بأقلامهم (حول منجزه)

قراءة صالح الطائي لمشروع ماجد الغرباوي في ميزان النقد (1)

كلما سُئلت عن أهم كتاب قرأته حتى الآن تكون إجابتي كتاب "الفقيه والعقل التراثي" للأستاذ "ماجد الغرباوي". ثمة أسباب كثيرة تقف وراء تلك الإجابة. أو بالأحرى، وراء الحضور الدائم للكتاب في الذاكرة كأنه يتحين الفرص المناسبة للبزوغ أو الطفو على سطحها، إنه كتاب ضد النسيان، وبعيداً عن التفصيلات الشخصية، يمكننا تقصي عدة أسباب موضوعية تجعل من "الفقيه والعقل التراثي" واحداً من أهم الكتب "الفكرية" في العقود الأخيرة.

في هذا الكتاب طرح المؤلف اتجاه الخلافة / الإنسان في مقابل اتجاه العبودية، كإطار لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. يقوم على مركزية الإنسان ومصالحه، ويساهم في تجديد منهج استنباط الأحكام الشرعية. وتقديم رؤية كونية وفق أفق جديد لمفهوم الإله. كما قدم الكتاب تعريفا جديدا للسنُة النبوية وحدود حجيتها وفق ضابطة قرآنية، ودور الواقع في تشريع الأحكام. كما طرح المؤلف ماجد الغرباوي اتجاه التأصيل العقلي بديلا عن الاتجاهات المتداولة، والتي فشلت في تحقيق نقلة نوعية لفهم الدين، ودور التشريع. وأيضا طرح ما أسماه "مقاصد الجعل الشرعي" لتحديد ملاكات الأحكام والتعرف على مدى فعلية الأحكام الشرعية من خلال "مرتكزات مبادئ الحكم". وهو طرح غير مسبوق نظّر له الكاتب عبر منظومة مفاهيم جديدة، وإعاد النظر بمفاهيم النسق العقدي المألوف، فكانت نتائج البحث انقلابا في فهم الدين ومقاصد التشريع، ونظرة جديدة للإنسان ودوره في الحياة، وأثر الواقع في تحديد فعلية الأحكام. وقد أسس ماجد الغرباوي في كتابه الفقيه والعقل التراثي لمجموعة مفاهيم استدعتها فلسفة الدين وفقا لرؤيته الفكرية.

هذا الكتاب هو التجلي الأمثل للطريقة التي يمكن للفقيه من خلالها مواجهة العقل التراثي المستبد، وهو في نفس الوقت تحليل فذ للعلاقة بين الفكر والسياسة. وكتاب "الفقيه والعقل التراثي" هو درس في الاستقلالية، استقلالية المفكر وانحيازه للمعرفي على حساب الإيديولوجي وممارسته للفاعلية النقدية بلا توفيق أو تلفيق، أو تطويع الفاعلية في خدمة أي اتجاه من اتجاهات الخطاب الديني، سواء كان رسمياً أو معارضاً، يمينياً أو يسارياً، سلفياً أو تجديدياً.

وأسوأ قراءة ممكنة لكتاب "الفقيه والعقل التراثي"، ولمنجز "ماجد الغرباوي" عموماً، هي قراءته بوصفه " مانفيتسو"، نوع من القراءة الأيديولوجية المباشرة بهدف توظيفها في السجال المحتدم مع الخصوم الفكريين.

قد تشجع طبيعة الكتاب السجالية مقترنة بكتب أخرى لماجد الغرباوي، مثل تلك القراءة في هذا المقال، لكن تحويل الكتاب إلى "مانفيستو"، أو بيان، أو إنجيل شخصي، عملية لم يسع إليها ماجد الغرباوي بكل تأكيد. فالغرباوي هو الساعي إلى تحقيق وعي تاريخي بالعقل التراثي وتقديم نوع من القراءة العلمية للتراث دون اختزال أو تلفيق. تحليل ونقد الخطابين التنويري والديني، ودراسة الدينية في ضوء مستجدات الواقع المعاصر.

إن ما يعزز قيمة وأهمية كتاب " الفقيه والعقل التراثي"، هي الدراسة التي نشرت في الأيام الماضية للدكتور صالح عب حسن الطائي، وذلك في كتابه: "الإلهي والبشري والدين والتراث قراءة نقدية في مشروع ماجد الغرباوي" والذي صدر عن مؤسسة المثقف العربي، في سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة، في دمشق – سوريا.

تأتي أهمية القراءة التي قدمها الدكتور صالح الطائي لكتاب الإلهي والبشري والدين والتراث في مشروع ماجد الغرباوي في سعيها إلى احتلال مكانة خاصة، تميزها عن القراءات الحديثة الأخرى في الفكر العربي المعاصر، وذلك عبر اختزالها الإشكالية المطروحة ذات الصلة بنقد العقل الإسلامي. فمحور المشروع الغرباوي يتبنى العقل الإسلامي وكيفية تشكله، وهو يخترق كل المتن الغرباوية، ولا ينحصر في واحد من مؤلفاته كما يرى صالح الطائي (مع حفظ الألقاب) بهدف نقده، أي نقد ذلك الفهم الديني الجامد للنصوص الدينية التي لا تزال تسيطر على الفكر الإسلامي، والتي عادت اليوم بقوة لتشغل حيزاً مهماً من النقاش الفكري في الساحة العربية.

و"صالح الطائي" باحث وكاتب في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، حيث نجد أن له في مجال تخصصه (57) كتاباً ورقياً مطبوعاً ومنشوراً، تولت طباعتها دور نشر عراقية وعربية، فضلا عن عدة كتب إلكترونية. ولديه مؤلفات مخطوطة.. اعتمدت بعض مؤلفاته مناهج مساعدة في الجامعات.. له اهتمامات أدبية ونقدية، وأصدر في المحور الأدبي عدة مؤلفات منها مجموعة شعرية.. له اهتمام في المناهج التربوية، وصدر له في هذا المجال كتاب إليك فقط just for you موجه إلى الشباب من الجنسين.. اشترك في العديد من المؤتمرات العلمية والتخصصية والفكرية والدينية داخل العراق وخارجه. ونشرت بحوثه ومقالاته في المجلات المحكمة والمجلات التخصصية والمجلات والصحف الورقية والمواقع الإلكترونية داخل العراق وخارجه. وله آلاف المقالات الدينية والتربوية والسياسية المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية والمواقع الإلكترونية.. كتبت عن تجربته البحثية والأدبية عدة دراسات تخصصية، منها: البحث الموسوم “صالح الطائي وآثاره في الفكر الإسلامي” مشروع تخرج الباحث سجاد ماجد، وإشراف الدكتور فوزي خيري التدريسي في كلية الإمام الكاظم الجامعة/ أقسام واسط، ونشر بتاريخ 1 نيسان/ 2018 في الجزء الثاني من العدد التاسع والعشرين من مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية المحكمة، التي تصدرها كلية الآداب في جامعة واسط. والبحث الموسوم “دراسة سوسيولوجية في مجموعة نوبات شعرية للدكتور صالح الطائي” للدكتور رسول بلاوي التدريسي في جامعة خليج فارس/ بوشهر/ إيران، ونشرت الدراسة في مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية ـ العدد الثاني والثلاثون / الجزء الأول ـ 28 تشرين الثاني 2018. ورسالة ماجستير للطالب جمال غافلي مقدمة لجامعة إيلام في إيران، ورسالة ماجستير للطالبة مينا غانمي مقدمة إلى جامعة خليج فارس في الأهواز ـ إيران.. حاز الكثير من الجوائز الدولية، وكرم من قبل جامعات ومؤسسات ووزارات وهيئات داخل العراق وخارجه.. ترجمت الكثير من دراساته ومقالاته إلى اللغات الأخرى مثل اللغة الإنجليزية، والفرنسية، والصينية، والفارسية.. ناشط في تحليل وحل النزاعات، واشترك في المؤتمر الذي نظمه معهد السلام الدولي الأمريكي في إسطنبول.

و"صالح الطائي" من الباحثين الإسلاميين الذين انطلقوا، من الإسلام؛ وخصوصاً المذهب الشيعي في رؤيته الكونية، وتفسيره للتاريخ والظواهر الاجتماعية. يدعو للوحدة والتسامح الشكلي، يدافع عن العقائد الشيعية كالعصمة والامامة والمهدي. ينتقد مواقف وسلوك الخط المعادي لأهل البيت، وكل من سلبهم حقهم في الخلافة..  تعرض للسجن في زمن صدام حسين بسبب تدينه كما تقرأ في أرشيفه. وتم اختطافه من قبل المليشيات المسلحة.. لا أدري إذا أي مليشيات في توجهها، هل سنية أم شيعية. ونجى من الموت بأعجوبة. وعيه جيد جداً.. توجد مقالات كثيرة في ارشيفه بإمكان معرفة توجهه الفكري.

94 salehaltaie600

ويعد كتاب (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي) لمؤلفه: "صالح الطائي" من أهم وأشهر الكتب المعاصرة في مجال نقد نقد العقل المستنير من وجهة نظر باحث  معروف بانتمائه الإسلامي، وذلك لأهمية موضوع الكتاب وجدته من جهة، وسعة اطلاع باحثه على الفكر والعلوم الإنسانية والقضايا المعاصرة من جهة أخري.

يقع الكتاب في 254 صفحة، حجم كبير، بغلاف جميل معبّر من تصميم دار أمل، وقد اشتمل على مقدمة وهي ست مباحث، هي: محاولة فتح الأبواب، جزئيات مشروع الغرباوي الإصلاحي، صفحات مشروع ساخن، التعميم والوعي التراث، مراجعة ثوابت الدين، خواتيم الكلام.

يلخص "صالح الطائي" مشروعه في هذا الكتاب، قائلا: نقف اليوم أمام شخص رسم لنفسه منهجاً نقدياً إصلاحياً، تبنى فيه نقد الفكر الديني تحت شعار الإصلاح الجريء؛ بعد أن درس الدين وأصوله وفروعه ومناهجه على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وكوَّن رؤية أصيلة عما يريد التحدث عنه، إنه الباحث والمفكر العراقي المقيم في أستراليا الأستاذ ماجد الغرباوي، الذي سنتولى نقد تجربته بعلمية وحياد.

والمؤلف لم ير ضيراً في ذلك طالما أن العالم بدأ يتقبل النقد بفعل التغيرات التي طرأت على الحياة، بما فيها العقائد والسلوكيات، فالمجتمعات كما يرى الطائي لم تعد كما كانت عليه من قبل، وقد انفتح الإنسان المعاصر على واقع جديد فيه الكثير من الغرابة، فلغاية عشرين عاماً قبل هذا التاريخ كان المجتمع العراقي على سبيل المثال ينبذ الشاذ جنسياً ويحتقره، والشاذ نفسه كان يغطي على سوء فعله، ولا يظهره للعلن أو يتفاخر به، أما المجتمع فكان يستقذر هذا العمل ويعده منقصة في السلوك والتهذيب والأخلاق.

ثم يؤكد "صالح الطائي" بأن وصول التبدل إلى هذه المرحلة، يعنى أن على الجميع الإصغاء للجميع، وعدم الاستهانة بأي طرح يدخل في باب النقد، سواء كان تحت مسمى الإصلاح أو تحت أي مسمي آخر، فالمهم أن لا تكون هناك قطيعة حتى مع وجود التقاطع بالأفكار، ولا أظن أننا سنتقاطع في الأفكار، فما طرحه ماجد الغرباوي من أفكار جاء منسجماً مع منهجه ومتبنياته الفكرية، التي أشار لها في أكثر من موضع، لكنه تحدث عن منهجه في كتاب الفقيه والعقل التراثي كثيراً، لا سيما موضوع التأصيل العقلي أو المنهج في تصحيح الروايات وتبني الفهم بدلا من التفسير في فهم النص الديني، وتوظيف الفلسفة ومعطيات العلوم الإنسانية الحديثة كالتفكيك، والإركيولوجيا، والأنثربولوجيا، وعلم النفس، والهرمنيوطيقا.

وفائدة هذه الملاحظة كما يري صالح الطائي هي لمعرفة أسباب اختلاف وجهات نظرينا حول المسألة الواحدة، رغم انتماء كلينا. هو وأنا. للفكر الإسلامي أو الديني العقلاني، فإن مناهج العلوم الدينية المتعارف لم تعد تشبع فضولنا المعرفي، للبحث عن الحقيقة وتقديم فهم جديد للدين، لا يصادر العقل ويساعد على تعزيز قيم الفضيلة.. لكن الاختلاف في المنهج يفضي إلى اختلاف الآراء والاختلاف لا يعني التهور أو التعميم غير المحسوب وهدم القداسة، أو الاعراض عن الدين. لكن طبيعة هذه العلوم منفتحة لا تقف عند أفق محدد، ولذا تثير بعض الحساسيات لدى التقليديين عادة. ونأمل كلينا، أنا لكوني باحث في الفكر الإسلامي، ولي أكثر من خمسن كتاباً في هذا التخصص، والأستاذ ماجد الغرباوي الذي يمتلك الأدوات اللازمة للبحث العلمي والتأمل الفلسفي بحكم دراسته، ومارسته الطويلة في هذا الاختصاص.

وبعد أن فرغ "صالح الطائي" من مقدمته للكتاب نراه في بداية الفصل المبحث الأول والذي عنوانه " محاولة فتح الأبواب، يعلن عن موقفه النقدي من مشروع ماجد الغرباوي فيقول: كنت قد عرفت الأستاذ ماجد الغرباوي منذ أقل من عقدين من الزمان، ولطالما تابعت طروحاته وآرائه ورؤاه التي تناول من خلالها نقد الفكر الديني، لأن موضوع الفكر الديني ونقده يشغلني بالذات، وهو من أكبر اهتماماتي البحثية، أمارسه من خلال مؤلفاتي، فاتفقت مع بعض ما تحدث عنه، وسكت عن بعضه، واعترضت بشدة على بعضه، وتغافلت عن بعضه، وكل ذلك لم يخدش علاقتي الأخوية به، وقد حاولت الكتابة عن هذا الموضوع، وهذا الاتجاه في البحث والأسلوب في العمل أكثر من مرة، وفي كل مرة كان هناك عارض طارئ يعرقل مشروعي، لكن لما تجمعت لدي أغلب مؤلفات الغرباوي، فضلاً عن مسلسل الحوار الطويل المفتوح معه على صحيفة المثقف، وجدت الفرصة سانحة لأمارس (نقد النقد) على ما بين يدي من عصارة فكره وأصول منهجه، طالما أنه منهج مثير للاهتمام والجدل.

ثم يؤكد "صالح الطائي" أن منهج نقد النقد الذي سيتبعه في تقييم مشروع ماجد الغرباوي يعتمد على مراجعة بعدية، وتحول معرفي لمفهوم قديم جعل من النقد نفسه موضوعاً للتفكير والتحليل، والتفكير، والمراجعة، أي جعله موضوعاً للنقد هو الآخر النقد. وهو يتقاطع في مباحثه مع جملة من السياقات المتصلة بالبحث في ميدان الإبداع بصورة عامة، مثل النظرية والتنظير النقدي. هدفه مراجعة القول النقدي ذاته، وفحصه...

وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط