بأقلامهم (حول منجزه)

الدوائر اللامرئية في (قرار ارتجالي) للأديب ماجد الغرباوي/ جميـــل حسين الساعدي

العلاقات التي تربط الإنسان بالمكان، هي علاقات من نوع خاص، تتخطى بطبيعتها الحيّز المكاني الى ما هو أبعد، وتضرب بجذورها بعيدا في أصقــاع أخرى،

فتتداخل الأبعاد ويتعذر الفصل بين ما هو مكاني وما هو غيرمكاني. عندها تصبح أيّة محاولة لتتغيير المكان مشروطة بتغييرات في عناصر لا مكانية، وهنا يبرز الجانب السيكولوجي كعامل مهمّ في أيّة محاولة للخروج من الدائرة المكانية واستبدالها بأخرى. في هذه الحالة يتشكل المكان في دائرتين: واحدة شاخصة للبصر يمكن رؤيتها وتحسسها، واخرى خارج ادراك حواسنا الخمس.

في (قرار ارتجالي) للأديب ماجد الغرباوي تبدو محاولات الشخصية الرئيسية في النصّ في تخطّي المكان عديمة الجدوى وتنتهي في كل مرّة الى الفشل.

...خطى خطوته الاولى، فاجأه المكان.. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة، كاد أن يلحق بالاولى، عثرت بغلته، اوشكت أن تسقطه أرضا ...

هذه هي افتتاحية النص، فمنذ الوهلة الاولى بدا تخطّي الدائرة المكانية صعبا إن لم

يكن مستحيلا. فالشخصية المعنية في النص (صاحب البغلة) لا يمتلك الوسائل الضرورية ، الموصلة الى الدائرة المكانية الاخرى. فما يملكه هو وسائل تنتمي الى زمن سابق، وتيرة الحركة فيه بطيئة، وتشكيلة بنيته بسيطة، فهي لا تتماشى والزمن الجديد، الذي بلغت فيه وتيرة التسارع والتسابق حدّا لم يدع مجالا للوسائل المتوارثة عن زمن سابق أن تنافسه أو أن يكون لها دور يذكر في عملية التحوّل المستمرّة .

المكان لم يعد منفصلا عن الزمان.. تداخل المكان والزمان فأصبحا واحدا. هذه هي الفكرة المحورية في النص، فالمكان لا يفهم كوحدة منفصلة عمّا حوله، وهذا ما غاب عن ذهن (صاحب البغلة)، الذي تصورالعالم على مقاس تفكيره، واعتقد انه بما لديه من وسائل، وهي أقرب الى أن تكون بدائية أن يتخطى دائرة المكان.

حينها حدث ما لم يكن في حسبانه، حيث وجد نفسه وجها لوجه أمام واقع تجاوزه . وهنا شعر بالفزع فانسحب قبل أن تصاب وسيلة تنقله وحركته بالعطب التام. فكر أن يعاود الكرّة ثانية ، فلجأ الى ادخال تحسينات .. في الواقع هي تحسينات شكلية، فوسيلة تنقله بقيت كما هي وقد رمز اليها الكاتب ب (البغلة) و لم يحدث هناك أي تغير جوهري نوعي. بدأت المرحلة الثانية من مغامرته، التي انتهت به الى الحيرة مما دفعته أن يلجأ الى وسيلة تنقل اخرى، وهي ما رمز اليها الكاتب بالحصان هنا يلحظ القارئ ان تغييرا نوعيا قد حدث، حين استبدلت الوسيلة القديمة بوسيلة جديدة أكثر متانة وسرعة و لكنّ هذا التغير النوعي ما زال ضمن دائرة المكان الاولى خاضعا لشروطها ومنضبطا بروح تقاليدها المتوارثة . المرحلة الثالثة من مغامرة تخطي المكان، دفعت بصاحبها الى حالة من السخط، حيث انّ المستجدات في الحياة من حولة أشعرته بعدم جدوى وسائله، أثارت في داخله الشكوك ودفعته الى حالة هي أقرب الى الاغتراب الروحي، وهذا ما عبر عنه الكاتب في الجمل الآتية ...كان مرتبكا حدّ اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه، بعد أن قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل إلا في الظلام، أو بين المقابر...

لقد كانت صدمته كبيرة حين اكتشف انه لا يختلف عن الآخرين بشئ لكنه يشعر انه غريب عنهم .. هنالك جدار فاصل لا يمكن تخطيه، الآخرون وهم بشر مثله اندمجوا في مسيرة الحياة وراحوا يحثون الخطى بسرعة ناظرين الى الامام دون أن يعيروه اهتماما او يلتفتوا إليه . في هذه اللحظة شعر بعجز وسائله وحيله فقرر التوقف.

...كيف يواصل الطريق؟

ظلّ يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله

بماذا أختلف عن تلك المرأة،

أو ذلك الرجل الطويل .....

هنا تتجسد حالة الاغتراب الروحي بكل وضوح، لااختلاف ما بيني وبين الآخرين، لكننا رغم ذلك مختلفون. هذا الاحساس يحدث عادة نتيجة صدمة يتعرض لها الفرد في حياته كما يقول علماء النفس.

في ختام النص القصصي يتعرض الكاتب الى نقطة مهمة وهي: انّ الانسان لا يستطيع أن يدخل تغييرا جذريا في حياته إلا اذا استطاع ان يغيّر تفكيره، وبدون

ذلك تبقى كل الوسائل عاجزة عن تحقيق ذلك التغيير، وقد رمز الى هذا المعنى بشكل جميل وذكيّ في العبارات التالية:

قال: أول الطريق أن أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولمّا خطى مسرعا، أعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش...

فالرباط الملفوف على الرأس هو نمط التفكير، الذي لم يفارق رأس صاحبه، رغم ما مرّ به من أحداث في مغامرته لتخطي المكان .

 من خلال قراءتي لهذا النص القصصي استخلصت النتائج التالية: اولها انّ للمكان ملامح جعرافية واخرى لامرئية انطباعية تصورية، وثانيها انّ للمكان دلالة زمنية.. بمعنى ان سكان مكان معين يحملون في رؤوسهم قدرا من معارف فترة معينة ينعكس تأثيرها على المكان، الذي يتواجدون فيه، وثالثها انّ تغيير المكان والعيش في مكان آخر يستدعي تغييرا في نمط التفكير.

*** 

جميل الساعدي - شاعر وناقد

................... 

قرار ارتجالي / ماجد الغرباوي

عندما قرر اجتياز المكان، أعدّ بغلته جيدا، سمح لها بتناول ما تبقى من طعام.

خطى خطوته الاولى، فاجأه المكان .. طرقات مكتظة، مصابيح تتلألأ، عربات مسرعة، كاد ان يلحق بالأولى، عثرت بغلته، أوشكت أن تسقطه ارضا.

عاد ثانية الى داره، أسرف في زينتها، في تنوع غذائها، غامر من جديد، كاد ان يختطفه قطار المسافات الطويلة، استفزته الحيرة.

فقد صوابه

اتخذ قرارا مصيريا، استبدل بغلته بحصان، اختاره مطهما، ضمن لنفسه سرعة السير، سألحق بتلك العربة البيضاء، ما كاد يرمقها ببصره، حتى مرت ثانية سوداء.. توالت بالوانها واحجامها المذهلة تلك العربات الخبيثة،

كان مرتبكا حد اللعنة، يتلفت .. منظر لم يألفه، بعد ان قضى حياته داخل البيوت الرطبة، لا يتنقل الا في الظلام، او بين المقابر.

كيف يواصل الطريق؟

ظل يتمتم، يقارن نفسه بمن حوله

بماذا أختلف عن تلك المرأة،

او ذلك الرجل الطويل.

تفحص المارة، واحدا تلو الاخر، تسمّر في نهاية الطريق، كلهم متشابهون، مثلي تماما، لا أجد فرقا بيننا،

اذن لماذا اراوح في مكاني.

بدأ يراجع أفكاره، يتفحصها

اتخذ قرارا آخر

قال: أول الطريق ان أتخلى عن دابتي كي ألحق بركب الشارع الجديد، ولما خطى مسرعا، اعاده رباطها الملفوف على رأسه الى حيث كان يعيش

........؟؟؟؟؟؟

!!!!!!