أقلام حرة

فاضل الجاروش: الثورة بين الخبز والايديولوجيا‎

الثورة هي واقع تُنتجه الحاجة وليست فكرة تَّرَفية تُنتجها التوجهات السياسية أو الصراعات الدينية أو المذهبية او العنصرية القومية، لذلك فأن أي حراك جماهيري عام ستكون مقدماته مرتبطة بالخبز بالضرورة والا فإنه لن يكون ابدا حراكا شعبيا وانما حراكا شعبويا مؤدلجا علىٰ خلفيات سياسية أو دينية بدوافع مذهبية وفي أحيان أخرى بدوافع قومية عنصرية، ومن هنا فإن أي حراك أيديولوجي تحت اي من العناوين السابقة لن يتحول الى ثورة شعبية اطلاقا وانما إلى حراك شعبوي تسوقه مقدماته للانفصال عن الجماهير، مما يؤدي بالنتيجة إلى عنونة هذا الحراك بعناوين خاصة تجعل منه هدفا سهلا في مرمىٰ سهام السلطة الحاكمة ومن ثم الفشل المؤكدحيث أن الانفصال الأيديولوجي سيكون مرمىٰ لأسلحة مختلفة ستستخدمها السلطة الحاكمة ومن تلك الأسلحة

اولا: إسقاط ذريعة المحتجين باعتبارها ذريعة خاصة ذات بعد سياسي وسهولة تحويلهاإلى حراك مطلبي، وغالبا سينجح ذلك بالتفاوض مع المحتجين وتلبية بعض المطالب والتنازل عن بعضها وهذا في أفضل الحالات عندما يكون الحراك فعالا والسلطة الحاكمة ضعيفة نسبيا وغير قادرة على المواجهة بالعنف« احتجاجات التيار الصدري مثالا 31/5/2015 اول التظاهرات

13/11/2015 بمشاركة نشطاء مدنيين 26/2/2016 تجدد التظاهرات

11/3/2016 السيد مقتدى الصدر يطلق شعار « شلع قلع » ولأن هذا الشعار يُعد تحولا جوهريا في أهداف الحراك من المطلبي المتعلق بشكل إدارة العملية السياسية وإدارة الموارد والتوزيع العادل للثروة بما يوفر مستوى مقبول من الخدمات الأساسية إلى المطالبة بإسقاط رموز هذه العملية دون المساس بالنظام السياسي القائم مما خلق التباسا وشكوكا كبيرة عند قطاعات واسعة من المجتمع العراقي حول نوايا السيد الصدر باعتباره ركنا أساسيا في هذه العملية السياسية، وهذا ما ابقى هذا الحراك في مستوى شعبوي سياسي أيديولوجي وتاسيسا على شعار شلع قلع كان لابد من خطوة أكثر مُلائمةً مع هذا الشعار فكان أمر السيد مقتدى الصدر بالاعتصام المفتوح في

12/3/2016 ثم بعد ذلك وفي قرار مفاجئ أمر السيد مقتدى الصدر بفض الاعتصام بسبب تحوله إلى مهاترات سياسية داخل قبة البرلمان بحسب تعبيره

1/10/2019 اندلاع تظاهرات شعبية في ساحة التحرير بدفع من نشطاء مايسمى بالحراك المدني «خليط غير متجانس من العلمانيين في المستوى السياسي والفقراء في المستوى المطلبي » من ثم سرعان ماتضخمت هذه المظاهرات لتستجلب معها بعض العناوين العشائرية ومن ثم بعض العناوين الدينية على استحياء فقط ليظهروا بصورة الداعم من على المدرجات وبعد أن تأكدت السلطة الحاكمة من خلو الساحة من راعي أو رعاة أقوياء باشرت بضرب المتظاهرين والتنكيل بهم مما أوقع عددا كبيرا من الضحايا على مرأىٰ ومسمع من العالم، في هذه اللحظة الفارقة من عمر الانتفاضة لم يكن أمام المتظاهرين خيار آخر غير القبول بدخول التيار الصدري كشريك في هذا الحراك بعد أن كانوا قد رفضوا ذلك من البداية وطلبوا من السيد مقتدى الصدر أن لايركب موجة التظاهرات « بحسب تعبيرهم » وبالفعل دخل التيار بثقله في التظاهرات تحت عنوان حماية المتظاهرين « القبعات الزرقاء »

فرصة الاندماج كانت سانحة لكي تتحول هذه الانتفاضة الى ثورة يكون العامل المشترك والدافع فيها هو الخبز ولكن تجذر أيديولوجية الحقانية حالت دون ذلك مما أدى في النتيجة إلى انشقاق أدى إلى صدامات مماسهل على الضد النوعي اقتناص الفرصة للتنكيل بالتظاهرات وإلتشكيك بدوافعها وصولا إلى رمي المتظاهرين بتهم التخابر مع السفارات وتهم أخلاقية تم الإعداد لها في الغرف المظلمة مما جعل التظاهرات تمثل وصمة عار بنظر كثير من الطبقات الاجتماعية المحافظة بطبيعتها على أن ذلك لا ينفي ابداأن هناك ايادي ومحركات لهذه التظاهرات فالأمر لايخلوا من ذلك ولكنه أيضا لايضر بأصل فكرة الخروج على السلطة الغاشمة التي أوصلت المجتمع إلى اخر خياراته وهو الخروج إلى الشارع مما سيتيح حتما فرصة استثمار هذا الحراك من ايادي خارجية أو حتى داخلية ..

30/7/2022 اقتحام التيار الصدري قبة البرلمان ومانتج عن ذلك من استخدام القوة وسقوط أكثر من خمسين من الضحايا اثر اشتباكات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وصدور أمر السيد الصدر بالانسحاب، ومن تداعيات ذلك انسحاب التيار من العملية السياسية والانزواء عن العمل السياسي ..

ثانيا: سلاح الضد النوعي الذي سينشأ تلقائيا بسبب الخلافات الاجتماعية الدينية والسياسية وفي كثير من الأحيان الفوارق الطبقية والفارق في الإيرادات المالية وكذلك دور السلطة الحاكمة في دعم وتعزيز هذا الضد النوعي واستخدامه لإسقاط أي حراك منفصل عن الجماهير

ثالثا: الانفراد بالحراك الشعبوي ومحاولة القضاء عليه باستخدام العنف والتنكيل عندما تشعر السلطة الحاكمة بالقوة

رابعا: تطبيق القوانين وتفعيل القضاء لمواجهة هذا النوع من الاحتجاجات التي في الغالب لن تكون مصرح بها قانونيا حیث ستكون مكشوفة الظهر من هذه الناحية وفقدانهاالزخم الجماهيري بسبب العنوان السياسي الذي تعمل تحته مما يفقدها الشرعية الثورية اللازمة التي تفرض نفسها كواقع حال يسقط عنها مواجهة القضاء ويمنحها حصانة الأمر الواقع

خامسا: سهولة اختراقها سياسيا بسبب أن كثير ممن يشاركون في مثل هذه الاحتجاجات تحركهم الدوافع الشخصية لأهداف نفعية ..

لذلك كله فإن هذه الحركات ستبقى في إطار هذه الاحتمالات التي ستؤدي بها غالبا إلى الفشل أو أن تتحول هذه الحركات إلى الصدام المسلح أو أن تتحالف هذه الحركات مع المؤسسة العسكرية أو جزء منها لتتحول من حراك شعبوي إلى انقلاب عسكري أن تاريخ العراق مليئ بالاحداث والصراعات السياسية التي لم تكن يوما غير مقيدة أيديولوجيا لذلك بتقديري أننا في العراق لم نشهد حدوث ثورة شعبية بالمعنى الحقيقي انما كانت عبارة عن انتفاضات بدوافع مختلفة تحكمها ظروف المرحلة وهي غالبا كانت منفصلة عن المجتمع تحت عنوان خاص قومي. «حركات الانفصال الكردية مثالا» أو ديني مذهبي «الانتفاضة الشعبانية 1991 مثالا» حتى ثورة العشرين فإنها لم تكن خارج هذا الوصف فعندما يتحدث ابن الغربية عن ثورة العشرين فهي بالنسبة له تعني الشيخ ضاري وعندما يتحدث ابن الفرات الأوسط فأن هذه الثورة بالنسبة له تعني عبدالواحد سكر وشعلان ابو الجون !! ولن يخلو الأمر من البعد الديني وما يتعلق بفتوى الجهاد التي أصدرها المرجع الشيعي محمد تقي الشيرازي في 23 ربيع الاول1337هجري23/12/1918 نعم ربما تكون هذه الثورة من الثورات التي شذت عن القاعدة التي أتحدث عنها فقداختلط الخبز بالايديولوجيا ربما لسبب قاهر وهو أن السلطة كانت سلطة احتلال اجنبي.

***

فاضل الجاروش

 

في المثقف اليوم