أقلام حرة
رشيد الخيّون: الشِّيعة وأوطانهم.. نهج الخوئي والفياض
رحل قبل أيام آية الله الشيخ إسحاق الفياض (1930-2026)، وهو أحد أكبر مراجع الشيعة بالنجف - العراق، كان هذا المرجع أفغانياً (من غزنة)، وعاش متنقلاً بين المراكز الدينية الشيعية بالعراق، وتدرَّج مِن تلميذ إلى أستاذ ومرجع، وقد ملأ طلبته البلدان، ومنهم الآن مِن المجتهدين الكبار، عاش طوال حياته بعيداً عن السياسة، ولا يرى لرجل الدين دوراً في السياسة، سائراً على نهج أستاذه أبي القاسم الخوئيّ (1992)، والأخير هو الآخر قدم إلى النجف من خوئ الإيرانيّة، لكن الاثنان عاشا شيعيين داخل العراق، ولم يتصدّرا للسياسة، لا مِن بعيد ولا من قريب، يفهمان أنَّ المذاهب أشمل وأكبر مِن الأوطان، فلا حدود جغرافية تفصل امتداد المذهب، بينما الأوطان لها حدود وقيود، لا تعبرها، مثل المذاهب والأديان.
تكشف حياة الفياض وأستاذه بالعراق، مع انحدارهما مِن أوطان أخرى، حتَّى قطعوا العلاقة بأصولهما الوطنيَّة لصالح المذهب، وكذلك غيرهما مِن مراجع الدين، فالوطن لا يهم بقدر ما يهمهم المذهب، وإنَّ تحدثوا أو طالبوا بحقوق وعدالة فيخصون بها المذهب، أين ما كان مِن بقاع الأرض، وحتَّى بعد الثورة الإيرانيَّة لم يكن لهما غير هذا المنحى.
جاءت الثورة الإيرانيَّة فكانت سياسية، صحيح هناك وجود للحركات شيعية، داخل العراق وإيران وغيرها مِن البلدان، إلا أنها كانت بحدودها الوطنية، لا تعبر جغرافيتها إلا لتقليدها بالتنظيمات والتحرك، لكن تأثراً بحركة «الإخوان» خرجت هذه التنظيمات خارج الحدود، متطلبة دولة الولاية، فصار كل تنظيم يعتمد على دعم الثورة الإيرانيّة، حتى انتقلت مراكز قياداتها إلى إيران.
هذا ما يخصّ الأحزاب والحركات السياسية الشيعية، أو ما يُعبر عنه بالإسلام السياسي الشيعي، ثم أخذت إيران تبحث عن قواعد خاصة بها، وفق عقيدة تصدير الثّّورة، وهذا ما هو معلن في دستور إيران الإسلاميَّة، أنَّ الجيش الإيراني هو جيش الإسلام، لا اعتبار للحدود الوطنيَّة أو الجغرافيَّة، لكن هل صار تجاوز الوطنيّة عاماً عند الشيعة، أم ظل محصوراً في الإسلام السِّياسيّ الشيعي، وليس الشيعة عامةّ؟ فخصوم التنظيمات المدعومة مِن إيران جلهم مِن الشيعة، والمثال بلبنان والعراق واضح، أي ظل التمييز بين حدود المذهب والوطن معلوماً، مع ما تقدمه إيران الثَّورة مِن إلحاح لإيجاد تنظيمات خاصة بها.
نعود إلى مثال الخوئي والفياض، والقاعدة العريضة التي تقلدهما، والموزعة على عدة أوطان، فليس أحدهما، أو مَن على مثالهما، أعلن نفسه مرشداً أو ولي فقيه بمعناها السياسي، وليس الولاية التشريعية المعروفة، ولم يتدخلا في إفتاء لشأن سياسي داخلي، مع أنَّ مصلحة المُقلِدين تهمها لكن جعلاها بحدودها الفقهية، أي مصلحة المذهب، أما الشأن السياسي والمعاشي فهذا يخصّ حكومات العصر. أما الولي الفقيه السياسي فتهمه السياسة قبل غيرها، فلا يفرق فيها بين الأفغاني والإيراني.
كتب كثيرون عن «صعود نجم الشيعة» رابطين ذلك بتاريخ الثورة الإيرانيَّة، لكن ما حصل هو صعود نهج سياسي، وبالتالي النجم الصاعد هو النجم الشيعي الإيراني الممثل بعقيدة ولاية الفقيه، غير المتفق عليها بين أئمة الشيعة، حتَّى داخل إيران نفسها، وإلا لو نأخذ وقائع أحوال الشيعة، قبل الثورة وبعدها، نجدهم قبلها كان تميزهم ضمن التمايزات الطائفية الأخرى، المتبقية مِن سياسات الدولة العثمانية، وما كان بينها وبين الدولة الصّفوية، لم ينظر لهم، مثلما الحال بعد الثّورة، بمنظار التحزب ضد أوطانهم، والقلق مِن تشكيل تنظيمات موالية، وفي حدة الصراعات يؤخذ الكثير بالقليل، فيبدو الشيعيّ، الذي تصرخ إيران بتمثيله أو بالدفاع عن حقوقه، غير موالٍ لوطنه، وكلما زاد الضغط خشية من التنظيم، فتحت إيران أبوابها بعذر الدفاع عنهم، وتقدم نفسها الحامية. وبهذا المعنى كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين كراسه «الوصايا»(2001)، يوصي أن يكون الشيعة على طريق الخوئي والفياض، امتداد المذهب لا السياسة، وما عبر عنه بولاية الأمة لا الثورة ولا الولي الفقيه.
***
رشيد الخيّون - كاتب عراقي







