بأقلامهم (حول منجزه)

بديعة النعيمي: نصوص "ماجد الغرباوي" ما بين المراوغة والرمز

دخل العراق بعد عام ٢٠٠٣ حالة استعمار جديدة حين ربضت مجنزرات الأمريكان في بغداد وبقية المدن العراقية،  بعد أن قامت بقصف البنى التحتية. فأصبح العراق بيئة خصبة لنشوء العصابات الإرهابية والسلطات الفاسدة وأنظمة المحاصصة،  فغابت العدالة الاجتماعية.

وقد كان لهذه التحولات السياسية الأثر الواضح في الأدب العراقي. حيث تغيرت ملامح النصوص الأدبية بع أن انعكست عليها تلك الأحداث.

ومن بين هذه النصوص كان لي الشرف أن تكون بيين يدي نصوص الكاتب والمفكر ماجد الغرباوي. هذه الشخصية التي لم ألتقيها حقيقة إلا من خلال صحيفة المثقف التي يمثل الغرباوي شخصيا مديرها الواعي والمدرك لها ولجميع كتابها على اختلافاتهم الإثنية والفكرية،  فكان الأب الحاني الذي يتلقى إبداعات أبنائه عن طريق إيميلاتهم بكل حب واحترام.

ماجد الغرباوي الباحث والمفكر الذي ولد في العراق ونشأ فيها ثم سافر إلى استراليا وأنشأ صحيفة المثقف في سيدني/أستراليا في العام ٢٠٠٦ عايش كما أبناء العراق الأحداث والحروب التب كانت العراق قد تورطت بها لذلك فكتابات الغرباوي لم تكن بعيدة عن التغيرات التي حدثت كما باقي كتاب العراق. لذلك نجده يكتب حياة العراقيين لكن بلغة مراوغة ومرمزة. مراوغة يرسو معظمها تحت السطح ويطفو ما أراد هو منها أن يطفو. بريئة من النظرة الأولى غير أنها تحمل الكثير خلف هذه البراءة. بعد فك مغاليقها وأسرارها سيجدها المتلقي تتمحور حول عذابات الإنسان وخاصة العراقي. في عالم موحش قوامه المركز الذي يتغول على الهامش، يتبرقع خلف أقنعة مختلفة الألوان والأشكال. ومرمزة برموز تعتبر أدوات تعبر عن أيديولوجيات عامة تؤطر الواقع وتبث رسالته في منظور فرداني تتشكل فيه رؤية الكاتب ومساحات إسقاطاته على النص في حلة المسكوت عنه. فالمراوغة من الأساليب التي استخدمها الكاتب في نصوصه ويرادفها الغموض أو الفراغ أو الصمت،  الذي يترك فيه الغرباوي للمتلقي آفاقا لفهم النص والتوصل إلى دلالته وحل ألغازه. وقد لاحظت من خلال تمحيصي بالنصوص أن الكاتب لجأ إلى توظيف تجاربه الحياتية بطريقة غامضة أو مراوغة،  فهو يفضح السلطة التي تتغول على لقمة المواطن وتكبح حرياته وتزدري المرأة وتحط من مكانتها. وبذلك يكون الغرباوي كما قلنا قد اقترب من عالم البشر ودافع عن المظلوم منهم، لكنه في الوقت نفسه أخفى أسرار صناعته السردية وعبر بطريقة غير مباشرة عن رغباته المكبوته وتطلعاته.

وبعد التدقيق بالنص الموسوم ب"اللاعب المخادع" نجده على الرغم من إيجازه إلا أنه يمثل متاهة سردية تقوم على التشتت والمراوغة التي تتطلب من المتلقي اليقظة للوصول إلى الرؤية الكلية التي يريد النص طرحها. فشخصية المعلم في هذا النص وبالرغم من أنها كانت مثالية بالنسبة للبطل "علي" إلا أن الغموض يلفها. حتى أن "عليا" تمنى أن يحل لغز هذا المعلم. لكن هذه الشخصية الغامضة تحولت بعد وقت إلى لاعب سيرك وظيفتها إضحاك الناس وارتكاب ما لم يرتكب من أجل كسب المال.. وقد وجدنا الغرباوي راوغ كثيرا واستخدم الرموز ليضلل المتلقي. فما الذي تمثله حقيقة شخصية المعلم؟ هل هو السياسي الذي يرتقي سلالم الدولة بكلامه المعسول ليتغول في النهاية على الشعب الذي أوصله هذه الدرجة؟ وهل علي يرمز إلى شريحة الشعب؟ ويستطيع المتلقي هنا التقاط مراوغة استخدمها الكاتب وهي نقد الواقع، حين طرح قضية سياسية.

فهذا النص كما عدد من النصوص لا يقتصر على إدانة ما أصاب العراقي من الذل والإهانة على أيدي السلطات المحلية التي أورثته الشعور بالدونية،  بل وتستعرض قضايا الرشوة والفساد وغياب القانون.

ومن المراوغات التي لجأ إليها الغرباوي اللغة الشعرية الرائقة التي تلفت الأنظار إليها لما تحمله من أفكار فلسفية تأملية. وخير مثال على ذلك النص الموسوم ب "حطام المسافات" ومنه اخترنا الفقرة الآتية عن البطلة " أرسلت حفنة أشوق معتقة، أجابتها الشجرة بباقة آهات حالمة. انتشرت كفراشات ملونة على سطح اللوحة الهامدة في زاوية الغرفة".

وفي سياق المراوغة السردية التي تهدف إلى التعميه عن الوصول المباشر إلى هذا الهدف،  ويضمن قضية تبدو مركزية عند ماجد الغرباوي وهي قضية المرأة وتهميشها في مجتمعاتنا.

ويتجلى هذا في النص الموسوم ب" أمنيات متلاشية" فعن الشخصية النسائية في النص "نادية" " كم كانت نادية نموذجا نسائيا رائعا،  آه كانت تتمتع بثقافة رفيعة، تعتقد أن من حقها أن تمارس حياتها بحرية، لم تخرج عن العادات والتقاليد....أحبت زميلها في الجامعة،  تمنت أن يكون شريك حياتها مستقبلا. أخطأت حينما باحت بسرها لأختها فكانت المأساة" فهذا المقتطف يشرح استبداد الآباء وتحكمهم بقرارات البنات. فكأن الكاتب أراد الانتصار للمرأة عن طريق الصرخات التي أطلقتها الشخصيات النسائية في النص.

والمدقق في نصوص الكاتب سيجد بأنها أرضية خصبة للرموز. فالكاتب قد يستخدم الرمز إذا اضطر إلى التصدي إلى نوع من القهر وخاصة حينما يكتب في الثالوث المحرم. لكن كاتبنا لم يلجأ لهكذا تقنية لأجل هذا السبب فهو غير مقيم في العراق ويكتب في بلد تتيح له الكتابة والخوض والتعبير عما وفيما يريد،  إنما كان هدفه أن لا يكون المتلقي مستهلكا للنص بل على العكس من ذلك، أراده فاعلا منتجا. فعلى سبيل المثال لا الحصر لو دققنا في الفقرة الآتيه الواردة في النص الموسوم ب " هاتف الفجر" " خرجتُ مسرعا بعد لقاء قصير،  تداولتُ فيه مع صديق حميم حديثا وديا،  حتى إذا خطوت عدة خطوات تبارت سهام تقذفني"...." استقر سهم في قلبي، فتبددت أحلامي" فالسهم هنا هو رمز، لكن ما الذي أراده الكاتب؟ هل السهم الذي أصابه في مقتل وهو القلب مكان المشاعر، هو الوطن"العراق" الذي قتل أحلامه؟ أم هو شخص قريب أم ماذا؟

لكن دعونا نأخذ مقتطفا آخر عن السهم "هل سيتحكم بنبضي أو يمسك شراييني؟"

"هل سيستبيح أسراري ومشاعري؟" "ليست الحياة أنا وأنت، هي قلبي حينما يصغي لآهات المتعبين ويواصل رحلته من أجل المعذبين". وهنا من الذي بتحكم بنبض الإنسان ويستبيح مشاعره؟ ثم لم جاء الكاتب على ذكر المتعبين والمعذبين؟.

هل يطرح هذا النص أحد رؤوس الثالوث المحرم وهو السياسية؟.

ولو انتقلنا للنص الموسوم ب" مرايا الحروف" وقرأنا مقتطف قصير عن شخصية تدعى "السيد الجليل" شخصية مسيطرة على عقول المساكين من الناس وتتغول على تعبهم "ذهلت من هول المشهد، صارعتني ارادات شتى،  أي سطوة لهذا الشخص على الناس؟ تبعته وهم يتدافقون من حوله، يتبركون بتقبيل يديه". فهل يطرح لنا الغرباوي رأس آخر من الثالوث وهو الدين؟ وكيف يتحكم رجل الدين الذي يتوارى بالدين بأناس بسطاء؟.

كما سعى الغرباوي من خلال نصوصه التي يحتاج كل نص منها إلى إفراد دراسة منفصلة ومطولة إلى تحرير عقل الإنسان من الجمود بهدف إحداث تغيير على مستوى المجتمعات وقد يلتقط المتلقي هذا الطرح من خلال النص الموسوم ب" قرار ارتجالي" تلخص بعبارة" أعاده رباطها الملفوف على رأسه إلى حيث كان يعيش" فالشخصية المقصودة في النص حاولت التغيير إلا أن الأفكار الجامدة التي تحف برأسه حالت دون ذلك التغيير وأعادته مكانته الأولى.

وبقي أن نقول أن نصوص الكاتب تمضي بنا نحو لذة الرؤية الممتنعة عن الظهور من القراءة الأولى،  فهي ليست مجرد نصوص سهلة الوصول بل تتطلب إعمال العقل في كل جزئية للوصول إلى الدلالة التي أراد الكاتب إيصالها كرسالة للمجتمع..

وأتمنى للأستاذ المقدر ماجد الغرباوي طول العمر والبقاء.

***

بديعة النعيمي – ناقدة وكاتبة / الأردن