بأقلامهم (حول منجزه)

رائد السوداني: وقفة مع الباحث ماجد الغرباوي في قراءته الاولية للمفهوم

تابعت ماكتبه الاستاذ الباحث ماجد الغرباوي تحت عنوان التسامح نظرة اولية للمفهوم بشغف وتلهف وذلك لعدة اسباب، الاول هو في الحقيقة انني اردت ان اتعرف على الشخص الذي فتح  افاقا كبيرة للكثير من المطلعين والمثقفين كي يكتبوا ما يجول في افكارهم وهم يعرفون ان مايضعوه على الورق يجد طريقه الى النشر ومن ثم الى المهتمين في عالم الثقافة، الثاني هو الموضوع وعنوانه بالذات فانه يؤثر على مسار الحياة في العالم عموما وفي عالمنا العربي والاسلامي على وجه الخصوص فانه اكثر المعنيين بمؤثرات معاني التسامح من عدمه، وبامر ذي صلة بما سبق فان هذا الموضوع اصبح في صلب اهتمام المفكرين والمثقفين على حد سواء وحسب اعتقادي بدأ هذا الاهتمام بعيد انتهاء الحرب الباردة، اثر سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن العشرين، واعني بهذا القول بداية تطبيق نظرية صراع الحضارات (لهينغنتون) اي بصريح العبارة انه موضوع يخص الدين عموما، والدين الاسلامي خصوصا، اما الامر الاخر هو ماذكره الباحث الغرباوي حول ماتناوله كتابه التسامح ومنابع اللاتسامح حيث يقول (فاطار البحث الاديان والثقافات، وقد يتعدى الى مساحات اخرى كالسياسة مثلا) وهنا اود ان اقول ان الدين والثقافة مفهومان قد تداخلا فيما بينهما، فمن الصعب ان لم يكن من المستحيل ايجاد صيغة تفكك بها مفاهيم ثقافية لبلد ما وتجردها عن المفاهيم والموروثات الدينية، وبذلك تكون المؤثرات على الباحث والمفكر هي ثقافية ممزوجة بتعاليم دينية مهما حاول ان يتجرد عنها وقد اصبحت هذه المؤثرات محركات اساسية للسياسيين في الغرب على وجه الخصوص، وهنا للتذكير اقول عندما جاء اوباما صيف 2009 الى القاهرة ليوجه رسالة الى المسلمين عبرها فهو لم يأت بجديد الاقوله ان العلاقة بين امريكا واسرائيل غير قابلة للكسر فالروابط بينهما هي روابط ثقافية وتاريخية، ولو عدنا الى الوراء نجد ان الطرفين لايمكن ان يوصفا بالبلدان بكل المقاييس الزمنية والحضارية وغير ذلك، لكن مايربطهما هو شيء اعمق من هذه واعني الرابطة الدينية فكلاهما يرتبط بالتعاليم التوراتية، فاساس امريكا ديني يؤمن بالمذهب البروتستانتي [1] وحتى رحلة كريستوفر كولمبس (هي في واقع الامر رحلة دينية تبشيرية ففي الواقع التاريخي اذا رجعنا الى ماقبل ذلك، لوجدنا لرحلة كريستوفر كولمبس اساسا دينيا، فضلا عن الاسباب التجارية التي تتمثل في اقتصاد الذهب والفضة لمحاربة المسلمين وتخليص بيت المقدس من ايديهم مع نشر المسيحية الكاثوليكية في اسيا) [2]وعن تبرير المهاجرين الاوائل لحربهم ضد السكان الاصليين في امريكا كان التبرير دينيا فـ (عندما قاتل المهاجرون الهنود الحمر اعتبروا انفسهم بني اسرائيل يقاتلون من حولهم من الاغيار) [3] وحتى (عندما ثار الامريكيون على الحكومة البريطانية في سبعينات القرن الثامن عشر، اعتبروا انفسهم مجددا بني اسرائيل والحكومة البريطانية هي فرعون موسى) [4]. اذن التأسيس على اساس ديني وتحرير الارض على اساس ديني فكيف يكون الحراك الثقافي لو صح التعبير وهل يستطيع الباحث او المفكر ان يفكك المفاهيم الثقافية عن الدينية، وهناك مفاهيم يشترك فيها الامريكي المسيحي البروتستانتي مع اليهودي عموما واليهودي الصهيوني على الاخص وهي مفاهيم شعب الله المختار، وارض الميعاد وغير ذلك، فلما تكون الهجرة على اساس ديني واقامة الكيان السياسي على المباديء الدينية فهل نستطيع ان نجرد الثقافة عن الدين، وايضا سؤال هل يستطيع احد ان ينكر ان اسرائيل قامت بحجج دينية، وانها استولت على ارض فلسطين بدعاوى تاريخية دينية، وشردت ساكنيها بحجة ان هذه الارض هي لشعب الله المختار، وانها ارض الميعاد لهم، واستولت على بيت المقدس بحجة وجود هيكل سليمان هناك واجرت عدة تنقيبات وحفريات هناك مما عرض الحرم القدسي الشريف الى خطر الانهيار، وادعت ان حائط البراق الذي يقدسه المسلمون هو حائط المبكى، ان هذه الادعاءات ليس من حاخامات اليهود بل هي من رجال السياسة الاسرائيليين. هذا من الجانب الامريكي الاسرائيلي، اما الجانب الاوربي نجد ان فرنسا اخذت على عاتقها مع المانيا ولو بصورة اخف معارضة انضمام تركيا المسلمة الى الاتحاد الاوربي المسيحي وتركيا هي عضو فاعل في حلف شمال الاطلسي، كذلك ان في فرنسا جدل اصبح شبه دائم ومن سنين حول النقاب في المدارس من قبل الطالبات المسلمات ويجهد الرئيس الفرنسي نفسه في هذا الوقت من اجل استصدار تشريع من البرلمان يمنع بموجبه ارتداء النقاب في الاماكن العامة وايضا يجري في بلجيكا مايجري في فرنسا. والسؤال السياسة هل هي من صلب الحراك الثقافي الديني ام تنفصل عنهما، فاذا اخذنا بقول الباحث الغرباوي بان اطار البحث هو الاديان والثقافات، وقد يتعدى الى مساحات اخرى كالسياسة مثلا، اقرأ من هذا النص ان التأثير معدوم وحتى لو وجد فهو قليل، لكنني اجد من الصعب الفصل بينها واقرب الى المستحيل ان يتجرد الكاتب او الباحث عن مفاهيمه او حتى الموروث الثقافي الديني الجمعي لو صح التعبير، وكذلك السياسي، وان الكاتب يكتب للسياسي وكلاهما في منظومة متكاملة، فمثلا عندما كتب المستشرق بروكلمان كتابه تاريخ الشعوب الاسلامية ماذا اراد ؟ الجواب من نفس المستشرق حيث قال (لاتزال كتابة تاريخ الشعوب والدول الاسلامية منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر ضربا من المحاولة الخطرة، لان مصادر مثل هذا التاريخ لم تصبح بعد متناول البحث، ولم تخضع بعد للتحليل النقدي. وليس يجرؤ فرد واحد على النهوض بهذا العبء. ومع ذلك فمن الخير، في ما يبدو. ان نقدم للمعنيين بمسائل السياسة الدولية نظرة طائر عن مصاير المسلمين التي تتشابك اليوم بأحداث العالم على العموم بأكثر مم تشابكت في وقت مضى) [5] ويمضي بروكلمان بالقول (ولقد حاولت ان اقدم الى قراء هذا الكتاب، بالاضافة الى التاريخ السياسي، لمحة عن الحياة الثقافية والفكرية بقدر مايسمح مجال هذه الصفحات المحدودة) [6]. وهذا يؤكد القول انك عندما تدرس التاريخ السياسي او السياسة والحياة السياسية لابد لك ان تدرس الاسس والمنطلقات الثقافية والفكرية فلا استغناء مفهوم عن مفهوم، ويؤكد بروكلمان صعوبة ان يتحمل كاتب بمفرده او مستشرق يريد ان يدرس الشرق عبء هذا المشروع، وقد صدرت هذه الملاحظة عن بروكلمان فلأن المانيا لاتمتلك منظومة تتكون من السياسي والمستشرق والكنيسة للتحمل هذا العبء، (فالمانيا ساحة صراعها ليس البلاد العربية والاسلامية بل ساحة صراعها اوربا فهي مثلا لها اطماع في النمسا، وبعض اجزاء من يوغسلافيا السابقة وحتى في الحرب العالمية الاولى حدث تحالف بين المانيا والدولة العثمانية وفي الحرب العالمية الثانية لم يظهر هتلر اهتماما بالمنطقة العربية مثلما اهتم في وسط اوربا وشرقها وحتى الاتحاد السوفيتي) [7] لكن بروكلمان يدعي انه من الخير ان يتقدم بخطوة تفيد المعنيين العاملين بالسياسة، وعندما يأتي بروكلمان على ذكر البعثة النبوية الشريفة فانه لايشكك بل ينفي اي وجود للوحي السماوي، كذلك انه يصر على ان الرسول الاكرم صلوات الله عليه وعلى اله وسلم انه يبدل الايات القرانية الكريمة حسب مقتضيات الحالة الراهنة التي تجر عليه بالفائدة في نشر دعوته، ويصر على وجود ايات لاوجود لها اصلا في القران الكريم مثل اية الغرانيق، وللايضاح اكثر نقتبس هذه النصوص من بروكلمان وكتابه تاريخ الشعوب الاسلامية، فمثلا يذكر بروكلمان عن حياة الرسول الاولى وشبابه ومن ثم بدء الرسالة بكلام يعبر عن كل مايريده عن نفيه للوحي الالهي فيقول (شعرت خديجة نحوه بتعلق شديد، على الرغم من انها كانت تكبره بخمس عشرة سنة تقريبا، فعرضت عليه الزواج منها فقبل. والذي يبدو ان هذا الزواج لم يضمن له حاجاته المادية فحسب. بل حمل اليه الارتياح من نواح اخرى ايضا. ولقد ولد لمحمد من خديجة اربع بنات، وصبيان لم يلبثا ان توفيا في سن الطفولة. وليس من شك في انه انصرف بعيد زواجه الى تحقيق مشروعات زوجه التجارية في حماسة وعزم، كما لم ينكر في مراحل حياته التالية، انه كان تاجرا. وكان مولعا في حديثه المجازي بالصور والاستعارات التجارية) [8] واعتقد ان هذا علام خطير جاء به بركلمان في سياق فقرة تتحدث عن زواج الرسول من الصديقة خديجة الكبرى (عليها السلام) وعن رحلته التجارية في بضاعة للسيدة خديجة ليصور الرسول الاكرم بالتاجر ومارسالته السماوية الا تجارة مادية والدليل احاديثه المجازية.

ويمضي بروكلمان في محاولته تفنيد الهية الشريعة الاسلامية وسماويتها فيقول (ولكنه على مايظهر اعترف في السنوات الاولى من بعثته بالهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونها بنات الله. ولقد اشار اليهن في احدى الايات الموحاة اليه بقوله (تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن ترضى). اما بعد ذلك حين قوي شعور الني بالوحدانية فلم يعترف بغير الملائكة شفعاء عند الله، وجاءت السورة الثالثة والخمسين وفيها انكار لان تكون الالهة الثلاث بنات الله. ولم يستطع التقليد المتاخر ان يعتبر ذلك التسليم الا تحولا اغرى به الشيطان، ولذلك ارجئت حوادثه الى اشد اوقات النبي ضيقا في مكة، ثم مالبث ان انكره وتبرأ منه في اليوم التالي) [9]، وقد يقول قائل انك هنا تحاجج بكتاب عنوانه تاريخي ولابد من ذكر هذه الاحداث، والجواب على هذا التساؤل هو ان بركلمان لا يذكر حوادث تاريخية فيما اقتبسناه، بل هي فقرات تفند وتحطم العقيدة فهو يتكلم صلب العقيدة ويضعها في اطار تاريخي، وكأنه يسرد واقعة وليس تفنيدا لعقيدة، ورسالة سماوية، وما محمد الا شخصا قد هيأ له انه يستمع الى الوحي جبرئيل حيث نقرأ (ولكن بينما كان بعض معاصري النبي، كأمية بن ابي الصلت شاعر الطائف، وهي بلدة بحذاء مكة، يكتفون بوحدانية عامة، كان محمد يأخذ بأسباب التحنث والتنسك، ويسترسل في تأملاته حول خلاصه الروحي، ليالي، ليالي بطولها في غار حراء، قرب مكة. لقد تحقق عنده ان عقيدة مواطنيه الوثنية فاسدة. فارغة، فكان يضج في اعماق نفسه هذا السؤال: لماذا يمدهم الله في ظلالهم، مادام هو عز وجل قد تجلى، اخر الامر، للشعوب الاخرى بواسطة انبيائه؟ وهكذا نضجت في نفسه الفكرة انه مدعو الى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة، ولكن حياءه الفطري حال بينه وبين اعلان نبوته فترة غير قصيرة، ولم تتبدد شكوكه ألا بعد أن خضع لأحدى الخبرات الخارقة في غار حراء. ذلك بأن طائفا تجلى له هناك يوما، هو الملك جبريل، على ماتمثله محمد في ما بعد، فاوحى اليه ان الله قد اختاره لهداية الامة. وامنت زوجه، في الحال، برسالته المقدسة، وتحرر هو نفسه من اخر شكوكه بعد ان تكررت الحالات التي ناداه فيها الصوت الالهي وتكاثرت. ولم تكد هذه الحالات تنقضي حتى اعلن ماظن انه قد سمعه، كوحي من عند الله) [1. ]. في هذا الكتاب يلاحظ القاريء العادي فضلا عن الباحث بأنه يمثل في متنه المنظومة الدينية – الثقافية – السياسية، وهذا مادرج عليه المستشرقون في ابحاثهم والسياسيون في تنفيذهم (لأجندتهم) وهذا يبين (ان السياسي والكاتب لا يستطيع ان يتجرد عن تراكماته الثقافية وهو ما يحصل للمستشرقين في دراستهم لنا، والامر الاخر هو الايمان بأن الدين محرك اساس في السياسة الدولية خصوصا لامريكا) [11] وامامنا نموذج اخر يبين تلازم الثقافة مع العقيدة وهو المستشرق نيكلسون الذي ألف كتابا بعنوان (تاريخ الادب العباسي)، والحقيقة وقبل ان نسترسل مع نيكلسون اقول (أن المستشرقين اهتموا بالغا بدراسة الادب العربي، لا لدراسة انماطه الفنية، بل لدراسة التاريخ العربي من خلاله، وعلى وجه الخصوص دراسة العقائد التي وجدت في العصور الاولى في التاريخ الاسلامي، وكذلك دراسة الوضع الاجتماعي والحالة السياسية في ذلك الوقت ليبني عليها موقفا فكريا، ومن ثم سياسيا) [12]. وعليه فان رينولد نيكلسون يبدأ كتابه (وفي مدخل كتابه، في اول سطر نجد هذا القول (ان لاعتقاد المسلمين في ظهور مسيح منقذ خرق على تاريخهم الديني والسياسي، فلا عجب أن ينغمر الاف الناس المتذمرين تمام التذمر من الحياة كما في الفترة الشقية من حكم الامويين في احلام <زمان طيب مقبل > توقعوه مطابقا لنهاية القرن الاول للهجرة، وطافت التنبؤات الغامضة والاقوال المنسوبة الى محمد نفسه ونبؤات الحرب والخلاص جائية ذاهبة هنا وهناك، وعكف الناس على كتب الغيبيات وتساءلوا ما اذا لم تكن فترة التشويش والهرج التي تسبق –كما هو معلوم – ظهور المهدي قد بدأت فعلا) طبعا هو يعرف ان المسلمين وخصوصا الشيعة يعتقدون بظهور الامام المهدي، وان السيد المسيح سيصلي خلفه اعترافا بامامته، طبعا هو استخدم مفردة (مسيح) بدون الف ولام حتى لايقال انه يقصد المسيح لكن مجرد انه ذكرها اراد ان يهدم شيئا ويبني شيئا اخر، ثم انه يعزو استمرارية الظلم وعدم التغيير السياسي الى انتظار الناس الى الفرج دون فعل شيء، اي ان المسلمين شعب سلبي لايبادر بالقيام بعمل اي امر ضروري)، [13] ثم ينتقل الى التاريخ ويصل الى حركة الشيعة قبل الاطاحة بالحكم الاموي وكذلك حركة العباسيين التي ترمي الاستئثار بالسلطة قبل ان تستولي عليها، وذلك باستمالة الشيعة الى حركتهم ومن ثم الانقلاب عليهم حيث يقول (بينما كان دعاة الشيعة مشغولين بصورة فعالة في كسب التأييد لحزبهم الذي في علي وذريته، كما رأينا، الخلفاء الشرعيين الوحيدين لمحمد (ص) فان فرعا اخر من النبي (ص)- وهم العباسيين – دخل الميدان وهو يضمر قلب اعمال العلويين لصالحه، وقد ورثوا من جدهم الاعلى، العباس عم النبي (ص)، صفات الحذر والظهور بمظهرين والحكمة الدنيوية، وهي الصفات التي تضمن النجاح في التامر السياسي) [14] كذلك ان نكلسون كان لابد له وهو يتناول الادب العباسي والتاريخ السياسي، ان يدرس العقائد التي او الفرق التي وجدت بعد استلام العباسيين للحكم بعد ان قضى على حكومة بني امية ففي الفصل الثالث الذي اسماه (السنة والزندقة والتصوف) فانه درس فيه (المعتزلة) وافكارهم، وخصومهم، وكذلك نهايتهم وكيف (حولت اسلحتهم المنطقية والديالكتيكية ضدهم بنجاح ظافر) [15] لكنه يقول ان افكار المعتزلة ومبادئهم قد (مهدت الطريق لحركات حرة اخرى كحركة اخوان الصفا التي حولت ان توفق بين السلطة والعقل وبناء نظام عام لفلسفة دينية). [16]وكزميله سعى نكلسن الى ان يجعل كل فعل تقوم بها اي فرقة اسلامية مهما كان النظر اليها من قبل الشريعة نفسها فانه سعى ان يجعلها مستوحاة من تعاليم المسيحية، هنا يقتبس نكلسن عن دي غويه مايلي (اعتقد قبل كل شيء ان من الصواب التاكيد على ان المباديء الفلسفية للاسماعيلية متضمنة برمتها في رسائل اخوان الصفا ؛ وهذا مايفسر الاغراء الخارق الذي مارسه المبدأ بين صفوف الجديين من الرجال وباضافتها عقيدة (الامام المستور) الذي يجب ان يظهر يوما ما ليملأ الارض عدلا <كما ملئت جورا> حققت انصهار كافة المباديء المثالية للمسيحية والافلاطونية) [17]اما عن التصوف يقول نكلسن (لقد تتبعنا تاريخ التصوف في الاسلام من حركة التنسك في القرن الاول، تلك التي انبثقت معها الاجتياز الى خارج نطاق التاثير الاسلامي وتدخل طريقا غريبا لم يحلم به النبي) [18] بطبيعة الحال هو يبغي من هذه الفقرة نتيجة مؤداها ان التصوف ليس مبدئا محض اسلاميا وانما دخلت عليه المؤثرات الخارجية من الاديان الاخرى او كما ينقل عن فون كريمر الى تطفل عنصر اجنبي غير اسلامي، [19] ويلخص نكلسن مايراه البروفسور براون عن الصوفية مايلي، أ-التصوف مدين بوحيه الى الفلسفة الهندية ولاسيما الفيدانتا. [2. ]

ب-ان اكثر الافكار المميزة للصوفية ذات اصل فارسي. [21]

ج-ان هذه الافكار مستنبطة من الافلاطونية الجديدة [22].

وفي الصفحات التالية يحاول نكلسن ان يبين انه لايؤمن بان التصوف من هذه الاصول، لكنه يخلص الى النتيجة ذاتها وقوله هو (ليس من شك في ان اصل التصوف ونموه في الاسلام يعتمد في النهاية كما في سائر الاديان على اسباب وشروط عامة وليس على ظروف خارجية، فمثلا ان الفوضى السياسية في العصر الاموي، واتجاه الشك لصدر الدولة العباسية ولاسيما المراسيم الجافة للفقه الاسلامي لم تخفق في اثارة حركات مضادة تجاه المسكنة والسلطة الروحانية والايمان العاطفي ؛ولكن رغم ان التصوف لم يخلقه اي دافع خارجي (وهذا اوضح من ان يحتاج الى نقاش) فان التاثيرات التي انا على وشك التحدث عنها قد اسهمت اسهاما كبيرا في جعله على ما هو عليه وتلوينه تلوينا عميقا بحيث لايسع اي دارس لتاريخ التصوف اهمالها) [23]، لم يستطع نكلسن الا ان يكون هو فعاد وقرن التصوف بمؤثرات خارجية من خلال اشارته الى ائمة هذا المذهب مثل معروف الكرخي وذلك بقوله (لقد ولد في اطراف واسط احدى مدن بلاد الرافدين العظيمة ويدلنا اسم والده (فيروز) او (فيروزان) على ان فيه دما فارسيا وكان معروف مولى لامام الشيعة عي بن موسى الرضا وقد اسلم على يده لانه نشأ مسيحيا (هكذا تقول الروايات) او ربما صابئيا) [24]، مايهمني في هذا النص فقرة "على ان فيه دما فارسيا " ان نكلسن يريد ان يحاكي المشاعر القومية، وانه يعرف ان الاسلام مبدأه الاساس هو "لافرق بين عربي واعحمي الا بالتقوى " فالتقوى والعمل الصالح هي التي ترفع من شأن الفرد في الاسلام دون لونه، او طائفته، او قوميته، وحتى ماله ووجاهته، وكم من فقير رفعه الاسلام الى درجات عليا من خلال علمه وتقواه، وكذلك يريد ان يبين ان التأثيرات الفارسية موجودة في تصوف معروف الكرخي.

اما عندما يأتي على ذكر ابو سليمان الداراني وعلى بعض من تعاليمه نجده يعلق في هامشه بالقول (من المستحيل ألا نعترف بتأثير الفلسفة الاغريقية في هذا الادراك للحقيقة كجمال) [25] ولم يشذ نكلسن عن باقي المستشرقين في هذه الخاصية فاذا عدنا الى برو كلمان نجده يقول ان الرسول الاكرم (يكثر من الاشارة الى قصص هؤلاء الانبياء، والى قصة موسى بخاصة. وليس من شك في ان معرفته بمادة الكتاب المقدس كانت سطحية الى ابعد الحدود، وحافلة بالاخطاء وقد يكون مدينا ببعض هذه الاخطاء للاساطير اليهودية التي يحفل بها القصص التلمودي، ولكنه مدين بذلك دينا اكبرللمعلمين المسيحيين الذين عرفوه بانجيل الطفولة، وحديث اهل الكهف السبعة، وحديث الاسكندر، وغيرها من الموضوعات التي تتواتر في كتب العصر الوسيط) [26]، وقد وجدنا ان بروكلمان يكتب عن تاريخ الشعوب الاسلامية تصل الى حقبة فيصل الاول في العراق مثلا وتنصيبه ملكا على العراق بعد ان احتلت بريطانيا هذا البلد في 1917م، بعد ثورة العشرين وبعد ان وجدت بريطانيا ان الحكم المباشر يكلف الميزانية البريطانية ويرهقها. وهو قد بحث من وجهة نظره طبعا كل مايتعلق بالموضوع من اصل العرب وسلالاتهم، ودويلات الغساسنة والمناذرة قبل الاسلام، الى التاريخ الاسلامي، والعقيدة الاسلامية الذي تناولها كتاريخ وكحادثة تاريخية، لا كعقيدة وهذا بطبيعة الحال ذكاء من قبله، واسلوب عالي المستوى في الطرح والاسترسال في جمله التي يظن انها لا تصرح ولا تنطق الا بالحوادث ليس الا. كذلك ان نكلسن لايستطيع الا ان يكون مستشرقا له منهجه الواضح، فهو في الحقيقة يبحث ومن المفترض في الادب العباسي وتاريخه، لكنه في الحقيقة يدرس التاريخ السياسي انذاك والعقائد الاسلامية والمؤثرات الخارجية حسب رأيه التي دخلت وساهمت في بلورة هذه العقائد، وايضا هو لم يكتف بدراسة الواقع الاسلامي المنضوي تحت السيطرة العباسية، بل بحث في واقع الحكم الاموي الذي نشأ في الاندلس بعد سقوطه في الشام، اذن لافكاك بين الثقافة والدين ولا ابتعاد او انفكاك بينهما وبين السياسة، بل كل صلب الاخر.

وفي الحقيقة ان نموذج كارل بروكلمان ورنيولد. ا. نكلسن لم يأتيا بشي جديد بخصوص البحث فواقع الامور والمنطق يقولان ان الاندكاك بين هذه المعارف شيء بديهي واقصد (الثقافة، الدين، والسياسة) وبطبيعة الحال مفردة الثقافة شاملة وجامعة لشتى المعارف والفنون [27].

ونصل الان الى صورة اندكاك الدين في السياسة والعكس هو الصحيح وخصوصا في مركز القرار الدولي واعني بها امريكا ويتمثل في الصورة كل من "بات روبنسون " و"جيري فالويل "و"فرانكلين بيل غراهام ".

اما بات رونسون وهو (من رجال الدين المسيحيين الذين استغلوا التلفزيون والذي يقدم عبر شاشته (نادي السبعمائة) ويبلغ عدد مشاهديه الى (16، 3) مليون شهريا، "وهوالمؤسس والزعيم التاريخي لمنظمة (التحالف المسيحي) اكثر الحركات القاعدية نفوذا وسطوة في السياسة الامريكية المعاصرة " ويعتبر هذا المبشر الوجه البارز او قل هو واجهة التحالف المسيحي مع الحزب الجمهوري الامريكي، كذلك يملك مع زميله (فالويل) سطوة على السياسيين الامريكان). [28]

واما جيري فالويل فهو القس والمبشر الشهير او من اشهر الذين استخدموا التلفزيون وبشكل واسع جدا [29] (وهو الذي استخدم الاعلام منذ العام 1956حيث ابتدأ في الاذاعة ببث برنامجه الذي سرعان ما تحول الى برنامج تلفزيوني عنوانه (ساعة الانجيل القديم)بلغ عدد مشاهديه (5، 6) مليون مشاهد والبرنامج الثاني هو (جيري فالويل لايف) بلغ عدد مشاهديه (34) مليون مشاهد شهريا) [3. ] ويعتبر فالويل مناصرا شديدا لاسرائيل وقد انتقد بشدة موقف بيل كلنتون لانه ضغط على اسرائيل من اجل توقيع معاهدات سلام مع الفلسطينيين [31] وهو (الذي يقول في موعظة من مواضعه التلفزيونية "ان كل من يشير بأصبعه اشارة الى اليهودي، فكأنما يضع اصبعه في عين الله ولان اليهودي هو بؤبؤ الله) [32] وهو الذي يذكر ل(ميريل سايمون الذي الف كتابه الموسوم (جيري فالويل واليهود) يقول :اكدت مرارا ان وجود مجتمع يهودي عالمي مزدهر لايمكن تفسيره الا بالرجوع الى وعود ونبؤات العهد القديم بان الله سيحفظ اسرائيل الى الابد) [33]ونستمر مع فالويل رجل الدين والمبشر المسيحي في اندكاكه كرجل له صفة روحية عند الملايين او قل عشرات الملايين في السياسة واتخاذه خطا يجعل من نصرته امرا مقدسا، فهو يقول (في نفس الكتاب :الشيطان عدو الله، والله قد اختار الشعب اليهودي وباركه لانه عائلته المختارة لذلك فان الشيطان يحاب الله في الشعب اليهودي) [34]، وهذا زخم روحي بطبيعة الحال واعطاء قدسية لكل ماتقوم به اسرائيل، وكذلك اشارة الى الامريكان الساسة منهم ودافعي الضرائب على حد سواء بأن اسرائيل ورعايتها بكافة المجالات واجب له قدسية في امريكا، وان عكس ذلك محرم لا بل غير مسموح به. ويعتقد فالويل ان الله يوكل لمخلوقاته ويستعملهم كوسائل لتحقيق برنامجه لهذا الكون [35]، ولهذا يقول (انا شخصيا اشعر بمسؤلية كبيرة في تثقيف الشعب الامريكي حول اهمية دعم اسرائيل والشعب اليهودي في كل مكان، وانا ادرب الاف الدعاة والوعاظ الدينيين لحمل المسؤلية نفسها ففي كلية ليبرتي المعمدانية وفي مدارسها نتولى تعليم (6ألاف)طالب على هذه القضية) [36] وبطبيعة الحال ان هذا لايشمل مفصلا واحدا في المشهد السياسي الامريكي كالحزب الجمهوري واليمين المسيحي بل يشمل حتى قادة الحزب الديمقراطي.

اما العنصر الاخر في مشهد اندكاك الدين في السياسة الامريكية هو فرانكلين بيل غراهام وهو القس الذي يعتبر المرجعية الدينية بالنسبة الى الساسة الامريكان وخصوصا الرؤساء منهم، وهو (الذي جعله جورج دبليو بوش واعظا خاصا لوزارة الدفاع (البنتاغون)وكذلك له شخصيا) [37] وهو رجل ينظر الى الدين الاسلامي مثلا باستعلاء وعنصرية شديدة ونظرة فوقانية حتى على الله ان صح التعبير [38] فهو يقول ان الله الذي يؤمن به هوليس الله الذي يؤمن به السلمون، بطبيعة الحال ان فرانكلين غراهام قد جاء من فراغ سياسي اوديني حتى حط في اسرة الرئيس بوش، (فقد كان والده واعظا بل الواعظ الاول الخاص بالرؤساء الامريكان الجمهوريين) [39] مثل ايزنهاور ونيكسون وفورد وريغان وبوش.

اما اندكاك الساسة الامريكان في الدين فمشهده وصورته لاتقل اثارة عن المشهد والصورة في انكاك رجال الدين في السياسة، بل تفوقه اثارة، وحتى تطبيقا، وتفويضا للدين في كل حركة سياسية تروم الادارات الامريكية على المدى الزمني الكامل لعمر القارة الامريكية، والمعروفة باسم الولايات المتحدة الامريكية منذ الاكتشاف كما مر سابقا، والتأسيس، وحتى الان. ولو بدأنا بالوقت الحاضر ومن الرئيس جورج دبليو بوش الذي يقول وبنبرة استعلائية [4.] تشبه الى حد بعيد نبرة عرابه فرانكلين غراهام حيث يذكر بوش (ان الارهابيين يمقتوننا، لاننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة) [41] وكذلك ان بوش يعتبر نفسه رسول من الرب حيث يقول (لقد ارسلني الرب لانقاذ العالم، وان ذهاب الجيش الامريكي للعراق هو لحماية المسيح من الارهاب الاسلامي عندما ينزل الى الارض) [42] وهذا شيء فيه من الخطورة الشيء الكبير لان جورج دبليو بوش يتحدث كرسول الهي، وتارة يتحدث كظل الله في الارض، وان معتقداته واجبة التطبيق لانها في اخر المطاف تعاليم الهية [43] وكان جورج بوش قد بين عن توجهاته الدينية وبشكل عملي من خلال التعيينات في ادارته وخاصة عندما اختار جون اشكروفت كوزير للعدل وهو احد اكبر رموز التيار الكنيسي، و قد قال الوزير اشكروفت عن فلسفته الدينية والسياسية بان (لا رئيس لنا سوى المسيح، وهذا الجدار الفاصل بين الكنيسة والدولة ينبغي هدمه لانه جدار ظالم) [44] وكما تم غزو العراق بأمر الهي فان غزو امريكا اواخر القرن التاسع عشر لكوبا بزعم تخليصها من الاحتلال الاسباني كانت عملية الغزو ايضا باوامر الهية [45] ومن خلال استعراض السياسة الامريكية، وكذلك ممارسات الادارات الامريكية المتعاقبة يتبين لنا ان (الولايات المتحدة تتبنى سياسة تطويعية واستيلائية لاسياسة مشاركة، وانها سياسة تحقيق المصلحة الامريكية وليست سياسة المصالح المشتركة، ودائما الله هو القاسم المشترك في حركة الامريكان نحو تنظيمهم للعالم كما يريدون) [46] وعلى ذلك يقول احد الساسة الامريكان وعضو سابق في مجلس الشيوخ الامريكي هو البرت بفريدج (ان الله لم يعد خلال الف عام الشعوب الاوربية والشعوب الناطقة بالانكليزية كي تتامل نفسها بكسل ودون طائل حيث تسيطر الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من ادارة الشعوب البربرية والهرمة، وبدون هذه القوة ستعم العالم ثانية البربرية وقد اختار الله الشعب الامريكي دون سائر الاجناس كشعب مختار لكي يقود العالم اخيرا الى تجديد ذاته) [47] ومثله اكد المبشر البروتستانتي (جوزيا سترونغ عام 1886)بان العنصر الانكلو – سكسوني قد تم اختياره من قبل الله لتحضير العالم [48] واذا للمتتبع يجد (ومع جوزيا سترونغ المبشر تقدم الجندي والتاجر وحرثا من اجلهما الاراضي التي لم يبق سوى الاستيلاء عليها) [49]وهنا ننقل نصا في الاستشراق والتبشير عن صموئيل هنغنتون عن توكفيل يقول فيه (الدين في الولايات المتحدة.. متظافر مع عادات الامة والمشاعر الوطنية التي تستمد منه قوة غريبة وتضافر الدين والوطنية جلي في دين امريكا المدني، كتب روبرت بيلا في عقد 196. يعرف الدين المدني "هو في افضل احواله فهم حقيقي للكون، والحقيقة الدينية المجردة كما شوهدت، او غالبا ما يمكن القول كما اوحت تجربة الشعب الامريكي فالدين المدني يمكن الامريكيين من التوفيق بين سياستهم العلمانية ومجتمعهم الديني والجمع بين الله والوطن ليضيفوا القدسية الدينية على وطنيتهم، والشرعية القومية على معتقداتهم الدينية، وهكذا فهم يدمجون ما كان ولاءات متنازعة محتملة في الاخلاص لوطن موقوف دينيا) [5. ]، ونمضي مع الاستشراق والتبشير الذي بدوره يمضي مع همغنتون في تقسيمه للعناصر الاساسية للدين الامريكي كما يعبر هو والاقسام الاول "هو الفرضية المركزية :ان نظام الحكومة الامريكية يقوم على اساس ديني وينطلق على اساس ديني وينطلق من فرضية وجود كائن اعلى " [51]، واما الثاني "هو اعتقاد الامريكيين بانهم شعب الله المختار او كما عبر لنكولن من ذلك الشعب المختار تقريبا، وان امريكا هي اسرائيل الجديدة. ذات رسالة مقدسة ان تعمل الخير في العالم " [52] يعني هذا ان كل ماتقوم به امريكا هو خير وهو مشروع ايضا لانه صادر من شعب قد اختاره الله.

واما العنصر الثالث "هو سيادة الاوهام والرموز الدينية في البلاغة والطقوس والشعائر الامريكية العامة، فالرؤساء الامريكان يؤدون القسم عند استلام المنصب على الكتاب المقدس " [53] واما الرابع قيخلص هنغنتون الى "تبدأ المراسم والنشاطات الوطنية نفسها بصلاة دينية جلية وتؤدي وظائف دينية وتاريخية " وهكذا يجد المتتبع لاحوال امريكا ان الدين متداخل مع الحياة السياسية والاجتماعية [54] في هذا البلد الذي يعتبر مركز القرار السياسي الدولي اعتبارا من منتصف القرن العشرين، وايضا مركز او عصب الاقتصاد العالمي وقد شاهد العالم ان ازمة مالية ضربت امريكا اواخر 2.. 8 تأثرت بها وبشكل واسع جميع دول العالم تقريبا، غنيها وفقيرها. لم يقتصر الامر على الساسة ورجال الدين في الولايات المتحدة الامريكية، فحتى دول الامبريالية الاوربية انتجت هذا النهج وبمثال او مثالين عما انتجت لنا فرنسا مثل (لويس ماسينون)فهو مبشر، ومستشرق، وعسكري، وسياسي ودبلوماسي، ومنقب عن الاثار بنفس الوقت و بالاضافة الى انه كان في خدمة الاطماع الفرنسية والاحتلال الفرنسي للبلدان الاسلامية (وظيفة) و(فكرا) [55] وهو الرجل الذي عمل مع جورج بيكو الشريك الفرنسي في معاهدة سايكس بيكو، وهو على الجانب الفرنسي يعتبر ك(لورنس العرب) عند البريطانيين، وهو الضليع باللغات العربية والفارسية والتركية، ان من (اهم دعوات ماسينون هي دعوته الكتابة بالعامية، وان يترك الحرف العربي والبدء بالكتابة بالحرف اللاتيني، وقد اطلق دعوته بالكتابة والنطق بالعامية في مصر) [56] وهذا غير مستغرب من رجل يعمل في وزارة المستعمرات الفرنسية، وبنفس الوقت هو رئيس الجمعيات الارسالية التبشيرية، ومن الامثلة الاخرى هو المستشرق الفرنسي (ارنست رينان) الذي يدعو ان يحكم الشرق من قبل الغرب لان الشرق غير مؤهل لحكم نفسه، وايضا هو ينكر ان يكون للعرب او المسلمين علما او تراثا علميا حيث يقول ان الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية)وهو هنا لايختلف عن بروكلمان او نكلسن

اما على الجانب البريطاني او الانكليزي لو صح التعبير فالامر لايختلف بل يتطابق كثيرا مع نفس المنهج الذي نحن بصدده وقد مر بنا المستشرق نكلسن في دراسته لتاريخ الادب العباسي، وهناك نماذج كثيرة، لعبت دورا فكريا، وسياسيا، واستخباراتيا، ومن هذه النماذج (الميجر سن) المبشر، والجاسوس، والرحالة، والحاكم العسكري في شمال العراق، وقد وضع كتابا اسماه (رحلة متنكر الى بلاد مابين النهرين وكردستان) وقد اتخذ من رحلاته واجهة للتجسس، وتسجيل نقاط الضعف في مناطق المسلمين، وهو من اخطر وابرع الناس الذين مارسوا هذا العمل، وقد برع في تعلم اللغة الكردية حتى بز في ذلك بعض من علماء الكرد في لغتهم.

ومن النماذج الانكليزية الفعالة هو غلوب باشا او (ابو حنيك) والذي عين قائدا للجيش الاردني من عام 1939 الى 1956، ان هذا القائد العسكري لم يكتف بان يكون عسكريا فقط، بل ومن خلال اهتمامه بالمنطقة، وتجواله في الصحراء العربية، ودراساته للتاريخ الاسلامي فقد الف كتاب (امبراطورية العرب) وكذلك كتاب (حرب الصحراء)، ولألقاء اكثر على دور هذا الرجل وطريقة عمله نقرأ هذه النصوص حيث يبدأ كاتبها ب (قلت لجون جلوب باشا، قائد الجيش الاردني في مكتبه بعمان :-يقولون انك قد (استعربت).. واسلمت.. واصبح جواز سفرك اردنيا ؟!

قال وابتسامته تسبق جوابه :

-   نحن اليوم في الخامس من مارس من عام 1955وحتى هذه الدقيقة لم استعرب.. ولم اعلن اسلامي.. ولم احصل على جواز سفر اردني ! والحقيقة التي لامجال للتشكك فيها ان جلوب باشا قد عاش الاربعين سنة الاخيرة من حياته، بشخصيتين وحياتين :شخصية العربي.. المستشرق.. المسلم.. البدوي.. من شروق الشمس حتى غروبها. وشخصية البريطاني المتعصب.. البروتستانت.. الانجليكي.. من غروب الشمس حتى شروقها !) [57]، ويمضي كاتب هذه النصوص ويصل بنا الى الجيش الاردني او مايسمى الجيش العربي ومزاياه حيث يقول (الجيش العربي اشبه بالجيش الانكشاري ! فيه اليوناني والارمني والشركسي والقبلي !فمن الارمن هناك الضابط (كريم اوهان) الذي اصبح فيما بعد قائدا للامن العام في الاردن !ومن اليونانيين هناك (قولا سمرايوتي) مدير العمليات الحربية !ومن الشركس، عزت حسن، وفواز ماهر، وكلاهما وصل الى رتبة (امير لواء).. ومن الشيشان هناك (عبدالله بهاء الدين) وجماعة من الضباط الصغار.. وكذلك هناك عدد من ابناء القبائل من خارج الاردن الذين يفرون من بلادهم ويلتجأون وظيفة الى الاردن هربا من جرائم كانوا يرتكبوها او جريا وراء وظيفة يتعيشون منها وفي ايديهم رسائل (توصية) من شيوخ قبائلهم الى صديقهم (ابي حنيك) قائد الجيش الاردني الذي يعرفونه جيدا) [58] ومن المفارقات في هذا المجال ان يطلب من هكذا جيش ان يدافع عن فلسطين ويقف بوجه المنظمات الصهيونية في عام 1948(فهو الذي اعترف بكل صراحة ووضوح وفي الصفحة 96 من مذكراته انه كان (مقررا للجيش العربي في حالة دخول ارض فلسطين، ألا يخوض الحرب.. وانما لكي يحتل الجزء العربي في فلسطين ضمن الحدود المقررة للعرب بموجب قرار التقسيم عام 1947) [59] ولم يقتصر الامر على هذا القرار بل كان القرار اخطر وهو انه(عندما صدر اليه الامر من حكومة فلسطين بالانسحاب من ارض فلسطين قبل نهاية الانتداب البريطاني وجلاء الانكليز، لم يأخذ مراكز للجيش في اقرب نقطة حدود.. على نهر الاردن مثلا.. وانما حمل (جيشه) ومضى الى قلب الاردن.. الى مابعد الحدود، والسلط، وعمان.. الى معسكر (الزرقاء)، على مسافة ساعتين من حدود النهر !..) [6. ]، ان اي فرد متخصص ام غير متخصص في الامور العسكرية يعرف انما الجيش هو للدفاع عن البلد " اي بلد " هو على الحدود وحتى في بعض الاحيان خارجها وليس داخل العمق، وكأنه يدعو الخصم للتقدم. ويمضي كاتب النصوص بالقول (وما من مرة وقع نظري فيها على سيارة (جلوب) الا ورأيت كتاب (اعمدة الحكمة السبعة)، للمستشرق لورنس، بجانبه. فاذا ما سأله احدهم عن الكتاب وقصته، اجاب جلوب :والله أنا احب المطالعة.. واحب بصورة خاصة هذا الكتاب !

فقد كان جلوب – في قرارة نفسه – يتمنى ان يلعب الدور الكبير الذي لعبه من قبله ت. ي. لورنس، صاحب الاعمدة السبعة) [61] ولااعرف هل الدور الذي لعبه جلوب في حرب فلسطين ومساهمته الفعالة في استيلاء المنظمات الصهيونية على هذه الارض هو دور اقل شانا من دور لورنس العرب، ومن هو لورنس العرب؟.

توماس ادوارد لورنس او لورنس العرب المولود عام 1888العسكري والجاسوس، والرحالة، والمنقب عن الاثار، والمتخصص بالقلاع الصليبية في الشرق، وخريج مدرسة الارسالية الامريكية في جبيل لبنان، وضابط استخبارات القوة الجوية البريطانية، وفوق كل هذا وذاك هو عراب اسرة الشريف حسين في الحجاز، وبالخصوص عراب الملك فيصل الاول ومربيه السياسي لو صح التعبير وقد كان له الدور الكبير في مناهضة الشريف حسين للدولة العثماني حتي قيل (انه وحده هو الذي قضى على الامبراطورية ا العثمانية) [62] ولكي نتعرف على ان لورنس وغيره من رجال بريطانيا لايعملون الا لها نقرأ هذا النص عنه (لو لم اكن مجنونا لاستطعت ان اتبين، انه اذا ربحنا الحرب، فلن تكون الوعود التي بذلناها للعرب لم تكن الا حبرا على ورق) [63]، انه هنا ينفي علمه بالخطط البريطانية، لكن الظروف والممارسات هي التي تحكم لا اقوال لورنس العرب، وهو من الشخصيات التي اثرت في الملك فيصل الاول وهم كثر واخذت خطواته تسير على هداهم [64](وكان اول من تاثر بهم هو والده الشريف حسين امير مكة، او كما يحب ان يطلق عليه قائد الثورة العربية الكبرى التي قامت بتحريض من بريطانيا واداتها لورنس وقد كان ( عراب الثورة العربية الكبرى كما هو عراب مراسلات حسين – مكماهون، المندوب السامي البريطاني في مصر وكلا الدلالتين تمثلان هزيمة في ذهنية العربي انذاك تواصلت اثارها الى عقد او اكثر مابعد القرن العشرين) [65]، وعن رأي لورنس العرب في نهاية المطاف بالشريف حسين وبعد ان ارادت بريطانيا ان تعقد معاهدة معه، فهي تشعر بانها صاحبة فضل عليه ويجب ان يرد هذا الفضل حيث توجت فيصل ملكا على العراق، وعبد الله اميرا على شرق الاردن، فكلفت عراب الاسرة لورنس الى الشريف حسين مفاوضا :وبعد عدة مماطلات عدة ابرق لورنس الى وزير الخارجية كرزن بقوله (اجتمعت بالملك عدة مرات وقد اعلن لي عن تخليه عن موقفه المبني على اساس رسائل مكماهون. ولكنه يثير افكارا عظيمة جديدة انه عجوز احمق لاحدود لغروره واطماعه ولكنه يبدي الكثير من التعاون ويؤكد انه صديق مخلص لنا) [66] وفي هذه المفاوضات مارس لورنس ضغطا نفسيا وتهديدا مكشوفا للشريف حسين الذي وضع كل ثقته بهم، واضعا مصلحة بريطانيا فوق كل الاعتبارات.

المس بيل: هي من اشهر النساء التي عملن في السياسة في العراق، والمنطقة العربية عموما، بل هي الاشهر، هي بصريح العبارة صانعة الملك وعرشه، اسمها الكامل (غيرترود بيل) وشهرتها المس بيل، الرحالة التي جابت الصحراء العربية في نجد والعراق وسوريا، خريجة جامعة اكسفورد، اتقنت اللغة العربية من خلال شغفها بالترحال في الوطن العربي [67]، وهي (من الشخصيات المهمة التي لعبت دورا مهما في حياة فيصل الاول، وبالاخص في اختياره ملكا على عرش العراق وسيطرتها على مجريات الامور في هذه البلاد الى درجة انها لقبت بملكة العراق بين الاوساط السياسية والشعبية، ولها خاصية اخرى انها تشترك مع لورنس العرب بعدة مشتركات، منخا الجاسوسية واتقان رسم الخرائط والبحث والتنقيب عن الاثار خصوصا في الشرق، واتقانها اللغة العربية، وبعض اللغات الشرقية، وعملها مع فيصل الاول كأمير وكملك، لكن المس بيل كان عملها ابرز مع فيصل الملك على العراق حيث مارست دور المتوج للملك، ومارست دور الملك، ودور المراقب على الملك) [68]، والحقيقة انها في سنينها الاخيرة مارست دورا يوحي انها معجبة بالملك فيصل الاول كأنسان مستغلة فراغه العاطفي نتيجة لابتعاد اسرته عنه، ان المس بيل لاتختلف عن اقرانها من الساسة البريطانيين في ممارساتهم لادوارهم خدمة للمصلحة البريطانية، الاان خاصيتها كأمرأة اعطاها زخما اعلى من غيرها، في زمن كان فيه رؤية امرأة في السوق من المحرمات، واذا بالمس بيل او الخاتون تتجول في بغداد ممتطية حصانها وهي تزور هذا الشيخ العشائري، او الوجيه وهلم جرا. ان المس بيل هي من ابرز المنادين بتقسيم العارقيين الى طائفة حاكمة بعينها، وطائفة محكومة، كما انها تغذي بعض الاراء التي تساعد على الفرقة مثل (يتركز الشيعة، كما ذكرنا سلفا في وسط وجنوب العراق، ومن مدنهم المشهورة المقدسة كربلاء والنجف وسامراء والكاظمين وان النجف وكربلاء (والنجف على وجه الخصوص) كانتا في جميع الاوقات مركزي التعصب الديني ذي الصبغة الفارسية، وكذلك مركزي العداء للسلطة القائمة، وستبقيان كذلك مهما كان نوع الحكومة التي تحكم بقية العراق) [69] والحقيقة ان كل مفردة من هذه المفردات تحتاج الى مناقشة وتفنيد لكن لايسع المجال الى ذلك.

وعلينا ان لاننسى الساسة البريطانيين صناع القرار في لندن، كلويد جورج رئيس الوزراء الذي صدر في عهده وعد بلفور عام 1917والذي يقول (نشأت في مدرسة تعلمت فيها تاريخ اليهود اكثر من تاريخ بلادي)وهو الذي تربى على يد خاله الواعظ في احدى الكنائس المعمدانية المعروفة بتعصبها وايمانها الشديد بضرورة عودة اليهود الى ارض فلسطين. وفي الختام استعير فقرة من كتابي الاستشراق والتبشير فأقول "نستخلص من هذا ان كل الوقائع السياسية او اغلبها لايمكن الا ان ترتبط بالمنابع والاصول الثقافية، والتي اساسها على الاغلب ديني يوظف لاجل السياسة، وانا هنا وان ذكرت جانبا سياسيا بحتا فمن اجل ان اؤكد ان الوقائع هي وليدة العقائد والثقافات، ولاانفصال بين الحاكم والمفكر وان ارادوا التجرد، وان زعما الاستقلالية، وان قال المفكر انما يكتب لاجل البحث المجرد، لكنه ينطلق من اسسه التراكمية، وكذلك الحاكم لا يستطيع التجرد عن تراكماته الثقافية وان انتمى الى حركة او حزب يدعي العلمانية، اذ نجد ان الاسس التي بنت المجتمع لا يمكن الانفصال او الانفصام عنها مهما حاول ان يوحي بذلك......

للكلام بقية.

 ***

رائد عبد الحسين السوداني

..............................

هوامش

1- رائد السوداني: الاستشراق والتبشير تاملات في دورهما السياسي ص22

2- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص24

3- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه نقلا عن عادل المعلم في مقدمة في الاصولية المسيحية الامريكية ص25

4- المصدر السابق نفسه ص25

5-كارل بركلمان: تاريخ الشعوب الاسلامية ص 8

6- كارل بروكلمان: المصدر السابق نفسه

7- رائد السوداني: الاستشراق والتبشير ص 125

8- كارل بروكلمان: المصدر السابق نفسه ص33

9- كارل بركلمان: المصدر السابق نفسه ص34 و35

10- كارل بروكلمان: المصدر السابق نفسه ص36

11- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص11

12- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص49

13- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص49و50

14- رنيولد 0ا0نكلسن: تاريخ الادب العباسي ص 17

15- رنيولد0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص170

16- رنيولد0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص170

17- رنييولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص 172

18- رنيولد0ا0 نكلسن: المصدر السابق نفسه ص186

19- رنيولد0ا0 نكلسن: المصدر السابق نفسه ص186

20- رنيولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص187

21- رنيولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص 187

22- رنيولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص187

23- رنيولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص189

24- رنيولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص 189

25- رنيولد 0ا0نكلسن: المصدر السابق نفسه ص190

26- كارل بروكلمان: المصدر السابق نفسه ص 39

27- ان الخلاف يقع في مقاصد البحث ليس في تبويبه0

28- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص73

29- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص72

30- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص72

31- : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه نقلا عن صبحي حديدي: بات روبنسون ومراة تنظير اليمين الامريكي المعاصر

32-- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 72

33- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص74

34 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص74

35 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه عن عزمي خميس في نبؤات العهد القديم في صلب الثقافة الامريكية

36 : رائد السوداني: الاحتلال الامريكي للعراق 2002 مقدمات واسباب ص 247

37 : رائد السوداني المصدر السابق نفسه ص 246

38 : رائد السوداني المصدر السابق نفسه ص247

39 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 248

40 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 248

41 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 248

42 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص248

43 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص246

44 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص175

45 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص176

46 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسهص176 نقلا عن كلود جوليان في الامبراطورية الامريكية

47 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 175

48 : رائد السوداني المصدر السابق نفسه ص175

49 : رائد السوداني: الاستشراق والتبشير تاملات في دورهما السياسي ص92 نقلا عن صموئيل هنغنتون في (من نحن)

50 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص92

51 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 92

52 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص 92

53 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص92

54 : رائد السوداني: الاستشراق والتبشير ص54

55 : رائد السوداني: المصدر السابق نفسه ص57

56 : ناصر الدين النشاشيبي: ماذا جرى في الشرق الاوسط ص128

57 : ناصر الدين النشاشيبي: المصدر السابق نفسه ص 129

58 : ناصر الدين النشاشيبي: المصدر السابق نفسه ص 144

59 : ناصر الدين النشاشيبي: المصدر السابق نفسه ص144

60- ناصر الدين النشاشيبي: المصدر السابق نفسه ص130

61- انتوني ناتنغ ولويل ثوماس: لورنس لغز الجزيرة العربية ص252

62- انتوني ناتنغ ولويل ثوماس: لورنس لغز الجزيرة العربية

63- رائد السوداني: حكم الازمة العراق بين الاحتلالين البريطاني والامريكي: مخطوطة

64- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه

65- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه نقلا عن علي الوردي في لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث

66- جعفر الخياط من مقدمة مذكرات المس بيل

67- رائد السوداني: المصدر السابق نفسه

68- المس بيل في مذكرات المس بيل