بأقلامهم (حول منجزه)

بانوراما تحاور الباحث ماجد الغرباوي رئيس تحرير المثقف

الغرباوي- نحتاج الى ثقافة نقدية صادمة تهز المتراكم في اللاوعي، وتستفز دائرة المقدسات، من اجل استنشاق مفاهيم جديدة تساهم في تطوير الفرد والمجتمع.

- يبقى الاعلام مسؤولية، وعلى من يتصدى لهذه المهنة ان يعي دوره، وخطورة ما يقوم به، على مستقبل الثقافة.

- ماجد الغرباوي: كاتب وباحث عراقي / استراليا، رئيس مؤسسة المثقف العربي، ورئيس تحرير صحيفة المثقف، له 17 عملا مطبوعا، اضافة الى عدد كبير من المقالات والدراسات المنشورة في الدوريات الفكرية والثقافية والمواقع الالكترونية.

التقته بانوراما على هامش الزيارة التي قام بها الاستاذ الغرباوي لمكتب الصحيفة في سيدني، وكان هذا الحوار الذي اجرته معه الاستاذة الاديبة وداد فرحان رئيسة التحرير:

س1: بانوراما: الشرق الأوسط، والعالم العربي يموج بأشكال من التحركات... ثورات شبابية، تمرد، ما الذي يجري؟ هل هذا كله خطوات على طريق التجديد أم خطوات على طريق التغيير، الذي يحتمل التغيير نحو الأحسن أو الارتداد نحو الأسوأ، وما تأثير هذين التغييرين على عالمنا اليوم؟

ج1: ماجد الغرباوي: ما يجري في العالم العربي بشكل خاص والشرق الاوسط بشكل عام، تراكمات انفجرت على شكل مظاهرات واحتجاجات اجتاحت مواقع السلطة في تونس ومصر، وما زالت تزحف لتقض مضاجع حكومات اخرى. لقد سئم المواطن العربي الاستبداد، والدكتاتورية، والانظمة الشمولية. ومل من القهر والتعسف والحرمان والبطالة، ومصادرة الحقوق والحريات ... يريد ان ينعتق، يستنشق الحرية، يتحرر، فغامر بحياته ومستقبله، لكنه ربح الجولة، لا اقل في تونس ومصر، وربما يحقق نجاحات في دول اخرى. كان اصرار الشباب العربي مذهلا، اطاح بعروش محصنة، وبعث الحياة في شعوب المنطقة كلها، وباتت الحكومات تحسب لشعوبها حسابات اخرى.

اما عن اتجاه هذه الحركة الشعبية، هل هي من اجل التجديد ام التغير؟ فواضح ان الجماهير كانت تنادي بالتغيير، وتطمح ان يكون التغيير نحو الاحسن، من خلال اعتماد نظام حكم جديد، يستوعب الساحة السياسية في بلدانهم بكل تناقضاتها، بعيدا عن التهميش والاقصاء، نظام حكم يتمتع فيه الفرد بحرياته، ويؤكد ذاته، وتكون له مشاركة حقيقية، ويشعر بقيمته، ودوره. لقد رفضت الشعوب كل الحكومات الدكتاتورية والشمولية وتنتظر تجارب ديمقراطية تحقق ما تصبو له من مساواة وعدالة وتداول سلمي للسلطة.

اما عن السؤال: هل التغيير نحو الاحسن او الاسوء؟ فهذا يعتمد عما تتمخض عنه التحركات السياسية في البلد، فاذا تحققت اهداف المنتفضين بوجه السلطات الجاثمة على صدورهم، فهو تغيير نحو الاحسن، واذا سرقت الثورة، وعادت الى زبانية النظام باسلوب اخر، فهي انتكاسة، وتراجع.

اما ما هي تأثيرات هذه الحركات، كما جاء في السؤال اعلاه؟ فتأثيراتها كبيرة وواسعة، امتدت الى عمق الساحة العربية عموما، ويكفي مطالعة الاخبار اليومية لتحصي عدد المظاهرات في الدول العربية، وحجم المصادمات بين قوى الشعب وقوى الامن. ولا شك ستشهد الساحة العربية متغيرات كثيرة مستقبلا بفعل ما حصل مؤخرا في تونس ومصر. وحتى العراق البلد الديمقراطي، تحرك الشعب مطالبا بحقوقه، داعيا الى تحسين الحالة المعاشية والخدمات، والمطالبة بمحاسبة المفسدين، وردم الهوة الساحقة بين المسؤولين وغيرهم من ابناء الشعب، ويمكن ان نسمي هذا تجديدا لا تغيرا، كما جاء في السؤال.

س2: بانوراما: في كتابك "تحديات العنف" دعوت الى إكتشاف البنية المعرفية لممارسة العنف من قبل المتطرفين الاسلاميين، والخطاب الديني التكفيري. ونحن نرى مجتمعنا العراقي والعربي والشرقي عموما يشهد عنف وتطرف ديني ومذهبي واضح.. كيف ترى واقع ومستقبل هذه الحركات التكفيرية والممارسات الإرهابية الصادرة عنها؟

ج2: ماجد الغرباوي: مستقبل الحركات التكفيرية يتوقف على مدى وعي الفرد المسلم، وقدرته على تشخيص الواقع. فالفهم التكفيري مرده الى قراءات خاطئة للدين، والنصوص الدينية. وهي قراءات مشحونة بالتأليب ضد الاخر المختلف، وتدعو الى نبذه واستبعاده، والتخلص منه. وهذا النمط من القراءات يتنافى مع سماحة الدين، ومفاهيم الحب والاخاء التي تزخر بها الايات والنصوص الدينية المختلفة.

من هنا نحن ندعو دائما الى تقديم قراءة اخرى للنص الديني، قراءة تأخذ بنظر الاعتبار السياقات التاريخية، واسباب النزول، ومعرفة شروط فعلية النص، والقيود المشخّصة لموضوعه، باعتبار ان فعلية كل حكم يتوقف على فعلية موضوعه، واذا ثبت عدم فعلية الموضوع لاي سبب كان، لا يكون الحكم فعليا، وبهذا المنهج يمكننا فهم ايات الجهاد والقتال، بل وتحيدها، وعدم الاحتكام لها راهنا. وتعطيل مرجعيتها لفهم الواقع كما تفعل الحركات التكفيرية، التي راحت تستند لتلك الايات للحكم على كل من يخالفهم الرأي، عقيديا او مذهبيا، فاستباحوا دماء الناس الابرياء، واباحوا قتلهم، ومصادرة اموالهم. وللاسف كل ذلك يجري باسم الدين، وباسم شريعة سيد المرسلين. وسببه كما تقدم، المنهجية الخاطئة في قراءة النصوص الدينية، والابقاء على اطلاقاتها، وعدم لحاظ المتغيرات الزمكانية والسياقات التاريخية. بينما موضوع تلك الايات، اعني ايات الجهاد والقتال قضايا خارجية محددة، وهم من ناصبوا العداء للرسالة السماوية، واستخدموا القوة والسيف ضدها، فشرعت ايات الجهاد للدفاع عن النفس. ولما انطفأت تلك القوى وانتصر الاسلام بعد انتشاره في ربوع العالم، فليس هناك ما يبرر لاستخدام القوى والعنف ضد الاخر، سيما اذا كان الاخر داخلية، فيكون الخلاف معه اجتهاديا، ليس اكثر. غير ان الارهابيين والتكفيريين، ضربوا كل المبادئ والقيم، وتجاوزوا كل الخطوط الحمراء، سيما قتل النفس المحترمة، التي ردعت الايات الكريمة عن قتلها لبراءتها، واعتبرت قلتها قتلا للناس جميعا، (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً).

مستقبل هذه الحركات، هو الاهمال، والمحاصرة من قبل جميع الشعوب، بعد اكتشاف حقيقتهم. والملاحظ تراجع تلك الحركات وانحسارها، بعد الاعمال الاجرامية التي ارتكبتها في كثير من البلدان، سيما العراق وافغانستان، والدول الاوربية.

يبقى الرهان على وعي الامة، وادراكها لواقع تلك الحركات، وفهم خلفيتها الثقافية والعقيدية.

س3: باوراما: إذا رجعنا ثلاثين سنة الى الوراء كان المشهد مختلفا، كيف "تطورت" الأمور لتصل الى حد يأتي شاب صغير يفجر نفسه بأمر أو بإيحاء من افكار جبال تورابورا؟

ج3: ماجد الغرباوي: يتعرض شبابنا الى غسيل دماغ من قبل بعض رجال الدين، فيندفع شباب بعمر الورود ليفجر نفسه وسط الناس الابرياء، وهو يعتقد جازما، انه على حق، وان عمله سيقربه الى الله زلفى.

المشكلة الاساس ان غالبية الناس تتخلى عن عقولها حينما تصغي لخطيب ديني، والسبب:

قدسية رجل الدين في المجتمعات الشرقية بشكل خاص، وقدسية الخطاب الديني، لانه ينتسب الى الخالق سبحانه.

مصادر الخطاب الديني اما الغيب او التاريخ، والاول قوامه التسليم والايمان، ولا يمكن للعقل البت في كثير من القضايا الغيبية. واما التاريخ، فيحتاج الى منهج مقارن، لادراك حقائه، والغالبية المطلقة من الناس ذات ثقافة متواضع، فتصغي لرجل الدين بتسليم مطلق.

مساحة اشتغال الخطيب الديني هي المشاعر، ومخاطبة الاحاسيس، فتلهب مشاعر الشباب، وتتأجج احاسيسهم، عندما يستعرض الخطيب مستقبل الانسان في اخر وعلاقته بالدنيا.

يقدم الخطيب الديني صورة مجحفه عن الخالق فيصفه باشد اوصاف التكبر والكبرياء والجبروت، وانه رب غير متسامح لايعرف الرحمه، ولا الرأفة، وادواته النار والعذاب، وينتظر مجيئ الانسان ليعذبه، وهي صورة بعيدة عن الحقيقة، تخالف الصورة القرآنية التي تصف الخالق بالرحمن الرحيم، الغفور، الودود.. ثم يجعل المستمع ييأس من كل عمل يقوم به، مهما كانت قيمته الدينية والاجتماعية، لكن يفتح له نافذة واحده تنجيه من عذاب يوم القيامه، وهي الشهادة في سبيل الله، حيث يدخل الشهيد الجنة بغير حساب، اما موضوع الشهادة، فيتحكم في تحديده رجل الدين، وبهذه الطريقه يندفع الشاب لتفجير نفسه، دون التفكير بحيثيات الحكم الشرعي وموضوعه، مستلما لارادة رجال دين، دفعتهم اطماعهم السياسية لتوظيف الدين لخدمة اهدافهم ومصالحهم.

ثم حالة الياس المستبدة بشبابنا بسبب الاوضاع الاقتصادية والسياسية، يعد عاملا اخر يساهم في تورط الشباب، واستلامهم. فالشاب اليائس من الحياة يتمنى الموت، ويمني نفسه بحياة اخرى تعوضه عما فقده في هذه الحياة، فيعتقد ان الشهادة ستعوضه كل ما فقده في هذه الحياة. لهذا يندفع بلا تفكير ارتكاز على هذه المقدمات، التي لا يمكن قبولها بهذا الطلاق.

س4: بانوراما: في كتابك " التسامح ومنابع اللاتسامح، فرص التعايش بين الاديان والثقافات" طرحت مفهوما في غاية الاهمية وهو الاعتراف بالاخر، ولكنك قلت أيضا " لو ترُك الاسلام حرا مع الأقوام والمجتمعات العربية لتمكن بجدارة من تحقيق أهدافه دون اللجوء للقوة". ترى لماذا تراجع الإسلام المتسامح عن أهمية قبول الآخر في الحياة كضرورة ؟

ج4: ماجد الغرباوي: الاسلام لم يتراجع عن التسامح، وانما تراجع المسلمون عن قيم الاسلام. ففي نفس هذا الكتاب اكدنا بالدليل ان لا عقوبة دنيوية على المرتد، وهو الذي يترك دينه ويتجه الى دين اخر، واثبتنا بالدليل القرآني ان العقوبة اخروية، وان عقوبة القتل بالنسبة للمرتد، والتي يتشبث بها رجال الدين لا دليل عليها. وانما هناك روايات لا تصمد امام المنهج النقدي. ثم لنا في كثير من النصوص القرآنية، وغيرها ما يدل على مركزية التسامح في الاسلام، كما في قول الامام علي في وصفه علاقة الانسان باخيه: الناس صنفان، اما اخ لك في الدين، او نظير لك في الخلق. وفي نهاية كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الاديان والثقافات، عقدنا بابا للايات التي تدعو للتسامح، وتشكل منظومة القيم الدينية نحو الاخر المختلف، وقد عنونا الباب: آيات غيبها النسخ، ادرجنا فيه 61 اية من الكتاب الكريم كنموذج على ذلك. اذن الاسلام لم يتراجع عن التسامح. وانما تآمر بعض المسلمين عليه.

المسلمون تراجعوا عن التسامح، بعد ان اصبحوا فرقا ومذاهب، فصار كل مذهب او فرقة تدعي انها على حق وغيرها على باطل. وصار الجميع يتشبث بحديث الفرقة الناجية، (وهو حديث تتشبث به جميع الديانات، مع اختلاف العدد). والغريب ان المسألة لم تنته بنبذ الاخر المختلف، وانما السماح باستباحة دمه، بعد تكفيره، وهذه نقطة الخطر في حديث الفرقه الناجية، الذي يقول: (تفترق امة 73 فرقة، واحدة هي الناجية ..)، وهو حديث اثبتنا بالادلة عدم صحته في كتابي التسامح، وايضا كتاب تحديات العنف.

س5: بانوراما: الثقافة، كلمة أو مصطلح أصبح له معانٍ كثيرة ويستعمل بصورة شاملة. أين الثقافة ودور المثقف من الذي نراه اليوم على السطح، سيما وانت طرحت في كتابك " الضد النوعي للإستبداد" فكرة الانساق الثقافية والفكرية ودور المثقف في المجتمع؟

ج5: ماجد الغرباوي: محنة المثقف في نفسه ومحيطه، فالمثقف ما زال شخصا نرجسيا، يعيش في عالمه الخاص، وينظّر للواقع من عليائه، فتجد خطابه لوحه متشائمة، تحريضية، ناقمة. المثقف عندنا يؤمن بالنقد والمراجعة، لكنه يأبى ذلك لنفسه، وتنثار حفيظته لادنى نقد، مهما كان موضوعيا. يؤمن بالتغيير لكنه غير مستعد لمعالجة الواقع بنفسه، ويفترض لنفسه مقاما اعلى، من هنا كانت الفجوة عميقة بينه وبين المجتمع. كم يكتب ويتحدث المثقف عن الاستبداد ومظلومية الشعوب لكنه غير مستعد للتوقيع على بيان تضامن مع تلك الشعوب المضهدة.

اما محنته مع محيطه، فان مجتمعاتنا للاسف الشديد لا تفهم دور المثقف، وهو بالنسبة لها شخص متهم بالكسل، والثرثرة، والنفاق، من هنا لم يعد للمثقف دور حقيقي. وهذا لا يعني ان تلك التهم بلا رصيد، وانما مواقف المثقفين سيما من الدكتاتوريات والحكام الطغاة مواقف عكست صورة سلبية عن المثقف. للاسف دائما كان المثقف الى جانب السلطان، يصفق له، يؤيده، يؤلبه، يبرر اخطاءه، يتستر على جرائمه، يدعم سلطته.

دخل المثقفون المبدئيون السجون، عذبوا، قتلوا، ارتقوا المشانق، لكن الشعب لم يثأر لهم، ولم يكتثرت لما حل بهم، والسبب لان نظرة المجتمع للمثقف نظرة سلبية اساسا، ساهم المثقف نفسه فيها.

الان ونحن امام واقع جديد، اقصد في بلدي العراق، كان يفترض ان يكون للمثقف دور فاعل في ترشيد الوعي، سيما وان الشعب بحاجه ماسه له، غير ان فراغ الساحة جعل الشعب يرتمي في احضان رجال الدين، والسياسين، حتى حلت بهم كارثة الفساد، وتضخم الطبقة الحاكمة، وسرقة ثروات الشعب. ولو ان المثقف مارس دوره في اثارة الوعي، والوقوف مع الشعب في ميادين الحياة، لكن الوضع شكلا اخر.

ليس هنا تجني على احد، انظري الى عدد المثقفين العراقين في الخارج، كم مثقف عاد الى وطنه ومارس دوره؟؟ وحتى من عاد، لم يمارس دوره، وانما ظل سجين وظيفته وتملقه لمسؤوله من اجل الحفاظ على منصبه.

اريد ان اخلص الى نتيجه، يجب على المثقف ان يعيد النظر بنفسه، ومكانته، ودوره، وان يتخلى عن النظرة السوداوية، ويتخلى عن دور المعارضه، لينخرط بالحياة العامه، ويمارس دوره في ترشيد الوعي، وانتشال الشعب من ايدي السياسي والديني. واول الخطوات ان تكون كتاباته وابداعاته في شتى المجالات من صميم الواقع، وليس من عليائه، وبرجه العاجي. يجب ان يفهم ان لكل مرحله ظروفها، وآلياتها، وان الديمقراطية التي نتشدق بها لها ادوات، يجب ان نؤمن بها، ولا نتمرد عليها. للاسف ما زال كثير من المثقفين، كما السياسيين، مسكون بالمعارضة، والثورية، بينما في مرحلة الديمقراطية تكون للمثقف وظيفه اخرى، مختلفه تماما.

اما عن ثقافة المجتمع كما جاء في السؤال، فما زالت ثقافتنا، وستبقى لسنوات طويلة، ثقافة طقوسية، مرهونة لارادة رجل الدين والسياسي، ثقافة غير متحرره، من قيودها، ثقافة تحكمها سلسلة مقدسات، تعيق تفكير الانسان، وتشل وعيه واردته.

نحن بحاجه الى ثقافة نقدية، ثقافة تتجاوز الخطوط الحمراء، بعلم ومعرفه واحترام، وتتوغل عميقا في قلب المقولات والثوابت التي تحدد مسار تفكير الانسان. نحتاج الى ثقافة نقدية صادمة تهز المتراكم في اللاوعي، وتستفز دائرة المقدسات، من اجل استنشاق مفاهيم جديدة تساهم في تطوير الفرد والمجتمع.

س6: بانوراما: في الماضي غير البعيد كان هناك مصطلح "أدباء أو شعراء المهجر" كيف حال المصطلح الآن بعد ان كاد يكون أدباء الداخل هم أدباء المهجر، وبعد ان ملأنا القارات بالملايين ومازالوا يتدفقون وبينهم نسبة كبيرة جدا من العلماء والأدباء و..المثقفين؟

ج6: ماجد الغرباوي: دلالات المصطلح سابقا تعني لونا خاصا من الادب، ونمطا محددا من الادباء، وهم مجموع الشعراء الذي يعيشون بعيدا عن بيئتهم الثقافية والادبية، ويستلهمون ابداعاتهم من محيطهم الجديد وغربتهم. وهذا النمط من الادباء سابقا يتصف بعدم الثراء اللغوي (كما يقول النقاد) بسبب الانقطاع عن البيئة الثقافية العربية، وبسب حاجز اللغة مع المحيط الجديد. بل حتى مع اتقان اللغة، لان لكل بيئة طبيعتها وثقافتها المؤثر في الشاعر والاديب.

اما في ظل وسائل الاتصال الحديث، التي صيرت العالم قرية صغيرة، فقد فقد المصطلح دلالاته السابقة، ولم يبق منه الا الاستيطان في بيئة اخرى. لكن ثقافيا ومعرفيا، لم يعد هناك انقطاع، بل ان التواصل كاملا، من خلال القنوات الفضائية، وشبكة الانترنيت، والمواقع الالكترونية، التي تستعرض كل جديد بشكل مذهل، وسرعة التنقل بين بلدان العالم.

ودليلي ان افضل ما نقرأ من الشعر هو لشعراء المنافي، بلغة رصينة، وبلاغة عالية، وصور شعرية متالقة، وبات قراء شعراء المهجر اكثر من قراء شعراء بلداننا العربية، سيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار هامش الحرية الذي يتمتع به شاعر المهجر، وقدرته على رسم صورة ادبية بعيدا عن كل التحديات التي تواجه شاعر الداخل.

س7: بانوراما: هل ثمة جدوى من كل هذا الذي نفعله عبر المحيطات في صحفنا المحلية ومواقعنا الالكترونية ومحطاتنا الفضائية؟ هل القراءة تغير ما نراه؟

ج7: ماجد الغرباوي: ما نفعله مهم جدا، وسيتحدث التاريخ عن ذلك، اما بالنسبة الى دول المهجر، فما نقوم به هو رفد للثقافة العربية، والحفاظ على قيمها وتقاليدها، وشد المواطن العربي بثقافته وتاريخه وبلده. كما اننا حلقة وصل بين القراء العرب اينما كانوا، ومن خلال صحفنا ومواقعنا استعاد الكثير علاقتهم باصدقائهم وابناء جلدتهم. كما ان لاعلامنا العربي في المهجر دور اخر، وهو توفير المعلومة للقارئ العربي، كي لا يعيش بلا هوية، او بلا تاريخ، وهذه قضية نفسيه وثقافية، قد لا نشعر بها، لكنها مؤثرة.

واما على مستوى الخارج، فما نقوم به له دور كبير في تعريف القارئ العربي في بلاده بما يدور من حوله. تعلمون ان المواطن العربي يعيش تعتيما اعلاميا، بسبب سيطرة مجموعة من الحكام المستبدين، الذين يخشون الثقافة والمعرفة، ويهمهم ولاء المواطن، حتى لو كان ذلك على حساب مستقبله، ولكي يبقى المواطن على نلائه، فليبقى اميا جاهلا، فقيرا محتاجا.

ما حصل من ثورات شعبيه، كان حصيلة عمل دؤوب لمواطنين عرب يعيشون خارج بلدانهم، لكنهم استغلوا وسائل الاتصال الحديث لبث الوعي، وايصال المعومات، مما شجع ابناء الداخل على التواصل معهم، فكانت ثورات شعبية حققت الكثير على طريق الحرية، ونأمل ان تحصد الشعوب ثمرة تضحياتها.

س8: بانوراما:  أستاذي العزيز أريد تفاصيل أكثر...لماذا ضاقت بنا الدنيا؟

ج8: ماجد الغرباوي: انما تضيق الدنيا الاستاذة وداد العزيزة عندما يعم الظلم، والاستبداد، وبلداننا من اغنى دول العالم من حيث الثروات، لكن شعوبنا تعيش الفقر والعوز، والظلم، والقهر... قارني بيينا في استراليا وبينا اهلنا في العراق:

اي البلدين اثرى؟ العراق بحر من الخيرات...

اي الشعبين أسعد؟؟؟ الشعب الاسترالي، حتى اظهرت بعض استطلاعات الرأي العالمية، ان الشعب الاسترالي اسعد شعوب العالم.

لماذا؟؟ من حقنا ان نسأل دائما لماذا؟

اولا: ان جميع افراد الشعب مكفول اجتماعيا وصحيا، والعاطل عن العمل يتقاضى راتبا يسد حاجته ولو كفافا، الى حين يحصل على فرصة عمل.

ثانيا: نظام ديمقراطي، ليبرالي، وانت تفهمين ما اقصد عملا، لا مفهوما، يعني: تداول سلمي للسلطة، حرية مطلقة، لا حدود لها سوى حرية الاخر، واحترام القانون.

ثالثا: تسامح حقيقي، على مستوى الدين والثقافة، حتى نقل ان في منطقة اوربن في سيدني فقط، توجد 40 لغة!!! يعني 40 دينا، و40 ثقافة، لكن لا احد يكفر الاخر، ولا احد يتأثر بالاخر، بينما تجد شعوبنا احدهم يكفر الاخر، ويستبيح دمه، لذا حلت كوارث بالشعب العراقي لم تحل بشعب اخر، لان المجرمين القتلة التكفيرين اسبتاحوا دماءهم، فراحوا بمساعدة اعوان النظام السابق يقتلون الناس بالجملة.

رابعا: مستوى الخدمات، تحلم به دولنا العربية كلها، مع ان استراليا ليست نموذجا في ذلك، غير ان اصرار الحكومة، على مواصلة العمل لتطوير البلد، له مصداقية عالية. بينما تجد العراق مثلا منذ 8 سنوات، وما زال يعاني من ابسط الخدمات، واهمها وهي الماء والكهرباء، ولم تستطع الحكومة توفير الحد الادنى حتى انتفض الشعب بوجهها.

خامسا: الشفافية التي تحكم الاوساط السياسية والثقافية، فلا يمكن لاي حزب ان يطرح شعارات غير قابلة للتطبيق، وعندما يطرح شعارا يعلم ان الشعب سينتخب لاجل هذا الشعار ويحاسب عليه مستقبلا، فمالم يكن قادرا على تطبيقه عملا، لا يتبناه، بينما تجد السياسي عندنا يضحك على الشعب.. لو تذكرين البرامج التي طرحتها الاحزاب السياسية في ابان الانتخابات، وتتذكرين كيف كانوا يسطرون الوعود، حتى ان احدهم قال انه مستعد لتوفير الكهرباء لجميع انحاء العراق خلال سنتين!!!

الشعب هنا يحاسب الاحزاب السياسية والمسؤولين، وليست هناك مجاملة، هفوة بسيطة لرئيس الورزاء (كفين راد) وهو شاب في مقتبل العمر، وحصل على نسبة عالية من الاصوات الا ان حزبه عزله فورا، حتى انه لم يعلم بالعزل مباشرة. بينما المسؤول عندنا يقاتل من اجل البقاء، مهما كان حجم الاخطاء التي يرتكبها، لانه لا يحترم نفسه ولا يحترم شعبه، بل يخاف الشعب. غير ان الانتفاضة الاخيرة سوف تجعلهم يعيدون النظر بكل شي، ويحسبون للشعب حساب اخر.

س9: بانوراما: أنت صاحب صحيفة "المثقف" الالكترونية، هل تعتقد أولا ان الصحف الالكترونية أخذت تهدد الصحافة الورقية؟

ج9: ماجد الغرباوي: الصحف الالكترونية اثرت كثيرا، لذا لا تجد صحيفة ورقية الا والى جانبها صفحة الكترونية. لانها اسرع انتشارا، الا ما ندر.

اما ان الصحف الالكترونية تهدد الصحف الورقية؟ انا لا اعتقد ذلك، رغم انها حجمت الصحف الورقية، لسبب بسيط، ان درجة التوثيق في الصحف الورقية كاملا، بينما لا يمكن توثيق الصحف الالكترونية، ومهما كانت الاجراءات الاحترازية، هناك برامج تفتح الصفحة، ويمكن التلاعب بها، الا بالتصوير، وهي عملية صعبة. وهذا الشيء لا يحصل في الصحافة الورقية، وما ينشر بها يبقى ثابة ما بقى الورق

س10: بانوراما: هناك اتهام قائم للصحف الالكترونية بكونها ساهمت في إشاعة نمط الثقافة الاستهلاكية والسطحية، وتسويق الاسماء الهابطة التي وجدت في مجانية النشر في مواقعكم طريق سهل للبروز والانتشار؟

ج10: ماجد الغرباوي: هذا الكلام لا يخلو من الصحة، لكن يبقى لكل صحيفة ضوابها بالنشر، كما ان لمهنية القائمين على الصفحة اثر كبير على مستواها ثقافيا وادبيا. تشاهدين احيانا ان بعض الصحف لا تفهم اي شيء من المهنة، وتنشر كل شيء. وبعضها يتقصد تسويق الاسماء الهابطة، والثقافة الرديئة.

يبقى الاعلام مسؤولية، وعلى من يتصدى لهذه المهنة ان يعي دوره، وخطورة ما يقوم به، على مستقبل الثقافة. لذا نحن مع الصحافة المتزنه، التي تراعي ضوابط النشر، وتحترم الرأي الاخر، وتتيح هامشا كبيرا من الحرية، لكن بلا تجاوز واعتداء، وانما تتحول الى فضاء معرفي تتلاقح فيه الافكار.

س11: بانوراما: كيف تٌقّيم التعددية الثقافية في استراليا؟ هل فعلا كانت الأداة الفاعلة للنظام الديمقراطي الاسترالي في بناء مجتمع متوازن ومتناغم؟ ولماذا فشل العالم العربي في ان يفهم ويحترم التعددية الثقافية خصوصا في البلاد العربية التي فيها قوميات وألوان عرقية أخرى؟

ج11: بانوراما: لا اخفيك سيدتي الكريمة، اني مندهش بالتعددية الثقافية في استراليا؟ طالما تأملتها، وكلما اتأملها اتذكر قوله الرسول ص اختلاف امتي رحمة، بالفعل، ان الاختلاف في استراليا كان اداة للتكامل، وتطور المجتمع، ورقيه، فهو مجتمع انساني، لا يتعامل على اساس قومي او ديني او مذهبي. والدين يتوارى خلف ستار من القيم الانسانية. بينما الاختلاف في بلداننا كان سببا لاستباحة دماء الناس، بعد تفكيرهم.

الحياة هنا تقوم على اسس انسانية، والحياة في بلداننا تقوم على اسس دينية، او مذهبية، او قومية. والدين بفهمه المبتسر دينا مفرّقا، دينا لا يلامس حقيقة دين الله، وانما هو دين عصبة من رجال الدين، وفهما بشريا، يمارس الاقصاء والتهميش.

واضح التوازن في المجتمع الاسترالي، عكس ما تشاهده في مجتماعاتنا، التي تلهج بذكر الفوارق القومية والدينية.

والتوازن في استراليا يعود لسببين او ثلاثة، اولا ثقافة التسامح، وعي المجتمع، ورقابة السلطة.

القانون هنا صارم مع اي شخص يمارس تفرقة عنصرية او دينية، وجزاءه عقوبة قاسية جدا. وايضا لثقافة الشعب دور اساس في تبني تلك القيم، وعدم التفريط بها. احب اذكر قصة على التسامح الديني هنا. صديق ولدي حيدر، استرالي كاثوليكي، وابوه احد موظفي الكنيسة، وبالتالي فهي عائلة متشددة دينيا، ومحافظة. غير ان الابن تزوج من مسلمه ماليزية، واشترطت عليه ان يسلم، فاقتنع الشاب، واسلم وذهب الى ماليزيا وحيدر كان حاضرا في جميع المراسم هناك، التي تمت بالمسجد الماليزي، وعندما عادوا الى استراليا استقبلهم الاب والام بالترحاب والاحضان، فأي روح شفافه متسامحه هذه؟؟؟؟ ونحن لا نطيق الجلوس مع ابن ديننا، المخالف لنا مذهبا، على مائدة واحده خوفا من سريان نجاسته الينا!!!. بل ونحذر ابناءنا منه.!!!!!

***

حاوره: الأستاذة وداد فرحان

رئيسة تحرير صحيفة بانوراما الورقية في سيدني - أستراليا

12 – 12 – 2012م