عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: فلسفة المسكوت عنه.. الغائب المؤسس في العقلانية الغربية

كل بناء للمعرفة هو في الآن ذاته بناء للنسيان، فهنالك دائماً ما يفلت من شبكة المفاهيم، ما ينزلق خارج بوابات البرهان وما يُطرد بهدوء أو بعنف من حرم اليقين. الفلسفة منذ نشأتها لم تكن أبداً احتفالاً بالمرئي بقدر ما كانت مطاردة محمومة لطيف ما يتوارى خلف الأكوان، لخيط رفيع يصل الظواهر بجوهرها المخبوء. غير أن المفارقة العميقة والقاسية أن الفلسفة وهي تطارد اللامرئي لم تفعل سوى إنتاج لامرئي جديد من صنع أنظمتها نفسها. فذلك الذي تبتغيه هو عين ما تستبعده أدواتها، كالنور الذي يخلق ظلالاً أشد سواداً منه. أليس أفلاطون نفسه حين أقام ميتافيزيقا النور والمثال قد أسقط في قبو الكهف كل ما هو جسدي، صائري، حسي؟ لقد جعل من الظل مجرد غشاوة تُرفع متناسياً أن الظل هو شرط إمكان رؤية النموذج وأن السجين المحرر لو لم يعانِ من تلك الظلال لما اشتاق أصلاً إلى الشمس. والأمر يمضي على هذا النحو مع كل نظام معرفي كبير، من مقولات أرسطو التي لا مكان فيها للعدم والصمت والفراغ، إلى "أنا أفكر" ديكارت التي طردت الجسد برمته إلى خارج مملكة اليقين، فصار الجسد لا مرئياً كشرط لظهور العقل. ثم إلى كانط الذي جعل من "الشيء في ذاته" ذلك المستعصي الأبدي على المعرفة فأقر بالفجوة بين ما يظهر وما هو كائن، لكنه في الوقت ذاته جعل من هذه الفجوة حدا لا يمكن تخطيه، سوراً لا يُرى لكنه يقطع الطريق. فاللامرئي إذاً ليس عيباً طارئاً على التفكير بل هو جرح أصلي في جسد المعرفة وندبة لا تلتئم. لعل ما تجعله الفلسفة غير مرئي كي ترى نفسها وما تنساه كي تتذكر هويتها. ولعل مهمة الفكر الأصيل اليوم لا تكمن في محاولة إضاءة كل زاوية بل في تعلم العيش مع اللامرئي وفي الانصات لما يُستبعد وفي قراءة لا مرئيات الأنظمة لا كفشل بل كتذكير دائم بأن الحقيقة لا تُحاصر.

من يجرؤ على قول إن أرسطو كان أقل قسوة من أستاذه؟ لقد أعطانا المقولات العشر، تلك الأطر الجامدة التي يلتقط بها المعرفة وتقسم العالم إلى جواهر وأعراض وإلى ماهيات وكميات، وكأن الوجود يوزع في أدراج محددة مسبقاً. غير أن السؤال الذي يظل طيفاً متخفياً في خلفية "الأورجانون" هو أي وجود يفلت من هذه المقولات؟ أي أنماط من الكينونة لا تحتمل أن تكون جوهراً أو عرضاً؟ هنالك مثلاً، العدم، الصمت، الفراغ، اللانهائي السلبي، كلها مفاهيم كانت بالنسبة للفلسفة الأرسطية مجرد أسماء بلا مسميات، أي أنها لا تستحق النظر الفلسفي الجاد. وإذا تجرأ أحد على الحديث عن الفراغ ضُرب بنظرية المكان الطبيعي، وإذا تحدث أحد عن اللانهائي قيل إنه ناقص. هذه الآليات الإقصائية ليست مجرد خلافات نظرية بقدر ما هي عنف معرفي خفي، هي هندسة للرؤية تسمح لبعض الأشياء بأن تظهر وتحجب البعض الآخر. وهل ننسى هيباتيا؟ تلك الفيلسوفة التي مزقها سكندريون المسيحيون لأنها كانت امرأة تتكلم بمنطق غير منطقهم، لأن جسدها الأنثوي كان لامرئياً في سماء الفلسفة اليونانية المتأخرة التي جعلت العقل ذكراً بامتياز. لقد كانت في نظرهم لا مرئية مضاعفة: امرأة تتفلسف فلا هي في مرتبة النساء العاديات ولا هي في مرتبة الفلاسفة الرجال. هذا اللامرئي الاجتماعي والتاريخي هو ما تفضل أنظمة المعرفة الكلاسيكية تجاهله وكأن الفلسفة تنمو في مزرعة بلا أعشاب، وكأن العقل ينبغي أن يكون كريستالاً صافياً لا تشوهه عوائق الجنس أو الطبقية.

ننتقل إلى ديكارت عراب الحداثة ومؤسس فلسفة الذات. حيث أراد أن يجد أساساً يقينياً لا شك فيه فجرب كل شيء حتى الشك، وانتهى إلى تلك الجوهرة "أنا أفكر، فأنا موجود". لكن لحظة التفكير هذه، لحظة الشك المطلق، لحظة القطيعة مع العالم، كانت لحظة طرد لا مثيل لها. ماذا طرد ديكارت من مملكة المعرفة؟ طرد الجسد كليا. الجسد صار آلة وصار امتداداً خالصاً، صار شيئاً بين الأشياء، لم يعد "أنا" الفاعل الذي يفكر بل مجرد موضوع يُقاس ويُدرَس تحت مقاييس الفيزياء والهندسة. هذا الجسد المطرود لم يختف، بل تحول إلى لامرئي يتسلل من كل ثغرة. حين يشتهي ديكارت، حين يتألم، حين يشعر بالحرارة أو البرودة، هذه المشاعر لا تجد مكاناً لها في ثنائية الجوهر المفكر والجوهر الممتد. إنها أشباح في نظامه، حالات تجريدية ليس لها مقام. الفلسفة الديكارتية في رغبتها في جعل كل شيء واضحاً ومتميزاً، جعلت الغموض، والالتباس، واللبس، والتعلق بالحياة اليومية أشياء لا مرئية، أشياء غير قابلة للمعرفة العليا. ثم ماذا عن الغير؟ عن الوعي الآخر؟ إن مشكلة "العقول الأخرى" هي ندبة ديكارتية خالدة. كيف أعرف أن الآخر يفكر؟ لا أستطيع أن أراه يفكر، لا أستطيع أن أختبر وعيه. الآخر يصبح لامرئياً في نظامي، لست متأكداً من وجوده، ولا من أنه ليس مجرد ظل آلي. هذا اللامرئي المتمثل في الآخرية هو ما سيعاني منه الفينومينولوجيون بعده بمئات السنين.

إيمانويل كانط، ذلك المهندس العظيم لم يكتف بهدم العقل، بل أراد أن يبني له مسكناً آمناً ضمن حدود العقل المحض. أعطانا التمييز بين الظاهرة والشيء في ذاته، بين ما يظهر لنا من العالم عبر مقولاتنا وأشكالنا القبلية وبين العالم كما هو في حقيقته المستقلة، ذلك الشيء الذي لا يمكننا معرفته أبداً. شيء في ذاته، هو اللامرئي الكانطي بامتياز. لكن السؤال الفلسفي الجوهري هنا هل كانط يكتشف اللامرئي أم ينتجه؟ ألم يكن بإمكانه أن يبقى صامتاً عن الشيء في ذاته؟ بل إن فكرة الشيء في ذاته نفسها هي إشارة إلى حد، إلى عجز، إلى إفلاس معرفي. إنها الطيف الذي يلوح من وراء نسيج الظواهر ليذكر العقل بأنه ليس كلي القدرة. ومع ذلك هذا اللامرئي لا يظل هامشياً؛ إنه يصبح شرط إمكان للأخلاق عند كانط. فلكي أتصرف أخلاقياً يجب أن أؤمن بالحرية والخلود والله، وهي أفكار لا تقع ضمن الظواهر، أفكار لا مرئية تماماً لا يمكن البرهنة عليها لكنها ضرورية للممارسة العملية. انظروا إلى التضفير العجيب: اللامرئي الذي استبعدته نظرية المعرفة نعثر عليه في قلب فلسفة العمل. وكأن كانط يقول لنا هناك حقائق لا يمكنكم رؤيتها بالعقل النظري لكنكم مجبرون على افتراضها كشرط لتكونوا بشراً أخلاقيين. هذا الانقسام بين العقل النظري والعقل العملي هو بالضبط مسرح استبعاد وإعادة إنتاج للامرئي. إنه تسييج للمعرفة لا يختلف عن أسوار أفلاطون لكنه أكثر دقة وأكثر برجوازية وأكثر إحكاماً.

تأتي بعد كانط الموجة المثالية الألمانية، فيشته وشيلنغ وهيغل، فتحاول أن تتجاوز هذه الثنائيات. هيغل بالذات يريد أن يقول إن المطلق ليس بعيداً عنا، إن المطلق يتجلى في التاريخ وفي الوعي، إن الظاهرة ليست سوى تجليات الجوهر. لكن متعة هيغل وخطيئته في آن، لقد جعل اللامرئي قابلاً للرؤية عبر الجدل. يقال إن هيغل كان يردد في محاضراته: "كل ما هو عقلاني واقعي، وكل ما هو واقعي عقلاني". هذا القول الشهير يحمل في طياته إقصاء لكل ما ليس واقعياً، أي لكل ما هو عقلاني محض دون تحقق أو واقعي دون عقلانية. لكن ماذا عن تلك اللحظات التاريخية التي لا تتناسب مع حركة الروح؟ ماذا عن الأفراد الذين يسحقهم مسير العقل العالمي؟ ماذا عن الألم غير المبرر وعن المآسي التي لا تنتج تقدماً ولا تنظيماً؟ هيغل يجعل هذه العناصر غير مرئية بادعاء أن الروح المطلق يمتصها ويتجاوزها. إن التجاوز الهيغلي بكلمته الألمانية الساحرة، هو عملية رفع ونفي وحفظ في آن. لكن هناك دائماً بقايا لا تُرفع، لا تُحفظ، لا تنفى تماماً، بقايا تظل عالقة في قاع النظام، كالحصى في بطن النهر. هذه البقايا هي ما سماه مفكرون لاحقون مثل جورج باتاي "المستحيل"، أو ما أسمته جوليا كريستيفا "المقزز". إن الفلسفة المثالية في كل مراحلها تعاني من عسر هضم تجاه هذه البقايا، تتقيأها بأشكال مختلفة، تارة تسميها "سفسطة"، وتارة "وهاماً"، وتارة "انحرافاً". وهي بتقيئها هذا، تعترف ضمنياً بأن اللامرئي ليس مجرد غياب، بل هو حضور مزعج، هو القوة التي تشوش البصيرة الفلسفية وتجعلها ترى بظلمة عوض النور.

وهنا نصل إلى نيتشه المطرقة، ذلك الذي أراد أن يقيم الفلسفة على أنقاض الفلسفة. نيتشه لم يبحث عن اللامرئي خارج النظام بل اكتشفه داخل اللغة ذاتها وداخل نسيج القيم نفسه. قال عبارته التي لا تغتفر: "الحقائق هي أوهام نسينا أنها أوهام". بهذه الجملة جعل نيتشه كل ما كانت الفلسفة تعتبره مرئياً وثابتاً يذوب في هواء الثقافة أي في علاقات القوة، في الإرادة، في المنظور. نيتشه جعل من الحقيقة نفسها شيئاً غير مرئي، ليس لأنها تتوارى، بل لأنها ببساطة غير موجودة كماهية ثابتة. نرى هنا نقلة نوعية: اللامرئي لم يعد هامش المعرفة، بل أصبح مركز الشك في كل معرفة. الفلسفة بعد نيتشه لم تعد تستطيع أن تنام مطمئنة على وسادة اليقين، لأن نيتشه جعل الوسادة نفسها سراباً. لكن هل استطاع نيتشه أن يتجنب صنع لامرئي خاص به؟ بالطبع لا. إن كان كل شيء منظورياً وإرادة قوة فأين هي الحقيقة النيتشوية نفسها؟ إنها ليست حقيقة موضوعية بل وجهة نظر. لكن وجهة نظر من؟ من صاحب هذه الرؤية التي ترى كل ما هو منظور؟ هذا الفحص النقدي يفضي بنا إلى إشكالية اللانهاية النسبية وإلى أن النقد الذي يطال الجميع قد يطال نفسه أيضاً.

من نافذة مدرسة فرانكفورت، تلك المدرسة التي ولدت من رحم الهزيمة والإحباط والأمل المستحيل، نرى اللامرئي يتحول من قضية ميتافيزيقية إلى قضية سياسية وجمالية وأخلاقية. لم يعد السؤال ماذا تستبعد أنظمة المعرفة من مفاهيم سامية؟ بل أصبح أي كائنات بشرية تستبعدها هذه الأنظمة من إنسانيتها؟ أي أجساد ترمى خارج دائرة العقل؟ أي لغات تُسكت تحت حجة أنها ليست فلسفية كفاية؟ تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، في "جدلية التنوير"، قدما تشخيصاً قاسياً، التنوير ذلك المشروع الذي وعد بتحرير البشرية من الخرافة والظلم وتحول إلى أسطورة جديدة وإلى أداة للسيطرة. العقل الذي كان يفترض أن يكون نوراً صار إدارة وصار حسابات وصار نزوعاً إلى جعل كل شيء متطابقاً وقابلاً للقياس وقابلاً للتبادل. في هذه العملية كل ما لا يطابق المعايير وكل ما هو غير متطابق يصبح لا مرئياً بالضرورة. أدورنو يقولها صريحة "الكل هو الزائف". ليس لأن الكذب هو الأساس بل لأن الكل بصفته نظاماً لا يستطيع إلا أن يلغي الجزئي وأن يلغي الاستثناء وأن يلغي المعاناة الفردية التي لا تتناسب مع أي خطة كلية. هنا يصبح اللامرئي هو الفرد بعينه. في عالم الإدارة الشاملة، في عالم الثقافة الصناعية، الفرد الحقيقي بغرابته وبألمه الفريد وبموته غير القابل للتبديل لم يعد مرئياً. الفن الحديث في تشويهاته وفي لا شكله وفي لا تناسقه يصبح مرآة تعكس اللامرئي الاجتماعي، كل ما طرد من عالم الصفقات والمبادلات يعود ككابوس في لوحات بيكاسو أو نصوص بيكيت.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، في باريس ما بعد مايو 1968، كان جاك دريدا يحفر تحت أسس الفلسفة الغربية بمجرفة التفكيك. دريدا لم يكتف بأن يقول إن هناك أشياء مستبعدة بل قال إن البنية ذاتها أي بنية المعنى والحقيقة والحضور تقوم على استبعاد لا يمكن تخطيه. اخترع مفهوم "الاختلاف"، تلك الحركة التي لا اسم لها، التي ليست كلمة ولا مفهوماً والتي تفلت من كل إمساك، لكنها شرط إمكان كل كلمة وكل مفهوم. الاختلاف ليس مرئياً، ليس حاضراً، لكنه يعمل في الخلفية ويفرق بين العلامات ويؤجل المعنى ويجعل اللغة نظاماً من الإحالات التي لا تنتهي أبداً إلى حقيقة ثابتة. دريدا في هذا السياق يقرأ "فارماسيا" أفلاطون، يقرأ الكتابة اليونانية القديمة التي كان أفلاطون يحتقرها ويعتبرها دواءً ساما، شيئاً خارجاً عن الفلسفة الشفوية النبيلة. الكتابة عند أفلاطون كانت اللامرئي المنسي، هي الأب الذي لا يحضر، هي العلامة التي تعيش بعد موت المؤلف، هي الإضافة التي تسمم النقاء. دريدا يقلب الأمر: لا نقاء قبل الاختلاف ولا حضور قبل الأثر. اللامرئي لا يقع خارج النظام بل هو في صميم النظام. كل مركزية وكل هوية وكل فكرة عن الأصالة هي وهم ناتج عن نسيان هذا الأصل المؤجل.

أما ميشيل فوكو فلم يكن يحتاج إلى اللامرئي الميتافيزيقي، لأنه كان غارقاً في لا مرئي التاريخ، لا مرئي المؤسسات ولا مرئي الأقبية والمستعمرات والمستشفيات والمدارس. فوكو قال بأن ما نعتبره حقيقة عن الجنون، عن المرض، عن الجنس، عن الجريمة، هو نتاج ممارسات خطابية ومؤسسية تشكل الموضوع والخاضع معاً. لكن الأكثر إثارة هو كشفه لكيف تعمل السلطة عبر اللامرئي. في "المراقبة والمعاقبة"، يصف فوكو نموذج "البانوبتيكون" الذي صممه بنثام، ذلك السجن الدائري الذي تكون فيه غرفة الحراسة في الوسط والخلايا في المحيط، بحيث يستطيع الحارس أن يرى كل سجين دون أن يراه السجين أبداً. هذا البناء المعماري ليس مجرد أداة حبس بل هو استعارة للسلطة الحديثة. السجين لا يعرف متى يُراقب، فيراقب نفسه تلقائياً. القوة لا تحتاج إلى أن تظهر، تحتاج فقط أن تكون ممكنة، أن تكون محتملة. تصبح القوة لا مرئية لكي تكون أكثر فاعلية. لكن فوكو ينقلب على السؤال: أين اللامرئي في هذه الحالة؟ اللامرئي ليس فقط هو الحارس المختبئ، بل أيضاً السجين بصفته ذاتاً داخلية. في مجتمع البانوبتيكون يختفي الإنسان كذات أخلاقية مستقلة ويحل محله "أنا" داخلي مراقب، "أنا" منقسمة، "أنا" لا ترى نفسها حرة. هذه الذات المقسمة هي اللامرئي الأعمق.

ولا يمكننا في هذا المقام أن نغفل عن الصوت النسوي، ذلك الصوت الذي ظل لامرئياً لآلاف السنين في الفلسفة الرسمية. سيمون دي بوفوار قالت في "الجنس الثاني" جملتها الشهيرة: "المرأة لا تولد، بل تصير امرأة". هذه الجملة البسيطة في ظاهرها العميقة في جوهرها، تعلن أن الأنوثة ليست جوهراً ميتافيزيقياً بل بناءً اجتماعياً. لكن السؤال الفلسفي الأعمق كيف استطاعت الفلسفة طوال تاريخها أن تتحدث عن الإنسان والعقل والحرية وكأن المرأة لا وجود لها؟ لقد جعلت المرأة لا مرئية ليس بإنكار وجودها، بل بجعل وجودها هو الهامش، هو الغطاء، هو المصدر الغامض للعاطفة والجسد والإنجاب، كل تلك الأشياء التي يجب على العقل أن يتحرر منها. لوس إيريغاري الفيلسوفة الفرنسية، قالت إن الفلسفة الغربية هي "فلسفة قضيبية". أي أنها متمركزة حول الذكر كمعيار، وحول العقل ككلمة. اللامرئي هنا هو الأنثى ليس فقط كموضوع بل كمنطق، كطريقة مختلفة في التفكير، كعلاقة مع العالم ليست قائمة على السيطرة والامتلاك والتطابق، بل على القرب، على اللمس، على الغموض. هذه الفلسفة التي حاولت مؤسسات الجامعة لزمن طويل إسكاتها أو تهميشها، لم تكتف بالمطالبة بإضافة بعض النساء إلى قائمة الفلاسفة بل هاجمت جوهر الفلسفة نفسها، فكرة أن العقل محايد وأن المعرفة خالية من الجسد وفكرة أن الموضوعية تقتضي التجريد من خصوصية الشخص المفكر.

وإذا انتقلنا إلى ما بعد الكولونيالية، نجد إدوارد سعيد في "الاستشراق" يكشف عن آلية أخرى من آليات الإقصاء. الشرق، ذلك الكيان الواسع والغني والمتنوع، لم يُدرس من أجل نفسه، بل من أجل أن يكون اللامرئي الذي يشكل هوية الغرب. الغرب بحاجة إلى شرق أسطوري: شرق كشر، كتخلف، كغموض، كشهوانية منحرفة، كاستبداد، لكي يعرف نفسه كنقيض: الخير، التقدم، العقلانية، الأخلاق. المستشرقون، وهم غالباً مستعمرون أو متعاطفون مع الاستعمار، أنتجوا خطاباً عن الشرق جعل سكانه الحقيقيين غير مرئيين. فكر فرانتس فانون، ذلك الطبيب الثوري من المارتينيك، أخذ هذه القضية إلى عمقها النفسي الوجودي. في "معذبو الأرض"، يصف فانون كيف أن المستعمر لا يجعل المستعمَر مرئياً فقط كعدو، بل يجعله لامرئياً كإنسان، يجعله يخاف من نفسه ويتكلم بلغة المستعمر ويحلم بأحلام المستعمر ويكره خواصه الجسدية والثقافية. الاستعمار لا يسرق الأرض فقط بل يسرق الوجود ذاته. اللامرئي هنا ليس مجرد إهمال معرفي بل هو اغتيال بطيء للوعي. وعندما ينتفض المستعمَر، يصرخ فانون، يكتب، يعمل بعنف في كثير من الأحيان، فهو لا يفعل شيئاً سوى أن يقول: "أنا مرئي". إن صراع التحرر هو صراع على الرؤية. أن ترى عين الآخر إنسانيتك، أن تظهر في كتب التاريخ ليس كهامش، كحاشية، كعدو، أو كضحية عاجزة، بل كفاعل، كصانع قرار، كمن يكتب التاريخ لا من يُكتَب عنه فقط.

بعد هذه الرحلة في متاهات اللامرئي الفلسفي، من كهف أفلاطون إلى زنزانة فوكو، من جوهر هيغل الروحي إلى جسد إيريغاري المهمش، من صمت فيتغنشتاين إلى صرخة فانون، ماذا نستنتج؟ الاستنتاج الأول وهو الأكثر إزعاجاً للفلاسفة، هو أنه لا يوجد نظام معرفي كامل، لا توجد فلسفة قادرة على احتواء كل ما هو حقيقي دون بقية. لقد حاول سبينوزا، ذلك اليهودي الذي طرد من طائفته أن يبني نظاماً أخلاقياً هندسياً من البديهيات والمبرهنات، لكن حتى نظامه أعظم محاولة لإلهاء اللامرئي بالحضور المطلق، لم يستطع أن يحوي وجه جاره، وجه الطفل الجائع، وجه المرأة التي يضربها زوجها. الفلسفة بوصفها نظاماً هي عنف خفي. ليس لأنها تريد العنف بل لأن أي نظام من المعرفة لا يقوم إلا على استبعاد، كما أن أي خريطة لا تظهر الأرض إلا بإخفاء تسعة أعشار تفاصيلها. اللامرئي ليس عيباً في الفلسفة، بل هو شرط إمكانها، هو جدار خلفيتها الذي بدونه لا يمكن أن تبرز الصورة. لكن هل يعني هذا أن نستسلم؟ هل يعني هذا أن نسكت عن كل ما هو مستبعد ونقول: "الأمر هكذا منذ الأزل"؟

الجواب عند بعض مفكري اليوم هو لا. إيمانويل ليفيناس، الذي كتب معظم فلسفته في ظل المحرقة، قال إن الفلسفة قبل كل شيء هي أخلاق، والأخلاق تبدأ من "وجه الآخر". الوجه ذلك الشيء الذي نراه كل يوم، لكنه في العمق لا مرئي لأنه ليس مجرد جلد وعظام، بل هو أمر، هو نداء يقول لك: "لا تقتلني". الوجه هو اللامرئي الذي يظهر في المرئي، هو ما يقاوم امتلاكي ومعرفتي له. الآخر لا يمكن اختزاله إلى شيء، إلى موضوع، إلى فكرة. ليفيناس يدعونا إلى فلسفة لا تحاول أن تجعل اللامرئي مرئياً، بل تدعونا إلى فلسفة تعرف كيف تحترم اللارؤية، كيف تحترم الغموض، كيف تقف أمام الآخر بخشوع لا أمامه بفضول. هذا تحول جذري، اللامرئي لم يعد شيئاً يزعج الفلسفة وينبغي علينا التغلب عليه بل أصبح شيئاً يقدس الفلسفة وينبغي علينا حمايته. حماية خصوصية البشر وحماية تنوع الثقافات وحماية غموض الفن وحماية جهلنا الضروري عن بعضنا البعض. لأن المعرفة الكاملة هي السجن والحقيقة المطلقة هي الكابوس الذي يستيقظ منه العقل في عرق بارد.

ونقف على حافة العجز اللطيف. الفلسفة في أرقى لحظاتها هي اعتراف بحدودها. عندما سُئل لودفيغ فيتغنشتاين عن أكثر ما اكتشفه في الفلسفة، أجاب: "أنه لا توجد حقائق جوهرية، بل هناك أشكال للحياة". وأضاف في موضع آخر: "ما لا يمكن التكلم عنه، يجب الصمت عنه". هذا الصمت الوتري ليس صمت الجاهل بل صمت الذي رأى اللامرئي فأدرك أن اللغة كالشبكة، تلتقط بعض السمكات وتترك البحر مفتوحاً. لعل الفلسفة الحقيقية هي ذلك التواضع الذي لا يخجل من الإقرار بأن هناك دائماً بقية، دائماً عودة، دائماً ما لا ينطوي تحت أي مفهوم، ما لا يخضع لأي تقسيم وما لا يموت تحت أي حجة. اللامرئي إذاً ليس عدواً للفلسفة بل هو أخوها التوأم الذي يولد معها ويظل يلاحقها كظلها حتى النهاية. وأي فلسفة تزعم أنها قد أمسكت بالضوء كله لن تكون أكثر من سجن وسيكون طليقها الأول هو الخيال ثم الخيال وحده، بوصفه الجهاز الإنساني الأكثر قدرة على رؤية ما ليس هناك. الفلسفة التي تريد البقاء حية ينبغي ألا تحارب اللامرئي بل تنصت إليه وتسمح له بأن يزعزع يقينياتها بين الحين والآخر كي لا تتحول إلى دوغما تردد اسم الحقيقة ولا تعرف طعمها. وفي هذا الإنصات والتأمل الهادئ على حدود اللغة والعقل تتحقق القولة السقراطية الأكثر عمقاً: "أعلم أني لا أعلم شيئاً". ليس كحقيقة متواضعة وحسب، بل كمنهج للعيش مع اللامرئي، مع غير القابل للمعرفة، مع سر العالم الذي لن يفضي به أي مفتاح فلسفي، مهما كان لامعاً. وبهذا نكون قد أنجزنا طوافنا حول اللامرئي عائدين إلى نقطة البداية وقد أضفنا إلى جهلنا القديم جهلاً جديداً، وهو أخصب ما ننتهي به من رحلة المعرفة، أن نعرف أكثر بأننا لا نعرف وأن نرى بوضوح أن أكثر ما يهم في الحياة هو ما لا يمكن رؤيته أبداً.

***

د. حمزة مولخنيف