

إنّ ما يثير ظهور اللحظة؛ هو مشهد التغيّر، حيث وراء كلّ لحظة ذات حقيقية، تعمل في نسيج متواصل مع اللحظات التوليدية، وهي لا تكف عن المضي في نسيج النصّ الشعري. وحتى اللحظة على تغيّر دائم ولأتأخذ نمطاً معيّناً عندما تمتلك الخلق النصّي.

التأويل والاستدلال:

يتخذ التأويل مساحته النصّية، وهو على علاقة مع الاستدلال، حيث ينصهر بأوضاع حِجاجية متفاوتة؛ ويخضع التأويل إلى رغبتين، الرغبة التأثيرية وإيجاد المعاني التعجبية والغرائبية وتكون ضمن فعل الإثارة الذي يحفّز المتلقي على التواصل والديمومة، ورغبة القوّة المقنعة للمرسَل إليه، حيث أنّ المعاني تظهر ماسّة الطرف الآخر لشموله الاستدلال والمبيّنات التي تدفع العمل النصّي نحو المفاهيم الضرورية.

دلالة النصّ:

عندما يكون الشاعر مع الأشياء المرئية وغير المرئية فإنّه يقودنا إلى شبكة من الدلالات التي تعتني بالنصّ الشعري، ولكن ننحاز إلى العلاقة بين البنية النصّية والدلالة، حيث أنّ المكوّنات النصّية تتجلّى من خلال عناصر النصّ؛ هي الأثر والفعّالية في الخلق النصّي، ويصبح النصّ بحد ذاته دالاً من الدلالات المفعّمة بالمعاني والتأويلات.

نرى العالم الذي يحيط بالشاعر من خلال النصّ، حيث أنّ القيمة الدلالية التي يعتمدها النصّ، هي القيمة الرئيسية التي اتكأ عليها، ولا نستثني البنى الأخرى وخصوصاً المصغّرة منها والتي تحمل نفس القيمة. ويعدّ النصّ كمفهوم أوّلي حسب المدرسة التي ينتمي إليها؛ ولكن الناقل النصّي هو الدلالة المعرفية (cognitive semantics) وهي مبنية حسب الذهنية في تنظيم معرفي تصوّري، وفي نقل المعاني أوّلا، وظهور البنية التصوّرية ثانياً.

التأصيل النصّي:

يقودنا النصّ بصيغته العلائقية إلى قوّة قولية وقوّة لا قولية، طالما أنّ النصّ الشعري هو الجامع للقول والقول الشعري المتقدّم، لذلك عندما يعتمد البنى القولية كصيغة معرفية دلالية تنعكس المعاني ضمن القول الآني، لكي يرتوي النصّ الشعري بوضعية جديدة تؤدي إلى فعل القول وتكتّلاته المتجانسة وكذلك علاقاته مع بقية عناصر النصّ؛ وهناك الصيغة اللاقولية والتي تخرج من المنبّهات وأحكام النصّ، وتكون فيها العناصر غير متبلورة بعلاقاتها النصّية، لذلك يحكم النصّ؛ التعبير اللغوي العاطفي والذي يعتمد على الصيغة المحصورة في تفكير الشاعر. ويعتبر النسيج النصّي أحد اللوازم المتلاحمة في حوض المعاني (والملاحظ في المعنى اللغوي لمادة " Texte " أنّها تدلّ دلالة صريحة على التماسك والترابط والتلاحم بين أجزاء النصّ وذلك من خلال كلمة " النسيج " التي تؤشّر إلى الانسجام والتماسك بين مكوّنات النصّ المنسوج "5"). ومن خلال التأصيل النصّي تظهر بعض المناطق النشطة والتي بواسطتها يتمّ تقويم النصّ، فكلّ منطقة نشطة، تؤدّي إلى نهوض منطقة غير نشطة، حيث أنّ الدلالات الغامضة تعتبر كحافز في البحث بين البنى النصّية، حيث أنّها تشغل المتلقي بالتنقيب والوصول إلى معاني النصّ.

***

كتابة: علاء حمد – العراق

.......................

المصادر

1 - مارتان روبر – مدخل لفهم اللسانيات- إيبستيولوجيا أوّلية لمجال علمي – ترجمة: عبد القادر المهيلي " 2007 " – ص 139

2- التماسك النصّي (الاتساق شكليا والانسجام تداوليا) -د. علي الطاهر – ص 88

3- معجم مصطلحات الأدب - مجدي وهبة –– مادة Text ص 566 – مكتبة لبنان بيروت 1974

4- التفاعل النصّي، التناصية، النظرية والمنهج – نهلة فيصل الأحمد – ص 29

5– الانسجام النصّي في التعبير الكتابي - ص 55 – بهية بالعربي.

في المثقف اليوم