أقلام فكرية
غالب المسعودي: مصفوفة العنف والتأسيس الميتافيزيقي للسلطة
تفكيك نقدي لآليات تناسل العنف التشريعي وبُنى العرف السلطوي
يمثل العنف في فضاء الفلسفة السياسية المعاصرة أحد أكثر المفاهيم استعصاءً على الاختزال الدلالي أو التأطير الأحادي، نظراً لتداخله العضوي والوجودي مع بنى السلطة واستراتيجيات المنظومات الفكرية المهيمنة. لا يمكن لنا، من منظور نقدي رصين، أن نقارب تناسل العنف وتكاثره بين التيارات العقائدية المتطرفة بوصفه مجرد انحراف سلوكي طارئ أو شذوذ أخلاقي عارض، بل هو في حقيقته استمرار لعرف سلطوي متجذر يعيد إنتاج ذاته كأداة حتمية وضرورية للاستحواذ على السيادة المطلقة وإخضاع الذوات البشرية.
إن الغاية الفلسفية والتحليلية التفكيكية التي ينحو هذا المقال اتجاهها هي تشريح المكامن الخفية والمسارات العميقة التي يرتضع منها العنف السلطوي، مستنداً إلى تقاطعات الفكر النقدي المعاصر، ومفككاً آليات اشتغاله الرمزية والمادية على حد سواء. إننا نحاول بيان كيف يتحول العنف من ممارسة مادية خشنة ومرئية إلى بنية معرفية وعقلانية أداتية توائم مسوغات وجودها عبر سرديات تشريعية تدعي امتلاك الحق المطلق وتجاوز شروط الزمان والمكان.
العنف بوصفه الكابوس الهيكلي للسلطة
يتحدد الأصل الاجتماعي والسياسي للعنف تعيناً بدرجة التسلط والإكراه البنيوي التي تكابدها الذوات داخل المنظومات السياسية؛ إذ يسكن العنف بنية السلطة كهاجس مميت وكابوس مقلق يراودها حتى في لحظات استقرارها الأقصى وازدهارها الظاهري. تسعى الدول والأجهزة الحاكمة، بشتى تمظهراتها، سواء أكانت تتلفع بعباءة التمثيل الشعبي أم تمارس الطغيان المحض، إلى البحث المستمر عن الوسائل التقنية والمعرفية الكفيلة بضمان ديمومة السيادة واستمرارية هيمنتها على المجال العام.
غير أن هذا السعي الحثيث غالباً ما ينزلق، مدفوعاً بغريزة البقاء السلطوية، نحو مأسسة العنف وقوننته، بل وعقلنته لتخفيف فظاظته الوجدانية المباشرة، محولاً إياه من ضربات خشنة بادية للعيان إلى تكنولوجيا ضبط صامتة تتغلغل في مسامات الحياة اليومية للأفراد.
في المقابل، يطرح التصور الفلسفي التقليدي للسلطة، بوصفها علاقة تراتبية هرمية قائمة على احتكار أدوات القوة المادية وإلزامية الطاعة العمياء، تساؤلات حاسمة حول مشروعية هذا الاحتكار وهويته الأخلاقية. فالأطروحة السوسيولوجية الكلاسيكية جعلت العنف الوسيلة الطبيعية والشرعية الوحيدة الحصرية للسلطة السياسية، باحثة عن النماذج والمقاييس التي تمنح هذا الاحتكار صبغته القانونية العقلانية، أو صبغته التقليدية التاريخية، أو حتى صبغته الروحية الفائقة.
مع ذلك، فإن النقد الفلسفي المعاصر يتجاوز هذا المنظور التشريعي الضيق، ليكشف كيف يتحول العنف، عندما يُمارس في أقصى درجات التجريد وبمعزل تام عن الغايات الأخلاقية الإنسانية، إلى تسلط عارٍ واستبداد محض لا يمكن أن تقوم له قائمة أو تستقر له ركيزة دون التفعيل المستمر لآليات الإكراه المادي والرمزي.
ضمن هذا السياق المعرفي، يبرز صراع مرير ومستمر بين "الإنسان العاقل" المستقل بأدوات نقده، وبين المنظومة الفكرية العقائدية المغلقة؛ فهذه الأخيرة لا تتوانى، في سبيل الحفاظ على مركزيتها الوجودية، عن استخدام أعنف الأدوات المادية والمعنوية لإجبار المحكومين على تقديم الولاء المطلق والاعتراف التام بها وبسردياتها. إنها ترى في أي انشقاق فكري، أو مجرد تساؤل نقدي، جريمة كبرى تستدعي السحق الفوري وإعادة فرض السكوت المطبق والانتظام القسري.
من هنا، يتبدى لنا العنف ليس كأداة خارجية عارضة تستعين بها السلطة عند الأزمات فحسب، بل كجوهر بنيوي أصيل يستوطن عقول الحكام والمحكومين على حد سواء، منتظراً اللحظة التاريخية المواتية والسياق السياسي المناسب ليعيد إنتاج نفسه في قالب عقائدي وفكري جديد يتناسل من رحم التشريعات السابقة.
العنف والسلطة في الفكر اليوناني القديم
إن تفكيك معضلة العنف التشريعي يتطلب منا بالضرورة رده إلى التربة الفلسفية اليونانية القديمة، حيث تبلورت المحاولات الأولى لربط القوة بالحق ووضع معايير عقلية لمشروعية السلطة. ففي فجر التفكير الفلسفي، يطرح هيرقليطس رؤيته الكونية التي يرى فيها أن "النزاع هو أبو كل شيء وملك كل شيء"، معتبراً التصادم والصراع بين الأضداد سنة طبيعية وقوة حركية دافعة للوجود. هذا المنظور الطبيعي للعنف انتقل لاحقاً إلى الفضاء السياسي، حيث غدت السلطة ترى في القوة وسيلتها العقلانية الأولى لفرض النظام على الفوضى الكونية البدائية.
عند الانتقال إلى المتن الأفلاطوني، وتحديداً في محاورات "الجمهورية"، نشهد مجابهة فكرية رفيعة المستوى حول المعيار العقلي للسلطة؛ إذ يطرح السفسطائي ثراسيمادجوس أطروحته الراديكالية الشهيرة بأن "العدالة ليست سوى مصلحة الأقوى"، مؤكداً أن القوانين والتشريعات ليست مدونة لحماية الضعفاء أو إحقاق الحق، بل هي في جوهرها عنف مقنن ومصاغ بذكاء أداتي يضمن استمرار سيادة الحاكم وتأمين مكتسباته.
رغم أن أفلاطون سعى جاداً لتفكيك هذا الطرح عبر تقديم بديل عقلاني يستند إلى "الحكمة المطلقة" والعدالة الأخلاقية التي يجسدها الفيلسوف الملك، حيث يحل الإقناع العقلي والتربية الفاضلة محل الإكراه البدني، إلا أنه لم يتردد في تشريع نوع من العنف الرمزي، تجسد في فكرة "الكذبة النبيلة" لضمان استقرار البنية الطبقية للدولة وحمايتها من التحلل.
من جهة أخرى، قدم أرسطو في كتابه "السياسة" معياراً عقلياً ومؤسسياً للسلطة، رابطاً مشروعية الحُكم بقدرته الذاتية على تحقيق "الحياة الفاضلة" للمجتمع بوصف الإنسان حيواناً سياسياً بالطبع. ومع ذلك، فإن العنف يتبدى في الطرح الأرسطي كأداة مشروعة وعقلانية عندما يُوجه لإخضاع العناصر التي تفتقر إلى العقل الاكتفائي، مسوغاً بذلك العبودية الطبيعية، أو استخدام القوة المادية لحفظ التوازن والعدالة التوزيعية داخل المدينة.
لقد أسست الفلسفة اليونانية، في مجملها، للمفارقة السياسية الكبرى: كيف يمكن للسلطة أن تمارس العنف باسم العقل؟ وكيف يتحول التشريع إلى غطاء يمنح القوة المادية صفة الحق الأخلاقي الفائق؟
التناسل الحيوي للعنف التشريعي والميتافيزيقيا الفائقة
إن السرديات الفكرية المعاصرة تعيد قراءة هذه المعضلات عبر تشريح عملية التناسل الحيوي للعنف التشريعي؛ فالقانون في جوهره يرتبط بالبنية التأسيسية للسلطة بصفة وظيفية غائية لا تنفصم عنها، وهو ما يمكن رصده من خلال تيار نثري متصل يربط بين أشكال العنف ومعايير العقلانية السلطوية.
ففي المستوى الأول، نجد تداخلاً جدلياً بين العنف التشريعي التأسيسي والعنف الحافظ للقانون. العنف التشريعي هو ذلك العنف الفج والمباشر الذي يتدخل بقوة الغلبة لإلغاء نظام قانوني وتشريعي قديم وتأسيس نظام جديد؛ إنه يضع الحدود القانونية ويقنن مراكز القوى السائدة في لحظة تاريخية معينة، محولاً السطوة المادية إلى حق مكتوب ومقدس.
أما العنف الحافظ للقانون، فهو القوة التكرارية الرتيبة والمستمرة التي تستخدمها الأجهزة الأمنية والبيروقراطية لحماية تلك الحدود القائمة وضمان استسلام المحكومين لها. ويمثل الإضراب العمالي العام في الفضاء السياسي نموذجاً مزدوجاً ومتناقضاً لهذا التناسل؛ فهو من جهة حق تمنحه التشريعات، غير أنه عندما يُمارس كإضراب شامل، يتحول إلى تهديد وجودي يرمي لتدمير النظام القانوني برمته بغية خلق قانون جديد، مما يدخل المجتمع والدولة في حلقة مفرغة لا تنتهي من العنف المتبادل والتشريع المضاد الذي يلد بعضه بعضاً.
في المستوى الثاني، ينبثق الصراع المعرفي بين العنف الأسطوري والعنف المقدس الفائق. العنف الأسطوري هو الأساس الفعلي والجذر المعرفي لكل عنف قانوني ووضعي؛ وهو عنف دموي يفرض الحدود بقوة السطوة، ويحمل في طياته مفاهيم الذنب والعقاب الحتمي، ويطالب الذوات البشرية بالتضحية المستمرة من أجل ترسيخ سلطته الكلية على الحياة الإنسانية المحضة، متخذاً من السرديات الميتافيزيقية غطاءً لتقديس النص القانوني وجعل طاعة الحاكم واجباً كونياً فوق بشري.
في المقابل تماماً، يبرز العنف المقدس الفائق كنقيض مطلق للعنف الأسطوري؛ فهو عنف طاهر متجاوز، مدمر للحدود والقيود بلا دموية فجة، يهدف لإنقاذ الكرامة وتطهير الخطيئة التاريخية دون أن يؤسس لشريعة وضعية أو نظام قانوني جديد يمارس القمع مجدداً، تماماً كفكرة الإضراب الشامل الذي يسعى لإسقاط البنى الاحتكارية الجائرة بدلاً من مجرد السعي لتحسين شروطها الصورية.
إن تفكيك هذه المنظومات يقودنا مباشرة إلى تحليل المعايير العقلية التي تتخذها السلطة لتسويغ عنفها؛ ففي إطار العقلانية الأداتية الإجرائية التي نظر لها ماكس فيبر، تحرص السلطة على نزع الصفة الأخلاقية عن العنف عبر مأسسته وتحويله إلى مساطر إدارية باردة وقوانين مصادق عليها، حيث يصبح الضبط الأمني تكنولوجيا تهدف لحفظ الوضع القائم ومنع أي تعددية جذرية قد تهدد السيادة المطلقة للدولة.
أما عندما ترتدي السلطة عباءة الميتافيزيقيا التشريعية، فإن المعيار العقلي يتنحى لصالح سلطة النص العقدي المطلق، حيث يُمارس العنف الرمزي والتضحوي لغرس مشاعر الذنب والخوف الدائم في نفوس المحكومين، وتثبيت الفجوة بين الحاكم الذي يمتلك التفويض المطلق وبين الرعية المطالبة بالامتثال الدائم.
في مواجهة هذه الأنماط، يبرز المنظور التفكيكي النقدي الذي يعمل على كشف زيف هذه الروابط بين العدالة والقوة الوضعية، داعياً إلى تجريد القانون من قداسته الزائفة وحماية الحياة الإنسانية المحضة من أسر الأطر التشريعية الخانقة. ومن هنا تولد العقلانية التواصلية كبديل أخلاقي وسياسي، حيث يُعاد تعريف معيار السلطة العقلي ليتأسس على التوافق الجماعي، والحوار الحر المنفتح، واستمداد المشروعية من العدالة الحقيقية المتجاوزة للقوانين الوضعية الضيقة، مما يحول الفضاء السياسي إلى ساحة للاعتراف المتبادل والتشارك الإنساني بدلاً من الإكراه والسطوة والتناسل اللامتناهي للعنف المقنن.
المقاومة اليومية كأفق تفكيكي مضاد لإعادة إنتاج العنف
تثبت القراءة الفاحصة للنشوء المعرفي للأيديولوجيات المتطرفة والعرف السلطوي المتوارث، أن العنف ليس مجرد أداة صماء أو وسيلة محايدة تُستخدم عند الحاجة فحسب، بل هو ممارسة هيكلية مستمرة تهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة إنتاج عناصر القوة والسيطرة. بناءً على ذلك، لا يمكن لمواجهة هذا التناسل المتواصل والشرس للعنف التشريعي أن تبدأ من خلال القرارات السياسية الفوقية، أو التدخلات الأمنية والعسكرية الفجة والمحدودة الأثر والجدوى، بل يجب أن تنبثق من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة والعميقة التي ترفض الامتثال الواعي أو اللاواعي للآليات الناعمة للسيطرة والتطويع.
تتجلى المقاومة الفكرية والسلوكية الفعالة في هذه الحالة عبر القدرة الصارمة على رفض الأكاذيب الممنهجة، والامتناع الواعي عن التواطؤ في تزييف الحقائق التاريخية أو الراهنة، والإصرار المبدئي على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية العارية، دون الرضوخ للمفردات الفضفاضة والمصطلحات المضللة المفروضة من قبل أصحاب السيادة وصناع الخطاب الرسمي للسلطة.
إن تفكيك بنية المنظومة العقائدية المغلقة لا يكفي وحده لاستئصال جذور العنف ومحو آثاره المدمرة، ما لم يترافق ذلك التفكيك النظراني مع ممارسات واعية تهدف إلى استنفاد طاقته الحركية وترويض الرغبات البدائية التي تحركه وتغذيه. إن هذا الأمر يتطلب بالضرورة تفكيك الاحتكار السلطوي لتعريف "الحقيقة" و"المشروعية"، والمواجهة الشجاعة لتكنولوجيا التطويع الاجتماعي والتخدير الفكري الذي يسلب الأفراد حريتهم وقدرتهم الأصيلة على الفعل التشاركي المنسق والفعال.
من خلال هذا الوعي النقدي اليومي الهادئ والراسخ، يتسنى للمجتمع الإنساني تفكيك البنية الرمزية للهيمنة، وبناء فضاء سياسي حقيقي وعقلاني، لا يحتاج إلى أدوات العنف والإكراه لتسويغ وجوده أو فرض هيبته، بل يستمد ركائزه الصلبة ومشروعيته الأخلاقية من الاقتناع الطوعي الحر، والتفاعل المنفتح والمسؤول مع الآخر، والعدالة الشاملة التي تتجاوز حدود القوانين والتشريعات الأسطورية الضيقة وتوقف متوالية العنف التشريعي المتناسل.
***
غالب المسعودي







