أقلام حرة

علي حسين: عراق عبد الله الصراف

عندما قرر الراحل عبد الله الصراف أن يقدم مسكوكاته التي جمعها من شتى بقاع الأرض، إلى المتحف العراقي عام 1969، قالت له ابنته الشابة آنذاك ثريا الصراف: لماذا تريد إهداءها للمتحف إنها ثمينة؟! ضحك رجل الأعمال والتاجر الشهير، ليقول لها بهدوء إنه مكانها الطبيعي وستدركين بنفسك ذلك لاحقاً.. إنها للأجيال يا ثريا.. سيبقون يرونها دوماً هناك في المتحف العراقي وليس أي مكانٍ آخر.

رجل الأعمال العاشق للرسم والشعر والثقافة لم يكن يحلم بالشهرة ولا بالمكافأة، كان حلمه الوحيد الحفاظ على تراث العراق، هذا التراث الذي يتعرض كل يوم إلى سخرية من بعض ممتهني السياسة الذين يزعجهم كل شيء عراقي. رجل الأعمال الذي يتفنن باقامة المشاريع الناجحة، كان في الوقت نفسه سيرة حافلة بالمواقف الوطنية، وكتاباً غنياً لحقبة من الزمن الجميل.

ينتمي عبد الله الصراف إلى صف طويل من الذين يمثلون العراق الحقيقي، والذين أدركوا معنى أنهم يعيشون في بلد متنوع فسعوا إلى بنائه بالجد والعمل والحلم.. أقاموا الجامعات والمتاحف والمعامل، وبسبب من عقول أمثاله ووطنية رجال مثل ساسون حسقيل ومحمد رضا الشبيبي وجعفر العسكري وعبد المحسن السعدون والزهاوي ومحمد الصدر والكرملي وسواهم، بدأ العراق يأخذ مكانته واستحقاقه، لم يولد ضعيفاً، بل أخذ يتقدم الدول الأخرى، شريكاً وفاعلاً، وليس تابعاً كما يريد له البروفيسور في تغيير الكراسي نجاح محمد علي .

هل تعرفون من أعاد بناء قاعة عبد الله الصراف بعد عام 2022، ابنته ثريا التي كانت تستغرب وهي صغيرة من أن يضحي والدها بكل هذه الثروة النادرة ، فقررت أن تتكفل بكل مصاريف ترميم قاعة خاصة بمسكوكات والدها . تقول في حوار أجرته معها السيدة رجاء الشجيري ونشر في جريدة الصباح: "إن والدي كان يرعى هذه المسكوكات مثل واحدٍ من أولاده تماماً. وفعلاً بعد أنْ كبرت أدركت ما قاله لي والدي، رحمه الله، من أنَّ مكانها المناسب هو المتحف العراقي رابع أهم متحف في العالم، وأصبحت سعيدة جداً بقراره وما أراده".

أتذكّر سيرة عبد الله الصراف كلما عدت إلى ذكرى رجال خدموا العراق بعيداً عن الطائفية والمحسوبية، أتذكرهم وأنا أقرأ أخبار أثرياء العراق الجديد.

هذا هو وجه العراق الحقيقي، وجه صادق، أكثر اجتهاداً ومحبة لروح المواطنة، لا حديث عن الطائفة والمذهب، وإنما سجال عن عراقة العراق، ولهذا يظل عبد الله الصراف نموذجاً غريباً في عراق اليوم، فمن يريد عراقياً لا يتحدث بالمنفعة ونهب الاموال؟.

شكراً عائلة الصراف لأنك أثبتّمم لنا أنّ المكان والمكانة فقط لمواطنيين عراقيين يتبارون في حبّ هذه البلاد.

***

علي حسين

في المثقف اليوم